الآية ٩٦ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٩٦ من سورة المؤمنون

ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 46 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٦ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٦ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال مرشدا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس ، وهو الإحسان إلى من يسيء ، ليستجلب خاطره ، فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة ، فقال : ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ) ، وهذا كما قال في الآية الأخرى : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم .

وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) [ فصلت : 34 ، 35 ] : أي ما يلهم هذه الوصية أو الخصلة أو الصفة ( إلا الذين صبروا ) أي : على أذى الناس ، فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم إليهم القبيح ، ( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) أي : في الدنيا والآخرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه: ادفع يا محمد بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلة المشركين والصبر على أذاهم، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم، &; 19-68 &; وعنى بالسيئة: أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالى ذكره: اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) قال: أعرض عن أذاهم إياك.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن مجاهد: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) قال: هو السلام، تُسَلِّمُ عليه إذا لقيته.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا، ويصفح عما يكره.

وقوله: ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ) يقول تعالى ذكره: نحن أعلم بما يصفون الله به، وينحَلُونه من الأكاذيب والفِرية عليه، وبما يقولون فيك من السوء، ونحن مجازوهم على جميع ذلك، فلا يحزنك ما تسمع منهم من قبيح القول.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفونقوله تعالى : ادفع بالتي هي أحسن السيئة أمر بالصفح ومكارم الأخلاق ؛ فما كان منها لهذه الأمة فيما بينهم فهو محكم باق في الأمة أبدا .

وما كان فيها من موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال .

نحن أعلم بما يصفون أي من الشرك والتكذيب .

وهذا يقتضي أنها آية موادعة ، والله تعالى أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا من مكارم الأخلاق، التي أمر الله رسوله بها فقال: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } أي: إذا أساء إليك أعداؤك، بالقول والفعل، فلا تقابلهم بالإساءة، مع أنه يجوز معاقبة المسيء بمثل إساءته، ولكن ادفع إساءتهم إليك بالإحسان منك إليهم، فإن ذلك فضل منك على المسيء، ومن مصالح ذلك، أنه تخف الإساءة عنك، في الحال، وفي المستقبل، وأنه أدعى لجلب المسيء إلى الحق، وأقرب إلى ندمه وأسفه، ورجوعه بالتوبة عما فعل، وليتصف العافي بصفة الإحسان، ويقهر بذلك عدوه الشيطان، وليستوجب الثواب من الرب، قال تعالى: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } وقال تعالى: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا } أي: ما يوفق لهذا الخلق الجميل { إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } وقوله: { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } أي: بما يقولون من الأقوال المتضمنة للكفر والتكذيب بالحق، قد أحاط علمنا بذلك، وقد حلمنا عنهم، وأمهلناهم، وصبرنا عليهم، والحق لنا، وتكذيبهم لنا، فأنت -يا محمد- ينبغي لك أن تصبر على ما يقولون، وتقابلهم بالإحسان، هذه وظيفة العبد في مقابلة المسيء من البشر، وأما المسيء من الشياطين، فإنه لا يفيد فيه الإحسان، ولا يدعو حزبه إلا ليكونوا من أصحاب السعير، فالوظيفة في مقابلته، أن يسترشد بما أرشد الله إليه رسوله

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ادفع بالتي هي أحسن ) أي : ادفع بالخلة التي هي أحسن ، هي الصفح والإعراض والصبر ، ( السيئة ) يعني أذاهم ، أمرهم بالصبر على أذى المشركين والكف عن المقاتلة ، نسختها آية السيف ( نحن أعلم بما يصفون ) يكذبون ويقولون من الشرك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أدفع بالتي هي أحسن» أي الخصلة من الصفح والإعراض عنهم «السيئة» أذاهم إياك وهذا قبل الأمر بالقتال «نحن أعلم بما يصفون» يكذبون ويقولون فنجازيهم عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إذا أساء إليك أعداؤك - أيها الرسول - بالقول أو الفعل فلا تقابلهم بالإساءة، ولكن ادفع إساءتهم بالإحسان منك إليهم، نحن أعلم بما يصفه هؤلاء المشركون من الشرك والتكذيب، وسنجازيهم عليه أسوأ الجزاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاهم .

وبمقابلة سيئاتهم بالخصال الحسنة ، فقال : ( ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ) .أى : قابل - أيها الرسول الكريم - سيئات هؤلاء المشركين الجاهلين ، بالأخلاق والسجايا التى هى أحسن من غيرها ، كأن تعرض عنهم ، وتصبر على سوء أخلاقهم ، فأنت صاحب الخلق العظيم ، ونحن أعلم منك بما يصفوننا به من صفات باطلة .

وما يصفوك به من صفات ذميمة ، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقون ، فى الوقت الذى نريده .فالآية الكريمة توجيه حكيم من الله - تعالى - لنبيه - ، وتسلية له عما أصابه من أعدائه ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه ادعى أمرين أحدهما: قوله: ﴿ مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ ﴾ وهو كالتنبيه على أن ذلك من قول هؤلاء الكفار، فإن جمعاً منهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله والثاني: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ﴾ وهو قولهم باتخاذ الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية، ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر الدليل المعتمد بقوله: ﴿ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ والمعنى لانفرد على (ذلك) كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبد به، ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخر، ولغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متميزة وهم متغالبون، وحيث لم تروا أثر التمايز في الممالك والتغالب، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء.

فإن قيل: ﴿ إِذاً ﴾ لا يدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله لذهب جزاء وجواباً؟

ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل، قلنا الشرط محذوف وتقديره ولو كان معه آلهة، وإنما حذف لدلالة قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ﴾ عليه، ثم إنه سبحانه نزه نفسه عن قولهم بقوله: ﴿ سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ من إثبات الولد والشريك.

أما قوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ فقرئ بالجر صفة لله، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، والمعنى أنه سبحانه هو المختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة فلن يعلم معها الغيب، والشهادة التي يعلمها لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم، فلذلك قال: ﴿ فتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ثم أمره سبحانه بالانقطاع إليه وأن يدعوه بقوله: ﴿ رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي القوم الظالمين ﴾ قال صاحب الكشاف: ما والنون مؤكدتان، أي إن كان ولا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة، فلا تجعلني قريناً لهم ولا تعذبني بعذابهم، فإن قيل كيف يجوز أن يجعل الله نبيه المعصوم مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟

قلنا يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه.

وما أحسن قول الحسن في قول الصديق: وليتكم ولست بخيركم، مع أنه كان يعلم أنه خيرهم، ولكن المؤمن يهضم نفسه، وإنما ذكر رب مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لقادرون ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب ويضحكون منه، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد ويحتمل عذاباً في الدنيا مؤخراً عن أيامه عليه السلام، فلذلك قال بعضهم: هو في أهل البغى، وبعضهم في الكفار الذين قوتلوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم والثاني: أن المراد عذاب الآخرة.

أما قوله: ﴿ ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ فالمراد منه أن الأولى به عليه السلام أن يعامل به الكفار فأمر باحتمال ما يكون منهم من التكذيب وضروب الأذى، وأن يدفعه بالكلام الجميل كالسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه، وبين له أنه أعلم بحالهم منه عليه السلام وأنه سبحانه لما لم يقطع نعمه عنهم، فينبغي أن يكون هو عليه السلام مواظباً على هذه الطريقة، قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة ﴾ أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، والمعنى الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الطاقة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء السيئة.

وقيل هذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل محكمة، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دين أو مروءة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هو أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، كأنه قال: ادفع بالحسنى السيئة.

والمعنى: الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه: كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.

وهذه قضية قوله: ﴿ بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي شهادة إن لا إله إلاّ الله.

والسيئة: الشرك.

وعن مجاهد: السلام: يسلم عليه إذا لقيه.

وعن الحسن: الإغضاء والصفح.

وقيل: هي منسوخة بآية السيف.

وقيل: محكمة؛ لأنّ المداراة محثوث عليها ما لم تؤدّ إلى ثلم دين وإزراء بمروءة ﴿ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ بما يذكرونه من أحوالك بخلاف صفتها.

أو بوصفهم لك وسوء ذكرهم، والله أعلم بذلك منكم وأقدر على جزائهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾ وهو الصَّفْحُ عَنْها والإحْسانُ في مُقابَلَتِها لَكِنْ بِحَيْثُ لَمْ يُؤَدِّ إلى وهَنٍ في الدِّينِ.

وقِيلَ هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ والسَّيِّئَةُ الشِّرْكُ.

وقِيلَ هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والسَّيِّئَةُ المُنْكَرُ وهو أبْلَغُ مِنِ ادْفَعْ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةِ لِما فِيهِ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلى التَّفْضِيلِ.

﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ بِما يَصِفُونَكَ بِهِ أوْ بِوَصْفِهِمْ إيّاكَ عَلى خِلافِ حالِكَ وأقْدَرُ عَلى جَزائِهِمْ فَكِلْ إلَيْنا أمْرَهم.

﴿ وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ﴾ وساوِسِهِمْ، وأصْلُ الهَمْزِ النَّخْسُ ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ، شَبَّهَ حَثُّهُمُ النّاسَ عَلى المَعاصِي بِهَمْزِ الرّاضَّةِ لِلدَّوابِّ عَلى المَشْيِ والجَمْعُ لِلْمَرّاتِ أوْ لِتَنَوُّعِ الوَساوِسِ أوْ لِتَعَدُّدِ المُضافِ إلَيْهِ.

﴿ وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ يَحُومُوا حَوْلِي في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ، وتَخْصِيصُ حالِ الصَّلاةِ وقِراءَةِ القُرْآنِ وحُلُولِ الأجَلِ لِأنَّها أحْرى الأحْوالِ بِأنْ يُخافَ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ادفع بالتى} بالخصلة التي {هِىَ أَحْسَنُ السيئة} هو أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما فيه من التفصيل كأنه قال ادفع بالحسنة السيئة والمعنى أصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان وعن ابن عباس رضى الله عنهما هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك أو الفحش بالسلام أو المنكر بالموعظة وقيل هي منسوخة بآية السيف وقيل محكمة إذ المداراة محثوث عليها مالم تؤد إلى ثلم دين {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} من الشرك أو بوصفهم لك وسوء ذكرهم فنجازيهم عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ أيِ ادْفَعْ بِالحَسَنَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الحَسَناتِ الَّتِي يَدْفَعُ بِها ﴿ السَّيِّئَةَ ﴾ بِأنْ تَحْسُنَ إلى المُسِيءِ في مُقابَلَتِها ما اسْتَطَعْتَ، ودُونَ هَذا في الحَسَنِ أنْ يَحْسُنَ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، ودُونَهُ أنْ يَصْفَحَ عَنْ إساءَتِهِ فَقَطْ، وفي ذَلِكَ مِنَ الحَثِّ لَهُ  إلى ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الكَرِيمِ مِن حُسْنِ الأخْلاقِ ما لا يَخْفى، وهو أبْلَغُ مِنِ ادْفَعْ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ لِمَكانِ ﴿ أحْسَنُ ﴾ والمُفاضِلَةُ فِيهِ عَلى حَقِيقَتِها عَلى ما ذَكَرْنا وهو وجْهٌ حَسَنٌ في الآيَةِ، وجَوَّزَ أنْ تُعْتَبَرَ المُفاضَلَةُ بَيْنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ عَلى مَعْنى أنَّ الحَسَنَةَ في بابِ الحَسَناتِ أزْيَدُ بِهِ مِنَ السَّيِّئَةِ في بابِ السَّيِّئاتِ ويَطْرُدُ هَذا في كُلِّ مُفاضَلَةٍ بَيْنَ ضِدَّيْنِ كَقَوْلِهِمُ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ فَإنَّهم يَعْنُونَ أنَّهُ في الأصْنافِ الحُلْوَةِ أمْيَزُ مِنَ الخَلِّ في الأصْنافِ الحامِضَةِ، ومِن هَذا القَبِيلِ ما يُحْكى عَنْ أشْعَبَ الماجِنِ أنَّهُ قالَ: نَشَأْتُ أنا والأعْمَشُ في حَجْرِ فُلانٍ فَما زالَ يَعْلُو وأسْفَلَ حَتّى اسْتَوَيْنا فَإنَّهُ عَنى اسْتِواءَهُما في بُلُوغِ كُلٍّ مِنهُما الغايَةَ حَيْثُ بَلَغَ هو الغايَةَ في التَّدَلِّي والأعْمَشُ الغايَةُ في التَّعَلِّي، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا يَتَعَيَّنُ هَذا الأحْسَنُ وكَذا السَّيِّئَةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نَعِيمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِأخِيهِ ما لَيْسَ فِيهِ فَيَقُولُ: إنْ كُنْتُ كاذِبًا فَأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَغْفِرَ لَكَ وإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَغْفِرَ لِي.

وقِيلَ: الَّتِي هي أحْسَنُ شَهادَةً أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهَ والسَّيِّئَةُ الشِّرْكُ، وقالَ عَطاءُ والضَّحّاكُ: الَّتِي هي أحْسَنُ السَّلامِ والسَّيِّئَةُ الفُحْشُ، وقِيلَ: الأوَّلُ المَوْعِظَةُ والثّانِي المُنْكَرُ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ العُمُومَ وأنَّ ما ذَكَرَ قُبَيْلَ التَّمْثِيلِ، والآيَةُ قِيلَ: مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: هي مَحْكَمَةٌ لِأنَّ الدَّفْعَ المَذْكُورَ مَطْلُوبٌ ما لَمْ يُؤَدِّ إلى ثَلْمُ الدِّينِ والإزْراءِ بِالمُرُوءَةِ ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ أيْ بِوَصْفِهِمْ إيّاكَ أوْ بِالَّذِي يَصِفُونَكَ بِهِ مِمّا أنْتَ بِخِلافِهِ، وفِيهِ وعِيدٌ لَهم بِالجَزاءِ والعُقُوبَةِ وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  وإرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَفْوِيضِ أمْرِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الآيَةَ آيَةُ مُوادَعَةٍ فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ، يعني: ادفع بحلمك جهلهم، ويقال: بالكلام الحسن الكلام القبيح، ويقال: ادفع بقول لا إله إلا الله الشرك من أهل مكة.

ثم قال: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ، يعني: بما يقولون من الكذب.

ويقال: معناه نحن أعلم بما يقولون فلا تعجل أنت أيضاً.

وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، يعني: أعتصم بك من نزغات الشيطان وضرباته ووساوسه.

ثم قال: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ، يعني: قل: رب أعوذ بك من قبل أن يحضرني الشياطين عند تلاوة القرآن، ويقال: يَحْضُرُونِ عند الموت، ويقال: عند الصلاة.

وأصله: أن يحضرونني، إلا أنه يكتب يَحْضُرُونِ بحذف إحدى النونين للتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا تُرِيَنِّي ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ والضَّحّاكُ: ( تُرِئَنِّي ) بِالهَمْزِ بَيْنَ الرّاءِ والنُّونِ مِن غَيْرِ ياءٍ والمَعْنى: إنْ أرَيْتَنِي ما يُوعَدُونَ مِنَ القَتْلِ والعَذابِ، فاجْعَلْنِي خارِجًا عَنْهم ولا تُهْلِكْنِي بِهَلاكِهِمْ، فَأراهُ اللَّهُ تَعالى ما وعَدَهم بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَجّاهُ ومَن مَعَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ادْفَعْ إساءَةَ المُسِيءِ بِالصَّفْحِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ادْفَعِ الفُحْشَ بِالسَّلامِ، قالَهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: ادْفَعِ الشِّرْكَ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: ادْفَعِ المُنْكَرَ بِالمَوْعِظَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ ؛ أيْ: بِما يَقُولُونَ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، والمَعْنى: إنّا نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ.

﴿ وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ ﴾ ؛ أيْ: ألْجَأُ وأمْتَنِعُ، ﴿ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو نَخْسُها وطَعْنُها، ومِنهُ قِيلَ لِلَعائِبِ: هُمَزَةٌ، كَأنَّهُ يَطْعَنُ ويَنْخَسُ إذا عابَ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الهَمْزُ كالعَصْرِ، يُقالُ: هَمَزْتُ الشَّيْءَ في كَفِّي، ومِنهُ الهَمْزُ في الكَلامِ؛ لِأنَّهُ كَأنَّهُ يَضْغَطُ الحَرْفَ.

وقالَ غَيْرُهُ: الهَمْزُ في اللُّغَةِ: الدَّفْعُ، وهَمَزاتُ الشَّياطِينِ: دَفْعُهم بِالإغْواءِ إلى المَعاصِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ ؛ أيْ: أنْ يَشْهَدُونَ، والمَعْنى: أنْ يُصِيبُونِي بِسُوءٍ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا يَحْضُرُ ابْنَ آدَمَ إلّا بِسُوءٍ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وقِيلَ: هَذا السُّؤالُ مِنهم لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ ارْجِعُونِ ﴾ وهو يُرِيدُ: ارْجِعْنِي ؟

فالجَوابُ: أنَّ هَذا اللَّفْظَ تَعْرِفُهُ العَرَبُ لِلْعَظِيمِ الشَّأْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ [ فِيهِ ] بِما تُخْبِرُ بِهِ الجَماعَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ  ﴾ ، فَجاءَ خِطابُهُ كَإخْبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ ﴿ وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَياطِينِ ﴾ ﴿ وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ بِالنَجاةِ مِن عَذابِ الظَلَمَةِ إنْ كانَ قُضِيَ أنْ يَرى ذَلِكَ، و"إنْ" شَرْطٌ و"ما" زائِدَةٌ، و"تُرِيَنِّي" جَزَمٌ بِالشَرْطِ لَزِمَتِ النُونَ الثَقِيلَةِ، وهي لا تُفارِقُ "إمّا" عِنْدَ المِبْرَدِ، ويَجُوزُ عن سِيبَوَيْهِ أنْ تُفارِقَ فَيُقالُ: "إمّا تُرِيَنِي"، لَكِنَّ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ لُزُومُها فَمِن هُنالِكَ التَزَمَهُ المُبَرِّدُ.

وهَذا الدُعاءُ فِيهِ اسْتِصْحابُ الخَشْيَةِ والتَحْذِيرِ مِنَ الأمْرِ المُعَذَّبِ مِن أجْلِهِ، ثُمْ نَظِيرُهُ لِسائِرِ الأُمَّةِ دُعاءٌ في جَوْدَةِ الخاتِمَةِ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ بِجُمْلَتِها إعْلامٌ بِقُرْبِ العَذابِ مِنهم كَما كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ.

وقَوْلُهُ ثانِيًا: "رَبِّ" اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَرْطِ وجَوابِهِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَيِّئَةَ ﴾ الآيَةُ أمْرٌ بِالصَفْحِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، وما كانَ مِنها لِهَذا فَهو حُكْمٌ باقٍ في الأُمَّةِ أبَدًا، وما فِيها مِن مَعْنى مُوادَعَةِ الكَفّارِ وتَرْكِ التَعَرُّضِ لَهم والصَفْحِ عن أُمُورِهِمْ فَمَنسُوخٌ بِالقِتالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: الدَفْعُ بِالَّتِي هي أحْسَنَ هو السَلامُ، يُسَلِّمْ عَلَيْهِ إذا لَقِيَهُ، وقالَ الحَسَنُ: واللهِ لا يُصِيبُها أحَدٌ حَتّى يَكْظِمْ غَيْظُهُ ويَصْفَحَ عَمّا يَكْرَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذانَ الطَرَفانِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ عِدَةٌ لِلنَّبِيِّ  ، أيِ: اشْتَغِلْ أنْتَ بِهَذا وكِلْ تَعْذِيبَهم والنِقْمَةَ مِنهم إلَيْنا، وأمَرَهُ بِالتَعَوُّذِ مِنَ الشَيْطانِ في هَمَزاتِهِ، وهي سَوْراتُ الغَضَبِ الَّتِي لا يَمْلِكُ الإنْسانُ فِيها نَفْسَهُ، وكَأنَّها هي الَّتِي كانَتْ تُصِيبُ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكَفّارِ فَتَقَعُ المُحادَّةُ، فَلِذَلِكَ اتَّصَلَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَمْزُ الشَيْطانِ: الجُنُونُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «اللهم إنِّي أُعَوِّذُ بِكَ مِنَ الشَيْطانِ هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ»، قالَ أبُو داوُدَ: وهَمْزَةُ المَوْتَةِ وهي الجُنُونُ، ونَفْخُهُ الكِبَرُ، ونَفْثُهُ السِحْرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنَزَعاتُ وسَوْراتُ الغَضَبِ مِنَ الشَيْطانِ، وهي المُتَعَوِّذُ مِنها في الآيَةِ، والتَعَوُّذُ مِنَ الجُنُونِ أيْضًا وكَيْدٌ، وفي قِراءَةِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "رَبِّ عائِذًا بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَياطِينِ، وعائِذًا بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونَ".

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ مَعْناهُ: أنْ يَكُونُوا مَعِي في أُمُورِي، فَإنَّهم إذا حَضَرُوا الإنْسانَ كانُوا مُعَدِّينَ لِلْهَمْزِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ حُضُورٌ فَلا هَمْزٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأصْلُ الهَمْزِ الدَفْعُ والوَخْزُ بِيَدٍ وغَيْرَها، ومِنهُ هَمْزُ الخَيْلِ وهَمْزُ الناسِ بِاللِسانِ، وقِيلَ لِبَعْضِ العَرَبِ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟

سُئِلَ بِذَلِكَ عَنِ اللَفْظَةِ فَظَنَّ أنَّ المُرادَ شَخْصُ الفَأْرَةِ فَقالَ: الهِرُّ يَهْمِزُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أنبأ الله رسوله عليه الصلاة والسلام بما يلمح له بأنه منجز وعيده من الذين كذبوه فعلم الرسولُ والمسلمون أن الله ضمن لهم النصر أعقب ذلك بأن أمره بأن يدفع مكذبيه بالتي هي أحسن وأن لا يضيق بتكذيبهم صدره فذلك دفع السيئة بالحسنة كما هو أدب الإسلام.

وسيأتي بيانه في سورة فصلت (34) عند قوله ﴿ ادفع بالتي هي أحسن.

﴾ وقوله نحن أعلم بما يصفون } خبر مستعمل كناية عن كون الله يعامل أصحاب الإساءة لرسوله بما هم أحقاء به من العقاب لأن الذي هو أعلم بالأحوال يُجري عمله على مناسب تلك الأحوال بالعدل وفي هذا تطمين لنفس الرسول صلى الله عليه وسلم وحذف مفعول ﴿ يصفون ﴾ وتقديره: بما يصفونك، أي مما يضيق به صدرك.

وذلك تعهد بأنه يجازيهم على ما يعلم منهم قرُب أحد يبدو منه السوء ينطوي ضميره على بعض الخير فقد كان فيهم من يحدب على النبي في نفسه، ورب أحد هو بعكسه كما قال تعالى: ﴿ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ﴾ [البقرة: 204].

و ﴿ التي هي أحسن ﴾ مراد بها الحسنة الكاملة، فاسم التفضيل للمبالغة مثل قوله ﴿ السجن أحب إليَّ ﴾ [يوسف: 33].

والتخلق بهذه الآية هو أن المؤمن الكامل ينبغي له أن يفوض أمر المعتدين عليه إلى الله فهو يتولى الانتصار لمن توكل عليه وأنه إن قابل السيئة بالحسنة كان انتصار الله أشفى لصدره وأرسخ في نصره، وماذا تبلغ قدرة المخلوق تجاه قدرة الخالق، وهو الذي هزم الأحزاب بلا جيوش ولا فيالق.

وهكذا كان خلُق النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان لا ينتقم لنفسه وكان يدعو ربه.

وذكر في «المدارك» في ترجمة عبد الله بن غانم: أن رجلاً يقال له ابن زرعة كان له جاه ورئاسة وكان ابن غانم حكم عليه بوجه حق ترتب عليه، فلقي ابنَ غانم في موضع خال فشتمه فأعرض عنه ابن غانم فلما كان بعد ذلك لقيه بالطريق فسلم ابن زرعة على ابن غانم فرد عليه ابن غانم ورحب به ومضى معه إلى منزله وعمل له طعاماً فلما أراد مفارقته قال لابن غانم: يا أبا عبد الرحمن اغفر لي واجعلني في حل مما كان من خطابي، فقال له ابن غانم: أما هذا فلست أفعله حتى أوقفك بين يدي الله تعالى، وأما أن ينالك مني في الدنيا مكروه أو عقوبة فلا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِالإغْضاءِ والصَّفْحِ عَنْ إساءَةِ المُسِيءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: ادْفَعِ الفُحْشَ بِالسَّلامِ، قالَهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: ادْفَعِ المُنْكَرَ بِالمَوْعِظَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: مَعْناهُ امْسَحِ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ هَذا قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ.

الخامِسُ: مَعْناهُ قابِلْ أعْداءَكَ بِالنَّصِيحَةِ وأوْلِياءَكَ بِالمَوْعِظَةِ، وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فالمُرادُ بِهِ جَمِيعُ الأُمَّةِ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن نَزَغاتٍ.

الثّانِي: مِن إغْواءٍ.

الثّالِثُ: أذاهم.

الرّابِعُ: الجُنُونُ.

﴿ وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ أيْ يَشْهَدُونِي ويُقارِبُونِي وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الصَّلاةِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ.

قالَ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: في أحْوالِهِ كُلِّها، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيئة ﴾ يقول: أعرض عن أذاهم إياك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيئة ﴾ قال: بالسلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: نعمت والله الجرعة تتجرعها وأنت مظلوم، فمن استطاع أن يغلب الشر بالخير فليفعل، ولا قوّة إلا بالله.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أنس في قوله: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيئة ﴾ قال: قول الرجل لأخيه ما ليس فيه، يقول إن كنت كاذباً فأنا أسأل الله أن يغفر لك، وإن كنت صادقاً فأنا أسأل الله أن يغفر لي.

وأخرج البخاري في الأدب عن أبي هريرة قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله إن لي قرابة، أصلهم ويقطعون، وأحسن إليه ويسيئون إليَّ، ويجهلون عليّ وأحلم عنهم.

قال: لئن كان كما تقول كأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة ﴾ قيل التي هي أحسن لا إله إلا الله، والسيئة الشرك، والأظهر أنه أمر بالصفح والاحتمال وحسن الخلق وهو محكم غير منسوخ، وإنما نسخ ما يقتضيه من مسالمة الكفار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ عالم ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وعاصم غيره حفص إلا الخزاز.

وقرأ رويس بالخفض إذا وصل وبالرفع إذا ابتدأ، الآخرون بالخفض ﴿ لعلي أعمل ﴾ بسكون الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

﴿ شقاوتنا ﴾ حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون ﴿ شقوتنا ﴾ بكسر الشين وسكون القاف في غير ألف.

﴿ سخرياً ﴾ بضم السين وكذلك في صاد: ابو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف والمفضل والخزاز عن هبيرة.

الآخرون بكسرها ﴿ إنهم ﴾ بالكسر: حمزة وعلي والخزاز عن هبيرة.

﴿ قل كم ﴾ ﴿ قل إن لبثم ﴾ على الأمر فيهما: حمزة وعلي وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل وافق ابن كثير في الأول.

﴿ لا ترجعون ﴾ على البناء للفاعل يعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ط لمن قرأ بالرفع إلى هو عالم ومن خفض لم يقف لأنه بدل أو وصف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ ما يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله "فلا" جواب للشرط وهو إما والنداء عارض ﴿ للظالمين ﴾ ه لا ﴿ لقادرون ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه لا ﴿ يحضرون ﴾ ه ﴿ ارجعون ﴾ ه لا لتعلق لعل ﴿ كلا ﴾ ط لأنها للردع عما قبلها أي لا يرجع.

وقيل: مبتدأ بها بمعنى حقاً والأول أحسن ﴿ قائلها ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ كالحون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ ضالين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ ولا تكلمون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ج للآية والوصل أجوز لشدة اتصال المعنى وللفاء ﴿ تضحكون ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ العادين ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لا ترجعون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي  متوحداً غير مشارك ﴿ إلا هو ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ رب العرش ﴾ يصلح بدلاً من هو وخبر مبتدأ محذوف ﴿ الكريم ﴾ ط ﴿ آخر ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة ﴿ به ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه.

التفسير: لما أثبت لنفسه الإلهية بالدلائل الإلزامية في الآيات المتقدمة نفى عن نفسه الأنداد والأضداد بقوله ﴿ ما اتخذ الله من ولد ﴾ بقوله ﴿ وما كان معه من إله ﴾ وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله وإبطال الأقوال اليهود والنصارى والثنوية.

ثم ذكر شبه دليل التمانع بقوله ﴿ إذاً لذهب ﴾ وهو جواب لمن معه المحاجة من أهل الشرك وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره: ولو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق لانفرد كل واحد منهم بالخلق الذي خلقه واستبد به، لأن اجتماعهم على خلق واحد لا يتصور فإن ذلك يقتضي عجز الواحد عن ذلك الخلق، وحينئذ يكون ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخرين.

﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ أي لغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا من تمايز الممالك ومن التغالب، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فلذلك ختم الآية بقوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ إلى قوله ﴿ عما يشركون ﴾ ثم أمر نبيه  بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ قل رب إما تريني ﴾ أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ﴿ فلا تجعلني ﴾ قريباً لهم.

وقد يجوز أن يستعيذ العبد بالله مما علم أنه لا يفعله اظهاراً للعبودية واستكانة له ويؤيده تكرار رب مرتين.

وكانوا ينكرون العذاب ويسخرون منه فأكد وقوعه بقوله ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ قيل: فيه دليل على أن القدرة تصح على المعدوم لأنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ثم أمره بالصفح عن سيئاتهم ومقابلتها بما يمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه كان أحسن لأنها حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.

أو نقول: المكافأة حسنة ولكن العفو أحسن.

عن ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك.

وعن مجاهد هي أن يسلم عليه إذا لقيه.

قيل: هي منسوخة بآية السيف والأولى أن يقال: هي محكمة لأن المداراة مستحبة مالم تؤد إلى محذور ﴿ نحن أعلم بما يصفون ﴾ مما ليس فيك من المثالب والمراد أنه أقدر على جزائهم فعليه أن يفوض أمرهم إلى الله ويدفع أذاهم بالكلام الجميل والسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه.

ثم أتبع هذا التعميم ما يقويه على ذلك وهو الإستعاذة بالله من همزات الشياطين.

والهمز النخس ومنه "مهماز الرائض" وذلك أنهم يحثون الناس على المعاصي بأنواع الوساوس كما يحث الرائض الدابة على المشي بالمهماز وهي حديدة تكون في مؤخر خفه.

عن الحسن أنه  كان يقول بعد استفتاح الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفخه ونفثه" فهمزه الجنون ونفثه الشعر ونفخه الكبر.

ثم أمره بالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً كما يقال: أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك.

وعن ابن عباس أراد الحضور عند تلاوة القرآن.

وعن عكرمة عند النزع والأولى العموم "عن النبي  وقد اشتكى إليه رجل أرقاً به فقال:إذا أردت النوم فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" .

قوله ﴿ حتى إذا جاء ﴾ قيل: متعلق بقوله ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وقيل: بـ ﴿ يصفون ﴾ اي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض وتأكيد للإعضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم.

والمراد بمجيء الموت أماراته التي تحقق عندها الموت وصارت المعرفة ضرورية فحينئذ يسال الرجعة ولا ينافي هذا السؤال الرجعة عند معاينة النار كقوله ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد  ﴾ والأكثرون على أنهم الكفار.

وروى الضحاك عن ابن عباس أنها تشمل من لم يزك ولم يحج لقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني  ﴾ وأما وجه الجمع في قوله ﴿ ارجعون ﴾ مع وحدة المنادى فقيل: إن الجمعية راجعة إلى الفعل كأنه قال: ارجع مرات ونظيره ﴿ ألقيا في جهنم  ﴾ أي ألق ألق.

وقيل ﴿ رب ﴾ للقسم والخطاب للملائكة القابضين للأرواح أي بحق الله ارجعون والأقرب أن الجمع للتعظيم كقول الشاعر: ألا فارحموني يا إله محمد *** وقوله: فإن شئت حرمت النساء سواكم *** عن النبي  "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله.

وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" قال جار الله: أي لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحاً كما تقول لعلي أبني على أس تريد أؤسس أساً وأبني عليه.

وقيل: أي فيما خلفت من المال والأولى العموم فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما افسدوه ويطيعوا فيما عصوا.

قيل: كيف سألوا الرجعة وقد عملوا صحة الدين بالضرورة ومن الدين أن لا رجعة؟

والجواب بعد تسليم أنهم عرفوا كل الدين أن الإنسان قد يتمنى شيئاً مع علمه بتعذره كقول القائل "ليت الشباب يعود" والاستغاثة بحنس هذه المسألة قد تحسن.

قولهم ﴿ لعلي ﴾ ليس المراد به الشك وإنما هو كقول المقصر "مكنوني لعلي أتدارك" مع كونه جازماً بأنه سيتدارك.

ويحتمل أنهم وإن كانوا جازمين بذلك إلا أن أمر المستقبل مبني على الظن والتخمين دون اليقين فلذلك أوردوا الكلام بصورة الترجي.

ثم ردعهم بقوله ﴿ كلا ﴾ أي ليس الأمر على ما توهموه من إمكان الرجعة ﴿ إنها كلمة ﴾ والمراد بها طائفة من الكلام منتظم بعضها مع بعض وهي قوله ﴿ ارجعون لعلي أعمل صالحاً ﴾ ﴿ هو قائلها ﴾ لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والحيرة عليه وهو قائلها وحده لإيجاب إليها ولا تسمع منه ﴿ ومن ورائهم ﴾ الضمير لكل المكلفين أي أمامهم ﴿ برزخ ﴾ حائل بينهم وبين الجنة أو النار وبين الجزاء التام ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ وذلك البرزخ هو مدة ما بين الموت إلى البعث، ولعل بعض الحجب من الأخلاق الذميمة يندفع في هذه المدة.

وقال في الكشاف: حائل بينهم وبين الرجعة ومعناه الإقناط الكلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.

ثم وصف يوم البعث بقوله ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ قد مر معناه في أواخر "طه".

وقوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ ليس المراد به نفي النسب لأن ذلك ثابت بالحقيقة فإذن المراد حكمه وما يتفرع عليه من التعاطف والتراحم والتواصل، فقد يكون أحد القريبين في الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من الالتفات إلى أحوال نسبه.

عن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء.

وأما الجمع بين قوله ﴿ ولا يتساءلون ﴾ وبين قوله ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ \[المؤمنون: 101\] فظاهر لأن هذا في صفة أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة.

ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها التساؤل كحقوق النسب ونحوها.

وعن النبي  "ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس: حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين وعلى جسر جهنم" وقد مر مثل آية الموازين في أول "الأعراف" فليرجع إلى هنالك.

وقوله ﴿ في جهنم خالدون ﴾ بدل من ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ ولا محل له كالمبدل فإِن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى خسران أنفسهم امتناع انتفاعهم بها.

وقال ابن عباس: خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين.

ومعنى ﴿ تلفح ﴾ تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار، قاله ابن عباس.

وعن الزجاج أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً والكلوح أن يتقلص الشفتان عن الأسنان كالرؤوس المشوية.

يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن.

وعن النبي  أنه قال: "تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته" .

وقال الجوهري: الكلوح تكشر في عبوس.

ثم بيّن  أنه قال لهم حينئذ تقريعاً وتوبيخاً ﴿ الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ﴾ قالت المعتزلة: لو كان فعل التكذيب بخلق الله  لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي.

وفسرت المعتزلة الشقاوة بسوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم.

وتفسرها الأشاعرة بما كتب الله عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤل حالهم إلى النار.

ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر.

وأما على تفسير المعتزلة فقد قال جار الله: معناه ملكتنا وأخذت منا.

وقال الجبائي: أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب.

وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله  عليهم في سوء صنيعهم.

وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها الله فيه بدليل قوله ﴿ وكنا قوماً ضالين ﴾ اي في علم الله وسابق تقديره.

وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا: ولو كان الكفر بخلق الله لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذراً لهم أولى.

وأجيب بأن فحوى الكلام يؤل إلى هذا كما قررنا.

عن ابن عباس: أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا  ﴾ فيجابون ﴿ حق القول مني  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أمتنا اثنتين  ﴾ فيجابون ﴿ ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك  ﴾ فيجابون ﴿ إنكم ماكثون  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب  ﴾ فيجابون ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل  ﴾ فينادون الفاً ﴿ ربنا أخرجنا نعمل صالحاً  ﴾ فيجابون ﴿ أولم نعمركم  ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 6\] فيجابون ﴿ اخسئوا فيها ﴾ \[المؤمنون: 108\] وهو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب أي لا يفهمون ولا يفهمون ولهذا قال جار الله ﴿ ولا تكلمون ﴾ أي في رفع العذاب وليس نهياً عن الكلام فإِنها ليست بدار تكليف ولكنه تنبيه على أن العذاب لا يرفع ولا يخفف.

ومعنى ﴿ اخسؤاً ﴾ انزجروا صاغرين كما تنزجر الكلاب إذا طردت.

يقال: خسأ الكلب وخسأ نفسه يتعدى ولا يتعدى وهو المراد في الآية.

ثم عدد عليهم بعض قبائحهم في الدنيا بقوله ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم الصحابة.

وقيل: أهل الصفة خاصة.

عن الخليل وسيبويه أن السخري بالضم والكسر مصدر سخر إلا أن في ياء النسب زيادة تأكيد.

وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من التسخير والاستعباد والمعنى اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ ذكرى ﴾ فلم تذكروني حتى تخافوني.

ثم ذكر من حال المؤمنين ما أوجب الحسرة والندامة للساخرين.

فمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر على الاستئناف فمعناه ظاهر أي قد فازوا حيث صبروا، ومن قرأ بالفتح فعلى أنه مفعول جزيتهم أي جزيتهم فوزهم.

ومن قرأ ﴿ قال ﴾ فالضمير لله أو لمن أمر بسؤالهم من الملائكة، ومن قرأ ﴿ قل ﴾ فالخطاب للملك أو لبعض رؤساء أهل النار.

والغرض من هذا السؤال التوبيخ والتبكيت فقد كانوا لا يعدّون اللبث إلا في الدنيا ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنهم فيها خالدون سئلوا ﴿ كم لبثتم ﴾ تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ولا سيما إذا كان الأول ايام سرور والثاني ايام غم وخزن.

واختلفوا في الأرض فقيل: وجه الأرض حين ما كانوا أحياء فإنهم زعموا أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله  وعذبوا في النار سئلوا عن ذلك توبيخاً.

وقال آخرون: المراد جوف الأرض وهو القبر لظاهر لفظة "في" ولقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة  ﴾ وقوله ﴿ عدد سنين ﴾ بدل من مميزكم.

وقيل: احتج بعض من أنكر عذاب القبر بأن قوله ﴿ في الأرض ﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض.

فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ واجيب بأن الجواب لا بد أن يكون على حسب السؤال وإنما سئلوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.

ويحتمل أن يكونوا سئلوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فصح أن يكون جوابهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ عند أنفسنا.

وليس هذا من قبيل الكذب إذ لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال فقالوا: إلا نعرف من عدد السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم.

وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا ﴿ فاسأل العادّين ﴾ اي ليس من شأننا أن نعدّها لما نحن فيه من العذاب فاسأل من يقدر أن يلقى إليه فكره، أو اسأل الملائكة الذي يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم.

وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.

وقيل: أرادوا بقولهم ﴿ لبثنا يوماً أبو بعض يوم ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة غلى ما وقعوا فيه وعرفوه من داوم العذاب.

وقد صدّقهم الله في ذلك حيث قال ﴿ إن لبثتم غلا قليلاً ﴾ ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها بقوله ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ أي لو علمتم البعث والحشر لما كنتم تعدونه طويلاً.

ثم زاد في التوبيخ بقوله ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ أي عابثين أو لأجل العبث وهو الفعل الذي لا غاية له صحيحة.

وجوّزوا أن يكون قوله ﴿ وأنكم إلينا لاترجعون ﴾ معطوفاً على ﴿ عبثاً ﴾ أي للعبث ولترككم غير مرجوعين وفيه دلالة على وجوب وقوع القيامة فلولاها لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء.

ثم نزه ذاته عن كل عيب وعبث قائلاً ﴿ فتعالى ﴾ الآية ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال "بيت كريم" إذا كان ساكنوه كراماً.

وقرئ ﴿ الكريم ﴾ بالرفع وهو ظاهر.

ثم زيف طريقة المقلدة من أهل الشرك وقوله لا برهان له به كقوله ﴿ ما لم ينزل به سلطاناً  ﴾ وهو صفة جيء بها للتأكيد لا أن بعض الآلهة قد يقوم على وجوده برهان.

وجوّز جار الله أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقول القائل: من أحسن إلى زيداً لا أحق بالإحسان إليه منه فالله مثيبه.

ومعنى ﴿ حسابه عند ربه ﴾ أنه بلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله.

وقرئ ﴿ أنه لا يفلح ﴾ بفتح الهمزة أي حسابه عدم فلاحه فوضع ﴿ الكافرون ﴾ موضع الضمير.

جعل فاتحة السورة ﴿ قد افلح المؤمنون ﴾ وأورد في خواتيهما ﴿ إنه لا يفلح الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفريقين.

وحين أثنى على المؤمنين في أثناء الكلام بأنهم يقولون ﴿ ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ﴾ نبه في آخر السورة على أنه قول ينبغي أن يواظب المكلف عليه ففيه الانقطاع إلى الله والإعراض عمن سواه والله المستعان.

التأويل: ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم إذا فارقوها ﴿ لكل امريء منهم يومئذ  ﴾ في طلب الحق ﴿ شأن يغنيه  ﴾ عن طلب الغير ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعليقات ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة فيها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة.

ولهذا قال ﴿ في جهنم خالدون ﴾ وأجيبوا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم العلماء بالله النصحاء لأجله ﴿ فاتخذتموهم سخرياً ﴾ فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العلية ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بهممهم وبيد الرد ﴿ ذكرى وكنتم منهم تضحكون ﴾ لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب ﴿ جزيتهم اليوم بما صبروا ﴾ فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار ﴿ لا برهان له به ﴾ أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

وقوله: ﴿ رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴾ : يحتمل على وجهين: أحدهما: ﴿ قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ؛ لأنه كان وعد له أن يريه بعض ما وعد لهم بقوله: ﴿ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ  ﴾ ؛ فلا نريك شيئاً؛ فقال: ربّ إن أريتني ما يوعدون أو لا تريني فلا تجعلني في القوم الظالمين.

والثاني: أنك، وإن أريتني ما تعدهم على التحقيق، فلا تجعلني في القوم الظالمين.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ وجهين: أحدهما: لا تجعلني في القوم الظالمين: في العذاب الذي وعدت لهم أن ينزل؛ لأنه من العدل أن يعذبه ويعامله معاملة أهل العدل؛ كأنه يقول: ربّ لا تعاملني معاملتك إياهم، وإن كان ذلك من العدل أن تعاملني مثل ما تعامل أولئك؛ لأن رسول الله، وإن لم يكن [له] زلات ظاهرة، فلقد كان من الله إليه من النعم والإحسان: ما لو أخذ بشكر ذلك لم يقدر على أداء شكر واحدة منها فضلا عن أن يؤدي شكر الكل؛ ألا ترى أنه روي عنه  أنه قال: "لا يدخلُ أحدٌ الجنةَ إلا برحمةِ اللهِ؛ فقيلَ: ولا أنتَ يا رسولَ اللهِ؟

فقالَ: ولا أنا إلا أَنْ يتغمدني اللهُ برحمتِهِ" ويحتمل قوله: ﴿ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : في الزيغ والغواية، يسأل ربّه أن يعصمه عن الزيغ بالضلال والغواية الذي عليه القوم الظالمون، وهو كدعاء إبراهيم ربّه وسؤال العصمة عن الزيغ بقوله: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، وإن كان وعد لهم العصمة عن ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴾ .

هذا أيضاً يحتمل وجهين: أحدهما: يخبر رسوله أنه ليس لعجز يؤخر ما وعد لهم من العذاب؛ ولكن لحلم منه وعفو، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ  ﴾ : على التنبيه والإيقاظ؛ فعلى ذلك يحتمل هذا.

والثاني: يعزي رسول الله ويصبره على أذاهم إياه، يقول: إني مع قدرتي على إنزال العذاب عليهم والانتقام منهم أحلم عنهم وأؤخر عنهم؛ فأنت من ضعفك عن ذلك أولى أن تصبر على أذاهم، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ ، أي: لا تكافئهم لأذاهم إياك، ولا تشغل بهم بمجازاة ذلك [وادفع] بأحسن [من] ذلك وكِلْ مكافأتهم إليَّ حتى أنا أكافئهم.

﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ من الكذب والأذى الذي يؤذونك.

والثاني: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ ، أي: ادفع سيئاتهم المتقدمة بإحسان يكون منك إليهم؛ ليكونوا لك أولياء وإخوانا في حادث الأوقات، وهو كقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ علم رسوله وأمره أن يتعوذ به من الشيطان الرجيم اللعين إذا نزغه - ونزغه: وسوسته - وأمره أيضاً أن يتعوذ من همزه، وهو: همه وقصده بذلك، وأمره أن يتعوذ بحضورهم مكان الوسوسة؛ حتى يدفع عنهم ولا يحضرون ذلك المكان، وكأن التعوذ عن نزغهم؛ ليدفع عنه؛ لئلا يؤثروا في نفسه بعد ما حضروه ووسوسوه.

والتعوذ عن همزهم: هو أن يدفع عنه طعنهم ونخسهم؛ لئلا يشغلوه بالذي قصدوه به، والتعوذ عن حضورهم مكان الوسوسة.

قال الحسن: همز الشيطان: الموتة، والموتة: غشيان القلب، روي في الخبر عن رسول الله  أنه كان يتعوذ من الشيطان الرجيم، قال: "في همزه، ونفخه، ونفثه" وقال بعضهم: همزاته ونزغاته: واحد.

وقال القتبي: همزات الشياطين: نخسها وطعنها، ومنه قيل للعائب: هُمَزة؛ كأنه يطعن ويعيب.

[و] قال أبو عوسجة: همزات الشياطين: وساوسهم، يقال: همز يهمز همزاً، أي: وسوس، ومن وجه آخر: همز يهمز همزاً، أي: عاب يعيب، ومنه قوله: ﴿ ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ  ﴾ .

ثم في قوله: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ إلى آخر ما ذكر وجهان على المعتزلة: أحدهما: أنه أمر رسوله أن يتعوذ به مما ذكر؛ فدل أن عنده لطفاً لم يعطه: ما لو أعطاه الله لدفع به ما ذكر وأنه مالكٌ لذلك؛ إذ لو كان غيره مالكاً لذلك يخرج السؤال به مخرج الهزء به؛ إذ من طلب من آخر شيئاً يعلم أنه ليس عنده ذلك خرج ذلك الطلب مخرج الهزء به؛ فعلى ذلك هذا.

والثاني: أن كل مأمور بالتعوذ جعل الله له [الإعاذة مما يتعوذ منه].

فالوجهان جميعاً ينقضان على المعتزلة في قولهم: إن الله قد أعطى كلا الأصلح في الدين، وأعطى كلا العصمة عن كل زيغ وضلال.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ادفع -أيها الرسول- من يسيء إليك بالخصلة التي هي أحسن؛ بأن تصفح عنه، وتصبر على أذاه، نحن أعلم بما يصفون من الشرك والتكذيب، وبما يصفونك به مما لا يليق بك كالسحر والجنون.

<div class="verse-tafsir" id="91.GNDdO"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله