الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ١٨ من سورة الحج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 106 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له ، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها وسجود [ كل شيء مما ] يختص به ، كما قال : ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) [ النحل : 48 ] .
وقال هاهنا : ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ) أي : من الملائكة في أقطار السماوات ، والحيوانات في جميع الجهات ، من الإنس والجن والدواب والطير ، ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) [ الإسراء : 44 ] .
وقوله : ( والشمس والقمر والنجوم ) : إنما ذكر هذه على التنصيص; لأنها قد عبدت من دون الله ، فبين أنها تسجد لخالقها ، وأنها مربوبة مسخرة ( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) [ فصلت : 37 ] .
وفي الصحيحين عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتدري أين تذهب هذه الشمس؟
" .
قلت : الله ورسوله أعلم .
قال : " فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها : ارجعي من حيث جئت " .
وفي المسند وسنن أبي داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، في حديث الكسوف : " إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله ، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكن الله عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له " .
وقال أبو العالية : ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر ، إلا يقع لله ساجدا حين يغيب ، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له ، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه .
وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل : وعن ابن عباس قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله ، إني رأيتني الليلة وأنا نائم ، كأني أصلي خلف شجرة ، فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي ، فسمعتها وهي تقول : اللهم اكتب لي بها عندك أجرا ، وضع عني بها وزرا ، واجعلها لي عندك ذخرا ، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود .
قال ابن عباس : فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد ، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة .
رواه الترمذي ، وابن ماجه ، وابن حبان في صحيحه .
وقوله : ( والدواب ) أي : الحيوانات كلها .
وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر فرب مركوبة خير وأكثر ذكرا لله من راكبها .
وقوله : ( وكثير من الناس ) أي : يسجد لله طوعا مختارا متعبدا بذلك ، ( وكثير حق عليه العذاب ) أي : ممن امتنع وأبى واستكبر ، ( ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ) .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن شيبان الرملي ، حدثنا القداح ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي قال : قيل لعلي : إن هاهنا رجلا يتكلم في المشيئة .
فقال له علي : يا عبد الله ، خلقك الله كما يشاء أو كما شئت ؟
قال : بل كما شاء .
قال : فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟
قال : بل إذا شاء .
قال : فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟
قال : بل إذا شاء .
قال : فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟
قال : بل حيث يشاء .
قال : والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف .
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي يقول : يا ويله .
أمر ابن آدم بالسجود فسجد ، فله الجنة ، وأمرت بالسجود فأبيت ، فلي النار " رواه مسلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقرئ قالا حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا مشرح بن هاعان أبو مصعب المعافري قال : سمعت عقبة بن عامر يقول : قلت يا رسول الله ، أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟
قال : " نعم ، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما " .
ورواه أبو داود والترمذي ، من حديث عبد الله بن لهيعة ، به .
وقال الترمذي : " ليس بقوي " وفي هذا نظر; فإن ابن لهيعة قد صرح فيه بالسماع ، وأكثر ما نقموا عليه تدليسه .
وقد قال أبو داود في المراسيل : حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني معاوية بن صالح ، عن عامر بن جشب ، عن خالد بن معدان; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين " .
ثم قال أبو داود : وقد أسند هذا ، يعني : من غير هذا الوجه ، ولا يصح .
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي : حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا يزيد بن عبد الله ، حدثنا الوليد ، حدثنا أبو عمرو ، حدثنا حفص بن عنان ، حدثني نافع ، حدثني أبو الجهم : أن عمر سجد سجدتين في الحج ، وهو بالجابية ، وقال : إن هذه فضلت بسجدتين .
وروى أبو داود وابن ماجه ، من حديث الحارث بن سعيد العتقي ، عن عبد الله بن منين ، عن عمرو بن العاص; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن ، منها ثلاث في المفصل ، وفي سورة الحج سجدتان .
فهذه شواهد يشد بعضها بعضا .
يقول تعالى ذكره: ومن يهنه الله من خلقه فَيُشْقِه، ( فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ) بالسعادة يسعده بها، لأن الأمور كلها بيد الله، يوفِّق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء، ويُشقي من أراد، ويسعد من أحبّ.
وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) يقول تعالى ذكره: إن الله يفعل في خلقه ما يشاء من إهانة من أراد إهانته، وإكرام من أراد كرامته، لأن الخلق خلقه والأمر أمره، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ .
وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأه ( فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرَمٍ ) بمعنى: فما له من إكرام، وذلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه.
قوله تعالى : ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاءقوله تعالى : ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض هذه رؤية القلب ؛ أي ألم تر بقلبك وعقلك .
وتقدم معنى السجود في ( البقرة ) ، وسجود الجماد في ( النحل ) .
( والشمس ) معطوفة على ( من ) .
وكذا والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس .
ثم قال : وكثير حق عليه العذاب وهذا مشكل من الإعراب ، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل ؛ مثل والظالمين أعد لهم عذابا أليما ؟
فزعم الكسائي ، والفراء أنه لو نصب لكان حسنا ، ولكن اختير الرفع لأن المعنى وكثير أبى السجود ، فيكون ابتداء وخبرا ، وتم الكلام عند قوله : وكثير من الناس .
ويجوز أن يكون معطوفا ، على أن يكون السجود التذلل والانقياد لتدبير الله - عز وجل - من ضعف وقوة ، وصحة وسقم ، وحسن وقبح ، وهذا يدخل فيه كل شيء .
ويجوز أن ينتصب على تقدير : وأهان كثيرا حق عليه العذاب ، ونحوه .
وقيل : تم الكلام عند قوله : والدواب ثم ابتدأ فقال : وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب .
وكذا روي عن ابن عباس أنه قال : ( المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب ) ؛ ذكره ابن الأنباري .
وقال أبو العالية : ما في السماوات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجدا لله حين يغيب ، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه .
قال القشيري : وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس ؛ فهذا سجود حقيقي ، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد .قلت : الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم ، وسيأتي في سورة ( يس ) عند قوله تعالى : والشمس تجري لمستقر لها .
وقد تقدم في البقرة معنى السجود لغة ومعنى .[ ص: 24 ] قوله تعالى : ومن يهن الله فما له من مكرم أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه .
وقال ابن عباس : إن تهاون بعبادة الله صار إلى النار .
إن الله يفعل ما يشاء يريد أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لأحد عليه .
وحكى الأخفش ، والكسائي ، والفراء ومن يهن الله فما له من مكرم أي إكرام .
ألم تر ) ألم تعلم وقيل : ( ألم تر ) تقرأ بقلبك ( أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ) قال مجاهد : سجودها تحول ظلالها وقال أبو العالية : ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه .
وقيل سجودها بمعنى الطاعة فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله خاشع له مسبح له كما أخبر الله تعالى عن السموات والأرض ( قالتا أتينا طائعين ) ( فصلت 11 ) ، وقال في وصف الحجارة ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) ( البقرة 74 ) ، وقال تعالى ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) ( الإسراء 44 ) ، وهذا مذهب حسن موافق لقول أهل السنة قوله : ( وكثير من الناس ) أي من هذه الأشياء كلها تسبح الله عز وجل " وكثير من الناس " يعني المسلمين .
( وكثير حق عليه العذاب ) وهم الكفار لكفرهم وتركهم السجود وهم مع كفرهم تسجد ظلالهم لله عز وجل والواو في قوله : ( وكثير حق عليه العذاب ) واو الاستئناف ( ومن يهن الله ) أي يهنه الله ( فما له من مكرم ) أي من يذله الله فلا يكرمه أحد ( إن الله يفعل ما يشاء ) أي يكرم ويهين فالسعادة والشقاوة بإرادته ومشيئته .
«ألم تر» تعلم «أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب» أي يخضع له بما يراد منه «وكثير من الناس» وهم المؤمنون بزيادة على الخضوع في سجود الصلاة «وكثير حق عليه العذاب» وهم الكافرون لأنهم أبوا السجود المتوقف على الإيمان «ومن يهن الله» يشقه «فما له من مكرم» مسعد «إن الله يفعل ما يشاء» من الإهانة والإكرام.
ألم تعلم- أيها النبي- أن الله سبحانه يسجد له خاضعًا منقادًا مَن في السموات من الملائكة ومَن في الأرض من المخلوقات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب؟
ولله يسجد طاعة واختيارًا كثير من الناس، وهم المؤمنون، وكثير من الناس حق عليه العذاب فهو مهين، وأيُّ إنسان يهنه الله فليس له أحد يكرمه.
إن الله يفعل في خلقه ما يشاء وَفْقَ حكمته.
ثم بين - سبحانه - أن الكون كله يخضع لسلطانه - تعالى - ويسجد لوجهه فقال : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ .
.
.
) .الاستفهام فى قوله ( أَلَمْ تَرَ .
.
.
) للتقرير .
والرؤية هنا بمعنى العلم وذلك لأن سجود هذه الكائنات لله - تعالى - آمنا به عن طريق الإخبار دون أن نرى كيفيته .والسجود فى اللغة : التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وما يشبهه .
وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة .والمراد به هنا : دخول الأشياء جميعها تحت قبضة الله - تعالى - وتسخيره وانقيادها لكل ما يريده منا انقيادا تاماً ، وخوضعها له - عز وجل - بكيفية هو الذى يعلمها .
فنحن نؤمن بأن هذه الكائنات تسجد لله - تعالى - ونفوض كيفية هذا السجود له - تعالى - .والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - يسجد له ، ويخضع لسلطانه جميع من فى السموات وجميع من فى الأرض .وقوله : ( والشمس والقمر والنجوم ) عطف خاص على قوله : ( مَن فِي السماوات ) .ونص - سبحانه - عليها مفرداً إياها بالذكر ، لشهرتها ، ولاستبعاد بعضهم حدوث السجود منها ، ولأ آخرين كانوا يعبدون هذه الكواكب ، فبين - سبحانه - أنها عابدة وساجدة لله ، وليست معبودة .وقوله - تعالى - : ( والجبال والشجر والدوآب ) عطف خاص على ( مَن فِي الأرض ) ونص - سبحانه - عليها - أيضاً - لأن بعضهم كان يعبدها ، أو يعبد ما يؤخذ منها كالأصنام .وقوله - تعالى - ( وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس ) بيان الذين اهتدوا إلى طريق الحق .
أى : ويسجد له - كذلك - كثير من الناس ، وهم الذين خلصت عقولهم من شوائب الشرك والكفر ، وطهرت نفوهسم من الأدناس والأوهام .وقوله : ( وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ) بيان لحال الذين استحبوا العمى على الهدى .أى : وكثير من الناس حق وثبت عليهم العذاب ، بسبب إصرارهم على الكفر ، وإيثارهم الغى على الرشد .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على نفاذ قدرته ، وعموم مشيئته فقال : ( وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ) .
و " من " شرطية ، وجوابها : " فما له من مكرم " ومكرم اسم فاعل من أكرم .أى : ومن يهنه الله ويخزه ، فما له من مكرم يكرمه ، أو منقذ ينقذه مما هو فيه من شقاء ، إن الله - تعالى - يفعل ما يشاء فعله بدون حسيب يحاسبه ، أو معقب يعقب على حكمه .قال - تعالى - : ( والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحساب ).
القراءة: قرى ﴿ حَقّ ﴾ بالضم وقرئ (حقاً) أي حق عليه العذاب حقاً وقرئ ﴿ مُّكْرِمٍ ﴾ بفتح الراء بمعنى الإكرام، واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ أتبعه في هذه الآية ببيان من يهديه ومن لا يهديه، واعلم أن المسلم لا يخالفه في المسائل الأصولية إلا طبقات ثلاثة: أحدها: الطبقة المشاركة له في نبوة نبيه كالخلاف بين الجبرية والقدرية في خلق الأفعال البشرية والخلاف بين مثبتي الصفات والرؤية ونفاتها.
وثانيها: الذين يخالفونه في النبوة ولكن يشاركونه في الاعتراف بالفاعل المختار كالخلاف بين المسلمين واليهود والنصارى في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى وموسى عليهما السلام.
وثالثها: الذين يخالفونه في الإله وهؤلاء هم السوفسطائية المتوقفون في الحقائق، والدهرية الذين لا يعترفون بوجود مؤثر في العالم، والفلاسفة الذين يثبتون مؤثراً موجباً لا مختاراً.
فإذا كانت الاختلافات الواقعة في أصول الأديان محصورة في هذه الأقسام الثلاثة، ثم لا يشك أن أعظم جهات الخلاف هو من جهة القسم الأخير منها.
وهذا القسم الأخير بأقسامه الثلاثة لا يوجدون في العالم المتظاهرين بعقائدهم ومذاهبهم بكل يكونون مستترين، أما القسم الثاني وهو الاختلاف الحاصل بسبب الأنبياء عليهم السلام، فتقسيمه أن يقال القائلون بالفاعل المختار، إما أن يكونوا معترفين بوجود الأنبياء، أو لا يكونوا معترفين بذلك، فإما أن يكونوا أتباعاً لمن كان نبياً في الحقيقة أو لمن كان متنبئاً، أما أتباع الأنبياء عليهم السلام فهم المسلمون واليهود والنصارى، وفرقة أخرى بين اليهود والنصارى وهم الصابئون، وأما أتباع المتنبئ فهم المجوس، وأما المنكرون للأنبياء على الإطلاق فهم عبدة الأصنام والأوثان، وهم المسمون بالمشركين، ويدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم.
فثبت أن الأديان الحاصلة بسبب الاختلافات في الأنبياء عليهم السلام هي هذه الستة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، قال قتادة ومقاتل الأديان ستة واحدة لله تعالى وهو الإسلام وخمسة للشيطان، وتمام الكلام في هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة.
أما قوله: ﴿ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الزجاج هذا خبر لقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ ﴾ كما تقول إن أخاك، إن الدين عليه لكثير.
قال جرير: إن الخليفة إن الله سربله *** سربال ملك به ترجى الخواتيم المسألة الثانية: الفصل مطلق فيحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم جزاء واحداً بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد وقيل يفصل بينهم يقضي بينهم.
أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله على كُلّ شَيء شَهِيدٌ ﴾ فالمراد أنه يفصل بينهم وهو عالم بما يستحقه كل منهم فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف.
أما قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ ﴾ ففيه أسئلة: السؤال الأول: ما الرؤية هاهنا الجواب: أنها العلم أي ألم تعلم أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض وإنما عرف ذلك بخبر الله لا أنه رآه.
السؤال الثاني: ما السجود هاهنا قلنا فيه وجوه: أحدها: قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ ، ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله ﴾ ، ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الجبال يُسَبّحْنَ ﴾ والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ فإن السجود بالمعنى الذي ذكرته عام في كل الناس فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصاً من غير فائدة والجواب من وجوه: أحدها: أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاماً في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص وإن كان ساجداً بذاته لكنه متمرد بظاهره، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر.
وثانيها: أن نقطع قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن نقول تقدير الآية: ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة، وإنما فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعاً.
الثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ ، والثالث: أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب.
وثالثها: أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعاً يقول: المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة وفي حق الجمادات الانقياد، ومن ينكر ذلك يقول إن الله تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين، فعنى بها في حق العقلاء، الطاعة وفي حق الجمادات الانقياد.
السؤال الثالث: قوله: ﴿ أنَّ اللَّهِ يَسْجُدُ لهُ مَن فِي السموات الأرض ﴾ لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ الجواب: لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيراً منهم يسجدون طوعاً دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك وهم الذين حق عليهم العذاب.
القول الثاني: في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال: ﴿ وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى ﴾ وكما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار الذاتي، وقد يتطرق إليها الصدق والكذب، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله: ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ وهذا قول القفال رحمه الله.
القول الثالث: أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظلاله عَنِ اليمين والشمآئل سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخرون ﴾ وهو قول مجاهد.
وأما قوله: ﴿ كَثِيرٍ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ فقال ابن عباس في رواية عطاء (وكثير من الناس) يوحده (وكثير حق عليه العذاب) ممن لا يوحده، وروى عنه أيضاً أنه قال (وكثير من الناس) في الجنة.
وهذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ مبتدأ وخبره محذوف، وقال آخرون: الوقف على قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ أي وجب بإبائه وامتناعه من السجود.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرماً لهم، ثم بين بقوله: ﴿ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء ﴾ أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
سميت مطاوعتها له فيما يحدث فيها من أفعاله ويجريها عليه من تدبيره وتسخيره لها: سجوداً له، تشبيهاً لمطاوعتها بإدخال أفعال المكلف في باب الطاعة والانقياد، وهو السجود الذي كل خضوع دونه، فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ وبما فيه من الاعتراضين، أحدهما: أنّ السجود على المعنى الذي فسرته به، لا يسجده بعض الناس دون بعض.
والثاني: أنّ السجود قد أسند على سبيل العموم إلى من في الأرض من الإنس والجن أولاً، فإسناده إلى كثير منهم آخراً مناقضة؟
قلت: لا أنظم كثيراً في المفردات المتناسقة الداخلة تحت حكم الفعل، وإنما أرفعه بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿ يَسْجُدُ ﴾ أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة.
ولم أقل: أفسر يسجد الذي هو ظاهر بمعنى الطاعة والعبادة في حق هؤلاء؛ لأنّ اللفظ الواحد لا يصحّ استعماله في حالة واحدة على معنيين مختلفين، أو أرفعه على الابتداء والخبر محذوف وهو مثاب، لأنّ خبر مقابله يدل عليه، وهو قوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ ويجوز أن يجعل (من الناس) خبراً له، أي: من الناس الذين هم الناس على الحقيقة وهم الصالحون والمتقون.
ويجوز أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب، فيعطف كثير على كثير، ثم يخبر عنهم بحقّ عليهم العذاب، كأنه قيل: وكثير وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وقرئ ﴿ حق ﴾ بالضم.
وقرئ: ﴿ حقاً ﴾ أي حقّ عليهم العذاب حقاً.
ومن أهانه الله- بأن كتب عليه الشقاوة لما سبق في علمه من كفره أو فسقه- فقد بقي مهانا لن تجد له مكرماً.
وقرئ: ﴿ مكرم ﴾ بفتح الراء بمعنى الإكرام.
إنه ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَاء ﴾ من الإكرام والإهانة ولا يشاء من ذلك إلا ما يقتضيه عمل العاملين واعتقاد المعتقدين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ يَتَسَخَّرُ لِقُدْرَتِهِ ولا يَتَأنّى عَنْ تَدْبِيرِهِ، أوْ يَدُلُّ بِذِلَّتِهِ عَلى عَظَمَةِ مُدَبِّرِهِ، ومَن يَجُوزُ أنْ يَعُمَّ أُولِي العَقْلِ وغَيْرَهم عَلى التَّغْلِيبِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ ﴾ إفْرادًا لَها بِالذِّكْرِ لِشُهْرَتِها واسْتِبْعادِ ذَلِكَ مِنها.
وقُرِئَ «والدَّوابُ» بِالتَّخْفِيفِ كَراهَةَ التَّضْعِيفِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ.
﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ﴾ عُطِفَ عَلَيْها إنْ جُوِّزَ إعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ في كُلِّ واحِدٍ مِن مَفْهُومَيْهِ، وإسْنادُهُ بِاعْتِبارِ أحَدِهِما إلى أمْرٍ وبِاعْتِبارِ الآخَرِ إلى آخَرَ، فَإنَّ تَخْصِيصَ الكَثِيرِ يَدُلُّ عَلى خُصُوصِ المَعْنى المُسْنَدِ إلَيْهِمْ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ قَسِيمِهِ نَحْوَ حَقٌّ لَهُ الثَّوابُ، أوْ فاعِلُ فِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ سُجُودَ طاعَةٍ.
﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ بِكُفْرِهِ وإبائِهِ عَنِ الطّاعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ «وَكَثِيرٌ» تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ مُبالَغَةً في تَكْثِيرِ المَحْقُوقِينَ بِالعَذابِ أنْ يُعْطَفَ بِهِ عَلى السّاجِدِينَ بِالمَعْنى العامِّ مَوْصُوفًا بِما بَعْدَهُ.
وقُرِئَ «حُقَّ» بِالضَّمِّ و «حَقًّا» بِإضْمارِ فِعْلِهِ.
﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ ﴾ بِالشَّقاوَةِ ﴿ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ ﴾ يُكْرِمُهُ بِالسَّعادَةِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ بِمَعْنى الإكْرامِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ مِنَ الإكْرامِ والإهانَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{ألم تر} ألم تعلم يا محمد علما يقوم مقام العيان {أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السماوات وَمَن فِى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب} قيل إن الكل يسجد له ولكنا لا نقف عليه كما لا نقف على تسبيحها قال الله تعالى وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لا تفقهون تسبيحهم وقيل سمي مطاوعة غير المكلف له فيما يحدث من أفعاله وتسخيره له سجوداً له تشبيهاً لمطاوعته بسجود المكلف الذي كل خضوع دونه {وَكَثِيرٌ مّنَ
الناس} أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة أو هو مرفوع على الابتداء ومن الناس صفة له والخبر محذوف وهن مثاب ويدل عليه قوله {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب} أي وكثير منهم حق عليه العذاب بكفره وإبائه السجود {وَمَن يُهِنِ الله} بالشقاوة {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} بالسعادة {إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء} من الإكرام والإهانة وغير ذلك وظاهر هذه الآية والتي قبلها ينقض على المعتزلة قولهم لأنهم يقولون شاء أشياء ولم يفعل وهو يقول ما يشاء
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِما يُوجِبُ الفَصْلَ المَذْكُورَ مِن أعْمالِ الفِرَقِ مَعَ الإشارَةِ إلى كَيْفِيَّتِهِ وكَوْنِهِ بِطْرِيقِ التَّعْذِيبِ والإثابَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَنْوِيرًا لِكَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: هو تَقْرِيعٌ عَلى اخْتِلافِ الكَفَرَةِ واسْتِبْعادٌ لَهُ لِوُجُوبِ الصّارِفِ، والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ.
والمُرادُ بِالسُّجُودِ دُخُولُ الأشْياءِ تَحْتَ تَسْخِيرِهِ تَعالى وإرادَتِهِ سُبْحانَهُ وقابِلِيَّتُها لِما يُحْدِثُ فِيها عَزَّ وجَلَّ، وظاهِرُ كَلامِ الآمِدِيِّ أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلسُّجُودِ.
وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ السُّجُودُ في الأصْلِ التَّطامُنُ والتَّذَلُّلُ وجُعِلَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنِ التَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ وهو عامٌّ في الإنْسانِ والحَيَوانِ والجَمادِ.
وذَلِكَ ضَرْبانِ سُجُودٌ بِاخْتِيارٍ يَكُونُ لِلْإنْسانِ وبِهِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ وسُجُودٌ بِتَسْخِيرٍ يَكُونُ لِلْإنْسانِ وغَيْرِهِ مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ.
وخُصَّ في الشَّرِيعَةِ بِالرُّكْنِ المَعْرُوفِ مِنَ الصَّلاةِ وما جَرى مَجْراهُ مِن سُجُودِ التِّلاوَةِ وسُجُودِ الشُّكْرِ انْتَهى.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كَما خُصَّ في الشَّرِيعَةِ بِذَلِكَ خُصَّ في عُرْفِ اللُّغَةِ بِهِ.
وقالَ ابْنُ كَمالٍ: إنَّ حَقِيقَتَهُ عَلى ما نُصَّ عَلَيْهِ في المُجْمَلِ وضْعُ الرَّأْسِ، وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: حَقِيقَتُهُ وضْعُ الجَبْهَةِ لا الرَّأْسِ حَتّى لَوْ وُضِعَ الرَّأْسُ مِن جانِبِ القَفا لَمْ يَكُنْ ساجِدًا، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى عِلّاتِهِما قِيلَ السُّجُودُ هُنا مَجازٌ عَنِ الدُّخُولِ تَحْتَ تَسْخِيرِهِ تَعالى والِانْقِيادِ لِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنْ دَلالَةِ لِسانِ حالِ الأشْياءِ بِذِلَّتِها وافْتِقارِها عَلى صانِعِها وعَظَمَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، ووَجْهُ التَّنْوِيرِ عَلى هَذا ظاهِرٌ وكَذا التَّقْرِيعُ عَلى الِاخْتِلافِ.
( ومَن ) إمّا خاصَّةٌ بِالعُقَلاءِ وإمّا عامَّةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ وهو الأوْلى لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِإفادَتِهِ شُمُولَ الحُكْمِ لِكُلِّ ما فِيهِما بِطَرِيقِ القَرارِ فِيهِما أوْ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ ﴾ إفْرادًا لَها بِالذِّكْرِ لِشُهْرَتِها واسْتِبْعادِ ذَلِكَ مِنها بِحَسَبِ الظّاهِرِ في بادِئِ النَّظَرِ القاصِرِ كَما قِيلَ أوْ لِأنَّها قَدْ عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إمّا بِاعْتِبارِ شَخْصِها أوْ جِنْسِها.
فالشَّمْسُ عَبَدَتْها حِمْيَرُ والقَمَرُ عَبَدَتْهُ كِنانَةُ وعَبَدَ الدَّبَرانَ مِنَ النُّجُومِ تَمِيمٌ والشِّعْرى لَخْمٌ وقُرَيْشٌ، والثُّرَيّا طِيِّئٌ، وعُطارِدا أسَدٍ والمِرْزِمِ رَبِيعَةُ، وعَبَدَ أكْثَرُ العَرَبِ الأصْنامَ المَنحُوتَةَ مِنَ الجِبالِ.
وعَبَدَتْ غَطَفانُ العُزّى وهي سَمُرَةٌ واحِدَةُ السَّمَرِ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، ومِنَ النّاسِ مَن عَبَدَ البَقَرَ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وابْنُ وثّابٍ «الدَّوابَ» بِتَخْفِيفِ الباءِ.
وخَصَّ ابْنُ جِنِّيٍّ في المُحْتَسَبِ هَذِهِ القِراءَةَ بِالزُّهْرِيِّ، وقالَ: لا أعْلَمُ مَن خَفَّفَها سَواءٌ وهو قَلِيلٌ ضَعِيفٌ قِياسًا وسَماعًا لِأنَّ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى حَدِّهِ وعُذْرِهِ كَراهَةَ التَّضْعِيفِ ولِذا قالُوا في ظَلِلْتُ ظَلْتُ وقالُوا جانٌ بِالتَّخْفِيفِ وذَكَرَ لَهُ نَظائِرَ كَثِيرَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ﴾ قِيلَ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ سُجُودَ الطّاعَةِ المَعْرُوفَ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ صَرَّحَ في المُغْنِي بِأنَّ شَرْطَ الدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ عَلى المَحْذُوفِ أنْ يَكُونَ طَبَقَةً لَفْظًا ومَعْنًى أوْ مَعْنًى لا لَفْظًا فَقَطْ فَلا يَجُوزُ زَيْدٌ ضارِبٌ وعَمْرٌو عَلى أنَّ خَبَرَ عَمْرٍو مَحْذُوفٌ وهو ضارِبٌ مِنَ الضَّرْبِ في الأرْضِ أيْ مُسافِرٌ والمَذْكُورُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ.
وأجابَ الخَفاجِيُّ بِأنَّ ما ذَكَرَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ مِن أنَّ المُقَدَّرَ قَدْ يَكُونُ لازِمًا لِلْمَذْكُورِ نَحْوَ زَيْدًا ضَرَبْتُ غُلامَهُ أيْ أهَنْتُ زَيْدًا ولا يَكُونُ مُشْتَرِكًا كالمِثالِ المَذْكُورِ إلّا أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما مُلاءَمَةٌ فَيَصِحُّ إذا اتَّحَدا لَفْظًا وكانَ مِنَ المُشْتَرَكِ وبَيْنَهُما مُلازَمَةٌ تَدُلُّ عَلى المُقَدَّرِ ولِذا لَمْ يَصِحَّ المِثالُ المَذْكُورُ انْتَهى، وعَطَفَهُ بَعْضُهم عَلى المَذْكُوراتِ قَبْلَهُ وجَعَلَ السُّجُودَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِمَعْنى السُّجُودِ المَعْرُوفِ وفِيما تَقَدَّمَ بِمَعْنى الدُّخُولِ تَحْتَ التَّسْخِيرِ أوِ الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ الصّانِعِ جَلَّ شَأْنُهُ.
واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى جَوازِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ أوِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، والجَوابُ ما عَلِمْتَ، ولا يَجُوزُ العَطْفُ وجَعْلُ السُّجُودِ في الجَمِيعِ بِمَعْنى الدُّخُولِ تَحْتَ التَّسْخِيرِ أوِ الدَّلالَةِ عَلى العَظَمَةِ لِأنَّ ذَلِكَ عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ فَلا يَلِيقُ حِينَئِذٍ ذِكْرُ ( كَثِيرٌ ) وغَيْرُ العامِّ إنَّما هو السُّجُودُ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ فَيُفِيدُ ذِكْرُ ( كَثِيرٌ ) إذا أُرِيدَ أنَّ مِنهم مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ وهو كَذَلِكَ، وما قِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الكَثِيرِ عَلى إرادَةِ السُّجُودِ العامِّ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ والتَّنْوِيهِ بِهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ كَيْفَ يَتَأتّى التَّنْوِيهُ وقَدْ قُرِنَ بِهِمْ غَيْرُ العُقَلاءِ كالدَّوابِّ، وقالَ ابْنُ كَمالٍ: تَمَسَّكَ مَن جَوَّزَ حَمْلَ المُشْتَرَكِ في اسْتِعْمالِ واحِدٍ عَلى أكْثَرِ مِن مَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ الآيَةَ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالسُّجُودِ المَنسُوبِ إلى غَيْرِ العُقَلاءِ الِانْقِيادُ لِتَعَذُّرِ السُّجُودِ المَعْهُودِ في حَقِّهِ ومِنَ المَنسُوبِ إلَيْهِمْ ما هو المَعْهُودُ دُونَ الِانْقِيادِ لِأنَّهُ شامِلٌ لِلْكُلِّ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالكَثِيرِ ولا مُتَمَسَّكَ لَهم في ذَلِكَ لِأنَّ كُلًّا مِنَ التَّعْلِيلَيْنِ في مَعْرِضِ المَنعِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ حَقِيقَةَ السُّجُودِ وضْعُ الرَّأْسِ ولا تَعَذُّرَ في نِسْبَتِهِ إلى غَيْرِ العُقَلاءِ ولا حاجَةَ إلى إثْباتِ حَقِيقَةِ الرَّأْسِ في الكُلِّ لِأنَّ التَّغْلِيبَ سائِغٌ شائِعٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الكَفّارَ لا سِيَّما المُتَكَبِّرِينَ مِنهم لا حَظَّ لَهم مِنَ الِانْقِيادِ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ الإطاعَةُ بِما ورَدَ في حَقِّهِ مِنَ الأمْرِ تَكْلِيفِيًّا كانَ أوْ تَكْوِينِيًّا عَلى وجْهٍ ورَدَ بِهِ الأمْرُ وتَقْدِيرُ فِعْلٍ آخَرَ في هَذا المَقامِ مِن ضِيقِ العَطَنِ كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ الفِطَنِ انْتَهى.
وفِيهِ القَوْلُ بِجَوازِ العَطْفِ عَلى كِلا مَعْنى السُّجُودِ وضْعِ الرَّأْسِ والِانْقِيادِ وبَيانُ فائِدَةِ تَخْصِيصِ الكَثِيرِ عَلى الثّانِي، ولا يَخْفى أنَّ المُتَبادَرَ مِن مُعْتَبَراتِ كُتُبِ اللُّغَةِ أنَّ السُّجُودَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ في الخُضُوعِ مُطْلَقًا وأنَّ ما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ التَّغْلِيبِ خِلافُ الظّاهِرِ وكَذا حُمِلَ الِانْقِيادُ عَلى ما ذَكَرَهُ، وقَدْ أخَذَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى كِلا المَعْنَيَيْنِ مِنَ التَّوْضِيحِ وقَدْ أسْقَطَ مِمّا فِيهِ ما عَنْهُ غِنًى، وما زَعَمَ أنَّهُ مِن ضِيقِ العَطَنِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ القَوْمِ وعَلَيْهِ يَكُونُ ( مِنَ النّاسِ ) صِفَةَ ( كَثِيرٌ ) وأوْرَدَ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَرِدُ أنَّ سُجُودَ الطّاعَةِ المَعْرُوفَ لا يَخْتَصُّ بِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ مُتَّصِفٌ بِهِ أيْضًا، وكَوْنُهم غَيْرَ مُكَلَّفِينَ خِلافُ القَوْلِ الأصَحِّ.
نَعَمْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ وعَلى مُدَّعِيهِ البَيانُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ ما يَعُمُّ الجِنَّ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ حَسَبَ إطْلاقِ النَّفَرِ والرِّجالِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ يَسْجُدُ المُقَدَّرَ داخِلٌ في الرُّؤْيَةِ وقَدْ قالُوا: المُرادُ بِها العِلْمُ والتَّعْبِيرُ بِها عَنْهُ لِلْإشْعارِ بِظُهُورِ المَعْلُومِ وظُهُورُ السُّجُودِ بِمَعْنى الدُّخُولِ تَحْتَ التَّسْخِيرِ في الأشْياءِ المَنسُوبِ هو إلَيْها مِمّا لا سُتْرَةَ عَلَيْها وكَذا ظُهُورُهُ بِمَعْنى السُّجُودِ المَعْرُوفِ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وأمّا في الجِنِّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلِذا وصَفَ الكَثِيرَ بِكَوْنِهِ مِنَ النّاسِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الخِطابَ في ( ألَمْ تَرَ ) لِمَن يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ ولا سُتْرَةَ في ظُهُورِ أمْرِ السُّجُودِ مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.
ورُدَّ بِأنَّ مُرادَ المُجِيبِ في أنَّ سُجُودَ الجِنِّ لَيْسَ بِظاهِرٍ في نَفْسِ الأمْرِ ومَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المُخاطَبِ كائِنًا مَن كانَ ظُهُورُ دُخُولِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا تَحْتَ التَّسْخِيرِ بِخِلافِ سُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ ظُهُورَ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ فَخُصَّ الكَثِيرُ بِكَوْنِهِ مِنَ النّاسِ لِيَكُونَ الدّاخِلُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ مِن صَقْعٍ واحِدٍ مِنَ الظُّهُورِ في نَفْسِ الأمْرِ.
وقِيلَ المَقامُ يَقْتَضِي تَكْثِيرَ الرّائِينَ لِما يُذْكَرُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ والتَّخْصِيصُ أوْفَقُ بِذَلِكَ فَلِذا خُصَّ الكَثِيرُ بِكَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ والكُلُّ كَما تَرى، والأوْلى أنْ يُقالَ: تَخْصِيصُ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ بِنِسْبَةِ السُّجُودِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ إلَيْهِمْ عَلى القَوْلِ بِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ كَذَلِكَ لِلتَّنْوِيهِ بِهِمْ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ ما مَرَّ لِأنَّهُ لَمْ يُقْرَنْ بِهِمْ في هَذا السُّجُودِ غَيْرُ العُقَلاءِ فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: إنَّ ( كَثِيرٌ ) مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ حُذِفَ خَبَرُهُ ثِقَةً بِدَلالَةِ خَبَرِ قَسِيمِهِ عَلَيْهِ نَحْوَ حُقَّ لَهُ الثَّوابُ ويُفِيدُ الكَلامُ كَثْرَةَ الفَرِيقَيْنِ والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في السُّجُودِ والطّاعَةِ لِلْحَقِّ المَعْبُودِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( كَثِيرٌ ) مُبْتَدَأً ( ومِنَ النّاسِ ) خَبَرَهُ والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْحَقِيقَةِ والجِنْسِ أيْ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ هُمُ النّاسُ عَلى الحَقِيقَةِ وهُمُ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ، وقالَ الرّاغِبُ: قَدْ يَذْكَرُ النّاسُ ويُرادُ بِهِ الفُضَلاءُ دُونَ مَن يَتَناوَلُهُ اسْمُ النّاسِ تَجَوُّزًا، وذَلِكَ إذا اعْتُبِرَ مَعْنى الإنْسانِيَّةِ وهو وُجُودُ العَقْلِ والذِّكْرِ وسائِرِ القُوى المُخْتَصَّةِ بِهِ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ عُدِمَ فِعْلُهُ المُخْتَصُّ بِهِ لا يَكادُ يَسْتَحِقُّ اسْمَهُ والمُخَصِّصُ لِلْمُبْتَدَأِ النَّكِرَةِ أنَّهُ صِفَةُ مَحْذُوفٍ بِالحَقِيقَةِ عَلى أنَّ المُعادَلَةَ مِنَ المُخَصَّصاتِ إذا قُلْتَ رِجالٌ مُكْرَمُونَ ورِجالٌ مُهانُونَ لِأنَّهُ تَفْصِيلٌ مُجْمَلٌ فَهو مَوْصُوفٌ تَقْدِيرًا ولِأنَّ كُلًّا مِنَ المُقابَلَيْنِ مَوْصُوفٌ بِمُغايَرَةِ الآخَرِ فَهَذا داخِلٌ في الوَصْفِ المَعْنَوِيِّ، وأنْ يَكُونَ ( كَثِيرٌ ) مُبْتَدَأً ( ومِنَ النّاسِ ) صِفَتَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَثِيرٌ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ أيْ ثَبَتَ وتَقَرَّرَ خَبَرٌ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: عِنْدِي ألْفٌ وألْفٌ أيْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ ومِثْلُهُ شائِعٌ في كَلامِهِمْ فَيُفِيدُ كَثْرَةَ مَن حَقِّ عَلَيْهِ العَذابُ مِنَ النّاسِ، وهَذانِ الوَجْهانِ بِعِيدانِ، وقالَ في البَحْرِ: ضَعِيفانِ.
والظّاهِرُ أنَّ ( كَثِيرٌ ) الثّانِيَ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ وقَدْ أُقِيمَتْ مَقامَ لا يَسْجُدُ فَكَأنَّهُ قِيلَ ويَسْجُدُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ولا يَسْجُدُ كَثِيرٌ مِنهم، ولا يَخْفى ما في تِلْكَ الإقامَةِ مِنَ التَّرْهِيبِ عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ والطّاعَةِ، ولا يَخْفى ما في عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِتَقْيِيدِ الكَثِيرِ بِكَوْنِهِ مِنَ النّاسِ مِمّا يُقَوِّي دَعْوى أنَّ التَّقْيِيدَ فِيما تَقَدَّمَ لِلتَّنْوِيهِ، وحَمْلُ عَدَمِ التَّقْيِيدِ لِيَعُمَّ الكَثِيرَ مِنَ الجِنِّ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَن والسُّجُودُ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ السّابِقَيْنِ وجُمْلَةُ ( حَقَّ ) إلَخْ صِفَتُهُ ويُقَدَّرُ وصْفٌ لِكَثِيرٍ الأوَّلِ بِقَرِينَةِ مُقابِلِهِ أيْ حَقَّ لَهُ الثَّوابُ ( ومِنَ النّاسِ ) صِفَةٌ لَهُ أيْضًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقُرِئَ «حُقَّ» بِضَمِّ الحاءِ و«حَقًّا» أيْ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ حَقًّا فَهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ ﴿ ومَن يُهِنِ اللَّهُ ﴾ بِأنْ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الشَّقاءَ حَسْبَما اسْتَعَدَّتْ لَهُ ذاتُهُ مِنَ الشَّرِّ، ومَن مَفْعُولٌ مُقَدَّرٌ لِيُهِنْ ﴿ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ ﴾ يُكْرِمُهُ بِالسَّعادَةِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «مُكْرَمٍ» بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كَما في القامُوسِ أيْ مِمّا لَهُ إكْرامٌ، وقِيلَ اسْمُ مَفْعُولٍ بِمَعْنى المَصْدَرِ ولا حاجَةَ إلى التِزامِهِ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى ما هو الشّائِعُ في هَذِهِ الصِّيغَةِ مِن كَوْنِهِ اسْمَ مَفْعُولٍ، والمَعْنى ما لَهُ مَن يُكْرِمُ ويَشْفَعُ فِيهِ لِيَخْلُصَ مِنَ الإهانَةِ.
ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإكْرامُ والإهانَةُ، وهَذا أوْلى مِن تَخْصِيصٍ ما بِقَرِينَةِ السِّياقِ بِهِما.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ، يعني: ألم تعلم؟
ويقال: ألست تعلم؟
ويقال: ألم تخبر في الكتاب؟
أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من الخلق، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ.
قال مقاتل: سجود هؤلاء حين تغرب الشمس تحت العرش.
ويقال: سجودها دورانها وَسجود الشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أي المؤمنين.
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ أي وجب عليه العذاب بترك سجودهم في الدنيا ويقال وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ سجودهم ظلّهم، ويقال: يسجد أي يخضع.
وفيه آية الخلق، فهو سجودهم.
وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ، يعني: من قضى الله عز وجل عليه بالشقاوة، فما له من مسعد.
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ، يعني: يحكم ما يشاء في خلقه من الإهانة والإكرام.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ: عبارة عن المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ قاله ابنُ عباس «١» وغيرُه وذلك أَنَّ صاحب الكبر يردُّ وجهه عَمَّنْ يتكبر عنه، فهو يَرُدُّ وجههُ يِصَعِّرُ خَدَّهُ، ويولي صَفْحَتَهُ، ويَلْوَيَ عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفَه، وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف: الجانب.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي: يقال له ذلك، واخْتُلِفَ في الوقف على:
يَداكَ فقيل: لا يجوزُ: لأَنَّ التقدير: وبأَنَّ الله، أي: أنَّ هذا هو العدل فيك بجَرَائِمِكَ.
وقيل: يجوز بمعنى: والأمر أنّ الله ليس بظلّام للعبيد.
وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ...
الآية نزلت في أعراب، وقوم لا يَقِينَ لهم كان أحدُهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقاتٌ حِسَانٌ: من نموِّ مال، وولد يُرْزَقُهُ، وغير ذلك- قال: هذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتمسك به لهذه المعاني، وإنْ كان الأمر بخلاف ذلك، تشاءَم به، وارتد كما فعل العُرَنِيون، قال هذا المعنى ابن عباس «٢» وغيره.
وقوله: عَلى حَرْفٍ معناه: على انحرافٍ منه عن العقيدة البيضاء، وقال البخاريُّ «٣» :
عَلى حَرْفٍ: على شَكٍّ، ثم أسند عن ابن عباس ما تقدم من حال الأعراب، / انتهى.
٢٢ ب وقوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ يريد الأوثانَ، ومعنى يَدْعُوا: يعبد، ويدعو أيضاً في مُلِمَّاتِهِ، واللام في قوله: لَمَنْ ضَرُّهُ: لام مُؤْذِنَةٌ بمجيء القسم، والثانية في لَبِئْسَ: لام القسم، والْعَشِيرُ: القريب المعاشر في الأمور.
ت وفي الحديث في شأن النساء: «وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» يعني الزوج.
قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ «١» : قال أهل اللغة: العشير: الخليط من المعاشرة والمخالطة، ومنه قوله عز وجل: لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ انتهى من «التمهيد» ، والذي يظهر: أَنَّ المراد بالمولى والعشير هو الوثن الذي ضَرُّهُ أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد «٢» ، ثم عَقَّبَ سبحانه بذكر حالة أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...
الآية، ثم أَخذتِ الآية في توبيخ أولئك الأولين كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظَنُّوا أَنَّ الله تعالى لن ينصرَ محمداً وأتباعه، ونحن إنَّما أمرناهم بالصبر وانتظارِ وعدنا، فَمَنْ ظَنَّ غير ذلك فليمدد بسبب، وهو الحبل وليختنق هل يذهب بذلك غيظه؟
قال هذا المعنى قتادة «٣» ، وهذا على جهة المَثَلِ السائر في قولهم: «دُونَكَ الحَبْلُ فاختنق» ، والسَّماءِ على هذا القول: الهواء عُلُوّاً، فكأَنه أراد سقفاً أو شجرة، ولفظ البخاري: وقال ابن عباس: «بسبب إلى سَقْفِ البيتِ» «٤» ، انتهى، والجمهورُ على أنَّ القطع هنا هو الاختناق.
قال الخليل: وقطع الرجل: إذا اختنق بحبل ونحوه، ثم ذكر الآية، ويحتمل المعنى مَنْ ظَنَّ أَنَّ محمداً لا ينصر فليمت كمداً هو منصور لا محالَة، فليختنق هذا الظانُّ غيظاً وكمداً، ويؤيد هذا: أَنَّ الطبري والنقاش قالا: ويُقال: نزلت في نفر من بني أَسَدٍ وغَطَفَانَ، قالوا: نخاف أَلاَّ يُنصرَ محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهودٍ من المنافع «٥» ، والمعنى الأَوَّلُ الذي قيل للعابدين على حرف- ليس بهذا ولكنه بمعنى: مَنْ قلق واستبطأ النصر، وظَنَّ أن محمداً لا يُنْصَرُ فليختنق سفاهةً إذ تعدَّى الأمرُ الذي حد له في الصبر وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في يَنْصُرَهُ عائدٌ على مَنْ والمعنى: مَنْ كان من المتقلّقين من المؤمنين «٦» ، وما في قوله: ما يَغِيظُ بمعنى الذي، ويحتمل أنْ تكونَ مصدرية حرفاً فلا عائد عليها، وأبينُ الوجوه في الآية: التأويل الأَوَّلُ وباقي الآية بيّن.
وقوله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أي: ساجدون مرحومون بسجودهم، وقوله:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ ﴾ ؛ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ.
وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ ( النَّحْلِ: ٤٩ ) مَعْنى السُّجُودِ في حَقِّ مَن يَعْقِلُ ومَن لا يَعْقِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي: المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمَ الكفّارُ، وهم يَسْجُدُونَ، وسُجُودُهم سُجُودُ ظِلِّهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم لا يَسْجُدُونَ، والمَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أبى السُّجُودَ، فَحَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ لِتَرْكِهِ السُّجُودَ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ ﴾ ؛ أيْ: مَن يَشُقِهِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُسْعِدٍ، ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ في خَلْقِهِ مِنَ الكرامَةِ والإهانَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ والجِبالُ والشَجَرُ والدَوابُّ وكَثِيرٌ مَن الناسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ومَن يُهِنِ اللهَ فَما لَهُ مَن مُكْرِمٍ إنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ ﴿ هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ ﴿ يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ ﴾ ﴿ وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ ﴾ ﴿ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ "ألَمْ تَرَ" تَنْبِيهٌ، مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهَذِهِ آيَةُ إعْلامٍ بِتَسْلِيمِ المَخْلُوقاتِ جَمِيعِها لِلَّهِ تَعالى وخُضُوعِها.
وذَكَرَ في الآيَةِ كُلَّ ما عَبَدَ الناسُ إذْ في المَخْلُوقاتِ أعْظَمُ مِمّا ذَكَرَ كالبِحارِ والرِياحِ والهَواءِ، فَـ "مَن في السَماواتِ": المَلائِكَةُ، و"مَن في الأرْضِ" مَن عَبَدَ مِنَ البَشَرِ.
و"الشَمْسُ" كانَتْ تَعْبُدُها حِمْيَرُ، وهم قَوْمُ بِلْقِيسٍ، و "القَمَرُ" كانَتْ كِنانَةُ تَعْبُدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وكانَتْ تَمِيمُ تَعْبُدُ الدُبْرانِ، وكانَتْ لِخُمْ تَعْبُدُ المُشْتَرِيَ، وكانَتْ طَيُّ تَعْبُدُ الثُرَيّا، وكانَتْ قُرَيْشُ تَعْبُدُ الشِعْرَ، وكانَتْ أسَدُ تَعْبُدُ عُطارِدَ، وكانَتْ رَبِيعَةُ تَعْبُدُ المُرْزِمْ، و"الجِبالُ والشَجَرُ" مِنها النارُ وأصْنامُ الحِجارَةِ والخَشَبُ، و"الدَوابُّ" فِيها البَقَرُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا عَبَدَ مِنَ الحَيَوانِ كالدِيكِ ونَحْوِهِ.
و "السُجُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو بِالخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِلْأمْرِ، وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ: ............................
تَرى الأكَمَّ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وهَذا مِمّا يَتَعَذَّرُ فِيهِ السُجُودُ المُتَعارَفُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: سُجُودُ هَذِهِ الأشْياءِ هو بُطْلانُها، وقالَ بَعْضُهُمْ: سُجُودُها هو بِظُهُورِ الصَنْعَةِ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وهْمٌ، وإنَّما خَلَطَ هَذِهِ الآيَةَ بِآيَةِ التَسْبِيحِ، وهُنالِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هي بِآثارِ الصَنْعَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ: وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ سَجْدًا، أيْ كَراهِيَةً وعَلى رُغْمِهِ، إمّا بِخُضُوعِهِ عِنْدَ المَكارِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ: سُجُودُهُ بِظِلِّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ مُعادَلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ الناسِ ﴾ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم مَرْحُومُونَ بِسُجُودِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللهُ ﴾ الآيَةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَما لَهُ مِن مُكْرِمْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الراءِ عَلى مَعْنى: مِن مَوْضِعٍ، أو عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَمَدْخَلٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والدَوابُّ" مُشَدَّدَةَ الباءِ، وقَرَأ الزَهْرِيُّ وحْدَهُ بِتَخْفِيفِ الباءِ، وهي قَلِيلَةٌ ضَعِيفَةٌ، وهي تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما قالُوا: ظَلَّتْ وأحَسَّتْ، وكَما قالَ عَلْقَمَةُ: كَأنَّ إبْرِيقَهم ظَبْيٌ عَلى شَرَفٍ ∗∗∗ مُفَدَّمٌ بِسَبا الكَتّانِ مُلْثُومُ أرادَ: بِسَبائِبَ الكَتّانِ: وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في مَثْلِهِ: حَتّى إذا ما لَمْ أجِدْ غَيْرَ الشَرِّ ∗∗∗ كُنْتُ امْرِءًا مِن مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ وهَذا بابٌ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشِعْرِ فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ ﴾ الآيَةُ.
اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "هَذانِ" فَقالَ قَيْسُ بْنُ عُبادَةَ، وهِلالُ بْنُ يُسافٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُتَبارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم سِتَّةٌ: حَمْزَةُ، وعَلَيٌّ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، بَرَزُوا لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: أنا أوَّلُ مَن يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأقْسَمَ أبُو ذَرٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى هَذا القَوْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَقْعَ أنَّ الآيَةَ فِيهِمْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ بَيْنَهم تَخاصُمْ، فَقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أقْدَمُ دِينًا مِنكم ونَحْوَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المُخاصَمَةُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والحُسْنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعاصِمْ، والكَلْبِيُ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ عَلى العُمُومِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ تُعَضِّدُهُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ الناسِ ﴾ ، المَعْنى: فَهم مُؤْمِنُونَ ساجِدُونَ، ثُمْ قالَ: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ ، ثُمْ أشارَ إلى هَذَيْنَ الصِنْفَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ ، والمَعْنى أنَّ الإيمانَ وأهْلَهُ والكُفْرَ وأهْلَهُ خَصْمانِ مُذْ كانا إلى قِيامِ الساعَةِ بِالعَداوَةِ والجِدالِ والحَرْبِ.
وقَوْلُهُ: "خَصْمانِ" يُرِيدُ: طائِفَتَيْنِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ خَصْمٍ هي مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والواحِدُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ الجَمْعَ قَوْلُهُ تَعالى: "اخْتَصَمُوا"، فَإنَّها قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "اخْتَصَما في رَبِّهِمْ".
وقَوْلُهُ: "فِي رَبِّهِمْ" مَعْناهُ: في شَأْنِ رَبِّهِمْ وصِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في رِضى رَبِّهِمْ، وفي ذاتِهِ.
ثُمْ بَيَّنَ حُكْمَ الفَرِيقَيْنِ، فَتَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى الكَفّارَ بِعَذابِ جَهَنَّمَ، و "قُطِّعَتْ" مَعْناهُ: جُعِلَتْ لَهم بِتَقْدِيرٍ كَما يُفَصَّلُ الثَوْبُ، ورُوِيَ أنَّها مِن نُحاسٍ، وقِيلَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الحِجارَةِ أحَرَّ مِنهُ إذا حَمِيَ.
ورُوِيَ في صَبِّ الحَمِيمِ - وهو الماءُ المَغْلِيُّ- أنَّهُ تُضْرَبُ رُؤُوسُهم بِالمَقامِعِ فَتَنْكَشِفُ أدْمِغَتُهم فَيُصَبُّ الحَمِيمُ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: بَلْ يُصَبُّ الحَمِيمُ أوَّلًا فَيَفْعَلُ ما وُصِفَ ثُمْ تُضْرَبُ بِالمَقامِعِ بَعْدَ ذَلِكَ.
و "الحَمِيمُ" الماءُ المَغْلِيُّ، و "يُصْهَرُ" مَعْناهُ: يُذابُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: يُعْصَرُ، وهَذِهِ العِبارَةُ قَلِقَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَنْضَجُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .................
∗∗∗ تَصْهَرُهُ الشَمْسُ ولا يَنْصَهِرُ وإنَّما يُشْبِهُ -فِيمَن قالَ: يُعْصَرُ- أنَّهُ أرادَ الحَمِيمَ يَهْبِطُ -كُلَّما يُلْقى- في الجَوْفِ ويَكْشِطُهُ ويَسْلِتُهُ، وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ عَنِ النَبِيِّ «أنَّهُ يَسْلِتُهُ ويَبْلُغُ بِهِ قَدَمَيْهِ ويُذِيبُهُ، ثُمْ يُعادُ كَما كانَ».
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَصْهَرُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُصَهَّرُ" بِفَتْحِ الصادِ وشَدِّ الهاءِ، و"المِقْمَعَةُ" -بِكَسْرِ المِيمِ- مِقْرَعَةٌ مِن حَدِيدٍ يُقْمَعُ بِها المَضْرُوبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أرادُوا" رُوِيَ فِيهِ أنَّ لَهَبَ النارِ إذا ارْتَفَعَ رَفَعَهم فَيَصِلُونَ إلى أبْوابِ النارِ فَيُرِيدُونَ الخُرُوجَ فَيُضْرَبُونَ بِالمَقامِعِ وتَرُدُّهُمُ الزَبانِيَةُ.
و "مِن" في قَوْلِهِ: "مِنها" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي قَوْلِهِ: "مِن غَمٍّ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ غايَةٍ أيْضًا، وهي بَدَلٌ مِنَ الأُولى، وقَوْلُهُ: "وَذُوقُوا" هُنا حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: ويُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، و"الحَرِيقِ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ أيْ: مُحْرِقٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "هَذانِ" بِتَخْفِيفِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "هَذانِّ" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأها شِبْلٌ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ في المُبْهَماتِ كاللذانِ وهَذانِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ.
<div class="verse-tafsir"
جملة مستأنفة لابتداء استدلال على انفراد الله تعالى بالإلهية.
وهي مرتبطة بمعنى قوله ﴿ يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه إلى قوله: لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ [الحج: 12، 13] ارتباط الدليل بالمطلوب فإنّ دلائل أحوال المخلوقات كلها عاقِلها وجمادها شاهدة بتفرد الله بالإلهية.
وفي تلك الدلالة شهادة على بطلان دعوة من يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه.
وما وقع بين هاتين الجملتين استطرادٌ واعتراضٌ.
والرؤية: علمية.
والخطاب لغير معين.
والاستفهام إنكاريّ.
أنكر على المخاطبين عدم علمهم بدلالة أحوال المخلوقات على تفرد الله بالإلهية.
ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والاستفهام تقريرياً، لأنّ حصول علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك متقرّر من سورة الرعد وسورة النحل.
وقد تقدم الكلام على معنى هذا السجود في السورتين المذكورتين.
وقد استعمل السجود في حقيقته ومجازه، وهو حسن وإن أباه الزمخشري، وقد حققناه في المقدمة التاسعة، لأن السجود المثبت لكثير من الناس هو السجود الحقيقي، ولولا إرادة ذلك لما احترس بإثباته لكثير من الناس لا لجميعهم.
ووجه هذا التفكيك أن سجود الموجودات غير الإنسانية ليس إلا دلالة تلك الموجودات على أنها مسخرة بخلق الله، فاستعير السجود لحالة التسخير والانطياع.
وأما دلالة حال الإنسان على عبوديته لله تعالى فلما خالطها إعراض كثير من الناس عن السجود لله تعالى، وتلبّسهم بالسجود للأصنام كما هو حال المشركين غطّى سجودهم الحقيقي على السجود المجازي الدال على عبوديتهم لله لأن المشاهدة أقوى من دلالة الحال فلم يثبت لهم السجود الذي أثبت لبقيّة الموجودات وإن كان حاصلاً في حالهم كحال المخلوقات الأخرى.
وجملة ﴿ وكثير حق عليه العذاب ﴾ معترضة بالواو.
وجملة ﴿ حق عليه العذاب ﴾ مكنّى بها عن ترك السجود لله، أي حق عليهم العذاب لأنهم لم يسجدوا لله، وقد قضى الله في حكمه استحقاق المشرك لعذاب النار.
فالذين أشركوا بالله وأعرضوا عن إفراده بالعبادة قد حق عليهم العذاب بما قضى الله به وأنذرهم به.
وجملة ﴿ ومن يهن الله فما له من مكرم ﴾ اعتراض ثان بالواو.
والمعنى: أن الله أهانهم باستحقاق العذاب فلا يجدون من يكرمهم بالنصر أو بالشفاعة.
وجملة ﴿ إن الله يفعل ما يشاء ﴾ في محل العلة للجملتين المعترضتين لأن وجود حرف التوكيد في أول الجملة مع عدم المنكر يمحّض حرفَ التوكيد إلى إفادة الاهتمام فنشأ من ذلك معنى السببية والتعليل، فتغني (أنّ) غناء حرف التعليل أو السببية.
وهذا موضع سجود من سجود القرآن باتفاق الفقهاء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ النّارَ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ.
﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وهَذا قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ والثّانِي: ومَن يُهِنِ اللَّهُ بِالشِّقْوَةِ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ بِالسَّعادَةِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ مِن شِقْوَةٍ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وعَلِيِّ بْنِ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهًا ثالِثًا: ومَن يُهِنِ اللَّهُ بِالِانْتِقامِ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ بِالإنْعامِ، إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِن إنْعامٍ وانْتِقامٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ﴾ الآية.
قال: سجود ظل هذا كله ﴿ وكثير من الناس ﴾ قال: المؤمنون ﴿ وكثير حق عليه العذاب ﴾ قال: هذا الكافر سجود ظله وهو كاره.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: سجود كل شيء فيئه، وسجود الجبال فيئها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الثوب يسجد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن أبي العالية رضي الله عنه قال: ما في السماء من شمس ولا قمر ولا نجم، إلا يقع ساجداً حتى يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى معلمه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: إذا فاء الفيء لم يبق شيء من دابة ولا طائر إلا خر لله ساجداً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً يطوف بالبيت ويبكي، فإذا هو طاوس!
فقال: عجبت من بكائي؟
قلت: نعم.
قال: ورب هذه البنية، إن هذا القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له.
وأخرج أحمد في الزهد عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: مر رجل على عبدالله بن عمرو وهو ساجد في الحجر وهو يبكي فقال: أتعجب أن أبكي من خشية الله وهذا القمر يبكي من خشية الله...؟
وأخرج ابن أبي حاتم عن طاوس رضي الله عنه في الآية قال: لم يستثن من هؤلاء أحداً، حتى إذا جاء ابن آدم استثناه فقال: ﴿ وكثير من الناس ﴾ قال: والذي أحق بالشكر هو أكثرهم.
وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة والخلعي في فوائده، عن علي أنه قيل له: إن هاهنا رجلاً يتكلم في المشيئة.
فقال له علي: يا عبدالله، خلقك الله لما يشاء أو لما شئت؟
قال: بل لما يشاء.
قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟
قال: بل إذا شاء.
قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟
قال: بل إذا شاء.
قال: فيدخلك الجنة حيث شاء أو حيث شئت؟
قال: بل حيث شاء.
قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقسم قسماً إن هذه الآية ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم...
﴾ إلى قوله: ﴿ ان الله يفعل ما يريد ﴾ نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين تبارزوا يوم بدر وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث، وعليّ بن أبي طالب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة.
قال علي رضي الله عنه: أنا أول من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير والبيهقي من طريق قيس بن عبادة، عن علي رضي الله عنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة.
قال قيس: فيهم نزلت ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد ابن عتبة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما بارز علي وحمزة وعبيدة وعتبة وشيبة والوليد، قالوا لهم: تكلموا نعرفكم.
قال: أنا علي، وهذا حمزة، وهذا عبيدة.
فقالوا: أكفاء كرام!
فقال علي: أدعوكم إلى الله وإلى رسوله.
فقال عتبة: هلم للمبارزة.
فبارز علي شيبة فلم يلبث أن قتله، وبارز حمزة عتبة فقتله، وبارز عبيدة الوليد فصعب عليه فأتى علي فقتله.
فأنزل الله: ﴿ هذان خصمان...
﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: لما التقوا يوم بدر قال لهم عتبة بن ربيعة: لا تقتلوا هذا الرجل، فإنه إن يكن صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يكن كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه.
فقا أبو جهل بن هشام: لقد امتلأت رعباً.
فقال عتبة: ستعلم أينا الجبان المفسد لقومه.
قال: فبرز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، فنادوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: «ابعث إلينا أكفاءنا نقاتلهم.
فوثب غلمة من الأنصار من بني الخزرج، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلسوا...
قوموا يا بني هاشم.
فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث فبرزوا لهم، فقال عتبة: تكلموا نعرفكم أن تكونوا أكفاءنا قاتلناكم.
قال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب...
أنا أسد الله وأسد رسوله.
فقال عتبة: كفء كريم!
فقال علي: أنا علي بن أبي طالب...
فقال: كفء كريم!
فقال عبيدة.
أنا عبيدة بن الحارث...
فقال عتبة: كفء كريم!
فأخذ حمزة شيبة بن ربيعة، وأخذ علي بن أبي طالب عتبة بن ربيعة، وأخذ عبيدة الوليد.
فأما حمزة، فأجاز على شيبة، وأما علي فاختلفا ضربتين، فأقام فأجاز على عتبة، وأما عبيدة فأصيبت رجله.
قال: فرجع هؤلاء وقتل هؤلاء، فنادى أبو جهل وأصحابه: لنا العزى ولا عزى لكم، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
فأنزل الله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم...
﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن لاحق بن حميد قال: نزلت هذه الآية يوم بدر ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ﴾ في عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.
ونزلت ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ إلى قوله: ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ في علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن قال: هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله وأقدم منكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم.
وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم وقال المسلمون: إن كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج الله أهل الإسلام على من ناوأهم فأنزل الله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم...
﴾ إلى قوله: ﴿ عذاب الحريق ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: هما الجنة والنار اختصمتا فقالت النار: خلقني الله لعقوبته.
وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ﴾ قال: الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ قطعت لهم ثياب من نار ﴾ من نحاس، وليس من الآنية شيء إذا حمي اشتد بأحر منه.
وفي قوله: ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم ﴾ قال: النحاس يذاب على رؤوسهم.
وفي قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ قال: تسيل أمعاؤهم والجلود، قال: تتناثر جلودهم حتى يقوم كل عضو بحياله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي، أنه قرأ قوله: ﴿ قطعت لهم ثياب من نار ﴾ قال: سبحان من قطع من النار ثياباً.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: كسي أهل النار والعري كان خيراً لهم، وأعطوا الحياة والموت كان خيراً لهم.
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه، عن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدمه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكليتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه يكرهه فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفدغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه فيصل إلى جوفه من دماغه.
فذلك قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن سعيد ابن جبير قال: إذا جاء أهل النار في النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختنست جلود وجوههم، فلو أن ماراً يمر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم بها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد سقطت عنه الجلود و ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم، ثم يضربون.
بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالويل والثبور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ قال: يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم.
وفي قوله: ﴿ ولهم مقامع من حديد ﴾ قال: يضربون بها فيقع كل عضو على حياله.
وأخرج ابن الأنباري والطستي في مسائله، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ يصهر ﴾ قال: يذاب ﴿ ما في بطونهم ﴾ إذا شربوا الحميم.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: سخنت صهارته فظل عثانه ** في شيطل كعب به تتردد وظل مرتثياً للشمس تصهره ** حتى إذا الشمس قامت جانباً عدلاً وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ قال: يسقون ماء إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ قال: يذاب إذابة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك مثله.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة ﴿ يصهر به ﴾ قال: يذاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله: ﴿ يصهر به ﴾ قال: يذاب كما يذاب الشحم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ولهم مقامع ﴾ قال: مطارق.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: كان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد.
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان، ما أقلوه في الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان» .
وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها.
ثم قرأ ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر القاري، أنه قرأ هذه الآية ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فبكى وقال: أخبرني زيد بن أسلم في هذه الآية ان أهل النار في النار لا يتنفسون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل بن عياض في الآية قال: والله ما طمعوا في الخروج؛ لأن الأرجل مقيدة والأيدي موثقة، ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها.
وأخرج البخاري ومسلم عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» .
وأخرج النسائي والحاكم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب في الآخرة» .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن ابن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» قال ابن الزبير من قبل نفسه: ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ ولباسهم فيها حرير ﴾ .
وأخرج النسائي والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَر ﴾ ألم تعلم؛ لأن المراد الرؤية بالقلب والفعل.
وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ قال الفراء: يعني أهل السموات ﴿ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال: يعني كل خلق [من الجبال ومن الجن وأشباه ذلك (١) وقوله ﴿ وَالشَّمْسُ ﴾ إلى قوله ﴿ وَالدَّوَابُّ ﴾ وصف الله تعالى هذه الأشياء كلها] (٢) (٣) (٤) قال الزجاج: السجود هاهنا الخضوع لله، وهو طاعة مما خلق الله من الحيوان والموات فالسجود هاهنا سجود طاعة واحتج بقوله تعالى: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ (٥) وقال النحاس: هذا القول صحيح بيّن، فكل شيء منقاد لله -عَزَّ وَجَلَّ- على ما خلقه، وعلى ما رزقه، وعلى ما أصحه وعلى ما أسقمه، وليس هذا سجود العبادة (٦) وقال قوم: إن السجود من هذه الأشياء التي هو موات ومن الحيوان الذي لا يعقل إنما هو أثر الصنعة فيها والتسخير والتصوير الذي يدعو العارفين إلى السجود لله -عَزَّ وَجَلَّ- (٧) وهذا القول كالأول لأن تسخيرها وأثر الصنعة فيها لخضوعها وذلتها لخالقها ويدل على أن غير العاقل يوسف بسجود الخضوع قول الشاعر (٨) ترى الأكْمَ فيها سُجَّدًا للحَوافِرِ أي: خشعت من وطي الحوافر عليها.
هذا الذي ذكرنا مذهب أرباب المعاني (٩) وقال مجاهد: سجود الجماد وكل شيء سوى المؤمنين تحول ظلالها كما قال: ﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ (١٠) قال أهل المعاني: كأنه يجعل ذلك لما فيه من العبرة بتصريف الشمس في دورها عليه سجودًا (١١) وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع إلى مطلعه (١٢) وعلى هذا فكل شيء مما خلقه (١٣) ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ﴾ إلا أنا لا نعلم كيفية ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ .
وقال أرباب الأصول: الجمادات لا تعقل ولا يتميز فإن حدثت لها حالة (١٤) (١٥) قوله تعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ يعني المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى.
﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ بكفره وهو مع ذلك يسجد لله ظله، قاله مجاهد (١٦) ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ من جملة الساجدين.
وقال قوم: تم الكلام في وصف الساجدين عند قوله ﴿ وَالدَّوَابُّ ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ (١٧) روى ابن الأنباري عن ابن عباس أنه قال: وكثير من الناس في الجنة (١٨) وقال في رواية عطاء: وكثير من الناس يوحده وليس كلهم وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده (١٩) وعلى هذا يصح الوقف على ﴿ وَالدَّوَابُّ ﴾ ، ثم ابتدأ بذكر فريقي الجنة والنار والإيمان والكفر.
وقال آخرون؛ التمام عند قوله ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ وانقطع ذكر الساجدين ثم ابتدأ فقال ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ أي: بإبائه وامتناعه من السجود وهؤلاء غير داخلين في جملة الساجدين (٢٠) قال الفراء: قوله ﴿ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ يدل على أن المعنى: وكثير أبى السجود؛ لأنه لا يحق عليه العذاب إلا بتركه السجود (٢١) وهذا القول هو اختيار نافع والكسائي وأبي حاتم (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ قال الفراء: يريد من يُشقْهِ الله فما له من مُسْعد (٢٣) (٢٤) وقال في رواية عطاء: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ ﴾ يريد (٢٥) (٢٦) يعني أن تهاونه بعبادة الله [من إهانة الله] (٢٧) ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾ يريد أن مصيره إلى النار وليس إلى الكرامة كما يُكْرم أولياؤه (٢٨) وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ أي: في خلقه من الإهانة والكرامة والشقاء والسعادة.
(١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 219.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٣) في (أ): (بما).
(٤) بل الصحيح ما قاله الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 340 بعد ذكره لهذه الآية: فسجود هذه المخلوقات عبادة منها لخالقها لا نفقهها عنها كما لا نفقه تسبيحها.
أهـ.
(٥) "معاني القرآن" 3/ 418.
(٦) من قوله: وقال قوم ..
إلى قوله: أثر الصنعة فيها.
منقول عن "معاني القرآن" للزجاج 3/ 418.
ومن قوله: "والتسخير ...
إلخ" منقول عن "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 أ.
(٧) "القطع والائتناف" للنحاس 489.
(٨) هذا عجز بيت لزيد الخيل، وصدره: بجيش تضلُّ البُلْق في حَجَراته وهو في "ديوانه" ص 66، وتأويل "مشكل القرآن" ص 322، و"المعاني الكبير" 2/ 890 كلاهما لابن قتيبة، والطبري 2/ 242، و"الكامل" للمبرد 2/ 201، والرواية عندهم: (منه) في موضع (فيها).
وهو من غير نسبة في: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 418، "الأضداد" لابن الأنباري ص 295، و"الصحاح" للجوهري 2/ 483 (سجد)، و"للسان" 3/ 206 (سجد).
والرواية عندهما: فيها.
والبلق: جمع بلقاء، والبلقاء: هي الفرس التي يكون فيها بلق يعني: سواد وبياض.
أو البلقاء: الفرس التي ارتفع التحجيل فيها إلى الفخذين.
و (حجراته): نواحيه، والأكم: جمع أكمه: وهي التل أو الموضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله.
انظر: "لسان العرب" 10/ 25 (بلق)، 4/ 168 (حجر)، "القاموس المحيط" 3/ 214 ، 4/ 75.
قال ابن قتيبة في "المعاني الكبير" 2/ 89: يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف فغيرها أحرى أن تضل، يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر.
(٩) نسب الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 49 أهذا القول لأرباب الحقائق.
(١٠) ذكره عن مجاهد: الثعلبي 3/ 49 أوبنحوه رواه الطبري 17/ 130.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 17 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.
(١١) ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 268، والجشمي في "التهذيب" 6/ 171 ب من غير نسبة لأحد.
(١٢) ذكره الثعلبي 3/ 49 أ، ورواه الطبري 17/ 130.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 18 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.
(١٣) في (ظ)، (د)، (ع): (خلق).
(١٤) في (ظ)، (د)، (ع): (حال).
(١٥) في (ظ)، (د)، (ع): (فذاك).
(١٦) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 أعن مجاهد بنصه.
وقد رواه الطبري 17/ 130.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 17، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.
(١٧) انظر: "المكتفى في الوقف والابتدا" للداني ص 393.
(١٨) رواه ابن الأنباري في كتابه "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 872.
وذكره القرطبي 12/ 24 عن ابن عباس من رواية ابن الأنباري.
وذكره أبو عمرو الداني في كتابه "المكتفى في الوقف والابتدا" ص 393 عن ابن عباس.
(١٩) ذكره الرازي 23/ 20 من رواية عطاء، عن ابن عباس.
(٢٠) انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 782، "القطع والائتناف" == للنحاس ص 488 - 489، "منار الهدى في بيان الوقف والابتدا" للأشموني ص 255.
(٢١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 219.
(٢٢) ذكره عنهم النحاس في "القطع والائتناف" ص 488.
(٢٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 219.
(٢٤) انظر: "تنوير المقباس" ص 207.
(٢٥) يريد: ساقطة من (ظ)، وفي (د)، (ع): (يريد: ومن يهن الله) من تهاون.
(٢٦) ذكره عنه القرطبي 17/ 24.
(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).
(٢٨) قال الطبري 17/ 130: (فما لي من مكرم) بالسعادة يسعده بها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض ﴾ دخل في هذا من في السموات من الملائكة، ومن في الأرض من الملائكة، والجنّ ولم يدخل الناس في ذلك؛ لأنه ذكرهم في آخر الآية، إلا أن يكون ذكرهم في آخرها على وجه التجريد، وليس المراد بالسجود هنا السجود المعروف، لأنه لا يصح في حق الشمس والقمر وما ذكر بعدهما، وإنما المراد به الانقياد ثم إن الانقياد يكون على وجهين: أحدهما الانقياد لطاعة الله طوعاً، والآخر الانقياد لما يجري الله على المخلوقات في أفعاله وتدبيره شاؤوا أو أبوا ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس ﴾ إن جعلنا السجود بمعنى الانقياد لطاعة الله، فيكون كثير من الناس معطوفاً على ما قبله من الأشياء التي تسجد ويكون قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ مستأنفاً يراد به من لا ينقاد للطاعة، ويوقف على قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس ﴾ ، وهذا القول هو الصحيح؛ وإن جعلنا السجود بمعنى الانقياد لقضاء الله وتدبيره؛ فلا يصح تفضيل الناس على ذلك إلى من يسجد ومن لا يسجد لأن جميعهم يسجد بذلك المعنى، وقيل: إن قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس ﴾ معطوف على ما قبله ثم عطف عليه وكثير ﴿ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ فالجميع على هذا يسجد وهذا ضعيف لأن قوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ يقتضي ظاهرة أنه إنما حق عليه العذاب بتركه للسجود، وتأوله الزمخشري على هذا المعنى، بأن إعراب ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس ﴾ فاعل بفعل مضمر تقديره يسجد سجود طاعة أو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف تقديره مثاب وهذا تكلف بعيد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.
يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.
روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.
الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.
﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.
التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.
ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.
يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.
والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.
وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.
أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.
وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.
وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.
و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.
عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.
قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.
فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.
قال: يا رب وما بعث النار؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟
فقال رسول الله : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .
واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.
وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.
ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.
ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.
عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.
ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.
وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.
وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.
والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.
قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.
وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.
وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟
فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟
فيقول : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.
وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.
وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟
ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.
والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.
ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.
همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.
ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.
ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.
﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.
وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.
الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.
الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.
فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.
الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.
قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.
وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.
والذي يسنح لي في تفسيره أنه أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟
فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.
وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.
ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله أعلم بمراده.
قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.
وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.
وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.
قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.
وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.
وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.
قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.
﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".
ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.
قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.
وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.
وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.
وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.
وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي فقال: أقلني.
فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.
والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.
وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.
دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.
فيه بحث لفظي وبحث معنوي.
أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.
وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.
والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.
وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟
والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.
سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.
والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.
ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.
أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.
قوله ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟
قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.
وعندي في هذا القول بعد.
وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.
وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.
والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.
ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.
الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.
قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.
ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.
وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.
قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.
أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.
واعترض بأن الله وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.
ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.
قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.
ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.
وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.
عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.
وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.
وقيل: إن أقل الجمع اثنان.
ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.
وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.
وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.
وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.
فقال علي : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة.
وعن عكرمة هما الجنة والنار.
قالت النار: خلقني الله لعقوبته.
وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد والأقرب هو الأول.
وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.
وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ والحميم الماء الحار.
عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.
ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.
قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.
وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.
وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".
وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله أعلم.
التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.
﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.
﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.
وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.
﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ حرف (من) في ظاهر اللغة واللسان إنما يعبر به عن الممتحن من البشر والجن والملائكة، وأما الموات فإنه لا يعبر به عنه، وإنما يعبر عنه بحرف (ما)، لكن ذكر في آخره - وهو قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ...
﴾ الآية - ما يدل أنه أراد الكل: الممتحن، والموات جميعاً، حيث قال: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ وإلا ظاهره ما ذكرنا: أنه إنما يعبر بـ (من) عن الممتحن، وبحرف (ما) عن الكل.
[و] جائز أن يكون عند الاجتماع يذكر باسم الممتحن؛ على ما يذكر عند اجتماع الذكر والأنثى باسم الذكور.
ثم ما ذكر من سجود هذه الأشياء يخرج على وجوه: أحدها: سجود خلقة، يسجد كل شيء ذكر بخلقته لله، على ما ذكرنا في التسبيح.
والثاني: سجود عبادة، وهو سجود كل ممكن من [إتيانه] وتركه، وهو سجود الممتحن.
والثالث: سجوده: بذل ما بذل في هذه الأشياء من المنافع لا يتأتى بذلها لأحد من الماء، والشمس، والشجر، والدواب، وكل شيء.
والرابع: ما ألهم هذه الأشياء من الطاعة لله والخضوع له؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ ألا ترى أنه ألهم الدواب معرفة إتيان الصالح لهم واتقاء المهالك؛ فجائز أن يعرفن طاعته والخضوع له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ في الجنة ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: من خذله الله وطرده عن عبادته وبابه ﴿ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ .
أو أن يقول: ومن أهانه الله في النار بالعذاب، فما له من منجٍ ينجيه عن ذلك.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أشياء فلم يفعل، فهو يقول: ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ .
وقوله: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ ﴾ اختلفوا في تأويله: قال بعضهم: نزل هذا في ستة نفر تبارزوا: ثلاثة من المسلمين: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وثلاثة من المشركين: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فذلك اختصامهم.
وقال بعضهم: أهل الإسلام وأهل الكتاب في الدين: قالت اليهود والنصارى: نحن أولى بالله منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم، وديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم.
فقال المسلمون: بل نحن أولى بالله، آمنا بكتابنا وكتابكم، ونبيّنا ونبيكم، وبكل كتاب أنزله الله، ثم كفرتم أنتم بنبينا، وكتابنا، وبكل نبيّ كان قبل نبيكم؛ فأنزل الله ما فصل بين المؤمنين وأهل الكتاب فقال: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بمحمد وبالقرآن، وهم اليهود والنصارى، ﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...
﴾ الآية.
وقال بعضهم: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ ﴾ : النار والجنة: قالت النار: جعلني الله للعقوبة للعصاة والفسقة، وقالت الجنة: جعلني الله للرحمة للأنبياء والأولياء، ونحوه.
لكن متى يكون للنار مخاصمة، وكذلك الجنة، وهو بعيد.
وقال بعضهم: اختصم المسلم والكافر في البعث.
وجائز أن يكون اختصامهم ما ذكر من أوّل السورة إلى هذا الموضع، من ذلك قوله: ﴿ ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ ﴾ يكون اختصامهم بين هؤلاء الذين ذكرهم في هذه السورة، وهم أهل الإسلام وأهل الكفر؛ في الآية بيان ذلك، حيث قال: ﴿ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ ، وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .
ثم جائز أن يكون هذا الذي ذكر في الآية الأولى، حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ﴾ : ينزل أهل الإسلام في الجنّة وأهل الكفر في النّار، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ كقوله: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 50].
وقوله: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ﴾ قيل: الحميم: الماء الحار الذي انتهى حرّه غايته.
وقوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ﴾ : قال القتبي: يصهر: يذاب، يقال: صهرت النار الشحمة، والصهارة: ما أذيب من الألية، وكذلك قال: الصّهارة: ما يبقى من الشحم والألية إذا أذيبا، يقال: صهرت الشحم: أي: أذبت، أصهره صهراً.
﴿ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ قال بعضهم: المقامع: الأعمدة من الحديد، وهو قول أبي معاذ.
وقال بعضهم: المقامع: شبه العصى، الواحدة: مقمعة.
قال أبو معاذ: يعني قوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ﴾ أي: يذاب ما في بطونهم خاصّة، وأمّا الجلود فإنّها تحرق؛ لأن الجلد لا يصهر و لا ينصهر، وقال: هذا مثل قول العرب: (أتيته فأطعمني والله ثريداً، والله ولبنا قارصا - أي: حامضاً - والله فإزاراً ورداءً، والله وحملانا فارها) تضمر لكل شيء فعلا يشاكله، وفي القرآن مثله كثير، وكذلك في اللسان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ : قال بعضهم: إن جهنم إذا جاشت، ألقت من فيها إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فيعيدهم الخزّان فيها بالمقامع، ويقول لهم الخزنة: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴾ .
وقال بعضهم: إن في جهنم دركات، فإذا اشتد العذاب بهم ينقلبون من دركة السفلى إلى دركة العليا، ويصعدون، ثم يريدون الخروج منها، فيعادون فيها، كقوله: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ .
وقال بعضهم: إن النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع من حديد، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفر لهبها، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، أي: من تحت أهلها، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .
وقوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - لقوم رغبوا في هذه الدنيا بالتحلي بما ذكر، وتفاخروا به فيها، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ ﴾ وإلا قلما يرغب الناس في الدنيا في التحلي بما ذكر إلا النساء خاصّة.
فإمّا أن ذكر للنساء أو لقوم تفاخروا به في الدنيا فوعد لهم في الآخرة ذلك ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ قال الكسائي: من قرأ: (لُؤْلُؤٍ) بالخفض فهو يخرج على أنهم: يحلون فيها من أساور من ذهب، ويحلون فيها من لؤلؤ حلية سوى الأساور.
ومن قرأ بالنصب: ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ ، أي: يحلون فيها لؤلؤاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ ، وكذلك ذكر في الخبر: "هُوَ لَهُم فِي الدنيا، ولنا في الآخرة".
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .
جائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: هو قول التوحيد، وشهادة الإخلاص، وأمّا في الآخرة كقوله: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ فهو القول الطيب الذي هدوا إليه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ : هو القرآن ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ : الإسلام وشرائعه.
وقال قتادة: ألهموا التسبيح والتحميد كما ألهموا النفس.
وقال: ﴿ ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ : هو كل قول حسن.
وقوله: ﴿ ٱلْحَمِيدِ ﴾ يحتمل ﴿ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ ، أي: صراط الله، كقوله: ﴿ صِرَاطِ ٱللَّهِ ﴾ .
ويحتمل أن يكون نعت ذلك الصراط، أي: صراط حميد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ألم تعلم -أيها الرسول- أن الله يسجد له سجود طاعة من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من مؤمني الإنس والجن، وتسجد له الشمس، ويسجد له القمر، وتسجد له النجوم في السماء، والجبال والشجر والدواب في الأرض؛ سجود انقياد، ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة، وكثير يمتنع عن السجود له طاعة، فحقّ عليهم عذاب الله لكفرهم، ومن يقض الله عليه بالذلة والمهانة لكفره فليس له أحد يكرمه، إن الله يفعل ما يشاء, فلا مكره له سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.9bdG3"