الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٧٤ من سورة طه
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٤ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
الظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون ، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي ، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد ، فقالوا : ( إنه من يأت ربه مجرما ) أي : يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم ( فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ) كقوله : ( لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ) [ فاطر : 36 ] ، وقال : ( ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيا ) [ الأعلى : 11 - 13 ] ، وقال تعالى : ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ) [ الزخرف : 77 ] .
وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا إسماعيل ، أخبرنا سعيد بن يزيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما أهل النار الذين هم أهلها ، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن [ الناس ] تصيبهم النار بذنوبهم ، فتميتهم إماتة ، حتى إذا صاروا فحما ، أذن في الشفاعة ، جيء بهم ضبائر ضبائر ، فبثوا على أنهار الجنة ، فيقال : يا أهل الجنة ، أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل " فقال رجل من القوم : كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية .
وهكذا أخرجه مسلم في كتابه الصحيح من رواية شعبة وبشر بن المفضل ، كلاهما عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد به .
وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال : حدثنا أبي حدثنا حيان ، سمعت سليمان التيمي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية : ( إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما أهلها الذين هم أهلها ، فلا يموتون فيها ولا يحيون ، وأما الذين ليسوا من أهلها ، فإن النار تمسهم ، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون ، فتجعل الضبائر ، فيؤتى بهم نهرا يقال له : الحياة - أو : الحيوان - فينبتون كما ينبت القثاء في حميل السيل " .
وقوله ( إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ) يقول تعالى ذكره: إنا أقررنا بتوحيد ربنا، وصدقنا بوعده ووعيده، وأن ما جاء به موسى حق ( لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ) يقول: ليعفو لنا عن ذنوبنا فيسترها علينا( وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) يقول: ليغفر لنا ذنوبنا، وتعلمنا ما تعلمناه من السحر، وعملنا به الذي أكرهتنا على تعلُّمه والعمل به ، وذُكر أن فرعون كان أخذهم بتعليم السحر.
* ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن سهل، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله تبارك وتعالى: ( وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) قال: غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة، تعلمهم السحر بالفَرَما.
حدثي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) قال: أمرهم بتعلم السحر، قال: تركوا كتاب الله، وأمروا قومهم بتعليم السحر.
(وما أكرهتنا عليه من السحر) قال: أمرتنا أن نتعلمه.
وقوله ( وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) يقول: والله خير منك يا فرعون جزاء لمن أطاعه، وأبقى عذابا لمن عصاه وخالف أمره.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق ( وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) : خير منك ثوابا، وأبقى عذابا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، ومحمد بن قيس في قول الله ( وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) قالا خيرا منك إن أطيع، وأبقى منك عذابا إن عُصي.
قوله تعالى : إنه من يأت ربه مجرما قيل : هو من قول السحرة لما آمنوا .
وقيل ابتداء كلام من الله - عز وجل - .
والكناية في إنه ترجع إلى الأمر والشأن .
ويجوز إن من يأت ، ومنه قول الشاعر [ الأخطل ] :إن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جآذرا وظباءأراد إنه من يدخل ؛ أي إن الأمر هذا ؛ أن المجرم يدخل النار ، والمؤمن يدخل الجنة .
والمجرم : الكافر .
وقيل : الذي يقترف المعاصي ويكتسبها .
ومعنى من يأت ربه مجرما من يأت موعد ربه .
فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا وهذه صفة الكافر المكذب الجاحد - على ما تقدم بيانه في سورة ( النساء ) وغيرها - فلا ينتفع بحياته ولا يستريح بموته .
قال الشاعر :ألا من لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعموقيل : نفس الكافر معلقة في حنجرته كما أخبر الله تعالى عنه فلا يموت بفراقها ، ولا يحيا باستقرارها .
يخبر تعالى أن من أتاه، وقدم عليه مجرما -أي: وصفه الجرم من كل وجه، وذلك يستلزم الكفر- واستمر على ذلك حتى مات، فإن له نار جهنم، الشديد نكالها، العظيمة أغلالها، البعيد قعرها، الأليم حرها وقرها، التي فيها من العقاب ما يذيب الأكباد والقلوب، ومن شدة ذلك أن المعذب فيها لا يموت ولا يحيا، لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة يتلذذ بها، وإنما حياته محشوة بعذاب القلب والروح والبدن، الذي لا يقدر قدره، ولا يفتر عنه ساعة، يستغيث فلا يغاث، ويدعو فلا يستجاب له.
نعم إذا استغاث، أغيث بماء كالمهل يشوي الوجوه، وإذا دعا، أجيب بـ { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ }
( إنه من يأت ربه مجرما ) قيل : هذا ابتداء كلام من الله تعالى .
وقيل : من تمام قول السحرة ( مجرما ) أي : مشركا ، يعني : مات على الشرك ، ( فإن له جهنم لا يموت فيها ) فيستريح ، ( ولا يحيا ) حياة ينتفع بها .
قال تعالى «إنه من يأت ربه مجرما» كافرا كفرعون «فإن له جهنم لا يموت فيها» فيستريح «ولا يحيى» حياة تنفعه.
إنه من يأت ربه كافرًا به فإن له نار جهنم يُعَذَّب بها، لا يموت فيها فيستريح، ولا يحيا حياة يتلذذ بها.
وقوله - عز وجل - : ( إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً .
.
) يصح أن يكون كلاما مستأنفا ساقه الله - تعالى - لبيان سوء عاقبة المجرمين ، وحسن عاقبة المؤمنين .ويصح أن يكون من بقية كلام السحرة فى ردهم على فرعون .والمعنى : ( إِنَّهُ ) أى الحال والشأن ( مَن يَأْتِ رَبَّهُ ) يوم القيامة فى حال كونه ( مُجْرِماً ) .أى : مرتكبا لجريمة الكفر والشرك بالله - تعالى - ( فَإِنَّ لَهُ ) أى : لهذا المجرم ( جَهَنَّمَ ) يعذب فيها عذابا شديدا من مظاهره أنه ( لاَ يَمُوتُ فِيهَا ) فيستريح ( وَلاَ يحيى ) حياة فيها راحة .كما قال - تعالى - : ( والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) .
اعلم أنه تعالى لما حكى تهديد فرعون لأولئك حكى جوابهم عن ذلك بما يدل على حصول اليقين التام والبصيرة الكاملة لهم في أصول الدين، فقالوا: ﴿ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَاءنَا مِنَ البينات ﴾ وذلك يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم ما أوعدهم فقالوا: ﴿ لَن نُّؤْثِرَكَ ﴾ جواباً لما قاله وبينوا العلة وهي أن الذي جاءهم بينات وأدلة، والذي يذكره فرعون محض الدنيا، ومنافع الدنيا ومضارها لا تعارض منافع الآخرة ومضارها، أما قوله: ﴿ والذي فَطَرَنَا ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن التقدير لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا أي وعلى طاعة الذي فطرنا وعلى عبادته.
الوجه الثاني: يجوز أن يكون خفضاً على القسم.
واعلم أنهم لما علموا أنهم متى أصروا على الإيمان فعل فرعون ما أوعدهم به فقالوا: ﴿ فاقض مَا أَنتَ قَاضٍ ﴾ لا على معنى أنهم أمروه بذلك لكن أظهروا أن ذلك الوعيد لا يزيلهم ألبتة عن إيمانهم وعما عرفوه من الحق علماً وعملاً، ثم بينوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك فقالوا: ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ وقرئ: (نقضي هذه الحياة الدنيا) ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف فاتسع في الظرف باجرائه مجرى المفعول به كقولك: في صمت يوم الجمعة صيم والمعنى أن قضاءك وحكمك إنما يكون في هذه الحياة الدنيا وهي كيف كانت فانية وإنما مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني المتوصل به إلى السعادة الباقية ثم قالوا: ﴿ إِنَّا آمَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خطايانا ﴾ ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر، قالوا: ﴿ وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر ﴾ وذكروا في ذلك الإكراه وجوهاً: أحدها: أن الملوك في ذلك الزمان كانوا يأخذون البعض من رعيتهم ويكلفونهم تعلم السحر فإذا شاخ بعثوا إليه أحداثاً ليعلمهم ليكون في كل وقت من يحسنه فقالوا هذا القول لأجل ذلك أي كنا في التعلم أولاً والتعليم ثانياً مكرهين قاله ابن عباس.
وثانيها: أن رؤساء السحرة كانوا اثنين وسبعين، إثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل فقالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً فرأوه فوجدوه تحرسه عصاه فقالوا: ما هذا بساحر، الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه.
وثالثها: قال الحسن: إن السحرة حشروا من المدائن ليعارضوا موسى عليه السلام فأحضروا بالحشر وكانوا مكرهين في الحضور وربما كانوا مكرهين أيضاً في إظهار السحر.
ورابعها: قال عمرو بن عبيد: دعوة السلطان إكراه وهذا ضعيف لأن دعوة السلطان إذا لم يكن معها خوف لم تكن إكراهاً، ثم قالوا: ﴿ والله خَيْرُ ﴾ ثواباً لمن أطاعه.
﴿ وأبقى ﴾ عقاباً لمن عصاه، وهذا جواب لقوله: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى ﴾ .
قال الحسن: سبحان الله القوم كفار وهم أشد الكافرين كفراً ثبت في قلوبهم الإيمان في طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا: ﴿ فاقض مَا أَنتَ قَاضٍ ﴾ في ذات الله تعالى والله إن أحدكم اليوم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم إنه يبيع دينه بثمن حقير، ثم ختموا هذا الكلام بشرح أحوال المؤمنين وأحوال المجرمين في عرصة القيامة، فقالوا في المجرمين: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الهاء في قوله: ﴿ إِنَّهُ ﴾ ضمير الشأن يعني أن الأمر والشأن كذا وكذا.
المسألة الثانية: استدلت المعتزلة بهذه الآية في القطع على وعيد أصحاب الكبائر قالوا: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم لقوله: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ﴾ وكلمة من في معرض الشرط تفيد العموم بدليل أنه يجوز استثناء كل واحد منها والإستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، واعترض بعض المتكلمين من أصحابنا على هذا الكلام، فقال: لا نسلم أن صاحب الكبيرة مجرم والدليل عليه أنه تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فإنه قال في هذه الآية: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴾ وأيضاً فإنه قال: ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى ﴾ والمؤمن صاحب الكبيرة وإن عذب بالنار لا يكون بهذا الوصف، وفي الخبر الصحيح: يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان واعلم أن هذه الاعتراضات ضعيفة، أما قوله: إن الله تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فهذا مسلم لكن هذا إنما ينفع لو ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، ومذهب المعتزلة أنه ليس بمؤمن فهذا المعترض كأنه بنى هذا الاعتراض على مذهب نفسه وذلك ساقط، قوله ثانياً: إنه لا يليق بصاحب الكبيرة أن يقال في حقه: إن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، قلنا: لا نسلم فإن عذاب جهنم في غاية الشدة قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ وأما الحديث فيقال: القرآن متواتر فلا يعارضه خبر الواحد.
ويمكن أن يقال: ثبت في أصول الفقه أنه يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد وللخصم أن يجيب فيقول ذلك يفيد الظن فيجوز الرجوع إليه في العمليات، وهذه المسألة ليست من العمليات بل من الاعتقادات، فلا يجوز المصير إليها هاهنا.
فإن اعترض إنسان آخر، وقال: أجمعنا على أن هذه الآية مشروطة بنفي التوبة وبأن لا يكون عقابه محبطاً بثواب طاعته والقدر المشترك بين الصورتين هو أن لا يوجد ما يحبط ذلك العقاب ولكن عندنا العفو محبط للعقاب، وعندنا أن المجرم الذي لا يوجد في حقه العفو لابد وأن يدخل جهنم، واعلم أن هذا الاعتراض أيضاً ضعيف أما شرط نفي التوبة فلا حاجة إليه لأنه قال: ﴿ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ﴾ أي حال كونه مجرماً والتائب لا يصدق عليه أنه أتى ربه حال كونه مجرماً.
وأما صاحب الصغيرة فلأنه لا يسمى مجرماً لأن المجرم اسم للذم فلا يجوز إطلاقه على صاحب الصغيرة، بل الاعتراض الصحيح أن نقول: عموم هذا الوعيد معارض بما جاء بعده من عموم الوعد وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدرجات العلى ﴾ وكلامنا فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم أتى بعد ذلك ببعض الكبائر.
فإن قيل: عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة، قلنا: لم لا يجوز أن يقال: ثواب الإيمان يدفع عقاب المعصية فإن قالوا: لو كان كذلك لوجب أن لا يجوز لعنه وإقامة الحد عليه.
قلنا: أما اللعن الغير جائز عندنا، وأما إقامة الحد عليه فقد تكون على سبيل المحنة كما في حق التائب وقد تكون على سبيل التنكيل.
قالت المعتزلة قوله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نكالا مّنَ الله ﴾ فالله تعالى نص على أنه يجب عليه إقامة الحد على سبيل التنكيل، وكل من كان كذلك استحال أن يكون مستحقاً للمدح والتعظيم، وإذا لم يبق ذلك لم يبق الثواب كما قلنا.
فدلنا ذلك على أن عقاب الكبيرة أولى بإزالة ثواب الطاعة المتقدمة من الطاعات بدفع عقاب الكبيرة الطارئة.
هذا منتهى كلامهم في مسألة الوعيد قلنا حاصل الكلام يرجع إلى أن النص الدال على إقامة الحد عليه على سبيل التنكيل صار معارضاً للنصوص الدالة على كونه مستحقاً للثواب، فلم كان ترجيح أحدهما على الآخر أولى من العكس وذلك لأن المؤمن كان ينقسم إلى السارق وغير السارق، فالسارق ينقسم إلى المؤمن وإلى غير المؤمن فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر في العموم والخصوص فإذا تعارضا تساقطا.
ثم نقول: لا نسلم أن كلمة من في إفادة العموم قطعية بل ظنية ومسألتنا قطعية فلا يجوز التعويل على ما ذكرته، وتمام الكلام فيه مذكور في كتاب المحصول في الأصول.
المسألة الثالثة: تمسكت المجسمة بقوله: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ﴾ فقالوا: الجسم إنما يأتي ربه لو كان الرب في المكان.
وجوابه: أن الله تعالى جعل إتيانهم موضع الوعد إتياناً إلى الله مجازاً كقول إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّي سَيَهْدِينِ ﴾ .
المسألة الرابعة: الجسم الحي لابد وأن يبقى إما حياً أو يصير ميتاً فخلوه عن الوصفين محال، فمعناه في الآية أنه يكون في جهنم بأسوء حال لا يموت موتة مريحة ولا يحيا حياة ممتعة.
ثم ذكر حال المؤمنين فقال: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدرجات العلى ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ قَدْ عَمِلَ الصالحات ﴾ يقتضي أن يكون آتياً بكل الصالحات.
وذلك بالإتفاق غير معتبر ولا ممكن فينبغي أن يحمل ذلك على أداء الواجبات، ثم ذكر أن من أتى بالإيمان والأعمال الصالحات كانت له الدرجات العلى، ثم فسرها فقال: ﴿ جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وفي الآية تنبيه على حصول العفو لأصحاب الكبائر لأنه تعالى جعل الدرجات العلى من الجنة لمن أتى ربه بالإيمان والأعمال الصالحة فسائر الدرجات التي هي غير عالية لابد وأن تكون لغيرهم.
ما هم إلا العصاة من أهل الإيمان، أما قوله: ﴿ وذلك جَزَاء مَن تزكى ﴾ فقال ابن عباس: يريد من قال لا إله إلا الله، وأقول لما دلت هذه الآية على أن الدرجات العالية هي جزاء من تزكى أي تطهر عن الذنوب وجب بحكم ذلك الخطاب أن الدرجات التي لا تكون عالية أن لا تكون جزاء من تزكى فهي لغيرهم ممن يكون قد أتى بالمعاصي وعفا الله بفضله ورحمته عنهم، واعلم أنه ليس في القرآن أن فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما أوعدهم به ولكن ثبت ذلك في الأخبار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذى فَطَرَنَا ﴾ عطف على ما جاءنا أو قسم.
قرئ ﴿ تَقْضِى هذه الحياوة الدنيآ ﴾ ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، كقولك في (صمت يوم الجمعة): (صيم يوم الجمعة) وروي: أن السحرة- يعني رؤوسهم- كانوا اثنين وسبعين: الاثنان من القبط، والسائر من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلّم السحر.
وروي: أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر؛ لأن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه ﴿ تزكى ﴾ تطهر من أدناس الذنوب.
وعن ابن عباس: قال لا إله إلا الله.
قيل في هذه الآيات الثلاث: هي حكاية قولهم.
وقيل: خبر من الله لا على وجه الحكاية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّهُ ﴾ إنَّ الأمْرَ.
﴿ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ﴾ بِأنْ يَمُوتَ عَلى كُفْرِهِ وعِصْيانِهِ.
﴿ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ﴾ فَيَسْتَرِيحُ.
﴿ وَلا يَحْيا ﴾ حَياةً مُهَنَّأةً.
﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ ﴾ في الدُّنْيا.
﴿ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا ﴾ المَنازِلُ الرَّفِيعَةُ.
﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الدَّرَجاتِ.
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ أوِ الِاسْتِقْرارِ.
﴿ وَذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى ﴾ تَطَهَّرَ مِن أدْناسِ الكُفْرِ والمَعاصِي، والآياتُ الثَّلاثُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ السَّحَرَةِ وأنْ تَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
{أَنَّهُ} هو ضمير الشأن {مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} كافراً {فَإِنَّ لَهُ} للمجرم {جَهَنَّمَ لاَ يموت فيها} فيستربح بالموت {وَلاَ يحيى} حياة ينتفع بها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ ﴾ إلى آخِرِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ تَعْلِيلٌ مِن جِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ خَيْرٌ وأبْقى وتَحْقِيقٌ لَهُ وإبْطالٌ لِما ادَّعاهُ اللَّعِينُ، وتَصْدِيرُهُما بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى فَخامَةِ مَضْمُونِهِما ولِزِيادَةِ تَقْرِيرٍ لَهُ أيْ إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ.
هَذا أيْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ﴾ بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ﴾ فَيَنْتَهِي عَذابُهُ وهَذا تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ عَذابِهِ تَعالى أبْقى ﴿ ولا يَحْيا ﴾ حَياةً يَنْتَفِعُ بِها <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً، أي: مشركا.
وإنّ للتأكيد والهاء للعماد وهذا قول الله تعالى عز وجل للنبي إنه من يأت ربه يوم القيامة كافراً، فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى، يعني: لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيى حياة تنفعه.
قوله عز وجل: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً، يعني: يأتي يوم القيامة مؤمناً يعني: مصدقاً، قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ يعني: الطاعات.
فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى، يعني: الفضائل في الجنة.
ثم قال عز وجل: جَنَّاتُ عَدْنٍ، يعني: هي جنات عدن.
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، يعني: دائمين في الجنة.
وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى، يعني: ثواب من وحَّد.
قوله تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي، يعني: سر بعبادي ليلاً فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً يعني: بيِّن لهم طريقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً، يعني: يابساً.
لاَّ تَخافُ دَرَكاً يعني إدراك فرعون، وَلا تَخْشى الغرق.
قرأ حمزة: لاَ تَخَفْ دَرَكاً على معنى النهي، يعني: لا تخف أن يدركك فرعون.
وقرأ الباقون لاَّ تَخافُ بالألف ومعناه: لست تخاف.
وقال أبو عبيد بهذا نقرأ، لأن من قرأ بالجزم يلزم أن يخشى، لأنه حرف معطوف على الذي قبله.
ثم قال: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، يعني: لحقهم فرعون بجموعه، فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ يعني: أصابهم من البحر ما أصابهم ويقال: علاهم من البحر ما علاهم حين التقى البحر عليهم، ويقال: فغشيهم من البحر ما غرقهم.
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى، يعني: أهلكهم وما نجا بنفسه، ويقال: أضلهم بحمله إياهم على الضلالة، وَما هَدى يعني: ما هداهم إلى الرشاد وهذا رد لقوله: اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: 38] ويقال: وَما هَدى يعني: ما هداه إلى الصواب.
<div class="verse-tafsir"
وقال الطَّبَرِيُّ «١» : يريد نفسه، ومُوسى، والأول أذهب مع مخرقة فرعون، وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم قال السحرةُ لفرعون: لَنْ نُؤْثِرَكَ أيْ: لن نفضلك، ونفضِّلَ السلامة مِنْك على ما رأينا مِنْ حُجَّة اللَّه تعالى، وآياته، وعليّ الذي فَطَرنا، هذا على قول جماعةٍ: أَنَّ الواو في قوله وَالَّذِي: عاطفة.
وقالت فرقةٌ: هي واو القسم، وفَطَرَنا أيْ: خلقنا، واخترعنا، فافعل يا فرعونُ ما شِئْت وإنما قضاؤُك في هذه الحياة الدنيا، والآخرةُ مِنْ وراء ذلك لنا بالنعيم، ولك بالعذاب الأليم.
وهؤلاءِ السحرةُ اختلف الناسُ: هل نفذ فيهم وَعِيدُ فرعون، أم لا؟
والأمر في ذلك محتمل.
وقولهم: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ردّ لقول فرعون: أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى.
وقوله عز وجل: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ...
الآية.
قالت فرقة: هذه الآيةُ بجملتها مِنْ كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له، والبيان فيما فعلُوه.
وقالتْ فرقةٌ: بلْ هي مِنْ كلام الله عز وجل لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم تنبيهاً على قُبْح ما فعل فرعون، وحُسْنِ ما فعل السحرة، وموعظة، وتحذِيراً قد تضمنت القِصّة المذكورة مثاله.
وقوله: لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى مختصٌّ بالكافر فإنه مُعَذّب عذاباً ينتهي به إلى الموت، ثم لا يُجْهز عليه فيستريح/، بل يُعاد جلده، ويجدّدُ عذابه.
١١ ب وأما مَنْ يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي، فهم قبل أن تخرجهم الشفاعةُ في غمرة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكًا، ﴿ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، ﴿ وَلا يَحْيا ﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ.
[ أنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مِثْلِ هَذا المَعْنى قَوْلَهُ: ألا مَن لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي شِقاها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ أدّى الفَرائِضَ.
﴿ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا ﴾ يَعْنِي: دَرَجاتُ الجَنَّةِ، وبَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، والعُلا جَمْعُ العُلْيا، وهو تَأْنِيثُ الأعْلى.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ ؛ لِأنَّ " مَن " تَقَعُ بِلَفْظِ التَّوْحِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الجَمْعِ، فَإذا غَلَبَ لَفْظُها وُحِّدَ الرّاجِعُ إلَيْها، وإذا بُيِّنَ تَأْوِيلُها جُمِعَ المَصْرُوفُ إلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: الثَّوابُ، ﴿ جَزاءُ مَن تَزَكّى ﴾ ؛ أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَرَجاتُ العُلا ﴾ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مِن تَزَكّى ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ بِجُمْلَتِها مِن كَلامِ السَحَرَةِ لِفِرْعَوْنَ عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ لَهُ والبَيانِ فِيما فَعَلُوهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي مِن كَلامِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ، وحُسْنِ ما فَعَلَ السَحَرَةُ، ومَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا.
قَدْ تَضَمَّنَتِ القِصَّةُ المَذْكُورَةُ مِثالَهُ.
و المُجْرِمُ الَّذِي اكْتَسَبَ الجَرائِمْ والخَطايا.
وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ، فَإنَّهُ مُعَذَّبٌ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمْ لا يُجْهِزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحَ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ، فَهو لا يَحْيى حَياةً هَنِيَّةً.
وأمّا مَن يَدْخُلُ النارَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالمَعاصِي فَهم قَبْلَ أنْ تُخْرِجَهُمُ الشَفاعَةُ في غَمْرَةٍ قَدْ قارَبُوا المَوْتَ، إلّا أنَّهم لا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ ولا يُجَدَّدُ عَذابُهُمْ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ «أنَّهم يُماتُونَ إماتَةً»، وهَذا هو مَعْناهُ، لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ.
و "الدَرَجاتُ العُلى" هي القِرَبُ مِنَ اللهِ تَعالى، و "تَزَكّى" مَعْناهُ: أطاعَ اللهَ وأخَذَ بِأزْكى الأُمُورِ.
وتَأمَّلِ التَكَسُّبَ في لَفْظَةِ "تَزَكّى" فَإنَّهُ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الجمل معترضة بين حكاية قصة السحرة وبين ذكر قصّة خروج بني إسرائيل، ساقها الله موعظة وتأييداً لمقالة المؤمنين من قوم فرعون.
وقيل: هي من كلام أولئك المؤمنين.
ويبعده أنه لم يحك نظيره عنهم في نظائر هذه القصّة.
والمجرم: فاعل الجريمة، وهي المعصية والفعل الخبيث.
والمجرم في اصطلاح القرآن هو الكافر، كقوله تعالى: ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ﴾ [المطففين: 29].
واللام في ﴿ لَهُ جَهَنَّمَ ﴾ لامُ الاستحقاق، أي هو صائر إليها لا محالة، ويكون عذابه متجدّداً فيها؛ فلا هو ميت لأنّه يُحِس بالعذاب ولا هو حيّ لأنه في حَالةٍ الموتُ أهون منها، فالحياة المنفية حياة خاصة وهي الحياة الخالصة من العذاب والآلام.
وبذلك لم يتناقض نفيها مع نفي الموت، وهو كقول عبّاس بن مرداس: وقد كنتُ في الحرب ذَا تُدْرَإٍ *** فلم أُعْطَ شيئاً ولم أُمنع وليس هذا من قبيل قوله ﴿ إنها بقرة لا فارض ولا بكر ﴾ [البقرة: 68] ولا قوله ﴿ زيتونة لا شرقية ولا غربية ﴾ [النور: 35].
وأما خلود غير الكافرين في النّار من أهل الكبائر فإن قوله ﴿ لا يَمُوتُ فِيهَا ولا يحيى ﴾ جعلها غير مشمولة لهذه الآية.
ولها أدلّة أخرى اقتضت خلود الكافر وعدم خلود المؤمن العاصي.
ونازَعَنَا فيها المعتزلة والخوارج.
وليس هذا موضع ذكرها وقد ذكرناها في مواضعها من هذا التفسير.
والإتيان باسم الإشارة في قوله: ﴿ فأولئك لهم الدرجات ﴾ للتنبيه على أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما سبق اسمَ الإشارة.
وتقدم معنى ﴿ عَدْن ﴾ وتفسير ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ﴾ في سورة براءة (72).
والتزكّي: التطهر من المعاصي.
(77) وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِى البحر يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى} افتتاح الجملة بحرف التحقيق للاهتمام بالقصة ليلقي السامعون إليها أذهانهم.
وتغيير الأسلوب في ابتداء هذه الجملة مؤذن بأن قصصاً طويت بين ذكر القصتين، فلو اقتصر على حرف العطف لتوهّم أن حكاية القصة الأولى لم تزل متصلة فتُوهم أن الأمر بالخروج وقع موالياً لانتهاء مَحْضَر السحرة، مع أن بين ذلك قصصاً كثيرة ذُكرت في سورة الأعراف وغيرها، فإن الخروج وقع بعد ظهور آيات كثيرة لإرهاب فرعون كلما همّ بإطلاق بني إسرائيل للخروج.
ثمّ نكَل إلى أن أذن لهم بأخَرَة فخرجوا ثمّ ندم على ذلك فأتبعهم.
فجملة ﴿ ولقَدْ أوْحَيْنَا إلى موسى ﴾ ابتدائية، والواو عاطفة قصة على قصة وليست عاطفة بعض أجزاء قصة على بعض آخر.
و ﴿ اسْرِ أمرٌ من السُرَى بضم السين وفتح الراء وتقدّم في سورة الإسراء أنه يقال: سَرَى وأسرى.
وإنما أمره الله بذلك تجنّباً لنكول فرعون عليهم.
والإضافة في قوله بِعِبَادي ﴾ لتشريفهم وتقريبهم والإيماءِ إلى تخليصهم من استعباد القبط وأنهم ليسُوا عبيداً لفرعون.
والضرب: هنا بمعنى الجَعْل كقولهم: ضَرَب الذهبَ دنانير.
وفي الحديث: " واضربوا إليّ معكم بسهم "، وليس هو كقوله ﴿ أن اضْرِب بعصاك البحر ﴾ [الشعراء: 63] لأنّ الضرب هنالك متعد إلى البحر وهنا نصَب طريقا.
واليَبَس بفتح المثناة والموحدة.
ويقال: بسكون الموحدة: وصف بمعنى اليابس.
وأصله مصدر كالعَدَم والعُدْم، وصف به للمبالغة ولذلك لا يؤنث فقالوا: ناقة يَبَس إذا جفّ لبنها.
و {لا تخافُ مرفوع في قراءة الجمهور، وعدٌ لموسى اقتصر على وعده دون بقية قومه لأنه قدوتهم فإذا لم يخف هو تشجعوا وقوي يقينهم، فهو خبر مراد به البُشرى.
والجملة في موضع الحال.
وقرأ حمزة وحده لا تَخَفْ على جواب الأمر الذي في قوله فاضرب، وكلمة تَخَفْ} مكتوبة في المصاحف بدون ألف لتكون قراءتها بالوجهين لكثرة نظائر هذه الكلمة ذات الألف في وسطها في رسم المصحف ويسميه المؤدبون «المحذوفَ».
وأما قوله ﴿ وَلاَ تخشى ﴾ فالإجماع على قراءته بألف في آخره.
فوجه قراءة حمزة فيها مع أنّه قرأ بجزم المعطوف عليه أن تكون الألف للإطلاق لأجل الفواصل مثل ألف ﴿ فأضلونا السبيلا ﴾ [الأحزاب: 67] وألف ﴿ وتظنون بالله الظُنونا ﴾ [الأحزاب: 10]، أو أن تكون الواو في قوله و الدّرَك بفتحتين اسم مصدر الإدراك، أي لا تخاف أن يدركك فرعون.
والخشية: شدّة الخوف.
وحذف مفعوله لإفادة العموم، أي لا تخشى شيئاً، وهو عامّ مراد به الخصوص، أي لا تخشى شيئاً مما يخشى من العدوّ ولا من الغرق.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَنْتَفِعُ بِحَياتِهِ ولا يَسْتَرِيحُ بِمَوْتِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ألا مَن لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي شَقاها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ الثّانِي: أنَّ نَفْسَ الكافِرِ مُعَلَّقَةٌ بِحَنْجَرَتِهِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فَلا يَمُوتُ بِفِراقِها.
وَلا يَحْيا بِاسْتِقْرارِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة: أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة فقالوا لفرعون: إن يكونا هذان ساحرين، فإنا نغلبهم، فإنه لا أسحر منا، وإن كان من رب العالمين، فلما كان من أمرهم ﴿ خروا سجداً ﴾ أراهم الله في سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها قالوا: ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ﴾ إلى قوله: ﴿ والله خير وأبقى ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن القاسم بن أبي بزة قال: لما وقعوا سجداً رأوا أهل النار، وأهل الجنة وثواب أهليهما فقالوا: ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ قال: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالعوماء، وقال: علموهم تعليماً لا يغلبهم أحد في الأرض.
قال ابن عباس: فهم من الذين قالوا: ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ والله خير وأبقى ﴾ قال: خير منك أن أطيع وأبقى منك عذاباً إن عصي.
وأخرج مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية ﴿ إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أهلها الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها، فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت القثاء في حميل السبيل والله أعلم» .
وأخرج الطبراني، عن أبي الدرداء، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاث من كن فيه، لم ينل الدرجات العلى: من تكهن، أو استقسم، أو رده من سفره طيرة» .
وأخرج الأصبهاني في الترغيب، عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان وصلة لأخيه إلى سلطان في مبلغ بر، أو مدفع مكروه، رفعه الله في الدرجات» .
وأخرج ابن المبارك في الزهد وأبو نعيم في الحلية، عن عون بن عبد الله قال: إن الله ليدخل خلقاً الجنة فيعطيهم حتى يملوا، وفوقهم ناس في ﴿ الدرجات العلى ﴾ فإذا نظروا إليهم عرفوهم فيقولون: يا ربنا إخواننا كنا معهم فبم فضلتهم علينا؟
فيقال: هيهات..
!
إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمؤون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويستحصون حين تختصون.
وأخرج أحمد في الزهد، عن ابن عمير قال: إن الرجل وعبده يدخلان الجنة، فيكون عبده أرفع درجة منه، فيقول: يا رب هذا كان عبدي في الدنيا؟!
فيقال: إنه كان أكثر ذكراً لله تعالى منك.
وأخرج أبو داود وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الذري في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم وانعما» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ﴾ هذا ابتداء كلام من الله تعالى وانتهى الإخبار عن السحرة (١) وقيل: (هذا أيضًا إخبار عنهم أنهم قالوه) (٢) والكناية في قوله: ﴿ إِنَّهُ ﴾ الأمر والشأن، أي: بأن الأمر والشأن هذا، وهو أن المجرم يدخل النار، والمؤمن يدخل الجنة، ويجوز أن يكون هاء الإضمار على شريطة التفسير، وبينا ذلك في سورة يوسف [90].
ومعنى ﴿ مُجْرِمًا ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (المجرم الكافر) (٣) وقال في رواية عطاء: (يريد أجرم، وفعل مثل ما فعل فرعون) (٤) ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴾ قال: (يريد لا يموت فيستريح، ولا يحيي فيفتر عنه العذاب) (٥) قال الكلبي: (ولا يحيي فيها حياة تنفعه) (٦) وروى أبو نضرة (٧) -: "إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم تُميتهم النار إماتة حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر (٨) (٩) (١٠) قال المبرد: (تأويل قوله: ﴿ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴾ لا يموت ميتة مريحة، ولا يحيى حياة ممتعة، وهو يألم كما يألم الحي ليفهم ذلك، ويبلغ بهم حالة الموتى في المكروه، إلا أنه لا يبلغ الحالة التي يبطل فيها عن الفهم، والعرب تقول: فلان لا حي ولا ميت، إذا كان غير منتفع بحياته، وكذلك يقولون لمن يكلم ولم يبلغ حاجته: تكلمت ولم تتكلم، أي: لم تبلغ) (١١) (١٢) (١٣) وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَاءٍ ...
فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ لأنه عندما أعطيه يقصر عن حقه، بأنّه قد وصل إليه القليل لم يمنع.
وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا المعنى لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (١٤) أَلاَ مَا لِنَفْسٍ لا تَمُوُت فَيَنْقَضِي ...
شَقاهَا ولا تَحْيَا حَياةً لَهَا طَعْمُ (١) "بحر العلوم" 2/ 350، "معالم التنزيل" 5/ 286، "المحرر الوجيز" 10/ 59، "الكشاف" 2/ 546.
(٢) "معالم التنزيل" 5/ 286، "المحرر الوجيز" 10/ 59، "الكشاف" 2/ 546، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 177.
(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 190، "بحر العلوم" 2/ 350، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "مجمع البيان" 7/ 35، "البحر المحيط" 6/ 262.
(٤) "مجمع البيان" 7/ 35.
(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 350، "زاد المسير" 5/ 309، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "مجمع البيان" 7/ 35، "البحر المحيط" 6/ 262، "فتح التقدير" 5/ 538.
(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "زاد المسير" 5/ 309، "البحر المحيط" 6/ 262، "فتح القدير" 5/ 538.
ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ (٧) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، العوفي، البصري، من الطبقة الوسطى، من علماء التابعين، وثقه عدد من العلماء، وشهدوا له بالصلاح والتقوى.
توفي -رحمه الله- سنة 108 هـ انظر: "تهذيب التهذيب" 10/ 302، "سير أعلام النبلاء" 4/ 129، "تقريب التهذيب" 2/ 275.
(٨) الضبائر: جماعات الناس، يقال: رأيتهم ضبائر أي: جماعات.
انظر: "تهذيب اللغة" (ضبر) 3/ 2087، "مقاييس اللغة" (ضبر) ص386، "الصحاح" (ضبر) 2/ 718، "لسان العرب" (ضبر) 4/ 2547.
(٩) حميل السيل: ما حمله السيل من الغثاء والطين، وكل محمول فهو حميل.
انظر: "تهذيب اللغة" (حمل) 1/ 925، "الصحاح" (حمل) 4/ 1678، "القاموس المحيط" (حمله) (987)، "لسان العرب" (حمل) 2/ 1001.
(١٠) أخرجه النسائي في "سننه" كتاب التطبيق، باب: موضع السجود 2/ 163، والترمذي في صفة جهنم، باب: (10) 4/ 615، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وابن ماجة في الرقاق، باب: ما يخرج الله من النار برحمته 2/ 238، وأورده في "الدر المنثور" 2/ 542، وزاد نسبته لابن مردويه عن أبي سعيد.
(١١) ذكر نحوه "المحرر الوجيز" 10/ 59، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 89، "البحر المحيط" 6/ 262.
ويشهد له قوله سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ .
(١٢) عباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي، أبو الهيثم، الصحابي، تقدم.
(١٣) البيت لعباس بن مرداس.
ذا تدرأ: أي: ذو هجوم لا يتوقى ولا يهاب ففيه قوة على دفع أعدائه.
انظر: "ديوانه" ص 84، "الشعر والشعراء" 2/ 752، "شرح التصريح" 2/ 119، "شرح شواهد المغني" 2/ 925، "المقاصد النحوية" 4/ 69، "همع الهوامع" 2/ 120، "لسان العرب" (درأ) 3/ 1347.
(١٤) ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
انظر: "النكت والعيون" 3/ 415، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "أضواء البيان" 4/ 478، "لسان العرب" (طعم) 8/ 165.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ﴾ قيل: إن هنا وما بعدها من كلام السحرة لفرعون على وجه الموعظة، وقيل: هو من كلام الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.
﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.
الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.
الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.
الباقون مشددة.
﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.
الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.
والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.
وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.
الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.
﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.
الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.
الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.
﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.
﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.
التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.
قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.
فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.
وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.
ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.
"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.
قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.
وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.
واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.
وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.
قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.
يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.
وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.
أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.
قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.
والنكتة فيه أن عدوّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟
فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.
قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.
قال القاضي.
هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.
ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.
وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.
يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال ﴿ وحرمنا عليه المراضع ﴾ جاءت أخت موسى واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.
وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.
عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.
ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.
قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.
قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.
والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.
وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.
وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.
وقال غيره من المعتزلة: إنه إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.
ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.
أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.
﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.
وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.
وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.
وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.
والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.
وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.
وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.
وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.
ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟
والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.
ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ والقاتل واحد منهم.
ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.
وقيل: ألهم بذلك.
وقيل: سمع بخبره فتلقاه.
سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟
جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.
وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.
وكيف ذلك القول اللين؟
الأصح انه نحو قوله ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.
وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.
حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.
فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.
وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.
ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.
بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.
ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.
قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.
وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.
قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.
ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.
وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟
وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.
قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.
وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.
ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.
قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.
وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.
ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.
وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.
وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟
وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.
قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.
والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.
قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.
وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.
وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.
فأراد أن يعجز عن الجواب.
قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!
وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.
وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.
واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.
وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.
وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.
وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله غير حاصل للبشر.
وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.
ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.
فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.
ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.
وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.
قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.
ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.
من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.
وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.
ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.
واعلم أن عجائب حكمة الله في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.
ثم إنه جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.
وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.
وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.
والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.
ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.
قال أهل النظم: إن موسى لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟
أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟
فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.
أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.
ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟
فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.
وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.
والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.
وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.
وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.
وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.
وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.
والتحقيق ما قاله القفال.
وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.
ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.
قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.
وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.
وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.
يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.
ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.
و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.
ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم ﴾ ومن نعم الله أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.
قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.
وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.
﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.
أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.
﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.
﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.
وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.
وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.
وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.
والحاصل أنه عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.
وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.
ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.
ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.
ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.
قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.
ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.
سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.
الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.
قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.
وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.
ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.
وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.
وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.
ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.
وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.
ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.
وهو معنى قول مجاهد.
فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.
وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.
وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.
قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.
وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.
وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.
وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.
ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.
ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.
وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.
عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.
وقيل: أربعمائة.
وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.
حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.
وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.
وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.
وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.
والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.
﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.
وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.
وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.
وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.
وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.
والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.
قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.
وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.
وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.
وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.
وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.
وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.
وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.
ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.
ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.
والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.
من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.
وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.
ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.
وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.
﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.
واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.
﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.
قال وهب: سحروا أعين موسى حتى تخيل ذلك.
وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.
وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.
﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".
ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.
ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!.
وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.
واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.
وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.
ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.
قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.
قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.
قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.
وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.
والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.
والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.
ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.
وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.
وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.
وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.
قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.
أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ﴾ إلى آخر السورة.
فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟
سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.
سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.
قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.
ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.
قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.
وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.
ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.
وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ ﴾ .
أصل هذا - والله أعلم -: أن من قبل من الله حياته بالشكر وطيبها بالأعمال الصالحات، طيب الله حياته وعيشه في الآخرة، [و] من لم يقبل حياته من الله بالشكر في الدنيا، بل كفر بها وخبثها وقبحها بالأعمال القبيحة الخبيثة الدنية خبث حياته في الآخرة وعيشه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ ﴾ .
هي ما يرتفع ويعلو، والدركات: ما يتسفل وينحدر في الأرض، والدرجات للمؤمنين في الآخرة، لاختيارهم في الدنيا الأعمال الصالحة الرفيعة العالية، فعلى ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الرفيعة العلية، فلهم في الآخرة مقابل ذلك الدرجات العلا، وأما الدركات فهي لأهل الكفر مقابل ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الدنية الخبيثة أخزاهم، كمثل من زرع بذر الشوك لم يحصد بُرّاً قط.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ﴾ .
أي: ذلك الذي ذكر جزاء من صلح عمله وأنماه، والزكاة: هي النماء في اللغة.
<div class="verse-tafsir"
إن الشأن والحاصل أن من يأتي ربه يوم القيامة كافرًا به أن له نار جهنم يدخلها ماكثًا فيها أبدًا، لا يموت فيها فيستريح من عذابها, ولا يحيا حياة طيبة.
<div class="verse-tafsir" id="91.W7lpw"