الآية ٩٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩٨ من سورة البقرة

مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّلَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّۭ لِّلْكَـٰفِرِينَ ٩٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 142 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وأما تفسيرها فقوله تعالى : ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) أي : من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك ، فهو رسول من رسل الله ملكي [ عليه وعلى سائر إخوانه من الملائكة السلام ] ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل ، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل ، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل ، كما قال تعالى : ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) [ النساء : 150 ، 151 ] فحكم عليهم بالكفر المحقق ، إذ آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله ; لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه ، وإنما ينزل بأمر ربه كما قال : ( وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا ) [ مريم : 64 ] وقال تعالى : ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ) [ الشعراء : 192 - 194 ] وقد روى البخاري في صحيحه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب " .

ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه ، فقال : ( من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ) أي : من الكتب المتقدمة ( وهدى وبشرى للمؤمنين ) أي : هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة ، وليس ذلك إلا للمؤمنين .

كما قال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) [ فصلت : 44 ] ، وقال تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) [ الإسراء : 82 ] .

ثم قال تعالى : ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) يقول تعالى : من عاداني وملائكتي ورسلي ، ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر ، كما قال تعالى : ( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ) [ الحج : 75 ] .

( وجبريل وميكال ) وهذا من باب عطف الخاص على العام ، فإنهما دخلا في الملائكة ، ثم عموم الرسل ، ثم خصصا بالذكر ; لأن السياق في الانتصار لجبريل وهو السفير بين الله وأنبيائه ، وقرن معه ميكائيل في اللفظ ; لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم وميكائيل وليهم ، فأعلمهم أنه من عادى واحدا منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضا ; لأنه أيضا ينزل على الأنبياء بعض الأحيان ، كما قرن برسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر ، ولكن جبريل أكثر ، وهي وظيفته ، وميكائيل موكل بالقطر والنبات ، هذاك بالهدى وهذا بالرزق ، كما أن إسرافيل موكل بالصور للنفخ للبعث يوم القيامة ; ولهذا جاء في الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يقول " اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " .

وقد تقدم ما حكاه البخاري ، ورواه ابن جرير عن عكرمة أنه قال : جبر ، وميك ، وإسراف : عبيد .

وإيل : الله .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن عمير مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، قال : إنما قوله : " جبريل " كقوله : " عبد الله " و " عبد الرحمن " .

وقيل جبر : عبد .

وإيل : الله .

وقال محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين ، قال : أتدرون ما اسم جبرائيل من أسمائكم ؟

قلنا : لا .

قال : اسمه عبد الله ، قال : فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم ؟

قلنا : لا .

قال : اسمه عبيد الله .

وكل اسم مرجعه إلى " يل " فهو إلى الله .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد وعكرمة والضحاك ويحيى بن يعمر نحو ذلك .

ثم قال : حدثني أبي ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، حدثني عبد العزيز بن عمير قال : اسم جبريل في الملائكة خادم الله .

قال : فحدثت به أبا سليمان الداراني ، فانتفض وقال : لهذا الحديث أحب إلي من كل شيء [ وكتبه ] في دفتر كان بين يديه .

وفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات ، تذكر في كتب اللغة والقراءات ، ولم نطول كتابنا هذا بسرد ذلك إلا أن يدور فهم المعنى عليه ، أو يرجع الحكم في ذلك إليه ، وبالله الثقة ، وهو المستعان .

وقوله تعالى : ( فإن الله عدو للكافرين ) فيه إيقاع المظهر مكان المضمر حيث لم يقل : فإنه عدو للكافرين .

قال : ( فإن الله عدو للكافرين ) كما قال الشاعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا وقال آخر : ليت الغراب غداة ينعب دائبا كان الغراب مقطع الأوداج وإنما أظهر الاسم هاهنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره ، وإعلامهم أن من عادى أولياء الله فقد عادى الله ، ومن عادى الله فإن الله عدو له ، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة ، كما تقدم الحديث : " من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب " .

وفي الحديث الآخر : " إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب " .

وفي الحديث الصحيح : " ومن كنت خصمه خصمته " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه من كان عدوا لله، من عاداه، وعادى جميع ملائكته ورسله؛ (65) وإعلام منه أن من عادى جبريل فقد عاداه وعادى ميكائيل، وعادى جميع ملائكته ورسله.

لأن الذين سماهم الله في هذه الآية هم أولياء الله وأهل طاعته, ومن عادى لله وليا فقد عادى الله وبارزه بالمحاربة, ومن عادى الله فقد عادى جميع أهل طاعته وولايته.

لأن العدو لله عدو لأوليائه, والعدو لأولياء الله عدو له.

فكذلك قال لليهود - الذين قالوا: إن جبريل عدونا من الملائكة, وميكائيل ولينا منهم-: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين)، من أجل أن عدو جبريل عدو كل ولي لله.

فأخبرهم جل ثناؤه أن من كان عدوا لجبريل، فهو لكل من ذكره - من ملائكته ورسله وميكال - عدو, وكذلك عدو بعض رسل الله، عدو لله ولكل ولي.

وقد:- 1634 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله - يعني العتكي -، عن رجل من قريش قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود فقال: أسالكم بكتابكم الذي تقرءون، هل تجدون به قد بشر بي عيسى ابن مريم أن يأتيكم رسول اسمه أحمد؟

فقالوا: اللهم وجدناك في كتابنا، ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال وتهَرِيق الدماء.

فأنـزل الله: (من كان عدوا لله وملائكته) الآية.

(66) 1635 - حدثت عن عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن حصين بن عبد الرحمن, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إن يهوديا لقي عمر فقال له: إن جبريل الذي يذكره صاحبك، هو عدو لنا.

فقال له عمر: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) .

قال: فنـزلت على لسان عمر.

* * * وهذا الخبر يدل على أن الله أنـزل هذه الآية توبيخا لليهود في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم, وإخبارا منه لهم أن من كان عدوا لمحمد فالله له عدو, وأن عدو محمد من الناس كلهم، لمن الكافرين بالله، الجاحدين آياته.

* * * فإن قال قائل: أو ليس جبريل وميكائيل من الملائكة؟

قيل: بلى.

فإن قال: فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما, وقد مضى ذكرهما في الآية في جملة أسماء الملائكة؟

قيل: معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما، أن اليهود لما قالت: " جبريل عدونا، وميكائيل ولينا " - وزعمت أنها كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم، من أجل أن جبريل صاحب محمد صلى الله عليه وسلم - أعلمهم الله أن من كان لجبريل عدوا, فإن الله له عدو, وأنه من الكافرين.

فنص عليه باسمه وعلى ميكائيل باسمه, لئلا يقول منهم قائل: إنما قال الله: من كان عدوا لله وملائكته ورسله, ولسنا لله ولا لملائكته ورسله أعداء.

لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصا، وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه.

وكذلك قوله: (ورسله)، فلست يا محمد داخلا فيهم.

فنص الله تعالى على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم، ليقطع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم, ويحسم تمويههم أمورهم على المنافقين.

* * * وأما إظهار اسم الله في قوله: (فإن الله عدو للكافرين)، وتكريره فيه - وقد ابتدأ أول الخبر بذكره فقال: (من كان عدوا لله وملائكته) - فلئلا يلتبس لو ظهر ذلك بكناية, فقيل: " فإنه عدو للكافرين "، على سامعه، من المَعْنِيّ بـ " الهاء " التي في" فإنه ": أألله، أم رسل الله جل ثناؤه, أم جبريل, أم ميكائيل؟

إذ لو جاء ذلك بكناية على ما وصفت، فإنه يلتبس معنى ذلك على من لم يوقف على المعني بذلك، لاحتمال الكلام ما وصفت، وقد كان بعض أهل العربية يوجه ذلك إلى نحو قول الشاعر: (67) ليـت الغـراب غـداة ينعَـب دائمـا كــــان الغــــراب مقطـــع الأوداج (68) وأنه إظهار الاسم الذي حظه الكناية عنه.

والأمر في ذلك بخلاف ما قال.

وذلك أن " الغراب " الثاني لو كان مكنى عنه، لما التبس على أحد يعقل كلام العرب أنه كناية اسم " الغراب " الأول, إذ كان لا شيء قبله يحتمل الكلام أن يوجه إليه غير كناية اسم " الغراب " الأول - وأن قبل قوله: (فإن الله عدو للكافرين) أسماء، لو جاء اسم الله تعالى ذكره مكنيا عنه، (69) لم يعلم من المقصود إليه بكناية الاسم، إلا بتوقيف من حجة.

فلذلك اختلف أمراهما.

-------------- الهوامش: (28) في المطبوعة : "يونس عن بكير" ، وهو خطأ محض .

(29) في المطبوعة : "فيما أرى" - وانظر ما سلف قريبا : 376 .

(30) في تفسير ابن كثير 1 : 239"أنت الآن فحدثنا .

.

" ، وهي جيدة .

(31) الأثر: 1605 - إسناده صحيح.

يونس بن بكير بن واصل الشيباني: ثقة، من تكلم فيه فلا حجة له، وأخرج له مسلم في صحيحه.

وترجمته في التهذيب، والكبير للبخاري 4 / 2 / 411، وابن سعد 6: 279، وابن أبي حاتم 4 /2 /236.

ووقع في المطبوعة هنا"يونس عن بكير" وهو خطأ واضح.

عبد الحميد بن بهرام - بفتح الباء وسكون الهاء - الفزاري: ثقة، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما.

وتكلم فيه بعضهم من أجل روايته عن شهر بن حوشب، وهو راويته، ولكن شهر ثقة أيضًا، كما أشرنا في: 1489.

والحديث رواه أحمد في المسند، مطولا: 2514، وابن سعد في الطبقات 1/1/115 - 116، كلاهما من هاشم بن القاسم، عن عبد الحميد بن بهرام، بهذا الإسناد.

ثم رواه أحمد: 2515، عن محمد بن بكار، عن عبد الحميد بن بهرام، به ولم يذكر لفظه، إحالة على ما قبله.ورواه أحمد أيضًا: 2471، مختصرا، عن حسين، هو ابن محمد المروزي عن عبد الحميد بن بهرام.

ورواه أيضًا: 2483، من وجه آخر، أطول قليلا.

وكذلك رواه أبو نعيم في الحلية 4: 304 - 305 من هذا الوجه.

وذكر الهيثمي الرواية: 2483، وأشار إلى ما في الرواية: 2514 من الزيادة، في مجمع الزوائد 8: 241 - 242، وقال:"رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات".ونقل ابن كثير في التفسير 1: 238 - 239 رواية الطبري التي هنا، ثم أشار إلى رواية المسند: 2514.

ثم نقل رواية المسند: 2483 فيه 1: 240، ونقل روايتي المسند أيضًا 2: 186 - 187.

(32) في المطبوعة : "فأيهما غلبت صاحبتها" ، والصواب من نص سيرة ابن هشام 2 : 191 - 192 .

(33) نص ابن إسحاق في رواية ابن هشام 2 : 192 : "هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به ، تنام عيناه وقلبه يقظان؟

فقالوا : اللهم نعم .

قال : فكذلك نومي ، تنام عيني وقلبي يقظان .

قالوا : فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟" وبعد ذلك اختلاف أيضًا في رواية ابن جرير عن ابن إسحاق .

(34) في سيرة ابن هشام : "هل تعلمونه" ، وهو أشبه بالصواب .

(35) الأثر: 1606 - هو حديث مرسل، مضى جزء منه، بهذا الإسناد: 1489.

وأشار إليه ابن كثير 239:1 - 240، عقب حديث ابن عباس الذي قبله، وصرح أيضًا بأنه رواه محمد بن إسحاق مرسلا.وفي سيرة ابن هشام 2: 191 - 192، وفيه اختلاف في بعض اللفظ.

وقد ساق ابن كثير هذين الأثرين (1605، 1606) وخرجهما، وواستوفى الكلام في هذه القصة في تفسيره 1: 238 - 245.

(36) في تفسير ابن كثير 1 : 240 : "إلا بشدة وحرب وقتال فإنه لنا عدو" .

(37) الأثر : 1607 - وهذا منقطع ، وقد ذكره ابن كثير 1 : 240 ، عن هذا الموضع و"القاسم بن أبي بزة" : سبق في : 631 ، وهو يروى عن التابعين .

(38) في المطبوعة : "وقال : إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة" ، وهي عبارة ركيكة .

وأثبت ما جاء في تفسير ابن كثير عن الطبري 1 : 240 .

وقوله"أيما" استفهام وتعجب ، وأكثر ما تكتب : "أيم" (بفتح فسكون ففتح) ، وبحذف الألف .

تقول : أيم تقول؟

أي : أي شيء تقول؟

وانظر اللسان (أيم) .

يتعجب عمر من فعلهم .

(39) في تفسير ابن كثير 1 : 242 : "قد غلظ عليكم" .

(40) في المطبوعة : "أي هلكتم" ، والصواب في تفسير ابن كثير .

(41) السلم : المسالم .

تقول : أنا سلم لمن سالمني .

رجل سلم ، وقوم سلم ، وامرأة سلم .

(42) في المطبوعة : "خرقة" ، وفي تفسير ابن كثير"خوخة" والصواب"مخرفة" كما أثبتها .

والمخرفة : البستان ، أو سكة بين صفين من نخل .

خرف النخل والثمر : اجتناه ، واجتناء الثمر ه"الخرفة" (بضم فسكون) .

(43) في المطبوعة : "بأبي وأمي يا رسول الله" بإسقاط"أنت" ، وأثبت ما في تفسير ابن كثير (44) الحديث: 1608 - وهذا مرسل أيضًا.

ذكره ابن كثير 1: 241 - 243، عن هذا الموضع، ثم عن تفسير ابن أبي حاتم، من رواية مجالد عن عامر - وهو الشعبي - وسيأتي نحوها أيضًا من رواية مجالد رقم: 1614.

ثم قال ابن كثير:"وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر.

ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر، فإنه لم يدرك زمانه".

وقال السيوطي في الدر المنثور 1: 90"صحيح الإسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر".

رِبْعِي، بكسر الراء والعين المهملة، بينهما باء موحدة ساكنة، وآخره ياء تحتية مشددة: هو"ربعي بن إبراهيم بن مقسم الأسدي" عرف"بابن علية"، كأخيه"إسماعيل بن علية".

وربعي: ثقة مأمون، من شيوخ أحمد وأبي خيثمة وغيرهما.

وقال عبد الرحمن بن مهدي:"كنا نعد ربعي بن علية من بقايا شيوخنا".

وفي المسند: 7444 أن أحمد بن حنبل قال:"كان يفضل على أخيه".

وهو مترجم في التهذيب، والكبير 2 / 1 /299، وابن أبي حاتم 1 /2 /509 - 510.داود بن أبي هند: ثقة، جيد الإسناد، رفع، من حفاظ البصرين.

ترجمته في التهذيب، والكبير 2/1/211 -212، والصغير: 160، وابن أبي حاتم 1 /2 /411 - 412.

الشعبي: هو عامر بن شراحيل الهمداني، إمام جليل الشأن، من كبار التابعين.

ولكنه لم يدرك عمر، كما قال ابن كثير.

فإنه ولد سنة 19، أو سنة 20.

(45) الأثر : 1609 - في المطبوعة : "حدثني يعقوب قال حدثنا إبراهيم قال حدثنا ابن علية" والصواب ما أثبته ، يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، وقد سلف مرارا بهذا الإسناد ، وروايته عن ابن علية (46) السنة : الجدب والقحط .

(47) سكت الرجل : صمت .

وأسكت الرجل (غير متعد) : انقطع كلامه فلم يتكلم ، وأطرق من فكرة انتابته وقطعته .

(48) الأثر : 1613 - في الدر المنثور 1 - 91 مع اختلاف يسير في اللفظ واختصار في روايته .

(49) في تفسير ابن كثير 1 : 243 : "ما ينزلان إلا بإذن الله" ، وكأنه هو الصواب .

(50) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، زدتها من تفسير ابن كثير 1 : 242 ، من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره .

(51) الحديث: 1614 - وهذا إسناد مرسل أيضًا، ووقع فيه في المطبوعة خطأ في موضعين أثبتنا الصواب لليقين به.

وكان في المطبوعة"حدثنا عبد الرحمن بن مغراء قال حدثنا زهير عن مجاهد عن الشعبي".

فلا يوجد في شيوخ ابن مغراء، ولا في الرواة عن"مجاهد" أو"مجالد" من يسمى"زهيرا".

و"مجاهد عن الشعبي" خطأ أيضًا، وكلاهما من كبار التابعين، من طبقة واحدة، ومجاهد أقدم قليلا.

وعبد الرحمن بن مغراء لا يدرك أن يروى عن مجاهد، ولا عن الشعبي.

ومجالد: هو ابن سعيد الهمداني، وهو ثقة، ضعفه بعض الأئمة.

وروى عنه من الأئمة: شعبة والسفيانان وابن المبارك، ورجحنا تصحيح حديث القدماء عنه، في شرح المسند: 3781، لأن أعدل كلمة فيه قول عبد الرحمن بن مهدي:"حديث مجالد عند الأحداث، يحيى بن سعيد وأبي أسامة، ليس بشيء، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد وهشيم وهؤلاء القدماء،".

قال ابن حاتم:"يعني أنه تغير حفظه في آخر عمره".

وذكر ابن سعد في ترجمته 6: 243 جرح يحيى القطان إياه، ثم قال:"وقد روى عنه يحيى بن سعيد القطان مع هذا، وروى عنه سفيان الثورى، وشعبة، وغيرهم".

وترجمته في التهذيب، والكبير للبخاري 4/ 2/9، والصغير: 168، 169، وابن أبي حاتم 4 /1/ 361 - 362.

إسحاق بن الحجاج الرازي: هو الطاحوني المقرئ، ترجمنا له فيما مضى: 230.

وعبد الرحمن بن مغراء بن عياض الدوسي، أبو زهير: ثقة، تكلم بعضهم في روايته عن الأعمش، وهو مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 2 /2 /290 - 291.

وهذا الحديث نقله ابن كثير 1: 242 - 243، من تفسير ابن أبي حاتم."حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر.." - وهو الشعبي، فذكر نحوه.

ثم بين ابن كثير أنه منقطع، كما أشرنا آنفًا.

الراجح عندي أن عبد الرحمن بن مغراء ممن روى عن مجالد بعد تغيره.

(52) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 63 .

(53) ديوانه : 450 ، ونقائض جرير والأخطل : 87 ، من قصيدته الدامغة في هجاء الأخطل ، والضمير إلى تغلب ، رهط الأخطل ، وقبله : قبــح الإلـه وجـوه تغلـب, كلمـا شَــبَح الحجــيج وكـبروا إهـلالا (54) في المطبوعة : "فعيل" ، هو خطأ .

(55) هو الربيع بن زياد العبسي ، أحد الكملة من بني فاطمة بنت الخرشب الأنمارية .

(56) الأغاني 14 : 92 ، 16 : 22 ، واللسان (سمل) ، من أبيات أرسلها الربيع إلى النعمان ابن المنذر في خبر طويل ، حين قال لبيد في رجزه : مهـلا, أبيـت اللعـن, لا تـأكل معـه وزعم أنه أبرص الخبيثة ، وذكر من فعله قبيحا كريها ، فرحل الربيع عن النعمان ، وكان له نديما ، وأرسل إليه أبياته .

لئـن رحـلت جمـالي لا إلـى سـعة مـا مثلهـا سـعة عرضـا ولا طولا بحـيث لـو وزنـت لخـم بأجمعهـا لـم يعدلـوا ريشـة من ريش سمويلا تـرعى الـروائم أحـرار البقـول بها لا مثــل رعيكـم ملحـا وغسـويلا فـاثبت بـأرضك بعـدي, واخل متكئا مـع النطاسـي طـورا وابـن توفيلا ولخم : هم رهط آل المنذر ملوك الحيرة .

(57) الخبر : 1625 - الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي : ضعيف قال أبو زرعة : "لا يصدق" .

وهو مترجم في لسان الميزان ، وابن أبي حاتم 1/2/61 -62 ، والأنساب ، في الورقة : 401 .

و"العنقزي" : بفتح العين المهلة والقاف بينهما نون ساكنة وبالزاي .

ووقع في المطبوعة"العبقري" ، وهو تصحيف .

وكذلك سيأتي في رقم : 1655 ، بالتصحيف ، وصححناه هناك .

(58) في المطبوعة : "قال : لا" ، والصواب ما أثبت .

(59) لعله"وميكا" .

قال : "عبيد" بالتصغير ، كما سلف آنفًا .

(60) لعل الصواب أن يقول : "إسراف" ، مكان"إسرا" ، أو تكون الأولى"إسرائيل" مكان"إسرافيل" .

(61) القطع : الحال هنا .

وانظر ما سلف 1 : 230 - 232 ، 330 ، 561 .

(62) في المطبوعة : "وهي تصديقه" والصواب ما أثبت ، يريد : وهي توافقه .

كما فسر قبل .

(63) انظر ما سلف 1 : 166 - 170 ، 230 ، 249 ثم 549 - 551 .

(64) انظر ما سلف 1 : 383 .

(65) هكذا في المطبوعة : "من كان عدوا لله" ، وهو لايستقيم ، وكأن الصواب"أن من كان عدوا لله ، عاداه وعادى جميع ملائكته ورسله" بإسقاط"من" من"من عاداه" .

(66) الحديث : 1634 - عبيد الله العتكي : هو عبيد الله بن عبد الله ، أبو المنيب العتكي ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وغيره .

وذكره البخاري في كتاب الضعفاء ، ص : 22 ، وقال : "عنده مناكير" .

وقال ابن أبي حاتم 2 /2 /322 في ترجمته : "سمعت أبي يقول : هو صالح الحديث .

وأنكر على البخاري إدخاله في كتاب الضعفاء .

وقال : "يحول" .

ولكن هذا الحديث منقطع ضعيف الإسناد ، لأن أبا المنيب إنما يروى عن التابعين .

والخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 265 ، من طريق إسحاق بن إبراهيم ، عن جرير ، به .

وصحه الذهبي في مختصره .

ونقله ابن كثير 1 : 248 - 249 ، عن الطبري ، ثم أشار إلى رواية الحاكم .

(67) هو جرير .

(68) ديوانه 89 ، وأمالي ابن الشجرى 1 : 243 ، وغيرهما .

ورواية ديوانه"ينعت بالنوى" وهو الجيد ، فإن قبله : إن الغــراب, بمـا كـرهت, لمـولع بنــوى الأحبــة دائــم التشـحاج والأوداج جمع ودج : وهو عرق من عروق تكتنف الحلقوم .

(69) في المطبوعة : "وإن قيل قوله فإن الله عدو للكافرين" اسما لو جاء .

.

" والصواب ما أثبت .

وقد رجم مصححو المطبوعة رجما لا خير فيه في تصحيح كلام الطبري .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرينقوله تعالى : من كان عدوا لله شرط ، وجوابه فإن الله عدو للكافرين .

وهذا وعيد وذم لمعادي جبريل عليه السلام ، وإعلان أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم .

وعداوة العبد لله هي معصيته واجتناب طاعته ، ومعاداة أوليائه .

وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه .فإن قيل : لم خص الله جبريل وميكائيل بالذكر وإن كان ذكر الملائكة قد عمهما ؟قيل له : خصهما بالذكر تشريفا لهما ، كما قال : فيهما فاكهة ونخل ورمان .

وقيل : خصا [ ص: 37 ] لأن اليهود ذكروهما ، ونزلت الآية بسببهما ، فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود : إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته ، فنص الله تعالى عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص .

ولعلماء اللسان في جبريل وميكائيل عليهما السلام لغات ، فأما التي في جبريل فعشر :الأولى : جبريل ، وهي لغة أهل الحجاز ، قال حسان بن ثابت :وجبريل رسول الله فيناالثانية : جبريل ( بفتح الجيم ) وهي قراءة الحسن وابن كثير ، وروي عن ابن كثير أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقرأ جبريل وميكائيل فلا أزال أقرؤهما أبدا كذلك .الثالثة : جبرئيل ( بياء بعد الهمزة ، مثال جبرعيل ) ، كما قرأ أهل الكوفة ، وأنشدوا :شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة مدى الدهر إلا جبرئيل أمامهاوهي لغة تميم وقيس .الرابعة : جبرئل ( على وزن جبرعل ) مقصور ، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم .الخامسة : مثلها ، وهي قراءة يحيى بن يعمر ، إلا أنه شدد اللام .السادسة : جبرائل ( بألف بعد الراء ثم همزة ) وبها قرأ عكرمة .السابعة : مثلها ، إلا أن بعد الهمزة ياء .الثامنة : جبرييل ( بياءين بغير همزة ) وبها قرأ الأعمش ويحيى بن يعمر أيضا .التاسعة : جبرئين ( بفتح الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون ) .العاشرة : جبرين ( بكسر الجيم وتسكين الباء بنون من غير همزة ) وهي لغة بني أسد .قال الطبري : ولم يقرأ بها .

قال النحاس - وذكر قراءة ابن كثير - : " لا يعرف في كلام العرب فعليل ، وفيه فعليل ، نحو دهليز وقطمير وبرطيل ، وليس ينكر أن يكون في كلام العجم ما ليس له نظير في كلام العرب ، وليس ينكر أن يكثر تغيره ، كما قالوا : إبراهيم وإبرهم وإبراهم وإبراهام " .

قال غيره : جبريل اسم أعجمي عربته العرب ، فلها فيه هذه اللغات ولذلك لم ينصرف .قلت : قد تقدم في أول الكتاب أن الصحيح في هذه الألفاظ عربية نزل بها جبريل بلسان عربي مبين .

قال النحاس : ويجمع جبريل على التكسير جباريل .[ ص: 38 ] وأما اللغات التي في ميكائيل فست :الأولى : ميكاييل ، قراءة نافع .الثانية : وميكائيل ( بياء بعد الهمزة ) قراءة حمزة .الثالثة : ميكال ، لغة أهل الحجاز ، وهي قراءة أبي عمرو وحفص عن عاصم .

وروي عن ابن كثير الثلاثة أوجه ، قال كعب بن مالك :ويوم بدر لقيناكم لنا مدد فيه مع النصر ميكال وجبريلوقال آخر [ هو جرير ] :عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد وبجبرئيل وكذبوا ميكالاالرابعة : ميكئيل مثل ميكعيل ، وهي قراءة ابن محيصن .الخامسة : ميكاييل ( بياءين ) وهي قراءة الأعمش باختلاف عنه .السادسة : ميكاءل ، كما يقال ( إسراءل بهمزة مفتوحة ) ، وهو اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف .

وذكر ابن عباس أن جبر وميكا وإسراف هي كلها بالأعجمية بمعنى : عبد ومملوك .

وإيل : اسم الله تعالى ، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع سجع مسيلمة : هذا كلام لم يخرج من إل ، وفي التنزيل : لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة في أحد التأويلين ، وسيأتي .

قال الماوردي : إن جبريل وميكائيل اسمان ، أحدهما عبد الله ، والآخر عبيد الله ; لأن إيل هو الله تعالى ، وجبر هو عبد ، وميكا هو عبيد ، فكأن جبريل عبد الله ، وميكائيل عبيد الله ، هذا قول ابن عباس ، وليس له في المفسرين مخالف .قلت : وزاد بعض المفسرين : وإسرافيل عبد الرحمن .

قال النحاس : ومن تأول الحديث " جبر " عبد ، و " إل " الله وجب عليه أن يقول : هذا جبرئل ورأيت جبرئل ومررت بجبرئل ، وهذا لا يقال ، فوجب أن يكون معنى الحديث أنه مسمى بهذا .

قال غيره : ولو كان كما قالوا لكان مصروفا ، فترك الصرف يدل على أنه اسم واحد مفرد ليس بمضاف .

وروى عبد الغني الحافظ من حديث أفلت بن خليفة - وهو فليت العامري وهو أبو حسان - عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم رب جبريل وميكايل وإسرافيل أعوذ بك من حر النار وعذاب القبر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 97 و98 :ـ أي: قل لهؤلاء اليهود, الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان بك, أن وليك جبريل عليه السلام, ولو كان غيره من ملائكة الله, لآمنوا بك وصدقوا، إن هذا الزعم منكم تناقض وتهافت, وتكبر على الله، فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل بالقرآن من عند الله على قلبك, وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك, والله هو الذي أمره, وأرسله بذلك, فهو رسول محض.

مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف لها ولا مناقض, وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات, والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي, لمن آمن به، فالعداوة لجبريل الموصوف بذلك, كفر بالله وآياته, وعداوة لله ولرسله وملائكته، فإن عداوتهم لجبريل, لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله من الحق على رسل الله.

فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله وأرسله, والذي أرسل به, والذي أرسل إليه, فهذا وجه ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل: {من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} خصهما بالذكر من جملة الملائكة مع دخولهما في قوله: {وملائكته} تفضيلاً وتخصيصاً كقوله تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [68-الرحمن] خص النخل والرمان بالذكر مع دخولهما في ذكر الفاكهة، والواو فيهما بمعنى: أو، يعني من كان عدواً لأحد هؤلاء فإنه عدو للكل، لأن الكافر بالواحد كافر بالكل.

{فإن الله عدو للكافرين} قال عكرمة: "(جبر) و(ميك) و(إسراف) هي العبد بالسريانية، و(إيل) هو الله تعالى ومعناهما عبد الله وعبد الرحمن".

وقرأ ابن كثير جبريل بفتح الجيم غير مهموز بوزن فعليل قال حسان: وجبريل رسول الله فينا *** وروح القدس ليس له كفاء وقرأ حمزة والكسائي بالهمز والإشباع بوزن سلسبيل، وقرأ أبو بكر بالاختلاس، وقرأ الآخرون بكسر الجيم غير مهموز، وميكائيل قرأ أبو عمرو ويعقوب وحفص ميكال بغير همز قال جرير: عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد *** وبجبرئيل وكذبوا ميكالا وقال آخر: ويوم بدر لقيناكم لنا مدد *** فيه مع النصر جبريل وميكال وقرأ نافع : بالهمزة والاختلاس، بوزن ميفاعل، وقرأ الآخرون: بالهمز والإشباع بوزن ميكائيل، وقال ابن صوريا: "ما جئتنا بشيء نعرفه".

فأنزل الله تعالى:

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل» بكسر الجيم وفتحها بلا همز وبه بياء ودونها «وميكال» عطف على الملائكة من عطف الخاص على العام وفي قراءة ميكائيل بهمزة وياء وفي أخرى بلا ياء «فإن الله عدوٌ للكافرين» وأوقعه موقع لهم بياناً لحالهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

من عادى الله وملائكته، ورسله من الملائكة أو البشر، وبخاصة المَلَكان جبريلُ وميكالُ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم، وميكال وليُّهم، فأعلمهم الله أنه من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا، فإن الله عدو للجاحدين ما أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - تعالى - حقيقة الأمر فيمن يعادي جبريل وأن عداواته عداوة الله - تعالى - فإنه أمين وجيه إلى رسله ليس له في ذلك شيء إلا أن يبلغ ما أمر به فقال تعالى : ( مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ) .والمعنى : أن عداوة جبريل عداوة لله ، وأن عداوة محمد صلى الله عليه وسلم عداوة لله - أيضاً - فالإِيمان بالله وملائكته ورسله وحدة لا تتجزأ فمن كفر بواحد منهم فهو كافر بالجميع .ومعنى عداوة العبد لله : كفره به ومخالفته لأوامره ونواهيه ومعنى عداوته لملائكته : إنكار فضلهم ووصفهم بما ينافي عصمتهم ورفعة منزلتهم .

ومعنى عداوته لرسله : تكذيبه لهم وتعمده إلحاق الأذى بهم ومعنى عداوة الله لعبده : غضبه سبحانه - عليه ، ومجازاته له على كفره .

وصدر - سبحانه - الكلام باسمه الجليل تفخيماً لشأن ملائكته ورسله وإشعاراً بأن عداوتهم إنما هي عداوة له - تعالى- .وأفرد - سبحانه - جبريل وميكال بالذكر ، مع اندراجهما تحت عموم ملائكته ، لتصريح اليهود بعداوة جبريل وتعظيم ميكائيل ، فأفردهما بالذكر للتنبيه على أن المعاداة لأحدهما معاداة للجميع ، وأن الكفر بأحدهما كفر بالآخر .قال ابن جرير : " فإن قال قائل : أو ليس جبريل وميكائيل من الملائكة؟

قيل بلى ، فإن قال : فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما في الآية في جملة أسماء الملائكة؟

قيل : معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما أن اليهود لما قالت جبريل عدونا وميكائيل ولينا ، وزعمت أنها كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم من أجل أن جبريل صاحبه ، أعلمهم الله - تعالى - أن من كان لجبريل عدواً فإن الله عدو له وأنه من الكافرين ، فنص عليه باسمه وعلى ميكائيل باسمه ، لئلا يقول منهم قائل : إنما قال الله : من كان عدواً لله وملائكته ورسله ، ولسنا لله ولا لملائكته ، ولا لرسله أعداء ، لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصاً ، وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه ، وكذلك قوله ورسله فلست يا محمد داخلا فيهم ، فنص الله - تعالى - على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم ليقلع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم ، ويحسم تمويهم أمورهم على ضعاف الإِيمان " .وقال - سبحانه - في ختام الآية الكريمة ( فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ) ولم يقل فإن الله عدو له أو لهم ، ليدل على أن عداوة كل واحد ممن اشتملت الآية الكريمة على ذكرهم كفر وجحود ، وليكون اندراجهم تحت هذا الحكم العام من باب إثبات الحكم بالدليل ، وللإِشعار بأن عداوة الله - تعالى - لهم سببها كفرهم فإن الله لن يعادي قوماً لذواتهم ولا لأنسابهم ، وإنما يكره لهم الكفر ويعاقبهم عليه معاقبة العدو للعدو .قال صاحب المنار : " فهذه الآية الكريمة وعيد لهم بعد بيان فساد العلة التي جاءوا بها ، فهم لم يدعوا عداوة لهؤلاء كلهم ، لكنهم كذلك في نفس الأمر ، فأراد أن يبين حقيقة حالهم في الواقعِ ، وهي أنهم أعداء كل من يمثله ويدعو إليه ، فالتصريح بعداوة جبريل كالتصريح بعداوة ميكائيل الذي يزعمون أنهم يحبونه .

وأنهم كانوا يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم لو كان هو الذي ينزل بالوحي عليه ، ومعاداة القرآن الكريم كمعاداة سائر الكتب الإِلهية لأن المقصود من الجميع واحد فقولهم السابق وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر ، وهذا من ضروب إيجاز القرآن الكريم التي انفرد بها " .وبهذا تكون الآيتان الكريمتان قد دمغتا اليهود بالكفر والجهالة ، لمعاداتهم لجبريل وتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وبينتا ما عليه أمرهم من خزي وهوان بسبب هذه العداوة التي لا باعث عليها إلا الحسد ، وكراهية أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا النوع أيضاً من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ ﴾ لابد له من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري مجرى المحاجة، فإذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره الله تعالى بذلك والمفسرون ذكروا أموراً، أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال: يا محمد كيف نومك، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان؟

فقال عليه السلام: «تنام عيناي ولا ينام قلبي» قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة؟

فقال: أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر، فمن المرأة فقال صدقت.

فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه؟

فقال: أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له، قال: صدقت فقال: أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه؟

فقال عليه السلام: «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب، وهو لحمان الإبل وألبانها؟» فقالوا: نعم.

فقال له: بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله؟

قال: «جبريل».

قال: إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك، فقال عمر: وما مبدأ هذه العداوة؟

فقال ابن صوريا مبدأ هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له: بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب بيت المقدس، فلا فائدة في قتله، ثم إنه كبر وقوى وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا، فلذلك نتخذه عدواً، وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل فقال عمر؛ فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل وهما عدوان لمن عداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.

وثانيها: روي أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدراس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟

قالوا: أقرب منزلة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدواً لجبريل فقال عمر: لئن كان كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدو لأحدهما كان عدواً للآخر ومن كان عدواً لهما كان عدواً الله، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد وافقك ربك يا عمر قال عمر: لقد رأيتني في دين بعد ذلك أصلب من الحجر.

وثالثها: قال مقاتل زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا، أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله هذه الآيات.

واعلم أن الأقرب أن يكون سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد عليه السلام لأن قوله: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله ﴾ مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة وتقرير هذا من وجوه، أولها: أن الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر الله الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة الله وعداوة الله كفر، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر.

وثانيها: أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب فإما أن يقال: إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر الله وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر الله فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟.

وثالثها: أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود فإنزال التوراة على موسى شق على قوم آخرين، فإن اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نفرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه.

المسألة الثانية: من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود: إن جبريل عدوهم قالوا: لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن أحداً من سلفهم لم يقل بذلك، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية الله أصدق، ولأن جهلهم كان شديداً وهم الذين قالوا؛ ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ  ﴾ .

المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير: جبريل بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزاً والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن قنديل وفيه سبع لغات ثلاث منها ذكرناها، وجبرائيل على وزن جبراعل وجرائيل على وزن جبراعيل وجبرايل على وزن جبراعل وجبرين بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة.

المسألة الرابعة: قال بعضهم: جبريل معناه عبد الله، ف جبر عبد وإيل الله: وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم، قال: أبو علي السوسي: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله أيل والثاني: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً.

أما قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: الهاء في قوله تعالى: فإنه وفي قوله: نزله إلى ماذا يعود؟

الجواب فيه قولان: أحدهما: أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية: على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله: ﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ  ﴾ يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم.

أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله.

قال صاحب الكشاف: إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته، وثانيهما: المعنى فإن الله نزل جبريل عليه السلام لا أنه نزل نفسه.

السؤال الثاني: القرآن: إنما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فما السبب في قوله نزله على قلبك؟

الجواب: هذه المسألة ذكرناها في سورة الشعراء في قوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ  ﴾ وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظاً حتى أداه إلى أمته، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظاً جاز أن يقال: نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه.

السؤال الثالث: كان حق الكلام أن يقال على قلبي، والجواب: جاءت على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي، من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك.

السؤال الرابع: كيف استقام قوله: ﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ﴾ جزاء للشرط؟

والجواب فيه وجهان: الأول: أنه سبحانه وتعالى بين أن هذه العداوة فاسدة لأنه ما أتى إلا أنه أمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يجب أن يكون مشكوراً فكيف تليق به العداوة، والثاني: أنه تعالى بين أن اليهود إن كانوا يعادونه فيحق لهم ذاك، لأنه نزل عليك الكتاب برهاناً على نبوتك، ومصداقاً لصدقك وهم يكرهون ذلك فكيف لا يبغضون من أكد عليهم الأمر الذي يكرهونه.

أما قوله تعالى: ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ فالأظهر بأمر الله وهو أولى من تفسيرة بالعلم لوجوه.

أولها؛ أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن.

وثانيها: أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم.

وثالثها: أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة.

أما قوله تعالى: ﴿ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب دون كتاب، ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب، فلم صار بأن يكون مصدقاً لها لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق لها؟

قلنا: الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بتلك الأوقات ومنتهية في هذا الوقت بناء على أن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة، وحينئذ لا يكون بين القرآن وبين سائر الكتب اختلاف في الشرائع.

أما قوله تعالى: ﴿ وهدى ﴾ فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين.

أحدهما: بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى.

وثانيهما: بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى، ولما كان الأول مقدماً على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى، فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟

الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ .

والثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين، فلهذا خصهم الله به.

أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلئِكَتِهِ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ ﴾ لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد، وجب أن يكون عدواً لله تعالى، بين في هذه الآية أن من كان عدواً لله كان عدواً له، فبين أن في مقابلة عداوتهم ما يعظم ضرر الله عليهم وهو عداوة الله لهم، لأن عداوتهم لا تؤثر ولا تنفع ولا تضر، وعداوته تعالى تؤدي إلى العذاب الدائم الأليم الذي لا ضرر أعظم منه، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار بالعدو، وذلك محال على الله تعالى؟

والجواب: أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وذلك محال على الله تعالى، بل المراد منه أحد وجهين، إما أن يعادوا أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله كقوله: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ وكقوله: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ لأن المراد بالآيتين أولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذية عليه، وإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته وبعدهم عن التمسك بذلك فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة، فأما عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة لأن الإضرار جائز عليهم لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم، وعداوتهم مؤثرة في اليهود لأنها في العاجل تقتضي الذلة والمسكنة، وفي الآجل تقتضي العذاب الدائم.

السؤال الثاني: لما ذكر الملائكة فلم أعاد ذكر جبريل وميكائيل مع اندراجهما في الملائكة؟

الجواب لوجهين: الأول: أفردهما بالذكر لفضلهما كأنهما لكمال فضلهما صارا جنساً آخر سوى جنس الملائكة.

الثاني: أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إنما نزلت بسببهما، فلا جرم نص على اسميهما، واعلم أن هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم يصح هذا التأويل، وإذا ثبت هذا فنقول: يجب أن يكون جبريل عليه السلام أفضل من ميكائيل لوجوه، أحدها: أنه تعالى قدم جبريل عليه السلام في الذكر، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفاً فوجب أن يكون مستقبحاً شرعاً لقوله عليه السلام: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن».

وثانيها: أن جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو مادة بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل.

وثالثها: قوله تعالى في صفة جبريل: ﴿ مطاع ثَمَّ أَمِينٍ  ﴾ ذكره يوصف المطاع على الإطلاق، وظاهره يقتضي كونه مطاعاً بالنسبة إلى ميكائيل فوجب أن يكون أفضل منه.

المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم ميكال بوزن قنطار، ونافع ميكائل مختلسة ليس بعد الهمزة ياء على وزن ميكاعل، وقرأ الباقون ميكائيل على وزن ميكاعيل، وفيه لغة أخرى ميكئيل على وزن ميكعيل، وميكئيل كميكعيل، قال ابن جنّي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه.

المسألة الثالثة: الواو في جبريل وميكال، قيل: واو العطف، وقيل: بمعنى أو يعني من كان عدواً لأحد من هؤلاء فإن الله عدو لجميع الكافرين.

المسألة الرابعة: ﴿ عَدُوٌّ للكافرين ﴾ أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ليدل على أن الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي: أن عبد الله بن صوريا من أحبار (فدك) حاجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال: جبريل، فقال: ذاك عدوّنا، ولو كان غيره لآمنا بك، وقد عادانا مراراً، وأشدّها أنه أنزل على نبينا أنّ بيت المقدس سيخربه بختنصّر، فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاما مسكيناً، فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه.

وقيل: أمره الله تعالى أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا.

وروي: أنه كان لعمر رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة، وكان ممرّه على مدارس اليهود، فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم، فقالوا: يا عمر، قد أحببناك، وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما أجيئكم لحبكم، ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإنّ ميكائيل يجيء بالخصب والسلام.

فقال لهم: وما منزلتهما من الله تعالى قالوا: أقرب منزلة، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره.

وميكائيل عدوّ لجبريل.

فقال عمر: لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوّين، ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدّواً لله.

ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد وافقك ربك يا عمر.

فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر.

وقرئ: ﴿ جبرئيل ﴾ ، بوزن قفشليل و ﴿ جبرئل ﴾ بحذف الياء، و ﴿ جبريل ﴾ بحذف الهمزة، و ﴿ جبريل ﴾ بوزن قنديل، و ﴿ جبرالّ ﴾ بلام شديدة.

و ﴿ جبرائيل ﴾ بوزن جبراعيل.

و ﴿ جبرائل ﴾ بوزن جبراعل.

ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة.

وقيل معناه: عبد الله.

الضمير في ﴿ نَزَّلَهُ ﴾ للقرآن.

ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه، حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه، ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته ﴿ على قَلْبِكَ ﴾ أي حفظه إياك وفهمكه ﴿ بإذنالله ﴾ بتيسيره وتسهيله.

فإن قلت: كان حق الكلام أن يقال: على قلبي.

قلت: جاءت على حكاية كلام الله تعالى كما تكلم به، كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي: من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزله على قلبك.

فإن قلت: كيف استقام قوله: ﴿ فإنه نزله ﴾ جزاء للشرط؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدّقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.

والثاني: إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدّقاً لكتابهم وموافقاً له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه، أُفرد الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر، وهو مما ذكر أنّ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات.

وقرئ: ﴿ ميكال ﴾ ، بوزن قنطار.

و ﴿ ميكائيل ﴾ كميكاعيل.

و ﴿ ميكائل ﴾ كميكاعل.

و ﴿ ميكئل ﴾ كميكعل.

و ﴿ ميكئيل ﴾ كميكعيل.

قال ابن جني: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه.

﴿ عَدُوٌّ للكافرين ﴾ أراد عدوّ لهم فجاء بالظاهر، ليدل على أنّ الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر، وإذا كانت عداوة الأنبياء كفراً فما بال الملائكة وهم أشرف والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشدّ العقاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ أرادَ بِعَداوَةِ اللَّهِ مُخالَفَتَهُ عِنادًا، أوْ مُعاداةَ المُقَرَّبِينَ مِن عِبادِهِ، وصَدَّرَ الكَلامَ بِذِكْرِهِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ .

وأفْرَدَ المَلَكَيْنِ بِالذِّكْرِ لِفَضْلِهِما كَأنَّهُما مِن جِنْسٍ آخَرَ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مُعاداةَ الواحِدِ والكُلِّ سَواءٌ في الكُفْرِ واسْتِجْلابِ العَداوَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ مَن عادى أحَدَهم فَكَأنَّهُ عادى الجَمِيعَ، إذِ المُوجِبُ لِعَداوَتِهِمْ ومَحَبَّتِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ واحِدٌ، ولِأنَّ المُحاجَّةَ كانَتْ فِيهِما.

ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى عاداهم لِكُفْرِهِمْ، وأنَّ عَداوَةَ المَلائِكَةِ والرُّسُلِ كُفْرٌ.

وقَرَأ نافِعٌ مِيكائِلَ كَمِيكاعِلَ، وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وعاصِمٌ بِرِوايَةِ حَفْصٍ مِيكالَ كَمِيعادٍ، والباقُونَ (مِيكائِيلَ) بِالهَمْزَةِ والياءِ بَعْدَها.

وقُرِئَ « مِيكِئْلَ» كَمِيكِعْلَ، و « مِيكَئِيلَ» كَمِيكَعِيلَ، ومِيكايِلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)

{مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال} بصرى وحفص وميكائل باختلاس الهمزة كميكاعل مدنى وميكائيل بالمد وكسر الهمزة مشبعة غيرهم وخص الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر إذ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات {فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين} أي لهم فجاء بالظاهر ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم وأن عداوة الملائكة كفر كعداوة الأنبياء ومن عاداهم عاداه الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ العَدُوُّ لِلشَّخْصِ ضِدُّ الصَّدِيقِ، يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والتَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، وقَدْ يُؤَنَّثُ ويُثَنّى ويُجْمَعُ، وهو الَّذِي يُرِيدُ إنْزالَ المَضارِّ بِهِ، وهَذا المَعْنى لا يَصِحُّ إلّا فِينا دُونَهُ تَعالى، فَعَداوَةُ اللَّهِ هُنا مَجازٌ، إمّا عَنْ مُخالَفَتِهِ تَعالى، وعَدَمِ القِيامِ بِطاعَتِهِ لِما أنَّ ذَلِكَ لازِمٌ لِلْعَداوَةِ، وإمّا عَنْ عَداوَةِ أوْلِيائِهِ، وأمّا عَداوَتُهم لِجِبْرِيلَ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَصَحِيحَةٌ، لِأنَّ الإضْرارَ جارٍ عَلَيْهِمْ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ عَداوَتَهم لا تُؤَثِّرُ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأُمُورِ المُؤَثِّرَةِ فِيهِمْ، وصَدَرَ الكَلامُ عَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ بِذِكْرِهِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ أُولَئِكَ الأوْلِياءِ، حَيْثُ جَعَلَ عَداوَتَهم عَداوَتَهُ تَعالى، وأفْرَدَ المَلَكانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُما، وتَفْضِيلًا، كَأنَّهُما مِن جِنْسٍ آخَرَ، تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ في الوَصْفِ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ في الذّاتِ، كَقَوْلِهِ: فَإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنهم فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ وقِيلَ: لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، وقِيلَ: لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مُعاداةَ الواحِدِ، والكُلِّ سَواءٌ في الكُفْرِ، واسْتِجْلابُ العَداوَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ مَن عادى أحَدَهم فَكَأنَّما عادى الجَمِيعَ، لِأنَّ المُوجِبَ لِمَحَبَّتِهِمْ وعَداوَتِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَ بِحَسَبِ التَّوَهُّمِ والِاعْتِقادِ، ولِهَذا أحَبَّ اليَهُودُ مِيكائِيلَ، وأبْغَضُوا جِبْرِيلَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِتَقْدِيمِ جِبْرِيلَ عَلى مِيكائِيلَ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ، وهو المَشْهُورُ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّهُ يَنْزِلُ بِالوَحْيِ والعِلْمِ، وهو مادَّةُ الأرْواحِ، ومِيكائِيلُ بِالخِصْبِ والأمْطارِ، وهي مادَّةُ الأبْدانِ، وغِذاءُ الأرْواحِ أفْضَلُ مِن غِذاءِ الأشْباحِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّقْدِيمَ في الذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلتَّرَقِّي، أوْ لِنُكْتَةٍ أُخْرى، كَما قُدِّمَتِ المَلائِكَةُ عَلى الرُّسُلِ، ولَيْسُوا أفْضَلَ مِنهم عِنْدَنا، وكَذا نُزُولُهُ بِالوَحْيِ لَيْسَ قَطْعِيًّا بِالأفْضَلِيَّةِ، إذْ قَدْ يُوجَدُ في المَفْضُولِ ما لَيْسَ في الفاضِلِ، فَلا بُدَّ في التَّفْضِيلِ مِن نَصٍّ جَلِيٍّ واضِحٍ، وأنا أقُولُ بِالأفْضَلِيَّةِ، ولَيْسَ عِنْدِي أقْوى دَلِيلًا عَلَيْها مِن مَزِيدِ صُحْبَتِهِ لِحَبِيبِ الحَقِّ بِالِاتِّفاقِ، وسَيِّدِ الخَلْقِ عَلى الإطْلاقِ  ، وكَثْرَةِ نُصْرَتِهِ وحُبِّهِ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ولا أرى شَيْئًا يُقابِلُ ذَلِكَ، وقَدْ أثْنى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَمْ يُثْنِ بِهِ عَلى مِيكائِيلَ، بَلْ ولا عَلى إسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ وسائِرِ المَلائِكَةِ أجْمَعِينَ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «(ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ المَلائِكَةِ جَبْرائِيلُ)،» وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُوسى بْنِ عائِشَةَ قالَ: «(بَلَغَنِي أنَّ جِبْرِيلَ إمامُ أهْلِ السَّماءِ)،» (ومَن) شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ قِيلَ: مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَهو كافِرٌ، مَجْزِيٌّ بِأشَدِّ العَذابِ، وقِيلَ: فَإنَّ اللَّهَ إلَخْ، عَلى نَمَطِ ما عَلِمْتَ، وأتى بِاسْمِ اللَّهِ ظاهِرًا، ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّهُ عَدُوٌّ دَفْعًا لِانْفِهامِ غَيْرِ المَقْصُودِ، أوِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، والعَرَبُ إذا فَخَّمَتْ شَيْئًا كَرَّرَتْهُ بِالِاسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ، ومِنهُ: (لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ، إنَّ اللَّهَ)، وقَوْلُهُ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ وألْ في الكافِرِينَ لِلْعَهْدِ، وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ والثَّباتِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ عَداوَةَ المَذْكُورِينَ كُفْرٌ، وأنَّ ذَلِكَ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِهِ، وأنَّ مَدارَ عَداوَتِهِ تَعالى لَهُمْ، وسُخْطَهُ المُسْتَوْجِبَ لِأشَدِّ العُقُوبَةِ والعَذابِ، هو كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّهُ تَعالى عَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ لِعِلْمِهِ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ عَداوَةُ اللَّهِ تَعالى لِلْمَآلِ، وهو احْتِمالٌ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ألْ لِلْجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ، ومِنَ النّاسِ مَن رَوى أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَطَقَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُجاوِبًا بِالبَعْضِ اليَهُودَ في قَوْلِهِ: ذاكَ عَدُوُّنا، يَعْنِي جِبْرِيلَ، فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ، وهو خَبَرٌ ضَعِيفٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، والكَلامُ في مَنعِ صَرْفِ مِيكائِيلَ، كالكَلامِ في جِبْرِيلَ، واشْتُهِرَ أنَّ مَعْناهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ، وفِيهِ لُغاتٌ: الأُولى مِيكالُ، كَمِفْعالٍ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، الثّانِيَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ بَعْدَ الألِفِ هَمْزَةً، وقَرَأ بِها نافِعٌ، وابْنُ شَنْبُوذَ، لِقُنْبُلٍ، الثّالِثَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وغَيْرُ ابْنِ شَنْبُوذَ لِقُنْبُلٍ، والبَزِّيُّ، الرّابِعَةُ مِيكَئِيلُ كَمِيكَفِيلَ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، الخامِسَةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لا ياءَ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِها، السّادِسَةُ مِيكايِيلُ، بِياءَيْنِ بَعْدَ الألِفِ، أوَّلُهُما مَكْسُورَةٌ وبِها قَرَأ الأعْمَشُ.

ولِساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم في هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ بَلْ وفي أخَوَيْهِما إسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ أيْضًا كَلامٌ مَبْسُوطٌ، والمَشْهُورُ أنَّ جَبْرائِيلَ هو العَقْلُ الفَعّالُ، ومِيكائِيلَ هو رُوحُ الفَلَكِ السّادِسِ، وعَقْلُهُ المُفِيضُ لِلنَّفْسِ النَّباتِيَّةِ الكُلِّيَّةِ المُوَكَّلَةِ بِأرْزاقِ الخَلائِقِ، وإسْرافِيلَ هو رُوحُ الفَلَكِ الرّابِعِ، وعَقْلُهُ المُفِيضُ لِلنَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ الكُلِّيَّةِ المُوَكَّلَةِ بِالحَيَواناتِ، وعِزْرائِيلَ هو رُوحُ الفَلَكِ السّابِعِ المُوَكَّلُ بِالأرْواحِ الإنْسانِيَّةِ كُلِّها، بَعْضُها بِالوَسائِطِ الَّتِي هي أعْوانُهُ، وبَعْضُها بِنَفْسِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ، وذلك أن عمر بن الخطاب-  - قال لليهود: ما لكم لا تؤمنون بمحمد  ؟

قالوا: لأن جبريل هو الذي ينزل عليه بالوحي، فلو نزل عليه ميكائيل بالوحي لآمنا به، لأن ميكائيل ملك الرحمة وجبريل ملك العذاب.

وهو عدونا فأطلع محمداً على سرنا، فنزلت هذه الآية.

ويقال: إنهم يقولون: إن النبوة كانت فينا، فجبريل صرف النبوة عنا إلى غيرنا لعداوته معنا فنزلت هذه الآية قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ.

قال بعضهم: في الآية مضمر، ومعناه: قل من كان عدوا لجبريل ويبغضه جبريل هو الذي نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ، ينزل بالقرآن فيقرأه عليك فتحفظه في قلبك بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من التوراة.

ويقال: هذا على وجه الترغيم، فكأنه يقول: قل من كان عدواً لجبريل، فإن جبريل هو الذي ينزل عليك رغماً لهم بهذا القرآن عليك، ليثبت به فؤادك.

وَهُدىً وهذا القرآن هدى من الضلالة وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ.

أي لمن آمن به من المؤمنين مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ، معناه من كان عدوا لجبريل فإنه عدو الله وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ، يعني اليهود.

ويقال: إن عبد الله بن صوريا هو الذي قال لعمر: إن جبريل عدونا لأنه ينزل بالشدة والخوف، وميكائيل ينزل بالرخاء، فنزلت هذه الآية مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ.

قرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية أبي بكر جَبْرَئِيلَ بفتح الجيم والراء والهمزة، وميكائيل.

بالياء مع الهمزة.

وقرأ نافع جِبرِيل بكسر الجيم والراء بغير همزة ومِكَالَ بالهمزة بغير ياء.

وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص بغير همزة بكسر الجيم والراء وميكال بغير همز وياء.

وقرأ ابن كثير جبريل بنصب الجيم بغير همزة وميكايل بهمز مع الياء.

وقرأ ابن عامر جبريل بكسر الجيم مثل قراءة نافع وميكائيل بالياء مع المد والهمز مثل حمزة وإنما لا ينصرف لأنه اسم أعجمي، فوقع ذلك في لسان العرب واختلفوا فيه لاختلاف ألفاظهم ولغاتهم.

ويقال: إن جبريل وميكائيل معناه عبد الله وعبد الرحمن أي بلغتهم سوى العربية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: رأيْتُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ: جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك.

ت: يعني، واللَّه أعلم: مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ: والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها.

انتهى.

وذكر ابن عبَّاس وغيره أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى عَبْد وممْلُوك، وإِيلُ: اللَّهُ «١» .

وقوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الضمير في «إِنَّهُ» عائد على اللَّه تعالى، وفي «نَزَّلَهُ» عائدٌ على «جِبْرِيل» ، أي: بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل: الضمير في «إنَّهُ» عائدٌ على جبريل، وفي «نَزَّلَهُ» عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف.

وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، ومُصَدِّقاً: حال من ضمير القرآن في «نزّله» ، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى، وَهُدىً، أي: إرشاد.

مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)

وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ...

الآيةَ: وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عمَّهما تشريفاً لهما وقيل: خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما فذكرا لئلا تقول اليهود: إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوة العبد الله هي مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ تعذيبُهُ وإظهار أثر العداوة عليه.

وقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً ...

الآيةَ: قال سيبوَيْه «١» : «الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام» ، والنبذ: الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه: هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة من أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو محمّد صلّى الله عليه وسلم ومُصَدِّقٌ: نعْتٌ لرسولٍ، وكتابُ اللَّه: القُرْآن، وقيل: التوراة لأن مخالفتها نبذ لها، ووَراءَ ظُهُورِهِمْ مَثَلٌ لأن ما يجعل ظهريًّا، فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول: جَعَلَ هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه.

وكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ: تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم/ فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على ٣٠ ب عِلْمٍ.

وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ ...

الآية: يعني اليهود، وتَتْلُوا: قال عطاءٌ: معناه: تقرأ «٢» ، وقال ابن عبَّاس: تَتْلُوا: تتبع «٣» ، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريّ: اتَّبَعُوا: بمعنى: فضلّوا، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل: إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت: إن ذلك كان علم سليمان.

وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لما ذَكَر سليمانَ- عليه السلام- في الأنبياء، قال بعضُ اليهود: انظروا إلى محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحراً.

وقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئةٌ من اللَّه تعالى لسليمان- عليه السلام.

والسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك كُفْراً، ولا يستتابُ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ: يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفراً، استتيب منه، فإِن تاب، وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ: يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون: أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ: «مَا» عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعولةٌ، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر، أو «١» على القول أن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعْلَم على جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه.

قال ع «٢» : والتعليمُ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل:

«إِنَّمَا» عطف على «ما» في قوله: مَا تَتْلُوا، وقيل: «ما» نافية، ردٌّ على قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وذلك أنَّ اليهود قالُوا: إن اللَّه تعالى أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفى اللَّه ذلك.

ت: قال عِيَاضٌ: والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة «٣» ، وبَابِل: قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ: بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ وكذا قال: ع «٤» ت: قال عياض «٥» : وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة

هَارُوت ومَارُوت.

وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ- رضي اللَّه عنهما- في خَبَرِهما، وابتلائهما، فاعلم- أكرمك اللَّه- أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم، وليس «١» هو شَيْئاً يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم «٢» كما نصَّه اللَّه أول الآيات.

انتهى.

انظره.

وقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ ...

الآية: ذكر ابْنُ الأعرابيِّ «٣» في «اليَاقُوتَةِ» أنَّ يُعَلِّمانِ بمعنى «يُعْلِمَانِ «٤» ، ويشعران» كما قال كعب بن زهير «٥» : [الطويل]

تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي ...

وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ «١»

وحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر، وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ: بل التعليمُ على عرفه.

٣١ أص «٢» : وقوله تعالى: مِنْ أَحَدٍ: «مِنْ» هنا زائدةٌ مع المفعول لتأكيد/ استغراق الجنْس لأن أحداً من ألفاظ العموم.

انتهى.

ويُفَرِّقُونَ: معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل: معناه يُؤْخِّذُونَ «٣» الرجُلَ عن المرأة حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضا فرقة، وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلمه، وتمكينه، ويَضُرُّهُمْ: معناه: في الآخرة، والضميرُ في علموا عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال:

اشْتَراهُ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ: النصيب والحظُّ وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله: «لَمَن» للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط.

م: وَلَبِئْسَ مَا: أبو البقاء «٤» : جواب قسم محذوف، والمخصوص بالذم

محذوف، أي: السحر أو الكفر، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على السحر، أو الكفر.

انتهى.

وشَرَوْا: معناه: باعوا، والضمير في «يَعْلَمُونَ» عائدٌ على بني إسرائيل اتفاقا، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا: يعني: الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ: «لَوْ» : لَمَثُوبَةٌ، والمثوبةُ عند الجمهور: بمعنى الثواب.

وقوله سبحانه: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل: لو كانوا يعلمون عِلْماً ينفع.

وقرأ جمهورُ النَّاس «١» : راعِنا من المراعاة بمعنى: فَاعِلْنَا، أي: ارعنا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ: هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول سَدًّا للذريعةِ «٢» لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، وانْظُرْنا: معناه: انتظرنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقَّدنا من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بَعْدُ على السمع الذي في ضمنه الطاعةِ، وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر- عذاباً أليماً، وهو المؤلم، وَاسْمَعُوا: معطوفٌ على قُولُوا، لا على معمولها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «أقْبَلَتِ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ،  فَقالُوا: مَن يَأْتِيكَ مِنَ المَلائِكَةِ؟

قالَ: جِبْرِيلُ، فَقالُوا: ذاكَ يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والقِتالِ، ذاكَ عَدُوُّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي تَلِيها.» وَفِي جِبْرِيلَ إحْدى عَشْرَةَ لُغَةً.

إحْداها: جِبْرِيلُ، بِكَسْرِ الجِيمِ والرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو.

قالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: وجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ ومِيكالُ مَعَهُما مِنَ اللهِ وحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلَ وَقالَ عِمْرانُ بْنُ حَطّانٍ: والرُّوحُ جِبْرِيلُ فِيهِمْ لا كَفاءَ لَهُ ∗∗∗ وكانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللَّهِ مَأْمُونًا وَقالَ حَسّانُ: وجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ∗∗∗ ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ لَهُ كَفاءُ واللُّغَةُ الثّانِيَةِ: جَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ، وبَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ مِن غَيْرِ هَمْزٍ عَلى وزْنِ: فَعْلِيلٍ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: لا أشْتَهِيها، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فِعْلِيلٌ، ولا أرى الحَسَنَ قَرَأها إلّا وهو صَوابٌ، لِأنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.

والثّالِثَةُ: جَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ، وبَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ عَلى وزْنِ: جَبْرَعِيلَ، وبِها قَرَأ، الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ.

قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هي أجْوَدُ اللُّغاتِ، وقالَ جَرِيرٌ: عَبَدُوا الصَّلِيبَ وكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ∗∗∗ وبَجَبْرَئِيلَ وكَذَّبُوا مِيكالا والرّابِعَةُ: جَبْرَئِلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ وهَمْزَةٌ بَيْنَ الرّاءِ واللّامِ، مَكْسُورَةٌ مِن غَيْرِ مَدٍّ عَلى وزْنِ: جَبْرَعِلِ، رَواها أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.

والخامِسَةُ جَبْرَئِلُّ، بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ أبانَ عَنْ عاصِمٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ.

والسّادِسَةُ: جِبْرائِيلُ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ مَعَ الألِفِ.

والسّابِعَةُ: جِبْرايِيلُ بِيائَيْنِ بَعْدَ الألِفِ أوَّلَهُما مَكْسُورَةٌ.

والثّامِنَةُ: جَبْرِينُ، بِفَتْحِ الجِيمِ ونُونٍ مَكانَ اللّامِ.

والتّاسِعَةُ: جِبْرِينُ، بِكَسْرِ الجِيمِ وبَنُونٍ، قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ قالَ: في جِبْرِيلَ تِسْعُ لُغاتٍ، فَذَكَرَهُنَّ.

وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ "الرَّدِّ عَلى مَن خالَفَ مُصْحَفَ عُثْمانَ" جِبْرائِلَ، بِفَتْحِ الجِيمِ وإثْباتٍ الألِفِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ لَيْسَ بَعْدَها ياءٌ.

وجَبْرَئِينُ، بِفَتْحِ الجِيمِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ونُونٌ.

فَأمّا مِيكائِيلُ، فَفِيهِ خَمْسُ لُغاتٍ.

إحْداهُنَّ: مِيكالُ، مِثْلُ: مِفْعالُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ.

والثّانِيَةُ: مِيكائِيلَ بِإثْباتِ ياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، مِثْلُ: مِيكاعِيلُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.

والثّالِثَةُ: مِيكائِلُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الألِفِ مِن غَيْرِ ياءٍ، مِثْلُ مِيكاعِلُ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ شَنَبُوذَ، وابْنُ الصَّباحِ، جَمِيعًا عَنْ قُنْبُلٍ.

والرّابِعَةُ: مِيكَئِلُ، عَلى وزْنِ: مِيكَعِلُ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ.

والخامِسَةُ: مِيكائِينُ بِهَمْزَةٍ مَعَها ياءٌ ونُونٌ بَعْدَ الألِفِ، ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ الكِسائِيُّ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، اسْمانِ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُما، فَلَمّا جاءا عَرَّبَتْهُما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، ذَهَبَ إلى أنَّ "إيلَ" اسْمُ اللَّهِ، واسْمُ المَلِكِ، "جَبْرَ" و"مِيكا" .

وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنى جِبْرِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ، ومَعْنى مِيكائِيلَ: عُبَيْدُ اللهِ، وقَدْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ في المَلائِكَةِ، لَكِنَّهُ أعادَ ذِكْرَهُما لِشَرَفِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ  ﴾ .

وإنَّما قالَ: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم كافِرُونَ بِهَذِهِ العَداوَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الناسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرُ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ ﴾ "وَجَدَ" في هَذا المَعْنى تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّها مِن أفْعالِ النَفْسِ، ولِذَلِكَ صَحَّ تَعَدِّيها إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِ الشاعِرِ: تَلَفَّتَ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجُعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا «وَقالَ النَبِيُّ  في الضَبِّ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أُعافُهُ».

وحِرْصُهم عَلى الحَياةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأنْ لا خَيْرَ لَهم عِنْدَ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ ، قِيلَ: المَعْنى وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لا يَعْرِفُونَ إلّا هَذِهِ الحَياةَ الدُنْيا، ألا تَرى إلى قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: تَمَتَّعْ مِنَ الدُنْيا فَإنَّكَ فانٍ ∗∗∗..............

والضَمِيرُ في "أحَدُهُمْ" يَعُودُ في هَذا القَوْلِ عَلى اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ حَياةٍ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عن طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم ﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ ، وهي المَجُوسُ، لِأنَّ تَشْمِيتَهم لِلْعاطِسِ لَفْظٌ بِلُغَتِهِمْ مَعْناهُ "عِشْ ألْفَ سَنَةٍ" فَكَأنَّ الكَلامَ: ومِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمٌ ﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ ، وفي هَذا القَوْلِ تَشْبِيهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقَصَدَ الألِفَ بِالذِكْرِ لِأنَّها نِهايَةُ العَقْدِ في الحِسابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ ﴾ ، اخْتَلَفَ النُحاةُ في "هُوَ"، فَقِيلَ: هو ضَمِيرُ الأحَدِ المُتَقَدِّمِ، فالتَقْدِيرُ: وما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ في المَجْرُورِ، و ﴿ أنْ يُعَمَّرَ ﴾ فاعِلٌ بِمُزَحْزِحِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ التَعْمِيرِ، والتَقْدِيرُ: وما التَعْمِيرُ بِمُزَحْزِحِهِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، و"أنْ يَعْمُرَ" بَدَلٌ مِنَ التَعْمِيرِ في هَذا القَوْلِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ" ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ بِما حُفِظَ عَنِ النُحاةِ مِن أنَّ الأمْرَ والشَأْنَ إنَّما يُفَسَّرُ بِجُمْلَةٍ سالِمَةٍ مِن حَرْفِ جَرٍّ.

وقَدْ جَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ في بَعْضِ مَسائِلِهِ الحَلَبِيّاتِ،.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: هو عِمادٌ، وقِيلَ: "ما" عامِلَةٌ حِجازِيَّةٌ و"هُوَ" اسْمُها والخَبَرُ في "بِمُزَحْزِحِهِ".

والزَحْزَحَةُ الإبْعادُ والتَنْحِيَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ، والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وهَذا عَلى الرُجُوعِ إلى خِطابِ المُتَوَعِّدِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَ عَلى سَبَبٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِيما مَضى مِنَ الآياتِ، ولَكِنْ أجْمَعَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: «إنَّ يَهُودَ فَدْكٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : نَسْألُكَ عن أرْبَعَةِ أشْياءَ، فَإنَّ عَرَفْتَها اتَّبَعْناكَ، فَسَألُوهُ عَنِ الشَبَهِ في الوَلَدِ فَقالَ: أيُّ ماءٍ عَلا كانَ الشَبَهُ لَهُ، وسَألُوهُ عن نَوْمِهِ فَقالَ: تَنامُ عَيْنِي ولا يَنامُ قَلْبِي، وسَألُوهُ عَمَّنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمّا ذَكَرَهُ قالُوا: ذاكَ عَدُّونا، لِأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ والشَدائِدِ والجَدْبِ، ولَوْ كانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكائِيلُ مَلَكُ الرَحْمَةِ والخَصْبِ والأمْطارِ لاتَّبَعْناكَ».

وقِيلَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَتَكَرَّرُ عَلى بَيْتِ المَدارِسِ، فاسْتَحْلَفَهم يَوْمًا بِالَّذِي أنْزَلَ التَوْراةَ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، أتَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ؟

قالُوا نَعَمْ، قالَ فَلِمَ تَهْلَكُونَ في تَكْذِيبِهِ؟

قالُوا صاحِبَهُ جِبْرِيلُ، وهو عَدُوُّنا.

وذَكَرَ أنَّهم قالُوا سَبَبَ عَداوَتِهِمْ لَهُ: أنَّهُ حَمى بُخْتِ نَصَّرَ حِينَ بُعِثُوا إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَمْلِكَ مَن يَقْتُلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِقَوْلِهِمْ.

وفِي جِبْرِيلَ لُغاتٌ: "جِبْرِيلُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وجَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ النَبِيَّ  في النَوْمِ وهو يَقْرَأُ جِبْرِيلَ ومِيكالَ، فَلا أزالُ أقْرَؤُهُما أبَدًا كَذَلِكَ.

وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَيْنَ الراءِ واللامِ وبِها قَرَأ عاصِمٌ، وجَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الراءِ وياءٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ واللامِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَكاها الكِسائِيُّ عن عاصِمٍ، وجَبْرائِلُ بِألِفٍ بَعْدِ الراءِ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وبِها قَرَأ عِكْرِمَةُ، وجِبْرائِيلُ بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وجِبْرايِيلُ بِياءَيْنِ، وبِها قَرَأ الأعْمَشُ، وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ، وبِها قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وجَبْرالُ لُغَةٌ فِيهِ.

و"جِبْرِينُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ وياءٍ ونُونٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِها.

وجِبْرِيلُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَرَّبَتْهُ العَرَبُ فَلَها فِيهِ هَذِهِ اللُغاتُ، فَبَعْضُها هي مَوْجُودَةٌ في أبْنِيَةِ العَرَبِ وتِلْكَ أدْخَلُ في التَعْرِيبِ كَجِبْرِيلَ الَّذِي هو كَقِنْدِيلُ، وبَعْضُها خارِجٌ عن أبْنِيَةِ العَرَبِ، فَذَلِكَ كَمَثَلِ ما عَرَّبَتْهُ العَرَبُ ولَمْ تُدْخِلْهُ في بِناءٍ كَإبْرَيْسَمْ وفِرِنْدَ وآجِرَ ونَحْوِهِ.

وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أنَّ جَبْرَ، ومَيْكَ، وسَرافَ، هي كُلُّها بِالأعْجَمِيَّةِ بِمَعْنى عَبْدٍ ومَمْلُوكٍ، وإيلُ: اسْمُ اللهِ تَعالى، ويُقالُ فِيهِ: إلَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ سَمِعَ سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ﴾ الضَمِيرُ في "فَإنَّهُ" عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ في "نَزَّلَهُ" عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ  ، والمَعْنى بِالقُرْآنِ وسائِرُ الوَحْيِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، وفي "نَزَّلَهُ" عَلى القُرْآنِ، وخُصَّ القَلْبُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العَقْلِ والعِلْمِ وتَلَقِّي المَعارِفِ.

وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في "قَلْبِكَ" اتِّساعًا في العِبارَةِ، إذْ لَيْسَ ثُمَّ مَن يُخاطِبُهُ النَبِيُّ  بِهَذِهِ الكافِ، وإنَّما يَجِيءُ قَوْلُهُ: فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِي، لَكِنَّ حَسُنَ هَذا إذْ يَحْسُنُ فِي كَلامِ العَرَبِ أنْ تُحْرِزَ اللَفْظَ الَّذِي يَقُولُهُ المَأْمُورُ بِالقَوْلِ، ويَحْسُنُ أنْ تُقْصَدَ المَعْنى الَّذِي يَقُولُهُ فَتَسْرُدُهُ مُخاطَبَةً لَهُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِقَوْمِكَ لا يُهِينُوكَ، فَكَذَلِكَ هي الآيَةُ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ ألَمْ تَرَ أنِّي يَوْمَ جَوِّ سَوِيقَةٍ ∗∗∗ بَكَيْتُ فَنادَتْنِي هُنَيْدَةُ ما لِيا فَأحْرَزَ المَعْنى ونَكَبَ عن نِداءِ هُنَيْدَةَ: مالَكَ؟

و ﴿ بِإذْنِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، و"مُصَدِّقًا" حالٌ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في "نَزَّلَهُ"، و( ما بَيْنَ يَدَيْهِ ): ما تَقَدَّمَهُ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى، و"هُدًى": إرْشادٌ، و"البُشْرى": أكْثَرُ اسْتِعْمالِها في الخَيْرِ، ولا تَجِيءُ في الشَرِّ إلّا مُقَيَّدَةً بِهِ، ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفُ جِبْرِيلَ  وذَمُّ مُعادِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وذَمٌّ لِمُعادِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وإعْلامُ أنَّ عَداوَةَ البَعْضِ تَقْتَضِي عَداوَةَ اللهِ لَهم.

وعَداوَةُ العَبْدِ لِلَّهِ هي مَعْصِيَتُهُ واجْتِنابُ طاعَتِهِ، ومُعاداةُ أولِيائِهِ.

وعَداوَةُ اللهِ لِلْعَبْدِ تَعْذِيبُهُ وإظْهارُ أثَرِ العَداوَةِ عَلَيْهِ.

وذِكْرُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وقَدْ كانَ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَمَّهُما تَشْرِيفًا لَهُما.

وقِيلَ: خُصّا لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، فَذِكْرُهُما واجِبٌ، لِئَلّا تَقُولَ اليَهُودُ: إنّا لَمْ نُعادِ اللهَ وجَمِيعَ مَلائِكَتِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ مِيكائِلَ بِهَمْزَةٍ دُونَ ياءٍ.

وقَرَأ بِها ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مِيكائِيلَ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ "مِيكالَ"، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مُنْذُ رَآها في النَوْمِ كَما ذَكَرْنا.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "مِيكَئِلَ" بِهَمْزَةٍ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِيكايِيلَ" بِياءَيْنِ.

وظَهَرَ الِاسْمُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ ﴾ ، لِئَلّا يُشْكَلَ عَوْدُ الضَمِيرِ.

وجاءَتِ العِبارَةُ بِعُمُومِ الكافِرِينَ لِأنَّ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى "مَن" يُشَكِّلُ سَواءً أفْرَدَتْهُ أو جَمَعَتْهُ، ولَوْ لَمْ نُبالِ بِالإشْكالِ وقُلْنا: المَعْنى يَدُلُّ السامِعَ عَلى المَقْصِدِ لَلَزِمَ تَعْيِينُ قَوْمٍ بِعَداوَةِ اللهِ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تُطْلِقَ عَلَيْهِ عَداوَةَ اللهِ لِلْمَآلِ.

ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ جِبْرِيلَ الَّذِي يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّهُ يَجِيئُهُ؟

ذَلِكَ عَدُوُّنا.

فَقالَ لَهُ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخَبَرُ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ مَعْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ ابْنَ صُورِيّا قالَ لِلنَّبِيِّ  : يا مُحَمَّدُ.

ما جِئْتَ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ.

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» و"الفاسِقُونَ" هُنا: الخارِجُونَ عَنِ الإيمانِ، فَهو فِسْقُ الكُفْرِ، والتَقْدِيرُ: ما يَكْفُرُ بِها أحَدٌ إلّا الفاسِقُونَ، لِأنَّ الإيجابَ لا يَأْتِي إلّا بَعْدَ تَمامِ جُمْلَةِ النَفْيِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

معطوف على قوله: ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ [البقرة: 95] للإشارة إلى أن عدم تمنيهم الموت ليس على الوجه المعتاد عند البشر من كراهة الموت ما دام المرء بعافية بل هم تجاوزوا ذلك إلى كونهم أحرص من سائر البشر على الحياة حتى المشركين الذين لا يرجون بعثاً ولا نشوراً ولا نعيماً فنعيمهم عندهم هو نعيم الدنيا وإلى أن تمنوا أن يعمروا أقصى أمد التعمير مع ما يعتري صاحب هذا العمر من سوء الحالة ورذالة العيش.

فلما في هذه الجمل المعطوفة من التأكيد لمضمون الجملة المعطوف عليها أخرت عنها، ولما فيها من الزيادة في وصفهم بالأحرصية المتجاوزة الحد عطف عليه ولم يفصل لأنه لوكان لمجرد التأكيد لفصل كما يفصل التأكيد عن المؤكد.

وقوله: ﴿ لتجدنهم ﴾ من الوجدان القلبي المتعدي إلى مفعولين.

والمراد من الناس في الظاهر جميع الناس أي جميع البشر فهم أحرصهم على الحياة فإن الحرص على الحياة غريزية في الناس إلا أن الناس فيه متفاوتون قوة وكيفية وأسباباً قال أبو الطيب: أرى كلنا يهوَى الحياةَ بسعيه *** حريصاً عليها مستهاماً بها صَبّا فحُب الجباننِ النفسَ أوده التُّقَى *** وحبُّ الشجاععِ النفسَ أَوْرَدَهِ الحَربا ونكر (الحياة) قصداً للتنويع أي كيفما كانت تلك الحياة وتقول يهود تونس ما معناه «الحياة وكفى».

وقوله: ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ عطف على (الناس) لأن المضاف إليه أفعل التفضيل تقدر معه من التفضيلية لا محالة فإذا عطف عليه جاز إظهارها ويتعين الإظهار إذا كان المفضل من غير نوع المفضل عليه لأن الإضافة حينئذ تمتنع كما هنا فإن اليهود من الناس وليسوا من الذين أشركوا.

وعند سيبويه أن إضافته على تقدير اللام فيكون قوله: ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ على قوله عطفاً بالحمل على المعنى أو بتقدير معطوف محذوف تقديره أحرص هو متعلق من ﴿ الذين أشركوا ﴾ وإليه مال في «الكشاف».

وقوله: ﴿ يود أحدهم ﴾ بيان لأحرصيتهم على الحياة وتحقيق لعموم النوعية في الحياة المنكرة لدفع توهم أن الحرص لا يبلغ بهم مبلغ الطمع في الحياة البالغة لمدة ألف سنة فإنها مع تعذرها لو تمت لهم كانت حياة خسف وأرذل عيش يظن بهم أن لا يبلغ حبهم الحياة إلى تمنيها، وقد قال الحريري: والموت خير للفتى *** من عيشهِ عَيْشَ البهيمة فجيء بهاته الجملة لتحقيق أن ذلك الحرص يشمل حتى هاته الحياة الذميمة ولما في هاته الجملة من البيان لمضمون الجملة قبلها فُصلت عنها.

والود المحبة و(لو) للتمني وهو حكاية للفظ الذي يودون به والمجيء فيه بلفظ الغائب مراعاة للمعنى ويجوز أن تكون (لو) مصدرية والتقدير يود أحدهم تَعمير ألففِ سنة.

وقوله: ﴿ لو يعمر ألف سنة ﴾ بيان ليود أي يود ودًّا بيانه لو يعمر ألف سنة، وأصل (لو) أنه حرف شرط للماضي أو للمستقبل فكان أصل موقعه مع فعل يود ونحوه أنه جملة مبينة لجملة ﴿ يود ﴾ على طريقة الإيجاز والتقدير في مثل هذا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة لَما سَئِم أو لما كَرِهَ فلما كان مضمون شرط (لو) ومضمون مفعول ﴿ يود ﴾ واحداً استغنوا بفعل الشرط عن مفعول الفعل فحذفوا المفعول ونزل حرف الشرط مع فعله منزلة المفعول فلذلك صار الحرف مع جملة الشرط في قوة المفعول فاكتسب الاسمية في المعنى فصار فعل الشرط مؤولاً بالمصدر المأخوذ منه ولذلك صار حرف (لو) بمنزلة أَن المصدرية نظراً لكون الفعل الذي بعدها صار مؤولاً بمصدر فصارت جملة الشرط مستعملة في معنى المصدر استعمالاً غلَب على (لو) الواقعة بعد فعل ﴿ يود ﴾ وقد يلحق به ما كان في معناه من الأفعال الدالة على المحبة والرغبة.

هذا تحقيق استعمال لو في مثل هذا الجاري على قول المُحَققّين من النحاة ولغلبة هذا الاستعمال وشيوع هذا الحذف ذهب بعض النحاة إلى أن (لو) تستعمل حرفاً مصدرياً وأثبتوا لها من مواقع ذلك موقعها بعد ﴿ يود ﴾ ونحوه وهو قول الفراء وأبي علي الفارسي والتبريزي والعكبري وابن مالك فيقولون: لا حذف ويجعلون (لو) حرفاً لمجرد السبك بمنزلة أن المصدرية والفعل مسبوكاً بمصدر والتقدير يود أحدهم التعمير وهذا القول أضعف تحقيقاً وأسهل تقديراً.

وقوله: ﴿ وما هو بمزحزحه ﴾ يجوز أن يكون الضمير لأحدهم ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره المصدر بعده على حد قول زهير: وما الحربُ إلا ما علمتم وذتُمُ *** وما هو عنها بالحديث المرجَّم ولم يجعل ضمير شأن لدخول النفي عليه كالذي في البيت لكنه قريب من ضمير الشأن لأن المقصود منه الاهتمام بالخبر ولأن ما بعده في صورة الجملة، وقيل: هو عائد على التعمير المستفاد من ﴿ لو يعمر ألف سنة ﴾ .

وقوله: ﴿ أن يعمر ﴾ بدل منه وهو بعيد.

والمزحزح المُبعد.

وقوله: ﴿ والله بصير بما يعلمون ﴾ البصير هنا بمعنى العليم كما في قول علقمة الفحل: فإن تسألوني بالنساء فإنني *** بَصِيرٌ بأدواء النساء طبيبُ وهو خبر مستعمل في التهديد والتوبيخ لأن القدير إذا علم بما يجترحه الذي يعصيه وأعلمه بأنه علم منه ذلك علم أن العقاب نازل به لا محال ومنه قول زهير: فلا تكتمُنَّ اللَّهَ ما في نفوسكم *** ليخفى فمهما يُكتم اللَّهُ يَعلم يؤخَّرْ فيوضَعْ في كتاب فيُدَّخرْ *** ليوم الحساب أو يعَجَّلْ فينقم فجعل قوله: يَعْلم بمعنى العلم الراجع للتهديد بدليل إبداله منه قوله يؤخر، البيت وقريب من هذا قول النابغة في النعمان: علمتُك ترعاني بعين بصيرةٍ *** وتبعث حُرَّاساً عليَّ وناظرا (97، 98) ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَن كَانَ عَدُوًّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين ﴾ .

موقع هاته الجملة موقع الجمل قبلها من قوله: ﴿ قل فلم تقتلون أنبياء الله ﴾ [البقرة: 91].

وقوله: ﴿ قل بئسما يأمركم ﴾ [البقرة: 93].

وقوله: ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ [البقرة: 94].

فإن الجميع للرد على ما تضمنه قولهم ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] لأنهم أظهروا به عذراً عن الإعراض عن الدعوة المحمدية وهو عذر كاذب ستروا به السبب في الواقع وهو الحسد على نزول القرآن على رجل من غيرهم فجاءت هاته المجادلات المصدرة بقل لإبطال معذرتهم وفضح مقصدهم.

فأبطل أولاً ما تضمنه قولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ من أنهم إنما يقبلون ما أنزل على رسلهم بأنهم قد قابلوا رسلهم أيضاً بالتكذيب والأذى والمعصية وذلك بقوله: ﴿ قل فلم تقتلون ﴾ وقوله: ﴿ قل بئسما ﴾ إلخ.

وأبطل ثانياً ما تضمنه من أنهم شديدو التمسك بما أنزل عليهم حريصون على العمل به متباعدون عن البعد عنه لقصد النجاة في الآخرة بقوله: ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ .

وأبطل ثالثاً أن يكون ذلك العذر هو الصارفَ لهم عن الإيمان مع إثبات أن الصارف لهم هو الحسد بقوله هنا: ﴿ قل من كان عدواً لجبريل ﴾ إلخ.

ويؤيد هذا الارتباط وقوع الضمير في قوله نَزَّله عائداً على ﴿ ما أنزل الله ﴾ في الآية المجابة بهاته الإبطالات، ولذلك فصلت هذه كما فصلت أخواتها ولأنها لا علاقة لها بالجمل القريبة منها فتعطف عليها فجاءت لذلك متسأنفة.

والعدو المبغض وهو مشتق من عَدَا عليه يعدو بمعنى وثب، لأن المبغض يثب على المبغوض لينتقم منه ووزنه فَعول.

وجبريل اسم عبراني للمَلَك المرسل من الله تعالى بالوحي لرُسله مركب من كلمتين.

وفيه لغات أشهرها جِبْرِيل كقِطمير وهي لغة أهل الحجاز وبها قرأ الجمهور.

وجَبْريل بفتح الجيم وكسر الراء وقع في قراءة ابن كثير وهذا وزن فَعْليل لا يوجد له مثال في كلام العرب قاله الفراء والنحاس، وجَبْرَئِيل بفتح الجيم أيضاً وفتح الراء وبين الراء والياء همزة مكسورة وهي لغة تميم وقيس وبعضضِ أهل نجد وقرأ بها حمزة والكسائي.

وجَبْرَئِل بفتح الجيم والراء بينها وبين اللام همزة مكسورة قرأ بها أبو بكر عن عاصم وفيه لغات أخرى قُرِئ بها في الشواذ.

وهو اسم مركب من كلمتين كلمة جبر وكلمة إِيل.

فأما كلمة جبر فمعناه عند الجمهور نقلاً عن العبرانية أنها بمعنى عبد والتحقيق أنها في العبرانية بمعنى القُوة.

وأما كلمة إِيل فهي عند الجمهور اسم من أسماء الله تعالى.

وذهب أبو علي الفارسي إلى عكس قول الجمهور فزعم أن جبر اسم الله تعالى وإِيل العبد وهو مخالف لما في اللغة العبرانية عند العارفين بها.

وقد قفا أبوالعلاء المعري رأي أبي علي الفارسي في صدر رسالته التي خاطب بها علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح وهي المعروفة «برسالة الغُفران» فقال: «قَدْ علم الجَبْر الذي نسب إليه جبريل وهو في كل الخيرات سبيل أنَّ في مسكني حَمَاطَة» إلخ.

أي قد علم الله الذي نُسب جبريل إلى اسمه أي اسمه جبر يريد بذلك القَسَم وهذا إغراب منه وتنبيه على تباصره باللغة.

وعدواة اليهود لجبريل نشأت من وقت نزوله بالقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: لأنه ينزل على الأمم التي كذبت رسلها بالعذاب والوعيد، نقله القرطبي عن حديث خرجه الترمذي.

وقوله: ﴿ من كان عدواً لجبريل ﴾ شرط عام مراد به خاص وهم اليهود.

قصد الإتيان بالشمول ليعلموا أن الله لا يعبأ بهم ولا بغيرهم ممن يعادي جبريل إن كان له معاد آخر.

وقد عرف اليهود في المدينة بأنهم أعداء جبريل ففي البخاري عن أنس بن مالك قال: «سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله وهو في أرض يخترف فأتى النبيء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيء «فما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟

قال رسول الله أخبرني بهن جبريل آنفاً قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة فإنهم أبغضوه لأنه يجيء بما فيه شدة وبالأمر بالقتال» الحديث وفي سفر دانيال من كتبهم في الإصحاحين الثامن والتاسع ذكروا أن جبريل عبر لدانيال رؤيا رآها وأنذره بخراب أورشليم.

وذكر المفسرون أسباباً أخرى لبغضهم جبريل.

ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من الله ويبغضونه وهذا من أحط دركات الانحطاط في العقل والعقيدة ولا شك أن اضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبئ عن تظاهر آرائهم على الخطأ والأوهام.

وقوله: ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله ﴾ [البقرة: 91] وإما لأن الفعل لا يصلح إلا له هنا على حد ﴿ حتى توارت بالحجاب ﴾ [ص: 32] ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ [الواقعة: 83].

وهذه الجملة قائمة مقام جواب الشرط لظهور أن المراد أن لا موجب لعداوته لأنه واسطة أذنه الله بالنزول بالقرآن فهم بمعاداته إنما يعادون الله تعالى فالتقدير من كان عدواً لجبريل فلا يعاده وليعاد الله تعالى.

وهذا الوجه أحسن مما ذكروه وأسعد بقوله تعالى ﴿ بإذن الله ﴾ وأظهر ارتباطاً بقوله بعد ﴿ من كان عدواً لله وملائكته ﴾ كما ستعرفونه ويجوز أن يكون التقدير فإنه قدنزله عليك سواء أحبوه أم عادوه فيكون في معنى الإغاظة من باب ﴿ قل موتوا بغيظكم ﴾ [آل عمران: 119]، كقول الربيع بن زياد: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأتتِ ساحَتنا بوجه نهار يجد النساءَ حواسراً يندبنه *** بالليل قبل تبلج الإسفار أي فلا يسر بمقتله فإنا قد قتلنا قاتله قبل طلوع الصباح فإن قاتله من أولياء من كان مسروراً بمقتله.

ويجوز أن يكون المراد فإنه نزل به من عند الله مصدقاً لكتابهم وفيه هدى وبشرى، وهذه حالة تقتضي محبة من جاء به فمن حمقهم ومكابرتهم عداوتهم لمن جاء به فالتقدير فقد خلع ربقة العقل أو حلية الإنصاف.

والإتيان بحرف التوكيد في قوله: ﴿ فإنه نزله ﴾ لأنهم منكرون ذلك.

والقلب هنا بمعنى النفس وما به الحفظ والفهم، والعرب تطلق القلب على هذا الأمر المعنوي نحو: ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ﴾ [ق: 37] كما يطلقونه أيضاً على العضو الباطني الصنوبري كما قال: كأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً *** و ﴿ مصدقاً ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿ أنزله ﴾ أي القرآن الذي هو سبب عداوة اليهود لجبريل أي أنزله مقارناً لحالة لا توجب عداوتهم إياه لأنه أنزله مصدقاً لما بين يديه من الكتب وذلك التوراة والإنجيل.

والمصدق المخبر بصدق أحد.

وأدخلت لام التقوية على مفعول ﴿ مصدقاً ﴾ للدلالة على تقوية ذلك التصديق أي هو تصديق ثابت محقق لا يشوبه شيء من التكذيب ولا التخطئة فإن القرآن نوه بالتوراة والإنجيل ووصف كلاً بأنه هدى ونور كما في سورة المائدة.

وتصديق الرسل السالفين من أول دلائل صدق المصدق لأن الدجاجلة المدعين النبوات يأتون بتكذيب من قبلهم لأن ما جاءوا به من الهدى يخالف ضلالات الدجالين فلا يسعهم تصديقهم ولذا حذر الأنبياء السابقون من المتنبئين الكذبة كما جاء في مواضع من التوراة والأناجيل.

والمراد بما بين يديه ما سبقه وهو كناية عن السبق لأن السابق يجيء قبل المسبوق ولما كان كناية عن السبق لم يناف طول المدة بين الكتب السابقة والقرآن ولأن اتصال العمل بها بين أممها إلى مجيء القرآن فجعل سبقهما مستمراً إلى وقت مجيء القرآن فكان سبقهما متصلاً.

والهدى وصف للقرآن بالمصدر لقصد المبالغة في حصول الهدى به.

والبشرى الإخبار بحصول أمر سار أو بترقب حصوله فالقرآن بشر المؤمنين بأنهم على هدى وكمال ورضى من الله تعالى وبشرهم بأن الله سيؤتيهم خير الدنيا وخير الآخرة.

فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله، وأنه منزل على قلب الرسول، وأنه مصدق لما سبقه من الكتب، وأنه هاد أبلغ هدى، وأنه بشرى للمؤمنين، الثناء على القرآن بكرم الأصل وكرم المقر وكرم الفئة ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيراً عاجلاً وواعد لهم بعاقبة الخير.

وهذه خصال الرجل الكريم محتده وبيته وقومه، السخي بالبذل الواعد به وهي خصال نظر إليها بيت زياد الأعجم: إنَّ المساحةَ والمروءةَ والنَّدى *** في قبة ضُربت على ابن الحَشْرج وقوله: ﴿ من كان عدواً لله ﴾ إلخ قد ظهر حسن موقعه بما علمتموه من وجه معنى ﴿ فإنه نزله على قلبك بإذن الله ﴾ أي لما كانت عداوتهم جبريل لأجل عداوتهم الرسول ورجعت بالأخرة إلى إلزامهم بعدواتهم الله المرسل، لأن سبب العداوة هو مجيئه بالرسالة تسنى أن سجل عليهم أنهم أعداء الله لأنه المرسل، وأعداء رسله لأنهم عادوا الرسول، وأعداء الملائكة لذلك، فقد صارت عداوتهم جبريل كالحد الوسط في القياس لا يلتفت إليه وإنما يلتفت للمقدمتين بالصغرى والكبرى فعداوتهم الله بمنزلة المقدمة الكبرى لأنها العلة في المعنى عند التأمل.

وعداوتهم الرسول بمنزلة المقدمة الصغرى لأنها السبب الجزئي المثبت له فلا يرد أنه لا وجه لذكر عداوة الله تعالى هنا حتى يجاب بأن عداوة الملائكة والرسل عداوة لله على حد ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ [النساء: 80] فإن ذلك بعيد.

وقد أثبت لهم عدواة الملائكة والرسل مع أنهم إنما عادوا جبريل ومحمداً لأنهم لما عادوهما عادوا جبريل لأجل قيامه بما هو من خصائص جنسه الملكي وهو تبليغ أمر الله التكليفي فإن ذلك خصيصتهم قال تعالى: ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ [الأنبياء: 27] كانت عداوتهم إياه لأجل ذلك آيلة إلى عداوة جنس الملائكة إذ تلك طريق ليس جبريل فيها بأوحد وكذلك لما عادوا محمداً لأجل مجيئه بالرسالة لسبب خاص بذاته، كانت عداوتهم إياه آيلة إلى عداوة الوصف الذي هو قوام جنس الرسول فمن عادى واحداً كان حقيقاً بأن يعاديهم كلَّهم وإلا كان فعله تحكماً لا عذر له فيه.

وخُص جبريل بالذكر هنا لزيادة الاهتمام بعقاب معاديه وليُذكَرَ معه ميكائيل ولعلهم عادَوهما معاً أو لأنهم زعموا أن جبريل رسول الخسف والعذاب وأن ميكائيل رسول الخصب والسلام وقالوا: نحن نحب ميكائيل فلما أريد إنذارهم بأن عداوتهم الملائكة تجر إليهم عداوة الله وأعيد ذكر جبريل للتنويه به وعطف عليه ميكائيل لئلا يتوهموا أن محبتهم ميكائيل تكسب المؤمنين عداوته.

وفي ميكائيل لغات إحداها ميكائيل بهمزة بعد الألف وياء بعد الهمزة وبها قرأ الجمهور.

الثانية ميكائيل بهمزة بعد الألف وبلا ياء بعد الهمزة وبها قرأ نافع.

الثالثة ميكالَ بدون همز ولا ياء وبها قرأ أبو عمرو وحفص وهي لغة أهل الحجاز.

وقوله: ﴿ فإن الله عدو للكافرين ﴾ جواب الشرط.

والعدو مستعمل في معناه المجازي وهو ما يستلزمه من الانتقام والهلاك وأنه لا يفلته كما قال النابغة: فإنك كالليل الذي هو مدركي *** البيت.

وقوله تعالى: ﴿ ووجد الله عنده فوفاه حسابه ﴾ [النور: 39] وما ظنك بمن عاداه الله.

ولهذا ذكر اسم الجلالة بلفظه الظاهر ولم يقل فإني عدو أو فإنه عدو لما يشعر به الظاهر هنا من القدرة العظيمة على حد قول الخليفة: «أميرُ المؤمنين يأمر بكذا» حثًّا على الامتثال.

والمراد بالكافرين جميع الكافرين وجيء بالعام ليكون دخولهم فيه كإثبات الحكم بالدليل، وليدل على أن الله عاداهم لكفرهم، وأن تلك العداوة كفر، ولتكون الجملة تذييلاً لما قبلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، «أنَّ ابْنَ صُورِيا وجُمْلَةً مِن يَهُودِ (فَدَكَ)، لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ  المَدِينَةَ سَألُوهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، كَيْفَ نَوْمُكَ؟

فَإنَّهُ قَدْ أُخْبِرْنا عَنْ نَوْمِ النَّبِيِّ الَّذِي يَأْتِي في آخِرِ الزَّمانِ، فَقالَ: (تَنامُ عَيْنايَ وقَلْبِي يَقْظانُ) قالُوا: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأخْبِرْنا عَنِ الوَلَدِ يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ أوِ المَرْأةِ؟

فَقالَ: (أمّا العِظامُ والعَصَبُ والعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ، وأمّا اللَّحْمُ والدَّمُ والظُّفْرُ والشَّعْرُ فَمِنَ المَرْأةِ) قالُوا: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَما بالُ الوَلَدِ يُشْبِهُ أعْمامَهُ، لَيْسَ فِيهِ مِن شَبَهِ أخْوالِهِ شَيْءٌ، أوْ يُشْبِهُ أخْوالَهُ، لَيْسَ فِيهِ مِن شَبَهِ أعْمامِهِ شَيْءٌ؟

فَقالَ: (أيُّهُما عَلا ماؤُهُ كانَ الشَّبَهُ لَهُ) قالُوا: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأخْبِرْنا عَنْ رَبِّكَ ما هُوَ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ  ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، قالَ لَهُ ابْنُ صُورِيا: خَصْلَةٌ إنْ قُلْتَها آمَنتُ بِكَ واتَّبَعْتُكَ، أيُّ مَلَكٍ يَأْتِيكَ بِما يَقُولُ اللَّهُ؟

قالَ: (جِبْرِيلُ)، قالَ: ذاكَ عَدُوُّنا، يَنْزِلُ بِالقِتالِ والشِّدَّةِ والحَرْبِ، ومِيكائِيلُ يَنْزِلُ بِالبِشْرِ والرَّخاءِ، فَلَوْ كانَ مِيكائِيلُ هو الَّذِي يَأْتِيكَ آمَنّا بِكَ، فَقالَ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ: فَإنِّي أشْهَدُ أنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإنَّهُ عَدُوٌّ لِمِيكائِيلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» فَأمّا جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ فَهُما اسْمانِ، أحَدُهُما عَبْدُ اللَّهِ والآخَرُ عُبَيْدُ اللَّهِ، لِأنَّ إيلَ هو اللَّهُ، وجَبْرَ هو عَبْدٌ، ومِيكا هو عُبَيْدٌ، فَكانَ جِبْرِيلُ عَبْدَ اللَّهِ، ومِيكائِيلُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْسَ لَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ مُخالِفٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ وقَدْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ في عُمُومِ المَلائِكَةِ فَلِمَ خَصَّهُما بِالذِّكْرِ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما خُصّا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُما وتَمْيِيزًا.

والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، ومِيكائِيلُ ولِيُّنا، خُصّا بِالذِّكْرِ، لِأنَّ اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّهم لَيْسُوا بِأعْداءٍ لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ، لِأنَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ مَخْصُوصانِ مِن جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، فَنَصَّ عَلَيْهِما لِإبْطالِ ما يَتَأوَّلُونَهُ مِنَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ لَهُمْ، لِأنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَقِلُوا عَنِ العَداوَةِ بِالإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطيالسي والفريابي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي.

قال: «سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني؟

قالوا: فذلك لك.

قالوا: أربع خلال نسألك عنها: أخبرنا أي طعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا كيف ماء الرجل من ماء المرأة وكيف الأنثى منه والذكر، وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم، ومن وليه من الملائكة، فأخذ عليهم عهد الله لئن أخبرتكم لتتابعني، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق.

قال: فأنشدكم بالذي أنزل التوراة هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً طال سقمه، فنذر نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لُحْمَان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟

فقالوا: اللهم نعم.

فقال: اللهم اشهد.

قال: أنشدكم بالذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إن علا ماء الرجل كان ذكراً بإذن الله وإن علا ماء المرأة كان أنثى بإذن الله؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: اللهم اشهد قال: فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن النبي الأمي هذا تنام عيناه ولا ينام قلبه؟

قالوا: نعم.

قال: اللهم اشهد عليهم.

قالوا: أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نتابعك أو نفارقك؟

قال: وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه.

قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة لا تبعناك وصدقناك.

قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟

قالوا: هو عدوّنا.

فأنزل الله تعالى ﴿ من كان عدواً لجبريل ﴾ إلى قوله: ﴿ كأنهم لا يعلمون ﴾ فعند ذلك باؤوا بغضب على غضب» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وإسحاق بن راهويه في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: «نزل عمر رضي الله عنه بالروحاء، فرأى ناساً يبتدرون أحجاراً فقال: ما هذا؟

فقالوا: يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى هذه الأحجار، فقال: سبحان الله...

ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ راكباً مر بواد فحضرت الصلاة فصلَّى، ثم حدث فقال: إني كنت أغشى اليهود يوم دراستهم فقالوا: ما من أصحابك أحد أكرم علينا منك لأنك تأتينا.

قلت: وما ذاك إلا أني أعجب من كتب الله كيف يصدق بعضها بعضاً، كيف تصدق التوراة الفرقان والفرقان التوراة، فمر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وأنا أكلمهم فقلت: أنشدكم بالله وما تقرأون من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟

قالوا: نعم.

فقلت: هلكتم والله، تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه؟

فقالوا: لم نهلك ولكن سألناه من يأتيه بنبوّته فقال: عدوّنا جبريل، لأنه ينزل بالغلظة والشدة والحرب والهلاك ونحو هذا، فقلت فمن سلمكم من الملائكة؟

فقالوا: ميكائيل ينزل بالقطر والرحمة وكذا.

قلت: وكيف منزلتهما من ربهما؟

فقالوا: أحدهما عن يمينه والآخر من الجانب الآخر.

قلت: فإنه لا يحل لجبريل أن يعادي ميكائيل، ولا يحل لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل، وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن أخبره، فلما لقيته قال: ألا أخبرك بآيات أنزلت عليّ؟

قلت: بلى يا رسول الله فقرأ ﴿ من كان عدواً لجبريل ﴾ حتى بلغ ﴿ الكافرين ﴾ قلت: والله يا رسول الله ما قمت من عند اليهود إلا إليك لأخبرك بما قالوا لي، وقلت لهم فوجدت الله قد سبقني.

صحيح الإِسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر» .

وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة قال: كان عمر يأتي يهود يكلمهم فقالوا: إنه ليس من أصحابك أحد أكثر إتياناً إلينا منك، فأخبرنا من صاحب صاحبك الذي يأتيه بالوحي؟

فقال: جبريل.

قالوا: ذاك عدونا من الملائكة، ولو أن صاحبه صاحب صاحبنا لاتبعناه، فقال عمر: من صاحب صاحبكم؟

قالوا: ميكائيل.

قال: وما هما؟

قالوا: أما جبريل فينزل بالعذاب والنقمة وأما ميكائيل فينزل بالغيث والرحمة وأحدهما عدو لصاحبه.

فقال عمر.

وما منزلتهما؟

قالوا: إنهما من أقرب الملائكة منه أحدهما عن يمينه وكلتا يديه يمين والآخر على الشق الآخر.

فقال عمر: لئن كانا كما تقولون ما هما بعدوّين، ثم خرج من عندهم فمر بالنبي صلى الله عليه وسلم فدعاه فقرأ عليه ﴿ من كان عدوّاً لجبريل...

﴾ الآية.

فقال عمر: والذي بعثك بالحق أنه الذي خاصمتهم به آنفاً.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما أبصروه رحبوا به فقال عمر: والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم ولكني جئت لأسمع منكم، وسألوه فقالوا: من صاحب صاحبكم؟

فقال لهم: جبريل، قالوا: ذاك عدوّنا من الملائكة يطلع محمداً على سرنا، وإذا جاء، جاء بالحرب والسنة ولكن صاحبنا ميكائيل، وإذا جاء جاء بالخصب والسلم.

فتوجه نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزل هذه الآية ﴿ قل من كان عدوّاً لجبريل...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال «لما كان لعمر أرض بأعلى المدينة يأتيها، وكان ممره على مدارس اليهود، وكان كلما مر دخل عليهم فسمع منهم، وإنه دخل عليهم ذات يوم فقال لهم: أنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتجدون محمداً عندكم؟

قالوا: نعم، إنا نجده مكتوباً عندنا ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه بالوحي جبريل وجبريل عدونا، وهو صاحب كل عذاب وقتال وخسف، ولو كان وليه ميكائيل لآمنا به، فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث.

قال عمر: فأين مكان جبريل من الله؟

قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره.

قال عمر: فأشهدكم أن الذي عدوّ للذي عن يمينه عدوّ للذي هو عن يساره والذي عدوّ للذي هو عن يساره عدوّ للذي هو عن يمينه، وأنه من كان عدوّهما فإنه عدوّ لله، ثم رجع عمر ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ﴿ قل من كان عدوّاً لجبريل...

﴾ الآية.

فقال عمر: والذي بعثك بالحق لقد جئت وما أريد إلا أن أخبرك» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.

أن يهودياً لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا.

فقال عمر ﴿ من كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوّ للكافرين ﴾ قال: فنزلت على لسان عمر، وقد نقل ابن جرير الاجماع على أن سبب نزول الآية ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي في الدلائل عن أنس قال «سمع عبد الله بن سلام بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف، فأتى صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.

ما أول اشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟

قال: أخبرني جبريل بهن آنفاً.

قال: جبريل؟

قال: نعم.

قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة.

فقرأ هذه الآية ﴿ من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزله على قلبك ﴾ قال: أما أوّل أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب، وأما أول ما يأكل أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما ما ينزع الولد إلى أبيه وأمه فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها.

قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإنه نزله على قلبك بإذن الله ﴾ يقول: جبريل نزل القرآن بإذن الله يشدد به فؤادك، ويربط به على قلبك ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ يقول: لما قبله من الكتب التي أنزلها، والآيات والرسل الذين بعثهم الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ قال: من التوراة والإِنجيل ﴿ وهدى وبشرى للمؤمنين ﴾ قال: جعل الله هذا القرآن هدى وبشرى للمؤمنين، لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه، ووعاه، وانتفع به، واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي وعده فيه، وكان على يقين من ذلك.

وأخرج ابن جرير من طريق عبيد الله العكي عن رجل من قريش قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود فقال: «أسألكم بكتابكم الذي تقرأون هل تجدونه قد بشر بي عيسى أن يأتيكم رسول اسمه أحمد؟

فقالوا: اللهم وجدناك في كتابنا ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال وتهرق الدماء، فأنزل الله: ﴿ من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله ﴾ الآية» .

وأما قوله تعالى ﴿ وجبريل وميكال ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: جبريل كقولك عبد الله جبر عبد وايل الله.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان والخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس قال: جبريل عبد الله، وميكائيل عبيد الله، وكل اسم فيه ايل فهو معبد لله.

وأخرج الديلمي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسم جبريل عبد الله، واسم اسرافيل عبد الرحمن» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن علي بن حسين قال: اسم جبريل عبد الله، واسم ميكائيل عبيد الله، واسم اسرافيل عبد الرحمن، وكل شيء راجع إلى ايل فهو معبد لله عز وجل.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: جبريل اسمه عبد الله، وميكائيل اسمه عبيد الله، قال: والإِل الله، وذلك قوله: ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ﴾ [ التوبة: 10] قال: لا يرقبون الله.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأها جبرال، ويقول جبر هو عبد وال هو الله.

وأخرج وكيع عن علقمة أنه كان يقرأ مثقلة ﴿ جبريل وميكائيل ﴾ .

وأخرج وكيع ابن جبرير عن عكرمة قال: جبر عبد وايل الله، وميك عبد وايل الله، واسراف عبد وايل الله.

وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان بسند حسن عن ابن عباس قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل يناجيه إذ انشق أفق السماء، فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض، فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار جبريل إليّ بيده أن تواضع، فعرفت أنه لي ناصح فقلت: عبد نبي.

فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت: يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا، فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل؟

قال: هذا اسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه، بينه وبين الرب سبعون نوراً ما منها نور يدنو منه إلا احترق، بين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله في شيء في السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فيه، فإذا كان من عملي أمرني به، وإن كان من عمل ميكائيل أمره به، وإن كان من عمل ملك الموت أمره به.

قلت: يا جبريل على أي شيء أنت؟

قال: على الرياح والجنود.

قلت: على أي شيء ميكائيل؟

قال: على النبات والقطر.

قلت: على أي شيء ملك الموت؟

قال: على قبض الأنفس، وما ظننت أنه هبط إلا بقيام الساعة، وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة» .

وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل، وأفضل النبيين آدم، وأفضل الأيام يوم الجمعة، وأفضل الشهور رمضان، وأفضل الليالي ليلة القدر، وأفضل النساء مريم بنت عمران» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله عز وجل.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عكرمة قال: قال جبريل عليه السلام: إن ربي عز وجل ليبعثني على الشيء لأمضيه فأجد الكون قد سبقني إليه.

وأخرج أبو الشيخ عن موسى بن عائشة قال: بلغني أن جبريل إمام أهل السماء.

وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن مرة قال: جبريل على ريح الجنوب.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ثابت قال: بلغنا أن الله تعالى وكَّل جبريل بحوائج الناس، فإذا دعا المؤمن قال: «يا جبريل احبس حاجته فإني أحب دعاءه، وإذا دعا الكافر قال: يا جبريل اقض حاجته فإني أبغض دعاءه» .

وأخرج ابن أبي شيبة من طريق ثابت عن عبدالله بن عبيد قال: «إن جبريل موكل بالحوائج، فإذا سأل المؤمن ربه قال: احبس احبس حبا لدعائه أن يزداد، وإذا سأل الكافر قال: أعطه أعطه بغضاً لدعائه» .

وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل موكل بحاجات العباد، فإذا دعا المؤمن قال: يا جبريل احبس حاجة عبدي فإني أحبه وأحب صوته، وإذا دعا الكافر قال: يا جبريل اقض حاجة عبدي فإني أبغضه وأبغض صوته» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «وددت أني رأيتك في صورتك قال: وتحب ذلك؟

قال: نعم.

قال: موعدك كذا وكذا من الليل بقيع الغرقد، فلقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم موعده، فنشر جناحاً من أجنحته فسد أفق السماء حتى ما يرى من السماء شيء» .

وأخرج أحمد وأبو الشيخ عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت جبريل مهبطاً قد ملأ ما بين الخافقين، عليه ثياب سندس معلق بها اللؤلؤ والياقوت» .

وأخرج أبو الشيخ عن شريح بن عبيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد إلى السماء رأى جبريل في خلقته منظومة أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت، قال: فخيل إلي أن ما بين عينيه قد سد الأفق، وكنت أراه قبل ذلك على صور مختلفة، وأكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي، وكنت أحياناً أراه كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال» .

وأخرج ابن جرير عن حذيفة وابن جرير وقتادة.

دخل حديث بعضهم لبعض لجبريل جناحان، وعليه وشاح من در منظوم، وهو براق الثنايا، أجلى الجبينين، ورأسه حُبكَ حبكاً مثل المرجان، وهو اللؤلؤ كأنه الثلج، وقدماه إلى الخضرة.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين منكبي جبريل مسيرة خمسمائة عام للطائر السريع الطيران» .

وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه.

أنه سئل عن خلق جبريل؟

فذكر أن ما بين منكبيه من ذي إلى ذي خفق الطير سبعمائة عام.

وأخرج ابن سعد والبيهقي في الدلائل عن عمار بن أبي عمار.

إن حمزة بن عبد المطلب قال: يا رسول الله أرني جبريل على صورته.

قال: «إنك لا تستطيع أن تراه.

قال: بلى فأرنيه.

قال: فاقعد.

فقعد فنزل جبريل على خشبة كانت الكعبة يلقي المشركون عليها ثيابهم إذا طافوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارفع طرفك.

فانظر فرفع طرفه، فرأى قدميه مثل الزبرجد الأخضر، فخر مغشياً عليه» .

وأخرج ابن المبارك في الزهد عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل أن يتراءى له في صورته فقال جبريل: إنك لن تطيق ذلك.

قال: إني أحب أن تفعل.

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى في ليلة فأتاه في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته، فغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه، ثم أفاق وجبريل مسنده وواضع إحدى يديه على صدره والآخرى بين كتفيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كنت أرى أن شيئاً من الخلق هكذا!

فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل، إن له لاثني عشر جناحاً، منها جناح في المشرق، وجناح في المغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل أحياناً لعظمة الله عز وجل حتى يصير مثل الوصع، حتى ما يحمل عرشه إلا عظمته» .

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أبي جعفر قال: كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يراه.

وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «لما رأيت جبريل لم يره خلق الأعمى إلا أن يكون نبياً، ولكن أن يجعل ذلك في آخر عمرك» .

وأخرج أبو الشيخ عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لنهرا ما يدخله جبريل من دخلة فيخرج فينتفض إلا خلق الله من كل قطرة تقطر ملكاً» .

وأخرج أبو الشيخ عن أبي العلاء بن هرون قال: لجبريل في كل يوم انغماسة في نهر الكوثر، ثم ينتفض فكل قطرة يخلق منها ملك.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن جبريل ليأتيني كما يأتي الرجل صاحبه في ثياب بيض مكفوفة باللؤلؤ والياقوت، رأسه كالحبك، وشعره كالمرجان، ولونه كالثلح، أجلى الجبين، براق الثنايا، عليه وشاحان من در منظوم، وجناحاه أخضران، ورجلاه مغموستان في الخضرة، وصورته التي صور عليها تملأ ما بين الأفقين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: أشتهي أن أراك في صورتك يا روح الله.

فتحوّل له فيها فسدَّ ما بين الأفقين» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل «هل ترى ربك؟

قال: إن بيني وبينه لسبعين حجاباً من نار أو نور، لو رأيت أدناها لاحترقت» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية بسند واه عن أبي هريرة.

أنَّ رجلاً من اليهود أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل احتجب الله بشيء عن خلقه غير السموات؟

قال: «نعم، بينه وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجاباً من نور، وسبعون حجاباً من نار، وسبعون حجاباً من ظلمة، وسبعون حجاباً من رفارف الاستبرق، وسبعون حجاباً من رفارف السندس، وسبعون حجاباً من در أبيض، وسبعون حجاباً من در أحمر، وسبعون حجاباً من در أصفر، وسبعون حجاباً من در أخضر، وسبعون حجاباً من ضياء، وسبعون حجاباً من ثلج، وسبعون حجاباً من برد، وسبعون حجاباً من عظمة الله التي لا توصف، قال: فأخبرني عن ملك الله الذي يليه؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الملك الذي يليه إسرافيل، ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم ملك الموت عليهم السلام» .

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني «أنه بلغه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يبكيك؟!

قال: وما لي لا أبكي...

!

فوالله ما جفت لي عين منذ خلق الله النار، مخافة أن أعصيه فيقذفني فيها» .

وأخرج أحمد في الزهد عن رباح قال: «حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: لم تأتني إلا وأنت صار بين عينيك؟

قال: إني لم أضحك منذ خلقت النار» .

وأخرج أحمد في مسنده وأبو الشيخ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «ما لي لم أر ميكائيل ضاحكاً قط؟

قال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» .

وأخرج أبو الشيخ عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: «نظر الله إلى جبريل وميكائيل وهما يبكيان، فقال الله: ما يبكيكما وقد علمتما إني لا أجور...؟

فقالا: يا رب إنا لا نأمن مكرك.

قال: هكذا فافعلا فإنه لا يأمن مكري إلا كل خاسر» .

وأخرج أبو الشيخ من طريق الليث عن خالد بن سعيد قال: بلغنا أن إسرافيل يؤذن لأهل السماء فيؤذن لأثنتي عشرة ساعة من النهار، ولاثنتي عشرة ساعة من الليل لكل ساعة تأذين، يسمع تأذينه من في السموات السبع ومن في الأرضين السبع إلا الجن والإِنس، ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم.

قال: وبلغنا أن ميكائيل يؤم الملائكة في البيت المعمور.

وأخرج الحكيم الترمذي عن زيد بن رفيع قال: «دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل وميكائيل وهو يستاك، فناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل السواك، فقال جبريل: كبر.

قال جبريل: ناول ميكائيل فإنه أكبر» .

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد «أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الخلق أكرم على الله عز وجل؟

قال: لا أدري...

!

فجاءه جبريل عليه السلام فقال: يا جبريل أي الخلق أكرم على الله؟

قال: لا أدري...

!

فعرج جبريل ثم هبط، فقال: أكرم الخلق على الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فأمَّا جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين، وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة تنبت وكل ورقة تسقط، وأما ملك الموت فهو موكل بقبض كل روح عبد في بر أو بحر، وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم» .

وأخرج أبو الشيخ عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وهم منه مسيرة خمسين ألف سنة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وإسرافيل بينهما» .

وأخرج أبو الشيخ عن خالد بن أبي عمران قال: جبريل أمين الله إلى رسله، وميكائيل يتلقى الكتب التي تلقى من أعمال الناس، وإسرافيل كمنزلة الحاجب.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن أبي داود في المصاحف وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إسرافيل صاحب الصور، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وهو بينهما» .

وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: إن أدنى الملائكة من الله جبريل ثم ميكائيل، فإذا ذكر عبداً بأحسن عمله قال: فلان ابن فلان عمل كذا وكذا من طاعتي صلوات الله عليه، ثم سأل ميكائيل جبريل ما أحدث ربنا؟

فيقول: فلان ابن فلان ذكر بأحسن عمله فصلى عليه صلوات الله عليه، ثم سأل ميكائيل من يراه من أهل السماء فيقول: ماذا أحدث ربنا؟

فيقول: ذكر فلان ابن فلان بأحسن عمله فصلى عليه صلوات الله عليه، فلا يزال يقع إلى الأرض.

وإذا ذكر عبداً بأسوأ عمله قال: عبدي فلان ابن فلان عمل كذا وكذا من معصيتي فلعنتي عليه، ثم سأل ميكائيل جبريل ماذا أحدث ربنا؟

فيقول: ذكر فلان ابن فلان بأسوأ عمله فعليه لعنة الله، فلا يزال يقع من سماء إلى سماء حتى يقع إلى الأرض.

وأخرج الحاكم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وزيراي من السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر» .

وأخرج البزار والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أيدني بأربعة وزراء، اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض أبي بكر وعمر» .

وأخرج الطبراني بسند حسن عن أم سلمة.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في السماء ملكين أحدهما يأمر بالشدة والآخر يأمر باللين وكل مصيب جبريل وميكائيل.

ونبيان أحدهما يأمر باللين والآخر يأمر بالشده وكل مصيب وذكر إبراهيم ونوحاً، ولي صاحبان أحدهما يأمر باللين والآخر يأمر بالشدة وكل مصيب وذكر أبا بكر وعمر» .

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبدالله بن عمرو قال: «جاء فئام الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله زعم أبو بكر أن الحسنات من الله والسيئات من العباد، وقال عمر: الحسنات والسيئات من الله فتابع هذا قوم وهذا قوم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأقضين بينكما بقضاء إسرافيل بين جبريل وميكائيل، إن ميكائيل قال يقول أبي بكر، وقال جبريل بقول عمر.

فقال جبريل لميكائيل: إنا متى تختلف أهل السماء تختلف أهل الأرض فلنتحاكم إلى إسرافيل، فتحاكما إليه فقضى بينهما بحقيقة القدر خيره وشره وحلوه ومره كله من الله، ثم قال: يا أبا بكر إن الله لو أراد أن لا يعصى لم يخلق إبليس.

فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله» .

وأخرج الحاكم عن أبي المليح عن أبيه «أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين خفيفتين قال: فسمعته يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل ومحمد أعوذ بك من النار ثلاث مرات» .

وأخرج أحمد في الزهد عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أغمي عليه ورأسه في حجرها، فجعلت تمسح وجهه وتدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال: لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَن كاَنَ عَدُوًّا ﴾ أي: معاديًا؛ لأن العدوَّ فعول بمعنى فاعل، ولا يصح العداوة لله على الحقيقة؛ لأن العداوةَ للشيء طلب الإضرار به بُغْضًا له، وإنما قيل للكافر: عدوّ الله، من عداوة الله له، أو لأنه بفعل فعل المُعَادي (١) وقوله تعالى: ﴿ وَمَلاَئِكَتِهِ ﴾ يريد: كجبريل وميكائيل، وذلك أن اليهود قالت لعمر  : إن صاحب محمد من الملائكة جبريلُ، وهو عدوّنا، يُطْلعُ محمدًا على سرّنا، وهو صاحب كل عذاب وخسف وسَنَةٍ وشدّة، فقالٍ عمر: فإني أَشْهد أن من كان عدوًّا لجبريل فهو عدوُ ميكائيل، ومن كان عدوًّا لهما فإن الله عدو له، ثم (٢)  ، فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقرأ عليه رسول الله  هذه الآيات، وقال: "لقد وافقك ربك يا عمر"، فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله أصلب من الحجر (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ يعني: محمدًا وعيسى كفرت بهما اليهود.

وقوله تعالى: ﴿ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ (٤) (٥) (٦) ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ، بعد قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ قال محمد بن يزيد (٧) ظهرت الكناية في قوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ ﴾ لأن الفاء جواب الجزاء وما بعدها مستأنف، فلما كان مبتدأً لم يقع (٨) (٩) (١٠) (١١) وقال غيره: إنما أظهر الكناية لأنه ذكر الملائكة والرسل، فلو كنى لذهبَ الوهمُ إلى واحد من الملائكةِ، أو الرسلِ، أو إلى جبريل، أو إلى ميكائيل، فأظهر الكناية ليزيل اللبس (١٢) ومعنى الآية: من كان عدوًا لأحد هؤلاء فإن الله عدو له، لأن عدوّ الواحد عدو الجميع، وعدو محمدٍ عدوُّ الله.

ومثله قوله: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ  ﴾ ؛ لأن الكافر بالواحد كافر بالكل (١٣) والواو هاهنا بمعنى أو (١٤) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ولم يقل: فهم أعداء له؛ لأنه تولى تلك العداوة بنفسه، وكفى رسله وملائكته أمر من عاداهم.

وإنما لم يقل: فإن الله عدو لهم أوله بالكناية؛ ليدل مع أنه عدو لهم على أنهم كافرون بهذه العداوة (١٥) (١) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 319.

(٢) في (م): (وأتى).

(٣) رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 433 - 434، عن قتادة والسدي بنحوه، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 174 لسفيان بن عيينة عن عكرمة.

وذكر القصة بطولها الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1044، ورواه الواحدي في "أسباب النزول" ص 32 بسنده عن الشعبي عن عمر، وهو لم يلق عمر.

ولقصة عمر هذه طرق كثيرة.

وقد قوى الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 166القصة بطرقها.

وينظر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 140، 141، و"الدر المنثور" 1/ 174 - 175، وقال: صحيح الإسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر.

(٤) في (أ): (وميكايل)، وفي (ش): (وميكائيل).

(٥) في (م): (من الذكر).

(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1049، "زاد المسير" 1/ 119، "التفسير الكبير" للرازي 1/ 198، وذكر جوابًا ثانيًا وهو: أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما، والآية نزلت بسببهما فلا جرم نص على اسميهما.

وقد أطال البحث في ذلك أبو حيان في "البحر" 1/ 322.

(٧) يعني المبرد.

(٨) في (م): (لم يكن يقع).

(٩) في (م): (لأن).

(١٠) ساقطة من (م).

(١١) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 322.

(١٢) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 322.

(١٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1050، "البحر المحيط" 1/ 322.

(١٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 1050، وذكر الرازي في "التفسير الكبير" 3/ 198: أن الواو، قيل: إنها للعطف، وقيل: بمعنى أو.

(١٥) ينظر: "زاد المسير" 1/ 119، و"التفسير الكبير" للرازي 3/ 198، و"تفسير ابن كثير" 1/ 141.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ ﴾ الآية: سببها أنّ اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: جبريل عدوّنا لأنه ملك الشدائد والعذاب؛ فلذلك لا نؤمن به، ولو جاءك ميكائيل لآمنا بك؛ لأنه ملك الأمطار والرحمة ﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ﴾ فيه وجهان: الأول فإن الله نزل جبريل، والآخر فإن جبريل نزل القرآن، وهذا أظهر، لأن قوله: مصدّقاً لما بين يديه من أوصاف القرآن، والمعنى: الرد على اليهود بأحد وجهين: أحدهما من كان عدواً لجبريل فلا ينبغي له أن يعاديه؛ لأنه نزله على قلبك فهو مستحق للمحبة، ويؤكد هذا قوله وهدى وبشرى، والثاني: من كان عدوّاً لجبريل فإنما عاداه لأنه نزله على قلبك، فكان هذا تعليل لعداوتهم لجبريل ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ ذُكرا بعد الملائكة تجديداً للتشريف والتعظيم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جبريل ﴾ مفتوحة الجيم مكسورة الراء غير مهموز: ابن كثير.

وقرأ حمزه وعلي وخلف وعاصم غير حفص ويحيى مفتوحة الراء والجيم مهموزة مشبعاً.

وقرأ يحيى مختلساً.

الباقون: مكسورة الراء والجيم غير مهموز.

﴿ ميكال ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص، وقرأ أبو جعفر ونافع مختلساً مهموزاً.

الباقون: ميكائيل مهموزاً مشبعاً.

الوقوف: ﴿ للمؤمنين ﴾ (ه) ﴿ للكافرين ﴾ (ه) ﴿ بينات ﴾ (ج) لأن هذه الواو للابتداء أو الحال والحال أوجه لاتحاد القصة ﴿ الفاسقون ﴾ (ه) ﴿ فريق منهم ﴾ (ط) لأن "بل" للإعراض عن الأول ﴿ لا يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ أوتوا الكتاب ﴾ (ط) قد قيل يوقف لبيان أن كتاب الله مفعول "نبذ" لا بدل مما قبله ﴿ لا يعلمون ﴾ (ه) قد يجوز للآية، والوصل للعطف على ﴿ نبذ ﴾ لإتمام سوء اختيارهم في النبذ والاتباع.

التفسير: هذا نوع آخر من قبائح أفعال اليهود، والسبب في نزوله أنه  لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا من أحبار فدك فقال: يا محمد، كيف نومك؟

فقد أخبرنا عن نوم النبي  الذي يجيء في آخر الزمان، فقال  تنام عيناي ولا ينام قلبي.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرنا عن الولد من الرجل يكون أو من المرأة؟

فقال: أما العظام والعصب والغضروف فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة.

فقال صدقت.

قال: فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله، أو يشبه أخواله دون أعمامه؟

فقال: أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له.

قال: صدقت.

قال: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه، فقال  : "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً إن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحب الطعام والشراب على نفسه وهو لحمان الإبل وألبانها" ؟

فقالوا: اللهم نعم.

فقال له: بقيت خصلة إن قلتها آمنت بك.

أيّ ملك يأتيك بما تقول عن الله؟

قال: جبريل قال: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي باليسر والرخاء.

فإن كان هو يأتيك آمنا بك.

فقال عمر: ما مبدأ هذا العداوة؟

فقال ابن صوريا: إن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس يخرب في زمان رجل يقال له بختنصر، ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله على قتله.

فهذا ليس هو ذاك وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه.

ثم إنه كبر وقوي وملك وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدواً.

وأما ميكائيل فإنه عدو لجبريل.

فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل، وهما عدوان لمن عاداهما، فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.

وقيل: كان لعمر أرض بالمدينة أعلاها، وكان ممره على مدراس اليهود، وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم.

فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك.

فقال: والله لا أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد  وأرى آثاره في كتابكم.

ثم سألوه فقالوا: من صاحب صاحبكم؟

فقال عمر: جبريل.

فقالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلام.

فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟

قالوا: أقرب منزلة جبريل وهو عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدوّ لجبريل.

فقال عمر: إن كان كما تقولون فما هما بعدوّين، ولأنتم أكفر من الحمير.

ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدواً لله.

ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال النبي  : "لقد وافقك ربك يا عمر" .

قال: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر.

وعن مقاتل: زعمت اليهود أن جبريل عدونا أمر بأن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا.

والأقرب في سبب عداوتهم إياه أنه كان ينزل بالقرآن على محمد  كما يشعر بذلك قوله ﴿ فإنه نزله ﴾ أي إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقاً لكتابهم وموافقاً له وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرّفونه ويجحدون موافقته له كقولك "إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه" أو إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في النزول بما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.

ويمكن أن يتوجه الجزاء إلى قوله ﴿ بإذن الله ﴾ إلى آخره.

أي إن عاداه أحد فلا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وباختياره وإنما جاء به بإذن الله وأمره الذي لا محيص عنه ولا سبيل إلى مخالفته وجاء به مصدقاً هادياً مبشراً، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يلزم أن يكون مشكوراً.

فعداوة من هذا سبيله عداوة الله، ولو أنه  أمر ميكائيل بذلك لانقاد لأمره أيضاً لا محالة ولتوجه الإشكال عليه، فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟

وجبريل ممتنع من الصرف للعلمية والعجمة بشرطها.

وعن ابن عباس وغيره أن معناه عبد الله، والضمير في نزله للقرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم مثل قوله  ﴿ ما ترك على ظهرها من دابة  ﴾ وهذا النوع من الإضمار فيه فخامة لشأن صاحبه حيث جعله لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه.

وأكثر الأمة على أن القرآن إنما نزل على محمد لا على قلبه، لكن خص القلب بالذكر لأن السبب في تمكنه  من الأداء ثباته في قلبه، فمعنى على قلبك حفظه إياك وفهمه.

وقيل: أي جعل قلبك متصفاً بأخلاق القرآن ومتأدباً بآدابه كما في حديث عائشة "كان خلقه  القرآن" وكان حق الكلام أن يقال على قلبي إلا أنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي ﴿ من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك ﴾ ومعنى ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ موافقاً لما قبله من كتب الأنبياء فيما يرجع إلى المبادئ والغايات دون الأوساط التي يتطرق إليها الاختلاف بتبدل الأزمان والأوقات.

ومعنى قوله ﴿ وهدى وبشرى ﴾ أن القرآن يشتمل على أمرين.

أحدهما بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأفعال الجوارح فهو من هذا الوجه هدى، وثانيهما بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه فهو من هذا الوجه بشرى، والأول مقدم على الثاني في الوجود فقدم في الذكر أيضاً.

ولا ريب أن البشرى تختص بالمؤمنين، وأما الهدى فلأنهم هم المنتفعون به كما مر في ﴿ هدى للمتقين ﴾ .

ولما بين في الآية المتقدمة أن من كان عدواً لجبريل لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد  وجب أن يكون عدواً لله  ، بين في الآية التالية أن من كان عدواً لله وللمخصوصين بكرامته فإن الله يعاديهم وينتقم منهم.

والعداوة بالحقيقة لا تصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وهذا التصور يستحيل في حقه  من العاقل المتفطن لا الغافل المتغابي.

فمعنى قوله ﴿ من كان عدواً لله ﴾ أي لأولياء الله كقوله ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله  ﴾ .

أو يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وبعدهم عن التمسك بدينه، لأن العدو لا يكاد يوافق عدوه وينقاد لأمره.

قال أهل التحقيق: عداوتهم لله وملائكته نتيجة عداوة الله لهم ونظره إليهم في الأزل بالقهر " هؤلاء في النار ولا أبالي" كما أن محبة المؤمنين لله نتيجة محبة الله إياهم ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ وذلك أن صفات الله  قديمة وصفات الخلق محدثة، والأولى علة الثانية.

وأفرد الملكان بالذكر دلالة على فضلها كأنهما من جنس آخر، فإن التغاير في الوصف قد ينزل منزلة التغاير في الذات، ولأن الآية نزلت فيما يتعلق بهما فحسن أن ينص على اسميهما.

وتقديم جبريل في الذكر يدل على أنه أفضل من ميكائيل وأيضاً أن جبريل ينزل بالوحي والعلم وذلك سبب بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والرزق وهو سبب بقاء الأبدان.

والواو في جبريل وميكائيل بمعنى "أو" لأن عداوة أحد هؤلاء توجب عداوة الله كما أن عداوة كلهم توجب ذلك، ويحتمل أن يكون الواو على الأصل ويعرف ما ذكرنا من القرينة.

وقوله ﴿ للكافرين ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن عداوة هؤلاء كفر.

الآيات البينات هي آيات القرآن، ولا يبعد أن تشمل سائر معجزاته وإن كان لفظ الإنزال نابياً عنه بضع النبوّ.

ومعنى كون الآية بينة أن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله، والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصل إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب وهذا هو الآية البينة.

والكفر بها إما جحودها مع العلم بصحتها، وإما جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها، وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه، والفسق هو خروج الإنسان عما حد له إلى الفساد ويقرب منه الفجور، لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد.

عن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره.

ولهذا لا يوصف صاحب الصغيرة بالفسق وإن تجاوز عن أمر الله  كمن فتح من النهر نقباً صغيراً لا يقال: إنه فجر النهر.

وفي قوله ﴿ إلا الفاسقون ﴾ وجهان: أحدهما أن كل كافر فاسق ولا ينعكس، وكان ذكر الفاسق أولى ليأتي على الكافر وغيره.

الثاني أن المراد وما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره.

وهذه الآيات لما كانت بينة لم يكفر بها إلا الكافر الذي بلغ في الكفر النهاية القصوى، وهذا نوع آخر من فضائح اليهود.

عن ابن عباس أنهم كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله  قبل مبعثه، فلما بعث  من العرب كفروا به وجحدوا بما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد  ونحن أهل الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته.

فقال بعضهم: ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فنزلت.

واللام في ﴿ الفاسقون ﴾ للجنس أو إشارة إلى أهل الكتاب.

﴿ أو كلما ﴾ الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات؟

وكلما عاهدوا واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله  فلم يفوا الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة.

وفيه تسلية لرسول الله  لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس من مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك.

والنبذ الرمي بالذمام ورفضه، وإنما قيل ﴿ فريق منهم ﴾ لأن منهم من لم ينقض بل أكثرهم لا يؤمنون بالتوراة وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً.

﴿ ولما جاءهم رسول ﴾ أي كتاب لتلازمهما بدليل كتاب الله وهو القرآن، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، يعني أن علمهم بذلك رصين من قبل التوراة ولكن المكابرة هجيراهم، ونبذه وراء ظهورهم مثل لإعراضهم عنه وتركهم العمل به.

وقيل: كتاب الله التوراة لأنهم لكفرهم برسول الله كافرون بها.

وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه.

اللهم ارزقنا العلم بكتابك والعمل به.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

وذلك أَن اليهود قالوا: لو كان الذي يَنْزِل على محمد بالوحي ميكائيل لتَّبعناه، ونؤمن به؛ لأَن ميكائيل هو الذي ينزل بالغيث والرحمة، وجبريل هو المنزل بالعذاب والحرب والشدائد، فهو عدو لنا؛ لذلك لا نتَّبعه.

وفي جهة العداوة بينهم وبين جبريل وجه آخر، وهو أَن قالوا: إن جبريل أُرسل بالوحي والرسالة في أَولاد إسرائيل، لكنه أَنزلها على أَولاد إسماعيل؛ عداوة لنا وبغضاً؛ لذلك نَصبوا العداوة بينه وبينهم - والله أعلم بذلك - فَأَكذبهم الله -  - بزعمهم، فقال: ﴿ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، لا كما تقول اليهود.

وما ينزل من العذاب والشدائد، إنما ينزل بأَمره، لا من تلقاءِ نفسه وذَاته.

ثم كان إظهارهم عداوة جبريل، لاعتقادهم عداوة الله - عز وجل - لكنهم لم يجترئوا على عداوة الله - على التصريح - فدل أنه على الكناية عن عداوة الله تبارك وتعالى.

ويدل هذا على أن الروافض طعنوا في رسول الله  حيث طعنوا.

وقوله: ﴿ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

تقول الباطنية: إن القرآن لم ينزل على رسول الله -  - بالأَحرف التي نقرؤها، ولكنه إلهام، نزل على قلبه، ثم هو يصوره ويرسمه ذا الحروف، ويعبر به، ويعربه بالمعربة التي نقرؤها.

فلو كان على ما يقولون لزال موضع الاحتجاج عليهم بما أَتى به معجزاً؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ  ﴾ إذ كان لهم أَن يقولوا: أنزل على لسان العجمي، لكنه غيّر ذلك بلسانه.

وكذلك قوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  ﴾ مخافة النسيان والذهاب.

وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ  ﴾ .

فدلت هذه الآيات كلها على بطلان قولهم، وفساد مذهبهم، وبُعدهم عن دين الله المستقيم.

وقوله: ﴿ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

هدى من الضلالة، وبشرى للمؤمنين بالجنة.

وقوله: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ الآية.

يحتمل وجهين: يحتمل: من كان عدوّاً لله، أَو ملائكته، أَو رسله.

ويحتمل: افتتاح العداوة به دون هؤلاء على التعظيم لهم، وفضل المنزلة عند الله، وحسن المآب لديه؛ كقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ  ﴾ معنى إضافة ذلك إليه: على التعظيم له، والإفضال لله، لا على جعل ذلك لله مفرداً.

فعلى ذلك: معنى افتتاح العداوة به - على ما ذكرنا - والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من كان معاديًا لله وملائكته ورسله، ومعاديًا للمَلَكين المُقَرّبَيْن: جبريل وميكائيل؛ فإن الله عدو للكافرين منكم ومن غيركم، ومن كان الله عدوه فقد عاد بالخسران المبين.

<div class="verse-tafsir" id="91.md5DJ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام متصل بما قبله من ذكر تعلات اليهود واعتذارهم عن الإيمان بالنبي  وبما جاء به من البينات والهدى.

زعموا أنهم مؤمنون بكتاب لا حاجة لهم بهداية في غيره، فاحتج عليهم بما ينقض دعواهم، وزعموا أنهم ناجون في الأخرة على كل حال لأنهم شعب الله وأبناؤه فأبطل زعمهم، ثم ذكر تعلة أخرى أغرب مما سبقها، وفندها كما فند ما قبلها، وهي أن جبريل الذي ينزل بالوحي على النبي  عدوهم فلا يؤمنون بوحي يجئ هو به.

وقد جاء في أسباب النزول روايات عنهم في ذلك منها أن عبد الله بن صوريا، من علمائهم، سأل النبي  عن الملك الذي ينزل عليه بالوحي فقال هو جبريل فزعم أنه عدو اليهود وذكر من عداوته أنه أنذرهم خراب بيت المقدس فكان.

ومنها أن عمر بن الخطاب  دخل مدارسهم فذكر جبريل فقالوا: ذاك عدونا، يطلع محمدًا على أسرارنا وأنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلم: إلخ وهذا القول هراء وخطله بين، وإنما عني القرآن بذكره ورده لأنه مؤذن بتعنتهم وعنادهم، وشاهد على فساد تصورهم وعدم تدبرهم، ليعلم الذين كانوا ينتظرون ما يقول أهل الكتاب فيه أنه لا قيمة لأقوالهم، ولا اعتداد بمرائهم وجدالهم.

قال تعالى ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي قل لهم أيها الرسول حكاية عن الله تعالى: من كان عدوًا لجبريل فإن شأن جبريل كذا -فهو إذًا عدو لوحي الله الذي يشمل التوراة وغيرها ولهداية الله تعالى لخلقه وبشراه للمؤمنين على ما يأتي في بيان ذلك- وإذا كان يناجي روحك ويخاطب قلبك بإذن الله لا افتياتًا من نفسه فعداوته لا يصح أن تصد عن الإيمان بك، وليس للعاقل أن يتخذها تعلة وينتحلها عذرًا، فإن القرآن من عند الله لا من عنده.

فقوله ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ حجة أولى عليهم ثم قال ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  ﴾ أي حال كونه موافقًا للكتب التي تقدمته في الأصول التي تدعو إليها من التوحيد واتباع الحق والعمل الصالح ومطابقًا لما فيها من البشارات بالنبي الذي يجئ من أبناء إسماعيل، كأنه يقول فآمنوا به لهذه المطابقة والموافقة لا لأن جبريل واسطة في تبليغه وتنزيله، وهذه حجة ثانية، ثم عززهما بثالثة وهي قوله ﴿ وَهُدًى  ﴾ أي نزله هاديًا من الضلالات والبدع التي طرأت على الأديان، فألقت أهلها في حضيض الهوان، والعاقل لا يرفض الهداية التي تأتيه، وتنقذه من ضلال هو فيه، لأن الواسطة في مجيئها كان عدوًا له من قبل، فإن هذا الرفض من عمل الغبي الجاهل الذي لا يعرف الخير بذاته وإنما يعرفه بمن كان سببًا في حصوله : ثم أيد الحجج الثلاث برابعة فقال ﴿ وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي إذا كنتم تعادون جبريل لأنه أنذر بخراب بيت المقدس فهو إنما أنذر المفسدين، وقد أنزل هذا القرآن عَلَيَّ بشرى للمؤمنين فما لكم أن تتركوا هذه البشرى إن كنتم من أهل الإيمان، لأن الذي نزل فيها قد نزل بإنذار أهل الفساد والطغيان.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن جبريل اسم أعجمي مركب من "جبر" ومعناه بالعبرانية أو السريانية القوة ومن "ايل" ومعناه الإله أي قوة الله وقيل معناه عبد الله وفيه ١٣ لغة منها ثمان لغات قرئ بهن أربع في المشهورات: جبرئيل كسلسبيل قرأ بها حمزة والكسائي وجبريل بفتح الراء وحذف الهمزة قرأ بها ابن كثير والحسن وابن محيصن وجبرئل كجحمرش قرأ بها عاصم برواية أبي بكر، وجبريل كقنديل قرأ بها الباقون.

وأربع في الشواذ جبرال وجبرائيل وجبرئل وجبرين.

ومنها أن قوله ﴿ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ  ﴾ ورد على طريق الالتفات عن التكلم إلى الخطاب اذ كان مقتضى السباق أن يقول"نزله على قلبي"وقد قالوا في نكتته إنها حكاية ما خاطبه الله تعالى به.

ولا أرى صاحب الذوق السليم إلا مستنكرًا صيغة التكلم في هذا المقام، والعلة في ذلك لا تبعد عن الأفهام، ومنها أن الضمير المنصوب البارز في ﴿ نَزَّلَهُ  ﴾ للقرآن وهو لم يذكر فيها قبلها وإنما عينته قرينة الحال، وذلك يدل على فخامة شأنه، كأنه لشهرته قد استغني عن ذكره.

أقام الحجج على حماقتهم وسخفهم في دعوى عداوة جبريل وبيان أنها لا يصح أن تكون مانعة من الإيمان بكتاب أنزله الله بتلك الصفات التي طويت فيها الحجج، ثم بين في آية أخرى حقيقة حالهم في هذه العداوة فقال ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّه  ﴾ بكفره بما ينزله من الهداية ﴿ وَمَلائِكَتِهِ  ﴾ برفض الحق والخير الذي فطروا عليه وكراهة القيام بما يعهد به إليهم ربهم  ، لأنهم ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ ﴿ وَرُسُلِهِ  ﴾ به بتكذيب بعض و قتل بعض ﴿ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ  ﴾ بأن الأول ينزل بالآيات والنذر، ومن كان عدوًا لجبريل فهو عدو لميكال لأن فطرتهما واحدة وحقيقتهما واحدة من مقتها وعاداها في أحدهما فقد عاداها في الآخر ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ أي من عادى الله وعادى هؤلاء المقربين من الله الذين جعلهم رحمة لخلقه فإن الله عدو له لأنه كافر بالله ومعاد له والله عدو للكافرين أن يعاملهم معاملة الأعداء للأعداء، وهم الظالمون لأنفسهم إذ دعاهم فلم يقبلوا أن يكونوا مع الأولياء ﴿ مِيكَالَ  ﴾ بوزن ميعاد قراءة أبي عمرو ويعقوب وعاصم برواية حفص، وقرأ نافع ميكائيل وحمزة والكسائي وابن عامر ميكائيل وفي الشواذ ميكئل وميكئيل ميكائل.

هذا وعيد لهم بعد بيان فساد العلة التي جاءوا بها وهم لم يدَّعوا عداوة هؤلاء كلهم ولكنهم كذلك في نفس الأمر، فأراد أن يبين حقيقة حالهم في الواقع، وهي أنهم أعداء الحق وأعداء كل من يمثله وينقله ويدعو إليه، فالتصريح بعداوة جبريل كالتصريح بعداوة ميكال الذي يزعمون أنهم يحبونه وأنهم كانوا يؤمنون بالنبي لو كان هو الذي ينزل بالوحي عليه.

ومعاداة القرآن كمعاداة سائر الكتب الإلهية لأن الغرض من الجميع واحد.

ومعاداة محمد  كمعاداة سائر رسل الله لأن وظيفتهم واحدة.

فقولهم السابق وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر وهذا من ضروب إيجاز القرآن التي انفرد بها.

وفي قوله تعالى ﴿ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ وضع للمظهر في موضع المضمر لبيان أن سبب عداوته تعالى لهم هو الكفر فإن الله لا يعادي قومًا لذواتهم ولا لأنسابهم، وإنما يكره لهم الكفر ويعاقبهم عليه معاقبة العدو للعدو.

وقد بينا غير مرة أن عذاب الله وانتقامه من الكفرة والفجرة لا يشبه انتقام ملوك الدنيا وزعمائها، وإنما قضت سنته تعالى بأن يكون لكل عمل يعمله الانسان في ظاهره أو في نفسه وضميره أثر في نفس العامل يزكيها ويدسيها، وسعادة الإنسان في الآخر أو شقاؤه تابع لآثار اعتقاداته وأعماله في نفسه، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ  ﴾ .

ثم صرح بأن القرآن منزل من عند الله وحده، وأنه في نفسه آيات بينات لا يحتاج إلى آية أخرى تبينه وتشهد له، فإن ما كان بينا في نفسه أولى بالقبول مما يحتاج في بيانه إلى غيره، فقال ﴿ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ  ﴾ وقد تقدم أن الوحي من الله للنبي يسمى تنزيلًا وإنزالًا ونزولًا لبيان علو مرتبة الربوبية لا أن هناك نزولًا حسيًا من مكان مرتفع إلى مكان منخفض.

وأما كون آيات القرآن بينات فهي أنها بإعجازها البشر وبقرن المسائل الاعتقادية فيها ببراهينها والأحكام الأدبية والعملية بوجوه منافعها، لا تحتاج إلى دليل آخر يدل على أنها هداية من الله تعالى وأنها جديرة بالاتباع، بل هي دليل على نفسها عند صاحب الفطرة السليمة كالنور يظهر الأشياء وهو ظاهر بنفسه لا يحتاج إلى شيء آخر يظهره ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ  ﴾ الذين خرجوا من نور الفطرة وانغمسوا في ظلمة التقليد فتركوا طلب الحق بذاته لاعتقادهم أن فطرتهم ناقصة لا استعداد فيها لإدراكه بذاته على شدة ظهوره، وإنما يطلبونه من كلام مقلديهم.

وكذلك الذين ظهر لهم الحق فاستحبوا العمى على الهدى حسدًا لمن ظهر الحق على يديه وعنادًا له.

بعد هذا كله بين الله تعالى شأنين من شؤون أهل الكتاب وهما: أنه لا ثقة بهم في شيء، لما عرف عنهم من نقض العهود وأنه لا رجاء في إيمان أكثرهم لأن الضلالة قد ملكت عليهم أمرهم، إلا قليلًا منهم، فإن كل ما تقدم من الأعمال والأقوال قد صدر عن بعضهم، وإن كان نقض العهود قد وقع في كل زمن من فريق منهم دون فريق، فلا يتوهمن أحد أن أولئك هم الأقلون، كلا بل هم الأكثرون، ولذلك قال ﴿ أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم  ﴾ همزة الاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف أي أكفروا بالآيات وقالوا ما قالوا وكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم؟.

النبذ طرح الشيء وإلقاؤه والمراد بالعهود هنا عهودهم للنبي  ، ولما كان لفظ فريق وهم العدد القليل، وكان الواقع أن الذين كانوا يرون الوفاء له  قليلون، والناقضين هم الأكثرون، أضرب عنه وقال ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ فهم لا إيمان لهم لأنهم لا أيمان لهم، أي لا عهود لهم.

وفيه من خبر الغيب أن أكثر اليهود لا يؤمنون بالنبي  ، وكذلك كان، وصدق الله العظيم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل