الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٤٠ من سورة طه
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 216 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ) وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون ، عرضوا عليه المراضع ، فأباها ، قال الله عز وجل : ( وحرمنا عليه المراضع من قبل ) فجاءت أخته وقالت ( هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ) [ القصص : 12 ] .
تعني هل أدلكم على من ترضعه لكم بالأجرة ؟
فذهبت به وهم معها إلى أمه ، فعرضت عليه ثديها ، فقبله ، ففرحوا بذلك فرحا شديدا ، واستأجروها على إرضاعه فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة أغنم وأجزل ; ولهذا جاء في الحديث : " مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير ، كمثل أم موسى ، ترضع ولدها وتأخذ أجرها " .
وقال تعالى هاهنا : ( فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن ) أي : عليك ، ( وقتلت نفسا ) يعني : القبطي ، ( فنجيناك من الغم ) وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله ففر منهم هاربا ، حتى ورد ماء مدين ، وقال له ذلك الرجل الصالح : ( لا تخف نجوت من القوم الظالمين ) [ القصص : 25 ] .
وقوله : ( وفتناك فتونا ) قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ، رحمه الله ، في كتاب التفسير من سننه ، قوله : ( وفتناك فتونا ) : حديث الفتون حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا أصبغ بن زيد ، حدثنا القاسم بن أبي أيوب ، أخبرني سعيد بن جبير ، قال : سألت عبد الله بن عباس عن قول الله - عز وجل - لموسى ، عليه السلام : ( وفتناك فتونا ) فسألته عن الفتون ما هو ؟
فقال : استأنف النهار يا بن جبير ، فإن لها حديثا طويلا .
فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون ، فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ، عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ، ما يشكون فيه وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب ، فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان وعد إبراهيم ، فقال فرعون : فكيف ترون ؟
فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار ، يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه .
ففعلوا ذلك ، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم ، والصغار يذبحون ، قالوا : يوشك أن تفنوا بني إسرائيل ، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم ، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر ، فيقل أبناؤهم ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا ، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار; فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم ، فأجمعوا أمرهم على ذلك .
فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان ، فولدته علانية آمنة .
فلما كان من قابل حملت بموسى ، عليه السلام ، فوقع في قلبها الهم والحزن ، وذلك من الفتون - يا بن جبير - ما دخل عليه في بطن أمه ، مما يراد به ، فأوحى الله جل ذكره إليها أن ( لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) [ القصص : 7 ] فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم .
فلما ولدت فعلت ذلك ، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان ، فقالت في نفسها : ما فعلت بابني ، لو ذبح عندي فواريته وكفنته ، كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه .
فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون ، فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت ، فقال بعضهن إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدناه فيه ، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى رفعنه إليها .
فلما فتحته رأت فيه غلاما ، فألقي عليه منها محبة لم يلق منها على أحد قط .
وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء ، إلا من ذكر موسى .
فلما سمع الذباحون بأمره ، أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه ، وذلك من الفتون يا بن جبير ، فقالت لهم : أقروه ، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه ، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم ألمكم .
فأتت فرعون فقالت : ( قرة عين لي ولك ) [ القصص : 9 ] فقال فرعون : يكون لك ، فأما لي فلا حاجة لي فيه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته ، لهداه الله كما هداها ، ولكن حرمه ذلك " .
فأرسلت إلى من حولها ، إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرا ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك ، فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ، ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها ، فلم يقبل ، وأصبحت أم موسى والها ، فقالت لأخته : قصي أثره واطلبيه ، هل تسمعين له ذكرا ، أحي ابني أم قد أكلته الدواب ؟
ونسيت ما كان الله وعدها فيه ، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون - والجنب : أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به - فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون .
فأخذوها فقالوا : ما يدريك ؟
ما نصحهم له ؟
هل يعرفونه ؟
حتى شكوا في ذلك ، وذلك من الفتون يا بن جبير .
فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤرة الملك ، ورجاء منفعة الملك .
فأرسلوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر .
فجاءت أمه ، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه ، حتى امتلأ جنباه ريا ، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا .
فأرسلت إليها .
فأتت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي ترضعي ابني هذا ، فإني لم أحب شيئا حبه قط .
قالت أم موسى : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي ، فيكون معي لا آلوه خيرا ؛ فعلت ، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي .
وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه ، فتعاسرت على امرأة فرعون ، وأيقنت أن الله منجز وعده فرجعت به إلى بيتها من يومها ، وأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه .
فلم يزل بنو إسرائيل ، وهم في ناحية القرية ، ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم ، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أتريني ابني ؟
فوعدتها يوما تريها إياه فيه ، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظؤرها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك وأنا باعثة أمينا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم ، فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون ، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته ، وفرحت به ونحلت أمه لحسن أثرها عليه ، ثم قالت : لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه ، فلما دخلت به عليه جعله في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون يمدها إلى الأرض ، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه ، إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك ، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه .
وذلك من الفتون يا بن جبير بعد كل بلاء ابتلي به ، وأريد به .
فجاءت امرأة فرعون فقالت ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ؟
فقال : ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني!
فقالت : اجعل بيني وبينك أمرا يعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين ، فقربهن إليه ، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فاعرف أنه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين ، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل .
فقرب إليه فتناول الجمرتين ، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده ، فقالت المرأة : ألا ترى ؟
فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به ، وكان الله بالغا فيه أمره .
فلما بلغ أشده وكان من الرجال ، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة ، حتى امتنعوا كل الامتناع ، فبينما موسى ، عليه السلام ، يمشي في ناحية المدينة ، إذا هو برجلين يقتتلان ، أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى غضبا شديدا; لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم ، لا يعلم الناس إلا أنما ذلك من الرضاع ، إلا أم موسى ، إلا أن يكون الله سبحانه أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره .
فوكز موسى الفرعوني فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي ، فقال موسى حين قتل الرجل : ( هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ) [ القصص : 15 ] .
ثم قال ( رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ) [ القصص : 16 ] فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار ، فأتى فرعون ، فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم .
فقال : ابغوني قاتله ، ومن يشهد عليه ، فإن الملك وإن كان صغوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت ، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم .
فبينما هم يطوفون ولا يجدون ثبتا ، إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر .
فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى ، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم : ( إنك لغوي مبين ) فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له : ( إنك لغوي مبين ) [ القصص : 18 ] أن يكون إياه أراد ، ولم يكن أراده ، وإنما أراد الفرعوني .
فخاف الإسرائيلي وقال : ( يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ) [ القصص : 19 ] وإنما قاله مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله ، فتتاركا ، وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول : ( أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ) فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى ، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون موسى ، وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة ، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى ، فأخبره وذلك من الفتون يا بن جبير .
فخرج موسى متوجها نحو مدين ، لم يلق بلاء قبل ذلك ، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز وجل ، فإنه قال : ( عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان ) [ القصص : 22 ، 23 ] .
يعني بذلك حابستين غنمهما ، فقال لهما : ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس ؟
قالتا ليس لنا قوة نزاحم القوم ، إنما ننتظر فضول حياضهم .
فسقى لهما ، فجعل يغترف في الدلو ماء كثيرا ، حتى كان أول الرعاء ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما ، وانصرف موسى ، عليه السلام ، فاستظل بشجرة ، وقال : ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) [ القصص : 24 ] .
واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا فقال : إن لكما اليوم لشأنا ، فأخبرتاه بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوه ، فأتت موسى فدعته ، فلما كلمه قال : ( لا تخف نجوت من القوم الظالمين ) [ القصص : 25 ] .
ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان ولسنا في مملكته ، فقالت إحداهما : ( يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ) [ القصص : 26 ] فاحتملته الغيرة على أن قال لها : ما يدريك ما قوته ؟
وما أمانته ؟
فقالت : أما قوته ، فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا ؛ لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه ، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له ، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه ، حتى بلغته رسالتك .
ثم قال لي : امشي خلفي ، وانعتي لي الطريق .
فلم يفعل هذا إلا وهو أمين ، فسري عن أبيها وصدقها ، وظن به الذي قالت .
فقال له : هل لك ( أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) [ القصص : 27 ] ففعل فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين واجبة ، وكانت سنتان عدة منه ، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا .
قال سعيد - وهو ابن جبير - : فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال : هل تدري أي الأجلين قضى موسى ؟
قلت : لا .
وأنا يومئذ لا أدري .
فلقيت ابن عباس ، فذكرت له ذلك ، فقال : أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي الله واجبة ، لم يكن لنبي الله أن ينقص منها شيئا ، ويعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده فإنه قضى عشر سنين .
فلقيت النصراني فأخبرته ذلك ، فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك .
قلت : أجل ، وأولى .
فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن ، فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه ، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام ، وسأل ربه أن يعينه بأخيههارون ، يكون له ردءا ، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه .
فآتاه الله سؤله ، وحل عقدة من لسانه ، وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه .
فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون ، عليهما السلام .
فانطلقا جميعا إلى فرعون ، فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما ، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد ، فقالا ( إنا رسولا ربك ) [ طه : 47 ] .
قال : فمن ربكما ؟
فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن ؟
قال : فما تريدان ؟
وذكره القتيل ، فاعتذر بما قد سمعت .
قال : أريد أن تؤمن بالله ، وترسل معي بنى إسرائيل ؟
فأبى عليه وقال : ( فأت بآية إن كنت من الصادقين ) [ الشعراء : 154 ] .
فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة فاغرة فاها ، مسرعة إلى فرعون .
فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها ، فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه .
ففعل ، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء - يعني من غير برص - ثم ردها فعادت إلى لونها الأول .
فاستشار الملأ حوله فيما رأى ، فقالوا له : هذان ساحران ( يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ) [ طه : 63 ] يعني : ملكهم الذي هم فيه والعيش ، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب ، وقالوا له : اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما .
فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم ، فلما أتوا فرعون قالوا : بم يعمل هذا الساحر ؟
قالوا : يعمل بالحيات .
قالوا : فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل .
فما أجرنا إن نحن غلبنا ؟
قال لهم : أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم ، فتواعدوا يوم الزينة ، وأن يحشر الناس ضحى .
قال سعيد بن جبير : فحدثني ابن عباس : أن يوم الزينة الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة ، هو يوم عاشوراء .
فلما اجتمعوا في صعيد واحد قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ، ( لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ) [ الشعراء : 40 ] يعنون موسى وهارون استهزاء بهما ، فقالوا : يا موسى - لقدرتهم بسحرهم - ( إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ) [ الأعراف : 115 ] ( قال بل ألقوا ) [ طه : 66 ] ( فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ) [ الشعراء : 44 ] فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله إليه أن ألق عصاك ، فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها ، فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جزرا إلى الثعبان ، تدخل فيه ، حتى ما أبقت عصا ولا حبالا إلا ابتلعته ، فلما عرفت السحرة ذلك قالوا : لو كان هذا سحرا لم يبلغ من سحرنا كل هذا ، ولكنه أمر من الله عز وجل ، آمنا بالله وبما جاء به موسى ، ونتوب إلى الله مما كنا عليه .
فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه ، وظهر الحق ، وبطل ما كانوا يعملون ( فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ) [ الأعراف : 119 ] وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه ، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه ، وإنما كان حزنها وهمها لموسى .
فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة ، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا مضت أخلف موعده وقال : هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا ؟
فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه ، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا كف ذلك أخلف موعده ، ونكث عهده .
حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين ، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة ، وأوحى الله إلى البحر : إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة ، حتى يجوز موسى ومن معه ، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه .
فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر وله قصيف ، مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله .
فلما تراءى الجمعان وتقاربا ، قال أصحاب موسى : إنا لمدركون ، افعل ما أمرك به ربك ، فإنه لم يكذب ولم تكذب .
قال : وعدني أن إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة ، حتى أجاوزه .
ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى ، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى ، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر ، ودخل فرعون وأصحابه ، التقى عليهم البحر كما أمر ، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه : إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه .
فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه .
ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم : ( قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ) [ الأعراف : 138 ، 139 ] .
قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم .
ومضى ، فأنزلهم موسى منزلا وقال أطيعوا هارون ، فإني قد استخلفته عليكم ، فإني ذاهب إلى ربي .
وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها ، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما وقد صامهن ، ليلهن ونهارهن ، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم ، فتناول موسى من نبات الأرض شيئا فمضغه ، فقال له ربه حين أتاه : لم أفطرت ؟
وهو أعلم بالذي كان ، قال : يا رب ، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح .
قال : أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك ، ارجع فصم عشرا ثم ائتني .
ففعل موسى ، عليه السلام ، ما أمر به ، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ، ساءهم ذلك .
وكان هارون قد خطبهم وقال : إنكم قد خرجتم من مصر ، ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع ، ولكم فيهم مثل ذلك وأنا أرى أنكم تحتسبون ما لكم عندهم ، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية ، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا ، فحفر حفيرا ، وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ، ثم أوقد عليه النار فأحرقه ، فقال لا يكون لنا ولا لهم .
وكان السامري من قوم يعبدون البقر ، جيران لبني إسرائيل ولم يكن من بني إسرائيل ، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا ، فقضي له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة ، فمر بهارون ، فقال له هارون ، عليه السلام : يا سامري ، ألا تلقي ما في يدك ؟
وهو قابض عليه ، لا يراه أحد طوال ذلك ، فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد .
فألقاها ، ودعا له هارون ، فقال : أريد أن يكون عجلا .
فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد ، فصار عجلا أجوف .
ليس فيه روح ، وله خوار .
قال ابن عباس : لا والله ، ما كان له صوت قط ، إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه ، فكان ذلك الصوت من ذلك .
فتفرق بنو إسرائيل فرقا ، فقالت فرقة : يا سامري ما هذا ؟
وأنت أعلم به .
قال : هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق .
وقالت فرقة : لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه ، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى .
وقالت فرقة : هذا عمل الشيطان ، وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق ، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل ، وأعلنوا التكذيب به ، فقال لهم هارون : ( يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ) [ طه : 90 ] .
قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا ، هذه أربعون يوما قد مضت ؟
وقال سفهاؤهم : أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه .
فلما كلم الله موسى وقال له ما قال ، أخبره بما لقي قومه من بعده ، ( فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) [ طه : 86 ] فقال لهم ما سمعتم في القرآن ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه ، وألقى الألواح من الغضب ، ثم إنه عذر أخاه بعذره ، واستغفر له وانصرف إلى السامري فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟
قال : قبضت قبضة من أثر الرسول ، وفطنت لها وعميت عليكم فقذفتها ( وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ) [ طه : 96 ، 97 ] ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه .
فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى ، سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها ، فيكفر عنا ما عملنا .
فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك ، لا يألو الخير خيار بني إسرائيل ، ومن لم يشرك في العجل ، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة ، فرجفت بهم الأرض ، فاستحيا نبي الله من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال : ( رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) [ الأعراف : 155 ] وفيهم من كان اطلع الله منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به ، فلذلك رجفت بهم الأرض ، فقال : ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) [ الأعراف : 156 ، 157 ] .
فقال : يا رب ، سألتك التوبة لقومي ، فقلت : إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي ، هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة ؟
فقال له : إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد ، فيقتله بالسيف ، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن .
وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا ، وغفر الله للقاتل والمقتول .
ثم سار بهم موسى ، عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ، فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف ، فثقل ذلك عليهم ، وأبوا أن يقروا بها ، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل ، والكتاب بأيديهم ، وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم .
ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة ، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر - وذكروا من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها - فقالوا : يا موسى إن فيها قوما جبارين ، لا طاقة لنا بهم ، ولا ندخلها ما داموا فيها ، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون .
قال رجلان من الذين يخافون - قيل ليزيد : هكذا قرأه ؟
قال : نعم من الجبارين ، آمنا بموسى ، وخرجا إليه ، فقالوا : نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم ، فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم ، فادخلوا عليهم الباب ، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون - ويقول أناس : إنهم من قوم موسى .
فقال الذين يخافون ، بنو إسرائيل : ( قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) [ المائدة : 24 ] فأغضبوا موسى ، فدعا عليهم وسماهم فاسقين ، ولم يدع عليهم قبل ذلك ، لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم فاسقين ، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ، يصبحون كل يوم فيسيرون ، ليس لهم قرار ، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ ، وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا ، وأمر موسى فضربه بعصاه .
فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، في كل ناحية ثلاث أعين ، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس .
رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث ، فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل ، فقال : كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك ؟
.
فغضب ابن عباس ، فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري ، فقال له : يا أبا إسحاق ، هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون ؟
الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني ؟
قال : إنما أفشى عليه الفرعوني ، بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره .
هكذا رواه الإمام النسائي في السنن الكبرى ، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به وهو موقوف من كلام ابن عباس ، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه ، وكأنه تلقاه ابن عباس ، رضي الله عنه مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره ، والله أعلم .
وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضا .
القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وقوله ( إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ) يقول تعالى ذكره: حين تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك، ثم تأتي من يطلب المراضع لك، فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
وحذف من الكلام ما ذكرت بعد قوله ( إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ) استغناء بدلالة الكلام عليه.
وإنما قالت أخت موسى ذلك لهم لِما حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما ألقته أمه في اليم ( قَالَتْ لِأخْتِهِ قُصِّيهِ) فلما التقطه آل فرعون، وأرادوا له المرضعات، فلم يأخذ من أحد من &; 18-305 &; النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينـزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ، فقالت أخته: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ؟
فأخذوها وقالوا: بل قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله، قالت: ما أعرفه، ولكن إنما قلت هم للملك ناصحون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قالت، يعني أم موسى لأخته: قصيه فانظري ماذا يفعلون به، فخرجت في ذلك فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وقد احتاج إلى الرضاع والتمس الثدي، وجمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة، فيقبل ثديها، فيرمضهم ذلك، فيؤتى بمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئا منهم، فقالت لهم أخته حين رأت من وجدهم به وحرصهم عليه هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ أي لمنـزلته عندكم وحرصكم على مسرّة الملك ، وعنى بقوله: ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ) هل أدلكم على من يضمه إليه فيحفظه ويرضعه ويربيه، وقيل: معنى وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ضمها.
وقوله ( فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ ) يقول تعالى ذكره: فرددناك إلى أمك بعد ما صرت في أيدي آل فرعون، كيما تقرّ عينها بسلامتك ونجاتك من القتل والغرق في اليم، وكيلا تحزن عليك من الخوف من فرعون عليك أن يقتلك.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما قالت أخت موسى لهم ما قالت، قالوا: هات، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم، فناولوها إياه، فلما وضعته في حجرها أخذ ثديها، وسرّوا بذلك منه، وردّه الله إلى أمه كي تقرّ عينها، ولا تحزن، فبلغ لطف الله لها وله، أن ردّ عليها ولدها وعطف عليها نفع فرعون وأهل بيته مع الأمنة من القتل الذي يتخوف على غيره، فكأنهم كانوا من أهل بيت فرعون في الأمان والسعة، فكان على فرش فرعون وسرره.
وقوله ( وَقَتَلْتَ نَفْسًا ) يعني جلّ ثناؤه بذلك: قتله القبطي الذي قتله حين استغاثه عليه الإسرائيلي، فوكزه موسى.
وقوله ( فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ ) يقول تعالى ذكره: فنجيناك من غمك بقتلك النفس التي قتلت، إذ أرادوا أن يقتلوك &; 18-306 &; بها فخلصناك منهم، حتى هربت إلى أهل مدين، فلم يصلوا إلى قتلك وقودك.
وكان قتله إياه فيما ذُكر خطأ، كما حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنَّما قَتَلَ مُوسَى الَّذي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأ، فقال الله له ( وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا )".
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، ومحمد بن عمرو، قالا ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ ) قال: من قتل النفس.
حدثنا بِشْر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ ) النفس التي قتل.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) فقال بعضهم: ابتليناك ابتلاء واختبرناك اختبارا.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) يقول: اختبرناك اختبارا.
حدثني محمّد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) قال: ابتليت بلاء.
حدثني العباس بن الوليد الآملي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا أصبغ بن زيد الجهني، قال: أخبرنا القاسم بن أيوب، قال: ثني سعيد بن جبير، قال: سألت عبد الله بن عباس، عن قول الله لموسى ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) فسألته على الفتون ما هي؟
فقال لي: استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثا طويلا قال: فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني، قال: فقال ابن عباس: تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك وما يشكون، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب; فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم، فقال فرعون: فكيف ترون؟
قال: فأتمروا بينهم، وأجمعوا أمرهم على &; 18-307 &; أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه; فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون، قالوا: يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيرون إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كلّ مولود ذكر، فيقل أبناؤهم، ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا، فتشبّ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يقلوا بمن تقتلون، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أمّ موسى بهارون في العام المقبل الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمّ والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير، مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم، فلما ولدته فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها: ما صنعت بابني لو ذبح عندي، فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه، فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهن لبعض: إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدّقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحرّكن منه شيئا، حتى دفعنه إليها; فلما فتحته رأت فيه الغلام، فألقي عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا من كلّ شيء إلا من ذكر موسى ، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم، يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جُبير، فقالت للذباحين: انصرفوا عني، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إياه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فلما أتت به فرعون قالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال: والذي يحلف به لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت به، لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك، فأرسلت إلى من حولها من كلّ أنثى لها لبن، لتختار له ظئرا، فجعل كلما أخذته امرأة منهم لترضعه لم يقبل ثديها، حتى &; 18-308 &; أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها، فلم يقبل من أحد ، وأصبحت أمّ موسى، فقالت لأخته: قصيه واطلبيه، هل تسمعين له ذكرا، أحي ابني، أو قد أكلته دواب البحر وحيتانه؟
ونسيت الذي كان الله وعدها، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات: أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها وقالوا: وما يدريك ما نصحهم له، هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون &; 18-309 &; يا ابن جُبير، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه، رغبتهم في ظؤورة الملك، ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت، فلما وضعته في حجرها نـزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، فانطلق البُشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها، فأتيت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي عندي حتى ترضعي ابني هذا فإني لم أحبّ حبه شيئا قطّ ، قال: فقالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي، فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أمّ موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله تبارك وتعالى منجز وعده، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتا حسنا، وحفظه لما قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسخرة التي كانت فيهم.
فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأمّ موسى: أزيريني ابني فوعدتها يوما تزيرها إياه فيه، فقالت لخواصها وظؤورتها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة ليرى ذلك، وأنا باعثة أمينة تحصي كل ما يصنع كلّ إنسان منكم ، فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته، وفرحت به، وأعجبها ما رأت من حُسن أثرها عليه، وقالت: انطلقن به إلى فرعون، فلينحله، وليكرمه ، فلما دخلوا به عليه جعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون حتى مدّها، فقال عدوّ من أعداء الله: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا بن جُبَير، بعد كلّ بلاء ابتلي به وأريد به، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبيّ الذي قد وهبته لي؟
قال: ألا ترين يزعم أنه سيصرعني ويعلوني، فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقرّبهنّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، فاعلم أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فنـزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟
فصرفه الله عنه بعد ما قد همّ به، وكان الله بالغا فيه أمره.
فلما بلغ أشدّه، وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كلّ امتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة، إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتدّ غضبه، لأنه تناوله وهو يعلم منـزلة موسى من بني إسرائيل، وحفظه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قِبَل الرضاعة غير أمّ موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره; فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: ( هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) ثُمَّ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ الأخبار، فأتى فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون، فخُذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه، لأنه لا يستقيم أن يقضي بغير بيِّنة ولا ثبت، فطلبوا له ذلك; فبينما هم يطوفون لا يجدون ثَبَتا، إذ مرّ موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس وكره الذي رأى، فغضب موسى، فمدّ يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، قال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فنظر الإسرائيلي موسى بعد ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه &; 18-310 &; الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي، فحاجز الفرعوني فقال يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا; فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس؟
فأرسل فرعون الذباحين، فسلك موسى الطريق الأعظم، فطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم.
وجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقًا قريبًا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا بن جُبير.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (فُتُونًا) قال: بلاء، إلقاؤه في التابوت، ثم في البحر، ثم التقاط آل فرعون إياه، ثم خروجه خائفا.
قال محمد بن عمرو، وقال أبو عاصم: خائفا، أو جائعا " شكّ أبو عاصم "، وقال الحارث: خائفا يترقب، ولم يشك.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقال: خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ، ولم يشك.
حدثنا بِشْر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) يقول: ابتليناك بلاء.
حُدِثت عن الحسين، قال: سمعت أبا مُعاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) هو البلاء على إثر البلاء.
وقال آخرون: معنى ذلك: أخلصناك.
* ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) أخلصناك إخلاصا.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن مسلم، قال: سمعت سعيد بن جُبير، يفسِّر هذا الحرف ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) قال: أخلصناك إخلاصا.
&; 18-311 &; قال أبو جعفر: وقد بيَّنا فيما مضى من كتابنا هذا معنى الفتنة، وأنها الابتلاء والاختبار بالأدلة المُغنية عن الإعادة في هذا الموضع.
وقوله ( فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ) وهذا الكلام قد حذف منه بعض ما به تمامه اكتفاء بدلالة ما ذكر عما حذف.
ومعنى الكلام: وفتناك فتونا، فخرجت خائفا إلى أهل مدين، فلبثت سنين فيهم.
وقوله ( ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ) يقول جلّ ثناؤه: ثم جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون رسولا ولمقداره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ) يقول: لقد جئت لميقات يا موسى.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن مجاهد، قال ( عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ) قال: موعد.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: علي ذي موعد.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ( عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ) قال: قدر الرسالة والنبوّة ، والعرب تقول: جاء فلان على قدر: إذا جاء لميقات الحاجة إليه; ومنه قول الشاعر: نـالَ الخِلافَـةَ أوْ كـانَتْ لَـهُ قَـدَرا كَمَـا أَتـى رَبَّـهُ مُوسَـى عَـلى قَدَرِ (1) --------------- الهوامش: (1) هذا البيت لجرير ، من قصيدة عدة تسعة وعشرون بيتا في ديوانه ( طبعة الصاوي بالقاهرة 274 - 276 ) والرواية فيه : " نال الخلافة " كرواية المؤلف ، وفي بعض كتب الشواهد : " جاء الخلافة " .
وفي هامش الديوان : ويروى : " عز الخلافة " البيت .
ومحل الشاهد في البيت ، قوله : " على قدر " فإن معناه : القضاء الموافق .
قال في ( اللسان : قدر ) : يقال : قدر الإله كذا تقديرا ؛ وإذا وافق الشيء الشيء قلت : جاء قدره ، وقال ابن سيده : القدر والقدر ( بسكون الدال وتحريكها ) : القضاء والحكم ، وهو ما يقدره الله عز وجل من القضاء ، ويحكم به من الأمور .
إذ تمشي أختك العامل في إذ تمشي ألقيت أو ( تصنع ) .
ويجوز أن يكون بدلا من إذ أوحينا وأخته اسمها مريم فتقول هل أدلكم على من يكفله وذلك أنها خرجت متعرفة خبره ، وكان موسى لما وهبه فرعون من امرأته طلبت له المراضع ، وكان لا يأخذ من أحد حتى أقبلت أخته ، فأخذته ووضعته في حجرها وناولته ثديها فمصه وفرح به .
فقالوا لها : تقيمين عندنا ؛ فقالت : إنه لا لبن لي ولكن أدلكم على من يكفله وهم له ناصحون .
قالوا : ومن هي ؟
.
قالت : أمي .
فقالوا : لها لبن ؟
قالت : لبن أخي هارون .
وكان هارون أكبر من موسى بسنة .
وقيل بثلاث .
وقيل بأربع .
وذلك أن فرعون رحم بني إسرائيل فرفع عنهم القتل أربع سنين ، فولد هارون فيها ؛ قال ابن عباس : فجاءت الأم فقبل ثديها .فرجعناك إلى أمك وفى مصحف أبي ( فرددناك ) كي تقر عينها وروى عبد الحميد عن ابن عامر ( كي تقر عينها ) بكسر القاف .
قال الجوهري : وقررت به عينا وقررت به قرة وقرورا فيهما .
ورجل قرير العين ؛ وقد قرت عينه تقر وتقر نقيض سخنت .
وأقر الله عينه أي أعطاه حتى تقر فلا تطمح إلى من هو فوقه ، ويقال : حتى تبرد ولا تسخن .
وللسرور دمعة باردة ، وللحزن دمعة حارة .
وقد تقدم هذا المعنى في ( مريم ) .ولا تحزن أي على فقدك .
وقتلت نفسا قال ابن عباس : قتل قبطيا كافرا .
قال كعب : وكان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة .
في صحيح مسلم : وكان قتله خطأ ؛ على ما يأتي فنجيناك من الغم أي آمناك من الخوف والقتل والحبس .
[ ص: 117 ] وفتناك فتونا أي اختبرناك اختبارا حتى صلحت للرسالة ، وقال قتادة : بلوناك بلاء .
مجاهد : أخلصناك إخلاصا .
وقال ابن عباس : اختبرناك بأشياء قبل الرسالة ، أولها حملته أمه في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال ، ثم إلقاؤه في اليم ، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه ، ثم جره بلحية فرعون ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ، فدرأ ذلك عنه قتل فرعون ، ثم قتله القبطي وخروجه خائفا يترقب ، ثم رعايته الغنم ليتدرب بها على رعاية الخلق .
فيقال : إنه ند له من الغنم جدي فاتبعه أكثر النهار ، وأتعبه ، ثم أخذه فقبله وضمه إلى صدره ، وقال له : أتعبتني وأتعبت نفسك ؛ ولم يغضب عليه .
قال وهب بن منبه : ولهذا اتخذه الله كليما ؛ وقد مضى في ( النساء ) .قوله تعالى : فلبثت سنين في أهل مدين يريد عشر سنين أتم الأجلين .
وقال وهب : لبث عند شعيب ثماني وعشرين سنة ، منها عشرة مهر امرأته صفورا ابنة شعيب ، وثماني عشرة أقامها عنده حتى ولد له عنده .
ثم جئت على قدر يا موسى قال ابن عباس وقتادة وعبد الرحمن بن كيسان : يريد موافقا للنبوة والرسالة ؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة .
وقال مجاهد ومقاتل : على قدر على وعد .
وقال محمد بن كعب : ثم جئت على القدر الذي قدرت لك أنك تجيء فيه .
والمعنى واحد .
أي جئت في الوقت الذي أردنا إرسالك فيه .
وقال الشاعر :نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر
ومن حسن تدبيره، أن موسى لما وقع في يد عدوه، قلقت أمه قلقا شديدا، وأصبح فؤادها فارغا، وكادت تخبر به، لولا أن الله ثبتها وربط على قلبها، ففي هذه الحالة، حرم الله على موسى المراضع، فلا يقبل ثدي امرأة قط، ليكون مآله إلى أمه فترضعه، ويكون عندها، مطمئنة ساكنة، قريرة العين، فجعلوا يعرضون عليه المراضع، فلا يقبل ثديا.
فجاءت أخت موسى، فقالت لهم: { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون } { فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا } وهو القبطي لما دخل المدينة وقت غفلة من أهلها، وجد رجلين يقتتلان، واحد من شيعة موسى، والآخر من عدوه قبطي { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه } فدعا الله وسأله المغفرة، فغفر له، ثم فر هاربا لما سمع أن الملأ طلبوه، يريدون قتله.فنجاه الله من الغم من عقوبة الذنب، ومن القتل، { وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } أي: اختبرناك، وبلوناك، فوجدناك مستقيما في أحوالك أو نقلناك في أحوالك، وأطوارك، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ } حين فر هاربا من فرعون وملئه، حين أرادوا قتله، فتوجه إلى مدين، ووصل إليها، وتزوج هناك، ومكث عشر سنين، أو ثمان سنين، { ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } أي: جئت مجيئا قد مضى به القدر، وعلمه الله وأراده في هذا الوقت وهذا الزمان وهذا المكان، ليس مجيئك اتفاقا من غير قصد ولا تدبير منا، وهذا يدل على كمال اعتناء الله بكليمه موسى عليه السلام
( إذ تمشي أختك ) واسمها مريم ، متعرفة خبره ، ( فتقول هل أدلكم على من يكفله ) ؟
أي : على امرأة ترضعه وتضمه إليها; وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة ، فلما قالت ذلك لهم أخته قالوا : نعم .
فجاءت بالأم فقبل ثديها ، فذلك قوله تعالى : ( فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ) بلقائك ، ( ولا تحزن ) أي : لأن يذهب عنها الحزن .
( وقتلت نفسا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان قتل قبطيا كافرا .
قال كعب الأحبار : كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة ، ( فنجيناك من الغم ) أي : من غم القتل وكربه ، ( وفتناك فتونا ) قال ابن عباس رضي الله عنه : اختبرناك اختبارا .
وقال الضحاك ومقاتل : ابتليناك ابتلاء .
وقال مجاهد : أخلصناك إخلاصا .
وعن ابن عباس في رواية سعيد بن جبير : أن الفتون وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها ، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال ، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت ، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه ، ثم أخذه بلحية فرعون حتى هم بقتله ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ، ثم قتله القبطي ، وخروجه إلى مدين خائفا .
فكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير ، فعلى هذا معنى : ( وفتناك ) خلصناك من تلك المحن ، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث فيه " والفتون " : مصدر .
( فلبثت ) فمكثت ، أي : فخرجت من مصر فلبثت ، ( سنين في أهل مدين ) يعني ترعى الأغنام عشر سنين ، ومدين بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر ، هرب إليها موسى .
وقال وهب : لبث عند شعيب عليه السلام ثمانيا وعشرين سنة ، عشر سنين منها مهر ابنته " صفيرا " بنت شعيب ، وثمان عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له .
( ثم جئت على قدر ياموسى ) قال مقاتل : على موعد ولم يكن هذا الموعد مع موسى وإنما كان موعدا في تقدير الله ، قال محمد بن كعب : جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء .
وقال عبد الرحمن بن كيسان : على رأس أربعين سنة ، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء ، وهذا معنى قول أكثر المفسرين ، أي : على الموعد الذي وعده الله وقدره أنه يوحى إليه بالرسالة ، وهو أربعون سنة .
«إذ» للتعليل «تمشي أختك» مريم لتتعرف من خبرك وقد أحضروا مراضع وأنت لا تقبل ثدي واحدة منهن «فتقول هل أدلكم على من يكفله» فأجيبت فجاءت بأمه فقبل ثديها «فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها» بلقائك «ولا تحزن» حينئذ «وقتلت نفسا» هو القبطي بمصر، فاغتممت لقتله من جهة فرعون «فنجيناك من الغم وفتناك فتونا» اختبرناك بالإيقاع في غير ذلك وخلصناك منه «فلبثت سنين» عشرا «في أهل مدين» بعد مجيئك إليها من مصر عند شعيب النبي وتزوجك بابنته «ثم جئت على قدر» في علمي بالرسالة وهو أربعون سنة من عمرك «يا موسى».
ومننَّا عليك حين تمشي أختك تتبعك ثم تقول لمن أخذوك: هل أدلكم على من يكفُله، ويرضعه لكم؟
فرددناك إلى أمِّك بعد ما صرتَ في أيدي فرعون؛ كي تطيب نفسها بسلامتك من الغرق والقتل، ولا تحزن على فَقْدك، وقتلت الرجل القبطي خطأ فنجيناك من غَمِّ فِعْلك وخوف القتل، وابتليناك ابتلاء، فخرجت خائفًا إلى أهل "مدين"، فمكثت سنين فيهم، ثم جئت من "مدين" في الموعد الذي قدَّرناه لإرسالك مجيئًا موافقًا لقدر الله وإرادته، والأمر كله لله تبارك وتعالى.
ثم بين - سبحانه - المنة الرابعة على موسى فقال : ( إِذْ تمشي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ .
.
.
) .وكان ذلك بعد أن التقط آل فرعون موسى من فوق الشاطىء ، وبعد أن امتنع عن الرضاعة من أى امرأة سوى أمه .أى : وكان من مظاهر إلقاء محبتى عليك ، ورعايتى لك ، أن أختك بعد أن أمرتها أمك بمعرفة خبرك ، سارت فى طرقات مصر فأبصرتك فى بيت فرعون وأنت تمتنع عن الرضاعة من أى امرأة ، فقالت أختك لفرعون وامرأته ( هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ ) .أى : ألا تريدون أن أرشدكم إلى امرأة يقبل هذا الطفل الرضاعة منها ، وتحفظه وترعاه ، والفاء فى قوله : ( فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ) هى الفصيحة .
أى : التى تفصح عن كلام مقدر .والمعنى : بعد أن قالت أختك لفرعون وامرأته : هل أدلكم على من يكفله .
أجابوها بقولهم : دلينا عليها ، فجاءت بأمك فرجعناك إليها كى تسر برجوعك ، ويمتلىء قلبها فرحا بلقائها بك بعد أن ألقتك فى اليم ، ولا تحزن بسبب فراقك عنها .ثم حكى - سبحانه - المنة الخامسة فقال : ( وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم ) وكان ذلك عندما استنصر به رجل من قومه على رجل من أعدائه .أى : وقتلت نفسا هى نفس القبطى ، عندما استعان بك عليه الإسرائيلي فنجيناك من الغم الذى نزل بك بسبب هذا القتل .قال الآلوسى : وقد حل له هذا الغم من وجهين : خوف عقاب الله - تعالى - حيث لم يقع القتل بأمره - سبحانه - وخوف القصاص ، وقد نجاه الله من ذلك بالمغفرة حين قال : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ ) وبالمهاجرة إلى مدين .والغم فى الأصل : ستر الشىء ، ومنه الغمام لستره ضوء الشمس .
ويقال : لما يغم القلب بسبب خوف أو فوات مقصود .
.وقوله - عز وجل - : ( وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ) بيان للمنة السادسة التى امتن الله - تعالى - بها على موسى - عليه السلام - .والفتون : جمع فَتْن كالظنون جمع ظن .
والفتن : الاختبار والابتلاء تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته فيها لتعلم جودته من رداءته .والمعنى : واختبرناك وابتليناك - يا موسى - بألوان من الفتن والمحن .ونظم - سبحانه - هذا الفتن والاختبار فى سلك المنن ، باعتبار أن الله - تعالى - ابتلاه بالفتن ثم نجاه منها ، ونجاه من شرورها .وقد ساق الإمان ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية حديثا طويلا سماه بحديث الفتون ، ذكر فيه قصة مولد موسى ، وإلقائه فى اليم ، وتربيته فى بيت فرعون ، وقتله القبطى ، وهروبه إلى مدين ، وعودته منها إلى مصر .
وتكليف الله - تعالى - له بالذهاب إلى فرعون ، ودعوته إلى عبادة الله وحده .
.
.
الخ .وقوله - تعالى - : ( فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى ) أى : فلبثت عشر سنين فى قرية أهل مدين ، تعمل كأجير عند الرجل الصالح .
ثم جئت بعد ذلك إلى المكان الذى ناديتك فيه ( على قَدَرٍ ) أى على وفق الوقت الذى قدرناه لمجيئك ، وحددناه لتكليمك واستنبائك ، دون أن تتقدم أو تتأخر ، لأن كل شىء عندنا محدد ومقدر بوقت لا يتخلف عنه .قال - تعالى - : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) وقال - سبحانه - : ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ) وقال - عز وجل - : ( وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً ).
اعلم أن السؤال هو الطلب فعل بمعنى مفعول كقولك خبز بمعنى مخبوز وأكل بمعنى مأكول، واعلم أن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية، وكان من المعلوم أن قيامه بما كلف به تكليف لا يتكامل إلا بإجابته إليها، لا جرم أجابه الله تعالى إليها ليكون أقدر على الإبلاغ على الحد الذي كلف به فقال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ﴾ وعد ذلك من النعم العظام عليه لما فيه من وجوه المصالح ثم قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى ﴾ فنبه بذلك على أمور: أحدها: كأنه تعالى قال: إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال.
وثانيها: إني كنت قد ربيتك فلو منعتك الآن مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وإساءة بعد الإحسان فكيف يليق بكرمي.
وثالثها: إنا لما أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك من حالة نازلة إلى درجة عالية دل هذا على أنا نصبناك لمنصب عال ومهم عظيم فكيف يليق بمثل هذه الرتبة المنع من المطلوب، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: لم ذكر تلك النعم بلفظ المنة مع أن هذه اللفظة لفظة مؤذية والمقام مقام التلطف؟
والجواب إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التي وصلت إليه ما كان مستحقاً لشيء منها بل إنما خصه الله تعالى بها بمحض التفضل والإحسان.
السؤال الثاني: لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر منناً كثيرة؟
والجواب: لم يعن بمرة أخرى مرة واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل والكثير.
واعلم أن المنن المذكورة هاهنا ثمانية: المنة الأولى: قوله: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى * أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ أما قوله: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا ﴾ فقد اتفق الأكثرون على أن أم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء وكيف لا نقول ذلك والمرأة لا تصلح للقضاء والإمامة بل عند الشافعي رحمه الله لا تمكن من تزويجها نفسها فكيف تصلح للنبوة ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ ﴾ وهذا صريح في الباب، وأيضاً فالوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ وقال: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين ﴾ ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه: أحدها: المراد رؤيا رأتها أم موسى عليه السلام وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام في التابوت وقذفه في البحر وأن الله تعالى يرده إليها.
وثانيها: أن المراد عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة فكل من تفكر فيما وقع إليه ظهر له الرأي الذي هو أقرب إلى الخلاص ويقال لذلك الخاطر إنه وحي.
وثالثها: المراد منه الإلهام لكنا متى بحثنا عن الإلهام كان معناه خطور رأي بالبال وغلبة على القلب فيصير هذا هوالوجه الثاني وهذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأن الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساوٍ للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثاني.
والجواب: لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان إفضاء الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون.
ورابعها: لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إن ذلك النبي عرفها، إما مشافهة أو مراسلة، واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحقها من أنواع الخوف ما لحقها.
والجواب: أن ذلك الخوف كان من لوازم البشرية كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أن الله تعالى كان يأمره بالذهاب إليه مراراً.
وخامسها: لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك وانتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة.
وسادسها: لعل الله تعالى بعث إليها ملكاً لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله: ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ وأما قوله: ﴿ مَا يوحى ﴾ فمعناه وأوحينا إلى أمك ما يجب أن يوحى وإنما وجب ذلك الوحي لأن الواقعة واقعة عظيمة ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي فكان الوحي واجباً أما قوله تعالى: ﴿ أَنِ اقذفيه ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول.
المسألة الثانية: القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب ﴾ .
المسألة الثالثة: روى أنها اتخذت تابوتاً وجعلت فيه قطناً محلوجاً ووضعت فيه موسى عليه السلام وقيرت رأسه وشقوقه بالقار ثم ألقته في النيل وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به الماء فلما رآه فرعون أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجهاً فلما رآه فرعون أحبه وسيأتي تمام القصة في سورة القصص، قال مقاتل: إن الذي صنع التابوت حزقيل مؤمن آل فرعون.
المسألة الرابعة: اليم هو البحر والمراد به هاهنا نيل مصر في قول الجميع واليم اسم يقع على البحر وعلى النهر العظيم.
المسألة الخامسة: قال الكسائي الساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك لأن الماء يسحله أي يقذفه إلى أعلاه.
المسألة السادسة: قال صاحب الكشاف الضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يؤدي إلى تنافر النظم فإن قيل المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل قلنا لا بأس بأن يقال المقذوف والملقى هو موسى عليه السلام في جوف التابوت حتى لا تتفرق الضمائر ولا يحصل التنافر.
المسألة السابعة: لما كان تقدير الله تعالى أن يجري ماء اليم ويلقي بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه فقيل فليلقه اليم بالساحل أما قوله: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: قوله: ﴿ يَأْخُذْهُ ﴾ جواب الأمر أي اقذفيه يأخذه.
البحث الثاني: في كيفية الأخذ قولان، أحدهما: أن امرأة فرعون كانت بحيث تستسقي الجواري فبصرت بالتابوت فأمرت به فأخذت التابوت فيكون المراد من أخذ فرعون التابوت قبوله له واستحبابه إياه.
الثاني: أن البحر ألقى التابوت بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون ثم أداه النهر إلى بركة فرعون فلما رآه أخذه.
البحث الثالث: قوله: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّى وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ فيه إشكال وهو أن موسى عليه السلام لم يكن ذلك الوقت بحيث يعادى.
وجوابه: أما كونه عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر وأما كونه عدواً لموسى عليه السلام فيحتمل من حيث إنه لو ظهر له حالة لقتله ويحتمل أنه من حيث يؤول أمره إلى ما آل إليه من العداوة.
المنة الثانية: قوله: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ وفيه قولان: الأول: وألقيت عليك محبة هي مني قال الزمخشري: ﴿ مِنّي ﴾ لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما أن يتعلق بمحذوف وهذا هو القول الثاني ويكون ذلك المحذوف صفة لمحبة أي وألقيت عليك محبة حاصلة مني واقعة بخلقي فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت: ﴿ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ ﴾ يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه وهو كقوله تعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً ﴾ قال القاضي: هذا الوجه أقرب لأنه في حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين لأن ذلك إنما يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب والمراد أن ما ذكرنا من كيفيته في الخلقة يستحلي ويغتبط فكذلك كانت حاله مع فرعون وامرأته وسهل الله تعالى له منهما في التربية ما لا مزيد عليه ويمكن أن يقال بل الاحتمال الأول أرجح لأن الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار وهو أن يقال: وألقيت عليك محبة حاصلة مني وواقعة بتخليقي وعلى التقدير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار بقي قوله: إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله تعالى قلنا: لا نسلم فإن محبة الله تعالى يرجع معناها إلى إيصال النفع إلى عباده وهذا المعنى كان حاصلاً في حقه في حال صباه وعلم الله تعالى أن ذلك يستمر إلى آخر عمره فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة.
المنة الثالثة: قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ قال القفال: لترى على عيني أي على وفق إرادتي، ومجاز هذا أن من صنع لإنسان شيئاً وهو حاضر ينظر إليه صنعه له كما يحب ولا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه فكذا هاهنا وفي كيفية المجاز قولان: الأول: المراد من العين العلم أن ترى على علم مني ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.
الثاني: المراد من العين الحراسة وذلك لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما يؤذيه فالعين كأنها سبب الحراسة فأطلق اسم السبب على المسبب مجازاً وهو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى ﴾ ويقال: عين الله عليك إذا دعا لك بالحفظ والحياطة، قال القاضي ظاهر القرآن يدل على أن المراد من قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ الحفظ والحياطة كقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ فرجعناك إلى أُمّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ فصار ذلك كالتفسير لحياطة الله تعالى له، بقي هاهنا بحثان: الأول: الواو في قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كأنه قيل: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ ألقيت عليك محبة مني ثم يكون قوله: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ متعلقاً بأول الكلام وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى * إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى ﴾ و ﴿ إذ تمشي أختك ﴾ .
وثانيها: يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِي ﴾ متعلقاً بما بعده وهو قوله: ﴿ إِذْ تَمْشِي ﴾ وذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين ﴾ .
وثالثها: يجوز أن تكون الواو مقحمة أي وألقيت عليك محبة مني لتصنع وهذا ضعيف.
الثاني: قرئ ولتصنع بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر وقرئ ولتصنع بفتح التاء والنصب أي وليكون عملك وتصرفك على علم مني.
المنة الرابعة: قوله: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ واعلم أن العامل في إذ تمشى ألقيت أو تصنع، يروى أنه لما فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاماً في النيل وكان لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها لأن الله تعالى قد حرم عليه المراضع غير أمه اضطروا إلى تتبع النساء فلما رأت ذلك أخت موسى جاءت إليهم متنكرة فقالت: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ ثم جاءت بالأم فقبل ثديها فرجع إلى أمه بما لطف الله تعالى له من هذا التدبير.
أما قوله تعالى: ﴿ فرجعناك إلى أُمّكَ ﴾ أي رددناك، وقال في موضع آخر: ﴿ فرددناه إلى أُمّهِ ﴾ وهو كقوله: ﴿ قَالَ رَبّ ارجعون ﴾ أي ردوني إلى الدنيا، أما قوله: ﴿ كَي تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ فالمراد أن المقصود من ردك إليها حصول السرور لها وزوال الحزن عنها، فإن قيل: لو قال كي لا تحزن وتقر عينها كان الكلام مفيداً لأنه لا يلزم من نفي الحزن حصول السرور لها، وأما لما قال أولاً كي تقر عينها كان قوله بعد ذلك: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ ﴾ فضلاً لأنه متى حصل السرور وجب زوال الغم لا محالة، قلنا: المراد أنه تقر عينها بسبب وصولك إليها فيزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك.
والمنة الخامسة: قوله: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فنجيناك مِنَ الغم ﴾ فالمراد به وقتلت بعد كبرك نفساً وهو الرجل الذي قتله خطأ بأن وكزه حيث استغاثه الإسرائيلي عليه وكان قبطياً فحصل له الغم من وجهين، أحدهما: من عقاب الدنيا وهو اقتصاص فرعون منه ما حكى الله تعالى عنه: ﴿ فَأَصْبَحَ فِي المدينة خَائِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ والآخر من عقاب الله تعالى حيث قتله لا بأمر الله فنجاه الله تعالى من الغمين، أما من فرعون فحين وفق له المهاجرة إلى مدين وأما من عقاب الآخرة فلأنه سبحانه وتعالى غفر له ذلك.
المنة السادسة: قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: في قوله: ﴿ فُتُوناً ﴾ وجهان: أحدهما: أنه مصدر كالعكوف والجلوس والمعنى وفتناك حقاً وذلك على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر كقوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ ، والثاني: أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة أي فتناك ضروباً من الفتن وهاهنا سؤالان.
السؤال الأول: إن الله تعالى عدد أنواع مننه على موسى عليه السلام في هذا المقام فكيف يليق بهذا الموضع قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ .
الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الفتنة تشديد المحنة، يقال فتن فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أُوذِىَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله ﴾ وقال تعالى: ﴿ الٓمٓ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ ﴾ وقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والَّذِينَ آمَنُوا مَعهُ متَى نَصْرَ الله ﴾ فالزلزلة المذكورة في الآية ومس البأساء والضراء هي الفتنة والفتون، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب لا جرم عده الله تعالى من جملة النعم.
وثانيها: ﴿ فتناك فُتُوناً ﴾ أي خلصناك تخليصاً من قولهم: فتنت الذهب من الفضة إذا أردت تخليصه وسأل سعيد بن جبير ابن عباس عن الفتون فقال: نستأنف له نهاراً يا ابن جبير.
ثم لما أصبح أخذ ابن عباس يقرأ عليه الآيات الواردة في شأن موسى عليه السلام من ابتداء أمره فذكر قصة فرعون وقتله أولاد بني إسرائيل ثم قصة إلقاء موسى عليه السلام في اليم والتقاط آل فرعون إياه وامتناعه من الإرتضاع من الأجانب، ثم قصة أن موسى عليه السلام أخذ لحية فرعون ووضعه الجمرة في فيه، ثم قصة قتل القبطي، ثم هربه إلى مدين وصيرورته أجيراً لشعيب عليه السلام، ثم عوده إلى مصر وأنه أخطأ الطريق في الليلة المظلمة واستئناسة بالنار من الشجرة وكان عند تمام كل واحدة منها يقول هذا من الفتون يا ابن جبير.
السؤال الثاني: هل يصح إطلاق اسم الفتان عليه سبحانه اشتقاقاً من قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ والجواب لا لأنه صفة ذم في العرف وأسماء الله تعالى توقيفية لا سيما فيما يوهم ما لا ينبغي.
المنة السابعة: قوله تعالى: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى ﴾ واعلم أن التقدير: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ فخرجت خائفاً إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم، أما مدة اللبث فقال أبو مسلم: إنها مشروحة في قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل ﴾ وهي إما عشرة وإما ثمان لقوله تعالى: ﴿ على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ وقال وهب: لبث موسى عليه السلام عند شعيب عليه السلام ثمانياً وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته، والآية تدل على أنه عليه السلام لبث عنده عشر سنين وليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر، واعلم أن قوله: ﴿ فَلَبِثَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ بعد قوله: ﴿ وفتناك فُتُوناً ﴾ كالدلالة على أن لبثه في مدين من الفتون وكذلك كان، فإنه عليه السلام تحمل بسبب الفقر والغربة محناً كثيرة، واحتاج إلى أن آجر نفسه، أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى ﴾ فلابد من حذف في الكلام لأنه على قدر أمر من الأمور، وذكروا في ذلك المحذوف وجوهاً: أحدها: أنه سبق في قضائي وقدري أن أجعلك رسولاً لي في وقت معين عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدر لا قبله ولا بعده، ومنه قوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ ﴾ .
وثانيها: على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة.
وثالثها: أن القدر هو الموعد فإن ثبت أنه تقدم هذا الموعد صح حمله عليه، ولا يمتنع ذلك لاحتمال أن شعيباً عليه السلام أو غيره من الأنبياء كانوا قد عينوا ذلك الموعد، فإن قيل: كيف ذكر الله تعالى مجيء موسى عليه السلام في ذلك الوقت من جملة مننه عليه، قلنا: لأنه لولا توفيقه له لما تهيأ شيء من ذلك.
المنة الثامنة: قوله تعالى: ﴿ واصطنعتك لِنَفْسِي ﴾ والاصطناع اتخاذ الصنعة، وهي افتعال من الصنع.
يقال: اصطنع فلان فلاناً أي اتخذه صنيعه، فإن قيل: إنه تعالى غني عن الكل فما معنى قوله لنفسي.
والجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا تمثيل لأنه تعالى لما أعطاه من منزلة التقريب والتكريم والتكليم مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه أهلاً لأن يكون أقرب الناس منزلة إليه وأشدهم قرباً منه.
وثانيها: قالت المعتزلة: إنه سبحانه وتعالى إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم ومن جملة الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً فلو لم يصطنعه بالرسالة لبقي في عهدة الواجب فصار موسى عليه السلام كالنائب عن ربه في أداء ما وجب على الله تعالى، فصح أن يقول: واصطنعتك لنفسي، قال القفال واصطنعتك أصله من قولهم اصطنع فلان فلاناً إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان وجريح فلان وقوله لنفسي: أي لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل بغير ما أمرتك به وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا لغيرك، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد عليه المنن الثمانية في مقابلة تلك الالتماسات الثمانية رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً، أما الأمر فهو أنه سبحانه وتعالى أعاد الأمر بالأول فقال: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي ﴾ واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال: ﴿ واصطنعتك لِنَفْسِي ﴾ عقبه بذكر ماله اصطنعه وهو الإبلاغ والأداء ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: الباء هاهنا بمعنى مع وذلك لأنهما لو ذهبا إليه بدون آية معهما لم يلزمه الإيمان وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد.
المسألة الثانية: اختلفوا في الآيات المذكورة هاهنا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها اليد والعصا لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي اقتص الله تعالى فيها حديث موسى عليه السلام فإنه تعالى لم يذكر في شيء منها أنه عليه السلام قد أوتي قبل مجيئه إلى فرعون ولا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى عنه: ﴿ قَالَ فَأْتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ﴾ وقال: ﴿ فَذَانِكَ برهانان مِن رَّبّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ﴾ فإذا قيل لهؤلاء كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين أجابوا بوجوه: الأول: أن العصا ما كانت آية واحدة بل كانت آيات فإن انقلاب العصا حيواناً آية ثم إنها في أول الأمر كانت صغيرة لقوله تعالى: ﴿ تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى، ثم كانت تصير ثعباناً وهذه آية أخرى.
ثم إن موسى عليه السلام كان يدخل يده في فيها فما كانت تضر موسى عليه السلام فهذه آية أخرى ثم كانت تنقلب خشبة فهذه آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية وشعاعها آية أخرى ثم زوالهما بعد حصولهما آية أخرى فصح أنهما كانتا آيات كثيرة لا آيتان.
الثاني: هب أن العصا أمر واحد لكن فيها آيات كثيرة لأن انقلابها حية يدل على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم ويدل على نبوة موسى عليه السلام ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً فهذه آيات كثيرة ولذلك قال: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً ﴾ إلى قوله: ﴿ فِيهِ ءايات بينات مَّقَامُ إبراهيم ﴾ فإذا وصف الشيء الواحد بأن فيه آيات فالشيئان أولى بذلك.
الثالث: من الناس من قال: أقل الجمع إثنان على ما عرفت في أصول الفقه.
القول الثاني: أن قوله: ﴿ اذهبا بِآياتِي ﴾ معناه أني أمدكما بآياتي وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه فاذهبا فإن آياتي معكما كما يقال اذهب فإن جندي معك أي أني أمدك بهم متى احتجت.
القول الثالث: أن الله تعالى آتاه العصا واليد وحل عقدة لسانه وذلك أيضاً معجز فكانت الآيات ثلاثة هذا هو شرح الأمر أما النهي فهو قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ الوني الفتور والتقصير وقرئ ولا تنيا بكسر حرف المضارعة للاتباع ثم قيل فيه أقوال: أحدها: المعنى لا تنيا بل اتخذا ذكرى آلة لتحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري والحكمة فيه أن من ذكر جلال الله استحقر غيره فلا يخاف أحداً ولأن من ذكر جلال الله تقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في المقصود، ولأن ذاكر الله تعالى لابد وأن يكون ذاكراً لإحسانه وذاكر إحسانه لا يفتر في أداء أوامره.
وثانيها: المراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها فكان جديراً بأن يطلق عليه اسم الذكر.
وثالثها: قوله: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ عند فرعون وكيفية الذكر هو أن يذكرا لفرعون وقومه أن الله تعالى لا يرضى منهم بالكفر ويذكرا لهم أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب.
ورابعها: أن يذكرا لفرعون آلاء الله ونعماءه وأنواع إحسانه إليه ثم قال بعد ذلك: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى ﴾ وفيه سؤالان: الأول: ما الفائدة في ذلك بعد قوله: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي ﴾ قال القفال فيه وجهان.
أحدهما: أن قوله: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي ﴾ يحتمل أن يكون كل واحد منهما مأموراً بالذهاب على الانفراد فقيل مرة أخرى اذهبا ليعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعاً لا أن ينفرد به هرون دون موسى.
والثاني: أن قوله: ﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي ﴾ أمر بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون، ثم إن قوله: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ أمر بالذهاب إلى فرعون وحده.
السؤال الثاني: قوله: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ خطاب مع موسى وهارون عليهما السلام وهذا مشكل لأن هارون عليه السلام لم يكن حاضراً هناك وكذلك في قوله تعالى: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يطغى ﴾ أجاب القفال عنه من وجوه.
أحدها: أن الكلام كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه كان متبوع هارون فجعل الخطاب معه خطاباً مع هارون وكلام هارون على سبيل التقدير فالخطاب في تلك الحالة وإن كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ﴾ وقوله: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل ﴾ وحكي أن القائل هو عبد الله بن أبي وحده.
وثانيها: يحتمل أن الله تعالى لما قال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ﴾ سكت حتى لقي أخاه، ثم إن الله تعالى خاطبهما بقوله: ﴿ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ .
وثالثها: أنه حكى أنه في مصحف ابن مسعود وحفصة: ﴿ قَالاَ رَبُّنَا إِنَّنَا نَخَافُ ﴾ أي قال موسى: أنا وأخي نخاف فرعون أما قوله تعالى: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: لم أمر الله تعالى موسى عليه السلام باللين مع الكافر الجاحد.
الجواب لوجهين: الأول: أنه عليه السلام كان قد رباه فرعون فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق وهذا تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين.
الثاني: أن من عادة الجبابرة إذا غلظ لهم في الوعظ أن يزدادوا عتواً وتكبراً، والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر فلهذا أمر الله تعالى بالرفق.
السؤال الثاني: كيف كان ذلك الكلام اللين.
الجواب: ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما حكى الله تعالى بعضه فقال: ﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴾ وذكر أيضاً في هذه السورة بعض ذلك فقال: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾ .
وثانيها: أن تعداه شباباً لا يهرم بعده وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.
وثالثها: كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.
ورابعها: حكي عن عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة سنة وتسع سنين فقال له موسى عليه السلام: «إن أطعتني عمرت مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة» واعترضوا على هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة.
أما الأول: فقيل لو حصلت له هذه الأمور الثلاثة في هذه المدة الطويلة لصار ذلك كالإلجاء إلى معرفة الله تعالى وذلك لا يصح مع التكليف.
وأما الثاني: فلأن خطابه بالكنية أمر سهل فلا يجوز أن يجعل ذلك هو المقصود من قوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً ﴾ بل يجوز أن يكون ذلك من جملة المراد.
وأما الثالث: فالاعتراض عليه كما في الأول أما قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ فاعلم أنه ليس المراد أنه تعالى كان شاكاً في ذلك لأن ذلك محال عليه تعالى وإنما المراد: فقولا له قولاً ليناً، على أن تكونا راجيين لأن يتذكر هو أو يخشى.
واعلم أن أحوال القلب ثلاثة.
أحدها: الإصرار على الحق.
وثانيها: الإصرار على الباطل.
وثالثها: التوقف في الأمرين، وأن فرعون كان مصراً على الباطل وهذا القسم أردأ الأقسام فقال تعالى: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ فيرجع من إنكاره إلى الإقرار بالحق وإن لم ينتقل من الإنكار إلى الإقرار لكنه يحصل في قلبه الخوف فيترك الإنكار وإن كان لا ينتقل إلى الإقرار فإن هذا خير من الإصرار على الإنكار واعلم أن هذا التكليف لا يعلم سره إلا الله تعالى لأنه تعالى لما علم أنه لا يؤمن قط كان إيمانه ضداً لذلك العلم الذي يمتنع زواله فيكون سبحانه عالماً بامتناع ذلك الإيمان وإذا كان عالماً بذلك فكيف أمر موسى عليه السلام بذلك الرفق وكيف بالغ في ذلك الأمر بتلطيف دعوته إلى الله تعالى مع علمه استحالة حصول ذلك منه؟
ثم هب أن المعتزلة ينازعون في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في هذا السؤال ولكنهم سلموا أنه كان عالماً بأنه لايحصل ذلك الإيمان وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى عليه السلام إلا استحقاق العقاب والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بها بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان إليه؟
يا أخى العقول قاصرة عن معرفة هذه الأسرار ولا سبيل فيها إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان، ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة: فقولا له قولاً ليناً وسأقسي قلبه فلا يؤمن.
<div class="verse-tafsir"
العامل في ﴿ إِذْ تمشى ﴾ (ألقيت) أو (لتصنع) ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَآ ﴾ فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟
قلت: كما يصح- وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه- أن يقول لك الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك.
وربما لقيه هو في أوّلها وأنت في آخرها.
يروى أن أخته واسمها مريم جاءت متعرّفة خبره، فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها، وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فقالت: هل أدلكم؟
فجاءت بالأمّ فقبل ثديها.
ويروى أن آسية استوهبته من فرعون وتبنته، وهي التي أشفقت عليه وطلبت له المراضع.
﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً ﴾ هي نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي.
قتله وهو ابن اثنتي عشرة سنة: اغتمّ بسبب القتل خوفاً من عقاب الله ومن اقتصاص فرعون، فغفر الله له باستغفاره حين قال ﴿ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى ﴾ [القصص: 16] ونجاه من فرعون أن ينشب فيه أظفاره حين هاجر به إلى مدين ﴿ فُتُوناً ﴾ يجوز أن يكون مصدراً على فعول في المتعدّي، كالثبور والشكور والكفور.
وجمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجوز وبدور، في حجزة وبدرة: أي فتناك ضروباً من الفتن.
سأل سعيد بن جبير بن عباس رضي الله عنه، فقال: خلصناك من محنة بعد محنة: ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، فهذه فتنة يا ابن جبير.
وألقته أمّه في البحر.
وهمّ فرعون بقتله.
وقتل قبطياً وأجر نفسه عشر سنين.
وضلّ الطريق وتفرّقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير، والفتنة: المحنة، وكل ما يشق على الإنسان وكل ما يبتلي الله به عباده: فتنة قال: ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً ﴾ [الأنبياء: 35] .
﴿ مَدْيَنَ ﴾ على ثماني مراحل من مصر.
وعن وهب: أنه لبث عند شعيب ثمانياً وعشرين سنة، منها مهر ابنته، وقضى أوفى الأجلين ﴿ ثَمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ يا موسى ﴾ أي سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك وفي وقت بعينه قد وقته لذلك، فما جئت إلا على ذلك القدر غير مستقدم ولا مستأخر.
وقيل: على مقدار من الزمان يوحي فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة ﴿ واصطنعتك لِنَفْسِى ﴾ .
هذا تمثيل لما خوّله من منزلة التقريب والتكريم والتكليم.
مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه وخصائص، أهلاً لئلا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه، ولا ألطف محلاً، فيصطنعه بالكرامة والأثرة، ويستخلصه لنفسه، ولا يبصر ولا يسمع إلا بعينه وأذنه، ولا يأتمن على مكنون سره إلا سواء ضميره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ ظَرْفٌ لِـ ( ألْقَيْتُ ) أوْ ( لِتُصْنَعَ ) أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ إذْ أوْحَيْنا ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِها وقْتٌ مُتَّسِعٌ.
﴿ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ المَراضِعِ، فَجاءَتْ أُخْتُهُ مَرْيَمُ مُتَفَحِّصَةً خَبَرَهُ فَصادَفَتْهم يَطْلُبُونَ لَهُ مُرْضِعَةً يَقْبَلُ ثَدْيَها فَقالَتْ ﴿ هَلْ أدُلُّكُمْ ﴾ فَجاءَتْ بِأُمِّهِ فَقَبِلَ ثَدْيَها.
﴿ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ ﴾ وفاءً بِقَوْلِنا ﴿ إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ ﴾ ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ﴾ بِلِقائِكَ.
﴿ وَلا تَحْزَنَ ﴾ هي بِفِراقِكَ أوْ أنْتَ عَلى فِراقِها وفَقْدِ إشْفاقِها.
﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا ﴾ نَفْسَ القِبْطِيِّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ.
﴿ فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ ﴾ غَمِّ قَتْلِهِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى واقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ بِالمَغْفِرَةِ والأمْنِ مِنهُ بِالهِجْرَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا ﴾ وابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، أوْ أنْواعًا مِنَ الِابْتِلاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَتَنَ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبَدْرَةٍ، فَخَلَّصْناكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى وهو إجْمالٌ لِما نالَهُ في سَفَرِهِ مِنَ الهِجْرَةِ عَنِ الوَطَنِ ومُفارَقَةِ الأُلّافِ، والمَشْيِ راجِلًا عَلى حَذَرٍ وفَقْدِ الزّادِ وأجْرِ نَفْسِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ أوَّلُهُ ولِما سَبَقَ ذِكْرُهُ.
﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ﴾ لَبِثْتَ فِيهِمْ عَشْرَ سِنِينَ قَضاءً لِأوْفى الأجَلَيْنِ، ومَدِينُ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ مِن مِصْرَ.
﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ ﴾ قَدَّرْتُهُ لِأنْ أُكَلِّمَكَ وأسْتَنْبِئَكَ غَيْرَ مُسْتَقْدَمٍ وقْتُهُ المُعَيَّنُ ولا مُسْتَأْخَرٌ، أوْ عَلى مِقْدارٍ مِنَ السِّنِّ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ.
﴿ يا مُوسى ﴾ كَرَّرَهُ عَقِيبَ ما هو غايَةُ الحِكايَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{إِذْ تَمْشِى} بدل من إِذْ أَوْحَيْنَا لأن مشي أخته كان منة عليه {أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ} رُوي أن أخته مريم جاءت متعرفة خبره فصادفهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها وكان لا يقبل ثدي امرأة فقالت
هل أدلكم على من يضمه إلى نفسه فيربيه وأرادت بذلك المرضعة الأم وتذكير الفعل للفظ مِنْ فقالوا نعم فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله {فرجعناك} فرددناك {إلى أمك} كما وعدناها بقولنا انا راده اليك {كَى تَقَرَّ عَيْنُها} بلقائك {وَلاَ تَحْزَنْ} على فراقك {وَقَتَلْتَ نَفْساً} قبطياً كافراً {فنجيناك مِنَ الغم} من القود قيل الغم القتل بلغة قريش وقيل اغتم بسبب القتل خوفاً من عقاب الله تعالى ومن اقتصاص فرعون فغفر الله له باستغفاره قَالَ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نفسي فاغفر لي ونجاه من فرعون بأن ذهب به من مصر إلى مدين {وفتناك فُتُوناً} ابتليناك ابتلاء بإيقاعك في المحن وتخليصك منها والفتون مصدر كالعقود أو جمع فتنة أي فتناك ضروباً من الفتن والفتنة المحنة وكل ما يبتلي الله به عباده فتنة وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ} هي بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر قال وهب لبث عند شعيب ثمانياً وعشرين سنة عشر منها مهر لصفوراء وأقام عنده ثمان عشرة سنة بعدها حتى ولد له أولاد {ثم جئت على قدر يا موسى} أي موعد ومقدار الرسالة وهو أربعون سنة
﴿ إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ ظَرْفٌ لِتُصْنَعَ كَما قالَ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ وقْتُ وقَعَ فِيهِ مَشْيُ الأُخْتِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ والرَّجْعِ إلى أُمِّها وتَرْبِيَتِها لَهُ بِالحُنُوِّ وهو المِصْداقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ إذْ لا شَفَقَةَ أعْظَمُ مِن شَفَقَةِ الأُمِّ وصَنِيعِها عَلى مُوجَبِ مُراعاتِهِ تَعالى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِألْقَيْتُ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿ إذْ أوْحَيْنا ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِها وقْتٌ مُتَّسِعٌ فَيَتَّحِدُ الظَّرْفانِ وتَصِحُّ البَدَلِيَّةُ ولا يَكُونُ مِن إبْدالِ أحَدُ المُتَغايِرَيْنِ الَّذِي لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ.
ورَجَّحَ هَذا صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: هو الأوْفَقُ لِمَقامِ الِامْتِنانِ لِما فِيهِ مِن تَعْدادِ المِنَّةِ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ ولِما في تَخْصِيصِ الإلْقاءِ أوِ التَّرْبِيَةِ بِزَمانِ مَشْيِ الأُخْتِ مِنَ العُدُولِ إلى الظّاهِرِ، فَقَبْلَهُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَحْبُوبًا مَحْفُوظًا، ثُمَّ أوْلى الوَجْهَيْنِ جَعْلُهُ ظَرْفًا (لِتُصْنَعَ)، وأمّا النَّصْبُ بِإضْمارِ اذْكُرْ فَضَعِيفٌ ا هـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِتُصْنَعَ والتَّقْيِيدُ بِعَلى عَيْنِي يُسْقِطُ التَّرْبِيَةَ قَبْلُ في غَيْرِ حِجْرِ الأُمِّ عَنِ العَيْنِ.
واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ وجْهَ البَدَلِيَّةِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الظَّرْفَيْنِ ضَيِّقٌ لَيْسَ بِمُتَّسِعٍ لِتَخْصِيصِهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ ولَيْسَ ذَلِكَ كالسَّنَةِ في الِامْتِدادِ وفِيهِ تَأمُّلٌ، واسْمُ أُخْتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرْيَمُ، وقِيلَ: كُلْثُومُ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ ﴾ أيْ يَضُمُّهُ إلى نَفْسِهِ ويُرَبِّيهِ.
﴿ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَقالُوا: دُلِّينا عَلى ذَلِكَ فَجاءَتْ بِأُمِّكَ فَرَجَعْناكَ إلَيْها ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ﴾ بِلِقائِكَ.
وقُرِئَ (تَقِرُّ) بِكَسْرِ القافِ.
وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ (تُقَرَّ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿ ولا تَحْزَنَ ﴾ أيْ لا يَطْرَأ عَلَيْها الحُزْنُ بِفِراقِكَ بَعْدَ ذَلِكَ وإلّا فَزَوالُ الحُزْنِ مُقَدَّمٌ عَلى السُّرُورِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِقُرَّةِ العَيْنِ فَإنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (تَحْزَنَ) لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ ولا تَحْزَنَ أنْتَ بِفَقْدِ إشْفاقِها، وهَذا وإنْ لَمْ يَأْبَهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ إلّا أنَّ حُزْنَ الطِّفْلِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وما في سُورَةِ القَصَصِ يَقْتَضِي الأوَّلَ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
أخْرَجَ جَماعَةٌ مِن خَبَرٍ طَوِيلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ آسِيَةَ حِينَ أخْرَجَتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التّابُوتِ واسْتَوْهَبَتْهُ مِن فِرْعَوْنَ فَوَهَبَهُ لَها أرْسَلَتْ إلى مَن حَوْلَها مِن كُلِّ امْرَأةٍ لَها لَبَنٌ لِتَخْتارَ لَها ظِئْرًا فَلَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَ واحِدَةٍ مِنهُنَّ حَتّى أشْفَقَتْ أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللَّبَنِ فَيَمُوتَ فَأحْزَنَها ذَلِكَ فَأمَرَتْ بِهِ فَأُخْرِجَ إلى السُّوقِ مَجْمَعِ النّاسِ تَرْجُو أنْ تَجِدَ لَهُ ظِئْرًا يَأْخُذُ ثَدْيَها فَلَمْ يَفْعَلْ وأصْبَحَتْ أُمُّهُ والِهَةً فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا، أحَيًّا ابْنِي أمْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟
ونَسِيَتِ الَّذِي كانَ وعَدَها اللَّهُ تَعالى فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ فَقالَتْ مِنَ الفَرَحِ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَأخَذُوها فَقالُوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم لَهُ؟
هَلْ يَعْرِفُونَهُ؟
وشَكُّوا في ذَلِكَ، فَقالَتْ: نُصْحُهم لَهُ وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ لِرَغْبَتِهِمْ في رِضا المَلِكِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَّلالَةَ، فانْطَلَقَتْ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَتْها الخَبَرَ، فَجاءَتْ فَلَمّا وضَعَتْهُ في حِجْرِها نَزا إلى ثَدْيِها فَمَصَّهُ حَتّى امْتَلَأ جَنْباهُ رِيًّا وانْطَلَقَ البُشْرى إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يُبَشِّرُونَها إنّا قَدْ وجَدْنا لِابْنِكَ ظِئْرًا، فَأرْسَلَتْ إلَيْها فَأُتِيَتْ بِها وبِهِ، فَلَمّا رَأتْ ما يَصْنَعُ بِها قالَتْ لَها: امْكُثِي عِنْدِي أرْضِعِي ابْنِي هَذا، فَإنِّي لَمْ أُحِبَّ حُبَّهُ شَيْئًا قَطُّ، قالَتْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي فَيَضِيعَ، فَإنْ طابَتْ نَفْسُكِ أنْ تُعْطِيَنِيهِ فَأذْهَبَ بِهِ إلى بَيْتِي فَيَكُونَ مَعِي لا آلُوهُ خَيْرًا فَعَلْتُ، وإلّا فَإنِّي غَيْرُ تارِكَةٍ بَيْتِي ووَلَدِي، فَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسى ما كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فَتَعاسَرَتْ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ وأيْقَنَتْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُنْجِزٌ وعْدَهُ، فَرَجَعَتْ بِابْنِها إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها فَأنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى نَباتًا حَسَنًا وحَفِظَهُ لِما قَدْ قَضى فِيهِ، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لِأُمِّهِ: أرِينِي ابْنِي فَوَعَدَتْها يَوْمًا تَزُورُها بِهِ فِيهِ، فَقالَتْ لِخُزّانِها وقَهارِمَتِها: لا يَبْقَ مِنكم أحَدٌ إلّا اسْتَقْبَلَ ابْنِي بِهَدِيَّةٍ وكَرامَةٍ أرى ذَلِكَ فِيهِ، وأنا باعِثَةٌ أمِينًا يُحْصِي ما صَنَعَ كُلُّ إنْسانٍ مِنكُمْ، فَلَمْ تَزَلِ الهَدايا والنِّحَلُ والكَرامَةُ تَسْتَقْبِلُهُ مِن حِينِ خَرَجَ مِن بَيْتِ أُمِّهِ إلى أنْ دَخَلَ عَلَيْها، فَلَمّا دَخَلَ أكْرَمَتْهُ ونَحَلَتْهُ وفَرِحَتْ بِهِ ونَحَلَتْ أُمَّهُ لِحُسْنِ أثَرِها عَلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ لِيُنْحِلَهُ ولِيُكْرِمَهُ فَكانَ ما تَقَدَّمَ مِن جَذْبِ لِحْيَتِهِ.
ومِن هَذا الخَبَرِ يُعْلَمُ أنَّ المُرادَ إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ في الطَّرِيقِ لِطَلَبِكَ وتَحْقِيقِ أمْرِكَ فَتَقُولُ لِمَن أنْتَ بِأيْدِيهِمْ يَطْلُبُونَ لَكَ ظِئْرًا تُرْضِعُكَ: هَلْ أدُلُّكم إلَخْ.
وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ لَمّا أُخِذَ مِنَ التّابُوتِ فَشا الخَبَرُ بِأنَّ آلَ فِرْعَوْنَ وجَدُوا غُلامًا مِنَ النِّيلِ لا يَرْتَضِعُ ثَدْيَ امْرَأةٍ واضْطُرُّوا إلى تَتَبُّعِ النِّساءِ، فَخَرَجَتْ أُخْتُهُ لِتَعْرِفَ خَبَرَهُ فَجاءَتْهم مُتَنَكِّرَةً فَقالَتْ ما قالَتْ، وقالُوا ما قالُوا، فالمُرادُ عَلى هَذا إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ إلى بَيْتِ فِرْعَوْنَ فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ وآسِيَةَ أوْ لِآسِيَةَ ﴿ هَلْ أدُلُّكُمْ ﴾ إلَخْ.
﴿ وقَتَلْتَ نَفْسًا ﴾ هي نَفْسُ القِبْطِيِّ واسْمُهُ قانُونُ الَّذِي اسْتَغاثَهُ عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفَرٍ وهو السّامِرِيُّ، وكانَ سِنُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قَتَلَ عَلى ما في البَحْرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وفي الخَبَرِ عَنِ الحَبْرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قَتَلَ القِبْطِيَّ كانَ مِنَ الرِّجالِ وكانَ قَتْلُهُ إيّاهُ بِالوَكْزِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ ﴾ وكانَ المُرادُ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَأصابَكَ غَمٌّ ﴿ فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ ﴾ وهو الغَمُّ النّاشِئُ مِنَ القَتْلِ وقَدْ حَصَلَ لَهُ مِن وجْهَيْنِ: خَوْفِ عُقابِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ لَمْ يَقَعِ القَتْلُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وخَوْفِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ وقَدْ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ بِالمَغْفِرَةِ حِينَ قالَ: ﴿ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي ﴾ وبِالمُهاجَرَةِ إلى مَدْيَنَ، وقِيلَ: هو غَمُّ التّابُوتِ، وقِيلَ: غَمُّ البَحْرِ وكِلا القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والغَمُّ في الأصْلِ سَتْرُ الشَّيْءِ ومِنهُ الغَمامُ لِسَتْرِهِ ضَوْءَ الشَّمْسِ، ويُقالُ: لِما يَغُمُّ القَلْبَ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ فَواتِ مَقْصُودٍ، وفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمِّ بِأنَّهُ مِن أمْرٍ ماضٍ والهَمُّ مِن أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ عَدَمُ الفَرْقِ وشُمُولُ كُلِّ ما يَكُونُ مِن أمْرٍ ماضٍ وأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ﴿ وفَتَنّاكَ فُتُونًا ﴾ أيِ ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً عَلى أنَّ (فُتُونًا) مَصْدَرٌ عَلى فُعُولٍ في المُتَعَدِّي كالثُّبُورِ والشُّكُورِ والكُفُورِ، والأكْثَرُ في هَذا الوَزْنِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ اللّازِمِ أوْ فُتُونًا مِنَ الِابْتِلاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فِتَنٍ كالظُّنُونِ جَمْعُ ظَنٍّ أوْ جَمْعُ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ لِأنَّها في حُكْمِ الِانْفِصالِ كَما قالُوا في حُجُوزٍ جَمْعُ حُجْزَةٍ وبِدُوُرٍ جَمْعُ بُدْرَةٍ، ونَظْمُ الِابْتِلاءِ في سَلْكِ المِنَنِ قِيلَ: بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ ابْتَلَيْناكَ واخْتَبَرْناكَ بِإيقاعِكَ في المِحَنِ وتَخْلِيصِكَ مِنها، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أوْقَعْناكَ في المِحْنَةِ وهو ما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ، ونَظْمُ ذَلِكَ في ذَلِكَ السَّلْكِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ النِّعَمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّ (فَتَنّاكَ) بِمَعْنى خَلَّصْناكَ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا خَلَّصْتَهُ بِها مِنَ الغِشِّ ولا يَخْفى حُسْنُهُ، والمُرادُ سَواءٌ اعْتُبِرَ الفُتُونُ مَصْدَرًا أوْ جَمْعًا خَلَّصْناكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى وهو ظاهِرٌ عَلى اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ، وأمّا عَلى اعْتِبارِ المَصْدَرِيَّةِ فَلِاقْتِضاءِ السِّياقِ ذَلِكَ، وهَذا إجْمالُ ما نالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في سَفَرِهِ مِنَ الهِجْرَةِ عَنِ الوَطَنِ ومُفارَقَةِ الآلافِ والمَشْيِ راجِلًا وفَقْدِ الزّادِ.
وقَدْ رَوى جَماعَةٌ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الفُتُونِ فَقالَ لَهُ: اسْتَأْنِفِ النَّهارَ يا ابْنَ جُبَيْرٍ فَإنَّ لَها خَبَرًا طَوِيلًا فَلَمّا أصْبَحَ غَدًا عَلَيْهِ فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ فَذَكَرَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ وقَتْلِهِ أوْلادَ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ قِصَّةَ إلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اليَمِّ والتِقاطِ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ وامْتِناعِهِ مِنَ الِارْتِضاعِ مِنَ الأجانِبِ وإرْجاعِهِ إلى أُمِّهِ ثُمَّ قِصَّةَ أخْذِهِ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وغَضَبِ فِرْعَوْنَ مِن ذَلِكَ وإرادَتِهِ قَتْلَهُ ووَضْعِ الجَمْرَةِ والجَوْهَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وأخْذِهِ الجَمْرَةَ، ثُمَّ قِصَّةَ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ ثُمَّ هَرَبِهِ إلى مَدْيَنَ وصَيْرُورَتِهِ أجِيرًا لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ عَوْدِهِ إلى مِصْرَ وإخْطاءِ الطَّرِيقِ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ وتَفَرُّقِ غَنَمِهِ فِيها، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ تَمامِ كُلِّ واحِدَةٍ يَقُولُ هَذِهِ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ، ولَكِنْ قِيلَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ أنْ لا يُعَدَّ إجارَةُ نَفْسِهِ وما بَعْدَها مِن تِلْكَ الفُتُونِ ضَرُورَةَ أنَّ المُرادَ بِها ما وقَعَ قَبْلَ وُصُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ بِقَضِيَّةِ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ﴾ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ الإجارَةَ المَذْكُورَةَ وما بَعْدَها مِمّا وقَعَ بَعْدَ الوُصُولِ إلَيْهِمْ وقَدْ أُشِيرَ بِذِكْرِ لُبْثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ دُونَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ إلى جَمِيعِ ما قاساهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فُنُونِ الفِتُونِ في تَضاعِيفِ مُدَّةِ اللُّبْثِ وهي فِيما قِيلَ عَشْرُ سِنِينَ، وقالَ وهْبٌ: ثَمانٌ وعِشْرُونَ سَنَةً أقامَ في عَشْرٍ مِنها يَرْعى غَنَمَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَهْرًا لِابْنَتِهِ وفي ثَمانِيَ عَشْرَةَ مَعَ زَوْجَتِهِ ووُلِدَ لَهُ فِيها وهو الأوْفَقُ بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نُبِّئَ عَلى رَأْسِ الأرْبَعِينَ إذا قُلْنا بِأنَّ سِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ خَرَجَ إلى مَدْيَنَ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، ومَدَيْنُ بَلْدَةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ مِن مِصْرَ.
﴿ ثُمَّ جِئْتَ ﴾ أيْ إلى المَكانِ الَّذِي نادَيْتُكَ فِيهِ، وفي كَلِمَةِ التَّراخِي إيذانٌ بِأنَّ مَجِيئَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ اللَّتَيا والَّتِي مِن ضَلالِ الطَّرِيقِ وتَفَرُّقِ الغَنَمِ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ الشّاتِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ عَلى قَدَرٍ ﴾ أيْ: تَقْدِيرٍ والمُرادُ بِهِ المُقَدَّرُ أيْ جِئْتَ عَلى وفْقِ الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرْتُهُ وعَيَّنْتُهُ لِتَكْلِيمِكَ واسْتِنْبائِكَ بِلا تَقَدُّمٍ ولا تَأخُّرٍ عَنْهُ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى المِقْدارِ أيْ جِئْتَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو رَأْسُ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وضُعِّفَ بِأنَّ المَعْرُوفَ في هَذا المَعْنى القَدْرُ بِالسُّكُونِ لا التَّحْرِيكِ، وقِيلَ: المُرادُ عَلى مَوْعِدٍ وعَدْناكَهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الوَعْدِ عَلى لِسانِ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا مُوسى ﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَنْبِيهٌ عَلى انْتِهاءِ الحِكايَةِ الَّتِي هي تَفْصِيلُ المَرَّةِ الأُخْرى الَّتِي وقَعَتْ قَبْلَ المَرَّةِ المَحْكِيَّةِ أوَّلًا، <div class="verse-tafsir"
ثم قال: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى، يعني: قد أكرمتك بكرامات قبل هذا من غير أن تسألني.
ثم بيّن له الكرامات والنعم فقال: إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى، أي: ألهمنا أمك ما ألهمت، ويقال: مَا يُوحى على الحجر، يعني: كان إلهاماً ولم يكن وحياً.
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ، يعني: اجعلي موسى في التابوت، ثم فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ، يعني: اطرحيه في البحر.
فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ، يعني: شاطئ البحر.
- فإن قيل: لم أمر بإلقائه في اليم؟
قيل له: إنما أمره بذلك، لأن البحر يخفي عن المنجمين ما فيه، فكان إلقاؤه لتجنيب حال موسى عن المنجمين، لكيلا يأخذه فرعون ويقلته.
وقيل: أراد أن يكون مع الماء لكيلا يخاف وقت عبوره البحر لاحقا.
وقيل: أراد الله تعالى أن يري أمّه حفظ الله تعالى له (١) يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ، يعني: آل فرعون وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي، يعني: ألقيت محبتي عليك، فكل من رآك أحبك.
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، يقول: ما يصنع بك على منظر مني وبعلمي وبإرادتي.
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ: لآل فرعون هَلْ أَدُلُّكُمْ؟
يعني: أرشدكم عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يعني: يضمه ويحوطه ويرضعه.
فَرَجَعْناكَ، يقول: رددناك إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها يعني: لتطيب نفسها.
وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ، يعني: من القود، وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً يعني: ابتليناك ببلاء بعد بلاء، ويقال: بنعمة على إثر نعمة.
قال: أخبرني الثقة بإسناده، عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس، عن قول الله عز وجل لموسى: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فسألته عن الفتون ما هو؟
فقال: «استأنف النهار يا ابن جبير، فإن له حديثاً طويلاً.
فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس، ليخبرني ما وعدني من حديث الفتون، فقال ابن عباس: «تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز وجل وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون فيه.
قال فرعون: فكيف ترون؟
فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشغار، يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، ففعلوا.
فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون وأن الصغار يذبحون قالوا: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم.
فاقتلوا عاماً ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحدا، فنشأت الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إياكم.
فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانيةً، حتى إذا كان من قابل حملت بموسى، فوقع في قلبها من الحزن والهمّ، فذلك من الفتون يا ابن جبير.
فأدخل عليه في بطن أمه ما يراد به، فأوحى الله تعالى إليها أنْ لا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ يعني: أمر الله تعالى أم موسى إذا هي ولدته أن تجعله في التابوت، ثم تلقيه في اليم.
فلما ولدته فَعلتَ ما أمرتَ به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها: ما فعلت بابني، لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى دواب البحر تأكله.
فانطلق به الماء حتى أرقى به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون، فرأينه فأخذنه، فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن لبعض: إن في هذا مالاً، وإنَّا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه.
فحملنه كهيئته حتى رفعنه إليها.
فلما فتحنه رأت فيه الغلام، فألقى عليه منها محبة لم يُلْقَ مثلها على أحد قط من البشر، وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من ذكر كل شيء إلا ذكر موسى.
فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير.
فقالت للذباحين: اصبروا عليّ، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل لا ينقص فآتي به فرعون فأستوهبه منه إياه.
فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم أنهكم.
فلما أتت فرعون به قالت: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً.
فقال فرعون: يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه» .
فقال ابن عباس: قال رسول الله : «وَالَّذِي يَحْلِفُ بهِ لَوْ أَقَرَّ فِرْعَوْنُ بِأنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ لَهَدَاهُ الله عز وجل بِمُوسَى.
كَمَا هَدَى بهِ امْرَأَتَهُ» .
قال: «فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظِئراً، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل من ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، ثم أمرت به فأخرج إلى السوق واجتمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً تأخذه منها، فلم يقبل، فأصبحت أم موسى والهة، فقالت لأخته: قصي أثره فاطلبيه، هل تسمعين له ذكراً أحيٌّ ابني أم قد أكلته الدواب في البحر؟
فبصرت به عن جنب، أي: عن بعد، والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد، وهي إلى جنبه لا تشعر به فَقَالَتْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ [القصص: 12] فقالوا: وما يدريك ما نصحهم له، وهل يعرفونه؟
حتى شكوا في ذلك.
وذلك من الفتون يا ابن جبير.
فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه، لرغبتهم في الملك ورجاء منفعته.
فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها بالخبر، فجاءت، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها، فمصه حتى امتلأ جنباه ريّاً، فانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها بأن قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إليها فأتت بها وبه.
فلما رأت ما يصنع بها، قالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني، فإني لم أحب مثل حبه شيئاً قط.
قالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي، لا آلو خيراً إلا فعلت به، وإلا فإني غير تاركةٍ بيتي وولدي.
فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، فأنجزها الله عز وجل وعده، وأنبته الله تعالى نباتاً حسناً.
فلم تزل بنو إسرائيل تمتنع به من الظلم والسّخرة.
فلما ترعرع أي: كبر، قالت امرأة فرعون لأم موسى: أريني ابني، فواعدتها يوماً وقالت لخزانها وقهارمتها: لا يبقى منكم أحد إلا ويستقبل ابني بهدية وكرامة.
فلم تزل الهدايا والكرامات تستقبله من حيث خرج من بيت أمه إلى أن دخل إلى امرأة فرعون، فلما دخل عليها بَجَّلَتْه وأَكرمته وفرحت به وأعجبها، وبجّلت أمه لأثرها عليه.
ثم قالت: لأنطلق به إلى فرعون فليبجلنَّه وليكرمنَّه.
فلما دخلت به عليه جعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون ومدها إلى الأرض، فقالت له الغواة من أعداء الله: ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم ؟
إنه يريد أن يصرعك وينزع عنك ملكك ويهلكك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير.
فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت له: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟
فقال: ألا ترينه، إنه سيصرعني؟
فقالت له: اجعل بينك وبينه أمراً لتعرف فيه الحق.
ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين، علمت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين، فاعلم بأنه لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل.
فقرب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فانتزعوهما منه مخافة أن تحرقا يديه.
فلما بلغ أشده وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم ولا بسخرة.
فبينما هو يمشي في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان، أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه، فوكزه فقتله، وليس يراهما أحد إلاَّ الله عَزَّ وَجَلَّ والإسرائيلي.
فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا.
فقال: ائتوني بقاتله والذي يشهد عليه آخذ لكم بحقكم.
فبينما هم يطوفون لا يجدون شيئاً، وإذا موسى قد رأى من الغد الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، وقد ندم موسى على ما كان منه بالأمس، وكره الذي رأى، فغضب على الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص: 18] فخاف الإسرائيلي، وظن أنه يريد إياه فقال: يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ [القصص: 19] ، فتتاركا، فانطلق الفرعوني إلى قومه وأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر.
فأرسل فرعون إلى الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون موسى.
وجاء رجل من شيعة موسى، فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا ابن جبير.
فخرج موسى متوجهاً نحو مدين، لم يلق بلاءً قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه تعالى، فإنه قال: قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ [القصص: 23] وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ [القصص: 23] .
يعني: إنهما حابستان غنمهما.
فقال: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟
قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم، وإِنما ننتظر فضول حياضهم فنسقي، فسقى لهما موسى فجعل يغرف في الدلو ماء كثيراً حتى كان أول الرعاة فراغاً.
فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما، وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل بها.
فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حفّلا فقال: إن لكما لشأناً اليوم.
فحدثاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتته فدعته.
فلما دخل على شعيب فأخبره بالقصة قَالَ: لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: 25] ، أي: ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته.
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: 26] فاحتملته الغيرة وقال: وما يدريك ما أمانته وقوته؟
فقالت: أما قوته فما رأيت مثله حين سقى لنا الماء رجلا قط أقوى من ذلك في ذلك السقي منه.
وأما أمانته، فإنه لمّا نظرني حين أقبلت إِليه، صَوَّبَ رأسه ولم يرفعه، ولم ينظر إلي حين بلغته رسالتك، فقال لي: امشي خلفي وانعتي إلي الطريق، يعني: صفي لي ودليني على الطريق.
فسري عن أبيها فقال له: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص: 27] .
فكان على موسى ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه.
فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله، كان من أمره ما قصّ الله عليك في القرآن، فشكا إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه عن كثير من الكلام، فسأل ربه أن يعينه بأخيه ليتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به.
فأعطاه الله عز وجل سؤاله، وحلّ عقدة من لسانه، فاندفع موسى بالعصا فلقي هارون، فانطلقا جميعاً إلى فرعون، وأقاما على بابه حيناً لا يؤذن لهما بالدخول.
ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: إنا رسولا ربك.
قال: فمن ربكما؟
فأخبراه بالذي قصّ الله عَزَّ وَجَلَّ في القرآن.
فقال: مَا تُريدَانِ؟
فقال موسى: أريد أن تؤمن بالله تعالى وأن ترسل معنا بني إسرائيل.
فأبى عليه ذلك، فقال: فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء: 154] .
فألقى عصاه فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون.
فاقتحم فرعون عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل، وأخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، ثم أعادها إلى كمه فصارت إلى لونها الأول.
فاستشار الملأ فيما رأى، فقالوا: اجمع لهما السحرة فإنهم بأرضك كثير.
فأرسل فرعون في المدائن، فحشر له كل ساحر متعالم.
فلما أتوا فرعون، قالوا: بمَ يعمل هذان الساحران؟
قالوا: يعملان بالحيات.
فقالوا: والله ما في الأرض قوم يعملون بالحيات التي نعمل.
فتواعدوا يَوْمُ الزينة، وَأَن يُحْشَرَ الناس ضحى.
ويوم الزينة: هو اليوم الذي أظهر الله عز وجل موسى على فرعون والسحرة، وهو يوم عاشوراء، فقال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر، فنتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، يعنون بذلك: موسى وهارون، استهزاءً بهما.
قالت السحرة لموسى لِقُدْرَتِهِمْ بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [الأعراف: 115] .
قال لهم موسى: ألقوا.
فألقوا حبالهم وعصيهم، فرأى موسى من سحرهم شيئاً عظيماً، فأوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله تعالى إليه: أن ألق عصاك، فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيماً فاغرة فاها، فجعلت تلتقم العصي والحبال حتى ما أبقت عصاً ولا حبلاً إلا ابتلعته.
فلما عرفت السحرة ذلك، قالوا: لو كان هذا ساحراً لم يبلغ من سحره كل هذا، ولكن هذا أمر من أمر الله عز وجل.
فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، أمر الله تعالى موسى بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلا.
فلما أصبح فرعون، فبعث في المَدَائِن حَاشِرين، وتبعهم بجنود عظيمة، فنسي موسى أن يضرب بعصاه البحر.
فلما تراءى الجمعان وتقاربا، قال قوم موسى: إنا لمدركون، افعل ما أمرك الله عز وجل.
فتذكّر مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَم مَا وعده الله عز وجل، فضرب البحر بالعصا فانفلق البحر اثنتي عشرة فرقة.
فلما جاوز أصحاب موسى كلهم، ودخل أصحاب فرعون كلهم، التقى البحر عليهم، فقال أصحاب موسى: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق فدعا موسى ربه، فأخرجه حتى استيقنوا، فمضوا حتى أنزلهم منزلاً، ثم قال لهم: أطيعوا هارون، فإني استخلفته عليكم، وإني ذاهب إلى ربي.
وأجَّلهم ثلاثين يوما وقد صامهن أي: صام موسى ليعلّمهم.
وكره أن يكلمه ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟
وهو أعلم به.
قال: يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح.
قال الله عزّ وجلّ: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك؟
ارجع حتى تصوم عشرة أيام، ثم ائتني.
ففعل موسى الذي أمره ربه تبارك تعالى، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل، ساءهم ذلك.
وأخرج لهم السامري عجلاً جسداً، له خوار من حلي آل فرعون، فتفرق بنو إسرائيل، فقالت فرقة للسامري: ما هذا؟
قال: هذا ربكم، ولكن موسى أخطأ الطريق.
فقالوا: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى.
وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليس هذا بربنا.
وأشرب فرقة في قلوبهم التصديق، وقال لهم هارون: إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن.
فلما كلم الله عز وجل موسى، أخبره بما لقي قومه بعده، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه كما قصَّ الله عز وجل في هذه السورة، وقال: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً، يعني: اختبرناك اختباراً، ويقال: أخلصناك إخلاصاً.
كما قال تعالى: إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً [مريم: 51] .
ثم قال عز وجل: فَلَبِثْتَ سِنِينَ، أي: عشر سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ عند شعيب ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى يعني: على وقت مقدور عليك يا موسى، وهذا قول ابن عباس، وقال مقاتل: عَلى قَدَرٍ أي: على ميقات، ويقال: على موعد، ويقال: على قدر من تكليمي إياك، ويقال: على قضاء قضيته، ويقال: على تمام الذي يوحى للأنبياء أربعين سنة.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ مَا يُوحى قيل:
هو وَحْي إلهام، وقِيلَ: بملك، وقِيلَ: برؤْيَا رَأَتْهَا، وكان مِنْ قصة موسى عليه السلام فيما رُوي أن فرعون ذُكرَ له أَنَّ خرابَ مُلْكِه يكونُ عَلَى يد غُلاَمٍ من بني إسرائيل فأمر بقتل ٩ ب كُلِّ/ مَوْلُودٍ يولَدُ لبني إسرائيل، ثم إنه رَأَى مع أَهْل مملكته: أَنَّ فناء بني إسرائيل يعودُ على القِبْطِ بالضَرَرِ إذْ هم كانوا عَمَلَةَ الأَرْضِ، والصناع، ونحو هذا فعزم على أَنْ يقتُلَ الوِلْدَانَ سنةً، ويَسْتَحْيِيَهُم سنةً، فولد هرون عليه السلام في سَنَةِ الاِسْتِحْيَاءِ، ثم ولد موسى عليه السلام في العام الرابع سَنَةَ القَتْلِ، فخافت عليه أُمُّه فأوحى اللَّه إلَيْها: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فأخذَت «١» تابُوتاً فقذفَتْ فيه موسى راقِداً في فِرَاشٍ، ثم قذفتْهُ في يَمِّ النيل، وكان فرعون جَالِساً في مَوْضِع يُشْرِفُ منه على النِّيلِ إذْ رَأَى التَّابُوتَ فأمَر به، فسِيقَ إليه، وامرأته معه، ففُتِحَ فرأَوْهُ فَرَحِمتْهُ «٢» امرأته وطلبتْهُ لتتَّخذَهُ ابنا، فأباح لها ذلك، ثم إنَّها عرضَتْهُ للرِّضَاعِ، فلم يقبلِ «٣» امرأة فجعلت تنادي عليه في المدينة، ويُطافُ به يُعْرَضُ للمَرَاضِعِ، فكلما عُرِضَتْ عليه امرأةٌ أَباهَا، وكانت أمه قالَتْ لأُخْتِه: قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ [القصص: ١١] وفهمت أمره، فقالت لهم: أنا أدلُّكم على أهْل بيت يَكْفلُونه لَكُمْ، وهم له نَاصِحُون، فتعلَّقُوا بِهَا، وقالوا: أنْتِ تَعْرِفينَ هذا الصبيَّ، فأنْكَرتْ، وقَالَتْ: لاَ، غير أني أعلم من أهل هذا البيْتِ الحِرْصَ على التقرُّبِ إلى المملكةِ، والجدّ في خِدْمتها، ورِضَاهَا، فتَرَكُوها وسَأَلُوها الدَّلاَلة، فجاءت بِأُمِّ مُوسَى، فلما قَرَّبَتْهُ، شَرِبَ ثَدْيَهَا، فسُرّت بذلك آسِيَةُ امرأة فِرْعون (رضي اللَّه عنها) وقالت لها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فقالت لها: ما كُنْتُ لأَدَعَ بيتي وَوَلَدِي، ولكنه يِكُون عِنْدِي، فقالت: نعم، فأَحسنت إلى أَهْل ذلك البيت غاية الإحسان،
واعتزَّ بنو إسْرَائِيل بهذا الرِّضاعِ، والسبب من المَمْلَكَةِ، وأقام موسى عليه السلام حتى كَمَلَ رضاعه، فأرسلت إليها آسية: أن جئيني بولدي لِيَوْمِ كذا، وأمَرتْ خَدَمَها، ومَنْ مَعَها أنْ يلقينه بالتحَفِ، والهَدَايا، واللّباس فوصل إليها على ذلك، وهو بخير حال وأجمل ثياب، فسُرّت بِهِ، ودخَلتْ به عَلَى فِرْعَوْن؟
ليراه ويهب له «١» فرآه وأعْجَبه، وقرَّبَهُ فأخذ موسى عليه السلام بلِحْيَةِ فرعون، وجَبَذَهَا، فاسْتَشَاطَ فرعونُ، وقال: هذا عَدُوٌّ لي، وأمَر بذبْحِهِ، فَنَاشَدَتْهُ فيه امرأته، وقالَتْ: إنه لاَ يَعْقِلُ، فقال فِرْعَونُ: بل يَعْقِلُ، فاتَّفَقَا عَلَى تَجْرِيبه بالجمْرَةِ «٢» والياقُوتِ حَسَبَ ما تقدَّمَ، فنجاه اللَّهُ من فرعون ورَجَعَ إلى أمّه، فشبّ عندها، فاعتزّ به بنو إسْرَائِيل «٣» إلى أن تَرَعْرَعَ، وكان فَتًى جَلداً «٤» فَاضِلاً كَامِلاً، فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك الرِّضاع، وكان يحميهم، ويكون ضِلعَهُ مَعهم، وهو يَعْلَمُ مِنْ نفسه أنه مِنْهُم، ومِنْ صَمِيمِهم، فكانت بصيرته في حمايتهم أكِيدة، وكان يَعْرِفُ ذلك أَعيانُ بني إسْرَائِيل، ثم وقعت له قِصَّةُ القِبْطِيِّ المتقاتل مع الإسرائيلي على ما سيأتي إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالى، وعدد اللَه سبحانه على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القِصَّة: مِنْ لُطْفه سُبْحَانه به في كُلِّ فَصْل، وتخليصه من قِصَّةٍ إلَى أخرى، وهذه الفُتُون التي فتنه بها، أيْ: اختبره بها، وخلَّصَهُ حتى صلح لِلنّبوّةِ، وسلم لها.
وقوله مَا يُوحى / إبهامٌ يتضمن عِظَمَ الأَمْر وَجَلالَتِه وهذا كَقَوْلِهِ تعالى: إِذْ ١٠ أيَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى [النجم: ١٦] فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى
[النجم: ١٠] .
وهو كثيرٌ في القرآن، والكلام الفصيح.
وقوله: فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ خبرٌ خرج في صِيغَةِ الأَمر «٥» [مُبالغةً ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ» فأخرج الخبر في صِيغَة الأمْرِ لنفسه، مُبَالغةً] «٦» ، وهذا كَثِيرٌ، والمرادُ بالعدُوِّ في الآية: فرعونُ ثم أخبر تعالى مُوسَى عليه السلام أَنه ألْقى عليه مَحَبَّةً منه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: طَلِبَتَكَ، وهو ( فُعْلٌ ) مَن ( سَألْتَ )؛ أيْ: أُعْطِيتَ ما سَألَتَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ ﴾ ؛ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْكَ، ﴿ مَرَّةً أُخْرى ﴾ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَتى كانَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى ﴾ ؛ أيْ: ألْهَمْناها ما يُلْهَمُ مِمّا كانَ سَبَبًا لِنَجاتِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ ﴾ وقَذْفُ الشَّيْءِ: الرَّمْيُ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ ما يُوحى ﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ؟
فَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أوْحَيْنا إلَيْها الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُوحى إلَيْها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ الأُمُورِ يَصْلُحُ وحْيُهُ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَبِيٍّ، وذَلِكَ أنَّها أُلْهِمَتْ.
والثّانِي: أنَّ ﴿ ما يُوحى ﴾ أفادَ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَغَشّاها ما غَشّى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ظاهِرُ هَذا الأمْرُ، ومَعْناهُ مَعْنى الخَبَرِ، تَأْوِيلُهُ: يُلْقِيهِ [ اليَمُّ ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مَأْمُورًا بِآلَةٍ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَسَمِعَ وعَقَلَ، كَما فَعَلَ ذَلِكَ بِالحِجارَةِ والأشْجارِ.
فَأمّا السّاحِلُ: فَهو شَطُّ البَحْرِ.
﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَتْ أُمُّهُ تابُوتًا وجَعَلَتْ فِيهِ قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووَضَعَتْ فِيهِ مُوسى وأحْكَمَتْ بِالقارِ شُقُوقَ التّابُوتِ، ثُمَّ ألْقَتْهُ في النَّيْلِ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ في دارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ البِرْكَةِ مَعَ امْرَأتِهِ آسِيَةَ، إذا بِالتّابُوتِ، فَأمَرَ الغِلْمانَ والجَوارِي بِأخْذِهِ، فَلَمّا فَتَحُوهُ رَأوْا صَبِيًّا مَن أصْبَحِ النّاسِ وجْهًا، فَلِما رَآهُ فِرْعَوْنُ أحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ \[ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى " ألْقَيْتُ عَلَيْكَ "؛ أيْ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً مِنِّي \] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَبَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ، فَلا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْهِ مِلاحَةٌ، فَما رَآهُ أحَدٌ إلّا حَبَّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ولْتُصْنَعْ ) بِسُكُونِ اللّامِ والعَيْنِ والإدْغامِ.
قالَ قَتادَةُ: لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ما أُرِيدُ وأُحِبُّ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: غُذِّيَ فَلانٌ عَلى عَيْنِي؛ أيْ: عَلى المَحَبَّةِ مِنِّي.
وقالَ غَيْرُهُ: لِتُرَبّى وتُغَذّى بِمَرْأًى مِنِّي، يُقالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جارِيَتَهُ: إذا رَبّاها، وصَنَعَ فَرَسَهُ: إذا داوَمَ عَلى عَلْفِهِ ومُراعاتِهِ، والمَعْنى: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، قَدَّرْنا مَشْيَ أُخْتِكَ وقَوْلُها: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ؛ لِأنَّ هَذا كانَ مِن أسْبابِ تَرْبِيَتِهِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
فَأمّا أُخْتُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُها مَرْيَمُ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المَشْيِ، وَلَمْ يُذْكَرْ أنَّها مَشَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، فَدَلَّتْهم عَلى الظِّئْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَجْتَزِئُ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ وبِقَلِيلِهِ، إذا كانَ المَعْنى مَعْرُوفًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: فَأُرْسِلَ حَتّى دَخَلَ عَلى يُوسُفَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ مَشْيِ أُخْتِهِ أنَّ أُمَّهُ قالَتْ لَها: قُصِّيهِ، فاتَّبَعَتْ مُوسى عَلى أثَرِ الماءِ، فَلَمّا التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ جَعَلَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ؛ أيْ: يُرْضِعُهُ ويَضُمُّهُ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَها: ومَن هي ؟
فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ ؟
قالَتْ: لَبَنُ أخِي هارُونَ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى بِثَلاثِ سِنِينَ فَأرْسَلُوها، فَجاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ ﴾ ؛ أيْ: رَدَدْناكَ إلَيْها، ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ﴾ بِكَ وبِرُؤْيَتِكَ.
﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا ﴾ يَعْنِي: القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿ فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ ﴾ وكانَ مَغْمُومًا مَخافَةَ أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ بِأنْ هَرَبَ إلى مَدْيَنَ، ﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
وقالَ الفَرّاءُ: ابْتَلَيْناكَ بِغَمِّ القَتِيلِ ابْتِلاءً.
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُتُونُ: وُقُوعُهُ في مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنها، أوَّلُها أنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيها الأطْفالَ، ثُمَّ إلْقاؤُهُ في البَحْرِ، ثُمَّ مَنَعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ خائِفًا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُصُّ هَذِهِ القَصَصَ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ويَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ ثَلاثَةٍ: وهَذا مِنَ الفُتُونِ يابْنَ جُبَيْرٍ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ " فَتَنّاكَ ": خَلَّصْناكَ مِن تِلْكَ المِحَنِ، كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ فَيُخَلَّصُ مِن كُلِّ خَبَثٍ.
والفُتُونُ مَصْدَرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَخَرَجْتَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ.
ومَدْيَنُ: بَلَدُ شُعَيْبٍ، وكانَ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ مِن مِصْرَ، فَهَرَبَ إلَيْهِ مُوسى.
وقِيلَ: مَدِينُ: اسْمُ رَجُلٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [ الأعْرافِ: ٨٦ ] .
وَفِي قَدْرِ لُبْثِهِ هُناكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَشْرُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: ثَمانِي وعِشْرُونَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنهُنَّ مَهْرُ امْرَأتِهِ، وثَمانِيَ عَشْرَةَ أقامَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، قالَهُ وهْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ ﴾ ؛ أيْ: جِئْتَ لِمِيقاتِ قُدْرَتِهِ لِمَجِيئِكَ قَبْلَ خَلْقِكَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ﴿ عَلى قَدَرٍ ﴾ ؛ أيْ: عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن تَكْلِيمِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ ؛ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ واخْتَصَصْتُكَ، والِاصْطِناعُ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهو الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى إنْسانٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفَيْتُكَ لِرِسالَتِي ووَحْيِي، ﴿ اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها العَصا واليَدُ، وقَدْ يُذَكَرُ الِاثْنانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ.
والثّانِي: العَصا، واليَدُ، وحَلُّ العُقْدَةِ الَّتِي ما زالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَعْرِفُونَها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّالِثُ: الآياتُ التِّسْعُ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنِيا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَضْعُفا ولا تَفْتُرا، يُقالُ: ونَيَ يَنِي في الأمْرِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: وُنِيَ يُونى.
وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّسالَةُ إلى فِرْعَوْنَ.
والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بِالفَرائِضِ والتَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مَن الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى ﴾ ﴿ واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ العامِلُ في "إذْ" فَعَلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: ومَنَنّا إذْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في القَصَصِ المَذْكُورِ آنِفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْ تَقَرَّ" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْ تَقِرَّ" بِكَسْرِ القافِ، والنَفْسُ الَّتِي قَتَلَها هي نَفْسُ القِبْطِيِّ الَّذِي كانَ يُقاتِلُ الإسْرائِيلِيَّ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، و"الغَمُّ": هَمُّ النَفْسِ، وكانَ هَمُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأمْرِ مِن طَلَبِهِ لِيَثْأرَ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا ﴾ مَعْناهُ: خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: اخْتَبَرْناكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا يُرادُ إلّا ما اخْتُبِرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وتَكْلِيفِهِ، وما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يَدْخُلُ في اخْتِبارِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وعِدَّةُ سِنِيِّهِ في أهْلِ مَدْيَنَ عَشَرَةُ أعْوامٍ؛ لَأنَّهُ إنَّما قَضى أوفى الأجَلَيْنِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ عَلى قَدَرٍ ﴾ أيْ: بِمِيقاتٍ مَحْدُودٍ لِلنُّبُوَّةِ الَّتِي قَدْ أرادَها اللهُ بِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نالَ الخِلافَةَ إذْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ مَعْناهُ: جَعَلَتْكَ مَوْضِعَ الصَنِيعَةِ ومَقَرَّ الإجْمالِ والإحْسانِ، وقَوْلُهُ: "لِنَفْسِي" إضافَةَ تَشْرِيفٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَيْتُ اللهِ" ونَحْوَهُ.
«والصِيامُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ»، وعَبَّرَ بِالنَفْسِ عن شِدَّةِ القُرْبِ وقُوَّةِ الِاخْتِصاصِ.
<div class="verse-tafsir"
{ جملة ولقد مَنَنَّا عليْكَوَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى * إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى * أَنِ } معطوفة على جملة ﴿ قد أوتيتَ سُؤْلك ﴾ [طه: 36] لأنّ جملة ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى ﴾ [الضحى: 5 8].
وتأكيد الخبر بلام القسم و(قد) لتحقيق الخبر، لأنّ موسى عليه السلام قد علم ذلك، فتحقيق الخبر له تحقيق للازمه المراد منه، وهو أن عناية الله به دائمة لا تنقطع عنه زيادة في تطمين خاطره بعد قوله تعالى: ﴿ قد أوتيت سؤلك ﴾ [طه: 36].
والمَرّة: فَعلة من المرور، غلبت على معنى الفَعلة الواحدة من عمل معيّن يعرف بالإضافة أو بدلالة المقام.
وقد تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ وهم بدأوكم أول مرة ﴾ في سورة براءة (13).
وانتصاب مَرَّةً } هنا على المفعولية المطلقة لفعل ﴿ مَنَنَّا ﴾ ، أي مرّة من المنّ.
ووصفها بأخرى هنا باعتبار أنها غير هذه المنّة.
و ﴿ إذْ ﴾ ظرف للمنّة.
والوحي، هنا: وحي الإلهام الصادق.
وهو إيقاع معنى في النفس ينثلج له نفس الملقى إليه بحيث يجزم بنجاحه فيه وذلك من توفيق الله تعالى.
وقد يكون بطريق الرؤيا الصالحة التي يقذف في نفس الرائي أنها صدق.
و ﴿ ما يوحى ﴾ موصول مفيد أهمية ما أوحي إليها.
ومفيد تأكيد كونه إلهاماً من قبل الحق.
و ﴿ أنِ ﴾ تفسير لفعل ﴿ أوْحَيْنَا ﴾ لأنه معنى القول دون حروفه أو تفسير ليوحى.
والقذف: أصله الرمي، وأطلق هنا على الوضع في التابوت، تمثيلاً لهيئة المُخفى عمله، فهو يسرع وضعه من يده كهيئة من يقذف حجراً ونحوه.
والتابوت: الصندوق.
وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ في سورة البقرة (248).
واليمّ: البحر، والمراد به نهر النّيل.
والساحل: الشاطئ، ولام الأمر في قوله فَلْيُلْقِهِ} دالة على أمر التكوين، أي سخرنا اليَمّ لأن يلقيه بالساحل، ولا يبتعد به إلى مكان بعيد، والمراد ساحل معهود، وهو الذي يقصده آل فرعون للسباحة.
والضمائر الثلاثة المنصوبة يجوز أن تكون عائدة إلى موسى لأنّه المقصود وهو حاضر في ذهن أمّه الموحى إليها، وقَذفه في التّابوت وفي اليَمّ وإلقاؤه في الساحل كلها أفعال متعلّقة بضميره، إذ لا فرق في فعل الإلقاء بين كونه مباشراً أو في ضمن غيره، لأنه هو المقصود بالأفعال الثلاثة.
ويجوز جعل الضميرين الأخيرين عائدين إلى التابوت ولا لبس في ذلك.
وجزم ﴿ يَأْخُذْهُ ﴾ في جواب الأمر على طريقة جزم قوله ﴿ يفقهوا قولي ﴾ [طه: 28] المتقدم آنفاً.
والعدوّ: فرعون، فهو عدوّ الله لأنه انتحل لنفسه الإلهية، وعدوّ موسى تقديراً في المستقبل، وهو عدوّه لو علم أنه من غلمان إسرائيل لأنّه اعتزم على قتل أبنائهم.
﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى ﴾ عطف على جملة ﴿ وقالت امرأة فرعون قرّةُ عيننٍ لي ولك لا تقتلوه ﴾ [القصص: 9]؛ لأنّ فرعون قد غلب على ظنه أنّه من غلمان إسرائيل وليس من أبناء القبط، أو لأنه يخطر بباله الأخذ بالاحتياط.
وإلقاء المحبة مجاز في تعلّق المحبة به، أي خلق المحبّة في قلب المحبّ بدون سبب عاديّ حتى كأنه وضعٌ باليد لا مقتضي له في العادة.
ووصف المحبّة بأنها من الله للدّلالة على أنها محبّة خارقة للعادة لعدم ابتداء أسباب المحبّة العرفيّة من الإلف والانتفاع، ألا ترى قول امرأة فرعون: ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ [القصص: 9] مع قولها: ﴿ قرّة عين لي ولك ﴾ [القصص: 9]، فكان قرة عين لها قبل أن ينفعها وقبل اتخاذه ولداً.
{ جملة ولتصنع على عينيوَلِتُصْنَعَ على عينى * إِذْ تمشى أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ فرجعناك إلى أُمِّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فنجيناك} عطف على جملة {إذ أوحينا إلى أمك الخ.
جُعل الأمران إتماماً لمنّة واحدة لأن إنجاءه من القتل لا يظهر أثره إلاّ إذا أنجاه من الموت بالذبول لترك الرضاعة، ومن الإهمال المفضي إلى الهلاك أو الوهن إذا ولي تربيته من لا يشفق عليه الشفقة الجبليّة.
والتقدير: وإذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله لأجل أن تُصنع على عيني.
والصنع: مستعار للتربية والتنمية، تشبيهاً لذلك بصنع شيء مصنوع، ومنه يقال لمن أنعم عليه أحد نعمة عظيمة: هو صنيعة فلان.
وأخت موسى: مريم ابنة عمران.
وفي التّوراة: أنّها كانت نبيئة كما في الإصحاح الخامس عشر من سفر الخروج.
وتوفيت مريم سنة ثلاث من خروج بني إسرائيل من مصر في برية صِين كما في الإصحاح التاسع عشر من سفر العدد.
وذلك سنة 1417 قبل المسيح.
وقرأه الجمهور بكسر اللام على أنها لام كي وبنصب فعل تُصنَعَ.
وقرأه أبو جعفر بسكون اللاّم على أنها لام الأمر وبجزم الفعل على أنّه أمر تكويني، أي وقلنا: لتصنع.
وقوله على عيني } (على) منه للاستعلاء المجازي، أي المصاحبة المتمكنة، فعلى هنا بمعنى باء المصاحبة قال تعالى: ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ [الطور: 48].
والعَين: مجاز في المراعاة والمراقبة كقوله تعالى: ﴿ واصنع الفلك بأعيننا ﴾ [هود: 37]، وقول النابغة: عهدتك ترعاني بعيننٍ بصيرة *** وتبعثُ حُراساً عليّ وناظِرا ووقع اختصار في حكاية قصة مشي أخته، وفصّلت في سورة القصص.
والاستفهام في ﴿ هَلْ أدُلُكُمْ ﴾ للعَرْض.
وأرادت ب ﴿ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ أمّه.
فلذلك قال ﴿ فرجعناك إلى أُمِّكَ ﴾ .
وهذه منّة عليه لإكمال نمائه، وعلى أمّه بنجاته فلم تفارق ابنها إلاّ ساعات قلائل، أكرمها الله بسبب ابنها.
وعطفُ نفي الحزن على قرّة العين لتوزيع المنّة، لأنّ قرّة عينها برجوعه إليها.
وانتفاءَ حزنها بتحقق سلامته من الهلاك ومن الغرق وبوصوله إلى أحسن مأوى.
وتقديم قرّة العين على انتفاء الحزن مع أنها أخص فيغني ذكرها عن ذكر انتفاء الحزن؛ روعي فيه مناسبة تعقيب ﴿ فرجعناك إلى أُمِّكَ ﴾ بما فيه من الحكمة، ثم أكمل بذكر الحكمة في مشي أخته فتقول: جملة وقَتَلْتَوَقَتَلْتَ نَفْساً فنجيناك مِنَ الغم وفتناك فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فى أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى * واصطنعتك لِنَفْسِى } عطف على جملة ﴿ ولقد منّنا عليك مرة أخرى لأنّ المذكور في جملة وقتلت نفساً ﴾ منّة أخرى ثالثة.
وقدم ذكر قتله النفس على ذكر الإنجاء من الغم لتعظيم المنّة، حيث افتتحت القصّة بذكر جناية عظيمة التبعة، وهي قتل النّفس ليكون لقوله ﴿ فنجيناك ﴾ موقع عظيم من المنّة، إذ أنجاه من عقوبة لا ينجو من مثلها مثلُه.
وهذه النفس هي نفس القبطيّ من قوم فرعون الذي اختصم مع رجل من بني إسرائيل في المدينة فاستغاث الإسرائيلي بموسى لينصره فوكز موسى القبطيّ فقضى عليه كما قصّ ذلك في سورة القصص.
والغمّ: الحزن.
والمعنيّ به ما خامر موسى من خوف الاقتصاص منه، لأنّ فرعون لما بلغه الخبر أضمر الاقتصاص من موسى للقبطي إذ كان القبط سادة الإسرائيليين، فليس اعتداء إسرائيلي على قبطي بهيّن بينهم.
ويظهر أنّ فرعون الذي تبنى موسى كان قد هلك قبل ذلك.
والفُتون: مصدر فَتن، كالخُروج، والثُبور، والشُكور، وهو مفعول مطلق لتأكيد عامله وهو {فتنّاك، وتنكيرهُ للتعظيم، أي فتوناً قويّاً عظيماً.
والفتون كالفتنة: هو اضطراب حال المرء في مدّة من حياته.
وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ والفتنة أشدّ من القتل ﴾ في سورة البقرة (191).
ويظهر أن الفتون أصل مصدر فتن بمعنى اختبر، فيكون في الشرّ وفي الخير.
وأما الفتنة فلعلّها خاصة باختبار المضرّ.
ويظهر أن التنوين في فتوناً للتقليل، وتكون جملة وفتناك فُتُوناً } كالاستدراك على قوله ﴿ فنجيناك مِنَ الغَمّ ﴾ ، أي نجيناك وحصل لك خوف، كقوله ﴿ فأصبح في المدينة خائفاً يترقب ﴾ [القصص: 18] فذلك الفتون.
والمراد بهذا الفتون خوف موسى من عقاب فرعون وخروجه من البلد المذكور في قوله تعالى: ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفاً يترقّب قال رب نجنّي من القوم الظالمين ﴾ [القصص: 18 21].
وذكر الفتون بين تعداد المنن إدماج للإعلام بأن الله لم يهمل دم القبطيّ الذي قتله موسى، فإنه نفس معصومة الدم إذ لم يحصل ما يوجب قتله لأنّهم لم تَرِد إليهم دعوة إلهية حينئذ.
فحين أنجى الله موسى من المؤاخذة بدمه في شرع فرعون ابتلَى موسى بالخوف والغربة عتاباً له على إقدامه على قتل النفس، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ﴾ [القصص: 15 16].
وعباد الله الذين أراد بهم خيراً ورعاهم بعنايته يجعل لهم من كلّ حالة كمالاً يكسبونه، ويُسمى مثل ذلك بالابتلاء، فكان من فتون موسى بقضيّة القبطيّ أن قدر له الخروج إلى أرض مدين ليكتسب رياضة نفس وتهيئةَ ضمير لتحمّل المصاعب، ويتلقّى التهذيب من صهره الرسول شعيب عليه السلام.
ولهذا المعنى عقب ذكر الفتون بالتفريع في قوله ﴿ فَلِبثْتَ سِنينَ في أهللِ مَديَنَ ثمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ يامُوسى ﴾ فبين له كيف كانت عاقبة الفتون.
أو يكون الفتون مشتركاً بين محمود العاقبة وضدّه مثل الابتلاء في قوله: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ [الأعراف: 168]، أي واختبرناك اختباراً، والاختبار: تمثيل لحال تكليفه بأمر التبليغ بحال من يختبر، ولهذا اختير هنا دون الفتنة.
وأهل مدين: قوم شعيب.
ومَدْيَن: اسم أحد أبناء إبراهيم عليه السلام سكنت ذريته في مواطن تسمى الأيْكة على شاطئ البحر الأحمر جنوب عقبة أيلة، وغلب اسم القبيلة على الأرض وصار علماً للمكان فمن ثمّ أضيف إليه (أهل).
وقد تقدم في سورة الأعراف.
ومعنى ﴿ جئتَ ﴾ حضرتَ لدينا، وهو حضوره بالواد المقدّس لتلقي الوحي.
و (على) للاستعلاء المجازي بمعنى التمكن؛ جعل مجيئه في الوقت الصالح للخير بمنزلة المستعلي على ذلك الوقت المتمكن منه.
والقدَر: تقدير الشيء على مقدار مناسب لما يريد المقدّر بحيث لم يكن على سبيل المصادفة، فيكون غير ملائم أو في ملاءَمتِه خلَل، قال النّابغة: فريع قلبي وكانتْ نظرةً عرضت *** يوماً وتوفيق أقدار لأقدار أي موافقة ما كنتُ أرغبه.
فقوله ﴿ ثم جئت على قدر يا موسى ﴾ يفيد أنّ ما حصل لموسى من الأحوال كان مقدّراً من الله تقديراً مناسباً متدرجاً، بحيث تكون أعماله وأحواله قد قدّرها الله وحددها تحديداً منظماً لأجل اصطفائه وما أراد الله من إرساله، فالقدر هنا كناية عن العناية بتدبير إجراء أحواله على ما يسفر عن عاقبة الخير.
فهذا تقدير خاص، وهو العناية بتدرج أحواله إلى أن بلغ الموضع الذي كلّمه الله منه.
وليس المراد القَدر العام الذي قدّره الله لتكوين جميع الكائنات، فإن ذلك لا يُشعر بمزية لموسى عليه السلام.
وقد انتبَه إلى هذا المعنى جرير بذوقه السليم فقال في مدح عمر بن عبد العزيز: أتى الخلافة إذْ كانت له قَدراً *** كما أتَى ربّه موسى على قَدَر ومن هنا ختم الامتنان بما هو الفذلكة، وذلك جملة ﴿ واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ الذي هو بمنزلة ردّ العجز على الصدر على قوله ﴿ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ﴾ [طه: 13] ومن قوله: ﴿ اذهب إلى فرعون إنّه طغى ﴾ [طه: 24].
والاصطناع: صنع الشيء باعتناء.
واللام للأجْل، أي لأجْل نفسي.
والكلام تمثيل لِهيئة الاصطفاء لتبليغ الشريعة بهيئة من يصطنع شيئاً لفائدة نفسه فيصرف فيه غاية إتقان صنعه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَبَّبْتُكَ إلى عِبادِي، قالَهُ سَلْمى بْنُ كُمَيْلٍ.
الثّانِي: يَعْنِي حُسْنًا ومِلاحَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: رَحْمَتِي، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ (الطَّبَرِيُّ) .
الرّابِعُ: جَعَلْتُ مَن رَآكَ أحَبَّكَ، حَتّى أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ فَسَلِمْتَ مِن شَرِّهِ وأحَبَّتْكَ آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ فَتَبَنَّتْكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وأظْهَرْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّتِي لَكَ وهي نِعْمَةٌ عَلَيْكَ لِأنَّ مَن أحَبَّهُ اللَّهُ أوْقَعَ في القُلُوبِ مَحَبَّتَهُ.
﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِتُغَذّى عَلى إرادَتِي، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنَيْ أُمِّكَ بِكَ ما صَنَعَتْ مِن إلْقائِكَ في اليَمِّ ومُشاهَدَتِي.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لِتُكْفَلَ وتُرَبّى عَلى اخْتِيارِي، ويَحْتَمِلَ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى عَيْنِي ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى اخْتِيارِي وإرادَتِي.
الثّانِي: بِحِفْظِي ورِعايَتِي.
﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَقَرَّ عَيْنُها بِسَلامَتِكَ ولا تَحْزَنَ بِفِراقِكَ.
الثّانِي: تَقَرَّ بِكَفالَتِكَ ولا تَحْزَنَ بِنَفَقَتِكَ.
﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا ﴾ يَعْنِي القِبْطِيَّ.
﴿ فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَلَّمْناكَ مِنَ القَوْدِ.
الثّانِي: أمَّنّاكَ مِنَ الخَوْفِ.
﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أخْبَرْناكَ حَتّى صَلَحْتَ لِلرِّسالَةِ.
الثّانِي: بَلَوْناكَ بَلاءً بَعْدَ بَلاءٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا مِحْنَةً بَعْدَ مِحْنَةٍ، أوَّلُها أنَّها حَمَلَتْهُ في السَّنَةِ الَّتِي كانَ يَذْبَحُ فِرْعَوْنُ فِيها الأطْفالَ ثُمَّ إلْقاؤُهُ في اليَمِّ، ومَنعُهُ الرَّضاعَ إلّا مِن ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ حَتّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ التَّمْرَةِ، فَدَرَأ ذَلِكَ عَنْهُ قَتْلَ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ مَجِيءُ رَجُلٍ مِن شِيعَتِهِ يَسْعى بِما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِن قَتْلِهِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا.
﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى قَدَرِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَلى مَوْعِدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: جِئْتَ عَلى مِقْدارٍ في الشِّدَّةِ وتَقْدِيرِ المُدَّةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ نالَ الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرا كَما أتى رَبُّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر، عن أسماء بنت عميس قال: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بإزاء ثبير وهو يقول: «أشرق ثبير أشرق ثبير اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري وأن تيسر لي أمري وأن تحل عقدة من لساني ﴿ يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً ﴾ » .
وأخرج السلفي في الطيوريات بسند واه، عن أبي حعفر محمد بن علي قال: «لما نزلت ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي اشدد به أزري ﴾ كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على جبل، ثم دعا ربه وقال: اللهم اشدد أزري بأخي علي» فأجابه إلى ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ واحلل عقدة من لساني ﴾ قال: عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه، عن أمر امرأة فرعون تدرأ به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل.
قال: هذا عدوّ لي، فقالت امرأته: إنه لا يعقل.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي ﴾ قال: كان أكبر من موسى.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية في قوله: ﴿ اشدد به أزري ﴾ قال ظهري.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ اشدد به أزري ﴾ يقول: اشدد به أمري وقوّني به، فإن لي به قوّة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأشركه في أمري ﴾ قال: نُبِئَ هرون ساعتئذ حين نبئ موسى عليهما السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عروة أن عائشة سمعت رجلاً يقول: إني لأدري أي أخ في الدنيا كان أنفع لأخيه: موسى حين سأل لأخيه النبوّة.
فقالت: صدق والله.
وأخرج الحاكم، عن وهب قال: كان هرون فصيحاً بين النطق يتكلم في تؤدة ويقول بعلم وحلم، وكان أطول من موسى طولاً، وأكبرهما في السن، وأكثرهما لحماً، وأبيضهما جسماً، وأعظمهما ألواحاً، وكان موسى جعداً آدم طوالاً، كأنه من رجال شنوأة، ولم يبعث الله نبياً إلا وقد كان عليه شامة النبوّة في يده اليمنى، إلا أن يكون نبينا- صلى الله عليه وسلم- فإن شامة النبوّة كانت بين كتفيه.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ ﴿ كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً ﴾ بنصب الكاف الأولى في كلهن.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش: أنه كان يجزم هذه الكافات كلها.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاقذفيه في اليم ﴾ قال هو النيل.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: كان كل من رآه ألقيت عليه منه محبة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سلمة بن كهيل رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: حببتك إلى عبادي.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: حيث نظرت آسية وجه موسى، فرأت حسناً وملاحة، فعندها قالت لفرعون: ﴿ قرة عين لي ولك لا تقتلوه ﴾ [ القصص: 9] .
وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي رجاء في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: الملاحة والحلاوة.
وأخرج ابن عساكر، عن قتادة في قوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال: حلاوة في عيني موسى، لم ينظر إليه خلق إلا أحبه.
وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كنت مع عبدالله بن عمر رضي الله عنه فتلقاه الناس يسلمون عليه ويحيونه ويثنون عليه ويدعون له- فيضحك ابن عمر- فإذا انصرفوا عنه، أقبل علي فقال: إن الناس ليجيئون حتى لو كنت أعطيهم الذهب والفضة ما زادوا عليه، ثم تلا هذه الآية ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي نهيك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ قال: ولتعمل على عيني.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ قال: تربى بعين الله.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ قال: ولتغذى على عيني.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في الآية يقول: أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ﴿ إذ تمشي أختك ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب، عن ابن عمر: «سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ.
يقول الله: ﴿ وقتلت نفساً فنجيناك من الغم ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ قال: من قتل النفس ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: أخلصناك إخلاصاً.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: ابتليناك إبتلاء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: ابتليناك ببلاء نعمة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: اختبرناك اختباراً.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ قال: بلاء إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط آل فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً يترقب.
وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده، وعبد بن حميد، والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: سألت ابن عباس عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ فسألت عن الفتون ما هو؟
فقال: استأنف النهار يا ابن جبير، فإن لها حديثاً طويلاً، فلما أصبحت غدوت على ابن عباس، لأتنجز ما وعدني من حديث الفتون فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز وجل- وعد إبراهيم عليه السلام- من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً.
فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هذا كان وعد الله إبراهيم.
قال فرعون: فكيف ترون؟
فائتمروا وأجمعوا أمرهم، على أن يبعث رجالاً- معه الشفار- يطوفون في بني إسرائيل: فلا يجدون مولوداً إلا ذبحوه، ففعلوا فلما رأوا أن الكبار يموتون بآجالهم، وإن الصغار يذبحون قالوا: يوشك أن يفني بنو إسرائيل، فتصيروا تباشروا الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر، فتقل أبناؤهم.
ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار؛ فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم، فاجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أم موسى بهرون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدت علانية آمنة، حتى إذا كان في قابل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهم والحزن، فذلك من الفتون يا ابن جبير، لما دخل عليه في بطن أمه ما يراد به، فأوحى الله إليها: أن: ﴿ لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ﴾ [ القصص: 7] وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها- أتاها الشيطان- وقالت في نفسها: ما فعلت بابني؟!
لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.
فانطلق به الماء حتى أوفى به عند مستقى جواري امرأة فرعون، فرأينه فأخذنه فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهن لبعض: إن في هذا لمالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه بهيئته لم يحركن منه شيئاً، حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه الغلام، فألقي عليها محبة لم تلق منها على أحد من البشر قط، ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ [ القصص: 10] من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت للذباحين: إن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، وإني آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فلما أتت به فرعون قالت: ﴿ قرة عين لي ولك لا تقتلوه ﴾ [ القصص: 9] قال فرعون: يكون لك، وأمَّا لي فلا حاجة لي فيه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي يحلف به، لو أقر فرعون بأن يكون قرة عين له، كما قالت امرأته لهداه الله به، كما هدى به امرأته ولكن الله- عز وجل- حرمه ذلك، فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظئراً، فكلما أخذته امرأة منهن لترضعه، لم يقبل ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمنتع من اللبن، فيموت فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق، ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً يأخذ منها، فلم يفعل، وأصبحت أم موسى والهاً، فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً؟
أحي أم قد أكلته الدواب؟
ونسيت الذي كان وعد الله ﴿ فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون ﴾ والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه، وهو لا يشعر به (فقالت)- من الفرح حين أعياهم الظوائر- ﴿ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ﴾ فأخذوها، فقالوا: وما يدريك ما نصحهم له؟
هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك؟
وذلك من الفتون يا ابن جبير.
فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في جانب الملك رجاء شفقته.
فتركوها فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر فجاءت، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها: إنا قد وجدنا لابنك ظئراً.
فأرسلت إليها فأتيت بها وبه، فلما رأت ما يصنع قالت لها: امكثي عندي أرضعي ابني هذا- فإني لم أحب حبه شيئاً قط- قالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه؟
فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي.
فذكرت أم موسى ما كان الله عز وجل وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك، وأيقنت أن الله عز وجل منجز وعده.
فرجعت بابنها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، وحفظه لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل- وهم يجتمعون في ناحية القرية- يمتنعون به من الظلم والسخرة منذ كان فيهم، فلما ترعرع، قالت امرأة فرعون لأم موسى: أريد أن تريني ابني، فوعدتها يوماً تزورها فيه به.
فقالت لخزانها وجواريها وقهارمتها: لا يبقى منكم اليوم واحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة أرى ذلك فيه، وأنا باعثة أميناً يحضر ما صنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها، فلما دخل عليها أكرمته ونحلته وفرحت به وأعجبها، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت لأنطلقن به إلى فرعون فلينحلنه وليكرمنه.
فلما دخلت به عليه وجعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقالت له الغواة- من أعداء الله-: ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم؟
إنه يرثك ويصرعك ويعلوك.
فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه.
وذلك من الفتون يا ابن جبير، بعد كل بلاء ابتلي به، وأريد به فتوناً.
فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟
قال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني!؟
قالت له: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق؛ ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أن يعقل، وإن هو تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، فاعلم أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل.
فلما قرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين أخذ الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا بدنه.
فقال للمرأة: لا يذبح.
وصرفه الله عنه بعد أن كان هم به، وكان الله بالغ أمره فيه، فلما بلغ أشده- وكان من الرجال- لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم، ولا بسخرة حتى امتنعوا كل الإمتناع.
فبينما هو يمشي في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان- أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون- فاستغاثة الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه، لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل، وحفظه لهم: لا يعلم إلا أن ذلك من الرضاع من أم موسى، إلا أن يكون الله تعالى أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع غيره عليه، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله، وموسى والإسرائيلي.
(فقال) موسى: حين قتل الرجل ﴿ هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ﴾ [ القصص: 15] ثم ﴿ قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له، وأصبح في المدينة خائفاً يترقب ﴾ [ القصص: 17] الأخبار، فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم.
فقال ائتوني به ومن شهد عليه، فإن الملك- وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له، أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون فلا يجدون بينة ولا ثبتاً، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان من وكزه الذي رأى، فغضب من الإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم وقال: ﴿ إنك لغوي مبين ﴾ [ القصص: 18] فنظر الإسرائيلي إلى موسى حين قال له ما قال- فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس- فخاف بعدما قال له: ﴿ إنك لغوي مبين ﴾ [ القصص: 18] أن يكون إياه أراد، وإنما الفرعوني ﴿ فقال يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ [ القصص: 19] وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى؛ فليقتله فيتداركا، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي حين يقول: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ [ القصص: 19] فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ﴿ وجاء رجل ﴾ من شيعة موسى ﴿ من أقصى المدينة ﴾ [ القصص: 20] فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فخرج موسى متوجهاً نحو مدين، لم يلق بلاء مثل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه، فإنه ﴿ قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ [ القصص: 22] ﴿ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان ﴾ [ القصص: 23] يعني فلم تسقيا غنمهما قال: ﴿ ما خطبكما ﴾ [ القصص: 23] معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟
قالتا: ليست لنا قوة نزاحم القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم ﴿ فسقى لهما ﴾ [ القصص: 24] فجعل يغرف في الدلو ماءً كثيراً حتى كانتا أول الرعاة فراغاً- فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما، وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل بها ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حفلاً بطاناً وقال: إن لكما اليوم لشأناً: فحدثتاه بما صنع موسى.
فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتته فدعته.
فلما كلمه ﴿ قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ﴾ [ القصص: 25] ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته.
قالت ابنته: ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ [ القصص: 26] فحملته الغيرة أن قال: وما يدريك ما قوته؟
وما أمانته؟
قالت: أما قوته: فما رأيت منه حين سقى لنا، لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه حين سقى لنا.
وأمانته: فإنه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة، صوب رأسه ولم يرفعه، ولم ينظر إليّ حين أقبلت إليه، حتى بلغته رسالتك.
فقال لي: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلم يقل هذا إلا وهو أمين، فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت.
فقال: هل لك ﴿ أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ﴾ [ القصص: 27] ففعل وكانت على موسى ثماني حجج واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عدته فأتمها عشراً.
قال سعيد: فسألني رجل من أهل النصرانية من علمائهم: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟
قلت: لا.
وأنا يومئذ لا أعلم.
فلقيت ابن عباس، فذكرت له الذي قال النصراني فقال: أما كنت تعلم أن ثمانياً واجبة؟
لم يكن موسى لينتقص منها، وتعلم أن الله تعالى كان قاضياً عن موسى عدته التي وعد؟
فإنه قضى عشراً، فأخبرت النصراني فقال: الذي أخبرك بهذا هو أعلم منك.
قلت؛ أجل وأولى!
﴿ سار موسى بأهله ﴾ ورأى من أمر النار ما قص الله عليك في القرآن، وأمر العصا ويده فشكا إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه- فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام- فسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون؛ ليكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به، فأتاه الله سؤاله فحل عقدة من لسانه، وأوحى إلى هارون، وأمره أن يلقى موسى، فاندفع موسى بالعصا، ولقي هارون فانطلقا جميعاً إلى فرعون، فأقاما ببابه حيناً لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ فقال: ﴿ ومن ربكما يا موسى ﴾ فأخبراه بالذي قص الله في القرآن.
قال: فما تريدان؟
وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل.
فأبى عليه ذلك.
وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين فألقى عصاه، فتحوّلت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون،- فلما رأى فرعون أنها قاصدة إليه- خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى: أن يكفها عنه ففعل، ﴿ وأخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء ﴾ يعني برص، ثم أعادها إلى كمه فصارت إلى لونها الأول.
فاستشار الملأ فيما رأى، فقالوا له: ﴿ هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ يعنون ملكهم الذي هم فيه، والعيش، فأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب.
وقالوا له: اجمع لهم السحرة- فإنهم بأرضنا كثير- حتى تغلب بسحرهم سحرهما ﴿ فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ﴾ [ الشعراء: 54] فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر.
قالوا: يعمل بالحيات والحبال.
وقالوا: فلا والله، ما في الأرض قوم يعملون بالحيات والحبال والعصي بالسحر ما نعمل به!
فما أجرنا إن غلبناه؟
قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع بكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا ليوم الزينة ﴿ وأن يحشر الناس ضحى ﴾ قال سعيد: فحدثني ابن عباس: أن يوم الزينة- اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة- وهو يوم عاشوراء، فلما اجتمعوا في صعيد واحد.
قال الناس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا فلنحضر هذا الأمر و ﴿ نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ﴾ [ الشعراء: 40] - يعنون بذلك موسى وهارون استهزاء بهما- فقالوا: يا موسى- لقدرتهم بسحرهم- ﴿ إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ [ الأعراف: 115] قال: ألقوا ﴿ فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ﴾ [ الأعراف: 44] فرأى موسى من سحرهم ما أوجس منه خيفة.
فأوحى الله إليه ﴿ أن ألق عصاك ﴾ [ القصص: 31] فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيماً فاغرة فاها، فجعل العصا بدعوة موسى تلتبس بالحبال، حتى صارت جرداً إلى الثعبان، حتى تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلاً إلا ابتلعته، فلما عاين السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحراً لم تبتلع من سحرنا كل هذا!
ولكن هذا من أمر الله عز وجل.
فآمنا بالله، وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله عز وجل مما كنا فيه، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، فظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ﴿ فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ﴾ [ الأعراف: 119] وامرأة فرعون بارزة متبذلة- تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون- فمن رآها- من آل فرعون ظن أنها تبذلت شفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى.
فلما طال مكث موسى لمواعد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعد عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كشف ذلك عنه، نكث عهده واختلف وعده، حتى أمر موسى بقومه، فخرج بهم ليلاً.
فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا بعث في المدينة وحولها حاشرين، فتبعهم جنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى فانفرق له اثني عشر فرقاً، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق بعد على من بقي من قوم فرعون وأشياعه.
فنسي موسى أن يضرب بعصاه، فدفع إلى البحر وله قصيف؛ مخافة أن يضربه بعصاه وهو غافل فيصير عاصياً ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ وتقاربا ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ [ الشعراء: 61] فافعل ما أمرك به ربك فإنك لم تكذب ولم تكذب.
قال: وعدني ربي إذا انتهيت إلى البحر أن ينفرق لي حتى أجوز، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر- حين دنا أوائل جند فرعون- من أواخر جند موسى فانفرق البحر- كما أمره الله وكما وعد موسى، فلما جاز أصحاب موسى كلهم، ودخل أصحاب فرعون كلهم، التقى البحر عليهم كما أمره الله عز وجل، فما أن جاوز البحر ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ [ الشعراء: 61] إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نأمن هلاكه!
فدعا ربه فأخرجه له ببدنه من البحر، حتى استيقنوا.
ثم مروا بعد ذلك ﴿ على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة.
قال إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ﴾ [ الأعراف: 138] قد رأيتم من العبر ما يكفيكم وسمعتم به، فمضى حتى أنزلهم منزلاً، ثم قال لهم: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، وإني ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوماً- فصامهن ليلهن ونهارهن- كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضغه.
فقال له ربه:- حين أتاه- لم أفطرت؟
وهو أعلم بالذي كان.
قال: يا رب، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح.
قال: وما علمت يا موسى، أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك!
ارجع حتى تصوم عشرة أيام ثم ائتني.
ففعل موسى الذي أمره الله به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ساءهم ذلك.
وقد كان هارون خطبهم وقال له: إنكم خرجتم من مصر وعندكم ودائع لقوم فرعون وعوار، ولكم فيهم مثل ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما كان لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها أو عارية، ولسنا نرى أداء شيء من ذلك إليهم، ولا مُمْسِكيه.
فحفر حفرة وأمر كل قوم عندهم شيء من ذلك من متاع أو حلية بأن يدفنوه في الحفرة، ثم أوقد عليه النار فأحرقه وقال: لا يكون لنا ولا لهم.
وكان السامري رجلاً من قوم يعبدون البقر، ليس من بني إسرائيل، جار لهم، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثر الفرس، فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون: يا سامري.
ألا تلقي ما في يديك؟- وهو قابض عليه لا يراه أحد (طوال ذلك) فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيء، إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها، أن يكون ما أريد.
قال: فألقاها ودعا له هارون.
فقال: أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع: نحاس أو حديد أو حلى، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح له خوار.
فقال ابن عباس: والله ما كان له صوت، ولكن الريح كانت تدخل في دبره وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك.
فتفرق بنو إسرائيل فقالت فرقة: يا سامري، ما هذا فإنك أنت أعلم به؟
فقال: هذا ربكم، ولكن موسى أخطأ الطريق.
فقالوا: لا نكذب بهذا ﴿ حتى يرجع إلينا موسى ﴾ [ طه: 91] فإن يك ربنا لم يكن ضيعنا وعجزنا حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإننا نتبع قول موسى.
وقال فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليس ربنا ولا نصدق به ولا نؤمن به.
وأشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل: وأعلنوا التكذيب و ﴿ قال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ﴾ وليس بهكذا.
قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين ليلة، ثم أخلفنا فهذه أربعون ليلة: فقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه، فلما كلم الله موسى وقال ما قال له، وأخبره بما لقي قومه من بعده، ﴿ فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ﴾ [ الأعراف: 150] فقال لهم ما سمعتم في القرآن ﴿ وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ﴾ [ الأعراف: 150] من الغضب غير أنه عذر أخاه، واستغفر ربه، ثم انصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟
فقال: ﴿ قبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ وفطنت وعميت عليكم ﴿ فقذفتها وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ ﴿ قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ﴾ إلى قوله: ﴿ في اليم نسفاً ﴾ ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك!
فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم رأي هارون، فقالوا: يا موسى، سل ربك أن يفتح لنا باب توبة نعملها ونكفر عنا ما عملنا ﴿ فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً ﴾ [ الأعراف: 155] لذلك لا يألوا لخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم ليسأل ربهم التوبة، فرجفت الأرض بهم فاستحيا موسى عليه السلام من قومه، ووفده حين فعل بهم ذلك فقال: ﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء ﴾ [ الأعراف: 155] الآية.
ومنهم من قد اطلع الله منه على ما أشرب قلبه العجل والإيمان به؛ فلذلك رجفت بهم الأرض.
فقال: ﴿ رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ﴾ [ الأعراف: 155] إلى قوله: ﴿ والإنجيل ﴾ [ الأعراف: 156] فقال: رب سألتك التوبة لقومي فقلت: إن رحمتك كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخرتني حتى أخرج في أمة ذلك الرجل المرحومة.
قال الله عز وجل: فإن توبتهم، أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد أو ولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قبل ذلك الموطن فتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، وما اطلع الله عليهم من ذنوبهم فاعترفوا بها.
وفعلوا ما أمروا به فغفر الله للقاتل والمقتول، ثم سار بهم موسى متوجهاً نحو الأرض المقدسة، فأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمره الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم وأبوا أن يقروا بها، حتى نتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون الأرض، والكتاب الذي أخذوه بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا فيها مدينة جبارين، خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها!
فقالوا: يا موسى ﴿ إن فيها قوماً جبارين ﴾ [ المائدة: 22] لا طاقة لنا اليوم بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها ﴿ فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ﴾ قال رجلان من الجبارين: آمنا بموسى، فخرجا إليه فقالا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم ليس لهم قلوب ولا منعة عندهم، ﴿ فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ [ المائدة: 23] ويقول أناس إنهما من قوم موسى، وزعم سعيد أنهما من الجبارين، آمنا بموسى.
يقول: ﴿ من الذين يخافون أنعم الله عليهما ﴾ [ المائدة: 33] وإنما يعني بذلك الذين يخافهم بنو إسرائيل.
فقالوا: ﴿ يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ [ المائدة: 24] فأغضبوا موسى فدعا عليهم، فسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك، لما رأى فيهم من المعصية وإساءتهم- حتى كان يومئذ- فدعا عليهم فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين ﴿ فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ﴾ [ المائدة: 26] يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ [ البقرة: 60] في كل ناحية ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، لا يرتحلون بها من مرحلة إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأوّل» .
رفع الحديث ابن عباس، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وصدق ذلك عندي: أن معاوية بن أبي سفيان سمع من ابن عباس هذا الحديث، فأنكر عليه: أن يكون الفرعوني هو الذي أفشى على موسى أمر القتيل.
وقال: إنما أفشى عليه الإسرائيلي، فأخذ ابن عباس بيده فانطلق إلى سعد بن مالك الزهري فقال: أرأيت يوم حدثنا النبي- صلى الله عليه وسلم- عن قتيل موسى من آل فرعون، من أفشى عليه؟
الإسرائيلي أو الفرعوني؟
قال: أفشى عليه الفرعوني، بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلبثت سنين في أهل مدين ﴾ [ طه: 40] قال: عشر سنين ﴿ ثم جئت على قدر يا موسى ﴾ [ طه: 40] قال على موعد.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم جئت على قدر ﴾ قال: الميقات.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم جئت على قدر ﴾ قال: على موعد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنيا في ذكري ﴾ قال لا تضعفا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه مثله.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد رضي الله عنه مثله.
وأخرج الطستي، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله- عز وجل- ﴿ ولا تنيا عن ذكري ﴾ قال: ولا تضعفا عن أمري.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت الشاعر وهو يقول: إني وجدك ما ونيت وإنني ** أبغي الفكاك له بكل سبيل وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنيا ﴾ قال: لا تبطئا.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال: كنه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال: كنِّياه.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري: ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال: كنياه يا أبا مرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ قال اعذرا إليه، وقولا له: إن لك رباً ولك معاداً وإن بين يديك جنة وناراً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الفضل بن عيسى الرقاشي أنه تلا هذه الآية ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ فقال: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولى ويناديه؟.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعله يتذكر ﴾ قال: هل يتذكر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا نخاف أن يفرط علينا ﴾ قال: يعجل ﴿ أو أن يطغى ﴾ قال: يعتدي.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ﴾ قال: عقوبة منه.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ﴾ قال: أسمع ما يقول ﴿ وأرى ﴾ ما يجاوبكما، فأوحي إليكما فتجاوباه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم بسند جيد، عن ابن مسعود قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون، قال: رب، أي شيء أقول؟
قال: قل أهيا شراً هيا.
قال الأعمش: تفسير ذلك، الحي قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء.
وأخرج أحمد في الزهد، عن ابن عباس قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون قال: «لا يغرنكما لباسه الذي ألبسته، فإن ناصيته بيدي، فلا ينطق ولا يطرف إلا بإذني، ولا يغرنكما ما متع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين، فلو شئت أن أزينكما من زينة الدنيا بشيء، يعرف فرعون أن قدرته تعجز عن ذلك لفعلت، وليس ذلك لهوانكما علي، ولكني ألبستكما نصيبكما من الكرامة على أن لا تنقصكما الدنيا شيئاً، وإني لأذود أوليائي عن الدنيا، كما يذود الراعي إبله عن مبارك الغيرة، وإني لأجنبهم كما يجنب الراعي إبله عن مراتع الهلكة، أريد أن أنور بذلك صدورهم، وأطهر بذلك قلوبهم فيَّ، سيماهم الذين يعرفون وأمرهم الذي يفتخرون به، وأعلم: أنه من أخاف لي ولياً فقد بارزني، وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم وابن مردويه من طريق ابن عباس، عن أبي سفيان بن حرب أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتب إلى هرقل «من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في الشعب، عن قتادة قال: التسليم على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم أن تقول: السلام على من اتبع الهدى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ [يعني حين قالت لها أم موسى: قصيه فاتبعت موسى على أثر الماء.
وقوله تعالى: ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ الآية.
(١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ﴾ أي: يرضعه ويضمه إليه (٣) ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ .
فقيل له: ثم رددناك إليها كي تقر عينها بك وبرؤيتك.
وذكرنا الكلام في قراءة العين عند قوله: ﴿ وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا ﴾ يعني: القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه [[كما قال سبحانه في سورة [القصص: 15]: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا == فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}.]].
وقوله تعالى: ﴿ فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ ﴾ قال ابن عباس: [(يريد الهم الذي كنت تخافه من عذاب الله، ومن قتل فرعون، فخلصناك منه حين هربت إلى مدين) (٤) وقوله: ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ﴾ قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: (أختبرناك اختبارًا) (٥) (٦) وقال الفراء: (أبتليناك بغم القتل) (٧) وتفسير ﴿ وَفَتَنَّاكَ ﴾ بالاختبار والابتلاء صحيح، إلا أنه لا يأتي بالمعنى هاهنا، والوجه ما ذكره ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد خلصناك إخلاصًا من الذبح وغيره) (٨) (٩) وعن مجاهد في رواية ابن أبي نجيح قال: (الفتون وقوعه في محنة خلصه الله منها أولها: أن أمه حملته في السنة التي كان يذبح الأطفال فيها، ثم: إلقاؤه في البحر، ثم: منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم: جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم: تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم: مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتله) (١٠) (١١) ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ﴾ قال: بلاء على كل بلاء) (١٢) ﴿ وَفَتَنَّاكَ ﴾ : خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبيث وشائب (١٣) قال ابن الأنباري في القول الأول: (معناه الامتحان الذي يبتلى معه صبر الممتحن، والأنبياء وأهل الخير يختبرهم الله تعالى ليسعدهم، ويجعل حسن العقبى لهم، فتفسير: ﴿ وَفَتَنَّاكَ ﴾ ابتليناك بغم القتل، يعني: قتل القبطي.
والفتنة] (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ ﴾ \[نظم الآية: وفتناك فتونًا، فخرجت خائفًا إلى أهل مدين، فلبثت سنين\] (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ يعني بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر.
﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾ قال ابن عباس: (يريد موافقًا للنبوة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة) (١٩) وقال قتادة: (على قدر الرسالة والنبوة) (٢٠) وقال ابن كيسان: (على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء) (٢١) (٢٢) (٢٣) نَالَ الخِلاَفَةَ إِذْ كَانَتْ لَه قَدَرًا ...
كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ وعلى هذا معنى القدر: قدر السن [الذي هو: أربعون سنة] (٢٤) (٢٥) ﴿ عَلَى قَدَرٍ ﴾ علي موعد) (٢٦) (٢٧) وقال الفراء: (يريد على ما أراد الله من تكليمه) (٢٨) (٢٩) وقال الليث: (وإذا وافق الشيء الشيء قلت: جاء قدره) (٣٠) (٣١) (٣٢) ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾ .
(١) في (ص) قال: (حين تركت موسى المراضع).
(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 179.
(٣) "جامع البيان" 16/ 163، "الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "بحر العلوم" 2/ 340، "معالم التنزيل" 5/ 273، "زاد المسير" 5/ 285.
(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 164، "زاد المسير" 5/ 285، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 164، "التفسير الكبير" 22/ 54، "ارشاد العقل السليم" 6/ 16.
(٥) "جامع البيان" 16/ 164، "الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "معالم التنزيل" 5/ 273، "زاد المسير" 5/ 285، "الدر المنثور" 4/ 529.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 357، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 279.
(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 179.
(٨) "جامع البيان" 16/ 164، "الكشف" 2/ 237، "زاد المسير" 5/ 285.
(٩) "جامع البيان" 16/ 164، "بحر العلوم" 2/ 340، "الكشف" 2/ 537، "ابن كثير" 3/ 164، وقال -رحمه الله- بعد أن ساق الحديث بطوله: وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس - - مما أبيح == نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره والله أعلم.
انظر: "الدر المنثور" 4/ 530، "مجمع الزوائد" للهيثمي 7/ 66، وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير أصبغ بن زيد، والقاسم بن أبي أيوب وهما ثقتان.
(١٠) "جامع البيان" 16/ 164، "النكت والعيون" 3/ 403، "معالم التنزيل" 5/ 273، "زاد المسير" 5/ 285، "الجامع" 11/ 198.
(١١) "جامع البيان" 16/ 164، "بحر العلوم" 2/ 341، "الكشاف" 2/ 537، "زاد المسير" 5/ 285، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 164، "الدر المنثور" 4/ 530.
(١٢) "زاد المسير" 5/ 285.
(١٣) انظر (فتن) في: "تهذيب اللغة" 3/ 274، "مقاييس اللغة" 4/ 472، "القاموس المحيط" (1220)، "لسان العرب" ص 3344.
(١٤) من قوله: (يعني حين قالت لها أم موسى ..) إلى هنا ساقط من نسخة (س)، ومن قوله: (يريد الهم الذي كنت تخافه ..) إلى هنا ساقط من نسخة (ص).
(١٥) قوله: (فتنه) ساقط من نسختي: (س، ص).
(١٦) ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 537، "زاد المسير" 5/ 285، "البحر المحيط" 6/ 243.
(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).
(١٨) "جامع البيان" 16/ 167، "معاني القرآن" للفراء 2/ 179.
(١٩) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 198.
(٢٠) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "جامع البيان" 16/ 167، "النكت والعيون" 3/ 403، "ابن كثير" 3/ 164.
(٢١) "الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "معالم التنزيل" 5/ 274، "القرطبي" 11/ 198.
(٢٢) "جامع البيان" 16/ 167، "تهذيب اللغة" (قدر) 3/ 2896، "لسان العرب" (قدر) 11/ 3545.
(٢٣) البيت لجرير من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-.
انظر: "ديوانه" ص 211، "جامع البيان" 16/ 168، "النكت والعيون" 3/ 404، "الأضداد" ص 279، "أمالي المرتضى" 2/ 57، "همع الهوامع" 1/ 167.
(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).
(٢٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 357.
(٢٦) "جامع البيان" 16/ 168، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 38، "النكت والعيون" 3/ 403، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 198، "ابن كثير" 3/ 157.
(٢٧) "الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "معالم التنزيل" 5/ 274، "القرطبي" 11/ 198.
(٢٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 179.
(٢٩) "الكشف والبيان" 3/ 18 أ.
(٣٠) "تهذيب اللغة" (قدر) 3/ 2896.
(٣١) مغيرة بن مقسم الضبي أبو هاشم، مولاهم، الكوفي، الأعمى أحد الأئمة الأعلام، ومن رواة السنة، روى عن إبراهيم النخعي، وروى عنه الثوري، وثقه العلماء وكان ذكيًا، حافظًا، صاحب سنة توفي -رحمه الله- سنة 136 هـ وقيل غير ذلك.
انظر: "الطبقات لابن سعد" 6/ 235، "الجرح والتعديل" 4/ 228، "التذكرة" للذهبي 1/ 135، "ميزان الاعتدال" 2/ 496، "تهذيب التهذيب" 10/ 269، "شذرات الذهب" 1/ 191.
(٣٢) لم أهتد إليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ تمشي أُخْتُكَ ﴾ العامل في إذ تصنع أو ألقيت، أو فعل مضمر تقديره ومننا عليك ﴿ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ ﴾ كان لا يقبل ثدي امرأة فطلبوا له مرضعة، فقالت أخته ذلك ليرد إلى أمه ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً ﴾ يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه ﴿ فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم ﴾ يعني الخوف من أن يطلب بثأر المقتول ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ﴾ أي اختبرناك اختباراً حتى ظهر منك أنك تصلح للنبوة والرسالة، وقيل: خلصناك من محنة بعد محنة، لأن خلصه من الذبح ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل، والفتون: يحتمل أن يكون مصدراً أو جمع فتنة ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ ﴾ يعني الأعوام العشرة التي استأجره فيها شعيب ﴿ جِئْتَ على قَدَرٍ ﴾ أي بميقات محدود قدره الله لنبوتك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.
﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.
الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.
الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.
الباقون مشددة.
﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.
الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.
والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.
وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.
الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.
﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.
الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.
الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.
﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.
﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.
التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.
قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.
فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.
وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.
ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.
"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.
قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.
وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.
واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.
وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.
قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.
يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.
وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.
أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.
قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.
والنكتة فيه أن عدوّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟
فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.
قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.
قال القاضي.
هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.
ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.
وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.
يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال ﴿ وحرمنا عليه المراضع ﴾ جاءت أخت موسى واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.
وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.
عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.
ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.
قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.
قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.
والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.
وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.
وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.
وقال غيره من المعتزلة: إنه إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.
ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.
أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.
﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.
وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.
وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.
وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.
والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.
وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.
وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.
وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.
ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟
والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.
ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ والقاتل واحد منهم.
ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.
وقيل: ألهم بذلك.
وقيل: سمع بخبره فتلقاه.
سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟
جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.
وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.
وكيف ذلك القول اللين؟
الأصح انه نحو قوله ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.
وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.
حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.
فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.
وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.
ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.
بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.
ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.
قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.
وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.
قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.
ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.
وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟
وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.
قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.
وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.
ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.
قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.
وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.
ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.
وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.
وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟
وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.
قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.
والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.
قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.
وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.
وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.
فأراد أن يعجز عن الجواب.
قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!
وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.
وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.
واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.
وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.
وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.
وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله غير حاصل للبشر.
وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.
ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.
فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.
ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.
وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.
قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.
ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.
من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.
وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.
ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.
واعلم أن عجائب حكمة الله في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.
ثم إنه جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.
وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.
وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.
والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.
ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.
قال أهل النظم: إن موسى لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟
أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟
فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.
أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.
ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟
فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.
وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.
والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.
وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.
وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.
وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.
وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.
والتحقيق ما قاله القفال.
وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.
ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.
قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.
وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.
وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.
يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.
ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.
و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.
ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم ﴾ ومن نعم الله أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.
قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.
وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.
﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.
أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.
﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.
﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.
وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.
وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.
وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.
والحاصل أنه عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.
وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.
ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.
ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.
ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.
قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.
ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.
سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.
الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.
قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.
وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.
ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.
وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.
وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.
ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.
وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.
ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.
وهو معنى قول مجاهد.
فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.
وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.
وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.
قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.
وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.
وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.
وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.
ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.
ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.
وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.
عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.
وقيل: أربعمائة.
وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.
حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.
وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.
وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.
وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.
والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.
﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.
وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.
وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.
وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.
وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.
والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.
قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.
وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.
وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.
وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.
وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.
وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.
وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.
ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.
ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.
والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.
من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.
وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.
ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.
وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.
﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.
واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.
﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.
قال وهب: سحروا أعين موسى حتى تخيل ذلك.
وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.
وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.
﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".
ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.
ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!.
وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.
واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.
وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.
ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.
قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.
قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.
قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.
وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.
والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.
والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.
ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.
وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.
وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.
وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.
قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.
أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ﴾ إلى آخر السورة.
فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟
سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.
سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.
قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.
ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.
قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.
وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.
ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.
وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ * إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ...
﴾ الآية يشبه أن يكون المنة حين أنجاه فيما ابتلى بالرّد واشتباه الطريق، حتى قال: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ فتلك المنة الأخرى.
أو أن يكون المنة التي ذكر هي ما أنجاه الله حيث [قتل] ذلك القبطي فاشتد له ذلك الخوف حتى بلغ الإياس، فتلك المنة التي ذكر، أو ما ذكر من الوحي إلى أمه ﴿ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ ﴾ مع النبوة مرة أخرى، ثم بيّن النعمة، ثم قال: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وإلى هذا ذهب أهل التأويل، وإلا قد كان منه إليه من المنن ما لا يحصى، والله أعلم.
ثم الكلام فيما ألهم أمّه في روعها أن تقذفه في البحر أنه يسع لهذا أن يفعل ذلك، ويحل أو لا؟
إذ قد يجوز أن يكون من الشيطان مثل هذا، نحو ما قال: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ...
﴾ الآية [الأنفال: 48]، فلم يعرفوا وقت ما كلمهم بهذا: هو شيطان أو غيره؟
فعلى ذلك يجوز أن يلقي الشيطان إليها؛ فكيف وسع لها أن تعمل ما علمت من الأخطار؟
لكن يجوز أن يكون في ذلك الإلهام وما ألقى إليها - آية ومعنى، عرفت بذلك أنّ ذلك من الله، لا من أحد سواه.
أو أن يكون رفع الحجاب والموانع من قلبها، وصار لها ذلك كالعيان.
أو كانت كالمضطرة إلى ذلك؛ فوسع لها ذلك لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ألقى عليه محبة في قلب امرأة فرعون، حيث قالت: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ...
﴾ الآية [القصص: 9]، لكن ألقى [عليه] محبّة في قلب امرأته وقلب فرعون أيضاً، حتى كان أشفق الناس عليه وأحبهم، بعد ما كان يقتل الولدان بسببه؛ ليجده ويظفر به، يذكره - عز وجل - رحمته عليه ومننه له، وهي المنة التي ذكر، حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ ، الصنع: هو فعل الخير والمعروف، أي: لنصنع إليك المعروف والإحسان.
وقوله: ﴿ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ : قال بعضهم: لتُغَذَّى على حفظي، يقال: عين الله عليك: أي كن في حفظ الله، وهو قول الحسن وقتادة.
وقال بعضهم: لتربي على عيني، أي: على علمي، والأوّل أشبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ، أي: من يضمه، يسمى كافل اليتيم الذي يضمه ويضمنه ويحفظه، وهو كقوله: ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ أي: يضمها ويحفظها، فهذا يدل أنه كان عندهم من أحبّ الناس إليهم، وأشفقهم عليه، حيث قال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ﴾ حيث قال لها: ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ ﴾ وعد لها أن يرده إليها فردّه.
وقوله: ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: يذهب حزنها الذي كان؛ لأنها قد كانت حزينة بطرحها إياه في اليم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ...
﴾ الآية [القصص: 10]، [و] هذا يدلّ أن قوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: يذهب حزنها الذي كان بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ ﴾ : يحتمل أن يكون الغم الذي أخبر أنه نجاه منه هو الخوف الذي كان به بعد مقتل ذلك القبطي، حيث قال: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ وقوله: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ ، ونحوه، أو نجاه من أنواع الغموم؛ إذ كان له غموم.
وفي الآية دلالة أن لا قصاص يجب في شبه العمد وإن كان الضرب بشيء لا نجاة فيه؛ لأن موسى - صلوات الله عليه - كانت له قوة أربعين نفراً على ما ذكر، فإنما لطمه لطمة، فقضى عليه، ثم قال: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ هذا يدل أنه كان لا يحل له قتله، ثم قال: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ سمّاهم: ظلمة، فلو كان يحل القتل ويجب القصاص، لكان لا يسميهم ظلمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ﴾ قال بعضهم: ﴿ فُتُوناً ﴾ : هو جمع فتنة، أي: فتناك فتوناً.
[وقال بعضهم: ﴿ فُتُوناً ﴾ :] هو مصدر الفتنة، أي: ابتليناك ابتلاء، أي: بلاء، والفتنة في البلايا والشدائد: الغموم الّتي ذكر أنه نجاه منها.
ويحتمل: النعم والخيرات؛ إذ لم يكن الأنبياء في جميع الأوقات في البلاء، ولكن كانوا في وقت في بلاء وشدة، وفي وقت آخر في نعمة وخير.
أو فتنة بهما جميعاً، على ما أخبر: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - من المنة التي ذكر، حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: بالنبوة والرّسالة.
وقال بعضهم: على موعود، أو على قدر وقت المجيء، فكيفما كان ففيه أن مجيء العبد وذهابه وجميع سعيه يكون بقدر من الله، وتقدير منه، وفيه أنه يجعل الأمور بأسباب، وإن كان يجعل [بعضها] بغير أسباب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ ، أي: اخترتك، واصطفيتك لرسالتي.
ونبوّتي، فذكر نفسه؛ لأن بأمره يقوم بأداء ذلك.
<div class="verse-tafsir"
إذ خرجت أختك تسير كما سار التابوت تتابعه، فقالت لمن أخذوه: هل أرْشِدكم إلى من يحفظه ويرضعه ويربيه؟
فمننّا عليك بإرجاعك إلى أمّك لتسرّ برجوعك إليها, ولا تحزن من أجلك، وقتلت القِبْطِي الذي وَكَزْتَه، فمننّا عليك به.
نجائك من العقوبة، وخلصناك مرة بعد مرة من كل امتحان تعرّضت له، فخرجت ومكثت أعوامًا في أهل مَدْين، ثم أتيت في الوقت الذي قُدِّر لك أن تأتي فيه لتكليمك يا موسى.
<div class="verse-tafsir" id="91.GPqmD"