الآية ٧١ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٧١ من سورة المؤمنون

وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ٧١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧١ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧١ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) قال مجاهد ، وأبو صالح والسدي : الحق هو الله عز وجل ، والمراد : لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى ، وشرع الأمور على وفق ذلك ( لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) أي : لفساد أهوائهم واختلافها ، كما أخبر عنهم في قولهم : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) ثم قال : ( أهم يقسمون رحمة ربك ) [ الزخرف : 31 ، 32 ] وقال تعالى : ( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا ) [ الإسراء : 100 ] وقال : ( أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) [ النساء : 53 ] ، ففي هذا كله تبيين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم ، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله ، وشرعه وقدره ، وتدبيره لخلقه تعالى وتقدس ، فلا إله غيره ، ولا رب سواه .ثم قال : ( بل أتيناهم بذكرهم ) يعني : القرآن ، ( فهم عن ذكرهم معرضون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ولو عمل الربّ تعالى ذكره بما يهوى هؤلاء المشركون وأجرى التدبير على مشيئتهم وإرادتهم وترك الحق الذي هم له كارهون، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن; وذلك أنهم لا يعرفون عواقب الأمور والصحيح من التدبير والفاسد، فلو كانت الأمور جارية على مشيئتهم وأهوائهم مع إيثار أكثرهم الباطل على الحقّ، لم تقرّ السموات والأرض ومن فيهنّ من خلق الله، لأن ذلك قام بالحق.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا السديّ، عن أبي صالح: ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ ) قال: الله.

قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ ) قال: الحقّ: هو الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ ) قال: الحق: الله.

وقوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) اختلف أهل التأويل في تأويل الذكر في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو بيان الحقّ لهم بما أنـزل على رجل منهم من هذا القرآن.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ) يقول: بيَّنا لهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل أتيناهم بشرفهم; وذلك أن هذا القرآن كان شرفا لهم، لأنه نـزل على رجل منهم، فأعرضوا عنه وكفروا به.

وقالوا: ذلك نظير قوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وهذان القولان متقاربا المعنى؛ وذلك أن الله جل ثناؤه أنـزل هذا القرآن بيانا بين فيه ما لخلقه إليه الحاجة من أمر دينهم، وهو مع ذلك ذكر لرسوله صلى الله عليه وسلم وقومه وشرف لهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضونولو اتبع الحق الحق هنا هو الله سبحانه وتعالى ؛ قاله الأكثرون ، منهم مجاهد ، وابن جريج ، وأبو صالح ، وغيرهم .

وتقديره في العربية : ولو اتبع صاحب الحق ؛ قاله النحاس .

وقد قيل : هو مجاز ، أي لو وافق الحق أهواءهم ؛ فجعل موافقته اتباعا مجازا ؛ أي لو كانوا يكفرون بالرسل ويعصون الله - عز وجل - ثم لا يعاقبون ولا يجازون على ذلك إما عجزا وإما جهلا لفسدت السماوات والأرض .

وقيل : المعنى ولو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى لتنافت الآلهة ، وأراد بعضهم ما لا يريده بعض ، فاضطرب التدبير وفسدت السماوات والأرض ، وإذا فسدتا فسد من فيهما .

وقيل : لو اتبع الحق أهواءهم أي بما يهواه الناس ويشتهونه لبطل نظام العالم ؛ لأن شهوات الناس تختلف وتتضاد ، وسبيل الحق أن يكون متبوعا ، وسبيل الناس الانقياد للحق .

وقيل : الحق القرآن ؛ أي لو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض .

ومن فيهن إشارة إلى من يعقل من ملائكة السماوات وإنس الأرض وجنها ؛ الماوردي .

وقال الكلبي : يعني وما بينهما من خلق ؛ وهي قراءة ابن مسعود [ ص: 131 ] ( لفسدت السماوات والأرض وما بينهما ) فيكون على تأويل الكلبي وقراءة ابن مسعود محمولا على فساد من يعقل وما لا يعقل من حيوان وجماد .

وظاهر التنزيل في قراءة الجمهور يكون محمولا على فساد ما يعقل من الحيوان ؛ لأن ما لا يعقل تابع لما يعقل في الصلاح والفساد ، فعلى هذا ما يكون من الفساد يعود على من في السماوات من الملائكة بأن جعلت أربابا وهي مربوبة ، وعبدت وهي مستعبدة .

وفساد الإنس يكون على وجهين : أحدهما : باتباع الهوى ، وذلك مهلك .

الثاني : بعبادة غير الله ، وذلك كفر .

وأما فساد ما عدا ذلك فيكون على وجه التبع ؛ لأنهم مدبرون بذوي العقول فعاد فساد المدبرين عليهم .قوله تعالى : بل أتيناهم بذكرهم أي بما فيه شرفهم وعزهم ؛ قاله السدي ، وسفيان .

وقال قتادة : أي بما لهم فيه ذكر ثوابهم وعقابهم .

ابن عباس : أي ببيان الحق وذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين فهم عن ذكرهم معرضون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

} فإن قيل: لم لم يكن الحق موافقا لأهوائهم لأجل أن يؤمنوا و يسرعوا الانقياد؟

أجاب تعالى بقوله: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ } ووجه ذلك أن أهواءهم متعلقة بالظلم والكفر والفساد من الأخلاق والأعمال، فلو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، لفساد التصرف والتدبير المبني على الظلم وعدم العدل، فالسماوات والأرض ما استقامتا إلا بالحق والعدل { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بذكرهم } أي: بهذا القرآن المذكر لهم بكل خير، الذي به فخرهم وشرفهم, حين يقومون به، ويكونون به سادة الناس.

{ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ } شقاوة منهم، وعدم توفيق { نسوا الله فنسيهم } (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) فالقرآن ومن جاء به، أعظم نعمة ساقها الله إليهم, فلم يقابلوها إلا بالرد والإعراض، فهل بعد هذا الحرمان حرمان؟

وهل يكون وراءه إلا نهاية الخسران؟.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو اتبع الحق أهواءهم ) قال ابن جريج ومقاتل والسدي وجماعة : " الحق " هو الله ، أي : لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل ، وقيل : لو اتبع مرادهم ، فسمى لنفسه شريكا وولدا كما يقولون : ( لفسدت السماوات والأرض ) وقال الفراء والزجاج : والمراد بالحق القرآن أي : لو نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدونه ( لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) وهو كقوله تعالى : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ( الأنبياء - 22 ) .

( بل أتيناهم بذكرهم ) بما يذكرهم ، قال ابن عباس : أي : بما فيه فخرهم وشرفهم ، يعني القرآن ، فهو كقوله تعالى : " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم " ( الأنبياء - 10 ) ، أي : شرفكم ، " وإنه لذكر لك ولقومك " ( الزخرف - 44 ) ، أي : شرف لك ولقومك .

( فهم عن ذكرهم ) يعني عن شرفهم ، ( معرضون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو اتبع الحق» أي القرآن «أهواءهم» بأن جاء بما يهوونه من الشريك والولد لله، تعالى الله عن ذلك: «لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن» خرجت عن نظامها المشاهد لوجود التمانع في الشيء عادة عند تعدد الحاكم «بل أتيناهم بذكرهم» أي القرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم «فهم عن ذكرهم معرضون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو شرع الله لهم ما يوافق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومَن فيهن، بل أتيناهم بما فيه عزهم وشرفهم، وهو القرآن، فهم عنه معرضون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان سينزل بالعالم من فساد .فيما لو اتبع الحق - على سبيل الفرض - أهواء هؤلاء المشركين ، فقال - تعالى - : ( وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ .

.

.

) .والمراد بالحق هنا - عند كثير من المفسرين - هو الله - عز وجل - إذ أن هذا اللفظ من أسمائه - تعالى - .والمعنى : ولو أجاب الله - تعالى - هؤلاء المشركين إلى ما يهوونه ويشتهونه من باطل وقبيح .

لفسدت السموات والأرض ومن فيهن؛ لأن أهواءهم الفاسدة من شرك .

وظلم ، وحقد ، وعناد .

.

.

، لا يمكن أن يقوم عليها نظام هذا الكون البديع ، الذى أقمناه على الحق والعدل .ويرى بعض المفسرين أن المراد بالحق هنا ما يقابل الباطل ويدل على ذلك قوله - تعالى - : ( بَلْ جَآءَهُمْ بالحق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) .فيكون المعنى : ولو اتبع الحق الذى جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم أهواء المشركين ، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ، وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءهم بالتوحيد وهم يريدون الشرك ، وجاءهم بمكارم الأخلاق ، وهم يريدون ما ألفوه من شهوات ، وجاءهم بالتشريعات العادلة الحكيمة ، وهم يريدون التشريعات التى ترضى غرورهم وأوضاعهم الفاسدة ، والتى منها تفضيل الناس بحسب أحسابهم وغناهم ، لا بحسب إيمانهم وتقواهم .

.

.

ومع وجاهة الرأيين ، إلا أننا نميل إلى الرأى الثانى ، لأنه أقرب إلى سياق الآيات ، كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - : ( بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ ) انتقال من توبيخهم على كراهيتهم للحق ، إلى توبيخهم على نفورهم مما فيه عزهم وفخرهم .والمراد بذكرهم : القرآن الذى هو شرف لهم ، كما قال - تعالى - : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ) أى : كيف يكرهون الحق الذى جاءهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم مع أنه قد أتاهم بالقرآن الكريم الذى فيه شرفهم ومجدهم؟

إن إعراضهم عن هذا القرآن ليدل دلالة قاطعة ، على غبائهم ، وجهلهم ، لأن العاقل لا يعرض عن شىء يرفع منزلته ، ويكرم ذاته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما بين فيما قبل أنه لا ينصر أولئك الكفار أتبعه بعلة ذلك وهي أنه متى تليت آيات الله عليهم أتوا بأمور ثلاثة: أحدها: أنهم كانوا على أعقابهم ينكصون وهذا مثل يضرب فيمن تباعد عن الحق كل التباعد وهو قوله: ﴿ فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ ﴾ أي تنفرون عن تلك الآيات وعمن يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه.

وثانيها: قوله: ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ﴾ والهاء في (به) إلى ماذا تعود؟

فيه وجوه: أولها: إلى البيت العتيق أو الحرم كانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم والذي يسوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت وإن لم يكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به.

وثانيها: المراد مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.

وثالثها: أن تتعلق الباء بسامراً أي يسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه، وهذا هو الأمر الثالث الذي يأتون به عند تلاوة القرآن عليهم، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهجرون، والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع وقرئ سمراً وسامراً يهجرون من أهجر في منطقه إذا أفحش والهجر بالفتح الهذيان والهجر بالضم الفحش أو من هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذي.

ثم إنه سبحانه لما وصف حالهم رد عليهم بأن بين أن إقدامهم على هذه الأمور لابد وأن يكون لأحد أمور أربعة: أحدها: أن لا يتأملوا في دليل ثبوته وهو المراد من قوله: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان ﴾ فبين أن القول الذي هو القرآن كان معروفاً لهم وقد مكنوا من التأمل فيه من حيث كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ عن التناقض في طول عمره، ومن حيث ينبه على ما يلزمهم من معرفة الصانع ومعرفة الوحدانية فلم لا يتدبرون فيه ليتركوا الباطل ويرجعوا إلى الحق.

وثانيها: أن يعتقدوا أن مجيء الرسل أمر على خلاف العادة وهو المراد من قوله: ﴿ أَمْ جَاءهُمْ ما لم يأت آباءَهم الأولين ﴾ وذلك لأنهم عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت تتواتر على الأمم وتظهر المعجزات عليها وكانت الأمم بين مصدق ناج، وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال أفما دعاهم ذلك إلى تصديق الرسول.

وثالثها: أن لا يكونوا عالمين بديانته وحسن خصاله قبل ادعائه للنبوة وهو المراد من قوله: ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ نبه سبحانه بذلك على أنهم عرفوا منه قبل ادعائه الرسالة كونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار من الكذب والأخلاق الذميمة فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين.

ورابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون فيقولون إنما حمله على ادعائه الرسالة جنونه وهو المراد من قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ وهذا أيضاً ظاهر الفساد لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، والمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة والشرائع الكاملة، ولقد كان من المبغضين له عليه السلام من سماه بذلك وفيه وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم فنسبوه إلى الجنون لذلك والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لكي لا ينقادوا له فأوردوا ذلك مورد الاستحقار له.

ثم إنه سبحانه بعد أن عد هذه الوجوه، ونبه على فسادها قال: ﴿ بَلْ جَاءهُمْ بالحق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ كارهون ﴾ من حيث تمسكوا بالتقليد ومن حيث علموا أنهم لو أقروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لزالت مناصبهم ولاختلت رياساتهم فلذلك كرهوه فإن قيل قوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ ﴾ فيه دليل على أن أقلهم لا يكرهون الحق، قلنا كان فيهم من يترك الإيمان أنفة من توبيخ قومه وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق كما حكي عن أبي طالب ثم بين سبحانه أن الحق لا يتبع الهوى، بل الواجب على المكلف أن يطرح الهوى ويتبع الحق فبين سبحانه أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم فقال: ﴿ وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السموات والأرض وَمَن فِيهِنَّ ﴾ وفي تفسيره وجوه: الأول: أن القوم كانوا يرون أن الحق في اتخاذ آلهة مع الله تعالى، لكن لو صح ذلك لوقع الفساد في السموات والأرض على ما قررناه في دليل التمانع في قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ والثاني: أن أهواءهم في عبادة الأوثان وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وهما منشأ المفسدة، والحق هو الإسلام.

فلو اتبع الإسلام قولهم لعلم الله حصول المفاسد عند بقاء هذا العالم، وذلك يقتضي تخريب العالم وإفناءه والثالث: أن آراءهم كانت متناقضة فلو اتبع الحق أهواءهم لوقع التناقض ولاختل نظام العالم عن القفال.

أما قوله: ﴿ بَلْ أتيناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ فقيل إنه القرآن والأدلة وقيل بل شرفهم وفخرهم بالرسول وكلا القولين متقارب لأن في مجيء الرسول بيان الأدلة وفي مجيء الأدلة بيان الرسول فأحدهما مقرون بالآخر، وقيل الذكر هو الوعظ والتحذير، وقيل هو الذي كانوا يتمنونه ويقولون: ﴿ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ  لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ وقرئ بذكراهم.

ثم بين سبحانه أنه عليه الصلاة والسلام لا يطمع فيهم حتى يكون ذلك سبباً للنفرة فقال: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ ﴾ وقرئ خراجاً، قال أبو عمرو بن العلاء الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه والوجه أن الخرج أخص من الخراج كقولك خراج القرية وخرج الكردة زيادة اللفظ لزيادة المعنى ولذلك حسنت قراءة من قرأ ﴿ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخلق خير.

فنبه سبحانه بذلك على أن هذه التهمة بعيدة عنه، فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله لأجلها.

فنبه سبحانه بهذه الآيات على أنهم غير معذورين ألبتة وأنهم محجوجون من جميع الوجوه، قال الجبائي دل قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين ﴾ على أن أحداً من العباد لا يقدر على مثل نعمه ورزقه ولا يساويه في الإفضال على عباده ودل أيضاً على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضاً ولولا ذلك لما جاز أن يقول: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

دلّ بهذا على عظم شأن الحق، وأنّ السموات والأرض ما قامت ولا من فيهنّ إلا به، فلو اتبع أهواءهم لانقلب باطلاً، ولذهب ما يقوم به العالم فلا يبقى له بعده قوام.

أو أراد أنّ الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو الإسلام، لو اتبع أهواءهم وانقلب شركاً، لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم ولم يؤخر.

وعن قتادة: أنّ الحق هو الله.

ومعناه: لو كان الله إلها يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي، لما كان إلها ولكان شيطاناً، ولما قدر أن يمسك السموات والأرض ﴿ بِذِكْرِهِمْ ﴾ أي بالكتاب الذي هو ذكرهم، أي: وعظهم أو وصيتهم وفخرهم: أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون: لو أنّ عندنا ذكراً من الأوّلين لكنا عباد الله المخلصين.

وقرئ: ﴿ بذكراهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ بِأنْ كانَ في الواقِعِ آلِهَةٌ شَتّى.

﴿ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ ﴾ كَما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ .

وقِيلَ لَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم وانْقَلَبَ باطِلًا لَذَهَبَ ما قامَ بِهِ العالَمُ فَلَمْ يَبْقَ، أوْ لَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  أهْواءَهم وانْقَلَبَ شِرْكًا لَجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ مِن فَرْطِ غَضَبِهِ، أوْ لَوِ اتَّبَعَ اللَّهُ أهْواءَهم بِأنْ أنْزَلَ ما يَشْتَهُونَهُ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي لَخَرَجَ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يُمْسِكَ السَّمَواتِ والأرْضَ وهو عَلى أصْلِ المُعْتَزِلَةِ.

﴿ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم، أوِ الذِّكْرُ الَّذِي تَمَنَّوْهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ وقُرِئَ «بِذِكْراهم» .

﴿ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولو اتبع الحق} أى الله {أهواءهم} فيما يعتقدون من الآلهة {لفسدت السماوات}

المؤمنون (٧٧ - ٧١)

{والأرض} كما قال لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إلا الله لفسدتا {وَمَن فِيهِنَّ} خص العقلاء بالذكر لأن غيرهم تبع {بَلْ أتيناهم بِذِكْرِهِمْ} بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أو شرفهم لأن الرسول منهم والقرآن بلغتهم أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين الآية {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} بسوء اختيارهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ  وجَعَلَ الِاتِّباعَ حَقِيقِيًّا والإسْنادَ مَجازِيًّا، وقِيلَ ما آلَ المَعْنى لَوِ اتَّبَعَ النَّبِيُّ  أهْواءَهم فَجاءَهم بِالشِّرْكِ بَدَلَ ما أُرْسِلَ بِهِ ﴿ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ ﴾ أيْ لِخَرِبَ اللَّهُ تَعالى العالَمَ وقامَتِ القِيامَةُ لِفَرْطِ غَضَبِهِ سُبْحانَهُ وهو فَرْضٌ مُحالٌ مِن تَبْدِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما أُرْسِلَ بِهِ مِن عِنْدِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَقِّ الأمْرَ المُطابِقَ لِلْواقِعِ في شَأْنِ الأُلُوهِيَّةِ والِاتِّباعِ مَجازًا عَنِ المُوافَقَةِ أيْ لَوْ وافَقَ الأمْرُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ أهْواءَهم بِأنْ كانَ الشِّرْكُ حَقًّا لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ حَسْبَما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا  ﴾ ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم كَرِهُوا شَيْئًا لا يُمْكِنُ خِلافُهُ أصْلًا فَلا فائِدَةَ لَهم في هَذِهِ الكَراهَةِ.

واعْتَرَضَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ وفِيهِ بَحْثٌ، وكَذا ما قِيلَ: إنَّ ما يُوافِقُ أهْواءَهم هو الشِّرْكُ في الأُلُوهِيَّةِ لِأنَّ قُرَيْشًا كانُوا وثَنِيَّةً وهو لا يَسْتَلْزِمُ الفَسادُ والَّذِي يَسْتَلْزِمُهُ إنَّما هو الشِّرْكُ في الرُّبُوبِيَّةِ كَما تَزْعُمُهُ الثَّنَوِيَّةُ وهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  ﴾ .

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَوْ وافَقَ الحَقَّ مُطْلَقًا أهْواءَهم لَخَرَجَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ عَنِ الصَّلاحِ والِانْتِظامِ بِالكُلِّيَّةِ، والكَلامُ اسْتِطْرادٌ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الحَقِّ مُطْلَقًا بِأنَّ السَّمَواتِ والأرْضَ ما قامَتْ ولا مِن فِيهِنَّ إلّا بِهِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هو اللَّهُ تَعالى.

وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ، وحَكاهُ بَعْضُهم عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ، والمَعْنى عَلَيْهِ لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَفْعَلُ ما يُرِيدُونَ فَيُشَرِّعُ لَهُمُ الشِّرْكَ ويَأْمُرُهم بِهِ لَمْ يَكُنْ سُبْحانَهُ إلَهًا فَتُفْسَدُ السَّمَواتُ والأرْضُ.

وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ شَرْعَ الشِّرْكِ نَقْصٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ.

وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ وذَكَرَ أنَّهُ قَدْ قامَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلَيْهِ وأنَّهُ لا خِلافَ فِيهِ.

ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ أيْضًا لِلْإشارَةِ إلى عَدَمِ إمْكانِ إرْسالِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ بِخِلافِ ما جاءَ بِهِ مِمّا لا يَكْرَهُونَهُ فَكَراهَتُهم لِما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا تَجْدِيهِمْ نَفْعًا فالقَوْلُ بِأنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ.

وقِيلَ: المَعْنى عَلَيْهِ لَوْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ما يُوافِقُ أهْواءَهم لاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ لَمّا أنَّ آراءَهم مُتَناقِضَةٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى فَسادِ عُقُولِهِمْ وأنَّهم لِذَلِكَ كَرِهُوا ما كَرِهُوهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَما تَرى.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «ولَوُ اتَّبَعَ» بِضَمِّ الواوِ ﴿ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ انْتِقالٌ مِن تَشْنِيعِهِمْ بِكَراهَةِ الحَقِّ إلى تَشْنِيعِهِمْ بِالإعْراضِ عَمّا جُبِلَ عَلَيْهِ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيما فِيهِ خَيْرُها.

والمُرادُ بِالذِّكْرِ القُرْآنُ الَّذِي هو فَخْرُهم وشَرَفُهم حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ  ﴾ أيْ بَلْ أتَيْناهم بِفَخْرِهِمْ وشَرَفِهِمُ الَّذِي كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْبَلُوا عَلَيْهِ أكْمَلَ إقْبالٍ ويَقْبَلُوا ما فِيهِ أكْمَلَ قَبُولٍ ( فَهم ) بِما فَعَلُوا مِنَ النُّكُوصِ ﴿ عَنْ ذِكْرِهِمْ ﴾ أيْ فَخْرِهِمْ وشَرَفِهِمْ خاصَّةً ( مُعْرِضُونَ ) لا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِ والِاعْتِناءَ بِهِ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعُ الضَّمِيرِ مَزِيدُ تَشْنِيعٍ لَهم وتَقْرِيعٌ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِن إعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ عَلى ما قَبْلِها مِنَ الإتْيانِ بِذِكْرِهِمْ، ومَن فَسَّرَ (الحَقَّ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ ﴾ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ قالَ هُنا: في إسْنادِ الإتْيانِ بِالذِّكْرِ إلى نُونِ العَظْمَةِ بَعْدَ إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ النَّبِيِّ  وتَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَثابَةٍ عَظِيمَةٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي إيرادِ القُرْآنِ الكَرِيمِ عِنْدَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ  بِعُنْوانِ الحَقِّيَّةِ وعِنْدَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ تَعالى بِعُنْوانِ الذِّكْرِ مِنَ النُّكْتَةِ السِّرِّيَّةِ والحِكْمَةِ العَبْقَرِيَّةِ ما لا يَخْفى فَإنَّ التَّصْرِيحَ بَحَقِّيَّتِهِ المُسْتَلْزَمَةِ لِحَقِيَّةِ مَن جاءَ بِهِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ حِكايَةِ ما قالَهُ المُبْطِلُونَ في شَأْنِهِ وأمّا التَّشْرِيفُ فَإنَّما يَلِيقُ بِهِ تَعالى لا سِيَّما رَسُولُ اللَّهِ  أحَدُ المُشْرِفِينَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِهِمْ ما تَمَنَّوْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أتَيْناهُمُ الكِتابَ الَّذِي تَمَنَّوْهُ وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ الوَعْظِ.

وأيْدٍ بِقِراءَةِ عِيسى «بِذِكْراهُمْ» بِألِفِ التَّأْنِيثِ، ورَجَّحَ القَوْلانِ الأوَّلانِ بِأنَّ التَّشْنِيعَ عَلَيْهِما أشَدُّ فَإنَّ الإعْراضَ عَنْ وعْظِهِمْ لَيْسَ بِمَثابَةِ إعْراضِهِمْ عَنْ شَرَفِهِمْ وفَخْرِهِمْ أوْ عَنْ كِتابِهِمُ الَّذِي تَمَنَّوْهُ في الشَّناعَةِ والقَباحَةِ.

وقِيلَ: إنَّ الوَعْظَ فِيهِ بَيانُ ما يَصْلُحُ بِهِ حالُ مَن يُوعَظُ فالتَّشْنِيعُ بِالإعْراضِ عَنْهُ لا يُقَصِّرُ عَنِ التَّشْنِيعِ بِالإعْراضِ عَنْ أحَدِ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ المُكابَرَةِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ويُونُسٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «بَلْ أتَيْتُهُمْ» بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قَطِيبٍ وأبُو رَجاءَ «بَلْ أتَيْتُهُمْ» بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ  وأبُو عَمْرٍو وفي رِوايَةِ «أتَيْناهُمْ» بِالمَدِّ ولا حاجَةَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إلى ارْتِكابِ مَجازٍ أوْ دَعْوى حَذْفِ مُضافٍ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ الباءِ لِلْمُصاحَبَةِ وقَرَأ قَتادَةُ «نَذْكُرُهُمْ» بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أصله: يتدبروا فأدغم التاء في الدال، يعني: ألم يتفكروا في القرآن؟

أَمْ جاءَهُمْ من الأمان مَّا لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، معناه: جاءهم الذي لم يجىء آباءهم الأولين، وهذا كقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [يس: 6] وقال الكلبي: أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ من البراءة من العذاب.

ثم قال تعالى: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ، يعني: نسبة رسولهم.

فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، يعني: جاحدين.

قال أبو صالح: عرفوه ولكن حسدوه.

أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ، يعني: بل يقولون به جنون.

بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، يعني: الرسول  بالرسالة والقرآن من عند الله عز وجل، أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله.

وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ، يعني: جاحدين مكذبين، وهم الكفار.

قوله عز وجل: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ، والحق هو الله تعالى، يعني: لو اتبع الله أهواءهم أي: مرادهم، لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، يعني: لهلكت، لأن أهواءهم ومرادهم مختلفة ويقال: لو كانت الآلهة بأهوائهم، كما قالوا: لفسدت السموات، كقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22] .

ثم قال: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ، يعني: أنزلنا إليهم جبريل  بعزهم وشرفهم، لأن رسول الله  منهم.

فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ، يعني: عن القرآن، أي تاركوه لا يؤمنون به.

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً، قرأ حمزة والكسائي خراجاً.

فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ، يعني: فثواب ربك خير، ويقال: قوت ربك من الحلال خير من جعلهم وثوابهم.

وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، أي أفضل الرازقين.

قوله عز وجل: وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني: دين مستقيم وهو الإسلام لا عوج فيه.

وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، يعني: لا يصدقون بالبعث عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ، أي عن الدين لعادلون ومائلون.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ في المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا كَما يُحِبُّونَ.

وعَلى الثّانِي: لَوْ نَزَلَ القُرْآنُ بِما يُحِبُّونَ مِن جَعْلِ شَرِيكٍ لِلَّهِ.

﴿ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: بِما فِيهِ شَرَفُهم وفَخْرُهم، وهو القُرْآنُ.

﴿ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ؛ أيْ: قَدْ تَوَلَّوْا عَمّا جاءَهم مِن شَرَفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( بَلْ أتَيْناهم بِذِكْراهم فَهم عَنْ ذِكْراهم مُعْرِضُونَ ) بِألِفٍ فِيهِما.

﴿ أمْ تَسْألُهُمْ ﴾ عَمّا جِئْتَهم بِهِ، ﴿ خَرْجًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ، [ ( فَخَراجُ ) بِألِفٍ ] .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( خَرْجًا فَخَرْجُ ) بِغَيْرِ ألِفٍ في الحَرْفَيْنِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ، ( فَخَراجُ ) بِألِفٍ في الحَرْفَيْنِ.

ومَعْنى " خَرْجًا ": أجْرًا ومالًا.

﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: فَما يُعْطِيكَ رَبُّكَ مِن أجْرِهِ وثَوابِهِ، ﴿ خَيْرٌ وهو خَيْرٌ الرّازِقِينَ ﴾ ؛ أيْ: أفْضَلُ مَن أعْطى، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ لَهم أنَّهُ لَمْ يَسْألْهم أجْرًا، لا أنَّهُ قَدْ سَألَهم.

والنّاكِبُ: العادِلُ، يُقالُ: نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ؛ أيْ: عَدَلَ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ ﴾ ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عن ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ، والمَعْنى: ألَمْ يَعْرِفُوهُ صادِقًا مُدَّةَ عُمْرِهِ ولَمْ يَقَعْ مِنهم قَطُّ إنْكارٌ لِمَعْرِفَةِ وجْهِ مُحَمَّدٍ -  - وإنَّما أنْكَرُوا صِدْقَهُ.

وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ تَوْبِيخٌ أيْضًا لِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ ذِي الجَنَّةِ لا يَخْفى عَلى ذِي فِطْرَةٍ، ثُمْ بَيَّنَ تَعالى حالَهُ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- في مَجِيئِهِ بِالحَقِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وأبُو صالِحٍ: "الحَقُّ" اللهُ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَيْسَ مِن نَمَطِ الآيَةِ، وقالَ غَيْرُهُما: الحَقُّ هُنا: الصَوابُ والمُسْتَقِيمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأحْرى، عَلى أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ قَبْلَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ -  - ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فَسادُ السَماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ لَوْ كانَ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ، وذَلِكَ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ وأولادًا، ولَوْ كانَ هَذا حَقًّا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ -تَبارَكَ وتَعالى- الصِفاتُ العَلِيَّةُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تِلْكَ الصَنْعَةُ ولا القُدْرَةُ، وكانَ ذَلِكَ فُسّادُ السَماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ومَن قالَ: إنَّ "الحَقَّ" في الآيَةِ اللهُ تَعالى تَشَعَّبَتْ لَهُ لَفْظَةُ "اتَّبَعَ" وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعَ -عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ- إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ تَكُونَ أهْواؤُهم يَصُونُها الحَقُّ ويُقَرِّرُها، فَنَحْنُ نَجِدُ اللهَ -تَعالى- قَدْ قَدَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهُمْ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَمَواتٍ، وأمّا الحَقُّ نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَوابُ فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ، فَتَأمَّلَهُ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "وَلَوِ اتَّبَعَ" بِضَمِّ الواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: الضَمُّ في هَذِهِ الواوِ قَلِيلٌ، والوَجْهُ تَشْبِيهَها بِواوِ الجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذِكْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وقَرَأ قَتادَةُ: "نُذَكِّرُهُمْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وذالٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ الكافِ مُشَدَّدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِشَرَفِهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أتَيْتُهم بِذِكْرِهِمْ" بِضَمِّ تاءِ المُتَكَلِّمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: "بَلْ أتَيْتَهُمْ" خِطابًا لِمُحَمَّدٍ -  - وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بَلْ أتَيْنَهم بِذِكْرِهِمْ" أيْ جِئْناهُمْ، ورَوِيَ عن أبِي عَمْرٍو "آتَيْناهُمْ" بِالمَدِّ، بِمَعْنى أعْطَيْناهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والارض وَمَن فِيهِنَّ ﴾ .

عطف هذا الشرط الامتناعي على جملة ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ [المؤمنون: 70] زيادة في التشنيع على أهوائهم فإنها مفضية إلى فساد العالم ومن فيه وكفى بذلك فظاعة وشناعة.

والحق هنا هو الحق المتقدم في قوله: ﴿ بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ﴾ [المؤمنون: 70] وهو الشيء الموافق للوجود الواقعي ولحقائق الأشياء.

وعلم من قوله ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ أن كراهة أكثرهم للحق ناشئة عن كون الحق مخالفاً أهواءهم فسجل عليهم أنهم أهل هوى والهوى شهوة ومحبة لما يلائم غرض صاحبه، وهو مصدر بمعنى المفعول.

وإنما يجري الهوى على شهوة دواعي النفوس أعني شهوات الأفعال غير التي تقتضيها الجبلة، فشهوة الطعام والشراب ونحوهما مما تدعو إليه الجبلة ليست من الهوى وإنما الهوى شهوة ما لا تقتضيه الفطرة كشهوة الظلم وإهانة الناس، أو شهوة ما تقتضيه الجبلة لكن يشتهى على كيفية وحالة لا تقتضيها الجبلة لما يترتب على تلك الحالة من فساد وضر مثل شهوة الطعام المغصوب وشهوة الزنا، فمرجع معنى الهوى إلى المشتهى الذي لا تقتضيه الجبلة.

والاتِّباع: مجاز شائع في الموافقة، أي لو وافق الحق ما يشتهونه.

ومعنى موافقة الحق الأهواء أن تكون ماهية الحق موافقة لأهواء النفوس.

فإن حقائق الأشياء لها تقرر في الخارج سواء كانت موافقة لما يشتهيه الناس أم لم تكن موافقة له؛ فمنها الحقائق الوجودية وهي الأصل فهي متقررة في نفس الأمر مثل كون الإله واحداً، وكونه لا يلد، وكون البعث واقعاً للجزاء، فكونها حقاً هو عين تقررها في الخارج.

ومنها الحقائق المعنوية وهي الموجودة في الاعتبار فهي متقررة في الاعتبارات.

وكونها حقاً هو كونها جارية على ما يقتضيه نظام العالم مثل كون الوأد ظلماً، وكون القتل عدواناً، وكون القمار أخذ مال بلا حق لآخذه في أخذه، فلو فرض أن يكون الحق في أضداد هذه المذكورات لفسدت السماوات والأرض وفسد من فيهن، أي من في السماوات والأرض من الناس.

ووجه الملازمة بين فساد السماوات والأرض وفساد الناس وبين كون الحق جارياً على أهواء المشركين في الحقائق هو أن أهواءهم شتى؛ فمنها المتفق، وأكثرهم مختلف، وأكثر اتفاق أهوائهم حاصل بالشرك، فلو كان الحق الثابت في الواقع موافقاً لمزاعمهم لاختلت أصول انتظام العوالم.

فإن مبدأ الحقائق هو حقيقة الخالق تعالى، فلو كانت الحقيقة هي تعدد الآلهة لفسدت العوالم بحكم قوله تعالى ﴿ لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا ﴾ [الأنبياء: 22] وقد تقدم تفصيله في سورة الأنبياء.

وذلك أصل الحق وقوامه وانتقاضه انتقاض لنظام السموات والأرض كما تقدم.

وقد قال الله تعالى في هذه السورة ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ﴾ [المؤمنون: 91] الآية، فمن هواهم الباطل أن جعلوا من كمال الله أن يكون له ولد.

ثم ننتقل بالبحث إلى بقية حقائق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الحق لو فرض أن يكون الثابت نقيض ذلك لتسرب الفساد إلى السموات والأرض ومن فيهن.

فلو فرض عدم البعث للجزاء لكان الثابت أن لا جزاء على العمل؛ فلم يعمل أحد خيراً إذ لا رجاء في ثواب.

ولم يترك أحد شراً إلا إذ لا خوف من عقاب فيغمر الشر الخير والباطل الحق وذلك فساد لمن في السموات والأرض قال تعالى: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ [المؤمنون: 115].

وكذا لو كان الحق حسنَ الاعتداء والباطلُ قبحَ العدل لارتمى الناس بعضهم على بعض بالإهلاك جُهد المستطاع فهلك الضرع والزرع قال تعالى: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ﴾ [البقرة: 205]، وهكذا الحال في أهوائهم المختلفة.

ويزيد أمرها فساداً بأن يتبع الحق كل ساعة هوى مخالفاً للهوى الذي اتبعه قبل ذلك فلا يستقر نظام ولا قانون.

وهذا المعنى ناظر إلى معنى قوله تعالى: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ [الدخان: 38، 39].

والظاهر أن (مَن) في قوله: ﴿ ومن فيهن ﴾ صادقة على العقلاء من البشر والملائكة.

ففساد البشر على فرض أن يكون جارياً على أهواء المشركين ظاهر مما قررناه.

وأما فساد الملائكة فلأن من أهواء المشركين زعمهم أن الملائكة بنات الله فلو كان الواقع أن حقيقة الملائكة بُنوة الله لأفضى ذلك إلى أنهم ءالهة لأن المتولد من جنس يجب أن يكون مماثلاً لما تولد هو منه إذ الولد نسخة من أبيه فلزم عليه ما يلزم على القول بتعدد الآلهة.

وأيضاً لو لم يكن من فصول حقيقة الملائكة أنهم مسخرون لطاعة الله وتنفيذ أوامره لفسدت حقائقهم فأفسدوا ما يأمرهم الله بإصلاحه وبالعكس فتنتقض المصالح.

ويجوز أن يكون ﴿ مَن ﴾ صادقاً على المخلوقات كلها على وجه التغليب في استعمال (مَن).

ووجه الملازمة ينتظم بالأصالة مع وجه الملازمة بين تعدد الآلهة وبين فساد السماوات والأرض ثم يسري إلى اختلال مواهي الموجودات فتصبح غير صالحة لما خلقت عليه، فيفسد العالم.

وقد كان بعض الفلاسفة المتأخرين فرض بحثاً في إمكان فناء العالم وفرَض أسباباً إن وجد واحد منها في هذا العالم.

وعدّ من جملتها أن تحدث حوادث جوية تفسد عقول البشر كلهم فيتألبون على إهلاك العالم فلو أجرى الله النظام على مقتضى الأهواء من مخالفة الحق لما هو عليه في نفس الأمر كما يشتهون لعاد ذلك بالفساد على جميع العالم فكانوا مشمولين لذلك الفساد لأنهم من جملة ما في السماوات والأرض، فناهيك بأفن آراء لا تميز بين الضر والنافع لأنفسهما.

وكفى بذلك شناعة لكراهيتهم الحق وإبطالاً لزعمهم أن ما جاء به الرسول تصرفات مجنون.

إبطال لما اقتضاه الفرض في قوله ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ أي بل لم يتبع الحق أهواءهم فأبلغنا إليهم الحق على وجهه بالقرآن الذي هو ذكر لهم يوقظ عقولهم من سباتها.

كأنه يذكر عقولهم الحق الذي نسيته بتقادم الزمان على ضلالات آبائهم التي سنوها لهم فصارت أهواء لهم ألفوها فلم يقبلوا انزياحاً عنها وأعرضوا عن الحق بأنه خالفها، فجعل إبلاغ الحق لهم بالأدلة بمنزلة تذكير الناسي شيئاً طال عهده به كما قال عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري «فإن الحق قديم» قال تعالى ﴿ ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ﴾ [يونس: 82].

وعُدِّي فعل ﴿ أتيناهم ﴾ بالباء لأنه استعمل مجازاً في الإرسال والتوجيه.

والذكر يجوز أن يكون مصدراً بمعنى التذكير.

ويجوز أن يكون اسماً للكلام الذي يذكر سامعه بما غفل عنه وهو شأن الكتب الربانية.

وإضافة الذكر إلى ضميرهم لفظية من الإضافة إلى مفعول المصدر.

والفاء لتفريع إعراضهم على الإتيان بالذكر إليهم، أي فتفرع على الإرسال إليهم بالذكر إعراضهم عنه.

والمعنى: أرسلنا إليهم القرآن ليُذَكِّرهم.

وقيل: إضافة الذكر إلى ضميرهم معنوية، أي الذكر الذي سألوه حين كانوا يقولون ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنَّا عباد الله المخلصين ﴾ [الصافات: 168- 169] فيكون الذكر على هذا مصدراً بمعنى الفاعل، أي ما يتذكرون به.

والفاء على هذا الوجه فاء فصيحة، أي فها قد أعطيناهم كتاباً فأعرضوا عن ذكرهم الذي سألوه كقوله تعالى: «لو أن عندنا ذكراً من الأولين (أي من رسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به»، وقول عباس بن الأحنف: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا *** ثم القفول فقد جئنا خُراسان وقوله تعالى: ﴿ أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ﴾ [المائدة: 19].

والتعبير عن إعراضهم بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات إعراضهم وتمكنه منهم.

وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بذكرهم ليكون إعراضهم عنه محل عجب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ في الحَقِّ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

الثّانِي: أنَّهُ التَّنْزِيلُ أيْ لَوْ نَزَلَ بِما يُرِيدُونَ لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ.

وَفِي اتِّباعِ أهْوائِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَوِ اتُّبِعَ أهْواءَهم فِيما يَشْتَهُونَهُ.

الثّانِي: فِيما يَعْبُدُونَهُ.

﴿ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَفَسَدَ تَدْبِيرُ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها مُدَبَّرَةٌ بِالحَقِّ لا بِالهَوى.

الثّانِي: لَفَسَدَتْ أحْوالُ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّها جارِيَةٌ بِالحِكْمَةِ لا عَلى الهَوى.

﴿ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ أيْ ولَفَسَدَ مَن فِيهِنَّ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَن يَعْقِلُ مِن مَلائِكَةِ السَّماواتِ وإنْسِ الأرْضِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي ما بَيْنَهم مِن خَلْقٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَتَكُونُ عَلى تَأْوِيلِ الكَلْبِيِّ، وقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَحْمُولًا عَلى فَسادِ ما لا يَعْقِلُ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ، وعَلى ظاهِرِ التَّنْزِيلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى فَسادِ ما يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ مِنَ الحَيَوانِ، لِأنَّ ما لا يَعْقِلُ تابِعٌ لِما يَعْقِلُ في الصَّلاحِ والفَسادِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِنَ الفَسادِ ما يَعُودُ عَلى مَن في السَّماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ بِأنْ جَعَلَتْ أرْبابًا وهي مَرْبُوبَةٌ، وعُبِدَتْ وهي مُسْتَعْبَدَةٌ.

وَفَسادُ الإنْسِ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِاتِّباعِ الهَوى.

وَذَلِكَ مُهْلِكٌ.

الثّانِي: بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

وَذَلِكَ كُفْرٌ.

وَأمّا فَسادُ الجِنِّ فَيَكُونُ بِأنْ يُطاعُوا فَيَطْغَوْا.

وَأمّا فَسادُ ما عَدا ذَلِكَ فَيَكُونُ عَلى وجْهِ التَّبَعِ لِأنَّهم مُدَبَّرُونَ بِذَوِي العُقُولِ.

فَعادَ فَسادُ المُدَبِّرِينَ عَلَيْهِمْ.

﴿ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنى بِبَيانِ الحَقِّ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِشَرَفِهِمْ لِأنَّ الرَّسُولَ  مِنهم.

والقُرْآنُ بِلِسانِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: بِذِكْرِ ما عَلَيْهِمْ مِن طاعَةٍ ولَهم مِن جَزاءٍ.

﴿ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَهم عَنِ القُرْآنِ مُعْرِضُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عَنْ شَرَفِهِمْ مُعْرِضُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ: ﴿ أمْ تَسْألُهم خَرْجًا ﴾ يَعْنِي أمْرًا.

﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَرِزْقُ رَبِّكَ في الدُّنْيا خَيْرٌ مِنهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: فَأجْرُ رَبِّكَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَذَكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ الفَرْقَ بَيْنَ الخَرْجِ والخَراجِ فَقالَ: الخَرْجُ مِنَ الرِّقابِ: والخَراجُ مِنَ الأرْضِ.

قَوْلُهُ: ﴿ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَعادِلُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَحائِدُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لَتارِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: لَمُعْرِضُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ أفلم يدبروا القول ﴾ قال: إذاً والله كانوا يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ أم لم يعرفوا رسولهم ﴾ قال: عرفوه، ولكن حسدوه وفي قوله: ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ قال: الحق الله عزوجل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ قال: بينا لهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ قال: هذا القرآن، وفي قوله: ﴿ أم تسألهم أجراً ﴾ يقول: أم تسألهم على ما أتيناهم به جعلاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ خرجاً ﴾ قال: أجراً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الخرج وما قبلها من القصة لكفار قريش.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أم تسألهم خَرَجاً ﴾ بغير ألف ﴿ فخراج ربك ﴾ بالألف.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن أنه قرأ ﴿ أم تسألهم خراجاً فخراج ربك خير ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ قال: ما فيه عوج.

ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً فقال له «أسلم.

فتعصب له ذلك وكبر عليه.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث فلقيت رجلاً تعرف وجهه وتعرف نسبه فدعاك إلى طريق واسع سهل أكنت تتبعه؟

قال: نعم.

قال: فوالذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو كنت فيه.

وإني لأدعوك إلى أسهل من ذلك الطريق لو دعيت إليه» وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم «لقي رجلاً فقال له أسلم.

فصعده ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت فتييك أحدهما إن حدث صدقك وإن أمنته أدى إليك؟

والآخر إن حدث كذبك وإن ائتمنته خانك؟

قال: بلى.

فتاي الذي إذا حدثني صدقني وإذا أمنته أدى إلي.

قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: كذاكم أنت عند ربكم» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ﴾ قال: عن الحق عادلون.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ﴾ قال: الجوع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ ﴾ قال أبو صالح (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقال الفراء والزجاج: ويجوز أن يكون المراد بالحق -هاهنا-: التنزيل، أي: نزل بما (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ .

وقد مرَّ.

وقال بعض أهل المعاني: الحقّ لما كان يدعو إلى المحاسن والأهواء تدعو إلى المقابح؛ فلو أَتبع الحق داعي الهوى لدعى إلى المقابح التي فيها الفساد والاختلال (١٠) (١١) (١٢) قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ أي: جاء فيه فخرهم وشرفهم.

قال ابن عباس: هو كقوله: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا  ﴾ : وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ (١٣) وقوله: ﴿ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ قال: يريد تولوا عما جاء به من شرف الدنيا والآخرة (١٤) (١) رواه الطبري 18/ 42، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 110 وزاد نبته لعبد ابن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢) رواه عنه الطبري 18/ 43.

(٣) "تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.

(٤) ذكره عنه البغوي 5/ 424، وابن الجوزي 5/ 484.

(٥) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 47.

(٦) في (ظ): (ما).

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 239، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 19.

(٨) (يعني): ساقطة من (أ).

(٩) في (ظ): (فعل).

(١٠) في "التبيان" 7/ 338: والاختلاط.

(١١) في (أ): (وكان).

(١٢) ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 338 ولم ينسبه لأحد.

(١٣) ذكره عنه البغوي 5/ 424.

(١٤) ذكر الماوردي 4/ 63 هذا المعنى عن السدي.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض ﴾ الاتباع هنا استعارة، والحق هنا يراد به الصواب والأمر المستقيم، فالمعنى لو كان الأمر على ما تقتضي أهواؤهم من الشرك بالله واتباع الباطل لفسدت السموات والأرض كقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء: 22] وقيل: إن الحق في الآية هو الله تعالى، وهذا بعيد في المعنى، وإنما حمله عليه أن جعل الاتباع حقيقة لوم يفهم فيه الاستعارة، وإنما الحق هنا هو المذكورة في قوله، ﴿ بَلْ جَآءَهُمْ بالحق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ يحتمل أن يكون بتذكيرهم ووعظهم أو بفخرهم وشرفهم وهذا أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تهجرون ﴾ بضم التاء وكسر الجيم: نافع.

الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ﴿ خرجاً فخرج ﴾ بغير الالف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف.

الباقون بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ سيقولون الله ﴾ الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون باللام فيهما كالأول حملا على المعنى لأن قولك "من رب هذا" "ولمن هذا" في معنى واحد.

الوقوف: ﴿ مشفقون ﴾ ه لا ﴿ يؤمنون ﴾ لا ﴿ يشركون ﴾ ه لا ﴿ راجعون ﴾ ه لا لأن الكل معطوفات على اسم "إن" والخبر ﴿ أولئك ﴾ الجملة ﴿ سابقون ﴾ ه لا ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ يجأرون ﴾ ه لا لحق القول ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ تنكصون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ مستكبرين ﴾ ه قد قيل: على جعل الجار والمجرور مفعول ﴿ سامراً ﴾ أو مفعول ﴿ تهجرون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه لصورة الاستفهام وهو العطف ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ط لأن الاستفهام إنكار ﴿ خير ﴾ ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه.

﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الناكبون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ه ﴿ لمبعوثون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تسحرون ﴾ ه ﴿ لكاذبون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما نفى الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ربهم وظاهره ينبئ عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على اثره وهو الدوام في الطاعة.

والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادّون في طلب مرضاته.

ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف اي هم من سخط الله عاجلاً ومن عقابه آجلاً في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي.

وفيه أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى.

الثانية قوله ﴿ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ﴾ والظاهر أنها القرآن.

وقيل: هي المخلوقات الدالة على وجود الصانع.

وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهراً.

الثالثة التبري عما سوى الله ظاهراً وباطناً بأن لايشرك به طرفة عين.

الرابعة قوله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ أي يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ خائفة في شأن ذلك الإعطاء.

ثم علل ذلك الوجل بقوله ﴿ أنهم ﴾ اي لأنهم ﴿ إلى ربهم راجعون ﴾ فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص.

والظاهر أن هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما روي "أن رسول الله  قرأ ﴿ ويأتون ما أتوا ﴾ أي يفعلون ما فعلوا.

وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟

قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه." وفي قوله ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها.

قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين.

وقال في قوله ﴿ وهم لها سابقون ﴾ إنه متروك المفعول أو منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها سابقون كقولك "هو لزيد ضارب" بمعنى "هو زيداً ضارب" جئت باللام لضعف عمل اسم الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث عجلت لهم في الدنيا.

وجوّز أن يكون ﴿ لها سابقون ﴾ خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك "هذا هو" لهذا الأمر أي صالح له.

وحين أنجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لهما الأوّل قوله ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً وإلا فليوم إيماء.

وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم.

الثاني قوله ﴿ ولدينا كتاب ينطق ﴾ والمراد ينطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل.

والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم.

أما قوله ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ ففيه طريقان: أحدهما رادع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون.

﴿ ولهم أعمال ﴾ متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى.

﴿ هم لها عاملون ﴾ في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا بها حكم الشقاء الأزلي.

وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه  قال بعد وصفهم ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء.

﴿ ولدينا كتاب ﴾ يحفظ أعمالهم.

﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ الذي وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود ﴿ ولهم أعمال ﴾ من ﴿ دون ذلك ﴾ الذي وصف ﴿ هم لها عاملون ﴾ وهي النوافل السرية والأعمال القلبية.

ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله  فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف" .

فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة واقدّ والأولاد.

والجؤار الصراخ باستغاثة.

ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت ﴿ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ﴾ لا تغاثون من جهتنا أو لا تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم.

ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ورائه وقد مر في "الأنعام".

وفي مرجع الضمير في ﴿ به ﴾ أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم.

والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.

وثانيها مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.

وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكباراً وعتوّاً.

ورابعها أنه يتعلق بـ ﴿ ـسامراً ﴾ أو بـ ﴿ ـتهجرون ﴾ والهجر بالضم الفحش وبالفتح الهذيان،و أهجر في منطقه إذا أفحش.

والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله  والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.

ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور اربعة: الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به.

الثاني قوله ﴿ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الولين ﴾ والمراد أمر الرسالة.

ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم  ﴾ فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.

وقيل: إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟

عن النبي  "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا اسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً" الثالث قوله ﴿ أم لم يعرفوا ﴾ نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟

الرابع نسبتهم إياه إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلاً ولكنه جاء بما يخالف هواهم فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم.

ثم أضرب عن أقوالهم منبهاً على مصدوقية أمر النبي فقال ﴿ بل جاءهم ﴾ متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو الباء للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ واقلهم كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفاً من قالة الأعداء كما يحكى عن ابي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه.

ثم بين أن الإلهية تقتضي الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله العالمين وقدّره فقال ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو انقلب الإسلام شركاً كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ولم يؤخر.

وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمراً بالشرك والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلهاً ولكان شيطاناً فلا يقدر على إمساك السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم.

ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت للمصاحبة فعلى حذف مضاف اي أتاهم رسولنا متلبساً بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين  ﴾ ثم بيّن أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال ﴿ أم تسألهم خرجاً ﴾ أي جعلاً وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف.

وقيل: الخرج أقل ولذا قرأ الأكثرون ﴿ خرجاً فخراج ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.

وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ومكنون سره فقال ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ هو دين الإسلام لا تدعوهم إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالآخرة عن ﴿ الصراط ﴾ المستقيم المذكور ﴿ لناكبون ﴾ والتركيب يدور على العدول عن القصد ومنه المنكب لمجمع عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم.

ثم بين إصرارهم على الكفر بقوله ﴿ ولو رحمناهم ﴾ الآية.

"يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنه الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله  فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟

فقال: بلى.

فقال الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر" فأنزل الله الآية.

والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه من الطغيان.

ثم استشهد على ذلك بقوله ﴿ ولقد أخذناهم ﴾ اي قبل ذلك ﴿ بالعذاب ﴾ يعني ما جرى عليهم يوم بدر ﴿ فما استكانوا لربهم ﴾ أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في "آل عمران" ﴿ وما يتضرعون ﴾ عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم واشدهم شكيمة وأخشنهم عريكة يستعطفك.

ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد منهم انقياد للحق وهم كذلك إذ عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس السكوت مع تحير أو الياس من كل خير.

ثم نبه بقوله ﴿ وهو الذي أنشأ لكم ﴾ على أن اسباب التأمل في الدلائل موجودة، وابواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي.

وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أي تشكرون شكراً قليلاً "وما" مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد.

وعن أبي مسلم أنه قال: اراد بالقلة العدم.

وفي الآية ثلاثة معان: أحدها إظهار النعمة.

وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين لشهوده بالله.

وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل.

ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال ﴿ وهو الذي ذرأكم ﴾ اي خلقكم وبثكم في الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه تحشرون بعد تفرقكم ﴿ وهو الذي يحيي ويميت ﴾ وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ﴿ وله اختلاف الليل والنهار ﴾ أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت والحياة.

وفي قوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ وتهديد.

ثم نبه بقوله ﴿ بل قالوا ﴾ الآيات على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد.

قال علماء المعاني: قوله ﴿ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ﴾ واراد على الأصل لأن التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني.

وأما في سورة النمل فسبب تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر هناك على قوله ﴿ تراباً ﴾ والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار.

ثم رد على منكري الإعادة أو على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كان عندكم علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوّز أن يشتبه عليهم مثل هذا المكشوف الجلي.

وفي قوله ﴿ افلا تذكرون ﴾ ترغيب في التدبر وبعث على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها كان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادراً على إعادة ما أفناه، وفي قوله ﴿ أفلا تتقون ﴾ مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء مخالفته، قال جار الله: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث احد منه أحداً ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ بهذه الصفة غيره فأجيبوني به.

ومعنى ﴿ تسحرون ﴾ تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى.

ثم بين بقوله ﴿ بل أتيناهم بالحق ﴾ أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما هو الحق والصدق ﴿ وإنهم ﴾ مع ذلك ﴿ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون إليه العجز عن الإعادة.

التأويل: ﴿ من خشية ربهم مشفقون ﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿ بآيات ربهم يؤمنون ﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿ بربهم لا يشركون ﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿ وهم لها سابقون ﴾ على قدر سبق العناية ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف.

﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة.

﴿ ولقد أخذناهم ﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم ﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿ وله اختلاف ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿ قالوا أئذا متنا ﴾ فيه أن الياس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿ وهو يجير ﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ .

قيل: في عماية وجهالة وغفلة، ﴿ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ : من الكتاب الذي فيه أعمالهم، وأحصى عليهم.

وقال قائلون في قوله: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ : أي: من هذا القرآن الذي ينطق بالحق، أي: قلوبهم في عماية وغفلة من هذا القرآن.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ من الأعمال التي ذكر للمؤمنين فيما تقدم: من ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من أعمالهم، فأخبر أن قلوب أولئك الكفرة في غفلة وعماية من الأعمال التي عملها المؤمنون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: من دون ما عمل أولئك الكفرة من الأعمال التي تقدم ذكرها: من قوله: ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ على ما ذكر، ثم أخبر أن لهم أعمالا دون ما ذكر.

وقال قائلون: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ ﴾ ، يعني: المؤمنين الذين ذكر أعمالهم، أي: لهم أعمال دون الذي ذكر لهم دون تلك الأعمال.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ذلك في العذاب الذي أخذ أهل مكة في الدنيا من الجوع الذي نزل بهم حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة ونحوه.

لكن الأشبه أن يكون ذلك في عذاب الآخرة؛ ألا ترى أنه يقول: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ أي: يتضرعون.

ويقول أيضاً: ﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ ﴾ فإنما يخبر: أن كنتم تفعلون كذا في الدنيا، ويذكر: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ ؛ فلا يحتمل أن يتضرعوا إليه في الدنيا، ثم لا يقبل منهم ذلك التضرع، أو ينهاهم عن التضرع بقوله: ﴿ لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ ؛ فدل ذلك أنه في الآخرة، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

﴾ الآية [غافر: 84]؛ مثل هذا يكون في الآخرة، وفي الدنيا ما ذكر: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 76\]: ذكر في عذاب الدنيا أنهم لم يتضرعوا في الدنيا عند نزول العذاب بهم، [و] لا يقبل منهم التضرع والاستكانة؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ .

نهاهم عن التضرع، ولا يحتمل النهي عن ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ ﴾ .

أي: لا تمنعون من عذابه.

وقوله: ﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ ترجعون على التمثيل، ليس على التحقيق؛ لأنهم إذا رجعوا على الأعقاب صار ما كان أمامهم وراءهم؛ فكأنهم نبذوا ذلك وراء ظهورهم.

أو أن يكون المنقلب على الأعقاب كالمكب على الوجه، والمكب على وجهه مذموم عند جميع من رآه وعاينه؛ لهذا شبه به وضرب مثله به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ بِهِ ﴾ ، أي: بالبيت.

ووجه هذا: أنهم لما رأوا أنفسهم آمنين بمقامهم عند البيت وفي حرم الله، وأهل سائر البقاع في خوف - ظنوا أن ذلك لهم؛ لفضل كرامتهم ومنزلتهم عند الله؛ فحملهم ذلك على الاستكبار على رسول الله ومن تابعه.

وقال بعضهم: ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ ﴾ ، أي: بالقرآن وتأويله، أي: استكبروا على الله ورسوله لما نزل القرآن، وإضافة الاستكبار إلى القرآن؛ لأنهم بنزوله تكبروا على الله؛ فأضاف استكبارهم إليه؛ لأنه كان سبب تكبرهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ...

فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ...

﴾ الآية [التوبة: 124-125]: أضاف زيادة رجسهم إلى السورة؛ لما بها يزداد رجسهم وكانت سبب رجسهم، وإن كانت لا تزيد رجساً في الحقيقة.

وقوله: ﴿ سَامِراً تَهْجُرُونَ ﴾ .

قال الزجاج: السامر: هو ظل القمر، فيه كانوا يهجرون، والسمر: هو حديث بالليل.

قوله: ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ قال قائلون: تهتدون.

وقال بعضهم: تهجرون القرآن، أي: كانوا لا يعملون به ولا يعبئون؛ فهو الهجر، وفيه لغة أخرى: تُهْجِرُون، وهو كلام الفحش والفساد.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ .

قيل: أي: في القرآن؛ يحتمل قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ﴾ أي: فهلا دبروا ذلك القول الذي يقولون في الآخرة في الدنيا، وهو قولهم: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، وما ذكر من تضرعهم في الآخرة، وهو قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ ، أي: قد دبّروا القول، لكنهم تعاندوا وكابروا واستكبروا ولم يخضعوا له؛ أنفا واستكباراً؛ أو لا ترى أنه إذا قرع أسماعهم قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ...

﴾ الآية [الإسراء: 88] لا يحتمل ألا يدبروا فيه؛ دل أنهم قد تدبروا فيه وعرفوه، إلا أنهم تعاندوا وكابروا واستكبروا؛ أنفا منهم واستكبارا واستنكافا عن اتباعه والخضوع له.

قال أبو عوسجة: ﴿ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾ ، أي: يستغيثون، قال: وأصله من الصياح.

وقال بعضهم: ﴿ يَجْأَرُونَ ﴾ : يصرخون.

وقيل: يصيحون.

وقيل: ﴿ سَامِراً تَهْجُرُونَ ﴾ ما ذكرنا من الحديث بالليل، ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ ، أي: تهذون كما يهذي النائم والمريض الشديد المرض.

قال: وأهجر يهجر، من الهُجْر: وهو الفحش، وَهَجَّر يُهجِّر: إذا سار في الهاجرة، وهي شدة الحرّ.

وقوله: ﴿ تَنكِصُونَ ﴾ : قال بعضهم: ترجعون، وقال بعضهم: تستأخرون؛ كقوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ  ﴾ : ترجعون، وتستأخرون واحد.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ : قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: على ترك التدبر فيه والتفكر، والإعراض عنه، أي: لم يدبّروا فيه، ولم يتفكروا.

والثاني: على إيجاب حقيقة التدبر فيه والتفكر، أي: قد تدبّروا فيه، وعرفوا أنه منزل من الله، لكنهم تركوا متابعته؛ عنادا وتمرداً [و] إشفاقاً على ذهاب رياستهم، وطمعاً في إبقائها ودوام مأكلتهم، فأي الوجهين كان، ففيه لزوم حجج الله وبراهينه على من جهلها ولم يعرفها؛ بالإعراض عنها وترك التدبر فيها، حيث استوجبوا عذاب الله ومقته لجهلهم بها: بترك التدبر فيها بعد أن كان لهم سبيل الوصول إلى معرفتها.

وظاهر قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ﴾ استفهام، إلا أنه في الحقيقة: إيجاب لها؛ لا يجوز أن يستفهم الله أحداً؛ فهو على الإيجاب لأنه علام الغيوب.

وقوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ أي: قد جاءهم ما جاء آباءهم الأولين من الرسل، ثم [لم] يأت هؤلاء شيء إلا ما أتى آباءهم، لم يخصوا هم بالرسول؛ فكيف أنكروه؟!

ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ : قد أقرّوا أن في الأمم المتقدمة رسولا؛ حيث قالوا: ﴿ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ .

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ ﴾ .

أي: قد عرفوا رسولهم، لكنهم أنكروه وتركوا اتباعه؛ لما ذكرنا في القرآن من أحد الوجهين؛ عناداً وتكبرا؛ إشفاقاً على رياستهم لكي تبقى؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 146].

وعلى هذا، ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ .

أي: قد عرفوا أنه ليس به جنة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : جاء هؤلاء ما لم يأت آباءهم، وخصّ هؤلاء ما لم يخص آباءهم.

وكذلك قال ابن عباس: لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ ﴾ : إلى ما ذكر من قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ؛ لأنه يخرج على الأمر بالتدبر فيه، ومعرفة الرسول أنه ليس كما يصفونه من الجنون وغيره؛ كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ  ﴾ ، أي: تفكروا فيه؛ فإنه ليس به جنة على ما يصفونه، أو على ما ذكرنا: أنهم تفكروا وعرفوا: أنه ليس به جنون، ولا شيء مما وصفوا به؛ لكنهم أرادوا أن يلبسوا أمره على أتباعهم وسفلتهم؛ إشفاقاً على إبقاء ما ذكرنا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : من البراءة من العذاب.

وقوله: ﴿ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

بالرسالة والقرآن من عند الله، وجعل العبادة [له] من دون الأصنام التي عبدوها.

[وقوله:] ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ .

كرهوا الحق؛ لما ظنوا أن في اتباعه ذهاب الرئاسة والأسباب التي كانت لهم على أتباعهم، بعد معرفتهم أنه حق، أو كرهوا؛ لما لم يعرفوا في الحقيقة أنه حق، وإلا [لا] أحد ممن يوصف بصحة العقل وسلامته يكره الحق ويترك اتباعه؛ إلا للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: الحق - هاهنا - هو الله، أي: لو تبع الله أهواءهم في كفرهم وشركهم ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ ، وتأويل هذا أن الكفر والشرك مما لا عاقبة له، وكل شيء لا عاقبة له فهو في الحكمة والعقل فاسد باطل غير مستحسن.

وقال بعضهم: الحق - هاهنا - كتاب الله، وهو القرآن على ما يهوون هم؛ ليفسد ما ذكر؛ لأنه يكون خارجاً عن الحكمة.

وجائز أن يوصل قوله: ﴿ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ الحق الذي سبق ذكره، وهو قوله: ﴿ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ ، أي: لو اتبع ذلك الحق أهواءهم وجاء على ما هوته أنفسهم واشتهت من عبادة غير الله، وتسميتهم إياها آلهة، وإنكارهم البعث والتوحيد، وغير ذلك من الأفعال التي كانوا اختاروها وعملوها - لفسدت السماوات والأرض وما ذكر؛ لأنه يكون خلقهم وخلق ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهن - لا لما توجبه الحكمة والعقل؛ إذ خلقهم وخلق ما ذكر لأفعالهم التي يفعلون؛ فإذا خرج أفعالهم على غير ما توجبه الحكمة والعقل، بل على السفه والجهل - خرج الذي لها خلق، [و] من أجلها أنشئ، كذلك؛ إذ خلق الشيء وفعله لا لعاقبة تقصد - خارج عن الحكمة، والله أعلم بذلك.

وجائز أن يكون الحق هو رسول الله، أي: رسول الله لو اتبع أهواءهم لفسد ما ذكر.

وقوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ .

قال أهل التأويل: لشرفهم وذكرهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ .

[وقوله:] ﴿ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ  ﴾ .

أي: عن شرفهم معرضون.

وجائز أن يكون الذكر هو الحق الذي تقدم ذكره، أي: لو قبلوا ذلك الحق الذي [جاءهم] وأقبلوا نحوه يكون في ذلك ذكرهم من بعد هلاكهم؛ كما يُذكر أصحاب رسول الله من بعد ما ماتوا؛ ألا ترى أولادهم بذكر آباءهم يتعيشون يقولون: أنا من بني فلان؛ فيبرّهم الناس بذلك ويكرمونهم، وأما أولئك فإنهم لا يذكرون بشيء من ذلك؛ فذلك يدل على ما ذكرنا.

ويحتمل قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ الثناء عليهم أن لو آمنوا؛ كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...

﴾ الآية [آل عمران: 110]، وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ...

﴾ الآية [التوبة: 100]، ونحو ذلك مما أثنى الله على من آمن منهم؛ فهم لو آمنوا استوجبوا بذلك الثناء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ ﴾ ، أي: يُدعى لهم، وهو ما دعا الملائكة والرسل للمؤمنين، كقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [غافر: 7]، وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ  ﴾ ، وقول نوح: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...

﴾ الآية [نوح: 28]، وقول إبراهيم ودعائه لهم: لو آمنوا استوجبوا دعاء هؤلاء الملائكة والرسل جميعاً، أو أن يكون ما ذكرنا من إبقاء ذكرهم إلى يوم القيامة؛ كما بقي ذكر أولئك الذين آمنوا به وصدقوه؛ فيكون في ذلك كله شرفهم وقدرهم؛ على ما قاله أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ .

جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، أي: قد عرفوا رسلهم، ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ، أي: ليس به جنة، أي: ليس به شيء يمنعهم عن الإجابة والإيمان به بما يعذرونهم في ترك الإيمان به؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ﴾ ، أي: لم تسألهم أجراً على ما تدعوهم إليه حتى يمنعهم ثقل ذلك الأجر عن إجابته وتصديقه؛ كقوله - أيضاً -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ يقطع ما ذكر جميع أعذارهم وحجاجهم، وإن لم يكن عذر ولا حجة في ترك الإجابة له.

وقال بعضهم: الخراج: الرزق، أي: لا تسألهم رزقاً، ثم أخبر: ﴿ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو أجرى الله الأمور، ودبّرها على وفق ما تهواه أنفسهم لفسدت السماوات والأرض، وفسد من فيهن لجهلهم بعواقب الأمور، وبالصحيح والفاسد من التدبير.

<div class="verse-tafsir" id="91.7oNK8"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر