الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٦٢ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 57 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٢ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا : أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، أي : إلا ما تطيق حمله والقيام به ، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء; ولهذا قال : ( ولدينا كتاب ينطق بالحق ) يعني : كتاب الأعمال ، ( وهم لا يظلمون ) أي : لا يبخسون من الخير شيئا ، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين .
يقول تعالى ذكره: ولا نكلف نفسا إلا ما يسعَها ويصلح لها من العبادة; ولذلك كلَّفناها ما كلفناها من معرفة وحدانية الله، وشرعنا لها ما شرعنا من الشرائع.
( وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ) يقول: وعندنا كتاب أعمال الخلق بما عملوا من خير وشرّ، ينطق بالحقّ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) يقول: يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا، لا زيادة عليه ولا نقصان، ونحن موفو جميعهم أجورهم، المحسن منهم بإحسانه والمسيء بإساءته ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) يقول: وهم لا يظلمون، بأن يزاد على سيئات المسيء منهم ما لم يعمله فيعاقب على غير جُرْمه، وينقص المحسن عما عمل من إحسانه فينقص عَمَّا له من الثواب.
قوله تعالى : ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون قوله تعالى : ولا نكلف نفسا إلا وسعها قد مضى في ( البقرة ) وأنه ناسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف ما لا يطاق .
ولدينا كتاب ينطق بالحق أظهر ما قيل فيه : أنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة ؛ وأضافه إلى نفسه لأن الملائكة كتبت فيه أعمال [ ص: 125 ] العباد بأمره ، فهو ينطق بالحق .
وفي هذا تهديد وتأييس من الحيف والظلم .
ولفظ النطق يجوز في الكتاب ؛ والمراد أن النبيين تنطق بما فيه .
والله أعلم .
وقيل : عنى اللوح المحفوظ ، وقد أثبت فيه كل شيء ، فهم لا يجاوزون ذلك .
وقيل : الإشارة بقوله : ولدينا كتاب القرآن ، فالله أعلم ، وكل محتمل والأول أظهر .
ولما ذكر مسارعتهم إلى الخيرات وسبقهم إليها، ربما وهم واهم أن المطلوب منهم ومن غيرهم أمر غير مقدور أو متعسر، أخبر تعالى أنه لا يكلف { نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } أي: بقدر ما تسعه، ويفضل من قوتها عنه، ليس مما يستوعب قوتها، رحمة منه وحكمة، لتيسير طريق الوصول إليه، ولتعمر جادة السالكين في كل وقت إليه.
{ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ } وهو الكتاب الأول، الذي فيه كل شيء، وهو يطابق كل واقع يكون، فلذلك كان حقا، { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } أي لا ينقص من إحسانهم، ولا يزداد في عقوبتهم وعصيانهم.
قوله : ( ولا نكلف نفسا إلا وسعها ) أي : طاقتها ، فمن لم يستطع القيام فليصل قاعدا ، ومن لم يستطع الصوم فليفطر ، ( ولدينا كتاب ينطق بالحق ) وهو اللوح المحفوظ ، " ينطق بالحق " يبين بالصدق ، ومعنى الآية : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إلا ما أطاقت من العمل ، وقد أثبتنا عمله في اللوح المحفوظ ، فهو ينطق به ويبينه .
وقيل : هو كتب أعمال العباد التي تكتبها الحفظة ، ( وهم لا يظلمون ) ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم .
ثم ذكر الكفار ، فقال :
«ولا نكلف نفسا إلا وسعها» طاقتها فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصل جالسا، ومن لم يستطع أن يصوم فليأكل «ولدينا» عندنا «كتاب ينطق بالحق» بما عملته وهو واللوح المحفوظ تسطر فيه الأعمال «وهم» أي النفوس العاملة «لا يظلمون» شيئا منها فلا ينقص من ثواب أعمال الخيرات ولا يزاد في السيئات.
ولا نكلف عبدًا من عبادنا إلا بما يسعه العمل به، وأعمالهم مسطورة عندنا في كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة ينطق بالحق عليهم، ولا يُظْلم أحد منهم.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة المشتملة على صفات المؤمنين الصادقين ، ببيان أن هذه الصفات الجليلة لم تكلف أصحابها فوق طاقتهم ، لأن الإيمان الحق إذا خالطت بشاشته القلوب يجعلها لا تحس بالمشقة عند فعل الطاعات ، وإنما يجعلها تحس بالرضا والسعادة والإقدام على فعل الخير بدون تردد ، فقال - تعالى - ( وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا .
.
.
) .أى : وقد جرت سنتنا فيما شرعناه لعبادنا من تشريعات ، أننا لا نكلف نفساً من النفوس إلا فى حدود طاقتها وقدرتها .
كما قال - تعالى - : ( لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى - : ( وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق .
.
) كتبا الأعمال الذى يحصيها الله - تعالى - فيه ويشهد لذلك قوله - سبحانه - : ( هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) وقوله - تعالى - ( وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ .
.
.
) والمراد بنطق الكتاب بالحق : أن كل ما فيه حق وصدق .
أى : ولدينا صحائف أعمالكم ، التى سجلها عليكم الكرام الكاتبون ، وفيها جميع أقوالكم وأفعالكم فى الدنيا ، بدون زيادة أو نقصان ، بل هى مشتملة على كل حق وصدق فقد اقتضت حكمتنا وعدالتنا أننا لا نظلم أحداً وإنما نعطى كل إنسان ما يستحقه من خير ، ونعفو عن كثير من الهفوات .وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد مدحت المؤمنين الصادقين ، ووصفتهم بما هم أهله من صفات كريمة .
اعلم أنه سبحانه لما ذكر كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العباد فالأول: قوله: ﴿ وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما: أنه الطاقة عن المفضل والثاني: أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي واحتجوا عليه بأن الوسع إنما سمي وسعاً لأنه يتسع عليه فعله ولا يصعب ولا يضيق، فبين أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا.
قال مقاتل من لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع جالساً فليوم إيماء لأنا لا نكلف نفساً إلا وسعها، واستدلت المعتزلة به في نفي تكليف ما لا يطاق وقد تقدم القول فيه الثاني: قوله: ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ ونظيره قوله: ﴿ هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ .
واعلم أنه تعالى شبه الكتاب بمن يصدر عنه البيان فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان محقاً، فإن قيل هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب إما أن يكونوا محيلين الكذب على الله تعالى أو مجوزين ذلك عليه، فإن أحالوه عليه فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه عليه لم يثقوا بذلك الكتاب لتجويزهم أنه سبحانه كتب فيه خلاف ما حصل.
فعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب؟
قلنا يفعل الله ما يشاء وعلى أنه لا يبعد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة.
وأما قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ فنظيره قوله: ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ فقالت المعتزلة الظلم إما أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب أو بأن يعذب على ما لم يعلم أو بأن يكلفهم ما لا يطيقون فتكون الآية دالة على كون العبد موجداً لفعله وإلا لكان تعذيبه عليه ظلماً ودالة على أنه سبحانه لا يكلف ما لا يطاق الجواب: أنه لما كلف أبا لهب أن يؤمن، والإيمان يقتضي تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ومما أخبر عنه أن أبا لهب لا يؤمن فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فيلزمكم كل ما ذكرتموه.
وأما قوله تعالى: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مّنْ هذا ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أنه راجع إلى الكفار وهم الذين يليق بهم قوله: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مّنْ هذا ﴾ ولا يليق ذلك بالمؤمنين إذ المراد في غمرة من هذا الذي بيناه في القرآن أو من هذا الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين ولهم أي لهؤلاء الكفار أعمال من دون ذلك أي أعمال سوى ذلك أي سوى جهلهم وكفرهم ثم قال بعضهم أراد أعمالهم في الحال، وقال بعضهم بل أراد المستقبل وهذا أقرب لأن قوله: ﴿ هُمْ لَهَا عاملون ﴾ إلى الاستقبال أقرب وإنما قال: ﴿ هُمْ لَهَا عاملون ﴾ لأنها مثبتة في علم الله تعالى وفي حكم الله وفي اللوح المحفوظ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الله من الشقاوة القول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه سبحانه قال بعد وصفهم: ﴿ وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ ﴾ يحفظ أعمالهم ﴿ يَنطِقُ بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ بل نوفر عليهم ثواب كل أعمالهم ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مّنْ هذا ﴾ هو أيضاً وصف لهم بالحيرة كأنه قال وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في جعل أعمالهم مقبولة أو مردودة ولهم أعمال من دون ذلك أي لهم أيضاً من النوافل ووجوه البر سوى ما هم عليه إما أعمالاً قد عملوها في الماضي أو سيعملونها في المستقبل، ثم إنه سبحانه رجع بقوله: ﴿ حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب ﴾ إلى وصف الكفار.
واعلم أن قول أبي مسلم أولى لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به من ذكر المشفقين كان أولى من رده إلى ما بعد منه خصوصاً، وقد يرغب المرء في فعل الخير بأن يذكر أن أعماله محفوظة كما قد يحذر بذلك من الشر، وقد يوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في قبول عمله أورده وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر.
فإن قيل فما المراد بقوله من هذا، وهو إشارة إلى ماذا؟
قلنا هو إشارة إلى إشفاقهم ووجلهم مع أنهما مستوليان على قلوبهم.
أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب ﴾ فقال صاحب الكشاف حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام والكلام الجملة الشرطية.
واعلم أنه لا شبهة (في) أن الضمير في مترفيهم راجع إلى من تقدم ذكره من الكفار لأن العذاب لا يليق إلا بهم وفي هذا العذاب وجهان: أحدهما: أراد بالعذاب ما نزل بهم يوم بدر والثاني: أنه عذاب الآخرة ثم بين سبحانه أن المنعمين منهم إذا نزل بهم العذاب يجأرون أي يرتفع صوتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة ما هم عليه ويقال لهم على وجه التبكيت ﴿ لاَ تَجْئَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مّنَّا لاَ تُنصَرُونَ ﴾ فلا يدفع عنكم ما يريد إنزاله بكم، دل بذلك سبحانه على أنهم سينتهون يوم القيامة إلى هذه الدرجة من الحسرة والندامة وهو كالباعث لهم في الدنيا على ترك الكفر والإقدام على الإيمان والطاعة فإنهم الآن ينتفعون بذلك.
<div class="verse-tafsir"
يعني أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من حدّ الوسع والطاقة، وكذلك كل ما كلفه عباده وما عملوه من الأعمال فغير ضائع عنده، بل هو مثبت لديه في كتاب، يريد اللوح، أو صحيفة الأعمال ناطق بالحق لا يقرؤون منه يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل، لا زيادة فيه ولا نقصان ولا يظلم منهم أحد.
أو أراد أن الله لا يكلف إلا الوسع، فإن لم يبلغ المكلف أن يكون على صفة هؤلاء السابقين بعد أن يستفرغ وسعه ويبذل طاقته فلا عليه، ولدينا كتاب فيه عمل السابق والمقتصد، ولا نظلم أحداً ولا نحطه دون درجته، بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة لها ﴿ مِنْ هذا ﴾ أي مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين ﴿ وَلَهُمْ أعمال ﴾ متجاوزة متخطية لذلك، أي: لما وصف به المؤمنون ﴿ هُمْ لَهَا عاملون ﴾ معتادون وبها ضارون، لا يفطمون عنها حتى يأخذهم الله بالعذاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ قَدْرَ طاقَتِها يُرِيدُ بِهِ التَّحْرِيضَ عَلى ما وصَفَ بِهِ الصّالِحِينَ وتَسْهِيلَهُ عَلى النُّفُوسِ.
﴿ وَلَدَيْنا كِتابٌ ﴾ يُرِيدُ بِهِ اللَّوْحَ أوْ صَحِيفَةَ الأعْمالِ.
﴿ يَنْطِقُ بِالحَقِّ ﴾ بِالصِّدْقِ لا يُوجَدُ فِيهِ ما يُخالِفُ الواقِعَ.
﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ بِزِيادَةِ عِقابٍ أوْ نُقْصانِ ثَوابٍ.
﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ ﴾ قُلُوبُ الكَفَرَةِ.
﴿ فِي غَمْرَةٍ ﴾ في غَفْلَةٍ غامِرَةٍ لَها.
﴿ مِن هَذا ﴾ مِنَ الَّذِي وُصِفَ بِهِ هَؤُلاءِ أوْ مِن كِتابِ الحَفَظَةِ.
﴿ وَلَهم أعْمالٌ ﴾ خَبِيثَةٌ ﴿ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ مُتَجاوِزَةٌ لِما وُصِفُوا بِهِ أوْ مُتَخَطِّيَةٌ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ.
﴿ هم لَها عامِلُونَ ﴾ مُعْتادُونَ فِعْلَها.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي طاقتها يعني أن الذي وصف به الصالحون غير خارج عن حد الوسع والطاقة وكذلك كل ما كلفه عباده وهو رد على من جوز تكليف ما لا يطاق {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ} أي اللوح أو صحيفة الأعمال {يَنطِقُ بالحق وهم لا يظلمون} لا يقرءون منه يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل لا زيادة فيه ولا نقصان ولا يظلم منهم أحد بزيارة عقاب أو نقصان ثواب أو بتكليف مالا وسع له به
﴿ ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِلتَّحْرِيضِ عَلى ما وصَفَ بِهِ أُولَئِكَ المُشارُ إلَيْهِمْ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ بِبَيانِ سُهُولَتِهِ وكَوْنِهِ غَيْرَ خارِجٍ عَنْ حَدِّ الوُسْعِ والطّاعَةِ أيْ عادَتِنا جارِيَةٌ عَلى أنْ لا نُكَلِّفَ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما في وُسْعِها وقَدْرِ طاقَتِها عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ بِمَعُونَةِ المَقامِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ أوْ لِلتَّرْخِيصِ فِيما هو قاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ أعْمالِ أُولَئِكَ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ عِبادَهُ إلّا ما في وُسْعِهِمْ فَإنْ لَمْ يَبْلُغُوا في فِعْلِ الطّاعاتِ مَراتِبَ السّابِقِينَ فَلا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يَبْذُلُوا طاقَتَهم ويَسْتَفْرِغُوا وُسْعَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: مَن لَمْ يَسْتَطِعِ القِيامَ فَلْيُصَلِّ قاعِدًا ومَن لَمْ يَسْتَطِعِ القُعُودَ فَلِيَوْمِ إيماءً.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ ﴾ تَتِمَّةٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أحْوالِ ما كَلَّفُوهُ مِنَ الأعْمالِ وأحْكامِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ الَّتِي يَقْرَؤُونَها عِنْدَ الحِسابِ حَسْبَما يُؤْذَنُ بِهِ الوَصْفُ بِهو كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ( والحَقُّ ) المُطابِقُ لِلْواقِعِ والنُّطْقُ بِهِ مُجازٍ عَنْ إظْهارِهِ أيْ عِنْدِنا كِتابٌ يُظْهِرُ الحَقَّ المُطابِقَ لِلْواقِعِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ذاتًا ووَصْفًا ويُبَيِّنُهُ لِلنّاظِرِ كَما يُبَيِّنُهُ النُّطْقُ ويَظْهَرُهُ لِلسّامِعِ فَيَظْهَرُ هُناكَ جَلائِلُ الأعْمالِ ودَقائِقُها ويَتَرَتَّبُ عَلَيْها أجَزَيْتُها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ يَقْرَؤُونَها فِيها ما ثَبَتَ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنَ الجَزاءِ وهو دُونُ القَوْلِ الأوَّلِ، وأُدَوِّنُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ الكَرِيمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ لِبَيانِ فَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدْلِهِ في الجَزاءِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ إثْرَ بَيانِ لُطْفِهِ سُبْحانَهُ في التَّكْلِيفِ وكَتْبِ الأعْمالِ عَلى ما هي عَلَيْهِ أيْ لا يُظْلَمُونَ في الجَزاءِ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عَذابٍ بَلْ يُجْزَوْنَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمُ الَّتِي كَلَّفُوها ونَطَقَتْ بِها صَحائِفُها بِالحَقِّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِما قَبِلَ مِنَ التَّكْلِيفِ وكَتْبِ الأعْمالِ أيْ لا يَظْلِمُونَ بِتَكْلِيفِ ما لَيْسَ في وُسْعِهِمْ ولا بِكَتْبِ بَعْضِ أعْمالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُ غَيْرِ السّابِقِينَ بِناءً عَلى قُصُورِها عَنْ دَرَجَةِ أعْمالِ السّابِقِينَ بَلْ يَكْتُبُ كُلٌّ مِنها عَلى مَقادِيرِها وطَبَقاتِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، يعني: بقدر طاقتها.
وَلَدَيْنا كِتابٌ، يعني: وعندنا نسخة أعمالهم التي يعملون، وهي التي تكتب الحفظة عليهم يَنْطِقُ بِالْحَقِّ، يعني: يشهد عليهم بالصدق.
وقال الكلبي: وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، أي طاقتها، فمن لم يستطع أن يصلي قائما، فليصلّ قاعدا.
وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وهو الذكر، يعني: اللوح المحفوظ.
وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ، يعني: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم.
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا، يعني: في غفلة من الإيمان بهذا القرآن ويقال: هم في غفلة من هذا الذي وصفنا من كتابة الأعمال.
وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ قال مقاتل: يقول: لهم أعمال خبيثة دون الشرك هُمْ لَها عامِلُونَ، أي لتلك الأعمال لا محالة التي في اللوح المحفوظ.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: ذكر الله تعالى: الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ.
ثم قال للكفار: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا ثم رجع إلى المؤمنين، فقال: وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ الأعمال التي عددت هم لها عاملون.
ثم قال عز وجل: حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ، يعني: أغنياءهم وجبابرتهم بالعذاب.
قال مجاهد: يعني: بالسيوف يوم بدر، وقال الكلبي: بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف.
إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ، أي يصيحون ويتضرعون إلى الله تعالى، حين نزل بهم العذاب.
ويقال: يدعون ويستغيثون.
يقول الله تعالى: لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ، يعني: لا تضجوا ولا تتضرعوا اليوم.
إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ، يعني: من عذابنا لا تمنعون.
قوله عز وجل: قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، أي تقرأ وتعرض عليكم، فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ، أي ترجعون إلى الشرك وتميلون إليه.
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ، أي متعظمين، ويقال تَنْكِصُونَ أي تقيمون عليه مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ يعني: بالبيت، صار هذا كناية من غير أن يسبق ذكر البيت، لأن ذلك البيت كان معروفاً عندهم.
وقال مجاهد: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي بمكة بالبلد.
سامِراً بالليل لجلسائهم تَهْجُرُونَ بالقول الذي في القرآن.
ويقال: تَهْجُرُونَ يعني: تتكلمون بالفحش وسب النبيّ ، وهذا كما قال : «زُورُوها- يعني: المقابر- ولا تَقُولُوا هُجْراً» يعني: فحشاً.
وقال القتبي: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ، يعني: بالبيت العتيق تهجرون به، ويقولون: نحن أهله سامراً.
والسمر: حديث الليل.
وقال أهل اللغة: السمر في اللغة ظل القمر، ولهذا سمي حديث الليل سمراً، لأنهم كانوا يجتمعون في ظل القمر ويتحدثون.
قرأ نافع سامِراً تَهْجُرُونَ بضم التاء وكسر الجيم، وقرأ الباقون بنصب التاء وضم الجيم.
وقال أبو عبيد: هذه القراءة أحب إلينا، فيكون من الصدود والهجران، كقوله: فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ [المؤمنون: 66] ، يعني: تهجرون القرآن ولا تؤمنون به.
ومن قرأ: تَهْجُرُونَ أراد الإفحاش في المنطق، وقد فسرها بعضهم على الشرك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَدَيْنا كِتابٌ ﴾ يَعْنِي: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.
﴿ يَنْطِقُ بِالحَقِّ ﴾ قَدْ أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ فَهو يَنْطِقُ بِما يَعْمَلُونَ، ﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ.
ثُمَّ عادَ إلى الكُفّارِ فَقالَ: ﴿ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في غَفْلَةٍ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في عَمًى عَنْ هَذا القُرْآنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما وُصِفَ مِن أعْمالِ البِرِّ في قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ ، فَيَكُونَ المَعْنى: بَلْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ في عَمايَةٍ مِن هَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الكِتابِ، فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِنَ الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ وأعْمالُهم مُحْصاةٌ فِيهِ.
فَخَرَجَ في المُشارِ إلَيْهِ بِـ " هَذا " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القُرْآنُ.
والثّانِي: أعْمالُ البِرِّ.
والثّالِثُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْمالٌ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: خَطايا سَيِّئَةٌ مِن دُونِ ذَلِكَ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن دُونِ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ التَّقْوى والخَشْيَةِ.
والثّالِثُ: أعْمالٌ غَيْرُ الأعْمالِ الَّتِي ذُكِرُوا بِها سَيَعْمَلُونَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أعْمالٌ - مِن قَبْلِ الحِينِ الَّذِي قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهم عِنْدَ مَجِيئِهِ - مِنَ المَعاصِي، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم لَها عامِلُونَ ﴾ إخْبارٌ بِما سَيَعْمَلُونَهُ مِن أعْمالِهِمَ الخَبِيثَةِ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ لا بُدَّ لَهم مِن عَمَلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ ﴾ ؛ أيْ: أغْنِياءَهم ورُؤَساءَهم، والإشارَةُ إلى قُرَيْشٍ.
وفي المُرادِ ﴿ بِالعَذابِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَرْبُ السُّيُوفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: الجُوعُ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ سَبْعَ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
و ﴿ يَجْأرُونَ ﴾ بِمَعْنى: يَصِيحُونَ.
﴿ لا تَجْأرُوا اليَوْمَ ﴾ ؛ أيْ: لا تَسْتَغِيثُوا مِنَ العَذابِ، ﴿ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا.
﴿ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ ﴾ ؛ أيْ: تَرْجِعُونَ وتَتَأخَّرُونَ عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِهِ ﴾ الكِنايَةُ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، والمَعْنى: إنَّكم تَسْتَكْبِرُونَ وتَفْتَخِرُونَ بِالبَيْتِ والحَرَمِ؛ لِأمْنِكم فِيهِ مَعَ خَوْفِ سائِرِ النّاسِ في مَواطِنِهِمْ.
تَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ فَلا نَخافُ أحَدًا، ونَحْنُ أهْلُ بَيْتِ اللَّهِ ووُلاتُهُ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ في " بِهِ " لِلْكِتابِ، فَيَكُونَ المَعْنى: تُحْدِثُ لَكم تِلاوَتُهُ عَلَيْكُمُ اسْتِكْبارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سامِرًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: تَهْجُرُونَ سُمّارًا، والسّامِرُ بِمَعْنى السُّمّارِ، بِمَنزِلَةِ طِفْلٍ في مَوْضِعِ أطْفالٍ، وهو مِن سَمَرِ اللَّيْلِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سامِرًا "؛ أيْ: مُتَحَدِّثِينَ لَيْلًا، والسَّمَرُ: حَدِيثُ اللَّيْلِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( سُمَّرًا ) بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وفَتْحِها، جَمْعُ سامِرٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( سُمّارًا ) بِرَفْعِ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وألْفٍ بَعْدَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( تَهْجُرُونَ ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ.
وفي مَعْناها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَهْجُرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ والحَقَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تَهْجُرُونَ كِتابَ اللَّهِ تَعالى ونَبِيَّهُ ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: تَهْجُرُونَ البَيْتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ قُرَيْشٌ تَسْمُرُ حَوْلَ البَيْتِ، وتَفْتَخِرُ بِهِ ولا تَطُوفُ بِهِ.
والرّابِعُ: تَقُولُونَ هَجْرًا مِنَ القَوْلِ، وهو اللَّغْوُ والهَذَيانُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: قَدْ هَجَرَ الرَّجُلُ في مَنامِهِ: إذا هَذى، والمَعْنى: إنَّكم تَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ ما لَيْسَ فِيهِ وما لا يَضُرُّهُ.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ: ( تَهْجُرُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا مِنَ الهَجْرِ، وهو السَّبُّ والإفْحاشُ مِنَ المَنطِقِ، يُرِيدُ: سَبُّهم لِلنَّبِيِّ ومَنِ اتَّبَعَهُ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ: ( تُهَجِّرُونَ ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ ورَفْعِ التّاءِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْناها مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ نَسَخٌ لِجَمِيعِ ما ورَدَ في الشَرْعِ مِن تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ عَلى الحَقِيقَةِ، وتَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: ثَلاثَةٌ حَقِيقَةٌ ورابِعٌ مُجازِيٌّ، وهو الَّذِي لا يُطاقُ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِهِ مِثْلَ الإيمانِ لِلْكافِرِ والطاعَةِ لِلْعاصِي، وهَذا التَكْلِيفُ باقٍ وهو تَكْلِيفُ أكْثَرِ الشَرِيعَةِ، وأمّا الثَلاثَةُ فَوَرْدَ الِاثْنانِ مِنها، وفِيها وقْعَ النَسْخُ المُحالُ عَقْلًا في نازِلَةِ أبِي لَهَبٍ والمُحالُ عادَةً في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ الآيَةُ.
والثالِثُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ، وهو النَوْعُ المُهْلِكُ لِأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُكَلِّفْهُ عِبادَهُ، فَأمّا قَتْلُ القاتِلِ ورَجْمُ الزانِي فَعُقُوبَتُهُ بِما فَعَلَ، وقَدْ مَضى القَوْلُ مُسْتَوْعَبًا في مَسْألَةِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِنا "ناسِخٌ" نَظَرٌ مِن جِهَةِ التَوارِيخِ وما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ وما نَزَلَ بِمَكَّةَ، واللهُ المُعِينُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ ﴾ أظْهَرُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ أرادَ كِتابَ إحْصاءِ الأعْمالِ الَّذِي تَرْفَعُهُ المَلائِكَةُ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَهْدِيدٌ وتَأْنِيسٌ مِنَ الحَيْفِ والظُلْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَدَيْنا كِتابٌ ﴾ إلى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُحْتَمَلُ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي غَمْرَةٍ ﴾ يُرِيدُ: في ضَلالٍ قَدْ غَمَرَها كَما يَفْعَلُ الماءُ الغَمْرُ بِما حَصُلَ فِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "مِن هَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ [أنْ يُشِيرَ] إلى كِتابِ الإحْصاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى الأعْمالِ الصالِحَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ، أيْ: هم في غَمْرَةٍ مِنَ اطِّراحِها وتَرْكِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى الدِينِ بِجُمْلَتِهِ، أو إلى مُحَمَّدٍ - - وكُلُّ تَأْوِيلٍ مِن هَذِهِ قالَتْهُ فَرِقَّةٌ، وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ ، الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى الغَمْرَةِ والضَلالِ المُحِيطِ بِهِمْ، فَمَعْنى الآيَةِ: بَلْ هم ضالُّونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وهم -مَعَ ذَلِكَ- لَهم سِعاياتٌ فَسادٌ، فَوَسَمَهم تَعالى بِحالَتَيْ شَرٍّ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فالإخْبارُ عَمّا سَلَفَ مِن أعْمالِهِمْ وعَمّا هم فِيهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مِن هَذا" فَكَأنَّهُ قالَ: لَهم أعْمالٌ مِن دُونِ الحَقِّ أوِ القُرْآنِ ونَحْوِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ومُجاهِدٌ: إنَّما أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: "وَلَهم أعْمالٌ" عَمّا يُسْتَأْنَفُ مِن أعْمالِهِمْ، أيْ: أنَّهم لَهم أعْمالٌ مِنَ الفَسادِ يَسْتَعْمِلُونَها.
و"حَتّى" حَرْفُ ابْتِداءٍ لا غَيْرَ، و"إذا" الأُولى و"إذا" الثانِيَةُ -الَّتِي هي جَوابٌ- تَمْنَعاهُ مِن أنْ تَكُونَ حَتّى غايَةً لِـ "عامِلُونَ".
و"المُتْرَفُ" هو المُنْعَمُ في الدُنْيا الَّذِي هو مِنها في سَرَفٍ، وهَذِهِ حالٌ شائِعَةٌ في رُؤَساءِ الكَفَرَةِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ.
و"يَجْأرُونَ" مَعْناهُ: يَسْتَغِيثُونَ بِصِياحٍ كَصِياحِ البَقَرِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الجَأْرِ في البَشَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيـ ـكِ فَطَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤُورًا وذَهَبَ مُجاهِدُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ هَذا العَذابَ المَذْكُورَ هو الوَعِيدُ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وفِيهِ نَقْدٌ عَلى مُتْرَفِيهِمْ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إذا هُمْ" يَعُودُ عَلى "المُتْرَفِينَ" فَقَطْ لِأنَّهم صاحُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمُ الهَزْمُ والقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الباقِينَ بَعْدَ المُعَذَّبِينَ، وقَدْ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: المُعَذَّبُونَ: قَتْلى بَدْرٍ، والَّذِينَ يَجْأرُونَ: أهْلُ مَكَّةَ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا.
<div class="verse-tafsir"
تذييل لما تقدم من أحوال الذين من خشية ربهم مشفقون.
لأنه لما ذكر ما اقتضى مخالفة المشركين لما أمروا به من توحيد الدين، وذكر بعده ما دل على تقوى المؤمنين بالخشية وصحة الإيمان والبذل ومسارعتهم في الخيرات، ذيل ذلك بأن الله ما طلب من الذين تقطعوا أمرهم إلا تكليفاً لا يشق عليهم، وبأن الله عذر من المؤمنين من لم يبلغوا مبلغ من يفوتهم في الأعمال عذراً يقتضي اعتبار أجرهم على ما فاتهم إذا بذلوا غاية وسعهم.
قال تعالى ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ﴾ [التوبة: 91].
فقوله: ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ خبر مراد منه لازمه وهو تسجيل التقصير على الذين تقطعوا أمرهم بينهم.
وقطع معذرتهم، وتيسير الاعتذار على الذين هم من خشية ربهم مشفقون كقوله تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ [البقرة: 185] مع ما في ذلك من جبر الخواطر المنكسرة من أهل الإيمان الذين لم يلحقوا غيرهم لعجز أو خصاصة.
ولمراعاة هذا المعنى عطف قوله: ﴿ ولدينا كتاب ينطق بالحق ﴾ وهو معنى إحاطة العلم بأحوالهم ونواياهم.
فالكتاب هنا هو الأمر الذي فيه تسجيل الأعمال من حسنات وسيئات وإطلاق الكتاب عليه لإحاطته.
وفي قوله ﴿ لدينا ﴾ دلالة على أن ذلك محفوظ لا يستطيع أحد تغييره بزيادة ولا نقصان.
والنطق مستعار للدلالة، ويجوز أن يكون نطق الكتاب حقيقة بأن تكون الحروف المكتوبة فيه ذات أصوات وقدرة الله لا تُحد.
وأما قوله ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فالمناسب أن يكون مسوقاً لمؤاخذة المفرّطين والمعرضين فيكون الضمير عائداً إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ فتقطعوا أمرهم ﴾ [المؤمنون: 53] وأشباهه من الضمائر والاعتماد على قرينة السياق، وقوله ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ [المؤمنون: 63] وما بعده من الضمائر.
والظلم على هذا الوجه محمول على ظاهره وهو حرمان الحق والاعتداء.
ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى عموم الأنفس في قوله ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ فيكون قوله ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ من بقية التذييل، والظلم على هذا الوجه مستعمل في النقص من الحق كقوله تعالى: ﴿ كلتا الجنتين آتتْ أكلها ولم تظلم منه شيئاً ﴾ [الكهف: 33] فيكون وعيداً لفريق ووعداً لفريق.
وهذا أليق الوجهين بالإعجاز.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في غِطاءٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: في غَفْلَةٍ قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ مِن هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن هَذا القُرْآنِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: مِن هَذا الحَقِّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
﴿ وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَطايا [يَعْمَلُونَها] مِن دُونِ الحَقِّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
الثّانِي: أعْمالٌ [رَدِيئَةٌ] لَمْ يَعْمَلُوها وسَيَعْمَلُونَها، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ ظَلَمَ المَخْلُوقِينَ مَعَ الكُفْرِ بِالخالِقِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ ﴾ فِيهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُوَسَّعُ عَلَيْهِمْ بِالخِصْبِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: بِالمالِ والوَلَدِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ عامًّا وعَلى الثّانِي يَكُونُ خاصًّا.
﴿ إذا هم يَجْأرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَجْزَعُونَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
الثّانِي: يَسْتَغِيثُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: يَصِيحُونَ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.
والرّابِعُ: يَصْرُخُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ، فَلا تُقْبَلُ مِنهم، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلى بَدْرٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ ﴾ هُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبَدْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أعْقابِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَسْتَأْخِرُونَ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: تَكْذِبُونَ.
والثّالِثُ: رُجُوعُ القَهْقَرى.
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: زَعَمُوا أنَّهم عَلى سُبُلِ الحَقِّ وأنا نَكْصٌ عَلى الأعْقابِ وَهُوَ أيِ النُّكُوصُ، مُوَسَّعٌ هُنا ومَعْناهُ تَرْكُ القَبُولِ.
﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ﴾ أيْ بِحُرْمَةِ اللَّهِ، ألّا يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أحَدٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: مُسْتَكْبِرِينَ بِمُحَمَّدٍ أنْ يُطِيعُوهُ، وبِالقُرْآنِ أنْ يَقْبَلُوهُ.
﴿ سامِرًا تَهْجُرُونَ ﴾ سامِرٌ فاعِلٌ مِنَ السَّمَرِ.
وَفي السَّمَرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَدِيثُ لَيْلًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وقِيلَ بِهِ: سَمَرًا تَهْجُرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ ظِلُّ القَمَرِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى، والعَرَبُ تَقُولُ حَلَفَ بِالسَّمَرِ والقَمَرِ أيْ بِالظُّلْمَةِ والضِّياءِ، لِأنَّهم يَسْمُرُونَ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وضَوْءِ القَمَرِ، والعَرَبُ تَقُولُ أيْضًا: لا أُكَلِّمُهُ السَّمَرَ والقَمَرَ، أيِ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وقالَ الزَّجّاجُ ومِنَ السَّمَرِ أُخِذَتْ سُمْرَةُ اللَّوْنِ.
وَفي ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَهْجُرُونَ الحَقَّ بِالإعْراضِ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تَهْجُرُونَ في القَوْلِ بِالقَبِيحِ مِنَ الكَلامِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.
وَقَرَأ نافِعٌ ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ وهو مِن هَجْرِ القَوْلِ.
وَفي مَخْرَجِ هَذا الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْكارُ تَسامُرِهِمْ بِالإزْراءِ عَلى الحَقِّ مَعَ ظُهُورِهِ لَهم.
الثّانِي: إنْكارًا مِنهم حَتّى تَسامَرُوا في لَيْلِهِمْ والخَوْفُ أحَقُّ بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة ثم تلا ﴿ إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ﴾ إلى قوله: ﴿ إنهم إلى ربهم راجعون ﴾ وقال المنافق ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾ [ القصص: 71] .
وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة قالت: قلت: «يا رسول الله.
قول الله: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله؟
قال: لا ولكن الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، وهو مع ذلك يخاف الله أن لا يتقبل منه» .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ أهم الذين يخطئون ويعملون بالمعاصي؟
وفي لفظ: هو الذي يذنب وهو وجل منه؟
قال: لا، ولكن هم الذين يصلون، ويصومون، ويتصدقون، وقلوبهم وجلة» .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قال: يعطون ما أعطوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ قال: يعطون ما أعطوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ قال: يعملون خائفين.
وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عمر في قوله: ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قال: الزكاة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عائشة ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قالت: هم الذين يخشون الله ويطيعونه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قالت: هم الذين يخشون الله ويطيعونه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قال: يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ قال: مما يخافون بين أيديهم من الموقف وسوء الحساب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ قال: يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ قال المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن وقتادة أنهما كانا يقرآن ﴿ يؤتون ما آتوا ﴾ قال: يعملون ما علموا من الخيرات، ويعطون ما أعطوا على خوف من الله عز وجل.
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ قال: كانوا يعملون ما يعملون من أعمال البر، ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب الله.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي ملكية قال: قالت: عائشة رضي الله عنها: لأن تكون هذه الآية كما أقرأ أحب إليّ من حُمُرِ النِعَمْ.
فقال لها ابن عباس: ما هي؟
قالت: ﴿ الذين يؤتون ما أتوا ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ﴿ والذين يؤتون ما أتوا ﴾ مقصور من المجيء.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في تاريخه وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أشته وابن الأنباري معاً في المصاحف والدارقطني في الإِفراد والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبيد بن عمير أنه سأل عائشة «كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ﴿ والذين يؤتون ما أتوا، أو الذين يؤتون ما آتوا؟
﴾ فقالت: أيتهما أحب إليك؟
قلت: والذي نفسي بيده لأحداهما أحب إليّ من الدنيا جميعاً.
قالت: أيهما؟
قلت: ﴿ الذين يأتون ما أتوا ﴾ فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرأها، وكذلك أنزلت ولكن الهجاء حرف» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ﴾ قال: سبقت لهم السعادة من الله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ قال الكلبي: إلا طاقتها من العمل فمن لم يستطع أن يصلي قائمًا فليصل جالسًا (١) (٢) وهذا مما سبق الكلام فيه في سورة البقرة (٣) ولا تعلق للقدرية بهذه الآية إن احتجوا بها علينا في تكليف الكافر الإيمان مع إرادة الله كفره، لأنّ الآية تحمل على ما (٤) وقوله: ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد اللوح المحفوظ (٥) ﴿ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ﴾ يبين بالصدق (٦) ومعنى الآية: أنا لا نكلّف نفسًا إلا ما أطاقت من العمل، ونعلم إيش يعمل (٧) قوله: ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ قال ابن عباس: لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثقال ذرَّة (٨) (١) في (ظ): (قاعدًا).
(٢) ذكر البغوي 5/ 422 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.
(٣) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ .
(٤) في (أ): (عليها).
(٥) "تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.
وفي الكتاب.
هنا- قول آخر حكاه الثعلبي 3/ 62 ب وهو أنه كتاب إحصاء الأعمال الذي تكتبه الحفظة.
واستظهر هذا القول ابن عطية 10/ 376، والقرطبي 12/ 134.
وقال عنه الشنقيطي في "أضواء البيان" 5/ 796 إنّه الحق.
واستدل له بقوله تعالى: ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
(٦) الطبري 18/ 35.
(٧) في (أ): (استعمل).
(٨) ذكر ابن الجوزي 5/ 481 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ يعني أن هذا الذي وصف به الصالحون غير خارج عن الوسع والطاقة، وقد تقدّم الكلام على تكليف ما لا يطاق في البقرة ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ ﴾ يعني صحائف الأعمال، ففي الكلام تهديد وتأمين من الظلم والحيف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تهجرون ﴾ بضم التاء وكسر الجيم: نافع.
الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ﴿ خرجاً فخرج ﴾ بغير الالف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف.
الباقون بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ سيقولون الله ﴾ الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون باللام فيهما كالأول حملا على المعنى لأن قولك "من رب هذا" "ولمن هذا" في معنى واحد.
الوقوف: ﴿ مشفقون ﴾ ه لا ﴿ يؤمنون ﴾ لا ﴿ يشركون ﴾ ه لا ﴿ راجعون ﴾ ه لا لأن الكل معطوفات على اسم "إن" والخبر ﴿ أولئك ﴾ الجملة ﴿ سابقون ﴾ ه لا ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ يجأرون ﴾ ه لا لحق القول ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ تنكصون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ مستكبرين ﴾ ه قد قيل: على جعل الجار والمجرور مفعول ﴿ سامراً ﴾ أو مفعول ﴿ تهجرون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه لصورة الاستفهام وهو العطف ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ط لأن الاستفهام إنكار ﴿ خير ﴾ ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه.
﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الناكبون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ه ﴿ لمبعوثون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تسحرون ﴾ ه ﴿ لكاذبون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما نفى الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ربهم وظاهره ينبئ عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على اثره وهو الدوام في الطاعة.
والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادّون في طلب مرضاته.
ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف اي هم من سخط الله عاجلاً ومن عقابه آجلاً في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي.
وفيه أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى.
الثانية قوله ﴿ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ﴾ والظاهر أنها القرآن.
وقيل: هي المخلوقات الدالة على وجود الصانع.
وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهراً.
الثالثة التبري عما سوى الله ظاهراً وباطناً بأن لايشرك به طرفة عين.
الرابعة قوله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ أي يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ خائفة في شأن ذلك الإعطاء.
ثم علل ذلك الوجل بقوله ﴿ أنهم ﴾ اي لأنهم ﴿ إلى ربهم راجعون ﴾ فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص.
والظاهر أن هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما روي "أن رسول الله قرأ ﴿ ويأتون ما أتوا ﴾ أي يفعلون ما فعلوا.
وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟
قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه." وفي قوله ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها.
قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين.
وقال في قوله ﴿ وهم لها سابقون ﴾ إنه متروك المفعول أو منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها سابقون كقولك "هو لزيد ضارب" بمعنى "هو زيداً ضارب" جئت باللام لضعف عمل اسم الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث عجلت لهم في الدنيا.
وجوّز أن يكون ﴿ لها سابقون ﴾ خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك "هذا هو" لهذا الأمر أي صالح له.
وحين أنجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لهما الأوّل قوله ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً وإلا فليوم إيماء.
وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم.
الثاني قوله ﴿ ولدينا كتاب ينطق ﴾ والمراد ينطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل.
والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم.
أما قوله ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ ففيه طريقان: أحدهما رادع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون.
﴿ ولهم أعمال ﴾ متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى.
﴿ هم لها عاملون ﴾ في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا بها حكم الشقاء الأزلي.
وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه قال بعد وصفهم ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء.
﴿ ولدينا كتاب ﴾ يحفظ أعمالهم.
﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ الذي وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود ﴿ ولهم أعمال ﴾ من ﴿ دون ذلك ﴾ الذي وصف ﴿ هم لها عاملون ﴾ وهي النوافل السرية والأعمال القلبية.
ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف" .
فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة واقدّ والأولاد.
والجؤار الصراخ باستغاثة.
ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت ﴿ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ﴾ لا تغاثون من جهتنا أو لا تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم.
ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ورائه وقد مر في "الأنعام".
وفي مرجع الضمير في ﴿ به ﴾ أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم.
والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.
وثانيها مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.
وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكباراً وعتوّاً.
ورابعها أنه يتعلق بـ ﴿ ـسامراً ﴾ أو بـ ﴿ ـتهجرون ﴾ والهجر بالضم الفحش وبالفتح الهذيان،و أهجر في منطقه إذا أفحش.
والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.
ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور اربعة: الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به.
الثاني قوله ﴿ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الولين ﴾ والمراد أمر الرسالة.
ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.
وقيل: إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟
عن النبي "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا اسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً" الثالث قوله ﴿ أم لم يعرفوا ﴾ نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟
الرابع نسبتهم إياه إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلاً ولكنه جاء بما يخالف هواهم فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم.
ثم أضرب عن أقوالهم منبهاً على مصدوقية أمر النبي فقال ﴿ بل جاءهم ﴾ متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو الباء للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ واقلهم كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفاً من قالة الأعداء كما يحكى عن ابي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه.
ثم بين أن الإلهية تقتضي الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله العالمين وقدّره فقال ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو انقلب الإسلام شركاً كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ولم يؤخر.
وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمراً بالشرك والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلهاً ولكان شيطاناً فلا يقدر على إمساك السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم.
ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت للمصاحبة فعلى حذف مضاف اي أتاهم رسولنا متلبساً بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين ﴾ ثم بيّن أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال ﴿ أم تسألهم خرجاً ﴾ أي جعلاً وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف.
وقيل: الخرج أقل ولذا قرأ الأكثرون ﴿ خرجاً فخراج ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.
وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ومكنون سره فقال ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ هو دين الإسلام لا تدعوهم إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالآخرة عن ﴿ الصراط ﴾ المستقيم المذكور ﴿ لناكبون ﴾ والتركيب يدور على العدول عن القصد ومنه المنكب لمجمع عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم.
ثم بين إصرارهم على الكفر بقوله ﴿ ولو رحمناهم ﴾ الآية.
"يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنه الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟
فقال: بلى.
فقال الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر" فأنزل الله الآية.
والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه من الطغيان.
ثم استشهد على ذلك بقوله ﴿ ولقد أخذناهم ﴾ اي قبل ذلك ﴿ بالعذاب ﴾ يعني ما جرى عليهم يوم بدر ﴿ فما استكانوا لربهم ﴾ أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في "آل عمران" ﴿ وما يتضرعون ﴾ عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم واشدهم شكيمة وأخشنهم عريكة يستعطفك.
ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد منهم انقياد للحق وهم كذلك إذ عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس السكوت مع تحير أو الياس من كل خير.
ثم نبه بقوله ﴿ وهو الذي أنشأ لكم ﴾ على أن اسباب التأمل في الدلائل موجودة، وابواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي.
وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أي تشكرون شكراً قليلاً "وما" مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد.
وعن أبي مسلم أنه قال: اراد بالقلة العدم.
وفي الآية ثلاثة معان: أحدها إظهار النعمة.
وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين لشهوده بالله.
وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل.
ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال ﴿ وهو الذي ذرأكم ﴾ اي خلقكم وبثكم في الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه تحشرون بعد تفرقكم ﴿ وهو الذي يحيي ويميت ﴾ وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ﴿ وله اختلاف الليل والنهار ﴾ أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت والحياة.
وفي قوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ وتهديد.
ثم نبه بقوله ﴿ بل قالوا ﴾ الآيات على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد.
قال علماء المعاني: قوله ﴿ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ﴾ واراد على الأصل لأن التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني.
وأما في سورة النمل فسبب تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر هناك على قوله ﴿ تراباً ﴾ والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار.
ثم رد على منكري الإعادة أو على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كان عندكم علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوّز أن يشتبه عليهم مثل هذا المكشوف الجلي.
وفي قوله ﴿ افلا تذكرون ﴾ ترغيب في التدبر وبعث على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها كان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادراً على إعادة ما أفناه، وفي قوله ﴿ أفلا تتقون ﴾ مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء مخالفته، قال جار الله: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث احد منه أحداً ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ بهذه الصفة غيره فأجيبوني به.
ومعنى ﴿ تسحرون ﴾ تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى.
ثم بين بقوله ﴿ بل أتيناهم بالحق ﴾ أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما هو الحق والصدق ﴿ وإنهم ﴾ مع ذلك ﴿ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون إليه العجز عن الإعادة.
التأويل: ﴿ من خشية ربهم مشفقون ﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿ بآيات ربهم يؤمنون ﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿ بربهم لا يشركون ﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿ وهم لها سابقون ﴾ على قدر سبق العناية ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف.
﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة.
﴿ ولقد أخذناهم ﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم ﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿ وله اختلاف ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿ قالوا أئذا متنا ﴾ فيه أن الياس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿ وهو يجير ﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ .
جائز أن يكون هذا موصولا بقوله: ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ ؛ على التقديم والتأخير؛ فكأنه قال: إنما نسارع في الخيرات للذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى آخر ما ذكر لأولئك الكفرة، جائز أن يكون على الابتداء وصف الذين آمنوا ونعتهم، فقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ ، أي: من عذاب ربهم خائفون.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
الإيمان بالآيات يكون إيماناً بالله حقيقة؛ لأن الآيات هنّ الأعلام التي تدل على وحدانية الله وربوبيته، والإيمان هو التصديق، فإذا صدّق آياته، وهن أعلام وأخبار تخبر عن وحدانية الله؛ فإذا صدقها صدق الله وآمن به؛ لذلك قلنا: الإيمان بآياته يكون إيماناً بالله.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ ﴾ .
أي: لا يشركون غيره في عبادتهم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ ﴾ .
وفي بعض القراءات: (والذين يأتون ما أتوا)، مقصورة، وهي قراءة عائشة.
فمن قرأ: (والذين يأتون ما أتوا) تأويله، أي: الذين يعملون من عمل وجلت له قلوبهم، أي: يتقبل منهم أم لا؟
ومن قرأ: ﴿ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ ﴾ فهو من الإعطاء والإنفاق؛ يقول: والذين يعطون وينفقون ما أنفقوا، وقلوبهم وجلة: أن ذلك يقبل منهم أم لا؟
وفيه دلالة أن المطيع فيما يطيع ربّه يكون على خوف منه كالمسيء في إساءته، وكذلك روي عن عائشة "أنها سألت رسول الله عن هذه الآية، قالت: أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون، ويزنون؟
فقال: لا؛ ولكنهم الذين يصومون، ويصلّون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ " وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ لا على ذلك؛ ولكن على ما يذكر، أي: قلوبهم وجلة أنهم يرجعون إلى ربهم: على السعادة أم على الشقاوة؟
والله أعلم.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ .
أخبر أن الذين نعتهم ووصفهم هم الذين يسارعون في الخيرات، لا أولئك الكفرة الذين تقدم ذكرهم، ﴿ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ : يحتمل، أي: سبقوا أولئك الكفرة بها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .
جائز أن يكون ذكر هذا وقاله؛ لما عمل أولئك من الأعمال التي لا تسع ولا تحل، وقالوا: الله أمرهم بذلك بقولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ ؛ فقال: ﴿ وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، أي: إلا ما يسعها، أي: إلا ما يسعها ويحل؛ كقوله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ ؛ ردا لقولهم، وتكذيباً.
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يقول: لا نكلف نفساً من الأعمال إلا وسعها، أي: طاقتها، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أي: لا نكلف أحداً من الأعمال ما يتلف طاقة وسعة فيه: لا يكلف الغني من الإعطاء ما يتلف به غناه، وكذلك لا يكلف كل حي من العمل ما يتلف به طاقته وحياته؛ ولكنه إنما أمره وكلفه بأمور يحتمل طاقتهم ذلك العمل والأمر؛ فإن كان كذلك؛ فدل ذلك أنه لم يرد به طاقة العمل وقدرته؛ ولكن طاقة الأحوال التي يجوز تقدمها عن الأحوال.
والثاني: ذكر هذا؛ لئلا يقولوا: إنا لم نطق ما كلفنا؛ لأنهم تركوا الأعمال التي أمروا بها، وكلفوا بأعمال مثل التي تركوها، وهي المعاصي التي عملوها، فما أمروا من الأعمال ليس يفوق التي عملوها؛ ولكن مثلها؛ فلا يكون لهم في ذلك احتجاج.
وقوله: ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قال قائلون: هو الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم وأفعالهم من الخيرات والسيئات، وذلك كله محفوظ محصى عليهم؛ كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ؛ فإن كان هذا فيكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالتصديق.
وقال قائلون: هو الكتاب الذي أنزل إلينا، وهو هذا القرآن؛ ينطق عليكم بالحق، أي: بالحق الذي لله علينا، وبالحق الذي يكون لبعض على بعض، وهو كقوله: ﴿ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ، وهو ما ذكرنا من الحق الذي له علينا، ومن الحق الذي لبعضنا على بعض.
وجائز أن يكون هو اللوح المحفوظ؛ فإن كان هذا، ففيه أن الله لم يزل عالماً بما كان ويكون في الأوقات التي يكون أبد الآبدين.
﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .
فإن كان على الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم فيكون قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ ، أي: لا ينقص من أعمالهم التي عملوا من الخيرات، ولا يُزاد فيه على سيئاتهم، بل يحفظ ما عملوا.
أو أن يكون ﴿ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ ، أي: لا يزاد على الجزاء على قدر أعمالهم، ولا ينقص من قدرها؛ بل يجزون على قدر أعمالهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولا نكلف نفسًا إلا قدر ما تستطيعه من العمل، وعندنا كتاب أثبتنا فيه عمل كل عامل، ينطق بالحق الَّذي لا مرية فيه، وهم لا يظلمون بنقص حسناتهم، ولا زيادة سيئاتهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.Arlwd"