الآية ٩١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩١ من سورة البقرة

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٩١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى : ( وإذا قيل لهم ) أي : لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب ( آمنوا بما أنزل الله ) [ أي ] : على محمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه واتبعوه ( قالوا نؤمن بما أنزل علينا ) أي : يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك ، ( ويكفرون بما وراءه ) يعني : بما بعده ( وهو الحق مصدقا لما معهم ) أي : وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم الحق ( مصدقا ) منصوب على الحال ، أي في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل ، فالحجة قائمة عليهم بذلك ، كما قال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) [ البقرة : 146 ] ثم قال تعالى : ( [ قل ] فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) أي : إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم ، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها ، وأنتم تعلمون صدقهم ؟

قتلتموهم بغيا [ وحسدا ] وعنادا واستكبارا على رسل الله ، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء ، والآراء والتشهي كما قال تعالى ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) [ البقرة : 87 ] .

وقال السدي : في هذه الآية يعيرهم الله تعالى : ( قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) وقال أبو جعفر بن جرير : قل يا محمد ليهود بني إسرائيل [ الذين ] إذا قلت لهم : آمنوا بما أنزل الله قالوا : ( نؤمن بما أنزل علينا ) : لم تقتلون إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم أنبياءه وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم ، بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم ، وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم : ( نؤمن بما أنزل علينا ) وتعيير لهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإذا قيل لهم)، وإذا قيل لليهود من بني إسرائيل - للذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم-: (آمنوا)، أي صدقوا,(بما أنـزل الله)، يعني بما أنـزل الله من القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، (قالوا: نؤمن)، أي نصدق,(بما أنـزل علينا)، يعني بالتوراة التي أنـزلها الله على موسى.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ويكفرون بما وراءه)، ويجحدون،" بما وراءه ", يعني: بما وراء التوراة.

* * * قال أبو جعفر: وتأويل " وراءه " في هذا الموضع " سوى ".

كما يقال للرجل المتكلم بالحسن: " ما وراء هذا الكلام شيء " يراد به: ليس عند المتكلم به شيء سوى ذلك الكلام.

فكذلك معنى قوله: (ويكفرون بما وراءه)، أي &; 2-349 &; بما سوى التوراة، وبما بعدها من كتب الله التي أنـزلها إلى رسله، (34) كما:- 1556 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ويكفرون بما وراءه)، يقول: بما بعده.

1557 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (ويكفرون بما وراءه)، أي بما بعده - يعني: بما بعد التوراة.

1558 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (ويكفرون بما وراءه)، يقول: بما بعده.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وهو الحق مصدقا)، أي: ما وراء الكتاب - الذي أنـزل عليهم من الكتب &; 2-350 &; التي أنـزلها الله إلى أنبيائه - الحق.

وإنما يعني بذلك تعالى ذكره القرآن الذي أنـزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، كما:- 1559 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، وهو القرآن.

يقول الله جل ثناؤه: (وهو الحق مصدقا لما معهم).

وإنما قال جل ثناؤه: (مصدقا لما معهم)، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا.

ففي الإنجيل والقرآن من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان به وبما جاء به, مثل الذي من ذلك في توراة موسى عليه السلام.

فلذلك قال جل ثناؤه لليهود - إذْ أخبرهم عما وراء كتابهم الذي أنـزله على موسى صلوات الله عليه، من الكتب التي أنـزلها إلى أنبيائه -: إنه الحق مصدقا للكتاب الذي معهم, يعني: أنه له موافق فيما اليهود به مكذبون.

قال: وذلك خبر من الله أنهم من التكذيب بالتوراة، على مثل الذي هم عليه من التكذيب بالإنجيل والفرقان, عنادا لله، وخلافا لأمره، وبغيا على رسله صلوات الله عليهم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بقوله: (قل فلم تقتلون أنبياء الله)، قل يا محمد، ليهود بني إسرائيل - الذين إذا قلت لهم: آمنوا بما أنـزل الله قالوا: نؤمن بما أنـزل علينا-: لم تقتلون = إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنـزل الله عليكم = أنبياءه، وقد حرم الله في الكتاب الذي أنـزل عليكم قتلهم, بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم؟

وذلك من الله جل ثناؤه تكذيب لهم في قولهم: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا وتعيير لهم، كما:- 1560 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال الله تعالى ذكره - وهو يعيرهم - يعني اليهود: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)؟

* * * فإن قال قائل: وكيف قيل لهم: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، فابتدأ الخبر على لفظ المستقبل, ثم أخبر أنه قد مضى؟

قيل: إن أهل العربية مختلفون في تأويل ذلك.

فقال بعض البصريين: معنى &; 2-351 &; ذلك: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل، كما قال جل ثناؤه: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [سورة البقرة: 102]، أي: ما تلت, (35) وكما قال الشاعر: (36) ولقــد أمــر عـلى اللئـيم يسـبني فمضيـــت عنــه وقلــت لا يعنينــي (37) يريد بقوله: " ولقد أمر " ولقد مررت.

واستدل على أن ذلك كذلك، بقوله: " فمضيت عنه ", ولم يقل: فأمضي عنه.

وزعم أن " فعل " و " يفعل " قد تشترك في معنى واحد, واستشهد على ذلك بقول الشاعر: (38) وإنــي لآتيكـم تَشَـكُّرَ مـا مضـى مـن الأمــر, واسْـتِيجابَ ما كان فـي غـد (39) يعني بذلك: ما يكون في غد، وبقول الحطيئة: شــهد الحطيئـة يـوم يلقـى ربـه أن الوليـــــد أحــــق بــــالعذر (40) &; 2-352 &; يعني: يشهد.

وكما قال الآخر: فمـــا أضحــي ولا أمســيت إلا أرانــــي منكـــم فـــي كَوَّفـــان (41) فقال: أضحي, ثم قال: " ولا أمسيت ".

* * * وقال بعض نحويي الكوفيين: إنما قيل: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، فخاطبهم بالمستقبل من الفعل، ومعناه الماضي, كما يعنف الرجل الرجل على ما سلف منه من فعل فيقول له: ويحك، لم تكذب؟

ولم تبغض نفسك إلى الناس؟

كما قال الشاعر: &; 2-353 &; إذا مــا انتسـبنا, لـم تلـدني لئيمـة ولـم تجـدي مـن أن تُقِـري بـه بُدَّا (42) فالجزاء للمستقبل, والولادة كلها قد مضت.

وذلك أن المعنى معروف, فجاز ذلك.

قال: ومثله في الكلام: " إذا نظرت في سيرة عمر، لم تجده يسيء ".

(43) المعنى: لم تجده أساء.

فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيه، لم يقع في الوهم أنه مستقبل.

فلذلك صلحت " من قبل " مع قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل).

قال: وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة, إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا, فتولوهم على ذلك ورضوا به، فنسب القتل إليهم.

(44) * * * قال أبو جعفر: والصواب فيه من القول عندنا، أن الله خاطب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل - بما خاطبهم في سورة البقرة وغيرها من سائر السور - بما سلف من إحسانه إلى أسلافهم, وبما سلف من كفران أسلافهم نعمه, وارتكابهم معاصيه, واجترائهم عليه وعلى أنبيائه, وأضاف ذلك إلى المخاطبين به، نظير قول العرب بعضها لبعض: فعلنا بكم يوم كذا كذا وكذا, وفعلتم بنا يوم كذا كذا وكذا - على نحو ما قد بيناه في غير موضع من كتابنا هذا -، (45) يعنون بذلك أن أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم، وأن أوائلنا فعلوا ذلك بأوائلكم.

فكذلك ذلك في قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، إذْ كان قد خرج على لفظ الخبر عن المخاطبين به خبرا من الله تعالى ذكره عن &; 2-354 &; فعل السالفين منهم - (46) على نحو الذي بينا - جاز أن يقال " من قبل "، إذْ كان معناه: قل: فلم يقتل أسلافكم أنبياء الله من قبل "؟

وكان معلوما بأن قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، إنما هو خبر عن فعل سلفهم.

* * * وتأويل قوله: (من قبل)، أي: من قبل اليوم.

* * * وأما قوله: (إن كنتم مؤمنين)، فإنه يعني: إن كنتم مؤمنين بما نـزل الله عليكم كما زعمتم.

وإنما عنى بذلك اليهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلافهم - إن كانوا وكنتم، كما تزعمون أيها اليهود، مؤمنين.

وإنما عيرهم جل ثناؤه بقتل أوائلهم أنبياءه، عند قولهم حين قيل لهم: آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا .

لأنهم كانوا لأوائلهم - الذين تولوا قتل أنبياء الله، مع قيلهم: نؤمن بما أنـزل علينا - متولين, وبفعلهم راضين.

فقال لهم: إن كنتم كما تزعمون مؤمنين بما أنـزل عليكم, فلم تتولون قتلة أنبياء الله؟

أي: ترضون أفعالهم.

(47) ---------------- الهوامش: (34) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 60 .

(35) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 60 - 61 .

(36) هو رجل من بني سلول .

(37) سيبويه 1 : 416 ، الخزانة 1 : 173 ، وشرح شواهد المغني : 107 وغيرها كثير .

وروايتهم جميعا"ثمت قلت" .

وبعده بيت آخر : غضبــان ممتلئــا عــلي إهابـه إنــي وربــك سـخطه يـرضيني (38) هو الطرماح بن حكيم الطائي .

(39) ديوانه : 146 ، وسيأتي في 4 : 97 (بولاق) ، وحماسة البحتري : 109 ، واللسان (كون) وقد كان في هذا الموضع"بشكرى" ، وهو خطأ ، سيأتي من رواية الطبري على الصواب .

وروى اللسان : "واستنجاز ما كان" .

وصواب الرواية : "فإني لآتيكم" فإنه قبله : مــن كــان لا يـأتيك إلا لحاجـة يـروح بهـا فيمـا يـروح ويغتـدى فـــــإني لآتيكـــــم .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

(40) ديوانه : 85 ، ونسب قريش : 138 ، والاستيعاب : 604 ، وأنساب الأشراف 5 : 32 ، وسمط اللآلئ : 674 .

قالها الحطيئة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وكان من رجالات قريش همة وسخاء .

استعمله أبو بكر وعمر وعثمان ، فلما كان زمان عثمان ، رفعوا عليه أنه شرب الخمر ، فعزله عثمان وجلده الحد ، وكان لهذا شأن كبير ، فقال الحطيئة يعذره ويمدحه ، ويذكر عزله : شــهد الحطيئـة حـين يلقـى ربـه أن الوليـــد أحـــق بـــالعذر خــلعوا عنــانك إذ جـريت, ولـو تركــوا عنـانك لـم تـزل تجـري ورأوا شـــمائل مـــاجد أنــف يعطــي عــلى الميسـور والعسـر فــنزعت, مكذوبــا عليـك, ولـم تــردد إلــى عــوز ولا فقـــر قال مصعب بن عبد الله الزبيري في نسب قريش : "فزادوا فيها من غير قول الحطيئة : نــادى وقــد تمــت صلاتهــم أأزيـــدكم? ثمـــلا ولا يــدري لــيزيدهم خمســا, ولــو فعلـوا مــرت صلاتهــم عــلى العشـر وقد أكثر الناس فيما كان من خبر الوليد ، وما كان من شعر الحطيئة فيه .

وهذا نص من أعلم قريش بأمر قريش ، على أن البيتين قد نحلهما الحطيئة ، متكذب على الوليد ، لما كان له في الشأن في أمر عثمان رضي الله عنه .

ولقد جلد الوليدبن عقبة مكذوبا عليه كما قال الحطيئة ، فاعتزل الناس .

وروى أبو العباس المبرد في التعازي والمراثي (ورقة : 196) قال : : "قال الوليد بن عقبة عند الموت ، وهو بالبليخ من أرض الجزيرة : "اللهم إن كان أهل الكوفة صدقوا على ، فلا تلق روحي منك روحا ولا ريحانا ، وإن كانوا كذبوا على فلا ترضهم بأمير ولا ترض أميرا عنهم .

انتقم لي منهم ، واجعله كفارة لما لا يعلمون من ذنوبي" .

فليت أهل الشر كفوا ألسنتهم عن رجل من عقلاء الرجال وأشرافهم .

(41) لم أعرف قائله ، وهو في اللسان (كوف) والصاحبي : 187 .

والكوفان (بتشديد الواو) : الاختلاط والشدة والعناء .

يقال : إنا منه في كوفان ، أي في عنت وشقاء ودوران واختلاط .

(42) سلف تخريجه في هذا الجزء 2 : 165 .

(43) في معاني القرآن للفراء : "لم يسئ" ، بحذف"تجده" .

(44) في المطبوعة : "فتلوهم على ذلك ورضوا .

فنسب .

.

" ، والصواب ما أثبته من معاني القرآن للفراء 1 : 60 - 61 ، وهذا الذي نقله الطبري هو نص كلامه .

(45) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 302 تعليق : 1 والمراجع .

(46) في المطبوعة : "وإن كان قد خرج على لفظ الخبر .

.

" ، والصواب : "إذ .

.

" كما أثبته .

(47) في المطبوعة : "أي وترضون .

.

" بزيادة واو لا خير فيها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين قوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا أي صدقوا بما أنزل الله يعني القرآن قالوا نؤمن أي نصدق بما أنزل علينا يعني التوراة .

ويكفرون بما وراءه أي بما سواه ، عن الفراء .

وقتادة : بما بعده ، وهو قول أبي عبيدة ، والمعنى واحد .

قال الجوهري : وراء بمعنى خلف ، وقد تكون بمعنى قدام .

وهي من الأضداد ، قال الله تعالى : وكان وراءهم ملك أي أمامهم ، وتصغيرها وريئة ( بالهاء ) وهي شاذة .

وانتصب " وراءه " على الظرف .

قال الأخفش : يقال لقيته من وراء ، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما وهو غير متمكن ، كقولك : من قبل ومن بعد ، وأنشد :إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء[ ص: 30 ] قلت : ومنه قول إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة : ( إنما كنت خليلا من وراء وراء ) .

والوراء : ولد الولد أيضا .قوله تعالى : وهو الحق ابتداء وخبر .

مصدقا حال مؤكدة عند سيبويه .

لما معهم ما في موضع خفض باللام ، و " معهم " صلتها ، و " معهم " نصب بالاستقرار ، ومن أسكن جعله حرفا .قوله تعالى : قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم ، وتكذيب منه لهم وتوبيخ ، المعنى : فكيف قتلتم وقد نهيتم عن ذلك !

فالخطاب لمن حضر محمدا صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم .

وإنما توجه الخطاب لأبنائهم ; لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا ، كما قال : ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم .

وقيل : لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم .

وجاء تقتلون بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله : من قبل .

وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل ، والمستقبل بمعنى الماضي ، قال الحطيئة :شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذرشهد بمعنى يشهد .إن كنتم مؤمنين أي إن كنتم معتقدين الإيمان فلم رضيتم بقتل الأنبياء !

وقيل : إن بمعنى ما ، وأصل " لم " لما ، حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر ، ولا ينبغي أن يوقف عليه ; لأنه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا ، وإن وقف عليه بالهاء زيد في السواد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وإذا أمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله, وهو القرآن استكبروا وعتوا, و { قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } أي: بما سواه من الكتب، مع أن الواجب أن يؤمن بما أنزل الله مطلقا, سواء أنزل عليهم, أو على غيرهم, وهذا هو الإيمان النافع, الإيمان بما أنزل الله على جميع رسل الله.

وأما التفريق بين الرسل والكتب, وزعم الإيمان ببعضها دون بعض, فهذا ليس بإيمان, بل هو الكفر بعينه, ولهذا قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا } ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا ردا شافيا, وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه, فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال: { وَهُوَ الْحَقُّ } فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات, والأوامر والنواهي, وهو من عند ربهم, فالكفر به بعد ذلك كفر بالله, وكفر بالحق الذي أنزله.

ثم قال: { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ } أي: موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه.

فلم تؤمنون بما أنزل عليكم, وتكفرون بنظيره؟

هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى؟

وأيضا, فإن كون القرآن مصدقا لما معهم, يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب, قلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به، فإذا كفروا به وجحدوه, صاروا بمنزلة من ادعى دعوى بحجة وبينة ليس له غيرها, ولا تتم دعواه إلا بسلامة بينته, ثم يأتي هو لبينته وحجته, فيقدح فيها ويكذب بها; أليس هذا من الحماقة والجنون؟

فكان كفرهم بالقرآن, كفرا بما في أيديهم ونقضا له.

ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله: { قُلْ } لهم: { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} يعني القرآن.

{قالوا نؤمن بما أنزل علينا} يعني التوراة، يكفينا ذلك.

{ويكفرون بما وراءه} أي بما سواه من الكتب كقوله عز وجل {فمن ابتغى وراء ذلك} [7-المؤمنون] أي سواه، وقال أبو عبيدة: "(بما وراءه) أي: بما سواه من الكتب".

{وهو الحق} يعني القرآن.

{مصدقاً} نصب على الحال.

{لما معهم} من التوراة.

{قل} لهم يا محمد.

{فلم تقتلون} أي قتلتم.

{أنبياء الله من قبل} ولم: أصله لما فحذفت الألف فرقاً بين الجر والاستفهام كقولهم فيمَ وبِمَ؟.

{إن كنتم مؤمنين} بالتوراة، وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء عليهم السلام.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قيل لهم آمِنوا بما أنزل الله» القرآن وغيره «قالوا نؤمن بما أنزل علينا» أي التوراة قال تعالى: «ويكفرون» الواو للحال «بما وراءه» سواه أو بعده من القرآن «وهو الحق» حال «مصدقاً» حال ثانية مؤكدة «لما معهم قل» لهم «فلم تقتلون» أي قتلتم «أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين» بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتلهم والخطاب للموجودين في زمن نبينا بما فعل آباؤهم لرضاهم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا قال بعض المسلمين لليهود: صدِّقوا بما أنزل الله من القرآن، قالوا: نحن نصدِّق بما أنزل الله على أنبيائنا، ويجحدون ما أنزل الله بعد ذلك، وهو الحق مصدقًا لما معهم.

فلو كانوا يؤمنون بكتبهم حقًا لآمنوا بالقرآن الذي صدَّقها.

قل لهم -يا محمد-: إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم، فلماذا قتلتم أنبياء الله مِن قبل؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

معنى الآيات الكريمة .

أن اليهود المعاصرين للعهد النبوي كانوا إذا عرض عليهم الإِيمان بما أنزل الله من القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم أجابوا بقولهم : نؤمن بما أنزل علينا وهو التوراة التي أنزلها الله - تعالى - على موسى ، ويجحدون غيرها وهو القرآن الكريم المصدق لها في الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكذبهم في دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم فقال : ( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) بالتوراة فإنها تنهاكم عن قتلهم ثم كذبهم القرآن الكريم مرة أخرى فقال : ( وَلَقَدْ جَآءَكُمْ موسى بالبينات ) أي : بالآيات الواضحات الدالة على صدقه ، ولكنكم ( اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ ) أي : من بعد ذهابه لميقات ربه ( وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ) لعبادتكم غير الله تعالى .ثم كذبهم القرآن الكريم - في دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم - بصورة أخرى سوى ما سبقها فقال تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ) وقلنا لكم : ( خُذُواْ مَآ ءاتيناكم - من التوراة - بِقُوَّةٍ ) أي بجد حزم ( واسمعوا ) ما أمرتم به فيها سماع تدبر وطاعة .

ولكن أسلافكم الذين أنتم على شاكلتهم قالوا لنبيهم : ( سَمِعْنَا ) قولك ( وَعَصَيْنَا ) أمرك .

وخالط حب العجل قلوبهم كما يخالط الماء أعماق البدن ، وكل هذه الأفاعيل منكم لا تناسب دعواكم الإِيمان بما أنزل إليكم ، وإذا فبئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون ، فالواقع أن التوراة بريئة من أعمالكم ، وأنتم بعيدون عن الإِيمان بها .وقوله تعالى : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) تصوير لنوع آخر من قبائح اليهود ، وإخبار عن إعراضهم عن الحق بدعوى أنهنم مكلفون بعدم الإِيمان إلا بما أنزل الله على موسى وهو التوراة .والمقصود ( بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) القرآن الكريم .

ولم يذكر المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم للعلم به أو للتنبيه على أن وجوب الإِيمان بالكتاب ، يكفى فيه العلم بأنه منزل من عند الله - تعالى - ومتى استقر في النفس أن القرآن الكريم من عند الله ، استتبع ذلك استحضاراً أنه أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .وقولهم : ( بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) معناه : نؤمن بالتوراة التي أنزلها الله على نبينا موسى دون غيرها مما أنزله الله عليك - يا محمد- ، وجوابهم هذا يدل على غبائهم وعنادهم .

لأن الداعي لهم إلى الإِيمان ، يطلب منهم أن يؤمنوا بكل ما أنزل الله من الكتب السماوية ، ولكنهم قيدوا أنفسهم بالإِيمان ببعض ما أنزل الله وهو ما أنزل عليهم ، فلم يكن إيمانهم مطابقاً لما أمر الله به وهو التصديق بجميع الكتب السماوية ، ولا شك أن من آمن ببعض الكتب السماوية وكفر ببعضها يكون كافراً بجميعها .وقوله تعالى : ( وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ) قصد به بيان التصريح بكفرهم بالقرآن الكريم بعد أن لمحوا بذلك في قولهم : ( نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) والضمير في ( وَرَآءَهُ ) يعود على ( ِبمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) المكنى به عن التوراة ، أي : قالوا نؤمن بما أنزل علينا والحال أنهم يكفرون بما سوى التوراة أو بما بعدها وهو القرآن الكريم .قال ابن جرير - رحمه الله - : " وتأويل وراء في هذا الموضع : سوى ، كما يقال للرجل المتلكم باحسن ما وراء هذا الكلام الحسن شيء .

يراد به : ليس من عند المتكلم به شيء سوى ذلك الكلام ، فكذلك معنى قوله تعالى : ( وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ) أي بما سوى التوراة ، وبما بعده من كتب الله التي أنزلها على رسله " .والضمير " هو " في قوله تعالى : ( وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ) يعود إلى القرآن الكريم المكني عنه بقوله " بما وراءه " والحق : الحكم المطابق للواقع .

ووصف به القرآن الكريم لاشتماله على الأحكام المطابقة للواقع .ومعنى كون القرآن مصدقاً لما مع اليهود وهو التوراة ، أنه يدل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم .

وبهذا كان مؤيداً للتوراة التي بشرت بالنبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له نعوتاً لا تنطبق إلا عليه ، وبذلك يكون اليهود الذين يدعون الإِيمان بما أنزل عليهم كاذبين في دعواهم ، لأنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي بِشرت به توراتهم وأمرتهم بالإيمان به وأيدها القرآن الكريم في ذلك .قال صاحب الكشاف : وفي قوله تعالى : ( وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ) رد لمقالتهم ( نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) لأنهم إذ كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها " .ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم ويبطل دعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم بدليل إلزامي فقال تعالى : ( فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين إذا دعوتهم إلى الإيمان بك قالوا .

( نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) قل لهم : إن كنتم حقاً مؤمنين بما أنزل عليكم وهو التوراة ، فلأي شيء تقتلون أنبياء الله مع أن التوراة تحرم عليكم قتلهم ، بل هي تأمركم باتباعهم وتصديقهم وطاعتهم لأنه أرسلهم لهدايتكم وسعادتكم .إن قتلكم لهم أكبر دليل على أنكم لم تؤمنوا لا بما أنزل عليكم ، ولا بغيره وأنكم كاذبون في مدعاكم لأن جميع ما أنزل الله من وحي يحرم قتل الأنبياء ، ويأمر الناس باتباعهم وطاعتهم .ويرجع معنى الآية إلى نفي فعل الشرط وهو كونهم مؤمنين ، إذ لا وجه لقتلهم الأنبياء إلا عدم إيمانهم بالتوراة ، وهذا كما تريد أن تنفي عن جرل العقل لفعله ما ليس من شأنه أن يصدر من عاقل ، فتقول له : إن كنت عاقلا فلم فعلت كذا؟

أي أنت لست بعاقل .والفاء في قوله تعالى : ( فَلِمَ تَقْتُلُونَ ) واقعة في جواب محذوف دل عليه ما بعده ، والتقديرر إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم فلم تقتلون أنبياء الله - تعالى - .والإِتيان بالمضارع في قوله - تعالى - : ( تَقْتُلُونَ ) مع أن القتل للأنبياء وعق من أسلافهم بقرينة قوله تعالى : ( مِن قَبْلُ ) لقصد استحضار تلك الجناية الشنيعة ، وللتنبيه على أن ارتكابهم لتلك الجريمة البشعة يتجدد ويقع منهم المرة تلو الأخرى ، وللإِشعار بأن الخلف يمشون على عماية السلف ، في التعدي والعصيان ، فلقد حاول اليهود المعاصرون للعهد النبوي قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الله - تعالى - عصمه منهم ، ونجاه من مكرهم .وأضاف سبحانه - الأنبياء إليه فقال : ( أَنْبِيَآءَ الله ) للتنبيه على شرفهم العظيم ، وللدلالة على فظاعة عصيان اليهود واجتراحهم المنكر ، إذ قابلوا بالقتل من يجب عليهم أن يقابلوهم بالتصديق والتوقير والطاعة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا النوع أيضاً من قبائح أفعالهم: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يعني به اليهود: ﴿ آمنوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ أي بكل ما أنزل الله، والقائلون بالعموم احتجوا بهذه الآية على أن لفظة ما بمعنى الذي تفيد العموم، قالوا: لأن الله تعالى أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك ولولا أن لفظة ما تفيد العموم لما حسن هذا الذم، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أمروا بذلك: ﴿ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا ﴾ يعني بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه وهو الإنجيل والقرآن.

وأورده هذه الحكاية عنهم على سبيل الذم لهم وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم آمنوا بما أنزل الله إلا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلاً من عند الله وإلا كان ذلك تكليف ما لا يطاق وإذا دل الدليل على كونه منزلاً من عند الله وجب الإيمان به، فثبت أن الإيمان ببعض ما أنزل الله دون البعض تناقض.

أما قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الحق مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ ﴾ فهو كالإشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيانه من وجهين: الأول: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الحق ﴾ أنه لما ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات التي ظهرت عليه، إنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجباً لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال.

الثاني: ما دل عليه قوله: ﴿ مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ ﴾ وتقريره من وجهين: الأول: أن محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علماً ولا استفاد من أستاذ، فلما أتى بالحكايات والقصص موافقة لما في التوراة من غير تفاوت أصلاً علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من الوحي والتنزيل.

الثاني: أن القرآن يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته، وإلا لم يكن القرآن مصدقاً للتوراة بل مكذباً لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد عليه الصلاة والسلام.

أما قوله تعالى: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء الله مِن قَبْلُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه سبحانه وتعالى بين من جهة أخرى أن دعواهم كونهم مؤمنين بالتوراة متناقضة من وجوه أخر، وذلك لأن التوراة دلت على أن المعجزة تدل على الصدق ودلت على أن من كان صادقاً في ادعاء النبوة فإن قتله كفر، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام كفراً فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة.

المسألة الثانية: هذه الآية دالة على أن المجادلة في الدين من حرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ﴾ وإن كان خطاب مشافهة لكن المراد من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه، أحدها: أن الأنبياء في ذلك الزمان ما كانوا موجودين.

وثانيها: أنهم ما أقدموا على ذلك.

وثالثها: أنه لا يتأتى فيه من قبل.

فأما المراد به الماضي فظاهر لأن القرينة دالة عليه.

فإن قيل قوله: ﴿ ءامَنُواْ ﴾ خطاب لهؤلاء الموجودين: ﴿ ولم تَقْتُلُونَ ﴾ حكاية فعل أسلافهم فكيف وجه الجمع بينهما؟

قلنا معناه: أنكم بهذا التكذيب خرجتم من الإيمان بما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بالباقين.

المسألة الرابعة: يقال كيف جاز قوله: لم تقتلون من قبل ولا يجوز أن يقال: أنا أضربك أمس؟

والجواب فيه قولان.

أحدهما: أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله: ويحك لم تكذب؟

كأنك قلت: لم يكن هذا من شأنك.

قال الله تعالى: ﴿ واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين  ﴾ ولم يقل ما تلت لأنه أراد من شأنها التلاوة.

والثاني: كأنه قال: لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم بالتوراة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

(ما) نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس شيئاً ﴿ اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾ والمخصوص بالذم ﴿ أَن يَكْفُرُواْ ﴾ واشتروا بمعنى باعوا ﴿ بَغْياً ﴾ حسداً وطلباً لما ليس لهم، وهو علة اشتروا ﴿ أَن يُنزِّلَ ﴾ لأن ينزل أو على أن ينزل، أي حسدوه على أن ينزّل الله ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ الذي هو الوحي ﴿ على مَن يَشَاء ﴾ وتقتضي حكمته وإرساله ﴿ فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ ﴾ فصاروا أحقاء بغضب مترادف، لأنهم كفروا بنبيّ الحق وبغوا عليه.

وقيل: كفروا بمحمد بعد عيسى.

وقيل: بعد قولهم عزيرُ ابن الله، وقولهم: (يد الله مغلولة)، وغير ذلك من أنواع كفرهم ﴿ بِمَا أنزَلَ الله ﴾ مطلق فيما أنزل الله من كل كتاب ﴿ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا ﴾ مقيد بالتوراة ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ ﴾ أي قالوا: ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة ﴿ وَهُوَ الحق مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ ﴾ منها غير مخالف له، وفيه ردّ لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادّعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوّغ قتل الأنبياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ يَعُمُّ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ بِأسْرِها.

﴿ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ أيْ بِالتَّوْراةِ ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قالُوا، ووَراءَ في الأصْلِ جُعِلَ ظَرْفًا، ويُضافُ إلى الفاعِلِ فَيُرادُ بِهِ ما يَتَوارى بِهِ وهو خَلْفَهُ، وإلى المَفْعُولِ فَيُرادُ بِهِ ما يُوارِيهِ وهو قُدّامَهُ، ولِذَلِكَ عُدَّ مِنَ الأضْدادِ.

﴿ وَهُوَ الحَقُّ ﴾ الضَّمِيرُ لِما وراءَهُ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ ﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ تَتَضَمَّنُ رَدَّ مَقالِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا كَفَرُوا بِما يُوافِقُ التَّوْراةَ فَقَدْ كَفَرُوا بِها ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ اعْتِراضٌ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ مَعَ ادِّعاءِ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ والتَّوْراةُ لا تُسَوِّغُهُ، وإنَّما أسْنَدَهُ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ فِعْلُ آبائِهِمْ، وأنَّهم راضُونَ بِهِ عازِمُونَ عَلَيْهِ.

وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ « أنْبِئاءَ اللَّهِ» مَهْمُوزًا في جَمِيعِ القُرْآنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} لهؤلاء اليهود {آمِنُواْ بِمَا أنزل الله} يعنى القرآن أو هو مطلق بتناول كل كتاب {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} أى

البقرة (٩١ _ ٩٤)

التوراة {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ} أي قالوا ذلك والحال ٢ أنهم يكفرون بما وراء التوراة {وَهُوَ الحق مُصَدِّقًا لّمَا مَعَهُمْ} غير مخالف له وفيه رد لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ومصدقا حال مؤكدة {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ الله} أي فلم قتلتم فوضع المستقبل موضع الماضي ويدل عليه قوله {مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي من قبل محمد عليه السلام اعتراض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء قيل قتلوا في يوم واحد ثلثمائة نبي في بيت المقدس

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ ظَرْفٌ لِقالُوا، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ”قالُوا قُلُوبَنا غَلَّفَ“ ولا غَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِالقائِلِ، فَلِذا بُنِيَ الفِعْلُ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: سائِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إجْراءً لِما عَلى العُمُومِ، ومَعَ هَذا جُلُّ الغَرَضِ الأمْرُ بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ، لَكِنْ سَلَكَ مَسْلَكَ التَّعْمِيمِ مِنهُ، إشْعارًا بِتَحَتُّمِ الِامْتِثالِ مِن حَيْثُ مُشارَكَتُهُ لِما آمَنُوا بِهِ فِيما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ومُوافَقَتُهُ لَهُ في المَضْمُونِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإيمانَ بِما عَداهُ مِن غَيْرِ إيمانٍ بِهِ لَيْسَ إيمانًا بِما أنْزَلَ اللَّهُ، ﴿ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ أيْ نَسْتَمِرُّ عَلى الإيمانِ بِالتَّوْراةِ، وما في حُكْمِها مِمّا أُنْزِلَ لِتَقْرِيرِ حُكْمِها، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يُنْزِلُ الكُتُبُ إلّا هو سُبْحانَهُ، ولِجَرَيانِ ذِكْرِهِ في الخِطابِ، ومُرادُهم بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إمّا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو الظّاهِرُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ كانَ بَغْيًا وحَسَدًا عَلى نُزُولِهِ عَلى مَن لَيْسَ مِنهُمْ، وإمّا أنْفُسِهِمْ، ومَعْنى الإنْزالِ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفُهم بِما في المُنَزَّلِ مِنَ الأحْكامِ، وذُمُّوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِما فِيها مِنَ التَّعْرِيضِ بِشَأْنِ القُرْآنِ، ودَسائِسُ اليَهُودِ مَشْهُورَةٌ، أوْ لِأنَّهم تَأوَّلُوا الأمْرَ المُطْلَقَ العامَّ، ونَزَّلُوهُ عَلى خاصٍّ، هو الإيمانُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، كَما هو دَيْدَنُهم في تَأْوِيلِ الكِتابِ الصَّغِيرِ المُرادِ مِنهُ، ﴿ ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى قالُوا، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ اسْتِغْرابًا لِلْكُفْرِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ العِلْمِ بِحَقِّيَّتِهِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُفْرَهم مُسْتَمِرٌّ إلى زَمَنِ الإخْبارِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، وعَلَيْهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا إمّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ وُقُوعَ المُضارِعِ المُثْبَتِ حالًا مَعَ الواوِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ أيْ: وهم يَكْفُرُونَ، والتَّقْيِيدُ بِالحالِ حِينَئِذٍ لِإفادَةِ بَيانِ شَناعَةِ حالِهِمْ، بِأنَّهم مُتَناقِضُونَ في إيمانِهِمْ، لِأنَّ كُفْرَهم بِما وراءَهُ حالَ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الإيمانِ بِهِ، وهَذا أدْخَلُ في رَدِّ مَقالَتِهِمْ، ولِهَذا اخْتارَ هَذا الوَجْهَ بَعْضُ الوُجُوهِ، ووَراءٌ في الأصْلِ مَصْدَرٌ لِاشْتِقاقِ المُواراةِ، والتَّوارِي مِنهُ، والمَزِيدُ فَرْعُ المُجَرَّدِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِعْلُهُ المُجَرَّدُ أصْلًا، ثُمَّ جُعِلَ ظَرْفَ مَكانٍ، ويُضافُ إلى الفاعِلِ، فَيُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، وإلى المَفْعُولِ، فَيُرادُ بِهِ الفاعِلُ، أعْنِي السّائِرَ، ولِصِدْقِهِ عَلى الضِّدَّيْنِ الخَلْفِ والأمامِ عُدَّ مِنَ الأضْدادِ، ولَيْسَ مَوْضُوعًا لَهُما، وفي المُوازَنَةِ لِلْأُمَوِيِّ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنها، وإنَّما هو مِنَ المُواراةِ، والِاسْتِتارِ فَما اسْتَتَرَ عَنْكَ فَهو وراءٌ خَلْفًا كانَ أوْ قُدّامًا، إذا لَمْ تَرَهُ، فَأمّا إذا رَأيْتَهُ فَلا يَكُونُ وراءَكَ، والمُرادُ هُنا بِما بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ بِما سِواهُ، وبِهِ فُسِّرَ ﴿ وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ وأُرِيدَ بِهِ القُرْآنُ كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقالَ الواحِدِيُّ: هو والإنْجِيلُ، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِما وراءَهُ باطِنُ مَعانِي ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الَّتِي هي وراءَ ألْفاظِها، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ إيمانَهم بِظاهِرِ اللَّفْظِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إلّا أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الباطِنِ القُرْآنُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

﴿ وهُوَ الحَقُّ ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ لِما وراءَهُ حالٌ مِنهُ، وقِيلَ: مِن فاعِلِ (يَكْفُرُونَ)، والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ المُقْتَرِنَةُ بِالواوِ لا يَلْزَمُ أنْ يَعُودَ مِنها ضَمِيرٌ إلى ذِي الحالِ، كَجاءَ زَيْدٌ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، وعَلى فَرْضِ اللُّزُومِ يُنَزَّلُ وُجُودُ الضَّمِيرِ فِيما هو مِن تَتِمَّتِها مَنزِلَةَ وُجُودِهِ فِيها، والمَعْنى: وهم مُقارِنُونَ لِحَقِّيَّتِهِ أيْ عالِمُونَ بِها، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ مِن كُفْرِهِمْ بِما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ، والأوَّلُ أوْلى لِظُهُورِهِ، ولا تَفُوتُ تِلْكَ الأبْلَغِيَّةُ عَلَيْهِ أيْضًا، إذْ تَعْرِيفُ الحَقِّ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ مُسَلَّمُ الِاتِّصافِ بِهِ، مَعْرُوفُهُ مِن قَبِيلِ: والِدُكَ العَبْدُ، في فَيُفِيدُ أنَّ كُفْرَهم بِهِ كانَ لِمُجَرَّدِ العِنادِ، وقِيلَ: التَّعْرِيفُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّجْهِيلِ بِمَعْنى أنَّهُ خاصَّةً الحَقَّ الَّذِي يُقارِنُ تَصْدِيقَ كِتابِهِمْ، ولَوْلا الحالُ أعْنِي مُصَدِّقًا لَمْ يَسْتَقِمِ الحَصْرُ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ كِتابِهِمْ، وهو حَقٌّ أيْضًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ ولَوْ لُوحِظَ الحالُ بِناءً عَلى تَخْصِيصِ ذِي الضَّمِيرِ بِالقُرْآنِ، لِأنَّ الإنْجِيلَ حَقٌّ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ أيْضًا، نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ بِالحَقِّ الثّابِتُ المُقابِلُ لِلْمَنسُوخِ لاسْتَقامَ الحَصْرُ مُطْلَقًا، إلّا أنَّهُ بَعِيدٌ، ﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ تَعالى يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا، فالتَّصْدِيقُ لازِمٌ لا يَنْتَقِلُ، وقَدْ قَرَّرَتْ مَضْمُونَ الخَبَرِ، لِأنَّها كالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، ولِهَذا تَضَمَّنَتْ رَدَّ قَوْلِهِمْ ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ حَيْثُ إنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِما وافَقَ التَّوْراةَ لَمْ يُصَدِّقْ بِها، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ مِمّا مَعَهُمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، كَما في البَحْرِ، لِأنَّهُما أُنْزِلا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما غَيْرُ مُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ سِباقًا وسِياقًا.

﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ ﴾ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ  أنْ يَقُولَ ذَلِكَ تَبْكِيتًا لَهُمْ، حَيْثُ قَتَلُوا الأنْبِياءَ مَعَ ادِّعاءِ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ، وهي لا تُسَوِّغُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِمَن يُرِيدُ جِدالَهم كائِنًا مَن كانَ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلِمَ إلَخْ، (وما) اسْتِفْهامِيَّةٌ، حُذِفَتْ ألِفُها لِأجْلِ لامِ الجَرِّ، ويَقِفُ البَزِّيُّ في مِثْلِ ذَلِكَ بِالهاءِ وغَيْرُهُ بِغَيْرِها، وإيرادُ صِيغَةِ المُضارِعِ مَعَ الظَّرْفِ الدّالِّ عَلى المُضِيِّ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى القَتْلِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ، وقِيلَ: لِحِكايَةِ تِلْكَ الحالِ، والمُرادُ بِالقَتْلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ، وإسْنادُهُ إلى الأخْلافِ المُعاصِرِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّ صُدُورَهُ مِنَ الأسْلافِ مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَ الفاعِلِ الحَقِيقِيِّ وما أُسْنِدَ إلَيْهِ، وهَذا كَما يُقالُ لِأهْلِ قَبِيلَةٍ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ زَيْدًا، إذا كانَ القاتِلُ آباءَهُمْ، وقِيلَ: القَتْلُ مَجازٌ عَنِ الرِّضا، أوِ العَزْمِ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ الِاعْتِراضَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أقْوى تَبْكِيتًا مِنهُ عَلى الآخَرِينَ، فَتَدَبَّرْ، وفي إضافَةِ أنْبِياءَ إلى الِاسْمِ الكَرِيمِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، وإيذانٌ بِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي لِمَن جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُعَظَّمَ ويُنْصَرَ، لا أنْ يُقْتَلَ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلِاعْتِراضِ لِتَأْكِيدِ الإلْزامِ وتَشْدِيدِ التَّهْوِيلِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلِمَ تَقْتُلُونَهُمْ، وقَدْ حُذِفَ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الشَّرْطِيَّتَيْنِ ما حُذِفَ ثِقَةً بِما أثْبَتَ في الأُخْرى، عَلى طَرِيقِ الِاحْتِباكِ، وقِيلَ: إنَّ المَذْكُورَ قَبْلُ جَوابٌ لِهَذا الشَّرْطِ بِناءً عَلى جَوازِ تَقْدِيمِهِ، وهو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، وأبِي زَيْدٍ، واخْتارَهُ في البَحْرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: (إنَّ) هُنا نافِيَةٌ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، أيّ صدِّقوا بالقرآن الذي أنزل على محمد  وهم يهود أهل المدينة ومن حولها.

قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا في التوراة وبموسى-  - وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ، يعني بما سواه وهو القرآن.

وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ، أي القرآن هو الصدق، وهو منزل من الله تعالى موافق لما معهم، يعني أنهم إذا جحدوا بالقرآن صار جحوداً لما معهم، لأنهم جحدوا بما هو مصدق لما معهم فقالوا له: إنك لم تأتنا بمثل الذي أتانا به أنبياؤنا، ولم يكن لنا نبي إلا كان يأتينا بقربان تأكله النار.

قال الله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ وقد جاءوا بالقربان والبينات أي بالعلامات إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أي إن كنتم مصدقين بالأنبياء.

فهذا اللفظ للمستأنف وهو قوله فَلِمَ تَقْتُلُونَ، ولكن المراد منه الماضي وإنما خاطبهم وأراد به آباءهم.

وفي الآية دليل أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها، لأنهم كانوا راضين بقتل آباءهم الأنبياء، فسماهم الله تعالى قاتلين.

وفي الآية دليل أن من ادعى أنه مؤمن، ينبغي أن تكون أفعاله مصدقة لقوله، لأنهم كانوا يدعون أنهم مؤمنون بما معهم.

قال الله تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ، يعني أي كتاب يجوِّز قتل نبي من الأنبياء- عليهم السلام- وأي دين وإيمان جوَّز فيه ذلك يعني قتل الأنبياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)

وقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...

الآية الكتاب: القرآن، ومُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ: يعني التوراة، ويَسْتَفْتِحُونَ معناه أن بني إِسرائيل كانوا قبل مَبْعَثِ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد علموا خروجه بما علموا عنْدَهُمْ من صفته، وذكر وقته، وظنُّوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوْسَ والخَزْرجَ، فغلبتهم العَرَبُ، قالوا لهم: لو قد خرج النبيُّ الذي أظلَّ وقتُهُ، لقاتلْنَاكُم معه، واستنصرنا عليكم به، ويَسْتَفْتِحُونَ: معناه يستنصرون، قال أحمد بن نصر الداوديّ: ومنه: «عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالفَتْحِ» ، أي: بالنصر.

انتهى.

وروى أبو بكر/ محمد بن حُسَيْنٍ الاْجُرِّيُّ «١» عن ابن عبَّاس، قال: كانت يهود خيبر

يُقَاتِلُونَ غَطَفَانَ، فكُلَّمَا التقوا، هزمت اليهودَ، فَعَاذَ اليهودُ يوماً بالدعاء، فقالوا: اللهم، إِنا نسألكَ بحَقِّ محمَّدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ الذي وعدتَّنَا أن تخرجَهُ لَنَا في آخر الزمان إِلاَّ نَصَرْتَنا علَيْهم، فكانوا إِذا التقوا، دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم كَفَرُوا به، فأنزل اللَّه عزَّ وجلَّ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، والاستفتاحُ: الاستنصار، ووقع ليهود المدينة نحو هذا مع الأنصار قُبَيْل الإِسلام «١» .

انتهى من تأليف حسن بن عليِّ بن عبد المَلْكِ الرّهونيِّ المعروفِ بابْنِ القَطَّان، وهو كتابٌ نفيسٌ جِدًّا ألَّفه في معجزات النبيّ صلّى الله عليه وسلم وآيات نبوءته.

وروي أن قريظة والنضير وجميعَ يَهُودِ الحجازِ في ذلك الوقْتِ كانوا يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبيِّ المنتظر، كانت نقلتهم إلى الحجاز، وسُكْناهم به، فإِنهم كانوا علموا صُقع «٢» المَبْعَث، وما عرفوا هو محمّد صلّى الله عليه وسلم وشرعه ويظهر في هذه الآية العنادُ منهم، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة وفَلَعْنَةُ اللَّهِ إبعاده لهم، وخزيهم لذلك.

وبئس: أصله «بَئِسَ» ، سُهِّلت الهمزة، ونقلت حركتها إلى الباء، و «مَا» عند سيبويه «٣» : فَاعِلَةٌ ب «بِئْسَ» والتقدير: بِئْسَ الذي اشتروا به أنفسُهُمْ.

واشْتَرَوْا: بمعنى: باعوا.

وبِما أَنْزَلَ اللَّهُ، يعني به القرآن، ويحتمل التوراة، ويحتمل أن يراد الجميع من توراة، وإِنجيل، وقرآن لأن الكفر بالبعض يستلزمُ الكفر بالكلِّ، ومِنْ فَضْلِهِ، يعني:

من النبوءة والرسالة، ومَنْ يَشاءُ، يعني به محمّدا صلّى الله عليه وسلم لأنهم حَسَدوه لما لم يكن منهم، وكان من العرب، ويدخل في المعنى عيسى صلّى الله عليه وسلم لأنهم كفروا به بَغْياً، واللَّه قد تفضَّل عليه.

وفَباؤُ: معناه: مَضَوْا متحمِّلين لما يذكر أنهم بَاءُوا به.

وقال البخاريّ: قال قتادة: فَباؤُ: معناه: انقلبوا «١» .

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ؛ ﴿ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ يَعْنُونَ: التَّوْراةَ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِما سِواهُ.

ومِثْلُهُ ﴿ وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ  ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِما بَعْدَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الحَقُّ ﴾ يَعُودُ عَلى ما وراءَهُ.

﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ ﴾ هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ فَإنَّ الأنْبِياءَ، جاءُوا بِتَأْيِيدِ التَّوْراةِ.

وإنَّما نَسَبَ القَتْلَ إلى المُتَأخِّرِينَ لِأنَّهم في ذَلِكَ عَلى رَأْيِ المُتَقَدِّمِينَ.

وَتَقْتُلُونَ بِمَعْنى: قَتَلْتُمْ، فَوَضَعَ المُسْتَقْبَلَ في مَوْضِعِ الماضِي، لِأنَّ الوَهْمَ لا يَذْهَبُ إلى غَيْرِهِ.

وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: شَهِدَ الحَطِيئَةَ حِينَ يَلْقى رَبَّهُ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِالعُذْرِ أرادَ: يَشْهَدُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى الكافِرِينَ ﴾ ﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللهُ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الكِتابُ: القُرْآنُ، و ﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، ورُوِيَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ  قَدْ عَلِمُوا خُرُوجَهُ بِما عِنْدَهم مِن صِفَتِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ، وظَنُّوا أنَّهُ مِنهُمْ، فَكانُوا إذا حارَبُوا الأوسَ والخَزْرَجَ فَغَلَبَتْهُمُ العَرَبُ قالُوا لَهُمْ: لَوْ خَرَجَ النَبِيُّ الَّذِي قَدْ أظَلَّ وقْتُهُ لَقاتَلْناكم مَعَهُ، واسْتَنْصَرْنا عَلَيْكم بِهِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ يَسْتَنْصِرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَسْتَفْتِحُ بِصَعالِيكِ المُهاجِرِينَ»، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ، وجَمِيعَ يَهُودِ الحِجازِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى سائِرِ العَرَبِ، وبِسَبَبِ خُرُوجِ النَبِيِّ المُنْتَظَرِ كانَتْ نَقْلَتُهم إلى الحِجازِ وسُكْناهم بِهِ، فَإنَّهم كانُوا عَلِمُوا صَقْعَ المَبْعَثِ، وما عَرَفُوا أنَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ وشَرْعُهُ، ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الآياتِ العِنادُ مِنهُمْ، وأنَّ كُفْرَهم كانَ مَعَ مَعْرِفَةٍ ومُعانَدَةٍ، و"لَعْنَةُ اللهِ": مَعْناهُ: إبْعادُهُ لَهم وخِزْيُهم لِذَلِكَ، واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ "لَمّا" و"لَمّا" الثانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: جَوابُهُما في قَوْلِهِ: "كَفَرُوا"، وأُعِيدَتْ لَمّا الثانِيَةُ لِطُولِ الكَلامِ، ويُفِيدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ، وتَأْكِيدًا لَهُ، وقالَ الزَجّاجُ: لَمّا الأُولى لا جَوابَ لَها، لِلِاسْتِغْناءِ عن ذَلِكَ بِدَلالَةِ الظاهِرِ مِنَ الكَلامِ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّهُ مَحْذُوفٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ لَمّا الأُولى في الفاءِ وما بَعْدَها، وجَوابُ لَمًّا الثانِيَةِ "كَفَرُوا" وبِيسَ أصْلُهُ بِئْسَ سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ إلى الباءِ حَرَكَتُها، ويُقالُ في بِئْسَ: بِيسَ، إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ وهي مُسْتَوْفِيَةٌ لِلذَّمِّ، كَما نِعْمَ مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْمَدْحِ.

واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في "بِيسَما" في هَذا المَوْضِعِ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "ما" فاعِلَةٌ بِبِيسَ، ودَخَلَتْ عَلَيْها بِيسَ كَما تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الأجْناسِ والنَكِراتِ لِما أشْبَهَتْها "ما" في الإبْهامِ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا القَوْلِ: "بِيسَ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا"، كَقَوْلِكَ: بِيسَ الرَجُلُ زَيْدٌ، و"ما" في هَذا القَوْلِ مَوْصُولَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: بِيسَ رَجُلًا زَيْدٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا أنْ يَكْفُرُوا، و ﴿ اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ ، في هَذا القَوْلِ صِفَةُ "ما".

وقالَ الفَرّاءُ: بِيسَما بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ واحِدٌ رُكِّبَ، كَحَبَّذا، وفي هَذا القَوْلِ اعْتِراضٌ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَبْقى بِلا فاعِلٍ، و"ما" إنَّما تَكُفُّ أبَدًا حُرُوفًا.

وقالَ الكِسائِيُّ: "ما" و"اشْتَرَوْا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ اشْتِراؤُهم أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا.

وهَذا أيْضًا مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّ بِيسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ مُتَعَرِّفٍ بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ.

وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا: إنَّ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَفْسِيرِ، وثُمَّ "ما" أُخْرى مُضْمَرَةٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا ما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، و ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن "ما" المُضْمَرَةِ، ويَصِحُّ في بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، وأمّا في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَـ ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ فِيما قَبْلَهُ.

و"اشْتَرَوْا" بِمَعْنى باعُوا، يُقالُ شَرى واشْتَرى بِمَعْنى باعَ وبِمَعْنى ابْتاعَ، و( ما أنْزَلَ اللهُ ) يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ، لِأنَّهم إذْ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ فَقَدْ كَفَرُوا بِالتَوْراةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمِيعُ مِن تَوْراةٍ وإنْجِيلٍ وقُرْآنٍ، لِأنَّ الكُفْرَ بِالبَعْضِ يُلْزِمُ الكُفْرَ بِالكُلِّ و"بَغْيًا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و ﴿ أنْ يُنَزِّلَ ﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أو في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِأنْ يَنْزِلَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أنْ يَنْزِلَ" بِالتَخْفِيفِ في النُونِ والزايِ.

و ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي مِنَ النُبُوَّةِ والرِسالَةِ.

﴿ مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا  ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ لِما لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ العَرَبِ، ويَدْخُلُ في المَعْنى عِيسى صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ بَغْيًا، واللهُ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ.

و"باؤُوا": مَعْناهُ مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِما يَذْكُرُ أنَّهم باؤُوا بِهِ، و"بِغَضَبٍ" مَعْناهُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ  ﴿ عَلى غَضَبٍ ﴾ مُتَقَدِّمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قِيلَ: لِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقِيلَ: لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فالمَعْنى: عَلى غَضَبٍ قَدْ باءَ بِهِ أسْلافُهُمْ، حَظُّ هَؤُلاءِ مِنهُ وافِرٌ بِسَبَبِ رِضاهم بِتِلْكَ الأفْعالِ وتَصْوِيبِهِمْ لَها.

وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ التَأْكِيدُ، وتَشْدِيدُ الحالِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ أرادَ غَضَبَيْنِ مُعَلَّلَيْنِ بِقِصَّتَيْنِ.

و"مُهِينٌ" مَأْخُوذٌ مِنَ الهَوانِ، وهو ما اقْتَضى الخُلُودَ في النارِ، لِأنَّ مَن لا يُخَلَّدُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ إنَّما عَذابُهُ كَعَذابِ الَّذِي يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ لا هَوانَ فِيهِ، بَلْ هو تَطْهِيرٌ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ أنَّهم إذا قِيلَ لَهُمْ: آمَنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَ اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ  قالُوا: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ ، يَعْنُونَ التَوْراةَ.

وما وراءَهُ.

قالَ قَتادَةُ: أيْ ما بَعْدَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: أيْ ما سِواهُ ويَعْنِي بِهِ القُرْآنَ.

وإذا تَكَلَّمَ رَجُلٌ، أو فَعَلَ فِعْلًا فَأجادَ، يُقالُ لَهُ: ما وراءَ ما أتَيْتَ بِهِ شَيْءٌ، أيْ لَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ، ووَصَفَ اللهُ تَعالى القُرْآنَ بِأنَّهُ الحَقُّ.

و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وهي غَيْرُ مُنْتَقِلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها في الكَلامِ، ولَمْ يَبْقَ لَها هي إلّا مَعْنى التَأْكِيدِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها حَسَبِي وهَلْ لِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارٍ؟

و ﴿ لِما مَعَهُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ﴾ الآيَةُ رَدٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وتَكْذِيبٌ مِنهُ لَهم في ذَلِكَ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ.

ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى "فَلِمَ" لِنُقْصانِ الحَرْفِ الواحِدِ، إلّا أنَّ البَزِّيَّ وقَفَ عَلَيْهِ بِالهاءِ، وسائِرُ القُرّاءِ بِسُكُونِ المِيمِ.

وخاطَبَ اللهُ مَن حَضَرَ مُحَمَّدًا  مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ لِما كانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ أسْلافِهِمْ.

وجاءَ "تَقْتُلُونَ" بِلَفْظِ الِاسْتِقْبالِ، وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لَمّا ارْتَفَعَ الإشْكالُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ، وإذا لَمْ يُشْكَلْ فَجائِزٌ سَوْقُ الماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وسَوْقُ المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى الماضِي، قالَ الحَطِيئَةُ: شَهِدَ الحَطِيئَةُ يَوْمَ يَلْقى رَبَّهُ ∗∗∗ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِالعُذْرِ وَفائِدَةُ سَوْقِ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ، الإشارَةُ إلى أنَّهُ في الثُبُوتِ كالماضِي الَّذِي قَدْ وقَعَ، وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي الإعْلامُ بِأنَّ الأمْرَ مُسْتَمِرٌّ ألا تَرى أنَّ حاضِرِي مُحَمَّدٍ  لَمّا كانُوا راضِينَ بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ بَقِيَ لَهم مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ جُزْءٌ، و"إنْ كُنْتُمْ" شَرْطٌ، والجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

معطوف على قوله: ﴿ ولما جاءهم كتاب من عند الله ﴾ [البقرة: 89] المعطوف على قوله: ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ [البقرة: 88] وبهذا الاعتبار يصح اعتباره معطوفاً على ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ على المعروف في اعتبار العطف على ما هو معطوف وهذا كله من عطف حكايات أحوالهم في معاذيرهم عن الإعراض عن الدعوة الإسلامية فإذا دعوا قالوا: قلوبنا غلف وإذا سمعوا الكتاب أعرضوا عنه بعد أن كانوا منتظريه حسداً أن نزل على رجل من غيرهم، وإذا وعظوا وأنذروا ودعوا إلى الإيمان بالقرآن وبأنه أنزله الله وأن ينظروا في دلائل كونه منزلاً من عند الله أعرضوا وقالوا: نؤمن بما أنزل علينا أي بما أنزله الله على رسولنا موسى، وهذا هو مجمع ضلالاتهم ومنبع عنادهم فلذلك تصدى القرآن لتطويل المحاجة فيه بما هنا وما بعده تمهيداً لقوله الآتي: ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ [البقرة: 106] الآيات.

وقولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ أرادوا به الاعتذار وتعلة أنفسهم لأنهم لما قيل لهم ﴿ آمنوا بما أنزل الله ﴾ علموا أنهم إن امتنعوا امتناعاً مجرداً عدت عليهم شناعة الامتناع من الإيمان بما يدعى أنه أنزله الله فقالوا في معذرتهم ولإرضاء أنفسهم ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ أي أن فضيلة الانتساب للإيمان بما أنزل الله قد حصلت لهم أي فنحن نكتفي بما أنزل علينا وزادوا إذ تمسكوا بذلك ولم يرفضوه.

وهذا وجه التعبير في الحكاية عنهم بلفظ المضارع ﴿ نؤمن ﴾ أي ندوم على الإيمان بما أنزل علينا وقد عرضوا بأنهم لا يؤمنون بغيره لأن التعبير بنؤمن بما أنزل علينا في جواب من قال لهم ﴿ آمنوا بما أنزل الله ﴾ وقد علم أن مراد القائل الإيمان بالقرآن مشعر بأنهم يؤمنون بما أنزل عليهم فقط لأنهم يرون الإيمان بغيره مقتضياً الكفر به فههنا مستفاد من مجموع جملتي ﴿ آمنوا بما أنزل الله ﴾ وجوابها بقولهم ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ جيء بالمضارع محاكاة لقولهم ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ وتصريح بما لوحوا إليه ورد عليهم أي يدومون على الإيمان بما أنزل عليهم ويكفرون كذلك بما وراءه فهم يرون أن الإيمان به مقتض للكفر بغيره على أن للمضارع تأثيراً في معنى التعجب والغرابة.

وفي قرنه بواو الحال إشعار بالرد عليهم وزاد ذلك بقوله ﴿ وهو الحق مصدقاً لما معهم ﴾ .

والوراء في الأصل اسم مكان للجهة التي خلف الشيء وهو عريق في الظرفية وليس أصله مصدراً.

جعل الوراء مجازاً أو كناية عن الغائب لأنه لا يبصره الشخص واستعمل أيضاً مجازاً عن المجاوز لأن الشيء إذا كان أمام السائر فهو صائر إليه فإذا صاروا وراءه فقد تجاوزه وتباعد عنه قال النابغة: وليس وراء الله للمرء مطلب *** واستعمل أيضاً بمعنى الطلب والتعقب تقول ورائي فلان بمعنى يتعقبني ويطلبني ومنه قول الله تعالى: ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ [الكهف: 79] وقول لبيد: أليس ورائي أن تراخت منيتي *** لزوم العصا تحني عليها الأصابع فمن ثم زعم بعضهم أن الوراء يطلق على الخلف والأمام إطلاق اسم الضدين واحتج ببيت لبيد وبقرآن وكان أمامهم ملك وقد علمت أنه لا حجة فيه ولذلك أنكر الآمدي في «الموازنة» كونه ضداً.

فالمراد بما وراءه في الآية بما عداه وتجاوزه أي بغيره والمقصود بهذا الغير هنا خصوص القرآن بقرينة السياق لتقدم قوله: ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله ﴾ ولتعقيبه بقوله: ﴿ وهو الحق مصدقاً ﴾ .

وجملة ﴿ وهو الحق ﴾ حالية واللام في (الحق) للجنس والمقصود اشتهار المسند إليه بهذا الجنس أي وهو المشتهر بالحقية المسلم ذلك له على حد قول حسان: وإن سنام المجد من آل هشام *** بنو بنت مخزوم ووالدك العبد لم يرد حسان انحصار العبودية في الوالد وإنما أراد أنه المعروف بذلك المشتهر به فليست اللام هنا مفيدة للحصر لأن تعريف المسند باللام لا تطرد إفادته الحصر على ما في «دلائل الإعجاز».

وقيل يفيد الحصر باعتبار القيد أعني قوله ﴿ مصدقاً ﴾ أي هو المنحصر في كونه حقاً مع كونه مصدقاً فإن غيره من الكتب السماوية حق لكنه ليس مصدقاً لما معهم ولعل صاحب هذا التفسير يعتبر الإنجيل غير متعرض لتصديق التوراة بل مقتصراً على تحليل بعض المحرمات وذلك يشبه عدم التصديق.

ففي الآية صد لبني إسرائيل عن مقابلة القرآن بمثل ما قابلوا به الإنجيل وزيادة في توبيخهم.

وقوله: ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة لقوله: ﴿ وهو الحق ﴾ وهذه الآية علم في التمثيل للحال المؤكدة وعندي أنها حال مؤسسة لأن قوله ﴿ مصدقاً لما معهم ﴾ مشعر بوصف زائد على مضمون ﴿ وهو الحق ﴾ إذ قد يكون الكتاب حقاً ولا يصدق كتاباً آخر ولا يكذبه وفي مجيء الحال من الحال زيادة في استحضار شؤونهم وهيئاتهم.

وقوله: ﴿ قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ﴾ فصله عما قبله لأنه اعتراض في أثناء ذكر أحوالهم قصد به الرد عليهم في معذرتهم هذه لإظهار أن معاداة الأنبئاء دأب لهم وأن قولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ كذب إذ لو كان حقاً لما قتل أسلافهم الأنبئاء الذين هم من قومهم ودعوهم إلى تأييد التوراة والأمر بالعمل بها ولكنهم يعرضون عن كل ما لا يوافق أهواءهم.

وهذا إلزام للحاضرين بما فعله أسلافهم لأنهم يرونهم على حق فيما فعلوا من قتل الأنبئاء.

والإتيان بالمضارع في قوله: ﴿ تقتلون ﴾ مع أن القتل قد مضى لقصد استحضار الحالة الفظيعة وقرينة ذلك قوله: ﴿ من قبل ﴾ فذلك كما جاء الحطيئة بالماضي مراداً به الاستقبال في قوله: شهد الحطيئة يوم يلقى ربه *** أن الوليد أحق بالعذر بقرينة قوله يوم يلقى ربه.

والمراد بأنبئاء الله الذين ذكرناهم عند قوله تعالى: ﴿ ويقتلون النبيئين بغير الحق ﴾ [البقرة: 61].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ.

﴿ وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ ﴾ يَعْنِي بِما بَعْدَهُ.

﴿ وَهُوَ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ تَعالى يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.

﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ ﴾ مَعْناهُ: فَلِمَ قَتَلْتُمْ، فَعَبَّرَ عَنِ الفِعْلِ الماضِي بِالمُسْتَقْبَلِ، وهَذا يَجُوزُ، فِيما كانَ بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ ﴾ أيْ ما تَلَتْ، وقالَ الشّاعِرُ: وإنِّي لَآتِيكم بِشُكْرِ ما مَضى مِنَ الأمْرِ واسْتِحْبابِ ما كانَ في غَدِ يَعْنِي ما يَكُونُ في غَدٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: فَلِمَ تَرْضَوْنَ بِقَتْلِ أنْبِياءِ اللَّهِ، إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؟

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ قال: بما بعده.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ قال: القرآن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾ أي: لليهود، و ﴿ إِذَا ﴾ عند النحويين وقت للفعل الذي هو جواب، كما تقول: إذا جئتني وصلتك، أخبرتَ أنك تصلُهُ وقت مجيئه، وليس كذلك إنْ، لأنك إذا قلت: إن جئتني وصلتك، يصلح أن تصلَه بعد وقت المجيء (١) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا أَنزَلَ الله ﴾ يعني القرآن، ﴿ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ ، يعني التوراة (٢) ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ ، قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هذا إخبارًا من الله عز وجل عن اليهود، وتم الكلام عند قوله: ﴿ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ ، ثم ابتدأ بالإخبار عنهم، فقال: (٣) ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ (٤) (٥) (٦) (٧) فمن قال: لأقومنّ، أراد: قلت له: قل لأقومن، ومن قال بالتاء، أخرجه على معنى الخطاب.

ومن قال بالياء، أخرجه على لفظ عبد الله؛ لأنه غائب، قال الشاعر (٨) يا ليت شعري عنك دَخْتَنُوس (٩) أتحلِقُ القرونَ أم تَمِيسُ ...

لا، بل تَميسُ إنّها عروسُ (١٠) فقدم أفعالًا على المخاطبة، ثم رجع إلى الغيبة على ما وصفنا.

ومعنى ﴿ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ بما سواه، قال الفراء: وذلك كثير في العربية يتكلم الرجل بالكلام الحسن، فيقول السامع: ليس وراء هذا الكلام شيء، يريد ليس سوى هذا الكلام شيء (١١) ويحتمل ﴿ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ بما بعده، أي: ما بعد التوراة، يريد: الإنجيل والقرآن، وهذا كقوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ  ﴾ ، أي: ما بعده، وما سواه.

وقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾ [[جزء من آية وردت في سورة [المؤمنون: 7]، [المعارج: 31]]] مثله (١٢) ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ قال: بما سواه (١٣) ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ  ﴾ وقوله ﴿ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ  ﴾ وقولِه: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي  ﴾ ، إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اَلحَقُّ ﴾ (هو) كناية عما في قوله: ﴿ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ .

و (ما وراءه)، يجوز أن يكون واقعًا على الإنجيل والقرآن، فأفرد الله القرآن بقوله: (وَهُوَ الْحَقّ) تفصيلًا له وتخصيصًا (١٤) ويجوز أن يكون (هو) كناية عن محمد  ؛ لأن الله تعالى لما ذكر الإنزال والمنزِّل دلّا على المُنزَّل عليه، فكان كالظاهر.

قال أبو إسحاق: في قوله: ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ﴾ دلالة على أنهم قد كفروا بما معهم، إذ كفروا بما يُصَدِّق مَا معهم.

قال: ونصبت ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ على الحال (١٥) وقوله تعالى: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ ﴾ هذا تكذيب من الله تعالى لهم في قولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ ، أي: أيّ كتاب جوّز فيه قتل نبي، وأيّ دين وإيمان جوّز فيه ذلك (١٦) وأضاف القتل هاهُنا إلى المخاطبين، وإن كان آباؤهم قَتَلوا؛ لأنهم كانوا يتولّون الذين قَتَلوا فهم على مذهبهم، وإذا كانوا على ذلك المذهب فقد شركوهم.

قال ابن عباس: كلما عُمِلَت مَعصِية، فمن أنكرها برئ، ومن رضي بها كان كمن شهدها (١٧) وقال ابن الأنباري: تأويله: فلم توليتم آباءكم القاتلين ورضيتم ما كانوا عليه، وصوبتم أفعالهم.

والمراد بلفظ الاستقبال هاهنا: المضي (١٨) ﴿ مِنْ قَبلُ ﴾ ، ودليل هذا قوله: ﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ  ﴾ .

ومما وضع فيه المستقبل موضع الماضي قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ  ﴾ ، وسنذكره في موضعه، ومثل هذا قولك للرجل تعنفه بما سلف من قبيح فعله: ويحك لم تكذب؟

لم تُبَغِّض نفسك إلى الناس؟، كأنه قيل: لم هذا من شأنك (١٩) إذا ما انْتَسَبْنا لم تلدني لئيمةٌ ...

ولم تَجِدِي من أن تُقِرِّي بها بُدَّا (٢٠) يعني: أن الولادة قد مضت، وقد عبَّر عنها بجواب الجزاء، وذلك يكون في الاستقبال، كما تقول: إذا ما جئتني لم أضربْك، لم يوجد المجيء ولا الضرب (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ إِن كنُتُم مُّؤمِنِينَ ﴾ (إِنْ) بمعنى الشرط، وجوابها قبلها، يراد به: إن كنتم مؤمنين، فلم تقتلون أنبياء الله؛ لأنه ليس سبيل المؤمنين أن تقتلوا الأنبياء، ولا أن يتولوا قاتليهم (٢٤) (١) ينظر في معاني إذا "مغني اللبيب" 1/ 87 - 101.

(٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1033.

(٣) ساقطة من (ش).

(٤) في (ش): (تكفرون).

(٥) في (ش): (تكون).

(٦) في (ش): (ونكفر).

(٧) من قوله: كما تقول العرب ..

ساقطة من (ش).

(٨) البيتان للقيط بن زُرارة كما في "اللسان" 3/ 1728، "تهذيب اللغة" 2/ 1467، ورواية التهذيب: ياليت شعري اليوم ...

إذا أتاهها الخبر.

ومعنى المرموس: المكتوم، وتميسُ: تتبختر.

(٩) في (ش): (وختنوس).

(١٠) الرجز للقيط بن زرارة، في "لسان العرب" 6/ 101 مادة: (رمس)، و"تاج العروس" 8/ 279 (دختنس)، و"المعجم المفصل" 10/ 282.

(١١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 60.

(١٢) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 307.

(١٣) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3879، "اللسان" 8/ 4807، وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 25، "البحر المحيط" 1/ 307.

(١٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1033، "البحر المحيط" 1/ 307.

(١٥) "معاني القرآن" 1/ 174 بتصرف، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1034.

(١٦) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1034.

(١٧) ذكره في "الوسيط" ولم أجده عنه في التفاسير المسندة، وفي معناه حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله  : "إنها ستكون أمراء، تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 8/ 621 وقوله  : "إن الخطيئة إذا عملت في الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن حضرها، ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها" رواه أبو داود.

(١٨) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 25 - 26.

(١٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 60 - 61 ونقله الطبري في تفسيره 1/ 420.

(٢٠) البيت لزائد بن صعصعة الفقعسي يُعَرِّض بزوجته، وكانت أمها سرية، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 61، 178، ولم ينسبه وكذا الطبري في "تفسيره" 1/ 328، 420، 3/ 73.

(٢١) من قوله: (يعني أن الولادة) ساقط من (ش).

(٢٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 61، ومن قوله: (يعنىِ أن الولادة) إلى قوله: (ولا الضرب) من كلام الواحدي، في "تفسيره".

(٢٣) "معاني القرآن" للفراء 1/ 61 ونقله الطبري في تفسيره عنه 1/ 42 ذكر جوابًا آخر وهو أن معناه: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل، كقوله: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ﴾ أي: ما تلت، وكقول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني ...

فمضيت عنه وقلت: لا يعنيني يريد بقوله: (ولقد أمر): ولقد مررت.

اهـ.

قال في "البحر المحيط" 1/ 307 نقلًا عن ابن عطية: وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر، ألا ترى أن حاضري محمد  ولما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من قتل الأنبياء جزء.

(٢٤) استظهر هذا الوجه أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 307 وقال: ويكون الشرط وجوابه قد كرر مرتين على سبيل التوكيد، لكن حذف الشرط من الأول وأبقي جوابه، وهو فلم تقتلون، وحذف الجواب من الثاني وأبقي شرطه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بِئْسَمَا ﴾ فاعل بئس مضمر، وما مفسرة له، و ﴿ أَن يَكْفُرُواْ ﴾ : هو المذموم وقال الفراء: بئسما مركب كحبّذا وقال الكاسي: ما مصدرية أي اشتراكهم فهي فاعلة ﴿ اشتروا ﴾ هنا بمعنى باعوا ﴿ أَن يَكْفُرُواْ ﴾ في موضع خبر ابتداء، أو مبتدأ كاسم المذموم في بئس؛ أو مفعول من أجله، أو بدل من الضمير في به ﴿ بِمَآ أنَزَلَ الله ﴾ القرآن أو التوراة لأنهم كفروا بما فيها من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ أَن يُنَزِّلُ ﴾ في موضع مفعول من أجله ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ القرآن والرسالة ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ يعني محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنهم إنما كفروا حسداً لمحمد صلى الله عليه وسلم لما تفضل الله عليه وبالرسالة ﴿ بِغَضَبٍ على غَضَبٍ ﴾ لعبادتهم العجل، أو لقولهم: عزير ابن الله، أو لغير ذلك من قبائحهم ﴿ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ القرآن ﴿ بِمَا وَرَآءَهُ ﴾ أي بما بعده وهو القرآن ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ﴾ رداً عليهم فيما ادّعوا من الإيمان بالتوراة، وتكذيب لهم، وذكر الماضي بلفظ المستقبل إشارة إلى ثبوته، فكأنه دائم لما رضي هؤلاء به ﴿ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ شرطية بمعنى القدح في إيمانهم، وجوابها يدل عليه ما قبل، أو نافية فيوقف قبلها والأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ القدس ﴾ بسكون الدال حيث كان: ابن كثير.

﴿ بئسما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.

﴿ ينزل ﴾ خفيفاً: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ القدس ﴾ (ط) ﴿ استكبرتم ﴾ (ج) لتناهي الاستفهام مع تعقب فاء التعقيب بعده ﴿ كذبتم ﴾ (ز) لعطف المستقبل على الماضي مع تقدم المفعولين فيهما ﴿ تقتلون ﴾ (ه) ﴿ غلف ﴾ (ط) (ز) لأن "بل" إعراض عن الأول وتحقيق للثاني ﴿ يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) "لأن" الواو للحال ﴿ كفروا ﴾ (ج) لأن "لما" متضمنة للشرط وجوابها منتظر والوصل أجوز لأن "لما" مكرر وجوابهما متحد، وقوله: ﴿ وكانوا من قبل ﴾ حال معترض ﴿ كفروا به ﴾ (ج) لأن ما بعده مبتدأ لكن الفاء تقتضي تعجيل ذكر جوابهم ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ من عباده ﴾ (ج) لطول الكلام مع فاء التعقيب ﴿ على غضب ﴾ (ط) ﴿ مهين ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ط).

التفسير: لما ذكر  في آلاي المتقدمة صنيع اليهود في مخالفتهم أمره  ومناقضة حالهم، أكد ذلك في هذه الآي بذكر نعم أفاضها عليهم ثم إنهم قابلوها بالكفران ونقيض المقصود زيادة في تبكيتهم.

أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله  إياه جملة واحدة.

عن ابن عباس أنها لما نزلت أمر الله موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله لكل آية منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فخففها الله على موسى  فحملها.

القفو والتقفية الإتباع وهو من القفا كالتذنيب من الذنب أي أتبعنا على أثره رسلاً كثيرين وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.

روي أن هؤلاء الرسل كانوا على شريعة واحدة إلى أيام عيسى  فإنه جاء بشريعة مجددة ناسخة لأكثر شرع موسى، وكان المقصود من بعثة هؤلاء تنفيذ الشريعة السالفة وإحياء بعض ما اندرس منها ومن هنا قال  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" "إن الله سيبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها" فقيل عيسى بالسريانية أيشوع أي المبارك، ومريم بمعنى الخادم.

وقيل مريم بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وهو الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن، سمي بذلك لكثرة زيارته لهن وبه فسر قول رؤبة: قلت لزير لم تصله مريمه *** ووزن "مريم" عند أهل الصرف "مفعل" لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو "عثير" للغبار "وعليب" اسم واد.

البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، أيدناه قويناه من الأيد القوة، وبروح القدس الروح المقدس كما يقال حاتم الجود ورجل صدق أي بجبريل سمي بذلك لأنه سبب حياة الدين كما أن الروح سبب حياة البدن، ولأنه الغالب عليه الروحانية، ولأنه لم تضمه أصلاب الفحول ولا أرحام الأمهات، وقيل بالإنجيل كما قال ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ لأن العلم سبب حياة القلوب، وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، عن ابن عباس وسعيد بن جبير.

وقيل: الروح الذي نفخ فيه، والقدس والقدوس هو الله، وإضافة الروح إليه تشريف وتعظيم كما يقال "بيت الله" و "ناقة الله".

عن الربيع: وكون الروح ههنا جبريل أظهر لأن اختصاصه بعيسى أكثر لأنه الذي بشر مريم بولادتها وقد تولد  من نفخة جبريل في أمه وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء.

قوله  : ﴿ أفكلما ﴾ وسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به من قوله: ﴿ ولقد آتينا ﴾ لإفادة التوبيخ والتعجيب من شأنهم، ويجوز أن تكون الفاء للعطف على مقدر معناه أأعرضتم فكلما ﴿ جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴾ الباء للتعدية أو بمعنى "مع"، وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه وإن تهيأ لهم قتله قتلوه ترفعاً وترؤساً على عامتهم.

وأخذ أموالهم بغير حق يوهمون عوامهم أنهم على الحق والنبي  على الباطل، ويحتجون على ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم  ﴿ ففريقاً كذبتم ﴾ على التمام وما بقي منه غير مكذب ﴿ وفريقاً تقتلون ﴾ أي ما تيسر لكم قتله بعد على التمام لأنكم تحومون حول قتل محمد  لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.

قال  عند وفاته: "ما زالت أكلة خيبر تعادّني فهذا أوان قطعت أبهري" .

والعداد اهتياج وجع اللديغ بعد كل سنة، والأبهر عرق يخرج من القلب إذا انقطع مات صاحبه.

ويجوز أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب كقوله: فأضربها بلا دهش فخرت *** وفائدة تقديم المفعول به على الفعلين بعد رعاية الفاصلة في ﴿ يقتلون ﴾ بيان غاية عنادهم وفرط عتوهم حيث جعلوا الرسل فريقين: أحدهما مخصص بالتكذيب والآخر بالقتل، كأن وصف الرسالة عندهم هو الذي اقتضى عندهم أحد هذين حتى خص المنعوت به دون سائر الناس بأحد الأمرين، وهذا نهاية الجهالة حيث استقبلوا أشرف الأصناف لأكرم الأوصاف بغاية الاستخفاف.

غلف جمع أغلف وهو كل ما فيه غلاف ومنه الأغلف للذي لم يختن، أي قلوبنا مغشاة بأغطية فلا تتأثر من دعوتك لمكان الحائل بينهما.

وقيل: غلف تخفيف غلف بضمتين جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلم والحكمة فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره لا حاجة بنا إلى شرعك.

﴿ بل لعنهم الله ﴾ رد لقولهم وأن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة، والتمكن من قبول الحق ولكنهم لعنوا أي طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عن الخيرات بسبب كفرهم الذي أحدثوه بعد نصب الأدلة وإزاحة العلة.

وفي هذا لطف للمكلفين أن لا يتسلقوا إلى المعاصي بإبلاء نحو هذا العذر وإبداء مثل هذه الحجة، ولكن يشمرون عن ساق الاجتهاد "فكل ميسر لما خلق" له ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ أي إيماناً قليلاً يؤمنون.

و "ما" مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب أو بقليل مما كلفوا به.

يؤمنون، فانتصب بنزع الخافض.

و "ما" صفة أي بشيء قليل من الأشياء المكلف بها.

ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم أي لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال: قليلاً ما تفعل.

أي لا تفعل ألبتة.

وذلك أن الإيمان بالله إنما يعبأ به إذا كان مؤمناً بجميع ما أنزل الله، فإذا فرق بين أوامره فهو عن الإيمان بمعزل.

﴿ ولما جاءهم ﴾ جوابه محذوف وهو نحو: كذبوا به واستهانوا بمجيئه.

ويجوز أن يكون جوابه هو جواب "لما" الثانية المكررة للتأكيد لطول الكلام نحو قوله ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة  ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن  ﴾ .

واتفقوا على أن المراد بالكتاب هو القرآن، ووجه تصديقه لما معهم ليس هو الموافقة في أصول الشرائع، لأن جميع كتب الله كذلك، بل المراد ما يختص بنبوة محمد  من العلامات والنعوت والصفات.

والتحقيق أن ذكر الكتاب ههنا كناية عن الرسول لأن الرسول يلزمه الكتاب عرفاً أو مجازاً لأن الكتاب مستلزم للرسول لا محالة يدل على ذلك قوله ﴿ يستخفون على الذين كفروا  ﴾ وذلك أن اليهود قبل مبعث محمد  ونزول القرآن كانوا يسألون به الفتح والنصرة على المشركين إذا قاتلوهم يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة.

وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

وقيل: معنى يستفتحون يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث منهم قد قرب أوانه.

والسين للمبالغة أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في "استعجب" و "استخسر"، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليه، ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا من الحق ﴾ وهو نبوة محمد  ، ويجوز أن تكون "ما" بمعنى "من" نحو: سبحان ما سخركن لنا أي فلما جاءهم النبي  الذي كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴿ كفروا به ﴾ ، إما لأنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة مجيء الرسل منهم فيرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه فلما بعث الله محمداً  من العرب من ذرية إسماعيل  عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب بغياً وحسداً وعناداً ولدداً، وإما لأنهم ظنوا أنه  مبعوث إلى العرب خاصة، وإما لأن اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم ومكاسبهم فأبوا وأصروا على الإنكار.

فكفرهم إذاً كفر عناد، ﴿ فلعنة الله ﴾ وهي الإبعاد عن الخيرات الحقيقية الباقية) ﴿ على الكافرين ﴾ أي عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن اللعنة إنما لحقتهم لكفرهم، واللام للعهد أو للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً.

فإن قيل: أليس أنه  ذكر ﴿ وقولوا للناس حسناً  ﴾ قلنا: العام قد يخص، وأيضاً لعن من يستحق اللعن حسن، وأيضاً أولئك بالنسناس أشبه منهم بالناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ "بئس" لإنشاء الذم، وفاعله قد يكون مظهراً نحو "بئس الرجل زيد"، وقد يكون مضمراً يعود إلى معهود ذهني فيفسر حينئذ بنكرة منصوبة وبعدهما المخصوص بالذم فـ "ما" نكرة منصوبة مفسرة: لفاعل "بئس" أي بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم ﴿ أن يكفروا ﴾ واختلف في إعراب المخصوص فقيل: مبتدأ والجملة قبله خبره.

وقيل خبر مبتدأ محذوف أي هو أن يكفروا.

واشتروا بمعنى باعوا لأن الكفر حاصل تعلق نفوسهم بأبدانهم كما أن، الثمن حاصل ملك المالك.

وقيل: إن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله  فأتى بأعمال يظن بها أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، وهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ويوصلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم قد اشتروا أنفسهم بها، والمراد بما أنزل الله القرآن لأنهم كانوا مؤمنين بغيره.

ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر فقال ﴿ بغياً ﴾ أي حسداً وطلباً لما ليس لهم، ولولا هذا البيان لجاز أن يكون الباعث لهم على ذلك الكفر هو الجهل لا البغي ولما كان الباعث على البغي قد يكون وجوهاً شتى بين أن الحامل لهم على البغي هو ﴿ أن ينزل الله من فضله ﴾ الذي هو الوحي ﴿ على من يشاء ﴾ وتقتضي حكمته إرساله وهذا هو اللائق بما حكينا من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم يحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد، وعلى هذا يكون الجار المحذوف هو لام الغرض أي لأجل أن ينزل، ويحتمل أني قال المحذوف على أي حسدوه على أن ينزل.

﴿ فباءوا بغضب على غضب ﴾ لا بد من إثبات سببي غضبين: أحدهما تكذيبهم عيسى وما أنزل عليه، والثاني تكذيبهم محمد  وما أنزل عليه، فصار ذلك سبباً بعد سبب لسخط بعد سخط وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة.

وقيل: الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكتمانهم نعت محمد  وجحدهم نبوته عن السدي.

وقيل: ليس المراد إثبات الغضبين فقط، بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور متوالية صدرت عنهم كقولهم ﴿ عُزير ابن الله  ﴾ ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء  ﴾ عن عطاء وعبيد بن عمير.

وقيل: المراد تأكيد الغضب وتكثير له لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظيم، وهو قول أبي مسلم.

ومعنى الغضب في حقه  قد عرفت مراراً أنه عبارة عن لازمه وهو إرادة الانتقام، وأما تزايده وتكثره فيصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا يكون غضبه على من كفر بخصال كثيرة كمن كفر بخصلة واحدة ﴿ وللكافرين عذاب مهين ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر أي ولهم عذاب، وفائدته ما ذكرنا في قوله ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ ووصف العذاب بالمهين والمهين هو المعذب لأن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه لأنها بسبب منه، ولا يلزم من اقتران العذاب بالإهانة تكرار فقد يكون العذاب ولا إهانة كالوالد يؤدب ولده ﴿ آمنوا بما أنزل الله ﴾ بكل ما أنزل الله من كتاب وقد يستدل به على عموم "ما" ﴿ قالوا نؤمن بما أنزل علينا ﴾ أي بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى  ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وهو الإنجيل والقرآن ﴿ وهو الحق ﴾ الضمير يعود إلى "ما وراءه" أو إلى القرآن فقط.

و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة لوجود شرطها وهو كونها مقررة لمضمون جملة اسمية، أو كون مضمونها لازماً لمضمون الجملة الاسمية، فإن التصديق لازم حقية القرآن فصار كأنه هو والعامل في ﴿ مصدقاً ﴾ محذوف وهو يبدو أو يثبت على الأصح.

وأما الواو في ﴿ وهو الحق ﴾ فيجوز أن تكون معترضة فلا محل للجملة، ويجوز أن تكون للحال وحينئذ إما أن يكون العامل فيها هو العامل في قوله ﴿ ويكفرون ﴾ على أن كلاً منهما حال بحيالها، وإما أن يكون العامل فيها هو يكفرون على أنهما حالان متداخلتان.

وفي قوله ﴿ وهو الحق مصدقاً لما معهم ﴾ دلالة على وجوب الإيمان بمحمد  لأنه لما أثبت نبوته بالمعجزات ثم إنه أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله وأنه  أمر المكلفين بالإيمان، كان الإيمان به واجباً لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعضهم وبعضها محال.

وأيضاً أنه  لم يتعلم علماً ولم يقرأ ولم يخط، ثم إنه  أتى بالقصص والأخبار مطابقة لما في التوراة، فيعلم بالضرورة أنه  استفادها من قبل الوحي وأيضاً القرآن يدل على نبوة محمد  ، فلما أخبر الله  عنه أنه مصدق التوراة وجب اشتمال التوراة على الأخبار عن نبوته.

فمدعي الإيمان بالتوراة يجب أن يؤمن بمحمد  وإلا كان كاذباً.

ثم إنه  بين من وجه آخر كذب دعواهم، وهو أن التوراة لا تسوغ قتل الأنبياء وأنهم سوغوا ذلك، وفيه دليل على أن إيراد المناقضة على الخصم الألد جائز.

والكلام وإن كان على وجه الخطاب إلا أن المراد بذلك أسلافهم بدليل ﴿ من قبل ﴾ وتقتلون حكاية حال ماضية.

وأصل "لم" لما بإدخال لام التعليل في "ما" الاستفهامية، حذفت الألف للتخفيف أي لأي غرض وبأي حجة كان أسلافكم يقتلون الأنبياء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم الإيمان، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما تقدمه.

وفيه تنبيه على أن اليهود المعاصرين خرجوا بتكذيب محمد  من الإيمان بالتوراة كما أن أسلافهم خرجوا بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بها والله  أعلم.

التأويل: هذا حال أكثر البطالين المتشبهين بالطالبين يصغون إلى كلمات العلماء الراسخين، فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استغربته نبذوه وأنكروه، فيكذبون فريقاً منهم فراراً عن تحمل أعباء الطلب ويثيرون الفتنة على فريق بالحسد والإنكار والفتنة أشد من القتل ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب إذا ابتلى في أثناء الطلب بالرهقة أو الفترة لم يضره ذلك ما دام متمسكاً بالإرادة، فيرجى رجوعه بإذن الله وبمدد همة الأستاذ والشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة وأظهر الإنكار والاعتراض فلن يرجى فلاحه.

﴿ ولما جاءهم كتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل كل زمان يتمنون أن يدركوا أحداً من العلماء والأولياء المحظوظين بالعلوم الكسبية واللدنية ويتوسلون بهم إلى الله  عند رفع حوائجهم في صالح دعائهم ويظهرون محبتهم عند الخلق ﴿ فلما وجدوا ﴾ واحداً منهم ﴿ ما عرفوا ﴾ قدره وحسدوه وأظهروا عداوته وما أنصفوه ﴿ فباءوا بغضب ﴾ من رد ولاية الأولياء ﴿ على غضب ﴾ من الله لأوليائه كما جاء في الحديث "من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة" و "إنما أنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لجروه" والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

يعني: التوراة، وهو ظاهر.

وقوله: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ ﴾ .

وقيل: وقفينا: أَرْدَفْنَا، وهو من القفا، قفا يقفو.

وقيل: أَتبعنا رسولاً على أَثر رسول؛ كقوله: ﴿ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ﴾ \[المؤمنون: 44\] واحداً على أَثر واحدٍ.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

قيل: البينات: الحجج.

وقيل: العجائب التي كانت تجري على يديه، من خلق الطين، وإحياء الموتى، وإِبراءِ الأكمه والأَبرص، وإِنباءِ ما يأْكلون وما يدخرون.

وقيل: البينات: الحلال والحرام.

ثم الرسل في أَنفسهم حفظوا حججاً؛ فلم يحتج كل قول يقولون إلى أن يكون مصحوباً بدليل وبيانٍ على صدقهم؛ لأَنهم في أَنفسهم حجة.

وأما سائر الناس فليسوا بحجج في أَنفسهم، فلا بد لكل قول يقولون أَن يأْتوا بدليلٍ يدل على صدقهم، وبيانٍ يُظهر الحقَّ من الباطل، والصوابَ من الخطأ، والصدقَ من الكذب.

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ ﴾ : قويناه.

﴿ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: روح القدس: جبريل.

وفي الأَصل: القدوس، لكن طرحت الواو للتخفيف.

وتأْييدُه: هو أَن عصمه على حفظه؛ حتى لم يدن منه شيطان، فضلاً أَن يدنو بشيء، والله أعلم.

وقيل: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ يعني بالروح: روح الله.

ووجه إضافةِ روح عيسى إلى الله - عز وجل -: أَن تكون أضيفت تعظيماً له وتفضيلاً، وذلك أن كل خاص أُضيف إلى الله - عز وجل - أُضيف؛ تعظيماً لذلك الشيء، وتفضيلاً له، كما يقال لموسى: كليم الله، ولعيسى: روحُ الله، ولإبراهيم: خليلُ الله، على التعظيم والتفضيل.

وإذا أُضيف الجُمَل إلى الله - عز وجل - فإنما تضاف؛ تعظيماً له - عز وجل - وتنزيهاً؛ كقوله: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ أُضيف ذلك إليه؛ تعظيماً وتنزيهاً، والله الموفق.

والأَصل في ذلك: أَن خاصية الأَشياءِ إذا أُضيف ذلك إليه أضيف تعظيماً لتلك الخاصية.

وإذا أُضيف جمل الأَشياء إلى الله، فهو يخرج على تعظيم الرب والتبجيل له.

وقوله: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ .

في ظاهر هذه الآية أَنهم كذبوا فريقاً من الرسل، وقَتلوا فريقاً منهم.

ويقول بعض الناس: إنهم قتلوا الأَنبياءَ ولم يقتلوا الرسل؛ لقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ ، ولقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  ﴾ أَخبر أَنه ينصرهم، ومن كان الله ناصره فهو لا يقتل.

ومنهم من يقول: إنهم قتلوا الرسل والأنبياء.

فنقول: يحتمل قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ في رسول دون رسول، فمن نصره الله فهو لم يقتل.

أَو كان ما ذكر من النُّصرة لهم كان بالحجج والآيات.

ثم في الآية دلالة رسالة محمد  ونبوته؛ لأَنه أَخبرهم بتكذيب بعض الرسل، وقتل بعضهم، فسكتوا عن ذلك، فلولا أَنهم عرفوا أنه رسول - عرف ذلك بالله - وإلا لم يسكتوا عن ذلك.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

يعني: في أَكنة عليها الغطاء؛ فلا نفهم ما تقول، ولا نفقه ما تُحدِّث.

يدَّعون زوال الخطاب عن أَنفسهم؛ كراهية لما سمعوا.

وأَكذبَهُمُ الله  بقوله: ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ أَي: طردهم الله؛ بكفرهم، وعتوهم، وتفريطهم في تكذيب الرسول  ، واعتنادهم إياه، لا أَن قلوبهم بمحل لا يفهمون شيئاً مما يخاطبون به - على ما يزعمون - ولكن ذلك لترك التفكر والتدبر فيها.

وقيل في قوله: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ : يعني: أَوعيةً، تفهم وتعي ما يقال، ويخاطب، ولكن لا تفهم ما تقول، ولا تفقه ما تُحدث، فلو كان حقّاً وصدقاً لفهمت ولفقهت عليه.

يَدَّعون إِبطال ما يقول الرسول  لهم، وذلك نحو ما قالوا لشعيب: ﴿ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: فقليلاً أي بقليل ما يؤمنون من التوراة؛ لأَنهم عرفوا نَعْته وصفته، وحرفوه، فلم يؤمنوا به.

وقيل: فقليلاً، أَي: قليل منهم يؤمنون بالرسل، صلى الله عليهم وسلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

فلولا أنهم عرفوا أَن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب، غير مخالف له، وإلا لأَظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك، ولتكلفوا على إِطفاءِ هذا النُّور ودفعه؛ فدل سكوتهم عن ذلك، وترك اشتغالهم بذلك، أَنهمه عرفوا موافقته لما معهم من التوراة؛ ففيه آية نُبوة محمد  .

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ : يستنصرون ﴿ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ قبل أن يُبعث محمد  ، يقولون اللهم انصرنا بحق نبيِّك الذي تبعثه، فلما لم يجئهم على هواهم ومرادهم كفروا به، فلعنة الله على الكافرين.

وقوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ ﴾ .

يقول: اشتروا ما به هلاكهم بما به نجاتهم.

وذلك أَنهم كانوا آمنوا بمحمد  ؛ فكان إيمانُهم به نجاتَهم في الآخرة، فكفروا به، وذلك هلاكُهم، وبالله التوفيق.

وقيل: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ ﴾ : باعوا به أَنفسهم بعرض يسير من الدنيا، بعذاب في الآخرة أَبداً.

وقوله: ﴿ بَغْياً ﴾ .

قيل: حسداً منهم؛ وذلك أَنهم قد هَووا أن يُبعث محمد  من أَولاد إسرائيل؛ لأَنهم كانوا أُمَّتَه، فلما بُعث من أَولاد إسماعيل -  - والعربُ كانت من أَولاده كفروا به، وكتموا نعته حسداً منهم.

وقوله: ﴿ أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

يعني: النبوة والكتاب على محمد رسول الله  .

وقيل: ﴿ بَغْياً ﴾ أَي: ظلماً، ظلموا أَنفسهم بكفرهم بمحمد  ، وتكذيبهم إياه.

وقوله: ﴿ فَبَآءُو ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .

يحتمل وجهين: قيل: استوجبوا الغضب من الله؛ بكفرهم بمحمد  ، على أَثر غضب؛ بكفرهم بعيسى، وبما جاء به.

وقيل: إنما استحقوا اللَّعنة على أَثر اللَّعنةِ؛ بعصيانٍ بعد عصيانِ، وبذنب على أَثر الذنب.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .

على محمد  من القرآن.

وقوله: ﴿ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ .

يعني التوراة، وهم لم يكونوا آمنوا بالتوراة؛ لأنهم لو كانوا آمنوا بها لكان في الإيمان بها إيمان بمحمد  وبما أُنزل عليه، وإيمان بجميع الأَنبياءِ - عليهم السلام - والرسل، وبجميع ما أُنزل عليهم؛ لأَن فيها الأَمرَ بالإِيمان بجميع الرسل وبكتبهم؛ لأَنه قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ ، وموافقاً له.

فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الكتب، وبعضها موافق لبعض.

وقوله: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

قيل: وراءَ التوراة كفروا بالإِنجيل والفرقان؛ كأَنه قال: كفروا بالذي وراءَه وهو الحق؛ إذ هما موافقان لما معهم، غير مخالف له.

ويحتمل: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ﴾ يعني: وراء موسى بعيسى وبمحمد  ؛ كأَنه قال: من ورائه  .

وقوله: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

فإن قالوا: إنا لم نقتل الأَنبياءَ، ونحن مؤمنون.

قيل لهم: إنكم - وإن لم تتولوا القتلَ - فقد رَضيتُم بصنيع أُولئك، واتبعتم لهم، مع ما قد هَمُّوا بقتل محمد  مراراً؛ ولذلك أُضيف إليهم.

وقيل: أَخبر - عز وجل - نبيَّه  غاية سفههم، وعتوهم، ومكابرتهم في تكذيبه.

وذلك: أَن النبي  دعا اليهود إلى الإِيمان به، وبما أُنزل عليه.

فقالوا: ائتنا بالآيات والقربان، وكما كانت الأَنبياء - من قبل - يأْتون بها قومهم.

يقول الله - عز وجل -: قد كانت الأَنبياء من قبل تجيء - بما تقولون - إلى آبائكم؛ من الآيات والقربان، فكانوا يقتلُونهم.

فيقول الله - عز وجل - لمحمد  : أَنْ قل لهم: لن تقتلون؟

يقول: لم قتل آباؤكم أَنبياء الله قَبْلَ محمد  وقد جاءُوا بالآيات والقربان إن كنتم صادقين بأَن الله عهد إليكم في التوراة: ألا تؤمنوا لرسول حتى يأْتيكم بقربان تأْكله النار، وقد جاءُوا به.

فَلِم قتلوهم؟!

فهو - والله أعلم - أَنهم أَخذوا هذه المحاجة من أَوائلهم، وإن علموا بما ظهرت نبوة محمد  ، وأَنه مبعوث، وأَنتم تقلدونهم، فتُقلدونهم - لو أوتيتم - كما قلدتموهم، وإن علمتم بما عاينتم؛ إذ لا حجة لكم.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا قيل لهؤلاء اليهود: آمنوا بما أنزل الله على رسوله من الحق والهدى، قالوا: نؤمن بما أُنزل على أنبيائنا، ويكفرون بما سواه مما أُنزل على محمد  ، مع أن هذا القرآن هو الحق الموافق لما معهم من الله، ولو كانوا يؤمنون بما أُنزل عليهم حقًّا لآمنوا بالقرآن.

قل -أيها النبي- جوابًا لهم: لِمَ تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين حقًّا بما جاؤوكم به من الحق؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.RxJkb"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن قوله تعالى ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ  ﴾ إلخ متصل بقوله قبله ﴿ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ والمعنى أن إيمانهم كان قليلًا حال كونهم كانوا ينتظرون نبيًا وكتابًا مصدقًا لما معهم وكانوا يستفتحون به على المشركين فكيف لا يكون قليلًا، أو أقل بعد ما جاء ما كانوا ينتظرون وعرفوا أنه الحق ثم كفروا؟

فالجملة حالية، وقوله ﴿ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ  ﴾ معناه أنه موافق له في التوحيد وأصول الدين ومقاصده، والاستفتاح في قوله ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ معناه طلب الفتح وهو الفصل في الشيء والحكم ويستعمل بمعنى النصر لأنه فصل بين المتحاربين، وكانت اليهود تستفتح على مشركي العرب بالنبي المنتظر يقولون إنه سيظهر فينصر كتابه التوحيد الذي نحن عليه ويخذل الوثنية التي تنتحلونها ويبطلها، فيكون مؤيدًا لدين موسى.

﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ  ﴾ أعاد فلما جاءهم وهي عين الأولى لطول الفصل ووصل به الجواب وهو ﴿ كَفَرُوا بِهِ  ﴾ وذلك أنه راعهم كونه بعث في العرب فحسدوه فحملهم الحسد على الكفر به جحودًا وبغيًا، فسجلت عليهم اللعنة التي أصابتهم بكفرهم الأول بأن الكفر صار وصفًا لازمًا لهم ولذلك قال ﴿ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ  ﴾ ولم يقل عليهم لأن المظهر أبلغ وأهم وأشمل.

ثم ذكر علة هذا الكفر وسببه وبين فساد رأيهم فيه بقوله ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ  ﴾ أي بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم هو كفرهم بما أنزل الله مصدقًا لما معهم كما كانوا ينتظرون.

شرى الشيء واشتراه يستعمل كل منهما بمعنى باع الشيء وبمعنى ابتاعه لأن الحرف يدل على المعارضة.

وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن اشتروا هنا بمعنى باعوا أي أنهم بذلوا أنفسهم وباعوها بما حرصوا عليه من الكفر بغيًا وحسدًا للنبي، وحبًا في الرياسة واعتزازًا بالجنسية، وبما كان لكل من الرؤساء والمرؤوسين من المنافع المتبادلة في المحافظة عليها، فهذا كله يعد ثمنًا لأنفسهم التي خسروها بالكفر حتى كأنهم فقدوها كما يفقد البائع المبيع.

وذكر ابن جرير وجهًا آخر وهو أن اشتروا هنا بمعنى ابتاعوا أي أنهم جعلوا أنفسهم ثمنًا للكفر الذي ذكرت علته آنفًا.

وفيه من الزيادة على معنى المعاوضة في الوجه الأول أنهم قد أنقذوا أنفسهم بذلك الكفر، أي أنهم يزعمون ذلك ويدعونه في الظاهر، وإن كانوا في الباطن قد عرفوا أن ما جاءهم هو الحق الذي كانوا ينتظرون، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم يكتمون.

وفي فهم مما تقدم معنى قوله تعالى ﴿ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ  ﴾ فهو تعليل لكفرهم لا لشرائهم، أي كفروا به لمحض البغي الذي آثاره الحسد كراهة أن ينزل الله الوحي من فضله بمقتضى مشيئته، وأي بغي أقبح من بغي من يريد أن يحجر على فضل الله ويقيد رحمته فلا يرضى منه أن يجعل الوحي في آل إسماعيل كما جعله في آل أخيه إسحاق؟

قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يُنَزِّلَ  ﴾ بالتخفيف من الإنزال والباقون بالتشديد من التنزيل.

وأما قوله ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ  ﴾ فهو الغضب الذي استوجبوه حديثًا بالكفر بالنبي  فوق ذلك الغضب الذي لحقهم من قبل بإعنات موسی  والكفر به، وقد ذكر في قوله ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ  ﴾ ثم توعدهم بعد الغضب المزدوج فقال ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ  ﴾ أي مقرون بالإهانة والإذلال، وبذلك صار بمعنى الآية السابقة، فكأن الجزاء واحد تكرر بتكرر الذنب.

وقال ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ  ﴾ ولم يقل ﴿ وَلَهُم  ﴾ لما في المظهر من بيان التعليل بالوصف الذي سجله عليهم كما تقدم آنفًا وهذا العذاب مطلق يشمل عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقد تقدم أن ذنوب الأمم تتبعها عقوبتها في الدنيا لأنها أثر طبيعي لها، وإنما جعلها الله كذلك لتكون عبرة يتأدب المتأخرون بما أصاب منها المتقدمين.

وكذلك الحال في عقوبة الآخرة بالنسبة إلى الأفراد فإن عذاب كل شخص إنما يكون بحسب تأثير الجهل في عقله، وفساد الأخلاق وسوء الأعمال في نفسه.

اعتذر بعض اليهود في عصر التنزيل عن عدم الإيمان به بأن قلوبهم غلف لم تفهم الدعوة ولم تعقل الخطاب فرد الله تعالى عليهم ببيان السبب الحقيقي في ترك الإيمان، وما استحقوه عليه من الغضب والهوان.

ثم ذكر اعتذارًا آخر لهم مقرونًا بالرد والإبطال، وإقامة الحجة عليهم به فقال ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا  ﴾ صيغة الدعوة تشعر بوجوب الإيمان بما أنزل على محمد.

فإن ما أنزل عليه لو أنزل على غيره لوجب الإيمان به فإن الوحي هو المقصود بالذات والأنبياء إنما هم مبلغون، فتقييد الخضوع لوحي الله بكونه لا بد أن يكون منزلًا على شخص من شعب كذا بعينه تحكم على الله تعالى وقضاء عليه بأن تكون رحمته مقيدة بأهواء فريق من خلقه.

فإيراد الدعوة بما ذكر من الإطلاق مع إيراد الجواب مقيدًا بقيد ﴿ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا  ﴾ يشعر بقوة حجة الدعوة، ووهن ما بني عليه الجواب من الشبهة.

ثم صرح بالحقيقة وهي أنهم إنما يدعون هذا الإيمان بألسنتهم ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ  ﴾ من مدلول ولازم لا ينفك عنه كالبشارة برسول من بني إخوتهم أي ولد إسماعيل، وكون ما تثبت به نبوة محمد بمساواته لما تثبت به نبوة موسى يستلزم وجوب اتباع محمد كما اتبع موسى لأن المدلول يتبع دليله في كل زمن وكل موضوع.

قال إنهم يكفرون بما وراء المنزل إليهم ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ  ﴾ أي والحال أنه الحق الثابت في نفسه بالدليل حال كونه ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ  ﴾ فهو مؤيد عندهم بالعقل والنقل وقد كان من مكابرتهم وعنادهم ما كان فلم يبق إلا إلزامهم الحجة بما اقترفوا من فحش المخالفة لما أنزل إليهم والفسوق عنه ليعلم أنهم إنما يتبعون أهواءهم ويحكمون شهواتهم بما أنزل إليهم وما أنزل على محمد  ، ولذلك قال ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ بما أنزل إليكم وليس فيه الأمر بقتل الأنبياء بل فيه النهي الشديد عن قتل أنفسكم.

ومن مباحث اللفظ قوله: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُم  ﴾ حال مفردة مؤكدة والأصل فيها المقارنة لما هي قيد له، وهو يتضمن إثبات كفرهم بالتوراة بالتبع لكفرهم بالقرآن المصدق لها ولو فيما صدقها فيه والكفر ببعضه كالكفر به كله كما تقدم بيانه قريبًا.

ومن مباحث اللفظ أيضًا وضع المضارع ﴿ تَقْتُلُونَ  ﴾ موضع الماضي (قتلتم) لما سبق بيانه في مثل هذا التعبير من إرادة استحضار صورة هذا الجرم الفظيع مبالغة في التقريع، وإغراقا في التشنيع، ولما كانت هذه الصيغة تدل على الحال فتوهم أن الذين في زمن التنزيل كانوا لا يزالون يقترفون هذه الجريمة على أنه لم يكن في ذلك العهد أنبياء إلا من يبكتهم ويحتج عليهم - وصلها بقوله ﴿ مِنْ قَبْلُ  ﴾ دفعًا لذلك الوهم.

والفاء في قوله ﴿ فَلِمَ  ﴾ واقعة في جواب شرط دل عليه ما بعده.

وقد سبق القول غير مرة بأن خطاب الخلف بإسناد ما كان من سلفهم إليهم مقصود لبيان وحدة الأمة وتكافلها وكونها في الأخلاق والسجايا المشتركة بين أفرادها كالشخص الواحد وبيان أن ما تبلى به الأمم من الحسنات والسيئات إنما هو أثر الأخلاق الغالبة والأعمال الفاشية فيها منبعثة عن تلك الأخلاق فيا جرى من بني إسرائيل من المنكرات لم يكن من قذفات المصادفة، وإنما كان عن أخلاق راسخة في الشعب تبع الآخرون فيها الأولين، إما بالعمل وإما بالإقرار وترك الإنكار.

ولو أنكر المجموع ما كان من بعض الأفراد لما تفاقم الأمر، ولما تمادى واستمر.

فالحجة تقوم على الحاضرين بأن الغابرين قتلوا الأنبياء فأقرهم من كان معهم ولم يعدوا ذلك خروجًا من الدين ولا رفضًا للشريعة، وتبعهم من بعدهم على ذلك، وفاعل الكفر ومجيزه واحد، وقد سبق تقرير هذا غير مرة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله