الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٠٨ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 107 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال [ تعالى ] ( تلك آيات الله ) أي : هذه آيات الله وحججه وبيناته ( نتلوها عليك ) يا محمد ( بالحق ) أي : نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة .
( وما الله يريد ظلما للعالمين ) أي : ليس بظالم لهم بل هو الحكم العدل الذي لا يجور ، لأنه القادر على كل شيء ، العالم بكل شيء ، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه
القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " تلك آيات الله "، هذه آيات الله.
* * * وقد بينا كيف وضعت العرب " تلك " و " ذلك " مكان " هذا " و " هذه "، في غير هذا الموضع فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.
(84) * * * وقوله: "آيات الله "، (85) يعني: مواعظ الله وعبره وحججه.
=" نتلوها عليك "، (86) نقرؤها عليك ونقصُّها= (بالحق)، يعني بالصدق واليقين.
وإنما يعني بقوله: " تلك آيات الله "، هذه الآيات التي ذكر فيها أمورَ المؤمنين من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمور يهود بني إسرائيل وأهل الكتاب، وما هو فاعل بأهل الوفاء بعهده، وبالمبدِّلين دينه، والناقضين عهدَه بعد الإقرار به.
ثم أخبر عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه يتلو ذلك عليه بالحق، وأعلمه أن من عاقبَ من خلقه بما أخبر أنه معاقبه [به]: (87) من تسويد وجهه، وتخليده في أليم عذابه وعظيم عقابه =ومن جازاه منهم بما جازاه: من تبييض وجهه وتكريمه وتشريف منـزلته لديه، بتخليده في دائم نعيمه، فبغير ظلم منه لفريق منهم، بل بحق استوجبوه، (88) وأعمال لهم سلفت، جازاهم عليها، فقال تعالى ذكره: " وما الله يريد ظلمًا للعالمين "، يعني بذلك: وليس الله يا محمد= &; 7-98 &; بتسويد وجوه هؤلاء، وإذاقتهم العذاب العظيم، وتبييض وجوه هؤلاء وتنعيمه إياهم في جنته =طالبًا وضعَ شيء مما فعل من ذلك في غير موضعه الذي هو موضعه= إعلامًا بذلك عباده أنه لن يصلح في حكمته بخلقه غير ما وعد أهل طاعته والإيمان به، وغير ما أوعد أهل معصيته والكفر به = وإنذارًا منه هؤلاء وتبشيرًا منه هؤلاء.
* * * --------------- الهوامش : (84) انظر ما سلف 1: 225 - 228 / 3: 335.
(85) انظر تفسير"آية" فيما سلف في فهارس اللغة مادة"أيا".
(86) انظر تفسير"تلا" فيما سلف 2: 409 - 411 ، 566 - 570 / 6: 466.
(87) في المطبوعة: "أن من عاقبه" ، وأثبت ما في المخطوطة فهو صواب.
وما بين القوسين زيادة لا بد منها يقتضيها السياق.
(88) في المطبوعة: "بل لحق" ، وأثبت ما في المخطوطة.
قوله تعالى : تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمورقوله تعالى : تلك آيات الله ابتداء وخبر ، يعني القرآن .
نتلوها عليك يعني ننزل عليك جبريل فيقرؤها عليك .
بالحق أي بالصدق .
وقال الزجاج : تلك آيات الله المذكورة حجج الله ودلائله .
وقيل : تلك بمعنى هذه ولكنها لما انقضت صارت كأنها [ ص: 161 ] بعدت فقيل تلك ويجوز أن تكون آيات الله بدلا من تلك ولا تكون نعتا ; لأن المبهم لا ينعت بالمضاف .
وما الله يريد ظلما للعالمين يعني أنه لا يعذبهم بغير ذنب .
ولله ما في السماوات وما في الأرض قال المهدوي : وجه اتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين وأنه لا يريد ظلما للعالمين ، وصله بذكر اتساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما في السماوات وما في الأرض في قبضته ، وقيل : هو ابتداء كلام ، بين لعباده أن جميع ما في السماوات وما في الأرض له حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره .
{ تلك آيات الله نتلوها } أي: نقصها { عليك بالحق } لأن أوامره ونواهيه مشتملة على الحكمة والرحمة وثوابها وعقابها، كذلك مشتمل على الحكمة والرحمة والعدل الخالي من الظلم، ولهذا قال: { وما الله يريد ظلما للعالمين } نفى إرادته ظلمهم فضلا عن كونه يفعل ذلك فلا ينقص أحدا شيئا من حسناته، ولا يزيد في ظلم الظالمين، بل يجازيهم بأعمالهم فقط
"تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلماً للعالمين ".
«تلك» أي هذه الآيات «آيات الله نتلوها عليك» يا محمد «بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين» بأن يأخذهم بغير جرم.
هذه آيات الله وبراهينه الساطعة، نتلوها ونقصُّها عليك -أيها الرسول- بالصدق واليقين.
وما الله بظالم أحدًا من خلقه، ولا بمنقص شيئًا من أعمالهم؛ لأنه الحاكم العدل الذي لا يجور.
وبعد أن أفاض - سبحانه - فى الحديث عن أحوال السعداء وأحوال الأشقياء وعن رذائل الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم ممن أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وبعد أن ساق - سبحانه - من التوجيهات الحكيمة ، والإرشادات النافعة ما يشفى الصدور ويهدى النفوس ، بعد كل ذلك ، خاطب - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله :{ تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ } .والمراد بالآيات ما سبق ذكره فى هذه السورة وغيرها من آيات قرآنية تهدى إلى الرشد وتشهد بوحدانية الله - تعالى - وبصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنه .وكانت الإشارة بتلك الدالة على البعد للإشعار بعلو شأن هذه الآيات وسمو منزلتها وعظم قدرها .ومعنى { نَتْلُوهَا } نقرؤها عليك يا محمد شيئاً فشيئاً قراءة واضحة جلية لتبلغها للناس على مكث وتدبر وروية .وأسند - سبحانه - التلاوة إليه مع أن التالى فى الحقيقة جبريل - عليه السلام - للتنيه على شرف هذه الآيات المتلوة ، ولأن تلاوة جبريل إنما هي بأمر منه - سبحانه - .وقال - سبحانه - { تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا } فأظهر لفظ الجلالة ولم يقل تلك آياتنا نتلوها ، ليكون التصريح باسمه - سبحانه - مربيا فى النفوس المهابة والإجلال له ، إذ هو المستحق وحده لوصف الألوهية فلا إله سواه ولا معبود بحق غيره ، وهو ذو الجلال والإكرام ، وهو المنشىء الموجد لهذا الكون وما فيه ومن فيه .فالتصريح باسمه - تعالى - يزيد البيان جلالا ويبعث فى النفوس الخشيية والمراقبة والبعد عما يوجب العقاب والإقبال على ما يوصل إلى الثواب .وقوله { بالحق } في موضع الحال المؤكدة من الفاعل أو المفعول .أى نتلوها عليك متلبسة بالحق أو متلبسين بالصدق أو العدل فى كل ما دلت عليه هذه الايات ونطقت به ، مما لا تختلف فيه العقول السليمة ، والمدارك القويمةوقوله - تعالى - { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ } نفى للظلم بأبلغ وجه فإنه - سبحانه - لم ينف فقط الظلم عن ذاته بل نفى عن ذاته إرادة الظلم إذ هو أمر يليق به - سبحانه - ولا يتصور وقوعه منه .وكيف يريد الظلم من منح هذا العالم كله الوجود ، وخلق هذا الكون برحمته وقدرته وعدله؟
والظلم - كما يقول الراغب - وضع الشىء فى غير موضعه المختص به إما بزيادة أو بنقصان وإما بعدول عن وقته ومكانه ، ومن هذا يقال : ظلمت السقاء إذا تناولته فى غير وقته ، وظلمت الأرض إذا حفرتها ولم تكن موضعاً للحفر .وقال بعض الحكماء : الظلم ثلاثة أنواع :الأول : ظلم بين الإنسان وبين الله - تعالى - وأعظمه الكفر والشرك والنفاق وإياه قصد - سبحانه - بقوله : { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } والثانى : ظلم بينه وبين الناس وإياه قصد بقوله : { إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس } والثالث : ظلم بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله : { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } والظلم الذى نفى إرادته - سبحانه - عن ذاته عام لا يخص نوعا دون نوع ، إذ من المعروف عند علماء اللغة أن النكرة فى سياق النفى تعم ، وهنا جاء لفظ الظلم منكراً فى سياق النفى وهو ما .قال الجمل واللام فى قوله { لِّلْعَالَمِينَ } زائدة لا تعلق لها بشىء زيدت فى مفعول المصدر وهو " ظلم " والفاعل محذوف .
وهو فى التقدير ضمير البارىء - سبحانه - والمعنى ما الله يريد أن يظلم العالمين ، فزيدت اللام تقوية للعامل كقوله { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }
اعلم أنه تعالى في الآيات المتقدمة عاب أهل الكتاب على شيئين أحدهما: أنه عابهم على الكفر، فقال: ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ ﴾ ثم بعد ذلك عابهم على سعيهم في إلقاء الغير في الكفر، فقال: ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ فلما انتقل منه إلى مخاطبة المؤمنين أمرهم أولاً بالتقوى والإيمان، فقال: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَٱذْكُرُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة، فقال: ﴿ وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير ﴾ وهذا هو الترتيب الحسن الموافق للعقل، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ مّنكُمْ ﴾ قولان أحدهما: أن ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا ليست للتبعيض لدليلين الأول: أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ والثاني: هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول: معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وأما كلمة ﴿ مِنْ ﴾ فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان ﴾ ويقال أيضاً: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم، كذا هاهنا، ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ فالأمر عام، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين.
والقول الثاني: أن ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا للتبعيض، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين أحدهما: أن فائدة كلمة ﴿ مِنْ ﴾ هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين والثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء ويدل عليه وجهان الأول: أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فإن الجاهل ربما عاد إلى الباطل وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين ﴾ والثاني: أنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة هذا إيجاباً على البعض لا على الكل، والله أعلم.
وفيه قول رابع: وهو قول الضحاك: إن المراد من هذه الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتعلمون من الرسول عليه السلام ويعلمون الناس، والتأويل على هذا الوجه كونوا أمة مجتمعين على حفظ سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعلم الدين.
المسألة الثانية: هذه الآية اشتملت على التكليف بثلاثة أشياء، أولها: الدعوة إلى الخير ثم الأمر بالمعروف، ثم النهي عن المنكر، ولأجل العطف يجب كون هذه الثلاثة متغايرة، فنقول: أما الدعوة إلى الخير فأفضلها الدعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته وتقديسه عن مشابهة الممكنات وإنما قلنا إن الدعوة إلى الخير تشتمل على ما ذكرنا لقوله تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة ﴾ وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هذه سَبِيلِى ادعوا إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: الدعوة إلى الخير جنس تحته نوعان: أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي وهو بالمعروف والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر فذكر الجنس أولاً ثم أتبعه بنوعية مبالغة في البيان، وأما شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمذكورة في كتب الكلام.
ثم قال تعالى: ﴿ وأولئك هُمُ المفلحون ﴾ وقد سبق تفسيره وفيه مسائل: المسألة الأولى: منهم من تمسك بهذه الآية في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال لأن هذه الآية تدل على أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من المفلحين، والفاسق ليس من المفلحين، فوجب أن يكون الآمر بالمعروف ليس بفاسق، وأجيب عنه بأن هذا ورد على سبيل الغالب فإن الظاهر أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لم يشرع فيه إلا بعد صلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير، ثم إنهم أكدوا هذا بقوله تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُم ﴾ قوله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ ولأنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت وجهها؟
ومعلوم أن ذلك في غاية القبح، والعلماء قالوا: الفاسق له أن يأمر بالمعروف لأنه وجب عليه ترك ذلك المنكر ووجب عليه النهي عن ذلك المنكر، فبأن ترك أحد الواجبين لا يلزمه ترك الواجب الآخر، وعن السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا، وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل، فقال: وأينا يفعل ما يقول؟
ودَّ الشيطان لو ظفر بهذه الكلمة منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن المنكر.
المسألة الثانية: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر كان خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه» وعن علي رضي الله عنه: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال أيضاً: من لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر منكراً نكس وجعل أعلاه أسفله، وروى الحسن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر تعيشوا بخير، وعن الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.
المسألة الثالثة: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِئ إلى أَمْرِ الله ﴾ قدم الإصلاح على القتال، وهذا يقتضي أن يبدأ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأرفق مترقياً إلى الأغلظ فالأغلظ، وكذا قوله تعالى: ﴿ واهجروهن فِي المضاجع واضربوهن ﴾ يدل على ما ذكرناه، ثم إذا لم يتم الأمر بالتغليظ والتشديد وجب عليه القهر باليد، فإن عجز فباللسان، فإن عجز فبالقلب، وأحوال الناس مختلفة في هذا الباب.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البينات ﴾ .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في النظم وجهان الأول: أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أنه بيّن في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام وصحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر أن أهل الكتاب حسدوا محمداً صلى الله عليه وسلم واحتالوا في إلقاء الشكوك والشبهات في تلك النصوص الظاهرة، ثم إنه تعالى أمر المؤمنين بالإيمان بالله والدعوة إلى الله، ثم ختم ذلك بأن حذر المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب، وهو إلقاء الشبهات في هذه النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة الرافعة لدلالة هذه النصوص فقال: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ ﴾ أيها المؤمنون عند سماع هذه البينات ﴿ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا ﴾ من أهل الكتاب ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ﴾ في التوراة والإنجيل تلك النصوص الظاهرة، فعلى هذا الوجه تكون الآية من تتمة جملة الآيات المتقدمة والثاني: وهو أنه تعالى لما أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك مما لا يتم إلا إذا كان الآمر بالمعروف قادراً على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغالين، ولا تحصل هذه القدرة إلا إذا حصلت الإلفة والمحبة بين أهل الحق والدين، لا جرم حذرهم تعالى من الفرقة والاختلاف لكي لا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية من تتمة الآية السابقة فقط.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ تَفَرَّقُواْ واختلفوا ﴾ فيه وجوه: الأول: تفرقوا واختلفوا بسبب اتباع الهوى وطاعة النفس والحسد، كما أن إبليس ترك نص الله تعالى بسبب حسده لآدم الثاني: تفرقوا حتى صار كل فريق منهم يصدق من الأنبياء بعضاً دون بعض، فصاروا بذلك إلى العداوة والفرقة الثالث: صاروا مثل مبتدعة هذه الأمة، مثل المشبهة والقدرية والحشوية.
المسألة الثالثة: قال بعضهم ﴿ تَفَرَّقُواْ واختلفوا ﴾ معناهما واحد وذكرهما للتأكيد وقيل: بل معناهما مختلف، ثم اختلفوا فقيل: تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين، وقيل: تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك النصوص، ثم اختلفوا بأن حاول كل واحد منهم نصرة قوله ومذهبه والثالث: تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيساً في بلد، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق وأن صاحبه على الباطل، وأقول: إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل الله العفو والرحمة.
المسألة الرابعة: إنما قال: ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات ﴾ ولم يقل ﴿ جَاءتْهُمْ ﴾ لجواز حذف علامة من الفعل إذا كان فعل المؤنث متقدماً.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ يعني الذين تفرقوا لهم عذاب عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم، فكان ذلك زجراً للمؤمنين عن التفرق.
ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ اعلم أنه تعالى لما أمر اليهود ببعض الأشياء ونهاهم عن بعض، ثم أمر المسلمين بالبعض ونهاهم عن البعض أتبع ذلك بذكر أحوال الآخرة، تأكيداً للأمر، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في نصب ﴿ يَوْمٍ ﴾ وجهان الأول: أنه نصب على الظرف، والتقدير: ولهم عذابٌ عظيم في هذا اليوم، وعلى هذا التقدير ففيه فائدتان إحداهما: أن ذلك العذاب في هذا اليوم، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن تبيض فيه وجوه وتسود وجوه والثاني: أنه منصوب بإضمار (اذكر).
المسألة الثانية: هذه الآية لها نظائر منها قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ ومنها قوله: ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ ومنها قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ ومنها قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍۭ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ ومنها قوله: ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم ﴾ ومنها قوله: ﴿ يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: في هذا البياض والسواد والغبرة والقترة والنضرة للمفسرين قولان أحدهما: أن البياض مجاز عن الفرح والسرور، والسواد عن الغم، وهذا مجاز مستعمل، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ويقال: لفلان عندي يد بيضاء، أي جلية سارة، ولما سلم الحسن بن علي رضي الله عنه الأمر لمعاوية قال له بعضهم: يا مسود وجوه المؤمنين، ولبعضهم في الشيب.
يا بياض القرون سودت وجهي *** عند بيض الوجوه سود القرون فلعمري لأخفينك جهدي *** عن عياني وعن عيان العيون بسواد فيه بياض لوجهي *** وسواد لوجهك الملعون وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه: ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل وعند التهنئة بالسرور يقولون: الحمد لله الذي بيض وجهك، ويقال لمن وصل إليه مكروه: إربد وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته، فعلى هذا معنى الآية أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن كان ذلك من الحسنات ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني.
والقول الثاني: إن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين والكافرين، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة، فوجب المصير إليه، قلت: ولأبي مسلم أن يقول: الدليل دل على ما قلناه، وذلك لأنه تعالى قال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار، فلو لم يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلاً، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة الغم والحزن حتى يصح هذا التقابل، ثم قال القائلون بهذا القول: الحكمة في ذلك أن أهل الموقف إذا رأوا البياض في وجه إنسان عرفوا أنه من أهل الثواب فزادوا في تعظيمه فيحصل له الفرح بذلك من وجهين: أحدهما: أن السعيد يفرح بأن يعلم قومه أنه من أهل السعادة، قال تعالى مخبراً عنهم ﴿ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يَٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴾ الثاني: أنهم إذا عرفوا ذلك خصوه بمزيد التعظيم فثبت أن ظهور البياض في وجه المكلف سبب لمزيد سروره في الآخرة وبهذا الطريق يكون ظهور السواد في وجه الكفار سبباً لمزيد غمهم في الآخرة، فهذا وجه الحكمة في الآخرة، وأما في الدنيا فالمكلف حين يكون في الدنيا إذا عرف حصول هذه الحالة في الآخرة صار ذلك مرغباً له في الطاعات وترك المحرمات لكي يكون في الآخرة من قبيل من يبيض وجهه لا من قبيل من يسود وجهه، فهذا تقرير هذين القولين.
المسألة الثالثة: احتج أصحابُنا بهذه الآية على أن المُكلَّف إما مؤمن وإما كافر، وأنه ليس هاهنا منزلة بين المنزلتين كما يذهب إليه المعتزِلة، فقالوا: إنه تعالى قسم أهل القيامة إلى قسمين منهم من يبيض وجهه وهم المؤمنون، ومنهم من يسود وجهه وهم الكافرون ولم يذكر الثالث، فلو كان هاهنا قسم ثالث لذكره الله تعالى قالوا وهذا أيضاً متأكد بقوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ ﴾ .
أجاب القاضي عنه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه، يبين ذلك أنه تعالى إنما قال: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ فذكرهما على سبيل التنكير، وذلك لا يفيد العموم، وأيضاً المذكور في الآية المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين، فكذا القول في الفساق.
واعلم أن وجه الاستدلال بالآية هو أنا نقول: الآيات المتقدمة ما كانت إلا في الترغيب في الإيمان بالتوحيد والنبوّة وفي الزجر عن الكفر بهما ثم إنه تعالى اتبع ذلك بهذه الآية فظاهرها يقتضي أن يكون ابيضاض الوجه نصيباً لمن آمن بالتوحيد والنبوّة، واسوداد الوجه يكون نصيباً لمن أنكر ذلك، ثم دل ما بعد هذه الآية على أن صاحب البياض من أهل الجنة، وصاحب السواد من أهل النار، فحينئذ يلزم نفي المنزلة بين المنزلتين، وأما قوله يشكل هذا بالكافر الأصلي فجوابنا عنه من وجهين: الأول: أن نقول لم لا يجوز أن يكون المراد منه أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم؟
وإذا كان كذلك كان الكل داخلاً فيه والثاني: وهو أنه تعالى قال في آخر الآية ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ فجعل موجب العذاب هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث أنه بعد الإيمان، وإذا وقع التعليل بمطلق الكفر دخل كل الكفار فيه سواء كفر بعد الإيمان، أو كان كافراً أصلياً والله أعلم.
ثم قال: ﴿ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى ذكر القسمين أولاً فقال: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ فقدم البياض على السواد في اللفظ، ثم لما شرع في حكم هذين القسمين قدم حكم السواد، وكان حق الترتيب أن يقدم حكم البياض.
والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب.
وثانيها: أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب، قال عليه الصَّلاة والسَّلام حاكياً عن رَبِّ العزة سبحانه: خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم وإذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب وهم أهل البياض، لأن تقديم الأشرف على الأخس في الذكر أحسن، ثم ختم بذكرهم أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال: سبقت رحمتي غضبي.
وثالثها: أن الفصحاء والشعراء قالوا: يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئاً يسر الطبع ويشرح الصدر ولا شك أن ذكر رحمة الله هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع الابتداء بذكر أهل الثواب والاختتام بذكرهم.
السؤال الثاني: أين جواب (أما)؟.
والجواب: هو محذوف، والتقدير فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، وإنما حسن الحذف لدلالة الكلام عليه ومثله في التنزيل كثير قال تعالى: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴾ وقال: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ﴾ وقال: ﴿ وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبَّنَا ﴾ .
السؤال الثالث: من المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟.
والجواب: للمفسرين فيه أقوال أحدها: قال أُبيُّ بن كَعْب: الكل آمنوا حال ما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام، فكل من كفر في الدنيا، فقد كفر بعد الإيمان، ورواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وثانيها: أن المراد: أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوّة، والدليل على صحة هذا التأويل، قوله تعالى فيما قبل هذه الآية ﴿ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات، وقال للمؤمنين ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البينات ﴾ .
ثم قال هاهنا ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ فكان ذلك محمولاً على ما ذكرناه حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها، وعلى هذين الوجهين تكون الآية عامة في حق كل الكفار، وأما الذين خصصوا هذه الآية ببعض الكفار فلهم وجوه: الأول: قال عكرمة والأصم والزجاج المراد أهل الكتاب فإنهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين به، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كفروا به الثاني: قال قتادة: المراد الذين كفروا بعد الإيمان بسبب الارتداد الثالث: قال الحسن: الذين كفروا بعد الإيمان بالنفاق الرابع: قيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة الخامس: قيل هم الخوارج، فإنه عليه الصلاة والسلام قال فيهم: «إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» وهذان الوجهان الأخيران في غاية البعد لأنهما لا يليقان بما قبل هذه الآية، ولأنه تخصيص لغير دليل، ولأن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة.
السؤال الرابع: ما الفائدة في همزة الاستفهام في قوله: ﴿ أَكْفَرْتُمْ ﴾ ؟.
الجواب: هذا استفهام بمعنى الإنكار، وهو مؤكد لما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله: ﴿ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ .
وفيه فوائد الأولى: أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصاً بمن كفر بعد إيمانه، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافراً أصلياً الثانية: قال القاضي قوله: ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ يدل على أن الكفر منه لا من الله وكذا قوله: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ الثالثة: قالت المرجئة: الآية تدل على أن كل نوع من أنواع العذاب وقع معللاً بالكفر، وهذا ينفي حصول العذاب لغير الكافر.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: ما المراد برحمة الله؟.
الجواب: قال ابن عباس: المراد الجنة، وقال المحققون من أصحابنا: هذا إشارة إلى أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمة الله، وكيف لا نقول ذلك والعبد ما دامت داعيته إلى الفعل وإلى الترك على السوية يمتنع منه الفعل؟
فإذن ما لم يحصل رجحان داعية الطاعة امتنع أن يحصل منه الطاعة وذلك الرجحان لا يكون إلا بخلق الله تعالى، فإذن صدور تلك الطاعة من العبد نعمة من الله في حق العبد فكيف يصير ذلك موجباً على الله شيئاً، فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل الله وبرحمته وبكرمه لا باستحقاقنا.
السؤال الثاني: كيف موقع قوله: ﴿ هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ بعد قوله: ﴿ فَفِى رَحْمَةِ الله ﴾ .
الجواب: كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟
فقيل هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون.
السؤال الثالث: الكفار مخلدون في النار كما أن المؤمنين مخلدون في الجنة، ثم إنه تعالى لم ينص على خلود أهل النار في هذه الآية مع أنه نص على خلود أهل الجنة فيها فما الفائدة؟.
والجواب: كل ذلك إشعارات بأن جانب الرحمة أغلب، وذلك لأنه ابتدأ في الذكر بأهل الرحمة وختم بأهل الرحمة، ولما ذكر العذاب ما أضافه إلى نفسه، بل قال: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب ﴾ مع أنه ذكر الرحمة مضافة إلى نفسه حيث قال: ﴿ فَفِى رَحْمَةِ الله ﴾ ولما ذكر العذاب ما نص على الخلود مع أنه نص على الخلود في جانب الثواب، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم فقال: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ولما ذكر الثواب علله برحمته فقال: ﴿ فَفِى رَحْمَةِ الله ﴾ ثم قال في آخر الآية ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب، يا أرحم الراحمين لا تحرمنا من برد رحمتك ومن كرامة غفرانك وإحسانك.
ثم قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق ﴾ فقوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ فيه وجهان الأول: المراد أن هذه الآيات التي ذكرناها هي دلائل الله، وإنما جاز إقامة ﴿ تِلْكَ ﴾ مقام ﴿ هذه ﴾ لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد الذكر، فصار كأنها بعدت فقيل فيها ﴿ تِلْكَ ﴾ والثاني: إن الله تعالى وعده أن ينزل عليه كتاباً مشتملاً على كل ما لابد منه في الدين، فلما أنزل هذه الآيات قال: تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك بالحق، وتمام الكلام في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ وقوله: ﴿ بالحق ﴾ فيه وجهان الأول: أي ملتبسة بالحق والعدل من إجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه الثاني: بالحق، أي بالمعنى الحق، لأن معنى التلو حق.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما حسن ذكر الظلم هاهنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين، فكأنه تعالى يعتذر عن ذلك وقال إنهم ما وقعوا فيه إلا بسبب أفعالهم المنكرة، فإن مصالح العالم لا تستقيم إلا بتهديد المذنبين، وإذا حصل هذا التهديد فلابد من التحقيق دفعاً للكذب، فصار هذا الاعتذار من أدل الدلائل، على أن جانب الرحمة غالب، ونظيره قوله تعالى في سورة (عم) بعد أن ذكر وعيد الكفار ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابًا ﴾ أي هذا الوعيد الشديد إنما حصل بسبب هذه الأفعال المنكرة.
المسألة الثانية: قال الجُبّائي: هذه الآية تدل على أنه سبحانه لا يريد شيئاً من القبائح لا من أفعاله ولا من أفعال عباده، ولا يفعل شيئاً من ذلك، وبيانه: وهو أن الظلم إما أن يفرض صدوره من الله تعالى، أو من العبد، وبتقدير صدوره من العبد، فإما أن يظلم نفسه وذلك بسبب إقدامه على المعاصي أو يظلم غيره، فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ نكرةٌ في سياق النَّفي، فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً، سواء كان ذلك صادراً عنه أو صادراً عن غيره، فثبت أن هذه الآية تدل على أنه لا يريد شيئاً من هذه الأقسام الثلاثة، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون فاعلاً لشيء من هذه الأقسام، ويلزم منه أن لا يكون فاعلاً للظلم أصلاً ويلزم أن لا يكون فاعلاً لأعمال العباد، لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم وظلم بعضهم بعضاً، وإنما قلنا: إن الآية تدل على كونه تعالى غير فاعل للظلم ألبتة لأنها دلت على أنه غير مريد لشيء منها، ولو كان فاعلاً لشيء من أقسام الظلم لكان مريداً لها، وقد بطل ذلك، قالوا: فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل للظلم، وغير فاعل لأعمال العباد، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد، ثم قالوا: إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له، فدلت هذه الآية على كونه تعالى قادراً على الظلم وعند هذا تبجحوا وقالوا: هذه الآية الواحدة وافية بتقرير جميع أصول المعتزلة في مسائل العدل، ثم قالوا: ولما ذكر تعالى أنه لا يريد الظلم ولا يفعل الظلم قال بعده ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ وإنما ذكر هذه الآية عقيب ما تقدم لوجهين: الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل، أو العجز، أو الحاجة، وكل ذلك على الله محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض، وهذه المالكية تنافي الجهل والعجز والحاجة، وإذا امتنع ثبوت هذه الصفات في حقه تعالى امتنع كونه فاعلاً للقبيح والثاني: أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجه من الوجوه كان لقائل أن يقول: إنا نشاهد وجود الظلم في العالم، فإذا لم يكن وقوعه بإرادته كان على خلاف إرادته، فيلزم كونه ضعيفاً عاجزاً مغلوباً وذلك محال.
فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي * السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ أي أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر، ولما كان قادراً على ذلك خرج عن كونه عاجزاً ضعيفاً لا أنه تعالى أراد منهم ترك المعصية اختياراً وطوعاً ليصيروا بسبب ذلك مستحقين للثواب فلو قهرهم على ترك المعصية لبطلت هذه الفائدة، فهذا تلخيص كلام المعتزلة في هذه الآية، وربما أوردوا هذا الكلام من وجه آخر، فقالوا: المراد من قوله: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ إما أن يكون هو لا يريد أن يظلمهم أو أنه لا يريد منهم أن يظلم بعضهم بعضاً فإن كان الأول فهذا لا يستقيم على قولكم، لأن مذهبكم أنه تعالى لو عذب البريء عن الذنب بأشد العذاب لم يكن ظلماً، بل كان عادلاً، لأن الظلم تصرف في ملك الغير، وهو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه فاستحال كونه ظالماً وإذا كان كذلك لم يكن حمل الآية على أنه لا يريد أن يظلم الخلق وإن حملتم الآية على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضاً، فهذا أيضاً لا يتم على قولكم لأن كل ذلك بإرادة الله وتكوينه على قولكم، فثبت أن على مذهبكم لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح والجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى لا يريد أن يظلم أحداً من عباده؟
قوله الظلم منه محال على مذهبكم فامتنع التمدح به قلنا: الكلام عليه من وجهين: الأول: أنه تعالى تمدح بقوله: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ وبقوله: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ ولا يلزم من ذلك صحة النوم والأكل عليه فكذا هاهنا الثاني: أنه تعالى إن عذب من لم يكن مستحقاً للعذاب فهو وإن لم يكن ظلماً في نفسه لكنه في صور الظلم، وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ ونظائره كثيرة في القرآن هذا تمام الكلام في هذه المناظرة.
المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ على كونه خالقاً لأعمال العباد، فقالوا لا شك أن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض، فوجب كونها له بقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ وإنما يصح قولنا: إنها له لو كانت مخلوقة له فدلت هذه الآية على أنه خالق لأفعال العباد.
أجاب الجبائي عنه بأن قوله: ﴿ لِلَّهِ ﴾ إضافة ملك لا إضافة فعل، ألا ترى أنه يقال: هذا البناء لفلان فيريدون أنه مملوكه لا أنه مفعوله، وأيضاً المقصود من الآية تعظيم الله لنفسه ومدحه لإلهية نفسه، ولا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الفواحش والقبائح، وأيضاً فقوله: ﴿ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ إنما يتناول ما كان مظروفاً في السموات والأرض وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض.
أجاب أصحابنا عنه بأن هذه الإضافة إضافة الفعل بدليل أن القادر على القبيح والحسن لا يرجح الحسن على القبيح إلا إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى فعل الحسن، وتلك الداعية حاصلة بتخليق الله تعالى دفعاً للتسلسل، وإذا كان المؤثر في حصول فعل العبد هو مجموع القدرة والداعية، وثبت أن مجموع القدرة والداعية بخلق الله تعالى ثبت أن فعل العبد مستند إلى الله تعالى خلقاً وتكويناً بواسطة فعل السبب، فهذا تمام القول في هذه المناظرة.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ زعمت الفلاسفة أنه إنما قدم ذكر ما في السموات على ذكر ما في الأرض لأن الأحوال السماوية أسباب للأحوال الأرضية، فقدم السبب على المسبب، وهذا يدل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأحوال السماوية، ولا شك أن الأحوال السماوية مستندة إلى خلق الله وتكوينه فيكون الجبر لازماً أيضاً من هذا الوجه.
المسألة الخامسة: قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ فأعاد ذكر الله في أول الآيتين والغرض منه تأكيد التعظيم، والمقصود أن منه مبدأ المخلوقات وإليه معادهم، فقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول وقوله: ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ إشارة إلى أنه هو الآخر، وذلك يدل إحاطة حكمه وتصرفه وتدبيره بأولهم وآخرهم، وأن الأسباب منتسبة إليه وأن الحاجات منقطعة عنده.
المسألة السادسة: كلمة ﴿ إلى ﴾ في قوله: ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ لا تدل على كونه تعالى في مكان وجهة، بل المراد أن رجوع الخلق إلى موضع لا ينفذ فيه حكم أحد إلا حكمه ولا يجري فيه قضاء أحد إلا قضاؤه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ آيات الله ﴾ الواردة في الوعد والوعيد ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ ﴾ ملتبسة ﴿ بالحق ﴾ والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً ﴾ فيأخذ أحداً بغير جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أوينقص من ثواب محسن.
ونكر ظلماً وقال: ﴿ للعالمين ﴾ على معنى ما يريد شيئاً من الظلم لأحد من خلقه، فسبحان من يحلم عمن يصفه بإرادة القبائح والرضا بها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ الوارِدَةُ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ ﴿ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ ﴾ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ لا شُبْهَةَ فِيها.
﴿ وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ ﴾ إذْ يَسْتَحِيلُ الظُّلْمُ مِنهُ لِأنَّهُ لا يَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيَظْلِمُ بِنَقْصِهِ، ولا يَمْنَعُ عَنْ شَيْءٍ فَيَظْلِمُ بِفِعْلِهِ، لِأنَّهُ المالِكُ عَلى الإطْلاقِ كَما قالَ.
﴿ وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ فَيُجازِي كُلًّا بِما وعَدَ لَهُ وأوْعَدَ.
<div class="verse-tafsir"
{تِلْكَ آيات الله} الواردة في الوعد والوعيد وغير ذلك {نَتْلُوهَا
عَلَيْكَ} ملتبسة {بالحق} والعدل من جزاء المحسن والمسء {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين} أي لا يشاء أن يظلم هو عباده فيأخذ أحداً بغير جرم أو يزيد في عقاب مجرم أو ينقص من ثواب محسن
( ﴿ تِلْكَ ﴾ ) أيِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها وعَظُمَ قَدْرُها ﴿ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ ﴾ أيْ نَقْرَؤُها شَيْئًا فَشَيْئًا، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ إذِ التّالِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي عُدُولِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ ما لا يَخْفى مِنَ العِنايَةِ بِالتِّلاوَةِ والمَتْلُوِّ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الآياتِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِتِلْكَ، و( آياتُ ) بَدَلٌ مِنهُ، وقُرِئَ ( يَتْلُوها ) عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ.
( ﴿ بِالحَقِّ ﴾ ) أيْ مُتَلَبِّسَةً أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِالصِّدْقِ أوْ بِالعَدْلِ في جَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآياتُ ونَطَقَتْ بِهِ، فالظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكَّدَةِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ﴿ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ ﴾ (801) بِأنْ يُحِلَّهم مِنَ العِقابِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ عَدْلًا أوْ يَنْقُصَهم مِنَ الثَّوابِ عَمًّا اسْتَحَقُّوهُ فَضْلًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ نَكَّرَ ظُلْمًا ووَجَّهَ النَّفْيَ إلى إرادَتِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفِيدِ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الِانْتِفاءِ، وعَلَّقَ الحُكْمَ بِآحادِ الجَمْعِ المُعَرَّفِ والتَفَتَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ اللّائِقِ بِهِ أوْ تَرْكُ الواجِبِ وهو يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى؛ لِلْأدِلَّةِ القائِمَةِ عَلى ذَلِكَ، ونَفْيُ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي إمْكانَهُ، فَقَدْ يُنْفى المُسْتَحِيلُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ﴾ ، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ ما هو ظُلْمٌ مِنَ العِبادِ فِيما بَيْنَهم لا أنَّ كَلَّ ما يَفْعَلُ لَيْسَ ظُلْمًا مِنهُ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ بَيانٍ أنَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ولا يُهْمِلُ الكافِرَ ويُجازِيهِ بِكُفْرِهِ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُ لَيْسَ ظُلْمًا لا يُسْتَفادُ هَذا، وفِيهِ ما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ يعني القرآن نَتْلُوها عَلَيْكَ يعني ننزل جبريل فيقرأ عليك بِالْحَقِّ أي بالصدق.
وقال الزجاج: تلك آيات الله أي تلك التي جرى ذكرها، حجج الله وعلاماته نَتْلُوها عَلَيْكَ، أي نعرّفك إياها وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ يعني لا يعذبهم بغير ذنب وَلِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ قال بعضهم: هذا معطوف على الأول، كأنه يقول: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ لأنهم كلهم عبيده ومخلوقه ومرزوقه، فلا يريد ظلمهم.
وقال بعضهم: هذا ابتداء كلام، بين لعباده أن جميع ما في السَّموات وَمَا فِي الارض لَهُ، حتى يسألوه ويعبدوه، ولا يعبدوا غيره.
ثم قال تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يقول: تصير أمور العباد إلى الله في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : قال أهْلُ العلْمِ: وفَرَضَ اللَّه سبحانه بهذه الآية الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عن المُنْكَر، وهو مِنْ فروضِ الكفاية «٢» ، إذا قام به قائمٌ، سقَطَ عن الغَيْر، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَان «٣» والناسُ في الأمر بالمعروفِ وتغْييرِ المُنْكَرِ على مراتِبَ، فَفَرْضُ العلماءِ فيه تنبيهُ الولاةِ، وحَمْلُهُمْ على جَادَّة العلْمِ، وفرضُ الولاةِ تَغْييره بقوَّتهم وسلطانِهِمْ/، ولهم هي اليَدُ، وفَرْضُ سائر الناسِ رَفْعُهُ إلى الولاةِ والحُكَّام بعد النَّهْيِ عنه قولاً، وهذا في المُنْكَرِ الذي له دَوَامٌ، وأما إنْ رأى أحَدٌ نازلةٌ بديهيَّةً مِنَ المُنْكَرِ كالسَّلْبِ والزِّنَا ونحوه، فيغيِّرها بنَفْسِهِ، بحَسَب الحالِ والقدرةِ، ويَحْسُنُ لكلِّ مؤمن أنْ يعتمل في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وإنْ ناله بَعْضُ الأذى ويؤيِّد هذا المَنْزَعَ أنَّ في قراءة عثمانَ وابْنِ مسْعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ: «يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيَسْتَعِينونَ اللَّهَ على مَا أَصَابَهُمْ» «٤» ، فهذا وإنْ لم يثبتْ في المُصْحَفِ، ففيه إشارةٌ إلى التعرُّض لما يصيبِ عَقِيبَ الأمْر والنهْيِ كما هو في قوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ [لقمان: ١٧] .
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)
وقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا ...
الآية: قال ابن عبَّاس: هي إشارة إلى كلِّ مَنِ افترق من الأمَمِ في الدِّين، فأهلكهم الافتراقُ «١» ، وقال الحسنُ: هي إشارة إلى اليهودِ والنصارى «٢» .
قلتُ: وروى أبو داوُدَ في سُنَنِهِ، عن معاويةَ بْنِ أبي سُفْيَان، قال: قَالَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«إنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ افترقوا على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ على ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ الجَمَاعَةُ» «٣» ، وروى أبو هريرة نحوه، ولم يَذْكُرِ النَّار «٤» اهـ.
وقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ...
الآية: بياضُ الوُجُوهِ: عبارةٌ عن إشراقِها واستنارتها وبِشْرِها برحمة اللَّهِ قاله الزَّجَّاج «٥» وغيره.
وقوله تعالى: أَكَفَرْتُمْ: تقريرٌ وتوبيخٌ متعلِّق بمحذوف، تقديره: فيقالُ لهم:
أكفرتم، وفي هذا المَحْذُوفِ جوابُ «أمَّا» ، وهذا هو فحوَى الخطَابِ، وهو أنْ يكون في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: لا يُعاقِبُهم بِلا جُرْمٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَنا أنَّهُ يُعَذِّبُ مَن عَذَّبَهُ بِاسْتِحْقاقٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللهِ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ ﴾ الإشارَةُ بِـ "تِلْكَ" إلى هَذِهِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ المُتَضَمِّنَةِ تَعْذِيبَ الكُفّارِ وتَنْعِيمَ المُؤْمِنِينَ، ولَمّا كانَ فِيها ذِكْرُ التَعْذِيبِ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَقَعَ مِنهُ ظُلْمٌ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ، وإذا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَلا يُوجَدُ البَتَّةَ، لِأنَّهُ لا يَقَعُ مِن شَيْءٍ إلّا ما يُرِيدُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِالإخْبارِ الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُضَمَّنَةً الأفاعِيلَ الَّتِي هي حَقٌّ في أنْفُسِها، مِن كَرامَةِ قَوْمٍ، وتَعْذِيبِ آخَرِينَ.
وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: "يَتْلُوها" بِالياءِ، وجاءَ الإعْلامُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ظُلْمًا في حُكْمِهِ، فَإذًا لا يُوجَدُ.
ولَمّا كانَ لِلذِّهْنِ أنْ يَقِفَ هُنا في الوَجْهِ الَّذِي بِهِ خَصَّ اللهُ قَوْمًا بِعَمَلٍ يَرْحَمُهم مِن أجْلِهِ، وآخَرِينَ بِعَمَلٍ يُعَذِّبُهم عَلَيْهِ، ذَكَرَ تَعالى الحُجَّةَ القاطِعَةَ في مِلْكِهِ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ الآيَةِ، وقالَ: "ما" ولَمْ يَقُلْ: "مَن" مِن حَيْثُ هي جُمَلٌ وأجْناسٌ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ: أنَّ بَعْضَ البَصْرِيِّينَ نَظَرَ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإلى اللهِ" فَأظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا وَما جَرى مَجْراهُ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وحُكِيَ أنَّ العَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ إرادَةَ تَفْخِيمِ الكَلامِ والتَنْبِيهِ عَلى عِظَمِ المَعْنى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تُشْبِهُ البَيْتَ في قَصْدِ فَخامَةِ النَظْمِ، وتُفارِقُهُ مِن حَيْثُ الآيَةُ جُمْلَتانِ مُفْتَرِقَتانِ في المَعْنى، فَلَوْ تَكَرَّرَتْ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ عَلى هَذا الحَدِّ لَحَسُنَ فِيها كُلِّها إظْهارُ الِاسْمِ، ولَيْسَ التَعَرُّضُ بِالضَمِيرِ في ذَلِكَ بِعُرْفٍ، وأمّا البَيْتُ وما أشْبَهَهُ فالضَمِيرُ فِيهِ هو العُرْفُ، إذِ الكَلامُ في مَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ إظْهارُ الِاسْمِ إلّا في المَعانِي الفَخْمَةِ في النُفُوسِ مِنَ الَّتِي يُؤْمَنُ فِيها اللَبْسُ عَلى السامِعِ.
وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "تَرْجِعُ الأُمُورُ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ﴾ ؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَذِهِ لِأوَّلِنا، ولا تَكُونُ لِآخِرِنا، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ ومَن شاكَلَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في الَّذِينَ هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ إلى المَدِينَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ واحِدٌ، مُقْتَضاهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الصَحابَةِ، قِيلَ لَهُمْ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "أُمَّةٍ" إلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُعَيَّنَةً، فَإنَّ هَؤُلاءِ هم خَيْرُها.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الآيَةِ: خِطابُ الأُمَّةِ بِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، فَلَفْظُ أُمَّةٍ، عَلى هَذا التَأْوِيلِ اسْمُ جِنْسٍ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: كُنْتُمْ خَيْرَ الأُمَمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ كَوْنُهم شُهَداءَ عَلى الناسِ، وقَوْلُ النَبِيِّ : « "نَحْنُ الآخِرُونَ السابِقُونَ"...» الحَدِيثُ.
ورَوى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ يَوْمًا وهو مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ: "نَحْنُ نُكْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةً نَحْنُ آخِرُها وخَيْرُها"» قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: كُنْتُمْ خَيْرَ الناسِ، وقالَ الحَسَنُ: نَحْنُ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ تَعالى، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ كُنْتُمْ لِلنّاسِ خَيْرَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَـ "أُمَّةٍ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ: اسْمُ جِنْسٍ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يَجِيئُونَ بِالكُفّارِ في السَلاسِلِ فَيُدْخِلُونَهم في الإسْلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلى الأُمَّةِ كافَّةً إلّا مُحَمَّدٌ ، فَهو وأُمَّتُهُ يَدْعُونَ إلى الإيمانِ ويُقاتِلُونَ العالَمَ عَلَيْهِ، فَهم خَيْرُ الناسِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّهم أفْضَلُ الأُمَمِ مِن نَفْسِ لَفْظِ الآيَةِ، لَكِنْ يُعْلَمُ هَذا مِن لَفْظٍ آخَرَ، وهي كَقَوْلِهِ : « "أرْأفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ"» فَلَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ أبا بَكْرٍ أرْأفُ الناسِ عَلى الإطْلاقِ في مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرَأْفَةُ عَلى الإطْلاقِ لَيْسَتْ بِجارِيَةٍ مَعَ الشَرْعِ كَما يَجِبُ.
وأمّا قَوْلُهُ: "كُنْتُمْ" عَلى صِيغَةِ الماضِي، فَإنَّها الَّتِي بِمَعْنى الدَوامِ، كَما قالَ ﴿ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ، إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى كُنْتُمْ في عِلْمِ اللهِ، وقِيلَ: في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: فِيما أخْبَرَ بِهِ الأُمَمَ قَدِيمًا عنكم.
و"خَيْرَ" عَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها خَبَرُ كانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "كانَ" التامَّةَ، ويَكُونَ "خَيْرَ أُمَّةٍ" نَصْبًا عَلى الحالِ، وهَذا يَتَّجِهُ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ الَّتِي ذَكَرْناها دُونَ بَعْضٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ الَّتِي فَرَضَها اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ إنَّما يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنها مَن عَمِلَ هَذِهِ الشُرُوطَ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانِ بِاللهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ وما بَعْدَهُ أحْوالٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أهْلِ الكِتابِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ المَقْرُونِ بِالنُصْحِ أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَنَجَّوْا أنْفُسَهم مِن عَذابِ اللهِ.
وجاءَتْ لَفْظَةُ "خَيْرَ" في هَذِهِ الآيَةِ وهي صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، ولا مُشارَكَةَ بَيْنَ كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ في الخَيْرِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِما في لَفْظَةِ "خَيْرَ" مِنَ الشِياعِ وتَشَعُّبِ الوُجُوهِ، وكَذَلِكَ هي لَفْظَةُ أفْضَلَ وأحَبَّ وما جَرى مَجْراهُما.
وقَدْ بُيِّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِأوعَبَ مِن هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى حالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وأخِيهِ وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ.
ثُمَّ حَكَمَ اللهُ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالفِسْقِ في كُفْرِهِ لِأنَّهم حَرَّفُوا وبَدَّلُوا وعانَدُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ، فَهم كُفّارٌ فَسَقَةٌ في الكُفْرِ قَدْ جَمَعُوا المَذَمَّتَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
تذييلات، والإشارة في قوله ﴿ تلك ﴾ إلى ائفة من آيات القرآن السابقة من هذه السورة كما اقتضاه قوله ﴿ نتلوها عليك بالحق ﴾ .
والتلاوة اسم لحكاية كلام لإرادة تبليغه بلفظه وهي كالقراءة إلاّ أن القراءة تختصّ بحكاية كلام مكتوب فيتّجه أن تكون الطائفة المقصودة بالإشارة هي الآيات المبدوءة بقوله تعالى ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ [آل عمران: 59] إلى هنا لأن ما قبله ختم بتذييل قريب من هذا التذييل، وهو قوله ﴿ ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ﴾ [آل عمران: 58] فيكون كل تذييل مستقلاً بطائفة الجمل الَّتي وقع هو عقبها.
وخصّت هذه الطائفة من القرآن بالإشارة لما فيها من الدلائل المثبتة صحة عقيدة الإسلام، والمبطلة لدعازي الفرق الثلاث من اليهود والنَّصارى والمشركين، مثل قوله ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ [آل عمران: 59] وقوله ﴿ ومَا من إله إلاّ إله واحد ﴾ [المائدة: 74] الآية.
وقوله ﴿ فلِمَ تُحاجّون فيما ليس لكم به علم ﴾ [آل عمران: 66] الآية.
وقوله ﴿ إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ﴾ [آل عمران: 68] الآية.
وقوله ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ﴾ [آل عمران: 79] الآية.
وقوله ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ [آل عمران: 81] الآية.
وقوله ﴿ فأتوا بالتَّوراة فاتلوها ﴾ [آل عمران: 93] وقوله ﴿ إنّ أول بين وضع للناس للذي ببكة مباركاً ﴾ [آل عمران: 96]، وما تخلّل ذلك من أمثال ومواعظ وشواهد.
والباء في قوله ﴿ بالحق ﴾ للملابسة، وهي ملابسة الإخبار للمخبَر عنه، أي لما في نفس الأمر والواقع، فهذه الآيات بيّنت عقائد أهل الكتاب وفصّلت أحوالهم في الدنيا والآخرة.
ومن الحقّ استحقاق كلا الفريقين لما عومل به عدلاً من الله، ولذا قال ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ أي لا يريد أن يظلم النَّاس ولو شاء ذلك لفعله، لكنَّه وعَد بأن لا يظلم أحداً فحقّ وعدُه، وليس في الآية دليل للمعتزلة على استحالة إرادة الله تعالى الظلم إذ لا خلاف بيننا وبين المعتزلة في انتفاء وقوعه، وإنَّما الخلاف في جواز ذلك واستحالته.
وجيء بالمسند فعلاً لإفادة تقوي الحكم، وهو انتفاء إرادة ظلم العالمين عن الله تعالى، وتنكير (ظلماً) في سياق النَّفي يدلّ على انتفاء جنس الظلم عن أن تتعلّق به إرادة الله، فكلّ ما يعدّظلماً في مجال العقول السليمة منتف أن يكون مراد الله تعالى.
وقوله ﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ [البقرة: 284] عطف على التذييل: لأنَّه إذا كان له ما في السموات وما في الأرض فهو يريد صلاح حالهم، ولا حاجة له بإضرارهم إلا للجزاء على أفعالهم.
فلا يريد ظلمهم، وإليه ترجع الأشياء كُلّها فلا يفوته ثواب محسن ولا جزاء مسيء.
وتكرير اسم الجلالة ثلاث مرات في الجمل الثلاث التي بعد الأولى بدون إضمار للقصد إلى أن تكون كلّ جملة مستقلّة الدلالة بنفسها، غير متوقّفة على غيرها، حتَّى تصلح لأن يتمثّل بها، وتستحضرها النُّفوس وتحفظها الأسماع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ يَعْنِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ فِيهِ بَيْنَ مُثابٍ بِالجَنَّةِ ومُعاقَبٍ بِالنّارِ فَوُصِفَ وجْهُ المُثابِ بِالبَياضِ لِإسْفارِهِ بِالسُّرُورِ، ووُصِفَ وجْهُ المُعاقَبِ بِالسَّوادِ لِانْكِسافِهِ بِالحُزْنِ.
﴿ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ وفي هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: الأوَّلُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إظْهارِ الإيمانِ بِالنِّفاقِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالِارْتِدادِ بَعْدَ إسْلامِهِمْ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ بِالنَّبِيِّ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ ووَصْفِهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والرّابِعُ: هم جَمِيعُ الكُفّارِ لِإعْراضِهِمْ عَمّا يُوجِبُهُ الإقْرارُ بِالتَّوْحِيدِ حِينَ أشْهَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أنْفُسِهِمْ ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا ﴾ وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة والطبراني وابن المنذر عن أبي غالب قال: «رأى أبو أمامة رؤوس الأزارقة منصوبة على درج مسجد دمشق فقال أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه.
ثم قرأ ﴿ يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه ﴾ الآية.
قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: لو لم أسمعه إلا مرة، أو مرتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، حتى عدَّ سبعاً ما حدثتكموه» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نصر في الإبانة والخطيب في تاريخه واللالكائي في السنة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ﴿ تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ قال: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والضلالة.
وأخرج الخطيب في رواة مالك والديلمي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ قال: «تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدع» .
وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ قال: «تبيض وجوه أهل الجماعات والسنة، وتسود وجوه أهل البدع والأهواء» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في الآية قال: صاروا فرقتين ثوم القيامة يقال لمن اسود وجهه ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ فهو الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث كانوا أمة الذين ابيضت وجوههم فهم الذين استقاموا على إيمانهم، وأخلصوا له الدين، فبيَّض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه وجنته.
وأخرج الفريابي وابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: هم من أهل الكتاب، كانوا مصدقين بأنبيائهم، مصدقين بمحمد، فلما بعثه الله كفروا.
فذلك قوله: ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة في قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم ﴾ قال: هم الخوارج.
وأخرج عبد حميد وابن جرير في الآية عن قتادة قال: لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون ﴿ فأما الذين ابيضت وجوههم ﴾ فأهل طاعة الله والوفاء بعهد الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم ﴾ قال: هم المنافقون كانوا أعطوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ وتسود وجوه ﴾ قال: هم اليهود.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ قال: هذا لأهل القبلة.
وأخرج ابن المنذر عن السدي بسند فيه من لا يعرف ﴿ يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه ﴾ قال: بالأعمال والأحداث.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند فيه من لا يعرف عن عائشة قالت «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تأتي عليك ساعة لا تملك فيها لأحد شفاعة؟
قال: نعم ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ حتى انظر ما يفعل بي.
أو قال: بوجهي» .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى عليه وسلم: المصيبة تبيض وجه صاحبها يوم تسود الوجوه» .
وأخرج أبو نعيم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغبار في سبيل الله إسفار الوجوه يوم القيامة» .
وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من عبد يقول لا إله إلا الله مرة إلا بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر» .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب أنه قرأ كل شيء في القرآن ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ بنصب التاء وكسر الجيم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ ﴾ أي (١) وصَلح ﴿ تِلْكَ ﴾ ههنا في موضع (هذه)؛ لانقضاء الآيات؛ فلمَّا انقضت، صارت كأنها بَعُدَت، فقيل فيها: ﴿ تِلْكَ ﴾ (٢) وقال ابن عباس (٣) ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ ﴾ ، يعنى: القرآن (٤) وقوله تعالى: ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ ﴾ أي: نُعرِّفُك إيَّاها.
قال ابن عباس (٥) وقوله تعالى: ﴿ بِالْحَقّ ﴾ أي: بأنَّها (٦) ويجوز أنْ يكون المعنى: نتلوها بالمعنى الحق؛ لأن معنى المَتْلُوِّ حقٌّ.
﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ﴾ فيعاقبهم بلا جُرْمٍ.
(قاله) (٧) (٨) (٩) [وحَسُنَ] (١٠) (١١) فإنْ قيل: أليس لو فعل ذلك، لم يكن ظالمًا عندكم؟
فلِمَ (١٢) ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴾ ؟
ولو أراده لم يكن ظُلمًا؟
(١٣) قلنا: سمَّاه ظلمًا؛ لأنه في سورة الظُّلْم (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (١) من قوله: (أي ..) إلى (وعلاماته): نقله بنصه عن: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 454.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 10، 229، "تفسير الطبري" 1/ 96.
(٣) لم أقف على مصدر قوله.
وهو مذكور في (تنوير المقباس)، المنسوب له: 53.
وقد قال بهذا القول: قتادة انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 468.
(٤) (القرآن): مطموسة في (ج).
وقد اختار المؤلف هذا القول في تفسيره (الوجيز) (المطبوع بهامش (مراح لبيد): 1/ 113).
وذهب إليه القرطبي.
انظر: "تفسيره" 4/ 169.
(٥) لم أقف على مصدر قوله.
واختاره المؤلف في تفسيره (الوجيز) (المطبوع بهامش (مراح لبيد): 1/ 113).
(٦) في (ب): (بيانها).
(٧) من (أ)، وفي باقي النسخ: (قال).
(٨) في "معاني القرآن" له: 1/ 455.
نقله عنه بمعناه (٩) في (ج): (أنَّ).
(١٠) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(١١) في (أ)، (ب): أحد.
والمثبت من: (ج).
وهي أليق بالعبارة -هنا- وأوجه.
(١٢) في (ج): فلما.
(١٣) في (ب): (ظالمًا).
(١٤) انظر حول هذا الموضوع: "شرح العقيدة الطحاوية" 453 - 455.
(١٥) في (ج): (غيره).
(١٦) في (ج): (مستحقًا).
(١٧) كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ .
(١٨) في (ج): (سمي).
(١٩) يعني المؤلف قولَه -تعالى-: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
وقد ذكر الطبريُّ هذا المعنى في تفسيره، ورَدَّهُ، فـ (الاستهزاء) في هذه الآية صفة من صفات الله على الحقيقة، تليق بجلال الله -تعالى-، وليس المقصود بـ (الاستهزاء) هنا مجازاتهم في الآخرة على استهزائهم بأوليائه في الدنيا، فهذا صرفٌ للصفة عن حقيقتها.
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 132 - 134.
وانظر ما سبق من تعليق على تفسير المؤلف لقول الله -تعالى-: ﴿ وَمَكَرَ اَللهُ ﴾ من الآية: 54.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ﴾ العامل فيه محذوف وقيل: عذاب عظيم ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ أي يقال لهم: أكفرتم؟
والخطاب لمن ارتد عن الإسلام، وقيل: للخوارج، وقيل لليهود؛ لأنهم آمنوا بصفة النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في التوراة ثم كفروا به لما بعث.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حق تقاته ﴾ بالإمالة: علي ﴿ ولا تفرقوا ﴾ بتشديد الراء: البزي وابن / فليح.
الوقوف: ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ ولا تفرقوا ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ إخواناً ﴾ ج لاحتمال الواو وللحال والاستئناف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط للعدول ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه (لا) لتعلق الظرف بلهم على الأصح.
وقيل: مصنوب بإضمار "اذكر".
﴿ وتسود وجوه ﴾ ج ﴿ اسودت وجوههم ﴾ (لا) لأن التقدير: فيقال لهم: أكفرتم؟
﴿ تكفرون ﴾ 5 ﴿ ففي رحمة الله ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ 5 ﴿ ما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ وتؤمنون بالله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه وعليه وقف لأن المعرف لا يتصف بالجملة ﴿ إلا أذى ﴾ ط و ﴿ الأدبار ﴾ وقفة لأن "ثم" لترتيب الإخبار أي ثم هم لا ينصرون، ولو كان عطفاً لكان ثم لا ينصروا.
﴿ لا ينصرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما حذر المؤمنين إضلال الكفار أمرهم في هذه الآيات بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات، فأولها لزوم سيرة التقوى.
عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ وهو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى.
أو هو القيام بالمواجب كلها والاجتناب عن المحارم بأسرها، وأن لا يأخذه في الله لومة لائم، ويقول بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، شق ذلك على المسلمين فنزلت ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ والجمهور على أنها منسوخة لأن معنى ﴿ حق تقاته ﴾ واجب تقواه وكما يحق أن يتقى وهو أن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ وإلا كان إباحة لبعض المعاصي.
ولا يجوز أن يراد بقوله: ﴿ حق تقاته ﴾ ما لا يستطاع من التكاليف كالصادر على سبيل الخطأ والسهو والنسيان لقوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ فعلى هذا لم يبق فرق بين الآيتين.
ولناصر القول الأول أن يقول: إن كنه الإلهية غير معلوم للخلق، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً فلا يحصل الخوف اللائق بذلك فلا يحصل حق الاتقاء، وإذا كان كذلك فيجوز أن يؤمر بالاتقاء الأغلظ والأخف، ثم ينسخ الأغلظ ويبقى الأخف، ونزول هذه الآية بعد قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ ممنوع ﴿ ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ﴾ ليس نهياً عن الموت وإنما هو نهي عن أن يدركهم الموت على خلاف حال الإسلام وقد مر في البقرة مثله.
ثم إنه أمرهم بما هو كالأصل لجميع الخيرات وإصلاح المعاش والمعاد وهو الاجتماع على التمسك بدين الله واتفاق الآراء على إعلاء كلمته فقال: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ حال كونهم مجموعين.
وقولهم: اعتصمت بحبله يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به ووثوقه بعنايته باستمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، / لأن وجه الشبه وصف غير حقيقي ومنتزع من عدة أمور.
ويجوز أن يكون الحبل استعارة للعهد والاعتصام لوثوقه بالعهد بناء على أن في الكلام تشبيهين، ويجوز أن تفرض الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام ترشيحاً لها.
والحاصل أن طريق الحق دقيق والسائر عليه غير مأمون أن تزل قدمه عن الجادة، فيراد بالحبل ههنا ما يتوصل به إلى الثبات على الحق وإن كانت عبارات المفسرين متخالفة.
فعن ابن عباس: هو العهد كما يجيء ﴿ إلا بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ وقيل: إنه القرآن كما روي عن علي بن أبي طالب عن النبي : " "أما إنها ستكون فتنة.
قيل: فما المخرج منها؟
قال : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين" وروى ابن مسعود عن النبي : " هذا القرآن حبل الله " وعن أبي سعيد الخدري عن النبي : " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل متين ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي " وقيل: إنه دين الله.
وقيل: إنه طاعة الله.
وقيل: إخلاص التوبة.
وقيل: الجماعة لقوله عقيب ذلك: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما بعد الحق إلا الضلال.
ويد الله مع الجماعة.
قال : " "ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد فقيل: ومن هم يا رسول الله؟
قال: الجماعة " وروي "السواد الأعظم" وروي " ما أنا عليه وأصحابي" " قال : " لا تجتمع أمتي على الضلالة " وقد يتمسك بالآية نفاة القياس قالوا: الأحكام الشرعية إن احتيج فيها إلى الدلائل اليقينية امتنع الاكتفاء فيها بالقياس، وإن اقتصر فيها على الدلائل الظنية فالقول بجواز القياس لكل أحد يوجب التفرق والاختلاف وهو منهي عنه.
وأجيب بأن الدلائل الدالة على وجوب العمل بالقياس مخصصه لعموم قوله: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ .
ثم إنه ذكرهم نعمته عليهم وذلك أنهم كانوا في الجاهلية بينهم إلا حن والبغضاء والحروب المتطاولة، فألف الله بين قلوبهم ببركة الإسلام فصاروا إخواناً في الله متراحمين متناصحين، وذلك أن من كان وجهه إلى الدنيا فقلما يخلو من معاداة ومناقشة بسبب الأغراض الدنيوية، أما العارف الناظر من الحق إلى الخلق فإنه يرى الكل اسيراً في قبضة القضاء فلا يعادي أحداً ألبتة لأنه مستبصر بسر الله في القدر.
فإذا أمر أمر برفق ناصح لا بعنف معير وكان حبه لحزب الله ونظرائه في الدين ورفقائه في طلب / اليقين أشد من حب الوالد لولده، فكانوا كالأقربين والإخوان بل كجسد واحد وكنفس واحدة, وقيل: يريد الإخوان في النسب.
وذلك أن الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم، وكان بينهما العداوة والحروب، وبقيا على ذلك مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسول الله، فذكر الله تلك النعمة.
وفيه دليل على أن المعاملات الحسنة الجارية فيما بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله حيث خلق فيهم تلك الداعية المستلزمة لحصول الفعل.
قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعونة والألطاف لا بخلق الفعل.
وأجيب بأن كل هذا كان حاصلاً قبل ذلك.
فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم.
هذا شرح النعم الدنيوية عليهم، ثم ذكرهم النعم الأخروية بقوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ وشفا الحفرة وشفتها حرفها بالتذكير والتأنيث، ومنه يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حده وطرفه.
وأنقذه واستنقذه خلصه ونجاه.
والضمير في ﴿ منها ﴾ للحفرة أو النار أو للشفاء إما لأنه في معنى الشفة وإما لإضافته إلى الحفرة وهو بعضها وهو كقوله: كما شرقت صدر القناة من الدم *** قال بعضهم: الشفة أصغر من الشفا وكذلك الضلالة والضلال لذلك قال نوح : ﴿ ليس بي ضلالة ﴾ حين قال له قومه ﴿ إنا لنراك في ضلال مبين ﴾ أي ليس بي صغير من الضلال فكيف الكبير منه؟
ومعنى الآية إنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم تشبيهاً لها بالحفر التي فيها النار وتمثيلاً بحياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها.
وفيه تنبيه على تحقير مدة الحياة وإن طالت كأنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك الشيء.
قالت المعتزلة: معنى الإنقاذ أنه لطف بهم بالرسول وبسائر ألطفاه حتى آمنوا.
وقال أهل السنة: جميع الألطاف مشتركة بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، لكن الآية دلت على أن الله هو المنقذ فعلم أن خالق أفعال العباد هو الله .
﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان البليغ ﴿ يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ﴾ إرادة أن تزدادوا هدى أو لتكونوا على رجاء هداية.
فالأول قول المعتزلة والثاني لأهل السنة، وقد مر في أوائل سورة البقرة.
ثم رغب المؤمنين الكاملين في تكميل غيرهم فقال: ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴾ وهو جنس تحته نوعان: الترغيب في فعل ما / ينبغي من واجبات الشرع ومندوباته والكف عما لا ينبغي من محرماته ومكروهاته، فلا جرم أتبعه النوعين زيادة في البيان فقال: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ واختلفوا في أن كلمة "من" في قوله: ﴿ منكم ﴾ للتبيين أو للتبيعض.
فذهب طائفة إلى أنها للتبيين لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، وكيف لا وقد وصفهم الله بذك في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ فهذا كقولك: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر.
وتريد جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم.
ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به بعض سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات.
وقال آخرون: إنها للتبعيض إما لأن في القوم من لا يقدر على الدعوة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنساء والمرضى والعاجزين، وإما لأن هذا التكليف مختص بالعماء الذين يعرفون الخير ما هو والمعروف والمنكر ما هما، ويعلمون كيف يرتب الأمر في إقامتهما، وكيف يباشر فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً.
وأيضاً قد أجمعنا على أن ذلك واجب على الكفاية، فكان هذا بالحقيقة إيجاباً على البعض الذي يقوم به.
ثم إن نصب لذلك رجل تعين عليه بحكم الولاية وهو المحتسب.
واعلم أن الأمر بالمعروف على ثلاثة أضرب: أحدها ما يتعلق بحقوق الله وهو نوعان: أحدهما ما يؤمر به الجمع دون الأفراد كإقامة الجمعة حيث تجتمع شرائطها، فإن كانوا عدداً يرون انعقاد الجمعة بهم والمحتسب لا يراه فلا يأمرهم بما لا يجوّزه ولا ينهاهم عما يرونه فرضاً عليهم ويأمرهم بصلاة العيد.
والثاني ما يؤمر به الأفراد كما إذا أخر بعض الناس الصلاة عن الوقت.
فإن قال: نسيتها.
حثه على المراقبة.
ولا يعترض على من أخرها والوقت باق.
وثانيها ما يتعلق بحقوق الآدميين وينقسم إلى عام كالبلد إذا تعطل شربه أو انهدم سوره أو طرقه أبناء السبيل المحتاجون وتركوا معونتهم.
فإن كان في بيت المال مال لم يؤمر الناس بذلك، وإن لم يكن أمر ذوو المكنة برعايتها والي خاص كمطل المديون الموسر بالدين.
فالمحتسب يأمره بالخروج عنه إذا استعداه رب الدين وليس له الحبس.
وثالثها الحقوق المشتركة كأمر الأولياء بإنكاح الأكفاء، وإلزام النساء أحكام العدد، وأخذ السادة بحقوق الأرقاء، وأرباب البهائم بتعهدها وأن لا يستعملون فيما لا تطيق، ومن يغير هيئات العبادات كالجهر في الصلاة السرية وبالعكس، أو يزيد في الأذان يمنعه وينكر عليه، / من تصدى للتدريس والوعظ وهو ليس من أهله ولم يؤمن اغترار الناس به في تأويل أو تحريف، فينكر المحتسب عليه ويظهر أمره لئلا يغتر به.
وإذا رأى رجلاً واقفاً مع امرأة في شارع يطرقه الناس لم ينكر عليه، وإن كان في طريق خال فهو موضع ريبة فينكر ويقول: إن كانت ذات محرم فصنها عن مواضيع الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله معها في الخلوة.
ولا ينكر في حقوق الآدميين كتعدي الجار في جدار الجار إلا باستعداء صاحب الحق، وينكر على من يطيل الصلاة من أئمة المساجد المطروقة، وعلى القضاة إذا حجبوا الخصوم وقصروا في النظر في الخصومات.
والسوقي المختص بمعاملة النساء يختبر أمانته فإن ظهرت منه خيانة منع من معاملتهن.
وبالجملة: " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فلينظر الداعي إلى الخير في حال كل مكلف وغير مكلف حتى الصبيان، ليتمرنوا والمجانين كيلا يضروا ويدعوه إلى ما يليق به متدرجاً من الأسهل إلى الأصعب في الأمر والإنكار كل ذلك إيماناً واحتساباً لا سمعة ورياء، ولا لغرض من الأغراض النفسانية والجسمانية، وذلك أنّ هذه الدعوة منصب النبي وخلفائه الراشدين بعده، ومن ههنا ذهب الضحاك إلى أن المراد من المذكورين في هذه الآية أصحاب رسول الله الذين يتعلمون من الرسول ويعلمون الناس.
وروي عن النبي " "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسول الله وخليفة كتابه" وعن علي: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وكفى بقوله : ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ أي الأخصاء بالفالح مدحاً لهم.
وقد يتمسك بهذا في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأنه ليس من أهل الفلاح.
وأجيب بأن هذا ورد على سبيل الغالب، فإن الظاهر أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يشرع فيه إلا بعد إصلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير وقلما يتفق ممن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت عن وجهها.
قال بعض العلماء: إن ترك ارتكاب المنهي عنه والنهي عن ارتكاب المنهي واجبان على الفاسق، فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر, وعن بعض السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا.
وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل فقال: وأينا يفعل ما يقول؟
ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهي عن منكر.
والحق في هذه القضية ما قيل:/ وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوي الناس وهو مريض والقرآن ينعي عليه بقوله: ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ وقد سلف تقريره في البقرة.
وعن داود الطائي أنه سمع صوتاً من قبر: ألم أزكِ ألم أصلِ ألم أصم ألم أفعل كذا وكذا؟
أجيب بلى يا عدو الله ولكن إنك إذا خلوت بارزته بالمعاصي ولم تراقبه.
قوله : ﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا ﴾ في النظم وجهان: أحدهما أنه ذكر في الآيات المتقدمة أنه بين في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام، ثم إن أهل الكتاب حسدوا محمداً فاحتالوا لإلقاء الشكوك في تلك النصوص، ثم انجز الكلام إلى أنه أمر المؤمنين بالدعاء إلى الخير، فختم الكلام بتحذير المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب من إلقائ الشبهات في النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة، فعلى هذا تكون الآية من تتمة الآيات المتقدمة.
وثانيهما أنه لما أمر الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن ضده وكان ذلك مما لا يتم إلا بالقدرة على تنفيذه، كيف وفي الناس ظلمة ومتغلبون، فلا جرم حذر أهل الحق أن يتفرقوا ويختلفوا كيلا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف، وعلى هذا تكون الآية من تتمة الآية السابقة فقط.
قال بعضهم: تفرقوا واختلفوا مؤداهما واحد والتكرير للتأكيد.
وقيل: معناهما مختلف.
تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين.
أو تفرقوا بسبب التأويلات الفاسدة للنصوص، واختلفوا كل منهم نصرة قوله.
أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل من الأحبار رئيسا في بلد، واختلفوا بأن صار كل منهم يدعي أنه على الحق وصاحبه على الباطل.
ولعل الإنصاف أن أكثر علماء الزمان بهذه الصفة فنسأل الله العصمة والسداد.
﴿ وأولئك ﴾ اليهود والنصارى الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم الدلالات الواضحة والنصوص الظاهرة، أو أولئك الذين اقتفوا آثارهم من مبتدعه هذه الأمة ﴿ لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ وفي تعليق الظرف بقوله ﴿ لهم ﴾ فائدتان: إحداهما أن ذلك العذاب في هذا اليوم، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن يبيض بعض الوجوه ويسود بعضها ونظير ذلك في القرآن: ﴿ وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ﴾ وفي أمثال هذه الألوان للمفسرين قولان: أحدهما - وإليه ميل أبي مسلم -: أن البياض مجاز عن الفرح والسواد عن الغم وهذا مجاز مستعمل قال : ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّاً ﴾ ولما سلم الحسن بن علي الأمر على معاوية قال له رجل: يا مسوّد وجوه المؤمنين.
وتمام الخبر سوف يجيء إن شاء الله في تفسير سورة القدر، ولبعض الشعراء في الشيب: / يا بياض القرون سودت وجهي *** عند بيض الوجوه سود القرون.
وثانيهما: أن السواد والبياض محمولان على ظاهرهما وهما النور والظلمة، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة.
فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكمده واسودت صحيفته وأحاطبت به الظلمة من كل جانب.
قالوا: والحكمة في ذلك أن يعرف أهل الموقف كل صنف فيعظمونهم أو يصغرون بحسب ذلك ويحصل لهم بسببه مزيد بهجة وسرور أو ويل وثبور.
وأيضاً إذا عرف المكلف في الدنيا أنه يحصل له في الآخرة إحدى الحالتين ازدادت رغبته في الطاعات وترك المحرمات.
قلت: والتحقيق فيه أن الهيئات والأخلاق الحميدة أنوار، والملكات والعادات الذميمة ظلمات، وكل منهما لا يظهر آثارهما كما هي إلا بعد المفارقة إلى الآخرة ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ﴾ واحتج أهل السنة بالآية على أن المكلف إما مؤمن وإما كافر وإنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين، لأنه قسم أهل القيامة إلى قسمين: مبيض الوجوه وهم المؤمنون، ومسودها وهم الكافرون لقوله في آخر الآية ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ واعترض القاضي عليه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه، وأيضاً لفظ وجوه نكرة فلا يفيد العموم.
وأيضاً المذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان، ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين فكذا القول في الفساق.
والجواب لم لا يجوز أن يكون المراد أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم، فيكون الخطاب لجميع الكفار؟
وأنه أيضاً جعل موجب العذاب في آخر الآية هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث إنه بعد الإيمان.
فإن قيل: لم قدم البياض على السواد أوّلاً وعكس آخراً؟
فالجواب بعد تسليم إفادة الواو الترتيب، أنه بدأ بذكر أهل الثواب وختم بها أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال: " "سبقت رحمتي غضبي" ولما في ذلك من رعاية حسن المطلع والمقطع وأنه فن بديع في الفصاحة.
ومن المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟
قال أبي بن كعب: هم جميع الكفار لأنهم آمنوا وقت الميثاق، ورواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي .
وقيل: المراد أكفرتم بعدما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو ما نصبه الله من دلائل التوحيد والنبوة؟
وقال عكرمة والأصم والزجاج: إنهم أهل الكتاب آمنوا قبل مبعث النبي وكفروا به بعد بعثه.
وقال قتادة: إنهم المرتدون.
وقال الحسن: هم المنافقون.
وقيل: هم الخوارج الذين قال فيهم رسول الله : "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من / الرمية" ولما رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق دمعت عنياه ثم قال: كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء.
فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله ؟
قال: بل سمعته من رسول الله ، ولو لم أسمعه، إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبعاً ما حدثتكموه.
قال: فما شأنك دمعت عيناك؟
قال: رحمة لهم.
كانوا من أهل الإسلام فكفروا ثم قرأ هذه الآية.
ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيراً فأعاذ الله منهم.
هذا مما أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعة.
ولكن المشهور من مذهب أهل السنة أنّ الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة، والاستفهام في قوله : ﴿ أكفرتم ﴾ بمعنى الإنكار.
قال القاضي: وفيه وكذا في قوله: ﴿ ما كنتم تكفرون ﴾ دليل على أن الكفر منهم لا من الله.
وقالت المرجئة: فيه دلالة على أن العذاب لا يكون إلا للكفار.
أما قوله: ﴿ ففي رحمة الله ﴾ فالمراد بها الجنة التي هي محل الرحمة.
وموقع قوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ موقع الاستئناف كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟
فأجيب بذلك أي لا يظعنون عنها ولا يموتون.
وفي إقامة الرحمة مقام الجنة دليل على أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا بفضل الله وبرحمته.
وفي إضافة الرحمة إلى نفسه وتعليل العذاب بكفرهم والنص على خلود أهل الثواب دون أهل النار وإن كانوا مخلدين أيضاً دلائل وإشارات إلى أن جانب العفو والمغفرة والرحمة مغلب، وكيف لا وقد أردفه بقوله: ﴿ تلك ﴾ الأحكام التي وردت في حيز الوعيد والوعد وانقضى ذكرها ﴿ آيات الله نتلوها عليك ﴾ متلبسة ﴿ بالحق ﴾ العدل من جزاء المحسن بإحسانه وجزاء المسيء بإساءته، أو ملتبسه بالمعنى الحق لأن معنى المتلو حق ﴿ وما الله يريد ظلما للعالمين ﴾ ولكن مصالح الخلق لا نتتظم إلا بتهديد المذنبين، وإذا حصل التهديد فلا بد من التحقيق دفعاً للكذب عمن هو أصدق القائلين.
قال الجبائي: قوله: ﴿ ظلماً ﴾ نكرة في سياق النفي فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً سواء فرض منه أو من العبد على نفسه أو على غيره، وإذا لم يرد لم يفعل إذ لو كان فاعلاً لشيء من الأقسام الثلاثة كان مريداً له هذا خلف، فثبت بهذه الآية أنه غير فاعل للظلم وغير فاعل لأعمال العباد، إذ من جملتها القبائح، وقد بينا أنه لا يريدها.
ثم إنه تمدح بأنه لا يريد ذلك، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له، فدلت الآية على أنه قادر على الظلم وعلى أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر فلهذا قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وأيضاً لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح للجهل أو العجز أو الحاجة.
وكل ذلك على / الله محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض بل لكل ما في الوجود.
وربما يقال: معنى الآية إما أن يكون أنه لا يريد أن يظلمهم، أو أنه لا يريد أن يظلم بعضهم بعضاً.
والأول لا يستقيم على مذهبكم لأن من مذهبكم أنه لو عذب البريء من الذنب أشد العذاب لم يكن ظالماً بل كان عادلاً لأن الظلم تصرف في ملك الغير وهو إنما يتصرف في ملك نفسه، فتصور الظلم منه محال عندكم، فلا يلزم منه مدح.
والثاني أيضاً محال على قولكم لأن كلاً بإرادة الله وبتكوينه عندكم، فثبت أنه لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح في مذهبكم.
أجاب أهل السنة من وجهين: الأول أنه يتوقف التمدح بنفي صفة على إمكان تصور ذلك الشيء منه بدليل قوله: ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ ولا يتوقف التمدح بذلك على صحة النوم والأكل عليه.
الثاني أنه إن عذب من ليس بمستحق للظلم لم يكن ظالماً لكنه في صورة الظلم.
وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ والحق في هذا المقام أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه.
وإذا كان اللطف والقهر من ضرورات صفات الكمال، فوضع كل منهما في مظهره يكون وضع الشيء في موضعه فلا يكون ظلماً.
واحتجت الأشاعرة بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأنها من جملة ما في السموات وما في الأرض.
أجابت المعتزلة بأن قوله: ﴿ لله ﴾ إضافة ملك لا إضافة فعل كما يقال: هذا البناء لفلان.
يراد أنه مملوكه لا أنه مفعوله.
وأيضاً الآية مسوقة في معرض المدح ولا مدح في نسبة الفواحش والقبائح إلى نفسه.
وأيضاً قوله: ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ يتناول ما كان مظروفاً لهما وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض، والداعية المنتهية إلى تخليق الله دفعاً للتسلسل أو لترجيح من غير مرجح، قالت الحكماء: تقديم السموات في الذكر على الأرض دليل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأسباب السموية، ولا شك أن الأحوال السموية مستندة إلى خلقه وتكوينه فيكون الجبر أيضاً لازماً من هذا الوجه.
﴿ وإلى الله ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ﴿ ترجع الأمور ﴾ فالأول إشارة إلى أنه مبدأ المخلوقات كلها، وهذا إشارة إلى أن معاد الكل إليه.
قوله عز من قائل: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ في النظم وجهان: أحدهما أنه لما أمر المؤمنين بما أمر ونهاهم عما نهى، عدل إلى طريق آخر يقتضي حملهم على الانقياد والطاعة لأن كونهم خير الأمم مما يقوّي داعتيهم في أن لا يبطلوا على أنفسهم هذه المزية، وذلك إنما / يكون بالتزام التكاليف الشرعية، وثانيهما أنه لما ذكر حال الاشقياء وحال السعداء نبه أوّلاً على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله: ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ بمعنى أنهم استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة.
ثم نبه على سبب وعد السعداء بقوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ أي تلك الكرامات والسعادات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا خير أمة، وأقول: لما انجز الكلام في مخاطبة المؤمنين الى بيان أن كل ما في الوجود ملكه وملكه إبداعاً واختراعاً وأن منتهى الكل إليه، أتبع ذلك مزية هذه الأمة ليعلم أنها بسابقة العناية الأزلية إذ جعلهم مظهر الألطاف، وذكر بعدها رذيلة أهل الكتاب ليعرف أنها لوقوعهم في طريق القهر ولا اعتراض لأحد على ما يفعله المالك في ملكه.
عن عكرمة ومقاتل "أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوديا اليهوديين قالا لابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه، ونحن خير وأفضل منكم, فأنزل الله هذه الآية" .
قال بعض المفسرين: "كان" ههنا تامة، وانتصاب ﴿ خير أمة ﴾ على الحال حدثتم ووجدتم خير أمة.
والأكثرون على أنها ناقصة، فجاء إيهام أنهم كانوا موصوفين بالخيرية في الزمان الماضي دون ما يستقبل.
فأجيب بأن "كان" لا تدل على عدم سابق ولا انقطاع طارىء بدليل قوله: ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ {النساء: 96] وقيل: المراد كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ خير أمة، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة كقوله: ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ﴾ وقال أبو مسلم: هذا تابع لقوله: ﴿ وأما الذين ابيضت وجوههم ﴾ وما بينهما اعتراض والتقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فلهذا نلتم من الرحمة وبياض الوجه ما نلتم.
وقال بعضهم: لو شاء الله لقال: أنتم.
فكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا، ولكنه مخصوص بقوم معينين من أصحاب رسول الله وهم السابقون الأولون ومن صنع مثل صنيعهم.
وقيل: إنها زائدة والمعنى: أنتم خير أمة.
وزيفه ابن الأنباري بأن الزائدة لا تقع في أول الكلام ولا تعمل كقول العرب "عبد الله كان قائم وعبد الله قائم كان" ولا يقولون: "كان عبد الله قائم" على أن "كان" زائدة.
لأن البداءة بها دليل شدة العناية، والملغى لا يكون في محل العناية.
وقيل: إنها بمعنى صار أي صرتم خير أمة.
وأصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد، وأمة محمد هي الطائفة الموصوفة بالإيمان به والإقرار بنبوته.
وإذا أطقلت الأمة في نحو قول العلماء"اجتمعت الأمة" وقعت عليهم.
وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم لفظ الأمة إلا بهذا القيد.
قال الزجاج: ظاهر الخطاب في ﴿ كنتم ﴾ مع أصحاب النبي ولكنه عام في حق لكل الأمة.
ونظيره ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ وقوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ أخرجت ﴾ / والمعنى: كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار.
ومعنى إخراجها أنها أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها.
وإما أن يتعلق بـ ﴿ كنتم ﴾ أي كنتم للناس خير أمة.
ثم بين سبب الخيرية على سبيل الاستئناف بقوله: ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾ كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم.
وقد يستدل بالآية على أن إجماع هذه الأمة حجة لأنها لو لم تحكم بالحق لم تكن خيراً من المبطل، ولأن اللام في ﴿ المعروف ﴾ وفي ﴿ المنكر ﴾ للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر فيكون إجماعهم حقاً , وأما أنه من أي وجه يقتضي ذلك كون هذه الأمة خير الأمم مع أن الصفات الثلاثة كانت حاصلة لسائر الأمم فذلك أن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال لأنه إلقاء النفس في خطر القتل.
وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين تحملاً لأعظم المضارّ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار، فكان من أعظم العبادات.
ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع كما قال النبي : " "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" " فلا جرم صار لك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله أعظم المعروف والتكذيب أنكر المنكر.
وفائدة القتل على الدين لا ينكره منصف فإن أكثر الناس يحبون ما ألفوه من الأديان الباطلة ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم، فإذا خوف بالقتل دخل في دين الحق مكرهاً إلى أن يألفه متدرجاً.
وأما الإيمان بالله فلا شك أنه في هذه الأمة أكمل لأنهم آمنوا بكل ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب إلى غير ذلك، ولا يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
وإنما اقتصر في وصف الأمة على الإيمان بالله لأنه يستلزم الإيمان بالنبوة وبسائر ما عددنا وإلا لم يكن في الحقيقة إيمانأ، ولهذا نفى عن أهل الكتاب في قوله: ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ وإنما قدم الأمر بالمعروف على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، لأن الآية سيقت لبيان فضل الأمر بالمعروف وتأكد القيام به ولهذا كرر بعد قوله: ﴿ ولتكن منكم / أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ﴾ فكانت العناية به أشد فكان تقديمه أهم.
وليعلم أن التكميل أفضل من الكمال نفسه ولهذا استلزم الأول الثاني دون العكس، ولأن التكميل يتضمن الكمال فكان في تأخير الإيمان بالله تكريراً له مرة بالتضمن وأخرى بالمطابقة على أن الواو لا تفيد الترتيب، وأيضاً أراد أن يبني عليه قوله: ﴿ ولو آمن ﴾ وفي التفسير الكبير: إن أصل الإيمان مشترك فيه بين الأديان فلا تتبين فيه الخيرية، لكن الآية سيقت لبيان الخيرية وليس ذلك إلا لأن هذه الأمة أقوى في باب الأمر بالمعروف فلهذا قدم، ثم أتبع ذكر الإيمان بالله ليعلم أن شرط تأثير الأمر بالمعروف في الخيرية حاصل.
ولا يخفى أن هذا الجواب مبني على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعلى أن إيمان أهل الكتاب معتد به وليس كذلك، ولهذا قال : ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ يعني إيماناً متعتبراً وهو الإيمان بالله وبسائر ما لا بد منه من الأمور المعدودة ﴿ كان خيرا لهم ﴾ لحصلت لهم صفة الخيرية أيضاً لانضمامهم في زمرة هذه الأمة، أو لحصل لهم من الرياسة وحظوظ الدنيا ما هو خير مما تركوا هذا الدين لأجله، لأن الحاصل على هذا التقدير عزة الإسلام مع الفوز بما وعدوا من إيتاء الأجر في الآخرة مرتين، وعلى ما هم فيه ليس إلا استتباع بعض الجهلة من العوام وشيء نزر من الرشا، وبعد ذلك خلود في النار، ثم فصل أهل الكتاب على سبيل الاستئناف فقال: ﴿ منهم المؤمنون ﴾ كعبد الله بن سلام ورهطه وكالنجاشي وأصحابه، فاللام للمعهود السابق ﴿ وأكثرهم الفاسقون ﴾ الخارجون عن طاعة الله وعن دينه فيقارب الكفر أو يرادفه، أو المراد أنهم ليسوا بعدول في دينهم أيضاُ فهم مردودون باتفاق الطوائف كلهم، فلا ينبغي أن يقتدى بهم ألبتة.
ثم أخبر عن حالهم وكان كما قال وهو آية الإعجاز بجملة مستأنفة هي ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ الإضرار ألا يجاوز أذى بقول كطعن في الدين أو تهديد أو تحريف نص أو إلقاء شبهة أو إظهار كلمة الكفر بإشراكهم عزيراً والمسيح.
والأذى مصدر كالأسى يقال: يفعلون أذاه يؤذيه أذى وأذاة وأذية.
والأذى نوع من الضر فصح انصابه به والتقدير: لن يضروكم شيئاً من أنواع الضرر إلا ضرراً يسيراً.
ومن هذا تبين أن الاستثناء ليس بمنقطع على ما ظن ﴿ وإن قاتلوكم بولوكم الأدبار ﴾ منهزمين ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ وإنما لم يجزم بالعطف على ﴿ يولوكم ﴾ لئلا يصير نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم بل يرفع ليكون نفي النصر وعداً مطلقاً، وتكون هذه الجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم وأبشركم أن النصر والقوة منتفٍ عنهم رأساً فلن يستقيم لهم أمر ألبتة.
ومعنى "ثم" إفادة التراخي في الرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أينما كانوا أعظم من الإخبار بانهزامهم عند القتال.
فإن قيل: هب أن اليهود كذلك، لكن النصارى قد يوجد لهم قوى وشوكة في ديارهم.
قلنا: هذه الآيات مخصوصة باليهود وأسباب النزول تدل على ذلك، فكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع وأهل خيبر، أو لعل نفي النصرة عنهم بعد القتال ولم يوجد نصراني بهذه الحالة.
وفي الآية تشجيع للمؤمن وتثبيت لمن آمن من أهل الكتاب كيلا يلتفتوا إلى تضليلاتهم وتحريفاتهم.
التأويل: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ لأهل العزائم وقوله: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ لأهل الرخص.
والمعنى: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده ﴿ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ لا ينتف وجودكم المجازي إلا وقد سلمتم لتصرفات الأحكام الإلهية والجذبات الربانية، واستفدتم الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله ﴿ واعتصموا ﴾ أهل الاعتصام طائفتان: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب لأن مشربهم الأعمال فقيل لهم اعتصموا بحبل الله وهو كل سبب يتوصل به إلى الله من أعمال البر، وأهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب إذ مشربهم الأحوال فقيل لهم: واعتصموا بالله هو مولاكم مقصودكم أو ناصركم، ولا تفرقوا في الظاهر وهو مفارقة الجماعة، وفي الباطن وهو الميل إلى البدع والأهواء.
﴿ وكنتم على شفا حفرة ﴾ وهي عداوة بعضكم لبعض وعداوتكم لله ولأنفسكم ﴿ فأنقذكم منها ﴾ بالهداية والإيمان وتأليف القلوب ﴿ كذلك ﴾ مثل ما بين آياته للأوس والخزرج حتى صاروا إخواناً ﴿ يبين لكم ﴾ أيها الطلاب ﴿ آياته ﴾ وهي الجذبة الإلهية وتجلي صفات الربوبية ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴾ بالأفعال دون الأقوال ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ لأن الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله: ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ أي يجعل ما في الضمائر على الظواهر ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ هم أرباب الطلب السائرون إلى الله انقطعوا في بادية النفس واتبعوا غول الهوى وارتدوا على أعقابهم القهقرى.
﴿ فذوقوا العذاب ﴾ لأن الناس نيام لا يذوقون ألم جراحات الانقطاع والإعراض عن الله، فإذا ماتوا انتبوا وذاقوا ﴿ ففي رحمة الله ﴾ في الدنيا بالجمعية والوفاق مع أهل الله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ في الآخرة، ولأنه يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ﴿ تلك ﴾ الأحوال ﴿ آيات الله ﴾ مع خواصه ﴿ نتلوها عليك بالحق ﴾ نظهرها على قلبك بالتحقيق ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ بأن يضع السواد والبياض في غير موضعهما ﴿ كنتم خير أمة أخرجت ﴾ من العدم إلى الوجود مستعدة لقبول كمالية الإنسان من جملة الخيرية تخفيف التكليف وضمان التضعيف، ومنها عاقب مطيعهم بشؤم عصيانهم، وغفر لعصاة هذه الأمة ببركة مطيعهم، ومنها زلاتهم لعنة وزلاتنا رحمة، ومنها شكا منهم إلينا وشكر منا إليهم قبل وجودنا ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ يعني علماء السوء ﴿ لن يضروكم ﴾ أيها المحققون ﴿ إلا أذى ﴾ من طريق الإنكار والحسد ﴿ وإن يقاتلوكم ﴾ ينازعوكم ويخاصموكم ﴿ يولوكم الأدبار ﴾ من صدق نياتكم ﴿ لا ينصرون ﴾ لأنكم أهل الحق وحزب الله وإن حزب الله هم الغالبون.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا خبراً في الحقيقة، وإن كان في الظاهر أمراً؛ فإن كان خبراً ففيه دلالة أن جماعة منهم إذا قاموا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - سقط ذلك عن الآخرين؛ لأنه ذكر فيه حرف التبعيض، وهو قوله: ﴿ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ...
﴾ الآية.
ويحتمل أن يكون على الأمر في الظاهر والحقيقة جميعاً، ويكون قوله: ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ - صلة، فإن كان على هذا ففيه أن على [كل] أحد أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وذلك واجب؛ كأنه قال: كونوا أمّة ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ الآية؛ لأنه ذكر - جل وعز - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آي كثيرة من كتابه، منها هذا: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ...
﴾ الآية، ومنها قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، وذمّ من تركهما بقوله: ﴿ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ .
ورُوي عن عكرمة أن ابن عباس - ما - قال له: "قد أعياني أن أعلم ما يفعل بمن أمسك عن الوعظ، فقلت: أنا أعلمك ذلك، اقرأ الآية الثانية: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ...
﴾ ، فقال لي: أصبت.
فاستدل ابن عباس - - بهذه الآية على أنّ الله أهلك من عمل السوء، ومن لم ينه عنه من يعمله، فجعل - والله أعلم - الممسكين عن نهي الظالمين مع الظالمين في العذاب.
وقد رُوي عن أبي بكر الصديق - - قال: "يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ وإني سمعت رسول الله يقول: "إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ - أَو شَكَ أَنْ يَعُمَّهُم اللهُ بِعِقَابٍ" وعن جرير قال: سمعت رسول الله يقول: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ فِي القَوْمِ، وَيَعْمَلُ فِيهِمْ بِمَعَاصِي الرَّحْمَنِ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَعَزُّ، وَلَوْ شَاءُوا أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ لأَخَذُوا عَلَى يَدِهِ؛ فَيَرْهَبُوا لَهُ؛ فَيُعَذِّبُهُمُ اللهُ بِهِ" وعن حذيفة قال: قال رسول الله : "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوْنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيَعُمَّكُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُونَهُ ولا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ" وعن أبي سعيد الخدري يذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ اللهَ لَيَسْأَلُ العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذَا رَأَيْتَ مُنْكَراً أَنْ تُنْكِرَهُ؟
فإذَا اللهُ لَقَّنَ عَبْداً حُجَّتَهُ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، وَثِقْتُ بِكَ، وَفَرَقْتُ مِنَ النَّاسِ" وعن أبي هريرة - - قال: اجتمع نفر من أصحاب رسول الله [فقالوا: يا رسول الله]، أرأيت إن قلنا بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف إلا ما عملنا به، وانتهينا عن المنكر حتى لا يبقى، أيسعنا ألا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر؟
فقال: "مُرُوا بالمَعْروفِ، وإنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تُنْهَوُا عَنْهُ".
ولا ينبغي للرجل أن يقول: لست ممن يعمل بالمعروف كله، وينتهي عن المنكر كله، حتى آمر غيري وأنهاه، فإن فعله المعروف واجب عليه، فلا يجب إذا قصر في واجب أن يقصر في غيره.
وقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ .
يحتمل: وجوهاً: يحتمل: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ : أي: صرتم خير أمّة أظهرت للناس؛ بما تدعون الخلق إلى النجاة والخير.
ويحتمل: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ في الكتب السالفة؛ بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.
ويحتمل: تكونون خير أمة إن أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.
ويحتمل: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ : صرتم خير أمّة، وكانوا كذلك هم خير ممن تقدمهم من الأمم؛ بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته، والإشفاق على رسوله، حتى كان أحبّ إليهم من أنفسهم؛ ويرونه أولى بهم، والله الموفق.
ثم اختلف في المعروف والمنكر، قيل: المعروف: كل مستحسن في العقل فهو معروف، وكل مستقبح فيه فهو منكر.
ويحتمل الأمر بالمعروف: هو الأمر بالإيمان، والنهي عن المنكر: هوا لنهي عن الكفر؛ دليله: قوله: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية، يؤمنون هم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، وينهون عن الكفر.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ ﴾ : لأن التفرق هو سبيل الشيطان بقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .
﴿ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ : والبينات: هي الحجج التي أتى بها.
ويحتمل: بيان ما في كتابهم من صفة [رسولنا] محمد ونعته [الشريف].
ويحتمل: تفرقوا عما نهج لهم الله، وأوضح لهم الرسل؛ فأبدعوا لأنفسهم الأديان بالأهواء، فحذرنا ذلك، وعرفنا أن الخير كله في اتباع من جعله الله حجة له، ودليلاً عليه، وداعياً إليه، ولا قوة إلا بالله.
﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : دلّ هذا أن السبيل هو الذي يدعو الشيطان إليها.
وقوله: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ...
﴾ الآية: وصف الله - عز وجل - وجوه أهل الجنة بالبياض؛ لأن البياض هو غاية ما يكون به الصفاء؛ لأن كل الألوان تظهر في البياض، ووصف - عز وجل - وجوه أهل النار بالسواد؛ لأن السواد هو نهاية ما تكون به الظلمة؛ إذ الألوان لا تظهر في السواد فهو شبيه بالظلمة.
وقد يحتمل أن يكون المراد من وصف البياض والسواد - ليس نفس البياض والسواد؛ ولكنّ البياض هو كناية عن شدّة السرور والفرح، والسّواد كناية عن شدة الحزن والأسف؛ كقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ ، ووصف وجوه أهل الجنة بالضحك، وليس على حقيقة الضحك؛ ولكن وصف بغاية السرور والفرح؛ وكذلك وجوه أهل النار وصفها بالغير والقتر؛ وهو وصف بشدة الحزن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أكفرتم بألسنتكم بعدما شهدت خلقتكم بوحدانية الله ؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانيته.
ويحتمل: أي: كفرتم بعدما آمنتم بمحمّد قبل أن يبعث بوجودكم، نعته وصفته في كتابكم وعلى هذا قال بعض أهل التأويل: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ : أي: على استجابة كثير منهم من الأجلّة والكبراء، الذين لا يعرفون بالتعنت في الدّين ولا بالتقليد، [والله أعلم].
ويحتمل قوله: أكفرتم أنتم بعد أن آمن منكم فرق؟!؛ لأن منهم من قد آمن، ومنهم من كفر، فقال لمن كفر: أكفرتم أنتم وقد آمن منكم نفر؟!
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ والله أعلم؛ وكقوله: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ﴾ ؟!
[الصف: 14].
وقيل: أراد بالإيمان - الذي قالوا حين أخرجوا من ظهر آدم.
وفي الآية ردّ قول المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار، وإخراجهم إياهم من الإيمان من غير أن أدخلوهم في الكفر؛ لأنه - عز وجل - لم يجعل إلا فريقين: بياض الوجوه، وسواد الوجوه، فبياض الوجوه هم المؤمنون، وسواد الوجوه هم الكافرون؛ لأنه قال: ﴿ أَكْفَرْتُمْ ﴾ فأصحاب الكبائر لم يكفروا بارتكابهم الكبيرة، ولم يجعل الله - - فرقة ثالثة؛ وهم فرقة ثالثة؛ وكذلك قال - عز وجل -: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ لم يجعل الخلق إلا فريقين، وهم جعلوا فرقاً؛ وكقوله: ﴿ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ﴾ .
فإن قيل: ذكر في الآية الكفر بعد الإيمان، ثم لم يكن فيه منع دخول من لم يكفر بعد الإيمان؛ فامتنع ألا يكون فيه منع دخول صاحب الكبيرة.
فجوابنا ما سبق: أن خلقه كل كافر تشهد على [وحدانية الله ]، لكنهم كفروا بألسنتهم، وذلك كفر بعد الإيمان؛ فلم يجز أن يدخل في الآية من لم يكن كافراً في حكم الكافر، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .
في الظاهر أمر، لكنه في الحقيقة ليس بأمر؛ لأن العذاب لا يذاق، وإنما يذوق هو؛ فكأنه قال: اعلموا أن عليكم العذاب.
وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ...
﴾ \[الآية\]: يحتمل: ﴿ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : حجج الله وبراهنيه.
ويحتمل: ﴿ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : القرآن.
﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : ببيان الحق.
ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : بالدّين، والدين هو الحق، ويحتمل: أن الآيات هي الحق.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: بالأمر بالدعاء إلى الحق.
ويحتمل: الحق الذي لله على عباده، ولبعضهم على بعض.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ : والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان ما في السماوات وما في الأرض كله له، من وصف في الخلق بالظلم إنما وصف؛ لأنه يضع حق بعض في بعض، ويمنع حق بعض؛ فيجعل لغير المحق، فالله يتعالى عن ذلك.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
أي: لا يريد أن يظلمهم، وإن شئت قلت: قلت الإرادة صفة لكل فاعل في الحقيقة؛ فكأنه قال: لا يظلمهم، وكيف يظلم؟!
وإنما يظلم بنفع تسرّه إليه النفس، أو ضرر يدفع به، فالغني بذاته متعال عن ذلك.
وقوله: ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .
أي: إليه يرجع إمر كل أحد، فلا يحتمل الظلم [وجود الظلم منه].
<div class="verse-tafsir"
تلك الآيات المتضمنة وعدَ الله ووعيدَه نقرؤها عليك -أيها النبي- بالصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، وما الله يريد ظلمًا لأي أحد من العالمين، بل لا يعذب أحدًا إلا بما كسبت يده.
من فوائد الآيات متابعة أهل الكتاب في أهوائهم تقود إلى الضلال والبعد عن دين الله تعالى.
الاعتصام بالكتاب والسُّنَة والاستمساك بهديهما أعظم وسيلة للثبات على الحق، والعصمة من الضلال والافتراق.
الافتراق والاختلاف الواقع في هذه الأمة في قضايا الاعتقاد فيه مشابهة لمن سبق من أهل الكتاب.
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن به فلاح الأمة وسبب تميزها.
<div class="verse-tafsir" id="91.8k8D6"
﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ أي بالأمر الثابت الحق الذي لا مجال فيه للشكوك والشبهات، ولا للاحتمالات والتأويلات، فلا عذر لأمتك إذا اتبعت سنن من قبلها فتفرقت في الدين وذهبت فيه مذاهب وصارت شيعًا ﴿ كَلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ ، وبخلاف الآخرين متمسكون، فما أمروا في هذه الآيات بما أمروا به من الاعتصام ووعدوا عليه بالفلاح العظيم، ولا نهوا عما نهوا عنه من التفرق والاختلاف وأوعدوا عليه بالعذاب الأليم إلا ليكونوا أمة واحدة متحدة في الدين متفقة في المقاصد، يعذر بعضهم بعضًا إذا فهم غير ما فهم مع المحافظة على ما لا تختلف فيه الأفهام، كوجوب الاتحاد والاعتصام، وتوحيد الله وتقواه، واجتناب الفواحش والمنكرات ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ﴾ فيما أمرهم به وينهاهم عنه، وإنما يريد به هدايتهم إلى ما تكمل به فطرتهم ويتم به نظام اجتماعهم، فإذا هم فسقوا عن أمره وحل بهم البلاء فإنما يكونون هم الظالمين لأنفسهم بتفرقهم واختلافهم، وكذا بغير ذلك من الذنوب الاجتماعية.
فالكلام في الأمم وعقوبتها، ولا يمكن أن يحل بها بلاء إلا بذنب فشا فيها فزحزحها عن صراط الله الذي بينه في هذه الآيات وغيرها ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ .
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ .
فهو مالك العباد والمتصرف في شؤونهم وإلى سننه الحكيمة ترجع أمورهم ولكل سنة منها غاية تنتهي إليها لا تبديل لها ولا تحويل، فلا يطمع أهل التفرق والخلاف بالوصول إلى غاية أهل الوحدة والاتفاق، فهذه الآية وردت كالدليل على ما قبلها.
ووجه الدلالة فيها على ما جرينا عليه في تفسير ما قبلها ظاهر، فإننا بيّنا أن المراد بالظلم المنفي هو الظلم بالتشريع؛ لأن الكلام في تلك الآيات وما فيها من الأحكام فهو على حد قوله في أحكام الصيام: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ وقوله بعد الأمر بالوضوء والغسل: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾ إلخ.
والأمر ظاهر لا مجال فيه للخلاف وكثرة الآراء لولا المذاهب التي وضعت أصولها وقواعدها ثم نظر أصحابها في القرآن يلتمسون تأييدها به وحمله عليها.
فقد قالت المعتزلة: إن الظلم في الآية جاء نكرة في سياق النفي فهو عام، والمعنى أنه لا يريد الظلم مطلقًا من أفعاله ولا من أفعال عباده، وما لا يريده لا يقع منه حتمًا، وقد ثبت في العقل والنقل أن من أفعال العباد ما هو ظلم، فتعين ان تكون أفعالهم منهم لا منه، ووجهوا الآية الثانية على إثبات هذا.
وقالت الأشعرية: إن وقوع الظلم منه تعالى محال، لأنه عبارة عن تصرف الإنسان في ملك غيره، وليس لغير الله ملك فيكون ظلمًا بتصرفه فيه، ولذلك بيّن بعد نفي إرادة الظلم أن له ما في السماوات والأرض.
فهم يقولون: إنه لو عذب الأتقياء الصالحين وأثاب الفجار المفسدين لم يكن ذلك منه ظلمًا بل عدلًا؛ لأنه تصرف في ملكه.
ونحن نقول -أولًا: إن الآيتين في واد وهذه المسائل الكلامية في واد آخر، وثانيًا: إن الظلم محال عليه تعالى لا لأن الظلم عبارة عن تصرف المتصرف في ملك غيره وأن تصرفه في ملكه لا يمكن أن يكون ظلمًا فإن هذا غير صحيح.
وإنما يستحيل عليه الظلم؛ لأنه ينافي الحكمة والكمال في النظام وفي التشريع، ومن حمَّل عبيده أو دوابه ما لا تطيق يقال: إنه قد ظلمها، بل قالوا فيمن حفر الأرض ولم تكن موضعًا للحفر: إنه ظلمها وسموها الأرض المظلومة وسموا التراب الذي يخرج منها المظلوم، ومن نقص امرأ حقه فقد ظلمه قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ ولعل هذا هو الأصل في معنى الظلم.
وقال الراغب: "الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه" فالظلم الذي ينفيه تعالى عن نفسه في الأحكام هو ما ينافي مصلحة العباد وهدايتهم لسعادة الدنيا والآخرة، وفي الخلق ما ينافي النظام والأحكام.
ومن مباحث اللفظ والنظم في الآيات أنه جعل النشر في آية ﴿ يَوْمَ تَبْيَّضُّ وُجُوهٌ ﴾ إلخ على غير ترتيب اللف إذ ذكر في اللف الابيضاض قبل الاسوداد، وذكر في النشر حكم من اسودت وجوهم قبل حكم من ابيضت وجوههم، وليس اللف والنشر الذي يسمونه المرتب أبلغ مما يسمونه المشوش، وإنما يختلف ذلك باختلاف الكلام فلا يرجح أحدهما على الآخر إلا بمرجح، وقد قيل: إن نكتة الترجيح هنا جعل مطلع الكلام ومقطعه في بيان حال المؤمنين وجزائهم فوافق ذلك استحسان البلغاء جعلهما مما يسر ويشرح الصدر، وقيل: إن نكتة ذلك بيان أن المقصود من الخلق الرحمة دون العذاب؛ وذلك بدأ بذكر أهل الرحمة وختم بذكر جزائهم وأدمج ذكر الآخرين في الأثناء.
والقول الأول ترجيح بحسب اللفظ والثاني ترجيح بحسب المعنى، ومما يقوي هذا أنه تعالى ذكر أن أهل الرحمة خالدون فيها ولم يذكر أن أهل العذاب خالدون فيه.
نبه على هذا المعنى الرازي، وبيّن أنه تعالى أضاف الرحمة إلى نفسه دون العذاب، وذكر علة العذاب وسببه وهو ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ثم ذكر أنه لا يريد ظلمًا للعالمين قال: "وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب".
فيا ويل المتفرقين المختلفين المتعادين في دين الرحمة الذي يأخذ بحجزهم أن يقتحموا في العذاب وهم يتهافتون عليه بجهلهم وسوء اختيارهم.
<div class="verse-tafsir"