الآية ٦٥ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٦٥ من سورة المؤمنون

لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٥ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٥ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لا تجئروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ) أي : لا نجيركم مما حل بكم ، سواء جأرتم أو سكتم ، لا محيد ولا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ) يقول: لا تضجوا وتستغيثوا اليوم وقد نـزل بكم العذاب الذي لا يدفع عن الذين ظلموا أنفسهم، فإن ضجيجكم غير نافعكم ولا دافع عنكم شيئا مما قد نـزل بكم من سخط الله.( إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ) يقول: إنكم من عذابنا الذي قد حل بكم لا تستنقذون، ولا يخلصكم منه شيء.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: ( لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ) لا تجزعوا اليوم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا الربيع بن أنس: ( لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ) لا تجزعوا الآن حين نـزل بكم العذاب، إنه لا ينفعكم، فلو كان هذا الجزع قبلُ نفعكم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لا تجأروا اليوم أي من عذابنا .

لا تنصرون لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم .

وقال الحسن : لا تنصرون بقبول التوبة .

وقيل : معنى هذا النهي الإخبار ؛ أي إنكم إن تضرعتم لم ينفعكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

، ويستغيثون, فيقال لهم: { لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ } وإذا لم تأتهم النصرة من الله، وانقطع عنهم الغوث من جانبه، لم يستطيعوا نصر أنفسهم، ولم ينصرهم أحد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لا تجأروا اليوم ) أي لا تضجوا ، ( إنكم منا لا تنصرون ) لا تمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون» لا تمنعون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فيقال لهم: لا تصرخوا، ولا تستغيثوا اليوم، إنكم لا تستطيعون نصر أنفسكم، ولا ينصركم أحد من عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( لاَ تَجْأَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ ) تأنيب وزجر لهم على جؤارهم وصراخهم .

والمراد باليوم .

الوقت الذى فيه نزل العذاب بهم .أى : عندما أخذناهم بالعذاب المباغت المفاجىء ، وضجوا بالاستغاثة والجؤار ، قلنا لهم على سبيل التقريع والزجر : لا تجأروا ولا تصرخوا فى هذا الوقت الذى أصابكم ما أصابكم فيه من عذاب .

فإنكم لن تجدوا من ينجيكم من عذابنا ، أو من يدفع عنكم هذا العذاب .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما ذكر كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العباد فالأول: قوله: ﴿ وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما: أنه الطاقة عن المفضل والثاني: أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي واحتجوا عليه بأن الوسع إنما سمي وسعاً لأنه يتسع عليه فعله ولا يصعب ولا يضيق، فبين أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا.

قال مقاتل من لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع جالساً فليوم إيماء لأنا لا نكلف نفساً إلا وسعها، واستدلت المعتزلة به في نفي تكليف ما لا يطاق وقد تقدم القول فيه الثاني: قوله: ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ ونظيره قوله: ﴿ هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

واعلم أنه تعالى شبه الكتاب بمن يصدر عنه البيان فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان محقاً، فإن قيل هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب إما أن يكونوا محيلين الكذب على الله تعالى أو مجوزين ذلك عليه، فإن أحالوه عليه فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه عليه لم يثقوا بذلك الكتاب لتجويزهم أنه سبحانه كتب فيه خلاف ما حصل.

فعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب؟

قلنا يفعل الله ما يشاء وعلى أنه لا يبعد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة.

وأما قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ فنظيره قوله: ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا  ﴾ فقالت المعتزلة الظلم إما أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب أو بأن يعذب على ما لم يعلم أو بأن يكلفهم ما لا يطيقون فتكون الآية دالة على كون العبد موجداً لفعله وإلا لكان تعذيبه عليه ظلماً ودالة على أنه سبحانه لا يكلف ما لا يطاق الجواب: أنه لما كلف أبا لهب أن يؤمن، والإيمان يقتضي تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ومما أخبر عنه أن أبا لهب لا يؤمن فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فيلزمكم كل ما ذكرتموه.

وأما قوله تعالى: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مّنْ هذا ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أنه راجع إلى الكفار وهم الذين يليق بهم قوله: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مّنْ هذا ﴾ ولا يليق ذلك بالمؤمنين إذ المراد في غمرة من هذا الذي بيناه في القرآن أو من هذا الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين ولهم أي لهؤلاء الكفار أعمال من دون ذلك أي أعمال سوى ذلك أي سوى جهلهم وكفرهم ثم قال بعضهم أراد أعمالهم في الحال، وقال بعضهم بل أراد المستقبل وهذا أقرب لأن قوله: ﴿ هُمْ لَهَا عاملون ﴾ إلى الاستقبال أقرب وإنما قال: ﴿ هُمْ لَهَا عاملون ﴾ لأنها مثبتة في علم الله تعالى وفي حكم الله وفي اللوح المحفوظ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الله من الشقاوة القول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه سبحانه قال بعد وصفهم: ﴿ وَلاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ ﴾ يحفظ أعمالهم ﴿ يَنطِقُ بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ بل نوفر عليهم ثواب كل أعمالهم ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مّنْ هذا ﴾ هو أيضاً وصف لهم بالحيرة كأنه قال وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في جعل أعمالهم مقبولة أو مردودة ولهم أعمال من دون ذلك أي لهم أيضاً من النوافل ووجوه البر سوى ما هم عليه إما أعمالاً قد عملوها في الماضي أو سيعملونها في المستقبل، ثم إنه سبحانه رجع بقوله: ﴿ حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب ﴾ إلى وصف الكفار.

واعلم أن قول أبي مسلم أولى لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به من ذكر المشفقين كان أولى من رده إلى ما بعد منه خصوصاً، وقد يرغب المرء في فعل الخير بأن يذكر أن أعماله محفوظة كما قد يحذر بذلك من الشر، وقد يوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في قبول عمله أورده وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر.

فإن قيل فما المراد بقوله من هذا، وهو إشارة إلى ماذا؟

قلنا هو إشارة إلى إشفاقهم ووجلهم مع أنهما مستوليان على قلوبهم.

أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب ﴾ فقال صاحب الكشاف حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام والكلام الجملة الشرطية.

واعلم أنه لا شبهة (في) أن الضمير في مترفيهم راجع إلى من تقدم ذكره من الكفار لأن العذاب لا يليق إلا بهم وفي هذا العذاب وجهان: أحدهما: أراد بالعذاب ما نزل بهم يوم بدر والثاني: أنه عذاب الآخرة ثم بين سبحانه أن المنعمين منهم إذا نزل بهم العذاب يجأرون أي يرتفع صوتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة ما هم عليه ويقال لهم على وجه التبكيت ﴿ لاَ تَجْئَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مّنَّا لاَ تُنصَرُونَ ﴾ فلا يدفع عنكم ما يريد إنزاله بكم، دل بذلك سبحانه على أنهم سينتهون يوم القيامة إلى هذه الدرجة من الحسرة والندامة وهو كالباعث لهم في الدنيا على ترك الكفر والإقدام على الإيمان والطاعة فإنهم الآن ينتفعون بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام: الجملة الشرطية، والعذاب.

قتلهم يوم بدر.

أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اللَّهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقدّ والأولاد.

الجؤار: الصراخ باستغاثة قال: جَئَّارُ سَاعَاتِ النِّيَامِ لِرَبِّهِ أي يقال لهم حينئذ ﴿ لاَ تَجْئَرُواْ ﴾ فإن الجؤار غير نافع لكم، ﴿ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ ﴾ لا تغاثون ولا تمنعون منا أو من جهتنا، لا يلحقكم نصر ومغوثة.

قالوا: الضمير في ﴿ بِهِ ﴾ للبيت العتيق أو للحرم، كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.

والذي سوّغ هذا الأضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت، وأنه لم تكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به.

ويجوز أن يرجع إلى آياتي، إلا أنه ذكر لأنها في معنى كتابي، ومعنى استكبارهم بالقرآن: تكذيبهم به استكباراً.

ضمن مستكبرين معنى مكذبين، فعدّي تعديته.

أو يحدث لكم استماعه استكباراً وعتوّاً، فأنتم مستكبرون بسببه، أو تتعلق الباء بسامراً، أي: يسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون.

وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أو يتهجرون.

والسامر: نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.

وقرئ: ﴿ سمراً ﴾ و ﴿ سماراً ﴾ وتهجرون وتهجرون، من أهجر في منطقه إذا أفحش.

والهجر- بالضم-: الفحش، ومن هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذي.

والهجر- بالفتح-: الهذيان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ ﴾ مُتَنَعَّمِيهِمْ.

﴿ بِالعَذابِ ﴾ يَعْنِي القَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ أوِ الجُوعَ حِينَ دَعا عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ  فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» .

فَقُحِطُوا حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والكِلابَ والعِظامَ المُحْرَقَةَ.

﴿ إذا هم يَجْأرُونَ ﴾ فاجَؤُوا الصُّراخَ بِالِاسْتِغاثَةِ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ بَعْدَ حَتّى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابَ.

﴿ لا تَجْأرُوا اليَوْمَ ﴾ فَإنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالقَوْلِ أيْ قِيلَ لَهم لا تَجْأرُوا اليَوْمَ.

﴿ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ لا تَجْأرُوا فَإنَّهُ لا يَنْفَعُكم إذْ لا تُمْنَعُونَ مِنّا، أوْ لا يَلْحَقُكم نَصْرٌ ومَعُونَةٌ مِن جِهَتِنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لا تجأروا اليوم} فإن الجؤار غير نافع لكم {إِنَّكُمْ مّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} أي من جهتنا لا يلحقكم نصرا ومعونة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا تَجْأرُوا اليَوْمَ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قُلْنا لَهم ذَلِكَ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مُسَوِّقٌ لِبَيانِ إقْناطِهِمْ وعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِجُؤارِهِمْ، والمُرادُ بِاليَوْمُ الوَقْتُ الحاضِرُ الَّذِي اعْتَراهم فِيهِ ما اعْتَراهُمْ، والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ إقْناطِهِمْ والمُبالَغَةُ في إفادَةِ عَدَمِ نَفْعِ جُؤارِهِمْ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ ذَلِكَ التَّهْوِيلَ اليَوْمَ والإيذانَ بِتَفْوِيتِهِمْ وقْتَ الجُؤارِ والمُرادُ بِالقَوْلِ عَلى ما قِيلَ: ما كانَ بِلِسانِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قُطْنِيٌّ.

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ حَقِيقَةُ القَوْلِ وصُدُورُهُ إمّا مِنَ اللَّهِ تَعالى وإمّا مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والظّاهِرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ القَوْلُ في الآخِرَةِ وكَوْنُهُ في الدُّنْيا مَعَ عَدَمِ إسْماعِهِمْ إيّاهُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وتَقْدِيرُهُ فِعْلُ الأمْرِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِ  أيْ قُلْ لَهم مِن قَبْلِنا لا تَجْأرُوا بَعِيدًا جِدًّا، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ القَوْلِ المُقَدَّرِ جَوابَ ﴿ إذا ﴾ الشَّرْطِيَّةَ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿ إذا هم يَجْأرُونَ ﴾ قَيْدًا لِلشَّرْطِ أوْ بَدَلًا مِن إذا الأُولى، وعَلى الأوَّلِ المَعْنى أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ وقْتَ جُؤارِهِمْ أوْ حالَ مُفاجَأتِهِمْ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ ﴿ إذا ﴾ ظَرْفِيَّةً أوْ فُجائِيَّةً حِينَئِذٍ، ولَمْ يُجَوِّزْ جَعْلَ النَّهْيِ المَذْكُورِ جَوابًا لِخُلُوِّهِ عَنِ الفاءِ اللّازِمَةِ فِيهِ إذا وقَعَ كَذَلِكَ.

وتَعَقَّبَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ هو الجَوابُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى أنْ يَكُونَ مُفاجَأتَهُمُ الجُؤارَ غَيْرَ مَقْصُودٍ أصْلِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الجُؤارِ بِبَيانِ عَدَمِ نَفْعِهِ ومِنِ ابْتِدائِيَّةٍ أيْ لا يَلْحَقُكم مِنّا نُصْرَةٌ تُنْجِيكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مِن صِلَةِ النَّصْرِ وضِمْنِ مَعْنى المَنعِ أوْ تَجُوزُ بِهِ عَنْهُ أيْ لا تَمْنَعُونَ مِنّا.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ سَبّاقُ النَّظْمُ الكَرِيمِ لِأنَّ جُؤارَهم لَيْسَ إلى غَيْرِهِ تَعالى حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ مَنصُورِيَّتِهِمْ مِن قَبْلِهِ تَعالى ولا سِياقُهُ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، يعني: بقدر طاقتها.

وَلَدَيْنا كِتابٌ، يعني: وعندنا نسخة أعمالهم التي يعملون، وهي التي تكتب الحفظة عليهم يَنْطِقُ بِالْحَقِّ، يعني: يشهد عليهم بالصدق.

وقال الكلبي: وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، أي طاقتها، فمن لم يستطع أن يصلي قائما، فليصلّ قاعدا.

وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وهو الذكر، يعني: اللوح المحفوظ.

وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ، يعني: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم.

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا، يعني: في غفلة من الإيمان بهذا القرآن ويقال: هم في غفلة من هذا الذي وصفنا من كتابة الأعمال.

وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ قال مقاتل: يقول: لهم أعمال خبيثة دون الشرك هُمْ لَها عامِلُونَ، أي لتلك الأعمال لا محالة التي في اللوح المحفوظ.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: ذكر الله تعالى: الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ.

ثم قال للكفار: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا ثم رجع إلى المؤمنين، فقال: وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ الأعمال التي عددت هم لها عاملون.

ثم قال عز وجل: حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ، يعني: أغنياءهم وجبابرتهم بالعذاب.

قال مجاهد: يعني: بالسيوف يوم بدر، وقال الكلبي: بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف.

إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ، أي يصيحون ويتضرعون إلى الله تعالى، حين نزل بهم العذاب.

ويقال: يدعون ويستغيثون.

يقول الله تعالى: لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ، يعني: لا تضجوا ولا تتضرعوا اليوم.

إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ، يعني: من عذابنا لا تمنعون.

قوله عز وجل: قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، أي تقرأ وتعرض عليكم، فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ، أي ترجعون إلى الشرك وتميلون إليه.

مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ، أي متعظمين، ويقال تَنْكِصُونَ أي تقيمون عليه مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ يعني: بالبيت، صار هذا كناية من غير أن يسبق ذكر البيت، لأن ذلك البيت كان معروفاً عندهم.

وقال مجاهد: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي بمكة بالبلد.

سامِراً بالليل لجلسائهم تَهْجُرُونَ بالقول الذي في القرآن.

ويقال: تَهْجُرُونَ يعني: تتكلمون بالفحش وسب النبيّ  ، وهذا كما قال  : «زُورُوها- يعني: المقابر- ولا تَقُولُوا هُجْراً» يعني: فحشاً.

وقال القتبي: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ، يعني: بالبيت العتيق تهجرون به، ويقولون: نحن أهله سامراً.

والسمر: حديث الليل.

وقال أهل اللغة: السمر في اللغة ظل القمر، ولهذا سمي حديث الليل سمراً، لأنهم كانوا يجتمعون في ظل القمر ويتحدثون.

قرأ نافع سامِراً تَهْجُرُونَ بضم التاء وكسر الجيم، وقرأ الباقون بنصب التاء وضم الجيم.

وقال أبو عبيد: هذه القراءة أحب إلينا، فيكون من الصدود والهجران، كقوله: فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ [المؤمنون: 66] ، يعني: تهجرون القرآن ولا تؤمنون به.

ومن قرأ: تَهْجُرُونَ أراد الإفحاش في المنطق، وقد فسرها بعضهم على الشرك.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَدَيْنا كِتابٌ ﴾ يَعْنِي: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.

﴿ يَنْطِقُ بِالحَقِّ ﴾ قَدْ أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ فَهو يَنْطِقُ بِما يَعْمَلُونَ، ﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ.

ثُمَّ عادَ إلى الكُفّارِ فَقالَ: ﴿ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في غَفْلَةٍ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في عَمًى عَنْ هَذا القُرْآنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما وُصِفَ مِن أعْمالِ البِرِّ في قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ ، فَيَكُونَ المَعْنى: بَلْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ في عَمايَةٍ مِن هَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الكِتابِ، فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِنَ الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ وأعْمالُهم مُحْصاةٌ فِيهِ.

فَخَرَجَ في المُشارِ إلَيْهِ بِـ " هَذا " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القُرْآنُ.

والثّانِي: أعْمالُ البِرِّ.

والثّالِثُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْمالٌ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: خَطايا سَيِّئَةٌ مِن دُونِ ذَلِكَ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن دُونِ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ التَّقْوى والخَشْيَةِ.

والثّالِثُ: أعْمالٌ غَيْرُ الأعْمالِ الَّتِي ذُكِرُوا بِها سَيَعْمَلُونَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أعْمالٌ - مِن قَبْلِ الحِينِ الَّذِي قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهم عِنْدَ مَجِيئِهِ - مِنَ المَعاصِي، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم لَها عامِلُونَ ﴾ إخْبارٌ بِما سَيَعْمَلُونَهُ مِن أعْمالِهِمَ الخَبِيثَةِ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ لا بُدَّ لَهم مِن عَمَلِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ ﴾ ؛ أيْ: أغْنِياءَهم ورُؤَساءَهم، والإشارَةُ إلى قُرَيْشٍ.

وفي المُرادِ ﴿ بِالعَذابِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَرْبُ السُّيُوفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: الجُوعُ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ سَبْعَ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

و ﴿ يَجْأرُونَ ﴾ بِمَعْنى: يَصِيحُونَ.

﴿ لا تَجْأرُوا اليَوْمَ ﴾ ؛ أيْ: لا تَسْتَغِيثُوا مِنَ العَذابِ، ﴿ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا.

﴿ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ ﴾ ؛ أيْ: تَرْجِعُونَ وتَتَأخَّرُونَ عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِهِ ﴾ الكِنايَةُ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، والمَعْنى: إنَّكم تَسْتَكْبِرُونَ وتَفْتَخِرُونَ بِالبَيْتِ والحَرَمِ؛ لِأمْنِكم فِيهِ مَعَ خَوْفِ سائِرِ النّاسِ في مَواطِنِهِمْ.

تَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ فَلا نَخافُ أحَدًا، ونَحْنُ أهْلُ بَيْتِ اللَّهِ ووُلاتُهُ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ في " بِهِ " لِلْكِتابِ، فَيَكُونَ المَعْنى: تُحْدِثُ لَكم تِلاوَتُهُ عَلَيْكُمُ اسْتِكْبارًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سامِرًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: تَهْجُرُونَ سُمّارًا، والسّامِرُ بِمَعْنى السُّمّارِ، بِمَنزِلَةِ طِفْلٍ في مَوْضِعِ أطْفالٍ، وهو مِن سَمَرِ اللَّيْلِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سامِرًا "؛ أيْ: مُتَحَدِّثِينَ لَيْلًا، والسَّمَرُ: حَدِيثُ اللَّيْلِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( سُمَّرًا ) بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وفَتْحِها، جَمْعُ سامِرٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( سُمّارًا ) بِرَفْعِ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وألْفٍ بَعْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( تَهْجُرُونَ ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ.

وفي مَعْناها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَهْجُرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ والحَقَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تَهْجُرُونَ كِتابَ اللَّهِ تَعالى ونَبِيَّهُ  ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: تَهْجُرُونَ البَيْتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ قُرَيْشٌ تَسْمُرُ حَوْلَ البَيْتِ، وتَفْتَخِرُ بِهِ ولا تَطُوفُ بِهِ.

والرّابِعُ: تَقُولُونَ هَجْرًا مِنَ القَوْلِ، وهو اللَّغْوُ والهَذَيانُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: قَدْ هَجَرَ الرَّجُلُ في مَنامِهِ: إذا هَذى، والمَعْنى: إنَّكم تَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ  ما لَيْسَ فِيهِ وما لا يَضُرُّهُ.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ: ( تَهْجُرُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا مِنَ الهَجْرِ، وهو السَّبُّ والإفْحاشُ مِنَ المَنطِقِ، يُرِيدُ: سَبُّهم لِلنَّبِيِّ  ومَنِ اتَّبَعَهُ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ: ( تُهَجِّرُونَ ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ ورَفْعِ التّاءِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْناها مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ ﴾ ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ ﴾ المَعْنى: يُقالُ لَهم يَوْمَ العَذابِ عِنْدَ حُلُولِهِ: ﴿ لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ ﴾ ، وهَذا القَوْلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، أيْ: تَقُولُ ذَلِكَ لَهُمُ المَلائِكَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا، أيْ: لِسانُ الحالِ يَقُولُ ذَلِكَ، وهَذا عَلى أنَّ الَّذِينَ يَجْأرُونَ هُمُ المُعَذَّبُونَ، وأمّا عَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَلا يُحْتَمَلُ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ المَلائِكَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةُ يُرِيدُ بِها القُرْآنُ.

و"تَنْكِصُونَ" مَعْناهُ: تَرْجِعُونَ وراءَكُمْ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلْإعْراضِ والإدْبارِ عَنِ الحَقِّ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: "عَلى أدْبارِكم تَنْكِصُونَ" بِضَمِّ الكافِ وبِذِكْرِ الأدْبارِ بَدَلًا مِنَ الأعْقابِ.

و"مُسْتَكْبِرِينَ" حالٌ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ الجُمْهُورُ: هو عائِدٌ عَلى الحَرَمِ والمَسْجِدِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِشُهْرَتِهِ في الأمْرِ، والمَعْنى: أنَّكم تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم أنَّ لَكم بِالمَسْجِدِوالحَرَمِ أعْظَمَ الحُقُوقِ عَلى الناسِ والمَنازِلِ عِنْدَ اللهِ، فَأنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ لِذَلِكَ، ولَيْسَ الِاسْتِكْبارُ مِنَ الحَقِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ مِن حَيْثُ ذَكَرَتِ الآياتُ، والمَعْنى: يُحْدِثُ لَكم سَماعُ الآياتِ كُفْرًا وطُغْيانًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ.

وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَمِيرَ لِمُحَمَّدٍ -  - وهو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، كَأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: "مُسْتَكْبِرِينَ"، ثُمْ قالَ لِمُحَمَّدٍ -  : ﴿ سامِرًا تَهْجُرُونَ ﴾ .

وَقَوْلُهُ: "سامِرًا" حالٌ، وهو مُفْرِدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، يُقالُ: قَوَّمَ سَمُرَ وسَمِرَ وسامِرٌ، ومَعْناهُ سَهَرَ اللَيْلَ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَمَرِ وهو ما يَقَعُ عَلى الأشْخاصِ مِن ضَوْءِ القَمَرِ، فَكانَتِ العَرَبُ تَجْلِسُ لِلسَّمَرِ تَتَحَدَّثُ، وهَذا أوجَبَ مَعْرِفَتَها بِالنُجُومِ؛ لِأنَّها تَجْلِسُ في الصَحْراءِ فَتَرى الطَوالِعَ مِنَ الغَوارِبَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سامِرًا"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "سُمّارًا"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعِكْرِمَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "سَمَرًا"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: مِن دُونِهِمْ إنْ جِئْتَهم سَمَرًا عَزَفُ القِيانِ ومَجْلِسٌ غُمْرٌ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُسْمِرُ حَوْلَ الكَعْبَةِ مَجالِسَ في أباطِيلِها وكَفْرِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَهْجُرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الجِيمِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْناها -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناها: تَهْجُرُونَ الحَقَّ وذِكْرَ اللهِ تَعالى، مِنَ الهَجْرِ المَعْرُوفِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَن هَجْرِ المَرِيضِ إذا هَذِي، أيْ: تَقُولُونَ اللَغْوَ مِنَ القَوْلِ، وقالَهُ أبُو حاتِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "تَهْجُرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسَرِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومَعْناهُ: يَقُولُونَ الفُحْشَ والهَجْرَ مِنَ القَوْلِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى سَبِّهِمْ لِرَسُولِ اللهِ -  - وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا وغَيْرُهُ، وفي الحَدِيثِ: «كُنْتُ نَهَيْتُكم عن زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها ولا تَقُولُوا هَجْرًا»، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي نَهِيكٍ "تُهَجِّرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الجِيمِ مَكْسُورَةً، وهو تَضْعِيفُ هَجْرَ وتَكْثِيرُ الهَجْرِ والهَجْرُ عَلى المَعْنَيَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيِّ: لَوْ قِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّكم تُبالِغُونَ في المُهاجَرَةِ حَتّى أنَّكم وإنْ كُنْتُمْ سُمْرًا بِاللَيْلِ فَكَأنَّكم تَهْجُرُونَ في الهاجِرَةِ عَلى غايَةِ الِافْتِضاحِ لَكانَ وجْهًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا تَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ تَكْثِيرُ "تُهَجِّرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ لِأنَّ أفْعَلَ لا يَتَعَدّى ولا يَكْثُرُ بِتَضْعِيفٍ؛ إذِ التَضْعِيفُ والهَمْزَةُ مُتَعاقِبانِ.

ثُمْ وبَّخَهم عَلى إعْراضِهِمْ بَعْدَ تَدَبُّرِ القَوْلِ لِأنَّهم -بَعْدَ التَدَبُّرِ والنَظَرِ الفاسِدِ- قالَ بَعْضُهُمْ: شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وسائِرُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْ جاءَهُمْ" ﴾ كَذَلِكَ تَوْبِيخٌ أيْضًا، والمَعْنى: أأبْدَعَ لَهم أمْرًا لَمْ يَكُنْ في الناسِ قَبْلَهُمْ؟

بَلْ قَدْ جاءَ الرُسُلُ قَبْلُ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ -عَلَيْهِمُ السَلامُ- وفي هَذا التَأْوِيلِ مِنَ التَجَوُّزِ أنْ جَعَلَ سالِفَ الأُمَمِ آباءٌ؛ إذِ الناسُ في الجُمْلَةِ آخِرُهم مِن أوَّلِهِمْ.

وَيَحْتَمِلُ اللَفْظُ مَعْنًى آخَرَ عَلى أنْ يُرادَ بِآباءِهِمُ الأوَّلِينَ مِن فَرْطِ مَن سَلَّفَهم في العَرَبِ، كَأنَّهُ قالَ: أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم أمْرٌ غَرِيبٌ مِن عِنْدِ اللهِ لَمْ يَأْتِ آباءُهم فَبَهَرَ عُقُولَهُمْ، ونَبَتْ عنهُ أذْهانُهُمْ، فَكَأنَّ التَوْبِيخَ يَتَّسِقُ بِأنْ يُقَدَّرَ الكَلامُ: أفَلَمَّ يَدَبَّرُوا أمْ بُهِرَتْ عُقُولُهم ونَبَتْ أذْهانُهم عن أمْرٍ مِن أُمُورِ اللهِ غَرِيبٌ في سَلَفِهِمْ؟

والمَعْنى الأوَّلُ أبْيَنُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ حتى ﴾ ابتدائية.

وقد تقدم ذكرها في سورة الأنبياء عند قوله تعالى: ﴿ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ﴾ [الأنبياء: 96].

و (حتى) الابتدائية.

يكون ما بعدها ابتداء كلام، فليس الدال على الغاية لفظاً مفرداً كما هو الشأن مع (حتى) الجارة و(حتى) العاطفة، بل هي غاية يدل عليها المقام والأكثر أن تكون في معنى التفريع.

وبهذه الغاية صار الكلام تهديداً لهم بعذاب سيحل بهم يجأرون منه ولا ملجأ لهم منه.

والظاهر أنه عذاب في الدنيا بقرينة قوله: ﴿ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجّوا في طغيانهم يعمهون ﴾ [المؤمنون: 75].

و ﴿ إذا ﴾ الأولى ظرفية فيها معنى الشرط فلذلك كان الأصل والغالب فيها أن تدل على ظرف مستقبل.

و ﴿ إذا ﴾ الثانية فجائية داخلة على جواب شرط (إذا).

والمترَفون: المُعْطَون تَرَفاً وهو الرفاهية، أي المنعَّمون كقوله تعالى: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ﴾ [المزمل: 11] فالمترفون منهم هم سادتهم وأكابرهم والضمير المضاف إليه عائد إلى جميع المشركين أصحاب الغمرة.

وإنما جعل الأخذ واقعاً على المترفين منهم لأنهم الذين أضلوا عامة قومهم ولولا نفوذ كلمتهم على قومهم لاتبعت الدهماء الحق لأن العامة أقرب إلى الإنصاف إذا فهموا الحق بسبب سلامتهم من جل دواعي المكابرة من توقع تقلص سؤدد وزوال نعيم.

وكذلك حقّ على قادة الأمم أن يؤاخذوا بالتبعات اللاحقة للعامة من جراء أخطائهم ومغامرتهم عن تضليل أو سوء تدبر، وأن يُسألوا عن الخيبة أن ألقوا بالذين اتبعوهم في مهواة الخطر كما قال تعالى: ﴿ وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً ﴾ [الأحزاب: 67، 68]، وقال ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يُضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ﴾ [النحل: 25].

وتخصيص المترَفين بالتعذيب مع أن شأن العذاب الإلهي إن كان دنيوياً أن يعم الناس كلهم إيماء إلى أن المترفين هم سبب نزول العذاب بالعامة، ولأن المترفين هم أشد إحساساً بالعذاب لأنهم لم يعتادوا مس الضراء والآلام.

وقد علم مع ذلك أن العذاب يعم جميعهم من قوله: ﴿ إذا هم يجئرون ﴾ فإن الضميرين في ﴿ إذا هم ﴾ و ﴿ يجأرون ﴾ عائدان إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ مترفيهم ﴾ بقرينة قوله: ﴿ قد كانت آياتي تتلى عليكم ﴾ إلى قوله ﴿ سامراً تهجرون ﴾ فإن ذلك كان من عمل جميعهم.

ويجوز أن يكون المراد بالمترفين جميع المشركين فتكون الإضافة بيانية ويكون ذكر المترفين تهويلاً في التهديد تذكيراً لهم بأن العذاب يزيل عنهم ترفهم؛ فقد كان أهل مكة في ترف ودعة إذ كانوا سالمين من غارات الأقوام لأنهم أهل الحرم الآمن وكانوا تُجْبَى إليهم ثمرات كل شيء وكانوا مكرَّمين لدى جميع القبائل، قال الأخطل: فأما الناس ما حاشا قريشاً *** فإنا نحن أفضلهم فعالا وكانت أرزاقهم تأتيهم من كل مكان قال تعالى: ﴿ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ﴾ [قريش: 4]، فيكون المعنى: حتى إذا أخذناهم وهم في ترفهم، كقوله: ﴿ وذرني والمكَذِّبين أولي النعمة ومَهِّلْهم قليلاً ﴾ [المزمل: 11].

ويجوز أن يكون المراد حلول العذاب بالمترفين خاصة، أي بسادتهم وصناديدهم وهو عذاب السيف يوم بدر فإنه قتل يومئذ كبراء قريش وهم أصحاب القليب.

قال شداد ابن الأسود: وماذا بالقليب قليب بدر *** من الشيزى تزيَّن بالسنام وماذا بالقليب قليب بدر *** من القينات والشَّرب الكرام يعني ما ضمنه القليب من رجال كانت سجاياهم الإطعام والطرب واللذات.

وضمير ﴿ إذا هم يجأرون ﴾ على هذا الوجه عائد إلى غير المترفين لأن المترفين قد هلكوا فالبقية يجأرون من التلهف على ما أصاب قومهم والإشفاق أن يستمر القتل في سائرهم فهم يجأرون كلما صرع واحد من سادتهم ولأن أهل مكة عجبوا من تلك المصيبة ورَثَوا أمواتهم بالمراثي والنياحات.

ثم الظاهر أن المراد من هذا العذاب عذاب يحل بهم في المستقبل بعد نزول هذه الآية التي هي مكية فيتعين أن هذا عذاب مسبوق بعذاب حل بهم قبله كما يقتضيه قوله تعالى بعد ﴿ ولقد أخذناهم بالعذاب ﴾ [المؤمنون: 76] الآية.

ولذا فالعذاب المذكور هنا عذاب هُددوا به، وهو إما عذاب الجوع الثاني الذي أصاب أهل مكة بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته.

ذلك أنه لما أسلم ثمامة بن أُثال الحنفي عقب سرية خالد بن الوليد إلى بني كلب التي أخذ فيها ثمامة أسيراً وأسلم فمنع صدور الميرة من أرض قومه باليمامة إلى أهل مكة وكانت اليمامة مصدر أقواتهم حتى سميت ريف أهل مكة فأصابهم جوع حتى أكلوا العِلهِز والجيف سبع سنين، وإما عذاب السيف الذي حل بهم يوم بدر.

وقيل إن هذا العذاب عذاب وقع قبل نزول الآية وتعين أنه عذاب الجوع الذي أصابهم أيام مقام النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثم كشفه الله عنهم ببركة نبيه وسلامة للمؤمنين، وذلك المذكور في سورة الدخان (12) ﴿ ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.

﴾ وقيل العذاب عذاب الآخرة.

ويبعد هذا القول أنه سيذكر عذاب الآخرة في قوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون...

﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ [المؤمنون: 99 114] كما ستعلمه.

وتجيء منه وجوه من الوجوه المتقدمة لا يخفى تقريرها.

ومعنى ﴿ يجأرون ﴾ يصرخون ومصدره الجأر.

والاسم الجُؤَار بضم الجيم وهو كناية عن شدة ألم العذاب بحيث لا يستطيعون صبراً عليه فيصدر منهم صراخ التأوه والويل والثبور.

وجملة ﴿ لا تَجْأَرُوا اليوم ﴾ معترضة بين ما قبلها وما تفرع عليه من قوله: ﴿ أفلم يدبروا القول ﴾ [المؤمنون: 68] وهي مقول قول محذوف، أي تقول لهم: لا تجأروا اليوم.

وهذا القول كلام نفسي أعلمهم الله به لتخويفهم من عذاب لا يغني عنهم حين حلوله جؤار إذ لا مجيب لجؤارهم ولا مغيث لهم منه إذ هو عذاب خارج عن مقدور الناس لا يطمع أحد في تولي كشفه.

وهذا تأييس لهم من النجاة من العذاب الذي هُددوا به.

وإذا كان المراد بالعذاب عذاب الآخرة فالقول لفظي والمقصود منه قطع طماعيتهم في النجاة.

والنهي عن الجؤار مستعمل في معنى التسوية.

وورود النهي في معنى التسوية مقيس على ورود الأمر في التسوية.

وعثرت على اجتماعهما في قوله تعالى: ﴿ اصبروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم ﴾ [الطور: 16].

وجملة ﴿ إنكم منا لا تنصرون ﴾ تعليل للنهي المستعمل في التسوية، أي لا تجأروا إذ لا جدوى لِجُؤَاركم إذ لا يقدر مجير أن يجيركم من عذابنا، فموقع (إن) إفادة التعليل لأنها تغني غناء فاء التفريع.

وضمّن ﴿ تنصرون ﴾ معنى النجاة فعدي الفعل ب (مِن)، أي لا تنجون من عذابنا.

فثَمّ مضاف محذوف بعد (مِن)، وحذف المضاف في مثل هذا المقام شائع في الاستعمال.

وتقديم المجرور للاهتمام بجانب الله تعالى ولرعاية الفاصلة.

وقوله: ﴿ قد كانت آياتي تتلى عليكم ﴾ استئناف.

والخبر مستعمل في التنديم والتلهيف.

وإنما لم تعطف الجملة على جملة ﴿ إنكم منا لا تنصرون ﴾ لقصد إفادة معنى بها غير التعليل إذ لا كبير فائدة في الجمع بين علتين.

والآيات هنا هي آيات القرآن بقرينة ﴿ تتلى ﴾ إذ التلاوة القراءة.

والنكوص: الرجوع من حيث أتى، وهو الفرار.

والأعقاب: مؤخر الأرجل.

والنكوص هنا تمثيل للإعراض وذكر الأعقاب ترشيح للتمثيل.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه ﴾ في سورة الأنفال (48).

وذكر فعل (كنتم) للدلالة على أن ذلك شأنهم.

وذكر المضارع للدلالة على التكرر فلذلك خُلق منهم مُعاد مكرورٌ.

وضمير ﴿ به ﴾ يجوز أن يكون عائداً على الآيات لأنها في تأويل القرآن فيكون ﴿ مستكبرين ﴾ بمعنى معرضين استكباراً ويكون الباء بمعنى (عن)، أو ضمّن ﴿ مستكبرين ﴾ معنى ساخرين فعدي بالباء للإشارة إلى تضمينه.

ويجوز أيضاً أن يكون الضمير للبيت أو المسجد الحرام وإن لم يتقدم له ذكر لأنه حاضر في الأذهان فلا يسمع ضمير لم يتقدم له معاد إلا ويُعلم أنه المقصود بمعونة السياق لا سيما وقد ذكرت تلاوة الآيات عليهم.

وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم آيات القرآن في المسجد الحرام إذ هو مجتمعهم.

فتكون الباء للظرفية.

وفيه إنحاء عليهم في استكبارهم.

وفي كون استكبارهم في ذلك الموضع الذي أمر الله أن يكون مظهراً للتواضع ومكارم الأخلاق، فالاستكبار في الموضع الذي شأن القائم فيه أن يكون قانتاً لله حنيفاً أشنعُ استكبار.

وعن منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي قاضي قرطبة أن الضمير في قوله ﴿ به ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم والباء حينئذٍ للتعدية، وتضمين ﴿ مستكبرين ﴾ معنى مكذبين لأن استكبارهم هو سبب التكذيب.

﴿ وسامراً ﴾ حال ثانية من ضمير المخاطبين، أي حال كونكم سامرين.

والسامر: اسم لجمع السامرين، أي المتحدثين في سمر الليل وهو ظلمته، أو ضوء قمره.

وأطلق السمر على الكلام في الليل، فالسامر كالحاج والحاضر والجامل بمعنى الحجاج والحاضرين وجماعة الجمال.

وعندي أنه يجوز أن يكون ﴿ سامراً ﴾ مراداً منه مجلس السمر حيث يجتمعون للحديث ليلاً ويكون نصبه على نزع الخافض، أي في سامركم، كما قال تعالى: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ [العنكبوت: 29].

﴿ وتُهجِرون ﴾ بضم التاء وسكون الهاء وكسر الجيم في قراءة نافع مضارع أهجر: إذا قال الهُجر بضم الهاء وسكون الجيم وهو اللغو والسب والكلام السيء.

وقرأ بقية العشرة بفتح التاء من هجر إذا لغا.

والجملة في موضع الصفة ل ﴿ سامراً ﴾ ، أي في حال كونكم متحدثين هجراً وكان كبراء قريش يسمرون حول الكعبة يتحدثون بالطعن في الدين وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في غِطاءٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: في غَفْلَةٍ قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ مِن هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن هَذا القُرْآنِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: مِن هَذا الحَقِّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

﴿ وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَطايا [يَعْمَلُونَها] مِن دُونِ الحَقِّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّانِي: أعْمالٌ [رَدِيئَةٌ] لَمْ يَعْمَلُوها وسَيَعْمَلُونَها، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ ظَلَمَ المَخْلُوقِينَ مَعَ الكُفْرِ بِالخالِقِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ ﴾ فِيهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُوَسَّعُ عَلَيْهِمْ بِالخِصْبِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: بِالمالِ والوَلَدِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ عامًّا وعَلى الثّانِي يَكُونُ خاصًّا.

﴿ إذا هم يَجْأرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَجْزَعُونَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّانِي: يَسْتَغِيثُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: يَصِيحُونَ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.

والرّابِعُ: يَصْرُخُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ، فَلا تُقْبَلُ مِنهم، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلى بَدْرٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ ﴾ هُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبَدْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أعْقابِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَسْتَأْخِرُونَ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: تَكْذِبُونَ.

والثّالِثُ: رُجُوعُ القَهْقَرى.

وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: زَعَمُوا أنَّهم عَلى سُبُلِ الحَقِّ وأنا نَكْصٌ عَلى الأعْقابِ وَهُوَ أيِ النُّكُوصُ، مُوَسَّعٌ هُنا ومَعْناهُ تَرْكُ القَبُولِ.

﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ﴾ أيْ بِحُرْمَةِ اللَّهِ، ألّا يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أحَدٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: مُسْتَكْبِرِينَ بِمُحَمَّدٍ أنْ يُطِيعُوهُ، وبِالقُرْآنِ أنْ يَقْبَلُوهُ.

﴿ سامِرًا تَهْجُرُونَ ﴾ سامِرٌ فاعِلٌ مِنَ السَّمَرِ.

وَفي السَّمَرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَدِيثُ لَيْلًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وقِيلَ بِهِ: سَمَرًا تَهْجُرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ ظِلُّ القَمَرِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى، والعَرَبُ تَقُولُ حَلَفَ بِالسَّمَرِ والقَمَرِ أيْ بِالظُّلْمَةِ والضِّياءِ، لِأنَّهم يَسْمُرُونَ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وضَوْءِ القَمَرِ، والعَرَبُ تَقُولُ أيْضًا: لا أُكَلِّمُهُ السَّمَرَ والقَمَرَ، أيِ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وقالَ الزَّجّاجُ ومِنَ السَّمَرِ أُخِذَتْ سُمْرَةُ اللَّوْنِ.

وَفي ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَهْجُرُونَ الحَقَّ بِالإعْراضِ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تَهْجُرُونَ في القَوْلِ بِالقَبِيحِ مِنَ الكَلامِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.

وَقَرَأ نافِعٌ ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ وهو مِن هَجْرِ القَوْلِ.

وَفي مَخْرَجِ هَذا الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْكارُ تَسامُرِهِمْ بِالإزْراءِ عَلى الحَقِّ مَعَ ظُهُورِهِ لَهم.

الثّانِي: إنْكارًا مِنهم حَتّى تَسامَرُوا في لَيْلِهِمْ والخَوْفُ أحَقُّ بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج النسائي عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ الآية.

قال: هم أهل بدر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ قال: ذكر لنا أنها نزلت في الذين قتل الله يوم بدر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ قال: بالسيوف يوم بدر ﴿ إذا هم يجأرون ﴾ قال: الذين بمكة.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ قال: بالسيف يوم بدر.

وأخرج ابن ابي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ أخذنا مترفيهم ﴾ قال: مستكبريهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذا هم يجأرون ﴾ قال: يستغيثون.

وفي قوله: ﴿ سامرا تهجرون ﴾ قال: تسمرون حول البيت وتقولون هجراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ تنكصون ﴾ قال: تستأخرون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ مستكبرين به ﴾ قال: بالبيت الحرام ﴿ سامرا ﴾ قال: كان سامرهم لا يخاف مما اعطوا من الأمن، وكانت العرب تخاف سامرهم ويغزو بعضهم بعضاً، وكان أهل مكة لا يخافون ذلك بما أعطوا من الأمن ﴿ تهجرون ﴾ قال: يتكلمون بالشرك والبهتان في حرم الله وعند بيته قال: وكان الحسن يقول: ﴿ سامرا تهجرون ﴾ كتاب الله ونبي الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ مستكبرين به ﴾ قال: بحرمي ﴿ سامراً تهجرون ﴾ قال: القرآن وذكري ورسولي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ مستكبرين به ﴾ قال: بحرم الله، إنه لا يظهر عليهم فيه أحد.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ مستكبرين به سامراً تهجرون ﴾ قال: مستكبرين بحرمي، ﴿ سامراً ﴾ فيه مما لا ينبغي من القول.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي جاتم عن مجاهد ﴿ مستكبرين به ﴾ قال: بمكة بالبلد ﴿ سامرا ﴾ قال: مجالساً ﴿ تهجرون ﴾ ، بالقول السيء في القرآن.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح، ﴿ مستكبرين به ﴾ قال: بالقرآن.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ سامراً تهجرون ﴾ قال: كانوا يهجرون على اللهو والباطل، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر يقول: وباتو بشعب لهم سامراً ** إذا خب نيرانهم أوقدوا وأخرج سعيد سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت قريش تسمر حول البيت ولا تطوف به، ويفتخرون به، فأنزل الله: ﴿ مستكبرين به سامراً تهجرون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ سامراً تهجرون ﴾ قال: كانت قريش يستحلقون حلقاً يتحدثون حول البيت.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ﴿ مستكبرين به سامراً تهجرون ﴾ قال: كان المشركون يهجرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول في سمرهم» .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ سامراً تهجرون ﴾ بنصب التاء ورفع الجيم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه قرأ ﴿ سامراً تهجرون ﴾ وكانوا إذا سمروا هجروا في القول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ سامراً تهجرون ﴾ قال: تهجرون الحق.

وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما كره السمر ﴿ تهجرون ﴾ قال: كانوا يهجرونه ولا يعمرونه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ ﴾ .

أي يقال لهم: لا تجأروا اليوم.

فأضمر القول.

قال ابن عباس: يريد لا تتضرعوا] (١) ﴿ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ ﴾ قال مقاتل: يقول: لا تمنعون منا (٢) والمعنى: لا تُحفظون من أمر يريده الله بكم.

يعني القتل ببدر.

قال قتادة: نزلت في الذين قتلوا يوم بدر (٣) ثم ذكر أن إعراضهم عن القرآن أوجب أخذهم بالعذاب بقوله: (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).

(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.

(٣) رواه عبد الرزاق 2/ 47، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 107 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هذا ﴾ أي في غفلة من الدين بجلمته ومن القرآن، وقيل: من الكتاب المذكور، وقيل: من الأعمال التي وصف بها المؤمنون ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك ﴾ أي لهم أعمال سيئة دون الغمرة التي هم فيها، فالمعنى أنهم يجمعون بين الكفر وسوء الأعمال، والإشارة بذلك على هذا إلى الغمرة، وإنما أشار إليها بالتأكيد لأنها في معنى الكفر، وقيل: الإشارة إلى قوله من هذا: أي لهم أعمال سيئة غير المشار إليها حسبما اختلف فيه ﴿ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾ قيل: هي إخبار عن أعمالهم في الحال، وقيل: عن الاستقبال، وقيل: المعنى أنهم يتمادون على عملها حتى يأخذهم الله فجعل.

﴿ حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ ﴾ غاية لقوله: ﴿ عَامِلُونَ ﴾ ﴿ مُتْرَفِيهِمْ ﴾ أي أغنياؤهم وكبراؤهم ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ أي يستغيثون ويصيحون فإن أراد العذاب قتل المترفين يوم بدر: فالضمير في يجأرون لسائر قريش: أي صاحوا وناحوا على القتلى، وإن أراد بالعذاب شدائد الدنيا أو عذاب الآخرة: فالضمير لجميعهم ﴿ لاَ تَجْأَرُواْ اليوم ﴾ تقديره: يقال لهم يوم العذاب: لا تجأروا ويحتمل أن يكون هذا القول حقيقة، وأن يكون بلسان الحال ولفظه نهي، ومعناه: أن الجؤار لا ينفعهم ﴿ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ ﴾ أي ترجعون إلى وراء وذلك عبارة عن إعراضهم عن الآيات وهي القرآن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تهجرون ﴾ بضم التاء وكسر الجيم: نافع.

الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ﴿ خرجاً فخرج ﴾ بغير الالف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف.

الباقون بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ سيقولون الله ﴾ الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون باللام فيهما كالأول حملا على المعنى لأن قولك "من رب هذا" "ولمن هذا" في معنى واحد.

الوقوف: ﴿ مشفقون ﴾ ه لا ﴿ يؤمنون ﴾ لا ﴿ يشركون ﴾ ه لا ﴿ راجعون ﴾ ه لا لأن الكل معطوفات على اسم "إن" والخبر ﴿ أولئك ﴾ الجملة ﴿ سابقون ﴾ ه لا ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ يجأرون ﴾ ه لا لحق القول ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ تنكصون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ مستكبرين ﴾ ه قد قيل: على جعل الجار والمجرور مفعول ﴿ سامراً ﴾ أو مفعول ﴿ تهجرون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه لصورة الاستفهام وهو العطف ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ط لأن الاستفهام إنكار ﴿ خير ﴾ ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه.

﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الناكبون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ه ﴿ لمبعوثون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تسحرون ﴾ ه ﴿ لكاذبون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما نفى الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ربهم وظاهره ينبئ عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على اثره وهو الدوام في الطاعة.

والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادّون في طلب مرضاته.

ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف اي هم من سخط الله عاجلاً ومن عقابه آجلاً في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي.

وفيه أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى.

الثانية قوله ﴿ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ﴾ والظاهر أنها القرآن.

وقيل: هي المخلوقات الدالة على وجود الصانع.

وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهراً.

الثالثة التبري عما سوى الله ظاهراً وباطناً بأن لايشرك به طرفة عين.

الرابعة قوله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ أي يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ خائفة في شأن ذلك الإعطاء.

ثم علل ذلك الوجل بقوله ﴿ أنهم ﴾ اي لأنهم ﴿ إلى ربهم راجعون ﴾ فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص.

والظاهر أن هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما روي "أن رسول الله  قرأ ﴿ ويأتون ما أتوا ﴾ أي يفعلون ما فعلوا.

وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟

قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه." وفي قوله ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها.

قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين.

وقال في قوله ﴿ وهم لها سابقون ﴾ إنه متروك المفعول أو منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها سابقون كقولك "هو لزيد ضارب" بمعنى "هو زيداً ضارب" جئت باللام لضعف عمل اسم الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث عجلت لهم في الدنيا.

وجوّز أن يكون ﴿ لها سابقون ﴾ خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك "هذا هو" لهذا الأمر أي صالح له.

وحين أنجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لهما الأوّل قوله ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً وإلا فليوم إيماء.

وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم.

الثاني قوله ﴿ ولدينا كتاب ينطق ﴾ والمراد ينطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل.

والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم.

أما قوله ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ ففيه طريقان: أحدهما رادع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون.

﴿ ولهم أعمال ﴾ متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى.

﴿ هم لها عاملون ﴾ في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا بها حكم الشقاء الأزلي.

وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه  قال بعد وصفهم ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء.

﴿ ولدينا كتاب ﴾ يحفظ أعمالهم.

﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ الذي وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود ﴿ ولهم أعمال ﴾ من ﴿ دون ذلك ﴾ الذي وصف ﴿ هم لها عاملون ﴾ وهي النوافل السرية والأعمال القلبية.

ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله  فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف" .

فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة واقدّ والأولاد.

والجؤار الصراخ باستغاثة.

ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت ﴿ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ﴾ لا تغاثون من جهتنا أو لا تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم.

ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ورائه وقد مر في "الأنعام".

وفي مرجع الضمير في ﴿ به ﴾ أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم.

والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.

وثانيها مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.

وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكباراً وعتوّاً.

ورابعها أنه يتعلق بـ ﴿ ـسامراً ﴾ أو بـ ﴿ ـتهجرون ﴾ والهجر بالضم الفحش وبالفتح الهذيان،و أهجر في منطقه إذا أفحش.

والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله  والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.

ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور اربعة: الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به.

الثاني قوله ﴿ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الولين ﴾ والمراد أمر الرسالة.

ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم  ﴾ فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.

وقيل: إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟

عن النبي  "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا اسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً" الثالث قوله ﴿ أم لم يعرفوا ﴾ نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟

الرابع نسبتهم إياه إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلاً ولكنه جاء بما يخالف هواهم فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم.

ثم أضرب عن أقوالهم منبهاً على مصدوقية أمر النبي فقال ﴿ بل جاءهم ﴾ متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو الباء للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ واقلهم كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفاً من قالة الأعداء كما يحكى عن ابي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه.

ثم بين أن الإلهية تقتضي الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله العالمين وقدّره فقال ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو انقلب الإسلام شركاً كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ولم يؤخر.

وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمراً بالشرك والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلهاً ولكان شيطاناً فلا يقدر على إمساك السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم.

ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت للمصاحبة فعلى حذف مضاف اي أتاهم رسولنا متلبساً بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين  ﴾ ثم بيّن أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال ﴿ أم تسألهم خرجاً ﴾ أي جعلاً وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف.

وقيل: الخرج أقل ولذا قرأ الأكثرون ﴿ خرجاً فخراج ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.

وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ومكنون سره فقال ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ هو دين الإسلام لا تدعوهم إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالآخرة عن ﴿ الصراط ﴾ المستقيم المذكور ﴿ لناكبون ﴾ والتركيب يدور على العدول عن القصد ومنه المنكب لمجمع عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم.

ثم بين إصرارهم على الكفر بقوله ﴿ ولو رحمناهم ﴾ الآية.

"يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنه الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله  فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟

فقال: بلى.

فقال الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر" فأنزل الله الآية.

والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه من الطغيان.

ثم استشهد على ذلك بقوله ﴿ ولقد أخذناهم ﴾ اي قبل ذلك ﴿ بالعذاب ﴾ يعني ما جرى عليهم يوم بدر ﴿ فما استكانوا لربهم ﴾ أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في "آل عمران" ﴿ وما يتضرعون ﴾ عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم واشدهم شكيمة وأخشنهم عريكة يستعطفك.

ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد منهم انقياد للحق وهم كذلك إذ عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس السكوت مع تحير أو الياس من كل خير.

ثم نبه بقوله ﴿ وهو الذي أنشأ لكم ﴾ على أن اسباب التأمل في الدلائل موجودة، وابواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي.

وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أي تشكرون شكراً قليلاً "وما" مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد.

وعن أبي مسلم أنه قال: اراد بالقلة العدم.

وفي الآية ثلاثة معان: أحدها إظهار النعمة.

وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين لشهوده بالله.

وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل.

ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال ﴿ وهو الذي ذرأكم ﴾ اي خلقكم وبثكم في الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه تحشرون بعد تفرقكم ﴿ وهو الذي يحيي ويميت ﴾ وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ﴿ وله اختلاف الليل والنهار ﴾ أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت والحياة.

وفي قوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ وتهديد.

ثم نبه بقوله ﴿ بل قالوا ﴾ الآيات على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد.

قال علماء المعاني: قوله ﴿ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ﴾ واراد على الأصل لأن التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني.

وأما في سورة النمل فسبب تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر هناك على قوله ﴿ تراباً ﴾ والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار.

ثم رد على منكري الإعادة أو على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كان عندكم علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوّز أن يشتبه عليهم مثل هذا المكشوف الجلي.

وفي قوله ﴿ افلا تذكرون ﴾ ترغيب في التدبر وبعث على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها كان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادراً على إعادة ما أفناه، وفي قوله ﴿ أفلا تتقون ﴾ مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء مخالفته، قال جار الله: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث احد منه أحداً ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ بهذه الصفة غيره فأجيبوني به.

ومعنى ﴿ تسحرون ﴾ تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى.

ثم بين بقوله ﴿ بل أتيناهم بالحق ﴾ أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما هو الحق والصدق ﴿ وإنهم ﴾ مع ذلك ﴿ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون إليه العجز عن الإعادة.

التأويل: ﴿ من خشية ربهم مشفقون ﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿ بآيات ربهم يؤمنون ﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿ بربهم لا يشركون ﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿ وهم لها سابقون ﴾ على قدر سبق العناية ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف.

﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة.

﴿ ولقد أخذناهم ﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم ﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿ وله اختلاف ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿ قالوا أئذا متنا ﴾ فيه أن الياس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿ وهو يجير ﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ .

قيل: في عماية وجهالة وغفلة، ﴿ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ : من الكتاب الذي فيه أعمالهم، وأحصى عليهم.

وقال قائلون في قوله: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ : أي: من هذا القرآن الذي ينطق بالحق، أي: قلوبهم في عماية وغفلة من هذا القرآن.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ من الأعمال التي ذكر للمؤمنين فيما تقدم: من ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من أعمالهم، فأخبر أن قلوب أولئك الكفرة في غفلة وعماية من الأعمال التي عملها المؤمنون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: من دون ما عمل أولئك الكفرة من الأعمال التي تقدم ذكرها: من قوله: ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ على ما ذكر، ثم أخبر أن لهم أعمالا دون ما ذكر.

وقال قائلون: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ ﴾ ، يعني: المؤمنين الذين ذكر أعمالهم، أي: لهم أعمال دون الذي ذكر لهم دون تلك الأعمال.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ذلك في العذاب الذي أخذ أهل مكة في الدنيا من الجوع الذي نزل بهم حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة ونحوه.

لكن الأشبه أن يكون ذلك في عذاب الآخرة؛ ألا ترى أنه يقول: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ أي: يتضرعون.

ويقول أيضاً: ﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ ﴾ فإنما يخبر: أن كنتم تفعلون كذا في الدنيا، ويذكر: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ ؛ فلا يحتمل أن يتضرعوا إليه في الدنيا، ثم لا يقبل منهم ذلك التضرع، أو ينهاهم عن التضرع بقوله: ﴿ لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ ؛ فدل ذلك أنه في الآخرة، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

﴾ الآية [غافر: 84]؛ مثل هذا يكون في الآخرة، وفي الدنيا ما ذكر: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 76\]: ذكر في عذاب الدنيا أنهم لم يتضرعوا في الدنيا عند نزول العذاب بهم، [و] لا يقبل منهم التضرع والاستكانة؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ .

نهاهم عن التضرع، ولا يحتمل النهي عن ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ ﴾ .

أي: لا تمنعون من عذابه.

وقوله: ﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ ترجعون على التمثيل، ليس على التحقيق؛ لأنهم إذا رجعوا على الأعقاب صار ما كان أمامهم وراءهم؛ فكأنهم نبذوا ذلك وراء ظهورهم.

أو أن يكون المنقلب على الأعقاب كالمكب على الوجه، والمكب على وجهه مذموم عند جميع من رآه وعاينه؛ لهذا شبه به وضرب مثله به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ بِهِ ﴾ ، أي: بالبيت.

ووجه هذا: أنهم لما رأوا أنفسهم آمنين بمقامهم عند البيت وفي حرم الله، وأهل سائر البقاع في خوف - ظنوا أن ذلك لهم؛ لفضل كرامتهم ومنزلتهم عند الله؛ فحملهم ذلك على الاستكبار على رسول الله ومن تابعه.

وقال بعضهم: ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ ﴾ ، أي: بالقرآن وتأويله، أي: استكبروا على الله ورسوله لما نزل القرآن، وإضافة الاستكبار إلى القرآن؛ لأنهم بنزوله تكبروا على الله؛ فأضاف استكبارهم إليه؛ لأنه كان سبب تكبرهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ...

فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ...

﴾ الآية [التوبة: 124-125]: أضاف زيادة رجسهم إلى السورة؛ لما بها يزداد رجسهم وكانت سبب رجسهم، وإن كانت لا تزيد رجساً في الحقيقة.

وقوله: ﴿ سَامِراً تَهْجُرُونَ ﴾ .

قال الزجاج: السامر: هو ظل القمر، فيه كانوا يهجرون، والسمر: هو حديث بالليل.

قوله: ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ قال قائلون: تهتدون.

وقال بعضهم: تهجرون القرآن، أي: كانوا لا يعملون به ولا يعبئون؛ فهو الهجر، وفيه لغة أخرى: تُهْجِرُون، وهو كلام الفحش والفساد.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ .

قيل: أي: في القرآن؛ يحتمل قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ﴾ أي: فهلا دبروا ذلك القول الذي يقولون في الآخرة في الدنيا، وهو قولهم: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، وما ذكر من تضرعهم في الآخرة، وهو قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ ، أي: قد دبّروا القول، لكنهم تعاندوا وكابروا واستكبروا ولم يخضعوا له؛ أنفا واستكباراً؛ أو لا ترى أنه إذا قرع أسماعهم قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ...

﴾ الآية [الإسراء: 88] لا يحتمل ألا يدبروا فيه؛ دل أنهم قد تدبروا فيه وعرفوه، إلا أنهم تعاندوا وكابروا واستكبروا؛ أنفا منهم واستكبارا واستنكافا عن اتباعه والخضوع له.

قال أبو عوسجة: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ ، أي: يستغيثون، قال: وأصله من الصياح.

وقال بعضهم: ﴿ يَجْأَرُونَ ﴾ : يصرخون.

وقيل: يصيحون.

وقيل: ﴿ سَامِراً تَهْجُرُونَ ﴾ ما ذكرنا من الحديث بالليل، ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ ، أي: تهذون كما يهذي النائم والمريض الشديد المرض.

قال: وأهجر يهجر، من الهُجْر: وهو الفحش، وَهَجَّر يُهجِّر: إذا سار في الهاجرة، وهي شدة الحرّ.

وقوله: ﴿ تَنكِصُونَ ﴾ : قال بعضهم: ترجعون، وقال بعضهم: تستأخرون؛ كقوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ  ﴾ : ترجعون، وتستأخرون واحد.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ : قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: على ترك التدبر فيه والتفكر، والإعراض عنه، أي: لم يدبّروا فيه، ولم يتفكروا.

والثاني: على إيجاب حقيقة التدبر فيه والتفكر، أي: قد تدبّروا فيه، وعرفوا أنه منزل من الله، لكنهم تركوا متابعته؛ عنادا وتمرداً [و] إشفاقاً على ذهاب رياستهم، وطمعاً في إبقائها ودوام مأكلتهم، فأي الوجهين كان، ففيه لزوم حجج الله وبراهينه على من جهلها ولم يعرفها؛ بالإعراض عنها وترك التدبر فيها، حيث استوجبوا عذاب الله ومقته لجهلهم بها: بترك التدبر فيها بعد أن كان لهم سبيل الوصول إلى معرفتها.

وظاهر قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ﴾ استفهام، إلا أنه في الحقيقة: إيجاب لها؛ لا يجوز أن يستفهم الله أحداً؛ فهو على الإيجاب لأنه علام الغيوب.

وقوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ أي: قد جاءهم ما جاء آباءهم الأولين من الرسل، ثم [لم] يأت هؤلاء شيء إلا ما أتى آباءهم، لم يخصوا هم بالرسول؛ فكيف أنكروه؟!

ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ : قد أقرّوا أن في الأمم المتقدمة رسولا؛ حيث قالوا: ﴿ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ .

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ ﴾ .

أي: قد عرفوا رسولهم، لكنهم أنكروه وتركوا اتباعه؛ لما ذكرنا في القرآن من أحد الوجهين؛ عناداً وتكبرا؛ إشفاقاً على رياستهم لكي تبقى؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 146].

وعلى هذا، ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ .

أي: قد عرفوا أنه ليس به جنة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : جاء هؤلاء ما لم يأت آباءهم، وخصّ هؤلاء ما لم يخص آباءهم.

وكذلك قال ابن عباس: لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ : إلى ما ذكر من قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ؛ لأنه يخرج على الأمر بالتدبر فيه، ومعرفة الرسول أنه ليس كما يصفونه من الجنون وغيره؛ كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ  ﴾ ، أي: تفكروا فيه؛ فإنه ليس به جنة على ما يصفونه، أو على ما ذكرنا: أنهم تفكروا وعرفوا: أنه ليس به جنون، ولا شيء مما وصفوا به؛ لكنهم أرادوا أن يلبسوا أمره على أتباعهم وسفلتهم؛ إشفاقاً على إبقاء ما ذكرنا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : من البراءة من العذاب.

وقوله: ﴿ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

بالرسالة والقرآن من عند الله، وجعل العبادة [له] من دون الأصنام التي عبدوها.

[وقوله:] ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ .

كرهوا الحق؛ لما ظنوا أن في اتباعه ذهاب الرئاسة والأسباب التي كانت لهم على أتباعهم، بعد معرفتهم أنه حق، أو كرهوا؛ لما لم يعرفوا في الحقيقة أنه حق، وإلا [لا] أحد ممن يوصف بصحة العقل وسلامته يكره الحق ويترك اتباعه؛ إلا للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: الحق - هاهنا - هو الله، أي: لو تبع الله أهواءهم في كفرهم وشركهم ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ ، وتأويل هذا أن الكفر والشرك مما لا عاقبة له، وكل شيء لا عاقبة له فهو في الحكمة والعقل فاسد باطل غير مستحسن.

وقال بعضهم: الحق - هاهنا - كتاب الله، وهو القرآن على ما يهوون هم؛ ليفسد ما ذكر؛ لأنه يكون خارجاً عن الحكمة.

وجائز أن يوصل قوله: ﴿ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ الحق الذي سبق ذكره، وهو قوله: ﴿ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ ، أي: لو اتبع ذلك الحق أهواءهم وجاء على ما هوته أنفسهم واشتهت من عبادة غير الله، وتسميتهم إياها آلهة، وإنكارهم البعث والتوحيد، وغير ذلك من الأفعال التي كانوا اختاروها وعملوها - لفسدت السماوات والأرض وما ذكر؛ لأنه يكون خلقهم وخلق ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهن - لا لما توجبه الحكمة والعقل؛ إذ خلقهم وخلق ما ذكر لأفعالهم التي يفعلون؛ فإذا خرج أفعالهم على غير ما توجبه الحكمة والعقل، بل على السفه والجهل - خرج الذي لها خلق، [و] من أجلها أنشئ، كذلك؛ إذ خلق الشيء وفعله لا لعاقبة تقصد - خارج عن الحكمة، والله أعلم بذلك.

وجائز أن يكون الحق هو رسول الله، أي: رسول الله لو اتبع أهواءهم لفسد ما ذكر.

وقوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ .

قال أهل التأويل: لشرفهم وذكرهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ .

[وقوله:] ﴿ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ  ﴾ .

أي: عن شرفهم معرضون.

وجائز أن يكون الذكر هو الحق الذي تقدم ذكره، أي: لو قبلوا ذلك الحق الذي [جاءهم] وأقبلوا نحوه يكون في ذلك ذكرهم من بعد هلاكهم؛ كما يُذكر أصحاب رسول الله من بعد ما ماتوا؛ ألا ترى أولادهم بذكر آباءهم يتعيشون يقولون: أنا من بني فلان؛ فيبرّهم الناس بذلك ويكرمونهم، وأما أولئك فإنهم لا يذكرون بشيء من ذلك؛ فذلك يدل على ما ذكرنا.

ويحتمل قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ الثناء عليهم أن لو آمنوا؛ كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...

﴾ الآية [آل عمران: 110]، وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ...

﴾ الآية [التوبة: 100]، ونحو ذلك مما أثنى الله على من آمن منهم؛ فهم لو آمنوا استوجبوا بذلك الثناء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ ، أي: يُدعى لهم، وهو ما دعا الملائكة والرسل للمؤمنين، كقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [غافر: 7]، وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ  ﴾ ، وقول نوح: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...

﴾ الآية [نوح: 28]، وقول إبراهيم ودعائه لهم: لو آمنوا استوجبوا دعاء هؤلاء الملائكة والرسل جميعاً، أو أن يكون ما ذكرنا من إبقاء ذكرهم إلى يوم القيامة؛ كما بقي ذكر أولئك الذين آمنوا به وصدقوه؛ فيكون في ذلك كله شرفهم وقدرهم؛ على ما قاله أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ .

جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، أي: قد عرفوا رسلهم، ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ، أي: ليس به جنة، أي: ليس به شيء يمنعهم عن الإجابة والإيمان به بما يعذرونهم في ترك الإيمان به؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ﴾ ، أي: لم تسألهم أجراً على ما تدعوهم إليه حتى يمنعهم ثقل ذلك الأجر عن إجابته وتصديقه؛ كقوله - أيضاً -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ يقطع ما ذكر جميع أعذارهم وحجاجهم، وإن لم يكن عذر ولا حجة في ترك الإجابة له.

وقال بعضهم: الخراج: الرزق، أي: لا تسألهم رزقاً، ثم أخبر: ﴿ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فيقال لهم تيئيسًا لهم من رحمة الله: لا تصرخوا ولا تستغيثوا في هذا اليوم، فإنه لا ناصر لكم يمنعكم من عذاب الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.Z9dQy"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل