الآية ٤٩ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٤٩ من سورة طه

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ ٤٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٩ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٩ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى منكرا وجود الصانع الخالق ، إله كل شيء وربه ومليكه ، قال : ( فمن ربكما يا موسى ) أي : الذي بعثك وأرسلك من هو ؟

فإني لا أعرفه ، وما علمت لكم من إله غيري

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) يقول تعالى ذكره لرسوله موسى وهارون: قولا لفرعون إنا قد أوحى إلينا ربك أن عذابه الذي لا نفاد له، ولا انقطاع على من كذب بما ندعوه إليه من توحيد الله وطاعته، وإجابة رسله (وتولى) يقول: وأدبر مُعرضا عما جئناه به من الحقّ.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة الله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قال فمن ربكما يا موسى ذكر فرعون موسى دون هارون لرءوس الآي .

وقيل : خصصه بالذكر لأنه صاحب الرسالة والكلام والآية .

وقيل إنهما جميعا بلغا الرسالة وإن كان ساكتا ؛ لأنه في وقت الكلام إنما يتكلم واحد ، فإذا انقطع وازره الآخر وأيده .

فصار لنا في هذا البناء فائدة علم ؛ أن الاثنين إذا قلدا أمرا فقام به أحدهما ، والآخر شخصه هناك موجود مستغنى عنه في وقت دون وقت أنهما أديا الأمر الذي قلدا وقاما به واستوجبا الثواب ؛ لأن الله تعالى قال : اذهبا إلى فرعون وقال : اذهب أنت وأخوك وقال : فقولا له فأمرهما جميعا بالذهاب وبالقول ، ثم أعلمنا في وقت الخطاب بقوله : فمن ربكما أنه كان حاضرا مع موسى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قال فرعون لموسى على وجه الإنكار: { فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال فمن ربكما ياموسى ) من إلهكما الذي أرسلكما؟

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال فمن ربكما يا موسى» اقتصر عليه لأنه الأصل ولإدلاله عليه بالتربية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال فرعون لهما: فمَن ربكما يا موسى؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن غرس - سبحانه - الطمأنينة فى قلب موسى وهارون وزودهما بأحكم الوسائل وأنجعها فى الدعوة إلى الحق .

.

.

أتبع ذلك بحكاية جانب من الحوار الذى دار بينهما وبين فرعون بعد أن التقوا جميعها وجها لوجه فقال - تعالى - : ( قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا .

.

.

) .فقوله - تعالى - : ( قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى ) حكاية لما قاله فرعون لموسى وهارون - عليهما السلام - بعد أن ذهبا إليه ليبلغاه دعوة الحق كما أمرهما ربهما - سبحانه - .ولم تذكر السورة الكريمة كيف وصلا إليه .

.

لأن القرآن لا يهتم بجزئيات الأحداث التى لا تتوقف عليها العبر والعظات ، وإنما يهتم بذكر الجوهر واللباب من الأحداث .والمعنى : قال فرعون لموسى وهارون بعد أن دخلا عليه .

وأبلغاه ما أمرهما ربهما بتبليغه : من ربكما يا موسى الذى ارسلكما إلى؟وكأنه - لطغيانه وفجوره - لا يريد أن يعترف بأن رب موسى وهارون هو ربه وخالقه .

كما قالا له قبل ذلك ( إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ) وخص موسى بالنداء مع أنه وده الخطاب إليهما لظنه أن موسى - عليه السلام - هو الصل فى حمل رسالة الحق غليه ، وأن هارون هو وزيره ومعاونه أو أنه لخبثه ومكره ، تجنب مخاطبة هارون لعلمه أنه أفصح لسانا من موسى - عليهما السلام - .قال صاحب الكشاف : خاطب فرعون الاثنين ، ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى ، لأنه الأصل فى النبوة ، وهارون وزيره وتابعه ، ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته - أى فسقه - على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه ، لما عرف من فصاحة هارون والرَّتة فى لسان موسى ، ويدل عليه قوله : ( أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ) ولا شك أن ما حكاه الله - تعالى - عن فرعون من قوله ( مَن رَّبُّكُمَا ياموسى ) يدل على نهاية الغرور والفجور والجحود ، وشبيه بذلك قوله : - سبحانه - حكاية عنه : ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي .

.

) وقوله - تعالى - : ( فَحَشَرَ فنادى فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنهما عليهما السلام لما قالا: إنا رسولا ربك قال لهما: فمن ربكما يا موسى، فيه مسائل: المسألة الأولى: أن فرعون كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر ثم إن موسى عليه السلام لما دعاه إلى الله تعالى لم يشتغل معه بالبطش والإيذاء بل خرج معه في المناظرة لما أنه لو شرع أولاً في الإيذاء لنسب إلى الجهل والسفاهة فاستنكف من ذلك وشرع أولاً في المناظرة وذلك يدل على أن السفاهة من غير الحجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم ثم إن فرعون لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك قبل موسى ذلك السؤال واشتغل بإقامة الدلالة على وجود الصانع وذلك يدل على فساد التقليد ويدل أيضاً على فساد قول التعليمية الذين يقولون نستفيد معرفة الإله من قول الرسول لأن موسى عليه السلام اعترف هاهنا بأن معرفة الله تعالى يجب أن تكون مقدمة على معرفة الرسول وتدل على فساد قول الحشوية الذين يقولون نستفيد معرفة الله والدين من الكتاب والسنة.

المسألة الثانية: تدل الآية على أنه يجوز حكاية كلام المبطل لأنه تعالى حكى كلام فرعون في إنكاره الإله وحكى شبهات منكري النبوة وشبهات منكري الحشر، إلا أنه يجب أنك متى أوردت السؤال فاقرنه بالجواب لئلا يبقى الشك كما فعل الله تعالى في هذه المواضع.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطل والجواب عنه من غير إيذاء ولا إيحاش كما فعل موسى عليه السلام بفرعون هاهنا وكما أمر الله تعالى رسوله في قوله: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله  ﴾ .

المسألة الرابعة: اختلف الناس في أن فرعون هل كان عارفاً بالله تعالى فقيل إنه كان عارفاً إلا أنه كان يظهر الإنكار تكبراً وتجبراً وزوراً وبهتاناً، واحتجوا عليه بستة أوجه: أحدها: قوله: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض  ﴾ فمتى نصبت التاء في علمت كان ذلك خطاباً من موسى عليه السلام مع فرعون فدل ذلك على أن فرعون كان عالماً بذلك وكذا قوله تعالى: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً  ﴾ .

وثانيها: أنه كان عاقلاً وإلا لم يجز تكليفه وكل من كان عاقلاً قد علم بالضرورة أنه وجد بعد العدم وكل من كان كذلك افتقر إلى مدبر وهذان العلمان الضروريان يستلزمان العلم بوجود المدبر.

وثالثها: قول موسى عليه السلام هاهنا: ﴿ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى ﴾ وكلمة الذي تقتضي وصف المعرفة بجملة معلومة فلابد وأن تكون هذه الجملة قد كانت معلومة له.

ورابعها: قوله في سورة القصص في صفة فرعون وقومه وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بالمبدأ إلا أنهم كانوا منكرين للمعاد.

وخامسها: أن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام ولما هرب موسى عليه السلام إلى مدين قال له شعيب: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين  ﴾ فمع هذا كيف يعتقد أنه إله العالم؟.

وسادسها: أنه لما قال: ﴿ وَمَا رَبُّ العالمين  ﴾ قال موسى عليه السلام: ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا  ﴾ قال: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوصف فهو لم ينازع موسى في الوجود بل طلب منه الماهية فدل هذا على اعترافه بأصل الوجود، ومن الناس من قال إنه كان جاهلاً بربه واتفقوا على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه السموات والأرضين والشمس والقمر وأنه خالق نفسه لأنه يعلم بالضرورة عجزه عنها ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله فيحصل العلم الضروري بأنه ليس موجوداً لها ولا خالقاً لها، واختلفوا في كيفية جهله بالله تعالى فيحتمل أنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً، ويحتمل أنه كان فلسفياً قائلاً بالعلة لموجبه، ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب، ويحتمل أنه كان من الحلولية المجسمة.

وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره.

المسألة الخامسة: أنه سبحانه حكى عنه في هذه السورة أنه قال: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى ﴾ وقال في سورة الشعراء: ﴿ وَمَا رَبُّ العالمين ﴾ فالسؤال هاهنا بمن وهو عن الكيفية وفي سورة الشعراء بما وهو عن الماهية وهما سؤالان مختلفان والواقعة واحدة والأقرب أن يقال سؤال من كان مقدماً على سؤال ما لأنه كان يقول إني أنا الله والرب فقال فمن ربكما فلما أقام موسى الدلالة على الوجود وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه في هذا المقام لظهوره وجلائه عدل إلى المقام الثاني وهو طلب الماهية وهذا أيضاً مما ينبه على أنه كان عالماً بالله لأنه ترك المنازعة في هذا المقام لعلمه بغاية ظهوره وشرع في المقام الصعب لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر.

المسألة السادسة: إنما قال: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا ﴾ ولم يقل فمن إلهكما لأنه أثبت نفسه رباً في قوله: ﴿ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ  ﴾ فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال له أنا ربك فلم تدعى رباً آخر وهذا الكلام شبيه بكلام نمروذ لأن إبراهيم عليه السلام لما قال: ﴿ رَبّيَ الذي يُحْيِ وَيُمِيتُ  ﴾ قال نمروذ له: ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يكن الإحياء والإماتة التي ذكرهما إبراهيم عليه السلام هما الذي عارضه بهما نمروذ إلا في اللفظ فكذا هاهنا لما ادعى موسى ربوبية الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام ومراده أني أنا الرب لأني ربيتك ومعلوم أن الربوبية التي ادعاها موسى لله سبحانه وتعالى غير هذه الربوبية في المعنى وأنه لا مشاركة بينهما إلا في اللفظ.

المسألة السابعة: اعلم أن موسى عليه السلام استدل على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات وهو قوله: ﴿ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى ﴾ وهذه الدلالة هي التي ذكرها الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى  ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ  وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ  ﴾ قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ العالمين الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ وإن موسى عليه السلام في أكثر الأمور يعول على دلائل إبراهيم عليه السلام وسيأتي تقرير ذلك في سورة الشعراء إن شاء الله تعالى واعلم أنه يشبه أن يكون الخلق عبارة عن تركيب القوالب والأبدان والهداية عبارة عن إبداع القوى المدركة والمحركة في تلك الأجسام وعلى هذا التقدير يكون الخلق مقدماً على الهداية ولذلك قال: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى  ﴾ فالتسوية راجعة إلى القالب ونفخ الروح إشارة إلى إبداع القوى وقال: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ  ﴾ إلى أن قال: ﴿ ثُم أنشأناه خلقاً آخر  ﴾ فظهر أن الخلق مقدم على الهداية، والشروع في بيان عجائب حكمة الله تعالى في الخلق والهداية شروع في بحر لا ساحل له.

ولنذكر منه أمثلة قريبة إلى الأفهام.

أحدها: أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد وأشد الأشياء ثقلاً الأرض ثم الماء وأشدها خفة النار ثم الهواء فلذلك وجب أن تكون النار أعلى العنصريات والأرض أسفلها، ثم إنه سبحانه قلب هذا الترتيب في خلقة الإنسان فجعل أعلى الأشياء منه العظم والشعر وهما أيبس ما في البدن وهما بمنزلة الأرض ثم جعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو بمنزلة الهواء وجعل تحته الحرارة الغريزية التي في القلب التي هي بمنزلة النار فجعل مكان الأرض من البدن الأعلى وجعل مكان النار من البدن الأسفل ليعرف أن ذلك بتدبير القادر الحكيم الرحيم لا باقتضاء العلة والطبيعة.

وثانيها: إنك إذا نظرت إلى عجائب النحل في تركيب البيوت المسدسة وعجائب أحوال البق والبعوض في اهتدائها إلى مصالح أنفسها لعرفت أن ذلك لا يمكن إلا بالهام مدبر عالم بجميع المعلومات.

وثالثها: أنه تعالى هو الذي أنعم على الخلائق بما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها ويستخرجون الحديد من الجبال واللآلى من البحار ويركبون الأدوية والدرياقات النافعة ويجمعون بين الأشياء المختلفة فيستخرجون لذات الأطعمة فثبت أنه سبحانه هو الذي خلق كل الأشياء ثم أعطاهم العقول التي بها يتوصلون إلى كيفية الانتفاع بها، وهذا غير مختص بالإنسان بل عام في جميع الحيوانات فأعطى الإنسان إنسانة والحمار حمارة والبعير ناقة ثم هداه لها ليدوم التناسل وهدى الأولاد لثدي الأمهات، بل هذا غير مختص بالحيوانات بل هو حاصل في أعضائها فإنه خلق اليد على تركيب خاص وأودع فيها قوة الأخذ وخلق الرجل على تركيب خاص وأودع فيها قوة المشي وكذا العين والأذن وجميع الأعضاء ثم ربط البعض بالبعض على وجوه يحصل من ارتباطها مجموع واحد، وهو الإنسان.

وإنما دلت هذه الأشياء على وجود الصانع سبحانه لأن اتصاف كل جسم من هذه الأجسام بتلك الصفة أعني التركيب والقوة والهداية، إما أن يكون واجباً أو جائزاً والأول باطل لأنا نشاهد تلك الأجسام بعد الموت منفكة عن تلك التراكيب والقوى فدل على أن ذلك جائز، والجائز لابد له من مرجح وليس ذلك المرجح هو الإنسان ولا أبواه لأن فعل ذلك يستدعي قدرة عليه وعلماً بما فيه من المصالح والمفاسد، والأمران نائيان عن الإنسان لأنه بعد كمال عقله يعجز عن تغيير شعرة واحدة، وبعد البحث الشديد عن كتب التشريح لايعرف من منافع الأعضاء ومصالحها إلا القدر القليل فلابد أن يكون المتولي لتدبيرها وترتيبها موجوداً آخر وذلك الموجود لا يجوز أن يكون جسماً لأن الأجسام متساوية في الجسمية فاختصاص ذلك الجسم بتلك المؤثرية لابد وأن يكون جائزاً وإن كان جائزاً افتقر إلى سبب آخر والدور والتسلسل محالان، فلابد من الانتهاء في سلسلة الحاجة إلى موجود مؤثر ومدبر ليس بجسم ولا جسماني ثم تأثير ذلك المؤثر إما أن يكون بالذات أو بالاختيار، والأول محال لأن الموجب لا يميز مثلاً عن مثل وهذه الأجسام متساوية في الجسمية فلم اختص بعضها بالصورة الفلكية وبعضها بالصورة العنصرية وبعضها بالنباتية وبعضها بالحيوانية؟

فثبت أن المؤثر والمدبر قادر والقادر لا يمكنه مثل هذه الأفعال العجيبة إلا إذا كان عالماً، ثم إن هذا المدبر الذي ليس بجسم ولا جسماني لابد وأن يكون واجب الوجود في ذاته وفي صفاته وإلا لافتقر إلى مدبر آخر ويلزم التسلسل وهو محال، وإذا كان واجب الوجود في قادريته وعالميته والواجب لذاته لا يتخصص ببعض الممكنات دون البعض وجب أن يكون عالماً بكل ما صح أن يكون معلوماً وقادراً على كل ما صح أن يكون مقدوراً فظهر بهذه الدلالة التي تمسك بها موسى عليه السلام ونبه على تقريرها استناد العالم إلى مدبر ليس بجسم ولا جسماني وهو واجب الوجود في ذاته وفي صفاته عالم بكل المعلومات قادر على كل المقدورات وذلك هو الله سبحانه وتعالى.

المسألة الثامنة: أن فرعون خاطب الاثنين بقوله: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا ﴾ ثم وجه النداء إلى أحدهما وهو موسى عليه السلام لأنه الأصل في النبوة وهرون وزيره وتابعه، وإما لأن فرعون كان لخبثه يعلم الرتة التي في لسان موسى عليه السلام فأراد استنطاقه دون أخيه لما عرف من فصاحته والرتة التي في لسان موسى عليه السلام ويدل عليه قوله: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ  ﴾ .

المسألة التاسعة: في قوله: ﴿ الذى أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى ﴾ وجهان: أحدهما: التقديم والتأخير أي أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به.

وثانيهما: أن يكون المراد من الخلق الشكل والصورة المطابقة للمنفعة فكأنه سبحانه قال: أعطى كل شيء الشكل الذي يطابق منفعته ومصلحته، وقرئ خلقه صفة للمضاف أو المضاف إليه، والمعنى أن كل شيء خلقه الله لم يخله من إعطائه وإنعامه، وأما قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى ﴾ فاعلم أن في ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوهاً: أحدها: أن موسى عليه السلام لما قرر على فرعون أمر المبدأ والمعاد قال فرعون: إن كان إثبات المبدأ في هذا الحد من الظهور: ﴿ فَمَا بَالُ القرون الأولى ﴾ ما أثبتوه وتركوه؟

فكان موسى عليه السلام لما استدل بالدلالة القاطعة على إثبات الصانع قدح فرعون في تلك الدلالة بقوله إن كان الأمر في قوة هذه الدلالة على ما ذكرت وجب على أهل القرون الماضية أن لا يكونوا غافلين عنها فعارض الحجة بالتقليد.

وثانيها: أن موسى عليه السلام هدد بالعذاب أولاً في قوله: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى  ﴾ فقال فرعون: ﴿ فَمَا بَالُ القرون الأولى ﴾ فإنها كذبت ثم إنهم ما عذبوا؟.

وثالثها: وهو الأظهر أن فرعون لما قال: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى ﴾ فذكر موسى عليه السلام دليلاً ظاهراً وبرهاناً باهراً على هذا المطلوب فقال: ﴿ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى ﴾ فخاف فرعون أن يزيد في تقرير تلك الحجة فيظهر للناس صدقه وفساد طريق فرعون فأراد أن يصرفه عن ذلك الكلام وأن يشغله بالحكايات فقال: ﴿ فَمَا بَالُ القرون الأولى ﴾ فلم يلتفت موسى عليه السلام إلى ذلك الحديث بل قال: ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبّي فِي كتاب ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم فلا أشتغل بها، ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول وإيراد الدلائل الباهرة على الوحدانية فقال: ﴿ الذى خَلَقَ لَكُم الأرض مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾ وهذا الوجه هو المعتمد في صحة هذا النظم، ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبّي فِي كتاب ﴾ فإن العلم الذي يكون عند الرب كيف يكون في الكتاب؟

وتحقيقه هو أن علم الله تعالى صفته وصفة الشيء قائمة به، فأما أن تكون صفة الشيء حاصلة في كتاب فذاك غير معقول فذكروا فيه وجهين: الأول: معناه أنه سبحانه أثبت تلك الأحكام في كتاب عنده لكون ما كتبه فيه يظهر للملائكة فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات منزه عن السهو والغفلة، ولقائل أن يقول قوله: ﴿ فِى كتاب ﴾ يوهم احتياجه سبحانه وتعالى في ذلك العلم إلى ذلك الكتاب وهذا وإن كان غير واجب لا محالة ولكنه لا أقل من أنه يوهمه في أول الأمر لا سيما للكافر فكيف يحسن ذكره مع معاند مثل فرعون في وقت الدعوة؟

الوجه الثاني: أن تفسير ذلك بأن بقاء تلك المعلومات في علمه سبحانه كبقاء المكتوب في الكتاب فيكون الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن أسرارها معلومة لله تعالى بحيث لا يزول شيء منها عن علمه، وهذا التفسير مؤكد بقوله بعد ذلك: ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى ﴾ فقال بعضهم معنى اللفظين واحد أي لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عليه وهذا قول مجاهد والأكثرون على الفرق بينهما، ثم ذكروا وجوهاً: أحدها: وهو الأحسن ما قاله القفال لا يضل عن الأشياء ومعرفتها وما علم من ذلك لم ينسه فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالماً بكل المعلومات واللفظ الثاني وهو قوله: ولا ينسى دليل على بقاء ذلك العلم أبد الآباد وهو إشارة إلى نفي التغير.

وثانيها: قال مقاتل: لا يخطئ ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وثالثها: قال الحسن لا يخطئ وقت البعث ولا ينساه.

ورابعها: قال أبو عمرو أصل الضلال الغيبوبة والمعنى لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء.

وخامسها: قال ابن جرير لا يخطئ في التدبير فيعتقد في غير الصواب كونه صواباً وإذا عرفه لا ينساه وهذه الوجوه متقاربة والتحقيق هو الأول.

المسألة الثالثة: أنه لما سأله عن الإله وقال: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى ﴾ وكان ذلك مما سبيله الإستدلال أجاب بما هو الصواب بأوجز عبارة وأحسن معنى، ولما سأله عن شأن القرون الأولى وكان ذلك مما سبيله الإخبار ولم يأته في ذلك خبر وكله إلى عالم الغيوب، واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر الدلالة الأولى وهي دلالة عامة تتناول جميع المخلوقات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النبات والجمادات ذكر بعد ذلك دلائل خاصة وهي ثلاثة.

أولها: قوله تعالى: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قرأ أهل الكوفة هاهنا وفي الزخرف ﴿ مهداً ﴾ والباقون قرؤوا مهاداً فيهما قال أبو عبيدة: الذي اختاره مهاداً وهو اسم والمهد اسم الفعل، وقال غيره: المهد الاسم والمهاد الجمع كالفرش والفراش أجاب أبو عبيدة بأن الفراش اسم والفرش فعل، وقال المفضل هما مصدران لمهد إذا وطأ له فراشاً يقال مهد مهداً ومهاداً وفرش فرشاً وفراشاً.

البحث الثاني: قال صاحب الكشاف: ﴿ الذي جَعَلَ ﴾ مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو لأنه صفة لربي أو منصوب على المدح وهذا من مظانه ومجازه، واعلم أنه يجب الجزم بكونه خبراً لمبتدأ محذوف إذ لو حملناه على الوجهين الباقيين لزم كونه من كلام موسى عليه السلام ولو كان كذلك لفسد النظم بسبب قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نبات شتى ﴾ على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

البحث الثالث: المراد من كون الأرض مهداً أنه تعالى جعلها بحيث يتصرف العباد وغيرهم عليها بالقعود والقيام والنوم والزراعة وجميع وجوه المنافع وقد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً والسماء بِنَاء  ﴾ .

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾ قال صاحب الكشاف سلك من قوله: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  ﴾ ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين  ﴾ أي جعل لكم فيها سبلاً ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

وثالثها: قوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء ﴾ والكلام فيه قد مر في سورة البقرة أما قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نبات شتى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا ﴾ فيه وجوه: أحدها: أن يكون هذا من تمام كلام موسى عليه السلام كأنه يقول ربي الذي جعل لكم كذا وكذا فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة أزواجاً من نبات شتى.

وثانيها: أن عند قوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء ﴾ تم كلام موسى عليه السلام ثم بعد ذلك أخبر الله تعالى عن صفة نفسه متصلاً بالكلام الأول بقوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾ ثم يدل على هذا الاحتمال قوله: ﴿ كُلُواْ وارعوا أنعامكم ﴾ .

وثالثها: قال صاحب الكشاف انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع للإيذان بأنه سبحانه وتعالى مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره ومثله قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيء  ﴾ ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا  ﴾ ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السموات والأرض وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ  ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا ﴾ إما أن يكون من كلام موسى عليه السلام أو من كلام الله تعالى والأول باطل لأن قوله بعد ذلك: ﴿ كُلُواْ وارعوا أنعامكم إِنَّ فِي ذلك لأيات لأُوْلِى النهى مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ لا يليق بموسى عليه السلام وأيضاً فقوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نبات شتى ﴾ لا يليق بموسى لأن أكثر ما في قدرة موسى عليه السلام صرف المياه إلى سقي الأراضي وأما إخراج النبات على اختلاف ألوانها وطبائعها فليس من موسى عليه السلام فثبت أن هذا كلام الله ولا يجوز أن يقال كلام الله ابتداؤه من قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نبات شتى ﴾ لأن الفاء يتعلق بما قبله فلا يجوز جعل هذا كلام الله تعالى وجعل ما قبله كلام موسى عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال: إن كلام موسى عليه السلام تم عند قوله: ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى ﴾ ثم ابتدئ كلام الله تعالى من قوله: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ ويكون التقدير هو الذي ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ فيكون الذي خبر مبتدأ محذوف ويكون الانتقال من الغيبة إلى الخطاب التفاتاً.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أنه سبحانه إنه يخرج النبات من الأرض بواسطة إنزال الماء فيكون للماء فيه أثر وهذا بتقدير ثبوته لا يقدح في شيء من أصول الإسلام لأنه سبحانه وتعالى هو الذي أعطاها هذه الخواص والطبائع لكن المتقدمين من المتكلمين ينكرونه ويقولون لا تأثير له فيه ألبتة.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ أزواجا ﴾ أي أصنافاً سميت بذلك لأنها مزدوجة مقرونة بعضها مع بعض ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى ويجوز أن يكون صفة للنبات والنبات مصدر سمي به النابت كما يسمى بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها شتى مختلفة النفع والطعم والطبع بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم أما قوله: ﴿ كُلُواْ وارعوا أنعامكم ﴾ فهو حال من الضمير في أخرجنا والمعنى أخرجنا أصناف النبات آذنين في الانتفاع بها مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها.

وقد تضمن قوله كلوا سائر وجوه المنافع فهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  ﴾ وقوله: ﴿ كُلُواْ ﴾ أمر إباحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي فيما ذكرت من هذه النعم ﴿ لآيَاتٍ ﴾ أي لدلالات لذوي النهى أي العقول والنهية العقل.

قال أبو علي الفارسي: النهى يجوز أن يكون مصدراً كالهدى ويجوز أن يكون جمعاً أما قوله: ﴿ مِنْهَا خلقناكم ﴾ فاعلم أنه سبحانه لما ذكر منافع الأرض والسماء بين أنها غير مطلوبة لذاتها بل هي مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال: ﴿ مِنْهَا خلقناكم ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: ما معنى قوله: ﴿ مِنْهَا خلقناكم ﴾ مع أنه سبحانه وتعالى خلقنا من نطفة على ما بين ذلك في سائر الآيات.

والجواب من وجهين: الأول: أنه لما خلق أصلنا وهو آدم عليه السلام من التراب على ما قال: ﴿ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ لا جرم أطلق ذلك علينا.

الثاني: أن تولد الإنسان إنما هو من النطفة ودم الطمث وهما يتولدان من الأغذية، والغذاء إما حيواني أو نباتي والحيواني ينتهي إلى النبات والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب فصح أنه تعالى خلقنا منها وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة.

والثالث: ذكرنا في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام  ﴾ خبر ابن مسعود أن الله يأمر ملك الأرحام أن يكتب الأجل والرزق والأرض التي يدفن فيها وأنه يأخذ من تراب تلك البقعة ويذره على النطفة ثم يدخلها في الرحم.

السؤال الثاني: ظاهر الآية يدل على أن الشيء قد يكون مخلوقاً من الشيء وظاهر قول المتكلمين يأباه.

والجواب: إن كان المراد من خلق الشيء من الشيء إزالة صفة الشيء الأول عن الذات وأحداث صفة الشيء الثاني فيه فذلك جائز لأنه لا منافاة فيه، أما قوله تعالى: ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ فلا شبهة في أن المراد الإعادة إلى القبور حتى تكون الأرض مكاناً وظرفاً لكل من مات إلا من رفعه الله إلى السماء، ومن هذا حاله يحتمل أن يعاد إليها أيضاً بعد ذلك، أما قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى ﴾ ففيه وجوه: أحدها: وهو الأقرب: ﴿ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ ﴾ يوم الحشر والبعث.

وثانيها: ومنها نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج وهذا مذكور في بعض الأخبار.

وثالثها: المراد عذاب القبر عن البراء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فذكر عذاب القبر وما يخاطب به المؤمن والكافر وأنه ترد روحه في جسده ويرد إلى الأرض وأنه تعالى يقول عند إعادتهم إلى الأرض إني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى واعلم أن الله تعالى عدد في هذه الآيات منافع الأرض وهي أنه تعالى جعلها لهم فراشاً ومهاداً يتقلبون عليها وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف أرادوا وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلف دوابهم وهي أصلهم الذي منه يتفرعون ثم هي كفاتهم إذا ماتوا، ومن ثم قال عليه السلام: «بروا بالأرض فإنها بكم برة».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

خاطب الاثنين، ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى؛ لأنه الأصل في النبوّة، وهارون وزيره وتابعه.

ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه.

لما عرف من فصاحة هارون والرتة في لسان موسى.

ويدل عليه قوله: ﴿ أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين ﴾ [الزخرف: 52] ﴿ خَلَقَهُ ﴾ أول مفعولي أعطى، أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به.

أو ثانيهما، أي: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان: كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة، غير ناب عنه.

أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة، حيث جعل الحصان والحِجر.

زوجين، والبعير والناقة، والرجل والمرأة، فلم يزاوج منها شيئاً غير جنسه وما هو على خلاف خلقه.

وقرئ ﴿ خَلَقَهُ ﴾ صفة للمضاف أو للمضاف إليه، أي: كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه ﴿ ثُمَّ هدى ﴾ أي عرف كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه.

ولله درّ هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه، وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالباً للحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى ﴾ أنَّ بَعْدَ ما أتَياهُ وقالا لَهُ ما أُمِرا بِهِ، ولَعَلَّهُ حُذِفَ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ فَإنَّ المُطِيعَ إذا أُمِرَ بِشَيْءٍ فَعَلَهُ لا مَحالَةَ، وإنَّما خاطَبَ الِاثْنَيْنِ وخَصَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنِّداءِ لِأنَّهُ الأصْلُ وهارُونَ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، أوْ لِأنَّهُ عَرَفَ أنَّ لَهُ رَتَّةً ولِأخِيهِ فَصاحَةً فَأرادَ أنْ يُفْحِمَهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ ﴾ .

﴿ قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأنْواعِ ﴿ خَلْقَهُ ﴾ صُورَتَهُ وشَكْلَهُ الَّذِي يُطابِقُ كَمالَهُ المُمْكِنَ لَهُ، أوْ أعْطى خَلِيقَتَهُ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ، فَقَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بَيانُهُ.

وقِيلَ أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ نَظِيرَهُ في الخَلْقِ والصُّورَةِ زَوْجًا.

وقُرِئَ ( خَلَقَهُ ) صِفَةٌ لِلْمُضافِ إلَيْهِ أوِ المُضافِ عَلى شُذُوذٍ فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا أيْ: أعْطى كُلَّ مَخْلُوقٍ ما يُصْلِحُهُ.

﴿ ثُمَّ هَدى ﴾ ثُمَّ عَرَّفَهُ كَيْفَ يَرْتَفِقُ بِما أُعْطِيَ وكَيْفَ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى بَقائِهِ وكَمالِهِ اخْتِيارًا أوْ طَبْعًا، وهو جَوابٌ في غايَةِ البَلاغَةِ لِاخْتِصارِهِ وإعْرابِهِ عَنِ المَوْجُوداتِ بِأسْرِها عَلى مَراتِبِها، ودَلالَتُهُ عَلى أنَّ الغَنِيَّ القادِرَ بِالذّاتِ المُنْعِمَ عَلى الإطْلاقِ هو اللَّهُ تَعالى وأنَّ جَمِيعَ ما عَداهُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ في حَدِّ ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ولِذَلِكَ بُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وأُفْحِمَ عَنِ الدَّخْلِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ إلّا صَرْفَ الكَلامِ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال فمن ربكما يا موسى} خاطبهما ثم بادي أحدهما لأن موسى هو الأصل في النبوة وهرون نابعه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ بَعْدَما أتَياهُ وبَلَّغاهُ ما أُمِرا بِهِ، وإنَّما طَوى ذِكْرَ ذَلِكَ لِلْإيجازِ والإشْعارِ بِأنَّهُما كَما أُمِرا بِذَلِكَ سارَعا إلى الِامْتِثالِ بِهِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ وبِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما لَمّا أُمِرا بِإتْيانِهِ وقَوْلِ ما ذُكِرَ لَهُ جاءا جَمِيعًا إلى بابِهِ فَأقاما حِينًا لا يُؤْذَنُ لَهُما ثُمَّ أذِنَ لَهُما بَعْدَ حِجابٍ شَدِيدٍ فَدَخَلا وكانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى.

وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أُمِرَ أقْبَلَ إلى فِرْعَوْنَ في مَدِينَةٍ قَدْ جُعِلَ حَوْلَها الأسَدُ في غَيْضَةٍ قَدْ غَرَسَها والأسَدُ فِيها مَعَ ساسَتِها إذا أشَلْتَها عَلى أحَدٍ أكَلَ ولِلْمَدِينَةِ أرْبَعَةُ أبْوابٍ في الغَيْضَةِ فَأقْبَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الطَّرِيقِ الأعْظَمِ الَّذِي يَراهُ فِرْعَوْنُ فَلَمّا رَأتْهُ الأُسَدُ صاحَتْ صِياحَ الثَّعالِبِ فَأنْكَرَ ذَلِكَ السّاسَةُ وفَرِقُوا مِن فِرْعَوْنَ فَأقْبَلَ حَتّى انْتَهى إلى البابِ فَقَرَعَهُ بِعَصاهُ وعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفِ وسَراوِيلُ فَلَمّا رَآهُ البَوّابُ عَجِبَ مِن جُرْأتِهِ فَتَرَكَهُ ولَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي بابَ مَن أنْتَ تَضْرِبُ؟

إنَّما أنْتَ تَضْرِبُ بابَ سَيِّدِكَ، قالَ: أنْتَ وأنا وفِرْعَوْنُ عَبِيدٌ لِرَبِّي فَأنا ناصِرُهُ، فَأخْبَرَ البَوّابُ الَّذِي يَلِيهِ مِنَ البَوّابِينَ حَتّى بَلَغَ ذَلِكَ أدْناهُمْ، ودُونَهُ سَبْعُونَ حاجِبًا، كُلُّ حاجِبٍ مِنهم تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الجُنُودِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى حَتّى خَلَصَ الخَبَرُ إلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ عَلَيَّ فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: أعْرِفُكَ؟

قالَ: نَعَمْ قالَ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا، فَرَدَّ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي رَدَّ، قالَ فِرْعَوْنُ: خُذُوهُ، فَبادَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَحَمَلَتْ عَلى النّاسِ فانْهَزَمُوا مِنها فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا وقامَ فِرْعَوْنُ مُنْهَزِمًا حَتّى دَخَلَ البَيْتَ فَقالَ: يا مُوسى اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا نَنْظُرُ فِيهِ، قالَ مُوسى: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ إنَّما أُمِرْتُ بِمُناجِزَتِكَ وإنْ أنْتَ لَمْ تَخْرُجْ إلَيَّ دَخَلْتُ عَلَيْكَ.

فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنِ اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ أجَلًا، وقُلْ لَهُ أنْتَ: اجْعَلْ ذَلِكَ فَقالَ فِرْعَوْنُ: اجْعَلْهُ إلى أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَفَعَلَ وكانَ لا يَأْتِي الخَلاءَ إلّا في كُلِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً، فاخْتَلَفَ ذَلِكَ اليَوْمُ أرْبَعِينَ مَرَّةً، وخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَدِينَةِ، فَلَمّا مَرَّ بِالأُسْدِ خَضَعَتْ لَهُ بِأذْنابِها وسارَتْ مَعَهُ تَشَيُّعُهُ ولا تُهَيِّجُهُ ولا أحَدًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

والظّاهِرُ أنَّ هارُونَ كانَ مَعَهُ حِينَ الإتْيانِ، ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يُذْكَرْ في هَذا الخَبَرِ اكْتِفاءً بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُما حِينَ عَرَضا عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى فِرْعَوْنَ ما عَرَضا شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَرُدَّ ما دَعَيا إلَيْهِ، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا، فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وظاهِرُ هَذا أنَّ المُشاوَرَةَ قَبْلَ المُقاوَلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّها بَعْدَها والأوْلى في أمْثالِ هَذِهِ القِصَصِ الِاكْتِفاءُ بِما في المُنَزَّلِ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ إلّا أنْ يُوثَقَ بِصِحَّتِهِ أوْ لا يَكُونُ في المُنَزَّلِ ما يُعَكِّرُ عَلَيْهِ كالخَبَرِ السّابِقِ، فَإنَّ كَوْنَ فِرْعَوْنَ جَعَلَ الأجَلَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ طَلَبَ مِنهُ فِرْعَوْنُ أنْ يَجْعَلَ مَوْعِدًا ﴿ ”مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ“ ﴾ ، والظّاهِرُ عَدَمُ تَعَدُّدِ الحادِثَةِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ حِينَ أتَياهُ وقالا لَهُ ما قالا؟

فَقِيلَ: قالَ ﴿ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى ﴾ لَمْ يُضِفِ الرَّبَّ إلى نَفْسِهِ ولَوْ بِطَرِيقِ حِكايَةِ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنّا رَسُولا رَبِّكَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ ﴾ لِغايَةِ عُتُوِّهِ ونِهايَةِ طُغْيانِهِ بَلْ إضافَةً إلَيْهِما لِما أنَّ المُرْسِلَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ رَبًّا لِلرَّسُولِ، وقِيلَ: لِأنَّهُما قَدْ صَرَّحا بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْكُلِّ بِأنْ قالا: ﴿ إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ كَما وقَعَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والِاقْتِصارُ هاهُنا عَلى ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِفِرْعَوْنَ لِكِفايَتِهِ فِيما هو المَقْصُودُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِهِما رَسُولَيْ رَبِّهِما أيْ إذا كُنْتُما رَسُولَيْ رَبِّكُما الَّذِي أرْسَلَكُما فَأخْبِرا مَن رَبُّكُما الَّذِي أرْسَلَكُما، وتَخْصِيصُ النِّداءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِما لِما ظَهَرَ لَهُ مِن أنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ وزِيرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّهُ رَبُّهُ كَما قالَ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا، قِيلَ: وهَذا أوْفَقُ بِتَلْبِيسِهِ عَلى الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَ أنَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَتَّةً فَأرادَ أنْ يُسْكِتَهُ.

وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن بَقاءِ رَتَّةٍ في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال الله عزّ وجلّ: قالا، يعني: موسى وهارون: رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا يعني: أن يبادر بعقوبتنا.

يقال: قد فرط منه أمر، أي: قد بدر منه.

قال النبيّ  : «أنا فرطكم على الحوض» .

ويقال: أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا، يعني: أن يضر بنا.

أَوْ أَنْ يَطْغى، يعني: يقتلنا: قال: كان هذا القول من موسى وهارون حين رجع موسى إلى مصر، وأوحى الله تعالى إليهما فقالا عند ذلك: إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى وقال بعضهم: قد قال الله عزّ وجلّ ذلك لموسى عند طور سيناء، فأجابه موسى عن نفسه وعن هارون، فأضاف القول إليهما جميعاً.

قالَ الله عزَّ وجلَّ: لا تَخافا، عقوبة فرعون عند أداء الرسالة.

إِنَّنِي مَعَكُما، أي: معينكما.

أَسْمَعُ ما نزل عليكما، وَأَرى ما يصنع بكما.

ثم قال عز وجل: فَأْتِياهُ، يعني: فاذهبا إلى فرعون، فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: في الآية دليل أنه يجوز رواية الأخبار بالمعنى، وإنما العبرة للمعنى دون اللفظ، لأن الله تعالى حكى معنى واحداً بألفاظ مختلفة، وقال في موضع آخرقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: 16] وقال هاهنا: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ وقال في آية أخرى: قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ [الأعراف: 121- 122] ، وقال في موضع: آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى.

ثم قال تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ، يعني: لا تستعبدهم.

قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ، يعني: باليد والعصا.

وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، يعني: على مَنْ طلب الحق ورغب في الإسلام.

قال الزجاج: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى معناه: أن من اتبع الهدى، فقد سلم من عذاب الله عز وجل وسخطه.

قال عز وجل: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ يعني: أَنَّ العذاب في الآخرة بالدوام عَلى مَنْ كَذَّبَ بالتوحيد وَتَوَلَّى عن التوحيد والإيمان ولم يذكر في الآية أنهما أتيا فرعون، لأن في الكلام دليلاً عليه حيث ذكر قول فرعون، ومعناه: أنهما أتيا فرعون وأديا إليه الرسالة وقالا: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ.

لأن في الكلام دليلاً عليه، حيث ذكر قول فرعون: قالَ فرعون: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى، ولم يقل من ربي تكبراً منه.

قالَ موسى: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني: شكله، ويقال: خلق لكل ذكر أنثى شبهه ثُمَّ هَدى، يعني: ألهمه الأكل والشرب والجماع، وقال القتبي: الإهداء أصله الإرشاد، كقوله عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي [القصص: 22] .

ثم الإرشاد مرة يكون بالدعاء، ومرة بالبيان.

وقد ذكرناه في سورة الأعراف، ومرة بالإلهام كقوله: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ أي: صورته ثُمَّ هَدى أي: ألهمه إتيان الإناث.

ويقال: ألهمه طلب المرعى وتوقي المهالك.

وقال الحسن: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ما يصلح له، ثم هداه.

ثمّ أن موسى أخبره بالبعث والجزاء وأمر الآخرة.

وقال فرعون: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى؟

يعني: ما حال وما شأن القرون الماضية؟

قالَ موسى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ، يعني: في اللوح المحفوظ.

لاَّ يَضِلُّ رَبِّي يعني: لا يخفى على ربي، وَلا يَنْسى ما كان من أمرهم.

وقال مجاهد لاَّ يَضِلُّ رَبِّي، أي: لا يخفى عليه شيء واحد.

قال السدي: أي: لا يغفل ولا يترك، وكان الحسن يقرأ لاَّ يَضِلُّ بضم الياء، يعني: لا يضله الله، يعني به: الكتاب.

وإلى هذا الموضع حكاية كلام موسى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قالت فِرقةٌ: أَرَادَ القَبُولَ الذي يضعه اللَّهُ في الأرضِ لِخَيارِ عِبَادِه، وكان حَظُّ موسى منه في غاية الوَفْرِ وهذا أقوى ما قِيلَ هنا مِنَ الأقوال.

وقرأَ الجُمْهورُ «١» : «ولِتُصْنَعَ» بكسر اللام، وضم التاء على معنى: ولِتُغْذى، وتُطْعم، وتربى.

وقوله: عَلى عَيْنِي معناه: بمرأى مِنِّي.

وقوله: عَلى قَدَرٍ أيْ: لميقاتٍ محدُودٍ للنبوّة التي قد أرادها اللَّهُ تعالى، وَاصْطَنَعْتُكَ: معناه جعلْتُك مَوْضِعَ الصَّنِيعة ومقر الإجْمال والإحْسَان.

وقوله: لِنَفْسِي إضَافة تَشْرِيف وهذا كما تقولُ: بيتُ اللَّهِ، ونحوه: «والصِّيَامُ لِي» «٢» وعبَّر بالنَّفْسِ عن شِدَّة القرب، وقوة الاخْتِصَاص.

وقوله تعالى: وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي معناه: لا تُبْطِئَا وتضعفاً تقولُ: وَنَى فلانٌ في كذا، إذا تَبَاطَأَ فيه عن ضَعْفٍ، والوَنْيُ: الكَلاَلُ، والفَشَلُ في البَهَائِم والإنْسِ.

وفي مُصْحَفِ ابن مَسْعُودٍ «٣» : «ولاَ تَهِنَا فِي ذِكْرَي» معناه: لاَ تَلِينَا مِنْ قَوْلِك: هَيِّنٌ لَيِّنٌ.

فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً أي: حسّنا له الكلمة مع إكْمَالِ الدَّعْوة.

قال ابن العَرَبِي «٤» في «أحْكَامِهِ» : وفي الآية دَلِيلٌ على جواز الأَمْر بالمعرُوفِ، والنهي عن المنكر بالليِّن لمن معه القُوَّة، وفي الإسرائيليات: أَنَّ مُوسَى عليه السلام أَقامَ بباب فِرْعَوْن سنةً لا يجد مَنْ يبلغ كَلاَمَهُ حَتَّى لقيه حِينَ خَرَج، فجرى له ما قَصَّ اللَّهُ تعالى عَلَيْنَا من خَبَرِه وكان ذلك تَسْلِيةً لمن جاء بعده مِنَ المؤْمِنِينَ في سِيرَتهم مع الظَّالِمِينَ.

انتهى.

وقولهما: إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ معناه: يعجل، ويتسرع إلينا بمكروه.

وقوله عز وجل إِنَّنِي مَعَكُما أي بالنّصر والمعونة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ فَمَن رَبُّكُما ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ مَعْلُومٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَأدَّيا الرِّسالَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَأتَياهُ؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَمَن رَبُّكُما " يَدُلُّ عَلى أنَّهُما أتَياهُ وقالا لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، فَخَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ عَلى غَيْرِ صُورَةِ جِنْسِهِ، فَصُورَةُ ابْنِ آدَمَ لا كَصُورَةِ البَهائِمِ، وصُورَةُ البَعِيرِ لا كَصُورَةِ الفَرَسِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أعْطى كُلَّ ذَكَرٍ زَوْجَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ما يُشاكِلُهُ.

والثّالِثُ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما يُصْلِحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ هَدى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: هَدى كَيْفَ يَأْتِي الذَّكَرُ الأُنْثى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: هَدى لِلْمَنكَحِ والمَطْعَمِ والمَسْكَنِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: هَدى كُلَّ شَيْءٍ إلى مَعِيشَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ: ( أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) بِفَتْحِ اللّامِ.

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاحْتِجاجِ عَلى فِرْعَوْنَ مِن هَذا ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُ خَلْقٍ وهِدايَةٍ، فَلا بُدَّ مِن خالِقٍ وهادٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ﴾ اخْتَلَفُوا فِيما سَألَ عَنْهُ مِن حالِ القُرُونِ الأُولى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ أخْبارِها وأحادِيثِها، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ؛ إذِ التَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِفِرْعَوْنَ، فَقالَ: ﴿ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ﴾ ، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ.

وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ: إنِّي رَسُولٌ، وأخْبارُ الأُمَمِ عِلْمُ غَيْبٍ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ.

والثّانِي: أنَّ مُرادَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْها: لِمَ عُبِدَتِ الأصْنامُ، ولِمَ لَمْ يُعْبَدِ اللَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ ما وصَفْتَ ؟

والثّالِثُ: أنَّ مُرادَهُ: ما لَها لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ ولا تُجازى ؟

فَقالَ: عَلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ: عِلْمُ أعْمالِها.

وقِيلَ: الهاءُ في ﴿ عِلْمُها ﴾ كِنايَةٌ عَنِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ سَألَهُ عَنْ بَعْثِ الأُمَمِ، فَأجابَهُ بِذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ أرادَ: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: لا يُضَيِّعُهُ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لا يُضَلُّ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، والمَعْنى: لا يُخْطِئُ رَبِّي ولا يَنْسى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ حَتّى يُجازِيَهم بِأعْمالِهِمْ.

وقِيلَ: أرادَ: لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ في كِتابٍ؛ لِأنَّهُ يَضِلُّ ويَنْسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( مِهادًا ) .

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مَهْدًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ.

والمِهادُ: الفِراشُ، والمَهْدُ: الفَرْشُ.

﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ ﴾ ؛ أيْ: أدْخَلَ لِأجْلِكم في الأرْضِ طُرُقًا تَسْلُكُونَها، ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ.

وَهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنْ مُوسى.

ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ ﴾ يَعْنِي: بِالماءِ، ﴿ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى ﴾ ؛ أيْ: أصْنافًا مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والطُّعُومِ، كُلُّ صِنْفٍ مِنها زَوْجٌ.

و" شَتّى " لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

﴿ كُلُوا ﴾ ؛ أيْ: مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الثِّمارِ، ﴿ وارْعَوْا أنْعامَكُمْ ﴾ يُقالُ: رَعى الماشِيَةَ يَرْعاها: إذا سَرَّحَها في المَرْعى، ومَعْنى هَذا الأمْرِ: التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ ﴾ ؛ أيْ: لَعِبَرًا في اخْتِلافِ الألْوانِ والطُّعُومِ، ﴿ لأُولِي النُّهى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِذَوِي العُقُولِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ: إنَّهُ لَذُو نُهْيَةٍ: إذا كانَ ذا عَقْلٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ النُّهى: نُهْيَةٌ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ؛ أيْ: ذُو عَقْلٍ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ، ويَدْخُلُ بِهِ في المَحاسِنِ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ذُو النُّهْيَةِ: الَّذِي يُنْتَهى إلى رَأْيِهِ وعَقْلِهِ، وهَذا حَسَنٌ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنها خَلَقْناكُمْ ﴾ يَعْنِي: الأرْضَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا ﴾ .

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ خَلَقْناكُمْ ﴾ إلى آدَمَ والبَشَرُ كُلُّهم مِنهُ.

﴿ وَفِيها نُعِيدُكُمْ ﴾ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿ وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً ﴾ ؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ البَعْثِ، يَعْنِي: كَما أخْرَجْناكم مِنها أوَّلًا عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ الأرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَلامُ عَلى مِن اتَّبَعَ الهُدى ﴾ ﴿ إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى ﴾ المَعْنى: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَأعْلَماهُ أنَّكُما رَسُولانِ إلَيْهِ، وعَبَّرَ لِفِرْعَوْنَ بِـ "رَبِّكَ" تَحْقِيرًا لَهُ؛ إذْ كانَ يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ، ثُمْ أمَرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ، وهَذِهِ جُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ "الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ"، والظاهِرُ أنَّ رِسالَتَهُ إلَيْهِ لَيْسَتْ عَلى حَدِّ إرْسالِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَعْذِيبُ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ ذَبْحُ أولادِهِمْ وإذْلالِهِمْ.

و"الآيَةُ" الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ.

وقالَ: "جِئْناكَ" -والجائِي بِها مُوسى - تَجَوُّزًا مِن حَيْثُ هُما مُشْرَكانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ كَلامٍ وفَصْلَهِ، فَيَقْوى أنْ يَكُونَ "السَلامُ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، كَأنَّهُما رَغِبا بِها عنهُ، وجَرْيًا عَلى العُرْفِ في التَسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ القَوْلِ فَسَلَّما عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، وفي هَذا تَوْبِيخٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِعْمالُ الناسِ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَبَتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في دَرَجِ القَوْلِ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا ﴾ فَيَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِأنَّ السَلامَةَ لِلْمُهْتَدِينَ، وهَذانَ المَعْنَيانِ قالَتْ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما فِرْقَةٌ لَكِنْ دُونَ هَذا التَلْخِيصِ، وقالُوا: "السَلامُ" بِمَعْنى: السَلامَةُ، و"عَلى" بِمَعْنى "اللامِ"، أيِ: السَلامُ لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى.

وَلِما فَرَغا مِنَ المَقالَةِ الَّتِي أمَرَ بِها عن قَوْلِهِ: "وَتَوَلّى" خاطَبَهُما فِرْعَوْنُ، وفي سَرْدِ هَذِهِ الآيَةِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَلَمّا قالا جَمِيعَ ما أُمِرا بِهِ قالَ لَهُما فِرْعَوْنُ: فَمَن رَبُّكُما؟

وقَوْلُهُ: "يا مُوسى" بَعْدَ جَمْعِهِ مَعَ "هارُونَ" في الضَمِيرِ نِداءٌ بِمَعْنى التَخْصِيصِ والتَوْقِيفِ؛ إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِسالَةِ ولِزَيْمِ الآياتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا حكاية جواب فرعون عن الكلام الذي أمر الله موسى وهارون بإبلاغه فرعون، ففي الآية حذف جمل دلّ عليها السياق قصداً للإيجاز.

والتقدير: فأتَيَاه فقالا له ما أمِرا به، فقال: فمن ربّكما؟.

ولذلك جاءت حكاية قول فرعون بجملة مفصولة على طريقة حكاية المحاورات التي استقريناها من أسلوب القرآن وبَينّاها في سورة البقرة وغيرها.

ووجّه فرعون الخطاب إليهما بالضمير المشترك، ثمّ خصّ موسى بالإقبال عليه بالنداء، لعلمه بأنّ موسى هو الأصل بالرسالة وأنّ هارون تابع له، وهذا وإن لم يحتو عليه كلامهما فقد تعيّن أن يكون فرعون عَلِمه من كيفيّة دخولهما عليه ومخاطبته، ولأنّ موسى كان معروفاً في بلاط فرعون لأنه ربيُّه أو رَبيّ أبيه فله سابقة اتصال بدار فرعون، كما دلّ عليه قوله له المحكي في آية سورة الشعراء (18): ﴿ قال ألم نربّك فينا وليداً ولبثتَ فينا من عمرك سنين ﴾ الآية.

ولعلّ موسى هو الذي تولى الكلام وهارون يصدقه بالقول أو بالإشارة.

وإضافته الرب إلى ضميرهما لأنّهما قالا له ﴿ إنّا رسولا ربّك ﴾ [طه: 47].

وأعرض عن أن يقول: فمن ربي؟

إلى قوله ﴿ فمن ربُّكما ﴾ إعراضاً عن الاعتراف بالمربوبية ولو بحكاية قولهما، لئلا يقع ذلك في سمع أتباعه وقومه فيحسبوا أنه متردد في معرفة ربّه، أو أنه اعترف بأنّ له ربّاً.

وتولى موسى الجواب لأنّه خصّ بالسؤال بسبب النّداء له دون غيره.

وأجاب موسى بإثبات الربوبية لله لجميع الموجودات جرياً على قاعدة الاستدلال بالكلية على الجزئية بحيث ينتظم من مجموعهما قياس، فإن فرعون من جملة الأشياء، فهو داخل في عموم ﴿ كل شيء ﴾ .

و ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ مفعول أول ل ﴿ أعطى ﴾ .

و ﴿ خَلْقَهُ ﴾ مفعوله الثاني.

والخلق: مصدر بمعنى الإيجاد.

وجيء بفعل الإعطاء للتنبيه على أنّ الخلق والتكوين نعمة، فهو استدلال على الربوبية وتذكير بالنعمة معاً.

ويجوز أن يكون الخلق بالمعنى الأخصّ، وهو الخَلق على شكل مخصوص، فهو بمعنى الجَعْل، أي الذي أعطى كل شيء من الموجودات شكله المختصّ به، فكُونت بذلك الأجناسُ والأنواع والأصناف والأشخاص من آثار ذلك الخلق.

ويجوز أن يكون ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ مفعولاً ثانياً ل ﴿ أعطى ﴾ ومفعوله الأول ﴿ خَلْقَهُ ﴾ ، أي أعطى خلقه ما يحتاجونه، كقوله: ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ [الأنعام: 99].

فتركيب الجملة صالح للمعنيين.

والاستغراق المستفاد من (كلّ) عُرفي، أي كل شيء من شأنه أن يعطاه أصنافُ الخلق ويناسب المعطي، أو هو استغراق على قصد التوزيع بمقابلة الأشياء بالخلق، مثل: ركب القوم دوابّهم.

والمعنى: تأمل وانظر هل أنتَ أعطيت الخَلق أوْ لاَ؟

فلا شك أنه يعلم أنّه ما أعطى كلّ شيء خلقه، فإذا تأمل علم أن الرب هو الذي أفاض الوجود والنّعم على الموجودات كلّها، فآمن به بعنوان هذه الصفة وتلك المعرفة الموصّلة إلى الاعتقاد الحق.

و (ثُم) للترتيب بمعنييْه الزمني والرتبي، أي خلق الأشياء ثمّ هدى إلى ما خلقهم لأجله، وهداهم إلى الحق بعد أن خلقهم، وأفاض عليهم النّعم، على حد قوله تعالى: ﴿ ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين ﴾ [البلد: 8 10] أي طريقي الخير والشرّ، أي فرّقنا بينهما بالدلائل الواضحة.

قال الزمخشري في «الكشاف»: «ولله درّ هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالباً للحق».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ زَوْجَهُ مِن جِنْسِهِ، ثُمَّ هَداهُ لِنِكاحِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ، ثُمَّ هَداهُ إلى مَعِيشَتِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ: ولَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةً وكَذاكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ يَعْنِي بِالخِلْقَةِ الصُّورَةَ.

الثّالِثُ: أعْطى كُلًّا ما يُصْلِحُهُ، ثُمَّ هَداهُ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ ما ألْهَمَهُ مِن عِلْمٍ أوْ صِناعَةٍ وهَداهُ إلى مَعْرِفَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ﴾ وهي جَمْعُ قَرْنٍ، والقَرْنُ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ مَأْخُوذٌ مِن قِرانُهم فِيهِ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: القَرْنُ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ وفِيهِ نَبِيٌّ أوْ طَبَقَةٌ عالِيَةٌ في العِلْمِ، فَجَعَلَهُ مِنَ اقْتِرانِ أهْلِ العَصْرِ بِأهْلِ العِلْمِ، فَإذا كانَ زَمانٌ فِيهِ فَتْرَةٌ وغَلَبَةُ جَهْلٍ لَمْ يَكُنْ قَرْنًا.

واخْتُلِفَ في سُؤالِ فِرْعَوْنَ عَنِ القُرُونِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ عَنْها فِيما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، هَلْ كانُوا عَلى مِثْلِ ما يَدْعُو إلَيْهِ أوْ بِخِلافِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهُ قَطْعًا لِلِاسْتِدْعاءِ ودَفْعًا عَنِ الجَوابِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ سَألَهُ عَنْ ذَنْبِهِمْ ومُجازاتِهِمْ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا دَعاهُ إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ قالَ: ما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ تُبْعَثْ؟

﴿ قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ﴾ فَرَدَّ مُوسى عِلْمَ ذَلِكَ إلى رَبِّهِ.

﴿ فِي كِتابٍ ﴾ ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ أيْ لَمْ يَجْعَلْ عِلْمَ ذَلِكَ في كِتابٍ لِأنَّهُ يَضِلُّ أوْ يَنْسى.

وَيَحْتَمِلُ إثْباتُهُ في الكِتابِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لَهُ فَضْلًا لَهُ وحُكْمًا بِهِ.

الثّانِي: لِيُعْلِمَ بِهِ مَلائِكَتَهُ في وقْتِهِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يُخْطِئُ فِيهِ ولا يَتْرُكُهُ.

الثّانِي: لا يَضِلُّ الكِتابُ عَنْ رَبِّي، ولا يَنْسى رَبِّي ما في الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ [الوَقْتِ] عِنْدَ مُوسى عِلْمَ القُرُونِ الأُولى، لِأنَّهُ عَلِمَها مِنَ التَّوْراةِ، ولَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ وغَرَقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال: من كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة الله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ قال: خلق لكل شيء روحه، ثم ﴿ هدى ﴾ قال: هداه لمنكحه، ومطعمه، ومشربه، ومسكنه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ﴾ يقول: مثله، أعطى الإنسان انسانة، والحمار حمارة، والشاة شاته: ﴿ ثم هدى ﴾ إلى الجماع.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الحسن في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ قال: أعطى كل شيء ما يصلحه ثم هداه له.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ قال: سوى خلق كل دابة ثم هداها لما يصلحها وعلمها إياه، لم يجعل خلق الناس كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الناس، ولكن ﴿ خلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ [ الفرقان: 2] .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ﴾ قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل الإنسان في خلق الدابة، ولا الدابة في خلق الكلب، ولا الكلب في خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس منها شيء يملك شيئاً في فعاله، في الخلق والرزق والنكاح ﴿ ثم هدى ﴾ قال: هدى كل شيء إلى رزقه وإلى زوجته.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ﴾ قال: أعطى كل شيء صورته ﴿ ثم هدى ﴾ قال: لمعيشته.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ قال: ألم تر إلى البعير كيف يقوم لصاحبه ينتظره!

حتى يجيء هذا منه!.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم هدى ﴾ قال: كيف يأتي الذكر الأنثى.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن سابط قال: ما أبهمت البهائم، فلم تبهم عن أربع: تعلم أن الله ربها، ويأتي الذكر الأنثى، وتهتدي لمعايشها، وتخاف الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال فما بال القرون الأولى ﴾ يقول: فما حال القرون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا يضل ربي ﴾ قال: لا يخطئ.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال: هما شيء واحد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال: ﴿ لا يضل ربي ﴾ الكتاب ﴿ ولا ينسى ﴾ ما فيه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي المليح قال: الناس يعيبون علينا الكتاب، وقال الله تعالى: ﴿ علمها عند ربي في كتاب ﴾ .

وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هلال قال: كنا عند قتادة فذكروا الكتاب وسألوه عن ذلك؟

فقال: وما بأس بذلك.

أليس الله الخبير يخبر؟

قال: ﴿ فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا ﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى فأتياه فقالا له ما أخبر الله في كتابه، فقال لهما فرعون: ﴿ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴾ دليل على أنهما أتياه فقالا له) (١) ﴿ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴾ وجهان أحدهما: أن المعنى فمن ربك وربه يا موسى، فغلب الخطاب؛ لأن المخاطب كان موسى دون هارون.

[الثاني: أن كليهما مخاطب، ترك ذكر هارون] (٢) (٣) ﴿ قَالَ رَبُّنَا ﴾ ولم يقل: قالا ولو كان الخطاب لهما كان الجواب منهما.

(١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 358.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٣) "الكشف والبيان" 3/ 18 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 204.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى ﴾ أفرد موسى بالنداء بعد جمعه مع أخيه، لأنه الأصل في النبوة وأخوة تابع له.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.

﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.

الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.

الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون مشددة.

﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.

الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.

والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.

وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.

﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.

الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.

الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.

﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.

﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.

التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله  قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.

قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.

فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.

وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم  ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.

ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.

"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.

قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.

وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.

واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.

وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.

قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.

يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.

أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.

قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.

والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟

فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.

قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.

قال القاضي.

هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.

ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.

يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال  ﴿ وحرمنا عليه المراضع  ﴾ جاءت أخت موسى  واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه  ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك  ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.

وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له  ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال  ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.

عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.

ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.

قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله  وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.

قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.

والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.

وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.

وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.

وقال غيره من المعتزلة: إنه  إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.

ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.

أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.

﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم  ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.

وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.

وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.

والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.

وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.

وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.

وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.

ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟

والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.

ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ والقاتل واحد منهم.

ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: ألهم بذلك.

وقيل: سمع بخبره فتلقاه.

سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟

جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.

وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.

وكيف ذلك القول اللين؟

الأصح انه نحو قوله  ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى  ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.

وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.

فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.

وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.

بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.

ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.

قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.

وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.

قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.

ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.

وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟

وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.

قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.

وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.

ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.

قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.

وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.

ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.

وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.

وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟

وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.

قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.

والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.

قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.

وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا  كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.

وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى  بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.

فأراد أن يعجز عن الجواب.

قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!

وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.

وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض  ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا  ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون  ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.

وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين  ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.

وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين  ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.

وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله  غير حاصل للبشر.

وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.

فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.

ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.

وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما  ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً  ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.

ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.

من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى  ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.

وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.

ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.

واعلم أن عجائب حكمة الله  في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.

ثم إنه  جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.

وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.

وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.

والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.

ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.

قال أهل النظم: إن موسى  لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟

أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟

فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.

أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.

ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله  بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.

وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه  عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.

والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.

وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.

وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.

وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.

والتحقيق ما قاله القفال.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.

قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.

وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.

وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.

ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.

و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.

ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم  ﴾ ومن نعم الله  أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.

وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.

﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.

أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.

﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.

﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.

وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.

وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.

وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه  ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.

والحاصل أنه  عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.

وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.

ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.

ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله  : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.

ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.

قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.

ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.

سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه  ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.

الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.

قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.

وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.

ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.

وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.

وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.

ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.

وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.

ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.

وهو معنى قول مجاهد.

فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.

وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.

وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.

وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.

ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.

ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.

وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.

عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.

وقيل: أربعمائة.

وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله  أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.

حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم  ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.

وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.

﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.

وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.

وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.

وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.

والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.

قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.

وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.

وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.

وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.

وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.

وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.

والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.

من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم  ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.

وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.

ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.

﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.

واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.

﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

قال وهب: سحروا أعين موسى  حتى تخيل ذلك.

وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.

وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله  خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.

﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".

ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.

ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍.

وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.

وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.

ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.

قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.

قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.

قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله  ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.

وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.

والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.

والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله  ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.

ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.

وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.

وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.

وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.

قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.

أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر  ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين  ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  ﴾ إلى آخر السورة.

فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟

سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.

سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.

قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.

ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.

قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.

وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.

وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي ﴾ : هو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ ، أي: لا تضعفا في الدعاء إلى ديني وتوحيدي.

[و] في حرف عبد الله بن مسعود: (ولا تهينا في ذكرى) في البلاغ ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ أمرهما ألا يقصرا ولا يعجزا في تبليغ الرسالة إليه، والدعاء إلى دينه، حيث قال: ﴿ ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ ؛ أي: تربى بعيني، وسئل عن العين، فقال: العين: العلم هاهنا، والعين في غير هذا: المال، والعين: الأديم المتخرق، والعين: المصدر من عان يعين، فهو عائن، والمفعول به معيون: إذا أصابه بعين، والعين: الحقيقة، كقولك: هذا بعينه، أي: بحقيقته، قال: والعينة: السلف، ومثله قوله: ﴿ وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا  ﴾ .

﴿ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ أي: يضمه لا يضمنه.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، أي: وقت المجيء ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ ﴾ ، أي: أخلصتك ﴿ لِنَفْسِي ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ أي: لا تقصرا ولا تعجزا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ ؛ لأن القول اللّين يكون أقرّ وأثبت في القلوب، وأنجع، وأقرب إلى الإجابة والقبول من القول الخشن البارد، وخاصّة في الملوك والرّؤساء؛ إذ طباعهم لا تحتمل ذلك، ولا تنجع فيهم، بل أكثر صولتهم على من دونهم إنما يكون عند استقبالهم بالخلاف وبما يكرهون، فأمر - عز وجل - رسوله موسى وهارون أن يقولا له قولاً ليناً، ويلطفا معاملته؛ ليكون أقرب وأثبت في قلبه وأنجع؛ ولذلك قال: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ .

قال الحسن: كل (لعل) من الله فهو على الإيجاب؛ لأنه قد تذكر وخشي، حيث قال: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ...

﴾ الآية [الأعراف: 134]، وحيث قال: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ  ﴾ لكن لم ينفعه إيمانه في ذلك الوقت؛ لأنه إيمان دفع واضطرار.

وقال بعضهم: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ في علومكم، فإن كان على هذا فهو يحتمل الشك، وإن كان على الأوّل فهو على الإيجاب لا يحصل الشك.

ثم اختلف في القول اللّين: قال ابن عباس: هو قول الله: ﴿ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ  وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ  ﴾ [أي:] فتوحّد، قال: هذا القول اللّين.

وعن الحسن: ﴿ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ : قولا له: إن لك معاداً، إن لك مرجعاً.

وقال بعضهم: ﴿ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ : قول: لا إله إلا الله.

وقال بعضهم: أي: ليناً، ونحوه، وأصله ما ذكرنا بدءاً.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ ، قال أهل التأويل: قوله: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ﴾ ، أي: يعجل بالعقوبة من قبل أن يسمع حجتنا.

أو أن يطغى بقتلنا بعدما سمع الحجة منا.

وجائز أن يكون أحد هذين في الفعل، والآخر في القول: أن يفرط علينا أو أن يطغى أيهما كان؟

لأنه قال في الجواب لهما: ﴿ قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ ، أي: أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، فهذا يدل - والله أعلم - أن قوله: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ يرجع أحدهما إلى القول، والآخر إلى الفعل؛ لأنه قال في وقت: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخَافَآ ﴾ ، يحتمل على نفي الخوف، والأمن منه، كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ليس على النهي عن الحزن، فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَآ ﴾ : في النصر والمعونة لكم والذب عنكم والدفع، ﴿ أَسْمَعُ ﴾ ما يقول ﴿ وَأَرَىٰ ﴾ ما يفعل، وقد كان منه إليهما: النصر والمعونة لهما، والدفع عنهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ﴾ : يشبه أن يكون ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ هذا، أي: لا تضعفا في تبليغ الرسالة، ولكن قولا: ﴿ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ لا يحتمل أن يكون أوّل ما أتياه قالا: ﴿ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ [ولكن] قد سبق منهما الدعاء إلى توحيد الله والإفراد له بالألوهية والربوبية؛ فإذا ترك الإجابة، فعند ذلك قالا له: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ .

[و] هذا يحتمل وجهين: أحدهما: كأنه كان يمنع بني إسرائيل عن الإسلام، وهم أرادوا الإسلام، فقالا: أرسل معنا بني إسرائيل ولا تمنعهم عن الإسلام.

أو: كان يستعبدهم، فأمره أن يستنقذهم من يديه، كقوله: ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ ألا ترى أنّه قال: ﴿ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ﴾ وهو ما قال: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

هذا يدل على أنه لا يبدأ بالسلام على أهل الكفر، ولكن يبدأ بأهل الإسلام، وفيه أن تحية أهل الإسلام هو السلام، لا قول الناس: (أطال الله بقاءك)، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ كأنه قال: والسلام على من اتبع الهدى، والعذاب على من كذب وتولى.

والسلام هو اسم كل خير وبر.

وقال القتبي: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ﴾ أي: يعجل ويقدم، قالوا: الفرط: التقدم والسبق، وفي الخبر عن رسول الله  : "أنَا فَرَطكم على الحَوْض" ، وهو من السبق، وكذلك قال أبو عوسجة: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ﴾ أي: يعجل، يقال: فرط يفرط فرطاً: أي: عجل، وقال: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ أي: لا تقصرا ولا تعجزا في البلاغ، ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ ﴾ أي: استخلصتك لنفسي، فإذا لم يفهم من قوله: ﴿ لِنَفْسِي ﴾ : ذاته فكيف يفهم ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ ما لم يفهم من الخلق، ولا يتصور هذا وأمثاله إلا في وهم من اعتقد التشبيه ولم يعرف ربّه، وإلاّ لو عرف ربّه حق معرفته، لكان لا يتصور في وهمه تشبيه الخلق به، ولا تشبيهه بخلقه،  وتعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ الآية [الشعراء: 23-24]، ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ  ﴾ ، سأله عن ماهيته، فأجابه موسى عن آثار صنعه في خلقه، وأنه ربّ كل شيء، وربّ ما ذكر، لم يجبه عما سأله من ماهيته وكيفيته، حيث قال: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ ﴾ ، فجوابه عن الماهية: ربنا فلان، وأنه كذا، ففيه دلالة أن الله لا يعرف من جهة الماهية والكيفية؛ أذ لا ماهية ولا كيفيّة؛ إذ هما أوصاف الخلق، فالله  يتعالى عن أن يوصف بشيء من صفات الخلق.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ وجوهاً: أحدها: أعطى كل شيء يكون، صورة ما قد كان معاشه وقوامه؛ ليعلم أنه قادر على بعثهم على الصّورة التي كانت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ فهو على قوله: أعطى كل شيء ثم هدى، فإن كان التأويل: أعطى كل شيء صورته وهيئته، فقوله: ﴿ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ للنجاة، وإن كان أعطى جنسه وشكله ثم هداه للنسل، وإن كان قوله: ﴿ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ ﴾ ما به معاشهم وقوامهم، ثم هداه لما يتعيشون به، ويقومون به، وهداه لما يصلح لهم وما لا يصلح لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ﴾ .

قال بعضهم: إنما سأل فرعون موسى عن القرون الأولى؛ لأنه سمع من ذلك الرجل المؤمن حين قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ  ﴾ ولم يكن لموسى بهم علم، فوكل علمهم إلى الله، ثم أنزل الله عليه التوراة، فبيّن له فيها أمرهم.

وقال بعضهم: سأل فرعون موسى ذلك؛ لأن موسى أخبر أنه يبعث، وخوفه على ذلك، فعند ذلك قال: ﴿ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ ﴾ لم يبعثوا منذ أهلكوا؟

فقال له ما قال.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ ﴾ إنمّا سأله عن حال القرون الأولى أهم في الجنة أو في النار، فقال: ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾ .

وقال بعضهم: إنما سأله عن أعمالهم: فما أعمال القرون الأولى؟

فقال: ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾ أي: أعمالهم عند ربي في كتاب مرقوم، وقوله: ﴿ سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ  ﴾ وقوله: ﴿ فِي كِتَابٍ ﴾ قال بعضهم: الكتاب الذي أثبتت فيه أعمالهم، وقال بعضهم: في اللوح المحفوظ، ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى ﴾ قال: هما واحد: لا يضل ولا ينسى ذلك الكتاب، وقرئ: (يُضِلُّ) ولا يُضِلُّ من ختم بالهدى، و ﴿ لاَّ يَضِلُّ ﴾ أي: لا يَضِلُّ ذلك الكتاب الذي ذكر، ليس أنه يرجع إلى قوله: ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ﴾ هو على قوله: ﴿ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ ، ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ﴾ أي: فراشاً، والذي ﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ﴾ يذكر نعمه التي أنعمها عليهم؛ يقول: جعل لكم الأرض بحيث تفترشون، وتعيشون فيها، وتقرون عليها بعدما كانت تميد بكم، ﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾ أي: طرقاً تسلكون فيها، وتختلفون إلى البلدان النائية في حوائجكم وما به معاشكم وقوامكم ما لولا ذلك ما قام معاشكم، ولا قضيت حوائجكم ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾ أي: الماء ﴿ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ ﴾ : ما به معاشكم وقوامكم وقوام أنعامكم، على اختلاف ما جعل لكل دابة من ذلك قوتاً وغذاء، ولم يجعل ذلك لغيرها؛ لأن من الدواب ما يأكل النبات؛ ومنها ما يأكل الحب، ومنها ما يأكل اللحم، ونحوه.

﴿ كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ﴾ ، أي: كلوا أنتم وارعوا أنعامكم فيما به قوامها.

﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ﴾ أي: لأولي العقول.

وقال الحسن: إن في ذلك لآيات للذين يتناهون عما نهوا عنه.

وقال بعضهم: لآيات لأولي الورع، وأولي النهى: هم أهل العقول؛ لأنه بالعقل ينهى، وبه ينتهي، وبه يؤمر ويؤتمر، فذلك آيات لهم، وكذلك قال القتبي: لأولي النهي: أولي العقول، وقال: النهية: العقل.

وقال بعضهم: ﴿ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ ﴾ ، أي: ما حالها؟

يقال: أصلح الله بالك، أي: حالك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ وجوهاً: أحدها: منها خلقنا أصلكم، وهو خلق آدم، لكنه أضاف خلقنا إليها وإن لم نخلق منها كما أضاف الإنسان إلى النطفة وإن لم يكن الإنسان منها، لكنه أضاف إليها؛ لأنها أصل الإنسان؛ فعلى ذلك إضافة خلق أنفسنا إلى الأرض.

والثاني: نسب إليها؛ لأنا من أول ما ننشأ إلى آخر ما ننتهي إليه يكون قوامنا ومعاشنا من الخارج من الأرض؛ فنسب خلقنا إليه، وهو ما قال: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً  ﴾ واللّباس على هيئته ما هو لم ينزل من السماء، لكنّه أضافه إليها؛ لأنه كان بأسباب من السماء وأصله منها.

وقال بعضهم: ذكر أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب ذلك المكان الذي يدفن فيه الإنسان فيذره على النطفة التي قضى الله منها الولد؛ فيخلق من التراب والنطفة، فذلك معنى الإضافة إليهما، لكن هذا سمعيّ لا يعرف إلا بالخبر، فإن ثبت فهو هو، وإلاّ لا يجوز أن يقال ذلك رأياً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ إذا متم، أي: تقبرون فيها، فيخرج مخرج الامتنان علينا، وذلك لنا خاصّة دون غيرنا من الحيوان، لئلا نتأذى بهم، كقوله: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ  ﴾ أو أن يكون قوله: ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ ، أي: تصيرون تراباً إذا متم، فيخبر عن قدرته وسلطانه، أي: من قدر على أن صيّر الإنسان تراباً، بعد أن لم يكن تراباً لقادر على أن يصيره إنساناً على ما كان بعدما صار تراباً، وهو ما قال: ﴿ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ﴾ أي: منها نبعثكم وننشئكم مرة أخرى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال فرعون منكرًا لما جاءا به: فمن ربكما الذي زعمتما أنه أرسلكما إلي يا موسى؟

<div class="verse-tafsir" id="91.4yMkx"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد