الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١١٧ من سورة طه
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٧ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك ) يعني : حواء ، عليهما السلام ( فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) أي : إياك أن يسعى في إخراجك منها ، فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك ، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء ، لا كلفة ولا مشقة .
( فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ) ولذلك من شنآنه لم يسجد لك، وخالف أمري في ذلك وعصاني، فلا تطيعاه فيما يأمركما به، فيخرجكما بمعصيتكما ربكما، وطاعتكما له ( مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ) يقول: فيكون عيشك من كدّ يدك، فذلك شقاؤه الذي حذّره ربه.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق من جبينه، فهو الذي قال الله تعالى ذكره ( فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ) فكان ذلك شقاؤه ، وقال تعالى ذكره (فَتَشْقَى) ولم يقل: فتشقيا، وقد قال: ( فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا ) لأن ابتداء الخطاب من الله كان لآدم عليه السلام، فكان في إعلامه العقوبة على معصيته إياه، فيما نهاه عنه من أكل الشجرة الكفاية من ذكر المرأة، إذ كان معلوما أن حكمها في ذلك حكمه.
كما قال عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ اجتزئ بمعرفة السامعين معناه من ذكر فعل صاحبه.
فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة نهي ؛ ومجازه : لا [ ص: 165 ] تقبلا منه فيكون ذلك سببا لخروجكما من الجنة فتشقى يعني أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد ؛ ولم يقل : فتشقيا لأن المعنى معروف ، وآدم - عليه السلام - هو المخاطب ، وهو المقصود .
وأيضا لما كان الكاد عليها والكاسب لها كان بالشقاء أخص .
وقيل : الإخراج واقع عليهما والشقاوة على آدم وحده ، وهو شقاوة البدن ؛ ألا ترى أنه عقبه بقوله : إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى أي في الجنة وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فأعلمه أن له في الجنة هذا كله : الكسوة والطعام والشراب والمسكن ؛ وأنك إن ضيعت الوصية ، وأطعت العدو أخرجكما من الجنة فشقيت تعبا ونصبا ، أي جعت وعريت وظمئت وأصابتك الشمس ؛ لأنك ترد إلى الأرض إذا أخرجت من الجنة .
وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان : يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج ؛ فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج ، فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية .
وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة : الطعام والشراب والكسوة والمسكن ؛ فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها ؛ فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور ، فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها ؛ لأن بها إقامة المهجة .
قال الحسن المراد بقوله : فتشقى شقاء الدنيا ، لا يرى ابن آدم إلا ناصبا .
وقال الفراء هو أن يأكل من كد يديه .
وقال سعيد بن جبير : أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ، ويمسح العرق عن جبينه ، فهو شقاؤه الذي قال الله تبارك وتعالى .
وقيل : لما أهبط من الجنة كان من أول شقائه أن جبريل أنزل عليه حبات من الجنة ؛ فقال يا آدم ازرع هذا ، فحرث وزرع ، ثم حصد ثم درس ثم نقى ثم طحن ثم عجن ثم خبز ، ثم جلس ليأكل بعد التعب ؛ فتدحرج رغيفه من يده حتى صار أسفل الجبل ، وجرى وراءه آدم حتى تعب وقد عرق جبينه ، قال يا آدم فكذلك رزقك بالتعب والشقاء ، ورزق ولدك من بعدك ما كنت في الدنيا .
فحذر الله آدم وزوجه منه، وقال { لَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } إذا أخرجت منها، فإن لك فيها الرزق الهني، والراحة التامة.
( فقلنا ياآدم إن هذا عدو لك ولزوجك ) حواء ، ( فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) يعني : تتعب وتنصب ، ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك .
قال السدي : يعني الحرث والزرع والحصيد والطحن والخبيز .
وعن سعيد بن جبير : قال أهبط إلى آدم ثور أحمر ، فكان يحرث عليه ، ويمسح العرق عن جبينه ، فذلك [ شقاؤه .
ولم يقل : " فتشقيا " رجوعا به إلى آدم ، لأن تعبه أكثر فإن الرجل ] هو الساعي على زوجته .
وقيل : لأجل رءوس الآي .
«فقلنا يا آدم إنَّ هذا عدو لك ولزوجك» حواء بالمد «فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى» تتعب بالحرث والزرع والحصد والطحن والخبز وغير ذلك واقتصر على شقائه لأن الرجل يسعى على زوجته.
فقلنا: يا آدم إن إبليس هذا عدو لك ولزوجتك، فاحذرا منه، ولا تطيعاه بمعصيتي، فيخرجكما من الجنة، فتشقى إذا أُخرجت منها.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لآدم بعد إباء إبليس عن السجود له فقال : ( يآءَادَمُ إِنَّ هذا ) أى : إبليس ( عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ ) بسبب حسده لكما وحقده عليكما ( فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى ) أى : فاحذرا أن تطيعاه ، فإن طاعتكما له ستؤدى بكما إلى الخروج من الجنة ، فيترتب على ذلك شقاؤك ، أى : تعبك فى الحصول على مطالب حياتك .وأسند سبحانه إلى إبليس الإخراج لهما من الجنة ، لأنه هو المتسبب فى ذلك ، عن طريق الوسوسة لهما ، وطاعتهما له فيما حرضهما عليه وهو الأكل من الشجرة ، وعبر عن التعب فى طلب المعيشة بالشقاء ، لأنه بعد خروجه من الجنة سيقوم بحراثة الأرض وفلاحتها وزرعها وريها .
.
.
ثم حصدها .
.
.
ثم إعداد نتاجها للأكل ، وفى كل ذلك ما فيه من شقاء وكد وتعب .وقال - سبحانه - : ( فتشقى ) ولم يقل فتشقيا كما قال ( فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا ) لأن الكلام من أول القصة مع آدم وحده : أو لأن شقاء الرجل يدخل فيه شقاء أهله ، كما أن سعادته سعادتهم ، أو لأنه هو الذى يعود عليه التعب إذ هو المكلف بأن يقدم لها ما تحتاجه من مطالب الحياة .
كالمسكن والملبس والمطعم والمشرب .قال القرطبى ما ملخصه : قوله ( فتشقى ) يعنى أنت وزوجك لأنهما فى استواء العلة واحد ، ولم يقل : فتشقيا لأن المعنى معروف ، وآدم - عليه السلام - هو المخاطب ، وهو المقصود .
وأيضا لما كان هو الكاد عليها والكاسب لها كان بالشقاء أخص .وفى ذلك تعليم لنا أن نفقة الزوجة على الزوج .
فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج ، فلما كانت نفقة حواء على آدم ، كانت كذلك نفقات بناتها على بنى آدم بحق الزوجية .
.
اعلم أن هذا هي المرة السادسة من قصة آدم عليه السلام في القرآن: أولها في سورة البقرة ثم في الأعراف ثم في الحجر ثم في الإسراء ثم في الكهف، ثم هاهنا.
واعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً: أحدها: أنه تعالى لما قال: ﴿ كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ﴾ ثم إنه عظم أمر القرآن وبالغ فيه ذكر هذه القصة انجازاً للوعد في قوله: ﴿ كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ﴾ .
وثانيها: أنه لما قال: ﴿ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ أردفه بقصة آدم عليه السلام كأنه قال: إن طاعة بني آدم للشيطان وتركهم التحفظ من وساوسه أمر قديم فإنا قد عهدنا إلى آدم من قبل أي من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد وبالغنا في تنبيهه حيث قلنا: ﴿ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ ﴾ ثم إنه مع ذلك نسي وترك ذلك العهد فأمر البشر في ترك التحفظ من الشيطان أمر قديم.
وثالثها: أنه لما قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾ ذكر بعده قصة آدم عليه السلام فإنه بعدما عهد الله إليه وبالغ في تجديد العهد وتحذيره من العدو نسي، فقد دل ذلك على ضعف القوة البشرية عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في أن يوفقه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان.
ورابعها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما قيل له: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ دل على أنه كان في الجد في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالإفراط وصف آدم بالتفريط في ذلك فإنه تساهل في ذلك ولم يتحفظ حتى نسي فوصف الأول بالتفريط والآخر بالإفراط ليعلم أن البشر لا ينفك عن نوع زلة.
وخامسها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما قيل له: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ ﴾ ضاق قلبه وقال في نفسه: لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي وإلا لما نهيت عنه فقيل له: إن كنت فعلت ما نهيت عنه فإنما فعلته حرصاً منك على العبادة، وحفظاً لأداء الوحي وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي للتساهل وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره، أما قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ من قَبْلُ ﴾ فلا شك أن المراد بالعهد أمر من الله تعالى أو نهي منه كما يقال في أوامر الملوك ووصاياهم أشار الملك إليه وعهد إليه.
قال المفسرون: عهدنا إليه أن لا يأكل من الشجرة ولا يقربها، وفي قوله تعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ وجوه: أحدها: من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن.
وثانيها: قال ابن عباس: من قبل أن يأكل من الشجرة عهدنا إليه أن لا يأكل منها.
وثالثها: أي من قبل محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وهو قول الحسن، أما قوله: ﴿ فَنَسِىَ ﴾ فقد تكلمنا فيه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة، ونعيد هاهنا منه شيئاً قليلاً، وفي النسيان قولان: أحدهما: المراد ما هو نقيض الذكر، وإنما عوتب على ترك التحفظ والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان، وكان الحسن رحمه الله يقول: والله ما عصى قط إلا بنسيان.
والثاني: أن المراد بالنسيان الترك وأنه ترك ما عهد إليه من الاحتراز عن الشجرة وأكل من ثمرتها، وقرئ: فنسي أي فنساه الشيطان، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يقال: أقدم على المعصية من غير تأويل وأن يقال: أقدم عليها مع التأويل، والكلام فيه قد تقدم في سورة البقرة، وأما قوله: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: الوجود يجوز أن يكون بمعنى العلم ومنه ولم نجد له عزماً وأن يكون نقيض العدم كأنه قال: وعدمنا له عزماً.
البحث الثاني: العزم هو التصميم والتصلب، ثم قوله: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ يحتمل ولم نجد له عزماً على القيام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب، ويحتمل أن يكون المراد ولم نجد له عزماً على ترك المعصية أو لم نجد له عزماً على التحفظ والاحتراز عن الغفلة، أو لم نجد له عزماً على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا: إنه عليه السلام إنما أخطأ بالاجتهاد.
وأما قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى ﴾ فهذا يشتمل على مسائل: إحداها: أن المأمورين كل الملائكة أو بعضهم.
وثانيتها: أنه ما معنى السجود.
وثالثتها: أن إبليس هل كان من الملائكة أم لا؟
وإن لم يكن فكيف صح الاستثناء وبأي شيء صار مأموراً بالسجود؟
ورابعتها: أن هذا يدل على أن آدم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم أم لا؟
وخامستها: أن قوله في صفة إبليس أنه أبى كيف لزم الكفر من ذلك الإباء وأنه هل كان كافراً ابتداء أو كفر بسبب ذلك.
واعلم أن هذه المسائل مرت على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة، أما قوله: ﴿ فَقُلْنَا يائادم إِن هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى ﴾ ففيه سؤالات: الأول: ما سبب تلك العداوة؟
الجواب من وجوه: أحدها: أن إبليس كان حسوداً فلما رآى آثار نعم الله تعالى في حق آدم عليه السلام حسده فصار عدواً له.
وثانيها: أن آدم كان شاباً عالماً لقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ ، وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله وذلك جهل، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدواً للشاب العالم.
وثالثها: أن إبليس مخلوق من النار وآدم مخلوق من الماء والتراب فبين أصليهما عداوة فبقيت تلك العداوة.
السؤال الثاني: لم قال: ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة ﴾ مع أن المخرج لهما من الجنة هو الله تعالى.
الجواب: لما كان بوسوسته هو الذي فعل ما ترتب عليه الخروج صح ذلك.
السؤال الثالث: لم أسند إلى آدم وحده فعل الشقاء دون حواء مع اشتراكهما في الفعل.
الجواب من وجهين: أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله وأميرهم شقاءهم كما أن في ضمن سعادته سعادتهم فاختص الكلام بإسناده إليه دونها مع المحافظة على رعاية الفاصلة.
الثاني: أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة، وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه أما قوله: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ وإنك بالفتح والكسر ووجه الفتح العطف على أن لا تجوع فيها، فإن قيل: أن لا تدخل على أن فلا يقال أن أن زيداً منطلق والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها فلم أدخلت عليها؟
قلنا: الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن أن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة كان لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع أن وأن.
المسألة الثانية: الشبع والري والكسوة والإكتنان في الظل هي الأقطاب التي يدور عليها أمر الإنسان.
فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء له في الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب وذكرها بلفظ النفي لأضدادها التي هي الجوع والعري والظمأ والضحى ليطرق سمعه شيئاً من أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يبالغ في الاحتراز عن السبب الذي يوقعه فيها، وهذه الأشياء كلها كأنها تفسير الشقاء المذكور في قوله: ﴿ فتشقى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا ﴾ فلا يكونن سبباً لإخراجكما.
وإنما أسند إلى آدم وحده فعل الشقاء دون حوّاء بعد إشراكهما في الخروج؛ لأنّ في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله وأميرهم شقاءهم، كما أنّ في ضمن سعادته سعادتهم، فاختصر الكلام بإسناده إليه دونها.
مع المحافظة على الفاصلة.
أو أريد بالشقاء التعب في طلب القوت، وذلك معصوب برأس الرجل وهو راجع إليه.
وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أيِ اذْكُرْ حالَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ أنَّهُ نَسِيَ ولَمْ يَكُنْ مِن أُولِي العَزِيمَةِ والثَّباتِ.
﴿ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ ﴾ قَدْ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ.
﴿ أبى ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ وهو الِاسْتِكْبارُ وعَلى هَذا لا يَقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ مِثْلَ السُّجُودِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ فَسَجَدُوا ﴾ لِأنَّ المَعْنى أظْهَرَ الإباءَةَ عَنِ المُطاوَعَةِ.
﴿ فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما ﴾ فَلا يَكُونَنَّ سَبَبًا لِإخْراجِكُما، والمُرادُ نَهْيُهُما عَنْ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَتَسَبَّبُ الشَّيْطانُ إلى إخْراجِهِما.
﴿ مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ أفْرَدَهُ بِإسْنادِ الشَّقاءِ إلَيْهِ بَعْدَ إشْراكِهِما في الخُرُوجِ اكْتِفاءً بِاسْتِلْزامِ شَقائِهِ شَقاءَها مِن حَيْثُ إنَّهُ قَيِّمٌ عَلَيْها ومُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالشَّقاءِ التَّعَبُ في طَلَبِ المَعاشِ وذَلِكَ وظِيفَةُ الرِّجالِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: <div class="verse-tafsir"
{فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك} حين لم يسجد ولم يرفضك {فلا يخرجنكما من الجنة} فلا يكون سببا لاحراجكما {فتشقى} فتتعب فى طلب الموت ولم يعل فتشقيا سراعاه لرؤس الاى او ادخلت تبعاً أو لأن الرجل هو الكافل لنفقة المرأة وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه
﴿ فَقُلْنا ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ اعْتِناءً بِنُصْحِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ يا آدَمُ إنَّ ﴾ هَذا الَّذِي رَأيْتَ مِنهُ ما رَأيْتَ ﴿ عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ ﴾ أُعِيدَ اللّامُ لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
وقِيلَ: أُعِيدَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَداوَةَ اللَّعِينِ لِلزَّوْجَةِ أصالَةٌ لا تَبَعًا.
وهو عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ لُزُومِ إعادَةِ الجارِّ في مِثْلِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ ظاهِرٌ.
وأمّا عَلى القَوْلِ بِاللُّزُومِ فَقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِهِ.
إنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ لازِمًا بِحَسَبِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ لا يُنافِي قَصْدَ إفادَةِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ.
وقَدْ صَرَّحَ السَّيِّدُ السَّنَدُ في شَرْحِ المِفْتاحِ في تَوْجِيهٍ جَعَلَ صاحِبَ المِفْتاحِ تَنْكِيرَ التَّمْيِيزِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ بِما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِزَوْجِكَ دُونَ حَوّاءَ مِن مَزِيدِ التَّنْفِيرِ والتَّحْذِيرِ مِنهُ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ العَداوَةِ فَقِيلَ مُجَرَّدُ الحَسَدِ وهو لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى ولَعَنَ أتْباعَهُ أوَّلُ مَن حَسَدَ، وقِيلَ: كَوْنُهُ شَيْخًا جاهِلًا وكَوْنُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شابًّا عالِمًا، والشَّيْخُ الجاهِلُ يَكُونُ أبَدًا عَدُوًّا لِلشّابِّ العالِمِ بَلِ الجاهِلُ مُطْلَقًا عَدُوٌّ لِلْعالِمِ كَذَلِكَ كَما قِيلَ: والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءُ وقِيلَ: تُنافِي الأصْلَيْنِ فَإنَّ اللَّعِينَ خُلِقَ مِن نارٍ وآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خُلِقَ مِن طِينٍ وحَوّاءَ خُلِقَتْ مِنهُ، وقَدْ ذَكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ.
﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما ﴾ أيْ فَلا يَكُونَنَّ سَبَبًا لِإخْراجِكُما ﴿ مِنَ الجَنَّةِ ﴾ وهَذا كِنايَةٌ عَنْ نَهْيِهِما عَنْ أنْ يَكُونا بِحَيْثُ يَتَسَبَّبُ الشَّيْطانُ في إخْراجِهِما مِنها نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ مُوجِبِ النَّهْيِ عَلى عَداوَتِهِ لَهُما أوْ عَلى الإخْبارِ بِها ﴿ فَتَشْقى ﴾ أيْ فَتَتْعَبَ بِمَتاعِبِ الدُّنْيا وهي لا تَكادُ تُحْصى ولا يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً بَعْدَ تَعْلِيقِ الإخْراجِ المُوجِبِ لَهُ بِهِما مَعًا لِأصالَتِهِ في الأُمُورِ واسْتِلْزامِ تَعَبِهِ لِتَعَبِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّقاءِ التَّعَبُ في تَحْصِيلِ مَبادِئِ المَعاشِ وهو مِن وظائِفِ الرِّجالِ، وأيَّدَ هَذا بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ عَساكِرَ.
وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ( إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُهْبِطُ مِنَ الجَنَّةِ اسْتَقْبَلَهُ ثَوْرٌ أبْلَقُ فَقِيلَ لَهُ: اعْمَلْ عَلَيْهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ ويَقُولُ: هَذا ما وعَدَنِي رَبِّي ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ ثُمَّ نادى حَوّاءَ: حَوّاءُ أنْتِ عَمِلْتِ بِي هَذا فَلَيْسَ مِن ولَدِ آدَمَ أحَدٌ يَعْمَلُ عَلى ثَوْرٍ إلّا قالَ: حَوْ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ مِن قِبَلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذا أُيِّدَ بِالآيَةِ بَعْدُ وفِيهِ تَأمُّلٌ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِالعُمُومِ أوْلى، و( تَشْقى ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ في جَوابِ النَّهْيِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الِاسْتِئْنافِ بِتَقْدِيرِ فَأنْتَ تَشْقى، واسْتُبْعِدَ هَذا بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ الإخْبارَ عَنْهُ بِالشَّقاءِ بَلِ المُرادُ إنْ وقَعَ الإخْراجُ حَصَلَ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ، يعني: أمرنا آدم بترك أكل الشجرة من قبل، يعني: من قبل محمد .
فَنَسِيَ، يعني: فترك أمرنا وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قال: حفظاً لما أمر به.
روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ- أي فترك أمرنا وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً أي حزما.
وقال قتادة: صبراً، وقال السدي مثله وقال عطية: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً أي حفظاً بما أمر به.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: عهد إلى آدم فنسي، فسمي الإنسان (١) ثم قال عز وجل: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى، أي: تعظم عن السجود، فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ يعني: إبليس عدو لك ولزوجك حواء، فاحذرا منه، فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى يعني: فتتعب وتتعنّى بعمل كفيك ولا تأكل إلا كداً بعد النعمة.
وقال سعيد بن جبير: لما هبط آدم من الجنة وكلّف العمل، فكان يمسح العرق عن جبينه، فذلك قوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى، وهو العرق الذي مسحه من الجبين.
ثم قال عز وجل: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، يعني: أن حالك ما دمت في الجنة لا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى من الثياب.
وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيها، يعني: لا تعطش في الجنة، وَلا تَضْحى يعني: لا يصيبك الضحى، وهو حر الشمس.
قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: وَأَنَّكَ بالكسر على معنى الابتداء، وقرأ الباقون وَأَنَّكَ بالنصب على معنى البناء.
قوله عز وجل: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ من أكل منها خلد ولم يمت وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى؟
يعني: هل أدلك على ملك لا يفنى؟
فهو أكل الشجرة.
فَأَكَلا مِنْها، يعني: من الشجرة وقد ذكرنا تفسير الشجرة في سورة البقرة.
فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، أي: ظهرت لهما عوراتهما، وَطَفِقا يعني: عمدا يَخْصِفانِ يعني: يلزقان عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ، يعني: ترك أمر ربّه بأكله من الشجرة، فَغَوى أخطأ ولم يصب بأكله ما أراد وما وعد له من الخلود.
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ، يعني: اصطفاه ربه واختاره بالنبوة فَتابَ عَلَيْهِ، يعني: تجاوز عنه وقبل توبته، وَهَدى يعني: هداه الله تعالى للتوبة بكلمات تلقاها، أي آدم .
قوله عز وجل: قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً يعني: من الجنة آدم وحواء وإبليس والحية فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً يعني: يا ذرية آدم سيأتيكم مني الكتاب والرسل، خاطبه به وعنى ذريته.
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ يعني: أطاع كتابي ورسلي فَلا يَضِلُّ باتباعه إياهما في الدنيا، وَلا يَشْقى في الآخرة.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «من قرأ القرآن واتَّبع ما فيه، هداه الله عز وجل من الضلالة، ووقاه الله عز وجل يوم القيامة سوء الحساب، فذلك قوله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
<div class="verse-tafsir"
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ بحسب توقع البشر، وترجيهم يَتَّقُونَ اللهَ، ويخشَوْنِ عَقَابه فيؤمِنُون ويتذكَّرونَ نِعَمه عندهم، وما حذَّرهم من ألِيم عقابه هذا تأويل فرقة في قوله: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً.
وقالت فرقةٌ: معناه أَوْ يُكْسِبُهُمْ شَرَفاً، ويبقى عليهم إيمانهم ذكراً صالحاً في الغابرين.
وقوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ...
الآية، قالت فرقة: سببها: أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يخاف وقْتَ تكليمِ جِبْريلَ له أنْ ينسى أول القرآن، فكان يقرأُ قبل أن يستتم جبريلُ عليه السلام الوحْيَ فنزلت في ذلك، وهي على هذا في معنى قوله: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
[القيامة: ١٦] .
وقيل غير هذا.
وقوله عز وجل: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ...
الآية، العهدُ هنا بمعنى الوصِيّة، والشيءُ الّذي عهد إلى آدم عليه السلام هو أَلاَّ يقرَبَ الشجرة.
ت: قال عِياضٌ: وأما قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١] أي:
جهل، فإنّ الله تعالى أخبر بعذره بقوله: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قيل: نسي، ولم ينو المخالفة فلذلك قال تعالى: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً، أيْ:
قصداً للمخالفة.
ت: وقيل: غير هذا مما لا أرى ذكره هنا، ولِلَّه دَرُّ ابن العَربيّ حيثُ قال «١» :
يجبُ تنْزِيه الأنْبياء- عليهم الصلاة والسلام- عما نَسَبَ إليهم الجهالُ.
ولكن البَارِي سبحانه بحُكْمه النافذ، وقَضَائِه السابق أسلم آدم إلى الأكل من الشجرة متعمِّداً للأكل، ناسِياً للعهد، فقال في تعمده: وَعَصى آدَمُ وقال في بيان عُذْرهُ: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ فَمُتَعَلِّق العهد غيرُ متعلِّق النسيان، وجاز للمولى أن يقول في عبده لحقه: عصى تَثْرِيباً،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ ﴾ ؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ ، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ.
وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ.
وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ.
والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ.
والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ.
والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ.
قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ.
﴿ وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَظْمَأُ فِيها ﴾ ؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ.
ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ﴾ ؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى.
وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَغَوى ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ.
والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿ غَوى ﴾ : أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى.
والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى ﴾ ؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ.
﴿ قالَ اهْبِطا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ﴾ ؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟
قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» .
ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها.
قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ.
والثّانِي: الدُّنْيا.
والثّالِثُ: جَهَنَّمُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما.
وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ.
ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ.
والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها ﴾ ؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ.
﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿ وَأبْقى ﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى ﴾ ﴿ فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ قالَ الطَبَرَيُّ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى: وإنْ يُعْرِضْ - يا مُحَمَّدُ - هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ عن آياتِي ويُخالِفُوا رُسُلِي ويُطِيعُوا إبْلِيسَ: فَقَدِيمًا ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُوهم آدَمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ أنَّ كَوْنَ آدَمَ مِثالًا لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وآدَمُ إنَّما عَصى بِتَأْوِيلٍ، فَفي هَذا غَضاضَةٌ عَلَيْهِ ، وأمّا الظاهِرُ في هَذِهِ الآيَةِ إمّا أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ قِصَصٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، وإمّا أنْ يُجْعَلَ تَعَلُّقَهُ أنَّهُ لَمّا عُهِدَ إلى مُحَمَّدٍ ألّا يَعْجَلَ بِالقُرْآنِ مُثِّلَ لَهُ بِنَبِيٍّ قَبْلَهُ عُهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ فَعُوقِبَ؛ لِيَكُونَ أشَدَّ في التَحْذِيرِ وأبْلَغَ في العَهْدِ إلى مُحَمَّدٍ .
والعَهْدُ هُنا في مَعْنى الوَصِيَّةِ، و"نَسِيَ" مَعْناهُ: تَرَكَ، ونِسْيانُ الذُهُولِ لا يُمْكِنُ هُنا؛ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِالناسِي عِقابٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَنَسِيَ" بِسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُها طَلَبُ الخِفَّةِ.
و"العَزْمُ": المُضِيُّ عَلى المُعْتَقَدِ في أيِّ شَيْءٍ كانَ، وآدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مُعْتَقِدًا ألّا يَأْكُلَ مِنَ الشَجَرَةِ، لَكِنَّهُ لَمّا وسْوَسَ إلَيْهِ إبْلِيسُ لَمْ يَعْزِمْ عَلى مُعْتَقَدِهِ.
وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ العَزْمِ هُنا بِالصَبْرِ وبِالحِفْظِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو أعَمُّ مِن حَقِيقَةِ العَزْمِ.
والشَيْءُ الَّذِي عُهِدَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ هو ألّا يَقْرَبَ الشَجَرَةَ، وأُعْلِمْ مَعَ ذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ عَدُوٌّ لَهُ.
وقالَ أبُو أُمامَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَوْ أنَّ أحْلامَ بَنِي آدَمَ جُمِعَتْ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ووُضِعَتْ في كِفَّةِ مِيزانٍ ووُضِعَ حُلْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ في كِفَّةٍ أُخْرى لَرَجَحَهُمْ، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ الآيَةُ ابْتِداءُ قِصَّةٍ، والعامِلُ في "إذْ" فَعَلَ مُضْمَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ هَذِهِ القِصَّةِ، لَكِنْ نَذْكُرُ مِن ذَلِكَ ما تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ، فالمَلائِكَةُ قِيلَ كانَ جَمِيعُهم مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ فَرِقَّةٌ فاضِلَةٌ مِنهم عَدَدُهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ.
و"السُجُودُ" الَّذِي أُمِرُوا بِهِ سُجُودُ كَرامَةٍ لِآدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وعِبادَةٍ لِلَّهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ في قَوْلِ مَن جَعَلَ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ، ومُنْقَطِعٌ في قَوْلِ مَن قالَ: هو مِن قَبِيلَةٍ غَيْرِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَها الجِنُّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ ، أيْ: لا يَقَعُ مِنكُما طاعَةٌ لَهُ في إغْوائِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ خُرُوجِكُما مِنَ الجَنَّةِ.
ثُمْ خَصَّصَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَشْقى" مِن حَيْثُ كانَ المُخاطَبُ أوَّلًا المَقْصُودُ في الكَلامِ، وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ الشَقاءِ في مَعِيشَةِ الدُنْيا في حَيِّزِ الرِجالِ.
ورُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أُهْبِطَ هَبَطَ مَعَهُ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَحْرُثُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، فَهَذا هو الشَقاءُ الَّذِي خُوِّفَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
فَقُلْنَا ياھادم إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى} قصة خلق آدم وسجود الملائكة له وإباء الشيطان من السجود تقدمت في سورة البقرة وسورة الأعراف، فلنقتصر على بيان ما اختصت به هاته السورة من الأفانين والتراكيب.
فقوله ﴿ إن هذا ﴾ إشارة إلى الشيطان إشارةً مراداً منها التحقير، كما حكى الله في سورة الأنبياء (36) من قول المشركين ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ ، وفي سورة الأعراف (22) إن الشيطان لكما عدو عبر عنه باسمه.
وقوله عدوٌّ لكَ ولِزَوجِكَ } هو كقوله في الأعراف (22): ﴿ وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ﴾ فذكرت عداوته لهما جملة هنالك وذكرت تفصيلاً هنا، فابتدئ في ذكر متعلّق عداوته بآدم لأنّ آدم هو منشأ عداوة الشيطان لحسده، ثم أتّبع بذكر زوجه لأنّ عداوته إياها تبع لعداوته آدم زوجها، وكانت عداوته متعلّقة بكليهما لاتحاد علّة العداوة، وهي حسده إياهما على ما وهبهما الله من علم الأسماء الذي هو عنوان الفكر الموصل إلى الهدى وعنوان التعبير عن الضمير الموصل للإرشاد، وكل ذلك مما يبطل عمل الشيطان ويشق عليه في استهوائهما واستهواء ذريتهما، ولأنّ الشيطان رأى نفسه أجدر بالتفضيل على آدم فحنق لما أمر بالسجود لآدم.
قوله فَلا يُخرجَنَّكُما من الجنَّةِفَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى} تفريع على الإخبار بعداوة إبليس له ولزوجه: بأن نُهيا نهي تحذير عن أن يتسبب إبليس في خروجهما من الجنة، لأنّ العدوّ لا يروقه صلاح حال عدوه.
ووقع النهي في صورة نهي عن عمل هو من أعمال الشيطان لا مِنْ أعمال آدم كناية عن نهي آدم عن التأثر بوسائل إخراجهما من الجنّة، كما يقال: لا أعرفنّك تفعل كذا، كناية عن: لا تفعل، أي لا تفعل كذا حتى أعرفه منك، وليس المراد النهي عن أن يبلغ إلى المتكلّم خبر فعل المخاطب.
وأسند ترتب الشقاء إلى آدم خاصة دون زوجه إيجازاً، لأنّ في شقاء أحد الزوجين شقاء الآخر لتلازمهما في الكون مع الإيماء إلى أنّ شقاء الذكر أصل شقاء المرأة، مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة.
وجملة ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ﴾ تعليل للشقاء المترتب على الخروج من الجنّة المنهي عنه، لأنه لما كان ممتعاً في الجنة برفاهية العيش من مأكل وملبس ومشرب واعتدال جوّ مناسب للمزاج كان الخروج منها مقتضياً فقدان ذلك.
و ﴿ تضحى ﴾ مضارع ضَحِيَ: كرضي، إذا أصابه حر الشمس في وقت الضحى، ومصدره الضحو، وحر الشمس في ذلك الوقت هو مبدأ شدته، والمعنى: لا يصيبك ما ينافر مزاجك، فالاقتصار على انتفاء الضحو هنا اكتفاء، أي ولا تصردَ، وآدم لم يعرف الجوع والعَرى والظمأ والضحْو بالوجدان، وإنما عرفها بحقائقها ضِمن تعليمه الأسماء كلّها كما تقدّم في سورة البقرة.
وجُمع له في هذا الخبر أصولُ كفاف الإنسان في معيشته إيماء إلى أن الاستكفاء منها سيكون غاية سعي الإنسان في حياته المستقبلة، لأن الأحوال التي تصاحب التكوين تكون إشعاراً بخصائص المكوّن في مقوماته، كما ورد في حديث الإسراء من توفيق النبي صلى الله عليه وسلم لاختيار اللبن على الخَمر فقيل له: لو اخترت الخمر لغَوَتْ أمّتك.
وقد قُرن بين انتفاء الجوع واللباس في قوله ﴿ ألا تجوع فيها ولا تعرى، وقرن بين انتفاء الظمأ وألم الجسم في قوله لا تظمأ فيها ولا تضحى ﴾ لمناسبة بين الجوع والعَرى، في أن الجوع خلوّ باطن الجسم عما يقيه تألمه وذلك هو الطعام، وأن العري خلوّ ظاهر الجسم عما يقيه تألمه وهو لفح الحر وقرص البرد؛ ولمناسبة بين الظمأ وبين حرارة الشمس في أن الأول ألم حرارة الباطن والثاني ألم حرارة الظاهر.
فهذا اقتضى عدم اقتران ذكر الظمأ والجوع، وعدم اقتران ذكر العري بألم الحر وإن كان مقتضى الظاهر جمع النظيرين في كليهما، إذ جَمْعُ النظائر من أساليب البديع في نظم الكلام بحسب الظاهر لولا أن عرض هنا ما أوجب تفريق النظائر.
ومن هذا القبيل في تفريق النظائر قصة أدبيّة طريفة جرت بين سيف الدولة وبين أبي الطيّب المتنبي ذكرها المعري في «معجز أحمد» شرحه على «ديوان أبي الطيّب» إجمالاً، وبسطها الواحدي في «شرحه على الديوان».
وهي: أن أبا الطيّب لما أنشد سيف الدولة قصيدته التي طالعها: على قَدر أهل العزم تأتي العزائم *** قال في أثنائها يصف موقعة بين سيف الدولة والروممِ في ثغر الحَدَث: وقفتَ ما في الموت شك لواقف *** كأنك في جفن الردَى وهو نائم تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةً *** ووجهك وضّاح وثَغرك باسم فاستعادها سيف الدولة منه بعد ذلك فلما أنشده هذين البيتين، قال له سيف الدولة: إن صدريْ البيتين لا يلائماننِ عجُزَيْهما وكان ينبغي أن تقول: وقفت وما في الموت شك لواقف *** ووجهُك وضّاح وثغرك باسم تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة *** كأنك في جفن الردى وهو نائم وأنت في هذا مثل امرئ القيس في قوله: كأني لم أركب جواداً للذة *** ولم أتبَطَّنْ كاعباً ذاتَ خَلْخال ولم أسْبَأ الزقّ الرويَّ ولم أقل *** لخيليَ كُرّي كَرّة بعد إجفال ووجه الكلام على ما قال العلماء بالشعر أن يكون عجز البيت الأول للثّاني وعجز البيت الثاني للأول ليستقيم الكلام فيكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل بالكر، ويكون سِباء الخمر للذة مع تبطن الكاعب.
فقال أبو الطيّب: أدام الله عزّ الأمير، إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلمُ منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعرف أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفةَ الحائك لأن البزاز لا يعرف إلاّ جملته والحائك يعرف جملته وتفصيله لأنه أخرجه من الغزليّة إلى الثوبية.
وإنما قرن امرؤ القيس لذّة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء.
وأنا لما ذكرت الموت أتبعتُه بذكر الردى لتجانسه ولما كان وجه المهزوم لا يخلو أن يكون عبوساً وعينه من أن تكون باكية قلت: ووجهك وضّاح وثغرك باسم *** لأجمع بين الأضداد في المعنى.
ومعنى هذا أن امرؤ القيس خالف مقتضى الظاهر في جمع شيئين مشتهري المناسبة فجمع شيئين متناسبين مناسبة دقيقة، وأن أبا الطيّب خالف مقتضى الظاهر من جمع النظيرين ففرقهما لسلوك طريقة أبدع، وهي طريقة الطباق بالتضاد وهو أعرق في صناعة البديع.
وجعلت المنة على آدم بهذه النعم مسوقة في سياق انتفاء أضدادها ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة تحذيراً منها لكي يتحامى من يسعى إلى إرزائه منها.
وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم ﴿ وإنك لا تظمأ ﴾ بكسر همزة (إنّ) عطفاً للجملة على الجملة.
وقرأ الباقون وقد حصل تأكيد الجميع على القراءتين ب (إن) وبأختها، وبين الأسلوبين تفنّن.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَتَرَكَ أمْرَ رَبِّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ نَسِيَ مِنَ النِّسْيانِ والسَّهْوِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما أُخِذَ الإنْسانُ مِن أنَّهُ عُهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ.
﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: حِفْظًا قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّالِثُ: ثَباتًا.
قالَ ابْنُ أُمامَةَ: لَوْ قُرِنَتْ أعْمالُ بَنِي آدَمَ بِحِلْمِ آدَمَ لَرَجَحَ حِلْمُهُ عَلى حِلْمِهِمْ، وقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ الرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدَةِ إلى الذَّنْبِ ثانِيًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ يَعْنِي أنْتَ وزَوْجُكَ لِأنَّهُما في اسْتِواءِ العِلَّةِ واحِدٌ.
وَلَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ المُخاطَبُ دُونَها.
الثّانِي: لِأنَّهُ الكادُّ والكاسِبُ لَها، فَكانَ بِالشَّقاءِ أخَصَّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ﴾ قال: عنى به شقاء الدنيا، فلا تلقى ابن آدم إلا شقياً ناصباً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: لم يقل فتشقيان؛ لأنها دخلت معه فوقع المعنى عليهما جميعاً وعلى أولادهما، كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم ﴾ [ الطلاق: 1] و ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ [ التحريم: 1- 2] فدخلوا في المعنى معه وإنما كلم النبي وحده.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنهما قال: إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استقبله ثور أبلق، فقيل له: اعمل عليه.
فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: هذا ما وعدني ربي ﴿ فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ﴾ ثم نادى حواء: أحواء، أنت عملت في هذا؟
فليس أحد من بني آدم يعمل على ثور إلا قال: حوّاء دخلت عليهم من قبل آدم عليه السلام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ﴾ قال: لا يصيبك فيها عطش ولا حر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تظمأ ﴾ قال: لا تعطش ﴿ ولا تضحى ﴾ قال: لا يصيبك فيها حر.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ﴾ قال: لا تعرق فيها من شدة الشمس.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت الشاعر يقول: رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت ** فيضحى وأما بالعشيّ فيخصر وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تضحى ﴾ قال: لا يصيبك حر الشمس.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وهي شجرة الخلد» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لما أسكن الله آدم الجنة وزوجته ونهاه عن الشجرة، رأى غصونها متشعبة بعضها على بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته، فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل الحية، وكانت الحية لها أربع قوائم كأنها بختية من أحسن دابة خلقها الله، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجته عنها فجاء بها إلى حواء فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها!
وأطيب طعمها وأحسن لونها!
فأخذتها حواء فأكلتها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت: انظر إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها!.
.
فأكل منها آدم ﴿ فبدت لهما سوآتهما ﴾ ، فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه: أين أنت؟
قال: ها أناذا يا رب.
قال: ألا تخرج؟
قال: أستحي منك يا رب.
قال: اهبط إلى الأرض.
ثم قال: يا حواء، غررت عبدي؟
فإنك لا تحملين حملاً إلا حملتِ كرْهاً، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت مراراً.
وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرّ عبدي...
أنت ملعونة لعنة تتحوّل قوائمك في بطنك ولا يكون لك رزق إلا التراب، أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك، أينما لقيت أحداً منهم أخذت بعقبيه وحيث ما لقيك أحد منهم شرخ رأسك.
قيل لوهب: وهل كانت الملائكة تأكل؟
قال: يفعل الله ما يشاء.
وأخرج الحكيم الترمذي عن علقمة قال: اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الذي كأنه ميل، فإنه جنها ولا يضر أحدكم كافراً قتل أو مسلماً.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي عبد الله المغربي قال: تفكر إبراهيم عليه السلام في شأن آدم قال: يا رب، خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك، ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس حتى يقولوا: ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ فأوحى الله إليه: يا إبراهيم، أما علمت أن مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة؟
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد شقاء الدنيا ونصبها) (١) وقال الحسن: (عني به شقاء الدنيا، ألا ترى ابن آدم إلا ناصبا شقيا) (٢) وقال سعيد بن جبير: (أهبط إلى آدم ثورا أحمر كان يعتمل عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فكان ذلك شقاؤه) (٣) وقال السدي: (الحرث والزرع والعجن والخبر) (٤) وقال زيد بن علي: (فتشقى في كد المعيشة) (٥) قال الفراء: (ولم يقل: فتشقيا، لأن آدم المخاطب وفي فعله اكتفاء من فعل المرأة) (٦) ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ اكتفى بالقعيد عن صاحبه.
(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 151، "معالم التنزيل" 5/ 298، "زاد المسير" 5/ 328، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 253.
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 253، "الدر المنثور" 4/ 555.
(٣) "جامع البيان" 16/ 222، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "بحر العلوم" 2/ 357، "معالم التنزيل" 5/ 298، "المحرر الوجيز" 10/ 101، "الدر المنثور" 4/ 555.
(٤) "معالم التنزيل" 5/ 298، "زاد المسير" 5/ 328، "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 253.
(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 222، "معالم التنزيل" 5/ 298، "زاد المسير" 5/ 328، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 186.
(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 193.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى ﴾ أي لا تطيعاه فيخرجكما من الجنة، فجعل المسبب موضع السبب وخص آدم بقوله: ﴿ فتشقى ﴾ لأنه كان المخاطب أولاً، والمقصود بالكلام، وقيل: لأن الشقاء في معيشة الدنيا مختص بالرجال.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وإنك ﴾ بالكسر: أبو بكر وحماد والخراز ونافع.
الباقون بالفتح عطفاً على ﴿ أن لا تجوع ﴾ ولا يلزم منه دخول "إن" المكسورة على المفتوحة للفصل بالخبر، ولأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه ﴿ أعمى ﴾ بالإمالة.
حمزة وعلي وخلف ﴿ حشرتني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
﴿ ترضى ﴾ مبيناً للمفعول: علي وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ زهرة ﴾ بفتح الهاء: قتيبة وسهل ويعقوب.
الآخرون بسكونها.
وقرأ حمزة وعلي وخلف هذه السورة وكل سورة آياتها على الياء بالإمالة المفرطة وإن شاء بين الفتح والكسر.
الوقوف: ﴿ عزماً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أبى ﴾ ه ﴿ فتشقى ﴾ ه ﴿ ولا تعرى ﴾ ه، لمن قرأ ﴿ وإنك ﴾ بالكسر ﴿ ولا تضحى ﴾ ه ﴿ لا يبلى ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ز لنوع عدول عن ذكر حال اثنين إلى بيان فعل من هو المقصود ﴿ فغوى ﴾ ه ص ﴿ وهدى ﴾ ه ﴿ عدوّ ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء ﴿ ولا يشقى ﴾ ، ه ﴿ يوم القيامة أعمى ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ فنسيتها ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ تنسى ﴾ ه ﴿ يآت ربه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ النهي ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ه ط ﴿ غروبها ﴾ ج لعطف الجملتين مع اختلاف النظم ﴿ يرضى ﴾ ه ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ نرزقك ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ الأولى ﴾ ه ﴿ ونخزى ﴾ ه ﴿ فتربصوا ﴾ ج لسين التهديد مع الفاء ﴿ اهتدى ﴾ ه.
التفسير: في تعلق قصة آدم بما قبلها وجوه منها: أنه لما قال: ﴿ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ﴾ ثم عظم شأن القرآن وبالغ فيه ذكر القصة إنجازاً للوعد.
ومنها أنه لما قال: ﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ أردفه بهذه القصة ليعلم أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم وخلة موروثة، وذلك أنه عهد إلى آدم من قبل هؤلاء الذين صرف لأجلهم الوعيد فنسي وترك العهد.
ومنها أن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ دليل على أنه زاد على قدر الواجب في رعاية أمر الدين وكان مفرطاً في أداء الرسالة وحفظ ما أمر به فناسب أن يعطف عليه قصة آدم لأنه كان موسوماً بالتفريط والإفراط والتفريط كلاهما من باب ترك الأولى، وإذا كان أوّل الأنبياء وخاتمهم موصوفين بما فيه نوع تقصير فما ظنك بغيرهما!
ومن هنا يعرف أفضلية الخاتم فإنه سعى في طلب الكمال إلى أن عوتب بالخروج عن حد الاعتدال، وآدم توسط في حيز النقصان فلا جرم وسم بالظلم والعصيان.
ومنها أن محمداً أمر بأن يقول ﴿ رب زدني علماً ﴾ ثم ذكر عقيبه قصة آدم تنبيهاً على أن بني آدم مفتقرون في جميع أحوالهم إلى التضرع واللجأ إلى الله حتى ينفتح عليهم أبواب التيسير في العلم والعمل.
ومعنى ﴿ عهدنا إلى آدم ﴾ أمرناه ووصيناه ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل محمد والقرآن.
وفي النسيان قولان: أحدهما أنه نقيض الذكر.
عن الحسن: والله ما عصي قط إلا بنسيان.
والثاني أن معناه الترك وعلى هذا يحتمل أن يقال: أقدم على الأكل من غير تأويل.
وأن يقال: أقدم عليه بتأويل قد مر في "البقرة".
قال أهل الإشارة: عهد إليه أن لا يعلق نوره فانقاد للشيطان وهو النسيان.
والعزم أيضاً فيه أقوال: أحدها عزماً على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد.
وثانيها عزماً في العود إلى الذنب ثانياً.
وثالثها رأياً وصبراً أي لم يكن من أهل العزيمة والثبات إذ كان من حقه أن يتصلب في المأمور به تصلباً يؤيس الشيطان من التسويل.
قال جار الله: قوله: ﴿ ولم نجد له ﴾ يجوز أن يكون بمعنى العلم ومفعولاه ﴿ له عزماً ﴾ وأن يكون بمعنى نقيض العدم كأنه قال: وعد مثاله عزماً.
قوله: ﴿ وإذ قلنا للملائكة ﴾ سلف في "البقرة" مستقصى قوله: ﴿ إن هذا عدوّ لك ﴾ ذكروا في سبب عداوته إياه أنه كان شاباً عالماً لقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدوّاً للشاب العالم.
وأيضاً الماء والتراب مضادان للنار ﴿ فلا يخرجنكما ﴾ فلا يكون سبباً لإخراجكما لأن الفاعل الحقيقي هو الله ﴿ فتشقى ﴾ فتتعب في طلب القوت وسائر ما يتعيش به الإنسان أسند الشقاء إليه وحده مع اشتراكهما في الخروج لأن الرجل أصل في باب الإنفاق والكسب والمرأة تابعة له.
ثم بين ذلك الشقاء بقوله: ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ﴾ إلى آخره.
والظمأ العطش وتقول: ضحيت للشمس بالكسر أضحى ضحاء ممدوداً إذا برزت لها.
والمراد به الكن مع أن الجنة ليس فيها شمس حتى يتصور فيها الضحاء، نفى كون هذه الأمور في الجنة ليثبت حصولها في غيرها.
ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي: الشبع والري الكسوة والكن.
وأما المنكوح فمشترك إلا أن مؤن النكاح تختص بالدنيا وأنها أيضاً ترجع إلى المذكورات.
يروى أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع.
﴿ فوسوس إليه الشيطان ﴾ أنهى إليه وسوسة كما مر في "الأعراف".
بيان الوسوسة أنه ﴿ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ﴾ أضافها إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأنه من باشر أثره حيي ﴿ وملك لا يبلى ﴾ أي لا ينقطع ولا يزول.
قال القاضي: ليس في الظاهر أنه قيل ذلك منه لأنه لا بد أن يحصل بين حال التكليف وحال المجازاة فصل بالموت، والنبي يمتنع أن لا يعلم هذا القدر.
وأجيب بالمنع ولو سلم فلم لا يكفي الفصل بغشي أو نوح خفيف.
ولو سلم أنه لا يكفي فلم استحال أن يجهل النبي ذلك كما جهل عدم جواز الرؤية زعمكم حين قال: ﴿ أرني أنظر إليك ﴾ ومما يدل على أن آدم قبل وسوسته قوله : ﴿ فأكلا ﴾ بالفاء مشعر بالعلية كقول الصحابي: "زنى ماعز فرجم" وما في الآية قد مر تفسيره في "الأعراف" إلا قوله: ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ قال بعض الناس: إن آدم ذنبه كبيرة وإلا لم يوصف بالعصيان والغواية فإن العاصي والغاوي اسمان مذمومان عرفاً وشرعاً وقد ترتب الوعيد عليهما.
وأجيب بأن المعصية مخالفة الأمر والأمر قد يكون مندوباً.
وزيف بالمنع من أن المندوب غير مأمور به.
ثم أن مخالفة عاص وإلا كان الأنبياء كلهم عصاة لأنهم لا ينكفون عن ترك المندوب.
قالوا: يقال أشرت إليه في أمر كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني.
وأجيب بالمنع من أن هذا من مستعملات العرب العاربة، ولو سلم فلعله إنما يقال ذلك إذا عرف أن المستشير لا بد له أن يفعل ذلك، وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً وإن لم يكن وجوب شرعي لأن ذلك الإيجاب لم يصدر عن الشارع.
ومنهم من زعم أنه ذنب صغير وهم عامة المعتزلة ورد بأن المعاصي إسم من يستحق العقاب وهذا لا يليق بالصغيرة.
وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف ولهذا قال ﴿ فغوى ﴾ أي خاب من نعيم الجنة لأن الرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود والغي ضده، وأنه سعى في طلب الخلود فنال ضد المقصود.
وعن بعضهم ﴿ فغوى ﴾ أي بشم من كثرة الأكل وزيفه جار الله.
ورد قول أبي مسلم بأن مصالح الدنيا تكون مباحة فلا يوصل تاركها بالعصيان.
قلت: في هذا نظر، والأحوط في هذا الباب أن يعتقد كون هذه الواقعة قبل النبوة بدليل قوله: ﴿ ثم اجتباه ربه ﴾ أي اختاره للرسالة ﴿ وهدى ﴾ لحفظ أسباب العصمة.
أصل الاجتباء هو الجمع كما مر في آخر "الأعراف".
يروى عن أبي أمامة: لو وزنت أحلام بني آدم لرجح حلمه.
وقد قال الله : ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ قال العلماء: فيه دليل على أنه لا رادَّ لقضائه وما قدره كائن لا محالة، وإذا جاء القضاء عمي البصر والدليل قد يكون غاية الظهور ومع ذلك يخفى على أعقل الناس كما خفي على آدم عداوة إبليس، وأنه تعرّض لسخط الله في شأنه حين امتنع من سجوده فكيف قبل من وسوسة ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال المحققون: الأولى أن لا يطلق لفظ العاصي والغاوي على آدم وإن ورد في القرآن ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ لأنه لم تصدر عنه الزلة إلا مرة واحدة.
وصيغة اسم الفاعل تنبىْ عن المزاولة، ولأن المسلم إذ تاب عن الشرب أو الزنا وحسنت توبته لا يقال له شارب وزان، ولأن السيد يجوز له أن يشتم عبده بما شاء وليس لغيره ذلك.
﴿ قال اهبطا ﴾ قد مر تفسير مثله في "البقرة" خاطبهما بالهبوط لأنهما أصلا البشر ثم عم الخطاب لهما ولذريتهما في قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ أما قوله: ﴿ بعضكم لبعض عدوّ ﴾ فقد قال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام.
عن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا قوله: ﴿ فمن ابتع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ والسبب فيه أن العقاب في الآخرة لأجل أنه قد ضل عن الدين في مدة التكليف، واتباع كتاب الله يستلزم عدم الضلال عن الدين المستتبع للنجاة من العقاب في الآخرة.
وأما الشقاء الذي قد يلحق المؤمن في الدنيا فلا اعتداد به لقصر مدته على أن الرضا بالقضاء يهوّن عليه مصائب الدنيا وآفاتها.
ثم ذكر وعيد من أعرض عن ذكره ظاهر الكلام يدل على أن الذكر ههنا هو الهدى المذكور لأن قوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ فمن اتبع هداي ﴾ .
وقد مر في أول "البقرة" أن المراد به الشريعة والبيان.
وقال كثير من المفسرين: إن الذكر هو القرآن وسائر كتب الله وفيه نوع تخصيص.
والضنك الضيق مصدر وصف به.
ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.
يقال: منزل ضنك ومعيشة ضنك كأنه قيل: ذات ضنك.
قالت الحكماء: عيش الدنيا ضنك ضيق لانقضائه وقصر مدّته وكثرة شوائبه، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة.
وهذا الضيق المتوعد به إما في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة مال إلى كل طائفة.
أما لأول فلأن المسلم الراضي بقضاء ربه معه من التسليم والتوكل والقناعة ما يعيش به عيشاً رافغاً.
والمعرض عن الدين متول عليه الحرص والشح فلا ينفك عن الانقباض ولطموح ما ليس يناله من الفراغ والرفاغ الكلي فلا هم له إلا هم الدنيا.
عن ابن عباس: المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، ومن الكفرة من ضربت عليه الذلة والمسكنة.
وسئل الشبلي عن قوله : "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية" فقال: أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله فعقوبتهم أن يردهم الله إلى أنفسهم وأيّ معيشة أضيق وأشد من أن يرد الأنسان إلى نفسه.
قلت: التحقيق أن بعض البليات من العقوبات فطلب العافية منها لازم، وبعضها لمزيد الدرجات ولكن الإنسان خلق ضعيفاً فكثيراً ما يؤل أمر المبتلي إلى الجزع والفزع فيحرم الثواب فتطلب العافية من هذا القسم أيضاً خوفاً من المآل.
وأما الثاني فعن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ورفعه أبو هريرة إلى النبي أنه: "عذاب القبر للكافر" وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الله المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيه أضلاعه.
وأما الثالث فعن الحسن وقتادة والكلبي أنه ضيق في الآخرة وفي جهنم، وأ طعامهم فيها الضريع والزقوم والحميم والغسلين، فلا يموتون فيها ولا يحيون.
أما قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ كقوله: ﴿ ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً ﴾ فيمن فسر الزرق بالعمى ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً ﴾ ﴿ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ﴾ قال الجبائي: أراد أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً كالأعمى.
وعن مجاهد والضحاك ومقاتل أنه أراد أعمى عن الحجة وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال القاضي: هذا القول ضعيف لأنه لا بد في القيامة أن يعلمهم الله بطلان ما كانوا عليه بتمييزه لهم الحق من الباطل، ومن هذه حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً باعتبار ما كان، لكن قوله: ﴿ وقد كنت بصيراً ﴾ ينافيه.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر كما في الدنيا.
قال: والتحقيق في الجواب عن الاعتراض هو أن النفوس الجاهلة في الدنيا إذا فارقت أبدانها تبقى على جهالتها في الآخرة فتصير تلك الجهالة سبباً لأعظم الآلام الروحانية.
وأقول على القاضي: يحتمل أن يكون مجازاً باعتبار الغاية.
فقد ينفي الشيء باعتبار عدم غايته وثمرته فلا ينافي كونه أعمى في الآخرة بهذا الاعتبار إعلام الله إياه الحجة، ولا كونه بصيراً في الدنيا كونه أعمى في الآخرة بالاعتبار المذكور لأن المعرض عن الدليل يشبه أن يكون كافراً معانداً، ويكون الغرض من الإعلام التوبيخ والإلزام يؤيده قوله في جوابه: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك فعلت أنت.
ثم فسر ذلك بقوله: ﴿ أتتك آياتنا ﴾ أي دلائلنا وضاحة مستنيرة ﴿ فنسيتها ﴾ أي تركت العمل بها والقيام بموجبها ﴿ وكذلك اليوم تنسى ﴾ تترك بلا فائدة النظر والاعتبار.
وعلى الإمام الرازي: إنه لا يلزم من كون المكلف غير متضرر بنسيان الدلائل في الدنيا كونه غير متضرر به في الآخرة.
وأما قوله في الجواب المحقق بناء على قاعدة الحكيم إن جهل النفس يصير سبباً لتعذيبها فإن كان منعاً لقول المعتزلة إنه يعلم المكلف بطلان ما كان عليه في الدنيا فذاك لا يفتقر إلى العدول، وإن كان تسليماً لقولهم فمن أين يتحمل الاعتراض هذا وقد رأيت في بعض الآثار أن أشد الناس عمى يوم القيامة هم الذين حفظوا القرآن ثم نسوه.
دليله قوله تعالى: ﴿ أتتك آياتنا فنسيتها ﴾ اللَّهم اجعلني ممن يواظب على تلاوة كتابك حتى لا أنساه يوم ألقاك.
﴿ وكذلك نجزي من أسرف ﴾ قيل: عصى ربه.
والأظهر أنه أراد أشرك وكفر بدليل قوله: ﴿ ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة ﴾ وهو الحشر على العمى ﴿ أشد وأبقى ﴾ من ضيق المعيشة في العاجل أو أراد، وتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا.
ثم وبخ المعرضين عن الدلائل بعدم الاعتبار بأحوال القرون الخالية فقال: ﴿ أفلم يهد لهم ﴾ بالفاء وفي السجدة بالواو، لأن الكلام ههنا كالمتصل بقوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ وهناك كالمنفصل عن الإعراض لأنه قال: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ﴾ .
وبعد ذلك أورد قصة موسى فناسب الاستئناف بالواو، وأما حذف من ههنا وإثباته هنالك فلما مر من أن "من" تفيد الاستيعاب وهنالك قد زاد في القرون بشرح قصة بني إسرائيل وما فيهم من الملوك والأنبياء.
قال في الكشاف: فاعل: ﴿ لم يهد ﴾ الجملة بعده.
وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجملة لا تقع فاعلاً فلهذا قال: يريد أو لم يهد لهم هذا المعنى أو مضمون هذا الكلام.
قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم.
وقال الزجاج: أراد أَوَ لَمْ نبين لهم ما يهدون به لو تدبروا وتأملوا.
وقيل: فيه ضمير الله أو الرسول والجملة بعده تفسره يريد أن قريشاً يتقلبون في السورة.
قال بعض أهل اللغة: إن للنبيه مزية على العقل فلا يقال إلا لمن له عقل ينتهي به عن القبائح فقوله: ﴿ أولي النهى ﴾ كقوله: ﴿ أولي العزم ﴾ والحزم ومن هذا فسره بعضهم بأهل الورع والتقوى.
ثم بين الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كذب من هذه الأمة فقال: ﴿ ولولا كلمة ﴾ هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة كتبها في اللوح المحفوظ وأخبر بها ملائكته ورسله لأن فيهم أو في نسلهم من يؤمن، أو لمصلحة أخرى خفية.
قال أهل السنة: إنه بحكم المالكية له أن يفعل ما يشاء من غير علة.
واللزام مصدر لازم وصف به.
وقيل: فعال لما يفعل به فهو بمعنى ملزم كأنه آلة اللزوم أي ﴿ لكان ﴾ الأخذ العاجل ﴿ لزاماً وأجل مسمى ﴾ وهو عذاب الآخرة.
وقيل: يوم بدر معطوف على ﴿ كلمة ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون معطوفاً على الضمير في كان.
ولعله إنما جوز ذلك للفصل أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل.
وحين بين أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر على ما يقولون من التكذيب وسائر الأذيات.
زعم الكلبي ومقاتل أنها منسوخة بآية القتال وليس بذاك فإن كلاً منهما معمول بها في موضعها ﴿ وسبح بحمد ربك ﴾ أي متلبساً بحمده على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، والأكثرون أنها بمعنى الصلاة ليكون كقوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ ولأنه بين أوقاتها فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار ﴿ ومن آناء الليل فسبح ﴾ المغرب والعتمة.
وقوله ﴿ وأطراف النهار ﴾ أي في طرفيه فجمع للمبالغة وأمن الإلباس، أو لأن أقل الجمع اثنان.
أو أراد طرفي كل نهار تكرار لصلاتي الفجر والعصر لا المغرب على ما ظن اعتناء بشأنهما كقوله ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ وآناء جمع "أنى" وهو الساعة وقد مر في "آل عمران".
وإنما قدم آنا الليل وأدخل الفاء في ﴿ فسبح ﴾ المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها تنبيهاً على زيادة الاهتمام بشأن صلاة الليل، لأن الليل وقت السكون والراحة وهدوّ الأصوات فالصلاة فيه أشق على النفس وأدخل في الإخلاص وأقرب من المحافظة على الخشوع والإخبات.
وبعضهم أخرج من الآية صلاة الظهر لانه خصص قبل الغروب بصلاة العصر.
ومنهم من زاد فيها النوافل لأن الصلاة في الأوقات المذكورة تشملها والأمر قد يكون للندب لا أقل من التغليب.
وقال أبو مسلم: الأقرب حمل التسبيح على التنزيه والإجلال كأنه لما أمره بالصبر على أذية القوم بعثه على الاشتغال بالتقديس والمواظبة عليه في كل الأوقات.
وقوله: ﴿ لعلك ترضى ﴾ كقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ولا ريب أن الأطماع من الكريم واجب الوقوع اللَّهم ارزقنا شفاعته.
ولما حث رسوله على الأمور الدينية نهاه عن الميل إلى الزخارف الدنيوية فقال: ﴿ ولا تمدّن عينيك ﴾ أي نظر عينيك.
ومد النظر تطويله استحساناً للمنظور إليه، وفيه أن النظر الغير الممدود معفوّ عنه كما لو نظر فغض.
وقال أبو مسلم: المنهي عنه في الآية ليس هو التطويل وإنما هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوا من حظ الدنيا.
قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي فبعثني إلى يهوديّ يستقرضه فقال: لا أقرضه إلا برهن.
فقال رسول الله : "إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض،أحمل إليه درعي الحديد فنزلت.
" والأزواج الأصناف.
وقيل: أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب.
وقد مر في آخر الحجر.
ولقد شدد العلماء المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وملابسهم ومراكبهم لأنهم اتخذوها.
قال جار الله: انتصب ﴿ زهرة ﴾ على الذم، أو على تضمين متعنا بمعنى خولنا وأعطينا، أو على إبداله من محل ﴿ به ﴾ أو على إبداله من ﴿ أزواجاً ﴾ والتقدير ذوي زهرة وهي الزينة والبهجة.
ومن قرأ بفتح الهاء فبمعناها أيضاً أو هي جمع زاهر كأنهم لصفاء ألوانهم وظهور آثار النعومة عليهم زاهر وهذه الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب.
وقوله: ﴿ لنفتنهم ﴾ أي لنبلوهم كقوله: ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ﴾ وقيل: لعذبهم كقوله: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ .
وقال الكلبي ومقاتل: لنشدد عليهم في التكليف لأن الاجتناب عن المعاصي مع القدرة يكون أشق على النفس.
﴿ ورزق ربك ﴾ هو ثواب الآخرة أو ما رزقت من الإسلام والنبوّة ﴿ خير وأبقى ﴾ وقيل: أراد به الحلال الطيب الذي يحق أن ينسب إلى ربك خير من أموالهم التي غلب عليها الغصب والسرقة وسائر وجوه الخيانة، وأبقى بركة ونماء وحسن عاقبة.
﴿ وأمر أهلك ﴾ في سورة مريم ﴿ وكان يأمر أهله بالصلاة ﴾ أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله.
ومن السلف من كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله ثم يتلو هذه الآية.
وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ ﴿ ولا تمدنّ عينيك ﴾ الآية.
ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله.
وكان رسول الله بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ كل صباح ويقول: "الصلاة وكان يفعل ذلك شهراً" وقوله: ﴿ واصطبر عليها ﴾ أراد أنك كما تأمرهم بها فحافظ عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أثم منه بلسان القول ﴿ لا نسألك رزقاً ﴾ كما يريد الملوك خراجاً من رعيتهم والسادة خرجاً من عبيدهم ﴿ بل نحن نرزقك ﴾ كقوله: ﴿ وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾ والحاصل أنا إنما أمرناك بالصلاة فذلك لأجل انتفاعك بثوابها لا لأنا ننتفع بها.
وقيل: لا نسألك رزقاً لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك وإياهم فلا تهتم بأمر الرزق والمعيشة وفرغ بالك لأمر الآخرة وفي معناه قولهم "من كان في عمل الله كان الله في عمله".
وقال أهل الإشارة ﴿ ورزق ربك ﴾ رمز إلى قوله: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" قال عبد الله بن سلام: كان النبي إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة.
﴿ والعاقبة ﴾ أي الجميلة ﴿ للتقوى ﴾ .
ثم عاد إلى قوله: ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ فحكى واحدة من شبهاتهم هي قولهم: ﴿ لولا يأتينا بآية من ربه ﴾ كأنهم لم يتعدّوا بالقرآن الذي أخرس شقاشقهم فرد الله عليهم بقوله: ﴿ أولم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ لأن القرآن برهان سائر الكتب المنزلة لأنه معجز دونها فهو شاهد لها بالصحة وأنها من عند الله.
وقيل: أراد بالبينة ما فيها من بشارة مقدم محمد .
وعن ابن جرير أنه ما رأوا فيها من قصص الأمم المكذبة وبيان إهلاكهم بعد اقتراح الآيات وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن فلهذا وصف القرآن بكونه ﴿ بينة ما في الصحف الأولى ﴾ ثم بين الحكمة في نزول القرآن فقال: ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ﴾ أي من قبل البرهان المذكور الدال عليه البينة ﴿ لقالوا ﴾ أي في القيامة لأن الهالك لا قول له في الدنيا.
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: "يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك وتلا قوله: ﴿ لولا أرسلت إلينا رسولاً ﴾ والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به.
ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل.
فيرفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فيدخلها من كان في عالم الله أنه سعيد ويتلكأ من كان في علمه أنه شقى.
فيقول الله : عسيتم اليوم فكيف برسولي لو أتاكم؟!" .
وطعن المعتزلة في هذا الخبر قالوا: لا يحسن العقاب على ما لم يفعل.
وقال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب فعل اللطف والمراد أنه يجيب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده وإلا كان لهم أن يقولوا: هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن.
وقال الكعبي: فيها أوضح دليل على أنه تعال يقبل الاحتجاج من عباده.
وليس معنى قوله: ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ أن الجور منه يكون عدلاً بل تأويله أنه لا يقع منه إلا العدل.
وإذا ثبت أنه يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة.
واستدل أهل السنة بها على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع وإلا لكان العقاب حاصلاً قبل مجيئه.
ثم ختم السورة بوعيد إجمالي فقال: ﴿ قل كل ﴾ أي كل منا ومنكم ﴿ متربص ﴾ عاقبة أمره وهذا الانتظار إما قبل الموت بسبب الأمر بالجهاد أو ظهور الدولة والغلبة، أو بالموت فإن كان واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، وإما بعد الموت وهو ظهور أثر الثواب والعقاب وتمييز المحق المبطل ويؤديه قوله: ﴿ فستعلمون ﴾ إلى آخره وهذا من كلام المنصف وبالله المستعان.
(تم).
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ .
قال الحسن وعامة أهل التأويل: إن قوله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ ، أي: ضيع وترك، ليس نسيان السهو؛ لأنه عوتب عليه وعوقب به، ولا يعاتب المرء على ما هو حقيقة السهو والنسيان؛ فدل أنه على التضييع والترك، ليس على النسيان والسهو، إلى هذا يذهب هؤلاء، لكن يقبح هذا أن يقال في آدم، أو في نبي من أنبيائه، أو في رسول من رسله - صلوات الله عليهم -: إنه ضيع، والنسيان عندنا على قسمين: نسيان يكون عن غفلة منه وشغل، ما لولا ذلك الشغل منه والغفلة، لحفظه وذكره ولا ينساه، وجائز المعاتبة على هذا النسيان؛ إذ لو كان تكلف لكان لا ينساه ولا يقع فيه.
ونسيان آخر يقع فيه من غير سبب كان منه لا يملك دفعه، وذلك نسيان ما لا يعاتب عليه ولا يعاقب به، وهكذا الكلفة من الله والمحنة: أنه جائز أن يكلف ويمتحن من لا يعلم ولا يعقل الكلفة وقت تكليفه إياه بعد أن يحتمل عقله إدراك ذلك لو استعمله، فأما من كان عقله لا يحتمل إدراك ما كلفه وإن استعمله وأجهد نفسه فيه، فإنه لا يكلف ألبتة؛ فعلى ذلك النسيان الذي ذكر من آدم جائز أنه لو تكلف، حفظه وذكره؛ فإنما عوتب لذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ .
قال الحسن: أي: منعاً من الشيطان.
وقال بعضهم: حفظا لم يحفظ أمره.
وقال بعضهم: صبراً، ونحوه.
والعزم: حقيقة القصد والقطع على الشيء، وهو ضد النسيان الذي ذكر.
وقال بعضهم: العزم: هو المحافظة على أمر الله والتمسك به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ .
أي: قال [بعضهم]: لولا قول أهل التأويل في سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود، وإلا جائز أن يصرف الأمر بالسجود إلى الخضوع له، والسجود: هو الخضوع؛ حيث قال: ﴿ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ وقد يؤمر الإنسان بالخضوع لمن يتعلم منه العلم.
وقوله : ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ ﴾ .
قال أهل التأويل: ليس شقاء الدين، ولكن تعب النفس والنصب في العمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ ﴾ .
أي: لا تصيبك الشمس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ ﴾ .
أي: لا يفنى.
﴿ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ ﴾ ، أي: ذلت، يقال: عنا يعنو عنوا، وقال: ﴿ وَلاَ هَضْماً ﴾ أي: ظلما، يقال: هضمته، أي: ظلمته، وأهضمته مثله.
وقال أبو عبيدة: الهضم: النقصان، وقال: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ : القاع: الأرض التي يعلوها الماء، وهو قريب مما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴾ .
كل من عصى ربه فقد غوى، العصيان والغواية واحد.
وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴾ .
قوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: اجتباه للتوبة وهداه لها.
أو اجتباه ربه للرسالة وهداه لها.
أو اجتباه ربه للدين وهداه للتوحيد، وهذا جائز عندنا، للتوحيد والإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة؛ لأنه مأمور بترك الكفر ونفيه في كل وقت، فإذا كان مأموراً بترك الكفر في كل وقت منهيا عنه كان مأموراً بالإيمان والتوحيد، فإذا كان ما ذكرنا دل أن للإيمان والتوحيد حكم التجدد والحدوث في كل وقت، وإلا ظاهر قوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ ﴾ : أنه لم يكن يجتبيه قبل ذلك فاجتباه من بعد، لكن الوجه ما ذكرنا من اجتبائه إياه للرسالة، واجتبائه للتوحيد والطاعات والخيرات ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .
قال الحسن: قوله: ﴿ ٱهْبِطَا ﴾ أي: آدم والشيطان، ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ، يعني: ذرية آدم وذرية إبليس بعضهم لبعض عدو.
وقال فيما قال: ﴿ ٱهْبِطُواْ ﴾ عنى: آدم وحواء وإبليس، والهبوط: ليس هو الانحدار والتسفل من المكان العالي المرتفع، إنما هو النزول في المكان، فجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ أراد ذريتهما: ذرية آدم وذرية إبليس، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ يعني: الذرية، ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ ﴾ وقت اتباعه الهدى، أو لا يضل ولا يشقى إذا ختم بالهدى، أو لا يضل طريق الجنة ولا يشقى في النار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ هو الشدة والضيق، ثم اختلفوا فيه.
قال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ في الدنيا، وإن كانت في الظاهر واسعة عليه؛ لأنهم ينفقون ولا يرون لنفقتهم خلفا ولا عاقبة، ويريدون الدنيا أنها تدوم، فذلك يمنعهم عن التوسيع في الإنفاق؛ خوفاً لنفاد ذلك المال وبقاء أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم لا يرون لنفقتهم خلفا ولا عوضاً ولا عاقبة لها، فذلك الضنك.
وقال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ ؛ لأنهم يعصون بما أعطوا من المال وأنعموا فيه؛ لأن توسعهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها؛ لما ذهبت منافعها في الطاعة.
وقال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ في عذاب القبر، لكن لا يقال لمن في القبر: إن له معيشة ضنكا حتى يوصف بالضيق، وعذاب القبر سبيل معرفته السمع، فإن ثبت السمع وإلا فالترك أولى.
وقال قائلون: ذلك في الآخرة - والله أعلم - كقوله: ﴿ مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: نحشره أعمى عن حججه في دينه، لكن متى كانت له الحجج في الدنيا حتى يعمى عنها في الآخرة؟!
وقال بعضهم: نحشره يوم القيامة أعمى: عمى الحقيقة؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ فهو على حقيقة عمى البصر، وهو أشبه، والله أعلم.
وقال مجاهد: قوله: ﴿ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ ﴾ قال: بلا حجة لي، ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ في الدنيا لكن الأشبه هو ما ذكرنا من حقيقة ذهاب البصر؛ إذ لم يكن للكافر حجة في الدنيا حتى يقول: ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ .
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك بعد ما حوسبوا وسيقوا إلى النار - نعوذ بالله من النار - فعند ذلك يعمى عليه البصر.
وقال بعضهم: لا ولكن يبعثون من قبورهم ويحشرون عمياناً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ ﴾ .
أي: كما أتتك آياتنا فصيرتها كالشيء المنسي، لم تكترث إليها ولم تنظر فيها ولم ترغب فيها، كذلك تصير في النار كالشيء المنسي عن رحمته، لا يكترث إليك ولا ينظر إليك.
أو أن يقول: كما ضيعت آياتنا التي أتتك لنجاتك كذلك تضيع أنت وتترك في النار لا نجاة لك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ﴾ .
أي: كذلك نجزي كل من أسرف في الدنيا ولم يؤمن بآيات ربه، ليس أحد المخصوص بذلك دون غيره، ولكن كل من كان [هذا] صنيعه في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ﴾ .
كأنه قد سبق منه الوعيد لهم بعذاب، ثم قال: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ﴾ من العذاب الذي أوعدتم، وإلا فعلى الابتداء لا يقال هذا.
<div class="verse-tafsir"
فقلنا: يا آدم، إن إبليس عدوّ لك وعدو لزوجك، فلا يخرجنّك أنت وزوجك من الجنة بطاعته فيما يوسوس به، فتتحمّل أنت المشاقّ والمكاره.
<div class="verse-tafsir" id="91.DPZry"