الآية ١٠٩ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ١٠٩ من سورة المؤمنون

إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٩ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٩ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى مذكرا لهم بذنوبهم في الدنيا ، وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه ، فقال : ( إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( إِنَّهُ ) وهذه الهاء في قوله " إنه " هي الهاء التي يسميها أهل العربية المجهولة، وقد بينت معناها فيما مضى قبلُ.

ومعنى دخولها في الكلام، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ( كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي ) يقول: كانت جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله، يقولون في الدنيا: ( رَبَّنَا آمَنَّا ) بك وبرسلك، وما جاءوا به من عندك ( فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ) وأنت خير من رحم أهل البلاء، فلا تعذبنا بعذابك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الآية .قال مجاهد : هم بلال وخباب وصهيب , وفلان وفلان من ضعفاء المسلمين ; كان أبو جهل وأصحابه يهزءون بهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر الحال التي أوصلتهم إلى العذاب، وقطعت عنهم الرحمة فقال: { إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } فجمعوا بين الإيمان المقتضي لأعماله الصالحة، والدعاء لربهم بالمغفرة والرحمة، والتوسل إليه بربوبيته، ومنته عليهم بالإيمان، والإخبار بسعة رحمته، وعموم إحسانه، وفي ضمنه، ما يدل على خضوعهم وخشوعهم، وانكسارهم لربهم، وخوفهم ورجائهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنه ) الهاء في " إنه " عماد وتسمى أيضا المجهولة ، ( كان فريق من عبادي ) وهم المؤمنون ( يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنه كان فريق من عبادي» هم المهاجرون «يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحما وأنت خير الراحمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنه كان فريق من عبادي- وهم المؤمنون- يَدْعون: ربنا آمنا فاستر ذنوبنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - ( إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ .

.

.

) تعليل لزجرهم عن طلب الخروج أى : اخسأوا فى النار ولا تكلمون ، لأنه كان فى الدنيا فريق كبير من عبادى المؤمنين يقولون بإخلاص ورجاء : ( رَبَّنَآ آمَنَّا ) بك واتبعنا رسلك ( فاغفر لَنَا ) ذنوبنا ( وارحمنا ) برحمتك التى وسعت كل شىء ( وَأَنتَ خَيْرُ الراحمين ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما قال: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ ءاياتى تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ  ﴾ ذكروا ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين: الأول: قولهم: ﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: غلبت علينا ملكتنا من قولك غلبني فلان على كذا إذا أخذه منك، والشقاوة سوء العاقبة، قرئ: (شقوتنا) و(شقاوتنا) بفتح الشين وكسرها فيهما، قال أبو مسلم: الشقوة من الشقاء كجرية الماء، والمصدر الجري، وقد يجيء لفظ فعله، والمراد به الهيئة والحال، فيقول جلسة حسنة وركبة وقعدة وذلك من الهيئة، وتقول عاش فلان عيشة طيبة ومات ميتة كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فعلى هذا المراد من الشقوة حال الشقاء.

المسألة الثانية: قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب.

وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم في سوء صنيعهم، قلنا إنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذات المحرمة، وطلب تلك اللذات حصل باختيارهم أو لا باختيارهم فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث، فإن استغنى عن المؤثر فلم لا يجوز في كل الحوادث ذلك، وحينئذ ينسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى محدث فمحدثه إما العبد أو الله تعالى؟

فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: أحدها: أن قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقف صدور تلك الإرادة عنها إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف على المرجح فقد جوزت رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وذلك يسد باب إثبات الصانع.

وثانيها: أن العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال ولا كيفيتها، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له، وإلا لبطلت دلالة الإحكام والإتقان على العلم والثاني: أن أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد إلا تحصيل العلم، فالكافر ما قصد إلا تحصيل العلم، فإن كان الموجد لفعله هو فوجب أن لا يحصل إلا ما قصد إيقاعه، لكنه لم يقصد إلا العلم فكيف حصل الجهل؟

فثبت أن الموجد للدواعي والبواعث هو الله تعالى، ثم إن الداعية إن كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشر كانت شقاوة الوجه الثاني: لهم في الجواب قولهم: ﴿ وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ ﴾ وهذا الضلال الذي جعلوه كالعلة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس ذلك التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، ولما بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون ذلك الضلال عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم وما ذاك إلا خلق الداعي إلى الضلال، ثم إن القوم لما أوردوا هذين العذرين، قال لهم سبحانه: ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ ﴾ وهذا هو صريح قولنا في أن المناظرة مع الله تعالى غير جائزة، بل لا يسأل عما يفعل.

قال القاضي في قوله: ﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ دلالة على أنه لا عذر لهم إلا الاعتراف، فلو كان كفرهم من خلقه تعالى وبإرادته وعلموا ذلك لكانوا بأن يذكروا ذلك أجدر وإلى العذر أقرب، فنقول قد بينا أن الذي ذكروه ليس إلا ذلك ولكنهم مقرون أن لا عذر لهم فلا جرم، قال لهم: ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ ﴾ .

أما قوله: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون ﴾ فالمعنى: أخرجنا من هذه الدار إلى دار الدنيا، فإن عدنا إلى الأعمال السيئة فإنا ظالمون، فإن قيل كيف يجوز أن يطلبوا ذلك وقد علموا أن عقابهم دائم؟

قلنا يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة.

ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون ذلك على وجه الغوث والاسترواح.

أما قوله: ﴿ اخسئوا فيها ﴾ فالمعنى ذلوا فيها وانزجروا كما يزجر الكلاب إذا زجرت، يقال: خسأ الكلب وخسأ بنفسه.

أما قوله: ﴿ وَلاَ تُكَلّمُونِ ﴾ فليس هذا نهياً لأنه لا تكليف في الآخرة، بل المراد لا تكلمون في رفع العذاب فإنه لا يرفع ولا يخفف، قيل هو آخر كلام يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير، والعواء كعواء الكلاب، لا يفهمون ولا يفهمون.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن لهم ست دعوات، إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا  ﴾ فيجابون ﴿ حَقَّ القول مِنْى  ﴾ فينادون ألف سنة ثانية ﴿ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين  ﴾ فيجابون ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ  ﴾ فينادون ألف ثالثة ﴿ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ  ﴾ فيجابون ﴿ إِنَّكُمْ ماكثون  ﴾ فينادون ألفاً رابعة ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا ﴾ فيجابون ﴿ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ  ﴾ فينادون ألفاً خامسة ﴿ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا  ﴾ فيجابون ﴿ أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ  ﴾ فينادون ألفاً سادسة ﴿ رَبّ ارجعون  ﴾ فيجابون ﴿ اخسئوا فيها ﴾ ثم بين سبحانه وتعالى، أن فزعهم بأمر يتصل بالمؤمنين، وهو قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الرحمين * فاتخذتموهم سِخْرِيّاً ﴾ فوصف تعالى أحد ما لأجه عذبوا وبعدوا من الخير، وهو ما عاملوا به المؤمنين.

وفي حرف أبي ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ ﴾ بالفتح بمعنى لأنه.

وقرأ نافع وأهل المدينة وأهل الكوفة عن عاصم بضم السين في جميع القرآن، وقرأ الباقون بالكسر هاهنا وفي ص قال الخليل وسيبويه هما لغتان كدرى ودرى.

وقال الكسائي والفراء الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى السخرية.

قال مقاتل: إن رؤساء قريش مثل أبي جهل وعتبة وأبي بن خلف كانوا يستهزئون بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويضحكون بالفقراء منهم مثل بلال وخباب وعمار وصهيب، والمعنى اتخذتموهم هزواً حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ذكرى وأكد ذلك بقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾ ثم بين سبحانه ما يقتضي فيهم الأسف والحسرة بأن وصف ما جازى به أولئك المؤمنين فقال: ﴿ إِنِى جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ الفائزون ﴾ قرأ حمزة والكسائي أنهم بالكسر والباقون بالفتح فالكسر استئناف أي قد فازوا حيث صبروا فجوزوا بصبرهم أحسن الجزاء، والفتح على أنه في موضع المفعول الثاني من جزيت، ويجوز أن يكون نصباً بإضمار الخافض أي جزيتهم الجزاء الوافر لأنهم هم الفائزون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

في حرف أبيّ: ﴿ أنه كان فريق ﴾ بالفتح، بمعنى: لأنه.

السخريّ- بالضم والكسر-: مصدر سخر كالسخر، إلا أن في ياء النسب زيادة قوّة في الفعل، كما قيل الخصوصية في الخصوص.

وعن الكسائي والفراء: أنّ المكسور من الهزء، والمضموم من السخرة والعبودية، أي: تسخروهم واستعبدوهم، والأوّل مذهب الخليل وسيبويه.

قيل: هم الصحابة وقيل: أهل الصفة خاصة.

ومعناه: اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين ﴿ حتى أَنسَوْكُمْ ﴾ بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ ذِكْرِى ﴾ فتركتموه، أي: تركتم أن تذكروني فتخافوني في أوليائي.

وقرئ: ﴿ أَنَّهُمْ ﴾ بالفتح، والكسر استئناف، أي: قد فازوا حيث صبروا، فجزوا بصبرهم أحسن الجزاء.

وبالفتح على أنه مفعول جزيتهم، كقولك جزيتهم فوزهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّهُ ﴾ إنَّ الشَّأْنَ وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْ لِأنَّهُ.

﴿ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ الصَّحابَةُ وقِيلَ أهْلُ الصُّفَّةِ.

﴿ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ ﴾ .

﴿ فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا ﴾ هُزُؤًا وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي «ص» بِالضَّمِّ، وهُما مَصْدَرُ سَخِرَ زِيدَتْ فِيهِما ياءُ النَّسَبِ لِلْمُبالَغَةِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ المَكْسُورُ بِمَعْنى الهَزْءِ والمَضْمُومُ مِنَ السُّخْرَةِ بِمَعْنى الِانْقِيادِ والعُبُودِيَّةِ.

﴿ حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي ﴾ مِن فَرْطِ تَشاغُلِكم بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ فَلَمْ تَخافُونِي في أوْلِيائِي.

﴿ وَكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ ﴾ اسْتِهْزاءً بِهِمْ.

﴿ إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا ﴾ عَلى أذاكم.

﴿ أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ ﴾ فَوْزُهم بِمَجامِعِ مُراداتِهِمْ مَخْصُوصِينَ بِهِ، وهو ثانِي مَفْعُولَيْ ﴿ جَزَيْتُهُمُ ﴾ .

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ اسْتِئْنافًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّهُ} إن الأمر والشأن!

‍ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّهُ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلِهِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الدُّعاءِ أيْ إنَّ الشَّأْنَ، وقَرَأ أُبَيٌّ وهارُونُ العَتْكِيُّ «أنَّهُ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ لِأنَّ الشَّأْنَ ﴿ كانَ ﴾ في الدُّنْيا الَّتِي تُرِيدُونَ الرَّجْعَةَ إلَيْها ﴿ فَرِيقٌ مِن عِبادِي ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: هُمُ الصَّحابَةُ، وقِيلَ: أهْلُ الصِّفَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ.

﴿ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ ﴾ ﴿ فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا ﴾ أيْ هُزْوًا أيِ اسْكُتُوا عَنِ الدُّعاءِ بِقَوْلِكم ( رَبَّنا ) إلَخْ لِأنَّكم كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ بِالدّاعِينَ خَوْفًا مِن هَذا اليَوْمِ بِقَوْلِهِمْ ( رَبَّنا آمَنّا ) إلَخْ ﴿ حَتّى أنْسَوْكُمْ ﴾ بِتَشاغُلِكم بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ ﴿ ذِكْرِي ﴾ أيْ خَوْفِ عِقابِي في هَذا اليَوْمِ.

﴿ وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ ﴾ وذَلِكَ غايَةُ الِاسْتِهْزاءِ، وقِيلَ: التَّعْلِيلُ عَلى مَعْنى إنَّما خَسَأْناكم كالكَلْبِ ولَمْ نَحْتَفِلْكم إذْ دَعَوْتُمْ لِأنَّكُمُ اسْتَهْزَأْتُمْ غايَةَ الِاسْتِهْزاءِ بِأوْلِيائِي حِينَ دَعَوْا واسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِنكم حَتّى نَسِيتُمْ ذِكْرِي بِالكُلِّيَّةِ ولَمْ تَخافُوا عِقابِي فَهَذا جَزاؤُكُمْ، وقِيلَ: خُلاصَةُ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَدْعُونَ فَتَشاغَلْتُمْ بِهِمْ ساخِرِينَ واسْتَمَرَّ تَشاغُلُكم بِاسْتِهْزائِهِمْ إلى أنْ جَرَّكم ذَلِكَ إلى تَرْكِ ذِكْرِي في أوْلِيائِي فَلَمْ تَخافُونِي في الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ: وهَذا التَّذْنِيبُ لازِمٌ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّهُ كانَ ) إلَخْ تَعْلِيلًا ويَرْتَبِطُ الكَلامُ ويَتَلاءَمُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ ﴾ ولَوْ لَمْ يَرِدْ بِهِ ذَلِكَ يَكُونُ إنْساءُ الذِّكْرِ كالأجْنَبِيِّ في هَذا المَقامِ، وفِيهِ تَسَخُّطٌ عَظِيمٌ لِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ ودَلالَةٌ عَلى اخْتِصاصٍ بالِغٍ لِأُولَئِكَ العِبادِ المَسْخُورِ مِنهم كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن عِبادِي ) وخَتَمَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنِّي جَزَيْتُهُمُ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ وزادَ في خَسَئِهِمْ بِإعْزازِ أضْدادِهِمُ انْتَهى ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «سِخْرِيًّا» بِضَمِّ السِّينِ وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، والمَعْنى عَلَيْهِما واحِدٌ وهو الهُزْوُ عِنْدَ الخَلِيلِ وأبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ وسِيبَوَيْهِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ والفِراءُ: مَضْمُومُ السِّينِ بِمَعْنى الِاسْتِخْدامِ مِن غَيْرِ أُجْرَةٍ ومَكْسُورُها بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وقالَ يُونُسُ: إذا أُرِيدَ الِاسْتِخْدامُ ضَمَّ السِّينِ لا غَيْرَ وإذا أُرِيدَ الهُزُؤُ جازَ الضَّمُّ والكَسْرُ، وهو في الحالَيْنِ مَصْدَرٌ زِيدَتْ فِيهِ ياءُ النِّسْبَةِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في أحَمِرَيْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قالُوا رَبَّنا يعني: الكفار غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا التي كتبت علينا، والتي قدرت علينا في اللوح المحفوظ.

وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ عن الهدى.

قرأ حمزة والكسائي شقاوتنا بنصب الشين والألف، وقرأ الباقون شِقْوَتُنا بكسر الشين وسكون القاف بغير ألف.

وروي عن ابن مسعود: شقاوتنا وشِقْوَتُنا ومعناهما قريب.

رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها يعني: من النار، فَإِنْ عُدْنا إلى الكفر والتكذيب، فَإِنَّا ظالِمُونَ أي: فحينئذٍ يقول الله تعالى: اخْسَؤُا فِيها، يعني: اصغروا فيها واسكتوا، أي: كونوا صاغرين، وَلا تُكَلِّمُونِ، أي ولا تكلموني بعد ذلك.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو حفص، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «إن أهل النار ليدعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً، ثم يرد عليهم: إنكم ماكثون.

ثم يدعون ربهم: ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا فإنا ظالمون، فلا يجيبهم مقدار ما كانت الدنيا مرتين، ثم يجيبهم: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ، فو الله ما نبس القوم بعد هذا بكلمة إلا الزفير والشهيق» (١) وروي عن ابن عباس أنه قال: «لما قال الله تعالى: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ، «فانطبقت أفواههم وانكسرت ألسنتهم، فمن الأجواف يعوون كعواء الكلب» ويقال: اخْسَؤُا أي تباعدوا تباعد سخط.

يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد.

ثم بيّن لهم السبب الذي استحقوا تلك العقوبة به، فقال: إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ وهم المؤمنون: رَبَّنا آمَنَّا، أي صَدَّقْنَا، فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.

قوله عز وجل: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا، يعني: هزواً، حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي يعني: أنساكم الهزء بهم العمل بطاعتي، وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ في الدنيا.

قرأ عاصم، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو سِخْرِيًّا بكسر السين، وكذلك في سورة ص، وكانوا يقرءون في الزخرف بالرفع، قالوا: لأن في هذين الموضعين من الاستهزاء.

وهناك في الزخرف من السخرة والعبودية، فما كان من الاستهزاء فهو بالكسر، وما كان من التسخير فهو بالضم.

وقرأ حمزة والكسائي ونافع سِخْرِيّاً كل ذلك بالضم.

وقال أبو عبيد: هكذا نقرأ، لأنهن يرجعن إلى معنى واحد، وهما لغتان سِخْرِيٌّ وسُخْرِيّ وذكر عن الخليل وعن سيبويه: أن كلاهما واحد.

قوله عز وجل: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا، يعني: جعلت جزاءهم الجنة وهم المؤمنون بما صبروا، يعني: بصبرهم على الأذى وعلى أمر الله تعالى.

أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ، يعني: الناجين.

قرأ حمزة والكسائي أَنَّهُمْ بكسر الألف على معنى الابتداء، والمعنى: إني جزيتهم.

ثم أخبر فقال: أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ وقال أبو عبيد، وقرأ الباقون أَنَّهُمْ بالنصب أَنِّي جزيتهم لأنهم هم الفائزون.

وقال أبو عبيد: الكسر أحب إليَّ على ابتداء المدح من الله تعالى.

(١) عزاه السيوطي 6/ 119 إلى ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَكُنْ ﴾ المَعْنى: ويُقالُ لَهم: ألَمْ تَكُنْ، ﴿ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ ، يَعْنِي: القُرْآنَ.

﴿ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( شِقْوَتُنا ) بِكَسْرِ الشِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( شَقاوَتُنا ) بِألِفٍ مَعَ فَتْحِ الشِّينِ والقافِ.

وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ الشِّينَ مَكْسُورَةٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أقَرَّ القَوْمُ بِأنَّ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّقاءِ مَنَعَهُمُ الهُدى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها ﴾ ؛ أيْ: مِنَ النّارِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طَلَبُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا.

﴿ فَإنْ عُدْنا ﴾ ؛ أيْ: إلى الكُفْرِ والمَعاصِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اخْسَئُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَباعَدُوا تَباعُدَ سَخَطٍ، يُقالُ: خَسَأْتُ الكَلْبَ أخْسَؤُهُ: إذا زَجَرْتَهُ لِيَتَباعَدَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُكَلِّمُونِ ﴾ ؛ أيْ: في رَفْعِ العَذابِ عَنْكم.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّ أهْلَ جَهَنَّمَ يَدْعُونَ مالِكًا أرْبَعِينَ عامًا فَلا يُجِيبُهم، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ  ﴾ ، ثُمَّ يُنادُونَ رَبَّهم ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها ﴾ فَيَدَعُهم مِثْلَ عُمْرِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ ، ثُمَّ يُنادُونَ رَبَّهم ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها ﴾ فَيَدَعُهم مِثْلَ عُمْرِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِمُ ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ فَما يَنْبِسُ القَوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ، إنْ كانَ إلّا الزَّفِيرُ والشَّهِيقُ.

ثُمَّ بَيَّنَ الَّذِي لِأجْلِهِ أخْسَأهم بِقَوْلِهِ: " إنَّهُ " .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أنَّهُ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

" كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: المُهاجِرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّخَذْتُمُوهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ إدْغامُ الذّالِ في التّاءِ لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ، وإنْ شِئْتَ أظْهَرْتَ؛ لِأنَّ الذّالَ مِن كَلِمَةٍ والتّاءَ مِن كَلِمَةٍ، وبَيْنَ الذّالِ والتّاءِ في المَخْرَجِ شَيْءٌ مِنَ التَّباعُدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِخْرِيًّا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: ( سُخْرِيًّا ) بِضَمِّ السِّينِ هاهُنا وفي ( ص: ٦٣ )، تابَعَهُمُ المُفَضَّلُ في ( ص: ٣٢ ) .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ السِّينِ في السُّورَتَيْنِ.

ولَمْ يَخْتَلِفْ في ضَمِّ السِّينِ في الحَرْفِ الَّذِي في ( الزُّخْرُفِ: ٣٢ ) .

واخْتارَ الفَرّاءُ الضَّمَّ، والزَّجّاجُ الكَسْرَ.

وهَلْ هَما بِمَعْنًى ؟

فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَرَبِ: بَحْرٌ لُجِّيٌّ ولِجِّيٌّ، وكَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ودِرِّيٌّ.

والثّانِي: أنَّ الكَسْرَ بِمَعْنى الهَمْزِ، والضَّمَّ بِمَعْنى السُّخْرَةِ والِاسْتِعْبادِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وحَكاهُ الفَرّاءُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةُ.

قالَ أبُو عِلِيٍّ: قِراءَةُ مَن كَسَرَ أرْجَحُ مِن قِراءَةِ مَن ضَمَّ؛ لِأنَّهُ مِنَ الهُزْءِ، والأكْثَرُ في الهُزْءِ كَسْرُ السِّينِ.

قالَ مُقاتِلٌ: كانَ رُءُوسُ كُفّارِ قُرَيْشٍ، كَأبِي جَهْلٍ، وعُقْبَةَ، [ والوَلِيدِ ]، قَدِ اتَّخَذُوا فُقَراءَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، كَعَمّارٍ، وبِلالٍ، وخَبّابٍ، وصُهَيْبٍ، سِخْرِيًّا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ ويَضْحَكُونَ مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي ﴾ ؛ أيْ: أنْساكُمُ الِاشْتِغالُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ ذِكْرِي، فَنَسَبَ الفِعْلَ إلى المُؤْمِنِينَ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ؛ لِأنَّهم كانُوا السَّبَبَ في وُجُودِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا ﴾ ؛ أيْ: عَلى أذاكم واسْتِهْزائِكم.

﴿ أنَّهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( أنَّهم ) بِفَتْحِ الألِفِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( إنَّهم ) بِكَسْرِها.

فَمَن فَتَحَ ( أنَّهم ) فالمَعْنى: جَزْيَتُهم بِصَبْرِهِمُ الفَوْزَ، ومَن كَسَرَ ( إنَّهم ) اسْتَأْنَفَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ ﴾ ﴿ فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ ﴾ ﴿ إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ ﴾ قَرَأ هارُونُ: "أنَّهُ كانَ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ أنَّ في مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ "أنْ كانَ"، وهَذا كُلُّهُ مُتَعاضِدٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَلا تُكَلِّمُونِ كانَ فَرِيقٌ" بِغَيْرِ "إنَّهُ"، وهَذِهِ تُعَضِّدُ كَسْرَ الألِفِ مِن "إنَّهُ" لَأنَّها اسْتِئْنافٌ، وهَذِهِ الهاءُ مُبْهَمَةٌ ضَمِيرُ الأمْرِ، والكُوفِيُّونَ يُسَمُّونَها المَجْهُولَةَ، وهي عِبارَةٌ فاسِدَةٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها مِمّا يُقالُ لِلْكَفَرَةِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.

والفَرِيقُ المُشارُ إلَيْهِ كُلُّ مُسْتَضْعَفٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَتَّفِقُ أنْ يَكُونَ حالُهُ مَعَ كُفّارٍ في مِثْلِ هَذِهِ الحالِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ في كُفّارِ قُرَيْشٍ مَعَ صُهَيْبٍ وعَمّارٍ وبِلالٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ونُظَرائِهِمْ، ثُمْ هي عامَّةٌ فِيمَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وبَقِيَّةَ الدَهْرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُخْرِيًّا" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ الباقُونَ: "سِخْرِيًّا" بِكَسْرِها، فَقالَتْ طائِفَةٌ هُما بِمَعْنى واحِدٍ، وذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وقالَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ: إنَّهُما بِمَعْنى الهُزْءِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّ ضَمَّ السِينِ مِنَ السُخْرَةِ والتَخْدِيمِ، وكَسْرَ السِينِ مِنَ السُخْرِ وهو الِاسْتِهْزاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتانِي حَدِيثٌ لا أُسِرُّ بِهِ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيهِ ولا سُخْرُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ كَسْرِ السِينِ أوجَهُ لَأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ والكَسْرُ فِيهِ أكْثَرُ، وهو ألْيَقُ بِالآيَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ ﴾ ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ألّا تَرى إلى إجْماعِ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ السِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا  ﴾ لَمّا تَخَلَّصَ الأمْرُ لِلتَّخْدِيمِ، قالَ يُونُسُ: إذا أُرِيدَ التَخْدِيمُ فَهو بِضَمِّ السِينِ لا غَيْرَ، وإذا أُرِيدَ الهَزْءُ فَهو بِالضَمِّ والكَسْرِ.

وقَرَأ أصْحابُ عَبْدِ اللهِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ كُلَّ ما في القُرْآنِ بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو كُلَّ ما في القُرْآنِ بِالكَسْرِ إلّا الَّتِي في الزُخْرُفِ فَإنَّهُما ضَمّا السِينَ كَما فَعَلَ الناسُ لَأنَّها مِنَ التَخْدِيمِ، وأضافَ الإنْسانَ إلى الفَرِيقِ مِن حَيْثُ كانَ بِسَبَبِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اشْتِغالَهم بِالهُزْءِ بِهَؤُلاءِ أنْساهم ما يَنْفَعُهم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَـ "جَزَيْتُهُمْ" عامِلٌ في "أنَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، ويَكُونُ التَقْدِيرُ: لَأنَّهم.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخارِجَةُ عن نافِعٍ: "إنَّهم هُمُ الفائِزُونَ" بِكَسْرِ الألِفِ، فالمَفْعُولُ الثانِي لِـ "جَزَيْتُ" مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: الجَنَّةُ أوِ الرِضْوانُ.

و"الفائِزُونَ": المُنْتَهُونَ إلى غايَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ أمَلَهم.

ومَعْنى الفَوْزِ: النَجاةُ مِن هَلَكَةٍ إلى نِعْمَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ اخسئوا ﴾ زجر وشتم بأنهم خاسئون، ومعناه عدم استجابة طلبهم.

وفعل خسأ من باب منع ومعناه ذل.

ونهوا عن خطاب الله والمقصود تأييسهم من النجاة مما هم فيه.

وجملة ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ إلى آخرها استئناف قصد منه إغاظتهم بمقابلة حالهم يوم العذاب بحال الذين أنعم الله عليهم، وتحسيرُهم على ما كانوا يعاملون به المسلمين.

والإخبار في قوله: ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ إلى قوله: ﴿ سخرياً ﴾ مستعمل في كون المتكلم عالماً بمضمون الخبر بقرينة أن المخاطب يعلم أحوال نفسه.

وتأكيد الخبر ب (إن) وضمير الشأن للتعجيل بإرهابهم.

وجملة ﴿ إنى جزيتهم ﴾ خبر (إن) الأولى لزيادة التأكيد.

وتقدم نظيره في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ﴾ في سورة الكهف (30).

والسخري بضم السين في قراءة نافع والكسائي وأبي جعفر وخلف، وبكسر السين في قراءة الباقين، وهما وجهان ومعناهما واحد عند المحققين من أيمة اللغة لا فرق بينهما خلافاً لأبي عبيدة والكسائي والفراء الذين جعلوا المكسور مأخوذاً من سخر بمعنى هزأ، والمضموم مأخوذاً من السخرة بضم السين وهي الاستخدام بلا أجر.

فلما قصد منه المبالغة في حصول المصدر أدخلت ياء النسبة كما يقال: الخصوصية لمصدر الخصوص.

وسلط الاتخاذ على المصدر للمبالغة كما يوصف بالمصدر.

والمعنى: اتخذتموهم مسخوراً بهم، فنصب سخرياً } على أنه مفعول ثان ل ﴿ اتخذتموهم ﴾ .

و ﴿ حتى ﴾ ابتدائية ومعنى (حتى) الابتدائية معنى فاء السببية فهي استعارة تبعية.

شبه التسبب القوي بالغاية فاستعملت فيه (حتى).

والمعنى: أنكم لهوتم عن التأمل فيما جاء به القرآن من الذكر، لأنهم سخروا منهم لأجل أنهم مسلمون فقد سخروا من الدين الذي كان اتباعهم إياه سبب السخرية بهم فكيف يرجى من هؤلاء التذكر بذلك الذكر وهو من دواعي السخرية بأهله.

وتقدم الكلام على فعل (سخر) عند قوله: ﴿ فحاق بالذين سخروا منهم ﴾ في سورة الأنعام (10) وقوله: ﴿ يسخرون منهم ﴾ في سورة براءة (79).

فإسناد الإنساء إلى الفريق مجاز عقلي لأنهم سببه، أو هو مجاز بالحذف بتقدير: حتى أنساكم السخري بهم ذكري.

والقرينة على الأول معنوية وعلى الثاني لفظية.

وقوله: أنهم هم الفائزون} قرأه الجمهور بفتح همزة (أن) على معنى المصدرية والتأكيد، أي جزيتهم بأنهم.

وقرأه حمزة والكسائي بكسر همزة (إن) على التأكيد فقط فتكون استئنافاً بيانياً للجزاء.

وضمير الفصل للاختصاص، أي هم الفائزون لا أنتم.

وقوله: ﴿ بما صبروا ﴾ إدماج للتنويه بالصبر، والتنبيه على أن سخريتهم بهم كانت سبباً في صبرهم الذي أكسبهم الجزاء.

وفي ذلك زيادة تلهيف للمخاطبين بأن كانوا هم السبب في ضر أنفسهم ونفع من كانوا يعدّونهم أعداءهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قالَ اخْسَئُوا فِيها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ اصْغُرُوا والخاسِئُ الصّاغِرُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ الخاسِئَ السّاكِتُ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: ابْعُدُوا بُعْدَ الكَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَلا تُكَلِّمُونِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تُكَلِّمُونِ في دَفْعِ العَذابِ عَنْكم.

الثّانِي: أنَّهم زُجِرُوا عَنِ الكَلامِ، غَضَبًا عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، فَهو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ أهْلُ النّارِ.

﴿ فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا ﴾ قَرَأ بِضَمِّ السِّينِ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.

واخْتُلِفَ في الضَّمِّ والكَسْرِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ، ومَعْناهُما سَواءٌ وهُما مِنَ الهُزْءِ.

الثّانِي: أنَّها بِالضَّمِّ مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِعْبادِ وبِالكَسْرِ مِنَ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا ذنت من وجوههم شوت وجوههم، وإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم، فيقولون: ادعوا خزنة جهنم فيدعون خزنة جهنم إن ﴿ ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب ﴾ [ غافر: 49] فيقولون ﴿ أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ [ غافر: 50] فيقولون ادعوا مالكاً فيقولون ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ [ الزخرف: 77] فيجيبهم ﴿ إنكم ماكثون ﴾ فيقولون ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم، فيقولون ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ﴾ [ المؤمنون: 106-107] فيجيبهم ﴿ اخسئوا فيها ولا تُكَلِّمون ﴾ فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك أخذوا في الزفير والحسرة والويل» .

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن أهل جهنم ينادون مالكاً ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ فيذرهم أربعين عاماً لا يجيبهم ثم يجيبهم ﴿ إنكم ماكثون ﴾ ثم ينادون ربهم ﴿ ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فانا ظالمون ﴾ فيذرهم مثلي الدنيا لا يجيبهم ثم يجيبهم ﴿ اخسئوا فيها ولا تُكَلِّمون ﴾ قال: فيئس القوم بعدها، وما هو إلا الزفير والشهيق.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن محمد بن كعب قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله في أربعة، فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبداً يقولون ﴿ ربنا أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ﴾ [ غافر: 11] فيجيبهم الله ﴿ ذلكم بأنه إذا دعيَ الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم الله العلي الكبير ﴾ [ غافر: 12] ثم يقولون ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً انا موقنون ﴾ [ السجدة: 12] فيجيبهم الله ﴿ فذقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا انا نسيانكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ﴾ [ السجدة: 14] ثم يقولون ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ﴾ [ ابراهيم: 44] فيجيبهم الله ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ﴾ ثم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل ﴾ [ فاطر: 37] فيجيبهم الله ﴿ أو لو نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ﴾ [ فاطر: 37] ثم يقولون ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فانا ظالمون ﴾ [ المؤمنون: 106] فيجيبهم الله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ فلا يتكلمون بعدها أبداً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب ﴾ [ غافر: 49] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا لهم ﴿ ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ [ غافر: 50] ثم نادوا ﴿ يا مالك ﴾ لخازن النار ﴿ ليقض علينا ربك ﴾ [ الزخرف: 77] فسكت عنهم مالك مقدار أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿ إنكم ماكثون ﴾ ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا ﴿ ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون ﴾ فسكت عنهم..

مقدار الدنيا ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميدعن الحسن في الآية قال: تكلموا قبل ذلك وخاصموا فلما كان آخر ذلك قال: ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ قال: منعوا الكلام آخر ما عليهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن زياد بن سعد الخراساني في قوله: ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ قال: فتنطبق عليهم فلا يسمع منها إلا مثل طنين الطست.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ اخسئوا ﴾ قال: اصغروا.

وأخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ قال: هذا قول الرب عز وجل حين انقطع كلامهم منه.

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله إذا قال لأهل النار ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ عادت وجوهم قطعة لحم ليس فيها أفواه ولا مناخير تردد النفس في أجوافهم» .

وأخرج هناد عن ابن مسعود قال: ليس بعد الآية خروج ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ اخسئوا ﴾ كلمة تستعمل في زجر الكلاب، ففيها إهانة وإبعاد ﴿ وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ أي لا تكلمون في رفع العذاب، فحينئذ ييأسون من ذلك، أعاذنا الله من ذلك برحمته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ عالم ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وعاصم غيره حفص إلا الخزاز.

وقرأ رويس بالخفض إذا وصل وبالرفع إذا ابتدأ، الآخرون بالخفض ﴿ لعلي أعمل ﴾ بسكون الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

﴿ شقاوتنا ﴾ حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون ﴿ شقوتنا ﴾ بكسر الشين وسكون القاف في غير ألف.

﴿ سخرياً ﴾ بضم السين وكذلك في صاد: ابو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف والمفضل والخزاز عن هبيرة.

الآخرون بكسرها ﴿ إنهم ﴾ بالكسر: حمزة وعلي والخزاز عن هبيرة.

﴿ قل كم ﴾ ﴿ قل إن لبثم ﴾ على الأمر فيهما: حمزة وعلي وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل وافق ابن كثير في الأول.

﴿ لا ترجعون ﴾ على البناء للفاعل يعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ط لمن قرأ بالرفع إلى هو عالم ومن خفض لم يقف لأنه بدل أو وصف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ ما يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله "فلا" جواب للشرط وهو إما والنداء عارض ﴿ للظالمين ﴾ ه لا ﴿ لقادرون ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه لا ﴿ يحضرون ﴾ ه ﴿ ارجعون ﴾ ه لا لتعلق لعل ﴿ كلا ﴾ ط لأنها للردع عما قبلها أي لا يرجع.

وقيل: مبتدأ بها بمعنى حقاً والأول أحسن ﴿ قائلها ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ كالحون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ ضالين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ ولا تكلمون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ج للآية والوصل أجوز لشدة اتصال المعنى وللفاء ﴿ تضحكون ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ العادين ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لا ترجعون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي  متوحداً غير مشارك ﴿ إلا هو ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ رب العرش ﴾ يصلح بدلاً من هو وخبر مبتدأ محذوف ﴿ الكريم ﴾ ط ﴿ آخر ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة ﴿ به ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه.

التفسير: لما أثبت لنفسه الإلهية بالدلائل الإلزامية في الآيات المتقدمة نفى عن نفسه الأنداد والأضداد بقوله ﴿ ما اتخذ الله من ولد ﴾ بقوله ﴿ وما كان معه من إله ﴾ وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله وإبطال الأقوال اليهود والنصارى والثنوية.

ثم ذكر شبه دليل التمانع بقوله ﴿ إذاً لذهب ﴾ وهو جواب لمن معه المحاجة من أهل الشرك وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره: ولو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق لانفرد كل واحد منهم بالخلق الذي خلقه واستبد به، لأن اجتماعهم على خلق واحد لا يتصور فإن ذلك يقتضي عجز الواحد عن ذلك الخلق، وحينئذ يكون ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخرين.

﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ أي لغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا من تمايز الممالك ومن التغالب، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فلذلك ختم الآية بقوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ إلى قوله ﴿ عما يشركون ﴾ ثم أمر نبيه  بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ قل رب إما تريني ﴾ أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ﴿ فلا تجعلني ﴾ قريباً لهم.

وقد يجوز أن يستعيذ العبد بالله مما علم أنه لا يفعله اظهاراً للعبودية واستكانة له ويؤيده تكرار رب مرتين.

وكانوا ينكرون العذاب ويسخرون منه فأكد وقوعه بقوله ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ قيل: فيه دليل على أن القدرة تصح على المعدوم لأنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ثم أمره بالصفح عن سيئاتهم ومقابلتها بما يمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه كان أحسن لأنها حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.

أو نقول: المكافأة حسنة ولكن العفو أحسن.

عن ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك.

وعن مجاهد هي أن يسلم عليه إذا لقيه.

قيل: هي منسوخة بآية السيف والأولى أن يقال: هي محكمة لأن المداراة مستحبة مالم تؤد إلى محذور ﴿ نحن أعلم بما يصفون ﴾ مما ليس فيك من المثالب والمراد أنه أقدر على جزائهم فعليه أن يفوض أمرهم إلى الله ويدفع أذاهم بالكلام الجميل والسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه.

ثم أتبع هذا التعميم ما يقويه على ذلك وهو الإستعاذة بالله من همزات الشياطين.

والهمز النخس ومنه "مهماز الرائض" وذلك أنهم يحثون الناس على المعاصي بأنواع الوساوس كما يحث الرائض الدابة على المشي بالمهماز وهي حديدة تكون في مؤخر خفه.

عن الحسن أنه  كان يقول بعد استفتاح الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفخه ونفثه" فهمزه الجنون ونفثه الشعر ونفخه الكبر.

ثم أمره بالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً كما يقال: أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك.

وعن ابن عباس أراد الحضور عند تلاوة القرآن.

وعن عكرمة عند النزع والأولى العموم "عن النبي  وقد اشتكى إليه رجل أرقاً به فقال:إذا أردت النوم فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" .

قوله ﴿ حتى إذا جاء ﴾ قيل: متعلق بقوله ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وقيل: بـ ﴿ يصفون ﴾ اي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض وتأكيد للإعضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم.

والمراد بمجيء الموت أماراته التي تحقق عندها الموت وصارت المعرفة ضرورية فحينئذ يسال الرجعة ولا ينافي هذا السؤال الرجعة عند معاينة النار كقوله ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد  ﴾ والأكثرون على أنهم الكفار.

وروى الضحاك عن ابن عباس أنها تشمل من لم يزك ولم يحج لقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني  ﴾ وأما وجه الجمع في قوله ﴿ ارجعون ﴾ مع وحدة المنادى فقيل: إن الجمعية راجعة إلى الفعل كأنه قال: ارجع مرات ونظيره ﴿ ألقيا في جهنم  ﴾ أي ألق ألق.

وقيل ﴿ رب ﴾ للقسم والخطاب للملائكة القابضين للأرواح أي بحق الله ارجعون والأقرب أن الجمع للتعظيم كقول الشاعر: ألا فارحموني يا إله محمد *** وقوله: فإن شئت حرمت النساء سواكم *** عن النبي  "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله.

وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" قال جار الله: أي لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحاً كما تقول لعلي أبني على أس تريد أؤسس أساً وأبني عليه.

وقيل: أي فيما خلفت من المال والأولى العموم فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما افسدوه ويطيعوا فيما عصوا.

قيل: كيف سألوا الرجعة وقد عملوا صحة الدين بالضرورة ومن الدين أن لا رجعة؟

والجواب بعد تسليم أنهم عرفوا كل الدين أن الإنسان قد يتمنى شيئاً مع علمه بتعذره كقول القائل "ليت الشباب يعود" والاستغاثة بحنس هذه المسألة قد تحسن.

قولهم ﴿ لعلي ﴾ ليس المراد به الشك وإنما هو كقول المقصر "مكنوني لعلي أتدارك" مع كونه جازماً بأنه سيتدارك.

ويحتمل أنهم وإن كانوا جازمين بذلك إلا أن أمر المستقبل مبني على الظن والتخمين دون اليقين فلذلك أوردوا الكلام بصورة الترجي.

ثم ردعهم بقوله ﴿ كلا ﴾ أي ليس الأمر على ما توهموه من إمكان الرجعة ﴿ إنها كلمة ﴾ والمراد بها طائفة من الكلام منتظم بعضها مع بعض وهي قوله ﴿ ارجعون لعلي أعمل صالحاً ﴾ ﴿ هو قائلها ﴾ لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والحيرة عليه وهو قائلها وحده لإيجاب إليها ولا تسمع منه ﴿ ومن ورائهم ﴾ الضمير لكل المكلفين أي أمامهم ﴿ برزخ ﴾ حائل بينهم وبين الجنة أو النار وبين الجزاء التام ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ وذلك البرزخ هو مدة ما بين الموت إلى البعث، ولعل بعض الحجب من الأخلاق الذميمة يندفع في هذه المدة.

وقال في الكشاف: حائل بينهم وبين الرجعة ومعناه الإقناط الكلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.

ثم وصف يوم البعث بقوله ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ قد مر معناه في أواخر "طه".

وقوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ ليس المراد به نفي النسب لأن ذلك ثابت بالحقيقة فإذن المراد حكمه وما يتفرع عليه من التعاطف والتراحم والتواصل، فقد يكون أحد القريبين في الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من الالتفات إلى أحوال نسبه.

عن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء.

وأما الجمع بين قوله ﴿ ولا يتساءلون ﴾ وبين قوله ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ \[المؤمنون: 101\] فظاهر لأن هذا في صفة أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة.

ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها التساؤل كحقوق النسب ونحوها.

وعن النبي  "ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس: حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين وعلى جسر جهنم" وقد مر مثل آية الموازين في أول "الأعراف" فليرجع إلى هنالك.

وقوله ﴿ في جهنم خالدون ﴾ بدل من ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ ولا محل له كالمبدل فإِن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى خسران أنفسهم امتناع انتفاعهم بها.

وقال ابن عباس: خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين.

ومعنى ﴿ تلفح ﴾ تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار، قاله ابن عباس.

وعن الزجاج أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً والكلوح أن يتقلص الشفتان عن الأسنان كالرؤوس المشوية.

يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن.

وعن النبي  أنه قال: "تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته" .

وقال الجوهري: الكلوح تكشر في عبوس.

ثم بيّن  أنه قال لهم حينئذ تقريعاً وتوبيخاً ﴿ الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ﴾ قالت المعتزلة: لو كان فعل التكذيب بخلق الله  لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي.

وفسرت المعتزلة الشقاوة بسوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم.

وتفسرها الأشاعرة بما كتب الله عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤل حالهم إلى النار.

ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر.

وأما على تفسير المعتزلة فقد قال جار الله: معناه ملكتنا وأخذت منا.

وقال الجبائي: أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب.

وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله  عليهم في سوء صنيعهم.

وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها الله فيه بدليل قوله ﴿ وكنا قوماً ضالين ﴾ اي في علم الله وسابق تقديره.

وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا: ولو كان الكفر بخلق الله لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذراً لهم أولى.

وأجيب بأن فحوى الكلام يؤل إلى هذا كما قررنا.

عن ابن عباس: أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا  ﴾ فيجابون ﴿ حق القول مني  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أمتنا اثنتين  ﴾ فيجابون ﴿ ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك  ﴾ فيجابون ﴿ إنكم ماكثون  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب  ﴾ فيجابون ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل  ﴾ فينادون الفاً ﴿ ربنا أخرجنا نعمل صالحاً  ﴾ فيجابون ﴿ أولم نعمركم  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 6\] فيجابون ﴿ اخسئوا فيها ﴾ \[المؤمنون: 108\] وهو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب أي لا يفهمون ولا يفهمون ولهذا قال جار الله ﴿ ولا تكلمون ﴾ أي في رفع العذاب وليس نهياً عن الكلام فإِنها ليست بدار تكليف ولكنه تنبيه على أن العذاب لا يرفع ولا يخفف.

ومعنى ﴿ اخسؤاً ﴾ انزجروا صاغرين كما تنزجر الكلاب إذا طردت.

يقال: خسأ الكلب وخسأ نفسه يتعدى ولا يتعدى وهو المراد في الآية.

ثم عدد عليهم بعض قبائحهم في الدنيا بقوله ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم الصحابة.

وقيل: أهل الصفة خاصة.

عن الخليل وسيبويه أن السخري بالضم والكسر مصدر سخر إلا أن في ياء النسب زيادة تأكيد.

وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من التسخير والاستعباد والمعنى اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ ذكرى ﴾ فلم تذكروني حتى تخافوني.

ثم ذكر من حال المؤمنين ما أوجب الحسرة والندامة للساخرين.

فمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر على الاستئناف فمعناه ظاهر أي قد فازوا حيث صبروا، ومن قرأ بالفتح فعلى أنه مفعول جزيتهم أي جزيتهم فوزهم.

ومن قرأ ﴿ قال ﴾ فالضمير لله أو لمن أمر بسؤالهم من الملائكة، ومن قرأ ﴿ قل ﴾ فالخطاب للملك أو لبعض رؤساء أهل النار.

والغرض من هذا السؤال التوبيخ والتبكيت فقد كانوا لا يعدّون اللبث إلا في الدنيا ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنهم فيها خالدون سئلوا ﴿ كم لبثتم ﴾ تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ولا سيما إذا كان الأول ايام سرور والثاني ايام غم وخزن.

واختلفوا في الأرض فقيل: وجه الأرض حين ما كانوا أحياء فإنهم زعموا أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله  وعذبوا في النار سئلوا عن ذلك توبيخاً.

وقال آخرون: المراد جوف الأرض وهو القبر لظاهر لفظة "في" ولقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة  ﴾ وقوله ﴿ عدد سنين ﴾ بدل من مميزكم.

وقيل: احتج بعض من أنكر عذاب القبر بأن قوله ﴿ في الأرض ﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض.

فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ واجيب بأن الجواب لا بد أن يكون على حسب السؤال وإنما سئلوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.

ويحتمل أن يكونوا سئلوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فصح أن يكون جوابهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ عند أنفسنا.

وليس هذا من قبيل الكذب إذ لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال فقالوا: إلا نعرف من عدد السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم.

وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا ﴿ فاسأل العادّين ﴾ اي ليس من شأننا أن نعدّها لما نحن فيه من العذاب فاسأل من يقدر أن يلقى إليه فكره، أو اسأل الملائكة الذي يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم.

وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.

وقيل: أرادوا بقولهم ﴿ لبثنا يوماً أبو بعض يوم ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة غلى ما وقعوا فيه وعرفوه من داوم العذاب.

وقد صدّقهم الله في ذلك حيث قال ﴿ إن لبثتم غلا قليلاً ﴾ ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها بقوله ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ أي لو علمتم البعث والحشر لما كنتم تعدونه طويلاً.

ثم زاد في التوبيخ بقوله ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ أي عابثين أو لأجل العبث وهو الفعل الذي لا غاية له صحيحة.

وجوّزوا أن يكون قوله ﴿ وأنكم إلينا لاترجعون ﴾ معطوفاً على ﴿ عبثاً ﴾ أي للعبث ولترككم غير مرجوعين وفيه دلالة على وجوب وقوع القيامة فلولاها لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء.

ثم نزه ذاته عن كل عيب وعبث قائلاً ﴿ فتعالى ﴾ الآية ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال "بيت كريم" إذا كان ساكنوه كراماً.

وقرئ ﴿ الكريم ﴾ بالرفع وهو ظاهر.

ثم زيف طريقة المقلدة من أهل الشرك وقوله لا برهان له به كقوله ﴿ ما لم ينزل به سلطاناً  ﴾ وهو صفة جيء بها للتأكيد لا أن بعض الآلهة قد يقوم على وجوده برهان.

وجوّز جار الله أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقول القائل: من أحسن إلى زيداً لا أحق بالإحسان إليه منه فالله مثيبه.

ومعنى ﴿ حسابه عند ربه ﴾ أنه بلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله.

وقرئ ﴿ أنه لا يفلح ﴾ بفتح الهمزة أي حسابه عدم فلاحه فوضع ﴿ الكافرون ﴾ موضع الضمير.

جعل فاتحة السورة ﴿ قد افلح المؤمنون ﴾ وأورد في خواتيهما ﴿ إنه لا يفلح الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفريقين.

وحين أثنى على المؤمنين في أثناء الكلام بأنهم يقولون ﴿ ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ﴾ نبه في آخر السورة على أنه قول ينبغي أن يواظب المكلف عليه ففيه الانقطاع إلى الله والإعراض عمن سواه والله المستعان.

التأويل: ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم إذا فارقوها ﴿ لكل امريء منهم يومئذ  ﴾ في طلب الحق ﴿ شأن يغنيه  ﴾ عن طلب الغير ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعليقات ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة فيها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة.

ولهذا قال ﴿ في جهنم خالدون ﴾ وأجيبوا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم العلماء بالله النصحاء لأجله ﴿ فاتخذتموهم سخرياً ﴾ فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العلية ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بهممهم وبيد الرد ﴿ ذكرى وكنتم منهم تضحكون ﴾ لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب ﴿ جزيتهم اليوم بما صبروا ﴾ فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار ﴿ لا برهان له به ﴾ أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ .

ظاهر هذا أن يكون قوله: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ بعد الموت، وبعد ما عاين أهوال الآخرة وأفزاعها؛ لأن الموت ليس هو شيء يأتي من مكان إلى مكان؛ إنما هو شيء يذهب بالحياة التي فيهم، إلا أن أهل التأويل قالوا: إن ذلك عند معاينتهم ملك الموت، وعند هجومه عليهم بأهواله؛ فعند ذلك يسألون الرجعة إلى الدنيا، والأول أشبه وأقرب.

ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ : ليس هو صلة قوله: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ ، ولا جوابه؛ لأنه ليس من نوعه، ولا من جنس ذلك، ولكنه - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، وجواب قوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ ، ونحوه الذي تقدم ذكره، يقول: وإنهم على ذلك ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ ، فعند ذلك يرجع إلى الحق والتصديق، لكن ذلك لا ينفعه في ذلك الوقت ﴿ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ ، ولم يقل: ربّ ارجعني، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: سأل على ما يسأل الملوك ويخاطبون: افعلوا كذا، على الجماعة، وإن كان إنما يخاطب واحدا؛ على ما خرج جواب الله وقوله: إنا فعلنا كذا، ونفعل كذا.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ : يسأل ربه أن يأمر الملائكة الذين يتولون قبض أرواحهم أن يرجعوه إلى ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ، أي: فيما كذبت.

وقال بعضهم: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ : في الدنيا من الأعمال الصّالحة فأعمل بها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ : من الأموال فأؤدي منه حقك؛ لأن من الكفرة ما كان سبب كفرهم منع الزكاة وجحودها؛ كقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ  ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ فيسأل ربه أن يرجع إلى المال الذي تركه؛ ليؤدّي الحق الذي كان فيه فمنعه، كقوله: ﴿ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ ، أي: فأتصدق بالصدقة التي منعتها؛ لأن الخطاب في الصدقة بقوله: ﴿ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم...

﴾ الآية [البقرة: 254]، وهذا أشبه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، هو ردّ لما سألوا من الرجعة.

[و] قوله: ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ ﴾ : هو قول الله: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً...

﴾ الآية [المنافقون: 11]، ﴿ قَآئِلُهَا ﴾ : يعني الكافر عند معاينة العذاب، وهو قوله: ﴿ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ على هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا حقيقة لسؤاله الذي يسأله من الرجعة ليعمل العمل الصالح، أي: أنه وإن ردّ ورجع لا يعمل؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ .

والثاني: أن لا منفعة لهم في سؤالهم الرجعة؛ إذ لو رجعوا لا يصلون إلى ما يأملون؛ لأنهم إنما يسألون ليؤمنوا، والإيمان سبيله الاستدلال، فإذا لم يستدلوا به وقت أمنهم وفسحتهم؛ فكيف يقدرون على الاستدلال في وقت خوفهم؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .

قال بعضهم: وراءهم، أي: أمامهم.

قال أبو معاذ: مشتقة من تواريت عنك، فكل ما توارى عنك أمامك كان أو وراءك فهو وراءك.

وقال بعضهم: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ ﴾ : على حقيقة الوراء.

﴿ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ، قال بعضهم: البرزخ: هو ما بين شيئين.

وقال بعضهم: البرزخ: هو الأجل بين الموت والبعث، وهو قول الكلبي وقتادة.

وقال مجاهد: البرزخ: هو حاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا.

وقال القتبي: وأبو عبيدة: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، وقالا: كل شيء بين شيئين فهو برزخ.

وقال أبو عوسجة: البرزخ: ما بين الحدين، يعني: الدنيا والآخرة، والأرض المستوية، وأصل البرزخ: الحاجز بينه كقوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً  ﴾ ، أي: حاجزاً، وتأويله، أي: صاروا إلى الوقت الذي يحجزهم عما يتمنون ويشتهون، وهو كقوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ  ﴾ ، وإنما يشتهون ويتمنون الإيمان والأعمال الصالحة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ ، أي: من ورائهم أحوالهم [أي: الحال التي طلبوا] الإيمان فيه أحوال لا يمكن فيها الإيمان وما تمنوا من العمل الصالح، والله أعلم.

وفيه نقض قول الباطنية؛ لأنهم يقولون: البرزخ هو أن يجعل للمؤمن من الأعمال الصالحة صورة روحانية تبقى أبداً تثاب تلك الصورة الروحانية من الأعمال، وأن يجعل من الأعمال السيئة للكافر صورة قبيحة روحانية هي تعاقب وتعذب أبداً، فذلك البعث عندهم، فأخبر - عز وجل - أن بين موتهم وبين البعث: البرزخ، وهو الأجل الذي ذكرنا، أو الحاجز؛ فدل ذلك على نقض قولهم: أن ليس البعث إلا خروج الصورة دون المعاينة.

وقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ .

إن كان قوله: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ في الناس كلهم؛ فذلك في اختلاف المواطن، على ما قال ابن عباس وغيره من أهل التأويل، واختلاف الأوقات: لا يتساءلون في موطن أو في وقت، ويتساءلون في وقت آخر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ  ﴾ ، ونحوه.

وإن كانت الآية في [أهل] الكفر خاصّة فهو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ ؛ لأنه كان يتناصر بعضهم ببعض على غيرهم، ويستعين بعضهم بعضا، ويكونون ردءاً لهم في هذه الدنيا وشفعاء وأعواناً وأنصاراً، فأخبر أن ذلك ينقطع بينهم ويذهب ذلك التناصر عنهم في الآخرة، والعرب خاصّة كان يتفاخر بعضهم على بعض بالأنساب ويتناصر؛ فأخبر أن ذلك منقطع عنهم في الآخرة.

والثاني: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ ﴾ وما ذكر ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ؛ لشغلهم بأنفسهم؛ لفزع ذلك اليوم وأهواله ينسى بعضهم بعضا ويهرب منه، كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 43]، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...

﴾ الآية [ عبس: 34]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ...

﴾ الآية [الحج: 2]، فذلك كله؛ لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه كأن لكل في نفسه شغلا حتى لا يتفرغ إلى أحد وإن قرب عنه لشغلهم بأنفسهم.

وإن كان في الناس جميعاً فهو ما ذكرنا أن ذلك يكون في اختلاف المواطن والأوقات: يسألون في وقت ولا يسألون في وقت، ويسألون في موطن ولا يسألون في موضع، أو يسألون عن شيء ولا يسألون عن آخر، وروي [في] الخبر عن رسول الله  أنه قال: "كلُّ نَسَبٍ كانَ فهو منقطعٌ إلا نسبي" أو كلام نحو هذا، ثم يحتمل قوله: "إلا نسبي" وجهين: أحدهما: الشفاعة له في أنسابه، لا يكون ذلك لغيره في نسبه؛ فإذا أراد هذا فهو على حقيقة نسبه.

والثاني: أراد بقوله: "إلا نسبي": المعين له في دينه؛ لأن كل من اتبعه فقد انتسب إليه؛ فكأنه قال: إن كل [ذي] شفاعة دوني فهو منقطع إلا شفاعتي، فيمن اتبعني وانتسب إلي بقبوله ديني.

وقوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ ، أي: من عظم قدره ومنزلته عند الله بالأعمال التي عملوها من الصالحات والحسنات فهو من المفلحين، ومن خفت منزلته وقدره عند الله بالأعمال الخبيثة السيئة فهو من الذين خسروا أنفسهم، والله أعلم.

وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل في الموازين فيما تقدم.

وقوله: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ .

قال بعضهم: لفحتهم النار لفحة؛ فلم تدع لحماً على عظم إلا ألقته.

﴿ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ ، قال بعضهم: عابسون.

وقال بعضهم: تلفح، أي: تنفح.

وقال بعضهم: تلفح: تشوي وتحرق، وذلك عادة النار أنها تعمل كل هذا العمل.

وقال أبو عوسجة: تلفح، أي تضرب، واللفح: الضرب، يقال: لفحته النار، أي: ضربته؛ فأحرقت وجهه، تلفح لفحاً فهي لافحة.

والكالح: العابس.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ .

كذلك كانوا يكذبون، وقد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ .

أما ما قال أهل التأويل: غلبت علينا من الشقاوة فإنه لا يحتمل؛ لأنهم يقولون ذلك القول؛ اعتذاراً لما كان منهم من التفريط في أمره والتضييع؛ فلا يحتمل أن يطلبوا لأنفسهم عذراً فيما كان منهم؛ إذ لو كان ما ذكر أولئك لكان في ذلك طلب العذر لأنفسهم، وهم في ذلك الوقت لا يطلبون عذراً لأنفسهم؛ ولكن يقرون بما كان منهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ  ﴾ ، لكن يحتمل وجهين: أحدهما: يقولون: ربنا شقينا بأعمالنا التي عملناها، وظلمنا أنفسنا، وكنا قوماً ضالين.

والثاني: عملنا أعمالا استوجبنا بتلك الأعمال جزاء؛ فنحن أولى بذلك الجزاء، فغلب علينا جزاء تلك الأعمال، أو كلام نحو هذا.

وأما ما قاله أولئك من أهل التأويل: ﴿ غَلَبَتْ ﴾ ، أي: كتبت فهو بعيد؛ لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره لا يكتب غير الذي علم أنه يفعله ويختاره، والله أعلم.

قوله: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ : ظلم عيان، وظلم ظاهر، وإلا قد كانوا أقرّوا بالظلم بقولهم: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ ﴾ : قد أقروا بالظلم، لكنهم أقروا بظلم خبر وظلم سماع، لا ظلم عيان؛ فقالوا: ﴿ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ : ظلم عيان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ ﴾ ، أي: اسكتوا.

وقال بعضهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ ﴾ ، أي: ابعدوا فيها.

قال أبو عوسجة: يقال: خسأت فلانا، وأخسأت، أي: باعدته؛ فخسأ، أي: تباعد.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ .

يحتمل الوجهين: أحدهما: جائز أن يكون هذا السؤال منهم في أوّل ما أدخلوا، فقال لهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ فإنكم ماكثون، أو أن يكون هذا السؤال منهم بعد ما سألوا الملك الموت مرة بقوله: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ...

﴾ الآية [الزخرف: 77].

وسألوا مرة تخفيف العذاب بقوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، فلما أيسوا منه فعند ذلك يسألون ربهم إخراجهم والإعادة إلى المحنة؛ فقال: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ ، أي: ابعدوا فيها ولا تكلمون، أي: يصيرون بحال لا يقدرون على الكلام؛ لشدة العذاب؛ فعند ذلك يكون منهم الشهيق والزفير.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ * فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾ .

يخبر - عز وجل - أولئك الكفرة الذين يسألون الإخراج من النار أنكم قد اتخذتم فريقاً من عبادي آمنوا سخريا، وكنتم منهم تضحكون؛ يذكر هذا لهم - والله أعلم - ليكون ذلك حسرة ونكاية.

وقوله: ﴿ سِخْرِيّاً ﴾ اختلف في قراءته: [فقرئ] بكسر السين فهو من الاستهزاء والهزء.

وقال الكسائي: بالرفع والكسر جميعاً، من الاستهزاء، ولا يقال في العبودة إلا برفع السين، وقال بعضهم: هما سواء.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ﴾ ، قال بعضهم: حتى أنساكم الهزء بهم عن العمل بطاعتي.

وقيل: أضاف الإنساء إلى الذكر؛ لأنهم كانوا [عندما] يذكرهم ويدعوهم إلى ذكر الله يهزءون به؛ فأضاف إليه ذلك؛ فكان كإضافة الرجس إلى السورة؛ لأن ذلك إنما يزداد لهم عند تلاوة السورة؛ فأضيف ذلك إلى السورة، وإلا كانت السورة لا تزيد رجساً؛ فعلى ذلك أضاف الإنساء إلى ذكره؛ لما عند ذكره ودعائهم إليه يحملهم إلى ذلك، والله أعلم، فأضيف إليه.

وقوله: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ ﴾ .

أي: إني جزيتهم اليوم الفوز بما صبروا في الدنيا على أذى أولئك الكفرة، أو على أداء ما أمروا به ونهوا عنه.

أو أن يكون ذلك كقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ، ونصره إياهم هو أن صارت لهم عاقبة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .

اختلف فيه: قال مقاتل بن سليمان: في القبور.

وقال أبو معاذ: أخطأ مقاتل، وذلك قول من ينكر عذاب القبر، وهو قول الجهمية؛ لأن من كان في عذاب وشدة لا يقتصر المقام فيه كل هذا الاقتصار، حتى يقول: لبثت يوماً أو بعض يوم؛ بل يزداد له مقام يوم في العذاب على سنة أو أكثر، قال: إلا أن يكون عَنِيَ ما بين النفختين حين تؤخذ الأرواح فترقد، فإذا بعثوا استقلوا رقدة ذلك المقدار؛ بما كانوا قاسوا قبل الرقدة من العذاب في القبور، إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.

وجائز عندنا ما قال مقاتل ومحمد بن إسحاق: بأن ذلك يكون في القبر، وذلك لا يدل على نفي عذاب القبر؛ لأنهم لا يعذبون في القبور بالعذاب الذي يعذبون في الآخرة؛ فجائز أن يستقلوا عذاب القبر بعذاب الآخرة، ويستقصرون ذلك الوقت بعذاب الآخرة لشدته وأهواله، وذلك جائز في متعارف الخلق أن يكون الرجل في بلاء وشدة، ثم يزداد له البلاء والشدة؛ فيستقل ذلك البلاء الذي كان به لشدة ما حلّ به؛ فعلى ذلك هم: جائز أن يكونوا في عذاب في قبورهم، لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة استقلوا عذاب القبر واستقصروه؛ لشدة عذاب الآخرة.

أو أن يكون عذاب القبر: على النفس الروحاني الدراك الذي يخرج في حال النوم ليس على روح الحياة، [مثل] النائم يرى نفسه في بلاء وعذاب في نومه، ويكون في أفزاع، وكانت نفسه ملقاة في مكان لا علم لها بذلك ولا خبر، وبها آثار الأحياء، فجائز أن يكون عذاب القبر على هذا السبيل على الروح التي بها يدرك الأشياء، لا على روح الحياة التي بها يحيا.

وقال قائلون: ذلك في الدنيا: استقلوا حياة الدنيا لحياة الآخرة، وهو كقوله: ﴿ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  ﴾ ؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ ﴾ : هذا يدل على أن ذلك في الحياة الدنيا أشبه؛ حيث أمر أن يسأل الذين يعدون، وذلك إنما يكون في الدنيا لا في الآخرة.

ثم اختلف في العادين: قال بعضهم: هم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم في هذه الدنيا ويرقبونهم.

وقال بعضهم: هم ملك الموت وأعوانه.

وقوله: ﴿ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: ما لبثتم إلا قليلا لو كنتم تعلمون، ولكن لا تعلمون.

قال القتبي: ﴿ سِخْرِيّاً ﴾ بكسر السين، أي: يسخرون منهم، و (سُخْرِيّاً): بضمّها، أي: يتسخرونهم من السخرية عبثاً.

[و] قوله: ﴿ حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ﴾ ، أي: شغلكم أمرهم عن ذكري، والوجه فيه ما ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ .

قوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ : قد حسبتم أنما خلقناكم عبثاً.

والثاني: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ ، أي: لا تحسبوا أنا إنما خلقناكم عبثاً.

﴿ وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ .

صير خلقه الخلق لا للرجوع والبعث عبثاً؛ لوجهين: أحدهما: لأن خلقه إياهم لا لعاقبة تتأمل أو لمنافع تقصد؛ للهلاك خاصة وللفناء - عبث؛ كبناء المباني لا لمنفعة تقصد به، ولكن للنقض يكون عبثاً في الشاهد، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً  ﴾ : سفهها في غزلها للنقض خاصة لا لمنفعة قصدت به، ونهانا أن نفعل مثل فعلها؛ فلو لم يكن المقصود من خلق الخلق إلا الموت والفناء خاصة، لا لعاقبة تقصد - كان سفهاً وعبثاً.

والثاني: ما أخبر أنه إنما أنشأ هذا العالم غير البشر لهذا البشر، وله سخر ذلك كله؛ حيث قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  ﴾ ؛ إذ ليس لغير البشر منفعة بهذه النعم التي أنشأها لهم، من نحو الجن والملائكة ونحوهم؛ إذ لهم قوام بدون ذلك: من الشمس، والقمر، ونحوه من النعم؛ إنما ذلك للبشر خاصّة، فإذا كان كذلك - لا يحتمل أن يجعل لهم كل هذه النعم التي ذكرها وأنشأها لهم، ثم لا يمتحنهم بالشكر على ذلك ولا يأمرهم بأوامر ولا ينهاهم بمناهٍ؛ فدل ما أنشأ لهم من النعم وسخر لهم من الأشياء أنهم يبعثون ويرجعون إليه؛ حتى يجزون جميعاً: المحسن جزاء [الإحسان والمسيء جزاء] الإساءة؛ إذ في العقول التفرقة بين الولي والعدو، وبين المحسن والمسيء وبين الشاكر والكافر، ثم رأيناهم جميعاً في هذه الدنيا عاشوا على سواء في الضيق والسعة، لم نر ما يفصل بين الولي والعدوّ، وبين المحسن والمسيء، وبين الشاكر والكافر؛ فدل ما لم يكن من التفرقة ما ذكرنا في هذه الدنيا على أن هنالك داراً أخرى دار الجزاء، هناك يفصل بين ما ذكرنا في الجزاء، والله الموفق.

﴿ لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ : لا تبعثون.

وقيل: لا ترجعون إليه بالأعمال التي عملتموها، كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .

أي: يتعالى الله عن أن يكون خلق الخلق منه عبثاً، أو يتعالى أن يكون خلق الخلق لا لحكمة.

﴿ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .

قال الحسن: الحق: اسم من أسماء الله، أو الملك الذي خلق الخلق للحكمة.

﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : تنزيه وتبرئة عن جميع ما قالوا فيه.

وقوله: ﴿ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ﴾ يشبه أن يكون على الأوّل: يتعالى الملك الحق وربّ الملك الكريم عن أن يخلقهم لا للحكمة أو للبعث.

وقالت الباطنية: العرش: القيامة.

ونحن [نقول:] يشبه أن يكون العرش القيامة، على ما قالوا هم، إلا أنهم يقولون: هو قائم الزمان، وقلنا نحن: هي القيامة المعروفة وهي الساعة، ربّ القيامة وهي الملك الذي ذكرنا؛ كقوله: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ : خص ذلك اليوم بالملك له، وإن كان الملك له في الدارين جميعاً؛ لما لا يتنازع في ملكه يومئذ، [و] قد نوزع في الدنيا، فخلص له ملك ذلك اليوم وصفا له يومئذٍ.

وقال بعض أهل التأويل: العرش: السرير، أضافه إلى نفسه؛ لمنزلته عند الله، والكريم: هو نعت ذلك السرير، أي: الحسن؛ كقولهم: (رجل كريم)، أي: حسن، وهكذا يوصف كل كريم بالحسن.

وقال بعضهم: هو نعت الرب، أي: ذو عفو وصفح، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنه كان فريق من عبادي الذين آمنوا بي يقولون: ربنا آمنا بك فاغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا برحمتك، وأنت خير الراحمين.

<div class="verse-tafsir" id="91.0jrya"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده