الآية ٥٧ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٥٧ من سورة المؤمنون

إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ٥٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 49 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٧ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٧ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) أي : هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح ، مشفقون من الله خائفون منه ، وجلون من مكره بهم ، كما قال الحسن البصري : إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة ، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني تعالى ذكره: ( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) إن الذين هم من خشيتهم وخوفهم من عذاب الله مشفقون، فهم من خشيتهم من ذلك دائبون في طاعته جادّون في طلب مرضاته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون لما فرغ من ذكر الكفرة وتوعدهم عقب ذلك بذكر المؤمنين المسارعين في الخيرات ووعدهم ، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم .

و مشفقون خائفون وجلون مما خوفهم الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى الذين جمعوا بين الإساءة والأمن، الذين يزعمون أن عطاء الله إياهم في الدنيا دليل على خيرهم وفضلهم، ذكر الذين جمعوا بين الإحسان والخوف، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } أي: وجلون، مشفقة قلوبهم كل ذلك من خشية ربهم، خوفا أن يضع عليهم عدله، فلا يبقى لهم حسنة، وسوء ظن بأنفسهم، أن لا يكونوا قد قاموا بحق الله تعالى، وخوفا على إيمانهم من الزوال، ومعرفة منهم بربهم، وما يستحقه من الإجلال والإكرام، وخوفهم وإشفاقهم يوجب لهم الكف عما يوجب الأمر المخوف من الذنوب، والتقصير في الواجبات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) أي : خائفون ، والإشفاق : الخوف ، والمعنى أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه ، قال الحسن البصري : المؤمن من جمع إحسانا وخشية ، والمنافق من جمع إساءة وأمنا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين هم من خشية ربهم» خوفهم منه «مشفقون» خائفون من عذابه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنَّ الذين هم من خشية ربهم مشفقون وَجِلون مما خوَّفهم الله تعالى به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن صورت السورة الكريمة حالة أصحاب القلوب التى غمرها الجهل والعمى ، أتبعت ذلك بإعطاء صورة وضيئة مشرقة لأصحاب القلوب الوجلة المؤمنة ، المسارعة فى الخيرات فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين هُم .

.

.

) .قوله - سبحانه - ( إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ) بيان للصفة الأولى من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين .والإشفاق : هو الخوف من الله - تعالى - والخشية منه - سبحانه - مع شدة الرقة فى القلب وكثرة الخوف من عقابه .أى : أنهم من خشية عقابه - عز وجل - حذرون خائفون ، وهذا شأن المؤمنين الصادقين ، كما قال الحسن البصرى : إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة ، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذم من تقدم ذكره بقوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات ﴾ ثم قال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ بين بعده صفات من يسارع في الخيرات ويشعر بذلك وهي أربعة: الصفة الأولى: قوله: ﴿ إِنَّ الذين هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف، فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب، والمعنى الذين هم من عذاب ربهم مشفقون، وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على أثره وهو الدوام في الطاعة، والمعنى الذين هم من خشية ربهم دائمون في طاعته، جادون في طلب مرضاته.

والتحقيق أن من بلغ في الخشية إلى حد الإشفاق وهو كمال الخشية، كان في نهاية الخوف من سخط الله عاجلاً، ومن عقابة آجلاً، فكان في نهاية الاحتراز عن المعاصي.

الصفة الثانية: قوله: ﴿ والذين هُم بئايات رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ واعلم أن آيات الله تعالى هي المخلوقات الدالة على وجوده، والإيمان بها هو التصديق بها، والتصديق بها إن كان بوجودها فذلك معلوم بالضرورة، وصاحب هذا التصديق لا يستحق المدح، وإن كان بكونها آيات ودلائل على وجود الصانع فذلك مما لا يتوصل إليه إلا بالنظر والفكر، وصاحبه لابد وأن يصير عارفاً بوجود الصانع وصفاته، وإذا حصلت المعرفة بالقلب حصل الإقرار باللسان ظاهراً وذلك هو الإيمان.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ والذين هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ ﴾ وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله تعالى لأن ذلك داخل في قوله: ﴿ والذين هُم بئايات رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ بل المراد منه نفي الشرك الخفي، وهو أن يكون مخلصاً في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله تعالى وطلب رضوانه والله أعلم.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ معناه يعطون ما أعطوا فدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان ذلك من حق الله تعالى: كالزكاة والكفارة وغيرهما، أو من حقوق الآدميين: كالودائع والديون وأصناف الإنصاف والعدل، وبين أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه وقلوبهم وجلة، لأن من يقدم على العبادة وهو وجل من تقصيره وإخلاله بنقصان أو غيره، فإنه يكون لأجل ذلك الوجل مجتهداً في أن يوفيها حقها في الأداء.

وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ﴿ والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق وهو على ذلك يخاف الله تعالى؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يا ابنة الصديق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله تعالى».

واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي.

والصفة الثانية: دلت على ترك الرياء في الطاعات.

والصفة الثالثة: دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين رزقنا الله سبحانه الوصول إليها، فإن قيل: أفتقولون إن قوله: ﴿ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ يرجع إلى يؤتون، أو يرجع إلى كل ما تقدم من الخصال؟

قلنا بل الأولى أن يرجع إلى الكل لأن العطية ليست بذلك أولى من سائر الأعمال، إذ المراد أن يؤدي ذلك على وجل من تقصيره، فيكون مبالغاً في توفيته حقه، فأما إذا قرئ ﴿ والذين يَأْتُونَ مَا ءاتَواْ ﴾ فالقول فيه أظهر، إذ المراد بذلك أي شيء أتوه وفعلوه من تحرز عن معصية وإقدام على إيمان وعمل، فإنهم يقدمون عليه مع الوجل، ثم إنه سبحانه بين علة ذلك الوجل وهي علمهم بأنهم إلى ربهم راجعون، أي للمجازاة والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال، وأن هناك لا تنفع الندامة، فليس إلا الحكم القاطع من جهة مالك الملك.

ثم إنه سبحانه لما ذكر هذه الصفات للمؤمنين المخلصين قال بعده: ﴿ أُوْلَئِكَ يسارعون فِي الخيرات ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أن المراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها لئلا تفوت عن وقتها ولكيلا تفوتهم دون الاحترام.

والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا أنواع النفع ووجوه الإكرام، كما قال: ﴿ فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الأخرة  ﴾ .

﴿ وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين  ﴾ لأنهم إذا سورع لهم بها فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها، وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة، لأن فيه إثبات ما نفي عن الكفار للمؤمنين وقرئ يسرعون في الخيرات.

أما قوله: ﴿ وَهُمْ لَهَا سابقون ﴾ فالمعنى فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها أو وهم لها سابقون أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر.

والمعنى وهم لها كما يقال أنت لها وهي لك، ثم قال سابقون أي وهم سابقون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ ﴾ يعطون ما أعطوا، وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة: ﴿ يأتون ما أتوا ﴾ ، أي يفعلون ما فعلوا.

وعنها أنها قالت: «قلت: يا رسول الله، هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟

قال: لا يا ابنة الصدّيق، ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبلَ مِنْهُ» .

﴿ يسارعون فِي الخيرات ﴾ يحتمل معنيين، أحدهما: أن يراد يرغبون في الطاعات أشدّ الرغبة فيبادرونها.

والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا المنافع ووجوه الإكرام، كما قال: ﴿ فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الأخرة ﴾ [آل عمران: 148] ، ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ [العنكبوت: 27] لأنهم إذا سورع بها لهم، فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها، وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة، لأنّ فيه إثبات ما نفي عن الكفار للمؤمنين.

وقرئ: ﴿ يسرعون في الخيرات ﴾ ﴿ لَهَا سابقون ﴾ أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، أو إياها سابقون، أي: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا.

ويجوز أن يكون ﴿ لَهَا سابقون ﴾ خبراً بعد خبر.

ومعنى ﴿ وَهُمْ لَهَا ﴾ كمعنى قوله: أَنْتَ لَهَا أَحْمَدُ مِنْ بَيْنِ الْبَشَرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ ﴾ مِن خَوْفِ عَذابِهِ.

﴿ مُشْفِقُونَ ﴾ حَذِرُونَ.

﴿ والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ المَنصُوبَةِ والمُنَزَّلَةِ.

﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ بِتَصْدِيقِ مَدْلُولِها.

﴿ والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ﴾ شِرْكًا جَلِيًّا ولا خَفِيًّا.

﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ﴾ يُعْطُونَ ما أُعْطُوهُ مِنَ الصَّدَقاتِ، وقُرِئَ «يَأْتُونَ ما أتَوْا» أيْ يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوا مِنَ الطّاعاتِ.

﴿ وَقُلُوبُهم وجِلَةٌ ﴾ خائِفَةٌ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم وأنْ لا يَقَعَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ فَيُؤاخَذُ بِهِ.

﴿ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ﴾ لِأنَّ مَرْجِعَهم إلَيْهِ، أوْ مِن أنَّ مَرْجِعَهم إلَيْهِ وهو يَعْلَمُ ما يَخْفى عَلَيْهِمْ.

﴿ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها، أوْ يُسارِعُونَ في نَيْلِ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَوْعُودَةِ عَلى صالِحِ الأعْمالِ بِالمُبادَرَةِ إلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ فَيَكُونُ إثْباتًا لَهم ما نُفِيَ عَنْ أضْدادِهِمْ.

﴿ وَهم لَها سابِقُونَ ﴾ لِأجْلِها فاعِلُونَ السَّبْقَ أوْ سابِقُونَ النّاسَ إلى الطّاعَةِ أوِ الثَّوابِ أوِ الجَنَّةِ، أوْ سابِقُونَها أيْ يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هم لَها عامِلُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم بين ذكر أوليائه فقال {إِنَّ الذين هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ} أي خائفون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما مَرَّ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بَيْدَ أنَّ اسْتِمْرارَ الإشْفاقِ هُنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَرَدُّدًا ﴿ والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ المُنَزَّلَةُ والمَنصُوبَةُ في الآفاقِ والأنْفُسِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ، والمُرادُ التَّصْدِيقُ بِمَدْلُولِها إذْ لا مَدْحَ في التَّصْدِيقِ بِوُجُودِها، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ دُونَ الِاسْمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ كُلَّما وقَفُوا عَلى آيَةٍ آمَنُوا بِها وصَدَّقُوا بِمَدْلُولِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ، يعني: اتركهم في جهالتهم حَتَّى حِينٍ، يعني: إلى حين يأتيهم ما وعدوا به من العذاب.

ثم قال: أَيَحْسَبُونَ، يعني: أيظنون وهم أهل الفرق، أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ يعني: أن الذي نزيدهم به مِنْ مالٍ وَبَنِينَ في الدنيا.

نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، يعني: هو خير لهم في الآخرة؟

قرأ بعضهم يُسَارَعُ بالياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقراءة العامة نُسارِعُ بالنون وكسر الراء، يعني: يظنون أنا نسارع لهم.

في الخيرات، بزيادة المال والولد، بل هو استدراج لهم.

وروي في الخبر: «أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام: أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا، وهو أبعد له مني ويجزع عبدي المؤمن أن أقبض منه الدنيا، وهو أقرب له مني؟» ثم قال: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، وقد تم الكلام، يعني: أيظنون أن ذلك خيرا لهم في الدنيا؟

ثم قال: نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ أن ذلك فتنة لهم ويقال: أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ وقد تم الكلام، يعني: أيظنون أن ذلك خير لهم في الدنيا؟

ثم قال عز وجل: نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ يعني: نبادرهم في الطاعات وهو خير لهم، أي في الآخرة بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ أن ذلك مكر بهم وشر لهم في الآخرة.

ثم ذكر المؤمنين، فقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، يعني: خائفين من عذابه، ويقال: هذا عطف على قوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ثم قال: وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، يعني: بمحمد  والقرآن يصدقون.

قوله: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ، يعني: لا يشركون معه غيره، ولكنهم يوحدون ربهم، ويقال: بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ هو أن يقول: لولا فلان ما وجدت هذا.

ثم قال: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا، يعني: يعطون ما أعطوا من الصدقة والخير.

وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ، يعني: خائفة.

وروى سالم بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني: أن عائشة  ا سألت رسول الله  عن هذه الآية وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هم الذين يشربون الخمر، ويسرقون، ويزنون؟

قال: «لا يا بِنْتَ أبِي بَكْرٍ، ولكنهم هُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيُصَلُّونَ» .

وروي عن أبي بكر بن خلف أنه قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة  ا فقلنا: يا أمّ المؤمنين كيف تقرئين وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا، قالت: سمعت رسول الله  «لا يا بِنْتَ أبِي بَكْرٍ، هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، وَيَخَافُ أنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُ» .

وقال الزجاج: من قرأ يُؤْتُونَ ما آتَوْا، معناه: يعطون ما أعطوا، ويخافون أن لا يقبل منهم ومن قرأ يَأْتُونَ ما أتوا أي: يعملون من الخيرات ما يعملون، ويخافون مع اجتهادهم أنهم مقصرون.

ثم قال تعالى: أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، يعني: لأنهم إلى ربهم راجعون، ومعناه: يعملون ويوقنون أنهم يبعثون بعد الموت.

قوله عز وجل: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، يعني: يبادرون في الطاعات من الأعمال الصالحة، وَهُمْ لَها سابِقُونَ، يعني: هم لها عاملون، يعني: الخيرات، وقال الزجاج: فيه قولان: أحدهما: معناه هم إليها سابقون، كقوله عز وجل: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: 5] يعني: إليها، ويجوز هُمْ لَها سابِقُونَ أي: لأجلها، أي من أجل اكتسابها، كقولك: أنا أكرم فلاناً لك، أي من أجلك.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ وَهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يَأْتُونَ ما أتَوْا ) بِقَصْرِ هَمْزَةِ ( أتَوْا ) .

«وَسَألَتْ عائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أهَمُ الَّذِينَ يُذْنِبُونَ وهم مُشْفِقُونَ ؟

فَقالَ: " لا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ وهم مُشْفِقُونَ، ويَصُومُونَ وهم مُشْفِقُونَ، ويَتَصَدَّقُونَ وهم مُشْفِقُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنهم "» .

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى ﴿ يُؤْتُونَ ﴾ : يُعْطُونَ ما أعْطَوْا وهم يَخافُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنهم.

﴿ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِأنَّهم يُوقِنُونَ أنَّهم يَرْجِعُونَ.

ومَعْنى " يَأْتُونَ ": يَعْمَلُونَ الخَيْراتِ وقُلُوبُهم خائِفَةٌ أنْ يَكُونُوا مَعَ اجْتِهادِهِمْ مُقَصِّرِينَ.

﴿ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يُسْرِعُونَ ) بِرَفْعِ الياءِ وإسْكانِ السِّينِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أسْرَعْتُ وسارَعْتُ في مَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ سارَعْتُ أبْلَغُ مِن أسْرَعَتُ.

﴿ وَهم لَها ﴾ ؛ أيْ: مِن أجْلِها، وهَذا كَما تَقُولُ: أنا أُكْرِمُ فُلانًا لَكَ؛ أيْ: مِن أجْلِكَ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الوَجَلُ المَذْكُورُ هاهُنا واقِعٌ عَلى مُضْمَرٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ ﴾ لَمّا فَرَغَ ذِكْرُ الكَفَرَةِ وتَوَعُّدِهِمْ عَقَّبَ ذَلِكَ ذِكْرَ المُؤْمِنِينَ ووَعَدَهُمْ، وذَكَرَ ذَلِكَ بِأبْلَغِ صِفاتِهِمْ.

و"الإشْفاقُ" أبْلَغُ التَوَقُّعِ والخَوْفِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن خَشْيَةِ ﴾ لِبَيانِ جِنْسِ الإشْفاقِ، والإشْفاقُ إنَّما هو مِن عَذابِ اللهِ -تَعالى- و"مِن" في قَوْلِنا: "مِن عَذابِ اللهِ" هي لِابْتِداءِ غايَةٍ.

و"الآيَةُ" تَعُمُ القُرْآنَ وتَعُمُ العِبَرُ والمَصْنُوعاتُ الَّتِي لِلَّهِ تَعالى وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ نَظَرٌ واعْتِبارٌ.

وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ثُمْ ذَكَّرَهم -تَعالى- مِنَ الطَرَفِ الآخَرِ وهو نَفْيُ الإشْراكِ؛ لِأنَّ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا: ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِآياتِ رَبِّنا، ونُرِيدُ أنْ نُصَدِّقَ بِأنَّهُ المُخْتَرِعُ الخالِقُ، فَذَكَرَ تَعالى نَفْيَ الإشْراكِ الَّذِي لا حَظَّ لَهم فِيهِ بِسَبَبِ أصْنامِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَعْناهُ: يُعْطُونَ ما أعْطَوْا، وقالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ وسائِرَ الصَدَقَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- ومُجاهِدٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما ضَمَّهم إلى هَذا التَخْصِيصِ أنَّ العَطاءَ مُسْتَعْمَلٌ في المالِ عَلى الأغْلَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عامٌّ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ، وهَذا أحْسَنُ، كَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ يُعْطُونَ مِن أنْفُسِهِمْ في طاعَةِ اللهِ ما بَلَغَهُ جُهْدُهم.

وقَرَأتْ عائِشَةُ أُمُ المُؤْمِنِينَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "يَأْتُونَ ما أتَوْا"، ومَعْناهُ: يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ النَبِيِّ -  - وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ مَعْناهُ: مِنَ المَعاصِي، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ في جَمِيعِ الأعْمالِ طاعَتِها ومَعْصِيَتِها، وهَذا أمْدَحُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «عن عائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها- أنَّها قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ﴾ الَّذِي يَزْنِي ويَسْرِقُ؟

قالَ: لا يا بِنْتَ أبِي بَكْرٍ، بَلْ هي في الرَجُلِ يَصُومُ ويَتَصَدَّقُ وقَلْبُهُ وجِلٌ يَخافُ ألّا يُتَقَبَّلَ مِنهُ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ.

و"الوَجَلُ" نَحْوَ الإشْفاقِ والخَوْفِ، وصُورَةُ هَذا الوَجَلِ.

أمّا المُخْلِطُ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أبَدًا تَحْتَ خَوْفٍ مِن أنْ يَكُونَ يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِتَخْلِيطِهِ، وأمّا التَقِيُّ والتائِبُ فَخَوْفُهُ مِنَ الخاتِمَةِ وما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الخاتِمَةِ.

وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ البَرِّ ويَخافُونَ ألّا يُنْجِيَهم ذَلِكَ مِن عَذابِ رَبِّهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ حَسَنَةٌ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المُؤْمِنُ يَجْمَعُ إحْسانًا وشَفَقَةً، والمُنافِقُ يَجْمَعُ إساءَةً وأمْنًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، والتَقْدِيرُ: بِأنَّهم أو لِأنَّهم أو مِن أجْلِ أنَّهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَجِلَةٌ" عامِلَةٌ في "أنَّ" مِن حَيْثُ إنَّها بِمَعْنى: خائِفَةٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّهُمْ" بِالكَسْرِ عَلى إخْبارٍ مَقْطُوعٍ في ضِمْنِهِ تَخْوِيفٌ.

ثُمْ أخْبَرَ -تَعالى- عنهم أنَّهم يُبادِرُونَ إلى فِعْلِ الخَيِّراتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُسارِعُونَ"، وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "يُسْرِعُونَ" و"أنَّهم إلَيْها سابِقُونَ"، وهَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن أجْلِها سابِقُونَ، فالسابِقُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو إلى رِضْوانِ اللهِ، وعَلى الأوَّلِ هو إلى الخَيْراتِ، وقالَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما-: المَعْنى: سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِأنَّ اللامَ مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا الكلام مقابل ما تضمنته الغمرة من قوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ [المؤمنون: 54] من الإعراض عن عبادة الله وعن التصديق بآياته، ومن إشراكهم آلهة مع الله، ومن شحهم عن الضعفاء وإنفاق مالهم في اللذات، ومن تكذيبهم بالبعث.

كل ذلك مما شملته الغمرة فجيء في مقابلها بذكر أحوال المؤمنين ثناء عليهم، ألا ترى إلى قوله بعد هذا ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ [المؤمنون: 63].

فكانت هذه الجملة كالتفصيل لإجمال الغمرة مع إفادة المقابلة بأحوال المؤمنين.

واختير أن يكون التفصيل بذكر المقابل لحسن تلك الصفات وقبح أضدادها تنزيها للذكر عن تعداد رذائلهم، فحصل بهذا إيجاز بديع، وطباق من ألطف البديع، وصون للفصاحة من كراهة الوصف الشنيع.

وافتتاح الجملة ب ﴿ إن ﴾ للاهتمام بالخبر، والإتيان بالموصولات للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو أنهم يسارعون في الخيرات ويسابقون إليها وتكرير أسماء الموصولات للاهتمام بكل صلة من صلاتها فلا تذكر تبعاً بالعطف.

والمقصود الفريق الذين اتصفوا بصلة من هذه الصلات.

و(من) في قوله ﴿ من خشية ربهم ﴾ للتعليل.

والإشفاق: توقع المكروه وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وهم من خشيته مشفقون ﴾ في سورة الأنبياء (28).

وقد حذف المتوقع منه لظهور أنه هو الذي كان الإشفاق بسبب خشيته، أي يتوقعون غضبه وعقابه.

والمراد بالآيات الدلائل التي تضمنها القرآن ومنها إعجاز القرآن.

والمعنى: أنهم لخشية ربهم يخافون عقابه، فحذف متعلق ﴿ مشفقون ﴾ لدلالة السياق عليه.

وتقديم المجرورات الثلاثة على عواملها للرعاية على الفواصل مع الاهتمام بمضمونها.

ومعنى: ﴿ يؤتون ما آتوا ﴾ يُعطون الأموال صدقات وصلات ونفقات في سبيل الله.

قال تعالى: ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى ﴾ [البقرة: 177] الآية وقال: ﴿ وويل للمشركين الذين لا يُؤتُون الزكاة ﴾ [فصلت: 6، 7].

واستعمال الإيتاء في إعطاء المال شائع في القرآن متعين أنه المراد هنا.

وإنما عُبر ب ﴿ ما آتوا ﴾ دون الصدقات أو الأموال ليعم كل أصناف العطاء المطلوب شرعاً وليعم القليل والكثير، فلعل بعض المؤمنين ليس له من المال ما تجب فيه الزكاة وهو يعطي مما يكسب.

وجملة ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ في موضع الحال وحق الحال إذا جاءت بعد جمل متعاطفة أن تعود إلى جميع الجمل التي قبلها، أي يفعلون ما ذكر من الأعمال الصالحة بقلوبهم وجوارحهم وهم مضمرون وجَلاً وخوفاً من ربهم أن يرجعوا إليه فلا يجدونه راضياً عنهم، أو لا يجدون ما يجده غيرهم ممن يفوتهم في الصالحات، فهم لذلك يسارعون في الخيرات ويكثرون منها ما استطاعوا وكذلك كان شأن المسلمين الأولين.

وفي الحديث «أن أهل الصّفة قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم.

قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصّدّقون به، إن لكم بكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة».

وقال أبو مسعود الأنصاري: لما أمرنا بالصدقة كما نحامل فيصيب أحدنا المد فيتصدق به.

ومما يشير إلى معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ [الإنسان: 8 10] الآيات.

وخبر ﴿ إن ﴾ جملة ﴿ أولئك يسارعون في الخيرات ﴾ .

وافتتح باسم الإشارة لزيادة تمييزهم للسامعين لأن مثلهم أحرياء بأن يعرفوا.

وتقدم الكلام على معنى ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ آنفاً.

ومعنى ﴿ وهم لها سابقون ﴾ أنهم يتنافسون في الإكثار من أعمال الخير، فالسبق تمثيل للتنافس والتفاوت في الإكثار من الخيرات بحال السابق إلى الغاية، أو المعنى وهم محرزون لما حرصوا عليهم، فالسبق مجاز لإحراز المطلوب لأن الإحراز من لوازم السبق.

وعلى التقديرين فاللام بمعنى (إلى).

وقد قيل إن فعل السبق يتعدى باللام كما يتعدى ب (إلى).

وتقديم المجرور للاهتمام ولرعاية الفاصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الزَّكاءَ.

الثّانِي: أعْمالُ البِرِّ كُلُّها.

﴿ وَقُلُوبُهم وجِلَةٌ ﴾ أيْ خائِفَةٌ.

قالَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ: وجَلُ العارِفِ مِن طاعَتِهِ أكْثَرُ مِن وجَلِهِ مِن مُخالَفَتِهِ لِأنَّ المُخالَفَةَ تَمْحُوها التَّوْبَةُ، والطّاعَةَ تُطْلَبُ لِتَصْحِيحِ الغَرَضِ.

﴿ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَخافُونَ ألّا يَنْجُوا مِن عَذابِهِ إذا قَدِمُوا عَلَيْهِ.

الثّانِي: يَخافُونَ أنْ لا تُقْبَلَ أعْمالُهم إذا عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ.

رَوَتْهُ عائِشَةُ مَرْفُوعًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَسْتَكْثِرُونَ مِنها لِأنَّ المُسارِعَ مُسْتَكْثِرٌ.

الثّانِي: يُسابِقُونَ إلَيْها لِأنَّ المُسارِعَ سابِقٌ.

﴿ وَهم لَها سابِقُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وهم بِها سابِقُونَ إلى الجَنَّةِ.

الثّانِي: وهم إلى فِعْلِها سابِقُونَ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهم لِمَن تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ سابِقُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة ثم تلا ﴿ إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ﴾ إلى قوله: ﴿ إنهم إلى ربهم راجعون ﴾ وقال المنافق ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾ [ القصص: 71] .

وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة قالت: قلت: «يا رسول الله.

قول الله: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله؟

قال: لا ولكن الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، وهو مع ذلك يخاف الله أن لا يتقبل منه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ أهم الذين يخطئون ويعملون بالمعاصي؟

وفي لفظ: هو الذي يذنب وهو وجل منه؟

قال: لا، ولكن هم الذين يصلون، ويصومون، ويتصدقون، وقلوبهم وجلة» .

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قال: يعطون ما أعطوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ قال: يعطون ما أعطوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ قال: يعملون خائفين.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عمر في قوله: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قال: الزكاة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عائشة ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قالت: هم الذين يخشون الله ويطيعونه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قالت: هم الذين يخشون الله ويطيعونه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قال: يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ قال: مما يخافون بين أيديهم من الموقف وسوء الحساب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قال: يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ قال المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن وقتادة أنهما كانا يقرآن ﴿ يؤتون ما آتوا ﴾ قال: يعملون ما علموا من الخيرات، ويعطون ما أعطوا على خوف من الله عز وجل.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ قال: كانوا يعملون ما يعملون من أعمال البر، ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب الله.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي ملكية قال: قالت: عائشة رضي الله عنها: لأن تكون هذه الآية كما أقرأ أحب إليّ من حُمُرِ النِعَمْ.

فقال لها ابن عباس: ما هي؟

قالت: ﴿ الذين يؤتون ما أتوا ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ﴿ والذين يؤتون ما أتوا ﴾ مقصور من المجيء.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في تاريخه وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أشته وابن الأنباري معاً في المصاحف والدارقطني في الإِفراد والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبيد بن عمير أنه سأل عائشة «كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ﴿ والذين يؤتون ما أتوا، أو الذين يؤتون ما آتوا؟

﴾ فقالت: أيتهما أحب إليك؟

قلت: والذي نفسي بيده لأحداهما أحب إليّ من الدنيا جميعاً.

قالت: أيهما؟

قلت: ﴿ الذين يأتون ما أتوا ﴾ فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرأها، وكذلك أنزلت ولكن الهجاء حرف» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ﴾ قال: سبقت لهم السعادة من الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر المؤمنين فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ الخشية من الله خشيته (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال ابن عباس: يريد أشفقوا (٦) (٧) وقال الكلبي: خائفون من عذابنا (٨) وقال مقاتل: مشفقون من عذابه (٩) هذا قول المفسرين، وقد ذكروا ما يشفقون منه وهو العذاب، وحذف ذكره للإحاطة به والمعنى: والذين هم لما هم عليه من خشية الله مشفقون من عذابه (١٠) (١) في (أ): (خشية).

(٢) في (ظ)، (ع): (عقابه).

(٣) في (ع): (مشفوق)، وفي (ظ): (مشفقون).

(٤) في (ظ): (خائفون).

(٥) هذا القول في "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 332 "شفق" منسوبًا إلى الليث.

وانظر: "لسان العرب" 10/ 179 - 180 "شفق".

(٦) في (أ): (شفقوا).

(٧) (من): ساقطة من (أ)، (ع).

(٨) ذكره عنه الرازي 23/ 106، وأبو حيان 6/ 410.

(٩) "تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.

(١٠) في (ظ)، (ع): (عقابه).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَيَحْسَبُونَ ﴾ الآية: ردّ عليهم فيما ظنوا من أن أموالهم وأولادهم خير لهم وأنهم سبب لرضا الله عنهم ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ ﴾ هذا خبر أن، والضمير الرابط محذوف تقديره نسارع به ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ أي لا يشعرون أن ذلك استدراج لهم، ففيه معنى التهديد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تهجرون ﴾ بضم التاء وكسر الجيم: نافع.

الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ﴿ خرجاً فخرج ﴾ بغير الالف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف.

الباقون بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ سيقولون الله ﴾ الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون باللام فيهما كالأول حملا على المعنى لأن قولك "من رب هذا" "ولمن هذا" في معنى واحد.

الوقوف: ﴿ مشفقون ﴾ ه لا ﴿ يؤمنون ﴾ لا ﴿ يشركون ﴾ ه لا ﴿ راجعون ﴾ ه لا لأن الكل معطوفات على اسم "إن" والخبر ﴿ أولئك ﴾ الجملة ﴿ سابقون ﴾ ه لا ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ يجأرون ﴾ ه لا لحق القول ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ تنكصون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ مستكبرين ﴾ ه قد قيل: على جعل الجار والمجرور مفعول ﴿ سامراً ﴾ أو مفعول ﴿ تهجرون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه لصورة الاستفهام وهو العطف ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ط لأن الاستفهام إنكار ﴿ خير ﴾ ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه.

﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الناكبون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ه ﴿ لمبعوثون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تسحرون ﴾ ه ﴿ لكاذبون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما نفى الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ربهم وظاهره ينبئ عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على اثره وهو الدوام في الطاعة.

والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادّون في طلب مرضاته.

ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف اي هم من سخط الله عاجلاً ومن عقابه آجلاً في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي.

وفيه أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى.

الثانية قوله ﴿ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ﴾ والظاهر أنها القرآن.

وقيل: هي المخلوقات الدالة على وجود الصانع.

وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهراً.

الثالثة التبري عما سوى الله ظاهراً وباطناً بأن لايشرك به طرفة عين.

الرابعة قوله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ أي يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ خائفة في شأن ذلك الإعطاء.

ثم علل ذلك الوجل بقوله ﴿ أنهم ﴾ اي لأنهم ﴿ إلى ربهم راجعون ﴾ فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص.

والظاهر أن هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما روي "أن رسول الله  قرأ ﴿ ويأتون ما أتوا ﴾ أي يفعلون ما فعلوا.

وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟

قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه." وفي قوله ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها.

قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين.

وقال في قوله ﴿ وهم لها سابقون ﴾ إنه متروك المفعول أو منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها سابقون كقولك "هو لزيد ضارب" بمعنى "هو زيداً ضارب" جئت باللام لضعف عمل اسم الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث عجلت لهم في الدنيا.

وجوّز أن يكون ﴿ لها سابقون ﴾ خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك "هذا هو" لهذا الأمر أي صالح له.

وحين أنجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لهما الأوّل قوله ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً وإلا فليوم إيماء.

وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم.

الثاني قوله ﴿ ولدينا كتاب ينطق ﴾ والمراد ينطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل.

والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم.

أما قوله ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ ففيه طريقان: أحدهما رادع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون.

﴿ ولهم أعمال ﴾ متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى.

﴿ هم لها عاملون ﴾ في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا بها حكم الشقاء الأزلي.

وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه  قال بعد وصفهم ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء.

﴿ ولدينا كتاب ﴾ يحفظ أعمالهم.

﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ الذي وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود ﴿ ولهم أعمال ﴾ من ﴿ دون ذلك ﴾ الذي وصف ﴿ هم لها عاملون ﴾ وهي النوافل السرية والأعمال القلبية.

ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله  فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف" .

فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة واقدّ والأولاد.

والجؤار الصراخ باستغاثة.

ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت ﴿ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ﴾ لا تغاثون من جهتنا أو لا تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم.

ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ورائه وقد مر في "الأنعام".

وفي مرجع الضمير في ﴿ به ﴾ أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم.

والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.

وثانيها مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.

وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكباراً وعتوّاً.

ورابعها أنه يتعلق بـ ﴿ ـسامراً ﴾ أو بـ ﴿ ـتهجرون ﴾ والهجر بالضم الفحش وبالفتح الهذيان،و أهجر في منطقه إذا أفحش.

والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله  والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.

ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور اربعة: الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به.

الثاني قوله ﴿ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الولين ﴾ والمراد أمر الرسالة.

ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم  ﴾ فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.

وقيل: إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟

عن النبي  "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا اسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً" الثالث قوله ﴿ أم لم يعرفوا ﴾ نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟

الرابع نسبتهم إياه إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلاً ولكنه جاء بما يخالف هواهم فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم.

ثم أضرب عن أقوالهم منبهاً على مصدوقية أمر النبي فقال ﴿ بل جاءهم ﴾ متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو الباء للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ واقلهم كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفاً من قالة الأعداء كما يحكى عن ابي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه.

ثم بين أن الإلهية تقتضي الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله العالمين وقدّره فقال ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو انقلب الإسلام شركاً كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ولم يؤخر.

وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمراً بالشرك والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلهاً ولكان شيطاناً فلا يقدر على إمساك السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم.

ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت للمصاحبة فعلى حذف مضاف اي أتاهم رسولنا متلبساً بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين  ﴾ ثم بيّن أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال ﴿ أم تسألهم خرجاً ﴾ أي جعلاً وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف.

وقيل: الخرج أقل ولذا قرأ الأكثرون ﴿ خرجاً فخراج ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.

وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ومكنون سره فقال ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ هو دين الإسلام لا تدعوهم إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالآخرة عن ﴿ الصراط ﴾ المستقيم المذكور ﴿ لناكبون ﴾ والتركيب يدور على العدول عن القصد ومنه المنكب لمجمع عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم.

ثم بين إصرارهم على الكفر بقوله ﴿ ولو رحمناهم ﴾ الآية.

"يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنه الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله  فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟

فقال: بلى.

فقال الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر" فأنزل الله الآية.

والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه من الطغيان.

ثم استشهد على ذلك بقوله ﴿ ولقد أخذناهم ﴾ اي قبل ذلك ﴿ بالعذاب ﴾ يعني ما جرى عليهم يوم بدر ﴿ فما استكانوا لربهم ﴾ أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في "آل عمران" ﴿ وما يتضرعون ﴾ عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم واشدهم شكيمة وأخشنهم عريكة يستعطفك.

ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد منهم انقياد للحق وهم كذلك إذ عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس السكوت مع تحير أو الياس من كل خير.

ثم نبه بقوله ﴿ وهو الذي أنشأ لكم ﴾ على أن اسباب التأمل في الدلائل موجودة، وابواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي.

وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أي تشكرون شكراً قليلاً "وما" مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد.

وعن أبي مسلم أنه قال: اراد بالقلة العدم.

وفي الآية ثلاثة معان: أحدها إظهار النعمة.

وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين لشهوده بالله.

وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل.

ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال ﴿ وهو الذي ذرأكم ﴾ اي خلقكم وبثكم في الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه تحشرون بعد تفرقكم ﴿ وهو الذي يحيي ويميت ﴾ وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ﴿ وله اختلاف الليل والنهار ﴾ أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت والحياة.

وفي قوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ وتهديد.

ثم نبه بقوله ﴿ بل قالوا ﴾ الآيات على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد.

قال علماء المعاني: قوله ﴿ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ﴾ واراد على الأصل لأن التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني.

وأما في سورة النمل فسبب تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر هناك على قوله ﴿ تراباً ﴾ والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار.

ثم رد على منكري الإعادة أو على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كان عندكم علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوّز أن يشتبه عليهم مثل هذا المكشوف الجلي.

وفي قوله ﴿ افلا تذكرون ﴾ ترغيب في التدبر وبعث على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها كان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادراً على إعادة ما أفناه، وفي قوله ﴿ أفلا تتقون ﴾ مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء مخالفته، قال جار الله: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث احد منه أحداً ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ بهذه الصفة غيره فأجيبوني به.

ومعنى ﴿ تسحرون ﴾ تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى.

ثم بين بقوله ﴿ بل أتيناهم بالحق ﴾ أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما هو الحق والصدق ﴿ وإنهم ﴾ مع ذلك ﴿ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون إليه العجز عن الإعادة.

التأويل: ﴿ من خشية ربهم مشفقون ﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿ بآيات ربهم يؤمنون ﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿ بربهم لا يشركون ﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿ وهم لها سابقون ﴾ على قدر سبق العناية ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف.

﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة.

﴿ ولقد أخذناهم ﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم ﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿ وله اختلاف ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿ قالوا أئذا متنا ﴾ فيه أن الياس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿ وهو يجير ﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ .

جائز أن يكون هذا موصولا بقوله: ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ ؛ على التقديم والتأخير؛ فكأنه قال: إنما نسارع في الخيرات للذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى آخر ما ذكر لأولئك الكفرة، جائز أن يكون على الابتداء وصف الذين آمنوا ونعتهم، فقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ ، أي: من عذاب ربهم خائفون.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

الإيمان بالآيات يكون إيماناً بالله حقيقة؛ لأن الآيات هنّ الأعلام التي تدل على وحدانية الله وربوبيته، والإيمان هو التصديق، فإذا صدّق آياته، وهن أعلام وأخبار تخبر عن وحدانية الله؛ فإذا صدقها صدق الله وآمن به؛ لذلك قلنا: الإيمان بآياته يكون إيماناً بالله.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ ﴾ .

أي: لا يشركون غيره في عبادتهم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ ﴾ .

وفي بعض القراءات: (والذين يأتون ما أتوا)، مقصورة، وهي قراءة عائشة.

فمن قرأ: (والذين يأتون ما أتوا) تأويله، أي: الذين يعملون من عمل وجلت له قلوبهم، أي: يتقبل منهم أم لا؟

ومن قرأ: ﴿ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ ﴾ فهو من الإعطاء والإنفاق؛ يقول: والذين يعطون وينفقون ما أنفقوا، وقلوبهم وجلة: أن ذلك يقبل منهم أم لا؟

وفيه دلالة أن المطيع فيما يطيع ربّه يكون على خوف منه كالمسيء في إساءته، وكذلك روي عن عائشة "أنها سألت رسول الله  عن هذه الآية، قالت: أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون، ويزنون؟

فقال: لا؛ ولكنهم الذين يصومون، ويصلّون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ " وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ لا على ذلك؛ ولكن على ما يذكر، أي: قلوبهم وجلة أنهم يرجعون إلى ربهم: على السعادة أم على الشقاوة؟

والله أعلم.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ .

أخبر أن الذين نعتهم ووصفهم هم الذين يسارعون في الخيرات، لا أولئك الكفرة الذين تقدم ذكرهم، ﴿ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ : يحتمل، أي: سبقوا أولئك الكفرة بها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .

جائز أن يكون ذكر هذا وقاله؛ لما عمل أولئك من الأعمال التي لا تسع ولا تحل، وقالوا: الله أمرهم بذلك بقولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ؛ فقال: ﴿ وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، أي: إلا ما يسعها، أي: إلا ما يسعها ويحل؛ كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ ؛ ردا لقولهم، وتكذيباً.

ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يقول: لا نكلف نفساً من الأعمال إلا وسعها، أي: طاقتها، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أي: لا نكلف أحداً من الأعمال ما يتلف طاقة وسعة فيه: لا يكلف الغني من الإعطاء ما يتلف به غناه، وكذلك لا يكلف كل حي من العمل ما يتلف به طاقته وحياته؛ ولكنه إنما أمره وكلفه بأمور يحتمل طاقتهم ذلك العمل والأمر؛ فإن كان كذلك؛ فدل ذلك أنه لم يرد به طاقة العمل وقدرته؛ ولكن طاقة الأحوال التي يجوز تقدمها عن الأحوال.

والثاني: ذكر هذا؛ لئلا يقولوا: إنا لم نطق ما كلفنا؛ لأنهم تركوا الأعمال التي أمروا بها، وكلفوا بأعمال مثل التي تركوها، وهي المعاصي التي عملوها، فما أمروا من الأعمال ليس يفوق التي عملوها؛ ولكن مثلها؛ فلا يكون لهم في ذلك احتجاج.

وقوله: ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قال قائلون: هو الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم وأفعالهم من الخيرات والسيئات، وذلك كله محفوظ محصى عليهم؛ كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  ﴾ ؛ فإن كان هذا فيكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالتصديق.

وقال قائلون: هو الكتاب الذي أنزل إلينا، وهو هذا القرآن؛ ينطق عليكم بالحق، أي: بالحق الذي لله علينا، وبالحق الذي يكون لبعض على بعض، وهو كقوله: ﴿ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ ، وهو ما ذكرنا من الحق الذي له علينا، ومن الحق الذي لبعضنا على بعض.

وجائز أن يكون هو اللوح المحفوظ؛ فإن كان هذا، ففيه أن الله لم يزل عالماً بما كان ويكون في الأوقات التي يكون أبد الآبدين.

﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .

فإن كان على الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم فيكون قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ ، أي: لا ينقص من أعمالهم التي عملوا من الخيرات، ولا يُزاد فيه على سيئاتهم، بل يحفظ ما عملوا.

أو أن يكون ﴿ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ ، أي: لا يزاد على الجزاء على قدر أعمالهم، ولا ينقص من قدرها؛ بل يجزون على قدر أعمالهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين هم مع إيمانهم وإحسانهم وجِلون من ربهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.Lng0A"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر