الآية ٢٣ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٢٣ من سورة طه

لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 120 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال الحسن البصري : أخرجها - والله - كأنها مصباح ، فعلم موسى أنه قد لقي ربه عز وجل; ولهذا قال تعالى : ( لنريك من آياتنا الكبرى ) .

وقال وهب : قال له ربه : ادنه : فلم يزل يدنيه حتى شد ظهره بجذع الشجرة ، فاستقر وذهبت عنه الرعدة ، وجمع يده في العصا ، وخضع برأسه وعنقه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ) يقول تعالى ذكره: واضمم يدك يا موسى إلى جناحك، تخرج بيضاء من غير سوء، كي نريك من أدلتنا الكبرى على عظيم سلطاننا وقُدرتنا.

وقال: الكبرى، فوحَّد، وقد قال ( مِنْ آيَاتِنَا ) كَمَا قَالَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وقد بيَّنا ذلك هنالك.

وكان بعض أهل البصرة يقول: إنما قيل الكبرى، لأنه أريد بها التقديم، كأن معناها عنده: لنريك الكبرى من آياتنا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لنريك من آياتنا الكبرى يريد العظمى .

وكان حقه أن يقول الكبيرة وإنما قال الكبرى لوفاق رءوس الآي .

وقيل : فيه إضمار ؛ معناه لنريك من آياتنا الآية الكبرى ، دليله قول ابن عباس يد موسى أكبر آياته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى } أي: فعلنا ما ذكرنا، من انقلاب العصا حية تسعى، ومن خروج اليد بيضاء للناظرين، لأجل أن نريك من آياتنا الكبرى، الدالة على صحة رسالتك وحقيقة ما جئت به، فيطمئن قلبك ويزداد علمك، وتثق بوعد الله لك بالحفظ والنصرة، ولتكون حجة وبرهانا لمن أرسلت إليهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لنريك من آياتنا الكبرى ) ولم يقل الكبر ؛ لرءوس الآي .

وقيل : فيه إضمار ، معناه : لنريك من آياتنا الكبرى ، دليله قول ابن عباس : كانت يد موسى أكبر آياته .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لنريك» بها إذا فعلت ذلك لإظهارها «من آياتنا» الآية «الكبرى» أي العظمى على رسالتك، وإذا أراد عودها إلى حالتها الأولى ضمها إلى جناحه كما تقدم وأخرجها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فعلنا ذلك؛ لكي نريك - يا موسى - من أدلتنا الكبرى ما يدلُّ على قدرتنا، وعظيم سلطاننا، وصحة رسالتك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى ) ، تعليل لمحذوف ، أى : فعلنا ما فعلنا من إعطائك معجزة العصا ومعجزة اليد ، لنريك بهاتين المعجزتين بعض معجزاتنا الكبرىظت الدالة على عظيم قدرتنا ، وانفرادنا بالربوبية والأولهية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو المعجزة الثانية وفيه مسائل: المسألة الأولى: يقال لك ناحيتين جناحان كجناحي العسكر لطرفيه وجناحا الإنسان جنباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر لأنه يجنحهما عند الطيران، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما إلى جناحك إلى صدرك والأول أولى لأن يدي الإنسان يشبهان جناحي الطائر لأنه قال: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَاء ﴾ ولو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله: ﴿ تَخْرُجْ ﴾ معنى واعلم أن معنى ضم اليد إلى الجناح ما قال في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ  ﴾ لأنه إذا أدخل يده في جيبه كان قد ضم يده إلى جناحه، والله أعلم.

المسألة الثانية: السوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة والبرص أبغض شيء إلى العرب فكان جديراً بأن يكنى عنه يروى أنه عليه السلام كان شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه وأدخلها تحت إبطه الأيسر وأخرجها كانت تبرق مثل البرق وقيل مثل الشمس من غير برص ثم إذا ردها عادت إلى لونها الأول بلا نور.

المسألة الثالثة: بيضاء وآية حالان معاً ومن غير سوء من صلة البيضاء كما تقول ابيضت من غير سوء وفي نصب آية وجه آخر وهو أن يكون بإضمار نحو خذ ودونك وما أشبه ذلك حذف لدلالة الكلام، وقد تعلق بهذا المحذوف لنريك أي خذ هذه الآية أيضاً بعد قلب العصا لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا أو لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك، فإن قيل الكبرى من نعت الآيات فلم لم يقل الكبر؟

قلنا: بل هي نعت الآية والمعنى لنريك الآية الكبرى ولئن سلمنا ذلك فهو كما قدمنا في قوله: ﴿ مَآَرِبُ أخرى  ﴾ ، و ﴿ الأسمآء الحسنى  ﴾ .

المسألة الرابعة: قال الحسن: اليد أعظم في الإعجاز من العصا لأنه تعالى: ذكر ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ ءاياتنا الكبرى ﴾ عقيب ذكر اليد وهذا ضعيف لأنه ليس في اليد إلا تغير اللون، وأما العصا ففيه تغير اللون وخلق الزيادة في الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الحجر والشجر، ثم عاد عصا بعد ذلك.

فقد وقع التغير مرة أخرى في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم، وأما قوله: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ ءاياتنا الكبرى ﴾ فقد بينا أنه عائد إلى الكل وأنه غير مختص باليد.

المسألة الخامسة: أنه سبحانه وتعالى لما أظهر له هذه الآية عقبها بأن أمره بالذهاب إلى فرعون وبين العلة في ذلك وهي أنه طغى، وإنما خص فرعون بالذكر مع أن موسى عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل لأنه ادعى الإلهية وتكبر وكان متبوعاً فكان ذكره أولى.

قال وهب: قال الله تعالى لموسى عليه السلام: «اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار ولكن هان علي وسقط من عيني فبلغه عني رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي: وقل له قولاً ليناً لا يغترن بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي، في كلام طويل، قال فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم ثم جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك بعبده».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قيل لكل ناحيتين: جناحان، كجناحي العسكر لمجنبتيه، وجناحا الإنسان: جنباه، والأصل المستعار منه جناحاً الطائر.

سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران.

والمراد إلى جنبك تحت العضد، دل على ذلك قوله: ﴿ تَخْرُجْ ﴾ السوء: الرداءة والقبح في كل شيء، فكني به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة، وكان جذيمة صاحب الزباء أبرص فكنوا عنه بالأبرش.

والبرص أبغض شيء إلى العرب.

وبهم عنه نفرة عظيمة، وأسماعهم لاسمه مجاجة، فكان جديراً بأن يكنى عنه، ولا نرى أحسن ولا ألطف ولا أحز للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه.

يروي: أنه كان آدم فأخرج يده من مدرعته بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يعشي البصر.

﴿ بَيْضآءَ ﴾ و ﴿ ءَايَةً ﴾ حالان معاً.

و ﴿ مِنْ غَيْرِ سوا ءٍ ﴾ (من) صلة ل (بيضاء)، كما تقول: ابيضت من غير سوء، وفي نصب ﴿ ءَايَةً ﴾ وجه آخر، وهو أن يكون بإضمار نحو: خذ، ودونك، وما أشبه ذلك.

حذف لدلالة الكلام، وقد تعلق بهذا المحذوف ﴿ لِنُرِيَكَ ﴾ أي خذ هذه الآية أيضاً بعد قلب العصا حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى.

أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا.

أو لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ إلى جَنْبِكَ تَحْتَ العَضُدِ يُقالُ لِكُلِّ ناحِيَتَيْنِ جَناحانِ كَجَناحَيِ العَسْكَرِ، اسْتِعارَةً مِن جَناحَيِ الطّائِرِ سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْنَحُهُما عِنْدَ الطَّيَرانِ.

﴿ تَخْرُجْ بَيْضاءَ ﴾ كَأنَّها مُشِعَّةٌ.

﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ مِن غَيْرِ عاهَةٍ وقُبْحٍ، كُنِّيَ بِهِ عَنِ البَرَصِ كَما كَنّى بِالسَّوْأةِ عَنِ العَوْرَةِ لِأنَّ الطِّباعَ تَعافُهُ وتَنْفِرُ عَنْهُ.

﴿ آيَةً أُخْرى ﴾ مُعْجِزَةً ثانِيَةً وهي حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ تَخْرُجْ بَيْضاءَ ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِها، أوْ مَفْعُولٍ بِإضْمارِ خُذْ أوْ دُونَكَ.

﴿ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهَذا المُضْمَرِ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ آيَةٌ أوِ القِصَّةُ الَّتِي دَلَّلْنا بِها، أوْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُرِيَكَ و ( الكُبْرى ) صِفَةُ آياتِنا أوْ مَفْعُولُ «نُرِيَكَ» و ﴿ مِن آياتِنا ﴾ حالٌ مِنها.

﴿ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وادْعُهُ إلى العِبادَةِ.

﴿ إنَّهُ طَغى ﴾ عَصى وتَكَبَّرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لنريك من آياتنا الكبرى} أي خذ هذه الآية أيضاً بعد قلب العصا لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى العظمى أو نريك بهما الكبرى من آياتنا أو المعنى فعلنا ذلك لنريك من آياتنا الكبرى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى ﴾ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ المَحْذُوفِ.

ومَن قَدَّرَ خُذْ ونَحْوَهُ جَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِهِ، وجَوَّزَ الحُوفِيُّ تَعَلُّقَهُ بِاضْمُمْ، وتَعَلُّقَهُ بِتَخْرُجْ، وأبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ (آيَةً) أيْ دَلَّلْنا بِها لِنُرِيَكَ.

ومَنَعَ تَعَلُّقَهُ بِها لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ.

وبَعْضُهم تَعَلَّقَهُ بِألْقِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِنُرِيَكَ بَعْضَ آياتِنا الكُبْرى عَلى أنَّ (الكُبْرى) صِفَةٌ لِآياتِنا عَلى حَدِّ (مَآرِبُ أُخْرى) و(مِن آياتِنا) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي ومِن فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِنُرِيَكَ بِذَلِكَ الكُبْرى مِن آياتِنا عَلى أنَّ (الكُبْرى) هو المَفْعُولُ الثّانِي لِنُرِيَكَ و(مِن آياتِنا) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٍ مِنهُ، ومِن فِيهِ لِلِابْتِداءِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ.

وتَقْدِيمُ الحالِ مَعَ أنَّ صاحِبَهُ مَعْرِفَةٌ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

وجَوَّزَ كِلا الإعْرابَيْنِ في ﴿ مِن آياتِنا الكُبْرى ﴾ الحُوفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ وغَيْرُهم.

واخْتارَ في البَحْرِ الإعْرابَ الأوَّلَ ورَجَّحَهُ بِأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى أنَّ آياتِهِ تَعالى كُلَّها كُبْرى بِخِلافِ الإعْرابِ الثّانِي وبِأنَّهُ عَلى الثّانِي لا تَكُونُ (الكُبْرى) صِفَةَ العَصا واليَدِ مَعًا وإلّا لَقِيلَ: الكُبْرَيَيْنِ.

ولا يُمْكِنُ أنْ يُخَصَّ أحَدُهُما لِأنَّ في كُلٍّ مِنهُما مَعْنى التَّفْضِيلِ، ويَبْعُدُ ما قالَ الحَسَنُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ اليَدَ أعْظَمُ في الإعْجازِ مِنَ العَصا لِأنَّهُ لَيْسَ في اليَدِ إلّا تَغْيِيرُ اللَّوْنِ، وأمّا العَصا فَفِيها تَغْيِيرُ اللَّوْنِ وخَلْقُ الزِّيادَةِ في الجِسْمِ وخَلْقُ الحَياةِ والقُدْرَةِ والأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ عَوْدِها عَصًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَكانَتْ أعْظَمَ في الإعْجازِ مِنَ اليَدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (الكُبْرى) صِفَةً لَهُما ولِاتِّحادِ المَقْصُودِ جُعِلَتا آيَةً واحِدَةً وأفْرَدَتِ الصِّفَةَ لِذَلِكَ.

وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْيَدِ والعَصا غَنِيَّةٌ عَنِ الوَصْفِ بِها لِظُهُورِ كَوْنِها كُبْرى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا كُلَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.

وكَذا ما قِيلَ: مِن أنَّ مِن عَلى الإعْرابِ الثّانِي لِلْبَيانِ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ لِنُرِيَكَ الآياتِ الكُبْرى مِن آياتِنا لِيَصِحَّ الحَمْلُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ البَيانُ ولا يَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ الإعْرابِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ ولا يُساوِيهِ أصْلًا.

ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ كُلَّ احْتِمالٍ مِنِ احْتِمالاتِ مُتَعَلِّقِ اللّامِ خَلا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وصْفِ آيَةِ العَصا بِالكِبَرِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، ويُعْتَذَرَ بِأنَّ عَدَمَ الوَصْفَ لِلظُّهُورِ مَعَ ظُهُورِ الِاحْتِمالِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ ذَلِكَ المَقالِ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى العاصِمُ مِنَ الزَّلَلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم رجع إلى قصة موسى  فقال عز وجل: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى يعني: أي شيء الذي بيدك أو ما الذي بيدك؟

وكان عالماً بما في يده، ولكن الحكمة في سؤاله لإزالة الوحشة عن موسى، لأن موسى كان خائفاً مستوحشاً كرجل دخل على ملك وهو خائف، فسأله عن شيء، فتزول بعض الوحشة عنه بذلك، ويستأنس بسؤاله.

وقال بعضهم: إنما سأله تقريراً له أن ما في يده عصاً لكيلا يخاف إذا صار ثعباناً.

ف قالَ موسى هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها يعني: أعتمد عليها إذا أعييت وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي يعني: أخبط بها ورق الشجر لغنمي.

فإن قيل: إنما سأله عما في يده ولم يسأله عما يصنع بها، فلم أجاب موسى عن شيء لم يسأله عنه؟

قيل له: قد قال بعضهم: في الآية إضمار يعني: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ فقال: وما تصنع بها؟

قال أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي- وقال بعضهم: إنما خاف موسى بذلك لأنه أمره بأن يخلع نعليه، فخاف أن يأمره بإلقاء عصاه، فجعل يذكر منافع عصاه فقال: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي (١) حوائج أُخرى، وواحدها: مأربة.

وقال مقاتل: كان موسى يحمل زاده على عصاه إذا سار، وكان يركزها في الأرض فيخرج الماء، وتضيء له بالليل بغير قمر، فيهتدي على غنمه.

وروى أسباط عن السدي قال: كانت عصا موسى من عود شجر آس من شجر الجنة، وكان استودعها إياه ملك من الملائكة في صورة إنسان، يعني: عند شعيب، وقال علي بن أبي طالب  : «كانت عصا موسى من عود ورد من شجر الجنة اثني عشر ذراعاً من ذراع موسى» .

قوله تعالى: قالَ أَلْقِها يا مُوسى يعني: ألق عصاك من يدك، فظن موسى أنه يأمره بإلقائها على وجه الرفض، فلم يجد بداً فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى يعني: تسرح وتسير على بطنها رافعة رأسها، فخاف موسى وولى هارباً قالَ الله تعالى لموسى: خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى يعني: سنجعلها عصاً كما كانت أول مرة.

وأصل السيرة: الطريقة كما يقال: فلان على سيرة فلان، أي: على طريقته، وإنما صار نصباً لنزع الخافض، والمعنى: سنعيدها إلى حالها الأولى، فتناولها موسى فإِذا هي عصاً كما كانت.

ثم قال عز وجل: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ قال الكلبي: الجناح أسفل الإبط، يعني: أدخل يدك تحت إبطك تَخْرُجْ بَيْضاءَ لها شعاع يضيء كضوء الشمس مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يعني: من غير برص آيَةً أُخْرى يعني: علامة أُخرى مع العصا لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى يعني: العظمى، ومعناه: لنريك الكبرى من آياتنا، ولهذا لم يقل الكبريات، لأنه وقع المعنى على واحدة.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فقد بيّن لك صلى الله عليه وسلّم ما تحتمله الآيةُ، واللهُ الموفِّقُ بفضله وهكذا استدل ابنُ العربي هنا بالحديثِ «١» ، ولفظه: وقد روى مالك وغيره: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أوْ نسِيَهَا، فَلْيُصَلِّها إذَا ذَكَرَهَا فَإنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: أَقِمِ الصلاة لِذِكْرَي» «٢» .

انتهى من «الأحكام» .

وقرأت فرقةٌ: «للذكرى» ، وقرأتْ «٣» فرقةٌ: «لِلذِّكْرِ» ، وقرأتْ فرقةٌ: «لذكرى» «٤» بغير تعريف.

إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩)

فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤)

وقولُه تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ: يريدُ «٥» : القيامةَ آتيةٌ، فيه تحذيرٌ وَوَعِيدٌ.

وقرأ ابنُ كَثِير، وعاصِمٌ: «أَكَاد أَخفيها» - بفتح الهمزة- بمعنى: أظْهرها، أيْ: إنها من تيقُّن وقُوعِهَا تَكاد تَظْهَرُ، لكن تَنْحَجِبُ إلى الأَجل المعلومِ، والعربُ تقولُ: خَفَيْتُ الشيء بمعنى: أظهرته.

وقرأ الجمْهورُ «١» : «أُخْفِيهَا» - بضم الهمزة- فقيل: معناه: أظهرها، وزعموا: أَنَّ «أَخْفَيْتُ» من الأَضْدَادِ.

وقالت فرقةٌ: أَكادُ بمعنى أُرِيدُ، أيْ: أرِيدُ إخْفَاءَها عنكم لتجزى كل نفس بما تسعى، واسْتَشْهَدُوا بقول الشاعر: [الكامل] .

كَادَتْ وَكِدْتَ وَتِلْكَ خَيْرُ إرَادَةٍ ...

................

«٢»

وقالت فرقةٌ: أَكاد: على بَابها بمعنى: أنها مقاربة ما لم يَقَعْ لكن الكلام جَارٍ على استعارة العَرَبِ، ومَجَازِهَا، فلما كانت الآيةُ عبارةٌ عن شِدَّةِ خَفَاءِ أَمْرِ القيامة ووقْتِها، وكان القَطْعُ بإتْيَانِها مع جَهْلِ الوَقْتِ أَهْيَبُ على النفوسِ بالغ- سُبْحَانَه- في إبْهَامِ وقْتِها، فقال:

أَكادُ أُخْفِيها حتَّى لاَ تظهرُ ألْبتةَ، ولكن ذلك لا يقعُ، ولا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا، وهذا التَّأْوِيلُ هو الأقوى عندي.

وقوله سبحانه: «فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا» : أيْ: عن الإيمانِ بالسَّاعَةِ، ويحتمل عودُ الضمير على الصَّلاَةِ.

وقوله: فَتَرْدى: معناه فتَهْلك، والردى: الهلاكُ، وهذا الخطابُ كلَّه لموسى عليه السلام، وكذلك ما بعده.

وقال النقاش: الخطاب ب فَلا يَصُدَّنَّكَ: لنبينا محمد صلى الله عليه وسلّم وهذا بَعِيدٌ «٣» .

وقوله سبحانه: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى تقريرٌ مضمنه التَّنْبِيهُ، وجمعُ النفْسِ لتلقى ما يورد عليها، وإلاَّ فقد علم سُبْحَانه مَا هي في الأزل.

قال ابنُ العَرَبِيُّ في «أحكامه» : وأجابَ مُوسَى عليه السلام بقوله: هِيَ عَصايَ ...

الآية، بأَكْثَرَ مما وقع السؤال عنه وهذا كقوله صلى الله عليه وسلّم: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته» «١» / ٩ ألمن سأله عن طهوريّة ماء البحر.

انتهى.

ت: والمُسْتَحْسَنُ من الجواب: أَنْ يكون مُطَابِقاً للسؤال، أو أَعَمَّ منه كما في الآية، والحديث، أَمَّا كونُه أَخَصَّ منه، فَلاَ.

انتهى.

وَأَهُشُّ: معناه: أخبط بها الشجر حتّى ينتثر الوَرَقُ لِلْغَنم، وعَصَا مُوسَى عليه السلام هي الَّتي كان أَخَذَها من بَيْتِ عِصِيِّ الأَنْبِيَاءِ عليهم السلام الَّذِي كان عند شُعَيْب عليه السلام حين اتَّفَقَا عَلَى الرَّعْيِ «١» ، وكانت عَصَا آدم عليه السلام، هبط بها من الجَنَّةِ، وكانت من العير الّذي في ورق الرَّيْحَانِ، وهو الجِسْم المُسْتَطيل في وسطها، ولما أَراد اللهُ سبحانه تَدْرِيب موسى في تلقي النبوءة، وتَكَالِيفها، أمره بإلْقَاءِ العَصَا، فألْقَاهَا، فإذا هي حَيَّةً تَسْعَى، أيْ تَنْتَقِلُ، وتَمْشِي، وكانت عَصاً ذَاتَ شُعْبَتَيْنِ، فصارت الشُّعْبَتَانِ فماً «٢» يلتقِمُ الحِجَارَةَ، فلما رآها مُوسَى رأى عِبْرةً فولَّى مُدْبِراً ولم يُعَقِّبْ فقال اللهُ تعالى له: خُذْها وَلا تَخَفْ فأَخذَها بيده، فصارت عَصاً كما كانت أَوَّل مرةٍ وهي سِيرَتُها الأُولَى، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ، أَيْ: جَنْبِك.

قال ع «٣» : وكُلُّ مَرْعُوبٍ من ظُلْمَةٍ ونحوها فإنه إذا ضمّ يده إلى جناحه، فتر

رُعْبُهُ، وربط جَأْشه «١» ، فجمع الله سبحانه لموسى عليه السلام تَفتِير الرُّعْبِ مع الآيةِ في اليَدِ.

ورُوِي أَنَّ يدَ مُوسَى خرجت بَيْضَاءَ تَشفّ وتُضِيء كأَنَّها شَمْسٌ من غيرِ سُوءٍ، أَيْ:

من غير بَرَصٍ، ولا مثله، بل هو أمْر ينحسر، ويَعُود بحكم الحَاجَةِ إليه، ولما أَمَرُه اللَّه تعالى بالذَّهَابِ إلَى فِرْعَون، علم أنها الرسالة، وفهم قدر التَّكْلِيف فدعا اللَّهَ في المَعُونة إذْ لاَ حَوْلَ له إلّا به.

واشْرَحْ لِي صَدْرِي معناه: لفهم ما يرد عَلَيّ مِنَ الأُمور، والعُقْدة التي دَعَا في حَلِّها هي التي اعترته بالجَمْرةِ في فِيهِ، حين جَرَّبه فرعون، وروي في ذلك: أَنَّ فِرْعون أراد قَتْلَ مُوسَى، وهو طِفْل حينَ مَدَّ يَدَهُ عليه السلام إلَى لِحْيَةِ فرعون، فقالت له امرأته:

إنه لا يَعْقِلُ، فقال: بل هو يَعْقِلُ، وهو عَدُوِّي، فقالت له: نجرِّبُه، فقال لها: أَفْعَلُ، فدَعا بجمَراتٍ من النَّارِ، وبطبقٍ فيه يَاقُوتٌ، فقالا: إنْ أَخذ الياقُوتَ، علِمْنَا أنه يعقِلُ، وإنْ أخذ النارَ، عَذَرْنَاهُ، فمدَّ مُوسَى يده إلى جمرة «٢» فأَخذها، فلم تعد على يده، فجعلها فِي فِيهِ، فأَحْرَقَتْهُ، وأوْرثت لِسَانَهُ عُقْدَةٌ، وموسى عليه السلام إنما طلب مِنْ حَلِّ العُقْدَة قدراً يُفْقَهُ معه قولُه، فجائز أَنْ تكون تِلْكَ العقدةُ قد زَالَتْ كُلُّها، وجائِزٌ أَن يكون قَدْ بَقِيَ منها القَلِيلُ، فيجتمع أن يؤتى هو سُؤْلَةٌ، وأنْ يقولَ فِرْعَون: وَلا يَكادُ يُبِينُ [الزخرف:

٥٢] .

ولو فرضنا زوالَ العُقْدة جملة، لكانَ قولُ فِرْعَون سَبّاً لمُوسَى بحالته القَدِيمةَ.

وَالوَزِير: المُعِين القَائِمُ بوزر الأُمورِ، وهو ثِقَلها، فيحتمل الكَلاَمُ أَنَّ طلبَ الوَزِير من أَهْلِهِ على الجملة، ثم أبدل هرون من الوزير المَطْلُوب، ويحتمل أنْ يريدَ: واجعل هرون وَزِيراً، فيكون مفعولاً أَوّلاً ل اجْعَلْ، وكان هرون عليه السلام أكْبر من موسى عليه السلام بأرْبع سنين، والأَزْرُ: الظهرُ «٣» قاله أَبُو عُبَيْدةَ «٤» .

وقوله: كَثِيراً نعتٌ لمصدرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تسبيحاً كثيرا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تِلْكَ " اسْمٌ مُبْهَمٌ يُجْرِي مَجْرى ( الَّتِي )، والمَعْنى: ما الَّتِي بِيَمِينِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَوَكَّأُ عَلَيْها ﴾ التَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ﴿ وَأهُشُّ بِها ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ اليابِسَ لِيُسْقِطَ ورَقَهُ فَتَرْعاهُ غَنَمِي.

قالَ الزَّجّاجُ: واشْتِقاقُهُ مِن أنِّي أُحِيلُ الشَّيْءَ إلى الهَشاشَةِ والإمْكانِ.

والمَآرِبُ: الحاجاتُ، واحِدُها: مَأْرَبَةٌ، ومَأْرُبَةٌ.

ورَوى قُتَيْبَةُ ووَرْشٌ: ( مَآرِبُ ) بِإمالَةِ الهَمْزَةِ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في سُؤالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ﴾ وهو يَعْلَمُ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجْراهُ مَجْرى السُّؤالِ، لِيُجِيبَ المُخاطَبُ بِالإقْرارِ بِهِ، فَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِاعْتِرافِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الجَحْدُ، ومَثْلُهُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِمَن تُخاطِبُهُ وعِنْدَكَ ماءٌ: ما هَذا ؟

فَيَقُولُ: ماءٌ، فَتَضَعُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنِ الصَّبْغِ، فَإنْ قالَ: لَمْ يَزَلْ هَكَذا، قُلْتَ لَهُ: ألَسْتَ قَدِ اعْتَرَفَتْ بِأنَّهُ ماءٌ ؟

فَتُثْبِتُ عَلَيْهِ الحُجَّةَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

فَعَلى هَذا تَكُونُ الفائِدَةُ أنَّهُ قَرَّرَ مُوسى أنَّها عَصا، لَمّا أرادَ أنْ يُرِيَهُ مِن قُدْرَتِهِ في انْقِلابِها حَيَّةً، فَوَقَعَ المُعْجِزُ بِها بَعْدَ التَّثَبُّتِ في أمْرِها.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اطَّلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما في قَلْبِ مُوسى مِنَ الهَيْبَةِ والإجْلالِ حِينَ التَّكْلِيمِ، أرادَ أنْ يُؤانِسَهُ ويُخَفِّفَ عَنْهُ ثِقَلُ ما كانَ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، فَأجْرى هَذا الكَلامَ لِلِاسْتِئْناسِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: قَدْ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: ﴿ هِيَ عَصايَ ﴾ ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ أتَوَكَّأُ عَلَيْها ﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، وإنَّما يُشْرَحُ هَذا لِمَن لا يُعْلَمُ فَوائِدَها ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ هِيَ عَصايَ ﴾ ، فَقِيلَ لَهُ: ما تَصَنَعُ بِها ؟

فَذَكَرَ باقِي الكَلامِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ثانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ إنَّما أظْهَرَ فَوائِدَها وبَيَّنَ حاجَتَهُ إلَيْها؛ خَوْفًا [ مِن ] أنْ يَأْمُرَهُ بِإلْقائِها كالنَّعْلَيْنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بَيَّنَ مَنافِعَها؛ لِئَلّا يَكُونَ عابِثًا بِحَمْلِها، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ مَنافِعِها ولَمْ يُطِلِ الشَّرْحَ ؟

فَعَنْهُ [ ثَلاثَةُ ] أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَشْتَغِلَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ بِتَعْدادِ مَنافِعَها.

والثّانِي: اسْتَغْنى بِعِلْمِ اللَّهِ فِيها عَنْ كَثْرَةِ التَّعْدادِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى اللّازِمِ دُونَ العارِضِ.

وَقِيلَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وتَدْفَعُ عَنْهُ الهَوامَّ، وتُثْمِرُ لَهُ إذا اشْتَهى الثِّمارَ، وفي جِنْسِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: [ أنَّها ] كانَتْ مِن عَوْسَجٍ.

فَإنْ قِيلَ: المَآرِبُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ أُخْرى ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: ( أُخَرُ ) ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَآرِبَ في مَعْنى جَماعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَماعَةٌ مِنَ الحاجاتِ أُخْرى، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ ألْقِها يا مُوسى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْقاها ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِرَفْضِها، فَسَمِعَ حِسًّا فالتَفَتَ، فَإذا هي كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، تَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتَبْتَلِعُها، فَهَرَبَ مِنها.

وَفِي وجْهِ الفائِدَةِ في إظْهارِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلَةَ المُخاطَبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا يَخافَ مِنها إذا ألْقاها بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ.

والثّانِي: لِيُرِيَهُ أنَّ الَّذِي أبْعَثُكَ إلَيْهِ دُونَ ما أرَيْتُكَ، فَكَما ذَلَّلْتُ لَكَ الأعْظَمَ وهو الحَيَّةُ، أُذَلِّلُ لَكَ الأدْنى.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأخْذِها وهي عَلى حالِها حَيَّةً، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها فَعادَتْ عَصًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى ﴾ ، قالَ الفَرّاءُ: طَرِيقَتُها، يَقُولُ: نَرُدُّها عَصًا كَما كانَتْ.

قالَ الزَّجّاجُ: و ﴿ سِيرَتَها ﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْها، المَعْنى: سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها.

فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَتِ العَصا واحِدَةً، وكانَ إلْقاؤُها مَرَّةً، فَما وجْهُ اخْتِلافِ الأخْبارِ عَنْها، فَإنَّهُ يَقُولُ في ( الأعْرافِ: ١٠٧ ): ﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ ، وهاهُنا: ﴿ حَيَّةٌ ﴾ ، وفي مَكانٍ آخَرَ: ﴿ كَأنَّها جانٌّ  ﴾ ، والجانُّ لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ الحَيّاتِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ صِفَتَها بِالجانِّ عِبارَةٌ عَنِ ابْتِداءِ حالِها، وبِالثُّعْبانِ إخْبارٌ عَنِ انْتِهاءِ حالِها، والحَيَّةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والذَّكَرِ والأُنْثى.

وقالَ الزَّجّاجُ: خَلْقُها خُلُقُ الثُّعْبانِ العَظِيمِ، واهْتِزازُها، وحَرَكَتُها، وخِفَّتُها، كاهْتِزازِ الجانِّ وخِفَّتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَناحُ: مِن أسْفَلِ العَضُدِ إلى الإبِطِ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَناحُ: ناحِيَةُ الجَنْبِ، وأنْشَدَ: أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ ؛ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، ﴿ آيَةً أُخْرى ﴾ ؛ أيْ: دَلالَةً عَلى صِدْقِكَ سِوى العَصا.

قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ " آيَةً " عَلى مَعْنى: آتَيْناكَ آيَةً، أوْ نُؤْتِيكَ [ آيَةً ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى ﴾ .

إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: الكُبَرِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ مَآرِبُ أُخْرى ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الآيَةَ الكُبْرى.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا.

والثّالِثُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِوِفاقِ رَأْسِ الآيِ، حَكى القَوْلَيْنِ الثَّعْلَبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ ألْقِها يا مُوسى ﴾ ﴿ فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى ﴾ ﴿ قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى ﴾ ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ﴾ ﴿ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى ﴾ ﴿ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ ﴿ وَيَسِّرْ لِي أمْرِي ﴾ ﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي ﴾ ﴿ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ ﴿ واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي ﴾ ﴿ هارُونَ أخِي ﴾ ﴿ اشْدُدْ بِهِ أزْرِي ﴾ ﴿ وَأشْرِكْهُ في أمْرِي ﴾ ﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴾ ﴿ إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا ﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى.

ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ.

وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ.

ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى  ﴾ و ﴿ مَآرِبُ أُخْرى  ﴾ ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ.

ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ.

قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿ وَلا يَكادُ يُبِينُ  ﴾ ، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ.

و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ".

وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ.

و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ.

وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ.

وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه معجزة أخرى عَلمه الله إياها حتى إذا تحدّى فرعون وقومه عمل مثل ذلك أمام السحرة.

فهذا تمرين على معجزة ثانية مُتّحِد الغرض مع إلقاء العصا.

والجناح: العضد وما تحته إلى الإبط.

أطلق عليه ذلك تشبيهاً بجناح الطائر.

والضمّ: الإلصاق، أي ألصق يدك اليمنى التي كنت ممسكاً بها العصا.

وكيفية إلصاقها بجناحه أن تباشر جِلدَ جناحه بأن يدخلها في جَيْب قميصه حتى تماس بَشرة جنبه، كما في آية سورة سليمان: ﴿ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ﴾ [النّمل: 12].

جعل الله تغيّر لون جلد يده مماستها جناحه تشريفاً لأكثر ما يناسب من أجزاء جسمه بالفعل والانفعال.

و ﴿ بيضَاءَ ﴾ حال من ضمير ﴿ تَخْرُجُ ﴾ ، و ﴿ مِنْ غيرِ سُوءٍ ﴾ حال من ضمير ﴿ بَيْضَاء ﴾ .

ومعنى ﴿ مِنْ غير سُوءٍ ﴾ من غير مَرض مثل البَرص والبَهق بأن تصير بيضاء ثم تعود إلى لونها المماثل لونَ بقية بشرته.

وانتصب ﴿ آيةً ﴾ على الحال من ضمير ﴿ تَخْرُجُ ﴾ .

والتعليل في قوله ﴿ لِنُريكَ مِن ءاياتنا الكُبْرى ﴾ راجع إلى قوله ﴿ تَخْرُجُ بَيْضَاءَ ﴾ ، فاللام متعلّقة ب ﴿ تَخْرُجُ ﴾ لأنّه في معنى نجعلها بيضاء فتخرج بيضاء أو نخرجها لك بيضاء.

وهذا التعليل راجع إلى تكرير الآية، أي كررنا الآيات لنريك بعض آياتنا فتعلم قدرتنا على غيرها، ويجوز أن يتعلق ﴿ لِنُرِيكَ ﴾ بمحذوف دلّ عليه قوله ﴿ ألقها ﴾ وما تفرّع عليه.

وقوله ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ ﴾ وما بعده، وتقدير المحذوف: فعلنا ذلك لنريك من آياتنا.

و ﴿ مِن ءاياتنا ﴾ في موضع المفعول الثاني ل ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ في سورة البقرة (8)، ويشير إليه كلام الكشاف } هنا.

و ﴿ الكبرى ﴾ صفة ل ﴿ ءاياتنا ﴾ .

والكِبر: مستعار لقوّة الماهية.

أي آياتنا القوية الدلالة على قدرتنا أو على أنا أرسلناك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلى عَضُدِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: إلى جَيْبِكَ.

الثّالِثُ: إلى جَنْبِكَ فَعَبَّرَ عَنِ الجَنْبِ بِالجَناحِ لِأنَّهُ مائِلٌ في مَحَلِّ الجَناحِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِحِفْظِ مُناجاتِهِ.

الثّانِي: لِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ.

﴿ وَيَسِّرْ لِي أمْرِي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما لا يُطِيقُ.

الثّانِي: في مَعُونَتِي بِالقِيامِ عَلى ما حَمَّلْتَنِي.

﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها عُقْدَةٌ كانَتْ بِلِسانِهِ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي ألْقاها بِفِيهِ في صِغَرِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.

الثّانِي: عُقْدَةٌ كانَتْ بِلِسانِهِ عِنْدَ مُناجاتِهِ لِرَبِّهِ، حَتّى لا يُكَلِّمَ غَيْرَهُ إلّا بِإذْنِهِ.

الثّالِثُ: اسْتِحْيائِهِ مِنَ اللَّهِ مِن كَلامِ غَيْرِهِ بَعْدَ مُناجاتِهِ.

﴿ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِبَيانِ كَلامِهِ.

الثّانِي: بِتَصْدِيقِهِ عَلى قَوْلِهِ.

﴿ واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي ﴾ وإنَّما سَألَ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَهُ وزِيرًا إلّا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى الوِزارَةِ حَتّى يَكُونَ شَرِيكًا في النُّبُوَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَسْتَوْزِرَهُ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ.

﴿ هارُونَ أخِي ﴾ ﴿ اشْدُدْ بِهِ أزْرِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأزْرَ: الظَّهْرُ في مَوْضِعِ الحَقْوَيْنِ ومَعْناهُ فَقَوِّ بِهِ نَفْسِي.

قالَ أبُو طالِبٍ: ألَيْسَ أبُونا هاشِمٌ شَدَّ أزْرَهُ وأوْصى بَنِيهِ بِالطِّعانِ وبِالضَّرْبِ الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَوْنًا يَسْتَقِيمُ بِهِ أمْرِي.

قالَ الشّاعِرُ: شَدَدْتُ بِهِ أزْرِي وأيْقَنْتُ أنَّهُ ∗∗∗ أخُ الفَقْرِ مَن ضاقَتْ عَلَيْهِ مَذاهِبُهْ فَيَكُونُ السُّؤال عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِأجْلِ نَفْسِهِ وعَلى الثّانِي لِأجْلِ النُّبُوَّةِ.

وَكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ، وكانَ في جَبْهَةِ هارُونَ شامَةٌ، وكانَ عَلى أنْفِ مُوسى شامَةٌ، وعَلى طَرَفِ لِسانِهِ [ شامَهْ] .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها ﴾ يقول: لا أظهر عليها أحداً غيري.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها ﴾ قال: أكاد أخفيها من نفسي.

وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أكاد أخفيها ﴾ قال: من نفسي.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قرأ ﴿ أكاد أخفيها من نفسي ﴾ .

يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبداً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال: ليس من أهل السموات والأرض أحد إلا وقد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود ﴿ أكاد أخفيها عن نفسي ﴾ .

يقول: أكتمها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: في بعض القراءة ﴿ أكاد أخفيها عن نفسي ﴾ .

قال: لعمري، لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين.

وأخرج عبد بن حميد، عن أبي صالح في قوله: ﴿ أكاد أخفيها ﴾ قال: يخفيها من نفسه.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ورقاء قال: أقرأنيها سعيد بن جبير ﴿ أكاد أخفيها ﴾ يعني بنصب الألف وخفض الفاء.

يقول: أظهرها.

ثم قال أما سمعت قول الشاعر: دأت شهرين ثم شهراً دميكاً ** ما دميكين يخفيان عميرا وأخرج ابن الأنباري، عن الفراء قال: في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه ﴿ أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم عليها ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى ﴾ قال: لتعطى ثواب ما تعمل.

أخرج ابن أبي حاتم، عن الشعبي رضي الله عنه وابن شبرمة قال: إنما سمي هوى، لأنه يهوي بصاحبه إلى النار.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: عصا موسى- قال-: أعطاه إياها ملك من الملائكة، إذ توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل، ويضرب بها الأرض فيخرج له النبات، ويهش بها على غنمه ورق الشجر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ هي عصاي أتوكأ عليها ﴾ قال: إذا مشى مع غنمه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ قال: أضرب بها الشجر فيتساقط منه الورق على غنمي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن ميمون في قوله: ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ قال: الهش أن يخبط الرجل بعصاه الشجر، فيتساقط الورق.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن ميمون قال: الهش، العصا بين الشعبتين، ثم يحركها حتى يسقط الورق، والخبط، أن يخبط حتى يسقط الورق.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس قال: الهش، أن يضع الرجل المحجن في الغصن، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره، ولا يكسر العود، فهذا الهش ولا يخبط.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ قال: أخبط بها الشجر.

﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ قال: حاجات أخرى.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ قال: حوائج.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ مآرب أخرى ﴾ قال: حاجات ومنافع.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ مآرب أخرى ﴾ يقول: حوائج أخرى، أحمل عليها المزود والسقاء.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ قال: كانت تضيء له بالليل، وكانت عصا آدم عليه السلام.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: ﴿ فألقاها فإذا هي حية تسعى ﴾ ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها ف ﴿ ولى مدبراً ﴾ [ النمل: 10] فنودي أن يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية أن ﴿ خذها ولا تخف ﴾ فقيل له في الثالث: ﴿ إنك من الآمنين ﴾ [ القصص: 31] فأخذها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال: حالتها الأولى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال: هيئتها الأولى: ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ قال: أدخل كفك تحت عضدك ﴿ تخرج بيضاء من غير سوء ﴾ قال: من غير برص.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من غير سوء ﴾ قال: من غير برص.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: أخرجها كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه، ولهذا قال تعالى: ﴿ لنريك من آياتنا الكبرى ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ﴾ تأنيث الأكبر، وهي نعت الآيات، ولم يقل الأكبر لما ذكرنا في قوله: ﴿ مَآرِبُ أُخْرَى  ﴾ .

ولو قيل الكبر لجاز وحسن، ولكن لوفاق رؤوس الآي جاءت الكبرى، ويجوز أن تكون ﴿ الْكُبْرَى ﴾ نعتًا لمنعوت محذوف على تقدير: لنريك من آياتنا الآية الكبرى، وهذا مذهب أبي عبيدة (١) (٢) قال ابن عباس: (كانت يد موسى أكبر آياته) (٣) وقال الكلبي: (يده أعظم ما رأى من الآيات) (٤) وقال الثوري: (يده هي الآية الكبرى) (٥) (١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 18.

(٢) "جامع البيان" 16/ 158، "معالم التنزيل" 5/ 270، "المحرر الوجيز" 10/ 22، "الكشاف" 2/ 534، "التفسير الكبير" 22/ 30.

(٣) "الكشف والبيان" 3/ 17 أ، "معالم التنزيل" 5/ 270، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 191.

(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 17 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 191، "التفسير الكبير" 22/ 30، "فتح القدير" 3/ 518.

(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "معالم التنزيل" 5/ 270، "الكشف والبيان" 3/ 17/ ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 191، "التفسير الكبير" 22/ 30، "الفتوحات الإلهية" 3/ 88.

وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 237: (ويبعد ما قيل من أن اليد أعظم في الإعجاز من العصا؛ لأنه ذكر عقيب اليد).

﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ﴾ لأنه جعل الكبرى مفعولاً ثانيًا لنريك وجعل ذلك راجعًا إلى الآية القريبة وهي إخراج اليد بيضاء من غير سؤ، وقد ضعف قوله هذا؛ لأنه ليس في اليد إلا تغيير اللون، وأما العصا ففيها تغيير اللون، وخلق الزيادة في الجسم، وخلق الحياة، والقدرة، والأعضاء المختلفة، وابتلاع الشجر والحجر ثم عادت عصا بعد ذلك فقد وقع التغيير مرارًا فكانت أعظم من اليد).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى ﴾ يحتمل أن تكون ﴿ الكبرى ﴾ مفعول ﴿ لِنُرِيَكَ ﴾ ، وأن تكون صفة للآيات ويختلف المعنى على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: بإمالة الطاء والهاء.

حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وعباس وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.

وفي الكشاف أن أبا عمرو فخم الطاء لاستعلائها وأمال الهاء.

والآخرون بتفخيمها ﴿ لأهله امكثوا ﴾ بضم الهاء وكذلك في "القصص": حمزة ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر غير ابن مجاهد ﴿ على النار هدى ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وحمزة في رواية ابن معدان وأبي عمر والنجاري عن ورش وأبي عمرو وغير ابراهيم وابن حماد ﴿ أني أنا ربك ﴾ بفتح الهمزة وياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.

بكسر الهمزة وفتح الياء: نافع الباقون: بكسر الهمزة وسكون الياء ﴿ طوى ﴾ منوناً حيث كان: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر ﴿ وإنا اخترناك ﴾ على الجمع: حمزة والمفضل ﴿ لذكري ﴾ ﴿ إني ﴾ ﴿ لي ﴾ ﴿ أمري ﴾ ﴿ عيني ﴾ ﴿ برأسي ﴾ (إني) بفتح الياآت: حمزة والمفضل ونافع وأبو عمرو.

(لي فيها) بالفتح: حفص والمفضل والأعشى والبرجمي والأصبهاني عن ورش مخير ﴿ أخي اشدد ﴾ بفتح الياء موصولة: ابن كثير غير الخزاعي عن ابن فليح وأبو عمرو ﴿ واشدد ﴾ بفتح الهمزة ﴿ وأشركه ﴾ بضمها على التكلم: ابن عامر والباقون بضم الأول وفتح الثاني على الأمر ﴿ سؤلك ﴾ بالواو: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الآخرون بالهمزة.

الوقوف: ﴿ طه ﴾ ه كوفي ومن قال معناه يا رجل أو يا طالب أو يا هادي لم يقف ﴿ لتشقى ﴾ ه للاستثناء ﴿ يخشى ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ تنزيلاً ﴾ بدل ﴿ تذكره ﴾ ﴿ لعلي ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ ﴿ استوى ﴾ ه ﴿ الثرى ﴾ ه ﴿ وأخفى ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ه ﴿ حديث موسى ﴾ ه لئلا يوهم أن "إذ" ظرف للإتيان ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ نعليك ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ طوى ﴾ ه ط إلا لمن قرأ ﴿ إنا اخترناك ﴾ ﴿ بوحي ﴾ ه ﴿ فاعبدني ﴾ ه لا للعطف ﴿ لذكرى ﴾ ه ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ فتردى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ عصاي ﴾ ج لا مكان أن يجعل ﴿ أتوكأ ﴾ مستأنفاً أو حالاً والعامل أضمر أو أشير بناء على أن "هي" بمعنى "هذه".

﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ ولا تخف ﴾ ق لحق السين ﴿ الأولي ﴾ ه ﴿ آية أخرى ﴾ ه لا لتعلق اللام.

﴿ الكبرى ﴾ ه ج للآية والاستئناف بالأمر على أن المقول متصل ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ صدري ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ه لا ﴿ لساني ﴾ ه لا ﴿ قولي ﴾ ص لطول الكلام ﴿ أهلي ﴾ ه لا ﴿ أخي ﴾ ه لا وقف لمن قرأ ﴿ أشدد ﴾ بفتح الهمزة جواباً للدعاء ومن فتح الياء فله الوصل ومن قرأ ﴿ اشدد ﴾ بضم الهمزة فله الجواز لاتساق الدعاء على الدعاء بلا عاطف ﴿ أزري ﴾ ه لا ﴿ أمري ﴾ ه لا لتعلق "كي" ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ه.

التفسير: في ﴿ طه ﴾ قولان للمفسرين: أحدهما أنه من حروف التهجي وقد سلف البحث في أمثالها، والذي زادوه ههنا أمور منها: قول الثعلبي: الطاء شجرة طوبى، والهاء الهاوية وكأنه أقسم بالجنة والنار.

ومنها ما روي عن جعفر الصادق  أن الطاء طهارة أهل الدين والهاء هدايتهم.

وقيل: أراد يا طاهراً من الذنوب ويا هادياً إلى علام الغيوب.

ومنها قول سعيد بن جبير هو افتتاح باسمه الطيب الطاهر الهادي.

قيل: الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة ومعناه: يا أيها البدر.

القول الثاني أنها كلمة مفيدة ومعناها يا رجل.

مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن بير وقتادة وعكرمة والكلبي.

ثم قال سعيد بن جبير بلسان القبطية: وقال قتادة بلسان اليونانية والسريانية.

وقال عكرمة بلسان الحبشة.

وقال الكلبي بلسان عك وهو عك ابن عدنان أخو معد وهو اليوم في اليمن.

وعن الحسن أن طه أمر وأصله طأ أمراً بالوطء فقلبت الهمزة هاء وذلك لما روي أن النبي  كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معاً، ويؤكده ما روي أنه  بالليل حتى اسمعدّت قدماه - أي تورمتا - فقال له جبرائيل: أرفق على نفسك فإن لها عليك حقاً ونزلت ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ أي تتعب بالعبادة ولكنك بعثت بالحنيفية السهلة.

وعند الأكثرين معنى ﴿ لتشقى ﴾ لتتعب بفرط تأسفك عليهم وتحسرك على أن يؤمنوا.

والشقاء يجيء بمعنى التعب ومنه المثل "أشقى من رائض مهر وأتعب".

وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له: إن كل شقي لأنك تركت دين آبائك فرد الله عليهم بأن القرآن هو السبب في نيل كل سعادة.

قال جار الله: إن جعلت ﴿ طه ﴾ تعديد الأسماء الحروف فقوله ﴿ ما أنزلنا ﴾ ابتداء الكلام، وإن جعلته اسماً للسورة فمبتدأ وما بعده خبر وقد أقيم الظاهر - وهو القرآن - مقام الضمير الرابط، وإن جعلته قسماً فما يتلوه جواب وكل واحد من ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ تذكرة ﴾ علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل والثاني جاز قطع اللام عنه لوجود الشرط.

ولا يجوز أن يكون ﴿ تذكرة ﴾ بدلاً من محل ﴿ لتشقى ﴾ لاختلاف الجنسين، فإن التذكرة لا يمكن أن تحمل على الشقاء ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي فيه "إلا" بمعنى "لكن".

وفي قوله ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ إلا تذكرة ﴾ وجه آخر وهو أنه ما أنزلنا عليك القرآن لتتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة أي ما أنزلنا عليك هذا التعب الشاق إلا لهذا الغرض كما يقال: ما شافهناك بذلك الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك.

فانتصب ﴿ تذكرةً ﴾ على أنه حال أو مفعول له، وإذا كانت حالاً جاز أن يكون ﴿ تنزيلاً ﴾ بدلاً منها، وإذا كانت مفعولاً لأجله لم يجز أن يكون ﴿ تنزيلاً ﴾ بدلاً منها لأن الشيء لا يعلل بنفسه، فالإنزال لا يعلل بالتنزيل في الظاهر.

ويجوز أن ينتصب ﴿ تنزيلاً ﴾ بمضمر أي نزل تنزيلاً أو بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنزلناه تذكرةً، أو على المدح والاختصاص، أبو بـ ﴿ يخشى ﴾ مفعولاً به أي أنزله الله تذكرةً لمن يخشى تنزيل الله عز وجلّ أي لمن يؤل أمره إلى الخشية لأنه هو المنتفع به.

ومعنى كون القرآن تذكرةً أنه  كان يعظهم به وببيانه.

﴿ ممن خلق ﴾ متعلق ﴿ بتنزيلاً ﴾ فيكون الظرف لغواً أو بكائناً صفة له فيكون مستقراً.

وفائدة الانتقال إلى الغيبة من لفظ المتكلم حين لم يقل تنزيلاً منا أمور منها: الافتنان في الكلام على عادتهم.

ومنها تنسيق الصفات مع لفظ الغيبة.

ومنها التفخيم بالإسناد أولاً إلى ضمير المتكلم المطاع في ﴿ أنزلناه ﴾ ثم إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد.

وقيل: أنزلنا حكاية كلام جبرائيل فلا التفات.

و ﴿ العلى ﴾ جمع العليا تأنيث الأعلى وفي وصف السموات بها دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها.

ويحصل منه تعظيم شأن القرآن بالضرورة فعلى قدر المرسل يكون حال الرسالة.

ومنه قول الحكماء: عقول الرجال تحت لسان أقلامهم.

وارتفع ﴿ الرحمن ﴾ على المدح على تقدير هو الرحمن، أو هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق.

والبحث في الاستواء على العرش من جانبي المشبهة والموحدة قد مر مشبعاً في "الأنعام" في قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده  ﴾ وفي الأعراف في قوله ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات  ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

ثم أكد كمال ملكه وملكه بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الآية.

عن محمد بن كعب: أن ما تحت الثرى هو ما تحت سبع الأرضين.

وعن السدي: هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة.

وقيل: الثور أو الحوت.

والتحقيق أن الثرى هو التراب الندى وهو ما جاوز البحر من جرم الأرض، فالذي تحته هو ما بقي من جرم الأرض إلى المركز فيحتمل أن يكون هناك أشياء لا يعلمها إلا الله  من المعادن وغيرها، ولا ريب أن الكل لله  .

ثم بيّن كمال علمه بقوله ﴿ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ﴾ فالسر ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك ما أخطرته ببالك،أو السر هذا وأخفى منه ما استسره.

وقيل: أخفى فعل ماضٍ أي يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلم هو.

قلت: هذا المعنى صحيح لأنه  محيط بجميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء قط ولا يحيط به شيء من الأشياء فلا يطلع على غيوبه أحد، إلا أن اللفظ يحصل فيه بشاعة إذا حمل على هذا التفسير فلهذا قال صاحب الكشاف: وليس بذلك وكيف طابق الجزاء الشرط.

وأجيب بأن معناه إن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك.

فإما أن يكون نهياً عن الجهر كقوله ﴿ واذكر ربك في نفسك  ﴾ وإما أن يكون تعليماً للعباد أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر كأن يقتدي غيره به.

ومن فوائد الآية زجر المكلف عن القبائح - ظاهرة كانت أو باطنة - وترغيبه في الطاعات - ظاهرة وباطنة - وقد شرحنا شمة من حقيقة علمه  في تفسيره قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ وفي غير ذلك من المواضع المناسبة، فلنقتصر الآن على ذلك.

ثم ذكر أن الموصوف بالقدرة والعلم على الوجه المذكور لا شريك له وهو الذي يستحق العبادة دون غيره.

واعلم أن مراتب التوحيد أربع: الإقرار باللسان، ثم الاعتقاد بالقلب، ثم تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة، ثم الاستغراق في بحر المعرفة بحيث لا يدور في خاطره سوى الأحد الصمد.

والأول بدون الثاني نفاق، والثاني بدون الأول غير مفيد إلا إذا لم يجد مهلة كما إذا نظر وعرف فمات.

ويروى أن ملك الموت مكتوب في جبهته "لا إله إلا الله" حتى إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك ويؤيده ما روي أنه  قال "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" والإقرار بدون الثالث إيمان المقلد وفيه خلاف مشهور والأصح أنه مقبول، وأما المقام الرابع فهو مقام الصديقين والخاصة من عباد الله، ومبتداه تفريق ونقص وترك ورفض على ما قرره المحققون، وآخره الفناء في الله والبقاء به.

قال النحويون: لا إله إلا الله تقديره لا إله في الوجود إلا الله.

وقال أهل العرفان: معناه لا إله في الإمكان إلا الله.

روي أن موسى بن عمران قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به.

فقال: قل لا إله إلا الله.

فقال: كل عبادك يقول.

فقال: قل لا إله إلا الله.

قال إنما أردت شيئاً تخصني به.

قال: يا موسى لو أن السموات السبع ومن فوقهم في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن "لا إله إلا الله".

والبحث عن أسماء الله  قد سلف في تفسير البسملة، وعن أسمائه الحسنى قد مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى  ﴾ واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: كامل لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو الله تقدس وتعالى، وناقص لا يحتمل الكمال سوى الصورة الكمالية التي جبل عليها كصغيرة الإنسان من المخلوقات وناقص يتقلب بين الأمرين فتارةً يصعد إلى حيث يخبر عنه بأنه ﴿ في مقعد صدق عند مليك مقتدر  ﴾ وتارةً يتسفل إلى أن يقال له ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ والكمال بالحقيقة لما ليس معرض الزوال فلا كمال في الصحة والجاه والمال وإنما الكمال في الانتساب إلى الكبير المتعال، وهو تحقيق نسبة العبدية المنبئة عن عزة الربوبية، وكل منتسب إلى بلد أو قبيلة فإنه يبالغ في مدحها حتى يلزم مدحه بالعرض فيجب على المكلف أن يذكر ربه بالأسماء الحسنى حتى يثبت بذلك شرفه ويحسن ذكره.

إلهنا حسن الاسم دليل حسن المسمى، وحسن المسمى يدل على أنه لا يفعل القبيح ولا يزال مواظباً على الإحسان كما قيل: يا حسن الوجه توق الخنا *** لا تخلطن الزين بالشين فيا حسن الأسماء والصفات لا تردّنا عن خوان إحسانك محرومين.

ذكر أن صياداً اصطاد سمكةً وكانت له بنت فأخذتها وألقتها في البحر وقالت: إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها.

إلهنا تلك المرأة رحمت سمكة بسبب غفلتها ونحن قد اصطادنا إبليس وأخرجنا من بحر رحمتك لغفلتنا فردّنا إلى مقرنا وأنت أرحم الراحمين.

عن محمد بن كعب القرظي أن موسى  قال: يا رب أيّ خلق أكرم عليك؟

قال: الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري.

قال: أيّ خلقك أعلم؟

قال: الذي يلتمس علماً إلى علمه.

قال: وأيّ خلقك أعدل؟

قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس.

قال: وأيّ خلقك أعظم جرماً؟

قال: الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له.

إلهنا إنا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت فهو فضل، وكل ما لا تفعله بنا من الإحسان فهو عدل، فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا.

وعن الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: سيعلم الجمع من أهل الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟

فيقومون فيتخطون رقاب الناس.

ثم يقال: أين الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله؟

ثم ينادي أين الحمادون لله على كل حال؟

ثم تكون التبعة والحساب على من بقي.

إلهي فنحن حمدناك واثنينا عليك بمقدار قدرتنا وطاقتنا، فاعف عنا بفضلك وحسن أسمائك.

وحين عظم شأن القرآن وبيّن حال الرسول  فيما كلف من أعباء الرسالة قفاه بقصة موسى تثبيتاً وتقوية وتسلية.

قال الكلبي: معنى ﴿ وهل أتاك ﴾ أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك الآن فتنبه له.

ويقول المرء لصاحبه: هل بلغك خبر كذا ليتطلع السامع لما يومي إليه.

وعن مقاتل والضحاك عن ابن عباس أن المراد منه تقرر الخبر في قلبه أي قد أتاك ذلك في الزمان المتقدم.

"وإذ" ظرف للحديث لأنه حدث، أو المراد اذكر وقت كذا ومظروفه محذوف أي حين رأى ناراً كان كيت وكيت.

قال أهل السير: استأذن موسى شعيباً عليهما السلام في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله وولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وقدح فصلد زنده، فرأى ناراً من يسار الطريق من بعيد.

قال السدي: ظن أنها من نيران الرعاة.

وقال الآخرون: إنه رآها في شجرة.

واختلفوا أيضاً في أن الذي رآه كان ناراً أم لا.

قالوا: والصحيح أنه كان ناراً ليكون صادقاً في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء.

ويمكن أن يقال: إطلاق اللفظ على ما يشبه مسماه ليس بكذب.

قيل: النار أربعة أقسام: نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا، ونار تشرب ولا تأكل وهو نار الشجر ﴿ جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً  ﴾ ونار تأكل وتشرب وهي نار موسى  .

وبعبارة أخرى نور بلا حرقة وهي نار موسى، وحرقة بلا نور وهي نار جهنم، وحرقة ونور وهي نار الدنيا، ولا حرقة ولا نور وهي نار الأشجار.

﴿ فقال لأهله امكثوا ﴾ إنما جمع لأن أهله جمع وهم المرأة والخادم والولد.

ويجوز أن يخاطب المرأة وحدها ولكن أخرج الخطاب على ظاهر لفظ الأهل فإنه اسم جمع.

وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيماً أي أقيموا في مكانكم فقد ﴿ آنست ناراً ﴾ أي أبصرت إبصاراً لا شبهة فيه أو إبصاراً يؤنس به.

والتركيب يدل على الظهور، ومن ذلك إنسان العين لأنه يظهر الأشياء، ومنه الإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم، ومنه الأنس ضد الوحشة لظهور المطلوب وهو المأنوس به.

قال جار الله: لما وجد الإيناس وكان مقطوعاً متيقناً حققه لهم بكلمة "إن" ليوطن أنفسهم.

ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين بنى الأمر فيهما على الرجاء دون الجزم قائلاً ﴿ لعلي آتيكم ﴾ قال المحققون: فيه دلالة على أن إبراهيم  لم يكذب ألبتة لأن موسى قبل نبوته احترز عن الكذب المظنون فلم يقل "إني آتيكم" لئلا يعد ما لم يستيقن الوفاء به، فإبراهيم وهو أبو الأنبياء أولى بالاحتراز من الكذب الصريح.

والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة ونحوهما.

﴿ وهدى ﴾ على حذف المضاف أي ذوي هدى، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى.

والظاهر أنه أراد قوماً يهدونني الطريق.

وعن مجاهد وقتادة: قوماً ينفعونني بهداهم في أبواب الدين، وذلك أن همم الأبرار معقودة في جميع أحوالهم بالأمور الدينية لا يشغلهم عنها شاغلٌ.

ومعنى الاستعلاء في على النار وهو مفعول ثانٍ لأجد، أو حال من ذوي هدى أن أهل النار يشغلون المكان القريب منها أو المصطلون بها كفنوها قياماً وقعوداً فهم مشرفون عليها وإن كان المكانان مستويين.

﴿ فلما أتاها ﴾ أي أتى النار.

قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً فخاف وبهت فألقيت عليه السكينة، ثم نودي وكانت الشجرة عوسجة.

وقال وهب: ظن موسى أنها أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها، ثم لم يزل تطمعه ويطمع فيها، ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي ﴿ يا موسى ﴾ من قرأ ﴿ أني ﴾ بالفتح فتقديره نودي بأني، ومن قرأ بالكسر فلأن النداء في معنى القول، أو لأن التقدير نودي فقيل يا موسى.

وتكرير الضمير في "أني" ﴿ أنا ربك ﴾ لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة.

روي أنه لما نودي يا موسى قال: من المتكلم؟

فقال الله عزوجلّ: إني أنا ربك.

فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان.

فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي حتى كأن كل جارحة مني صارت أذناً.

وقيل: لعله سمع النداء من جماد كالحصا والشجرة فيكون معجزاً.

وأيضاً إنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث إن الخضرة ما كانت تطفىء تلك النار ولا النار تضر بالخضرة، فعرف أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله.

وجوّز الأشاعرة أن يكون قد خلق الله  علماً ضرورياً بذلك والمعتزلة منعوا منه قالوا إن حصول العلم الضروري بأن ذلك المتكلم هو الله يستلزم العلم الضروري بوجود الصانع لاستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلوماً بالاستدلال، وحصول العلم الضروري بوجود الصانع ينافي التكليف وبالاتفاق لم يخرج موسى عن التكليف.

قال القاضي: إن كانت النبوة قد تقدمت لموسى فلا كلام في حصول هذه الخوارق وإلا وجب أن تكون المعجزات لغيره من الأنبياء في زمانه كشعيب مثلاً.

قال: وهذا أولى لأن قوله ﴿ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ﴾ دليل على أنه أوّل وحي يوحى إليه.

وعند أهل السنة الإرهاص جائز فلم يوجبوا إحالة تلك الخوارق إلى غيره.

وعندهم أن الله  أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت.

والمعتزلة أنكروا وجود ذلك الكلام.

وقالوا: إنه  خلق ذلك النداء في جسم من الأجساد كالشجرة وهو قادر على ذلك.

وأهل السنة مما وراء النهر أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى صوت خلقه الله في الشجرة لأنه  رتب النداء على أنه أتى النار، والمرتب على المحدث.

ومثله استدلال المعتزلة بقوله ﴿ فاخلع نعليك ﴾ على أن كلامه  ليس بقديم لأن الأمر والمأمور معدوم سفه فلا بد أن يكون هذا الأمر عند وجود موسى فيكون محدثاً.

أجابت الأشاعرة بأن كلامه الأزلي ليس بأمر ولا نهي، ولو سلم فأمره بالأزل مستمر إلى أن صار الشخص مأموراً من غير تغير في أمره كالقدرة الأزلية تتعلق بالمقدور الحادث.

وأما الحكمة في الأمر بخلع النعلين قال المفسرون: لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ وهو قول علي ومقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي.

وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد: ليباشر الوادي بقدميه متبركاً به.

وقيل: عظم البقعة عن وطئها إلا حافياً يؤيده قوله ﴿ إنك بالواد المقدس ﴾ .

ومن هنا كره بعضهم الصلاة والطواف في النعل، وكان السلف يطوفون بالكعبة حفاة.

ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه وكان إذا وقع منه ذلك تصدق.

وعلى القول الأول لا يكره إلا إذا كان غير مدبوغ.

"وقد صلى النبي  في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: ما لكم خلعتم نعالكم؟

قالوا: خلعت فخلعنا.

قال: فإن جبرائيل أخبرني أن فيهما قذراً" .

يروى أن موسى خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي.

قال الجوهري ﴿ طوى ﴾ بكسر الطاء وضمها اسم موضع بالشأم.

فمن صرفه جعله اسم واد ومكان، ومن لم يصرفه جعله اسم بقعة.

وقال بعضهم.

طوى بالضم مثل طوى وهو الشيء المثنى أي طوى مرتين أي قدس.

وقال الحسن: ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين، ويحتمل أن يراد نودي نداءين.

وقيل: طوى مصدر كهدى ومعناه العلى.

وعن ابن عباس أنه مر بذلك الوادي ليلاً فطواه فكان المعنى بالواد المقدس الذي طويته طياً أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه.

﴿ وأنا أخترتك ﴾ اصطفيتك للنبوة.

قيل: فيه دلالة على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق وإنما هي ابتداء عطية من الله.

وفي هذه الأخبار غاية اللطف والرحمة ولكن في قوله ﴿ فاستمع ﴾ نهاية الجلال والهيبة ففي الأول رجاء وفي الثاني خوف كأنه قال: جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل جميع همتك مصروفة إليه.

﴿ لما يوحى ﴾ أي للذي يوحى أو للوحي متعلق بـ ﴿ استمع ﴾ أو بـ ﴿ اخترتك ﴾ ثم قال ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ ورتب عليه ﴿ فاعبدني ﴾ ليعلم أن عبادته إنما لزمت لإلهيته ومن هنا قال العلماء: إن الله معناه المستحق للعبادة.

قال الأصوليون: تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ولكن عن وقت الخطاب جائز لأنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفيتها.

وأيضاً قال ﴿ وأقم الصلاة ﴾ ولم يبين هيئاتها.

أجاب القاضي عن هذا الأخير بأنه لا يمتنع أن موسى  قد عرف الصلاة التي تعبد الله بها شعيباً وغيره من الأنبياء، فكان الخطاب متوجهاً إلى ذلك، وزيف بأن حمل الخطاب متوجهاً على التأسيس أولى قال: قد بين له ولكن لم يحك الله  سوى هذا القدر.

ورد بأن البيان أكثر فائدة من المجمل، فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية.

ولقائل أن يقول: سلمنا أن المبين أكثر فائدةً للمخاطب، ولكن لا نسلم أن حكاية المبين أولى فلعل حكاية المجمل تكفي لغيره لصيرورة بعض هيئات ذلك التكليف منسوخاً وإن كان أصله باقياً.

وفي قوله ﴿ لذكري ﴾ وجوه.

لأن اللام إما بمعنى الوقت أو هي للتعليل.

والذكر إما بالجنان أو هو ضد النسيان.

وياء المتكلم فاعل في الأصل أو مفعول.

وهل يحتمل الكلام تقدير مضاف أم لا؟.

ولمثل هذه الاعتبارات تعددت الوجوه فمنها: أن اللام للتعليل والياء منصوب أي لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلى لي، أو أراد لتذكرني في الصلاة لاشتمالها على الأذكار.

عن مجاهد: والفرق أن إطلاق الذكر على العبادة والصلاة في الأول حقيقة شرعية، وفي الثاني مجاز.

أو نقول: في الأول تكون نفس الصلاة مطلوبة بالذات، وفي الثاني تكون مطلوبة بعرض الذكر، أو أراد لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري.

ومنها أن المضاف مع ذلك محذوف أي لإخلاص ذكري وطلب وجهي.

ومنها أن الياء فاعل أي لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالمدح والثنا وأجعل لك لسان صدق.

ومنها أن اللام للوقت كقولك "جئتك لوقت كذا" أي لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة.

ومنها أن يحمل الذكر على ضد النسيان أي لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في كونهم رطاب اللسان في جميع الأحيان بذكر مولى الأنعام ومولى الإحسان ﴿ رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله  ﴾ وأراد ذكر الصلاة بعد نسيانها وكان حق العبارة أن يقال لذكرها كقوله  "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فلعل المضاف محذوف أي لذكر صلاتي، أو ذكر الصلاة هو ذكر الله فالياء في الأصل منصوب، أو الذكر والنسيان من الله عز وجلّ في الحقيقة فلياء فاعل.

قال الشافعي: من فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء ولو ترك الترتيب جاز.

ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة فإن كان في الوقت سعة يستحب أن يبدأ بالفائتة، وإن بدأ بصلاة الوقت جاز إلا إذا ضاق الوقت فإنه يجب الابتداء بصلاة الوقت، وإن تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها.

وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يتزيد على صلاة يوم وليلة حتى لو تذكر خلال صلاة الوقت بطلت إلا أن يكون الوقت ضيقاً فلا تبطل.

حجة الشافعي ما روي في حديث قتادة أنهم ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس فأمرهم النبي  أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها، ولو كان وقت الانتباه متعيناً للصلاة لما فعل كذلك.

نعم إنه وقت لتقرير الوجوب عليه ثم الوقت موسع بعد ذلك.

حجة أبي حنيفة قوله  ﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ وقوله  "فليصلها إذا ذكرها" وفي حديث جابر أن عمر جاء إلى النبي  يوم الخندق يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس.

فقال النبي  : " وأنا والله ما صليتها بعد." قال: فنزل في البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها.

وأما القياس فهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة ومزدلفة.

فلما لم يجز إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون كذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة، وأما إذا دخل في حد الكثرة فيسقط هذا الترتيب.

ثم لما أمر موسى بالعبادة عامة وبالصلاة التي هي أفضلها خاصة علل ذلك بقوله ﴿ إن الساعة آتية ﴾ .

سؤال: "كاد" نفيه إثبات وإثباته نفي.

فقوله ﴿ أكاد أخفيها ﴾ يكون معناه لا أخفيها وهو باطل لقوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة  ﴾ ولأن قوله.

﴿ لتجزى كل نفس ﴾ إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار إذ لو كان المكلف عارفاً وقت القيامة وكذا وقت الموت اشتغل بالمعاصي إلى قريب من ذلك الوقت ثم تاب فيكون إغراء على المعصية.

والجواب لا نسلم أن "كاد" إثباته نفي وإنما هو للمقاربة فقط.

والباقي موكول إلى القرينة.

ولئن سلم فالمراد بعدم الإخفاء إخباره بأنها آتية وإن كان وقتها غير معين كأنه قال: أكاد لا أقول هي آتية لفط إرادة الإخفاء ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به.

وبالغ بعض المفسرين في هذا المعنى فقال: أراد أكاد أخفيها من نفسي أي لو صح إخفاؤها من نفسي لأخفيتها مني وأكدوا ذلك بأنهم وجدوه في مصحف أبيّ كذلك.

فقال قطرب: هذا على عادة العرب في المخاطبة إذا بالغوا في كتمان الشيء قالوا: كتمته من نفسي.

وقيل: "كاد" من الله واجب وأراد أنا أخفيها من الخلق كقوله ﴿ عسى أن يكون قريباً  ﴾ أي هو قريب قاله الحسن.

وعن أبي مسلم أن "أكاد" بمعنى أريد كقوله ﴿ كذلك كدنا ليوسف  ﴾ ومنه قولهم "لا أفعل ذلك ولا أكاد" أي لا أريد أن أفعله.

وقيل: أكاد صلة والمعنى أن الساعة آتية أخفيها.

وقال أبو الفتح الموصلي: الهمزة للإزالة أي أكاد أظهرها معناه قرب إظهارها كقوله ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ ومثله ما روي عن أبي الدرداء وسعيد بن جبير أخفيها بفتح الهمزة من خفاه إذا أظهره.

وقوله ﴿ لتجزى ﴾ متعلق ﴿ بأخفيها ﴾ كما قلنا أو بـ ﴿ آتية ﴾ ، فلولا القيامة لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء وذلك خلاف قضية العدالة والحكمة.

واحتجاج المعتزلة بالآية ظاهر لأنه قال ﴿ بما تسعى ﴾ أي بسعيها.

فلو لم يكن أعمال العباد بسعيهم لم يصح هذا الإسناد، ولو لم يكن الثواب مستحقاً على العمل لم يكن لباء السببية معنى والجواب أن اعتبارها الوسط لا ينافي انتهاء الكل إلى الله، واستناد الجزاء إلى عنايته الأزلية التي لا علة لها.

ومعنى الفاء في ﴿ فلا يصدّنك ﴾ أنه إذا صح عندك أني أخبرتك بإتيان الساعة فلا تلتفت إلى قول المخالف الذي يصدك عن التصديق بالساعة، لأن قوله ناشىء عن الهوى واتباعه.

وجوّز أبو مسلم أن يكون الضمير في ﴿ عنها ﴾ للصلاة.

والعرب تذكر شيئين لم ترمي بضميرهما إلى السامع اعتماداً على أنه يرد كلاً منهما إلى ما هو له، وزيف بأن هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة هنا.

وأما الخطاب فالظاهر أنه لموسى لأن الكلام أجمع معه.

وجوّز بعضهم أن يكون لنبينا  والمقصود الأمة، والنهي عن الصد في الظاهر لمن لا يؤمن بالساعة وهو بالحقيقة نهي لموسى عن التكذيب.

والوجه فيه أن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، أو صدّ الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب كأنه قيل: كن في الدنيا صلباً حتى لا يطمع في إغوائك الكافر.

والذي دعا إلى هذا النهي البالغ في معناه هو أن في المبطلين والجاحدين كثرة وهي مزلة قدم فعلى المرء أن يكون مع المحقين وإن قلوا لا مع غيرهم وإن كثروا.

وفيه حث بليغ على العمل بالدليل وزجر قويّ عن التقليد وإنذار بأن الردى والهلاك مع اتباع الهوى.

وههنا استدل الأصوليون على شرف علمهم ووجوب تعلمه كيلا يتمكن الخصم من تشكيكه.

وزعم القاضي أن في نسبة الصد إلى الكافر بالبعث دليلاً على أن القبائح إنما تصدر عن العباد.

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

قال أهل التحقيق: قوله أوّلاً لموسى ﴿ اخلع نعليك ﴾ إشارة إلى التخلية وتطهير لوح الضمير عن الأغيار وما بعده إشارات إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيلة.

وأصول ذلك ترجع إلى علم المبدأ وهو قوله ﴿ إني أنا الله ﴾ وإلى علم الوسط وهو قوله ﴿ فاعبدني ﴾ وإنه مشتمل على الأعمال الجسمانية.

وقوله ﴿ لذكري ﴾ وهو مشتمل الأعمال الروحانية وإلى علم المعاد وذلك قوله ﴿ إن الساعة آتية ﴾ .

وأيضاً إنه افتتح الخطاب بقوله ﴿ وأنا اخترتك ﴾ وهو غاية اللطف، وختم الكلام بقوله ﴿ فلا يصدّنك ﴾ إلى آخره وهو قهر تنبيهاً على أن رحمته سبقت غضبه، وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف.

قوله ﴿ وما تلك ﴾ مبتدأ وخبر و ﴿ بيمينك ﴾ حال منتصب بمعنى الإشارة أو الاستفهام.

وجوّز الكوفيون أن يكون ﴿ تلك ﴾ اسماً موصولاً صلته ﴿ بيمينك ﴾ أي ما التي بيمينك.

قيل: لم يقل بيدك لأنه يحتمل أن يكون في يساره خاتم أو شيء آخر وكان يلتبس عليه الجواب.

أسئلة: ما الفائدة في هذا السؤال؟

جوابه أن الصانع الماهر إذا أراد أن يظهر من الشيء الحقير كقطعة من حديد شيئاً شريفاً كاللبوس المسرد عرضه على الحاضرين ويقول ما هذا حتى إنه بعد إظهار صنعته يلزمهم بقولهم ويقول: خذوا هذا من ذلك الذي قلتم فكأنه  قال لموسى: هل تعرف حقيقة ما في يمينك وأنه خشبة يابسة حتى إذا قلبه ثعباناً عظيماً كان قد نبهه على كمال قدرته الباهرة.

وقال أهل الخطابة: إنه  لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه ممازجاً باللطف والقهر والتكاليف تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له ﴿ وما تلك بيمنك يا موسى ﴾ ليعرف موسى أن يمينه هي التي فيها العصا.

وأيضاً إنه لما تكلم معه بالكلم الإلهية وقرب موسى أن يدهش تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة لا لأن المسؤول عنه مما يقع فيه الغلط كما أن السائل لا يجوز عليه الغلط نظيره حال المؤمن في القبر يغلبه الوجل والخجل فيسأل عن أمر لا يشك فيه في الدنيا وهو التوحيد دفعاً للإيحاش وجلباً للاستئناس.

وأيضاً لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية فسأله عن منافع العصا فذكر ما ذكر، فعرّفه الله  أن فيها منافع أجل مما ذكر تنبيهاً على أن عقول البشر قاصرة عن خفيات الأمور لولا التوفيق والإرشاد.

آخر: خاطب موسى بلا واسطة خاطب محمداً  بواسطة جبرائيل، فيلزم أن يكون موسى أفضل.

وجوابه المنع بدليل ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وبيان الأفضلية أن كلامه مع موسى لم يكن سراً وكلامه مع محمد سر لم يستأهل له سواه.

وأيضاً حصل لأمته في الدنيا شرف التكليم؛ المصلي يناجي ربه، وفي الآخرة شرف التسليم والتسليم ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ  ﴾ .

وأيضاً إن موسى كان عند استغراقه في بحر المحبة متعلقاً بالعصا ومنافعها، ومحمد  لم يلتفت إلى الكونين حين عرضا عليه ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ بل كان فانياً عن الأغيار باقياً بالواحد القهار ولهذا لم يزد في الثناء حينئذٍ على قوله "أنت كما أثنيت على نفسك" وههنا نكت منها: أنه  لما أشار إلى العصا واليد بقوله ﴿ وما تلك بيمينك يا موسى ﴾ حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز ماهر فصار أحدهما - وهو الجماد - حيواناً والآخر - وهو الكثيف - نورانياً لطيفاً.

ثم إنه  ينظر في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم حياً مستنيراً.

ومنها أن العصا صارت بين يمين موسى حياً فكيف لا يصير قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن حياً!

ومنها أن العصا بإشارة واحدة صارت بحيث ابتلعت سحر السحرة كلهم فقلب المؤمن أولى أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء.

ثم إن جواب موسى  يتم بقوله ﴿ هي عصاي ﴾ إلا أنه زاد على ذلك لأنه كان يحب المكالمة وكان المقام مقام انبساط وقرب فاغتنم الفرصة وجعل ذلك كالوسيلة إلى درك الغرض.

وقيل: هو جواب سؤال آخر كأنه سئل فما تصنع بها فأخذ في ذكر منافعها.

وقيل: خاف أن ينكر عليه استصحاب العصا كالنعلين.

ومعنى ﴿ أتوكأ عليها ﴾ أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة والتركيب يدور على الشد والإيثاق.

﴿ وأهش بها ﴾ أي أخبط الورق بها على رؤوس غنمي لتأكله.

والتركيب يدل على الرخاوة واللين ومنه "رجل هش المكسر" أي سهل الشأن فيما يطلب من الحوائج وهو مدح "وهش الخبز" يهش بالكسر إذا كان ينكسر لرخاوته.

قال المحققون: إن موسى  كان يتوكأ على العصا ومحمد  كان يتكل على فضل الله ورحمته قائلاً مع أمته ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل  ﴾ فورد في حقه ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ أي حسبك وحسب من اتبعك.

وأيضاً إنه بدأ بمصالح نفسه في قوله ﴿ أتوكأ عليها ﴾ ثم بمصالح رعيته بقوله ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ ومحمد  لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر أمته ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" فلا جرم يقول موسى يوم القيامة "نفسي نفسي" ومحمد يقول "أمتي أمتي".

ثم قال ﴿ ولي فيها مآرب ﴾ هي جمع المأربة بضم الراء الحاجة وقد تفتح الراء.

وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضاً ومثله الأرب بفتحتين والإربة بكسر الهمزة وسكون الراء.

وإنما قال ﴿ أخرى ﴾ لأن المآرب في معنى جماعة ونظيره الأسماء الحسنى.

ومن آياتنا الكبرى قالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فتطول مكالمته وقالوا: انقطع بالهيبة كلامه فأجمل.

وقيل: في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والجراب وغيرها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل، وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه.

وقيل: إن موسى  كان أحس بأنه  إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة فقال: إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها ولكنك لما سألت عنها وكلمتني بسببها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى.

وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين بالليل.

وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام.

قلت: هذه الخوارق إن كانت بعد نبوة موسى فلا كلام، وإن كانت قبلها ففي صحة الرواية بُعْدٌ وإلا كان الأنسب تقديمها عند تعدد المنافع.

وعلى تقدير صحتها فلعلها إرهاص أو من معجزات شعيب على ما يروى أنه كان قد أعطاها إياه.

قال أهل النكت: إن موسى لما قال ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ أراد الله  أن يعرّفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها و ﴿ قال ألقها يا موسى ﴾ وبوجه آخر كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا، والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب، فأمر بتركهما تنبيهاً على أن السالك ما دام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلاً بنفسه وطالباً لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان.

وفيه أن موسى  مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن له الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا، فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه؟!

قال الكلبي: الاستطاعة قبل الفعل لأن القدرة على إلقاء العصا إما أن توجد والعصا في يديه فذاك قولنا، أو توجد وهي خارجة عن يده وذلك تكليف بأنه يلقي من يده ما ليس في يده.

ويمكن أن يجاب بأن القدرة مع إلقاء العصا.

قوله ﴿ فإذا هي حية تسعى  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ وفي آخر ﴿ كأنها جان  ﴾ عبارات عن معبر واحد لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والعظيم.

وأما الثعبان - وهو العظيم من الحيات - والجان - وهو الدقيق منها - فبينهما تنافٍ في الظاهر لا في التحقيق، لأنها حين انقلابها كانت تكون حية صفراء دقيقة كالجان، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى يصير ثعباناً آخر الأمر.

أو أنها كانت في شخص ثعبان وسرعة حركة الجان ولهذا وصفها بالسعي وهو المشي بسرعة وخفة حركة.

والعجب أن موسى قال ﴿ أتوكأ عليها ﴾ فصدّقه الله  في ذلك وجعلها متكئاً له بأن كانت أعظم معجزاته.

وإنما قلبها حية في ذلك الوقت لتكون معجزة لموسى  يعرف بها نبوة نفسه فإن النداء والنور والكلام لم يكن في ظهور الدلالة كهذه، ولأن توالي المعجزات كتتابع الخلع والكرامات.

وأيضاً لأنه عرضها عليه ليشاهدها ويوطن نفسه عليها حتى لا يخافها عند عدوّه؛ فالولي يستر العيوب والعدوّ يبرز المناقب في صورة المثالب، فكيف إذا وجد مجال طعن وقدح؟!

وقد مر في "الأعراف" أن الحية كان لها عرف كعرف الفرس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، فلما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفار ما يملك البشر عند الأهوال حتى ذهل عن الدلائل وأخذ يفر، ولو أنه بلغ حينئذٍ مقام ﴿ ففروا إلى الله  ﴾ لم يفر عن شيء.

او لعله لما حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله  أنه بعد في نقص الإمكان ولم يفاوت عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من الله وحده.

فقد روي أنه لما قال له ربه: ﴿ لا تخف ﴾ بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها، قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري: ذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة.

وعن بعضهم أنه خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها.

قلت: يحتمل أن يكون خوف موسى وهجره إياها من فوات المنافع المعدودة ولهذا علل عدم خوفه بقوله ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ قال جار الله: السيرة من السير كالركبة من الركوب.

يقال: سار فلان سيرة حسنة.

ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة ومنه سير الأولين، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي في طريقتها الأولى حال ما كانت عصاً، أو يكون أعاد منقولاً بالهمزة من عاده بنزع الخافض بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين، أو يكون المراد بالإعادة الإنشاء ثانياً.

ونصب ﴿ سيرتها ﴾ بفعل مضمر في موضع الحال أي سنعيدها تسير سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.

ثم قوى أمره بمعجزة ثانية فقال ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ يقال: لكل ناحيتين جناحان ومنه جناحا العسكر وجناحا الإنسان لجنبهما.

والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران أي يميلهما.

فقيل: المراد بالآية تحت العضد بدليل قوله ﴿ تخرج ﴾ وعن ابن عباس: معناه إلى صدرك.

وضعف بأنه لا يطابقه قوله ﴿ تخرج ﴾ قلت: لا شك أن الصدر مستور بالقميص فيظهر عند ذلك معنى الخروج ويفسره قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك  ﴾ والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوءة.

والبرص أبغض شيء عند العرب بحيث تمجه أسماعهم فكان جدير بأن يكنى عنه.

ومعنى ﴿ بيضاء ﴾ أنها تنور كشعاع الشمس.

قال في الكشاف: من غير سوء من صلة البيضاء كما تقول: ابيضت من غير سوء.

قلت: لعله أراد أن "من" للتعليل أي ليس البياض هو السوء وإنما السبب غيره وحقيقته ترجع إلى الابتداء.

و ﴿ بيضاء ﴾ و ﴿ آية ﴾ حالان معاً أو متداخلتان.

واحتمل أن ينتصب آية بمضمر يدل عليه الكلام نحو "خذ ودونك".

وقوله ﴿ لنريك ﴾ إما أن يتعلق بهذا المحذوف أو بمحذوف آخر أي لنريك ﴿ من آياتنا ﴾ فلعنا ما فعلنا.

ولا يبعد عندي أن يتعلق بالأمرين المذكورين أي ﴿ ألقها ﴾ و ﴿ اضمم ﴾ لنريك قال الحسن: اليد في الإعجاز أعظم من العصا لأنه  وصفها بالكبرى.

وضعف بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون وأما في العصا ففيه تغير اللون والزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة، فالمراد لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى.

وجوز في الكشاف أن يكون المراد لنريك بهما الكبرى من آياتنا.

ويرد عليه لزوم أن تكون الآيات الكبرى منحصرة فيهما وليس كذلك فإن معجزات نبينا محمد  أكبر من الكل، وكفاك بالقرآن شاهداً على ذلك.

ثم صرح بالمقصود من المعجزات فقال ﴿ اذهب إلى فرعون ﴾ وخصه بالذكر لأن قومه تبع له.

ثم بين العلة في ذلك فقال ﴿ إنه طغى ﴾ وعن وهب أن الله  قال لموسى: استمع كلامي واحفظ وصيتي برسالتي فإنك بعيني وبسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر تقديسي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار شديدة، ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي وقل له قولاً ليناً لا يغتر بلباس الدنيا، وإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي في كلام طويل.

قال: فسكت موسى سبعة أيام ثم جاءه ملك فقال له: أجب ربك فيما أمرك فعنده ﴿ قال رب اشرح لي صدري ﴾ قال علماء المعاني: أنهم أولاً بقوله ﴿ ربي اشرح لي ﴾ ﴿ ويسر لي ﴾ فعلم أن ثمة مشروحاً وميسراً.

ثم بين فرفع الإبهام بذكر الصدر والأمر وكان أوكد من جهة الإجمال.

ثم التفصيل كان في صدر موسى ضيق كما جاء في موضع آخر ﴿ ويضيق صدري  ﴾ فسأل الله أن يبدل الضيق بالسعة حتى يفهم ما أنزل عليه من الوحي.

وقيل: أراد شجعني على مخاطبة فرعون وعلى تحمل أعباء الرسالة.

واعلم أن الكلام في الدعاء وشرائطه وفوائده وسائر ما يتعلق به قد سبق منا في "البقرة" في تفسير قوله  ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ .

ولنذكر ههنا نكتاً شريفة: الأولى أنه  كامل في الأزل إلا أنه غير مكمل في الأزل لأن التكميل هو جعل الشيء كاملاً ولا شيء معه في الأزل فلا تكميل، وذلك كما يقال: "إنه  لا يعلم عدداً مفصلاً لحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو متناه وحركات أهل الجنة غير متناهية فامتنع ذلك لا لقصور في العلم بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول.

ولما كان الغرض من التكوين تكميل الناقصين، وكان الوجود أول صفة من صفات الكمال أجلس الله  على هذه المائدة بعض المعدومات، لأنه لو أجلس الكل عليها لدخل في الوجود ما لا نهاية له، ولانتهت القدرة الذاتية لامتناع إيجاد الموجود.

وكما أن رحمته اقتضت وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون بعض حتى صار ذلك البعض حياً مدركاً للمنافي والملائم واللذة والألم والخير الشر فقال: الأحياء عند ذلك يا رب الأرباب شرفتنا بخلعة الوجود وخلعة الحياة، ولكن ازدادت حاجتنا لأنا - حال العدم وحال الجمادية - ما كنا نحتاج إلى الملائم والمخالف والموافق، وما كنا نخاف المنافي والمؤذي، والآن احتجنا إلى طلب الملائم ودفع المنافي، فإن لم يكن لنا قدرة على الهرب والطلب كنا كالزمن المعقد في الطريق عرضة للآفات وهدفاً لسهام البليات، فاقتضت الرحمة الكاملة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص بعض المعدومات بالوجود وتخصيص بعض الموجودات بالحياة فقال: القادرون عند ذلك: إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا للبهائم المسخرة في حمل الأثقال، فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلوقاتك.

فأعطى بعضهم العقل فحصل في أرواحهم نور البصيرة وجوهر الهداية ختامه مسك كما أن خاتم النبيين  كان أفضل المخلوقات، فنظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالحقة المملوءة من الجواهر بل كسماء مزينة بالزواهر وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بداية العقول وصرائح الأذهان، يهتدي بها السائرون في ظلمات بر الشكوك وبحر الشبهات، فاستدل العقل بتلك الأرقام على راقم، وبتلك النقوش على نقاش، فغلبته دهشة الأنوار الأزلية وكاد يغرق في بحر الفكر، ويضيق عليه نطاق التأمل والتدبر، ويقع في تجاذب أيدي الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الجن والإنس فعند ذلك قال: ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ فانتهاء جميع الحوادث اليه وتيسير الأمور الكلية والجزئية من عنده، وهو الذي يعطي القابل قابليته والفاعل فاعليته.

الثانية: إنه  خاطبه أولاً بالتوحيد ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وثانياً بالعبادة ﴿ فاعبدني ﴾ وثالثاً بمعرفة المعاد ﴿ إن الساعة آتية ﴾ ورابعاً بمعرفة الحكمة في جملة أفعاله ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وخامساً بعرض المعجزات الباهرة عليه ﴿ لنريك من آياتنا الكبرى ﴾ وسادساً بإرساله إلى أعظم الناس كفراً وكانت هذه التكاليف الشاقة سبباً لضيق العطن وانحلال عقدة الصبر فلا جرم تضرع إلى الله  قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ وههنا دقيقة هي أن شرح الصدر.

مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب، والاستماع مقدّمة الفهم.

ولما أعطى موسى المقدّمة بقوله ﴿ فاستمع ﴾ نسج موسى على ذلك المنوال فقال ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ ولما آل الأمر إلى محمد وكان خاتم النبيين ومقصوداً من الكائنات ومخاطباً بقوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ أوتي النتيجة فقيل له ﴿ وقل ربي زدني علماً  ﴾ ووصف بقوله ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فشرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلاً للنور، والسراج المنير هو المعطي للنور: فالتفاوت بين موسى ومحمد عليهما السلام هو التفاوت بين الآخذ والمعطي ولهذا قال موسى: اللهم اجعلني من أمة محمد.

الثالثة: إنه  ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور أحدهما وصف ذاته بالنور ﴿ الله نور السموات والارض  ﴾ وثانيهما الرسول ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  ﴾ وثالثهما الكتاب ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه  ﴾ ورابعها الإيمان ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله  ﴾ وخامسها عدل الله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وسادسها ضياء القمر ﴿ جعل القمر فيهن نوراً  ﴾ وسابعها النهار ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ وثامنها البينات ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور  ﴾ وتاسعها الأنبياء ﴿ نور على نور  ﴾ وعاشرها المعرفة ﴿ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح  ﴾ فكأن موسى  قال أوّلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بمعرفة أنوار جلال كبريائك.

وثانياً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك.

وثالثاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك.

ورابعاً ﴿ رب أشرح لي صدري ﴾ بنور الإيمان والإيقان بالهتيك.

وخامساً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك.

وسادساً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلالك وعزتك كما فعله إبراهيم صلوات الرحمن عليه.

وسابعاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ عن مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك.

وثامناً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمائك.

وتاسعاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ في أن أكون خلف صدق أنبيائك المتقدمين متشبهاً بهم في الانقياد لحكم رب العالمين.

وعاشراً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ بأن تجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح.

الرابعة: شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج، ومستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء: زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن.

فالزند زند المجاهد ﴿ والذين جاهدوا فينا  ﴾ والحجر حجر التضرع ﴿ وادعوا ربكم تضرعاً وخيفةً  ﴾ والحراق منع الهوى ﴿ ونهى النفس عن الهوى  ﴾ والكبريت الإنابة ﴿ وأنيبوا إلى ربكم  ﴾ والمسرجة الصبر ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ والفتيلة الشكر ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم  ﴾ والدهن الرضا ﴿ واصبر لحكم ربك  ﴾ ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب المقصود من حضرة ربك بالتضرع والدعاء قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ فهنالك تسمع ﴿ قد أوتيت سؤلك يا موسى ﴾ .

الخامسة: هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه أحدها: الشمس يحجبها الغيم، وشمس المعرفة لا تحجبها السموات السبع ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب  ﴾ وثانيها الشمس تغيب ليلاً وشمس المعرفة لا تغيب ليلاً ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً  ﴾ ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ الليل للعاشقين ستير ياليت أوقاته تدوم وعند الصباح يحمد القوم السرى.

وثالثها الشمس تفنى ﴿ إذا الشمس كورت  ﴾ والمعرفة لا تفنى ﴿ أصلها ثابت وفرعها في السماء  ﴾ ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ  ﴾ ورابعها الشمس إذا قارنها القمر انكسفت وشمس توحيد المعرفة وهي "أشهد أن لا إله إلا الله" إذا لم تقرن بقمر النبوة وهي "أشهد أن محمداً رسول الله  " لم يصل نور إلى عالم الجوارح.

وخامسها الشمس تسود الوجه والمعرفة تبيض الوجوه ﴿ يوم تبيض وجوه  ﴾ وسادسها الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الإحراق "جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" وسابعها الشمس تصدع والمعرفة تصعد ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب  ﴾ وثامنها الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في الدارين ﴿ فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ وبوجه آخر الشمس زينة لأهل الأرض، والمعرفة زينة لأهل السماء.

وتاسعها الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى، وفيه أن الخيبة مع الترفع والشرف مع التواضع.

وعاشرها الشمس تعرّف أحوال الخلق، والمعرفة تصل القلب إلى الخالق.

والشمس تقع على الولي والعدوّ والمعرفة لا تحصل إلا للولي، ولما كان شرح الصدر الذي هو أول مراتب الروحانيات أشرف من أعلى مراتب الجسمانيات بدأ موسى بطلبه قائلاً ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

السادسة: الشمس سراج أوقدها الله  للفناء ﴿ كل من عليها فان  ﴾ والمعرفة سراج استوقده للبقاء ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت  ﴾ والذي خلقه للفناء إذا قرب منه الشيطان احترق ﴿ يجد له شهاباً رصداً  ﴾ والذي خلقه للبقاء كيف يقرب منه الشيطان ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وأيضاً: الشمس في السماء ثم إنها مع بعدها تزيل الظلمة عن بيتك، فشمس المعرفة مع قربها لأنها في قلبك أولى أن تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك.

وأيضاً الإنسان إذا استوقد سراجاً فإنه لا يزال يتعهده ويمده، والله  هو الموقد لسراج المعرفة ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان  ﴾ أفلا يمده وهو معنى قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

وأيضاً إذا كان في البيت سراج فإن اللص لا يقرب منه، وإنه  قد أوقد سراج المعرفة في قلبك فكيف يقرب الشيطان منه ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وأيضاً المجوس إذا أوقدوا ناراً لا يجوزون إطفاءها، فالملك القدوس إذا أوقد سراج المعرفة في قلبك كيف يرضى بإطفائها ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

السابعة: أنه  أعطى قلب المؤمن تسع كرامات أحدها ﴿ أوَمَنْ كان ميتاً فأحييناه  ﴾ وقال  : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" فيعلم أنه لما خلق أرض القلب فأحياها بنور الإيمان لا يكون لغيره فيها نصيب.

وثانيها الشفاء ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين  ﴾ وفيه أنه إذا وضع الشفاء في العسل بقيت تلك الخاصية فيه أبداً.

فإذا وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى أبداً؟

وثالثها الطهارة ﴿ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى  ﴾ وفيه أن الصائغ إذا امتحن الذهب فبعد ذلك لا يدخله في النار، فالله  لما امتحن قلب المؤمن كيف يدخله النار بعده؟

ورابعها الهداية ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه  ﴾ وفيه أن الرسول  يهدي نفسك والقرآن يهدي روحك والمولى يهدي قلبك، والأول قد يحصل وقد لا يحصل ﴿ إنك لا تهدي من أحببت  ﴾ وكذا الثاني ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً  ﴾ وأما هداية القلب فلا تزول ألبتة لأن الهادي لا يزول ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  ﴾ وخامسها الكتابة ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ وفيه أن القرطاس إذا كتب فيه القرآن لم يجز إحراقه، فقلب المؤمن الذي فيه القرآن وجميع أحكام ذات الله وصفاته كيف يليق بالكريم إحراقه؟

وأيضاً إن بشراً الحافي أكرم قرطاساً فيه اسم الله  فنال سعادة الدارين، فإكرام قلب فيه معرفة الله أولى بذلك.

وأيضاً إن القرطاس إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى إنه لا يجوز للجنب والحائض مسه، فالقلب الذي فيه أكرم الموجودات كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه؟

وسادسها ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين  ﴾ وفيه أن أبا بكر لما نزلت عليه السكينة في الغار قيل له لا تحزن إن الله معنا.

فالمؤمن إذا نزلت السكينة في قلبه لا بد أن يقال له عند قبض الروح: لاتخف ولا تحزن كما قال ﴿ تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا  ﴾ وسابعها المحبة والزينة كما قال ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم  ﴾ وفيه أن الدهقان إذا ألقى في الأرض حبة فهو لا يفسدها ولا يحرقها، فهو  حين ألقى حبة المحبة في أرض القلب كيف يحرقها؟

وثامنها ﴿ وألف بين قلوبكم  ﴾ وفيه أن محمداً حين ألف بين قلوب أصحابه ما تركهم غيبة ولا حضوراً سلام " علينا وعلى عباد الله الصالحين" فأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين كيف يتركهم ﴿ سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم  ﴾ وتاسعها الطمأنينة ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ وفيه أن الحاجات غير متناهية وما سوى الله فهو متناه، المتناهي لا يقابل غير المتناهي.

فالكافي للمهمات لا يكون إلا من له كمالات غير متناهيات فلا يزيل قلق الحوائج واضطراب الأماني إلا الله  ، وبإزاء هذه الكرامات ورد في حق الكفار أضدادها ﴿ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم  ﴾ ﴿ ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم  ﴾ ﴿ في قلوبهم مرض  ﴾ ﴿ قلوبهم قاسية  ﴾ ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه  ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم  ﴾ ﴿ أم على قلوب أقفالها  ﴾ ﴿ بل ران على قلوبهم  ﴾ ﴿ طبع الله على قلوبهم  ﴾ فلأجل تلك الكرامات والهرب من أضدادها قال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ﴾ .

الثامنة: في حقيقة شرح الصدر وذلك أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا إلا رغبة بأن يكون متعلق القلب الأهل والولد وتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم، ولا رهبة بأن يكون خائفاً من الأعداء والمنازعين فإن القوة البشرية لضعفها كينبوع صغير، فإذا وزعت على جداول كثيرة ضعف الكل وضاعت وإذا انصب الكل في موضع واحد ظهر أثرها وقويت فائدتها، فسأل موسى ربه أن يوقفه على معايب الدنيا وقبح صفاتها ليكون متوجهاً بالكلية إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات وهذا معنى قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

أو نقول: إنه لما كلف بضبط الوحي في قوله ﴿ فاستمع لما يوحى ﴾ وبالمواظبة على خدمة الخالق في قوله ﴿ فاعبدني ﴾ فكأنه صار مكلفاً بتدبير العالمين، والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر فسأل موسى ربه قوة وافية بالطرفين فقال ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ أو نقول: معدن النور هو القلب، والاشتغال بما سوى الله - من الزوجة والولد والصديق والعدوّ بل الجنة والنار - هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر، فإذا قوى الله بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا في عينه كالذباب والبق والبعوض فلا يدعوه رغبة إلى شيء مما يتعلق بالدنيا ولا رهبة من شيء من ذلك فيصير الكل عنده كالعدم فعند ذلك يزول الحجاب وينفسخ القلب بل الصدر للنور ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

التاسعة: لنضرب مثلاً لذلك فنقول: البدن بالكلية كالمملكة، والصدر كالقلعة، والفؤاد كالصفة، والقلب كالسرير، والروح كالملك، والعقل كالوزير، والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة، والغضب كالاسفهيد الذي يشتغل بالضرب، والتأديب والحواس كالجواسيس، وسائر القوى كالمحترفين والعملة والصناع.

ثم إن الشيطان كملك مطاع وإنه يخاصم هذه البلدة والقلعة والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده، فإذا أخرج الروح وزيره وهو العقل أخرج الشيطان في مقابله الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله  والهوى إلى الشيطان.

ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الخصم في مقابلته الشهوة، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا، والشهوة تحسن لذات الدنيا.

ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتوقف على الحاضر والغائب من المعايب على ما قال "تفكر ساعة خيرمن عبادة سنة" فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة، ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، فأخرج الشيطان بإزائه العجلة والسرعة فلهذا قال  " ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل الخرق في شيء إلا شانه" وخلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصفين وقلبك وصدرك هو المعركة.

ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقاً وهو الزهد في الدنيا، وله سور وهو الرغبة في الآخرة.

فإن كان الخندق عظيماً والسور قوياً عجز عسكر الشيطان وجنوده فانهزموا، وإن كان بالضد دخل الشيطان وجنوده من الكبر والهوى والعجب والبخل وسوء الظن بالله ومن النميمة والغيبة وسائر الخصال الذميمة، وينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه، ثم إذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح وانشرح ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ .

النكتة العاشرة: في الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب.

الصدر مقر الإسلام ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام  ﴾ والقلب مقر الإيمان ﴿ حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم  ﴾ ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ والفؤاد مقر المشاهدة ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ واللب مقام التوحيد ﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب  ﴾ أي الذين خرجوا من قشر الوجود المجازي وبقوا بلب الوجود الحقيقي.

ثم إن القلب كاللوح المحفوظ في العالم الصغير فإذا ركب العقل سفينة التوفيق وألقاها في بحار أمواج المعقولات من عالم الروحانيات هبت من مهاب العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الأدبار أخرى، فحينئذٍ يضطر الراكب إلى التماس أنوار الهدايات وطلب انفتاح أبواب السعادات فيقول ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وإنما سأل موسى شرح الصدر دون القلب لأن انشراح الصدر يستلزم انشراح القلب دون العكس.

وأيضاً شرح الصدر كالمقدمة لشرح القلب والجواد يكفيه الإشارة، فإذا علم أنه طالب للمقدمة فلا يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة.

وأيضاً إنه راعى الأدب في الطلب فاقتصر على طلب الأدنى.

فلا جرم أعطى المقصود فقال ﴿ قد أتيت سؤلك يا موسى ﴾ وحين اجترأ في طلب الرؤية بقوله ﴿ أرني أنظر إليك  ﴾ أجيب بقوله ﴿ لن تراني ﴾ .

واعلم أن جميع المهيئات الممكنة كالبلور الصافي الموضع في مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت له نسبة إليها بأسرها، فينعكس شعاع كبرياء الإلهية من كل واحد منها إلى القلب فيحرق القلب.

ومعلوم أن المحرق كلما كان أكثر كان الاحتراق أتم، فلهذا قال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات وأصل إلى مقام الاحتراق بأنوار الجلال كما نبينا  "أرني الأشياء كما هي" وههنا دقيقة وهي أن موسى لما زاد لفظة ﴿ لي ﴾ في قوله ﴿ رب اشرح لي ﴾ دون أن يقول "رب اشرح صدّري" علم أنه أراد أن تعود منفعة الشرح إليه فلا جرم يقول يوم القيامة "نفسي نفسي" وإن نبينا  لما لم ينس أمته في مقام القرب إذ قيل له "السلام عليك أيها النبي" فقال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ، فلا جرم يقول يوم القيامة "أمتي أمتي" وشتان ما بين نبي يتضرع إلى الله ويقول ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ وبين نبي يخاطب أولاً بقوله ﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ .

ولا يخفى أن المراد بالشرح والتيسير عند أهل السنة هو خلقهما، وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث بفعل الألطاف المسهلة، فإنه يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال.

أما قوله  ﴿ واحلل عقدةً من لساني ﴾ فاعلم أن النطق فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال ﴿ خلق الإنسان علمه البيان  ﴾ بغير توسط العاطف كأنه إنما يكون خالقاً للإنسان إذا علمه البيان.

وفي لسان الشاعر وهو زهير: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده *** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.

وعن علي كرم الله وجهه: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة.

وقال العقلاء: المرء بأصغريه.

المرء مخبوء تحت لسانه.

وفي مناظرة آدم والملائكة لم تظهر الفضيلة إلا بالنطق.

ومن التعريفات المشهورة: إن الإنسان هو الحيوان الناطق، وهذا النطق وإن كان في التحقيق هو إدراك المعاني الكلية لكن النطق اللساني لا ريب أنه أظهر خواص الآدمي وقد نيط به أمر تمدنه والتعبير عما في ضميره فقول موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إشارة إلى طلب النور الواقع في القلب، وقوله ﴿ ويسر لي أمري ﴾ رمز الى تسهيل ذلك التحصيل، وقوله ﴿ واحلل ﴾ طلب لسهولة أسباب التكميل لأن اللسان آلة إلافاضة والإفادة وبه يتيسر ذلك الخط الجسيم والمنصب العظيم.

وحسبك يا فتى شرفاً وفخراً *** سكوت الحاضرين وأنت قائل ومن الناس من مدح الصمت بوجوه منها: قوله  "الصمت حكمة وقليل فاعله" وقوله: مقتل الرجل بين فكيه.

وفي نوابغ الكلم: يا بني قِ فاك لا تقرع قفاك.

ومنها أن الكلام خمسة أقسام: فالذي ضرره خالص أو غالب أو مساوٍ للنفع واجب الترك احترازاً من السفه والعبث، والذي نفعه خالص أو غالب عسر المراعاة فالأولى تركه.

ومنها أنه ما من موجود أو معدوم معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله بإثبات أو نفي بحق أو بباطل، بخلاف سائر الأعضاء.

فالعين لاتصل إلا إلى الألوان والسطوح، والأذن لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف، واليد لا تصل إلا إلى الأجسام، وكذا باقي الجوارح.

أما اللسان فإنه رحب الميدان واسع المضطرب خفيف المؤنة سهل التناول لا يحتاج إلى آلات وأدوات للمعصية به فكان الأولى ترك الكلام وإمساك اللسان.

والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والنطق في نفسه فضيلة، وإنما يصير رذيلة لأسباب عرضية مما عددها ذلك القائل فيرجع الحق إلى ما قاله النبي  "رحم الله امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم" قالوا: ترك الكلام له أربعة أسماء: الصمت وهو أعمها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم "مال ناطق أو صامت".

والسكوت وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والإنصات هو السكوت مع استماع قال  ﴿ فاستمعوا له وأنصتوا  ﴾ والإصاخة وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد.

أما العقدة فقيل: إنها كانت في أصل خلقته وعن ابن عباس أنه في حال صباه أخذ بلحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال: هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وإن شئت فامتحنه بالتمرة والجمرة.

وقيل: بالياقوت والجمر.

فأحضرا بين يديه فأراد مد اليد إلى الياقوت فحول جبرائيل يده إلى الجمرة فأخذها ووضعها في فيه فظهر به تعقد وتحبس عن بعض الحروف.

فإن صحت هذه الرواية فالنار إنما أحرقته وأثرت فيه إطفاء لثائرة غضب فرعون وإلا فالله  قادر على دفع الإحراق عن طبع النار كما في حق إبراهيم صلوات الرحمن عليه، وكما في حق موسى حين ألقي في التنور.

ويروى أن يده احترقت أيضاً وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم يبرأ ولما دعاه قال: الي أيّ رب تدعوني؟

قال: إلى الذين أبرأ يدي وقد عجزت عنها.

وعن بعض العلماء أنه لم تبرأ يده لئلا ينعقد بينه وبين فرعون حرمة المؤاكلة من قصعة واحدة.

وقيل: لم تحرق يده لأن الصولة ظهرت باليد، وإنما احترق اللسان لأنه خاطبه بقوله "يا أبت".

وما الحكمة في طلب حل العقدة؟

الأظهر كيلا يقع في أداء الرسالة خلل فلهذا ﴿ قال يفقهوا قولي ﴾ وقيل: لأن العقدة في اللسان قد تقتضي الاستخفاف بالقائل وعدم الالتفات إليه.

وقيل: إظهاراً للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزاً له فكذا إطلاق لسان موسى كان معجزاً في حقه.

وهل زالت تلك العقدة بالكلية؟

فعن الحسن نعم لقوله ﴿ قد أوتيت سؤلك يا موسى ﴾ والأصح أنه بقي بعضها لقوله  حكاية عن فرعون ﴿ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين  ﴾ أي يقارب أن لا يبين.

وكان في لسان الحسين بن علي  رتة أي عجمة في الكلام فقال رسول الله  : "ورثها من عمه موسى" .

وفي تنكير عقدة أيّ عقدة من عقد دلالة على أنه طلب حل بعضها بحيث يفهم عنه فهماً جيداً ولم يطلب الفصاحة الكاملة.

وقال أهل التحقيق: وذلك لأن حل العقدة بالكلية نصيب محمد  فكان أفصح العرب والعجم وقد قال  ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  ﴾ فلما كان ذلك حقاً ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله.

ومن مطالب موسى قوله ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي هرون ﴾ قال أهل الاشتقاق: الوزير من الوزر بالكسر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنة، أو من الوزر بفتحتين وهو الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه أموره، أو من الموازرة وهي المعاونة فيكون من الأزر والقوة ومنه قوله  ﴿ اشدد به أزري ﴾ أي ظهري لأنه محل القوة.

قال الجوهري: آزرت فلاناً أي عاونته، والعامة تقول: وازرته.

وعلى هذا فيكون القياس أزيراً بالهمز على ما حكي عن الأصمعي ووجه القلب حمل "فعيل على "مفاعل" لاتحاد معنييهما في نحو "عشير" و "جليس" و "صديق" وغيرها.

وحمله على أخوته من نحو الموازرة ويوازر والاستعانة بالوزير وبحسن رأيه دأب الملوك العقلاء وقد استحسنه نبينا  فقال "إذا أراد الله بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن نوى خيراً أعانه عليه، وإن أراد شراً كفه" وكان أنو شروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير.

وكفى بمرتبة الوزارة منقبة وفخراً وشرفاً وذكراً أن النبي  المؤيد بالمعجزات الباهرة ابتهل إلى الله  في مقام القرب والمكالمة يطلبه منه، فيجب على من أوتي هذه الرتبة أن يؤدي إلى الله حقها ولا يغتر بالدنيا وما فيها، ويزرع في أرض الوزارة ما لم يندم عليه وقت حصاده.

وقيل: إن موسى خاف على نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر العظيم والخطب الجسيم فطلب المعين.

والأظهر أنه رأى أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع خلوص النية وصفاء الطوية أبعد عن التهمة وأعون على الغرض، ولهذا حكى عن عيسى أنه قال ﴿ من أنصاري إلى الله  ﴾ وخوطب نبينا  بقوله ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ وروي أنه  قال "إن لي في السماء وزيرين وفي الارض وزيرين فاللذان في السماء جبرائيل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر" ثم إن موسى طلب أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه لتكون الثقة به أكثر وليكون الشرف في بيته أوفر وإنه كان واثقاً بأخيه هارون فأراد أن يخصه بهذا المنصب الشريف قضاء لحقوق الإخاء، فمن منع المستوجبين فقد ظلم وكان أفصح منه لساناً وأكبر سناً وألين جانباً.

قال جار الله: ﴿ وزيراً ﴾ و ﴿ هرون ﴾ مفعولاً ﴿ اجعل ﴾ قدم ثانيهما عناية بأمر الوزارة، أو ﴿ لي ﴾ و ﴿ وزيراً ﴾ مفعولان ﴿ هرون ﴾ عطف بيان للوزير و ﴿ أخي ﴾ في الوجهين بدل من ﴿ هرون ﴾ أو عطف بيان آخر.

وقيل: يجوز فيمن قرأ ﴿ اشدد ﴾ على الأمر أن يجعل ﴿ أخي ﴾ مرفوعاً على الابتداء و ﴿ اشدد ﴾ خبره فيوقف على ﴿ هرون ﴾ وشد الأزر به عبارة عن تقويته به وأن يجعله ناصراً له فيما عسى يرد عليه من الشدائد والخطوب، بل يجعله وسيلة له في أمر النبوة وطريق الرسالة لأنه صرح بذلك في قوله ﴿ وأشركه في أمري ﴾ .

ثم ذكر غاية الأدعية فإن المقصد الأسنى هو الاستغراق في بحر التوحيد ونفي الإشراك، فإن التعاون مهيج الرغبات ومسهل سلوك سبل الخيرات فقال ﴿ كي نسبحك كثيراً ﴾ أي تسبيحاً كثيراً ﴿ ونذكرك ﴾ ذكراً ﴿ كثيراً ﴾ وقدم التسبيح وهو التنزيه لأن النفي مقدم على الإثبات، فبالأول تزول العقائد الفاسدة، وبالثاني ترتسم النقوش الحسنة المفيدة.

ثم ختم الأدعية بقوله ﴿ إنك كنت بنا بصيراً ﴾ وفيه فوائد منها: أنه فوض استجابة الدعوات إلى عمله بأحوالهما وأنهما يصدد أهلية الإجابة أم لا، وفيه من حسن الأدب ما لا يخفى.

ومنها أنه عرض فقره واحتياجه على علمه وأنه مفتقر إلى التعاون والتعاضد ولهذا سأل ما سأل.

ومنها أنه أعلم بأحوال أخيه هل يصلح لوزارته أم لا، وأن وزارته هل تصير سبباً لكثرة التسبيح والذكر.

وحين راعى من دقائق الأدب وأنواع حسن الطلب ما يجب رعايته فلا جرم أجاب الله  مطالبه وأنجح مآربة قائلاً ﴿ قد أوتيت سؤلك ﴾ والسؤل بمعنى المسؤول كالخبز بمعنى المخبوز والأكل بمعنى المأكول.

وزيادة قوله ﴿ يا موسى ﴾ بعد رعاية الفاصلة لأجل كمال التمييز والتعيين والله أعلم.

بمصالح عبيده.

التأويل: يا من طاب بطهارته بساط النبوة ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن ﴾ إلا لتسعد بتخلقك بخلقه ويسعد بسببك الأولون والآخرون من أهل السموات وأهل الأرضين.

﴿ تنزيلاً ممن خلق ﴾ أرض بشريتك وسموات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات الممكنات كما قال "أول ما خلق الله روحي" .

استوى بصفة الرحمانية على عرش قلبك ليكون معه وقت لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل: ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الصفات الحميدة ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الصفات الذميمة ﴿ وما بينهما ﴾ أي بين سماء الروح وأرض النفس وهو القلب بما فيه من الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص ﴿ وما تحت الثرى ﴾ أي ما هو مركوز في جبلة الإنسانية: ﴿ وإن تجهر بالقول ﴾ أن يظهر شيء من صفاتك بالقول ﴿ فإنه يعلم السر ﴾ وهو ما يظهر من سيرتك ﴿ وأخفى ﴾ هو ما أخفى الله من خفيك.

السر في اصطلاح الصوفية لطيفة بين القلب والروح، وهو معدن الأسرار الروحانية.

والخفي لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها وجملتها المعقولات، وقد يحصل لكل إنسان عند نشأته الأولى وإن كان كافراً.

والأخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية ويكون عند نشأته الأخرى ولا يحصل إلا لمؤمن موحد صار مهبط الأنوار الربانية وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية، ولهذا قال عقيبه ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ لأن مظهر الألوهية وصفاته العليا وأسمائه الحسنى هو الخفي الذي لا شيء أقرب إلى الحضرة منه إلا وهو سر ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ وهو حقيقة قوله "إن الله خلق آدم فتجلى فيه" ﴿ وهل أتاك حديث موسى ﴾ القلب ﴿ إذ رأى ناراً  ﴾ وهو نور في الحقيقة مأنوس به من جانب طور الروح ﴿ فقال لأهله ﴾ وهم النفس وصفاتها ﴿ امكثوا ﴾ في ظلمة الطبيعة الحيوانية ﴿ إني آنست ﴾ نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب الوجود المجازي شيئاً ﴿ لعلي آتيكم منها بقبس ﴾ يخرجكم من ظلمات الطبيعة إلى أنوار الشريعة ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ بآداب الطريقة إلى الحقيقة ﴿ فلما أتاها نودي ﴾ من شجرة القدس بخطاب الإنس ﴿ فاخلع نعليك ﴾ أي اترك الالتفات إلى الزوجة والولد فإن النعل يعبر في الرؤيا بهما، أو اترك الالتفات إلى الكونين إنك واصل الى جناب القدس، أو هما المقدمتان في نحو قولنا "العالم محدث وكل محدث فله محدث وموجد" وذلك أنه إذا غرق في لجة العرفان بقيت المقدمات على ساحل الوسائل ﴿ وأنا اخترتك ﴾ يا موسى القلب من سائر خلق وجودك من البدن والنفس والسر والروح ﴿ فاستمع ﴾ بسمع الطاعة والقبول إنني لما تجليت بأنانية الوهيتي لأنانية وجودك المجازي لا يبقى إلا أنا ﴿ فاعبدني ﴾ بإفناء وجودك وأدم المناجاة معي لنيل ذكري إياك بالتجلي.

إن قيامة العشق ﴿ آتية أكاد أخفيها ﴾ لعظم شأنها إلا أن متقاضى الكرم اقتضى إظهارها لأخص عبيدي ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى ﴾ في العبودية من الروح والسر والقلب والنفس والقالب فلما كان سعي الروح بحب الوطن الأصلي للرجوع إليّ أمكن إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ فجزاؤه من تجلي صفات الجلال بانعدام الناسوتية في اللاهوتية وكان سعي السعي بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإفاضة الفيض الإلهي عليه.

وسعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفيته وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال، فجزاؤه بدوام التجلي وأن يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الطهور الذي يزيل لوث الحدوث عن لوح القلوب لكشف حقائق.

وسعي النفس بتبديل الأخلاق وانتفاء الأوصاف الحيوانية، فجزاؤه بإشراق نور ربها لإزالة ظلمة صفاتها واطمئنانها إلى ذكر ربها لتصير قابلة لجذبه ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وسعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب الطريقة، فجزاؤه ورفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين فلا يصدنك عن هذه السعادات النفس الأمارة بالسوء التي لا تؤمن بها.

ويحتمل أن يقال: أكاد أخفي الساعة ودخول الجنة والنار لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف النار.

قالوا: أخطأ موسى في قوله ﴿ هي عصاي ﴾ وكان عليه أن يقول "أنت أعلم بحالها مني" وفي قوله ﴿ أتوكأ عليها ﴾ وكان عليه أن يتكىء على لطف الله وكرمه فلهذا قيل له ﴿ ألقها يا موسى ﴾ وفي قوله ﴿ وأهش بها على غنمي ﴾ إذ نسي أن العصا لا تكون واسطة لرزق أغنامه وإنما الرزاق هو الله.

﴿ خذها ولا تخف ﴾ فإن الضار والنافع هو الله وحده فلا يكن خوفك إلا منه ولا رجاؤك إلا به ﴿ واضمم ﴾ يد همتك إلى جناح قنوعك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية عن درن السؤال وعن الطمع وباقي الحقائق مذكور في التفسير.

وفي قوله ﴿ قد أوتيت ﴾ بلفظ الماضي إشارة إلى أنه أعطي ذلك بالتقدير الأزلي لا بالتدبير العملي والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: و ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَى نَاراً ﴾ ، ظاهر، هذا سؤال واستفهام، لكن المراد منه الإيجاب، ثم اختلف في معنى الإيجاب: قال الحسن وأبو بكر: قوله ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ ﴾ ، أي: لم يأتك حديث موسى وسيأتيك، ثم أخبره وأعلمه بحديثه ونبئه.

وقال بعضهم: ﴿ هَلْ أَتَاكَ ﴾ ، أي: قد أتاك حديث موسى؛ لتخبرهم عما كان في كتبهم؛ ليكون ذلك آية لنبوتك ورسالتك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : قيل: رأيت ناراً، وقيل: علمت ناراً؛ ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ ليس في هذه الآية بيان أن موسى في أي حال كان؟

وفي أيّ وقت؟

لكن في موضع آخر بيان ذلك، وهو ما قال: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً  ﴾ ، هذا يدل أنه كان في حال السير والسفر رأى ذلك، وقال في آية أخرى: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ فهذا يدل أنه كان في أيام الشتاء والبرد، حيث قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ القبس: النار، والأقباس: النيران، ويقال: قبس يقبس قبساً، أي: جاء بالنار، ويقال: اقتبست ناراً، واقتبست - أيضاً -: تعلمت، وهذا من ذاك؛ لأن العلم ضوء، ويقال: اقتبستك، أي: علمتك، واقتبستك أي النار والعلم.

وقال القتبي: ﴿ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : أبصرت، ويكون في موضع آخر: علمت، كقوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً  ﴾ أي: علمتم منهم رشداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ﴾ : هذا يشبه أن يكون قد استقبلته الطرق؛ فلم يعلم الطريق الذي له من غيره، فقال: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ﴾ ، أي: من يدلني ويرشدني على الطريق.

أو أن كان قد ضل الطريق وعدل عنه، فقال عند ذلك ما قال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ﴾ نداء وحي ﴿ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ : قال بعضهم: إنما أمره بخلع نعليه؛ لأنهما كانا من جلد ميتة.

وقال قائلون: أمره ينزع نعليه؛ ليمس قدماه بركة ذلك الوادي، أو يصيبه من يمنه.

وقال بعضهم: أمره بذلك؛ للتواضع والخضوع له؛ لأن لبس النعل يخرج مخرج المباهاة، فأمر بذلك؛ ليكون أخضع له وأكثر تواضعاً، والله أعلم بذلك، وليس لنا أن نفسّر ذلك أنه لماذا أمره بذلك؟

إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، وليس لنا أن نقول: أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى؛ فيخرج ذلك مخرج الشهادة على الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ : المقدّس: المطهر، ولعلّه سماه مطهراً؛ لما لم يعبد عليه سواه ودونه، أو سماه: مطهراً؛ لمعنى خصّ به؛ لفضل عبادة أو غيرها على ما خصّ بقاعاً بفضل عبادة تقام فيها من نحو المساجد والحرم وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ طُوًى ﴾ : قال بعضهم: هو من وطء الأرض، أي: طأ الوادي المبارك حافياً.

وقال بعضهم: ﴿ طُوًى ﴾ : قد قدس مرتين، وهو قول الحسن.

وقال بعضهم: ﴿ طُوًى ﴾ يقول: يطوي مسيره.

نحو هذا قد قالوا، لكن الأصوب ألا يفسّر إلا بعد حقيقة به؛ لأنه أنباء كانت في كتبهم ذكرت لرسول؛ لتكون له حجة ودلالة على رسالته عليهم، ففي التفسير خوف دخول الغلط فيه وتغييره، فإذا تغير لم يصر له عليهم حجة ودلالة على رسالته؛ لذلك كان السكوت عنه أولى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ ﴾ إما بالرسالة والنبوة، أو بأشياء أخر كقوله: ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي...

﴾ الآية [طه: 41]، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً  ﴾ أخلصه الله لنفسه بأشياء.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ ﴾ : هذا يدل أن النداء الّذي نودي كان نداء وحي، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي ﴾ وهو ظاهر، كذلك أمر رسله أوّل ما أمروا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ لتكون ذاكراً لي؛ لأن أكثر ما يذكر المرء به إنّما يذكر في الصّلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها ذكر لله؛ ولذلك سمى الصلاة: مناجاة الربّ، أو أن يكون قوله: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ ، أي: لتذكرني بها يا موسى.

وقال قائلون: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ إذا أنت نسيت إذا ذكرتها، وعلى هذا رويت الأخبار عن رسول الله  أنه قال ذلك، وقرأ هذه الآية إن ثبتت.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ أي: أقم الصّلاة لتستوجب بها ذكرى.

وقال القتبي: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ أي: لتذكرني فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ : قال الحسن: ﴿ أَكَادُ ﴾ صلة، كأنّه قال: إن السّاعة آتية أخفيها، وفي حرف أُبيّ بن كعب: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي)، ثم يحتمل قوله: من نفسي وجهين: أحدهما: أخفيها من خلقي، ولا يجب أن يفهم من نفسه: ذاته بالإضافة إليه، كما لم يفهم من قوله: ﴿ رُّوحِي ﴾ و ﴿ رُوحَنَا ﴾ ، وهو أخفى من الناس: ذاته، ولكن فهم منه: خلقه؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله: من نفسي ذاته، هذا يحتمل، والله أعلم.

والثاني أن يكون قوله: (أكاد أخفيها من نفسي)، أي: من أخيار عبادي، أي: أخفيها من أخيار عبادي مع عظيم قدرهم ومنزلتهم عندي من نحو الملائكة والأنبياء والرسل؛ فإن عادة ملوك الأرض: أنهم لا يكتمون سرائرهم من خواصهم، بل يطلعونهم على ذلك، فأخبر - عز وجل - والله أعلم - أنه أخفاها من خواص عباده وأخيارهم، فكيف من دونهم؟

فيكون إضافته إياهم إلى نفسه؛ لعظم قدر أولئك وفضل منزلتهم كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ والله لا يُنصر، ولكن إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم، وكذلك قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ والله لا يخادع، ولكن يخادعون أولياءه ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: (أخفيها من نفسي): أي: من خواصي وأخيار عبادي، والله أعلم.

هذا على إسقاط قوله: ﴿ أَكَادُ ﴾ وجعله صلة، وأما على إثبات ﴿ أَكَادُ ﴾ فهو على وجهين.

أحدهما: يقال: كاد: أراد، أي: أريد أخفيها، وهو معروف باللّغة.

والثاني: كاد، يقال: قارب، وهو سائغ في اللغة، جارٍ (كاد) على إرادة مقاربة: كادت الشمس أن تطلع، أو تغرب، أي: قاربت وكدت أن أسقط، أي: قاربت، وإلا لا يريد السقوط، إذا كان على هذا فهو قال ذلك - والله أعلم - على التعظيم لها، أي: قارب أن يخفيها من نفسه فكيف من غيره؟!.

وقال ابن عباس قريباً من هذا، أي: (أكاد أخفيها من نفسي) فكيف أعلنها لكم؟!

أي: لا أظهر عليها أبداً غيري، فكأنه استجاز الإخفاء في موضع الإظهار باللغة، نحو ما قالوا في قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ  ﴾ أي: أظهروا، فعلى ما كان الإسرار في موضع الإظهار والكتمان، فعلى ذلك رأوا الإخفاء مستعملاً في الأمرين جميعاً، وكذلك قال أبو عوسجة: ﴿ أُخْفِيهَا ﴾ ، أي: أظهرها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ﴾ ، أي: لهذا ما أخفيها ﴿ لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ﴾ ؛ لأنها لو كانت ظاهرة يعاينها كل أحد، ويعلمها، لما كان ذلك جزاء، ولكن كان دفعاً؛ لأنه يعاين كل إنسان ما نزل بهذه النفس بما سعت من العذاب فيمتنع هو عنه، وإذا رأى كل أحد ثواب هذا بسعيه يرغب في مثله؛ فيكون ذلك كله بحق الدفع، لا بحق الجزاء، فأخبر أنه أخفاها؛ للجزاء والمحنة، لا للدفع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا ﴾ ، أي: عن الإيمان بها ﴿ مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا ﴾ يعني: السّاعة، والله أعلم.

لا يصدنك عنها بأسباب ألقاها إليك، وقد يمتنع الإنسان عن الشيء بأسباب تعترض وشبه تستقبل، وإن لم يقدر على منعه بالتصريح والإفصاح، والله أعلم، أي: لا يصدنك عن الإيمان بها - يعني: الساعة - من لا يؤمن بها واتبع هواه في التكذيب بها بالشبه والأسباب التي ذكرنا ﴿ فَتَرْدَىٰ ﴾ أي: فتهلك لو صدّك عنها، فالخطاب وإن كان لرسول الله فهو لكل أحد من المؤمنين، على ما ذكرنا في غير آي من القرآن فيما خاطب رسوله به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا...

﴾ الآية كأن موسى - صلوات الله عليه - لم يفهم مراده بسؤاله إياه أنه ما أراد بقوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ : أنه يسأله عن اسمها [أو] عما له فيها؟

فأجاب الأمرين جميعاً عن اسمها وعما له فيها، حيث قال: ﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ ﴾ .

ثم قال الحسن: إنه والله كان يعلم أنّ في يده عصًا، لكنّه أراد أن يقرر عنده: أنها عصا لا حيّة؛ ليرى له منها آية فيعلم ذلك.

أو أن يريد بذلك تنبيهه وإيقاظه؛ ليعلم أنه وقت ما أخذها عصاً، فيعلم أنها إنما صارت كذا بالآية التي جعلها له لا أنها كانت يومئذ كذلك حية، والله أعلم.

﴿ قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴾ ثم يحتمل: جعلها حيّة تسعى، ثم جعلها حيّة، وأراد الآية له منها؛ لما أن قوم فرعون كانوا أهل بصر وحذق في ذلك النوع من السحر، فأحب أن يريهم الآية والعلامة من النوع الذي كان لهم فيه بصر وحذاقة؛ ليعلموا بخروجها عن وسعهم وطوقهم أنها آية وعلامة سماوية وربوبية لا بشرية؛ إذ الأعلام التي جعلها آيات وأعلاماً لرسله على رسالتهم إنما جعلها ما كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلموا بذلك أنها سماوية ربوبية، لا بشرية سحراً ولا كهانة، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ ﴾ على ما كانت في الحالة الأولى عصاً، كأنه موسى خاف حين صارت حيّة، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً  ﴾ فعند ذلك قال له: ﴿ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ ﴾ ، وأخبره أنه يعيدها عصاً على ما كانت، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ دلالة أن العصا إنما تمسك باليد اليمنى.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَتَرْدَىٰ ﴾ ، أي: تهلك أرداه: أهلكه، ويقال: تردى الرجل: إذا وقع في البئر أو من فوق حائط، ويقال: رديته، أي: ألبسته الرداء، وارتديت: أي: لبست الرداء، وترديت: مثله.

وقوله: ﴿ أَتَوَكَّأُ ﴾ ، أي: أستعين بها على المشي.

وقوله: ﴿ وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي ﴾ ، أي: أضرب الشجرة حتى تنثر ورقها فتأكله غنمه، والهش: الكريم، والبشّ: من البشاشة، قال: والمآرب: الحوائج، والأرب - أيضاً -: الحاجة، والآراب جمع، ويقال: أربت الشيء: قسمته، وجعلته إرباً أقساماً: أي: جزأته أجزاء.

وفي قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ ﴾ دلالة أن الإنسان إذا استخبر عن شيء، فإن عليه أن يخبر المستخبر عما يستخبر على الإجابة له، ولو كان يعلم أن المستخبر له عن ذلك عالم بذلك؛ لأن موسى كان يعلم أن ربّه كان أعلم بما في يده منه، ولم يقل حين استخبر عما في يده: إنك أنت أعلم به مني، ولكنه قال: هي عصاي إجابة له وتعظيماً لأمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ آيَةً أُخْرَىٰ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ  ﴾ ، وكأن في هذا تفسير الأوّل.

وقوله: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ ، أي: من غير برص، كأنهم ذهبوا إلى أن البياض في الإنسان إذا اشتد به حتى يغلف سائر بدنه لا يكون إلا بالبرص؛ لذلك قال: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ أي: من غير برص بك ﴿ آيَةً أُخْرَىٰ ﴾ سوى آية العصا.

وجائز أن يكون ﴿ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ أي: من غير آفة وعيب بك وأذى؛ لأنّ التغيّر إذا وقع في بعض بدن الإنسان لا يكون إلا بعيب وآفة تحل به، فبين أن ذلك البياض ليس لآفة بك، ولا عيب في بدنك، ولا فيه أذى، ولكن آية ليريها منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ .

قال قائلون: الآية في اليد أكبر من الآية في العصا؛ لأن سحر أولئك كان في العصا.

[وقال قائلون:] آية العصا أكبر من آية اليد؛ لأن أولئك كانوا أهل بصر وعلم في السحر في العصا، فخروج عصا موسى عما احتمل وسعهم وما لهم فيه بصر وعلم، يدلّ على أن ما أتى موسى ليس هو بسحر، ولكن آية من الله؛ لأن فضل بصر الرجل وعلمه في شيء إنما يظهر بمجاوزته في ذلك عن أهل بصر في ذلك النوع وعلم، لا يظهر ذلك على أهل الجهل في ذلك، فعلى ذلك أمر عصا موسى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ التي ذكر في آية أخرى، هو قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ...

﴾ الآية [الإسراء: 101]، الآيات الكبرى هي التسع التي ذكر في هذه الآية؛ [لا] أن كان لموسى آيات سوى التسع هي أكبر.

أو أن يكون ذلك لا على تخصيص آية دون آية بالكبر والعظم، ولكن وصف الكل بذلك، كقوله: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا  ﴾ هو على وصف آياته كلها بالكبر والعظم، وهو كقوله: ﴿ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً  ﴾ هو على إثبات النفع في كل واحد عليها في الآخر فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أريناك هاتين العلامتين لنريك -يا موسى- من آياتنا العظمى الدالة على قدرتنا، وعلى أنك رسول من عند الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.4qvYx"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله