الآية ١٤ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٤ من سورة طه

إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 155 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( إنني أنا الله لا إله إلا أنا ) هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له .

وقوله : ( فاعبدني ) أي : وحدني وقم بعبادتي من غير شريك ، ( وأقم الصلاة لذكري ) قيل : معناه : صل لتذكرني .

وقيل : معناه : وأقم الصلاة عند ذكرك لي .

ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا المثنى بن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا رقد أحدكم عن الصلاة ، أو غفل عنها ، فليصلها إذا ذكرها; فإن الله تعالى قال : ( وأقم الصلاة لذكري ) .

وفي الصحيحين عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من نام عن صلاة أو نسيها ، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ، لا كفارة لها إلا ذلك " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ ) يقول تعالى ذكره: إنني أنا المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إلَهَ إلا أنا فلا تعبد غيري، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له العبادة سواي (فاعْبُدْنِي) يقول: فأخلص العبادة لي دون كلّ ما عبد من دوني (وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي).

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: معنى ذلك: أقم الصلاة لي فإنك إذا أقمتها ذكرتني.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) قال: إذا صلى ذكر ربه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) قال: إذا ذكر عَبد ربه.

قال آخرون: بل معنى ذلك: وأقم الصلاة حين تذكرها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم في قوله ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) قال: يصليها حين يذكرها.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: ثني يونس ومالك بن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذَا ذَكَرَها ، قال الله ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) ".

وكان الزهري يقرؤها: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) بمنـزلة فعلى.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من قال: معناه: أقم الصلاة لتذكرني فيها، لأن ذلك أظهر معنييه، ولو كان معناه: حين تذكرها، لكان التنـزيل: أقم الصلاة لذكركها.

وفي قوله: (لِذِكْرِي) دلالة بينة على صحة ما قال مجاهد في تأويل ذلك، ولو كانت القراءة التي ذكرناها عن الزهري قراءة مستفيضة في قراءة الأمصار، كان صحيحا تأويل من تأوّله بمعنى: أقم الصلاة حين تذكرها، وذلك أن الزهري وجَّه بقراءته ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) بالألف لا بالإضافة، إلى أقم لذكراها، لأن الهاء والألف حذفتا، وهما مرادتان في الكلام ليوفق بينها وبين سائر رءوس الآيات، إذ كانت بالألف والفتح.

ولو قال قائل في قراءة الزهري هذه التي ذكرنا عنه، إنما قصد الزهري بفتحها تصييره الإضافة ألفا للتوفيق بينه وبين رءوس الآيات قبله وبعده، لأنه خالف بقراءته ذلك كذلك من قرأه بالإضافة، وقال: إنما ذلك كقول الشاعر: أُطَــوّفُ مــا أُطَــوّفُ ثُـمَّ آوي إلــــى (1) أمَّــا وَيُرْوِيني النَّقِــيعُ (2) وهو يريد: إلى أمي، وكقول العرب: يا أبا وأما، وهي تريد: يا أبي وأمي، كان له بذلك مقال.

--------------------- الهوامش : (1) في الأصل : إذ , ولعله تحريف عن " إلى " .

(2) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( مصور الجامعة ص 196 ) قال : والعرب تقول : بيتًا وأما ، يريدون : بأبي وأمي ومثله ( يا ويلتا أعجزت ) وإن شئت جعلتها يا إضافة ، وإن شئت يا ندبة .

أه .

والنقيع والنقيعة : المحض من اللبن يبرد ، قال ابن بري : شاده قول الشاعر : " .

.

ويكفين النقيع " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكريفيه سبع مسائل :الأولى : اختلف في تأويل قوله : لذكري فقيل : يحتمل أن يريد لتذكرني فيها ، أو يريد لأذكرك بالمدح في عليين بها ، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول .

وقيل : المعنى ؛ أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة .

وهذا تنبيه على عظم قدر الصلاة إذ هي تضرع إلى الله تعالى ، وقيام بين يديه ؛ وعلى هذا فالصلاة هي الذكر .

وقد سمى الله تعالى الصلاة ذكرا في قوله : فاسعوا إلى ذكر الله .

وقيل : المراد إذا نسيت فتذكرت فصل كما في الخبر ( فليصلها إذا ذكرها ) .

أي لا تسقط الصلاة بالنسيان .الثانية : روى مالك وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله - عز وجل - يقول : وأقم الصلاة لذكري .

وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث حجاج بن حجاج - وهو حجاج الأول الذي روى عنه يزيد بن زريع - قال حدثنا قتادة عن أنس بن مالك قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يرقد عن الصلاة ويغفل عنها قال : كفارتها أن يصليها إذا ذكرها تابعه إبراهيم بن طهمان عن حجاج ، وكذا يروي همام بن يحيى عن قتادة وروى الدارقطني عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها فقوله : فليصلها إذا ذكرها دليل على وجوب القضاء على النائم والغافل ، كثرت الصلاة أو قلت ، وهو مذهب عامة العلماء وقد حكي خلاف شاذ لا يعتد به ، لأنه مخالف لنص الحديث عن بعض الناس فيما زاد على خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء .قلت : أمر الله تعالى بإقامة الصلاة ، ونص على أوقات معينة ، فقال : [ ص: 98 ] أقم الصلاة لدلوك الشمس الآية وغيرها من الآي .

ومن أقام بالليل ما أمر بإقامته بالنهار ، أو بالعكس لم يكن فعله مطابقا لما أمر به ، ولا ثواب له على فعله وهو عاص ؛ وعلى هذا الحد كان لا يجب عليه قضاء ما فات وقته .

ولولا قوله - عليه الصلاة والسلام - : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لم ينتفع أحد بصلاة وقعت في غير وقتها ، وبهذا الاعتبار كان قضاء لا أداء ؛ لأن القضاء بأمر متجدد وليس بالأمر الأول .الثالثة : فأما من ترك الصلاة متعمدا ، فالجمهور أيضا على وجوب القضاء عليه ، وإن كان عاصيا إلا داود .

ووافقه أبو عبد الرحمن الأشعري الشافعي ، حكاه عنه ابن القصار .

والفرق بين المتعمد والناسي والنائم ، حط المأثم ؛ فالمتعمد مأثوم وجميعهم قاضون .

والحجة للجمهور قوله تعالى : أقيموا الصلاة ولم يفرق بين أن يكون في وقتها أو بعدها .

وهو أمر يقتضي الوجوب .

وأيضا فقد ثبت الأمر بقضاء النائم والناسي ، مع أنهما غير مأثومين ، فالعامد أولى .

وأيضا قوله : من نام عن صلاة أو نسيها والنسيان الترك ؛ قال الله تعالى : نسوا الله فنسيهم و نسوا الله فأنساهم أنفسهم سواء كان مع ذهول أو لم يكن ؛ لأن الله تعالى لا ينسى وإنما معناه تركهم و ما ننسخ من آية أو ننسها أي نتركها وكذلك الذكر يكون بعد نسيان وبعد غيره .

قال الله تعالى : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وهو تعالى لا ينسى وإنما معناه علمت .

فكذلك يكون معنى قوله : ( إذا ذكرها ) أي علمها وأيضا فإن الديون التي للآدميين إذا كانت متعلقة بوقت ، ثم جاء الوقت لم يسقط قضاؤها بعد وجوبها ، وهي مما يسقطها الإبراء كان في ديون الله تعالى ألا يصح فيها الإبراء أولى ألا يسقط قضاؤها إلا بإذن منه .

وأيضا فقد اتفقنا أنه لو ترك يوما من رمضان متعمدا بغير عذر لوجب قضاؤه فكذلك الصلاة .

فإن قيل فقد روي عن مالك : من ترك الصلاة متعمدا لا يقضي أبدا .

فالإشارة إلى أن ما مضى لا يعود ، أو يكون كلاما خرج على التغليظ ؛ كما روي عن ابن مسعود وعلي : أن من أفطر في رمضان عامدا لم يكفره صيام الدهر وإن صامه .

ومع هذا فلا بد من توفية التكليف حقه بإقامة القضاء مقام الأداء ، أو إتباعه بالتوبة ، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء .

وقد روى أبو [ ص: 99 ] المطوس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يجزه صيام الدهر وإن صامه ) وهذا يحتمل أن لو صح كان معناه التغليظ ؛ وهو حديث ضعيف خرجه أبو داود .

وقد جاءت الكفارة بأحاديث صحاح ، وفي بعضها قضاء اليوم ؛ والحمد لله تعالى .الرابعة : قوله - عليه الصلاة والسلام - من نام عن صلاة أو نسيها الحديث يخصص عموم قوله - عليه الصلاة والسلام - : رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ والمراد بالرفع هنا رفع المأثم لا رفع الفرض عنه ، وليس هذا من باب قوله : ( وعن الصبي حتى يحتلم ) وإن كان ذلك جاء في أثر واحد ؛ فقف على هذا الأصل .الخامسة : اختلف العلماء في هذا المعنى فيمن ذكر صلاة فائتة وهو في آخر وقت صلاة ، أو ذكر صلاة وهو في صلاة ، فجملة مذهب مالك : أن من ذكر صلاة وقد حضر وقت صلاة أخرى ، بدأ بالتي نسي إذا كان خمس صلوات فأدنى ، وإن فات وقت هذه .

وإن كان أكثر من ذلك بدأ بالتي حضر وقتها ، وعلى نحو هذا مذهب أبي حنيفة والثوري والليث ؛ إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا : الترتيب عندنا واجب في اليوم والليلة إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة الوقت .

فإن خشي فوات الوقت بدأ بها ، فإن زاد على صلاة يوم وليلة لم يجب الترتيب عندهم .

وقد روي عن الثوري وجوب الترتيب ، ولم يفرق بين القليل والكثير .

وهو تحصيل مذهب الشافعي .

قال الشافعي : الاختيار أن يبدأ بالفائتة ما لم يخف فوات هذه ، فإن لم يفعل وبدأ بصلاة الوقت أجزأه .

وذكر الأثرم أن الترتيب عند أحمد واجب في صلاة ستين سنة فأكثر .

وقال : لا ينبغي لأحد أن يصلي صلاة وهو ذاكر لما قبلها لأنها تفسد عليه .

وروى الدارقطني عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال - عليه الصلاة والسلام - : ( إذا ذكر أحدكم صلاة [ ص: 100 ] في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ منها صلى التي نسي ) وعمر بن أبي عمر مجهول .قلت : وهذا لو صح كانت حجة للشافعي في البداءة بصلاة الوقت .

والصحيح ما رواه أهل الصحيح عن جابر بن عبد الله أن عمر يوم الخندق جعل يسب كفار قريش ، وقال يا رسول الله والله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فوالله إن صليتها ، فنزلنا البطحان فتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وتوضأنا فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر بعد ما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب .

وهذا نص في البداءة بالفائتة قبل الحاضرة ، ولا سيما والمغرب وقتها واحد مضيق غير ممتد في الأشهر عندنا ، وعند الشافعي كما تقدم .

وروى الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أبيه : أن المشركين شغلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أربع صلوات يوم الخندق ، حتى ذهب من الليل ما شاء الله تعالى ، فأمر بالأذان بلالا فقام فأذن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء ، وبهذا استدل العلماء على أن من فاتته صلاة ، قضاها مرتبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد .

واختلفوا إذا ذكر فائتة في مضيق وقت حاضرة على ثلاثة أقوال يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة ، وبه قال مالك والليث والزهري وغيرهم كما قدمناه .

الثاني : يبدأ بالحاضرة وبه قال الحسن والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث والمحاسبي وابن وهب من أصحابنا .

الثالث : يتخير فيقدم أيتهما شاء ، وبه قال أشهب .وجه الأول : كثرة الصلوات ولا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة ؛ قاله القاضي عياض .

واختلفوا في مقدار اليسير ؛ فعن مالك : الخمس فدون ، وقد قيل : الأربع فدون لحديث جابر ؛ ولم يختلف المذهب أن الست كثير .السادسة : وأما من ذكر صلاة وهو في صلاة ؛ فإن كان وراء الإمام فكل من قال بوجوب الترتيب ومن لم يقل به ، يتمادى مع الإمام حتى يكمل صلاته .

والأصل في هذا ما رواه مالك والدارقطني عن ابن عمر قال : إذا نسي أحدكم صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليصل الصلاة التي نسي ثم ليعد صلاته التي صلى مع الإمام لفظ الدارقطني ؛ وقال موسى بن هارون : وحدثناه أبو إبراهيم الترجماني ، قال : حدثنا سعيد به [ ص: 101 ] ورفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ووهم في رفعه ، فإن كان قد رجع عن رفعه ، فقد وفق للصواب .

ثم اختلفوا ؛ فقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل : يصلي التي ذكر ، ثم يصلي التي صلى مع الإمام إلا أن يكون بينهما أكثر من خمس صلوات ؛ على ما قدمنا ذكره عن الكوفيين .

وهو مذهب جماعة من أصحاب مالك المدنيين .

وذكر الخرقي عن أحمد بن حنبل أنه قال : من ذكر صلاة وهو في أخرى فإنه يتمها ويقضي المذكورة ، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت واسعا ، فإن خشي خروج الوقت وهو فيها أعتقد ألا يعيدها ، وقد أجزأته ويقضي التي عليه .وقال مالك : من ذكر صلاة وهو في صلاة قد صلى منها ركعتين سلم من ركعتيه ، فإن كان إماما انهدمت عليه وعلى من خلفه وبطلت .

هذا هو الظاهر من مذهب مالك ، وليس عند أهل النظر من أصحابه كذلك ؛ لأن قوله فيمن ذكر صلاة في صلاة قد صلى منها ركعة أنه يضيف إليها أخرى ويسلم .

ولو ذكرها في صلاة قد صلى منها ثلاث ركعات أضاف إليها رابعة وسلم ، وصارت نافلة غير فاسدة ولو انهدمت عليه كما ذكر وبطلت لم يؤمر أن يضيف إليها أخرى ، كما لو أحدث بعد ركعة لم يضف إليها أخرى .السابعة : روى مسلم عن أبي قتادة قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديث الميضأة بطوله ، وقال فيه ثم قال : أما لكم في أسوة ثم قال : أما إنه ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها ، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها وأخرجه الدارقطني هكذا بلفظ مسلم سواء ، فظاهره يقتضي إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وحضور مثلها من الوقت الآتي ؛ ويعضد هذا الظاهر ما خرجه أبو داود من حديث عمران بن حصين ، وذكر القصة وقال في آخرها : فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها .[ ص: 102 ] قلت : وهذا ليس على ظاهره ، ولا تعاد غير مرة واحدة ؛ لما رواه الدارقطني عن عمران بن حصين قال : سرينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزاة - أو قال في سرية فلما كان وقت السحر عرسنا ، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس ، فجعل الرجل منا يثب فزعا دهشا ، فلما استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا فارتحلنا ، ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس ، فقضى القوم حوائجهم ، ثم أمر بلالا فأذن فصلينا ركعتين ، ثم أمره فأقام فصلينا الغداة ؛ فقلنا : يا نبي الله ألا نقضيها لوقتها من الغد ؟

فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم .

وقال الخطابي : لا أعلم أحدا قال بهذا وجوبا ، ويشبه أن يكون الأمر به استحبابا ليحرز فضيلة الوقت في القضاء .

والصحيح ترك العمل لقوله - عليه السلام - : أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم ولأن الطرق الصحاح من حديث عمران بن حصين ليس فيها من تلك الزيادة شيء ، إلا ما ذكر من حديث أبي قتادة وهو محتمل كما بيناه .قلت : ذكر الكيا الطبري في ( أحكام القرآن ) له أن من السلف من خالف قوله - عليه الصلاة والسلام - : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك فقال : يصبر إلى مثل وقته فليصل ؛ فإذا فات الصبح فليصل من الغد .

وهذا قول بعيد شاذ .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم بين الذي يوحيه إليه بقوله: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا } أي: الله المستحق الألوهية المتصف بها، لأنه الكامل في أسمائه وصفاته، المنفرد بأفعاله، الذي لا شريك له ولا مثيل ولا كفو ولا سمي، { فَاعْبُدْنِي } بجميع أنواع العبادة، ظاهرها وباطنها، أصولها وفروعها، ثم خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في العبادة، لفضلها وشرفها، وتضمنها عبودية القلب واللسان والجوارح.

وقوله: { لِذِكْرِي } اللام للتعليل أي: أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي، لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، وهو عبودية القلب، وبه سعادته، فالقلب المعطل عن ذكر الله، معطل عن كل خير، وقد خرب كل الخراب، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ذكره، وخصوصا الصلاة.

قال الله تعالى: { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر، وهذا النوع يقال له توحيد الألوهية، وتوحيد العبادة، فالألوهية وصفه تعالى، والعبودية وصف عبده.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ) ولا تعبد غيري ، ( وأقم الصلاة لذكري ) قال مجاهد : أقم الصلاة لتذكرني فيها ، وقال مجاهد : إذا تركت الصلاة ثم ذكرتها ، فأقمها .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو عمرو بكر بن محمد المزني ، أخبرنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله الحفيد أخبرنا الحسين بن الفضل البجلي أخبرنا عفان أخبرنا قتادة عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، لا كفارة لها إلا ذلك " ثم قال : سمعته يقول بعد ذلك : ( وأقم الصلاة لذكري )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم لصلاة لذكري» فيها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنني أنا الله لا معبود بحق إلا أنا، لا شريك لي، فاعبدني وحدي، وأقم الصلاة لتذكرني فيها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ ) مستحق للعبادة والطاعة والخضوع ( فاعبدني ) عبادة خالصة لوجهى .( وَأَقِمِ الصلاة ) التى هى من أشرف العبادات ، وأفضل الطاعات ( لذكري ) أى : وأدم إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص ، ليشتد تذكرك لى ، واتصالك بى ، وذلك لأن الصلاة مشتملة على الكثير من الأذكار التى فيها الثناء على ذاتى وصفاتى .أو المعنى : وأدم الصلاة لذكرى خاصة ، بحيث تكون خالصة لوجهى ، ولا رياء فيها لأحد .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( لذكري ) الظاهر أنه متعلق بأقم ، أى : أقم الصلاة لذكرى فيها لاشتمالها على الأذكار .

وقيل : المراد أقم الصلاة لذكرى خاصة لا ترائى بها ولا تشوبها بذكر غيرى .

.

.

أو لكى أذكرك بالثناء وأثيبك بها .

أو لذكرى إياها فى الكتب السماوية وأمرى بها .

أو لأوقات ذكرى وهى مواقيت الصلاة .

فاللام وقتية بمعنى عند؛ مثلها فى قوله - تعالى - ( يَقُولُ ياليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) ومن الناس من حمل الذكر على ذكر الصلاة بعد نسيانها .

والمراد : أقم الصلاة عند تذكرها .ففى الحديث الصحيح : " من نام عن صلاة أو نسيها .

فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ، لا كفارة لها إلا ذلك .

.

.

" .وخص - سبحانه - الصلاة بالذكر مع أنها داخلة فى العبادة المأمور بها فى قوله ( فاعبدني ) على سبيل التشريف والتكريم ، إذ الصلاة أكمل وسيلة توصل الإنسان إلى مداومة ذكر الله - تعالى - وخشيته ، لاشتمالها على ألوان متعددة من صور العبادة والطاعة ، إذ فيها قراءة للقرآن الكريم ، وفيها الصلاة على النبى - صلى الله عليه وسلم - وفيها تسبيح الله وتمجيده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قرأ حمزة: (وإنا اخترناك) وقرأ أبي بن كعب: (وإني اخترتك) وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: معناه اخترتك للرسالة وللكلام الذي خصصتك به، وهذه الآية تدل على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق لأن قوله: ﴿ وَأَنَا اخترتك ﴾ يدل على أن ذلك المنصب العلي إنما حصل لأن الله تعالى اختاره له ابتداء لا أنه استحقه على الله تعالى.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ فيه نهاية الهيبة والجلالة فكأنه قال: لقد جاءك أمر عظيم هائل فتأهب له واجعل كل عقلك وخاطرك مصروفاً إليه فقوله: ﴿ وَأَنَا اخترتك ﴾ يفيد نهاية اللطف والرحمة وقوله: ﴿ فاستمع ﴾ يفيد نهاية الهيبة فيحصل له من الأول نهاية الرجاء ومن الثاني نهاية الخوف.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِنَّنِى أَنَا الله لآ إله إلآ أَنَاْ فاعبدنى ﴾ يدل على أن علم الأصول مقدم على علم الفروع لأن التوحيد في علم الأصول والعبادة من علم الفروع وأيضاً الفاء في قوله: ﴿ فاعبدنى ﴾ تدل على أن عبادته إنما لزمت لإلهيته وهذا هو تحقيق العلماء أن الله هو المستحق للعبادة.

المسألة الرابعة: أنه سبحانه بعد أن أمره بالتوحيد، أولاً ثم بالعبادة ثانياً، أمره بالصلاة ثالثاً احتج أصحابنا بهذه الآية على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز من وجهين: الأول: أنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفية تلك العبادة فثبت أنه يجوز ورود المجمل منفكاً عن البيان.

الثاني: أنه قال: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ ولم يبين كيفية الصلاة قال: القاضي لا يمتنع أن موسى عليه السلام قد عرف الصلاة التي تعبد الله تعالى بها شعيباً عليه السلام وغيره من الأنبياء فصار الخطاب متوجهاً إلى ذلك ويحتمل أنه تعالى بين له في الحال وأن كان المنقول في القرآن لم يذكر فيه إلا هذا القدر.

والجواب: أما العذر الأول فإنه لا يتوجه في قوله تعالى: ﴿ فاعبدنى ﴾ وأيضاً فحمل مثل هذا الخطاب العظيم على فائدة جديدة أولى من حمله على أمر معلوم لأن موسى عليه السلام ما كان يشك في وجوب الصلاة التي جاء بها شعيب عليه السلام فلو حملنا قوله: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ على ذلك لم يحصل من هذا الخطاب العظيم فائدة زائدة، أما لو حملناه على صلاة أخرى لحصلت الفائدة الزائدة، قوله: لعل الله تعالى بينه في ذلك الموضع وإن لم يحكه في القرآن قلنا لا نشك أن البيان أكثر فائدة من المجمل فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية.

المسألة الخامسة: في قوله: ﴿ لِذِكْرِي ﴾ وجوه: أحدها: لذكري يعني لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلي لي.

وثانيها: لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار عن مجاهد.

وثالثها: لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها.

ورابعها: لأن أذكرك بالمدح والثناء واجعل لك لسان صدق.

وخامسها: لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري.

وسادسها: لإخلاص ذكري وطلب وجهي لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضاً آخر.

وسابعها: لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم كما قال تعالى: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله  ﴾ .

وثامنها: لأوقات ذكرى وهي مواقيت الصلاة لقوله تعالى: ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً  ﴾ .

وتاسعها: ﴿ أَقِمِ الصلاة ﴾ حين تذكرها أي أنك إذا نسيت صلاة فاقضها إذا ذكرتها.

روى قتادة عن أنس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» ثم قرأ: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ قال الخطابي يحتمل هذا الحديث وجهين.

أحدهما: أنه لا يكفرها غير قضائها والآخر أنه لا يلزم في نسيانها غرامة ولا كفارة كما تلزم الكفارة في ترك صوم رمضان من غير عذر وكما يلزم المحرم إذا ترك شيئاً من نسكه فدية من إطعام أو دم.

وإنما يصلي ما ترك فقط فإن قيل حق العبارة أن يقول أقم الصلاة لذكرها كما قال عليه السلام: «فليصلها إذا ذكرها» قلنا قوله: ﴿ لِذِكْرِى ﴾ معناه للذكر الحاصل بخلقي أو بتقدير حذف المضاف أي لذكر صلاتي.

المسألة السادسة: لو فاتته صلوات يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء فلو ترك الترتيب في قضائها جاز عند الشافعي رحمه الله ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة نظر إن كان في الوقت سعة استحب أن يبدأ بالفائتة ولو بدأ بصلاة الوقت جاز وإن ضاق الوقت بحيث لو بدأ بالفائتة فات الوقت يجب أن يبدأ بصلاة الوقت حتى لا تفوت ولو تذكر الفائتة بعدما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها ولا يجب وقال أبو حنيفة رحمه الله يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم تزد على صلاة يوم وليلة حتى قال: لو تذكر في خلال صلاة الوقت فائتة تركها اليوم يبطل فرض الوقت فيقضي الفائتة ثم يعيد صلاة الوقت إلا أن يكون الوقت ضيقاً فلا تبطل حجة أبي حنيفة رحمه الله الآية والخبر والأثر والقياس، أما الآية فقوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِي ﴾ أي لتذكرها واللام بمعنى عند كقوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس  ﴾ أي عند دلوكها فمعنى الآية أقم الصلاة المتذكرة عند تذكرها وذلك يقتضي رعاية الترتيب وأما الخبر فقوله عليه السلام: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها» والفاء للتعقيب وأيضاً روى جابر بن عبد الله قال: «جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس قال النبي صلى الله عليه وسلم وأنا والله ما صليتها بعد قال فنزل إلى البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها» وهذا الحديث مذكور في الصحيحين قالت الحنفية والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فلما صلى الفوائت على الولاء وجب علينا ذلك.

والثاني: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مخرج البيان للمجمل كان حجة وهذا الفعل خرج بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿ أَقِيمُواْ الصلاة  ﴾ ولهذا قلنا إن الفوائت إذا كانت في حد القلة يجب مراعاة الترتيب فيها وإذا دخلت في حد الكثرة يسقط الترتيب وأما الأثر فما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «من فاتته صلاة فلم يذكرها إلا في صلاة الإمام فليمض في صلاته فإذا قضى صلاته مع الإمام يصلي ما فاته ثم ليعد التي صلاها مع الإمام» وقد يروى هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما القياس فهو أنهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة والمزدلفة فلما لم يجب إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة كذلك حجة الشافعي رحمه الله أنه روى في حديث أبي قتادة: «أنهم لما ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها» ولو كان وقت التذكر معيناً للصلاة لما جاز ذلك فعلمنا أن ذلك الوقت وقت لتقرر الوجوب عليه لكن لا على سبيل التضييق بل على سبيل التوسع إذا ثبت هذا فنقول إيجاب قضاء الفوائت وإيجاب أداء فرض الوقت الحاضر يجري مجرى التخيير بين الواجبين فوجب أن يكون المكلف مخيراً في تقديم أيهما شاء ولأنه لو كان الترتيب في الفوائت شرطاً لما سقط بالنسيان ألا ترى أنه إذا صلى الظهر والعصر بعرفة في يوم غيم ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال والعصر بعد الزوال فإنه يعيدهما جميعاً ولم يسقط الترتيب بالنسيان لما كان شرطاً فيهما فهاهنا أيضاً لو كان شرطاً فيهما لما كان يسقط بالنسيان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ أبو عمرو وابن كثير ﴿ أَنّي ﴾ بالفتح، أي: نودي بأني ﴿ أَنَاْ رَبُّكَ ﴾ وكسر الباقون، أي: نودي فقيل يا موسى، أو لأنّ النداء ضرب من القول فعومل معاملته.

تكرير الضمير في ﴿ إنى أَنَاْ رَبُّكَ ﴾ لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة.

روي أنه لما نودي ﴿ ياموسى ﴾ قال: من المتكلم؟

فقال له الله عز وجل: ﴿ إنى أَنَاْ رَبُّكَ ﴾ ، وأن إبليس وسوس إليه فقال: لعلك تسمع كلام شيطان.

فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست، وأسمعه بجميع أعضائي.

وروي: أنه حين انتهى رأى شجرة خضراء، من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد.

وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نوراً عظيماً فخاف وبهت، فألقيت عليه السكينة ثم نودي، وكانت الشجرة عوسجة، وروي: كلما دنا أو بعد لم يختلف ما كان يسمع من الصوت.

وعن ابن إسحاق: لما دنا استأخرت عنه، فلما رأى ذلك رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد الرجعة دنت منه، ثم كلم.

قيل: أُمر بخلع النعلين لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ عن السدي وقتادة.

وقيل: ليباشر الوادي بقدميه متبركاً به.

وقيل: لأن الحفوة تواضع لله، ومن ثم طاف السلف بالكعبة حافين، ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه، وكان إذا ندر منه الدخول منتعلاً تصدق، والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم لها وتشريف لقدسها.

وروي: أنه خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي ﴿ طُوًى ﴾ بالضم والكسر منصرف وغير منصرف بتأويل المكان والبقعة.

وقيل: مرتين، نحو ثنى أي نودي نداءين أو قدس الوادي كرة بعد كرة ﴿ وَأَنَا اخترتك ﴾ اصطفيتك للنبوّة.

وقرأ حمزة ﴿ وإنا اخترناك ﴾ لِمَا يوحى ا للذي يوحى.

أو للوحي.

تعلق اللام باستمع، أو باخترتك ﴿ لذكرى ﴾ لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلى لي.

أو لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار عن مجاهد.

أو: لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها.

أو لأن أذكرك بالمدح والثناء وأجعل لك لسان صدق.

أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري أو لإخلاص ذكري وطلب وجهي لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضاً آخر.

أو لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم وتوكيل هممهم، وأفكارهم به، قال: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ﴾ [النور: 37] أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة، كقوله تعالى: ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ [النساء: 103] واللام مثلها في قولك: جئتك لوقت كذا، وكان ذلك لست ليال خلون.

وقوله تعالى: ﴿ ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ﴾ [الفجر: 24] وقد حمل على ذكر الصلاة بعد نسيانها من قوله عليه الصلاة و السلام: «من نامَ عنْ صلاةِ أو نسيَها فليصلِها إذَا ذكرَهَا» وكان حق العبارة أن يقال: لذكرها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذَا ذكَرها» ومن يتمحلُ له يقول: إذا ذَكرَ الصلاةَ فقدْ ذكرَ اللَّهَ.

أو بتقدير حذف المضاف، أي: لذكر صلاتي.

أو لأن الذكر والنسيان من الله عز وجل في الحقيقة.

وقرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ﴿ للذكرى ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنا اخْتَرْتُكَ ﴾ اصْطَفَيْتُكَ لِلنُّبُوَّةِ وقَرَأ حَمْزَةُ «وَإنّا اخْتَرْناكَ» .

﴿ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى ﴾ لِلَّذِي يُوحى إلَيْكَ، أوْ لِلْوَحْيِ واللّامُ تَحْتَمِلُ التَّعَلُّقَ بِكُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ.

﴿ إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي ﴾ بَدَلٌ مِمّا يُوحى دالٌّ عَلى أنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُنْتَهى العِلْمِ والأمْرُ بِالعِبادَةِ الَّتِي هي كَمالُ العَمَلِ.

﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ خَصَّها بِالذِّكْرِ وأفْرَدَها بِالأمْرِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي أناطَ بِها إقامَتَها، وهو تَذَكُّرُ المَعْبُودِ وشَغْلُ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ.

وقِيلَ ﴿ لِذِكْرِي ﴾ لِأنِّي ذَكَرْتُها في الكُتُبِ وأمَرْتُ بِها، أوْ لِأنْ أذْكُرَكَ بِالثَّناءِ، أوْ لِذِكْرِي خاصَّةً لا تُرائِي بِها ولا تَشُوبُها بِذِكْرِ غَيْرِي.

وقِيلَ لِأوْقاتِ ذِكْرِي وهي مَواقِيتُ الصَّلاةِ أوْ لِذِكْرِ صَلاتِي.

لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ «مَن نامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَها فَلْيَقْضِها إذا ذَكَرَها» إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)

وحدني وأطعني {وأقم الصلاة لذكري} لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأدكار أو لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها أو لأن أذكرك بالمدح والثناء أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري أو لتكون لي ذاكراً غير ناس أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة لقوله إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وقد حمل على ذكر الصلاة بعد نسيانها وذا يصح بتقدير حذف المضاف أي لذكر صلاتي وهذا دليل على أنه لا فريضة بعد التوحيد أعظم منها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا ﴾ بَدَلٌ مِن (ما يُوحى) ولا رَيْبَ في أنَّ اخْتِيارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِهَذا فَقَطْ، والتَّعَلُّقُ بِاخْتَرْناكَ كَيْفَما كانَ يَقْتَضِيهِ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّنْصِيصِ عَلى ما هو الأهَمُّ والأصْلُ الأصِيلُ، وقِيلَ: هي سَيْفٌ خَطِيبٌ فَلا مُتَعَلَّقَ لَها كَما في ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ وما مَوْصُولَةٌ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ فاسْتَمِعْ لِلَّذِي يُوحى إلَيْكَ أوْ لِلْوَحْيِ، وفي أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالِاسْتِماعِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ ذَلِكَ وأنَّهُ يَقْتَضِي التَّأهُّبَ لَهُ، قالَ أبُو الفَضْلِ الجَوْهَرِيُّ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَمِعْ لِما يُوحى وقَفَ عَلى حَجَرٍ واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شِمالِهِ وألْقى ذَقْنَهُ عَلى صَدْرِهِ وأصْغى بِشَراشِرِهِ.

وقالَ وهْبٌ: أدَبُ الِاسْتِماعِ سُكُونُ الجَوارِحِ وغَضُّ البَصَرِ والإصْغاءُ بِالسَّمْعِ وحُضُورُ العَقْلِ والعَزْمُ عَلى العَمَلِ، وذَلِكَ هو الِاسْتِماعُ لِما يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى، وحَذْفُ الفاعِلِ في (يُوحى) لِلْعِلْمِ بِهِ ويُحَسِّنُهُ كَوْنُهُ فاصِلَةً فَإنَّهُ لَوْ كانَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ لَمْ يَكُنْ فاصِلَةً، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فاعْبُدْنِي ﴾ لِتَرْتِيبِ المَأْمُورِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ اخْتِصاصَ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ مِن مُوجِباتِ تَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِها غايَةُ التَّذَلُّلِ والِانْقِيادِ لَهُ تَعالى في جَمِيعِ ما يُكَلِّفُهُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها هُنا التَّوْحِيدُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ والأوَّلُ أوْلى ﴿ وأقِمِ الصَّلاةَ ﴾ خُصَّتِ الصَّلاةُ بِالذِّكْرِ وأُفْرِدَتْ بِالأمْرِ مَعَ انْدِراجِها في الأمْرِ بِالعِبادَةِ لِفَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ بِما نِيطَتْ بِهِ مِن ذِكْرِ المَعْبُودِ وشَغْلِ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ سَمّاها اللَّهُ تَعالى إيمانًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ .

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في كُفْرِ تارِكِها كَسَلًا كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِذِكْرِي ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأقِمْ أيْ أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها لِاشْتِمالِها عَلى الأذْكارِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ أيْ لِتَكُونَ لِي ذاكِرًا غَيْرَ ناسٍ فِعْلَ المُخْلِصِينَ في جَعْلِهِمْ ذِكْرَ رَبِّهِمْ عَلى بالٍ مِنهم وتَوْكِيلِ هِمَمِهِمْ وأفْكارِهِمْ بِهِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ المُرادَ بِالإقامَةِ عَلى الأوَّلِ تَعْدِيلُ الأرْكانِ، وعَلى الثّانِي الإدامَةُ وجُعِلَتِ الصَّلاةُ في الأوَّلِ مَكانًا لِلذِّكْرِ ومَقَرَّهُ وعِلَّتَهُ، وعَلى الثّانِي جُعِلَتْ إقامَةُ الصَّلاةِ أيْ إدامَتُها عِلَّةً لِإدامَةِ الذِّكْرِ كَأنَّهُ قِيلَ أدِمِ الصَّلاةَ لِتَسْتَعِينَ بِها عَلى اسْتِغْراقِ فِكْرِكَ وهَمِّكَ في الذِّكْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ ﴾ .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِاعْبُدْنِي أوْ بِأقِمْ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الأعْمالِ أيْ لِتَكُونَ ذاكِرًا لِي بِالعِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، وإذا عَمَّمَ الذِّكْرَ لِيَتَناوَلَ القَلْبِيَّ والقالَبِيَّ جازَ اعْتِبارُ بابِ الأعْمالِ في الأوَّلِ أيْضًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وقِيلَ: المُرادُ (أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) خاصَّةً لا تُرائِي بِها ولا تَشُوبُها بِذِكْرِ غَيْرِي أوْ لِإخْلاصِ ذِكْرِي وابْتِغاءِ وجْهِي ولا تَقْصِدْ بِها غَرَضًا آخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ أوْ لِأنْ أذْكُرَكَ بِالثَّناءِ أيْ لِأُثْنِيَ عَلَيْكَ وأُثِيبَكَ بِها أوْ لِذِكْرِي إيّاها في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وأمْرِي بِها، أوْ لِأوْقاتِ ذِكْرِي وهي مَواقِيتُ الصَّلَواتِ فاللّامُ وقْتِيَّةٌ بِمَعْنى عِنْدَ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ﴾ وقَوْلُكَ: كانَ ذَلِكَ لِخَمْسِ لَيالٍ خَلَوْنَ، ومِنَ النّاسِ مِن حَمَلَ الذِّكْرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ بَعْدَ نِسْيانِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، واللّامُ حِينَئِذٍ وقْتِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ، والمُرادُ أقِمِ الصَّلاةَ عِنْدَ تَذَكُّرِها أوْ لِأجْلِ تَذَكُّرِها والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ والأصْلُ لِذِكْرِ صَلاتِي أوْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَ الصَّلاةِ سَبَبٌ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَأُطْلِقَ المُسَبِّبُ عَلى السَّبَبِ أوْ أنَّهُ وقَعَ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى مَوْقِعَ ضَمِيرِ الصَّلاةِ لِشَرَفِها أوْ أنَّ المُرادَ لِلذِّكْرِ الحاصِلِ مِنِّي فَأُضِيفَ الذِّكْرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِهَذِهِ المُلابَسَةِ، والَّذِي حَمَلَ القائِلَ عَلى هَذا الحَمْلِ أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن «حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ  نامَ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ فَلَمّا قَضاها قالَ: مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيَقْضِها إذا ذَكَرَها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: (أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» ) فَظَنَّ هَذا القائِلُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْمِلْ هَذا الحَمْلَ لَمْ يَصْحَّ التَّعْلِيلُ وهو مِن بَعْضِ الظَّنِّ، فَإنَّ التَّعْلِيلَ كَما في الكَشْفِ صَحِيحٌ والذِّكْرُ عَلى ما فُسِّرَ في الوَجْهِ الأوَّلِ وأرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ إذا ذَكَرَ الصَّلاةَ انْتَقَلَ مِن ذِكْرِها إلى ذِكْرِ ما شُرِعَتْ لَهُ وهو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، فَيَحْمِلُهُ عَلى إقامَتِها، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ لَمّا جُعِلَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ الصَّلاةِ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى وهو حاصِلٌ مَطْلُوبٌ في كُلِّ وقْتٍ، فَإذا فاتَهُ الوَقْتُ المَحْدُودُ لَهُ يَنْبَغِي المُبادَرَةُ إلَيْهِ ما أمْكَنَهُ، فَهو مِن إشارَةِ النَّصِّ لا مِن مَنطُوقِهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى التَّمَحُّلِ فافْهَمْ.

وإضافَةُ ( ذِكْرِ ) إلى الضَّمِيرِ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وأنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ حَسَبَ اخْتِلافِ التَّفْسِيرِ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخْعِيُّ وأبُو رَجاءٍ ( لِلذِّكْرى ) بِلامِ التَّعْرِيفِ وألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( لِذِكْرِي ) بِألِفِ التَّأْنِيثِ بِغَيْرِ لامِ التَّعْرِيفِ، وأُخْرى ( لِلذِّكْرِ ) بِالتَّعْرِيفِ والتَّذْكِيرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ يعني: اصطفيتك للرسالة، قرأ حمزة بكسر الألف وتشديد النون وَأَنَا اخترناك بالنون بلفظ الجماعة، والباقون بنصب الألف وتخفيف النون وبالتاء أَنَا اخْتَرْتُكَ قال أبو عبيدة: وبهذا نقرأ لموافقة الخط يعني: بخط عثمان ثم قال: فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى يعني: اعمل بما تؤمر وتنهى.

ثم قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي يعني: أطعني واستقم على توحيدي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي يعني: لتذكرني فيها، ويقال: إن نسيت الصلاة فصلها إذا ذكرتها.

لأن الله تعالى يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن النبي  حين نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس قال: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إذا ذَكَرَهَا إِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» (١)  وقال بعضهم: هذا خطاب للنبي  إلى قوله وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى.

ثم رجع إلى قصة موسى بقوله: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ يعني: كائنة أَكادُ أُخْفِيها يعني: أسرها عن نفسي فكيف أعلنها لَّكُمْ يا أهل مكة؟

هكذا روي عن جماعة من المتقدمين، وهكذا قال ابن عباس في رواية أبي صالح، وقال القتبي كذلك في قراءة أبيّ أُخْفِيها من نفسي، وهكذا روى جماعة من المتقدمين.

وروى طلحة عن عطاء: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها عن نفسي.

وروي في إحدى الروايتين عن أبي بن كعب أنه كان يقول: تقرأ أَكادُ أُخْفِيها بنصب الألف يعني: أكاد أظهرها، وهي قراءة سعيد بن جبير.

قال أهل اللغة: خفى يخفى أي أظهر، وقال امرؤ القيس: «خفاهن من انفاقهن كأنما ...

خفاهنّ من ودق سحاب مركّب» يذكر الفرس أنه استخرج الفأرة من جحرهن كالمطر.

ثم قال: لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى يعني: لتثاب كل نفس بما تعمل: ثم قال عز وجل: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها يعني: لا يصرفنك عنها، يعني: عن الإقرار بقيام الساعة مَنْ لاَّ يُؤْمِنُ بِها يعني: من لا يصدق بقيام الساعة وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى يعني: فتهلك، ويقال: الردى، الموت والهلاك.

(١) الحديث ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأسند عِيَاضٌ في «الشفا» «١» من طريق أَبِي ذَرٍّ الهروي، عن الرَّبِيعِ بن أَنَسٍ قال: كان ٨ أالنبيّ صلى الله عليه وسلّم إذَا صَلَّى/، قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الأخرى، فأنْزَل الله طه يعني: طَإ الأَرْضَ يَا محمد، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ولاَ خَفاءَ بمَا في هذا كله من الإكرام له (صلى الله عليه وسلّم) وحُسْن المعاملة.

انتهى.

[قال ص: لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً عِلَّتانِ لِقَوْلِه: مَا أَنْزَلْنا.

انتهى] «٢» .

وقد تقدم القولُ في مَسْأَلَةِ الاسْتِوَاء، وباقي الآية بيّن.

قال ابنُ هِشَام: قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ أيْ: فاعلم أَنه غَنِيٌّ عن جهرك فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى، فالجوابُ مَحذُوفٌ.

انتهى.

وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣)

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)

وقوله سبحانه: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً هذا الاِسْتفهام توقيفٌ مضمنه:

تَنْبِيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، وهذا كما تبدَأُ الرجل إذا أَردْتَ إخْبَارَه بأَمْرٍ غَرِيبٍ فتقول: أعلمْتَ كذا، وكذا، ثم تبدأ تخبره.

وكان من قصّة موسى- عليه السلام- أنه رحل من مَدْيَن بأهله بِنْت شُعَيْب- عليه السلام- وهو يريدُ أَرض مِصْر، وقد طالت مُدَّة جِنَايته هُنَالِكَ، فَرَجَا خَفَاءَ أمْره، وكان فيما يزعمون رَجُلاً غَيُوراً، فكان يَسِيرُ الليلَ بأهْلِهِ، وَلاَ يَسِيرُ بالنهار مخافةَ كشفة «٣» الناسِ، فَضَلَّ عن طريقه في لَيْلَةٍ مظلمة، فبينما هو كذلك، وقد قَدَحَ بزنده، فلم يُورِ شَيْئاً إِذْ رَأى نَاراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا، أيْ: أقِيموا، وذهب هو إلى النار، فإذا هي مُضْطَرِمةٌ في شَجَرةٍ خَضْرَاءَ يانِعةٍ، قيل: كانت من عُنَّابٍ، وقِيلَ: من عَوْسَج «٤» ، وقِيلَ: من علّيق «٥» ، فكلّما

دَنَا مِنْها، تباعَدَتْ منه، ومَشَتْ فإذا رجع عنها اتَّبعَتْهُ، فلما رأَى ذَلِكَ أَيقنَ أَنَّ هذا مِنْ أُمُورِ الله الخَارِقَةِ للعادة، ونُودِي، وانقضى أَمْرُه كُلّه في تلك الليلة هذا «١» قول الجُمْهُورِ، وهو الحقُّ، وما حُكِيَ عن ابنِ عباسٍ: أنَّه قال: أَقامَ في ذلك الأَمْرِ حَوْلاً، فغيرُ صَحِيحٍ عن ابن عباس «٢» .

وآنَسْتُ: معناه: أَحْسَسْتُ، والقَبَسُ: الجذْوةُ من النار، تكون على رَأْس العُودِ.

والهُدَى: أراد هُدَى الطريقِ، أَيْ: لعلي أَجِدُ مرشداً لي، أوْ دليلاً.

وفي قِصَّة موسى بأسْرها في هذه السورة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلّم عما لقي في تبليغه من المشقّات صلى الله عليه وسلّم والضميرُ في قوله: أَتاها: عائِدٌ على النار.

وقوله: «نُودي» : كنايةٌ عن تَكْلِيم الله تعالى له (عليه السلام) .

وقرأَ نَافِعٌ «٣» وغيرُه: إنِّي- بكسر الهمزة- على الابْتداءِ، وقرأَ أَبُو عَمْرو، وابن كَثِير:

«أَنِّي» - بفتحها- على معنى: لأَجل أَنِّي أَنا رَبُّك، فَاخْلَعْ نعليك.

واخْتُلِفَ في السبب الذي مِنْ أَجْله أُمِرَ بخلْعِ النعلين: فقالتْ فِرْقَةٌ: كَانَتَا من جِلْد حَمِارٍ مَيِّتٍ، فأُمِرَ بِطَرْحِ النَّجَاسَةِ.

وقالت فرقةٌ: بل كَانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلْدِ بقَرَةٍ ذَكِيّ لكن أُمِر بخلعهما لينَالَ بركَةَ الوَادِي المُقدَّسِ، وتمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوَادِي.

قال ع «٤» : وتحتمل الآيةُ مَعْنًى آخَرَ، هو الأَليقُ بها عِنْدِي وهو: أَن الله تعالى أمرِه أنْ يتأدَّبَ، ويتَوَاضَعَ لعظم الحَالِ الَّتي حَصَلَ فيها، والعُرْف عِنْد المُلُوكِ: أن تخلع

النَّعْلاَنِ، ويبلغُ الإنْسان إلَى غاية تَوَاضُعِهِ، فكأَنَّ موسى- عليه السلام- أُمِر بذلك عَلَى هذا الوجه، وَلاَ نُبَالِي كيفَ كَانَتْ نَعْلاَهُ من ميتة أو غيرها.

والْمُقَدَّسِ: معناه المطهّر، وطُوىً: [معناه] «١» مَرَّتَيْنِ.

فقالت فرقةٌ: معناه قُدِّسَ مرتيْنِ، وقالت فِرْقةٌ: معناه طُوِيَتْ لك الأَرْضُ مَرَّتَيْنِ من ظنك.

قال الفَخْرُ: وقِيلَ: إنَّ طُوًى اسم وادٍ بالشام، وهو عند الطُّورِ الذي أَقْسم الله به في القرآن.

وقيل/: إنَّ طُوىً بمعنى: يَا رَجُلُ، بالعَبْرَانِيَّةِ، كأنه قِيلَ: يا رجل اذهب إلَى فِرْعون.

انتهى «من تفسيره لسورة والنازعات» .

قال ع «٢» : وحدثني أَبِي- رحمه الله- قال: سمعت أَبا الفضل بْنَ الجوهري- رحمه الله تعالى- يقول: لما قِيل لموسى: استمع لما يوحى، وقف على حَجَرٍ، واستند إلَى حَجَرٍ، ووضع يَمِينه عَلَى شِمَالِه وأَلْقى ذَقَنَهُ على صَدْرِه، ووقف يستمع، وكان كُلُّ لباسه صُوفاً.

وقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي: يحتمل أن يريدَ: لِتَذْكُرَنِي فيها، أوْ يريد:

لأَذْكركَ في عِلِّيَينَ بها، فالمصدرُ محتمل الإضافة إلى الفَاعِل، أَوِ المفعول.

وقالت فِرْقةٌ: معنى قولهِ لِذِكْرِي أيْ: عند ذِكْرى، أَيْ: إذا ذكرتني، وأمري لك بها.

ت: وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً، فَلُيصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإنَّ ذَلِكَ وَقْتَهَا «٣» قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» .

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ومَعْناهُ: قَدْ أتاكَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنْ تَأْتِيَ " هَلْ " مُعَبِّرَةً عَنْ ( قَدْ )، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ: " «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» "، يُرِيدُ: قَدْ بَلَّغْتُ.

قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اسْتَأْذَنَ مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما السَّلامُ في الرُّجُوعِ إلى والِدَتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ، فَوُلِدَ لَهُ في الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَقَدَحَ فَلَمْ يُورِ الزِّنادُ، فَبَيْنا هو في مُزاوَلَةِ ذَلِكَ أبْصَرَ نارًا مِن بَعِيدٍ عَنْ يَسارِ الطَّرِيقِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَكَرِهْنا إطالَةَ التَّفْسِيرِ بِالقَصَصِ؛ لِأنَّ غَرَضَنا الِاقْتِصارُ عَلى التَّفْسِيرِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: رَأى نُورًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِما كانَ في ظَنِّ مُوسى.

﴿ فَقالَ لأهْلِهِ ﴾ يَعْنِي: امْرَأتَهُ، ﴿ امْكُثُوا ﴾ ؛ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم.

وقَرَأ حَمْزَةُ: ( لِأهْلِهُ امْكُثُوا ) بِضَمِّ الهاءِ هاهُنا وفي ( القَصَصِ: ٢٩ ) .

﴿ إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنِّي وجَدْتُ، يُقالُ: هَلْ آنَسَتَ أحَدًا؛ أيْ: وجَدَتْ ؟

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " آنَسَتُ " بِمَعْنى: أبْصَرْتُ.

فَأمّا القَبَسُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ما أخَذْتَهُ مِنَ النّارِ في رَأْسِ عُودٍ، أوْ في رَأْسِ فَتِيلَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: هادِيًا، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ المَصْدَرِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى ( عِنْدَ )، وَبِمَعْنى ( مَعَ )، وبِمَعْنى الباءِ.

وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَعَلِمَ أنَّ النّارَ لا تَخْلُو مِن مُوقِدٍ.

وحَكى الزَّجّاجُ: أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ يَعْنِي: النّارَ، ﴿ نُودِيَ يا مُوسى ﴾ ﴿ إنِّي أنا رَبُّكَ ﴾ إنَّما كَرَّرَ الكِنايَةَ؛ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ  ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( أنِّي ) بِفَتْحِ الألِفِ والياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الألِفِ، إلّا أنَّ نافِعًا فَتَحَ الياءَ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( أنِّي أنا ) بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: نُودِيَ [ بِأنِّي أنا رَبُّكَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: نُودِيَ ] يا مُوسى، فَقالَ اللَّهُ: إنِّي أنا رَبُّكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ في سَبَبِ أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: أنَّهُما كانا مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذُكِيَتْ، ولَكِنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيُباشِرَ تُرابَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَتَنالُهُ بِرَكَتُها، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ( المائِدَةِ: ٢١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طُوًى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُوى وأنا ) غَيْرَ مُجْراةٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( طُوًى ) مُجْراةً، وكُلُّهم ضَمَّ الطّاءَ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيَوَةَ: ( طِوًى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مَعَ التَّنْوِينِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( طِوى ) بِكَسْرِ الطّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

قالَ الزَّجّاجُ في " طُوًى " أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ( طُوًى ) بِضَمِّ أوَّلِهِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ؛ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمٌ لِلْوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ عَلى فُعَلٍ، نَحْوَ: حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ طاوٍ، فَيَصِيرُ مِثْلَ ( عُمَرَ ) المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ، فَلا يَنْصَرِفُ كَما لا يَنْصَرِفُ ( عُمَرُ ) .

والجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ  ﴾ ، وإذا كُسِرَ ونَوِّنَ فَهو مِثْلُ مِعًى، والمَعْنى: المُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَما قالَ عُدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ عَلَيَّ طُوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ أيِ: اللَّوْمَ المُكَرَّرَ عَلَيَّ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ.

[ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿ طُوًى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى " طُوًى ": طَإ الوادِيَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنا اخْتَرْتُكَ ﴾ ؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والمُفَضَّلُ: ( وأنّا ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ ( اخْتَرْناكَ ) بِألِفٍ.

﴿ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى ﴾ ؛ أيْ: لِلَّذِي يُوحى.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الِاسْتِماعُ هاهُنا مَحْمُولٌ عَلى الإنْصاتِ، المَعْنى: فَأنْصْتْ لِوَحْيِي، والوَحْيُ هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿ إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي ﴾ ؛ أيْ: وحِّدْنِي، ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، سَواءٌ كُنْتَ في وقْتِها أوْ لَمْ تَكُنْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «مِن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها غَيْرُ ذَلِكَ»، وقَرَأ: " أقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " .

والثّانِي: أقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَمِعْ ﴾ ، فَيَكُونُ المَعْنى: فاسْتَمِعْ لِما يُوحى واسْتَمِعْ لِذِكْرِي.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وأقِمِ الصَّلاةَ لِلذِّكْرى ) بِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكادُ أُخْفِيها ﴾ أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الألِفِ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي ) .

قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها ؟

قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا بالَغُوا في كِتْمانِ الشَّيْءِ: كَتَمْتُهُ حَتّى مِن نَفْسِي؛ أيْ: لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أحَدًا.

والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أكادُ ﴾ ، وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أكادُ آتِي بِها، والِابْتِداءُ: أُخْفِيها، قالَ ضابِئٌ البُرْجُمِيُّ: هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أرادَ: كِدْتُ أفْعَلُ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " أكادُ ": أُرِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى مَعْناهُ: أرادَتْ وأرَدْتُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا الإخْفاءِ الشَّدِيدِ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لِلتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ مَتى يَهْجُمُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ كانَ أشَدَّ حَذَرًا.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُخْفِيها ) بِفَتْحِ الألِفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرُهُ.

قالَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أبْيَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى ( أكادُ أُظْهِرُها ): قَدْ أخْفَيْتُها وكِدْتُ أُظْهِرُها.

﴿ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ﴾ ؛ أيْ: بِما تَعْمَلُ.

و ﴿ لِتُجْزى ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ " لِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى " أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " لِتُجْزى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها ﴾ ؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿ مَن لا يُؤْمِنُ بِها ﴾ ؛ أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِكَوْنِها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ  خَطابٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ ؛ أيْ: مُرادَهُ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ فَتَرْدى ﴾ ؛ أيْ: فَتَهْلِكَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَدِيَ يَرْدى: إذا هَلَكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ ﴿ إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أو أجِدُ عَلى النارِ هُدًى ﴾ ﴿ فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى ﴾ ﴿ إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى ﴾ ﴿ وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى ﴾ ﴿ إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ هو تَوْقِيفٌ مُضْمَنُهُ تَنْبِيهُ النَفْسِ إلى ما يُورَدُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَبْدَأُ الرَجُلَ إذا أرَدْتَ إخْبارَهُ بِأمْرٍ غَرِيبٍ فَتَقُولُ: أعَلِمْتَ كَذا وكَذا؟

ثُمْ تَبْدَأُ تُخْبِرُهُ، والعامِلُ في "إذْ" ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَدِيثُ مُوسى ﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وتَقْدِيرِهِ: وهَلْ أتاكَ ما فَعَلَ مُوسى إذْ رَأى نارًا، ونَحْوَ.

هَذا، وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ رَحَلَ مِن مَدْيَنَ بِأهْلِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ وهو يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ طالَتْ مُدَّةُ جِنايَتُهُ هُنالِكَ، فَرَجا خَفاءَ أمْرِهِ، وكانَ - فِيما يَزْعُمُونَ - رَجُلًا غَيُورًا، فَكانَ يَسِيرُ اللَيْلَ بِأهْلِهِ ولا يَسِيرُ النَهارَ مَخافَةَ كَشَفَةِ الناسِ، فَضَلَّ عن طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ نَدِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّهُ فَقَدَ الماءَ فَلَمْ يَدْرِ أيْنَ يَطْلُبُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ - وقَدْ قَدَحَ زَنْدُهُ فَلَمْ يُورِ شَيْئًا - إذْ رَأى نارًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: امْكُثُوا، أيْ أقِيمُوا، وذَهَبَ هو إلى النارِ فَإذا هي مُضْطَرِمَةٌ في شَجَرَةٍ خَضْراءَ يانِعَةٍ، قِيلَ: كانَتْ مِن عُنّابٍ، وقِيلَ: مِن عَوْسَجٍ، وقِيلَ: مِن عُلَيْقَةٍ، فَلَمّا دَنا مِنها تَباعَدَتْ مِنهُ ومَشَتْ، فَإذا رَجَعَ عنها اتَّبَعَتْهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أيْقَنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِن أُمُورِ اللهِ تَعالى الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ونُودِيَ وانْقَضى أمْرُهُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الحَقُّ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أقامَ في ذَلِكَ الأمْرِ حَوَّلًا، ومَكَثَ أهْلُهُ، قالُوا: وهَذا أمْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وضَعِيفٌ في نَفْسِهِ.

و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: أحْسَسْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنْـ ناصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والنارُ عَلى البُعْدِ لا تُحَسُّ إلّا بِالبَصَرِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ اللَفْظَ بِـ "رَأيْتُ"، و"آنَسَ" أعَمُّ مَن رَأى لَأنَّكَ تَقُولُ: آنَسْتُ مِن فُلانٍ خَيْرًا أو شَرًّا.

و"القَبَسُ": الجَذْوَةُ مِنَ النارِ عَلى رَأْسِ العُودِ أوِ القَصَبَةِ أو نَحْوَهُ، و"الهُدى" أرادَ الطَرِيقَ، أيْ: لَعَلِّي أجِدُ ذا هُدًى مُرْشِدًا لِي أو دَلِيلًا وإنْ لَمْ يَكُنْ فَخَبَرًا، و"الهُدى" يَعُمْ هَذا كُلَّهُ، وإنَّما رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هُدى نازِلَتَهُ فَصادَفَ الهُدى عَلى الإطْلاقِ.

وَفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأسْرِها في هَذِهِ السُورَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ  عَمّا لَقِيَ في تَبْلِيغِهِ مِنَ المَشَقّاتِ وكُفْرِ الناسِ، فَإنَّما هي لَهُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ في أمْرِهِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ وحَمْزَةَ "فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا" بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ في القَصَصِ، وكَسَرَ الباقُونَ الهاءَ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ ، الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وقَوْلُهُ: ﴿ نُودِيَ ﴾ كِنايَةٌ عن تَكْلِيمِ اللهِ لَهُ، وفي "نُودِيَ" ضَمِيرٌ يَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلَتْهُ مُوسى إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أنِّي" بِفَتْحِ الألْفِ عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ.

و"نُودِيَ" قَدْ تُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ إنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ أمْرَ بِخَلْعِ النَعْلَيْنِ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَأُمِرَ بِطَرْحِ النَجاسَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذَكِيٍّ، ولَكِنْ أُمِرَ بِخَلْعِها لِيَنالَ بِرَكَةَ الوادِي المُقَدَّسِ وتَمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوادِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنى آخَرَ هو الألْيَقُ بِها عِنْدِي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَهُ أنْ يَتَواضَعَ لِعَظِيمِ الحالِ الَّتِي حَصَلَ فِيها، والعُرْفُ عِنْدَ المُلُوكِ أنْ تَخْلَعَ النَعْلانِ ويَبْلُغَ الإنْسانُ إلى غايَةِ تَواضُعِهِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا تُبالِي كانَتْ نَعْلاهُ مِن مَيْتَةٍ أو غَيْرِها.

وَ ﴿ المُقَدَّسِ ﴾ مَعْناهُ: المُطَهَّرُ، و ﴿ طُوًى ﴾ مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قَدِّسْ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: طَوَيْتُهُ أنْتَ، أيْ سِرْتَ بِهِ، أيْ طُوِيَتْ لَكَ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ مِن ظَنِّكِ.

وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "طَوًى" بِالتَنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَكانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "طَوى" عَلى أنَّهُ اسْمُ البُقْعَةِ، بِدُونِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عن أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طاوِي"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ الوادِي، و"طُوًى" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ ثُنًى وثُنًى، أيْ: مُثْنِيًا.

وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ حَمْزَةَ: "وَأنا اخْتَرْتُكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ تَناسُبُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنا رَبُّكَ ﴾ ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنِّي اخْتَرْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَأنّا اخْتَرْناكَ" بِالجَمْعِ وفَتْحِ الهَمْزَةَ وشَدِّ النُونِ، والآيَةُ عَلى هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا  ﴾ ، ثُمْ قالَ: ﴿ وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ  ﴾ ، فَخَرَجَ مِن إفْرادٍ إلى جَمْعٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: سَمِعَتْ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ "اسْتَمِعْ لِما يُوحى" وقَفَ عَلى حَجَرٍ، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ، وألْقى ذَقَنَهُ عَلى صَدْرِهِ، ووَقَفَ يَسْتَمِعُ، وكانَ كُلُّ لِباسِهِ صُوفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالوادِ المُقَدَّسِ طاوِي".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتَذْكِيرِي فِيها، أو يُرِيدُ: لِأذْكُرَكَ في عِلِّيِّينَ بِها، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - يَحْتَمِلُ الإضافَةَ إلى الفاعِلِ أو إلى المَفْعُولِ، واللامُ لامُ السَبَبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ "لِذِكْرِي" أيْ عِنْدِ ذِكْرِي، أيْ إذا ذَكَرْتَنِي وأمْرِي لَكَ بِها، فاللامُ - عَلى هَذا - بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ  ﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرى"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِذِكْرى" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا ما يوحى المأمور باستماعه، فالجملة بدل من ﴿ ما يوحى ﴾ [طه: 13] بدلاً مطلقاً.

ووقع الإخبار عن ضمير المتكلم باسمه العلَم الدالّ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد.

وذلك أول ما يجب علمه من شؤون الإلهية، وهو أن يعلم الاسم الذي جعله الله علَماً عليه لأن ذلك هو الأصل لجميع ما سيُخاطب به من الأحكام المبلغة عن ربّهم.

وفي هذا إشارة إلى أنّ أول ما يتعارف به المتلاقون أن يعرفوا أسماءهم، فأشار الله إلى أنه عالم باسم كليمه وعلّم كليمه اسمه، وهو الله.

وهذا الاسم هو علم الربّ في اللغة العربية.

واسمه تعالى في اللغة العبرانية (يَهْوهْ) أو (أَهْيَهْ) المذكور في الإصحاح الثالث من سفر الخروج في التوراة، وفي الإصحاح السادس.

وقد ذكر اسم الله في مواضع من التوراة مثل الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر الخروج في الفقرة الثامنة عشرة، والإصحاح الثاني والثلاثين في الفقرة السادسة عشرة.

ولعله من تعبير المترجمين وأكثر تعبير التوراة إنما هو الرب أو الإله.

ولفظ (أهْيَهْ) أو (يَهْوَهْ) قريب الحروف من كلمة إله في العربية.

ويقال: إن اسم الجلالة في العبرانية «لاَهُمْ».

ولعل الميم في آخره هي أصل التنوين في إله.

وتأكيد الجملة بحرف التأكيد لدفع الشك عن موسى؛ نزل منزلة الشاكّ لأن غرابة الخبر تعرّض السامع للشك فيه.

وتوسيط ضمير الفصل بقوله ﴿ إنَّني أنا الله ﴾ لزيادة تقوية الخبر، وليس بمفيد للقصر، إذ لا مقتضى له هنا لأن المقصود الإخبار بأنّ المتكلّم هو المسمى الله، فالحمل حمل مواطاة لا حملُ اشتقاق.

وهو كقوله تعالى: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ [المائدة: 72].

وجملة ﴿ لا إله إلاَّ أنا ﴾ خبر ثان عن اسم (إنّ).

والمقصود منه حصول العلم لموسى بوحدانية الله تعالى.

ثمّ فرع على ذلك الأمر بعبادته.

والعبادة تجمع معنى العمل الدالّ على التعظيم من قول وفعل وإخلاصصٍ بالقلب.

ووجه التفريع أن انفراده تعالى بالإلهية يقتضي استحقاقه أن يُعبد.

وخصّ من العبادات بالذكر إقامة الصلاة لأنّ الصلاة تجمع أحوال العبادة.

وإقامة الصلاة: إدامتها، أي عدم الغفلة عنها.

والذكر يجوز أن يكون بمعنى التذكر بالعقل، ويجوز أن يكون الذكر باللّسان.

واللاّم في ﴿ لِذِكْرِي ﴾ للتّعليل، أي أقم الصلاة لأجل أن تذْكُرني، لأنّ الصلاة تذكّر العبد بخالقه.

إذ يستشعر أنه واقف بين يدي الله لمناجاته.

ففي هذا الكلام إيماء إلى حكمة مشروعية الصلاة وبضميمته إلى قوله تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] يظهر أن التقوى من حكمة مشروعية الصلاة لأنّ المكلّف إذا ذكر أمر الله ونهيه فعل ما أمره واجتنب ما نهاه عنه والله عرّف موسى حكمَة الصلاة مُجملةً وعرّفها محمداً صلى الله عليه وسلم مفصّلة.

ويجوز أن يكون اللام أيضاً للتوقيت، أي أقم الصلاة عند الوقت الذي جعلتُه لذِكري.

ويجوز أن يكون الذكر الذكرَ اللساني لأن ذكر اللسان يحرّك ذكر القلب ويشتمل على الثناء على الله والاعتراففِ بما له من الحق، أي الذي عيّنته لك.

ففي الكلام إيماء إلى ما في أوقات الصلاة من الحكمة، وفي الكلام حذف يعلم من السياق.

وجملة ﴿ إنَّ السَّاعة ءَاتِيَة ﴾ مستأنفة لابتداء إعلام بأصل ثان من أصول الدّين بعد أصل التوحيد، وهو إثبات الجزاء.

والساعة: علَم بالغلبة على ساعة القيامة أو ساعة الحساب.

وجملة ﴿ أكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ في موضع الحال من الساعَةَ، أو معترضة بين جملة وعلّتها.

والإخفاء: الستر وعدم الإظهار، وأريد به هنا المجاز عن عدم الإعلام.

والمشهورُ في الاستعمال أن «كاد» تدلّ على مقاربة وقوع الفعل المخبر به عنها، فالفعل بعدها في حيّز الانتفاء، فقوله تعالى: ﴿ كادُوا يكونون عليه لِبداً ﴾ [الجنّ: 19] يدلّ على أن كونهم لِبَداً غير واقع ولكنه اقترب من الوقوع.

ولما كانت الساعة مخفية الوقوع، أي مخفية الوقت، كان قوله ﴿ أكاد أُخفيها ﴾ غير واضح المقصود، فاختلفوا في تفسيره على وجوه كثيرة أمثلها ثلاثة.

فقيل: المراد إخفاء الحديث عنها، أي من شدّة إرادة إخفاء وقتها، أي يراد ترك ذكرها ولعلّ توجيه ذلك أنّ المكذبين بالساعة لم يزدهم تكرر ذكرها في القرآن إلا عناداً على إنكارها.

وقيل: وقعت ﴿ أكَادُ ﴾ زائدة هنا بمنزلة زيادة كان في بعض المواضع تأكيداً للإخفاء.

والمقصود: أنا أخفيها فلا تأتي إلاّ بغتة.

وتأوّل أبو عليّ الفارسي معنى ﴿ أُخْفِيها ﴾ بمعنى أظهرها، وقال: همزة فالمعنى: أكاد أظهرها، أي أظهر وقوعها، أي وقوعها قريب.

وهذه الآية من غرائب استعمال (كاد) فيضم إلى استعمال نفيها في قوله: ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ في سورة البقرة (71).

وقوله لتجزى} يتعلّق بآتِيَةٌ وما بينهما اعتراض.

وهذا تعليم بحكمة جعل يوم للجزاء.

واللام في ﴿ لِتُجْزى كلُّ نَفْسٍ ﴾ متعلّق بآتِيَةٌ.

ومعنى ﴿ بِمَا تسعى ﴾ بما تعمل، فإطلاق السعي على العمل مجاز مرسل، كما تقدم في قوله: ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ﴾ في سورة الإسراء (19).

وفُرع على كونها آتية وأنها مخفاة التحذيرُ من أن يصدّه عن الإيمان بها قوم لا يؤمنون بوقوعها اغتراراً بتأخر ظهورها، فالتفريع على قوله أكاد أُخفيها } أوقع لأنّ ذلك الإخفاء هو الذي يُشبّه به الذين أنكروا البعث على الناس، قال تعالى: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً ﴾ [الإسراء: 51] وقال: ﴿ وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين ﴾ [الجاثية: 32].

وصيغ نهي موسى عن الصدّ عنها في صيغة نهي من لا يؤمن بالساعة عن أن يصدّ موسى عن الإيمان بها، مبالغة في نهي موسى عن أدنى شيء يحول بينه وبين الإيمان بالساعة، لأنه لما وجّه الكلام إليه وكان النّهي نهي غير المؤمن عن أن يصدّ موسى، عُلم أنّ المراد نهي موسى عن ملابسة صدّ الكافر عن الإيمان بالساعة، أي لا تكن ليّن الشكيمة لمن يصدك ولا تُصْغ إليه فيكون لينك له مجرئاً إياه على أن يصدك، فوقع النهي عن المسبب.

والمراد النهي عن السبب، وهذا الأسلوب من قبيل قولهم: لا أعرفنّك تفعل كذا ولا أرَينّك ههنا.

وزيادة ﴿ واتَّبَعَ هَواه ﴾ للإيماء بالصلة إلى تعليل الصدّ، أي لا داعي لهم للصدّ عن الإيمان بالساعة إلا اتّباع الهوى دون دليل ولا شبهة، بل الدليل يقتضي الإيمان بالساعة كما أشار إليه قوله ﴿ لِتُجزى كلُّ نفسسٍ بما تَسعى ﴾ .

وفرع على النهي أنّه إن صُدّ عن الإيمان بالساعة رَدِيَ، أي هلك.

والهلاك مستعار لأسْوأ الحال كما في قوله تعالى: ﴿ يهلكون أنفسهم ﴾ في سورة براءة (42).

والتفريع ناشئ عن ارتكاب المنهِي لا على النهي، ولذلك جيء بالتفريع بالفاء ولم يقع بالجزاء المجزوم، فلم يقل: تَرْدَ، لعدم صحة حلول (إنْ) مع (لا) عوضاً عن الجزاء، وذلك ضابط صحة جزم الجزاء بعد النّهي.

وقد جاء خطاب الله تعالى لموسى عليه السلام بطريقة الاستدلال على كلّ حكممٍ، وأمرٍ أو نهي، فابتدئ بالإعلام بأنّ الذي يُكلمه هو الله، وأنه لا إله إلاّ هو، ثمّ فرع عليه الأمر في قوله فاعْبُدني وأقِممِ الصلاة لِذِكري}، ثم عقب بإثبات الساعة، وعلل بأنها لتجزى كلّ نفس بما تسعى، ثم فرع عليه النهي عن أن يصده عنها من لا يؤمن بها.

ثم فرع على النهي أنه إن ارتكب ما نهي عنه هلك وخسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ يَعْنِي النّارَ، الَّتِي هو نُورٌ ﴿ نُودِيَ يا مُوسى ﴾ ﴿ إنِّي أنا رَبُّكَ ﴾ وفي هَذا النِّداءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَفَرَّدَ بِنِدائِهِ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ أنْطَقَ النُّورَ بِهَذا النِّداءِ فَكانَ مِن نُورِهِ الَّذِي لا يَنْفَصِلُ عَنْهُ، فَصارَ نِداءً مِنهُ أعْلَمَهُ بِهِ رَبُّهُ لِتَسْكُنَ نَفْسُهُ ويَحْمِلَ عَنْهُ أمْرَهُ فَقَدَّمَ تَأْدِيبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ الآيَةِ.

وَفي أمْرِهِ بِخَلْعِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيُباشِرَ بِقَدَمَيْهِ بِرْكَةَ الوادِي المُقَدَّسِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: لِأنَّ نَعْلَيْهِ كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، قالَهُ كَعْبٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

﴿ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُقَدَّسَ هو المُبارَكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ المُطَهَّرُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وقالَ الشّاعِرُ: وأنْتَ وصُولٌ لِلْأقارِبِ مِدْرَهٌ بَرِيءٌ مِنَ الآفاتِ مَنٌّ مُقَدَّسُ وَفِي ﴿ طُوًى ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن طُوًى لِأنَّهُ مَرَّ بِوادِيها لَيْلًا فَطَواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: سُمِّيَ طُوًى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ناداهُ مَرَّتَيْنِ.

وَطُوًى في كَلامِهِمْ بِمَعْنى مَرَّتَيْنِ؛ لِأنَّ الثّانِيَةَ إذا أعْقَبَتْها الأُولى صارَتْ كالمَطْوِيَّةِ عَلَيْها.

الثّالِثُ: بَلْ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ الوادِيَ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّ مَعْنى طُوًى: طَأِ الوادِي بِقَدَمِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ الِاسْمُ لِلْوادِي قَدِيمًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: فَخَلَعَ مُوسى نَعْلَيْهِ ورَمى بِهِما وراءَ الوادِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وأقِمِ الصَّلاةَ لِتَذْكُرَنِي فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: وأقِمِ الصَّلاةَ بِذِكْرِي؛ لِأنَّهُ لا يُدْخَلُ في الصَّلاةِ إلّا بِذِكْرِهِ.

الثّالِثُ: وأقِمِ الصَّلاةَ حِينَ تَذْكُرُها، قالَهُ إبْراهِيمُ.

وَرَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها)» قالَ تَعالى: ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكادُ أُخْفِيها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ لا أُظْهِرُ عَلَيْها أحَدًا، قالَهُ الحَسَنُ، ويَكُونُ أكادُ بِمَعْنى أُرِيدُ.

الثّانِي: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وهي كَذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ (أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي) ويَكُونُ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَبْعِيدَ الوُصُولِ إلى عِلْمِها.

وَتَقْدِيرُهُ: إذا كُنْتُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي فَكَيْفَ أُظْهِرُها لَكَ؟

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ.

انْقَطَعَ الكَلامُ عِنْدَ أكادُ وبَعْدَهُ مُضْمَرٌ: أكادَ آتِي بِها تَقْرِيبًا لِوُرُودِها، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى.

قالَهُ الأنْبارِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِئٍ البُرْجُمِيِّ: هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ أيْ كِدْتُ أنْ أقْتُلَهُ، فَأضْمَرَهُ لِبَيانِ مَعْناهُ.

الرّابِعُ: أنَّ مَعْنى - أُخْفِيها: أُظْهِرُها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ: فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِيهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ يُقالُ أخْفَيْتَ الشَّيْءَ أيْ أظْهَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ إذا كَتَمْتَهُ، كَما يُقالُ أسْرَرْتَ الشَّيْءَ إذا كَتَمْتَهُ، وأسْرَرْتَهُ إذا أظْهَرْتَهُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أسَرَّ الرُّؤَساءُ النَّدامَةَ عَنِ الأتْباعِ الَّذِينَ أضَلُّوهم.

والثّانِي: أسَرَّ الرُّؤَساءُ النَّدامَةَ.

قالَ الشّاعِرُ: ولَمّا رَأى الحَجّاجَ أظْهَرَ سَيْفَهُ ∗∗∗ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أضْمَرا ﴿ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى وجْهِ القَسَمِ مِنَ اللَّهِ، إنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُجْزى بِما تَسْعى.

الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُجْزى بِما تَسْعى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَتَرْدى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَتَشْقى.

الثّانِي: فَتَنْزِلُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال: كانتا من جلد حمار ميت، فقيل له اخعلهما.

وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه قال: ما بال خلع النعلين في الصلاة؟

إنما أمر موسى بخلع نعليه، إنهما كانا من جلد حمار ميت.

وأخرج عبد بن حميد، عن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال: كان نعلا موسى من جلد حمار ميت، فأراد ربك أن يمسه القدس كله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الزهري في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال: كانتا من جلد حمار أهلي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانت نعلا موسى التي قيل له اخعلهما: من جلد خنزير.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ قال كي تمس راحة قدميك الأرض الطيبة.

وأخرج الطبراني، عن علقمة؛ أن ابن مسعود أتى أبا موسى الأشعري منزله، فحضرت الصلاة فقال أبو موسى رضي الله عنه تقدم يا أبا عبد الرحمن، فإنك أقدم سناً وأعلم.

قال: لا.

بل تقدم أنت، فإنما أتيناك في منزلك، فتقدم أبو موسى رضي الله عنه فخلع نعليه، فلما صلى قال له ابن مسعود: رضي الله عنه لم خلعت نعليك؟

أبالواد المقدس أنت؟

لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الخفين والنعلين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ قال: المبارك ﴿ طوى ﴾ قال: اسم الوادي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بالواد المقدس ﴾ قال: الطاهر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ بالواد المقدس ﴾ قال: واد بفلسطين قدس مرتين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ بالواد المقدس طوى ﴾ يعني الأرض المقدسة، وذلك أنه مر بواديها ليلاً فطوي.

يقال: طويت وادي كذا وكذا، والطاوي من الليل وارتفع إلى أعلى الوادي، وذلك نبي الله موسى عليه السلام.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ قال المبارك: ﴿ طوى ﴾ قال: اسم الوادي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مبشر بن عبيد ﴿ طوى ﴾ بغير نون وادٍ بإيلة زعم أنه طوي بالبركة مرتين.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ طوى ﴾ قال: طا الوادي.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي نجيح رضي الله عنه في قوله: ﴿ طوى ﴾ قال طا الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً.

يقول: من بركة الوادي، هذا قول سعيد بن جبير.

قال: وكان مجاهد رضي الله عنه يقول: ﴿ طوى ﴾ اسم الوادي.

وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بالواد المقدس طوى ﴾ قال: واد قدس مرتين واسمه ﴿ طوى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ طوى ﴾ برفع الطاء وبنون فيها.

وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مكتوب على باب الجنة: إنني أنا الله لا إله إلا أنا لا أعذب من قالها» .

وأخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن أنس رضي الله عنه قال: خرج عمر متقلداً بالسيف لقيه رجل من بني زهرة فقال له: أين تغدو يا عمر، قال: أريد أن أقتل محمداً.

قال: وكيف تأمن بني هاشم وبني زهرة؟

فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك!

قال: أفلا أدلك على العجب؟!

إن أختك وختنك قد صبآ وتركا دينك، فمشى عمرا زائراً حتى أتاهما، وعندهما خباب، فلما سمع خباب بحس عمر، توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم وكانوا يقرأون ﴿ طه ﴾ فقالا: ما عدا حديثاً تحدثنا به.

قال: فلعلكما قد صبأتما.

فقال له خنته: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك؟

فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديداً: فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفخها نفخة بيده فدمى وجهها.

فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه، فقالت أخته: إنك رجس وإنه ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ [ الواقعة: 79] فقم فتوضأ، فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ ﴿ طه ﴾ حتى انتهى إلى ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ﴾ فقال عمر: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر، خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لك- ليلة الخميس- «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بعمر بن هشام» فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه «قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل- عليه السلام- قال: قال الله عز وجل ﴿ إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ﴾ من جاءني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالإخلاص دخل حصني، ومن دخل حصني أمن عذابي» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ قال: إذا صلى عبد ذكر ربه.

وأخرج عبد بن حميد، عن إبراهيم في قوله: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ قال: حين تذكر.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن مردويه، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال أقم الصلاة لذكري» .

وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما قفل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من خيبر أسري ليلة حتى أدركه الكرى، أناخ فعرس ثم قال: يا بلال، أكلأنا الليلة قال: فصلى بلال ثم تساند إلى راحلته مستقبل الفجر، فغلبته عيناه فنام، فلم يستيقظ أحد منهم حتى ضربتهم الشمس، وكان أولهم استيقاظاً النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي بلال فقال بلال: بأبي أنت يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فقال رسول الله:- صلى الله عليه وسلم- اقتادوا ثم أناخ فتوضأ وأقام الصلاة ثم صلى مثل صلاته للوقت في تمكث، ثم قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ » وكان ابن شهاب يقرؤها ﴿ للذكرى ﴾ .

وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن عبادة بن الصامت قال: «سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن رجل غفل عن الصلاة حتى طلعت الشمس أو غربت ما كفارتها؟

قال: يتقرب إلى الله ويحسن وضوءه ويصلي فيحسن الصلاة ويستغفر الله فلا كفارة لها إلا ذلك» إن الله يقول: ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سمرة بن يحيى قال: نسيت صلاة العتمة حتى أصبحت، فغدوت إلى ابن عباس فأخبرته فقال: قم فصلها، ثم قرأ ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا نسيت صلاة فاقضها متى ما ذكرت.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن الشعبي وإبراهيم في قوله: ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ قالا: صلِّها إذا ذكرتها وقد نسيتها.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم قال: من نام عن صلاة أو نسيها، يصلي متى ذكرها عند طلوع الشمس وعند غروبها، ثم قرأ ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ قال: إذا ذكرتها فصلها في أي ساعة كنت.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «أقبلنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الحديبية فنزلنا دهاساً من الأرض- والدهاس الرمل- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: من يكلؤنا؟

قال بلال: أنا، فناموا حتى طلعت عليهم الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افعلوا كما كنتم تفعلون» كذلك لمن نام أو نسي.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي جحيفة قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سفره الذي ناموا فيه، حتى طلعت الشمس ثم قال: «إنكم كنتم أمواتاً فرد الله إليكم أرواحكم، فمن نام عن الصلاة أو نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، وإذا استيقظ» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ فيه وجهان: أحدهما -وهو الذي عليه العامة-: أن معناه أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، كنت في وقتها أو لم تكن (١) وهذا المعنى ما روي أن النبي -  - قال: "من نسي صلاة، أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، إن الله عز وجل يقول: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ " (٢) والثاني: معناه أقم الصلاة لأن تذكرني؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بذكر الله.

وهذا قول الحسن (٣) ومجاهد قال: (إذا صلى عبد ذكر ربه) (٤) (٥) (١) "جامع البيان" 16/ 112، "بحر العلوم" 2/ 338، "النكت والعيون" 3/ 397، "معالم التنزيل" 5/ 267، "زاد المسير" 5/ 275، "ابن كثير" 3/ 160.

(٢) أخرجه البخاري في المواقيت، باب: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها 2/ 70، ومسلم في المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة 1/ 477، والترمذي في الصلاة 1/ 114، وأبو داود في الصلاة 1/ 250، والطبري في "جامع البيان" 16/ 148، والصنعاني في "تفسيره" 1/ 15، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 100.

(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 148، "المحرر الوجيز" 10/ 11، "النكت والعيون" 3/ 397، "الكشاف" 2/ 532، "زاد المسير" 5/ 275، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 177، "التفسير القيم" ص 357.

(٤) "جامع البيان" 16/ 148، "النكت والعيون" 3/ 397، "معالم التنزيل" 5/ 267، "الدر المنثور" 4/ 524.

(٥) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 8.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَقِمِ الصلاة لذكري ﴾ قيل: المعنى لتذكرني فيها، وقيل: لأذكرك بها، فالمصدر على الأول مضاف للمفعول، وعلى الثاني مضاف للفاعل، وقيل: معنى لذكري: عند ذكري كقوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس ﴾ [الإسراء: 178] أي عند دلوك الشمس، وهذا أرجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استدل بالآية: على وجوب الصلاة على الناسي إذا ذكرها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: بإمالة الطاء والهاء.

حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وعباس وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.

وفي الكشاف أن أبا عمرو فخم الطاء لاستعلائها وأمال الهاء.

والآخرون بتفخيمها ﴿ لأهله امكثوا ﴾ بضم الهاء وكذلك في "القصص": حمزة ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر غير ابن مجاهد ﴿ على النار هدى ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وحمزة في رواية ابن معدان وأبي عمر والنجاري عن ورش وأبي عمرو وغير ابراهيم وابن حماد ﴿ أني أنا ربك ﴾ بفتح الهمزة وياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.

بكسر الهمزة وفتح الياء: نافع الباقون: بكسر الهمزة وسكون الياء ﴿ طوى ﴾ منوناً حيث كان: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر ﴿ وإنا اخترناك ﴾ على الجمع: حمزة والمفضل ﴿ لذكري ﴾ ﴿ إني ﴾ ﴿ لي ﴾ ﴿ أمري ﴾ ﴿ عيني ﴾ ﴿ برأسي ﴾ (إني) بفتح الياآت: حمزة والمفضل ونافع وأبو عمرو.

(لي فيها) بالفتح: حفص والمفضل والأعشى والبرجمي والأصبهاني عن ورش مخير ﴿ أخي اشدد ﴾ بفتح الياء موصولة: ابن كثير غير الخزاعي عن ابن فليح وأبو عمرو ﴿ واشدد ﴾ بفتح الهمزة ﴿ وأشركه ﴾ بضمها على التكلم: ابن عامر والباقون بضم الأول وفتح الثاني على الأمر ﴿ سؤلك ﴾ بالواو: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الآخرون بالهمزة.

الوقوف: ﴿ طه ﴾ ه كوفي ومن قال معناه يا رجل أو يا طالب أو يا هادي لم يقف ﴿ لتشقى ﴾ ه للاستثناء ﴿ يخشى ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ تنزيلاً ﴾ بدل ﴿ تذكره ﴾ ﴿ لعلي ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ ﴿ استوى ﴾ ه ﴿ الثرى ﴾ ه ﴿ وأخفى ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ه ﴿ حديث موسى ﴾ ه لئلا يوهم أن "إذ" ظرف للإتيان ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ نعليك ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ طوى ﴾ ه ط إلا لمن قرأ ﴿ إنا اخترناك ﴾ ﴿ بوحي ﴾ ه ﴿ فاعبدني ﴾ ه لا للعطف ﴿ لذكرى ﴾ ه ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ فتردى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ عصاي ﴾ ج لا مكان أن يجعل ﴿ أتوكأ ﴾ مستأنفاً أو حالاً والعامل أضمر أو أشير بناء على أن "هي" بمعنى "هذه".

﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ ولا تخف ﴾ ق لحق السين ﴿ الأولي ﴾ ه ﴿ آية أخرى ﴾ ه لا لتعلق اللام.

﴿ الكبرى ﴾ ه ج للآية والاستئناف بالأمر على أن المقول متصل ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ صدري ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ه لا ﴿ لساني ﴾ ه لا ﴿ قولي ﴾ ص لطول الكلام ﴿ أهلي ﴾ ه لا ﴿ أخي ﴾ ه لا وقف لمن قرأ ﴿ أشدد ﴾ بفتح الهمزة جواباً للدعاء ومن فتح الياء فله الوصل ومن قرأ ﴿ اشدد ﴾ بضم الهمزة فله الجواز لاتساق الدعاء على الدعاء بلا عاطف ﴿ أزري ﴾ ه لا ﴿ أمري ﴾ ه لا لتعلق "كي" ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ه.

التفسير: في ﴿ طه ﴾ قولان للمفسرين: أحدهما أنه من حروف التهجي وقد سلف البحث في أمثالها، والذي زادوه ههنا أمور منها: قول الثعلبي: الطاء شجرة طوبى، والهاء الهاوية وكأنه أقسم بالجنة والنار.

ومنها ما روي عن جعفر الصادق  أن الطاء طهارة أهل الدين والهاء هدايتهم.

وقيل: أراد يا طاهراً من الذنوب ويا هادياً إلى علام الغيوب.

ومنها قول سعيد بن جبير هو افتتاح باسمه الطيب الطاهر الهادي.

قيل: الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة ومعناه: يا أيها البدر.

القول الثاني أنها كلمة مفيدة ومعناها يا رجل.

مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن بير وقتادة وعكرمة والكلبي.

ثم قال سعيد بن جبير بلسان القبطية: وقال قتادة بلسان اليونانية والسريانية.

وقال عكرمة بلسان الحبشة.

وقال الكلبي بلسان عك وهو عك ابن عدنان أخو معد وهو اليوم في اليمن.

وعن الحسن أن طه أمر وأصله طأ أمراً بالوطء فقلبت الهمزة هاء وذلك لما روي أن النبي  كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معاً، ويؤكده ما روي أنه  بالليل حتى اسمعدّت قدماه - أي تورمتا - فقال له جبرائيل: أرفق على نفسك فإن لها عليك حقاً ونزلت ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ أي تتعب بالعبادة ولكنك بعثت بالحنيفية السهلة.

وعند الأكثرين معنى ﴿ لتشقى ﴾ لتتعب بفرط تأسفك عليهم وتحسرك على أن يؤمنوا.

والشقاء يجيء بمعنى التعب ومنه المثل "أشقى من رائض مهر وأتعب".

وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له: إن كل شقي لأنك تركت دين آبائك فرد الله عليهم بأن القرآن هو السبب في نيل كل سعادة.

قال جار الله: إن جعلت ﴿ طه ﴾ تعديد الأسماء الحروف فقوله ﴿ ما أنزلنا ﴾ ابتداء الكلام، وإن جعلته اسماً للسورة فمبتدأ وما بعده خبر وقد أقيم الظاهر - وهو القرآن - مقام الضمير الرابط، وإن جعلته قسماً فما يتلوه جواب وكل واحد من ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ تذكرة ﴾ علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل والثاني جاز قطع اللام عنه لوجود الشرط.

ولا يجوز أن يكون ﴿ تذكرة ﴾ بدلاً من محل ﴿ لتشقى ﴾ لاختلاف الجنسين، فإن التذكرة لا يمكن أن تحمل على الشقاء ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي فيه "إلا" بمعنى "لكن".

وفي قوله ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ إلا تذكرة ﴾ وجه آخر وهو أنه ما أنزلنا عليك القرآن لتتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة أي ما أنزلنا عليك هذا التعب الشاق إلا لهذا الغرض كما يقال: ما شافهناك بذلك الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك.

فانتصب ﴿ تذكرةً ﴾ على أنه حال أو مفعول له، وإذا كانت حالاً جاز أن يكون ﴿ تنزيلاً ﴾ بدلاً منها، وإذا كانت مفعولاً لأجله لم يجز أن يكون ﴿ تنزيلاً ﴾ بدلاً منها لأن الشيء لا يعلل بنفسه، فالإنزال لا يعلل بالتنزيل في الظاهر.

ويجوز أن ينتصب ﴿ تنزيلاً ﴾ بمضمر أي نزل تنزيلاً أو بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنزلناه تذكرةً، أو على المدح والاختصاص، أبو بـ ﴿ يخشى ﴾ مفعولاً به أي أنزله الله تذكرةً لمن يخشى تنزيل الله عز وجلّ أي لمن يؤل أمره إلى الخشية لأنه هو المنتفع به.

ومعنى كون القرآن تذكرةً أنه  كان يعظهم به وببيانه.

﴿ ممن خلق ﴾ متعلق ﴿ بتنزيلاً ﴾ فيكون الظرف لغواً أو بكائناً صفة له فيكون مستقراً.

وفائدة الانتقال إلى الغيبة من لفظ المتكلم حين لم يقل تنزيلاً منا أمور منها: الافتنان في الكلام على عادتهم.

ومنها تنسيق الصفات مع لفظ الغيبة.

ومنها التفخيم بالإسناد أولاً إلى ضمير المتكلم المطاع في ﴿ أنزلناه ﴾ ثم إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد.

وقيل: أنزلنا حكاية كلام جبرائيل فلا التفات.

و ﴿ العلى ﴾ جمع العليا تأنيث الأعلى وفي وصف السموات بها دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها.

ويحصل منه تعظيم شأن القرآن بالضرورة فعلى قدر المرسل يكون حال الرسالة.

ومنه قول الحكماء: عقول الرجال تحت لسان أقلامهم.

وارتفع ﴿ الرحمن ﴾ على المدح على تقدير هو الرحمن، أو هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق.

والبحث في الاستواء على العرش من جانبي المشبهة والموحدة قد مر مشبعاً في "الأنعام" في قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده  ﴾ وفي الأعراف في قوله ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات  ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

ثم أكد كمال ملكه وملكه بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الآية.

عن محمد بن كعب: أن ما تحت الثرى هو ما تحت سبع الأرضين.

وعن السدي: هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة.

وقيل: الثور أو الحوت.

والتحقيق أن الثرى هو التراب الندى وهو ما جاوز البحر من جرم الأرض، فالذي تحته هو ما بقي من جرم الأرض إلى المركز فيحتمل أن يكون هناك أشياء لا يعلمها إلا الله  من المعادن وغيرها، ولا ريب أن الكل لله  .

ثم بيّن كمال علمه بقوله ﴿ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ﴾ فالسر ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك ما أخطرته ببالك،أو السر هذا وأخفى منه ما استسره.

وقيل: أخفى فعل ماضٍ أي يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلم هو.

قلت: هذا المعنى صحيح لأنه  محيط بجميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء قط ولا يحيط به شيء من الأشياء فلا يطلع على غيوبه أحد، إلا أن اللفظ يحصل فيه بشاعة إذا حمل على هذا التفسير فلهذا قال صاحب الكشاف: وليس بذلك وكيف طابق الجزاء الشرط.

وأجيب بأن معناه إن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك.

فإما أن يكون نهياً عن الجهر كقوله ﴿ واذكر ربك في نفسك  ﴾ وإما أن يكون تعليماً للعباد أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر كأن يقتدي غيره به.

ومن فوائد الآية زجر المكلف عن القبائح - ظاهرة كانت أو باطنة - وترغيبه في الطاعات - ظاهرة وباطنة - وقد شرحنا شمة من حقيقة علمه  في تفسيره قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ وفي غير ذلك من المواضع المناسبة، فلنقتصر الآن على ذلك.

ثم ذكر أن الموصوف بالقدرة والعلم على الوجه المذكور لا شريك له وهو الذي يستحق العبادة دون غيره.

واعلم أن مراتب التوحيد أربع: الإقرار باللسان، ثم الاعتقاد بالقلب، ثم تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة، ثم الاستغراق في بحر المعرفة بحيث لا يدور في خاطره سوى الأحد الصمد.

والأول بدون الثاني نفاق، والثاني بدون الأول غير مفيد إلا إذا لم يجد مهلة كما إذا نظر وعرف فمات.

ويروى أن ملك الموت مكتوب في جبهته "لا إله إلا الله" حتى إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك ويؤيده ما روي أنه  قال "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" والإقرار بدون الثالث إيمان المقلد وفيه خلاف مشهور والأصح أنه مقبول، وأما المقام الرابع فهو مقام الصديقين والخاصة من عباد الله، ومبتداه تفريق ونقص وترك ورفض على ما قرره المحققون، وآخره الفناء في الله والبقاء به.

قال النحويون: لا إله إلا الله تقديره لا إله في الوجود إلا الله.

وقال أهل العرفان: معناه لا إله في الإمكان إلا الله.

روي أن موسى بن عمران قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به.

فقال: قل لا إله إلا الله.

فقال: كل عبادك يقول.

فقال: قل لا إله إلا الله.

قال إنما أردت شيئاً تخصني به.

قال: يا موسى لو أن السموات السبع ومن فوقهم في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن "لا إله إلا الله".

والبحث عن أسماء الله  قد سلف في تفسير البسملة، وعن أسمائه الحسنى قد مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى  ﴾ واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: كامل لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو الله تقدس وتعالى، وناقص لا يحتمل الكمال سوى الصورة الكمالية التي جبل عليها كصغيرة الإنسان من المخلوقات وناقص يتقلب بين الأمرين فتارةً يصعد إلى حيث يخبر عنه بأنه ﴿ في مقعد صدق عند مليك مقتدر  ﴾ وتارةً يتسفل إلى أن يقال له ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ والكمال بالحقيقة لما ليس معرض الزوال فلا كمال في الصحة والجاه والمال وإنما الكمال في الانتساب إلى الكبير المتعال، وهو تحقيق نسبة العبدية المنبئة عن عزة الربوبية، وكل منتسب إلى بلد أو قبيلة فإنه يبالغ في مدحها حتى يلزم مدحه بالعرض فيجب على المكلف أن يذكر ربه بالأسماء الحسنى حتى يثبت بذلك شرفه ويحسن ذكره.

إلهنا حسن الاسم دليل حسن المسمى، وحسن المسمى يدل على أنه لا يفعل القبيح ولا يزال مواظباً على الإحسان كما قيل: يا حسن الوجه توق الخنا *** لا تخلطن الزين بالشين فيا حسن الأسماء والصفات لا تردّنا عن خوان إحسانك محرومين.

ذكر أن صياداً اصطاد سمكةً وكانت له بنت فأخذتها وألقتها في البحر وقالت: إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها.

إلهنا تلك المرأة رحمت سمكة بسبب غفلتها ونحن قد اصطادنا إبليس وأخرجنا من بحر رحمتك لغفلتنا فردّنا إلى مقرنا وأنت أرحم الراحمين.

عن محمد بن كعب القرظي أن موسى  قال: يا رب أيّ خلق أكرم عليك؟

قال: الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري.

قال: أيّ خلقك أعلم؟

قال: الذي يلتمس علماً إلى علمه.

قال: وأيّ خلقك أعدل؟

قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس.

قال: وأيّ خلقك أعظم جرماً؟

قال: الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له.

إلهنا إنا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت فهو فضل، وكل ما لا تفعله بنا من الإحسان فهو عدل، فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا.

وعن الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: سيعلم الجمع من أهل الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟

فيقومون فيتخطون رقاب الناس.

ثم يقال: أين الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله؟

ثم ينادي أين الحمادون لله على كل حال؟

ثم تكون التبعة والحساب على من بقي.

إلهي فنحن حمدناك واثنينا عليك بمقدار قدرتنا وطاقتنا، فاعف عنا بفضلك وحسن أسمائك.

وحين عظم شأن القرآن وبيّن حال الرسول  فيما كلف من أعباء الرسالة قفاه بقصة موسى تثبيتاً وتقوية وتسلية.

قال الكلبي: معنى ﴿ وهل أتاك ﴾ أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك الآن فتنبه له.

ويقول المرء لصاحبه: هل بلغك خبر كذا ليتطلع السامع لما يومي إليه.

وعن مقاتل والضحاك عن ابن عباس أن المراد منه تقرر الخبر في قلبه أي قد أتاك ذلك في الزمان المتقدم.

"وإذ" ظرف للحديث لأنه حدث، أو المراد اذكر وقت كذا ومظروفه محذوف أي حين رأى ناراً كان كيت وكيت.

قال أهل السير: استأذن موسى شعيباً عليهما السلام في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله وولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وقدح فصلد زنده، فرأى ناراً من يسار الطريق من بعيد.

قال السدي: ظن أنها من نيران الرعاة.

وقال الآخرون: إنه رآها في شجرة.

واختلفوا أيضاً في أن الذي رآه كان ناراً أم لا.

قالوا: والصحيح أنه كان ناراً ليكون صادقاً في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء.

ويمكن أن يقال: إطلاق اللفظ على ما يشبه مسماه ليس بكذب.

قيل: النار أربعة أقسام: نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا، ونار تشرب ولا تأكل وهو نار الشجر ﴿ جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً  ﴾ ونار تأكل وتشرب وهي نار موسى  .

وبعبارة أخرى نور بلا حرقة وهي نار موسى، وحرقة بلا نور وهي نار جهنم، وحرقة ونور وهي نار الدنيا، ولا حرقة ولا نور وهي نار الأشجار.

﴿ فقال لأهله امكثوا ﴾ إنما جمع لأن أهله جمع وهم المرأة والخادم والولد.

ويجوز أن يخاطب المرأة وحدها ولكن أخرج الخطاب على ظاهر لفظ الأهل فإنه اسم جمع.

وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيماً أي أقيموا في مكانكم فقد ﴿ آنست ناراً ﴾ أي أبصرت إبصاراً لا شبهة فيه أو إبصاراً يؤنس به.

والتركيب يدل على الظهور، ومن ذلك إنسان العين لأنه يظهر الأشياء، ومنه الإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم، ومنه الأنس ضد الوحشة لظهور المطلوب وهو المأنوس به.

قال جار الله: لما وجد الإيناس وكان مقطوعاً متيقناً حققه لهم بكلمة "إن" ليوطن أنفسهم.

ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين بنى الأمر فيهما على الرجاء دون الجزم قائلاً ﴿ لعلي آتيكم ﴾ قال المحققون: فيه دلالة على أن إبراهيم  لم يكذب ألبتة لأن موسى قبل نبوته احترز عن الكذب المظنون فلم يقل "إني آتيكم" لئلا يعد ما لم يستيقن الوفاء به، فإبراهيم وهو أبو الأنبياء أولى بالاحتراز من الكذب الصريح.

والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة ونحوهما.

﴿ وهدى ﴾ على حذف المضاف أي ذوي هدى، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى.

والظاهر أنه أراد قوماً يهدونني الطريق.

وعن مجاهد وقتادة: قوماً ينفعونني بهداهم في أبواب الدين، وذلك أن همم الأبرار معقودة في جميع أحوالهم بالأمور الدينية لا يشغلهم عنها شاغلٌ.

ومعنى الاستعلاء في على النار وهو مفعول ثانٍ لأجد، أو حال من ذوي هدى أن أهل النار يشغلون المكان القريب منها أو المصطلون بها كفنوها قياماً وقعوداً فهم مشرفون عليها وإن كان المكانان مستويين.

﴿ فلما أتاها ﴾ أي أتى النار.

قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً فخاف وبهت فألقيت عليه السكينة، ثم نودي وكانت الشجرة عوسجة.

وقال وهب: ظن موسى أنها أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها، ثم لم يزل تطمعه ويطمع فيها، ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي ﴿ يا موسى ﴾ من قرأ ﴿ أني ﴾ بالفتح فتقديره نودي بأني، ومن قرأ بالكسر فلأن النداء في معنى القول، أو لأن التقدير نودي فقيل يا موسى.

وتكرير الضمير في "أني" ﴿ أنا ربك ﴾ لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة.

روي أنه لما نودي يا موسى قال: من المتكلم؟

فقال الله عزوجلّ: إني أنا ربك.

فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان.

فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي حتى كأن كل جارحة مني صارت أذناً.

وقيل: لعله سمع النداء من جماد كالحصا والشجرة فيكون معجزاً.

وأيضاً إنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث إن الخضرة ما كانت تطفىء تلك النار ولا النار تضر بالخضرة، فعرف أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله.

وجوّز الأشاعرة أن يكون قد خلق الله  علماً ضرورياً بذلك والمعتزلة منعوا منه قالوا إن حصول العلم الضروري بأن ذلك المتكلم هو الله يستلزم العلم الضروري بوجود الصانع لاستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلوماً بالاستدلال، وحصول العلم الضروري بوجود الصانع ينافي التكليف وبالاتفاق لم يخرج موسى عن التكليف.

قال القاضي: إن كانت النبوة قد تقدمت لموسى فلا كلام في حصول هذه الخوارق وإلا وجب أن تكون المعجزات لغيره من الأنبياء في زمانه كشعيب مثلاً.

قال: وهذا أولى لأن قوله ﴿ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ﴾ دليل على أنه أوّل وحي يوحى إليه.

وعند أهل السنة الإرهاص جائز فلم يوجبوا إحالة تلك الخوارق إلى غيره.

وعندهم أن الله  أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت.

والمعتزلة أنكروا وجود ذلك الكلام.

وقالوا: إنه  خلق ذلك النداء في جسم من الأجساد كالشجرة وهو قادر على ذلك.

وأهل السنة مما وراء النهر أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى صوت خلقه الله في الشجرة لأنه  رتب النداء على أنه أتى النار، والمرتب على المحدث.

ومثله استدلال المعتزلة بقوله ﴿ فاخلع نعليك ﴾ على أن كلامه  ليس بقديم لأن الأمر والمأمور معدوم سفه فلا بد أن يكون هذا الأمر عند وجود موسى فيكون محدثاً.

أجابت الأشاعرة بأن كلامه الأزلي ليس بأمر ولا نهي، ولو سلم فأمره بالأزل مستمر إلى أن صار الشخص مأموراً من غير تغير في أمره كالقدرة الأزلية تتعلق بالمقدور الحادث.

وأما الحكمة في الأمر بخلع النعلين قال المفسرون: لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ وهو قول علي ومقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي.

وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد: ليباشر الوادي بقدميه متبركاً به.

وقيل: عظم البقعة عن وطئها إلا حافياً يؤيده قوله ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ .

ومن هنا كره بعضهم الصلاة والطواف في النعل، وكان السلف يطوفون بالكعبة حفاة.

ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه وكان إذا وقع منه ذلك تصدق.

وعلى القول الأول لا يكره إلا إذا كان غير مدبوغ.

"وقد صلى النبي  في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: ما لكم خلعتم نعالكم؟

قالوا: خلعت فخلعنا.

قال: فإن جبرائيل أخبرني أن فيهما قذراً" .

يروى أن موسى خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي.

قال الجوهري ﴿ طوى ﴾ بكسر الطاء وضمها اسم موضع بالشأم.

فمن صرفه جعله اسم واد ومكان، ومن لم يصرفه جعله اسم بقعة.

وقال بعضهم.

طوى بالضم مثل طوى وهو الشيء المثنى أي طوى مرتين أي قدس.

وقال الحسن: ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين، ويحتمل أن يراد نودي نداءين.

وقيل: طوى مصدر كهدى ومعناه العلى.

وعن ابن عباس أنه مر بذلك الوادي ليلاً فطواه فكان المعنى بالواد المقدس الذي طويته طياً أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه.

﴿ وأنا أخترتك ﴾ اصطفيتك للنبوة.

قيل: فيه دلالة على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق وإنما هي ابتداء عطية من الله.

وفي هذه الأخبار غاية اللطف والرحمة ولكن في قوله ﴿ فاستمع ﴾ نهاية الجلال والهيبة ففي الأول رجاء وفي الثاني خوف كأنه قال: جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل جميع همتك مصروفة إليه.

﴿ لما يوحى ﴾ أي للذي يوحى أو للوحي متعلق بـ ﴿ استمع ﴾ أو بـ ﴿ اخترتك ﴾ ثم قال ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ ورتب عليه ﴿ فاعبدني ﴾ ليعلم أن عبادته إنما لزمت لإلهيته ومن هنا قال العلماء: إن الله معناه المستحق للعبادة.

قال الأصوليون: تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ولكن عن وقت الخطاب جائز لأنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفيتها.

وأيضاً قال ﴿ وأقم الصلاة ﴾ ولم يبين هيئاتها.

أجاب القاضي عن هذا الأخير بأنه لا يمتنع أن موسى  قد عرف الصلاة التي تعبد الله بها شعيباً وغيره من الأنبياء، فكان الخطاب متوجهاً إلى ذلك، وزيف بأن حمل الخطاب متوجهاً على التأسيس أولى قال: قد بين له ولكن لم يحك الله  سوى هذا القدر.

ورد بأن البيان أكثر فائدة من المجمل، فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية.

ولقائل أن يقول: سلمنا أن المبين أكثر فائدةً للمخاطب، ولكن لا نسلم أن حكاية المبين أولى فلعل حكاية المجمل تكفي لغيره لصيرورة بعض هيئات ذلك التكليف منسوخاً وإن كان أصله باقياً.

وفي قوله ﴿ لذكري ﴾ وجوه.

لأن اللام إما بمعنى الوقت أو هي للتعليل.

والذكر إما بالجنان أو هو ضد النسيان.

وياء المتكلم فاعل في الأصل أو مفعول.

وهل يحتمل الكلام تقدير مضاف أم لا؟.

ولمثل هذه الاعتبارات تعددت الوجوه فمنها: أن اللام للتعليل والياء منصوب أي لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلى لي، أو أراد لتذكرني في الصلاة لاشتمالها على الأذكار.

عن مجاهد: والفرق أن إطلاق الذكر على العبادة والصلاة في الأول حقيقة شرعية، وفي الثاني مجاز.

أو نقول: في الأول تكون نفس الصلاة مطلوبة بالذات، وفي الثاني تكون مطلوبة بعرض الذكر، أو أراد لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري.

ومنها أن المضاف مع ذلك محذوف أي لإخلاص ذكري وطلب وجهي.

ومنها أن الياء فاعل أي لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالمدح والثنا وأجعل لك لسان صدق.

ومنها أن اللام للوقت كقولك "جئتك لوقت كذا" أي لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة.

ومنها أن يحمل الذكر على ضد النسيان أي لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في كونهم رطاب اللسان في جميع الأحيان بذكر مولى الأنعام ومولى الإحسان ﴿ رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله  ﴾ وأراد ذكر الصلاة بعد نسيانها وكان حق العبارة أن يقال لذكرها كقوله  "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فلعل المضاف محذوف أي لذكر صلاتي، أو ذكر الصلاة هو ذكر الله فالياء في الأصل منصوب، أو الذكر والنسيان من الله عز وجلّ في الحقيقة فلياء فاعل.

قال الشافعي: من فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء ولو ترك الترتيب جاز.

ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة فإن كان في الوقت سعة يستحب أن يبدأ بالفائتة، وإن بدأ بصلاة الوقت جاز إلا إذا ضاق الوقت فإنه يجب الابتداء بصلاة الوقت، وإن تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها.

وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يتزيد على صلاة يوم وليلة حتى لو تذكر خلال صلاة الوقت بطلت إلا أن يكون الوقت ضيقاً فلا تبطل.

حجة الشافعي ما روي في حديث قتادة أنهم ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس فأمرهم النبي  أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها، ولو كان وقت الانتباه متعيناً للصلاة لما فعل كذلك.

نعم إنه وقت لتقرير الوجوب عليه ثم الوقت موسع بعد ذلك.

حجة أبي حنيفة قوله  ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ وقوله  "فليصلها إذا ذكرها" وفي حديث جابر أن عمر جاء إلى النبي  يوم الخندق يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس.

فقال النبي  : " وأنا والله ما صليتها بعد." قال: فنزل في البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها.

وأما القياس فهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة ومزدلفة.

فلما لم يجز إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون كذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة، وأما إذا دخل في حد الكثرة فيسقط هذا الترتيب.

ثم لما أمر موسى بالعبادة عامة وبالصلاة التي هي أفضلها خاصة علل ذلك بقوله ﴿ إن الساعة آتية ﴾ .

سؤال: "كاد" نفيه إثبات وإثباته نفي.

فقوله ﴿ أكاد أخفيها ﴾ يكون معناه لا أخفيها وهو باطل لقوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة  ﴾ ولأن قوله.

﴿ لتجزى كل نفس ﴾ إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار إذ لو كان المكلف عارفاً وقت القيامة وكذا وقت الموت اشتغل بالمعاصي إلى قريب من ذلك الوقت ثم تاب فيكون إغراء على المعصية.

والجواب لا نسلم أن "كاد" إثباته نفي وإنما هو للمقاربة فقط.

والباقي موكول إلى القرينة.

ولئن سلم فالمراد بعدم الإخفاء إخباره بأنها آتية وإن كان وقتها غير معين كأنه قال: أكاد لا أقول هي آتية لفط إرادة الإخفاء ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به.

وبالغ بعض المفسرين في هذا المعنى فقال: أراد أكاد أخفيها من نفسي أي لو صح إخفاؤها من نفسي لأخفيتها مني وأكدوا ذلك بأنهم وجدوه في مصحف أبيّ كذلك.

فقال قطرب: هذا على عادة العرب في المخاطبة إذا بالغوا في كتمان الشيء قالوا: كتمته من نفسي.

وقيل: "كاد" من الله واجب وأراد أنا أخفيها من الخلق كقوله ﴿ عسى أن يكون قريباً  ﴾ أي هو قريب قاله الحسن.

وعن أبي مسلم أن "أكاد" بمعنى أريد كقوله ﴿ كذلك كدنا ليوسف  ﴾ ومنه قولهم "لا أفعل ذلك ولا أكاد" أي لا أريد أن أفعله.

وقيل: أكاد صلة والمعنى أن الساعة آتية أخفيها.

وقال أبو الفتح الموصلي: الهمزة للإزالة أي أكاد أظهرها معناه قرب إظهارها كقوله ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ ومثله ما روي عن أبي الدرداء وسعيد بن جبير أخفيها بفتح الهمزة من خفاه إذا أظهره.

وقوله ﴿ لتجزى ﴾ متعلق ﴿ بأخفيها ﴾ كما قلنا أو بـ ﴿ آتية ﴾ ، فلولا القيامة لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء وذلك خلاف قضية العدالة والحكمة.

واحتجاج المعتزلة بالآية ظاهر لأنه قال ﴿ بما تسعى ﴾ أي بسعيها.

فلو لم يكن أعمال العباد بسعيهم لم يصح هذا الإسناد، ولو لم يكن الثواب مستحقاً على العمل لم يكن لباء السببية معنى والجواب أن اعتبارها الوسط لا ينافي انتهاء الكل إلى الله، واستناد الجزاء إلى عنايته الأزلية التي لا علة لها.

ومعنى الفاء في ﴿ فلا يصدّنك ﴾ أنه إذا صح عندك أني أخبرتك بإتيان الساعة فلا تلتفت إلى قول المخالف الذي يصدك عن التصديق بالساعة، لأن قوله ناشىء عن الهوى واتباعه.

وجوّز أبو مسلم أن يكون الضمير في ﴿ عنها ﴾ للصلاة.

والعرب تذكر شيئين لم ترمي بضميرهما إلى السامع اعتماداً على أنه يرد كلاً منهما إلى ما هو له، وزيف بأن هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة هنا.

وأما الخطاب فالظاهر أنه لموسى لأن الكلام أجمع معه.

وجوّز بعضهم أن يكون لنبينا  والمقصود الأمة، والنهي عن الصد في الظاهر لمن لا يؤمن بالساعة وهو بالحقيقة نهي لموسى عن التكذيب.

والوجه فيه أن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، أو صدّ الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب كأنه قيل: كن في الدنيا صلباً حتى لا يطمع في إغوائك الكافر.

والذي دعا إلى هذا النهي البالغ في معناه هو أن في المبطلين والجاحدين كثرة وهي مزلة قدم فعلى المرء أن يكون مع المحقين وإن قلوا لا مع غيرهم وإن كثروا.

وفيه حث بليغ على العمل بالدليل وزجر قويّ عن التقليد وإنذار بأن الردى والهلاك مع اتباع الهوى.

وههنا استدل الأصوليون على شرف علمهم ووجوب تعلمه كيلا يتمكن الخصم من تشكيكه.

وزعم القاضي أن في نسبة الصد إلى الكافر بالبعث دليلاً على أن القبائح إنما تصدر عن العباد.

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

قال أهل التحقيق: قوله أوّلاً لموسى ﴿ اخلع نعليك ﴾ إشارة إلى التخلية وتطهير لوح الضمير عن الأغيار وما بعده إشارات إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيلة.

وأصول ذلك ترجع إلى علم المبدأ وهو قوله ﴿ إني أنا الله ﴾ وإلى علم الوسط وهو قوله ﴿ فاعبدني ﴾ وإنه مشتمل على الأعمال الجسمانية.

وقوله ﴿ لذكري ﴾ وهو مشتمل الأعمال الروحانية وإلى علم المعاد وذلك قوله ﴿ إن الساعة آتية ﴾ .

وأيضاً إنه افتتح الخطاب بقوله ﴿ وأنا اخترتك ﴾ وهو غاية اللطف، وختم الكلام بقوله ﴿ فلا يصدّنك ﴾ إلى آخره وهو قهر تنبيهاً على أن رحمته سبقت غضبه، وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف.

قوله ﴿ وما تلك ﴾ مبتدأ وخبر و ﴿ بيمينك ﴾ حال منتصب بمعنى الإشارة أو الاستفهام.

وجوّز الكوفيون أن يكون ﴿ تلك ﴾ اسماً موصولاً صلته ﴿ بيمينك ﴾ أي ما التي بيمينك.

قيل: لم يقل بيدك لأنه يحتمل أن يكون في يساره خاتم أو شيء آخر وكان يلتبس عليه الجواب.

أسئلة: ما الفائدة في هذا السؤال؟

جوابه أن الصانع الماهر إذا أراد أن يظهر من الشيء الحقير كقطعة من حديد شيئاً شريفاً كاللبوس المسرد عرضه على الحاضرين ويقول ما هذا حتى إنه بعد إظهار صنعته يلزمهم بقولهم ويقول: خذوا هذا من ذلك الذي قلتم فكأنه  قال لموسى: هل تعرف حقيقة ما في يمينك وأنه خشبة يابسة حتى إذا قلبه ثعباناً عظيماً كان قد نبهه على كمال قدرته الباهرة.

وقال أهل الخطابة: إنه  لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه ممازجاً باللطف والقهر والتكاليف تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له ﴿ وما تلك بيمنك يا موسى ﴾ ليعرف موسى أن يمينه هي التي فيها العصا.

وأيضاً إنه لما تكلم معه بالكلم الإلهية وقرب موسى أن يدهش تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة لا لأن المسؤول عنه مما يقع فيه الغلط كما أن السائل لا يجوز عليه الغلط نظيره حال المؤمن في القبر يغلبه الوجل والخجل فيسأل عن أمر لا يشك فيه في الدنيا وهو التوحيد دفعاً للإيحاش وجلباً للاستئناس.

وأيضاً لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية فسأله عن منافع العصا فذكر ما ذكر، فعرّفه الله  أن فيها منافع أجل مما ذكر تنبيهاً على أن عقول البشر قاصرة عن خفيات الأمور لولا التوفيق والإرشاد.

آخر: خاطب موسى بلا واسطة خاطب محمداً  بواسطة جبرائيل، فيلزم أن يكون موسى أفضل.

وجوابه المنع بدليل ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وبيان الأفضلية أن كلامه مع موسى لم يكن سراً وكلامه مع محمد سر لم يستأهل له سواه.

وأيضاً حصل لأمته في الدنيا شرف التكليم؛ المصلي يناجي ربه، وفي الآخرة شرف التسليم والتسليم ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ  ﴾ .

وأيضاً إن موسى كان عند استغراقه في بحر المحبة متعلقاً بالعصا ومنافعها، ومحمد  لم يلتفت إلى الكونين حين عرضا عليه ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ بل كان فانياً عن الأغيار باقياً بالواحد القهار ولهذا لم يزد في الثناء حينئذٍ على قوله "أنت كما أثنيت على نفسك" وههنا نكت منها: أنه  لما أشار إلى العصا واليد بقوله ﴿ وما تلك بيمينك يا موسى ﴾ حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز ماهر فصار أحدهما - وهو الجماد - حيواناً والآخر - وهو الكثيف - نورانياً لطيفاً.

ثم إنه  ينظر في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم حياً مستنيراً.

ومنها أن العصا صارت بين يمين موسى حياً فكيف لا يصير قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن حياً!

ومنها أن العصا بإشارة واحدة صارت بحيث ابتلعت سحر السحرة كلهم فقلب المؤمن أولى أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء.

ثم إن جواب موسى  يتم بقوله ﴿ هي عصاي ﴾ إلا أنه زاد على ذلك لأنه كان يحب المكالمة وكان المقام مقام انبساط وقرب فاغتنم الفرصة وجعل ذلك كالوسيلة إلى درك الغرض.

وقيل: هو جواب سؤال آخر كأنه سئل فما تصنع بها فأخذ في ذكر منافعها.

وقيل: خاف أن ينكر عليه استصحاب العصا كالنعلين.

ومعنى ﴿ أتوكأ عليها ﴾ أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة والتركيب يدور على الشد والإيثاق.

﴿ وأهش بها ﴾ أي أخبط الورق بها على رؤوس غنمي لتأكله.

والتركيب يدل على الرخاوة واللين ومنه "رجل هش المكسر" أي سهل الشأن فيما يطلب من الحوائج وهو مدح "وهش الخبز" يهش بالكسر إذا كان ينكسر لرخاوته.

قال المحققون: إن موسى  كان يتوكأ على العصا ومحمد  كان يتكل على فضل الله ورحمته قائلاً مع أمته ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل  ﴾ فورد في حقه ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ أي حسبك وحسب من اتبعك.

وأيضاً إنه بدأ بمصالح نفسه في قوله ﴿ أتوكأ عليها ﴾ ثم بمصالح رعيته بقوله ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ ومحمد  لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر أمته ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" فلا جرم يقول موسى يوم القيامة "نفسي نفسي" ومحمد يقول "أمتي أمتي".

ثم قال ﴿ ولي فيها مآرب ﴾ هي جمع المأربة بضم الراء الحاجة وقد تفتح الراء.

وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضاً ومثله الأرب بفتحتين والإربة بكسر الهمزة وسكون الراء.

وإنما قال ﴿ أخرى ﴾ لأن المآرب في معنى جماعة ونظيره الأسماء الحسنى.

ومن آياتنا الكبرى قالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فتطول مكالمته وقالوا: انقطع بالهيبة كلامه فأجمل.

وقيل: في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والجراب وغيرها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل، وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه.

وقيل: إن موسى  كان أحس بأنه  إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة فقال: إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها ولكنك لما سألت عنها وكلمتني بسببها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى.

وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين بالليل.

وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام.

قلت: هذه الخوارق إن كانت بعد نبوة موسى فلا كلام، وإن كانت قبلها ففي صحة الرواية بُعْدٌ وإلا كان الأنسب تقديمها عند تعدد المنافع.

وعلى تقدير صحتها فلعلها إرهاص أو من معجزات شعيب على ما يروى أنه كان قد أعطاها إياه.

قال أهل النكت: إن موسى لما قال ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ أراد الله  أن يعرّفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها و ﴿ قال ألقها يا موسى ﴾ وبوجه آخر كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا، والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب، فأمر بتركهما تنبيهاً على أن السالك ما دام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلاً بنفسه وطالباً لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان.

وفيه أن موسى  مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن له الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا، فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه؟!

قال الكلبي: الاستطاعة قبل الفعل لأن القدرة على إلقاء العصا إما أن توجد والعصا في يديه فذاك قولنا، أو توجد وهي خارجة عن يده وذلك تكليف بأنه يلقي من يده ما ليس في يده.

ويمكن أن يجاب بأن القدرة مع إلقاء العصا.

قوله ﴿ فإذا هي حية تسعى  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ وفي آخر ﴿ كأنها جان  ﴾ عبارات عن معبر واحد لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والعظيم.

وأما الثعبان - وهو العظيم من الحيات - والجان - وهو الدقيق منها - فبينهما تنافٍ في الظاهر لا في التحقيق، لأنها حين انقلابها كانت تكون حية صفراء دقيقة كالجان، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى يصير ثعباناً آخر الأمر.

أو أنها كانت في شخص ثعبان وسرعة حركة الجان ولهذا وصفها بالسعي وهو المشي بسرعة وخفة حركة.

والعجب أن موسى قال ﴿ أتوكأ عليها ﴾ فصدّقه الله  في ذلك وجعلها متكئاً له بأن كانت أعظم معجزاته.

وإنما قلبها حية في ذلك الوقت لتكون معجزة لموسى  يعرف بها نبوة نفسه فإن النداء والنور والكلام لم يكن في ظهور الدلالة كهذه، ولأن توالي المعجزات كتتابع الخلع والكرامات.

وأيضاً لأنه عرضها عليه ليشاهدها ويوطن نفسه عليها حتى لا يخافها عند عدوّه؛ فالولي يستر العيوب والعدوّ يبرز المناقب في صورة المثالب، فكيف إذا وجد مجال طعن وقدح؟!

وقد مر في "الأعراف" أن الحية كان لها عرف كعرف الفرس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، فلما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفار ما يملك البشر عند الأهوال حتى ذهل عن الدلائل وأخذ يفر، ولو أنه بلغ حينئذٍ مقام ﴿ ففروا إلى الله  ﴾ لم يفر عن شيء.

او لعله لما حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله  أنه بعد في نقص الإمكان ولم يفاوت عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من الله وحده.

فقد روي أنه لما قال له ربه: ﴿ لا تخف ﴾ بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها، قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري: ذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة.

وعن بعضهم أنه خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها.

قلت: يحتمل أن يكون خوف موسى وهجره إياها من فوات المنافع المعدودة ولهذا علل عدم خوفه بقوله ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال جار الله: السيرة من السير كالركبة من الركوب.

يقال: سار فلان سيرة حسنة.

ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة ومنه سير الأولين، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي في طريقتها الأولى حال ما كانت عصاً، أو يكون أعاد منقولاً بالهمزة من عاده بنزع الخافض بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين، أو يكون المراد بالإعادة الإنشاء ثانياً.

ونصب ﴿ سيرتها ﴾ بفعل مضمر في موضع الحال أي سنعيدها تسير سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.

ثم قوى أمره بمعجزة ثانية فقال ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ يقال: لكل ناحيتين جناحان ومنه جناحا العسكر وجناحا الإنسان لجنبهما.

والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران أي يميلهما.

فقيل: المراد بالآية تحت العضد بدليل قوله ﴿ تخرج ﴾ وعن ابن عباس: معناه إلى صدرك.

وضعف بأنه لا يطابقه قوله ﴿ تخرج ﴾ قلت: لا شك أن الصدر مستور بالقميص فيظهر عند ذلك معنى الخروج ويفسره قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك  ﴾ والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوءة.

والبرص أبغض شيء عند العرب بحيث تمجه أسماعهم فكان جدير بأن يكنى عنه.

ومعنى ﴿ بيضاء ﴾ أنها تنور كشعاع الشمس.

قال في الكشاف: من غير سوء من صلة البيضاء كما تقول: ابيضت من غير سوء.

قلت: لعله أراد أن "من" للتعليل أي ليس البياض هو السوء وإنما السبب غيره وحقيقته ترجع إلى الابتداء.

و ﴿ بيضاء ﴾ و ﴿ آية ﴾ حالان معاً أو متداخلتان.

واحتمل أن ينتصب آية بمضمر يدل عليه الكلام نحو "خذ ودونك".

وقوله ﴿ لنريك ﴾ إما أن يتعلق بهذا المحذوف أو بمحذوف آخر أي لنريك ﴿ من آياتنا ﴾ فلعنا ما فعلنا.

ولا يبعد عندي أن يتعلق بالأمرين المذكورين أي ﴿ ألقها ﴾ و ﴿ اضمم ﴾ لنريك قال الحسن: اليد في الإعجاز أعظم من العصا لأنه  وصفها بالكبرى.

وضعف بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون وأما في العصا ففيه تغير اللون والزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة، فالمراد لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى.

وجوز في الكشاف أن يكون المراد لنريك بهما الكبرى من آياتنا.

ويرد عليه لزوم أن تكون الآيات الكبرى منحصرة فيهما وليس كذلك فإن معجزات نبينا محمد  أكبر من الكل، وكفاك بالقرآن شاهداً على ذلك.

ثم صرح بالمقصود من المعجزات فقال ﴿ اذهب إلى فرعون ﴾ وخصه بالذكر لأن قومه تبع له.

ثم بين العلة في ذلك فقال ﴿ إنه طغى ﴾ وعن وهب أن الله  قال لموسى: استمع كلامي واحفظ وصيتي برسالتي فإنك بعيني وبسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر تقديسي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار شديدة، ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي وقل له قولاً ليناً لا يغتر بلباس الدنيا، وإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي في كلام طويل.

قال: فسكت موسى سبعة أيام ثم جاءه ملك فقال له: أجب ربك فيما أمرك فعنده ﴿ قال رب اشرح لي صدري ﴾ قال علماء المعاني: أنهم أولاً بقوله ﴿ ربي اشرح لي ﴾ ﴿ ويسر لي ﴾ فعلم أن ثمة مشروحاً وميسراً.

ثم بين فرفع الإبهام بذكر الصدر والأمر وكان أوكد من جهة الإجمال.

ثم التفصيل كان في صدر موسى ضيق كما جاء في موضع آخر ﴿ ويضيق صدري  ﴾ فسأل الله أن يبدل الضيق بالسعة حتى يفهم ما أنزل عليه من الوحي.

وقيل: أراد شجعني على مخاطبة فرعون وعلى تحمل أعباء الرسالة.

واعلم أن الكلام في الدعاء وشرائطه وفوائده وسائر ما يتعلق به قد سبق منا في "البقرة" في تفسير قوله  ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ .

ولنذكر ههنا نكتاً شريفة: الأولى أنه  كامل في الأزل إلا أنه غير مكمل في الأزل لأن التكميل هو جعل الشيء كاملاً ولا شيء معه في الأزل فلا تكميل، وذلك كما يقال: "إنه  لا يعلم عدداً مفصلاً لحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو متناه وحركات أهل الجنة غير متناهية فامتنع ذلك لا لقصور في العلم بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول.

ولما كان الغرض من التكوين تكميل الناقصين، وكان الوجود أول صفة من صفات الكمال أجلس الله  على هذه المائدة بعض المعدومات، لأنه لو أجلس الكل عليها لدخل في الوجود ما لا نهاية له، ولانتهت القدرة الذاتية لامتناع إيجاد الموجود.

وكما أن رحمته اقتضت وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون بعض حتى صار ذلك البعض حياً مدركاً للمنافي والملائم واللذة والألم والخير الشر فقال: الأحياء عند ذلك يا رب الأرباب شرفتنا بخلعة الوجود وخلعة الحياة، ولكن ازدادت حاجتنا لأنا - حال العدم وحال الجمادية - ما كنا نحتاج إلى الملائم والمخالف والموافق، وما كنا نخاف المنافي والمؤذي، والآن احتجنا إلى طلب الملائم ودفع المنافي، فإن لم يكن لنا قدرة على الهرب والطلب كنا كالزمن المعقد في الطريق عرضة للآفات وهدفاً لسهام البليات، فاقتضت الرحمة الكاملة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص بعض المعدومات بالوجود وتخصيص بعض الموجودات بالحياة فقال: القادرون عند ذلك: إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا للبهائم المسخرة في حمل الأثقال، فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلوقاتك.

فأعطى بعضهم العقل فحصل في أرواحهم نور البصيرة وجوهر الهداية ختامه مسك كما أن خاتم النبيين  كان أفضل المخلوقات، فنظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالحقة المملوءة من الجواهر بل كسماء مزينة بالزواهر وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بداية العقول وصرائح الأذهان، يهتدي بها السائرون في ظلمات بر الشكوك وبحر الشبهات، فاستدل العقل بتلك الأرقام على راقم، وبتلك النقوش على نقاش، فغلبته دهشة الأنوار الأزلية وكاد يغرق في بحر الفكر، ويضيق عليه نطاق التأمل والتدبر، ويقع في تجاذب أيدي الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الجن والإنس فعند ذلك قال: ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ فانتهاء جميع الحوادث اليه وتيسير الأمور الكلية والجزئية من عنده، وهو الذي يعطي القابل قابليته والفاعل فاعليته.

الثانية: إنه  خاطبه أولاً بالتوحيد ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وثانياً بالعبادة ﴿ فاعبدني ﴾ وثالثاً بمعرفة المعاد ﴿ إن الساعة آتية ﴾ ورابعاً بمعرفة الحكمة في جملة أفعاله ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وخامساً بعرض المعجزات الباهرة عليه ﴿ لنريك من آياتنا الكبرى ﴾ وسادساً بإرساله إلى أعظم الناس كفراً وكانت هذه التكاليف الشاقة سبباً لضيق العطن وانحلال عقدة الصبر فلا جرم تضرع إلى الله  قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ وههنا دقيقة هي أن شرح الصدر.

مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب، والاستماع مقدّمة الفهم.

ولما أعطى موسى المقدّمة بقوله ﴿ فاستمع ﴾ نسج موسى على ذلك المنوال فقال ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ ولما آل الأمر إلى محمد وكان خاتم النبيين ومقصوداً من الكائنات ومخاطباً بقوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ أوتي النتيجة فقيل له ﴿ وقل ربي زدني علماً  ﴾ ووصف بقوله ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فشرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلاً للنور، والسراج المنير هو المعطي للنور: فالتفاوت بين موسى ومحمد عليهما السلام هو التفاوت بين الآخذ والمعطي ولهذا قال موسى: اللهم اجعلني من أمة محمد.

الثالثة: إنه  ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور أحدهما وصف ذاته بالنور ﴿ الله نور السموات والارض  ﴾ وثانيهما الرسول ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  ﴾ وثالثهما الكتاب ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه  ﴾ ورابعها الإيمان ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله  ﴾ وخامسها عدل الله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وسادسها ضياء القمر ﴿ جعل القمر فيهن نوراً  ﴾ وسابعها النهار ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ وثامنها البينات ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور  ﴾ وتاسعها الأنبياء ﴿ نور على نور  ﴾ وعاشرها المعرفة ﴿ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح  ﴾ فكأن موسى  قال أوّلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بمعرفة أنوار جلال كبريائك.

وثانياً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك.

وثالثاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك.

ورابعاً ﴿ رب أشرح لي صدري ﴾ بنور الإيمان والإيقان بالهتيك.

وخامساً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك.

وسادساً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلالك وعزتك كما فعله إبراهيم صلوات الرحمن عليه.

وسابعاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ عن مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك.

وثامناً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمائك.

وتاسعاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ في أن أكون خلف صدق أنبيائك المتقدمين متشبهاً بهم في الانقياد لحكم رب العالمين.

وعاشراً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بأن تجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح.

الرابعة: شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج، ومستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء: زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن.

فالزند زند المجاهد ﴿ والذين جاهدوا فينا  ﴾ والحجر حجر التضرع ﴿ وادعوا ربكم تضرعاً وخيفةً  ﴾ والحراق منع الهوى ﴿ ونهى النفس عن الهوى  ﴾ والكبريت الإنابة ﴿ وأنيبوا إلى ربكم  ﴾ والمسرجة الصبر ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ والفتيلة الشكر ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم  ﴾ والدهن الرضا ﴿ واصبر لحكم ربك  ﴾ ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب المقصود من حضرة ربك بالتضرع والدعاء قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ فهنالك تسمع ﴿ قد أوتيت سؤلك يا موسى ﴾ .

الخامسة: هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه أحدها: الشمس يحجبها الغيم، وشمس المعرفة لا تحجبها السموات السبع ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب  ﴾ وثانيها الشمس تغيب ليلاً وشمس المعرفة لا تغيب ليلاً ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً  ﴾ ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ الليل للعاشقين ستير ياليت أوقاته تدوم وعند الصباح يحمد القوم السرى.

وثالثها الشمس تفنى ﴿ إذا الشمس كورت  ﴾ والمعرفة لا تفنى ﴿ أصلها ثابت وفرعها في السماء  ﴾ ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ  ﴾ ورابعها الشمس إذا قارنها القمر انكسفت وشمس توحيد المعرفة وهي "أشهد أن لا إله إلا الله" إذا لم تقرن بقمر النبوة وهي "أشهد أن محمداً رسول الله  " لم يصل نور إلى عالم الجوارح.

وخامسها الشمس تسود الوجه والمعرفة تبيض الوجوه ﴿ يوم تبيض وجوه  ﴾ وسادسها الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الإحراق "جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" وسابعها الشمس تصدع والمعرفة تصعد ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب  ﴾ وثامنها الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في الدارين ﴿ فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ وبوجه آخر الشمس زينة لأهل الأرض، والمعرفة زينة لأهل السماء.

وتاسعها الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى، وفيه أن الخيبة مع الترفع والشرف مع التواضع.

وعاشرها الشمس تعرّف أحوال الخلق، والمعرفة تصل القلب إلى الخالق.

والشمس تقع على الولي والعدوّ والمعرفة لا تحصل إلا للولي، ولما كان شرح الصدر الذي هو أول مراتب الروحانيات أشرف من أعلى مراتب الجسمانيات بدأ موسى بطلبه قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

السادسة: الشمس سراج أوقدها الله  للفناء ﴿ كل من عليها فان  ﴾ والمعرفة سراج استوقده للبقاء ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت  ﴾ والذي خلقه للفناء إذا قرب منه الشيطان احترق ﴿ يجد له شهاباً رصداً  ﴾ والذي خلقه للبقاء كيف يقرب منه الشيطان ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وأيضاً: الشمس في السماء ثم إنها مع بعدها تزيل الظلمة عن بيتك، فشمس المعرفة مع قربها لأنها في قلبك أولى أن تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك.

وأيضاً الإنسان إذا استوقد سراجاً فإنه لا يزال يتعهده ويمده، والله  هو الموقد لسراج المعرفة ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان  ﴾ أفلا يمده وهو معنى قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

وأيضاً إذا كان في البيت سراج فإن اللص لا يقرب منه، وإنه  قد أوقد سراج المعرفة في قلبك فكيف يقرب الشيطان منه ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وأيضاً المجوس إذا أوقدوا ناراً لا يجوزون إطفاءها، فالملك القدوس إذا أوقد سراج المعرفة في قلبك كيف يرضى بإطفائها ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

السابعة: أنه  أعطى قلب المؤمن تسع كرامات أحدها ﴿ أوَمَنْ كان ميتاً فأحييناه  ﴾ وقال  : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" فيعلم أنه لما خلق أرض القلب فأحياها بنور الإيمان لا يكون لغيره فيها نصيب.

وثانيها الشفاء ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين  ﴾ وفيه أنه إذا وضع الشفاء في العسل بقيت تلك الخاصية فيه أبداً.

فإذا وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى أبداً؟

وثالثها الطهارة ﴿ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى  ﴾ وفيه أن الصائغ إذا امتحن الذهب فبعد ذلك لا يدخله في النار، فالله  لما امتحن قلب المؤمن كيف يدخله النار بعده؟

ورابعها الهداية ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه  ﴾ وفيه أن الرسول  يهدي نفسك والقرآن يهدي روحك والمولى يهدي قلبك، والأول قد يحصل وقد لا يحصل ﴿ إنك لا تهدي من أحببت  ﴾ وكذا الثاني ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً  ﴾ وأما هداية القلب فلا تزول ألبتة لأن الهادي لا يزول ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  ﴾ وخامسها الكتابة ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ وفيه أن القرطاس إذا كتب فيه القرآن لم يجز إحراقه، فقلب المؤمن الذي فيه القرآن وجميع أحكام ذات الله وصفاته كيف يليق بالكريم إحراقه؟

وأيضاً إن بشراً الحافي أكرم قرطاساً فيه اسم الله  فنال سعادة الدارين، فإكرام قلب فيه معرفة الله أولى بذلك.

وأيضاً إن القرطاس إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى إنه لا يجوز للجنب والحائض مسه، فالقلب الذي فيه أكرم الموجودات كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه؟

وسادسها ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين  ﴾ وفيه أن أبا بكر لما نزلت عليه السكينة في الغار قيل له لا تحزن إن الله معنا.

فالمؤمن إذا نزلت السكينة في قلبه لا بد أن يقال له عند قبض الروح: لاتخف ولا تحزن كما قال ﴿ تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا  ﴾ وسابعها المحبة والزينة كما قال ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم  ﴾ وفيه أن الدهقان إذا ألقى في الأرض حبة فهو لا يفسدها ولا يحرقها، فهو  حين ألقى حبة المحبة في أرض القلب كيف يحرقها؟

وثامنها ﴿ وألف بين قلوبكم  ﴾ وفيه أن محمداً حين ألف بين قلوب أصحابه ما تركهم غيبة ولا حضوراً سلام " علينا وعلى عباد الله الصالحين" فأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين كيف يتركهم ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم  ﴾ وتاسعها الطمأنينة ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ وفيه أن الحاجات غير متناهية وما سوى الله فهو متناه، المتناهي لا يقابل غير المتناهي.

فالكافي للمهمات لا يكون إلا من له كمالات غير متناهيات فلا يزيل قلق الحوائج واضطراب الأماني إلا الله  ، وبإزاء هذه الكرامات ورد في حق الكفار أضدادها ﴿ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم  ﴾ ﴿ ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم  ﴾ ﴿ في قلوبهم مرض  ﴾ ﴿ قلوبهم قاسية  ﴾ ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه  ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم  ﴾ ﴿ أم على قلوب أقفالها  ﴾ ﴿ بل ران على قلوبهم  ﴾ ﴿ طبع الله على قلوبهم  ﴾ فلأجل تلك الكرامات والهرب من أضدادها قال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ .

الثامنة: في حقيقة شرح الصدر وذلك أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا إلا رغبة بأن يكون متعلق القلب الأهل والولد وتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم، ولا رهبة بأن يكون خائفاً من الأعداء والمنازعين فإن القوة البشرية لضعفها كينبوع صغير، فإذا وزعت على جداول كثيرة ضعف الكل وضاعت وإذا انصب الكل في موضع واحد ظهر أثرها وقويت فائدتها، فسأل موسى ربه أن يوقفه على معايب الدنيا وقبح صفاتها ليكون متوجهاً بالكلية إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات وهذا معنى قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

أو نقول: إنه لما كلف بضبط الوحي في قوله ﴿ فاستمع لما يوحى ﴾ وبالمواظبة على خدمة الخالق في قوله ﴿ فاعبدني ﴾ فكأنه صار مكلفاً بتدبير العالمين، والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر فسأل موسى ربه قوة وافية بالطرفين فقال ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ أو نقول: معدن النور هو القلب، والاشتغال بما سوى الله - من الزوجة والولد والصديق والعدوّ بل الجنة والنار - هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر، فإذا قوى الله بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا في عينه كالذباب والبق والبعوض فلا يدعوه رغبة إلى شيء مما يتعلق بالدنيا ولا رهبة من شيء من ذلك فيصير الكل عنده كالعدم فعند ذلك يزول الحجاب وينفسخ القلب بل الصدر للنور ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

التاسعة: لنضرب مثلاً لذلك فنقول: البدن بالكلية كالمملكة، والصدر كالقلعة، والفؤاد كالصفة، والقلب كالسرير، والروح كالملك، والعقل كالوزير، والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة، والغضب كالاسفهيد الذي يشتغل بالضرب، والتأديب والحواس كالجواسيس، وسائر القوى كالمحترفين والعملة والصناع.

ثم إن الشيطان كملك مطاع وإنه يخاصم هذه البلدة والقلعة والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده، فإذا أخرج الروح وزيره وهو العقل أخرج الشيطان في مقابله الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله  والهوى إلى الشيطان.

ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الخصم في مقابلته الشهوة، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا، والشهوة تحسن لذات الدنيا.

ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتوقف على الحاضر والغائب من المعايب على ما قال "تفكر ساعة خيرمن عبادة سنة" فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة، ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، فأخرج الشيطان بإزائه العجلة والسرعة فلهذا قال  " ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل الخرق في شيء إلا شانه" وخلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصفين وقلبك وصدرك هو المعركة.

ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقاً وهو الزهد في الدنيا، وله سور وهو الرغبة في الآخرة.

فإن كان الخندق عظيماً والسور قوياً عجز عسكر الشيطان وجنوده فانهزموا، وإن كان بالضد دخل الشيطان وجنوده من الكبر والهوى والعجب والبخل وسوء الظن بالله ومن النميمة والغيبة وسائر الخصال الذميمة، وينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه، ثم إذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح وانشرح ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

النكتة العاشرة: في الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب.

الصدر مقر الإسلام ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام  ﴾ والقلب مقر الإيمان ﴿ حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم  ﴾ ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ والفؤاد مقر المشاهدة ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ واللب مقام التوحيد ﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب  ﴾ أي الذين خرجوا من قشر الوجود المجازي وبقوا بلب الوجود الحقيقي.

ثم إن القلب كاللوح المحفوظ في العالم الصغير فإذا ركب العقل سفينة التوفيق وألقاها في بحار أمواج المعقولات من عالم الروحانيات هبت من مهاب العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الأدبار أخرى، فحينئذٍ يضطر الراكب إلى التماس أنوار الهدايات وطلب انفتاح أبواب السعادات فيقول ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وإنما سأل موسى شرح الصدر دون القلب لأن انشراح الصدر يستلزم انشراح القلب دون العكس.

وأيضاً شرح الصدر كالمقدمة لشرح القلب والجواد يكفيه الإشارة، فإذا علم أنه طالب للمقدمة فلا يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة.

وأيضاً إنه راعى الأدب في الطلب فاقتصر على طلب الأدنى.

فلا جرم أعطى المقصود فقال ﴿ قد أتيت سؤلك يا موسى ﴾ وحين اجترأ في طلب الرؤية بقوله ﴿ أرني أنظر إليك  ﴾ أجيب بقوله ﴿ لن تراني ﴾ .

واعلم أن جميع المهيئات الممكنة كالبلور الصافي الموضع في مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت له نسبة إليها بأسرها، فينعكس شعاع كبرياء الإلهية من كل واحد منها إلى القلب فيحرق القلب.

ومعلوم أن المحرق كلما كان أكثر كان الاحتراق أتم، فلهذا قال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات وأصل إلى مقام الاحتراق بأنوار الجلال كما نبينا  "أرني الأشياء كما هي" وههنا دقيقة وهي أن موسى لما زاد لفظة ﴿ لي ﴾ في قوله ﴿ رب اشرح لي ﴾ دون أن يقول "رب اشرح صدّري" علم أنه أراد أن تعود منفعة الشرح إليه فلا جرم يقول يوم القيامة "نفسي نفسي" وإن نبينا  لما لم ينس أمته في مقام القرب إذ قيل له "السلام عليك أيها النبي" فقال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ، فلا جرم يقول يوم القيامة "أمتي أمتي" وشتان ما بين نبي يتضرع إلى الله ويقول ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وبين نبي يخاطب أولاً بقوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ .

ولا يخفى أن المراد بالشرح والتيسير عند أهل السنة هو خلقهما، وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث بفعل الألطاف المسهلة، فإنه يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال.

أما قوله  ﴿ واحلل عقدةً من لساني ﴾ فاعلم أن النطق فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال ﴿ خلق الإنسان علمه البيان  ﴾ بغير توسط العاطف كأنه إنما يكون خالقاً للإنسان إذا علمه البيان.

وفي لسان الشاعر وهو زهير: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده *** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.

وعن علي كرم الله وجهه: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة.

وقال العقلاء: المرء بأصغريه.

المرء مخبوء تحت لسانه.

وفي مناظرة آدم والملائكة لم تظهر الفضيلة إلا بالنطق.

ومن التعريفات المشهورة: إن الإنسان هو الحيوان الناطق، وهذا النطق وإن كان في التحقيق هو إدراك المعاني الكلية لكن النطق اللساني لا ريب أنه أظهر خواص الآدمي وقد نيط به أمر تمدنه والتعبير عما في ضميره فقول موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إشارة إلى طلب النور الواقع في القلب، وقوله ﴿ ويسر لي أمري ﴾ رمز الى تسهيل ذلك التحصيل، وقوله ﴿ واحلل ﴾ طلب لسهولة أسباب التكميل لأن اللسان آلة إلافاضة والإفادة وبه يتيسر ذلك الخط الجسيم والمنصب العظيم.

وحسبك يا فتى شرفاً وفخراً *** سكوت الحاضرين وأنت قائل ومن الناس من مدح الصمت بوجوه منها: قوله  "الصمت حكمة وقليل فاعله" وقوله: مقتل الرجل بين فكيه.

وفي نوابغ الكلم: يا بني قِ فاك لا تقرع قفاك.

ومنها أن الكلام خمسة أقسام: فالذي ضرره خالص أو غالب أو مساوٍ للنفع واجب الترك احترازاً من السفه والعبث، والذي نفعه خالص أو غالب عسر المراعاة فالأولى تركه.

ومنها أنه ما من موجود أو معدوم معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله بإثبات أو نفي بحق أو بباطل، بخلاف سائر الأعضاء.

فالعين لاتصل إلا إلى الألوان والسطوح، والأذن لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف، واليد لا تصل إلا إلى الأجسام، وكذا باقي الجوارح.

أما اللسان فإنه رحب الميدان واسع المضطرب خفيف المؤنة سهل التناول لا يحتاج إلى آلات وأدوات للمعصية به فكان الأولى ترك الكلام وإمساك اللسان.

والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والنطق في نفسه فضيلة، وإنما يصير رذيلة لأسباب عرضية مما عددها ذلك القائل فيرجع الحق إلى ما قاله النبي  "رحم الله امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم" قالوا: ترك الكلام له أربعة أسماء: الصمت وهو أعمها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم "مال ناطق أو صامت".

والسكوت وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والإنصات هو السكوت مع استماع قال  ﴿ فاستمعوا له وأنصتوا  ﴾ والإصاخة وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد.

أما العقدة فقيل: إنها كانت في أصل خلقته وعن ابن عباس أنه في حال صباه أخذ بلحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال: هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وإن شئت فامتحنه بالتمرة والجمرة.

وقيل: بالياقوت والجمر.

فأحضرا بين يديه فأراد مد اليد إلى الياقوت فحول جبرائيل يده إلى الجمرة فأخذها ووضعها في فيه فظهر به تعقد وتحبس عن بعض الحروف.

فإن صحت هذه الرواية فالنار إنما أحرقته وأثرت فيه إطفاء لثائرة غضب فرعون وإلا فالله  قادر على دفع الإحراق عن طبع النار كما في حق إبراهيم صلوات الرحمن عليه، وكما في حق موسى حين ألقي في التنور.

ويروى أن يده احترقت أيضاً وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم يبرأ ولما دعاه قال: الي أيّ رب تدعوني؟

قال: إلى الذين أبرأ يدي وقد عجزت عنها.

وعن بعض العلماء أنه لم تبرأ يده لئلا ينعقد بينه وبين فرعون حرمة المؤاكلة من قصعة واحدة.

وقيل: لم تحرق يده لأن الصولة ظهرت باليد، وإنما احترق اللسان لأنه خاطبه بقوله "يا أبت".

وما الحكمة في طلب حل العقدة؟

الأظهر كيلا يقع في أداء الرسالة خلل فلهذا ﴿ قال يفقهوا قولي ﴾ وقيل: لأن العقدة في اللسان قد تقتضي الاستخفاف بالقائل وعدم الالتفات إليه.

وقيل: إظهاراً للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزاً له فكذا إطلاق لسان موسى كان معجزاً في حقه.

وهل زالت تلك العقدة بالكلية؟

فعن الحسن نعم لقوله ﴿ قد أوتيت سؤلك يا موسى ﴾ والأصح أنه بقي بعضها لقوله  حكاية عن فرعون ﴿ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين  ﴾ أي يقارب أن لا يبين.

وكان في لسان الحسين بن علي  رتة أي عجمة في الكلام فقال رسول الله  : "ورثها من عمه موسى" .

وفي تنكير عقدة أيّ عقدة من عقد دلالة على أنه طلب حل بعضها بحيث يفهم عنه فهماً جيداً ولم يطلب الفصاحة الكاملة.

وقال أهل التحقيق: وذلك لأن حل العقدة بالكلية نصيب محمد  فكان أفصح العرب والعجم وقد قال  ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  ﴾ فلما كان ذلك حقاً ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله.

ومن مطالب موسى قوله ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي هرون ﴾ قال أهل الاشتقاق: الوزير من الوزر بالكسر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنة، أو من الوزر بفتحتين وهو الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه أموره، أو من الموازرة وهي المعاونة فيكون من الأزر والقوة ومنه قوله  ﴿ اشدد به أزري ﴾ أي ظهري لأنه محل القوة.

قال الجوهري: آزرت فلاناً أي عاونته، والعامة تقول: وازرته.

وعلى هذا فيكون القياس أزيراً بالهمز على ما حكي عن الأصمعي ووجه القلب حمل "فعيل على "مفاعل" لاتحاد معنييهما في نحو "عشير" و "جليس" و "صديق" وغيرها.

وحمله على أخوته من نحو الموازرة ويوازر والاستعانة بالوزير وبحسن رأيه دأب الملوك العقلاء وقد استحسنه نبينا  فقال "إذا أراد الله بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن نوى خيراً أعانه عليه، وإن أراد شراً كفه" وكان أنو شروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير.

وكفى بمرتبة الوزارة منقبة وفخراً وشرفاً وذكراً أن النبي  المؤيد بالمعجزات الباهرة ابتهل إلى الله  في مقام القرب والمكالمة يطلبه منه، فيجب على من أوتي هذه الرتبة أن يؤدي إلى الله حقها ولا يغتر بالدنيا وما فيها، ويزرع في أرض الوزارة ما لم يندم عليه وقت حصاده.

وقيل: إن موسى خاف على نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر العظيم والخطب الجسيم فطلب المعين.

والأظهر أنه رأى أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع خلوص النية وصفاء الطوية أبعد عن التهمة وأعون على الغرض، ولهذا حكى عن عيسى أنه قال ﴿ من أنصاري إلى الله  ﴾ وخوطب نبينا  بقوله ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ وروي أنه  قال "إن لي في السماء وزيرين وفي الارض وزيرين فاللذان في السماء جبرائيل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر" ثم إن موسى طلب أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه لتكون الثقة به أكثر وليكون الشرف في بيته أوفر وإنه كان واثقاً بأخيه هارون فأراد أن يخصه بهذا المنصب الشريف قضاء لحقوق الإخاء، فمن منع المستوجبين فقد ظلم وكان أفصح منه لساناً وأكبر سناً وألين جانباً.

قال جار الله: ﴿ وزيراً ﴾ و ﴿ هرون ﴾ مفعولاً ﴿ اجعل ﴾ قدم ثانيهما عناية بأمر الوزارة، أو ﴿ لي ﴾ و ﴿ وزيراً ﴾ مفعولان ﴿ هرون ﴾ عطف بيان للوزير و ﴿ أخي ﴾ في الوجهين بدل من ﴿ هرون ﴾ أو عطف بيان آخر.

وقيل: يجوز فيمن قرأ ﴿ اشدد ﴾ على الأمر أن يجعل ﴿ أخي ﴾ مرفوعاً على الابتداء و ﴿ اشدد ﴾ خبره فيوقف على ﴿ هرون ﴾ وشد الأزر به عبارة عن تقويته به وأن يجعله ناصراً له فيما عسى يرد عليه من الشدائد والخطوب، بل يجعله وسيلة له في أمر النبوة وطريق الرسالة لأنه صرح بذلك في قوله ﴿ وأشركه في أمري ﴾ .

ثم ذكر غاية الأدعية فإن المقصد الأسنى هو الاستغراق في بحر التوحيد ونفي الإشراك، فإن التعاون مهيج الرغبات ومسهل سلوك سبل الخيرات فقال ﴿ كي نسبحك كثيراً ﴾ أي تسبيحاً كثيراً ﴿ ونذكرك ﴾ ذكراً ﴿ كثيراً ﴾ وقدم التسبيح وهو التنزيه لأن النفي مقدم على الإثبات، فبالأول تزول العقائد الفاسدة، وبالثاني ترتسم النقوش الحسنة المفيدة.

ثم ختم الأدعية بقوله ﴿ إنك كنت بنا بصيراً ﴾ وفيه فوائد منها: أنه فوض استجابة الدعوات إلى عمله بأحوالهما وأنهما يصدد أهلية الإجابة أم لا، وفيه من حسن الأدب ما لا يخفى.

ومنها أنه عرض فقره واحتياجه على علمه وأنه مفتقر إلى التعاون والتعاضد ولهذا سأل ما سأل.

ومنها أنه أعلم بأحوال أخيه هل يصلح لوزارته أم لا، وأن وزارته هل تصير سبباً لكثرة التسبيح والذكر.

وحين راعى من دقائق الأدب وأنواع حسن الطلب ما يجب رعايته فلا جرم أجاب الله  مطالبه وأنجح مآربة قائلاً ﴿ قد أوتيت سؤلك ﴾ والسؤل بمعنى المسؤول كالخبز بمعنى المخبوز والأكل بمعنى المأكول.

وزيادة قوله ﴿ يا موسى ﴾ بعد رعاية الفاصلة لأجل كمال التمييز والتعيين والله أعلم.

بمصالح عبيده.

التأويل: يا من طاب بطهارته بساط النبوة ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن ﴾ إلا لتسعد بتخلقك بخلقه ويسعد بسببك الأولون والآخرون من أهل السموات وأهل الأرضين.

﴿ تنزيلاً ممن خلق ﴾ أرض بشريتك وسموات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات الممكنات كما قال "أول ما خلق الله روحي" .

استوى بصفة الرحمانية على عرش قلبك ليكون معه وقت لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل: ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الصفات الحميدة ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الصفات الذميمة ﴿ وما بينهما ﴾ أي بين سماء الروح وأرض النفس وهو القلب بما فيه من الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص ﴿ وما تحت الثرى ﴾ أي ما هو مركوز في جبلة الإنسانية: ﴿ وإن تجهر بالقول ﴾ أن يظهر شيء من صفاتك بالقول ﴿ فإنه يعلم السر ﴾ وهو ما يظهر من سيرتك ﴿ وأخفى ﴾ هو ما أخفى الله من خفيك.

السر في اصطلاح الصوفية لطيفة بين القلب والروح، وهو معدن الأسرار الروحانية.

والخفي لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها وجملتها المعقولات، وقد يحصل لكل إنسان عند نشأته الأولى وإن كان كافراً.

والأخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية ويكون عند نشأته الأخرى ولا يحصل إلا لمؤمن موحد صار مهبط الأنوار الربانية وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية، ولهذا قال عقيبه ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ لأن مظهر الألوهية وصفاته العليا وأسمائه الحسنى هو الخفي الذي لا شيء أقرب إلى الحضرة منه إلا وهو سر ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ وهو حقيقة قوله "إن الله خلق آدم فتجلى فيه" ﴿ وهل أتاك حديث موسى ﴾ القلب ﴿ إذ رأى ناراً  ﴾ وهو نور في الحقيقة مأنوس به من جانب طور الروح ﴿ فقال لأهله ﴾ وهم النفس وصفاتها ﴿ امكثوا ﴾ في ظلمة الطبيعة الحيوانية ﴿ إني آنست ﴾ نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب الوجود المجازي شيئاً ﴿ لعلي آتيكم منها بقبس ﴾ يخرجكم من ظلمات الطبيعة إلى أنوار الشريعة ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ بآداب الطريقة إلى الحقيقة ﴿ فلما أتاها نودي ﴾ من شجرة القدس بخطاب الإنس ﴿ فاخلع نعليك ﴾ أي اترك الالتفات إلى الزوجة والولد فإن النعل يعبر في الرؤيا بهما، أو اترك الالتفات إلى الكونين إنك واصل الى جناب القدس، أو هما المقدمتان في نحو قولنا "العالم محدث وكل محدث فله محدث وموجد" وذلك أنه إذا غرق في لجة العرفان بقيت المقدمات على ساحل الوسائل ﴿ وأنا اخترتك ﴾ يا موسى القلب من سائر خلق وجودك من البدن والنفس والسر والروح ﴿ فاستمع ﴾ بسمع الطاعة والقبول إنني لما تجليت بأنانية الوهيتي لأنانية وجودك المجازي لا يبقى إلا أنا ﴿ فاعبدني ﴾ بإفناء وجودك وأدم المناجاة معي لنيل ذكري إياك بالتجلي.

إن قيامة العشق ﴿ آتية أكاد أخفيها ﴾ لعظم شأنها إلا أن متقاضى الكرم اقتضى إظهارها لأخص عبيدي ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى ﴾ في العبودية من الروح والسر والقلب والنفس والقالب فلما كان سعي الروح بحب الوطن الأصلي للرجوع إليّ أمكن إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ فجزاؤه من تجلي صفات الجلال بانعدام الناسوتية في اللاهوتية وكان سعي السعي بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإفاضة الفيض الإلهي عليه.

وسعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفيته وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال، فجزاؤه بدوام التجلي وأن يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الطهور الذي يزيل لوث الحدوث عن لوح القلوب لكشف حقائق.

وسعي النفس بتبديل الأخلاق وانتفاء الأوصاف الحيوانية، فجزاؤه بإشراق نور ربها لإزالة ظلمة صفاتها واطمئنانها إلى ذكر ربها لتصير قابلة لجذبه ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وسعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب الطريقة، فجزاؤه ورفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين فلا يصدنك عن هذه السعادات النفس الأمارة بالسوء التي لا تؤمن بها.

ويحتمل أن يقال: أكاد أخفي الساعة ودخول الجنة والنار لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف النار.

قالوا: أخطأ موسى في قوله ﴿ هي عصاي ﴾ وكان عليه أن يقول "أنت أعلم بحالها مني" وفي قوله ﴿ أتوكأ عليها ﴾ وكان عليه أن يتكىء على لطف الله وكرمه فلهذا قيل له ﴿ ألقها يا موسى ﴾ وفي قوله ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ إذ نسي أن العصا لا تكون واسطة لرزق أغنامه وإنما الرزاق هو الله.

﴿ خذها ولا تخف ﴾ فإن الضار والنافع هو الله وحده فلا يكن خوفك إلا منه ولا رجاؤك إلا به ﴿ واضمم ﴾ يد همتك إلى جناح قنوعك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية عن درن السؤال وعن الطمع وباقي الحقائق مذكور في التفسير.

وفي قوله ﴿ قد أوتيت ﴾ بلفظ الماضي إشارة إلى أنه أعطي ذلك بالتقدير الأزلي لا بالتدبير العملي والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: و ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَى نَاراً ﴾ ، ظاهر، هذا سؤال واستفهام، لكن المراد منه الإيجاب، ثم اختلف في معنى الإيجاب: قال الحسن وأبو بكر: قوله ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ ﴾ ، أي: لم يأتك حديث موسى وسيأتيك، ثم أخبره وأعلمه بحديثه ونبئه.

وقال بعضهم: ﴿ هَلْ أَتَاكَ ﴾ ، أي: قد أتاك حديث موسى؛ لتخبرهم عما كان في كتبهم؛ ليكون ذلك آية لنبوتك ورسالتك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : قيل: رأيت ناراً، وقيل: علمت ناراً؛ ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ ليس في هذه الآية بيان أن موسى في أي حال كان؟

وفي أيّ وقت؟

لكن في موضع آخر بيان ذلك، وهو ما قال: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً  ﴾ ، هذا يدل أنه كان في حال السير والسفر رأى ذلك، وقال في آية أخرى: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ فهذا يدل أنه كان في أيام الشتاء والبرد، حيث قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ القبس: النار، والأقباس: النيران، ويقال: قبس يقبس قبساً، أي: جاء بالنار، ويقال: اقتبست ناراً، واقتبست - أيضاً -: تعلمت، وهذا من ذاك؛ لأن العلم ضوء، ويقال: اقتبستك، أي: علمتك، واقتبستك أي النار والعلم.

وقال القتبي: ﴿ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : أبصرت، ويكون في موضع آخر: علمت، كقوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً  ﴾ أي: علمتم منهم رشداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ﴾ : هذا يشبه أن يكون قد استقبلته الطرق؛ فلم يعلم الطريق الذي له من غيره، فقال: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ﴾ ، أي: من يدلني ويرشدني على الطريق.

أو أن كان قد ضل الطريق وعدل عنه، فقال عند ذلك ما قال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ﴾ نداء وحي ﴿ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ : قال بعضهم: إنما أمره بخلع نعليه؛ لأنهما كانا من جلد ميتة.

وقال قائلون: أمره ينزع نعليه؛ ليمس قدماه بركة ذلك الوادي، أو يصيبه من يمنه.

وقال بعضهم: أمره بذلك؛ للتواضع والخضوع له؛ لأن لبس النعل يخرج مخرج المباهاة، فأمر بذلك؛ ليكون أخضع له وأكثر تواضعاً، والله أعلم بذلك، وليس لنا أن نفسّر ذلك أنه لماذا أمره بذلك؟

إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، وليس لنا أن نقول: أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى؛ فيخرج ذلك مخرج الشهادة على الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ : المقدّس: المطهر، ولعلّه سماه مطهراً؛ لما لم يعبد عليه سواه ودونه، أو سماه: مطهراً؛ لمعنى خصّ به؛ لفضل عبادة أو غيرها على ما خصّ بقاعاً بفضل عبادة تقام فيها من نحو المساجد والحرم وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ طُوًى ﴾ : قال بعضهم: هو من وطء الأرض، أي: طأ الوادي المبارك حافياً.

وقال بعضهم: ﴿ طُوًى ﴾ : قد قدس مرتين، وهو قول الحسن.

وقال بعضهم: ﴿ طُوًى ﴾ يقول: يطوي مسيره.

نحو هذا قد قالوا، لكن الأصوب ألا يفسّر إلا بعد حقيقة به؛ لأنه أنباء كانت في كتبهم ذكرت لرسول؛ لتكون له حجة ودلالة على رسالته عليهم، ففي التفسير خوف دخول الغلط فيه وتغييره، فإذا تغير لم يصر له عليهم حجة ودلالة على رسالته؛ لذلك كان السكوت عنه أولى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ ﴾ إما بالرسالة والنبوة، أو بأشياء أخر كقوله: ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي...

﴾ الآية [طه: 41]، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً  ﴾ أخلصه الله لنفسه بأشياء.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ ﴾ : هذا يدل أن النداء الّذي نودي كان نداء وحي، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي ﴾ وهو ظاهر، كذلك أمر رسله أوّل ما أمروا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ لتكون ذاكراً لي؛ لأن أكثر ما يذكر المرء به إنّما يذكر في الصّلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها ذكر لله؛ ولذلك سمى الصلاة: مناجاة الربّ، أو أن يكون قوله: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ ، أي: لتذكرني بها يا موسى.

وقال قائلون: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ إذا أنت نسيت إذا ذكرتها، وعلى هذا رويت الأخبار عن رسول الله  أنه قال ذلك، وقرأ هذه الآية إن ثبتت.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ أي: أقم الصّلاة لتستوجب بها ذكرى.

وقال القتبي: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ أي: لتذكرني فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ : قال الحسن: ﴿ أَكَادُ ﴾ صلة، كأنّه قال: إن السّاعة آتية أخفيها، وفي حرف أُبيّ بن كعب: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي)، ثم يحتمل قوله: من نفسي وجهين: أحدهما: أخفيها من خلقي، ولا يجب أن يفهم من نفسه: ذاته بالإضافة إليه، كما لم يفهم من قوله: ﴿ رُّوحِي ﴾ و ﴿ رُوحَنَا ﴾ ، وهو أخفى من الناس: ذاته، ولكن فهم منه: خلقه؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله: من نفسي ذاته، هذا يحتمل، والله أعلم.

والثاني أن يكون قوله: (أكاد أخفيها من نفسي)، أي: من أخيار عبادي، أي: أخفيها من أخيار عبادي مع عظيم قدرهم ومنزلتهم عندي من نحو الملائكة والأنبياء والرسل؛ فإن عادة ملوك الأرض: أنهم لا يكتمون سرائرهم من خواصهم، بل يطلعونهم على ذلك، فأخبر - عز وجل - والله أعلم - أنه أخفاها من خواص عباده وأخيارهم، فكيف من دونهم؟

فيكون إضافته إياهم إلى نفسه؛ لعظم قدر أولئك وفضل منزلتهم كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ والله لا يُنصر، ولكن إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم، وكذلك قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ والله لا يخادع، ولكن يخادعون أولياءه ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: (أخفيها من نفسي): أي: من خواصي وأخيار عبادي، والله أعلم.

هذا على إسقاط قوله: ﴿ أَكَادُ ﴾ وجعله صلة، وأما على إثبات ﴿ أَكَادُ ﴾ فهو على وجهين.

أحدهما: يقال: كاد: أراد، أي: أريد أخفيها، وهو معروف باللّغة.

والثاني: كاد، يقال: قارب، وهو سائغ في اللغة، جارٍ (كاد) على إرادة مقاربة: كادت الشمس أن تطلع، أو تغرب، أي: قاربت وكدت أن أسقط، أي: قاربت، وإلا لا يريد السقوط، إذا كان على هذا فهو قال ذلك - والله أعلم - على التعظيم لها، أي: قارب أن يخفيها من نفسه فكيف من غيره؟!.

وقال ابن عباس قريباً من هذا، أي: (أكاد أخفيها من نفسي) فكيف أعلنها لكم؟!

أي: لا أظهر عليها أبداً غيري، فكأنه استجاز الإخفاء في موضع الإظهار باللغة، نحو ما قالوا في قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ  ﴾ أي: أظهروا، فعلى ما كان الإسرار في موضع الإظهار والكتمان، فعلى ذلك رأوا الإخفاء مستعملاً في الأمرين جميعاً، وكذلك قال أبو عوسجة: ﴿ أُخْفِيهَا ﴾ ، أي: أظهرها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ﴾ ، أي: لهذا ما أخفيها ﴿ لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ﴾ ؛ لأنها لو كانت ظاهرة يعاينها كل أحد، ويعلمها، لما كان ذلك جزاء، ولكن كان دفعاً؛ لأنه يعاين كل إنسان ما نزل بهذه النفس بما سعت من العذاب فيمتنع هو عنه، وإذا رأى كل أحد ثواب هذا بسعيه يرغب في مثله؛ فيكون ذلك كله بحق الدفع، لا بحق الجزاء، فأخبر أنه أخفاها؛ للجزاء والمحنة، لا للدفع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا ﴾ ، أي: عن الإيمان بها ﴿ مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا ﴾ يعني: السّاعة، والله أعلم.

لا يصدنك عنها بأسباب ألقاها إليك، وقد يمتنع الإنسان عن الشيء بأسباب تعترض وشبه تستقبل، وإن لم يقدر على منعه بالتصريح والإفصاح، والله أعلم، أي: لا يصدنك عن الإيمان بها - يعني: الساعة - من لا يؤمن بها واتبع هواه في التكذيب بها بالشبه والأسباب التي ذكرنا ﴿ فَتَرْدَىٰ ﴾ أي: فتهلك لو صدّك عنها، فالخطاب وإن كان لرسول الله فهو لكل أحد من المؤمنين، على ما ذكرنا في غير آي من القرآن فيما خاطب رسوله به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا...

﴾ الآية كأن موسى - صلوات الله عليه - لم يفهم مراده بسؤاله إياه أنه ما أراد بقوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ : أنه يسأله عن اسمها [أو] عما له فيها؟

فأجاب الأمرين جميعاً عن اسمها وعما له فيها، حيث قال: ﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ ﴾ .

ثم قال الحسن: إنه والله كان يعلم أنّ في يده عصًا، لكنّه أراد أن يقرر عنده: أنها عصا لا حيّة؛ ليرى له منها آية فيعلم ذلك.

أو أن يريد بذلك تنبيهه وإيقاظه؛ ليعلم أنه وقت ما أخذها عصاً، فيعلم أنها إنما صارت كذا بالآية التي جعلها له لا أنها كانت يومئذ كذلك حية، والله أعلم.

﴿ قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴾ ثم يحتمل: جعلها حيّة تسعى، ثم جعلها حيّة، وأراد الآية له منها؛ لما أن قوم فرعون كانوا أهل بصر وحذق في ذلك النوع من السحر، فأحب أن يريهم الآية والعلامة من النوع الذي كان لهم فيه بصر وحذاقة؛ ليعلموا بخروجها عن وسعهم وطوقهم أنها آية وعلامة سماوية وربوبية لا بشرية؛ إذ الأعلام التي جعلها آيات وأعلاماً لرسله على رسالتهم إنما جعلها ما كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلموا بذلك أنها سماوية ربوبية، لا بشرية سحراً ولا كهانة، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ ﴾ على ما كانت في الحالة الأولى عصاً، كأنه موسى خاف حين صارت حيّة، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً  ﴾ فعند ذلك قال له: ﴿ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ ﴾ ، وأخبره أنه يعيدها عصاً على ما كانت، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ دلالة أن العصا إنما تمسك باليد اليمنى.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَتَرْدَىٰ ﴾ ، أي: تهلك أرداه: أهلكه، ويقال: تردى الرجل: إذا وقع في البئر أو من فوق حائط، ويقال: رديته، أي: ألبسته الرداء، وارتديت: أي: لبست الرداء، وترديت: مثله.

وقوله: ﴿ أَتَوَكَّأُ ﴾ ، أي: أستعين بها على المشي.

وقوله: ﴿ وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي ﴾ ، أي: أضرب الشجرة حتى تنثر ورقها فتأكله غنمه، والهش: الكريم، والبشّ: من البشاشة، قال: والمآرب: الحوائج، والأرب - أيضاً -: الحاجة، والآراب جمع، ويقال: أربت الشيء: قسمته، وجعلته إرباً أقساماً: أي: جزأته أجزاء.

وفي قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ ﴾ دلالة أن الإنسان إذا استخبر عن شيء، فإن عليه أن يخبر المستخبر عما يستخبر على الإجابة له، ولو كان يعلم أن المستخبر له عن ذلك عالم بذلك؛ لأن موسى كان يعلم أن ربّه كان أعلم بما في يده منه، ولم يقل حين استخبر عما في يده: إنك أنت أعلم به مني، ولكنه قال: هي عصاي إجابة له وتعظيماً لأمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ آيَةً أُخْرَىٰ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ  ﴾ ، وكأن في هذا تفسير الأوّل.

وقوله: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ ، أي: من غير برص، كأنهم ذهبوا إلى أن البياض في الإنسان إذا اشتد به حتى يغلف سائر بدنه لا يكون إلا بالبرص؛ لذلك قال: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ أي: من غير برص بك ﴿ آيَةً أُخْرَىٰ ﴾ سوى آية العصا.

وجائز أن يكون ﴿ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ أي: من غير آفة وعيب بك وأذى؛ لأنّ التغيّر إذا وقع في بعض بدن الإنسان لا يكون إلا بعيب وآفة تحل به، فبين أن ذلك البياض ليس لآفة بك، ولا عيب في بدنك، ولا فيه أذى، ولكن آية ليريها منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ .

قال قائلون: الآية في اليد أكبر من الآية في العصا؛ لأن سحر أولئك كان في العصا.

[وقال قائلون:] آية العصا أكبر من آية اليد؛ لأن أولئك كانوا أهل بصر وعلم في السحر في العصا، فخروج عصا موسى عما احتمل وسعهم وما لهم فيه بصر وعلم، يدلّ على أن ما أتى موسى ليس هو بسحر، ولكن آية من الله؛ لأن فضل بصر الرجل وعلمه في شيء إنما يظهر بمجاوزته في ذلك عن أهل بصر في ذلك النوع وعلم، لا يظهر ذلك على أهل الجهل في ذلك، فعلى ذلك أمر عصا موسى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ التي ذكر في آية أخرى، هو قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ...

﴾ الآية [الإسراء: 101]، الآيات الكبرى هي التسع التي ذكر في هذه الآية؛ [لا] أن كان لموسى آيات سوى التسع هي أكبر.

أو أن يكون ذلك لا على تخصيص آية دون آية بالكبر والعظم، ولكن وصف الكل بذلك، كقوله: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا  ﴾ هو على وصف آياته كلها بالكبر والعظم، وهو كقوله: ﴿ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً  ﴾ هو على إثبات النفع في كل واحد عليها في الآخر فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنني أنا الله لا معبود بحق غيري، فاعبدني وحدي، وأدّ الصلاة على أكمل وجه لتذكُرني فيها.

<div class="verse-tafsir" id="91.B9kAJ"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله