الآية ٩١ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٩١ من سورة المؤمنون

مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍۢ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًۭا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩١ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩١ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك ، فقال : ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) أي : لو قدر تعدد الآلهة ، لانفرد كل منهم بما يخلق ، فما كان ينتظم الوجود .

والمشاهد أن الوجود منتظم متسق ، كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض ، في غاية الكمال ، ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) [ الملك : 3 ] ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه ، فيعلو بعضهم على بعض .

والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع ، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدا ، فأراد واحد تحريك جسم وأراد الآخر سكونه ، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين ، والواجب لا يكون عاجزا ، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد .

وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد ، فيكون محالا فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر ، كان الغالب هو الواجب ، والآخر المغلوب ممكنا; لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورا; ولهذا قال : ( ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ) أي : عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوا كبيرا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ ) يقول تعالى ذكره: ما لله من ولد، ولا كان معه في القديم، ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته، ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته ( مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ ) يقول: إذن لاعتزل كل إله منهم ( بِمَا خَلَقَ ) من شيء، فانفرد به، ولتغالبوا، فلعلا بعضهم على بعض، وغلب القويّ منهم الضعيف؛ لأن القويّ لا يرضى أن يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلها، فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها، لمن عقل وتدبر.

وقوله: ( إِذًا لَذَهَبَ ) جواب لمحذوف، وهو: لو كان معه إله، إذن لذهب كل إله بما خلق، اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه عنه.

وقوله: ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) يقول تعالى ذكره؛ تنـزيها لله عما يصفه به هؤلاء المشركون من أن له ولدا، وعما قالوه من أن له شريكا، أو أن معه في القِدم إلها يُعبد تبارك وتعالى.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ما اتخذ الله من ولد من صلة .

وما كان معه من إله من زائدة ؛ والتقدير : ما اتخذ الله ولدا كما زعمتم ، ولا كان معه إله فيما خلق .

وفي الكلام حذف ؛ والمعنى : لو كانت معه آلهة لانفرد كل إله بخلقه .

ولعلا بعضهم على بعض أي ولغالب وطلب القوي الضعيف كالعادة بين الملوك ، وكان الضعيف المغلوب لا يستحق الإلهية .

وهذا الذي يدل على نفي الشريك يدل على نفي الولد أيضا ؛ لأن الولد ينازع الأب في الملك منازعة الشريك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ } كذب يعرف بخبر الله، وخبر رسله، ويعرف بالعقل الصحيح، ولهذا نبه تعالى على الدليل العقلي، على امتناع إلهين فقال: { إِذًا } أي: لو كان معه آلهة كما يقولون { لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ } أي: لانفرد كل واحد من الإلهين بمخلوقاته, واستقل بها، ولحرص على ممانعة الآخر ومغالبته، { وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } فالغالب يكون هو الإله، وإلا فمع التمانع لا يمكن وجود العالم، ولا يتصور أن ينتظم هذا الانتظام المدهش للعقول، واعتبر ذلك بالشمس والقمر، والكواكب الثابتة، والسيارة، فإنها منذ خلقت، وهي تجري على نظام واحد، وترتيب واحد، كلها مسخرة بالقدرة، مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة على مصلحة أحد دون أحد، ولن ترى فيها خللا ولا تناقضا، ولا معارضة في أدنى تصرف، فهل يتصور أن يكون ذلك، تقدير إلهين ربين؟\"{ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } قد نطقت بلسان حالها، وأفهمت ببديع أشكالها، أن المدبر لها إله واحد كامل الأسماء والصفات، قد افتقرت إليه جميع المخلوقات، في ربوبيته لها، وفي إلهيته لها، فكما لا وجود لها ولا دوام إلا بربوبيته، كذلك، لا صلاح لها ولا قوام إلا بعبادته وإفراده بالطاعة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ) أي : من شريك ، ( إذا لذهب كل إله بما خلق ) أي : تفرد بما خلقه فلم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره ، ومنع الإله الآخر من الاستيلاء على ما خلق .

( ولعلا بعضهم على بعض ) أي : طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم ، ثم نزه نفسه فقال : ( سبحان الله عما يصفون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً» أي لو كان معه إله «لذهب كل إله بما خلق» انفرد به ومنع الآخر من الاستيلاء عليه «ولعلا بعضهم على بعض» مغالبة كفعل ملوك الدنيا «سبحان الله» تنزيهاً له «عما يصفونـ» ـه به مما ذكر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لم يجعل الله لنفسه ولدًا، ولم يكن معه من معبود آخر؛ لأنه لو كان ثمة أكثر مِن معبود لانفرد كل معبود بمخلوقاته، ولكان بينهم مغالبة كشأن ملوك الدنيا، فيختلُّ نظام الكون، تنزَّه الله سبحانه وتعالى وتقدَّس عن وصفهم له بأن له شريكًا أو ولدًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وبخهم - سبحانه - على قولهم إن لله ولداً وشريكاً فقال : ( مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ .

.

.

) .أى : لم يتخذ الله - تعالى - ولداً - كما يزعم هؤلاء الجاهلون ، لأنه - سبحانه - منزه عن ذلك .

ولم يكن معه من إله يشاركه فى ألوهيته وربوبيته - عز وجل -زولو كان الأمر كما يزعمون ( لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ ) واستقل به عن غيره .

( وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ) أى : ولحدث بينهم التحارب والتغالب .

.

.

ولفسد هذا الكون ، كما قال - تعالى - : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا .

.

.

) ( سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ ) أى : تنزه الله - تعالى - وتقدس عما يصفه به هؤلاء الجاهلون .

فهو - سبحانه - الواحد الأحد .

الفرد الصمد ، الذى لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه ادعى أمرين أحدهما: قوله: ﴿ مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ ﴾ وهو كالتنبيه على أن ذلك من قول هؤلاء الكفار، فإن جمعاً منهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله والثاني: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ﴾ وهو قولهم باتخاذ الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية، ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر الدليل المعتمد بقوله: ﴿ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ والمعنى لانفرد على (ذلك) كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبد به، ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخر، ولغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متميزة وهم متغالبون، وحيث لم تروا أثر التمايز في الممالك والتغالب، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء.

فإن قيل: ﴿ إِذاً ﴾ لا يدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله لذهب جزاء وجواباً؟

ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل، قلنا الشرط محذوف وتقديره ولو كان معه آلهة، وإنما حذف لدلالة قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ﴾ عليه، ثم إنه سبحانه نزه نفسه عن قولهم بقوله: ﴿ سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ من إثبات الولد والشريك.

أما قوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ فقرئ بالجر صفة لله، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، والمعنى أنه سبحانه هو المختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة فلن يعلم معها الغيب، والشهادة التي يعلمها لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم، فلذلك قال: ﴿ فتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ثم أمره سبحانه بالانقطاع إليه وأن يدعوه بقوله: ﴿ رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي القوم الظالمين ﴾ قال صاحب الكشاف: ما والنون مؤكدتان، أي إن كان ولا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة، فلا تجعلني قريناً لهم ولا تعذبني بعذابهم، فإن قيل كيف يجوز أن يجعل الله نبيه المعصوم مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟

قلنا يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه.

وما أحسن قول الحسن في قول الصديق: وليتكم ولست بخيركم، مع أنه كان يعلم أنه خيرهم، ولكن المؤمن يهضم نفسه، وإنما ذكر رب مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لقادرون ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب ويضحكون منه، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد ويحتمل عذاباً في الدنيا مؤخراً عن أيامه عليه السلام، فلذلك قال بعضهم: هو في أهل البغى، وبعضهم في الكفار الذين قوتلوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم والثاني: أن المراد عذاب الآخرة.

أما قوله: ﴿ ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ فالمراد منه أن الأولى به عليه السلام أن يعامل به الكفار فأمر باحتمال ما يكون منهم من التكذيب وضروب الأذى، وأن يدفعه بالكلام الجميل كالسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه، وبين له أنه أعلم بحالهم منه عليه السلام وأنه سبحانه لما لم يقطع نعمه عنهم، فينبغي أن يكون هو عليه السلام مواظباً على هذه الطريقة، قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة ﴾ أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، والمعنى الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الطاقة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء السيئة.

وقيل هذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل محكمة، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دين أو مروءة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ أتيتهم ﴾ و ﴿ أُتيتهم ﴾ بالفتح والضم ﴿ بالحق ﴾ بأن نسبة الولد إليه محال والشرك باطل ﴿ وَإِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له ولداً ومعه شريكاً ﴿ لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ ﴾ لانفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبدّ به، ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزاً من ملك الآخرين، ولغلب بعضهم بعضاً كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متمايزة وهم متغالبون، وحين لن تروا أثراً لتمايز الممالك وللتغالب، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء.

فإن قلت: إذاً لا تدخل إلاّ على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله لذهب جزاء وجواباً ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل؟

قلت: الشرط محذوف تقديره: ولو كان معه آلهة.

وإنما حذف لدلالة قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إله ﴾ عليه.

وهو جواب لمن معه المحاجة من المشركين ﴿ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ من الأنداد والأولاد ﴿ عالم الغيب ﴾ بالجرّ صفة لله.

وبالرفع: خبر مبتدأ محذوف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ والوَعْدِ بِالنُّشُورِ.

﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ حَيْثُ أنْكَرُوا ذَلِكَ.

﴿ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ ﴾ لِتَقَدُّسِهُ عَنْ مُماثَلَةِ أحَدٍ.

﴿ وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ ﴾ يُساهِمُهُ في الأُلُوهِيَّةِ.

﴿ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ جَوابُ مُحاجَّتِهِمْ وجَزاءُ شَرْطٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ لَذَهَبَ كُلٌّ مِنهم بِما خَلَقَهُ واسْتَبَدَّ بِهِ وامْتازَ مُلْكُهُ عَنْ مُلْكِ الآخَرِينَ وظَهَرَ بَيْنَهُمُ التَّحارُبُ والتَّغالُبُ كَما هو حالُ مُلُوكِ الدُّنْيا، فَلَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ وحْدَهُ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ والِاسْتِقْراءِ وقِيامِ البُرْهانِ عَلى اسْتِنادِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ إلى واجِبٍ واحِدٍ.

﴿ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ لِما سَبَقَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى فَسادِهِ.

﴿ عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وقَدْ جَرَّهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ عَلى الصِّفَةِ، وهو دَلِيلٌ آخَرُ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ بِناءً عَلى تَوافُقِهِمْ في أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِذَلِكَ ولِهَذا رَتَّبَ عَلَيْهِ.

﴿ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ بِالفاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ} لأنه منزه عن النوع والجنس وولد الرجل من جنسه {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إله} وليس معه شريك في الألوهية {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ} لانفرد كل واحد من الآلهة بالذى خلقه فاستبد به ولتميز ملك كل واحد منهم عن الآخر {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ} ولغلب بعضهم بعضاً كما ترون حال ملوك الدنيا مما لكهم متمايزة وهم متغالبون وحين لم تروا أثراً لتمايز الممالك وللتغالب فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شئ ولا يقال إذاً لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب وههنا وقع لذهب جزاء وجواباً ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل لأن الشرط محذوف وتقديره ولو كان معه آلهة لدلالة وما كان معه من إله عليه وهو جواب لمن حآجه من المشركين {سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ} من الأنداد والأولاد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ ﴾ لِتَنَزُّهِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الِاحْتِياجِ وتُقَدِّسِهِ تَعالى عَنْ مُماثَلَةِ أحَدٍ.

﴿ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ ﴾ يُشارِكُهُ سُبْحانَهُ في الأُلُوهِيَّةِ ﴿ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ﴾ أيْ لاسْتَبَدَّ بِالَّذِي خَلَقَهُ واسْتَقَلَّ بِهِ تَصَرُّفًا وامْتازَ مُلْكُهُ عَنْ مُلْكِ الآخَرِ ﴿ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ ولَوَقَعَ التَّحارُبُ والتَّغالُبُ بَيْنَهم كَما هو الجارِي فِيما بَيْنَ المُلُوكِ والتّالِي باطِلٌ لِما يُلْزِمُ مِن ذَلِكَ نَفْيِ أُلُوهِيَّةِ الجَمِيعِ أوْ أُلُوهِيَّةِ ما عَدا واحِدًا مِنهم وهو خِلافُ المَفْرُوضِ أوْ لَمّا أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونُ بِيَدِهِ تَعالى وحْدَهُ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو باطِلٌ في نَفْسِهِ لِما بَرْهَنَ عَلَيْهِ في الكَلامِ وعِنْدَ الخَصْمِ لِأنَّهُ يَقُولُ بِاخْتِصاصِ مَلَكُوتِ كُلِّ شَيْءٍ بِهِ تَعالى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السُّؤالُ والجَوابُ السّابِقانِ آنِفًا كَذا قِيلَ، ولا يَخْفى أنَّ اللُّزُومَ في الشُّرْطِيَّةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الآيَةِ عادِيٌّ لا عَقْلِيٌّ ولِذا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى دَلِيلٍ إقْناعِيٍّ لِلتَّوْحِيدِ لا قَطْعِيٍّ.

وفي الكَشْفِ قَدْ لاحَ لَنا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ أنَّ الآيَةَ بُرْهانٌ نَيِّرٍ عَلى تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ مُرَجَّحَ المُمَكَّناتِ الواجِبُ الوُجُودُ تَعالى شَأْنُهُ جَلَّ عَنْ كُلِّ كَثْرَةٍ أمّا كَثْرَةُ المُقَوِّماتِ أوِ الأجْزاءِ الكَمِّيَّةِ فَبَيِّنَةُ الِانْتِفاءِ لِإيذائِها بِالإمْكانِ، وأمّا التَّعَدُّدُ مَعَ الِاتِّحادِ في الماهِيَّةِ فَكَذَلِكَ لِلِافْتِقارِ إلى المُمَيِّزِ ولا يَكُونُ مُقْتَضى الماهِيَّةِ لِاتِّحادِهِما فِيهِ فَيُلْزِمُ الإمْكانَ، ثُمَّ المِيزانُ في الطَّرَفَيْنِ صِفَتا كَمالٍ لِأنَّ الِاتِّصافَ بِما لا كَمالَ فِيهِ نَقْصٌ فَهُما ناقِصانِ مُمْكِنانِ مُفْتَقِرانِ في الوُجُودِ إلى مُكَمِّلٍ خارِجٍ هو الواجِبُ بِالحَقِيقَةِ، وكَذَلِكَ الِافْتِقارُ في كَمالِ ما لِلْوُجُودِ يُوجِبُ الإمْكانَ لِإيجابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ أمْرٌ بِالفِعْلِ وأمْرٌ بِالقُوَّةِ واقْتِضائِهِ التَّرْكِيبِ والإمْكانِ.

ومِن هُنا قالَ العُلَماءُ: إنَّ واجِبَ الوُجُودِ بِذاتِهِ واجِبٌ بِجَمِيعِ صِفاتِهِ لَيْسَ لَهُ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ ومَعَ الِاخْتِلافِ في الماهِيَّةِ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونُ المُرَجَّحُ مُرَجِّحًا أيْ لا يَكُونُ الإلَهُ إلَهًا لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ واحِدٌ مِنَ المُمَكَّناتِ إنِ اسْتَقَلّا بِتَرْجِيحِهِ لَزِمَ تَوارُدُ العِلَّتَيْنِ التّامَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ شَخْصِيٍّ وهو ظاهِرُ الِاسْتِحالَةِ فَكَوْنُهُ مُرَجَّحًا إلَهًا يُوجِبُ الِافْتِقارَ إلَيْهِ وكَوْنُ غَيْرِهِ مُسْتَقِلًّا بِالتَّرْجِيحِ يُوجِبُ الِاسْتِغْناءَ عَنْهُ فَيَكُونُ مُرَجَّحًا غَيْرَ مُرَجِّحٍ في حالَةٍ واحِدَةٍ، وإنْ تَعاوَنا فَكَمَثَلٍ إذْ لَيْسَ ولا واحِدَ مِنهُما بِمُرَجَّحٍ وفَرْضًا مُرَجَّحَيْنِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ العَجْزِ عَنِ الإيجادِ والِافْتِقارِ إلى الآخَرِ، وإنِ اخْتَصَّ كُلٌّ مِنهُما بِبَعْضٍ مَعَ أنَّ الِافْتِقارَ إلَيْهِما عَلى السَّواءِ لَزِمَ اخْتِصاصَ ذَلِكَ المُرَجَّحِ بِمُخَصَّصٍ يُخَصِّصُهُ بِذَلِكَ البَعْضِ بِالضَّرُورَةِ ولَيْسَ الذّاتَ لِأنَّ الِافْتِقارَ إلَيْهِما عَلى السَّواءِ فَلا أوْلَوِيَّةَ لِلتَّرْجِيحِ مِن حَيْثُ الذّاتِ ولا مَعْلُولَ الذّاتِ لِأنَّهُ يَكُونُ مُمْكِنًا والكَلامُ فِيهِ عائِدٌ فَيَلْزِمُ المُحالَ مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ أعْنِي الِافْتِقارَ إلى مُمَيَّزٍ غَيْرِ الذّاتِ ومُقْتَضاها ولُزُومُ النَّقْصِ لِكُلِّ واحِدٍ لِأنَّ هَذا المُمَيَّزَ صِفَةُ كَمالٍ ثُمَّ مُخَصَّصُ كُلٍّ بِذَلِكَ التَّمْيِيزِ هو الواجِبُ الخارِجُ لا هُما، وإلى المِحالِ الأوَّلِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ﴾ وهو لازِمٌ عَلى تَقْدِيرِ التَّخالُفِ في الماهِيَّةِ واخْتِصاصِ كُلٍّ بِبَعْضٍ، وخَصَّ هَذا القَسَمَ لِأنَّ ما سِواهُ أظْهَرُ اسْتِحالَةٍ، وإلى الثّانِي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ أيْ إمّا مُطْلَقًا وإمّا مِن وجْهٍ فَيَكُونُ العالِي هو الإلَهُ أوْ لا يَكُونُ ثَمَّ إلَهٍ أصْلًا وهَذا لازِمٌ عَلى تَقْدِيرِيِّ التَّخالُفِ والِاتِّحادِ والِاخْتِصاصِ وغَيْرِهِ فَهو تَكْمِيلٌ لِلْبُرْهانِ مِن وجْهٍ وبُرْهانٌ ثانٍ مِن آخَرَ، فَقَدْ تَبَيَّنَ ولا كَفَرْقِ الفَجْرِ أنَّهُ تَعالى هو الواحِدُ الأحَدُ جَعَلَ وجُودَهُ زائِدًا عَلى الماهِيَّةِ أوْ لا فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ أوْ لا، ولَيْسَ بِرِهانُ الوَحْدَةِ مَبْنِيًّا عَلى أنَّهُ تَعالى فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ كَما ظَنَّهُ الإمامُ الرّازِيُّ قَدَّسَ سِرَّهُ انْتَهى، وهو كَلامٌ يُلَوِّحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ، ورُبَّما يُورِدُ عَلَيْهِ بَعْضَ مُناقِشاتٍ تَنْدَفِعُ بِالتَّأمُّلِ الصّادِقِ، وما أشَرْنا إلَيْهِ مِنِ انْفِهامِ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ مِنَ الآيَةِ ظاهِرٌ جِدًّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفِراءُ فَقَدْ قالَ: إنَّ إذا حَيْثُ جاءَتْ بَعْدَها اللّامُ فَقَبْلُها لَوْ مُقَدَّرَةٌ إنْ لَمْ تَكُنْ ظاهِرَةً نَحْوُ ﴿ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَزْعُمُونَ لَذَهَبَ كُلُّ إلَخْ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إذا حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ ويُقَدَّرُ قِسْمُ يَكُونُ ﴿ لَذَهَبَ ﴾ جَوابًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ واللَّهُ إذا أيْ إنْ كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ لَذَهَبَ وهو في مَعْنى لِيَذْهَبْنَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا  ﴾ أيْ لِيَظَلُّنَّ لِأنَّ إذا تَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ وهو كَما تَرى، وقَدْ يُقالُ: إنَّ إذا هَذِهِ لَيْسَتِ الكَلِمَةُ المَعْهُودَةُ وإنَّما هي إذا الشَّرْطِيَّةُ حُذِفَتْ جُمْلَتُها الَّتِي تُضافُ إلَيْها وعُوِّضَ عَنْها التَّنْوِينُ كَما في يَوْمَئِذٍ والأصْلُ إذا كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ لَذَهَبَ إلَخْ، والتَّعْبِيرُ بِإذا مِن قُبَيْلِ مُجاراةِ الخَصْمِ، وقِيلَ: ﴿ كُلُّ إلَهٍ ﴾ لِما أنَّ النَّفْيَ عامٌّ يُفِيدُ اسْتِغْراقَ الجِنْسِ ( وما ) في ﴿ بِما خَلَقَ ﴾ مَوْصُولَةُ حَذْفٍ عائِدُها كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ويَحْتاجُ إلى نَوْعِ تَكَلُّفٍ لا يَخْفى.

ولَمْ يَسْتَدِلَّ عَلى انْتِفاءِ اتِّخاذِ الوَلَدِ إمّا لِغايَةِ ظُهُورِ فَسادِهِ أوْ لِلِاكْتِفاءِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي أُقِيمَ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ مَعَهُ سُبْحانَهُ إلَهٌ بِناءً عَلى ما قِيلَ إنَّ ابْنَ الإلَهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ إلَهًا إذِ الوَلَدُ يَكُونُ مِن جِنْسِ الوالِدِ وجَوْهَرُهُ وفِيهِ بَحْثٌ ﴿ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ مُبالَغَةٌ في تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، وما مَوْصُولَةٌ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.

وقُرِئَ «تَصِفُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، أي من شريك.

إِذاً لَذَهَبَ، يعني: لو كان معه آلهة لذهب كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، يعني: لاستولى كل إله بما خلق وجمع لنفسه ما خلق.

وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، يعني: ولغلب بعضهم على بعض.

- كفعل ملوك أهل الدنيا يلتمس بعضهم قهر بعض ويقال: استولى على ما خلق دون صاحبه، ولغلب بعضهم على بعض (١) قوله عز وجل: عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، يعني: عالم السر والعلانية، ويقال: عالم بما مضى وما هو كائن.

فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يعني: هو أجلُّ وأعلى مما يوصف له من الشريك والولد.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص: عالِمِ الْغَيْبِ بكسر الميم على معنى النعت لقوله سُبْحانَ اللَّهِ، وقرأ الباقون بالضم على معنى الابتداء.

قوله: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ من العذاب وما صلة.

ويقال: إن أريتني عذابهم.

رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يعني: أخرجني منهم قبل أن تعذبهم، فلا تعذبني معهم بذنوبهم.

وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ من العذاب لَقادِرُونَ قال الكلبي: هذا أمر قد كان بعد رسول الله  ، شهده أصحابه وقد مضى بعد الفتنة التي وقعت في الصحابة، بعد قتل عثمان  وذكر: أن النبيّ  لم ير بعد نزول هذه الآية ضاحكاً ولا مبتسماً.

وقال مقاتل: وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ يعني: يوم بدر، ويقال: يوم فتح مكة، ويقال: قل: رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ يعني: الفتنة رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يعني: مع الفئة الباغية، وهذا كقوله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25] .

وذكر عن الزبير أنه كان إذا قرأ هذه الآية، يقول: «قد حذرنا الله تعالى فلم نحذر» .

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ والقُرْآنِ، ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ فِيما يُضِيفُونَ إلى اللَّهِ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، ثُمَّ نَفاهُما عَنْهُ بِما بَعْدَ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ﴾ ؛ أيْ: لانْفَرَدَ بِخَلْقِهِ ولَمْ يَرْضَ أنْ يُضافَ خَلْقُهُ وإنْعامُهُ إلى غَيْرِهِ، ولَمَنَعَ الإلَهَ الآخَرَ عَنِ الِاسْتِيلاءِ عَلى ما خَلَقَ، ﴿ وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ ؛ أيْ: غَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِمِ الغَيْبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو [ عَمْرٍو، وابْنُ ] عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( عالِمِ ) بِالخَفْضِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( عالِمُ ) بِالرَّفْعِ.

قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ؛ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ، والرَّفْعُ عَلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، ويُقَوِّيهِ أنَّ الكَلامَ الأوَّلَ قَدِ انْقَطَعَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ ما اتَّخَذَ اللهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهُ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ مِن نِسْبَتِهِمْ إلى اللهِ تَعالى ما لا يَلِيقُ بِهِ، بَلْ أتَيْناهم.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "آتَيْناهُمْ" عَلى الخِطابِ لِمُحَمَّدٍ  ، و"لَكاذِبُونَ" يُرادُ بِهِ: فِيما ذَكَرُوا اللهَ تَعالى بِهِ مِنَ الصاحِبَةِ والوَلَدِ والشَرِيكِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ ﴾ دَلِيلُ التَمانُعِ، وهَذا هو الفَسادُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا  ﴾ ، والجُزْءُ المُخْتَرَعُ مُحالٌ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ قُدْرَتانِ فَصاعِدًا، ولَوِ اخْتَلَفَ إلَهانِ في إرادَةٍ فَمُحالٌ نُفُوذِهِما ومُحالٌ عَجْزُهُما، فَإذا انْفَرَدَتْ إرادَةُ الواحِدِ فَهو العالِي والآخَرُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَإنْ قِيلَ: نُقَدِّرُهُما لا يَخْتَلِفانِ في إرادَةٍ قِيلَ: ذَلِكَ يَعْرِضُ فَإذا جَوَّزَهُ الكُفّارُ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فَإنَّ ما التُزِمْ جَوازُهُ جارَ في الحُجَّةِ مَجْرى ما التُزِمْ وُقُوعُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إذًا" جَوابٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهِ: لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "عالَمِ الغَيْبِ" بِكَسْرِ المِيمِ اتِّباعًا لِلْمَكْتُوبَةِ في قَوْلِهِ: "سُبْحانَ اللهِ"، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "عالَمُ الغَيْبِ" بِالرَفْعِ، والمَعْنى: هو عالَمُ، قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُ الرَفْعِ أنَّ الكَلامَ قَدِ انْقَطَعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِابْتِداءُ عِنْدِي أبْرَعُ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَتَعالى" عاطِفَةٌ بِالمَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: "عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَتَعالى"، وهَذا كَما تَقُولُ: زَيْدٌ شُجاعٌ فَعَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ، أيْ: شَجُعَ فَعَظُمَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأقُولُ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ عَلى إخْبارٍ مُؤْتَنَفٍ، و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ الناسِ، و"الشَهادَةِ": ما شَهِدُوهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أتبع الاستدلال على إثبات الوحدانية لله تعالى بالاستدلال على انتفاء الشركاء له في الإلهية.

وقدمت النتيجة على القياس لتجعل هي المطلوب فإن النتيجة والمطلوب متحدان في المعنى مختلفان بالاعتبار، فهي باعتبار حصولها عقب القياس تسمى نتيجة، وباعتبار كونها دعوى مقام عليها الدليل وهو القياس تسمى مطلوباً كما في علم المنطق.

ولتقديمها نكتة أن هذا المطلوب واضح النهوض لا يفتقر إلى دليل إلا لزيادة الاطمئنان فقوله: ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ﴾ هو المطلوب وقوله ﴿ إذاً لذهب كل إله بما خلق ﴾ إلى آخر الآية هو الدليل.

وتقديم هذا المطلوب على الدليل أغنى عن التصريح بالنتيجة عقب الدليل.

وذكر نفي الولد استقصاء للرد على مختلف عقائد أهل الشرك من العرب فإن منهم من توهم أنه ارتقى عن عبادة الأصنام فعبدوا الملائكة وقالوا: هم بنات الله.

وإنما قدم نفي الولد على نفي الشريك مع أن أكثر المشركين عبدة أصنام لا عبدة الملائكة نظراً إلى أن شبهة عبدة الملائكة أقوى من شبهة عبدة الأصنام لأن الملائكة غير مشاهدين فليست دلائل الحدوث بادية عليهم كالأصنام، ولأن الذين زعموهم بنات الله أقرب للتمويه من الذين زعموا الحجارة شركاء لله، وقد أشرنا إلى ذلك آنفاً عند قوله تعالى ﴿ قل من رب السماوات السبع ﴾ [المؤمنون: 86] الآية.

و (إذن) حرف جواب وجزاء لكلام قبلها ملفوظ أو مقدر.

والكلام المجاب هنا هو ما تضمنه قوله ﴿ وما كان معه من إله ﴾ فالجواب ضد ذلك النفي.

وإذ قد كان هذا الضد أمراً مستحيل الوقوع تعين أن يقدر له شرط على وجه الفرض والتقدير، والحرف المعد لمثل هذا الشرط هو (لو) الامتناعية، فالتقدير: ولو كان معه إله لذهب كل إله بما خلق.

وبقاء اللام في صدر الكلام الواقع بعد (إذن) دليل على أن المقدر شرط (لو) لأن اللام تلزم جواب (لو) ولأن غالب مواقع (إذن) أن تكون جواب (لو) فلذلك جاز حذف الشرط هنا لظهور تقديره.

وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إنكم إذن مثلهم ﴾ في سورة النساء (140).

فقوله: ﴿ إذن لذهب كل إله بما خلق ﴾ استدلال على امتناع أن يكون مع الله آلهة.

وإنما لم يستدل على امتناع أن يتخذ الله ولداً لأن الاستدلال على ما بعده مغن عنه لأن ما بعده أعم منه وانتفاء الأعم يقتضي انتفاء الأخص فإنه لو كان لله ولد لكان الأولاد آلهة لأن ولد كل موجود إنما يتكون على مثل ماهية أصله كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ [الزخرف: 81] أي له.

والذهاب في قوله ﴿ لذهب كل إله ﴾ مستعار للاستقلال بالمذهوب به وعدم مشاركة غيره له فيه.

وبيان انتظام هذا الاستدلال أنه لو كان مع الله ءالهة لاقتضى ذلك أن يكون الآلهة سواء في صفات الإلهية وتلك الصفات كمالات تامة فكان كل إله خالقاً لمخلوقات لثبوت الموجودات الحادثة وهي مخلوقة، فلا جائز أن تتوارد الآلهة على مخلوق واحد لأن ذلك: إما لعجز عن الانفراد بخلق بعض المخلوقات وهذا لا ينافي الإلهية، وإما تحصيل للحاصل وهو محال، فتعين أن ينفرد كل إله بطائفة من المخلوقات.

ولنفرض أن تكون مخلوقات كل إله مساوية لمخلوقات غيره بناء على أن الحكمة تقتضي مقداراً معيناً من المخلوقات يعلمها الإله الخالق لها؛ فتعين أن لا تكون للإله الذي لم يخلق طائفة من المخلوقات ربوبيةٌ على ما لم يخلقه وهذا يفضي إلى نقص في كل من الآلهة وهو يستلزم المحال لأن الإلهية تقتضي الكمال لا النقص.

ولا جرم أن تلك المخلوقات ستكون بعد خلقها معرضة للزيادة والنقصان والقوة والضعف بحسب ما يحف بها عن عوارض الوجود التي لا تخلو عنها المخلوقات كما هو مشاهد في مخلوقات الله تعالى الواحد.

ولا مناص عن ذلك لأن خالق المخلوقات أودع فيها خصائص ملازمة لها كما اقتضته حكمته، فتلك المخلوقات مظاهر لخصائصها لا محالة فلا جرم أن ذلك يقتضي تفوق مخلوقات بعض الآلهة على مخلوقات بعض آخر بعوارض من التصرفات والمقارنات لازمة لذلك، لا جرم يستلزم ذلك كله لازمين باطلين: أولهما: أن يكون كل إله مختصاً بمخلوقاته فلا يتصرف فيها غيره من الآلهة ولا يتصرف هو في مخلوقات غيره، فيقتضي ذلك أن كل إله من الآلهة عاجز عن التصرف في مخلوقات غيره.

وهذا يستلزم المحال لأن العجز نقص والنقص ينافي حقيقة الإلهية.

وهذا دليل برهاني على الوحدانية لأنه أدى إلى استحالة ضدها.

فهذا معنى قوله تعالى: ﴿ لذهب كل إله بما خلق ﴾ .

وثاني: اللازمين أن تصير مخلوقات بعض الآلهة أوفر أو أقوى من مخلوقات إله آخر بعوارض تقتضي ذلك من آثار الأعمال النفسانية وآثار الأقطار والحوادث كما هو المشاهد في اختلاف أحوال مخلوقات الله تعالى الواحد، فلا جرم أن ذلك يفضي إلى اعتزاز الإله الذي تفوقت مخلوقاته على الإله الذي تنحط مخلوقاته، وهذا يقتضي أن يصير بعض تلك الآلهة أقوى من بعض وهو مناف للمساواة في الإلهية.

وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ .

وهذا الثاني بناء على المعتاد من لوازم الإلهية في أنظار المفكرين، وإلا فيجوز اتفاق الآلهة على أن لا يخلقوا مخلوقات قابلة للتفاوت بأن لا يخلقوا إلا حجارة أو حديداً مثلاً؛ إلا أن هذا ينافي الواقع في المخلوقات.

ويجوز اتفاق الآلهة أيضاً على أن لا يعتز بعضهم على بعض بسبب تفاوت ملكوت كل على ملكوت الآخر بناء على ما اتصفوا به من الحكمة المتماثلة التي تعصمهم عن صدور ما يؤدي إلى اختلال المجد الإلهي؛ إلا أن هذا المعنى لا يخلو من المصانعة وهي مشعرة بضعف المقدرة.

فبذلك كان الاستدلال الذي في هذه الآية برهانياً، وهو مثل الاستدلال الذي في قوله تعالى ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ [الأنبياء: 22] إلا أن هذا بني على بعض لزوم النقص في ذات الآلهة وهو ما لا يجوزه المردود عليهم، والآخر بني على لزوم اختلال أحوال المخلوقات السماوية والأرضية وهو ما تبطله المشاهدة.

أما الدليل البرهاني الخالص على استحالة تعدد الآلهة بالذات فله مقدمات أخرى قد وفّى أيمة علم الكلام بسطها بما لارواج بعده لعقيدة الشرك.

وقد أشار إلى طريقة منها المحقق عمر القزويني في هذا الموضع من «حاشيته» على «الكشاف» ولكنه انفرد بادعاء أنه مأخوذ من الآية وليس كما ادعى.

وقد ساقه الشهاب الآلوسي فإن شئت فتأمله.

ولما اقتضى هذا الدليل بطلان قولهم عقب الدليل بتنزيه الله تعالى عن أقوال المشركين بقوله تعالى: ﴿ سبحان الله عمايصفون ﴾ وهو بمنزلة نتيجة الدليل.

وما يصفونه به هو ما اختصوا بوصفهم الله به من الشركاء في الإلهية ومن تعذر البعث عليه ونحو ذلك وهو الذي جرى فيه غرض الكلام.

وإنما أتبع الاستدلال على انتفاء الشريك بقوله ﴿ علام الغيب والشهادة ﴾ المراد به عموم العلم وإحاطته بكل شيء كما أفادته لام التعريف في ﴿ الغيب والشهادة ﴾ من الاستغراق الحقيقي، أي عالم كل مغيب وكل ظاهر، لدفع توهم أن يقال: إن استقلال كل إله بما خلق قد لا يفضي إلى علو بعض الآلهة على بعض، لجواز أن لا يعلم أحد من الآلهة بمقدار تفاوت ملكوته على ملكوت الآخر فلا يحصل علو بعضهم على بعض لاشتغال كل إله بملكوته.

ووجه الدفع أن الإله إذا جاز أن يكون غير خالق لطائفة من المخلوقات التي خلقها غيره لئلا تتداخل القُدَر في مقدورات واحدة لا يجوز أن يكون غير عالم بما خلقه غيره لأن صفات العلم لا تتداخل، فإذا علم أحد الآلهة مقدار ملكوت شركائه فالعالم بأشدية ملكوته يعلو على من هو دونه في الملكوت.

فظهر أن قوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ من تمام الاستدال على انتفاء الشركاء، ولذلك فرع عنه بالفاء قوله ﴿ فتعالى عما يشركون ﴾ .

وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وخلف ﴿ عالمُ الغيب ﴾ برفع ﴿ عالم ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو من الحذف الشائع في الاستعمال إذا أريد الإخبار عن شيء بعد أن أجريت عليه أخبار أو صفات.

وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم ويعقوب بجر ﴿ عالم ﴾ على الوصف لاسم الجلالة في قوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ .

و (ما) مصدرية.

والمعنى فتعالى عن إشراكهم، أي هو أعظم من أن يكون موصوفاً بكونه مشاركاً في وصفه العظيم، أي هو منزه عن ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والمَلَكُوتُ مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ كالجَبَرُوتِ والرَّهَبُوتِ.

﴿ وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ ﴾ أيْ يَمْنَعُ ولا يُمْنَعُ مِنهُ، فاحْتَمَلَ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا مِمَّنْ أرادَ هَلاكَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنهُ مانِعٌ، ومَن أرادَ نَصْرَهُ لَمْ يَدْفَعْهُ مِن نَصْرِهِ دافِعٌ.

الثّانِي: في الآخِرَةِ لا يَمْنَعُهُ مِن مُسْتَحِقِّي الثَّوابِ مانِعٌ ولا يَدْفَعُهُ مِن مُسْتَوْجِبِ العَذابِ دافِعٌ.

﴿ فَأنّى تُسْحَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَمِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ.

الثّانِي: فَكَيْفَ تَكْذِبُونَ فَيُخَيَّلُ لَكُمُ الكَذِبُ حَقًّا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال: في مصحف أبي بن كعب ﴿ سيقولون لله ﴾ كلهن بغير ألف.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عاصم الجحدري قال: في الإمام مصحف عثمان بن عفان.

قال: الذي كتب للناس لله لله كلهن بغير ألف.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أسيد بن زيد قال: في مصحف عثمان بن عفان ﴿ سيقولون لله ﴾ ثلاثتهن بغير ألف.

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن عتيق قال: رأيت في مصحف الحسن لله لله بغير ألف في ثلاثة مواضع.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لله ﴾ بغير ألف كلهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قل من بيده ملكوت كل شيء ﴾ قال: خزائن كل شيء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ ﴾ هذا برهان على الوحدانية، وبيانه أن يقال: لو كان مع الله إلهاً آخر لانفرد كل وا حد منهما بمخلوقاته عن مخلوقات الآخر، واستبدّ كل واحد منهما بملكه، وطلب غلبة الآخر والعلوّ عليه كما ترى حال ملوك الدنيا، ولكن لما رأينا جميع المخلوقات مرتبطة بعضها ببعض حتى كأن العالم كله كرة واحدة: علمنا أن مالكه ومدبره واحد، لا إله غيره.

وليس هذا البرهان بدليل التمانع كما فهم ابن عطية وغيره، بل هو دليل آخر، فإن قيل: إذ لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف دخلت هنا ولم يتقدّم قبلها شرط ولا سؤال سائل؟

فالجواب: أن الشرط محذوف تقديره لو كان معه آلهة وإنما حذف لدلالة قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ﴾ ، وهو جواب للكفار الذين وقع الرد عليهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ عالم ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وعاصم غيره حفص إلا الخزاز.

وقرأ رويس بالخفض إذا وصل وبالرفع إذا ابتدأ، الآخرون بالخفض ﴿ لعلي أعمل ﴾ بسكون الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

﴿ شقاوتنا ﴾ حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون ﴿ شقوتنا ﴾ بكسر الشين وسكون القاف في غير ألف.

﴿ سخرياً ﴾ بضم السين وكذلك في صاد: ابو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف والمفضل والخزاز عن هبيرة.

الآخرون بكسرها ﴿ إنهم ﴾ بالكسر: حمزة وعلي والخزاز عن هبيرة.

﴿ قل كم ﴾ ﴿ قل إن لبثم ﴾ على الأمر فيهما: حمزة وعلي وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل وافق ابن كثير في الأول.

﴿ لا ترجعون ﴾ على البناء للفاعل يعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ط لمن قرأ بالرفع إلى هو عالم ومن خفض لم يقف لأنه بدل أو وصف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ ما يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله "فلا" جواب للشرط وهو إما والنداء عارض ﴿ للظالمين ﴾ ه لا ﴿ لقادرون ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه لا ﴿ يحضرون ﴾ ه ﴿ ارجعون ﴾ ه لا لتعلق لعل ﴿ كلا ﴾ ط لأنها للردع عما قبلها أي لا يرجع.

وقيل: مبتدأ بها بمعنى حقاً والأول أحسن ﴿ قائلها ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ كالحون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ ضالين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ ولا تكلمون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ج للآية والوصل أجوز لشدة اتصال المعنى وللفاء ﴿ تضحكون ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ العادين ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لا ترجعون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي  متوحداً غير مشارك ﴿ إلا هو ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ رب العرش ﴾ يصلح بدلاً من هو وخبر مبتدأ محذوف ﴿ الكريم ﴾ ط ﴿ آخر ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة ﴿ به ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه.

التفسير: لما أثبت لنفسه الإلهية بالدلائل الإلزامية في الآيات المتقدمة نفى عن نفسه الأنداد والأضداد بقوله ﴿ ما اتخذ الله من ولد ﴾ بقوله ﴿ وما كان معه من إله ﴾ وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله وإبطال الأقوال اليهود والنصارى والثنوية.

ثم ذكر شبه دليل التمانع بقوله ﴿ إذاً لذهب ﴾ وهو جواب لمن معه المحاجة من أهل الشرك وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره: ولو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق لانفرد كل واحد منهم بالخلق الذي خلقه واستبد به، لأن اجتماعهم على خلق واحد لا يتصور فإن ذلك يقتضي عجز الواحد عن ذلك الخلق، وحينئذ يكون ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخرين.

﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ أي لغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا من تمايز الممالك ومن التغالب، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فلذلك ختم الآية بقوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ إلى قوله ﴿ عما يشركون ﴾ ثم أمر نبيه  بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ قل رب إما تريني ﴾ أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ﴿ فلا تجعلني ﴾ قريباً لهم.

وقد يجوز أن يستعيذ العبد بالله مما علم أنه لا يفعله اظهاراً للعبودية واستكانة له ويؤيده تكرار رب مرتين.

وكانوا ينكرون العذاب ويسخرون منه فأكد وقوعه بقوله ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ قيل: فيه دليل على أن القدرة تصح على المعدوم لأنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ثم أمره بالصفح عن سيئاتهم ومقابلتها بما يمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه كان أحسن لأنها حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.

أو نقول: المكافأة حسنة ولكن العفو أحسن.

عن ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك.

وعن مجاهد هي أن يسلم عليه إذا لقيه.

قيل: هي منسوخة بآية السيف والأولى أن يقال: هي محكمة لأن المداراة مستحبة مالم تؤد إلى محذور ﴿ نحن أعلم بما يصفون ﴾ مما ليس فيك من المثالب والمراد أنه أقدر على جزائهم فعليه أن يفوض أمرهم إلى الله ويدفع أذاهم بالكلام الجميل والسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه.

ثم أتبع هذا التعميم ما يقويه على ذلك وهو الإستعاذة بالله من همزات الشياطين.

والهمز النخس ومنه "مهماز الرائض" وذلك أنهم يحثون الناس على المعاصي بأنواع الوساوس كما يحث الرائض الدابة على المشي بالمهماز وهي حديدة تكون في مؤخر خفه.

عن الحسن أنه  كان يقول بعد استفتاح الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفخه ونفثه" فهمزه الجنون ونفثه الشعر ونفخه الكبر.

ثم أمره بالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً كما يقال: أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك.

وعن ابن عباس أراد الحضور عند تلاوة القرآن.

وعن عكرمة عند النزع والأولى العموم "عن النبي  وقد اشتكى إليه رجل أرقاً به فقال:إذا أردت النوم فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" .

قوله ﴿ حتى إذا جاء ﴾ قيل: متعلق بقوله ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وقيل: بـ ﴿ يصفون ﴾ اي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض وتأكيد للإعضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم.

والمراد بمجيء الموت أماراته التي تحقق عندها الموت وصارت المعرفة ضرورية فحينئذ يسال الرجعة ولا ينافي هذا السؤال الرجعة عند معاينة النار كقوله ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد  ﴾ والأكثرون على أنهم الكفار.

وروى الضحاك عن ابن عباس أنها تشمل من لم يزك ولم يحج لقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني  ﴾ وأما وجه الجمع في قوله ﴿ ارجعون ﴾ مع وحدة المنادى فقيل: إن الجمعية راجعة إلى الفعل كأنه قال: ارجع مرات ونظيره ﴿ ألقيا في جهنم  ﴾ أي ألق ألق.

وقيل ﴿ رب ﴾ للقسم والخطاب للملائكة القابضين للأرواح أي بحق الله ارجعون والأقرب أن الجمع للتعظيم كقول الشاعر: ألا فارحموني يا إله محمد *** وقوله: فإن شئت حرمت النساء سواكم *** عن النبي  "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله.

وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" قال جار الله: أي لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحاً كما تقول لعلي أبني على أس تريد أؤسس أساً وأبني عليه.

وقيل: أي فيما خلفت من المال والأولى العموم فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما افسدوه ويطيعوا فيما عصوا.

قيل: كيف سألوا الرجعة وقد عملوا صحة الدين بالضرورة ومن الدين أن لا رجعة؟

والجواب بعد تسليم أنهم عرفوا كل الدين أن الإنسان قد يتمنى شيئاً مع علمه بتعذره كقول القائل "ليت الشباب يعود" والاستغاثة بحنس هذه المسألة قد تحسن.

قولهم ﴿ لعلي ﴾ ليس المراد به الشك وإنما هو كقول المقصر "مكنوني لعلي أتدارك" مع كونه جازماً بأنه سيتدارك.

ويحتمل أنهم وإن كانوا جازمين بذلك إلا أن أمر المستقبل مبني على الظن والتخمين دون اليقين فلذلك أوردوا الكلام بصورة الترجي.

ثم ردعهم بقوله ﴿ كلا ﴾ أي ليس الأمر على ما توهموه من إمكان الرجعة ﴿ إنها كلمة ﴾ والمراد بها طائفة من الكلام منتظم بعضها مع بعض وهي قوله ﴿ ارجعون لعلي أعمل صالحاً ﴾ ﴿ هو قائلها ﴾ لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والحيرة عليه وهو قائلها وحده لإيجاب إليها ولا تسمع منه ﴿ ومن ورائهم ﴾ الضمير لكل المكلفين أي أمامهم ﴿ برزخ ﴾ حائل بينهم وبين الجنة أو النار وبين الجزاء التام ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ وذلك البرزخ هو مدة ما بين الموت إلى البعث، ولعل بعض الحجب من الأخلاق الذميمة يندفع في هذه المدة.

وقال في الكشاف: حائل بينهم وبين الرجعة ومعناه الإقناط الكلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.

ثم وصف يوم البعث بقوله ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ قد مر معناه في أواخر "طه".

وقوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ ليس المراد به نفي النسب لأن ذلك ثابت بالحقيقة فإذن المراد حكمه وما يتفرع عليه من التعاطف والتراحم والتواصل، فقد يكون أحد القريبين في الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من الالتفات إلى أحوال نسبه.

عن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء.

وأما الجمع بين قوله ﴿ ولا يتساءلون ﴾ وبين قوله ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ \[المؤمنون: 101\] فظاهر لأن هذا في صفة أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة.

ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها التساؤل كحقوق النسب ونحوها.

وعن النبي  "ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس: حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين وعلى جسر جهنم" وقد مر مثل آية الموازين في أول "الأعراف" فليرجع إلى هنالك.

وقوله ﴿ في جهنم خالدون ﴾ بدل من ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ ولا محل له كالمبدل فإِن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى خسران أنفسهم امتناع انتفاعهم بها.

وقال ابن عباس: خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين.

ومعنى ﴿ تلفح ﴾ تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار، قاله ابن عباس.

وعن الزجاج أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً والكلوح أن يتقلص الشفتان عن الأسنان كالرؤوس المشوية.

يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن.

وعن النبي  أنه قال: "تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته" .

وقال الجوهري: الكلوح تكشر في عبوس.

ثم بيّن  أنه قال لهم حينئذ تقريعاً وتوبيخاً ﴿ الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ﴾ قالت المعتزلة: لو كان فعل التكذيب بخلق الله  لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي.

وفسرت المعتزلة الشقاوة بسوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم.

وتفسرها الأشاعرة بما كتب الله عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤل حالهم إلى النار.

ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر.

وأما على تفسير المعتزلة فقد قال جار الله: معناه ملكتنا وأخذت منا.

وقال الجبائي: أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب.

وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله  عليهم في سوء صنيعهم.

وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها الله فيه بدليل قوله ﴿ وكنا قوماً ضالين ﴾ اي في علم الله وسابق تقديره.

وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا: ولو كان الكفر بخلق الله لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذراً لهم أولى.

وأجيب بأن فحوى الكلام يؤل إلى هذا كما قررنا.

عن ابن عباس: أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا  ﴾ فيجابون ﴿ حق القول مني  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أمتنا اثنتين  ﴾ فيجابون ﴿ ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك  ﴾ فيجابون ﴿ إنكم ماكثون  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب  ﴾ فيجابون ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل  ﴾ فينادون الفاً ﴿ ربنا أخرجنا نعمل صالحاً  ﴾ فيجابون ﴿ أولم نعمركم  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 6\] فيجابون ﴿ اخسئوا فيها ﴾ \[المؤمنون: 108\] وهو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب أي لا يفهمون ولا يفهمون ولهذا قال جار الله ﴿ ولا تكلمون ﴾ أي في رفع العذاب وليس نهياً عن الكلام فإِنها ليست بدار تكليف ولكنه تنبيه على أن العذاب لا يرفع ولا يخفف.

ومعنى ﴿ اخسؤاً ﴾ انزجروا صاغرين كما تنزجر الكلاب إذا طردت.

يقال: خسأ الكلب وخسأ نفسه يتعدى ولا يتعدى وهو المراد في الآية.

ثم عدد عليهم بعض قبائحهم في الدنيا بقوله ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم الصحابة.

وقيل: أهل الصفة خاصة.

عن الخليل وسيبويه أن السخري بالضم والكسر مصدر سخر إلا أن في ياء النسب زيادة تأكيد.

وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من التسخير والاستعباد والمعنى اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ ذكرى ﴾ فلم تذكروني حتى تخافوني.

ثم ذكر من حال المؤمنين ما أوجب الحسرة والندامة للساخرين.

فمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر على الاستئناف فمعناه ظاهر أي قد فازوا حيث صبروا، ومن قرأ بالفتح فعلى أنه مفعول جزيتهم أي جزيتهم فوزهم.

ومن قرأ ﴿ قال ﴾ فالضمير لله أو لمن أمر بسؤالهم من الملائكة، ومن قرأ ﴿ قل ﴾ فالخطاب للملك أو لبعض رؤساء أهل النار.

والغرض من هذا السؤال التوبيخ والتبكيت فقد كانوا لا يعدّون اللبث إلا في الدنيا ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنهم فيها خالدون سئلوا ﴿ كم لبثتم ﴾ تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ولا سيما إذا كان الأول ايام سرور والثاني ايام غم وخزن.

واختلفوا في الأرض فقيل: وجه الأرض حين ما كانوا أحياء فإنهم زعموا أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله  وعذبوا في النار سئلوا عن ذلك توبيخاً.

وقال آخرون: المراد جوف الأرض وهو القبر لظاهر لفظة "في" ولقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة  ﴾ وقوله ﴿ عدد سنين ﴾ بدل من مميزكم.

وقيل: احتج بعض من أنكر عذاب القبر بأن قوله ﴿ في الأرض ﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض.

فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ واجيب بأن الجواب لا بد أن يكون على حسب السؤال وإنما سئلوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.

ويحتمل أن يكونوا سئلوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فصح أن يكون جوابهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ عند أنفسنا.

وليس هذا من قبيل الكذب إذ لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال فقالوا: إلا نعرف من عدد السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم.

وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا ﴿ فاسأل العادّين ﴾ اي ليس من شأننا أن نعدّها لما نحن فيه من العذاب فاسأل من يقدر أن يلقى إليه فكره، أو اسأل الملائكة الذي يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم.

وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.

وقيل: أرادوا بقولهم ﴿ لبثنا يوماً أبو بعض يوم ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة غلى ما وقعوا فيه وعرفوه من داوم العذاب.

وقد صدّقهم الله في ذلك حيث قال ﴿ إن لبثتم غلا قليلاً ﴾ ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها بقوله ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ أي لو علمتم البعث والحشر لما كنتم تعدونه طويلاً.

ثم زاد في التوبيخ بقوله ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ أي عابثين أو لأجل العبث وهو الفعل الذي لا غاية له صحيحة.

وجوّزوا أن يكون قوله ﴿ وأنكم إلينا لاترجعون ﴾ معطوفاً على ﴿ عبثاً ﴾ أي للعبث ولترككم غير مرجوعين وفيه دلالة على وجوب وقوع القيامة فلولاها لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء.

ثم نزه ذاته عن كل عيب وعبث قائلاً ﴿ فتعالى ﴾ الآية ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال "بيت كريم" إذا كان ساكنوه كراماً.

وقرئ ﴿ الكريم ﴾ بالرفع وهو ظاهر.

ثم زيف طريقة المقلدة من أهل الشرك وقوله لا برهان له به كقوله ﴿ ما لم ينزل به سلطاناً  ﴾ وهو صفة جيء بها للتأكيد لا أن بعض الآلهة قد يقوم على وجوده برهان.

وجوّز جار الله أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقول القائل: من أحسن إلى زيداً لا أحق بالإحسان إليه منه فالله مثيبه.

ومعنى ﴿ حسابه عند ربه ﴾ أنه بلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله.

وقرئ ﴿ أنه لا يفلح ﴾ بفتح الهمزة أي حسابه عدم فلاحه فوضع ﴿ الكافرون ﴾ موضع الضمير.

جعل فاتحة السورة ﴿ قد افلح المؤمنون ﴾ وأورد في خواتيهما ﴿ إنه لا يفلح الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفريقين.

وحين أثنى على المؤمنين في أثناء الكلام بأنهم يقولون ﴿ ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ﴾ نبه في آخر السورة على أنه قول ينبغي أن يواظب المكلف عليه ففيه الانقطاع إلى الله والإعراض عمن سواه والله المستعان.

التأويل: ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم إذا فارقوها ﴿ لكل امريء منهم يومئذ  ﴾ في طلب الحق ﴿ شأن يغنيه  ﴾ عن طلب الغير ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعليقات ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة فيها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة.

ولهذا قال ﴿ في جهنم خالدون ﴾ وأجيبوا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم العلماء بالله النصحاء لأجله ﴿ فاتخذتموهم سخرياً ﴾ فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العلية ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بهممهم وبيد الرد ﴿ ذكرى وكنتم منهم تضحكون ﴾ لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب ﴿ جزيتهم اليوم بما صبروا ﴾ فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار ﴿ لا برهان له به ﴾ أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

فقالوا: لله، لم يجدوا بدّاً من أن يقولوا: لله وأن يقروا؛ لأنهم لو أنكروا ذلك لظهر جهلهم عند كل الخلائق؛ فقالوا: لله؛ فيقول: فإذا عرفتم أن ذلك كله له، وهو خالقهم، فكيف تركتم طاعته، وأنا لست أدعوكم إلا إلى ذلك: أن تجعلوا الأرض وما فيها كله لله؛ أفلا تتعظون وتقرون بما أدعوكم إليه؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ لا بد لهم من أن يقروا بذلك، فإذا عرفتم بذلك وأقررتم به: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ : مخالفته، وتتقون نقمته.

وكذلك ما قال: ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

فإذا عرفتم ذلك، وأقررتم به، ﴿ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ﴾ : قيل: فأنى تصرفون عن ذلك.

وقال بعضهم: فأنى تخدعون وتفرون في ذلك؛ إذا عرفتم أن ذلك كله لله.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ﴾ : رسول الله  وتقولون: إنه ساحر كذاب، وهو ليس يدعوكم إلا إلى ما أقررتم واعترفتم به؛ فأنى تنسبونه إلى السحر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : قد ذكرناه فيما تقدم.

قوله: ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ .

أي: هو يؤمن كل خائف، ولا يقدر أحد أن يؤمن من أخافه هو، وهو كقوله: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ...

﴾ الآية [يونس: 107].

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: لا يمنع، ﴿ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: لا يقدر أحد أن يمنع منه أحداً؛ ﴿ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ﴾ ، أي: تغرون وتخدعون، تقول: سحرت، أي: خدعت وغررت، وقال: تسحرون، أي: تخدعون وتصرفون عن هذا، وسمي السحر من هذا.

وقوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قد ذكرنا أنه يحتمل وجوهاً: أحدها: بالحق، أي: بوحدانية الله، وألوهيته، وتعاليه عن الشركاء والولد، وعما وصفوه.

أو أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالقرآن الذي عرفوه أنه حق، وأنه من عند الله.

أو أن يريد ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : محمداً صلى لله عليه وسلم عرفوا أنه حق وأنه رسول الله إليهم.

أو أن يكون ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ما ذكر: من ذكرهم، وما فيه شرفهم ومنزلتهم.

و ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ الذي يكون لله عليهم، وما لبعضهم على بعض من الحقوق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

في وصفهم ربهم ما وصفوه بما لا يليق وصفه به.

أو كاذبون [في قولهم بأن] القرآن مفترى مختلق من عند الله.

أو كاذبون في قولهم: بأنه ساحر، وأنه مجنون، وأنه ليس برسول؛ كذبوا في جميع ما أنكروا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ .

جائز أن يكون كل حرف من هذه الحروف موصولا بعضه ببعض لما تقدم.

وجائز أن يكون كل حرف من هذه الأحرف منفصلا من الأول مستبدا بذاته.

فإن كان على الأوّل فيكون قوله: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ ﴾ ، ولو كان اتخذ ولدا لكان إلها؛ إذ الولد يكون من جنس الوالد ومن جوهره، لا يكون من خلاف جوهره ولا من غير جنسه في المتعارف؛ فإذا كان إلها من الوجه الذي ذكرنا لذهب إذن كل إله بما خلق.

وإن كان منفصلا، فهو على ما ذكر من فساد ذلك كله؛ لأنه قال: ولو كان معه إله - على ما زعموا - إذن لذهب كل إله بما خلق من: الخير، والشر، والدلالة على ألوهيته.

﴿ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .

أي: قهر وغلب بعضهم بعضا على ما يكون من عادة ملوك الأرض؛ فإذا كان ما قالوا ذهب دلالة الألوهية والربوبية؛ فإذا لم يكن ذلك دل أنه واحد لا شريك معه ولا ولد؛ إذ اتساق التدبير، وجري الأشياء على حد واحد وسنن واحد دل على ألوهية واحد لا لعدد؛ إذ لو كان لعدد لكان ما ذكر من غلبة بعض على بعض، وقهر بعض على بعض، ثم ما ذكر: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ .

ثم معلوم أن مثل هذا الاحتجاج لا يكون مع الذين ينكرون ألوهية الله ويعبدون الأصنام، وهم مشركو العرب وكفار مكة، ولكن إنما يكون مع الذين يقرون بألوهية الله، لكن يجعلون معه شريكاً لحاجة تقع له، وهم: الثنوية والدهرية والمجوس، وأولئك الذين يجعلون خالق الشر غير خالق الخير، وخالق هذا غير خالق هذا؛ فيكون قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ على هذا، أي: يتعالى عما وصفوه بالحاجة له في خلق ما خلق، والنفع له في ذلك، وكذلك قوله: ﴿ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

وأما على ظاهر ما تقدم ذكره: من اتخاذ الولد والشريك - سبحان الله عما يصفونه من الولد والشريك، وما قالوا فيه ونسبوا إليه ما لا يليق به.

أو أن يكون قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ كما يوصف المخلوق المحدث؛ لأنهم وصفوه بالولد، والولد في متعارف الخلق لا يكون إلا من الوالد والأم، هذا [هو] التوالد المعروف فيما بين الخلق، فإذا وصفوه باتخاذ الولد شبهوه بالمخلوق المحدث من الوجه الذي ذكرنا؛ فنزه نفسه عن ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما اتخذ الله من ولد كما يزعم الكفار، وما كان معه من معبود بحق، ولو فرض أنَّه معه معبود بحق لذهب كل معبود بنصيبه من الخلق الَّذي خلقه، وَلَغَالَبَ بعضهم بعضًا، فيفسد نظام الكون، والواقع أن شيئًا من ذلك لم يحدث، فدل على أن المعبود بحق واحد وهو الله وحده، تنزه وتقدس عما يصفه به المشركون مما لا يليق به من الولد والشريك.

<div class="verse-tafsir" id="91.Lpvlw"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد