الآية ٣٣ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٣٣ من سورة المؤمنون

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٣ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فكذبوه وخالفوه وأبوا عن اتباعه لكونه بشرا مثلهم واستنكفوا عن اتباع رسول بشري وكذبوا بلقاء الله في القيامة وأنكروا المعاد الجثماني.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح، وعَنَى بالرسول في هذا الموضع: صالحًا، وبقومه: ثمود.( الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ ) يقول: الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا بلقاء الآخرة، يعني ، كذّبوا بلقاء الله في الآخرة.

وقوله: ( وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يقول: ونعَّمناهم في حياتهم الدنيا بما وسَّعنا عليهم &; 19-29 &; من المعاش ، وبسطنا لهم من الرزق، حتى بَطِرُوا وعَتوْا على ربهم ، وكفروا، ومنه قول الراجز: وَقَدْ أُرَانِي بِالدِّيَارِ مُتْرَفا (1) وقوله: ( مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) يقول: قالوا: بعث الله صالحا إلينا رسولا من بيننا، وخصه بالرسالة دوننا، وهو إنسان مثلنا ، يأكل مما نأكل منه من الطعام ، ويشرب مما نشرب، وكيف لم يرسل ملكا من عنده يبلغنا رسالته، قال: ( وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) معناه: مما تشربون منه، فحذف من الكلام " منه "؛ لأن معنى الكلام: ويشرب من شرابكم، وذلك أن العرب تقول: شربت من شرابك.

------------------------ الهوامش : (1) البيت للعجاج ( أراجيز العرب للسيد محمد توفيق البكري ص 19 ) قال في شرحه له : وقد أراني أي قد كنت أرني .

والمترف من الترف ، وهو النعيم والرفه .

وفي (اللسان : ترف) : والمترف : المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهوتها .

ورجل مترف ، ومترف كمعظم : موسع عليه .

وترف الرجل وأترفه : دلّله وملكه .

وقوله تعالى { إلا قال مترفوها } : أي أولوا الترف وأراد رؤساءها وقادة الشر منها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال الملأ أي الأشراف والقادة والرؤساء .

من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة يريد بالبعث والحساب .

وأترفناهم في الحياة الدنيا أي وسعنا عليهم نعم الدنيا حتى بطروا وصاروا يؤتون بالترفة ، وهي مثل التحفة .

ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون فلا فضل له عليكم لأنه محتاج إلى الطعام والشراب كأنتم .

وزعم الفراء أن معنى ويشرب مما تشربون على حذف من ، أي مما تشربون منه ؛ وهذا لا يجوز عند البصريين ولا يحتاج إلى حذف البتة ؛ لأن ( ما ) إذا كان مصدرا لم يحتج إلى عائد ، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت المفعول ولم يحتج إلى إضمار من .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: قال الرؤساء الذين جمعوا بين الكفر والمعاندة، وأطغاهم ترفهم في الحياة الدنيا، معارضة لنبيهم، وتكذيبا وتحذيرا منه: { مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } أي: من جنسكم { يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } فما الذي يفضله عليكم؟

فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ) أي : المصير إلى الآخرة ، ( وأترفناهم ) نعمناهم ووسعنا عليهم ، ( في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ) أي : مما تشربون منه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة» بالمصير إليها «وأترفناهم» نعمناهم «في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال الأشراف والوجهاء من قومه الذين كفروا بالله، وأنكروا الحياة الآخرة، وأطغاهم ما أُنعم به عليهم في الدنيا من ترف العيش: ما هذا الذي يدعوكم إلى توحيد الله تعالى إلا بشر مثلكم يأكل من جنس طعامكم، ويشرب من جنس شرابكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما رد به هؤلاء المشركون الجاحدون على نبيهم فقال : ( وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحياة الدنيا مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ .

.

.

) .أى : وقال الأغنياء والزعماء من قوم هذا النبى ، الذين كفروا بالحق لما جاءهم ، وكذبوا بالبعث والجزاء الذى يكون فى الآخرة ، والذين أبطرتهم النعمة التى أنعمنا عليهم بها فى دنياهم .

.

.قالوا لنبيهم بجفاء وسوء أدب لكى يصرفوا غيرهم عن الإيمان به : ما هذا الذى يدعى النبوة ( إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ) وكأنهم يرون - لغبائهم وانطماس عقولهم - أن الرسول لا يكون من البشر ، أو يرون جواز كونه من البشر ، إلا أنهم قالوا ذلك على سبيل المكر ليصدوا أتباعهم وعامة الناس عن دعوته .ثم أضافوا إلى هذا القول الباطل ما يؤكده فى نفوس الناس فقالوا : ( يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ ) من طعام ، وغذاء ، ( وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) من ماء وما يشبه الماء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الثانية: قصة هود أو صالح عليهما السلام: اعلم أن هذه القصة هي قصة هود عليه السلام في قول ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين واحتجوا عليه بحكاية الله تعالى قول هود عليه السلام: ﴿ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ  ﴾ ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء.

وقال بعضهم المراد بهم صالح وثمود، لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة، أما كيفية الدعوى فكما تقدم في قصة نوح عليه السلام وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: حق ﴿ أُرْسِلَ ﴾ أن يتعدى بإلى كأخواته التي هي وجه وأنفذ وبعث فلم عدى في القرآن بإلى تارة وبفي أخرى كقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ  ﴾ ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ  ﴾ ﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً ﴾ أي في عاد، وفي موضع آخر ﴿ وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا  ﴾ ؟

الجواب: لم يعد بفي كما عدي بإلى ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال وعلى هذا المعنى جاء بعث في قوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً  ﴾ .

السؤال الثاني: هل يصح ما قاله بعضهم أن قوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه، وردوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك قال لهم مخوفاً مما هم عليه ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ هذه الطريقة مخافة العذاب الذي أنذرتكم به؟

الجواب: يجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله وحذرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان.

ثم اعلم أن الله تعالى حكى صفات أولئك القوم وحكى كلامهم، أما الصفات فثلاث هي شر الصفات: أولها: الكفر بالخالق سبحانه وهو المراد من قوله: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ .

وثانيها: الكفر بيوم القيامة وهو المراد من قوله: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الآخرة ﴾ .

وثالثها: الانغماس في حب الدنيا وشهواتها وهو المراد من قوله: ﴿ وأترفناهم في الحياة الدنيا ﴾ أي نعمناهم فإن قيل ذكر الله مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو ﴿ قَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ  ﴾ ، قالوا: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا  ﴾ وهاهنا مع الواو فأي فرق بينهما؟

قلنا الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال فما قال قومه؟

فقيل له كيت وكيت، وأما الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله ومعناه أنه اجتمع في هذه الواقعة هذا الكلام الحق وهذا الكلام الباطل.

وأما شبهات القوم فشيئان: أولهما: قولهم: ﴿ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ ، وقد مر شرح هذه الشبهة في القصة الأولى وقوله: ﴿ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ أي من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه وهو قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون ﴾ فجعلوا اتباع الرسول خسراناً، ولم يجعلوا عبادة الأصنام خسراناً، أي لئن كنتم أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها منفعة فذلك هو الخسران وثانيهما: أنهم طعنوا في صحة الحشر والنشر، ثم طعنوا في نبوته بسبب إتيانه بذلك.

أما الطعن في صحة الحشر فهو قولهم: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ﴾ معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم وهو قولهم: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ ثم أكدوا الشبهة بقولهم: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ ولم يريدوا بقولهم نموت ونحيا الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر.

فلذلك قالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ ولما فرغوا من الطعن في صحة الحشر بنوا عليه الطعن في نبوته، فقالوا لما أتى بهذا الباطل فقد ﴿ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ ثم لما قرروا الشبهة الطاعنة في نبوته قالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ لأن القوم كالتبع لهم، واعلم أن الله تعالى ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أما الشبهة الأولى: فقد تقدم بيان ضعفها وأما الثانية: فلأنهم استبعدوا الحشر، ولا يستبعد الحشر لوجهين: الأول: أنه سبحانه لما كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر والثاني: وهو أنه لولا الإعادة لكن تسليط القوى على الضعيف في الدنيا ظلماً.

وهو غير لائق بالحكيم على ما قرره سبحانه في قوله: ﴿ إِنَّ الساعة ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى  ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ثنى إنكم للتوكيد وحسن ذلك الفصل ما بين الأول والثاني بالظرف، ومخرجون خبر عن الأول.

وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُون ﴾ .

المسألة الثانية: قرئ ﴿ هَيْهَاتَ ﴾ بالفتح والكسر، كلها بتنوين وبلا تنوين، وبالسكون على لفظ الوقف.

المسألة الثالثة: هي في قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة، لأن الخبر يدل عليه ومنه (قول الشاعر): هي النفس ما حملتها تتحمل *** والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة، ولأن إن النافية دخلت على هي التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس.

واعلم أن ذلك الرسول لما يئس من قبول الأكابر والأصاغر فزع إلى ربه وقال: ﴿ رَبّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ وقد تقدم تفسيره فأجابه الله تعالى فيما سأل وقال: ﴿ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نادمين ﴾ والأقرب أن يكون المراد بأن يظهر لهم علامات الهلاك، فعند ذلك يحصل منهم الحسرة والندامة على ترك القبول، ويكون الوقت وقت إيمان اليأس فلا ينتفعون بالندامة، وبين تعالى الهلاك الذي أنزله عليهم بقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق ﴾ وذكروا في الصيحة وجوهاً: أحدها: أن جبريل عليه السلام صاح بهم، وكانت الصيحة عظيمة فماتوا عندها.

وثانيها: الصيحة هي الرجفة عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وثالثها: الصيحة هي نفس العذاب والموت كما يقال فيمن يموت: دعي فأجاب عن الحسن.

ورابعها: أنه العذاب المصطلم، قال الشاعر: صاح الزمان بآل برمك صيحة *** خروا لشدتها على الأذقان والأول أولى لأنه هو الحقيقة.

وأما قوله: ﴿ بالحق ﴾ فمعناه أنه دمرهم بالعدل من قولك، فلان يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضاياه.

وقال المفضل: بالحق أي بما لا يدفع، كقوله: ﴿ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ  ﴾ .

أما قوله: ﴿ فجعلناهم غُثَاء ﴾ فالغثاء حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاء أحوى ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ فَبُعْداً لّلْقَوْمِ الظالمين ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ بُعْدًا ﴾ وسحقاً ودمراً ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ومعنى بعداً بعدوا، أي هلكوا يقال بعد بعداً وبعداً بفتح العين نحو رشد رشداً ورشداً بفتح الشين، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ بُعْدًا ﴾ بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير، والله تعالى ذكر ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم، وقد نزل بهم العذاب دالاً بذلك على أن الذي ينزل بهم في الآخرة من البعد من النعيم والثواب أعظم مما حل بهم حالاً ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ذكر مقال قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو: ﴿ قَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ ﴾ [الأعراف: 66] ، ﴿ قَالُواْ يا هُودٍ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ ﴾ [هود: 53] وههنا مع الواو، فأي فرق بينهما؟

قلت: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فما قال قومه؟

فقيل له: قالوا كيت وكيت.

وأما الذي مع الواو، فعطف لما قالوه على ما قاله.

ومعناه: أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل، وشتان بينهما ﴿ بِلِقَاء الأخرة ﴾ بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب، كقولك: يا حبذا جوار مكة: أي جوار الله في مكة.

حذف الضمير، والمعنى: من مشروبكم، أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه ﴿ إِذاً ﴾ واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم، أي: تخسرون عقولكم وتغبنون في آرائكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لَعَلَّهُ ذُكِرَ بِالواوِ لِأنَّ كَلامَهم لَمْ يَتَّصِلْ بِكَلامِ الرَّسُولِ  بِخِلافِ قَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ حَيْثُ اسْتُؤْنِفَ بِهِ، فَعَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ.

﴿ وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ ﴾ بِلِقاءِ ما فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ بِمَعادِهِمْ إلى الحَياةِ الثّانِيَةِ بِالبَعْثِ ﴿ وَأتْرَفْناهُمْ ﴾ ونَعَّمْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ.

﴿ ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ في الصِّفَةِ والحالَةِ.

﴿ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْمُماثَلَةِ و «ما» خَبَرِيَّةٌ والعائِدُ إلى الثّانِي مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ أوْ مَجْرُورٌ حُذِفَ مَعَ الجارِّ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

﴿ وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ ﴾ فِيما يَأْمُرُكم بِهِ.

﴿ إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ حَيْثُ أذْلَلْتُمْ أنْفُسَكم، و ( إذًا ) جَزاءٌ لِلشَّرْطِ وجَوابٌ لِلَّذِينِ قاوَلُوهم مِن قَوْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)

{وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ} ذكر مقالة قوم هود في جوابه في الأعراف وهود بغير واو لأنه على تقدير سؤال سائل قال فما قومه فقيل له قالوا كيت وكيت وههنا مع الواو لأنه عطف لما قالوه على ما قاله الرسول ومعناه أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل وليس بجواب للنبى صلى الله عليه وسلم متصل بكلامه ولم يكن بالفاء وجئ بالفاء في قصة نوح لأنه جواب لقوله واقع عقيبه {الذين كفروا} صفة للملأ أولقومه {وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الآخرة}

أي بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك

المؤمنون (٤١ - ٣٣)

{وأترفناهم} ونعمناهم {في الحياة الدنيا} بكثرة الأموال والأولاد {مَا هذا} أي النبي {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} أي منه فحذف لدلالة ما قبله عليه أي من أين يدعي رسالة الله من بينكم وهو مثلكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ المَلأُ ﴾ أيِ الأشْرافِ ﴿ مِن قَوْمِهِ ﴾ بَيانٌ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ ﴾ أيْ بِلِقاءِ ما فِيها مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ أوْ بِالمَعادِ أوْ بِالحَياةِ الثّانِيَةِ صِفَةً لِلْمَلَإ جِيءَ بِها ذَمًّا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّمْيِيزِ إنْ كانَ في ذَلِكَ القَرْنِ مَن آمَنَ مِنَ الأشْرافِ، وتَقْدِيمُ ﴿ مِن قَوْمِهِ ﴾ هُنا عَلى الصِّفَةِ مَعَ تَأْخِيرِهِ في القِصَّةِ السّابِقَةِ لِئَلّا يَطُولَ الفَصْلُ بَيْنَ البَيانِ والمُبَيَّنِ لَوْ جِيءَ بِهِ بَعْدَ الصِّفَةِ وما في حَيِّزِها مِمّا تَعَلَّقَ بِالصِّلَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَوَهُّمِ تَعَلُّقِهِ بِالدُّنْيا أوْ يَفْصِلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَوْ جِيءَ بِهِ بَعْدَ الوَصْفِ وقَبْلَ العَطْفِ كَذا قِيلَ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ جَعْلِ ﴿ الَّذِينَ ﴾ صِفَةً لِلْمَلَإ وإبْداءِ نُكْتَةٍ لِلتَّقْدِيمُ المَذْكُورِ مَعَ ظُهُورِ جَوازِ جَعْلِهِ صِفَةً لِقَوْمِهِ.

ورَدَّ بِأنَّ الدّاعِيَ لِارْتِكابِهِ عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ نَعَّمْناهم ووَسَّعْنا عَلَيْهِمْ فِيها عَلى الصِّلَةِ فَيَكُونُ صِفَةَ مَعْنى لِلْمَوْصُوفِ بِالمَوْصُولِ والمُتَعارَفِ إنَّما هو وصْفُ الأشْرافِ بِالمُتْرَفِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ وكَذا الحالُ إذا لَمْ يَعْطِفْ وجَعَلَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( كَذَّبُوا ) وأنْتَ تَعْلَمُ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَعارَفَ إنَّما هو وصْفُ الأشْرافِ بِالمُتْرَفِينَ ولَئِنْ سَلَّمْنا فَوَصَفَهم بِذَلِكَ قَدْ يَبْقى مَعَ جَعْلِ المَوْصُولِ صِفَةً لِقَوْمِهِ بِأنْ يَجْعَلَ جُمْلَةَ ( أتْرَفْناهم ) حالًا مِن ﴿ المَلأُ ﴾ بِدُونِ تَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِتَقْدِيرِها أيْ قالَ المَلَأُ في حَقِّ رَسُولِنا ﴿ ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ إلَخْ في حالِ إحْسانِنا عَلَيْهِمْ.

نِعْمَ الظّاهِرُ لَفْظًا جُمْلَةُ( أتْرَفْناهم )عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، والأبْلَغُ مَعْنى جَعْلِها حالًا مِنَ الضَّمِيرِ لِإفادَتِهِ الإساءَةِ إلى مَن أحْسَنَ وهو أقْوى في الذَّمِّ، وجِيءَ بِالواوِ العاطِفَةِ في ﴿ وقالَ المَلأُ ﴾ هُنا ولَمْ يُجَأْ بِها بَلْ جِيءَ بِالجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا في مَوْضِعٍ آخَرَ لِأنَّ ما نَحْنُ فِيهِ حِكايَةٌ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ المَقالَتَيْنِ أعْنِي مَقالَةَ المُرْسَلِ ومَقالَةَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لا حِكايَةَ المُقاوَلَةِ لِأنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا ما قالُوا بَعْضُهم لِبَعْضٍ وظاهِرُ إباءِ ذَلِكَ الِاسْتِئْنافِ وأمّا هُنالِكَ فَيَحِقُّ الِاسْتِئْنافُ لِأنَّهُ في حِكايَةِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ المُرْسَلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ واسْتِدْعاءِ مَقامُ المُخاطَبَةِ ذَلِكَ بَيْنَ كَذا في الكَشْفِ، ولا يَحْسِمُ مادَّةُ السُّؤالِ إذْ يُقالُ مَعَهُ: لِمَ حُكِيَ هُنالِكَ المُقاوَلَةُ وهُنا التَّفاوُتُ بَيْنَ المَقالَتَيْنِ ولَمْ يَعْكِسْ؟

ومِثْلُ هَذا يَرُدُّ عَلى مَن عَلَّلَ الذِّكْرَ هُنا والتَّرْكَ هُناكَ بِالتَّفَنُّنِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ لَوْ عَكَسَ بِأنْ تَرْكَ هُنا وذَكَرَ هُناكَ لَحَصَلَ التَّفَنُّنُ أيْضًا، وأنا لَمْ يَظْهَرْ لِي السِّرُّ في ذَلِكَ، وأمّا الإتْيانُ بِالواوِ هُنا والفاءِ في ﴿ فَقالَ المَلأُ ﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ قِيلَ: لَعَلَّهُ لِأنَّ كَلامَ المَلَإ هُنا لَمْ يَتَّصِلْ بِكَلامِ رَسُولِهِمْ بِخِلافِ كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.

ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِمْ ما هَذا إلَخْ مِنَ المُبالَغَةِ في تَوْهِينِ أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَهْوِينِهِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ما أجْهَلَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْمُماثَلَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ما الثّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ إلَيْها ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ حُذِفَ مَعَ الجارِّ لِدَلالَةٍ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ الحَذْفُ هُنا مِثْلُهُ في قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالَّذِي مَرَرْتُ في اسْتِيفاءِ الشَّرائِطِ، وحَسَنُهُ هُنا كَوْنُ ﴿ تَشْرَبُونَ ﴾ فاصِلَةً.

وفِي التَّحْرِيرِ زَعَمَ الفِراءُ حَذْفَ العائِدِ المَجْرُورِ مَعَ الجارِّ في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والآيَةُ إمّا لا حَذْفَ فِيها أوْ فِيها حَذْفُ المَفْعُولِ فَقَطْ لِأنَّ ما إذا كانَتْ مَصْدَرِيَّةً لَمْ تَحْتَجْ إلى عائِدٍ وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فالعائِدُ المَحْذُوفُ ضَمِيرُ مَنصُوبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مُتَّصِلٌ بِالفِعْلِ والتَّقْدِيرُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ اهْـ، وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى قاعِدَةِ البَصْرِيِّينَ ويُفَوِّتُ عَلَيْهِ فَصاحَةَ مُعادَلَةِ التَّرْكِيبِ عَلى أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ مُحَوَّجٌ إلى تَأْوِيلِ المُصَدِّرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ وبَعْدَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ لِصِحَّةِ المَعْنى ويَحْتاجُ إلى ذَلِكَ التَّكَلُّفِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أيْضًا إذْ لا يَشْرَبُ أحَدٌ مِن مَشْرُوبِهِمْ ولا مِنَ الَّذِي يَشْرَبُونَهُ وإنَّما يُشْرَبُ مِن فَرْدٍ آخَرَ مِنَ الجِنْسِ فَلا بُدَّ مِن إرادَةِ الجِنْسِ عَلى الوَجْهَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ، أي خلقنا من بعدهم قَرْناً آخَرِينَ وهم قوم هود، فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يعني: نبيّهم هوداً  أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، يعني قال لهم هود: احمدوا الله وأطيعوه، مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ، يعني: اتقوه.

اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الأمر.

قوله عز وجل: وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ، يعني: بالبعث بعد الموت، وَأَتْرَفْناهُمْ يعني: أنعمنا عليهم، ويقال: وسعنا عليهم حتى أترفوا.

فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا، يعني قالوا: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ، يعني: آدمياً مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ، يعني: كما تأكلون منه، وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ يعني: كما تشربون.

وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً، يعني: آدمياً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ، أي لمغبونون أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً، أي صرتم تراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، يعني: محيون.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  بِذِكْرِ هَذا الرَّسُولِ الصّابِرِ؛ لِيَتَأسّى بِهِ في صَبْرِهِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ كُذِّبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَعْلُوَكم بِالفَضِيلَةِ فَيَصِيرَ مَتْبُوعًا، ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ لا يُعْبَدَ شَيْءٌ سِواهُ؛ ﴿ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ تُبَلِّغُ عَنْهُ أمْرَهُ لَمْ يُرْسَلْ بَشَرًا، ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ نُوحٌ مِنَ التَّوْحِيدِ، ﴿ فِي آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ فَأمّا الجَنَّةُ فَمَعْناها: الجُنُونُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، فَتَقْدِيرُهُ: انْتَظِرُوا مَوْتَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ وقْتٌ مُنْكَّرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( قالَ رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ، وفي القِصَّةِ الأُخْرى [ المُؤْمِنُونَ: ٣٩ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَذَّبُونِ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ( كَذَّبُونِي ) بِياءٍ، وفي القِصَّةِ الَّتِي تَلِيها أيْضًا: ( فاتَّقُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٥٢ ]، ( أنْ يَحْضُرُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٨ ]، ( رَبِّ ارْجِعُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٩ ]، ( ولا تُكَلِّمُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ١٠٨ ]، أثْبَتَهُنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، والمَعْنى: انْصُرْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ؛ أيِ: انْصُرْنِي بِإهْلاكِهِمْ جَزاءً لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( هُودٍ: ٣٧ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْلُكْ فِيها ﴾ ؛ أيِ: ادْخُلْ في سَفِينَتِكَ، ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ( مِن كُلِّ ) بِكَسْرِ اللّامِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن كُلِّ ) بِالتَّنْوِينِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الجُمْهُورِ إضافَةُ " كُلِّ " إلى ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ ، وقِراءَةُ حَفْصٍ تَئُولُ إلى زَوْجَيْنِ؛ لِأنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الأزْواجِ زَوْجَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مُنْزَلًا ) بِضَمِّ المِيمِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فَتْحَها.

والمَنزِلُ بِفَتْحِ المِيمِ: اسْمٌ لِكُلِّ ما نَزَلْتَ بِهِ، والمَنزِلُ بِضَمِّها: المَصْدَرُ بِمَعْنى الإنْزالِ، تَقُولُ: أنْزَلْتُهُ إنْزالًا ومَنزِلًا.

وَفِي الوَقْتِ الَّذِي قالَ فِيهِ نُوحٌ ذاكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ نُزُولِهِ في السَّفِينَةِ.

والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّفِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: في قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ﴿ لآياتٍ وإنْ كُنّا ﴾ ؛ أيْ: وما كُنّا، ﴿ لَمُبْتَلِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمُخْتَبِرِينَ إيّاهم بِإرْسالِ نُوحٍ إلَيْهِمْ.

﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ يَعْنِي: عادًا، ﴿ فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ وهو هُودٌ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هم ثَمُودُ والرَّسُولُ صالِحٌ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّكم " نَصْبٌ عَلى مَعْنى: أيَعِدُكم [ أنَّكم ] مُخْرَجُونَ إذا مُتُّمْ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ أُعِيدَ ذِكْرُ " أنَّ "، كَقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( هَيْهاتَ هَيْهاتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ فِيهِما في الوَصْلِ وإسْكانِها في الوَقْفِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتًا هَيْهاتًا ) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيَوَةَ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( هَيْهاتٌ هَيْهاتٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: ( هَيْهاتٍ هَيْهاتٍ ) بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( هَيْهاتِ هَيْهاتِ ) بِالخَفْضِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وكانَ يَقِفُ بِالهاءِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، النّاجِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ( هَيْهاتُ هَيْهاتُ ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتْ هَيْهاتْ ) بِإسْكانِ التّاءِ فِيهِما.

وفي " هَيْهاتَ " عَشْرُ لُغاتٍ قَدْ ذَكَرْنا مِنها سَبْعَةً عَنِ القُرّاءِ، والثّامِنَةُ: ( أيْهاتَ )، والتّاسِعَةُ: ( أيْهانَ ) بِالنُّونِ، والعاشِرَةُ: ( أيْها ) بِغَيْرِ نُونٍ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ القاسِمِ، وأنْشَدَ الأحْوَصُ في الجَمْعِ بَيْنَ لُغَتَيْنِ مِنهُنَّ: تَذَكَّرُ أيّامًا مَضَيْنَ مِنَ الصِّبا وهَيْهاتِ هَيْهاتًا إلَيْكَ رُجُوعُها قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا الفَتْحُ فالوَقْفُ فِيهِ بِالهاءِ، تَقُولُ: ( هَيْهاهْ ) إذا فَتَحْتَ ووَقَفْتَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَإذا كَسَرْتَ ووَقَفْتَ عَلى التّاءِ كُنْتَ مِمَّنْ يُنَوِّنُ في الوَصْلِ، أوْ كُنْتَ مِمَّنْ لا يُنَوِّنُ.

وتَأْوِيلُ " هَيْهاتَ ": البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ ما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: بَعِيدٌ ما قُلْتَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ لِما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: البُعْدُ لِما قُلْتَ.

ويُقالُ: ( أيْهاتَ ) في مَعْنى ( هَيْهاتَ )، وأنْشَدُوا: وأيْهاتَ أيْهاتَ العَقِيقُ ومَن بِهِ ∗∗∗ وأيْهاتَ وصْلٌ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إذا وقَفْتَ عَلى ( هَيْهاتَ ) فَقُلْ: ( هَيْهاهْ ) .

وقالَ الفَرّاءُ: الكِسائِيُّ يَخْتارُ الوَقْفَ بِالهاءِ، وأنا أخْتارُ التّاءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ما تُوعَدُونَ ) بِغَيْرِ لامٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَبْعَدَ القَوْمُ بَعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ؛ إغْفالًا مِنهم لِلتَّفَكُّرِ في بُدُوِّ أمْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إيجادِهِمْ، وأرادُوا بِهَذا الِاسْتِبْعادِ أنَّهُ لا يَكُونُ أبَدًا.

﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ يَعْنُونَ: ما الحَياةُ إلّا ما نَحْنُ فِيهِ، ولَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ حَياةٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: ﴿ نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ وهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها الزَّجّاجُ: أحَدُها: نَمُوتُ ويَحْيا أوْلادُنا، فَكَأنَّهم قالُوا: يَمُوتُ قَوْمٌ ويَحْيا قَوْمٌ.

والثّانِي: نَحْيا ونَمُوتُ؛ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ لا لِلتَّرْتِيبِ.

والثّالِثُ: ابْتِداؤُنا مَواتٌ في أصْلِ الخِلْقَةِ، ثُمَّ نَحْيا، ثُمَّ نَمُوتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هُوَ ﴾ يَعْنُونَ: الرَّسُولَ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [ هُودٍ: ٧، النَّحْلِ: ٣٨ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ قالَ عَمّا قَلِيلٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: عَنْ قَلِيلٍ، و" ما " زائِدَةٌ بِمَعْنى التَّوْكِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُفْرِهِمْ، ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: بِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ بِكُفْرِهِمْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً رَجَفَتْ لَها الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ، فَصارُوا لِشِدَّتِها غُثاءً.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغُثاءُ: ما أشْبَهَ الزَّبَدَ، وما ارْتَفَعَ عَلى السَّيْلِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: فَجَعَلْناهم هَلْكى كالغُثاءِ، وهو ما عَلا السَّيْلُ مِنَ الزَّبَدِ والقَمَشِ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ ويَتَفَرَّقُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغُثاءُ: الهالِكُ والبالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ الَّذِي إذا جَرى السَّيْلُ رَأيْتَهُ مُخالِطًا زَبَدَهُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [ الحِجْرِ: ٥ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( تَتْرًى كُلَّما ) مُنَوَّنَةً والوَقْفُ بِالألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِلا تَنْوِينٍ، والوَقْفُ عِنْدَ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِألِفٍ.

ورَوى هُبَيْرَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ يَقِفُ بِالياءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَقِفُ بِالياءِ: أيْ: بِألِفٍ مُمالَةٍ.

قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ العَرَبِ عَلى تَرْكِ التَّنْوِينِ، ومِنهم مَن نَوَّنَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: نُتابِعُ بِفَتْرَةٍ بَيْنَ كُلِّ رَسُولَيْنِ، وهو مِنَ التَّواتُرِ، والأصْلُ: وتْرى، فَقُلِبَتِ الواوُ تاءً كَما قَلَبُوها في التَّقْوى والتُّخَمَةِ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَعْنى واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعْتُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبَيْنَ الخِبْرَيْنِ هُنَيَّةٌ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: ومِمّا تَضَعُهُ العامَّةُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ قَوْلُهم: تَواتَرَتْ كُتُبِي إلَيْكَ، يَعْنُونَ: اتَّصَلَتْ مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، فَيَضَعُونَ التَّواتُرَ في مَوْضِعِ الِاتِّصالِ، وذَلِكَ غَلَطٌ، إنَّما التَّواتُرُ: مَجِيءُ الشَّيْءِ ثُمَّ انْقِطاعُهُ ثُمَّ مَجِيئُهُ، وهو التَّفاعُلُ مِنَ الوَتْرِ، وهو الفَرْدُ، يُقالُ: واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعَتُ بَعْضَهُ بَعْضًا وبَيْنَ الخَبَرَيْنِ هُنَيْهَةٌ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ أصْلُها: ( وتَرى ) مِنَ المُواتَرَةِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ الواوِ، ومَعْناهُ: مُنْقَطِعَةٌ مُتَفاوِتَةٌ؛ لِأنَّ بَيْنَ كُلِّ نَبِيَّيْنِ دَهْرًا طَوِيلًا.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لا بَأْسَ بِقَضاءِ رَمَضانَ تَتْرى؛ أيْ: مُنْقَطِعًا.

فَإذا قِيلَ: واتَرَ فُلانٌ كُتُبَهُ، فالمَعْنى: تابَعَها وبَيْنَ كُلِّ كِتابَيْنِ فَتْرَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ ؛ أيْ: أهْلَكْنا الأُمَمَ بَعْضَهم في إثْرِ بَعْضٍ، ﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يُتَمَثَّلُ بِهِمْ في الشَّرِّ، ولا يُقالُ في الخَيْرِ: جَعَلْتُهُ حَدِيثًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ ﴿ فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ قالَ الطَبَرَيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: إنَّ هَذا القَرْنَ هم ثَمُودُ، ورَسُولُهم صالِحُ -عَلَيْهِ السَلامُ- وفي الرِواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّ قَوْمَ عادٍ أقْدَمَ إلّا أنَّهم لَمْ يُهْلَكُوا بِصَيْحَةٍ، وفي هَذا احْتِمالاتٍ كَثِيرَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.

و"أتْرَفْناهُمْ" مَعْناهُ: نَعَّمْناهم وبَسَطْنا لَهُمُ الآمالَ والأرْزاقَ، ومَقالَةُ هَؤُلاءِ أيْضًا تَقْتَضِي اسْتِبْعادَ بِعْثَةِ البَشَرِ، وهَذِهِ الطائِفَةُ وقَوْمُ نُوحٍ لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآياتِ أنَّ المُعْجِزَةَ ظَهَرَتْ لَهم وأنَّهم كَذَّبُوا بَعْدَ وُضُوحِها، ولَكِنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا المُعْجِزَةَ، والعِقابَ لا يَتَعَلَّقُ بِأحَدٍ إلّا بَعْدَ تَرْكِهِ الواجِبَ عَلَيْهِ، ووُجُوبِ الِاتِّباعِ إنَّما هو قِيامُ الحُجَّةِ عَلى المَرْءِ أو عَلى مَن هو المَقْصِدُ والجُمْهُورُ، كالعَرَبِ في مُعْجِزَةِ القُرْآنِ، والأطِبّاءُ لِعِيسى، والسَحَرَةُ لِمُوسى، فَبِقِيامِ الحُجَّةِ عَلى هَؤُلاءِ قامَتْ عَلى جَمِيعِ مَن ورائِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عُطفت حكاية قول قومه على حكاية قوله ولم يؤت بها مفصولة كما هو شأن حكاية المحاورات كما بيناه غير مرة في حكاية المحاورات ب (قال) ونحوها دون عطف.

وقد خولف ذلك في الآية السابقة للوجه الذي بيناه، وخولف أيضاً في سورة الأعراف وفي سورة هود إذ حكي جواب هؤلاء القوم رسولَهم بدون عطف.

ووجه ذلك أن كلام الملأ المحكيَّ هنا غير كلامهم المحكي في السورتين لأن ما هنا كلامهم الموجَّه إلى خطاب قومهم إذ قالوا: ﴿ ما هذا إلا بشر مثلُكم يأكل مما تأكلون منه ﴾ إلى آخره خشيةً منهم أن تؤثر دعوة رسولهم في عامتهم، فرأوا الاعتناء بأن يحولوا دون تأثر نفوس قومهم بدعوة رسولهم أولى من أن يجاوبوا رسولهم كما تقدم بيانه آنفاً في قصة نوح.

وبهذا يظهر وَجه الإعجاز في المواضع المختلفة التي أورد فيها صاحب «الكشاف» سؤالاً ولم يكن في جوابه شافياً وتحيّر شراحه فكانوا على خلاف.

وإنما لم يعطف قول الملأ بفاء التعقيب كما ورد في قصة نوح آنفاً لأن قولهم هذا كان متأخراً عن وقت مقالة رسولهم التي هي فاتحة دعوته بأن يكونوا أجابوا كلامه بالرد والزجر فلما استمر على دعوتهم وكررها فيهم وجهوا مقالتهم المحكية هنا إلى قومهم ومن أجل هذا عطفت جملة جوابهم ولم تأت على أسلوب الاستعمال في حكاية أقوال المحاورات.

وأيضاً لأن كلام رسولهم لم يُحك بصيغة القول بل حكي ب (أنْ) التفسيرية لِمَا تضمنه معنى الإرسال في قوله: ﴿ فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله ﴾ [المؤمنون: 32].

وقد حكى الله في آيات أخرى عن قوم هود وعن قوم صالح أنهم أجابوا دعوة رسولهم بالرد والزجر كقول قوم هود ﴿ قالوا يا هود ما جئتنا بِبَيِّنَة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ [هود: 53، 54]، وقول قوم صالح ﴿ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوًّا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ﴾ [هود: 62].

وقولُه ﴿ وقال الملأ من قومه الذين كفروا ﴾ ﴿ الذين كفروا ﴾ نعت ثان ل ﴿ الملأ ﴾ فيكون على وزان قوله في قصة نوح ﴿ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ﴾ [المؤمنون: 24].

وإنما أخر النعت هنا ليتصل به الصفتان المعطوفتان من قوله: ﴿ وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم ﴾ .

واللقاء: حضور أحد عند آخر.

والمراد لقاء الله تعالى للحساب كقوله تعالى: ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ في سورة البقرة (223) وعند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لَقِيتُم فِئَةً فاثبتوا ﴾ في سورة الأنفال (45).

وإضافة ﴿ لقاء ﴾ إلى ﴿ الآخرة ﴾ على معنى (في) أي اللقاء في الآخرة.

والإتراف: جعلهم أصحاب ترف.

والترف: النعمة الواسعة.

وقد تقدم عند قوله: ﴿ وارْجِعُوا إلى ما أترِفْتم فيه ﴾ في سورة الأنبياء (13).

وفي هذين الوصفين إيماء إلى أنهما الباعث على تكذيبهم رسولَهم لأن تكذيبهم بلقاء الآخرة ينفي عنهم توقع المؤاخذة بعد الموت، وثروتهم ونعمتهم تغريهم بالكبر والصلف إذ ألِفوا أن يكونوا سادة لا تبعاً، قال تعالى: ﴿ وذَرْني والمكذّبين أولي النعمة ﴾ [المزمل: 11]، ولذلك لم يتقبلوا ما دعاهم إليه رسولهم من اتقاء عذاب يوم البعث وطلبهم النجاة باتباعهم ما يأمرهم به فقال بعضهم لبعض ﴿ ولئن أطَعْتُم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون أيَعِدُكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مُخْرَجون ﴾ .

و ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ كناية عن تكذيبه في دعوى الرسالة لتوهمهم أن البشرية تنافي أن يكون صاحبها رسولاً من الله فأتوا بالملزوم وأرادوا لازمه.

وجملة ﴿ يأكل مما تأكلون منه ﴾ في موقع التعليل والدليل للبشرية لأنه يأكل مثلهم ويشرب مثلهم ولا يمتاز فيما يأكله وما يشربه.

وحذف متعلق ﴿ تشربون ﴾ وهو عائد الصلة للاستغناء عنه بنظيره الذي في الصلة المذكورة قبلها.

واللام في ﴿ ولئن أطعتم ﴾ موطّئة للقسم، فجملة ﴿ إنكم إذاً لخاسرون ﴾ جواب القسم، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم.

وأقحم حرف الجزاء في جواب القسم لما في جواب القسم من مشابهة الجزاء لا سيما متى اقترن القسم بحرف شرط.

والاستفهام في قوله ﴿ أيعدكم ﴾ للتعجب، وهو انتقال من تكذيبه في دعوى الرسالة إلى تكذيبه في المرسل به.

وقوله ﴿ أنكم إذا متم ﴾ إلى آخره مفعول ﴿ يَعِدكم ﴾ أي يعدكم إخراجَ مُخرج إياكم.

والمعنى: يعدكم إخراجكم من القبور بعد موتكم وفناء أجسامكم.

وأما قوله: ﴿ أنكم مخرجون ﴾ فيجوز أن يكون إعادة لكلمة (أنكم) الأولى اقتضى إعادتها بُعْد ما بينها وبين خبرها.

وتفيد إعادتها تأكيداً للمستفهم عنه استفهام استبعاد تأكيداً لاستبعاده.

وهذا تأويل الجرمي والمبرد.

ويجوز أن يكون ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ.

ويكون قوله: ﴿ إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً ﴾ خبراً عنه مقدماً عليه وتكون جملة ﴿ إذا متم ﴾ إلى قوله ﴿ مخرجون ﴾ خبراً عن (أنّ) من قوله ﴿ أنكم ﴾ الأولى.

وجعلوا موجب الاستبعاد هو حصول أحوال تنافي أنهم مبعوثون بحسب قصور عقولهم، وهي حال الموت المنافي للحياة، وحال الكون تراباً وعظاماً المنافي لإقامة الهيكل الإنساني بعد ذلك.

وأريد بالإخراج إخراجهم أحياء بهيكل إنساني كامل، أي مخرجون للقيامة بقرينة السياق.

وجملة ﴿ هيهات ﴾ بيان لجملة ﴿ يَعِدُكم ﴾ فلذلك فُصلت ولم تعطف.

و ﴿ هيهات ﴾ كلمة مبنية على فتح الآخر وعلى كسره أيضاً.

وقرأها الجمهور بالفتح.

وقرأها أبو جعفر بالكسر.

وتدل على البعد.

وأكثر ما تستعمل مكررة مرتين كما في هذه الآية أو ثلاثاً كما جاء في شعر لحُميد الأرقط وجرير يأتيان.

واختلف فيها أهي فعل أم اسم؛ فجمهور النحاة ذهبوا إلى أن (هيهات) اسم فعل للماضي من البُعد، فمعنى هيهات كذا: بعُد.

فيكون ما يلي (هيهات) فاعلاً.

وقيل هي اسم للبُعد، أي فهي مصدر جامد وهو الذي اختاره الزجاج في «تفسيره».

قال الراغب: وقال البعض: غلط الزجاج في «تفسيره» واستهواه اللام في قوله تعالى: ﴿ هيهات هيهات لما توعدون ﴾ .

وقيل: هيهات ظرف غير متصرف، وهو قول المبرد.

ونسبه في «لسان العرب» إلى أبي علي الفارسي.

قال: قال ابن جني: كان أبو علي يقول في هيهات: أنا أفتي مرة بكونها اسماً سمي به الفعل مثل صَهْ ومَهْ، وأُفتي مرة بكونها ظرفاً على قدر ما يحضرني في الحال.

وفيها لغات كثيرة وأفصحها أنها بهاءين وتاء مفتوحة فتحة بناء، وأن تاءها تثبت في الوقف وقيل يوقف عليها هاء، وأنها لا تنون تنوين تنكير.

وقد ورد ما بعد (هيهات) مجروراً باللام كما في هذه الآية.

وورد مرفوعاً كما في قول جرير: فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ وأهلُهُ *** وهيهاتَ خِلّ بالعقيق نحاوله وورد مجروراً ب (مِن) في قول حميد الأرقط: هيهاتتِ من مُصبَحها هيهاتِ *** ههياتتِ حِجْرٌ من صُنَيْبِعَاتِ فالذي يتضح في استعمال (هيهات) أن الأصل فيما بعدها أن يكون مرفوعاً على تأويل (هيهات) بمعنى فعل ماض من البُعد كما في بيت جرير، وأن الأفصح أن يكون ما بعدها مجروراً باللام فيكون على الاستغناء عن فاعل اسم الفعل للعلم به مما يسبق (هيهات) من الكلام لأنها لا تقع غالباً إلا بعد كلام، وتجعل اللام للتبيين، أي إيضاح المراد من الفاعل، فيحصل بذلك إجمال ثم تفصيل يفيد تقوية الخبر.

وهذه اللام ترجع إلى لام التعليل.

وإذا ورد ما بعدها مجروراً ب (مِن) ف (مِن) بمعنى (عن) أي بَعُد عنه أو بُعداً عنه.

على أنه يجوز أن تؤوّل (هيهات) مرة بالفعل وهو الغالب ومرة بالمصدر فتكون اسم مصدر مبنياً جامداً غير مشتق.

ويكون الإخبار بها كالإخبار بالمصدر، وهو الوجه الذي سلكه الزجاج في تفسير هذه الآية ويشير كلام الزمخشري إلى اختياره.

وجاء هنا فعل ﴿ توعدون ﴾ من (أوعد) وجاء قبله فعل ﴿ أيَعِدكم ﴾ وهو من (وَعَدَ) مع أن الموعود به شيء واحد.

قال الشيخ ابن عرفة: لأن الأول: راجع إليهم في حال وجودهم فجعل وعداً، والثاني راجع إلى حالتهم بعد الموت والانعدام فناسب التعبير عنه بالوعيد اه.

وأقول: أحسن من هذا أنه عبَّر مرة بالوعد ومرة بالوعيد على وجه الاحتباك، فإن إعلامهم بالبعث مشتمل على وعد بالخير إن صدّقوا وعلى وعيد إن كذّبوا، فذكر الفعلان على التوزيع إيجازاً.

وقوله: ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ يَجوز أن يكون بياناً للاستبعاد الذي في قوله: ﴿ هيهات لما توعدون ﴾ واستدلالاً وتعليلاً له، ولكلا الوجهين كانت الجملة مفصولة عن التي قبلها.

وضمير ﴿ هي ﴾ عائد إلى ما لم يسبق في الكلام بل عائد على مذكور بعده قصداً للإبهام ثم التفصيل ليتمكن المعنى في ذهن السامع.

وهذا من مواضع عود الضمير على ما بعده إذا كان ما بعده بياناً له، ولذلك يجعل الاسم الذي بعد الضمير عطف بيان.

ومنه قول الشاعر أنشده في «الكشاف» المصراع الأول وأثبته الطيبي كاملاً: هي النفس ما حملتها تتحمل *** وللدهر أيام تجور وتعدل وقول أبي العلاء المعري: هو الهجر حتى ما يُلم خيال *** وبعضُ صدود الزائرين وصال ومبيّن الضمير هنا قوله ﴿ إلا حياتنا ﴾ فيكون الاسم الذي بعد (إلا) عطف بيان من الضمير.

والتقدير: إن حياتنا إلا حياتنا الدنيا.

ووصفها بالدنيا وصف زائد على البيان فلا يقدر مثله في المبيَّن.

وليس هذا الضمير ضمير القصة والشأن لعدم صلاحية المقام له.

ولأنه في الآية مفسَّر بالمفرد لا بالجملة وكذلك في بيت أبي العلاء.

ولأن دخول (لا) النافية عليه يأبى من جعله ضمير شأن إذ لا معنى لأن يقال: لا قصة إلا حياتنا، فدخلت عليه (لا) النافية للجنس لأنه في معنى اسم جنس لتبيينه باسم الجنس وهو ﴿ حياتنا ﴾ .

فالمعنى ليست الحياة إلا حياتنا هذه، أي لا حياة بعدها.

والدنيا: مؤنث الأدنى، أي القريبة بمعنى الحاضرة.

وضمير ﴿ حياتنا ﴾ مراد به جميع القوم الذين دعاهم رسولهم.

فقولهم: ﴿ نموت ونحيا ﴾ معناه: يموت هؤلاء القوم ويحيا قوم بعدهم.

ومعنى ﴿ نَحْيَا ﴾ : نولد، أي يموت من يموت ويولد من يولد، أو المراد: يموت من يموت فلا يَرجع ويحيا من لم يمت إلى أن يموت.

والواو لا تفيد ترتيباً بين معطوفها والمعطوف عليه.

وعقبوه بالعطف في قوله: ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ أي لا نحيا حياة بعد الموت.

وهو عطف على جملة ﴿ نموت ونحيا ﴾ باعتبار اشتمالها على إثبات حياة عاجلة وموت، فإن الاقتصار على الأمرين مفيد للانحصار في المقام الخطابي مع قرينة قوله: ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ .

وأفاد صوغ الخبر في الجملة الاسميَّة تقوية مدلوله وتحقيقه.

ثم جاءت جملة ﴿ إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً ﴾ نتيجة عقب الاستدلال، فجاءت مستأنفة لأنها مستقلة على ما تقدمها فهي تصريح بما كني عنه آنفاً في قوله: ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ وما بعده من تكذيب دعوته، فاستخلصوا من ذلك أن حاله منحصر في أنه كاذب على الله فيما ادعاه من الإرسال.

وضمير ﴿ إن هو ﴾ عائد إلى اسم الإشارة من قوله: ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ .

فجملة ﴿ افترى على الله كذباً ﴾ صفة ل ﴿ رجل ﴾ وهي منصَبّ الحصر فهو من قصر الموصوف على الصفة قصر قلب إضافياً، أي لا كما يزعم أنه مرسل من الله.

وإنما أجروا عليه أنه رجل متابعة لوصفه بالبشرية في قولهم: ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ تقريراً لدليل المماثلة المنافية للرسالة في زعمهم، أي زيادة على كونه رجلاً مثلهم فهو رجل كاذب.

والافتراء: الاختلاق.

وهو الكذب الذي لا شبهة فيه للمخبِر.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة المائدة (103).

وإنما صرحوا بأنهم لا يؤمنون به مع دلالة نسبته إلى الكذب على أنهم لا يؤمنون به إعلاناً بالتبري من أن ينخدعوا لما دعاهم إليه، وهو مقتضى حال خطاب العامة.

والقول في إفادة الجملة الاسميَّة التقوية كالقول في ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَمُوتُ مِنّا قَوْمٌ ويَحْيا مِنّا قَوْمٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: يَمُوتُ قَوْمٌ ويُولَدُ قَوْمٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، قالَ الكَلْبِيُّ: يَمُوتُ الآباءُ ويَحْيا الأبْناءُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ مَعْناهُ نَحْيا ونَمُوتُ وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿ فَجَعَلْناهم غُثاءً ﴾ أيْ هَلْكى كالغُثاءِ، وفي الغُثاءِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ البالِي مِنَ الشَّجَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: ورَقُ الشَّجَرِ إذا وقَعَ في الماءِ ثُمَّ جَفَّ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والثّالِثُ: هو ما احْتَمَلَهُ الماءُ مِنَ الزَّبَدِ والقَذى، ذَكَرَهُ ابْنُ شَجَرَةَ وقالَهُ الأخْفَشُ.

﴿ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَبُعْدًا لَهم مِنَ الرَّحْمَةِ كاللَّعْنَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: فَبُعْدًا لَهم في العَذابِ زِيادَةً في الهَلاكِ، ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ قرناً ﴾ قال: أمة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ يعني عادًا قوم هود، [وأراد (١) (٢) ﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾ هودًا.

والباقي ظاهر إلى قوله: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ ﴾ الآية.

قال الفراء: أعيدت (أَنَّكُمْ) مرتين ومعناهما واحد، إلا أن ذلك حسن لما فرق بينهما بإذا، وهي في قراءة عبد الله (أيعدكم إذا مُتم وكنتم ترابا وعظامًا أنكم مخرجون) (٣) وقال أبو إسحاق: ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ موضعها نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم إذا متم.

وموضع (أن) الثانية عند قوم كموضع الأولى، وإنما ذكرت توكيدًا.

والمعنى على هذا القول: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم.

فلما بعد ما بين (أن) الأولى والثانية بقوله (إذا متم وكنتم تربًا وعظامًا) أعيد ذكر (أن) كما قال -عز وجل-: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ  ﴾ المعنى: فله نار جهنم (٤) قال أبو علي الفارسي: لا يخلو (أن) الثانية في قوله: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ ﴾ الآية، وفي (٥) ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [[قوله: [سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح] ساقط من (ع).

وفي (أ): (بيان)، وفي (ظ) قوله: (سوءًا بجهالة).

ثم سقط ما بعده وهو قوله (ثم تاب من بعده وأصلح).

وفي الإغفال الآية كاملة.]] [الأنعام: 54] من أن يكون: بدلاً من الأول (٦) (٧) (٨) ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ ﴾ (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) قال سيبويه (١٦) ﴿ أَيَعِدُكُمْ ...

﴾ الآية، فكأنه (١٧) ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ .

قال أبو على: لا يجوز عندي (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ إِذَا مِتُّمْ ﴾ لا يكون خبرًا لاسم (أن) كما لا يجوز أن يكون خبرًا له قبل دخول (أن)، ألا ترى أنك لو قلت: أنتم (٢٤) (٢٥) (٢٦) ﴿ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ ﴾ ، وإذا لم يجز أن يكون خبرًا له فقد ثبت أن ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ الأولى لم تستوف صلتها، وإذا لم تستوف صلتها لم يجز البدل منها؛ لأن الاسم المبدل منه حكمه أن يكون تامًا.

وكذلك لا يجوز أن تكون الثانية بدلاً من الأولى في قوله: ﴿ أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ ﴾ لأن الشرط وحده دون الجزاء لا يكون خبرًا لاسم (أن)، كما لم يجز أن يكون خبرًا للمبتدأ (٢٧) قال (٢٨) (٢٩) قال أبو علي: قول أبي العباس (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) فأما موضع (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) وكذلك (إذا) في الآية حكمه حكم قولك: غدًا الرحيل.

كأن التقدير في الأصل: إذا متم إخراجكم كائن أو حادث أو يحدث، فـ (إذا) منتصب (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقال في كتاب "الحجة": من قدر [في] (٦١) ﴿ إِذَا مِتُّمْ ﴾ لا يصح أن يكون خبرًا عن المخاطبين بقوله: ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ لأنهم أعيان (٦٢) (٦٣) (٦٤) قال: فأما (٦٥) ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ ﴾ إن موضع (أنَّ) الأولى نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم فإن (٦٦) ﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ  ﴾ ﴿ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ  ﴾ وجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفًا لاختصاصه ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً  ﴾ و ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً  ﴾ و ﴿ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ  ﴾ فلم يتعد وعدت في كل هذا إلى المفعول الثاني بالباء، وكذلك ينبغي أن يكون المفعول الثاني في ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ ﴾ لا تحتاج فيه إلى تقدير حرف الخفض (٦٧) (١) (وأراد): في هامش (أ) وعليها علامة التصحيح.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).

(٣) "معاني الفراء" للفراء 2/ 234 مع اختلاف يسير.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 11.

(٥) في (ع): (في).

(٦) هكذا في (أ)، (ظ)، والإغفال.

وفي (ع): (الأول.

وقد غيرها محقق الإغفال إلى الأولى.

وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.

(٧) هكذا في جميع النسخ وفي الإغفال أيضا، وقد غيرها محقق الإغفال إلى: تكون مكرره.

وغير ما بعدها أيضًا.

وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.

(٨) في (ظ)، (ع): (غير متعد)، وفي (أ): (غير متعديه)، وانظر: "الإغفال" 2/ 1081.

(٩) النساء: 155، المائدة: 13.

(١٠) في (أ): (فذهب).

(١١) "الكتاب" 3/ 132 - 133.

(١٢) هو: المبرد وانظر قوله في "المقتضب" 2/ 356.

(١٣) هو: الأخفش.

(١٤) ذكر الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 289 في هذه الآية ﴿ أَيَعِدُكُمْ ﴾ أن الآخرة بدل من الأولى.

(١٥) في (ظ)، (ع): (غيرمتعد به).

(١٦) "الكتاب" لسيبويه 3/ 132 - 133.

(١٧) في (ع): (وكأنه).

(١٨) (عندي): ساقطة من (ع).

(١٩) من أن: ساقط من (ظ).

(٢٠) في (ظ): (منهما).

(٢١) في "الإغفال" 2/ 1083، خ ل 112 أ: (من غير أن تتم كل واحدة بصلتها).

وأشار محقق الإغفال إلى سقوطها من بعض النسخ.

(٢٢) في (ع): (ولا).

وفي ساقطة من (ظ).

(٢٣) في جميع النسخ: أبدل.

والتصويب من "الإغفال" 2/ 183، (خ) 121 أ.

(٢٤) في (ع): (أنكم).

(٢٥) في (أ): (الجثث).

وفي (ظ): (الجثب).

والمثبت من (ع)، والإغفال.

(٢٦) في (ظ)، (ع): (فلذلك).

(٢٧) في (ظ)، (ع): (لمبتدأ).

(٢٨) القائل هو: أبو العباس المبرد.

(٢٩) انظر: "المقتضب" 3/ 356 - 357.

(٣٠) في (أ): (يقول أبو العباس)، وهو خطأ.

(٣١) في (أ): (التكرار)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".

(٣٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).

(٣٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).

(٣٤) في (أ): (فكأنه)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".

(٣٥) في (ع): (وقوعه).

(٣٦) في (أ): (مواضع)، وهو خطأ.

(٣٧) في "الإغفال" أن يضمر له خبر.

وقال المحقق: في (ش): (خبرًا).

(٣٨) في الإغفال: أو يكون له خبر.

وأشار المحقق إلى سقوط (خبر) من (ش).

(٣٩) في (ع): (أو ما أشبه).

(٤٠) في جميع النسخ: (وهذا)، والتصويب من "الإغفال" 2/ 1092.

(٤١) في (أ، ع): (إضمار)، والمثبت من (ظ) و"الإغفال".

(٤٢) في (ظ)، (ع): (انتصب).

(٤٣) في (ظ): (غدا).

(٤٤) في "الإغفال" 2/ 1095: فرفع أن.

(٤٥) في "الإغفال" 2/ 1095: (الذي يقدر).

(٤٦) في (أ): (بذلك)، والمثبت من باقي النسخ و"الإغفال" 2/ 1095.

(٤٧) في (ط)، (ع): (فرفع).

(٤٨) في "الإغفال" ص 1095 بعد قوله زيدًا: ثم تقدم فترفع الظاهر كما رفع المُضمر.

(٤٩) في (ظ)، (ع): (فرفع).

(٥٠) في (ع): (عندي)، والتصويب من "الإغفال".

(٥١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ظ).

(٥٢) في جميع النسخ: وكذلك، مقدمه ..

له ..

للفظه)، والمثبت من "الإغفال".

(٥٣) نفسه.

(٥٤) نفسه.

(٥٥) نفسه.

(٥٦) في (ظ): (كقولك)، وهو خطأ.

(٥٧) في (ظ): (لمقامها).

(٥٨) في (أ): (مقامها)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في "الإغفال".

(٥٩) في (أ): (وكتاب).

(٦٠) "الإغفال" لأبي علي الفارسىِ 2/ 1081 - 1097 مع تصرف واختصار.

(٦١) (في): زيادة من "الحجة" يستقيم بها المعنى.

(٦٢) في (ع): (أعوان).

(٦٣) في (ظ)، (ع): (فإذا).

(٦٤) "الحجة" 2/ 61.

(٦٥) في (ظ).

(وأما).

(٦٦) في (أ): (قد).

(٦٧) "الإغفال" للفارسي 2/ 1101 - 1103.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ تضمن هذا دعاء عليهم، لأن نصرته إنما هي بإهلاكهم وقد تقدم في [هود: 37] تفسير ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ووحينا، ﴿ وَفَارَ التنور ﴾ ، ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي ﴾ ﴿ فاسلك فِيهَا ﴾ أي أدخل فيها، وقد تقدم تفسير زوجين إثنين ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ إن مخففة من الثقيلة، ﴿ لَمُبْتَلِينَ ﴾ : اسم فاعل من ابتلى، ويحتمل أن يكون بمعنى الاختبار، أو إنزال البلاء ﴿ قَرْناً آخَرِينَ ﴾ قيل: إنهم عاد ورسولهم هود، لأنهم الذين يلون قوم نوح، وقيل: أنهم ثمود ورسولهم صالح، وهذا أصح لقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة ﴾ [المؤمنون: 41]، وأما عاد فأهلكوا بالريح ﴿ مِن قَوْمِهِ ﴾ قدم هذا المجرور على قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ لئلا يوهم أنه متصل بقوله: ﴿ الحياة الدنيا ﴾ بخلاف قوله: ﴿ وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ ﴾ في غير هذا الموضع ﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ ﴾ أي نعمناهم ﴿ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ يحتمل أنهم قالوا ذلك لإنكارهم أن يكون نبيّ من البشر، أو قالوه أنفه من اتباع بشر مثلهم، وكذلك قال قوم نوح ﴿ أَيَعِدُكُمْ ﴾ استفهام على وجه الاستهزاء والاستبعاد ﴿ أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ﴾ كرر أن تأكيداً للأولى؛ ومخرجون خبر عن الأولى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ هيهات هيهات ﴾ بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما.

الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء ﴿ تتراً ﴾ بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير.

الباقون بالياء في الحالين ﴿ وأن هذه ﴾ بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر ﴿ وإن ﴾ بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ زبراً ﴾ بفتح الباء: عباس.

الآخرون بضمها.

الوقوف: ﴿ آخرين ﴾ ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لأن ما بعده مقول القول ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن ما بعده صفة بشر ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ مخرجون ﴾ ه ﴿ لما توعدون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ط ﴿ بما كذبون ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله ﴿ عما ﴾ ﴿ غثاء ﴾ ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم ﴿ يستأخرون ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار.

﴿ تترا ﴾ ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما ﴿ أحاديث ﴾ ج لما ذكر في ﴿ غثاء ﴾ ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ عالين ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ عابدون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المهلكين ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ ومعين ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ زبراً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ وبنين ﴾ ه لا لأن ﴿ نسارع ﴾ مفعول ثان للحسبان ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله  في الأعراف ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح  ﴾ وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله  في هذه القصة ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ ومعنى ﴿ فأرسلنا فيهم ﴾ جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول ﴿ اعبدوا الله ﴾ قال بعضهم: قوله ﴿ افلا تتقون ﴾ غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة.

والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان.

قال جار الله: إنما قال في هذه السورة ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة  ﴾ بغير واو ومثله في سورة هود ﴿ قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة  ﴾ لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله.

وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله ﴿ من قومه ﴾ على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله ﴿ من قومه ﴾ متعلق بالدنيا.

ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ أترفناهم ﴾ أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى.

وقوله ﴿ مما تشربون ﴾ أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه.

ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ﴿ ولئن أطعتم ﴾ "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم.

ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله ﴿ أيعدكم ﴾ الآية.

قال جار الله: ثنى ﴿ أنكم ﴾ للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و ﴿ مخرجون ﴾ خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ معناه إخراجكم وخبره ﴿ إذا متم ﴾ والجملة خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود ﴿ ايعدكم إذا متم ﴾ ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم ﴿ هيهات ﴾ ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله ﴿ لما توعدون ﴾ قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك  ﴾ لبيان المهيت به.

وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون.

ثم بين إترافهم بأنهم قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا ﴾ أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام".

وإنما زيد في هذه السورة قوله ﴿ نموت ونحيا ﴾ لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .

ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم ﴿ قال ﴾ هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير ﴿ ليصبحن ﴾ جعل صيرورتهم ﴿ نادمين ﴾ دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس.

وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى ﴿ بالحق ﴾ بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.

والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء.

ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ كما مر في سورة هود.

وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما.

وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل.

والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم.

ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ﴿ ما تسبق من أمة ﴾ اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله.

وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم.

ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك.

والتاء في ﴿ تترى ﴾ بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول  ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية.

ثم ذكر طرفاً من قصة موسى  .

عن الحسن ﴿ بآياتنا ﴾ أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها.

ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى  في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً.

ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم.

أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم.

قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع.

والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.

ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله.

ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك.

ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه.

والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله { ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى  ﴾ وفي قوله في أول "البقرة" ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة  ﴾ والقصة مشهورة.

فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره ﴿ على خوف من فرعون وملئهم  ﴾ وقد مر في آخر "يونس".

ثم أجمل قصة عيسى بقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر.

واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة.

والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة.

عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.

وعن الحسن: فلسطين والرملة.

ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.

وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر.

والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية.

وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى.

وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة.

قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم.

قوله  ﴿ يا ايها الرسل ﴾ ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي " عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله  بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره  وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟

فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟

فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه.

ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟

فقال  : بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً" .

وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ والمراد نعيم بن مسعود.

ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل.

وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا  لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل.

ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال.

وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل.

وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكلالحلال.

وفي قوله ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحذير من مخالفة هذا الأمر.

وقال في سورة سبأ ﴿ إني بما تعملون بصير  ﴾ وكلاهما من أسمائه  إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود.

ومن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل ﴿ فاتقون ﴾ ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية.

والضمير في ﴿ تقطعوا ﴾ راجع إلى أممهم.

قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.

ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها.

وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال ﴿ فتقطعوا ﴾ بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله ﴿ زبراً ﴾ بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى.

ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد.

ثم أكد الذم بقوله ﴿ كل حزب بما ﴾ اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر.

ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ﴿ يا أيها الرسل ﴾ هو نبينا  وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله ﴿ إنّ إبراهيم كان أمة  ﴾ والغمرة الماء الذي يغمر القامة.

قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.

قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين.

قال في الكشاف ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا.

والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله  ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم.

ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله  أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ وما في ﴿ أنما ﴾ موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه.

وفي قوله ﴿ بل لا يشعرون ﴾ أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر.

وفيه انه  أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى.

التأويل: ﴿ يأكل مما تأكلون ﴾ لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون.

"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ﴿ وآويناهما ﴾ يعني مريم النفس وعيسى القلب ﴿ إلى ربوة ﴾ القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان ﴿ يا أيها الرسل ﴾ أي القوى المرسلة إلى القالب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ثُُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ﴾ .

قيل: من بعد قوم نوح قرناً آخرين: عادا وغيرهم.

﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ .

قالوا: هوداً.

﴿ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .

جميع الأنبياء والرسل إنما بعثوا بالدعاء إلى توحيد الله، وجعل العبادة له.

وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ .

مخالفته، أو عبادة من دونه، وجميع معاصيه، على ما ذكرنا من قبل.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

أي: بالبعث.

﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قال بعضهم: أترفناهم، أي: بسطنا لهم في الدنيا حتى ركبوا المعاصي.

وقال بعضهم: المترف: الغني الطاغي.

وقوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ...

﴾ الآية.

قد ذكرنا فيما تقدم أنهم تناقضوا في قولهم: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ ؛ لما أنهم منعوا الأتباع عن أن يتبعوا الرسول ويطيعوه؛ لأنه بشر مثلهم، ثم طلبوا منهم الطاعة لهم والاتباع في أمورهم، وهم بشر أمثالهم؛ فذلك تناقض في القول وفساد.

وقوله: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ﴾ : استبعاد الأمر وإنكاره، أي: بعيداً بعيداً، أي: أمر لا يكون.

وقوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ .

إن كان هذا القول من الثنوية والدهرية فقوله: ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ : هم بأنفسهم؛ لأنهم يقولون: يموت الإنسان فيحيا غيره من البقر والحمر وغيره من تراب إذا أكل.

وإن كان هذا القول من غير الثنوية فنقول: قوله: ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ ، أي: نموت نحن ويحيا الأبناء.

وذكر في حرف ابن مسعود وأبي: (نحيا ونموت وما نحن بمبعوثين).

وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ هذا قولهم.

وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ .

قد ذكرناه.

﴿ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ﴾ .

أي: عما قريب يندمون بالتكذيب عن هذا القول الذي قالوه والإنكار الذي أنكروه، لا شك في ذلك.

وقال القتبي: ﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ ﴾ ، أي: وسعنا عليهم حتى أترفوا، والترفة منه، ومثلها: تحفة، كأن المترف هو الذي يتحف.

وقال غيره: ﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ ﴾ ، أي: أنعمنا عليهم وبسطنا لهم؛ فكله يرجع إلى واحد.

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ﴾ هذا تبعيد للأمر، أي: أنه أمر بعيد؛ على ما ذكرنا أنه لا يكون.

وقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً ﴾ .

قال بعضهم: الغثاء: اليابس الهامد كنبات الأرض إذا يبس.

وقال بعضهم: الغثاء: هو الذي يحمله السيل بالموج.

[و] قال أبو معاذ: ﴿ غُثَآءً أَحْوَىٰ  ﴾ ، أي: أسود.

وقال بعضهم: غثاء، أي: موتى.

وجائز أن يكون تأويل قوله: ﴿ غُثَآءً ﴾ ، أي: كالشيء المنسيّ الذي لا يذكر ألبتة؛ لأن أولئك الفراعنة والأكابر إذا هلكوا لم يذكروا ألبتة، و [لا] افتخر أحد من أولادهم بهم من بعد الهلاك، كما افتخر أولاد الأنبياء والرسل والصالحين بآبائهم وأجدادهم من بعدهم، وصاروا مذكورين إلى أبد الآبدين، فأما أولئك: صاروا خاملي الذكر كالشيء الخسيس المنسي المتروك.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً ﴾ ، الغثاء: ما ذكرنا على قول بعضهم كالريم الهامد الذي يحمله السيل، [و] على قول بعضهم: هو كالشيء البالي المتغير.

وعلى [قول] بعض: الغثاء: ما ارتفع على الماء مما لا يُنتفع به، وكله واحد.

وقال القتبي: غثاء، أي: هلكى كالغثاء، وهو ما على السيل من الزبد والقش؛ لأنه يذهب ويتفرق.

[و] قال أبو عوسجة: الغثاء: ما يحمله السيل من العيدان والبعر والأغشية جميعا، والغثاء: حميل السيل.

ثم ذكر أنفس قوم عاد وثمود، وشبهها بما ذكر من الغثاء، وكذلك يذكر أنفس جميع أهل الشرور والفساد، وذكر في أهل الخير أعمالهم لا أنفسهم؛ لأن لهم أعمال الخير والصلاح؛ فتجعل أنفسهم حيّة بالأعمال؛ كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ  ﴾ جعل أعمالهم أحاديث فيما بينهم، وأما أهل الكفر والشر فإنه لا أعمال لهم تذكر؛ فتذكر أنفسهم بُعدا وسحقاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال الأشراف والسادة من قومه الذين كفروا بالله، وكذبوا بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، وأطغاهم ما وسّعنا لهم من النعم في الحياة الدنيا، قالوا لأتباعهم وعامتهم-: ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه، ويشرب مما تشربون منه، فليس له مزية عليكم حتَّى يُبْعَث رسولًا إليكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZEWr2"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل