الآية ١١٨ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ١١٨ من سورة المؤمنون

وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 44 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٨ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٨ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ) هذا إرشاد من الله إلى هذا الدعاء ، فالغفر إذا أطلق معناه محو الذنب وستره عن الناس ، والرحمة معناها : أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال .

آخر تفسير سورة المؤمنون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمد: ربّ استر عليّ ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتك، وتركك عقابي على ما اجترمت ( وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) يقول: وقل : أنت يا ربّ خير من رحم ذا ذنب، فقبل توبته، ولم يعاقبه على ذنبه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم أمر نبيه - عليه الصلاة والسلام - بالاستغفار لتقتدي به الأمة .

وقيل : أمره بالاستغفار لأمته .

وأسند الثعلبي من حديث ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، عن حنش بن عبد الله الصنعاني ، عن عبد الله بن مسعود أنه مر بمصاب مبتلى فقرأ في أذنه أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا حتى ختم السورة فبرأ .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ماذا قرأت في أذنه ؟

فأخبره ، فقال : والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقُلْ } داعيا لربك مخلصا له الدين { رَبِّ اغْفِرْ } لنا حتى تنجينا من المكروه، وارحمنا، لتوصلنا برحمتك إلى كل خير { وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } فكل راحم للعبد، فالله خير له منه، أرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأرحم به من نفسه.

تم تفسير سورة المؤمنين، من فضل الله وإحسانه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقل رب اغفر وارحم» المؤمنين في الرحمة زيادة عن المغفرة «وأنت خير الراحمين» أفضل راحم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقل- أيها النبي-: ربِّ تجاوَزْ عن الذنوب وارحم؛ وأنت خير من رحم ذا ذنب، فقبل توبته ولم يعاقبه على ذنبه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ( وَقُل رَّبِّ اغفر وارحم وَأنتَ خَيْرُ الراحمين ) أى : وقل - أيها الرسول الكريم - مناجيا ربك : رب اغفر للمؤمنين ذنوبهم ، وارحم العصاة منهم ، وأنت يا مولانا خير من يرحم ، وخير من يغفر .قال الآلوسى : " وفى تخصيص هذه الدعاء بالذكر ما يدل على أهمية ما فيه ، وقد علم النبى صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يقول نحوه فى صلاته .

فقد أخرج الشيخان عن أبى بكر - رضى الله عنه - قال : يا رسول الله ، علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى .

فقال له قل : " اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لى مغفرة من عندك ، وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما بين أنه هو الملك الحق لا إله إلا هو أتبعه بأن من ادعى إلهاً آخر فقد ادعى باطلاً من حيث لا برهان لهم فيه، ونبه بذلك على أن كل ما لا برهان فيه لا يجوز إثباته، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد ثم ذكر أن من قال بذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله: ﴿ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ ﴾ كأنه قال إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله تعالى وقرئ أنه لا يفلح بفتح الهمزة ومعناه حسابه عدم الفلاح جعل فاتحة السورة ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون  ﴾ وخاتمتها ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.

ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول رب اغفر وارحم ويثني عليه بأنه خير الراحمين، وقد تقدم بيان أنه سبحانه خير الراحمين فإن قيل كيف تتصل هذه الخاتمة بما قبلها؟

قلنا لأنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر بالانقطاع إلى الله تعالى والالتجاء إلى دلائل غفرانه ورحمته، فإنهما هما العاصمان عن كل الآفات والمخافات، وروي أن أول سورة ﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾ وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من أولها، واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح.

والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب والحمد لله وحده وصلاته على خير خلقه سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وعترته وأهل بيته.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ عَبَثاً ﴾ حال، أي: عابثين، كقوله: ﴿ لاَعِبِينَ ﴾ أو مفعول له، أي: ما خلقناكم للعبث، ولم يدعنا إلى خلقكم إلاّ حكمة اقتضت ذلك، وهي: أن نتعبكم ونكلفكم المشاقّ من الطاعات وترك المعاصي، ثم نرجعكم من دار التكليف إلى دار الجزاء، فنثيب المحسن ونعاقب المسيء ﴿ وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ معطوف على ﴿ أَنَّمَا خلقناكم ﴾ ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ عَبَثاً ﴾ أي: للعبث، ولترككم غير مرجوعين.

وقرئ: ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء ﴿ الحق ﴾ الذي يحق له الملك؛ لأنّ كل شيء منه وإليه.

أو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه.

وصف العرش بالكرم لأنّ الرحمة تنزل منه والخير والبركة.

أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، كما يقال: بيت كريم، إذا كان ساكنوه كراماً.

وقرئ: الكريم، بالرفع.

ونحوه: ﴿ ذُو العرش المجيد ﴾ [البروج: 15] .

﴿ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾ كقوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا ﴾ [آل عمران: 115] وهي صفة لازمة، نحو قوله: ﴿ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ [الأنعام: 38] جيء بها للتوكيد لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان.

ويجوز أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء؛ كقولك: من أحسن إلى زيد لا أحق بالإحسان منه، فالله مثيبه.

وقرئ: أنه لا يفلح بفتح الهمزة.

ومعناه: حسابه عدم الفلاح، والأصل: حسابه أنه لا يفلح هو، فوضع الكافرون موضع الضمير لأنّ ﴿ مِنْ يَدُعُّ ﴾ في معنى الجمع، وكذلك (حِسَابُهُ....

إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ) في معنى: (حسابهم أنهم لا يفلحون).

جعل فاتحة السورة ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ﴾ وأورد في خاتمتها: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ سورةَ المؤمنونَ بشّرتْهُ الملائكةُ بالروحِ والريحانِ وما تقرُّ به عينُه عند نزولِ ملكِ الموتِ» وروي: أنّ أوّل سورة قد أفلح وآخرها من كنوز العرش، من عمل بثلاث آيات من أوّلها، واتعظ بأربع آيات من آخرها: فقد نجا وأفلح.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عنده دويّ كدويّ النحل، فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يده وقال: «اللَّهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا» ثم قال: «لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنة» ، ثم قرأ: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ﴾ حتى ختم العشر.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ ﴾ .

عَنِ النَّبِيِّ  «مَن قَرَأ سُورَةَ المُؤْمِنِينَ بَشَّرَتْهُ المَلائِكَةُ بِالرُّوحِ والرَّيْحانِ وما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ عِنْدَ نُزُولِ مَلَكِ المَوْتِ» .

وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ حَتّى خَتَمَ العَشْرَ» .

وَرُوِيَ «أنَّ أوَّلَها وآخِرَها مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ، مَن عَمِلَ بِثَلاثِ آياتٍ مِن أوَّلِها واتَّعَظَ بِأرْبَعٍ مِن آخِرِها فَقَدْ نَجا وأفْلَحَ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقُل رَّبّ اغفر وارحم} ثم قال {وَأَنتَ خير الراحمين} لأن رحمته إذا أدركت أحداً أغنته عن رحمة غيره ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته

سورة النور مدينة وهي ستون وأربع آيات

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقُلْ رَبِّ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «( رَبّ)» بِالضَّمِّ ﴿ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ ﴾ والظّاهِرُ أنَّ طَلَبَ كُلٍّ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلى وجْهِ العُمُومِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِمُتَّبِعِيهِ وهو أيْضًا أعَمُّ مِن طَلَبِ أصْلِ الفِعْلِ والمُداوَمَةِ عَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، وقَدْ يُقالُ في دَفْعِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وفي تَخْصِيصِ هَذا الدُّعاءِ بِالذِّكْرِ ما يَدُلُّ عَلى أهَمِّيَّةِ ما فِيهِ، وقَدْ عَلَّمَ  أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يَقُولَ نَحْوَهُ في صِلاتِهِ.

فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَّةَ وابْنُ حِبّانَ وجَماعَةٌ «عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعاءً أدْعُو بِهِ في صَلاتِي قالَ: قُلِ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وأنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِن عِنْدِكَ وارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ».

ولِقِراءَةِ هَذِهِ الآياتِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أفَحَسِبْتُمْ ﴾ إلى آخَرِ السُّورَةِ عَلى المُصابِ نَفْعٌ عَظِيمٌ وكَذا المُداوَمَةُ عَلى قِراءَةِ بَعْضِها في السَّفَرِ.

أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو نَعِيمٍ في الحِلْيَةِ وآخَرُونَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ في أُذُنٍ مُصابٍ ﴿ أفَحَسِبْتُمْ ﴾ حَتّى خَتَمَ السُّورَةَ فَبَرَّأ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ رَجُلًا مُوقِنًا قَرَأ بِها عَلى جَبَلٍ لَزالَ»».

وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مِندَهٍ وأبُو نَعِيمٍ في المَعْرِفَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ الحارِثِ التَّمِيمِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: ««بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ  في سِرِّيَّةِ وأمَرَنا أنْ نَقُولَ إذا أمْسَيْنا وأصْبَحْنا ﴿ أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ﴾ فَقَرَأْناها فَغَنَمْنا وسَلِمْنا»» هَذا واللَّهُ تَعالى المَسْؤُولُ لِكُلِّ خَيْرٍ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ قِيلَ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ وصَلُوا إلى المَحَلِّ الأعْلى والقِرْبَةِ والسَّعادَةِ ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ ظاهِرًا وباطِنًا، والخُشُوعِ في الظّاهِرِ انْتِكاسُ الرَّأْسِ والنَّظَرِ إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ وإلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ وتَرَكَ الِالتِفاتَ والطُّمَأْنِينَةَ في الأرْكانِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والخُشُوعُ في الباطِنِ سُكُونُ النَّفْسِ عَنِ الخَواطِرِ والهَواجِسِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ تَرْكِ الِاسْتِرْسالِ مَعَها وحُضُورِ القَلْبِ لِمَعانِي القِراءَةِ والأذْكارِ ومُراقَبَةِ السِّرِّ بِتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى المُكَوِّناتِ واسْتِغْراقِ الرُّوحِ في بَحْرِ المَحَبَّةِ، والخُشُوعُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاةِ عِنْدَ بَعْضِ الخَواصِّ نَقَلَ الغَزّالِيُّ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرِ الحافِيِّ مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ الفُقَهاءِ وتَفْصِيلُهُ في كُتُبِهِمْ، ولا خِلافَ في أنَّهُ لا ثَوابَ في قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ مِن أقْوالٍ أوْ أفْعالِ الصَّلاةِ أدّى مَعَ الغَفْلَةِ وما أقْبَحَ مُصَلٍّ يَقُولُ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ  ﴾ وهو غافِلٌ عَنِ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ مُتَوَجِّهٌ بِشَراشِرِهِ إلى الدِّرْهَمِ والدِّينارِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ولَيْسَ في قَلْبِهِ وفِكْرِهِ غَيْرُهُما ونَحْوُ هَذا كَثِيرٌ، ومِن هُنا قالَ الحَسَنُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ.

وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الصَّلاةَ مِعْراجُ المُؤْمِنِ افْتَرى مِثْلَ صَلاةِ هَذا تَصْلُحُ لِذَلِكَ حاشَ لِلَّهِ تَعالى مَن زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدِ افْتَرى ﴿ والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ قالَ بَعْضُهُمُ: اللَّغْوُ كُلُّ ما يَشْغَلُ عَنِ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ أبُو عُثْمانَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ لِلنَّفْسِ حَظٌّ فَهو لَغْوٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو لَغْوٌ ﴿ والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ هي تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِيلائِهِمْ عَلى القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ فَلا يَتَجاوَزُونَ فِيها ما حَدَّ لَهُمْ، وقِيلَ: الإشارَةُ فِيهِ إلى حِفْظِ الأسْرارِ أيْ والَّذِينَ هم ساتِرُونَ لِما يَقْبَحُ كَشْفُهُ مِنَ الأسْرارِ عَنِ الأغْيارِ إلّا عَلى أقْرانِهِمْ ومَنِ ازْدَوَجَ مَعَهم أوْ عَلى مُرِيدِيهِمُ الَّذِينَ هم كالعَبِيدِ لَهم ﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ ﴾ .

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: سائِرُ جَوارِحِهِمُ ﴿ وعَهْدِهِمْ ﴾ المِيثاقُ الأزَلِيُّ ﴿ راعُونَ ﴾ فَهم حَسَنُو الأفْعالِ والأقْوالِ والِاعْتِقاداتِ ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ فَيُؤَدُّونَها بِشَرائِطِها ولا يَفْعَلُونَ فِيها وبَعْدَها ما يُضَيِّعُها كالرِّياءِ والعَجَبِ ﴿ ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ قِيلَ المَخْلُوقُ مِن ذَلِكَ هو الهَيْكَلُ المَحْسُوسُ وأمّا الرُّوحُ فَهي مَخْلُوقَةٌ مِن نُورٍ إلَهِيٍّ يَعِزُّ عَلى العُقُولِ إدْراكُ حَقِيقَتِهِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْخِ تِلْكَ الرُّوحِ المَخْلُوقَةِ مِن ذَلِكَ النُّورِ وهي الحَقِيقَةُ الآدَمِيَّةُ المُرادَّةُ فِي قَوْلِهِ  ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلى صُورَتِهِ»» أيْ عَلى صِفَتِهِ سُبْحانَهُ مِن كَوْنِهِ حَيًّا عالِمًا مُرِيدًا قادِرًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ ﴿ ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَراتِبِ النَّفْسِ الَّتِي بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وكُلُّ مَرْتَبَةٍ سُفْلى مِنها تَحْجُبُ العُلْيا أوْ إشارَةٌ إلى حَجْبِ الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ وحاسَّتَيِّ الوَهْمِ والخَيالِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴾ قِيلَ أيْ سَماءِ العِنايَةِ ماءً أيْ ماءِ الرَّحْمَةِ ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ أيْ بِمِقْدارِ اسْتِعْدادِ السّالِكِ ﴿ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ ﴾ أيْ أرْضِ وُجُودِهِ ﴿ فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ ﴾ أيْ نَخِيلِ المَعارِفِ ﴿ وأعْنابٍ ﴾ أيْ أعْنابِ الكُشُوفِ، وقِيلَ النَّخِيلُ إشارَةٌ إلى عُلُومِ الشَّرِيعَةِ والأعْنابِ إشارَةٌ إلى عُلُومِ الطَّرِيقَةِ ﴿ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ﴾ هي ما كانَ مِنها زائِدًا عَلى الواجِبِ ﴿ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما كانَ واجِبًا لا يَتِمُّ قِوامُ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ بِدُونِهِ ﴿ وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ ﴾ إشارَةٌ إلى النُّورِ الَّذِي يُشْرِقُ مِن طَوْرِ القَلْبِ بِواسِطَةِ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّجَلِّي الإلَهِيِّ ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ ﴾ أيْ تَنْبُتُ بِالجامِعِ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وهو الِاسْتِعْدادُ، والآكِلِينَ إشارَةٌ إلى المُتَغَذِّينَ بِأطْعِمَةِ المَعارِفِ ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ مِنَ الأمْرِ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ ما فِيهِ.

﴿ وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِالأعْمالِ وإرْشادِ إلى التَّشَبُّثِ بِرَحْمَةِ المَلِكِ المُتَعالِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِطاعَتِهِ ويَغْفِرَ لَنا ما ارْتَكَبْناهُ مِن مُخالَفَتِهِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْنا بِأعْظَمِ مِمّا نُؤَمِّلُهُ مِن رَحْمَتِهِ كَرامَةٍ لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ وحَبِيبِهِ الَّذِي هو بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ وشَرِّفْ وعَظِّمْ وكَرِّمْ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لاَ بُرْهانَ لَهُ بِهِ، يقول: لا حجة له بالكفر ولا عذر يوم القيامة.

فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ في الآخرة، يعني: عذابه.

إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ، يعني: لا يأمن الكافرون من عذابه، ويقال: معناه جزاء كل كافر إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون في الآخرة عند ربهم.

قوله عز وجل: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، يعني: تجاوز عني.

وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ، يعني: من الأبوين وهذا قول الحسن، ويقال: من غيرك، ويقال: إنما حسابه عند ربه فيجازيه، كما قال: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ [الغاشية: 26] وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ فأمر النبي  بأن يستغفر للمؤمنين، ويسأل لهم المغفرة.

ويقال: أمره بأن يستغفر لنفسه، ليعلم غيره أنه محتاج إلى الاستغفار.

كما روي عن النبي  أنه قال: «إني أستغفر الله رَبِّي وَأَتُوبُ إلَى الله في كل يوم سَبْعِينَ مَرَّةً، أَوْ قالَ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١) (١) حديث ابن هريرة: أخرجه البخاري (6307) بلفظ «والله» ومسلم (2702) (13) وأحمد 2/ 282، 341 وحديث الأغر المزني عند مسلم (2702) وأحمد: 4/ 260 وأبي داود (1515) والبغوي (8287) .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ )، وهَذا سُؤالُ اللَّهِ تَعالى لِلْكافِرِينَ.

وفي وقْتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَسْألُهم يَوْمَ البَعْثِ.

والثّانِي: بَعْدَ حُصُولِهِمْ في النّارِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( قُلْ كَمْ لَبِثْتُمْ ) وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، والمَعْنى: قُلْ يا أيُّها الكافِرُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: قُولُوا، فَأخْرَجَهُ مَخْرَجَ الأمْرِ لِلْواحِدِ، والمُرادُ الجَماعَةُ؛ لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ.

وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يُدْغِمُونَ ثاءَ ( لَبِثْتُمْ )، والباقُونَ لا يُدْغِمُونَها.

فَمَن أدْغَمَ فَلِتَقارُبِ مَخْرَجِ الثّاءِ والتّاءِ، ومَن لَمْ يُدْغِمْ فَلِتَبايُنِ المَخْرَجَيْنِ.

وَفِي المُرادِ بِالأرْضِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القُبُورُ.

والثّانِي: الدُّنْيا.

فاحْتَقَرَ القَوْمُ ما لَبِثُوا لِما عايَنُوا مِنَ الأهْوالِ والعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: لا نَدْرِي كَمْ لَبِثْنا.

وَفِي المُرادِ بِالعادِّينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( العادِينَ ) بِتَخْفِيفِ الدّالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنْ لَبِثْتُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ إنْ لَبِثْتُمْ ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( قُلْ إنْ لَبِثْتُمْ ) عَلى مَعْنى: قُلْ أيُّها السّائِلُ عَنْ لُبْثِهِمْ.

وزَعَمُوا أنَّ في مُصْحَفِ أهْلِ الكُوفَةِ: ( قُلْ ) في المَوْضِعَيْنِ، فَقَرَأهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى ما في مَصاحِفِهِمْ؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في الأرْضِ، ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ ؛ لِأنَّ مُكْثَهم في الأرْضِ وإنْ طالَ، فَإنَّهُ مُتَناهٍ، ومُكْثَهم في النّارِ لا يَتَناهى.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَوْ عَلِمْتُمْ قَدْرَ لُبْثِكم في الأرْضِ.

والثّانِي: لَوْ عَلِمْتُمْ أنَّكم إلى اللَّهِ تَرْجِعُونَ فَعَمِلْتُمْ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَحَسِبْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: أفَظَنَنْتُمْ.

﴿ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا ﴾ ؛ أيْ: لِلْعَبَثِ.

والعَبَثُ في اللُّغَةِ: اللَّعِبُ، وقِيلَ: هو الفِعْلُ لا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.

﴿ وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( لا تُرْجَعُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِها.

﴿ فَتَعالى اللَّهُ ﴾ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ الجاهِلُونَ مِنَ الشِّرْكِ والوَلَدِ.

﴿ المَلِكُ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: هو التّامُّ المُلْكِ الجامِعُ لِأصْنافِ المَمْلُوكاتِ.

وأمّا المالِكُ: فَهو الخالِصُ المُلْكِ.

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ﴿ الحَقُّ ﴾ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ ﴾ والكَرِيمُ في صِفَةِ الجَمادِ بِمَعْنى: الحَسَنِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( الكَرِيمُ ) بِرَفْعِ المِيمِ، يَعْنِي: اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ﴾ ؛ أيْ: لا حُجَّةٌ لَهُ بِهِ ولا دَلِيلٌ.

وقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ: فَلا بُرْهانَ لَهُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ ؛ أيْ: جَزاؤُهُ عِنْدَ رَبِّهِ.

تَمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى - الجُزْءُ الخامِسُ مِن كِتابِ " زادِ المَسِيرِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ " ويَلِيهِ الجُزْءُ السّادِسُ وَأوَّلُهُ تَفْسِيرُ " سُورَةِ النُّورِ "

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتَعالى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ ﴾ ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ ﴾ المَعْنى: فَتَعالى اللهُ عن مَقالَتِهِمْ في جِهَتِهِ مِنَ الصاحِبَةِ والوَلَدِ، ومِن حِسابِهِمْ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، أيْ: تَنَزَّهَ اللهُ عن تِلْكَ الأُمُورِ وتَعالى عنها.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الكَرِيمُ" بِالرَفْعِ صِفَةً لِلرَّبِّ.

ثُمْ تَوَعَّدَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ عَبَدَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةُ، والوَعِيدُ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ .

و"البُرْهانُ": الحُجَّةُ، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ "مَن" شَرْطٌ، وجَوابُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الجَوابَ في قَوْلِهِ: "لا بُرْهانَ"، وهَذا هُرُوبٌ مِن دَلِيلِ الخِطّابِ مِن أنْ يَكُونَ ثُمْ داعٍ لَهُ بُرْهانٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَحْفَظُ مِمّا لا يَلْزَمُ، ويَلْحَقُهُ حَذْفُ الفاءِ مِن جَوابِ الشَرْطِ وهو غَيْرُ فَصِيحٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.

وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "عِنْدَ رَبِّكَ"، وفي حِرَفِ أبِيٍّ: "عِنْدَ اللهِ"، ورُوِيَ أنَّ فِيهِ "عَلى اللهِ".

ثُمْ حَتَّمَ وأكَّدَ أنَّ الكافِرَ لا يَبْلُغُ أُمْنِيَّتَهُ ولا يَنْجَحُ سَعْيُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّهُ لا يُفْلِحُ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: "أنَّهُ" بِفَتْحِها، والمَعْنى أنَّهُ إذْ لا يُذْكَرُ ولا يُفْلِحُ يُؤَخِّرُ حِسابَهُ وعَذابَهُ حَتّى يَلْقى رَبَّهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "يَفْلَحُ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ.

ثُمْ أمَرَ رَسُولَ اللهِ  بِالدُعاءِ في المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ والذِكْرِ لَهُ تَعالى بِأنَّهُ خَيْرُ الراحِمِينَ؛ لَأنَّ كُلَّ راحِمْ فَمُتَصَرِّفٌ عَلى إرادَةِ اللهِ تَعالى، وتَوْفِيقِهِ وتَقْدِيرِهِ لِمِقْدارِ هَذِهِ الرَحْمَةِ.

ورَحِمَتُهُ تَعالى لا مُشارَكَةَ لِأحَدٍ فِيها، وأيْضًا فَرَحْمَةُ كُلِّ راحِمْ في أشْياءَ وبِأشْياءَ حَقِيراتٍ بِالإضافَةِ إلى المَعانِي الَّتِي تَقَعُ فِيها رَحْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مِنَ الِاسْتِنْقاذِ مِنَ النارِ، وهَيْئَةِ نَعِيمِ الجَنَّةِ، وعَلى ما في الحَدِيثِ فَرَحْمَةُ كُلِّ راحِمْ مَجْمُوعُها كُلُّها جُزْءٌ مِن مِائَةٍ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى جَلَتْ قُدْرَتُهُ؛ إذْ بَثَّ في العالَمِ واحِدَةً وأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَقُلْ رَبُّ اغْفِرْ" بِضَمِّ الباءِ مِن "رَبِّ".

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةٍ المُؤْمِنُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ ومن يدع مع الله إلهاً آخر ﴾ [المؤمنون: 117] إلخ باعتبار قوله: ﴿ فإنما حسابه عند ربه ﴾ .

فإن المقصود من الجملة خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعو ربه بالمغفرة والرحمة.

وفي حذف متعلق ﴿ اغفر وارحم ﴾ تفويض الأمر إلى الله في تعيين المغفور لهم والمرحومين، والمراد من كانوا من المؤمنين ويجوز أن يكون المعنى اغفر لي وارحمني، بقرينة المقام.

وأمره بأن يدعو بذلك يتضمن وعداً بالإجابة.

وهذا الكلام مؤذن بانتهاء السورة فهو من براعة المقطع.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَيْسَ لَهُ بُرْهانٌ ولا صِحَّةٌ بِأنَّ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ.

الثّانِي: أنَّ هَذِهِ صِفَةُ الإلَهِ الَّذِي يُدْعى مِن دُونِ اللَّهِ أنْ لا بُرْهانَ لَهُ.

﴿ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ مُحاسَبَتَهُ عِنْدَ رَبِّهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

الثّانِي: أنَّ مُكافَأتَهُ عَلى رَبِّهِ والحِسابُ المُكافَأةُ، ومِنهُ قَوْلُهم حَسْبِيَ اللَّهُ.

أيْ كَفانِي اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ وأحْكَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله علمني دعاء ادعوا به في صلاتي قال: قل «اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً وأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم أمر رسوله (١) ﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد لمن صدقني.

﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ يريد أفضل من رحم.

قال مقاتل: أي هو أفضل رحمة من الذين يرحمون (٢) سورة النور (١) في (أ): (رسول الله).

(٢) في تفسير مقاتل 2/ 34 أ: يعني أفضل رحمة من أولئك الذين لا يرحمون.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾ أي لا حجة ولا دليل، والجملة صفة لقوله: ﴿ إِلَهَا آخَرَ ﴾ وجواب الشرط ﴿ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ﴾ الضمير للأمر والشأن، وانظر كيف افتتح السورة بفلاح المؤمنين وختمها بعدم فلاح الكفارين، ليبين البون بين الفريقين والله أعلم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ عالم ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وعاصم غيره حفص إلا الخزاز.

وقرأ رويس بالخفض إذا وصل وبالرفع إذا ابتدأ، الآخرون بالخفض ﴿ لعلي أعمل ﴾ بسكون الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

﴿ شقاوتنا ﴾ حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون ﴿ شقوتنا ﴾ بكسر الشين وسكون القاف في غير ألف.

﴿ سخرياً ﴾ بضم السين وكذلك في صاد: ابو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف والمفضل والخزاز عن هبيرة.

الآخرون بكسرها ﴿ إنهم ﴾ بالكسر: حمزة وعلي والخزاز عن هبيرة.

﴿ قل كم ﴾ ﴿ قل إن لبثم ﴾ على الأمر فيهما: حمزة وعلي وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل وافق ابن كثير في الأول.

﴿ لا ترجعون ﴾ على البناء للفاعل يعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ط لمن قرأ بالرفع إلى هو عالم ومن خفض لم يقف لأنه بدل أو وصف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ ما يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله "فلا" جواب للشرط وهو إما والنداء عارض ﴿ للظالمين ﴾ ه لا ﴿ لقادرون ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه لا ﴿ يحضرون ﴾ ه ﴿ ارجعون ﴾ ه لا لتعلق لعل ﴿ كلا ﴾ ط لأنها للردع عما قبلها أي لا يرجع.

وقيل: مبتدأ بها بمعنى حقاً والأول أحسن ﴿ قائلها ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ كالحون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ ضالين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ ولا تكلمون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ج للآية والوصل أجوز لشدة اتصال المعنى وللفاء ﴿ تضحكون ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ العادين ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لا ترجعون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي  متوحداً غير مشارك ﴿ إلا هو ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ رب العرش ﴾ يصلح بدلاً من هو وخبر مبتدأ محذوف ﴿ الكريم ﴾ ط ﴿ آخر ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة ﴿ به ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه.

التفسير: لما أثبت لنفسه الإلهية بالدلائل الإلزامية في الآيات المتقدمة نفى عن نفسه الأنداد والأضداد بقوله ﴿ ما اتخذ الله من ولد ﴾ بقوله ﴿ وما كان معه من إله ﴾ وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله وإبطال الأقوال اليهود والنصارى والثنوية.

ثم ذكر شبه دليل التمانع بقوله ﴿ إذاً لذهب ﴾ وهو جواب لمن معه المحاجة من أهل الشرك وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره: ولو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق لانفرد كل واحد منهم بالخلق الذي خلقه واستبد به، لأن اجتماعهم على خلق واحد لا يتصور فإن ذلك يقتضي عجز الواحد عن ذلك الخلق، وحينئذ يكون ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخرين.

﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ أي لغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا من تمايز الممالك ومن التغالب، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فلذلك ختم الآية بقوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ إلى قوله ﴿ عما يشركون ﴾ ثم أمر نبيه  بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ قل رب إما تريني ﴾ أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ﴿ فلا تجعلني ﴾ قريباً لهم.

وقد يجوز أن يستعيذ العبد بالله مما علم أنه لا يفعله اظهاراً للعبودية واستكانة له ويؤيده تكرار رب مرتين.

وكانوا ينكرون العذاب ويسخرون منه فأكد وقوعه بقوله ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ قيل: فيه دليل على أن القدرة تصح على المعدوم لأنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ثم أمره بالصفح عن سيئاتهم ومقابلتها بما يمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه كان أحسن لأنها حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.

أو نقول: المكافأة حسنة ولكن العفو أحسن.

عن ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك.

وعن مجاهد هي أن يسلم عليه إذا لقيه.

قيل: هي منسوخة بآية السيف والأولى أن يقال: هي محكمة لأن المداراة مستحبة مالم تؤد إلى محذور ﴿ نحن أعلم بما يصفون ﴾ مما ليس فيك من المثالب والمراد أنه أقدر على جزائهم فعليه أن يفوض أمرهم إلى الله ويدفع أذاهم بالكلام الجميل والسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه.

ثم أتبع هذا التعميم ما يقويه على ذلك وهو الإستعاذة بالله من همزات الشياطين.

والهمز النخس ومنه "مهماز الرائض" وذلك أنهم يحثون الناس على المعاصي بأنواع الوساوس كما يحث الرائض الدابة على المشي بالمهماز وهي حديدة تكون في مؤخر خفه.

عن الحسن أنه  كان يقول بعد استفتاح الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفخه ونفثه" فهمزه الجنون ونفثه الشعر ونفخه الكبر.

ثم أمره بالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً كما يقال: أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك.

وعن ابن عباس أراد الحضور عند تلاوة القرآن.

وعن عكرمة عند النزع والأولى العموم "عن النبي  وقد اشتكى إليه رجل أرقاً به فقال:إذا أردت النوم فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" .

قوله ﴿ حتى إذا جاء ﴾ قيل: متعلق بقوله ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وقيل: بـ ﴿ يصفون ﴾ اي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض وتأكيد للإعضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم.

والمراد بمجيء الموت أماراته التي تحقق عندها الموت وصارت المعرفة ضرورية فحينئذ يسال الرجعة ولا ينافي هذا السؤال الرجعة عند معاينة النار كقوله ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد  ﴾ والأكثرون على أنهم الكفار.

وروى الضحاك عن ابن عباس أنها تشمل من لم يزك ولم يحج لقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني  ﴾ وأما وجه الجمع في قوله ﴿ ارجعون ﴾ مع وحدة المنادى فقيل: إن الجمعية راجعة إلى الفعل كأنه قال: ارجع مرات ونظيره ﴿ ألقيا في جهنم  ﴾ أي ألق ألق.

وقيل ﴿ رب ﴾ للقسم والخطاب للملائكة القابضين للأرواح أي بحق الله ارجعون والأقرب أن الجمع للتعظيم كقول الشاعر: ألا فارحموني يا إله محمد *** وقوله: فإن شئت حرمت النساء سواكم *** عن النبي  "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله.

وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" قال جار الله: أي لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحاً كما تقول لعلي أبني على أس تريد أؤسس أساً وأبني عليه.

وقيل: أي فيما خلفت من المال والأولى العموم فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما افسدوه ويطيعوا فيما عصوا.

قيل: كيف سألوا الرجعة وقد عملوا صحة الدين بالضرورة ومن الدين أن لا رجعة؟

والجواب بعد تسليم أنهم عرفوا كل الدين أن الإنسان قد يتمنى شيئاً مع علمه بتعذره كقول القائل "ليت الشباب يعود" والاستغاثة بحنس هذه المسألة قد تحسن.

قولهم ﴿ لعلي ﴾ ليس المراد به الشك وإنما هو كقول المقصر "مكنوني لعلي أتدارك" مع كونه جازماً بأنه سيتدارك.

ويحتمل أنهم وإن كانوا جازمين بذلك إلا أن أمر المستقبل مبني على الظن والتخمين دون اليقين فلذلك أوردوا الكلام بصورة الترجي.

ثم ردعهم بقوله ﴿ كلا ﴾ أي ليس الأمر على ما توهموه من إمكان الرجعة ﴿ إنها كلمة ﴾ والمراد بها طائفة من الكلام منتظم بعضها مع بعض وهي قوله ﴿ ارجعون لعلي أعمل صالحاً ﴾ ﴿ هو قائلها ﴾ لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والحيرة عليه وهو قائلها وحده لإيجاب إليها ولا تسمع منه ﴿ ومن ورائهم ﴾ الضمير لكل المكلفين أي أمامهم ﴿ برزخ ﴾ حائل بينهم وبين الجنة أو النار وبين الجزاء التام ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ وذلك البرزخ هو مدة ما بين الموت إلى البعث، ولعل بعض الحجب من الأخلاق الذميمة يندفع في هذه المدة.

وقال في الكشاف: حائل بينهم وبين الرجعة ومعناه الإقناط الكلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.

ثم وصف يوم البعث بقوله ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ قد مر معناه في أواخر "طه".

وقوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ ليس المراد به نفي النسب لأن ذلك ثابت بالحقيقة فإذن المراد حكمه وما يتفرع عليه من التعاطف والتراحم والتواصل، فقد يكون أحد القريبين في الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من الالتفات إلى أحوال نسبه.

عن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء.

وأما الجمع بين قوله ﴿ ولا يتساءلون ﴾ وبين قوله ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ \[المؤمنون: 101\] فظاهر لأن هذا في صفة أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة.

ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها التساؤل كحقوق النسب ونحوها.

وعن النبي  "ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس: حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين وعلى جسر جهنم" وقد مر مثل آية الموازين في أول "الأعراف" فليرجع إلى هنالك.

وقوله ﴿ في جهنم خالدون ﴾ بدل من ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ ولا محل له كالمبدل فإِن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى خسران أنفسهم امتناع انتفاعهم بها.

وقال ابن عباس: خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين.

ومعنى ﴿ تلفح ﴾ تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار، قاله ابن عباس.

وعن الزجاج أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً والكلوح أن يتقلص الشفتان عن الأسنان كالرؤوس المشوية.

يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن.

وعن النبي  أنه قال: "تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته" .

وقال الجوهري: الكلوح تكشر في عبوس.

ثم بيّن  أنه قال لهم حينئذ تقريعاً وتوبيخاً ﴿ الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ﴾ قالت المعتزلة: لو كان فعل التكذيب بخلق الله  لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي.

وفسرت المعتزلة الشقاوة بسوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم.

وتفسرها الأشاعرة بما كتب الله عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤل حالهم إلى النار.

ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر.

وأما على تفسير المعتزلة فقد قال جار الله: معناه ملكتنا وأخذت منا.

وقال الجبائي: أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب.

وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله  عليهم في سوء صنيعهم.

وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها الله فيه بدليل قوله ﴿ وكنا قوماً ضالين ﴾ اي في علم الله وسابق تقديره.

وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا: ولو كان الكفر بخلق الله لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذراً لهم أولى.

وأجيب بأن فحوى الكلام يؤل إلى هذا كما قررنا.

عن ابن عباس: أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا  ﴾ فيجابون ﴿ حق القول مني  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أمتنا اثنتين  ﴾ فيجابون ﴿ ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك  ﴾ فيجابون ﴿ إنكم ماكثون  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب  ﴾ فيجابون ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل  ﴾ فينادون الفاً ﴿ ربنا أخرجنا نعمل صالحاً  ﴾ فيجابون ﴿ أولم نعمركم  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 6\] فيجابون ﴿ اخسئوا فيها ﴾ \[المؤمنون: 108\] وهو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب أي لا يفهمون ولا يفهمون ولهذا قال جار الله ﴿ ولا تكلمون ﴾ أي في رفع العذاب وليس نهياً عن الكلام فإِنها ليست بدار تكليف ولكنه تنبيه على أن العذاب لا يرفع ولا يخفف.

ومعنى ﴿ اخسؤاً ﴾ انزجروا صاغرين كما تنزجر الكلاب إذا طردت.

يقال: خسأ الكلب وخسأ نفسه يتعدى ولا يتعدى وهو المراد في الآية.

ثم عدد عليهم بعض قبائحهم في الدنيا بقوله ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم الصحابة.

وقيل: أهل الصفة خاصة.

عن الخليل وسيبويه أن السخري بالضم والكسر مصدر سخر إلا أن في ياء النسب زيادة تأكيد.

وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من التسخير والاستعباد والمعنى اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ ذكرى ﴾ فلم تذكروني حتى تخافوني.

ثم ذكر من حال المؤمنين ما أوجب الحسرة والندامة للساخرين.

فمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر على الاستئناف فمعناه ظاهر أي قد فازوا حيث صبروا، ومن قرأ بالفتح فعلى أنه مفعول جزيتهم أي جزيتهم فوزهم.

ومن قرأ ﴿ قال ﴾ فالضمير لله أو لمن أمر بسؤالهم من الملائكة، ومن قرأ ﴿ قل ﴾ فالخطاب للملك أو لبعض رؤساء أهل النار.

والغرض من هذا السؤال التوبيخ والتبكيت فقد كانوا لا يعدّون اللبث إلا في الدنيا ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنهم فيها خالدون سئلوا ﴿ كم لبثتم ﴾ تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ولا سيما إذا كان الأول ايام سرور والثاني ايام غم وخزن.

واختلفوا في الأرض فقيل: وجه الأرض حين ما كانوا أحياء فإنهم زعموا أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله  وعذبوا في النار سئلوا عن ذلك توبيخاً.

وقال آخرون: المراد جوف الأرض وهو القبر لظاهر لفظة "في" ولقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة  ﴾ وقوله ﴿ عدد سنين ﴾ بدل من مميزكم.

وقيل: احتج بعض من أنكر عذاب القبر بأن قوله ﴿ في الأرض ﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض.

فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ واجيب بأن الجواب لا بد أن يكون على حسب السؤال وإنما سئلوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.

ويحتمل أن يكونوا سئلوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فصح أن يكون جوابهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ عند أنفسنا.

وليس هذا من قبيل الكذب إذ لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال فقالوا: إلا نعرف من عدد السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم.

وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا ﴿ فاسأل العادّين ﴾ اي ليس من شأننا أن نعدّها لما نحن فيه من العذاب فاسأل من يقدر أن يلقى إليه فكره، أو اسأل الملائكة الذي يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم.

وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.

وقيل: أرادوا بقولهم ﴿ لبثنا يوماً أبو بعض يوم ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة غلى ما وقعوا فيه وعرفوه من داوم العذاب.

وقد صدّقهم الله في ذلك حيث قال ﴿ إن لبثتم غلا قليلاً ﴾ ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها بقوله ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ أي لو علمتم البعث والحشر لما كنتم تعدونه طويلاً.

ثم زاد في التوبيخ بقوله ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ أي عابثين أو لأجل العبث وهو الفعل الذي لا غاية له صحيحة.

وجوّزوا أن يكون قوله ﴿ وأنكم إلينا لاترجعون ﴾ معطوفاً على ﴿ عبثاً ﴾ أي للعبث ولترككم غير مرجوعين وفيه دلالة على وجوب وقوع القيامة فلولاها لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء.

ثم نزه ذاته عن كل عيب وعبث قائلاً ﴿ فتعالى ﴾ الآية ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال "بيت كريم" إذا كان ساكنوه كراماً.

وقرئ ﴿ الكريم ﴾ بالرفع وهو ظاهر.

ثم زيف طريقة المقلدة من أهل الشرك وقوله لا برهان له به كقوله ﴿ ما لم ينزل به سلطاناً  ﴾ وهو صفة جيء بها للتأكيد لا أن بعض الآلهة قد يقوم على وجوده برهان.

وجوّز جار الله أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقول القائل: من أحسن إلى زيداً لا أحق بالإحسان إليه منه فالله مثيبه.

ومعنى ﴿ حسابه عند ربه ﴾ أنه بلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله.

وقرئ ﴿ أنه لا يفلح ﴾ بفتح الهمزة أي حسابه عدم فلاحه فوضع ﴿ الكافرون ﴾ موضع الضمير.

جعل فاتحة السورة ﴿ قد افلح المؤمنون ﴾ وأورد في خواتيهما ﴿ إنه لا يفلح الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفريقين.

وحين أثنى على المؤمنين في أثناء الكلام بأنهم يقولون ﴿ ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ﴾ نبه في آخر السورة على أنه قول ينبغي أن يواظب المكلف عليه ففيه الانقطاع إلى الله والإعراض عمن سواه والله المستعان.

التأويل: ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم إذا فارقوها ﴿ لكل امريء منهم يومئذ  ﴾ في طلب الحق ﴿ شأن يغنيه  ﴾ عن طلب الغير ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعليقات ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة فيها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة.

ولهذا قال ﴿ في جهنم خالدون ﴾ وأجيبوا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم العلماء بالله النصحاء لأجله ﴿ فاتخذتموهم سخرياً ﴾ فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العلية ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بهممهم وبيد الرد ﴿ ذكرى وكنتم منهم تضحكون ﴾ لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب ﴿ جزيتهم اليوم بما صبروا ﴾ فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار ﴿ لا برهان له به ﴾ أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ ﴾ .

ظاهر هذا يوحي أن هنالك إلهاً آخر؛ لأنه قال: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ ﴾ ، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: لا يحتمل مع الله إلهاً آخر؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ  ﴾ .

والثاني: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ ﴾ ، أي: من يسم مع الله إلهاً آخر؛ إذ كانوا يسمون الأصنام التي كانوا يعبدونها: آلهة، على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية.

وقوله: ﴿ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾ .

أي: لا حجة لهم بذلك؛ لأن الحجة إنما تكون بوجوه ثلاثة: إما بالأخبار التي يجوز الشهادة على صدقها وصحتها.

وأما العقول السليمة.

وأما من جهة الحس يدل على ذلك؛ فلم يكن لهم واحد من هذه الوجوه.

ثم الحسّ يكون بالدلالة من وجهين: إما بوقوع الحس عليه بالبديهة أو بآثار تدل على الألوهية؛ فلا كان في ظاهر وقوع الحس دلالة ذلك، ولا كان بها آثار تدل على ذلك، بل فيها آثار العبودة والذل، فضلا أن يكون لها آثار الألوهية، فلا عذر لهم في ذلك؛ لأن العبادة لآخر إنما تكون: إما للنعم والأيادي تكون منه إليه؛ فيعبده شكراً لما أنعم عليه وأحسن إليه، وإما لحوائج يطمع قضاءها له، وإما لما يرى له في نفسه من آثار العبودة له؛ فإذا لم يكن واحد من هذه الوجوه التي ذكرنا فلا عذر لهم في عبادة تلك الأصنام.

فإن قالوا: لنا برهان وحجة في ذلك.

قيل: قطع حجاجكم بما ذكر من قوله: ﴿ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ...

﴾ الآية [الزمر: 38]، وقوله: ﴿ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات: فيها قطع حجاجهم.

وفي حرف حفصة: ﴿ لاَ بُرْهَانَ لَهُ ﴾ ، أي: لا سلطان له به.

وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ .

قال قائلون: ﴿ حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ هو قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، وقال بعضهم: ﴿ حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ أي: جزاؤه عند ربه؛ كقوله: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .

جائز أن يكون هذا تعظيماً من الله لكل أحد سؤال المغفرة والرحمة، وقيل: هو لرسول الله  فهو يخرج على وجهين: أحدهما: حكمته وعدله ألا يرحم ولا يغفر أحداً، وإن كان في فضله ورحمته أن يرحم ويغفر.

والثاني: يجعل له العصمة والرحمة بهذا الدعاء.

أو أن يكون العصمة تزيد في الخوف، كقول إبراهيم: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ ؛ لأن رحمته إذا أدركت أحداً أغنته عن رحمة غيره، ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته، والله الموفق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقل -أيها الرسول-: رب اغفر لي ذنوبي، وارحمني برحمتك وأنت خير من رحم ذا ذنبٍ، فقبل توبته.

من فوائد الآيات الكافر حقير مهان عند الله.

الاستهزاء بالصالحين ذنب عظيم يستحق صاحبه العذاب.

تضييع العمر لازم من لوازم الكفر.

الثناء على الله مظهر من مظاهر الأدب في الدعاء.

لما افتتح الله سبحانه السورة بذكر صفات فلاح المؤمنين ناسب أن تختم السورة بذكر خسارة الكافرين وعدم فلاحهم.

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله