الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٥٦ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 58 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٦ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) يعني : أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟!
كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم : ( نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) [ سبأ : 35 ] ، لقد أخطئوا في ذلك وخاب رجاؤهم ، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء ; ولهذا قال : ( بل لا يشعرون ) ، كما قال تعالى : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) [ التوبة : 55 ] ، وقال تعالى : ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) [ آل عمران : 178 ] ، وقال تعالى : ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين ) [ القلم : 44 ، 45 ] ، وقال : ( ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا ) [ المدثر : 11 16 ] وقال تعالى : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ) [ سبأ : 37 ] والآيات في هذا كثيرة .
قال قتادة في قوله : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) قال : مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم ، يا ابن آدم ، فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم ، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد [ بن عبيد ، حدثنا أبان بن إسحاق ، عن الصباح بن محمد ، عن مرة الهمداني ، حدثنا عبد الله ] بن مسعود رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قسم بينكم أخلاقكم ، كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده ، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا : وما بوائقه يا نبي الله؟
قال : غشمه وظلمه ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ، ولا يتصدق به فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " .
( نسارع لهم )، قال: نـزيدهم في الخير، نملي لهم، قال: هذا لقريش.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمر بن عليّ، قال: ثني أشعث بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذّاء، قال: قلت لعبد الرحمن بن أبي بكرة قول الله: ( نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ) قال: يسارع لهم في الخيرات، وكأن عبد الرحمن بن أبي بكرة وجه بقراءته ذلك، إلى أن تأويله: يسارع لهم إمدادنا إياهم بالمال والبنين في الخيرات.
نسارع لهم في الخيرات قال ابن الأنباري : وهذا خطأ ؛ لأن ( أن ) كافية من اسم أن وخبرها ولا يجوز أن يؤتى بعد ( أن ) بمفعول ثان .
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، وعبد الرحمن بن أبي بكرة ( يسارع ) بالياء ، على أن يكون فاعله إمدادنا .
وهذا يجوز أن يكون على غير حذف ؛ أي يسارع لهم الإمداد .
ويجوز أن يكون فيه حذف ، ويكون المعنى يسارع الله لهم .
وقرئ ( يسارع لهم في الخيرات ) وفيه ثلاثة أوجه : أحدها على حذف به .
ويجوز أن يكون يسارع الإمداد .
ويجوز أن يكون لهم اسم ما لم يسم فاعله ؛ ذكره النحاس .
قال المهدوي : وقرأ الحر النحوي ( نسرع لهم في الخيرات ) وهو معنى قراءة الجماعة .
قال الثعلبي : والصواب قراءة العامة ؛ لقوله : نمدهم .
بل لا يشعرون أن ذلك فتنة لهم واستدراج .
تفسير الآيتين 55 و56 :ـ{ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ } أي: أيظنون أن زيادتنا إياهم بالأموال والأولاد، دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن لهم خير الدنيا والآخرة؟
وهذا مقدم لهم، ليس الأمر كذلك.
{ بَل لَا يَشْعُرُونَ } أنما نملي لهم ونمهلهم ونمدهم بالنعم، ليزدادوا إثما، وليتوفر عقابهم في الآخرة، وليغتبطوا بما أوتوا { حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً }
( نسارع لهم في الخيرات ) أي : نعجل لهم في الخيرات ، ونقدمها ثوابا لأعمالهم لمرضاتنا عنهم ، ( بل لا يشعرون ) أن ذلك استدراج لهم .
ثم ذكر المسارعين في الخيرات فقال :
«نسارع» نعجل «لهم في الخيرات» لا «بل لا يشعرون» أن ذلك استدراج لهم.
أيظن هؤلاء الكفار أن ما نمدُّهم به من أموال وأولاد في الدنيا هو تعجيلُ خيرٍ لهم يستحقونه؟
إنما نعجل لهم الخير فتنة لهم واستدراجًا، ولكنهم لا يُحِسُّون بذلك.
ثم تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك فى السخرية منهم لغفلتهم عن هذا المصير المحتوم ، الذى سيفاجئهم بما لا يتوقعون .
فيقول : ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ) .والهمزة فى قوله ( أَيَحْسَبُونَ ) للاستفهام الإنكارى .
و " ما " موصولة ، وهى اسم " أن " وخبرها جملة " نسارع لهم ..
.
" والرابط مقدر أى : به .أى : أيزن هؤلاء الجاهلون .
أن ما نعطيهم إياه من مال وبنين ، هو من باب المسارعة منا فى إمدادهم بالخيرات لرضانا عنهم وإكرامنا لهم؟
كلا : ما فعلنا معهم ذلك لتكريمهم ، وإنما فعلنا ذلك معهم لاستدراجهم وامتحانهم ، ولكنهم لا يشعرون بذلك .
ولا يحسون به لانطماس بصائرهم ولاستيلاء الجهل والغرور على نفوسهم .فقوله - سبحانه - ( بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ) إضراب انتقالى عن الحسبان المذكور وهو معطوف على مقدر ينسحب إليه الكلام .أى : ما فعلنا ذلك معهم لإكرامنا إياهم كما يظنون ، بل فعلنا ما فعلنا استدارجا لهم ، ولكنهم لا يشعرون لهم ولا إحساس ، وما هم إلا كالأنعام بل هم أضل .لذا قال بعض الصالحين : من يعص الله - تعالى - ولم ير نقصاناً فيما أعطاه - سبحانه - من الدنيا .
فليعلم أنه مستدرج قد مكر به .وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ).
اعلم أن ظاهر قوله: ﴿ يا أيها الرسل ﴾ خطاب مع كل الرسل وذلك غير ممكن لأن الرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة متفرقة مختلفة فكيف يمكن توجيه هذا الخطاب إليهم، فلهذا الإشكال اختلفوا في تأويله على وجوه: أحدها: أن المعنى الإعلام بأن كل رسول فهو في زمانه نودي بهذا المعنى ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق بأن يؤخذ به ويعمل عليه.
وثانيها: أن المراد نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل، وإنما ذكر على صيغة الجمع كما يقال للواحد أيها القوم كفوا عني أذاكم ومثله ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس ﴾ وهو نعيم بن مسعود كأنه سبحانه لما خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك بين أن الرسل بأسرهم لو كانوا حاضرين مجتمعين لما خوطبوا إلا بذلك ليعلم رسولنا أن هذا التثقيل ليس عليه فقط، بل لازم على جميع الأنبياء عليهم السلام.
وثالثها: وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى عليه السلام لأنه إنما ذكر ذلك بعدما ذكر مكانه الجامع للطعام والشراب ولأنه روى أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه، والقول الأول أقرب لأنه أوفق للفظ الآية، ولأنه روي عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول إليها وقال من أين لك هذا؟
فقالت من شاة لي، ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟
فقالت اشتريتها بمالي فأخذه.
ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟
فقال عليه السلام: «بذلك أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيباً ولا يعملوا إلا صالحاً».
أما قوله تعالى: ﴿ مّنَ الطيبات ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه الحلال وقيل طيبات الرزق حلال وصاف وقوام فالحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي الذي لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل والثاني: أنه المستطاب المستلذ من المأكل والفواكه فبين تعالى أنه وإن ثقل عليهم بالنبوة وبما ألزمهم القيام بحقها، فقد أباح لهم أكل الطيبات كما أباح لغيرهم.
واعلم أنه سبحانه كما قال المرسلين ﴿ يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات ﴾ فقال للمؤمنين: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم ﴾ ، واعلم أن تقديم قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ الطيبات ﴾ على قوله: ﴿ واعملوا صالحا ﴾ كالدلالة على أن العمل الصالح لابد وأن يكون مسبوقاً بأكل الحلال، فأما قوله: ﴿ إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ فهو تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان ذلك تحذيراً للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى.
أما قوله: ﴿ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون ﴾ فقد فسرناه في سورة الأنبياء وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة فكذلك هم متفقون على التوحيد وعلى الإتقاء من معصية الله تعالى.
فإن قيل لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟
قلنا المراد من الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هاهنا، ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون ﴾ فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه فلا مدخل للشرائع، وإن اختلفت في ذلك.
المسألة الثانية: قرئ وإن بالكسر على الاستئناف وإن بمعنى ولأن وإن مخففة من الثقيلة وأمتكم مرفوعة معها.
أما قوله تعالى: ﴿ فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ فالمعنى فإن أمم الأنبياء عليهم السلام تقطعوا أمرهم بينهم وفي قوله: ﴿ فَتَقَطَّعُواْ ﴾ معنى المبالغة في شدة اختلافهم والمراد بأمرهم ما يتصل بالدين.
أما قوله: ﴿ زُبُراً ﴾ فقرئ زبراً جمع زبور أي كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً وزبراً قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد وزبراً مخففة الباء كرسل في رسل قال الكلبي ومقاتل والضحاك يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.
أما قوله تعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ فمعناه أن كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى المحق أنه الرابح، وأن غيره المبطل الخاسر، ولما ذكر الله تعالى تفرق هؤلاء في دينهم أتبعه بالوعيد، وقال: ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ ﴾ حتى حين الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: فدع هؤلاء الكفار في جهلهم والغمرة الماء الذي يغمر القامة فكأن ما هم فيه من الجهل والحيرة صار غامراً ساتراً لعقولهم، وعن علي عليه السلام: ﴿ فِى غمراتهم حتى حِينٍ ﴾ وذكروا في الحين وجوهاً: أحدها: إلى حين الموت.
وثانيها: إلى حين المعاينة.
وثالثها: إلى حين العذاب، والعادة في ذلك أن يذكر في الكلام، والمراد به الحالة التي تقترن بها الحسرة والندامة، وذلك يحصل إذا عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم، ويحصل أيضاً عند المحاسبة في الآخرة، ويحصل عند عذاب القبر والمساءلة فيجب أن يحمل على كل ذلك.
ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم على أديانهم، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك، فقال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات ﴾ قرئ يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفي المعنى وجهان: أحدهما: أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم في المعاصي، واستجراراً لهم في زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وبل للاستدراك لقوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ ﴾ يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في ذلك، أهو استدراج أم مسارعة في الخير، وهذه الآية كقوله: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم ﴾ روي عن يزيد بن ميسرة: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني ثم تلا: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ وعن الحسن: لما أتى عمر بسوار كسرى فأخذه ووضعه في يد سراقة فبلغ منكبه.
فقال عمر اللهم إني قد علمت أن نبيك عليه الصلاة والسلام، كان يحب أن يصيب مالاً لينفقه في سبيلك، فزويت ذلك عنه نظراً.
ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك، اللهم لا يكن ذلك مكراً منك بعمر.
ثم تلا: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ الوجه الثاني: وهو أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغي البال، متمكنين من الاشتغال بكلف الحق، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه، كان لزوم الحجة عليهم أقوى، فلذلك قال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بذلك، ونهى عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره.
وقرئ: ﴿ يمدّهم ﴾ ويسارع، ويسرع، بالياء، والفاعل الله سبحانه وتعالى.
ويجوز في: يسارع، ويسرع: أن يتضمن ضمير الممدّ به.
ويسارع، مبنياً للمفعول.
والمعنى: أنّ هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم إلى المعاصي، واستجراراً إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات، وفيما لهم فيه نفع وإكرام، ومعاجلة بالثواب قبل وقته.
ويجوز أن يراد في جزاء الخيرات كما يفعل بأهل الخير من المسلمين.
و ﴿ بَل ﴾ استدراك لقوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ ﴾ يعني: بل هم أشباه البهائم لا فطنة بهم ولا شعور، حتى يتأملوا ويتفكروا في ذلك: أهو استدراج، أم مسارعة في الخير؟
فإن قلت: أين الراجع من خبر أنّ لها اسمها إذا لم يستكن فيه ضميره؟
قلت: هو محذوف تقديره: نسارع به، ويسارع به، ويسارع الله به، كقوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ [الشورى: 43] أي إن ذلك منه، وذلك لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ ﴾ أنَّ ما نُعْطِيهِمْ ونَجْعَلُهُ لَهم مَدَدًا، ﴿ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ بَيانٌ لِما ولَيْسَ خَبَرًا لَهُ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُعاتَبٍ عَلَيْهِ وإنَّما المُعاتَبُ عَلَيْهِ اعْتِقادُهم أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهم خَبَرُهُ.
﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ والمَعْنى: أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نَمُدُّهم بِهِ نُسارِعُ بِهِ لَهم فِيما فِيهِ خَيْرُهم وإكْرامُهم بَلْ لا يَشْعُرُونَ بَلْ هم كالبَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ لِيَتَأمَّلُوا فِيهِ فَيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ الإمْدادَ اسْتِدْراجٌ لا مُسارَعَةً في الخَيْرِ، وقُرِئَ «يَمُدُّهم» عَلى الغَيْبَةِ وكَذَلِكَ «يُسارِعُ» و «يُسْرِعُ» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيهِما ضَمِيرُ المُمِدِّ بِهِ و «يُسارَعُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
<div class="verse-tafsir"
{نسارع لهم في الخيرات} والعائد من خبران إلى اسمها محذوف أي نسارع لهم به والمعنى أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم إلى المعاصي وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات ومعالجة بالثواب جزاء على حسن صنيعهم وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح لأنهم يقولون إن الله لا فعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين وقد أخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} بل استدراك لقوله أيحسبون أى أنهم أشباه البهائم لاشعور لهم حتى يتأملوا في ذلك أنه استدراج أو مسارعة في الخير
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ خَبَرُ أنَّ والرّاجِعُ إلى الِاسْمِ مَحْذُوفٌ أيْ أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نَمُدُّهم بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ نُسارِعُ بِهِ لَهم فِيما فِيهِ خَيْرُهم وإكْرامُهم عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ وحَذْفِ هَذا العائِدِ لِطُولِ الكَلامِ مَعَ تَقَدُّمِ نَظِيرِهِ في الصِّلَةِ إلّا أنَّ حَذْفَ مِثْلِهِ قَلِيلٌ، وقالَ هِشامُ بْنُ مُعاوِيَةَ: الرّابِطُ هو الِاسْمُ الظّاهِرُ وهو ( الخَيْراتِ ) وكَأنَّ المَعْنى نُسارِعُ لَهم فِيهِ ثُمَّ أظْهَرُ فَقِيلَ في الخَيْراتِ، وهَذا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ نَحْوِ زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إذا كانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كُنْيَةً لِزَيْدٍ، قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَدَّهم بِذَلِكَ فَلا يُعابُ ولا يُنْكَرُ عَلَيْهِمُ اعْتِقادُ المَدَدِ بِهِ كَما يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما نَجْعَلُهُ مَدَدًا نافِعًا لَهم في الآخِرَةِ لَيْسَ المالَ والبَنِينَ بَلِ الِاعْتِقادُ والعَمَلُ الصّالِحُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ وفِيهِ ما فِيهِ.
وما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ ما مَوْصُولَةً هو الظّاهِرُ، ومَن جَوَّزَ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً وجَعَلَ المَصْدَرَ الحاصِلَ بَعْدَ السَّبْكِ اسْمَ أنْ وخَبَرَها ( نُسارِعُ ) عَلى تَقْدِيرِ مُسارَعَةِ بِناءٍ عَلى أنَّ الأصْلَ أنْ نُسارِعَ فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ لَمْ يُوفِّ القُرْآنُ الكَرِيمُ حَقَّهُ، وكَذا مَن جَعَلَها كافَّةً كالكِسائِيِّ ونَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ، وجَوَّزَ عَلَيْهِ الوَقْفَ عَلى ( بَنِينَ ) مُعَلِّلًا بِأنَّ ما بَعْدَ يَحْسَبُ قَدِ انْتَظَمَ مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى وإنْ كانَ في تَأْوِيلِ مُفْرِدٍ وهو كَما تَرى، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «إنَّما نَمُدُّهُمْ» بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ «يَمُدُّهُمْ» بِالياءِ.
وقَرَأ السِّلْمِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكَرَةَ «يُسارِعُ» بِالياءِ وكَسْرِ الرّاءِ فَإنْ كانَ فاعِلُهُ ضَمِيرَهُ تَعالى فالكَلامُ في الرّابِطِ، عَلى ما سَمِعْتَ، وإنْ كانَ ضَمِيرُ المَوْصُولِ فَهو الرّابِطُ وعَنِ ابْنِ أبِي بَكَرَةَ المَذْكُورِ أنَّهُ قَرَأ «يُسارِعُ» بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ «نُسْرِعُ» بِالنُّونِ مُضارِعُ أسْرَعَ، وقُرِئَ عَلى ما في الكَشّافِ «يُسْرِعُ» بِالياءِ مُضارِعُ أسْرَعَ أيْضًا وفي فاعِلِهِ الِاحْتِمالانِ المُشارُ إلَيْهِما آنِفًا ﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ عَطَفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ كَلّا لا نَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ لا يَشْعُرُونَ أيْ لَيْسَ مِن شَأْنِهِمُ الشُّعُورُ أنَّ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ حَتّى يَتَأمَّلُوا ويَتَفَكَّرُوا في ذَلِكَ هو اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ ومُبادَرَةٌ في الخَيْراتِ ومِن هُنا قِيلَ: مَن يَعْصِ اللَّهَ تَعالى ولَمْ يَرَ نُقْصانًا فِيما أعْطاهُ سُبْحانَهُ مِنَ الدُّنْيا فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مُسْتَدْرِجٌ قَدْ مَكَرَ بِهِ، وقالَ قَتادَةُ: لا تَعْتَبِرُوا النّاسَ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ ولَكِنِ اعْتَبَرُوهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ، يعني: اتركهم في جهالتهم حَتَّى حِينٍ، يعني: إلى حين يأتيهم ما وعدوا به من العذاب.
ثم قال: أَيَحْسَبُونَ، يعني: أيظنون وهم أهل الفرق، أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ يعني: أن الذي نزيدهم به مِنْ مالٍ وَبَنِينَ في الدنيا.
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، يعني: هو خير لهم في الآخرة؟
قرأ بعضهم يُسَارَعُ بالياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقراءة العامة نُسارِعُ بالنون وكسر الراء، يعني: يظنون أنا نسارع لهم.
في الخيرات، بزيادة المال والولد، بل هو استدراج لهم.
وروي في الخبر: «أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام: أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا، وهو أبعد له مني ويجزع عبدي المؤمن أن أقبض منه الدنيا، وهو أقرب له مني؟» ثم قال: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، وقد تم الكلام، يعني: أيظنون أن ذلك خيرا لهم في الدنيا؟
ثم قال: نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ أن ذلك فتنة لهم ويقال: أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ وقد تم الكلام، يعني: أيظنون أن ذلك خير لهم في الدنيا؟
ثم قال عز وجل: نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ يعني: نبادرهم في الطاعات وهو خير لهم، أي في الآخرة بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ أن ذلك مكر بهم وشر لهم في الآخرة.
ثم ذكر المؤمنين، فقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، يعني: خائفين من عذابه، ويقال: هذا عطف على قوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ثم قال: وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، يعني: بمحمد والقرآن يصدقون.
قوله: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ، يعني: لا يشركون معه غيره، ولكنهم يوحدون ربهم، ويقال: بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ هو أن يقول: لولا فلان ما وجدت هذا.
ثم قال: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا، يعني: يعطون ما أعطوا من الصدقة والخير.
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ، يعني: خائفة.
وروى سالم بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني: أن عائشة ا سألت رسول الله عن هذه الآية وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هم الذين يشربون الخمر، ويسرقون، ويزنون؟
قال: «لا يا بِنْتَ أبِي بَكْرٍ، ولكنهم هُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيُصَلُّونَ» .
وروي عن أبي بكر بن خلف أنه قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة ا فقلنا: يا أمّ المؤمنين كيف تقرئين وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا، قالت: سمعت رسول الله «لا يا بِنْتَ أبِي بَكْرٍ، هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، وَيَخَافُ أنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُ» .
وقال الزجاج: من قرأ يُؤْتُونَ ما آتَوْا، معناه: يعطون ما أعطوا، ويخافون أن لا يقبل منهم ومن قرأ يَأْتُونَ ما أتوا أي: يعملون من الخيرات ما يعملون، ويخافون مع اجتهادهم أنهم مقصرون.
ثم قال تعالى: أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، يعني: لأنهم إلى ربهم راجعون، ومعناه: يعملون ويوقنون أنهم يبعثون بعد الموت.
قوله عز وجل: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، يعني: يبادرون في الطاعات من الأعمال الصالحة، وَهُمْ لَها سابِقُونَ، يعني: هم لها عاملون، يعني: الخيرات، وقال الزجاج: فيه قولان: أحدهما: معناه هم إليها سابقون، كقوله عز وجل: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: 5] يعني: إليها، ويجوز هُمْ لَها سابِقُونَ أي: لأجلها، أي من أجل اكتسابها، كقولك: أنا أكرم فلاناً لك، أي من أجلك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ: يَعْنِي بِالرُّسُلِ هاهُنا: مُحَمَّدًا وحْدَهُ، وهو مَذْهَبُ العَرَبِ في مُخاطَبَةِ الواحِدِ خِطابَ الجَمِيعِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا أنَّ الرُّسُلَ جَمِيعًا كَذا أُمِرُوا، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ، والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ: الحَلالُ.
قالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( وأنَّ ) بِالفَتْحِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وافَقَ ابْنُ عامِرٍ في فَتْحِ الألِفِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ النُّونَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وإنَّ ) بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَن فَتَحَ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ، وبِأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم، فَمَوْضِعُها خَفْصٌ؛ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ عَلى " ما "، وإنْ شِئْتَ كانَتْ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَأنَّكَ قُلْتَ: واعْلَمُوا هَذا، ومَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَإنَّهُ خَفَّفَ النُّونَ المُشَدَّدَةَ، وإذا خُفِّفَتْ تَعَلَّقَ بِها ما يَتَعَلَّقُ بِالمُشَدَّدَةِ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها في ( الأنْبِياءِ: ٩٢ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ زُبُرًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( زُبَرًا ) بِرَفْعِ الزّايِ وفَتْحِ الباءِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( زُبْرًا ) بِرَفْعِ الزّايِ وإسْكانِ الباءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( زُبُرًا ) بِضَمِّ الباءِ، فَتَأْوِيلُهُ: جَعَلُوا دِينَهم كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، جَمْعُ زَبُورٍ.
ومَن قَرَأ: ( زُبَرًا ) بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: قِطَعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ ؛ أيْ: بِما عِنْدَهم مِنَ الدِّينِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ مُعْجَبُونَ، يَرَوْنَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ ومُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( في غَمَراتِهِمْ ) عَلى الجَمْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: في عَمايَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ.
﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ ؛ أيْ: إلى حِينِ يَأْتِيهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ.
* فَصْلٌ وَهَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ لا ؟
فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناها التَّهْدِيدُ فَهي مُحْكَمَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو الجَوْزاءِ: ( يُمِدُّهم ) بِالياءِ المَرْفُوعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( نَمُدُّهم ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ المِيمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نَمُدُّهم بِهِ ﴿ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ مُجازاةٌ لَهم ؟
إنَّما هو اسْتِدْراجٌ.
﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ ؛ أيْ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ( يُسارِعُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وأبُو المُتَوَكِّلِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا الرّاءَ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يُسْرِعُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وسُكُونِ السِّينِ ونُصْبِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ قَرَأ عاصِمْ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَإنَّ هَذِهِ" بِكَسْرِ الألِفِ وشَدِّ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الألِفِ وتَخْفِيفِ "أنْ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الألِفِ وتَشْدِيدِ "أنَّ".
فالقِراءَةُ الأُولى بَيِّنَةٌ عَلى القَطْعِ، وأمّا فَتْحُ الألِفِ وتَشْدِيدُ النُونِ فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهٍ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ آخِرًا بِـ "فاتَّقُونِ" عَلى تَقْدِيرِ: "لِأنَّ"، أيْ: فاتَّقَوْنِ لِأنَّ أُمَّتَكم أُمَّةً واحِدَةً وأنِّي رَبُّكُمْ، وهَذا عِنْدَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ -عَزَّ وجَلَّ-: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا ﴾ .و"أنَّ" عِنْدَهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وهي عِنْدَ الخَلِيلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لَمّا زالَ الخافِضُ، وقَدْ عَكَسَ هَذا الَّذِي نُسِبَتْ إلَيْهِما بَعْضُ الناسِ، وقالَ الفِراءُ: "أنَّ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واعْلَمُوا أوِ احْفَظُوا.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أُمَّةٌ واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمْ وأبُو عَمْرٍو: "أُمَّةً واحِدَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن "هَذِهِ"، وفي هَذا نَظَرٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ إنَّما هو مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِهِمْ، وأنَّهُ بِتَقْرِيرِ حُضُورِهِمْ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ: وقُلْنا لِلنّاسِ، وإذا قُدِّرَتْ ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ - - قَلِقَ اتِّصالُ هَذِهِ واتِّصالُ قَوْلِهِ: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ ﴾ ، أمّا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ وإنْ كانَ قِيلٌ لِلْأنْبِياءِ فَأُمَمُهم داخِلُونَ بِالمَعْنى فَيَحْسُنُ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّصالُ "فَتَقَطَّعُوا"، ومَعْنى "الأُمَّةُ" هُنا المِلَّةُ والشَرِيعَةُ، والإشارَةُ بِـ"هَذِهِ" إلى الحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو دِينُ الإسْلامِ.
وقَوْلُهُ: "فَتَقَطَّعُوا" يُرِيدُ الأُمَمَ، أيِ: افْتَرَقُوا، ولَيْسَ بِفِعْلٍ مُطاوِعٍ كَما تَقُولُ "تَقْطَعَ الثَوْبُ"، بَلْ هو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى "قَطَعُوا"، ومِثْلُهُ تُجَهِّمَنِي اللَيْلَ، وتُخَوِّفَنِي السَيْرَ، وتُعَرِّفَنِي الزَمَنَ.
وقَرَأ نافِعٌ: "زُبُرًا" بِضَمِّ الزايِ والباءِ، جَمْعَ زَبُورٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافِ-: "زُبُرًا" بِضَمِّ الزايِ وفَتْحِ الباءِ، فَأمّا الأُولى فَتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:أحَدُهُما: أنَّ الأُمَمَ تَنازَعَتْ أمْرَها كُتُبًا مُنَزَّلَةً، فاتَّبَعَتْ فِرْقَةٌ الصُحُفَ وفِرْقَةٌ التَوْراةَ وفِرْقَةٌ الإنْجِيلَ، ثُمْ حَرَّفَ الكُلُّ وبَدَّلَ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثانِي أنَّهم تَنازَعُوا أمْرَهم كُتُبًا وضَعُوها وضَلالاتٍ ألَّفُوها، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ، وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَمَعْناها: فُرُقًا كَزُبُرَ الحَدِيدِ.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وضَلالَتِهِ، وهَذِهِ غايَةُ الضَلالِ؛ لِأنَّ المُرْتابَ بِما عِنْدَهُ يَنْظُرُ في طَلَبِ الحَقِّ، ومِن حَيْثُ كانَ ذِكْرُ الأُمَمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِثالًا لِقُرَيْشٍ خاطَبَ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- في شَأْنِهِمْ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: "فَذَرْهُمْ"، أيْ: فَذَرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِمَنزِلَةِ مَن تَقَدَّمَ.و"الغَمْرَةُ": ما عَمَّهم مِن ضَلالِهِمْ وفَعَلَ بِهِ فِعْلَ الماءِ الغَمْرِ لِما حَصُلَ فِيهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "فَذَرْهم في غَمَراتِهِمْ".
و"حَتّى حِينٍ" أيْ: إلى وقْتِ فَتْحٍ فِيهِمْ غَيْرُ مَحْدُودٍ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
ثُمْ وقَّفَهم عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللهِ عِنْدَهم بِالمالِ ونَحْوِهُ إنَّما هي لِرِضاهُ عن حالِهِمْ، وبَيَّنَ -تَعالى- أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، وخَبَرُ "أنَّ" في قَوْلِهِ: "نُسارِعُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُسارِعُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي الكَلامِ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- ضَمِيرٌ عائِدٌ تَقْدِيرُهُ: "لَهم بِهِ".
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: "يُسارِعُ" بِالياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ إمْدادَنا يُسارِعُ، ولا ضَمِيرَ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ إلّا ما يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ، ورُوِيَ عن أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورِ "يُسارَعُ" بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "نُسْرِعُ" بِالنُونِ وسُقُوطِ الألِفِ، و"الخَيْراتُ" هُنا تَعُمُ الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، و"الشُعُورُ" مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ وهو ما بَلِيَ الإنْسانُ مِن ثِيابِهِ.
<div class="verse-tafsir"
الأشبه أن تكون هذه الجملة بدل اشتمال من جملة ﴿ فَذرهم في غمرتهم حتى حين ﴾ [المؤمنون: 54] باعتبار أن جملة ﴿ فذرهم ﴾ تشتمل على معنى عدم الاكتراث بما هم فيه من الأحوال التي ألْهَتهم عن النظر في دعوة الإسلام وغرتهم بأنهم بمحل الكرامة على الله بما خولهم من العزة والترف، وما تشتمل عليه من التوعد بأن ذلك له نهاية ينتهون إليها وأن الله أعطاهم ما هم فيه زمن النعمة استدراجاً لهم.
وهذا كقوله تعالى ﴿ وذَرْني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً ﴾ [المزمل: 11] وقوله: ﴿ لا يَغُرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ﴾ [آل عمران: 196، 197].
والاستفهام في ﴿ أيحسبون ﴾ إنكاري وتوبيخ على هذا الحسبان سواء كان هذا الحسبان حاصلاً لجميع المشركين أم غير حاصل لبعض، لأن حالهم حال من هو مظنة هذا الحسبان فينكر عليه هذا الحسبان لإزالته من نفسه أو لدفع حصوله فيها.
و ﴿ أنما ﴾ هنا كلمتان (أن) المؤكدة (وما) الموصولة وكتبتا في المصحف متصلتين كما تكتب (إنما) المكسورة التي هي أداة حصر لأن الرسم القديم لم يكن منضبطاً كل الضبط وحقها أن تكتب مفصولة.
والإمداد: إعطاء المدد وهو العطاء.
و ﴿ من مال وبنين ﴾ بيان ل (ما) الموصولة.
والمسارعة: التعجيل، وهي هنا مستعارة لتوخي المرغوب والحرص على تحصيله.
وفي حديث عائشة أنها قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك» أي يعطيك ما تحبه لأن الراغب في إرضاء شخص يكون متسارعاً في إعطائه مرغوبه، ويقال: فلان يجري في حظوظك.
ومتعلق ﴿ نسارع ﴾ محذوف تقديره: نسارع لهم به، أي بما نمدهم به من مال وبنين.
وحذف لدلالة ﴿ نمدهم به ﴾ عليه.
وظرفية (في) مجازية.
جعلت ﴿ الخيرات ﴾ بمنزلة الطريق يقع فيه المسارعة بالمشي فتكون (في) قرينة مكنية.
وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الرسول لا يُحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ [المائدة: 41] وقوله: ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ﴾ [المائدة: 52] كلاهما في سورة العقود، وقوله: ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ﴾ في سورة الأنبياء (90).
والخيرات: جمع خير بالألف والتاء، وهو من الجموع النادرة مثل سرادقات.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وأولئك لهم الخيرات ﴾ في سورة براءة (88)، وتقدم في سورة الأنبياء (73 90).
و (بل) إضراب عن المظنون لا على الظن كما هو ظاهر بالقرينة، أي لسنا نسارع لهم بالخيرات كما ظنوا بل لا يشعرون بحكمة ذلك الإمداد وأنها لاستدراجهم وفضحهم بإقامة الحجة عليهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: دِينُكم دِينٌ واحِدٌ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً وهَلْ يَأْتَمِنُ ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ الثّانِي: جَماعَتُكم جَماعَةٌ واحِدَةٌ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: خَلُقُكم خُلُقٌ واحِدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَفَرَّقُوا دِينَهم بَيْنَهم قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: انْقَطَعَ تَواصُلُهم بَيْنَهم.
وَهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ زُبُرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما يَعْنِي قِطَعًا وجَماعاتٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الباءِ.
الثّانِي: يَعْنِي، كُتُبًا، قالَهُ قَتادَةُ، وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ ومَعْناهُ، أنَّهم تَفَرَّقُوا الكُتُبَ، فَأخَذَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم كُتُابًا، آمَنَ بِهِ وكَفَرَ بِما سِواهُ.
﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كُلُّ حِزْبٍ بِما تَفَرَّدُوا بِهِ مِن دِينٍ وكِتابٍ فَرِحُونَ.
والثّانِي: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَهم مِن أمْوالٍ وأوْلادٍ فَرِحُونَ.
وَفي فَرَحِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُرُورُهم.
والثّانِي: أنَّها أعْمالُهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: في ضَلالَتِهِمْ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: في عَمَلِهِمْ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
والثّالِثُ: في حَيْرَتِهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ.
والرّابِعُ: في جَهْلِهِمْ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَتّى المَوْتِ.
والثّانِي: حَتّى يَأْتِيَهم ما وُعِدُوا بِهِ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الوَعِيدِ كَما تَقُولُ لِلتَّوَعُّدِ: لَكَ يَوْمٌ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ أيْ نُعْطِيهِمْ ونَزِيدُهم مِن أمْوالٍ وأوْلادٍ.
﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَجْعَلُهُ في العامِلِ خَيْرًا.
والثّانِي: أنَما نُرِيدُ لَهم بِذَلِكَ خَيْرًا.
﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ.
والثّانِي: بَلْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اخْتِبارٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أيحسبون ﴾ قال: قريش.
﴿ إنما نمدهم به ﴾ قال: نعطيهم ﴿ من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات ﴾ نزيد لهم في الخير بل نملي لهم في الخير ولكن لا يشعرون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ﴾ قال: مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، فلا تعتبروا الناس بأموالهم وأولادهم ولكن اعتبروهم بالإِيمان والعمل الصالح.
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قرأ ﴿ نسارع لهم في الخيرات ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن الحسن؛ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك، فأخذ عمر سواريه فرمى بهما إلى سراقة، فأخذهما فجعلهما في يديه فبلغتا منكبيه فقال: الحمد لله سوارا كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم، أَعرابي من بني مدلج.
ثم قال: اللهم إني قد علمت أن رسولك قد كان حريصاً على أن يصيب ما لا ينفقه في سبيلك وعلى عبادك فزويت عنه ذلك نظراً منك وخياراً، اللهم إني أعوذ بك أن يكون هذا مكراً منك بعمر ثم تلا ﴿ أيحسبون أَنما نمدهم به من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن ميسرة قال: أجد فيما أنزل الله على موسى، أيفرح عبدي المؤمن أن ابسط له الدنيا وهو أبعد له مني، أو يجزع عبدي المؤمن أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني، ثم تلا ﴿ أيحسبون أَنما نمدهم به من مال وبنين ﴾ ﴿ نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قال الفراء: (ما) في موضع الذي، وليست بحرف واحد: يقول: أيحسبون أنَّ ما نعطيهم في هذه الدنيا من الأموال والبنين أنّا جعلناه لهم ثوابًا (١) وقال الزجاج: تأويل الآية: أيحسبون أنّ إمداد الله لهم بالمال والبنين مجازاة لهم؟
وإنَّما هو استدراج لهم من الله -وهو معنى قوله: ﴿ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ (٢) (٣) (٤) (٥) ومثل هذا ذكر صاحب النظم فقال: انتظام الآيتين بإضمار الباء على تأويل: نسارع لهم به في الخيرات (٦) ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (٧) (٨) (٩) ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ بالله غيره.
قال ابن قتيبة: ﴿ نُسَارِعُ ﴾ بمعنى (١٠) (١١) والمعنى: [أيحسبون أنَّا تقدم لهم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم.
وقال ابن عباس] (١٢) (١٣) ﴿ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ لا يعلمون غيبي (١٤) وقال مقاتل: يقول: لا يشعرون أن الذي أعطاهم من المال والبنين هو شر لهم كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾ (١٥) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 238.
(٢) قوله: وهو معنى قوله "بل لا يشعرون" مدرجة من كلام الواحدي وليست من كلام الزجاج.
(٣) (به): ساقطة من (ظ).
(٤) عند الزجاج: نسارع لهم به.
(٥) "معاني القرآن" للزجَّاج 4/ 16، وفي "ما" وجهان آخران: أحدهما: أن تكون مصدرية، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةٌ منا لهم في الخيرات.
الثاني: أنَّها مهيئة كافَّة.
وبه قال الكسائي، وحينئذ يجوز الوقف على "زبنين".
انظر: "القرطبي" 12/ 131، "البحر المحيط" 6/ 409، "الدر المصون" 8/ 351.
(٦) مراد صاحب النظم أن "ما" بمعنى الذي وهي اسم "أنّ"، وصلتها ما بعدها، وخبر "أنَّ" هو الجملة من قوله "نسارع لهم في الخيرات" والرابط لهذه الجملة ضمير محذوف لفهم المعنى تقديره: نسارع لهم في الخيرات.
قال أبو حيان وحسَّن حذفه استطالة الكلام مع أمْن اللَّبس.
وقيل: الرابط بين هذه الجملة واسم "أنَّ" هو الظاهر الذي قام مقام الضمير من قوله "من الخيرات" إذْ الأصل: نسارع لهم فيه، ثم أظهْر فأوقع "الخيرات" موقعه تعظيمًا وتنبيها على كونه من الخيرات، ولا حذف على هذا التقْدير.
انظر: "القرطبي" 12/ 130، "البحر المحيط" 6/ 409، "الدر المصون" 8/ 351.
(٧) النحل: 50، التحريم: 6.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).
(٩) في (أ): (فكما).
(١٠) (بمعنى): ساقطة من (ظ).
(١١) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 298.
(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).
(١٣) (أموالهم): ساقطة من (أ، ظ)، وفيهما: وأكثرت أولادهم.
(١٤) في (أ): (غبني).
(١٥) "تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَيَحْسَبُونَ ﴾ الآية: ردّ عليهم فيما ظنوا من أن أموالهم وأولادهم خير لهم وأنهم سبب لرضا الله عنهم ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ ﴾ هذا خبر أن، والضمير الرابط محذوف تقديره نسارع به ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ أي لا يشعرون أن ذلك استدراج لهم، ففيه معنى التهديد.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ هيهات هيهات ﴾ بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما.
الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء ﴿ تتراً ﴾ بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير.
الباقون بالياء في الحالين ﴿ وأن هذه ﴾ بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر ﴿ وإن ﴾ بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ زبراً ﴾ بفتح الباء: عباس.
الآخرون بضمها.
الوقوف: ﴿ آخرين ﴾ ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لأن ما بعده مقول القول ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن ما بعده صفة بشر ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ مخرجون ﴾ ه ﴿ لما توعدون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ط ﴿ بما كذبون ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله ﴿ عما ﴾ ﴿ غثاء ﴾ ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب.
﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم ﴿ يستأخرون ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار.
﴿ تترا ﴾ ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما ﴿ أحاديث ﴾ ج لما ذكر في ﴿ غثاء ﴾ ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ عالين ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ عابدون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المهلكين ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ ومعين ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ زبراً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ وبنين ﴾ ه لا لأن ﴿ نسارع ﴾ مفعول ثان للحسبان ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله في الأعراف ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله في هذه القصة ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ ومعنى ﴿ فأرسلنا فيهم ﴾ جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول ﴿ اعبدوا الله ﴾ قال بعضهم: قوله ﴿ افلا تتقون ﴾ غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة.
والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان.
قال جار الله: إنما قال في هذه السورة ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة ﴾ بغير واو ومثله في سورة هود ﴿ قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة ﴾ لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله.
وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله ﴿ من قومه ﴾ على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله ﴿ من قومه ﴾ متعلق بالدنيا.
ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب.
﴿ و ﴾ معنى ﴿ أترفناهم ﴾ أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى.
وقوله ﴿ مما تشربون ﴾ أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه.
ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ﴿ ولئن أطعتم ﴾ "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم.
ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله ﴿ أيعدكم ﴾ الآية.
قال جار الله: ثنى ﴿ أنكم ﴾ للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و ﴿ مخرجون ﴾ خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ معناه إخراجكم وخبره ﴿ إذا متم ﴾ والجملة خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود ﴿ ايعدكم إذا متم ﴾ ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم ﴿ هيهات ﴾ ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله ﴿ لما توعدون ﴾ قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك ﴾ لبيان المهيت به.
وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون.
ثم بين إترافهم بأنهم قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا ﴾ أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام".
وإنما زيد في هذه السورة قوله ﴿ نموت ونحيا ﴾ لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .
ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم ﴿ قال ﴾ هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير ﴿ ليصبحن ﴾ جعل صيرورتهم ﴿ نادمين ﴾ دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس.
وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى ﴿ بالحق ﴾ بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.
والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء.
ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ كما مر في سورة هود.
وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما.
وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل.
والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم.
ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ﴿ ما تسبق من أمة ﴾ اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله.
وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم.
ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك.
والتاء في ﴿ تترى ﴾ بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية.
ثم ذكر طرفاً من قصة موسى .
عن الحسن ﴿ بآياتنا ﴾ أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها.
ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً.
ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم.
أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم.
قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع.
والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.
ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله.
ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك.
ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه.
والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله { ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ﴾ وفي قوله في أول "البقرة" ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ﴾ والقصة مشهورة.
فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره ﴿ على خوف من فرعون وملئهم ﴾ وقد مر في آخر "يونس".
ثم أجمل قصة عيسى بقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر.
واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.
والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة.
والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة.
عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
وعن الحسن: فلسطين والرملة.
ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.
وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر.
والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية.
وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى.
وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة.
قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم.
قوله ﴿ يا ايها الرسل ﴾ ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي " عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟
فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟
فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه.
ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟
فقال : بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً" .
وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ والمراد نعيم بن مسعود.
ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل.
وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل.
ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال.
وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل.
وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكلالحلال.
وفي قوله ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحذير من مخالفة هذا الأمر.
وقال في سورة سبأ ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ وكلاهما من أسمائه إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود.
ومن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل ﴿ فاتقون ﴾ ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية.
والضمير في ﴿ تقطعوا ﴾ راجع إلى أممهم.
قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.
ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها.
وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال ﴿ فتقطعوا ﴾ بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله ﴿ زبراً ﴾ بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى.
ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد.
ثم أكد الذم بقوله ﴿ كل حزب بما ﴾ اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر.
ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ﴿ يا أيها الرسل ﴾ هو نبينا وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله ﴿ إنّ إبراهيم كان أمة ﴾ والغمرة الماء الذي يغمر القامة.
قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.
قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين.
قال في الكشاف ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا.
والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم.
ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ﴾ وما في ﴿ أنما ﴾ موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه.
وفي قوله ﴿ بل لا يشعرون ﴾ أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر.
وفيه انه أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى.
التأويل: ﴿ يأكل مما تأكلون ﴾ لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون.
"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ﴿ وآويناهما ﴾ يعني مريم النفس وعيسى القلب ﴿ إلى ربوة ﴾ القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان ﴿ يا أيها الرسل ﴾ أي القوى المرسلة إلى القالب.
<div class="verse-tafsir"
[قوله:] ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ ﴾ ، وقال: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ، فذلك يحتمل وجوهاً: أحدها: قال ذلك عند الإياس عن إجابتهم لما علم أنهم لا يؤمنون، وذلك في قوم مخصوصين؛ كأنه قال: ذر هؤلاء، وأقبل [على] هؤلاء الذين يقبلون أمرك، ويجيبون دعاءك ويسمعونه.
والثاني: فذرهم في غمرتهم، ولا تكافئهم حتى أنا أكافئهم؛ كقوله: ﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ .
والثالث: أمره أن يعرض عنهم؛ لئلا يخوضوا في سب الله والطعن في الآية، كقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا...
﴾ الآية [الأنعام: 68].
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ : يحتمل القيامة، ويحتمل وقتاً آخر لم يبين، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ﴾ : المكان المرتفع، و (آويته)، أي: أويته.
وقال القتبي: الربوة، الارتفاع، وكل شيء ارتفع أو زاد فقد ربا، ومنه الربا في البيع.
قال أبو معاذ: للعرب في الربوة أربع لغات: رَبوة ورِبوة ورُبوة ورباوة.
وقوله: ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ ، قال أبو عوسجة: المعين: الماء الظاهر الجاري، والقرار: الثبات، وتقول منه: يقرأ قرارا فهو قار، وأقررته، أي: أثبته، وكذلك قال القتبي، وقال: معين ماء ظاهر، وهو مفعول من العين: كان أصله (معيون)؛ كما يقال: ثوب مخيط، وبُرّ مكيل.
وقوله: ﴿ فِي غَمْرَتِهِمْ ﴾ ، قيل: في ضلالتهم [و] غفلتهم.
وقال [بعضهم]: الغمر: الماء الكثير، وغمرة الحرب وسطها، [و] غمرة الموت: شدته، [و] رجل غمر، أي: سخي، ليس به شح، وجمعه: غمار، ويقال: غمره الماء، أي: صار فوقه.
قال [بعضهم]: والغمر: عداوة، والغمر: الذي لم يجرب الأمور، وقوم أغمار، والغمر: الوسم، والغمرة: الشدة، والغمرات جمع، والغمر: القدح الصغير، والمغامرة: المخاطرة، تقول: غامر بنفسه، أي: خاطر بها.
وقوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .
حسب أولئك الكفرة أن ما أمدّ لهم من الأموال والبنين - ما أعطى لهم - إنما أعطى خيراً لهم وبرّاً لا شرّاً، فأخبر - عز وجل - وكذبهم في حسبانهم الذي حسبوا، فقال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ أنه إنما أعطى لهم ذلك شرّا، وإنما مثل ما حسب أولئك الكفرة فيما أعطوا من الأموال والبنين إنما أعطوا خيراً - حسب المعتزلة في قولهم: إن الله لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين؛ فأخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح لهم، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ، وهم يقولون: إنما يملي لهم ليزدادوا خيراً وبرّاً.
وكذلك قالوا في قوله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ ، وهم يقولون: لا؛ بل إنما أراد: ليرحمهم بها.
فيقال لهم: أنتم أعلم أم الله؟!
كما قال لأولئك الكفرة؟!
حيث قال: ﴿ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ﴾ إلا أن يكابروا في قوله: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ ؛ لما أنهم قالوا ذلك على الظن والحسبان، لا على العلم؛ حيث قال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ ؛ فقال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ ؛ حيث قالوا ذلك ظنّاً وحسباناً، وإنما الواجب عليهم أن يعلموا ذلك علم إحاطة ويقين.
فجواب هذا أن يقال: إن عندهم أن ذلك إنما أعطى لهم وأملى خيراً وبرا لهم؛ فكانوا على يقين من ذلك وإحاطة عند أنفسهم، وإنما ذلك الظن والحسبان لهم ما عند الله، وإلا: كانوا على حقيقة العلم عند أنفسهم: أنه إنما أعطاهم ذلك وأمدّ لهم خيراً؛ فأكذبهم الله في ذلك وردّ عليهم قولهم: إنه إنما أعطاهم ذلك لما ذكروا؛ بل أخبر أنه إنما أعطاهم؛ لمضادة ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ﴾ أيظن هؤلاء الأحزاب الفرحون بما لديهم أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد في الحياة الدنيا هو تعجيل خير لهم يستحقونه؟!
ليس الأمر كما ظنوا، إنما نعطيهم ذلك إملاءً واستدراجًا لهم، لكنهم لا يحسُّون بذلك.
<div class="verse-tafsir" id="91.VoGrA"