الآية ٧٢ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٧٢ من سورة طه

قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٢ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ) أي : لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين .

( والذي فطرنا ) يحتمل أن يكون قسما ، ويحتمل أن يكون معطوفا على البينات .

يعنون : لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم ، المبتدئ خلقنا من الطين ، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت .

( فاقض ما أنت قاض ) أي : فافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك ، ( إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) أي : إنما لك تسلط في هذه الدار ، وهي دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: وقال فرعون للسحرة: أصدقتم وأقررتم لموسى بما دعاكم إليه من قبل أن أطلق ذلك لكم ( إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ) يقول: إن موسى لعظيمكم ( الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ).

كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: لما قالت السحرة ( آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ) قال لهم فرعون، وأسف ورأى الغلبة والبينة: ( آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) : أي لعظيم السحار الذي علمكم.

وقوله: ( فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ) يقول: فلأقطعن أيديكم وأرجلكم مخالفا بين قطع ذلك، وذلك أن يقطع يمنى اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين، ويمنى الرجلين، فيكون ذلك قطعا من خلاف، وكان فيما ذُكر أوّل من فعل ذلك فرعون، وقد ذكرنا الرواية بذلك.

وقوله ( وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) يقول: ولأصلبنكم على جذوع النخل، كما قال الشاعر: هُـمْ صَلَبُـوا العَبْـدِيّ فِـي جِذعِ نَخْلَةٍ فَــلا عَطَسَـتْ شَـيْبان إلا بأجْدَعـا (2) يعني على، جذع نخلة، وإنما قيل: في جذوع، لأن المصلوب على الخشبة يرفع في طولها، ثم يصير عليها، فيقال: صلب عليها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) لما رأى السحرة ما جاء به عرفوا أنه من الله فخروا سجدا، وآمنوا عند ذلك، قال عدو الله ( فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ )...

الآية.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال فرعون: ( فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) فقتلهم وقطعهم، كما قال عبد الله بن عباس حين قالوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وقال: كانوا في أوّل النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء.

وقوله ( وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ) يقول: ولتعلمنَّ أيها السحرة أينا أشدّ عذابا لكم، وأدوم، أنا أو موسى.

--------------- الهوامش: (2) البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري ( اللسان : عبد ) قال : قال سيبويه : النسبة إلى عبد القيس عبدي ، وهو من القسم الذي أضيف فيه الأول ، لأنهم لو قالوا : قيسي ، لالتبس بالمضاف إلى قيس عيلان ونحوه ، قال سويد بن أبي كاهل : " وهو صلبوا .

.

.

البيت " .

قال ابن بري : قوله بأجدعا ، أي بأنف أجدع ، فحذف الموصوف ، وأقام صفته مكانه .

واستشهد المؤلف بقوله : صلبوا العبدي في جذع نخلة أي على جذع نخلة ، كقول القرآن : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ .

وإنما ذلك على الاستعارة التبعية في الحرف ( في ) بتشبيه الاستعلاء بالظرفية ، بجامع التمكن في كل منهما

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا يعني السحرة لن نؤثرك أي لن نختارك على ما جاءنا من البينات قال ابن عباس : يريد من اليقين والعلم .

وقال عكرمة وغيره : لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة ؛ فلهذا قالوا لن نؤثرك .

وكانت امرأة فرعون تسأل من غلب ، فقيل لها : غلب موسى وهارون ؛ فقالت : آمنت برب موسى وهارون .

فأرسل إليها فرعون فقال : انظروا أعظم صخرة فإن مضت على قولها فألقوها عليها ؛ فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت منزلها في الجنة ، فمضت على قولها فانتزع روحها ، وألقيت الصخرة على جسدها وليس في جسدها روح .

وقيل : قال مقدم السحرة لمن يثق به لما رأى من عصا موسى ما رأى : انظر إلى هذه الحية هل تخوفت فتكون جنيا أو لم تتخوف فهي من صنعة الصانع الذي لا يعزب عليه مصنوع ؛ فقال : ما تخوفت ؛ فقال : آمنت برب هارون وموسى .والذي فطرنا قيل : هو معطوف على ما جاءنا من البينات أي لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ولا على الذي فطرنا أي خلقنا .

وقيل : هو قسم أي والله لن نؤثرك .

فاقض ما أنت قاض التقدير ما أنت قاضيه .

وليست ما هاهنا التي تكون مع الفعل بمنزلة المصدر ؛ لأن تلك توصل بالأفعال ، وهذه موصولة بابتداء وخبر .

قال ابن عباس : فاصنع ما أنت صانع .

وقيل : فاحكم ما أنت حاكم ؛ أي من القطع والصلب .

وحذفت الياء من قاض في الوصل لسكونها وسكون التنوين .

واختار سيبويه إثباتها في الوقف لأنه قد زالت علة الساكنين .

إنما تقضي هذه الحياة الدنيا أي إنما ينفذ أمرك فيها .

وهي منصوبة على الظرف ، والمعنى : إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا .

أو وقت هذه الحياة الدنيا ، فتقدر حذف المفعول .

ويجوز أن يكون التقدير : إنما تقضي أمور هذه الحياة الدنيا ، فتنتصب انتصاب المفعول وما كافة لإن .

وأجاز الفراء الرفع على أن تجعل ما بمعنى الذي وتحذف الهاء من تقضي ورفعت هذه الحياة الدنيا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا لما عرف السحرة الحق، ورزقهم الله من العقل ما يدركون به الحقائق، أجابوه بقولهم: { لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } أي: لن نختارك وما وعدتنا به من الأجر والتقريب، على ما أرانا الله من الآيات البينات الدالات على أن الله هو الرب المعبود وحده، المعظم المبجل وحده، وأن ما سواه باطل، ونؤثرك على الذي فطرنا وخلقنا، هذا لا يكون { فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } مما أوعدتنا به من القطع، والصلب، والعذاب.

{ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: إنما توعدنا به غاية ما يكون في هذه الحياة الدنيا، ينقضي ويزول ولا يضرنا، بخلاف عذاب الله، لمن استمر على كفره، فإنه دائم عظيم.

وهذا كأنه جواب منهم لقوله: { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } وفي هذا الكلام، من السحرة، دليل على أنه ينبغي للعاقل، أن يوازن بين لذات الدنيا، ولذات الآخرة، وبين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا ) يعني السحرة : ( لن نؤثرك ) لن نختارك ، ( على ما جاءنا من البينات ) يعني الدلالات ، قال مقاتل : يعني اليد البيضاء والعصا .

وقيل : كان استدلالهم أنهم قالوا لو كان هذا سحرا فأين حبالنا وعصينا .

وقيل : ( من البينات ) يعني من التبيين والعلم .

حكي عن القاسم بن أبي بزة أنه قال : إنهم لما ألقوا سجدا ما رفعوا رءوسهم حتى رأوا الجنة والنار ، ورأوا ثواب أهلها ، ورأوا منازلهم في الجنة ، فعند ذلك قالوا : لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ، ( والذي فطرنا ) أي : لن نؤثرك على الله الذي فطرنا ، وقيل : هو قسم ، ( فاقض ما أنت قاض ) أي : فاصنع ما أنت صانع ، ( إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) أي : أمرك وسلطانك في الدنيا وسيزول عن قريب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا لن نؤثرك» نختارك «على ما جاءنا من البيانات» الدالة على صدق موسى «والذي فطرنا» خلفنا قسم أو عطف على ما «فاقض ما أنت قاض» أي اصنع ما قتله «إنما تقضي هذه الحياة الدنيا» النصب على الاتساع أي فيها وتجزى عليه في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال السحرة لفرعون: لن نفضلك، فنطيعك، ونتبع دينك، على ما جاءنا به موسى من البينات الدالة على صدقه ووجوب متابعته وطاعة ربه، ولن نُفَضِّل ربوبيتك المزعومة على ربوبية اللهِ الذي خلقنا، فافعل ما أنت فاعل بنا، إنما سلطانك في هذه الحياة الدنيا، وما تفعله بنا، ما هو إلا عذاب منتهٍ بانتهائها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - أن السحرة بعد أن استقر الإيمان فى قلوبهم ، قد قابلوا تهديد فرعون لهم بالاستخفاف وعدم الاكتراث فقال : ( قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات والذي فَطَرَنَا فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ .

.

.

) .أى : قال السحرة فى ردهم على تهديد فرعون لهم : لن نختارك يا فرعون ولن نرضى بأن نكون من حزبك ، ولن نقدم سلامتنا من عذابك .

.

.

على ما ظهر لنا من المعجزات التى جاءنا بها موسى ، والتى على رأسها عصاه التى ألقاها فإذا هى تبتلع حبالنا وعصينا .وجملة " والذى فطرنا " الواو فيها للعطف على " ما " فى قوله ( مَا جَآءَنَا ) .أى : لن نختارك يا فرعون على الذى جاءنا من البينات على يد موسى ، ولا على الذى فطرنا أى؛ خلقنا وأوجدنا فى هذه الحياة .ويصح أن تكون هذه الواو للقسم ، والموصول مقسم به ، وجواب القسم محذوف دل عليه ما قبله ، والمعنى : وحق الذى فطرنما لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات .وقوله : ( فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ ) تصريح منهم بأن تهديده لهم لا وزن له عندهم ، ورد منهم على قوله : ( لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ) .أى : لن نقدم طاعتك على طاعة خالقنا بعد أن ظهر لنا الحق ، فافعل ما أنت فاعله ، ونفذ ما تريد تنفيذه فى جوارحنا ، فهى وحدها التى تملكها ، أما قلوبنا فقد استقر الإيمان فيها ، ولا تملك شيئا من صرفها عما آمنت به .قال بعض العلماء : واعلم أن العلماء اختلفوا : هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به ، أو لم يفعله بهم؟فقال قوم : قتلهم وصلبهم ، وقوم أنكروا ذلك ، وأظهرهما عندى : أنه لم يقتلهم ، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله - تعالى - لأن الله قال لموسى وهارون : ( أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى تهديد فرعون لأولئك حكى جوابهم عن ذلك بما يدل على حصول اليقين التام والبصيرة الكاملة لهم في أصول الدين، فقالوا: ﴿ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَاءنَا مِنَ البينات ﴾ وذلك يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم ما أوعدهم فقالوا: ﴿ لَن نُّؤْثِرَكَ ﴾ جواباً لما قاله وبينوا العلة وهي أن الذي جاءهم بينات وأدلة، والذي يذكره فرعون محض الدنيا، ومنافع الدنيا ومضارها لا تعارض منافع الآخرة ومضارها، أما قوله: ﴿ والذي فَطَرَنَا ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن التقدير لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا أي وعلى طاعة الذي فطرنا وعلى عبادته.

الوجه الثاني: يجوز أن يكون خفضاً على القسم.

واعلم أنهم لما علموا أنهم متى أصروا على الإيمان فعل فرعون ما أوعدهم به فقالوا: ﴿ فاقض مَا أَنتَ قَاضٍ ﴾ لا على معنى أنهم أمروه بذلك لكن أظهروا أن ذلك الوعيد لا يزيلهم ألبتة عن إيمانهم وعما عرفوه من الحق علماً وعملاً، ثم بينوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك فقالوا: ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ وقرئ: (نقضي هذه الحياة الدنيا) ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف فاتسع في الظرف باجرائه مجرى المفعول به كقولك: في صمت يوم الجمعة صيم والمعنى أن قضاءك وحكمك إنما يكون في هذه الحياة الدنيا وهي كيف كانت فانية وإنما مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني المتوصل به إلى السعادة الباقية ثم قالوا: ﴿ إِنَّا آمَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خطايانا ﴾ ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر، قالوا: ﴿ وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر ﴾ وذكروا في ذلك الإكراه وجوهاً: أحدها: أن الملوك في ذلك الزمان كانوا يأخذون البعض من رعيتهم ويكلفونهم تعلم السحر فإذا شاخ بعثوا إليه أحداثاً ليعلمهم ليكون في كل وقت من يحسنه فقالوا هذا القول لأجل ذلك أي كنا في التعلم أولاً والتعليم ثانياً مكرهين قاله ابن عباس.

وثانيها: أن رؤساء السحرة كانوا اثنين وسبعين، إثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل فقالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً فرأوه فوجدوه تحرسه عصاه فقالوا: ما هذا بساحر، الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه.

وثالثها: قال الحسن: إن السحرة حشروا من المدائن ليعارضوا موسى عليه السلام فأحضروا بالحشر وكانوا مكرهين في الحضور وربما كانوا مكرهين أيضاً في إظهار السحر.

ورابعها: قال عمرو بن عبيد: دعوة السلطان إكراه وهذا ضعيف لأن دعوة السلطان إذا لم يكن معها خوف لم تكن إكراهاً، ثم قالوا: ﴿ والله خَيْرُ ﴾ ثواباً لمن أطاعه.

﴿ وأبقى ﴾ عقاباً لمن عصاه، وهذا جواب لقوله: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى  ﴾ .

قال الحسن: سبحان الله القوم كفار وهم أشد الكافرين كفراً ثبت في قلوبهم الإيمان في طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا: ﴿ فاقض مَا أَنتَ قَاضٍ ﴾ في ذات الله تعالى والله إن أحدكم اليوم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم إنه يبيع دينه بثمن حقير، ثم ختموا هذا الكلام بشرح أحوال المؤمنين وأحوال المجرمين في عرصة القيامة، فقالوا في المجرمين: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الهاء في قوله: ﴿ إِنَّهُ ﴾ ضمير الشأن يعني أن الأمر والشأن كذا وكذا.

المسألة الثانية: استدلت المعتزلة بهذه الآية في القطع على وعيد أصحاب الكبائر قالوا: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم لقوله: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ﴾ وكلمة من في معرض الشرط تفيد العموم بدليل أنه يجوز استثناء كل واحد منها والإستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، واعترض بعض المتكلمين من أصحابنا على هذا الكلام، فقال: لا نسلم أن صاحب الكبيرة مجرم والدليل عليه أنه تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فإنه قال في هذه الآية: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ  ﴾ وأيضاً فإنه قال: ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى ﴾ والمؤمن صاحب الكبيرة وإن عذب بالنار لا يكون بهذا الوصف، وفي الخبر الصحيح: يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان واعلم أن هذه الاعتراضات ضعيفة، أما قوله: إن الله تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فهذا مسلم لكن هذا إنما ينفع لو ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، ومذهب المعتزلة أنه ليس بمؤمن فهذا المعترض كأنه بنى هذا الاعتراض على مذهب نفسه وذلك ساقط، قوله ثانياً: إنه لا يليق بصاحب الكبيرة أن يقال في حقه: إن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، قلنا: لا نسلم فإن عذاب جهنم في غاية الشدة قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ وأما الحديث فيقال: القرآن متواتر فلا يعارضه خبر الواحد.

ويمكن أن يقال: ثبت في أصول الفقه أنه يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد وللخصم أن يجيب فيقول ذلك يفيد الظن فيجوز الرجوع إليه في العمليات، وهذه المسألة ليست من العمليات بل من الاعتقادات، فلا يجوز المصير إليها هاهنا.

فإن اعترض إنسان آخر، وقال: أجمعنا على أن هذه الآية مشروطة بنفي التوبة وبأن لا يكون عقابه محبطاً بثواب طاعته والقدر المشترك بين الصورتين هو أن لا يوجد ما يحبط ذلك العقاب ولكن عندنا العفو محبط للعقاب، وعندنا أن المجرم الذي لا يوجد في حقه العفو لابد وأن يدخل جهنم، واعلم أن هذا الاعتراض أيضاً ضعيف أما شرط نفي التوبة فلا حاجة إليه لأنه قال: ﴿ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ﴾ أي حال كونه مجرماً والتائب لا يصدق عليه أنه أتى ربه حال كونه مجرماً.

وأما صاحب الصغيرة فلأنه لا يسمى مجرماً لأن المجرم اسم للذم فلا يجوز إطلاقه على صاحب الصغيرة، بل الاعتراض الصحيح أن نقول: عموم هذا الوعيد معارض بما جاء بعده من عموم الوعد وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدرجات العلى ﴾ وكلامنا فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم أتى بعد ذلك ببعض الكبائر.

فإن قيل: عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة، قلنا: لم لا يجوز أن يقال: ثواب الإيمان يدفع عقاب المعصية فإن قالوا: لو كان كذلك لوجب أن لا يجوز لعنه وإقامة الحد عليه.

قلنا: أما اللعن الغير جائز عندنا، وأما إقامة الحد عليه فقد تكون على سبيل المحنة كما في حق التائب وقد تكون على سبيل التنكيل.

قالت المعتزلة قوله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نكالا مّنَ الله  ﴾ فالله تعالى نص على أنه يجب عليه إقامة الحد على سبيل التنكيل، وكل من كان كذلك استحال أن يكون مستحقاً للمدح والتعظيم، وإذا لم يبق ذلك لم يبق الثواب كما قلنا.

فدلنا ذلك على أن عقاب الكبيرة أولى بإزالة ثواب الطاعة المتقدمة من الطاعات بدفع عقاب الكبيرة الطارئة.

هذا منتهى كلامهم في مسألة الوعيد قلنا حاصل الكلام يرجع إلى أن النص الدال على إقامة الحد عليه على سبيل التنكيل صار معارضاً للنصوص الدالة على كونه مستحقاً للثواب، فلم كان ترجيح أحدهما على الآخر أولى من العكس وذلك لأن المؤمن كان ينقسم إلى السارق وغير السارق، فالسارق ينقسم إلى المؤمن وإلى غير المؤمن فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر في العموم والخصوص فإذا تعارضا تساقطا.

ثم نقول: لا نسلم أن كلمة من في إفادة العموم قطعية بل ظنية ومسألتنا قطعية فلا يجوز التعويل على ما ذكرته، وتمام الكلام فيه مذكور في كتاب المحصول في الأصول.

المسألة الثالثة: تمسكت المجسمة بقوله: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ﴾ فقالوا: الجسم إنما يأتي ربه لو كان الرب في المكان.

وجوابه: أن الله تعالى جعل إتيانهم موضع الوعد إتياناً إلى الله مجازاً كقول إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّي سَيَهْدِينِ  ﴾ .

المسألة الرابعة: الجسم الحي لابد وأن يبقى إما حياً أو يصير ميتاً فخلوه عن الوصفين محال، فمعناه في الآية أنه يكون في جهنم بأسوء حال لا يموت موتة مريحة ولا يحيا حياة ممتعة.

ثم ذكر حال المؤمنين فقال: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدرجات العلى ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ قَدْ عَمِلَ الصالحات ﴾ يقتضي أن يكون آتياً بكل الصالحات.

وذلك بالإتفاق غير معتبر ولا ممكن فينبغي أن يحمل ذلك على أداء الواجبات، ثم ذكر أن من أتى بالإيمان والأعمال الصالحات كانت له الدرجات العلى، ثم فسرها فقال: ﴿ جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وفي الآية تنبيه على حصول العفو لأصحاب الكبائر لأنه تعالى جعل الدرجات العلى من الجنة لمن أتى ربه بالإيمان والأعمال الصالحة فسائر الدرجات التي هي غير عالية لابد وأن تكون لغيرهم.

ما هم إلا العصاة من أهل الإيمان، أما قوله: ﴿ وذلك جَزَاء مَن تزكى ﴾ فقال ابن عباس: يريد من قال لا إله إلا الله، وأقول لما دلت هذه الآية على أن الدرجات العالية هي جزاء من تزكى أي تطهر عن الذنوب وجب بحكم ذلك الخطاب أن الدرجات التي لا تكون عالية أن لا تكون جزاء من تزكى فهي لغيرهم ممن يكون قد أتى بالمعاصي وعفا الله بفضله ورحمته عنهم، واعلم أنه ليس في القرآن أن فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما أوعدهم به ولكن ثبت ذلك في الأخبار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذى فَطَرَنَا ﴾ عطف على ما جاءنا أو قسم.

قرئ ﴿ تَقْضِى هذه الحياوة الدنيآ ﴾ ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، كقولك في (صمت يوم الجمعة): (صيم يوم الجمعة) وروي: أن السحرة- يعني رؤوسهم- كانوا اثنين وسبعين: الاثنان من القبط، والسائر من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلّم السحر.

وروي: أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر؛ لأن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه ﴿ تزكى ﴾ تطهر من أدناس الذنوب.

وعن ابن عباس: قال لا إله إلا الله.

قيل في هذه الآيات الثلاث: هي حكاية قولهم.

وقيل: خبر من الله لا على وجه الحكاية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ ﴾ لَنْ نَخْتارَكَ.

﴿ عَلى ما جاءَنا ﴾ مُوسى بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِيهِ لِما.

﴿ مِنَ البَيِّناتِ ﴾ المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ.

﴿ والَّذِي فَطَرَنا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ ما جاءَنا ﴾ أوْ قَسَمٌ.

﴿ فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ ﴾ ما أنْتَ قاضِيهِ أيْ صانِعُهُ أوْ حاكِمٌ بِهِ.

﴿ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ إنَّما تَصْنَعُ ما تَهْواهُ، أوْ تَحْكُمُ بِما تَراهُ في هَذِهِ الدُّنْيا ﴿ والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ فَهو كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ.

وقُرِئَ «تُقْضى هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا» كَقَوْلِكَ: صِيمَ يَوْمُ الجُمُعَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)

{قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ} لن نختارك {على مَا جَاءنَا مِنَ البينات} القاطعة الدالة على صدق موسى {والذى فَطَرَنَا} عطف على مَا جَاءنَا أي لن نختارك على الذي جاءنا ولا على الذي خلقنا أو قسم وجوابه لَن يؤثر مقدم على القسم {فاقض مَا أَنتَ قَاضٍ} فاصنع ما أنت صانع من القتل والطلب قال

طه (٧٧ - ٧٢)

وعليهما مسرودتان قضاهما

أي صنعهما أو احكم ما أنت حاكم {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي في هذه الحياة الدنيا فانتصب على الظروف أي إنما تحكم فينا مدة حياتنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا ﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِوَعِيدِهِ ﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ ﴾ لَنْ نَخْتارَكَ بِالإيمانِ والِانْقِيادِ ﴿ عَلى ما جاءَنا ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ مِنَ البَيِّناتِ ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ العَصا.

وإنَّما جَعَلُوا المَجِيءَ إلَيْهِمْ وإنَّ عَمَّ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ والعارِفُونَ بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ مِن غَيْرِ تَقْلِيدٍ.

وما مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في جاءَ.

وقِيلَ العائِدُ مَحْذُوفٌ وضَمِيرُ ﴿ جاءَنا ﴾ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ عَلى الَّذِينَ جاءَنا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ بُعْدٌ.

وإنْ كانَ صَنِيعُ بَعْضِهِمُ اخْتِيارَهُ مَعَ أنَّ في صِحَّةِ حَذْفِ مِثْلِ هَذا المَجْرُورِ كَلامًا.

﴿ والَّذِي فَطَرَنا ﴾ أيْ: أبْدَعَنا وأوْجَدَنا وسائِرَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ.

وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ ما جاءَنا ﴾ وتَأْخِيرُهُ لِأنَّ ما في ضِمْنِهِ آيَةٌ عَقْلِيَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وما شاهَدُوهُ آيَةٌ حِسِّيَّةٌ ظاهِرَةٌ.

وإيرادُهُ تَعالى بِعُنْوانِ الفاطِرِيَّةِ لَهم لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ إبْداعَهُ تَعالى لَهُمْ، وكَوْنَ فِرْعَوْنَ مِن جُمْلَةِ مُبْدِعاتِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ إيثارِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ.

وفِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْعَيْنِ في دَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ.

وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أيْ وحَقُّ الَّذِي فَطَرَنا لَنْ نُؤْثِرَكَ إلَخْ.

ولا مَساغَ لِكَوْنِ المَذْكُورِ جَوابًا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ الجَوابِ أيْضًا لِما أنَّ القَسَمَ لِإيجابٍ كَما قالَ أبُو حَيّانَ: بِلَنْ إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ.

وقَوْلُهم: هَذا جَوابٌ لِتَوْبِيخِ اللَّعِينِ بِقَوْلِهِ: آمَنتُمْ إلَخْ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ ﴾ جَوابٌ عَنْ تَهْدِيدِهِ بِقَوْلِهِ: لَأُقَطِّعَنَّ إلَخْ أيْ فاصْنَعْ ما أنْتَ بِصَدَدِ صُنْعِهِ أوْ فاحْكم بِما أنْتَ بِصَدَدِ الحُكْمِ بِهِ فالقَضاءُ إمّا بِمَعْنى الإيجادِ الإبْداعِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ وإمّا بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ حَقِيقَتَهُ، وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النُّحاةِ مِن جَوازِ وصْلِ المَصْدَرِيَّةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ومَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُهم، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ مَعَ ما بَعْدَهُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ المُسْتَفادِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالقَضاءِ، وما كافَّةٌ و ﴿ هَذِهِ الحَياةَ ﴾ مَنصُوبٌ مَحَلًّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِـ ﴿ تَقْضِي ﴾ والقَضاءُ عَلى ما مَرَّ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّما تَصْنَعُ ما تَهْواهُ أوْ تَحْكُمُ بِما تَراهُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا فَحَسْبُ، وما لَنا مِن رَغْبَةٍ في عَذْبِها ولا رَهْبَةٍ مِن عَذابِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَهي وما في حَيِّزِها في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها ﴿ هَذِهِ الحَياةَ ﴾ أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ، وجُوِّزَ أنْ يَنْزِلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا حَذْفَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( إنَّما تُقْضى ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ( هَذِهِ الحَياةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَجَعَلَ مَفْعُولًا بِهِ ثُمَّ بَنى الفِعْلَ لَهُ نَحْوَ صِيمَ يَوْمُ الخَمِيسِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ، أي: لن نختار عبادتك وطاعتك ولن نتبع دينك عَلى مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ، يعني: على دين الله بعد ما جاءنا من العلامات وَالَّذِي فَطَرَنا، يعني: ولا عبادتك على عبادة الذي خلقنا، ويقال: هو على معنى القسم، أي: لن نختارك ودينك والذي فَطَرَنَا، فَاقْضِ مَآ أَنْتَ قاضٍ يقول اصنع ما أنت صانع، فاحكم فينا من القطع والصلب ما شئت، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا، يقول: لست بحاكم علينا ولا تملكنا إلا في الدنيا ما دام الروح فينا.

قوله تعالى: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا، يعني: ما عملنا في حال الشرك، وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ يعني: ليغفر لنا ما أجبرتنا عليه من السحر.

ويروى أن فرعون أكرههم على تعلم السحر وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى، يعني: الله خير لنا منك وأدوم، وثواب الله عز وجل خير من عطائك وأبقى مما وعدتنا به من التعذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقرأ أبو عمرو وَحْدَهُ «فاجمعوا» من جمع، أي: ضموا سِحْركم بعضه إلى بعض.

وقوله صَفًّا أي: مصطفين، وتداعوا إلى هذا لأنه أهْيب، وأظهر لهم، وأَفْلَحَ معناه: ظفر بِبُغْيَته، وباقي الآية بيّن مما تقدم.

قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣)

وقوله: فَأَوْجَسَ عبارة عما يعتري نفسَ الإنسان إذا وقع ظنّه في أمر على شَيْء يسوؤه، وعبّر المفسرون عن أوْجَس بأضْمر وهذه العبارة أعمُّ من الوجيس بكثير.

إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى أي الغالب، وروي في قصص هذه الآية: أن فِرْعون (لعنه اللَّه) جلس في عِلّية له طولها ثمانون ذراعاً، والناس تحته في بسيطٍ، وجاء سَبْعُون ألف ساحرٍ، فألْقوا مِنْ حبالهم وعِصِيّهم ما فيه وَقْرُ ثَلاَثِ مائة بعيرٍ، فهال الأمر، ثم إن موسى عليه السلام ألقى عَصَاهُ من يده، فاستحالت ثُعْباناً، وجعلت تَنْمُو حتى روي أنها عبرت النهر بذَنَبِها، وقيل: البحر، وفرعونُ في هذا كلِّه يضحكُ ويرى أن الاسْتواءَ حاصلٌ، ثم أَقبلتْ تأكل الحِبَال والعصِيّ حتى أفْنتها، ثم فَغَرتْ فَاهَا نحو فرعون ففزع عند ذلك واستغاث بموسى، فمد مُوسَى يده إليها، فرجعت عصاً كما كانت، فنظر السحرةُ، وعلموا الحقَّ، ورَأَوْا عدم الحبال والعصِيّ فأَيقَنُوا أَنّ الأمر من الله عز وجل فآمنوا رضي اللَّه عنهم.

وقوله سبحانه: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ.

قال ص: «في» على بابها، وقِيلَ: بمعنى على.

ت: والأول أصْوب.

وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا قوله: أَيُّنَا يريد نَفْسَهُ، وربَّ موسى عليه السلام.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ ألْقُوا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ " بَلْ " لِمَعْنًى جُحِدَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى إذا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى: إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ لا تُلْقِيَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِصِيُّهُمْ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( وعُصِيُّهم ) بِرَفْعِ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إلَيْهِ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُخَيَّلُ ) بِالتّاءِ.

﴿ إلَيْهِ ﴾ ؛ أيْ: إلى مُوسى.

يُقالُ: خُيِّلَ إلَيْهِ: إذا شُبِّهَ لَهُ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: إنَّما خُيِّلَ إلى مُوسى، فالجَوابُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ما رَآهُ مُوسى تَخْيِيلًا ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، فَإنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الزِّئْبَقَ في سُلُوخِ الحَيّاتِ حَتّى جَرَتْ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَيّاتٍ.

فَأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ يُؤَثِّرُ، وهو أنْواعٌ.

وقَدْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى أثَّرَ فِيهِ، وَلَعَنَ العاضِهَةَ، وهي السّاحِرَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خَوْفًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: ( خُوِفَةٌ )، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.

وَفِي خُوِفَةٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَوَّفُ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى سِحْرَهم مِن جِنْسِ ما أراهم في العَصا، خافَ أنْ يَلْتَبِسَ عَلى النّاسِ أمْرُهُ ولا يُؤْمِنُوا، فَقِيلَ لَهُ: ﴿ لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى ﴾ عَلَيْهِمْ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وهَذا أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقِ ما في يَمِينِكَ ﴾ يَعْنِي: العَصا، ﴿ تَلْقَفْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَلَقَّفُ ما ) بِرَفْعِ الفاءِ وتَشْدِيدِ القافِ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَلْقَفْ ) خَفِيفَةً.

وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يُشَدِّدُ التّاءَ مِن ( تَلْقَفْ )، يُرِيدُ: تَتَلَقَّفْ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( تَلْقَمْ ) بِالمِيمِ.

وقَدْ شَرَحْناها في ( الأعْرافِ: ١١٧ ) .

﴿ إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( كَيْدُ السِّحْرِ ) .

وقَرَأ الباقُونَ: ( كَيْدُ ساحِرٍ ) بِألِفٍ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ؛ أيْ: عَمَلُ ساحِرٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ) بِنَصْبِ الدّالِ.

﴿ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْعَدُ حَيْثُما كانَ، وقِيلَ: لا يَفُوزُ.

ورَوى جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: " «إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى ﴾ ، قالَ: لا يَأْمَنُ حَيْثُ وُجِدَ "» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ آمَنتُمْ لَهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( آمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أآمَنتُمْ لَهُ ) بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مُعَلِّمُكم.

قالَ الكِسائِيُّ: الصَّبِيُّ بِالحِجازِ إذا جاءَ مِن عِنْدِ مُعَلِّمِهِ، قالَ: جِئْتُ مِن عِنْدِ كَبِيرِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ : " في " بِمَعْنى ( عَلى )، ومِثْلُهُ: ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ  ﴾ .

﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ ﴾ أيُّها السَّحَرَةُ، ﴿ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا ﴾ لَكم، ﴿ وَأبْقى ﴾ ؛ أيْ: أدْوَمُ، أنا عَلى إيمانِكم، أوْ رَبُّ مُوسى عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِهِ ؟

﴿ قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ ﴾ ؛ أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ، ﴿ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ ﴾ يَعْنُونَ: اليَدَ والعَصا.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَسَبُوا الآياتِ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ جاءَنا ﴾ ، وإنَّما جاءَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّهم لَمّا كانُوا بِأبْوابِ السِّحْرِ ومَذاهِبِ الِاحْتِيال أعْرَفَ مِن غَيْرِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِسِحْرٍ، كانَ ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ أبْيَنَ وأوْضَحَ، وكانُوا هم لِمَعْرِفَتِهِ أخَصُّ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِي فَطَرَنا ﴾ وجْهانِ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا.

والثّانِي: أنَّهُ قَسَمَ تَقْدِيرُهُ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ ﴾ ؛ أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ، وأصْلُ القَضاءِ: عَمَلٌ بِإحْكامٍ.

﴿ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: ﴿ إنَّما ﴾ حَرْفٌ واحِدٌ؛ فَلِهَذا نَصَبَ ﴿ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ .

ولَوْ قَرَأ قارِئٌ بِرَفْعِ ( الحَياةَ ) لَجازَ، عَلى أنْ يَجْعَلَ ( ما ) في مَذْهَبِ ( الَّذِي )، كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( إنَّما تُقْضى ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ( الحَياةُ ) بِرَفْعِ التّاءِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنَّما سُلْطانُكَ ومُلْكُكَ في هَذِهِ الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَنا ﴾ يَعْنُونَ: الشِّرْكَ، ﴿ وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ ﴾ ؛ أيْ: والَّذِي أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا إكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: أكْرَهْتَنا، وقَدْ قالُوا: أإنَّ لَنا لَأجْرًا، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا السِّحْرَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ؟

فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُكْرِهُ النّاسَ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ يُطالِبُ بَعْضَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَهُمُ السِّحْرَ وهم لِذَلِكَ كارِهُونَ، وذَلِكَ لِشَغَفِهِ بِالسِّحْرِ، ولِما خامَرَ قَلْبَهُ مِن خَوْفِ مُوسى، فالإكْراهُ عَلى السِّحْرِ هو الإكْراهُ عَلى تَعَلُّمِهِ في أوَّلِ الأمْرِ.

والثّانِي: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا شاهَدُوا مُوسى بَعْدَ قَوْلِهِمْ: أئِنَّ لَنا لَأجْرًا، ورَأوْا ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعالى وسُلُوكَهُ مِنهاجَ المُتَّقِينَ، جَزِعُوا مِن مُلاقاتِهِ بِالسِّحْرِ، وحَذِرُوا أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فَيَطَّلِعَ عَلى ضَعْفِ صِناعَتِهِمْ، فَتَفْسَدَ مَعِيشَتُهم، فَلَمْ يَقْنَعْ فِرْعَوْنُ مِنهم إلّا بِمُعارَضَةِ مُوسى، فَكانَ هَذا هو الإكْراهُ عَلى السِّحْرِ.

والثّالِثُ: أنَّهم خافُوا أنْ يُغْلَبُوا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَيَقْدَحُ ذَلِكَ في صَنْعَتِهِمْ عِنْدَ المُلُوكِ والسُّوقِ، وأكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى فِعْلِ السِّحْرِ.

والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ السِّحْرَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَيْرٌ ﴾ ؛ أيْ: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إذا أُطِيعَ، ﴿ وَأبْقى ﴾ عِقابًا إذا عُصِيَ، وهَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى ﴾ ، وهَذا آخِرُ الإخْبارِ عَنِ السَّحَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُنْيا ﴾ ﴿ إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِحْرِ واللهُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ قالَ السَحَرَةُ لِفِرْعَوْنَ لِما تَدْعُوهُمْ: ﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ ﴾ ، أيْ: لَنْ نُفَضِّلَكَ ونُفَضِّلَ السَلامَةَ مِنكَ عَلى ما رَأيْنا مِن حُجَّةِ اللهِ تَعالى وآياتِهِ المُبَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا، هَذا عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ إنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: "والَّذِي" عاطِفَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي واوُ القَسَمِ، و "فَطَرَنا" مَعْناهُ: خَلَقْنا واخْتَرَعْنا، فافْعَلْ يا فِرْعَوْنُ ما شِئْتَ، وإنَّما قَضاؤُكَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا، والآخِرَةُ مِن وراءِ ذَلِكَ لَنا بِالنَعِيمِ ولَكَ بِالعَذابِ.

وهَؤُلاءِ السَحَرَةُ اخْتَلَفَ الناسُ هَلْ نَفَذَ فِيهِمْ وعِيدُ فِرْعَوْنَ ؟

فَقالَتْ طائِفَةٌ: صَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ كَما قالَ، فَأصْبَحَ القَوْمُ سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ بِلُطْفِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ اللهُ تَعالى وعَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ ومَن مَعَهُ الغالِبُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ، وصَلْبُ السَحَرَةِ وقَطْعُ أيْدِيهِمْ لا يَدْفَعُ في أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ومَن مَعَهُ غَلَبَ إلّا بِظاهِرِ العُمُومِ، والِانْفِصالِ عن ذَلِكَ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِحْرِ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا ما ضَمَّهم إلَيْهِ مِن مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ فِرْعَوْنُ قَدِيمًا يَأْخُذُ ولِدانَ الناسِ بِتَعْلِيمِ السِحْرِ ويُجْبِرُهم عَلى ذَلِكَ، فَأشارَ السَحَرَةُ إلى ذَلِكَ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ واللهُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أظهروا استخفافهم بوعيده وبتعذيبه، إذ أصبحوا أهل إيمان ويقين، وكذلك شأن المؤمنين بالرسل إذا أشرقت عليهم أنوار الرسالة فسرعان ما يكون انقلابهم عن جهالة الكفر وقساوته إلى حكمة الإيمان وثباته.

ولنا في عمر بن الخطّاب ونحوه ممن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم مَثَلُ صدق.

والإيثار: التفضيل.

وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ في سورة يوسف (91).

والتفضيل بين فرعون وما جاءهم من البيّنات مقتض حذف مضاف يناسب المقابلة بالبيّنات، أي لن نؤثر طاعتك أو دينك على ما جاءنا من البيّنات الدالة على وجوب طاعة الله تعالى، وبذلك يلتئم عطف ﴿ والذي فَطَرنا ﴾ ، أي لا نؤثرك في الربوبية على الذي فطرنا.

وجيء بالموصول للإيماء إلى التّعليل، لأنّ الفاطر هو المستحق بالإيثار.

وأخر ﴿ الذي فطرنا عن ما جَاءَنَا مِنَ البينات ﴾ لأنّ البيّنات دليل على أنّ الذي خلقهم أراد منهم الإيمان بموسى ونبذ عبادة غير الله، ولأنّ فيه تعريضاً بدعوة فرعون للإيمان بالله.

وصيغة الأمر في قوله ﴿ فَاقْضضِ مَا أنتَ قَاضٍ ﴾ مستعملة في التسوية، لأن ﴿ ما أنت قاض ﴾ مَا صْدَقُه ما توعدهم به من تقطيع الأيدي والأرجل والصّلببِ، أي سواء علينا ذلك بعضه أو كلّه أو عدم وقوعه، فلا نطلب منك خلاصاً منه جزاء طاعتك فافعل ما أنت فاعل (والقضاء هنا التنفيذ والإنجاز) فإنّ عذابك لا يتجاوز هذه الحياة ونحن نرجو من ربنا الجزاء الخالد.

وانتصب ﴿ هذه الحياة ﴾ على النيابة عن المفعول فيه، لأنّ المراد بالحياة مُدّتُها.

والقصر المستفاد من (إنما) قصر موصوف على صفة، أي إنك مقصور على القضاء في هذه الحياة الدنيا لا يتجاوزه إلى القضاء في الآخرة، فهو قصر حقيقيّ.

وجملة ﴿ إنَّا آمَنَّا بِرَبنا ﴾ في محلّ العلّة لما تضمنه كلامهم.

ومعنى ﴿ وما أكْرَهْتَنَا عليْهِ مِنَ السِّحْرِ ﴾ أنه أكرههم على تحدّيهم موسى بسحرهم فعلموا أن فعلهم باطل وخطيئة لأنّه استعمل لإبطال إلهيّة الله، فبذلك كان مستوجباً طلب المغفرة.

وجملة ﴿ والله خَيْرٌ وأبقى ﴾ في موضع الحال، أو معترضة في آخر الكلام للتذييل.

والمعنى: أنّ الله خير لنا بأن نؤثره منك، والمراد: رضى الله، وهو أبقى منك، أي جزاؤه في الخير والشرّ أبقى من جزائك فلا يهولنا قولك ﴿ ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى ﴾ [طه: 71]، فذلك مقابلة لوعيده مقابلة تامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ ﴾ وقِيلَ إنَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ كانَتْ تَسْألُ: مَن غَلَبَ؟

فَقِيلَ لَها: مُوسى وهارُونُ.

فَقالَتْ: آمَنتُ بِرَبِّ مُوسى وهارُونَ فَأرْسَلَ إلَيْها فِرْعَوْنُ فَقالَ: فَخُذُوا أعْظَمَ صَخْرَةٍ فَحَذِّرُوها، فَإنْ أقامَتْ عَلى قَوْلِها [فَألْقُوها عَلَيْها]، فَنَزَعَ [اللَّهُ] رُوحَها، فَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلى جَسَدِها ولَيْسَ فِيهِ رُوحٌ.

﴿ والَّذِي فَطَرَنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَسَمٌ.

الثّانِي: بِمَعْنى [وَلا] عَلى الَّذِي فَطَرَنا.

﴿ فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ.

الثّانِي: فاحْكم ما أنْتَ حاكِمٌ.

﴿ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنَّما سُلْطانُكَ وعَذابُكَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ.

الثّانِي: أنَّ الَّتِي تَنْقَضِي وتَذْهَبُ هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا، وتَبْقى الآخِرَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: واللَّهُ خَيْرٌ مِنكَ وأبْقى ثَوابًا إنْ أُطِيعَ، وعِقابًا إنْ عُصِيَ.

الثّانِي: خَيْرٌ مِنكَ ثَوابًا إنْ أُطِيعَ وأبْقى مِنكَ عِقابًا إنْ عُصِيَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة: أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة فقالوا لفرعون: إن يكونا هذان ساحرين، فإنا نغلبهم، فإنه لا أسحر منا، وإن كان من رب العالمين، فلما كان من أمرهم ﴿ خروا سجداً ﴾ أراهم الله في سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها قالوا: ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ﴾ إلى قوله: ﴿ والله خير وأبقى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن القاسم بن أبي بزة قال: لما وقعوا سجداً رأوا أهل النار، وأهل الجنة وثواب أهليهما فقالوا: ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ قال: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالعوماء، وقال: علموهم تعليماً لا يغلبهم أحد في الأرض.

قال ابن عباس: فهم من الذين قالوا: ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ والله خير وأبقى ﴾ قال: خير منك أن أطيع وأبقى منك عذاباً إن عصي.

وأخرج مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية ﴿ إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أهلها الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها، فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت القثاء في حميل السبيل والله أعلم» .

وأخرج الطبراني، عن أبي الدرداء، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاث من كن فيه، لم ينل الدرجات العلى: من تكهن، أو استقسم، أو رده من سفره طيرة» .

وأخرج الأصبهاني في الترغيب، عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان وصلة لأخيه إلى سلطان في مبلغ بر، أو مدفع مكروه، رفعه الله في الدرجات» .

وأخرج ابن المبارك في الزهد وأبو نعيم في الحلية، عن عون بن عبد الله قال: إن الله ليدخل خلقاً الجنة فيعطيهم حتى يملوا، وفوقهم ناس في ﴿ الدرجات العلى ﴾ فإذا نظروا إليهم عرفوهم فيقولون: يا ربنا إخواننا كنا معهم فبم فضلتهم علينا؟

فيقال: هيهات..

!

إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمؤون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويستحصون حين تختصون.

وأخرج أحمد في الزهد، عن ابن عمير قال: إن الرجل وعبده يدخلان الجنة، فيكون عبده أرفع درجة منه، فيقول: يا رب هذا كان عبدي في الدنيا؟!

فيقال: إنه كان أكثر ذكراً لله تعالى منك.

وأخرج أبو داود وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الذري في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم وانعما» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ ﴾ أي: لن نفضلك ولن نختارك ﴿ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد من اليقين والعلم) (١) (٢) وقال عكرمة: (هو أنهم حيث خروا سجدًا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة التي إليها يصيرون) (٣) (٤) ﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ﴾ ) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِي فَطَرَنَا ﴾ ذكر الفراء والزجاج فيه وجهين أحدهما: (لن نؤثرك على الله والذي خلقنا.

والثاني: أنه قسم) (٦) ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (فاصنع ما أنت صانع) (٧) ﴿ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ قال ابن عباس: (يريد إنما سلطانك وملكك في هذه الدنيا، فأما في الآخرة فليس لك فيها حظ ولا سلطان) (٨) (١) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 225.

(٢) "الكشف والبيان" 3/ 21 ب، "معالم التنزيل" 5/ 285، "تفسير مقاتل" 4 ب.

(٣) "النكت والعيون" 3/ 414، "الكشاف" 2/ 545، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 225، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 176، "الدر المنثور" 4/ 542، "أضواء البيان" 4/ 472، وقال: والظاهر أن ذلك من نوع الإسرائيليات.

(٤) القاسم بن نافع بن أبي بزة، واسم أبي بزة: يسار، وقيل نافع، مولى عبد الله بن السائب بن صيفي المخزومي المكي، ويكنى القاسم بأبي عبد الله، وأصله من همدان، تابعي ثقة، روى عن: أبي الطفيل، وأبي معبد، ومجاهد، وسعيد بن == جبير.

وروى عنه: عمرو بن دينار، وعبد الملك بن أبي سليمان، وابن جريج وغيرهم كثير، توفي -رحمه الله- سنة 124 هـ بمكة.

انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 122، "طبقات ابن سعد" 5/ 479، "الثقات" لابن حبان 7/ 330، "شذرات الذهب" 1/ 162، "تهذيب التهذيب" 89/ 278.

(٥) "الكشف والبيان" 3/ 21 ب، "معالم التنزيل" 5/ 285، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 176، "الدر المنثور" 4/ 542.

(٦) "معاني القرآن" 2/ 187، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 368.

(٧) "جامع البيان" 16/ 189، "الكشف والبيان" 3/ 22 أ، "النكت والعيون" 3/ 415، "معالم التنزيل" 5/ 285، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226.

(٨) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 189، "معالم التنزيل" 5/ 285، "النكت والعيون" 3/ 415، "زاد المسير" 5/ 307، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 176.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ ﴾ ما هنا موصولة وهي اسم إن وكيد خبرها ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى ﴾ قدم هارون لتعادل رؤوس الآي ﴿ مِّنْ خِلاَفٍ ﴾ أي قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ﴿ والذي فَطَرَنَا ﴾ معطوف على ﴿ مَا جَآءَنَا مِنَ البينات ﴾ ، وقيل: هي واو القسم ﴿ هذه الحياة ﴾ نصب على الظرفية: أي: إنما قضاؤك في هذه الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.

﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.

الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.

الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون مشددة.

﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.

الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.

والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.

وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.

﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.

الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.

الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.

﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.

﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.

التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله  قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.

قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.

فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.

وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم  ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.

ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.

"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.

قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.

وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.

واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.

وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.

قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.

يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.

أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.

قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.

والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟

فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.

قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.

قال القاضي.

هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.

ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.

يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال  ﴿ وحرمنا عليه المراضع  ﴾ جاءت أخت موسى  واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه  ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك  ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.

وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له  ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال  ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.

عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.

ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.

قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله  وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.

قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.

والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.

وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.

وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.

وقال غيره من المعتزلة: إنه  إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.

ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.

أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.

﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم  ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.

وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.

وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.

والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.

وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.

وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.

وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.

ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟

والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.

ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ والقاتل واحد منهم.

ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: ألهم بذلك.

وقيل: سمع بخبره فتلقاه.

سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟

جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.

وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.

وكيف ذلك القول اللين؟

الأصح انه نحو قوله  ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى  ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.

وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.

فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.

وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.

بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.

ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.

قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.

وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.

قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.

ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.

وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟

وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.

قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.

وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.

ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.

قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.

وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.

ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.

وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.

وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟

وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.

قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.

والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.

قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.

وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا  كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.

وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى  بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.

فأراد أن يعجز عن الجواب.

قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!

وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.

وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض  ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا  ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون  ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.

وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين  ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.

وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين  ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.

وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله  غير حاصل للبشر.

وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.

فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.

ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.

وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما  ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً  ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.

ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.

من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى  ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.

وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.

ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.

واعلم أن عجائب حكمة الله  في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.

ثم إنه  جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.

وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.

وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.

والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.

ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.

قال أهل النظم: إن موسى  لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟

أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟

فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.

أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.

ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله  بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.

وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه  عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.

والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.

وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.

وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.

وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.

والتحقيق ما قاله القفال.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.

قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.

وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.

وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.

ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.

و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.

ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم  ﴾ ومن نعم الله  أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.

وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.

﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.

أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.

﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.

﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.

وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.

وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.

وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه  ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.

والحاصل أنه  عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.

وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.

ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.

ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله  : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.

ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.

قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.

ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.

سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه  ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.

الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.

قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.

وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.

ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.

وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.

وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.

ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.

وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.

ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.

وهو معنى قول مجاهد.

فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.

وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.

وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.

وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.

ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.

ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.

وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.

عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.

وقيل: أربعمائة.

وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله  أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.

حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم  ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.

وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.

﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.

وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.

وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.

وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.

والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.

قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.

وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.

وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.

وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.

وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.

وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.

والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.

من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم  ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.

وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.

ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.

﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.

واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.

﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

قال وهب: سحروا أعين موسى  حتى تخيل ذلك.

وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.

وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله  خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.

﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".

ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.

ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍.

وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.

وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.

ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.

قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.

قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.

قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله  ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.

وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.

والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.

والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله  ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.

ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.

وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.

وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.

وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.

قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.

أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر  ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين  ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  ﴾ إلى آخر السورة.

فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟

سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.

سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.

قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.

ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.

قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.

وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.

وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ ﴾ ، إنما ألقوا بأمر من الله وإذن منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ﴾ إلى موسى ﴿ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴾ أي: وقع في قلبه الخوف، وخاف إذ صنع القوم ما صنعوا من السّحر، ثمّ يحتمل ذلك الخوف منه وجهين: أحدهما: خاف على ما طبع البشر عليه من خوف الطبع، لا خوف غلبة؛ لأنه قال لهم: ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ  ﴾ كان يعلم - صلوات الله عليه - أن تمويهات السحر لا تبطل حجج الله وآياته، فدل ذلك أنه خاف خوف الطبع والجِبِلَّة، لا خوف القهر والغلبة.

أو أن يكون خوفه لما أخذ سحر أولئك أعين الناس؛ خاف موسى أن يمنعهم ذلك عن أن يبصروا ما جاء هو من الآية والبرهان.

وقال بعضهم: خاف أن يشكوا فيه فلا يتابعوه، ويشك فيه من تابعه، وهو ما ذكرنا قريباً منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ أي: الغالب، فإن كان الخوف الذي ذكر خوف طبع وما جبل عليه المرء، فيكون قوله: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ على تسكين القلب وتثبيته، وإن كان الثاني فهو على البشارة له، والإخبار على ألا يمنع سحر أولئك عن أن يبصروا ما تأتي به أنت من الآية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ ﴾ هذا يدل أن سحر أولئك إنما صار بعدما ألقوا ما في أيديهم، لم يكن سحراً وقت كونه في أيديهم، وكذلك عصا موسى إنما صارت آية وحجة بعدما ألقاها من يده لم تكن وقت كونها في يده، وكذلك حيث قال: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ ﴾ ، أي: تلقم وتأكل ما صنعوا ﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ﴾ أي: لا يفلح الساحر حيث أتى بسحره، وإلا قد أفلح سحرة فرعون، وفي حرف ابن مسعود: (أين أتى).

وقال بعضهم: حيث كان.

وحيث وحوث لغتان، وهو قول الكسائي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ ﴾ ؛ لأنهم عرفوا حقيقة ما أتى به موسى، فعلموا أنه سماوي وأنه آية ليس بسحر، فآمنوا إيمانا لم يرتابوا فيه قط، وهذا يدل أن كل ذي بصر وعلم في شيء يكون أبصر وأعلم في ذلك الشيء من غيره؛ حيث لم ينظروا لما رأوا ما أتى به موسى وعاينوا وقتاً ينظروا فيه، بل لسرعة معرفتهم، لم يملكوا أنفسهم، بل ألقوا على وجوههم على ما أخبر؛ حيث قال: ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ  ﴾ و ﴿ سُجَّداً ﴾ .

وقال القتبي: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴾ : أي: أضمر خوفاً.

وقال غيره: وقع في قلبه حيث أنَّى كان.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: يظن، يقول: يخيل إلي، أي: يريني فهمي وعلمي أن هذا الشيء كذا وكذا، ﴿ فَأَوْجَسَ ﴾ أي: أحس.

﴿ تَلْقَفْ ﴾ وتلقم: واحدٌ.

وقوله  : ﴿ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ﴾ .

قال بعضهم: يعني: موسى.

وقال بعضهم: كبير السحرة الذي علم غيره السحر.

وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 123]، قد علم اللعين أن ذلك ليس بسحر ولا مكر مكروا به، لكنه أراد أن يموّه على قومه ويلبس عليهم أمر موسى وما جاء [به] من الآيات والحجج؛ لأنه هو الذي رباه ونشأ بين ظهرانيه وأهله، فعلم أنه لم يتعلم السحر من أحد، [و] لما فارقه وخرج من عندهم إلى مدين لم يكن هناك من يتعلم منه السحر، لكنه أراد التمويه والتلبيس على قومه، وكذلك أهل مكة حيث نسبوا رسول الله إلى السحر والكهانة والافتراء والجنون وغيره، علموا أنه ليس بساحر ولا كاهن ولا مجنون ولا مفتر؛ لأنه نشأ بين أظهرهم صغيراً لم يؤخذ عليه كذب قط على أحد من الخلائق، فكيف على الله  ؟

ولا رأوه اختلف إلى أحد من السحرة والكهنة في تعلم ذلك، لكنهم أرادوا بذلك التمويه والتلبيس على الناس؛ لئلا يتبعوه ولا يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من دين الله وتوحيده.

ثم الرسل - صلوات الله عليهم - لو لم يكن معهم الآيات المعجزة ولا الحجج النيرة، كانت أنفسهم وما طبعوا عليه من السيرة الحسنة والأخلاق الكريمة الجميلة وما اختاروا من الأمور العظيمة الرفيعة - دالة على رسالتهم ونبوتهم، فكيف وقد جاءوا بالآيات المعجزة والبراهين المنيرة؟

وما بطبع السحرة من السيرة المذمومة والأخلاق الدنيئة والأمور الخسيسة، يدل على كذبهم وافتعالهم، فكيف أشكل عليهم معرفة السحر من الرسالة والتمويه من الحجة، لكنهم أرادوا بذلك ما ذكرنا من التمويه على قومهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا الوعيد منه في وقتين: أوعدهم أولا بقطع اليد والرجل من خلاف على الإبقاء؛ رجاء أن ينتهوا عما اختاروا، فإذا لم ينتهوا عنه، فعند ذلك أوعدهم بالقتل والصلب؛ إذ في القتل والصلب إتلاف ما دونه من الجوارح، فإن كان على هذا ففيه أن كل حد يراد به الإبقاء، فإنه لا يؤتى على الجوارح كلها، والقطع في السرقة قد يراد به الإبقاء؛ لذلك لا يؤتى على الجوارح كلها، وكذلك [حد] قطاع الطريق؛ إذ يراد به الإبقاء لم يزد على قطع اليد والرجل من خلاف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ ﴾ .

لو ذاق اللعين شيئاً من عذاب ربه لم يقل مثل هذه المقالة، ولولا ما عرف من حلم ربه، وإلا لم يتجاسر أن يتكلم بمثل هذا ويوعدهم أن عذابه أشدّ من عذاب الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

أي: لن نؤثرك بالربوبية والعبادة لك والطاعة على ما جاءنا من البينات على ربوبية الله وألوهيته وعبادته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا ﴾ .

قال بعضهم: لو نؤثرك على الذي خلقنا، لكن غيره كأنه أشبه، وهو أن قوله: ﴿ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا ﴾ على القسم، أي: بالذي فطرنا، كأنهم أيأسوه عن العود إلى عبادته وخدمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ ليس على الأمر لكن على عناد لك، أي: إنك وإن فعلت بنا ما أوعدت فإنا لا نؤثرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ ﴾ أي: إنما تقضي في هذه الحياة الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرٌ ﴾ معبود وثوابه أبقى من ثواب غيره.

أو أن يكون هذا جواب قوله: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ ﴾ فيقول: عذاب الله أبقى، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: جذوع النخل: ساق النخل وأصله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

السحرة لفرعون: لن نفضّل اتّباعك -يا فرعون- على اتباع ما جاءنا من الآيات الواضحات، ولن نفضّلك على الله الذي خلقنا، فاصنع ما أنت صانع بنا، مالك سلطان علينا إلا في هذه الحياة الفانية، وسيزول سلطانك.

<div class="verse-tafsir" id="91.yZXzD"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل