الآية ١١ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١١ من سورة آل عمران

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( كدأب آل فرعون ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : كصنيع آل فرعون .

وكذا روي عن عكرمة ، ومجاهد ، وأبي مالك ، والضحاك ، وغير واحد ، ومنهم من يقول : كسنة آل فرعون ، وكفعل آل فرعون وكشبه آل فرعون ، والألفاظ متقاربة .

والدأب - بالتسكين ، والتحريك أيضا كنهر ونهر - : هو الصنع والشأن والحال والأمر والعادة ، كما يقال : لا يزال هذا دأبي ودأبك ، وقال امرؤ القيس : وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون : لا تهلك أسى وتجمل كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل والمعنى : كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها .

والمعنى في الآية : أن الكافرين لا تغني عنهم الأولاد ولا الأموال ، بل يهلكون ويعذبون ، كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاءوا به من آيات الله وحججه .

( [ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم ] والله شديد العقاب ) أي : شديد الأخذ أليم العذاب ، لا يمتنع منه أحد ، ولا يفوته شيء بل هو الفعال لما يريد ، الذي [ قد ] غلب كل شيء وذل له كل شيء ، لا إله غيره ولا رب سواه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا عند حلول عقوبتنا بهم، كسُنَّة آل فرعون وعادتهم = (3) =" وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" من الأمم الذين كذبوا بآياتنا، فأخذناهم بذنوبهم فأهلكناهم حين كذبوا بآياتنا، فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا حين جاءهم بأسنا، (4) كالذين عوجلوا بالعقوبة على تكذيبهم ربَّهم من قبل آل فرعون: من قوم نوح وقوم هود وقوم لوط وأمثالهم.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " كدأب آل فرعون ".

فقال بعضهم: معناه: كسُنَّتهم.

ذكر من قال ذلك: 6659 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " كدأب آل فرعون "، يقول: كسنتهم.

* * * وقال بعضهم: معناه: كعملهم.

ذكر من قال ذلك: 6660 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان = &; 6-224 &; وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان = جميعًا، عن جويبر، عن الضحاك: " كدأب آل فرعون "، قال: كعمل آل فرعون.

6661 - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " كدأب آل فرعون "، قال: كعمل آل فرعون.

6662 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " كدأب آل فرعون "، قال: كفعلهم، كتكذيبهم حين كذّبوا الرسل = وقرأ قول الله: مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ [سورة غافر: 31]، أن يصيبكم مثل الذي أصابهم عليه من عذاب الله.

قال: الدأبُ العمل.

6663 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد في قوله: " كدأب آل فرعون "، قال: كفعل آل فرعون، كشأن آل فرعون.

6664 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: " كدأب آل فرعون "، قال: كصنع آل فرعون.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: كتكذيب آل فرعون.

ذكر من قال ذلك: 6665 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم "، ذكر الذين كفروا وأفعالَ تكذيبهم، كمثل تكذيب الذين من قبلهم في الجحود والتكذيب.

* * * قال أبو جعفر: وأصل " الدأب " من: " دأبت في الأمر دأْبًا "، إذا أدمنت &; 6-225 &; العمل والتعب فيه.

ثم إن العرب نقلت معناه إلى: الشأن، والأمر، والعادة، كما قال امرؤ القيس بن حجر: وَإنَّ شِـــفَائِي عَــبْرَةٌ مُهَرَاقَــة فَهَـلْ عِنْـدَ رَسْـمٍ دَارِسٍ مِـنْ مُعَوَّلِ (5) كَــدَأْبِكَ مِــنْ أُمِّ الْحُـوَيْرِث قَبْلَهَـا وَجَارَتِهَـــا أُمِّ الرَّبَــابِ بِمَأْسَــلِ يعني بقوله: " كدأبك "، كشأنك وأمرك وفعلك.

يقال منه: " هذا دَأبي ودأبك أبدًا ".

يعني به.

فعلي وفعلك، وأمري وأمرك، وشأني وشأنك، يقال منه: " دَأبْتُ دُؤُوبًا ودأْبًا ".

وحكى عن العرب سماعًا: " دأبْتُ دأَبًا "، مثقله محركة الهمزة، كما قيل: " هذا شعَرٌ، ونَهَر "، (6) فتحرك ثانيه لأنه حرفٌ من الحروف الستة، (7) فألحق " الدأب " إذ كان ثانية من الحروف الستة، كما قال الشاعر: (8) لَـهُ نَعَـلٌ لا تَطَّبِـي الكَـلْبَ رِيحُهَـا وَإنْ وُضِعَـتْ بَيْـنَ الْمَجَـالِسِ شُـمَّتِ (9) * * * وأما قوله: " واللهُ شديدُ العقاب "، فإنه يعنى به: والله شديد عقابه لمن كفر به وكذّب رسله بعد قيام الحجة عليه.

_____________________ الهوامش : (3) في المخطوطة: "ودعاتهم" غير منقوطة ، والصواب ما في المطبوعة ، وإنما هو سبق قلم من الناسخ ، وهذا اللفظ هو نص أبي عبيدة في مجاز القرآن 1: 87.

(4) في المطبوعة: "فلن تغني عنهم..." ، وهو مخالف للسياق.

وفي المخطوطة: "فلن تغن عنهم..." وهو سهو من الناسخ ، والصواب ما أثبت.

(5) ديوانه: 125 من معلقته المشهورة ، ثم يأتي في التفسير 12: 136 (بولاق) البيت الثاني.

وهو شعر مشهور خبره ، فاطلبه في موضعه.

(6) في المطبوعة: "بهر" بالباء ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها بالنون.

(7) "الحروف الستة" ، يعني حروف الحلق.

(8) هو كثير عزة.

(9) ديوانه 2: 112 ، الحيوان 1: 266 ، والبيان 3: 109 ، 112 واللسان (نعل).

ورواية اللسان"وسط المجالس" ، أما رواية الديوان فبخلاف هذا ولا شاهد فيها ، كما سترى.

والشعر مما قاله كثير حين بلغه وفاة عبد العزيز بن مروان بمصر ، فرثاه ، فكان مما قال فيه: يَـؤُوبُ أُولُـو الحَاجَـاتِ مِنْـهُ إذَا بَدَا إلَـى طَيِّـبِ الأَثْـوَابِ غَـيْرِ مُـؤَمَّتِ كَـأَنَّ اُبْـنَ لَيْـلَى حِـينَ يَبْدُو فَتَنْجَلِي سُـجُوفُ الخِبَـاءِ عَـنْ مَهِيبٍ مُشَمَّتِ مُقَــارِبُ خَــطْوٍ لا يُغَــيِّر نَعْلَـهُ رَهِيـفَ الشِّـرَاكِ, سَـهْلَةَ المُتَسَـمَّتِ إِذَا طُرِحـتْ لَـمْ تَطَّـبِ الكَلْبَ رِيحُهَا وَإِنْ وُضِعـتْ فـي مَجْلِس القَوْم شُمَّتِ يقول: لا يلبس من النعال إلا المدبوغ الجلد ، فذهبت رائحة الجلد منها ، لأن النعل إذا كانت من جلد غير مدبوغ ، وظفر بها كلب أقبل عليها بريحها فأكلها.

يصفه بأنه من أهل النعمة واليسار والترف.

ثم زادها صفة أخرى بأن جعلها قد كسبت من طيب رائحته طيبًا ، حتى لو وضعت في مجلس قوم ، تلفتوا يتشممون شذاها من طيبها.

وقوله: "يطبى" من: "اطباه" أي: دعاه إليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقابالدأب العادة والشأن .

ودأب الرجل في عمله يدأب دأبا ودؤوبا إذا جد واجتهد ، وأدأبته [ ص: 22 ] أنا .

وأدأب بعيره إذا جهده في السير .

والدائبان الليل والنهار .

قال أبو حاتم : وسمعت يعقوب يذكر " كدأب " بفتح الهمزة ، وقال لي وأنا غليم : على أي شيء يجوز " كدأب " ؟

فقلت له : أظنه من دئب يدأب دأبا .

فقبل ذلك مني وتعجب من جودة تقديري على صغري ; ولا أدري أيقال أم لا .

قال النحاس : " وهذا القول خطأ ، لا يقال ألبتة دئب ; وإنما يقال : دأب يدأب دؤوبا ودأبا ; هكذا حكى النحويون ، منهم الفراء حكاه في كتاب المصادر ; كما قال امرؤ القيس :كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسلفأما الدأب فإنه يجوز ; كما يقال : شعر وشعر ونهر ونهر ; لأن فيه حرفا من " حروف الحلق " .

واختلفوا في الكاف ; فقيل : هي في موضع رفع تقديره دأبهم كدأب آل فرعون ، أي صنيع الكفار معك كصنيع آل فرعون مع موسى .

وزعم الفراء أن المعنى : كفرت العرب ككفر آل فرعون .

قال النحاس : لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا ، لأن " كفروا " داخلة في الصلة .

وقيل : هي متعلقة ب أخذهم الله ، أي أخذهم أخذا كما أخذ آل فرعون .

وقيل : هي متعلقة بقوله لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ; أي لم تغن عنهم كما لم تغن الأموال والأولاد عن آل فرعون .

وهذا جواب لمن تخلف عن الجهاد وقال : شغلتنا أموالنا وأهلونا .

ويصح أن يعمل فيه فعل مقدر من لفظ الوقود ، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق .

ويؤيد هذا المعنى .

.

وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب .

والقول الأول أرجح ، واختاره غير واحد من العلماء .

قال ابن عرفة : كدأب آل فرعون أي كعادة آل فرعون .

يقول : اعتاد هؤلاء الكفرة الإلحاد والإعنات للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما اعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء ; وقال معناه الأزهري .فأما قوله في سورة ( الأنفال ) كدأب آل فرعون فالمعنى جوزي هؤلاء بالقتل والأسر كما جوزي آل فرعون بالغرق والهلاك .قوله تعالى : بآياتنا يحتمل أن يريد الآيات المتلوة ، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية .

فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كما جرى لفرعون ومن قبله ومن بعدهم من الفراعنة العتاة الطغاة أرباب الأموال والجنود لما كذبوا بآيات الله وجحدوا ما جاءت به الرسل وعاندوا، أخذهم الله بذنوبهم عدلا منه لا ظلما والله شديد العقاب على من أتى بأسباب العقاب وهو الكفر والذنوب على اختلاف أنواعها وتعدد مراتبها

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( كدأب آل فرعون ) قال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة ومجاهد : كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب ، وقال عطاء والكسائي وأبو عبيدة : كسنة آل فرعون ، وقال الأخفش : كأمر آل فرعون وشأنهم ، وقال النضر بن شميل : كعادة آل فرعون ، يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسول وجحود الحق كعادة آل فرعون ، ( والذين من قبلهم ) كفار الأمم الماضية؛ مثل عاد وثمود وغيرهم ( كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ) فعاقبهم الله ( بذنوبهم ) وقيل نظم الآية : ( إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ) عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون وكفار الأمم الخالية أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ( والله شديد العقاب ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

دأبُهم «كدأب» كعادة «آل فرعون والذين من قبلهم» من الأمم كعاد وثمود «كذبوا بآياتنا فأخذهم الله» أهلكم «بذنوبهم» والجملة مفسرة لما قبلها «والله شديد العقاب» ونزل لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم اليهودَ بالإسلام بعد مرجعه من بدر فقالوا لا يغرنك أن قتلت نفراً من قريش أغمارا لا يعرفون القتال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

شأن الكافرين في تكذيبهم وما ينزل بهم، شأن آل فرعون والذين من قبلهم من الكافرين، أنكروا آيات الله الواضحة، فعاجلهم بالعقوبة بسبب تكذيبهم وعنادهم.

والله شديد العقاب لمن كفر به وكذَّب رسله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن حال الكافرين بالحق الذي جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم كحال الذين سبقوهم في الجحود والعناد فقال - تعالى - : { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ } .الدأب : أصله الدوام والاستمرار .

يقال : دأب على كذا يداب دأباً ودأباً ودءوباً ، إذا داوم عليه وجد فيه وتعب .

ثم غلب استعماله في الحال والشان والعادة ، لأن من يستمر في عمل أمدا طويلا يصير عادة من عاداته ، وحالا من أحواله فهو من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم .وآل فرعون : هم أعوانه ونصراؤه وأشياعه الذين استحبوا العمى على الهدى واستمروا على النفاق والضلال حتى صار ديدنا لهم .قال الراغب : " والآل مقلوب عن الأهل .

ويصغر على أهيل إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة .

يقال آل فلان ولا يقال آل رجل .

.

.

ولا يقال آل الخياط بل يضاف إلى الأشرف والأفضل ، فيقال آل الله وآل السلطان ، والأهل يضاف إلى الكل فيقال أهل الله وأهل الخياط كما يقال أهل زمن كذا " .والمعنى : حال هؤلاء الكافرين الذين كرهوا الحق الذي جئت به - يا محمد - ولم يؤمنوا بك حالهم في استحقاق العذاب ، كحال آل فرعون والذين من قبلهم من أهل الزيغ والضلال ، كفروا بآيات الله ، وكذبوا بما جاءت به من هدايات فكانت نتيجة ذلك أن أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر حيث أهلكهم بسبب ما ارتكبوه من ذنوب ، والله - تعالى - شديد العقاب لمن كفر بآياته .والجار والمجرور بقوله { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف .

أى شأن هؤلاء في تكذيبك يا محمد كشأن آل فرعون والذين من قبلهم في تكذيبهم لأنبيائهم .والمقصود بآل فرعون أعوانه وبطانته ، لأن الآل يطلق على أشد الناس التصاقا واختصاصا بالمضاف إليه ، والاختصاص هنا في المتابعة ، والتواطؤ على الكفر ، لأنه إذا وجد العناد في التابع فهو في الغالب يكون في المتبوع أشد وأكبر .

ولأنهم هم الذين حرضوه على الشرور والآثام والطغيان فلقد حكى القرآن عنهم ذلك في قوله - تعالى - { وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } وخص القرآن آل فرعون بالذكر من بين الذين سبقوهم في الكفر ، لأن فرعون كان اشد الطغاة طغيانا ، وأكبرهم غرورا وبطرا وأكثرهم استهانة بقومه ، واحتقارا لعقولهم وكيانهم ، ألم يقل لهم - كما حكى القرآن - { أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى } ألم يبلغ به غروره أن يقول لهم : { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } ألم يقل لوزيره : { ياهامان ابن لِي صَرْحاً لعلي أَبْلُغُ الأسباب أَسْبَابَ السماوات فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً .

.

.

}ولقد وصف الله - تعالى - قوم فرعون بهوان الشخصية ، وتفاهة العقل ، والخروج عن كل مكرمة فقال : { فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ } لأن الأمة التي تترك الظالم وبطانته يعيثون في الأرض فسادا لا تستحق الحياة ، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران .وجملة { كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } تفسير لصنيعم الباطل ، ودأبهم على الفساد والضلال .

والمراد بالآيات ما يعم المتلوة في كتب الله - تعالى - والبراهين والمعجزات الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم .وفي إضافتها إلى الله - تعالى - تعظيم لها وتنبيه على قوة دلالتها على الحق والخير وقوله { فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ } بيان لما أصابهم بسبب كفرهم وتكذيبهم للحق ، وفي التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العقوبة ، فهو - سبحانه - قد أخذهم كما يؤخذ الأسير الذى لا يستطيع فكاكا من آسره .والباء للسببية أى أخذهم بسبب ما اجترحوه من ذنوب .

أو الملابسة والمصاحبة .

أى أخذهم وهم متلبسون بذنوبهم دون أن يتوبوا منها أو يقعلوا عنها ، والجمل على الوجهين تدل على كمال عدل الله - تعالى - لأنه ما عاقبهم إلا لأنهم اتسحقوا ذلك .وأصل الذنب : الأخذ بذنب الشيء ، أي بمؤخرته ثم أطلق على الجريمة لأن مرتكبها يعاقب بعدها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يقال: دأبت الشيء أدأب دأبا ودؤبا إذا أجهدت في الشيء وتعبت فيه، قال الله تعالى: ﴿ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا  ﴾ أي بجد واجتهاد ودوام، ويقال: سار فلان يوماً دائباً، إذا أجهد في السير يومه كله، هذا معناه في اللغة، ثم صار الدأب عبارة عن الشأن والأمر والعادة، يقال: هذا دأب فلان أي عادته، وقال بعضهم: الدؤب والدأب الدوام.

إذا عرفت هذا فنقول: في كيفية التشبيه وجوه: الأول: أن يفسر الدأب بالاجتهاد، كما هو معناه في أصل اللغة، وهذا قول الأصم والزجاج، ووجه التشبيه أن دأب الكفار، أي جدهم واجتهادهم في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام، ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم، فكذا نهلك هؤلاء.

الوجه الثاني: أن يفسر الدأب بالشأن والصنع، وفيه وجوه: الأول: ﴿ كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ ﴾ أي شأن هؤلاء وصنعهم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، كشأن آل فرعون في التكذيب بموسى، ولا فرق بين هذا الوجه وبين ما قبله إلا أنا حملنا اللفظ في الوجه الأول على الاجتهاد، وفي هذا الوجه على الصنع والعادة والثاني: أن تقدير الآية: أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، ويجعلهم الله وقود النار كعادته وصنعه في آل فرعون، فإنهم لما كذبوا رسولهم أخذهم بذنوبهم، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل، وتارة إلى المفعول، والمراد هاهنا، كدأب الله في آل فرعون، فإنهم لما كذبوا برسولهم أخذهم بذنوبهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله  ﴾ أي كحبهم الله وقال: ﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا  ﴾ والمعنى: سنتي فيمن أرسلنا قبلك والثالث: قال القفال رحمه الله: يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى، والعادة المضافة إلى الكفار، كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد صلى الله عليه وسلم كعادة من قبلهم في إيذاء رسلهم، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء، كعادتنا في إهلاك أولئك الكفار المتقدمين، والمقصود على جميع التقديرات نصر النبي صلى الله عليه وسلم على إيذاء الكفرة وبشارته بأن الله سينتقم منهم.

الوجه الثالث: في تفسير الدأب والدؤب، وهو اللبث والدوام وطول البقاء في الشيء، وتقدير الآية، وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون، أي دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون.

والوجه الرابع: أن الدأب هو الاجتهاد، كما ذكرناه، ومن لوازم ذلك التعب والمشقة ليكون المعنى ومشقتهم وتعبهم من العذاب كمشقة آل فرعون بالعذاب وتعبهم به، فإنه تعالى بيّن أن عذابهم حصل في غاية القرب، وهو قوله تعالى: ﴿ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً  ﴾ وفي غاية الشدة أيضاً وهو قوله: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب  ﴾ .

الوجه الخامس: أن المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب، فكان التشبيه بآل فرعون حاصلاً في هذين الوجهين، والمعنى: أنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، بل صاروا مضطرين إلى ما نزل بهم فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم في أنه ينزل بكم مثل ما نزل بالقوم تقدم أو تأخر ولا تغني عنكم الأموال والأولاد.

الوجه السادس: يحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك من القتل والسبي وسلب الأموال ويكون قوله تعالى: ﴿ قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ  ﴾ كالدلالة على ذلك فكأنه تعالى بيّن أنه كما نزل بالقوم العذاب المعجل، ثم يصيرون إلى دوام العذاب، فسينزل بمن كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم أمران أحدهما: المحن المعجلة وهي القتل والسبي والإذلال، ثم يكون بعده المصير إلى العذاب الأليم الدائم، وهذان الوجهان الأخيران ذكرهما القاضي رحمه الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ والذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فالمعنى: والذين من قبلهم من مكذبي الرسل، وقوله: ﴿ كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ المراد بالآيات المعجزات ومتى كذبوا بها فقد كذبوا لا محالة بالأنبياء.

ثم قال: ﴿ فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ ﴾ وإنما استعمل فيه الأخذ لأن من ينزل به العقاب يصير كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على التخلص.

ثم قال: ﴿ والله شَدِيدُ العقاب ﴾ وهو ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِّنَ ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ الله ﴾ مثله في قوله: ﴿ وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئاً ﴾ [النجم: 28] والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعة الله ﴿ شَيْئًا ﴾ أي بدل رحمته وطاعته وبدل الحق: ومنه: (ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ) أي لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بذلك، أي بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وفي معناه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى ﴾ [سبأ: 37] وقرئ: ﴿ وقود ﴾ ، بالضم بمعنى أهل وقودها.

والمراد بالذين كفروا من كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير.

الدأب: مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم.

ويجوز أن ينتصب محل الكاف بلن تغني، أو بالوقود.

أي لن تغني عنهم مثل ما لم تغني عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم، تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإنّ فلاناً لمحارف كدأب أبيه، تريد كما حورف أبوه ﴿ كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ تفسير لدأبهم مافعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ هم مشركو مكة ﴿ سَتُغْلَبُونَ ﴾ يعني يوم بدر.

وقيل: هم اليهود.

ولما غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر قالوا: هذا والله النبي الأميّ الذي بشرنا به موسى، وهموا باتباعه.

فقال بعضهم: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد شَكُّوا.

وقيل: جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في سوق بني قينقاع، فقال: «يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل» ، فقالوا لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت.

وقرئ: ﴿ سيغلبون ويحشرون ﴾ ، بالياء، كقوله تعالى: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ ﴾ [الأنفال: 38] على قل لهم قولي لك سيغلبون.

فإن قلت: أي فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟

قلت: معنى القراءة بالتاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم.

فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ، ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه.

كأنه قال: أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ عامٌّ في الكَفَرَةِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ وفْدُ نَجْرانَ، أوِ اليَهُودُ، أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ.

﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ أيْ مِن رَحْمَتِهِ، أوْ طاعَتِهِ عَلى مَعْنى البَدَلِيَّةِ، أوْ مِن عَذابِهِ ﴿ وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ ﴾ حَطَبُها.

وقُرِئَ بِالضَّمِّ بِمَعْنى أهْلُ وقُودِها.

﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ أيْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْ أُولَئِكَ، أوْ تُوقَدَ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِأُولَئِكَ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَرْفُوعُ المَحَلِّ تَقْدِيرُهُ دَأْبُ هَؤُلاءِ كَدَأْبِهِمْ في الكُفْرِ والعَذابِ، وهو مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ إذا كَدَحَ فِيهِ فَنَقَلَ إلى مَعْنى الشَّأْنِ.

﴿ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ عُطِفَ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ.

وقِيلَ اسْتِئْنافٌ.

﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ، أوِ اسْتِئْنافٌ بِتَفْسِيرِ حالِهِمْ، أوْ خَبَرٌ إنِ ابْتَدَأْتَ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.

﴿ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ تَهْوِيلٌ لِلْمُؤاخَذَةِ وزِيادَةُ تَخْوِيفِ الكَفَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كدأب آل فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ} الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله والكاف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء الكفرة في تكذيب الحق كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم أو منصوب المحل بلن تغنى أى لن تغنى عنهم مثل مالم تغن عن أولئك كداب بلا همز حيث كان أبو عمرو {كذبوا بآياتنا} تفسير لدأبهم مما فعلوا أو فعل بهم على أنه جواب سؤال مقدر من حالهم ويجوز أن يكون حالاً أي قد كذبوا {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ} بسبب ذنوبهم يقال أخذته بكذا أى جازيته عليه

آل عمران (١١ _ ١٤)

{والله شَدِيدُ العقاب} شديد عقابه فالإضافة غير محضة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ الدَّأْبُ العادَةُ والشَّأْنُ، وأصْلُهُ مِن دَأبَ في الشَّيْءِ دَأْبًا ودُءُوبًا إذا اِجْتَهَدَ فِيهِ وبالَغَ أيْ حالُ هَؤُلاءِ في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ كَحالِ آلِ فِرْعَوْنَ فالجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُنْفَصِلَةٌ عَمّا قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ اِسْتِئْنافًا بَيانِيًّا بِتَقْدِيرِ ما سَبَبُ هَذا عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ ﴿ تُغْنِيَ ﴾ أيْ إغْناءً كائِنًا كَعَدَمِ إغْناءٍ، أوْ بِوَقُودٍ أيْ تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِأُولَئِكَ ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ أمّا الأوَّلُ: فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ، و(أُولَئِكَ) الخ إذا قُدِّرَتْ مَعْطُوفَةً، فَإنْ قُدِّرَتِ اِسْتِئْنافِيَّةً وهو بَعِيدٌ جازَ.

وأمّا الثّانِي: فَقَدِ اِعْتَرَضَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ الوَقُودَ عَلى المَشْهُورِ الأظْهَرِ فِيهِ اِسْمٌ لِما يُوقَدُ بِهِ وإذا كانَ اِسْمًا فَلا عَمَلَ لَهُ، فَإنْ قِيلَ إنَّهُ مَصْدَرٌ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ صَحَّ لَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ وأُورِدَ عَلَيْهِما مَعًا أنَّهُما خِلافُ الظّاهِرِ لِأنَّ المَذْكُورَ في تَفْسِيرِ الدَّأْبِ إنَّما هو التَّكْذِيبُ والأخْذُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ الإغْناءِ لا سِيَّما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (مَن) بَدَلِيَّةً ولا لِإيقادِ النّارِ، فَلْيُفْهَمْ.

﴿ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وهم كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ فالضَّمِيرُ لِآلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: لِلَّذِينِ كَفَرُوا، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مُعاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، والمُرادُ بِالآياتِ إمّا المَتْلُوَّةُ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى أوِ العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وصِدْقِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلَ بِهِمْ أيْ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَجِدُوا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى مَحِيصًا، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿ كَذَّبُوا ﴾ الخ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ﴿ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ بِإضْمارِ قَدْ، ويَجُوزُ عَلى بُعْدٍ أنْ تَكُونَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ عَنِ (اَلَّذِينَ)، والِالتِفاتُ لِلتَّكَلُّمِ أوَّلًا: في آياتِنا لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإلى الغَيْبَةِ، ثانِيًا: بِإظْهارِ الجَلالَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، ﴿ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِها أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِها غَيْرَ تائِبِينَ، والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ عَلى الأوَّلِ: التَّكْذِيبُ بِالآياتِ المُتَعَدِّدَةِ، وجِيءَ بِالسَّبَبِيَّةِ تَأْكِيدًا لِما تُفِيدُهُ الفاءُ، وعَلى الثّانِي: سائِرُ الذُّنُوبِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ لَهم ذُنُوبًا أُخَرَ، وأصْلُ الذَّنْبِ التِّلْوُ والتّابِعُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الجَرِيمَةِ لِأنَّها يَتْلُو أيْ يَتْبَعُ عِقابُها فاعِلَها ﴿ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ  ﴾ ولِمَن كَفَرَ بِآياتِهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الأخْذِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود ويقال جميع الكفار لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ كثرة أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شيئا يعني من عذاب الله شَيْئاً في الدنيا إذا نزل بهم شدة أو مرض، ولا في الآخرة عند نزول العذاب.

ويقال: كل ما لم ينفق في طاعة الله، فهو حسرة له يوم القيامة.

ويقال: إنما ذكر الأموال والأولاد، لأن أكثر الناس يدخلون النار، لأجل الأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في الآخرة، لكيلا يفني الناس أعمارهم، لأجل المال والولد، وإنما ذكر الله تعالى الكفار، لكي يعتبر بذلك المؤمنون ثم قال تعالى: وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ أي حطب النار.

قرأ بعضهم وُقُودُ النار بضم الواو، يعني إيقاد النار كما قال في آية أخرى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [النساء: 56] قالوا: معناه إذا أرادت النار أن تنطفئ، بدلهم الله جلوداً غيرها لتتقد النار كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ يعني أن صنيع الكفار معك، كصنيع آل فرعون مع موسى.

وقال مقاتل: كأشباه آل فرعون بالتكذيب بالعذاب في الدنيا.

ويقال: إهلاك الله إياهم بالقتل، كإهلاك آل فرعون بالغرق.

ويقال تعاونُهم وتظاهرهم فيما بينهم عليك، كتظاهُر آل فرعون على موسى وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي قبل آل فرعون، مثل قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بدلائلنا وعجائبنا ويقال بكتبي ورسلي كما كذبك قومك يا محمد فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي أهلكهم وعاقبهم بشركهم وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ للكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَحِيتَانُ البَحْرِ وهَوَامُّهُ، وَسِبَاعُ البَرِّ وأَنْعَامُهُ لأنَّ العِلْمَ حَيَاةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ، وَمَصَابِيحُ الأَبْصَارِ مِنَ الظُّلَمِ، يَبْلُغُ العَبْدُ بَالعِلْمِ مَنَازِلَ الأَخْيَارَ، وَالدَّرَجَاتِ العلى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، الفِكْرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامَ، وَمُدَارَسَتُهُ تَعْدِلُ القِيَامَ، بِهِ تُوصَلُ الأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الحَلاَلُ مِنَ الحَرَامِ، هُوَ إِمَامُ العَمَلِ، وَالعَمَلُ تَابِعُهُ، يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ، وَيُحْرَمُهُ الأَشْقِيَاءُ» «١» ، قال أبو عمر: هكذا حدَّثنيه عُبَيْدُ بْنُ محمَّدٍ مرفوعاً بالإِسناد الَّذِي روَيْناه به عنه، وهو حديثٌ حسنٌ جِدًّا، ولكن ليس له إِسناد قويٌّ، وَرَوَيْنَاهُ من طرقٍ شتى موقوفًا على معاذ.

انتهى من كتاب «فَضْل العِلْمِ» «٢» ، قال الشيخُ العارِفُ أبو القاسِمِ عبْدُ الرحمنِ بْنُ يُوسُفَ اللجائي (رحمه اللَّه) ، ومن علامة نورِ العلْمِ، إذا حلَّ بالقلب: المعرفةُ والمراقبةُ والحياءُ والتوبةُ والوَرَعُ والزُّهْد والتوكُّل والصَّبْر والرضى والأنس والمجاهَدَةُ والصَّمْت والخَوْف والرجاءُ والقَنَاعةُ وذِكْرُ المَوْتِ.

اهـ.

وقوله تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: فيه ضميرٌ عائدٌ على كتاب اللَّه مُحْكَمِهِ ومتشَابِهِهِ، والتقديرُ: كلُّه من عنْدِ ربِّنا.

ثم قال تعالى: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ، أي: ما يقول هذا، ويؤمن ويقفُ حيثُ وُقِّفَ، ويدع اتباع المتشابهِ إلاَّ ذُو لُبٍّ، وهو العقْلُ و «أُولُو» : جمع: «ذو» .

وقوله تعالى: رَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا ...

الآية: لمَّا ذكر اللَّه سبحانه أهلَ الزيْغِ، وذكَرَ نقيضهم، وظهر ما بَيْن الحالَتَيْنِ، عقَّب ذلك بأنْ علَّم عباده الدعاء إلَيْه في ألاَّ يكونوا من الطائفَةِ الذميمَةِ الَّتي ذُكِرَتْ، وهم أهلْ الزيْغِ، ويحتمل أنْ يكون هذا من تمام قول الراسخين، وتُزِغْ: معناه: تمل قلوبنا عن الهدى والحقّ، ومِنْ لَدُنْكَ: معناه: من عِنْدِكَ تَفَضُّلاً، لا عن سَبَبٍ منَّا، ولاَ عَمَلٍ، وفي هذا استسلامٌ وتطارُحٌ، والمرادُ: هَبْ لنا نعيماً صادراً عن الرحمة.

وقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ: إِقرار بالبَعْثِ ليومِ القيامة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ في الدَّأْبِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العادَةُ، فَمَعْناهُ: كَعادَةِ آَلِ فِرْعَوْنَ، يُرِيدُ: كُفْرَ اليَهُودِ، كَكُفْرٍ مَن قَبْلَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: و"الكافُ" في "كَدَأْبِ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: كَفَرَتِ اليَهُودُ، كَكُفْرِ آَلِ فِرْعَوْنَ.

والثّانِي: أنَّهُ الِاجْتِهادُ، فَمَعْناهُ: أنَّ دَأْبَ هَؤُلاءِ، وهو اجْتِهادُهم في كُفْرِهِمْ، وتَظاهُرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ  كَتَظاهُرِ آَلِ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النارِ ﴾ ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ واللهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ هِمَمُ الكُفّارِ الَّذِينَ لا يُقِرُّونَ بِبَعْثٍ إنَّما هي عَلى وجْهِ الدَهْرِ وإلى يَوْمِ القِيامَةِ - في زِينَةِ الدُنْيا، وهي المالُ والبَنُونَ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ ذَلِكَ المُتَهَمَّمَ فِيهِ لا يُغْنِي عن صاحِبِهِ شَيْئًا، ولا يَمْنَعُهُ مِن عَذابِ اللهِ وعِقابِهِ.

و"مِنَ" في قَوْلِهِ: "مِنَ اللهِ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، والإشارَةُ بِالآيَةِ إلى مُعاصِرِي النَبِيِّ  ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهِيَ- بَعْدُ- مُتَناوِلَةٌ كُلَّ كافِرٍ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَنْ يُغْنِيَ" بِالياءِ، عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ.

والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ: ما يَحْتَرِقُ في النارِ مِن حَطَبٍ ونَحْوِهِ، وكَذَلِكَ هي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ.

وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ غَيْرُهُما: "وُقُودُ" بِضَمِّ الواوِ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "حَطَبُ وُقُودِ النارِ" والوُقُودُ بِضَمِّ الواوِ: المَصْدَرُ، وقَدَتِ النارُ تَقِدُ إذا اشْتَعَلَتْ.

والدَأْبُ والدَأبُ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها - مَصْدَرُ دَأبَ يَدْأبُ، إذا لازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ ودامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْعادَةِ "دَأْبٌ"، فالمَعْنى في الآيَةِ: تَشْبِيهُ هَؤُلاءِ في لُزُومِهِمُ الكُفْرَ ودَوامِهِمْ عَلَيْهِ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، وآخِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي الوَعِيدَ بِأنْ يُصِيبَ هَؤُلاءِ مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ مِنَ العِقابِ.

والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَدَأْبِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: دَأْبُهم كَدَأْبِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.

قالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ، فالعامِلُ فِيهِ "كَفَرُوا"، ورَدَّ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ بِأنَّ الكافَ خارِجَةٌ مِنَ الصِلَةِ فَلا يُعْمَلُ فِيهِ ما في الصِلَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن لَفْظِ الوَقُودِ ويَكُونَ التَشْبِيهُ في نَفْسِ الِاحْتِراقِ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ  ﴾ ﴿ النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا  ﴾ والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والهاءُ في "قَبْلِهِمْ" عائِدَةٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ  مِنَ الكُفّارِ.

وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ: المَتْلُوَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: العَلاماتِ المَنصُوبَةَ.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الدَأْبِ، وذَلِكَ كُلُّهُ راجِعٌ إلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف كلام ناشيء عن حكاية ما دعا به المؤمنون: من دوام الهداية، وسؤال الرحمة، وانتظار الفوز يوم القيامة، بذكر حال الكافرين في ذلك اليوم، على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة.

وتعقيب دعاء المؤمنين، بذكر حال المشركين، إيماء إلى أنّ دعوتهم استجيبت.

والمراد بالذين كفروا: المشركون، وهذا وصف غالب عليهم في اصطلاح القرآن وقيل: الذين كفروا بنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم أريد هنا قُريظة والنضير وأهلُ نجران؛ ويُرجَّح هذا بأنّهم ذُكِّروا بحال فرعون دون حال عاد وثمود فإنّ اليهودوالنصارى أعلق بأخبار فرعون.

كما أنّ العرب أعلق بأخبار عاد وثمود، وأنّ الردّ على النصارى من أهمّ أغراض هذه السورة.

ويجوز أن يكون المراد جميع الكافرين: من المشركين، وأهل الكتابَيْن، ويكون التذكير بفرعون لأنّ وعيد اليهود في هذه الآية أهم.

ومعنى «تُغني» تُجزِي وتكفي وتدفع، وهو فِعل قاصر يتعدّى إلى المفعول بعن نحو: «ما أغني مَالِيَهْ».

ولدلالة هذا الفعل على الإجزاء والدفع، كان مؤذناً بأنّ هنالك شيئاً يدفع ضُرّه، وتُكفى كلفتُه، فلذلك قَد يذكرون مع هذا الفعل متعلِّقاً ثانياً ويُعَدُّونَ الفعل إليه بحرف (مِن) كما في هذه الآية.

فتكون (مِن) للبدل والعوض على ما ذهب إليه في «الكشاف»، وجعل ابن عطية (من) للابتداء.

وقوله: ﴿ من الله ﴾ أي من أمر يضاف إلى الله؛ لأنّ تعليق هذا الفعل، تعليقاً ثانياً، باسم ذات لايقصد منه إلاّ أخصّ حال اشتهرت به، أو في الغرض المسوق له الكلام فيقدّر معنى اسم مضاف إلى اسم الجلالة.

والتقدير هنا من رحمة الله، أو من طاعته، إذا كانت (مِنْ) للبدل وكَذا قدّره في «الكشاف»، ونظّره بقوله تعالى: ﴿ وإنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً ﴾ [النجم: 28].

وعلى جعل (من) للابتداء كما قال ابن عطية تقدّر من غضب الله، أو من عذابه، أي غناء مبتدِئاً من ذلك: على حدّ قولهم: نَجَّاه من كذا أي فصله منه، ولا يلزم أن تكون (مِن) مَعَ هذا الفعل، إذا عدّي بعَن، مماثلة لمِنْ الواقعة بعد هذا الفعل الذي يُعَدّ بعن، لإمكان اختلاف معنى التعلّق باختلاف مساق الكلام.

والغالب أن يأتوا بعد فعل أغنى بلفظ (شيء) مع ذكر المتعلِّقين كما في الآية، وبدون ذكر متعلِّقين، كما في قول أبي سفيان، يومَ أسْلَمَ: «لقد علمتُ أنْ لَوْ كان معه إله غيرُه لقد أغنى عنّي شيئاً».

وانتصب قوله: ﴿ شيئاً ﴾ على النيابة عن المفعول المطلق أي شيئاً من الغَناء.

وتنكيره للتحقير أي غناء ضعيفاً، بله الغناء المهم، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به لعدم استقامة معنى الفعل في التعدي.

وقد ظهر بهذا كيفية تصرفّ هذا الفعل التصرّفَ العجيب في كلامهم، وانفتح لك ما انغلق من عبارة الكشّاف، وما دونها، في معنى هذا التركيب.

وقد مرّ الكلام على وقوع لفظ شيء عند قوله: ﴿ ولنبلونَّكم بشيء من الخوف ﴾ [البقرة: 155].

وإنّما خصّ الأموال والأولاد من بين أعلاق الذين كفروا؛ لأنّ الغناءَ يكون بالفداء بالمال، كدفع الديات والغرامات، ويكون بالنصر والقتال، وأوْلى مَن يدافع عن الرجل، من عشيرته، أبناؤه، وعن القبيلة أبناؤُها.

قال قيس بن الخطيم: ثَأرْتُ عَدِيَّا والخَطِيمَ ولَمْ أضعْ *** وَلاَيَة أشْيَاخخٍ جُعِلْتُ إزَاءَها والأموال المكاسب التي تقتات وتدخّرُ ويتعاوض بها، وهي جمع مال، وغلب اسم المال في كلام جلِّ العرب على الإبل قال زهير: صَحيحاتتِ ماللٍ طَالعات بمخرم *** وغلب في كلام أهل الزرع والحرث على الجنّات والحوائط وفي الحديث «كان أبو طلحة أكثرَ أنصاري بالمدينة مالاً وكان أحَبُّ أمواله إليه بئر حاء»، ويطلق المال غالباً على الدراهم والدنانير كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم للعباس «أيْن المال الذي عند أم الفضل.» والظاهر أنّ هذا وعيد بعذاب الدنيا؛ لأنّه شُبِّه بأنّه ﴿ كدأب ءال فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ وشأنُ المشبّه به أن يكون معلوماً؛ ولأنّه عطف عليه عذاب الآخرة في قوله: ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ .

وجيء بالإشارة في قوله: ﴿ وأولئك ﴾ لاستحضارهم كأنّهم بحيث يشار إليهم، وللتنبيه على أنّهم أحرياء بما سيأتي من الخَبر وهو قوله: ﴿ هم وقود النار ﴾ .

وعطفت هذه الجملة، ولم تفصل، لأنّ المراد من التي قبلهالا وعيد في الدنيا وهذه في وعيد الآخرة بقرينة قوله، في الآية التي بعد هذه: ﴿ ستُغْلبون وتحشرون إلى جهنّم وبئس المهاد ﴾ [آل عمران: 12].

والوَقود بفتح الواو ما يوقد به كالوَضوء، وقد تقدّم نظيره في قوله: ﴿ التي وقودها الناس والحجارة ﴾ في سورة البقرة.

وقوله: ﴿ كدأب ءال فرعون ﴾ موقع كاف التشبيه موقع خبرٍ لمبتدأ محذوف يدل عليه المشبّه به، والتقدير: دأبُهم في ذلك كدأب آل فرعون، أي عادتهم وشأنهم كشأن آل فرعون.

والدأب: أصله الكَدْح في العمل وتكريره، وكأنّ أصل فعله متعدَ، ولذلك جاء مصدره على فَعْل، ثم أطلق على العادة لأنّها تأتي من كثرة العمل، فصار حقيقة شائعة قال النابغة: كدأبِك في قوممٍ أرَاكَ اصطنعتَهُم *** أي عادتك، ثم استعمل بمعنى الشَّأن كقول امرئ القيس: كدأبك من أم الحُويرث قبلَها *** وهو المراد هنا، في قوله: ﴿ كدأب ءال فرعون ﴾ ، والمعنى: شأنهم في ذلك كشأن آل فرعون؛ إذ ليس في ذلك عادة متكرّرة، وقد ضرب الله لهم هذا المثل عبرة وموعظة؛ لأنّهم إذا استقْرَوْا الأمم التي أصابها العذاب، وجدوا جميعهم قد تماثلوا في الكفر: بالله، وبرسله، وبآياته، وكفَى بهذا الاستقراء موعظة لأمثال مشركي العرب، وقد تعيّن أن يكون المشبّه به هو وعيد الاستئصال والعذاب في الدنيا؛ إذ الأصل أنّ حال المشبّه، أظهر من حال المشبّه به عند السامع.

وعليه فالأخذ في قوله: ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ هو أخذ الانتقام في الدنيا كقوله: ﴿ أخذناهم بغتة فإذا هم مُبلسون فقطع دابر القوم الذي ظلموا ﴾ [الأنعام: 44، 45].

وأريد بآل فرعون فرعون وآلهُ؛ لأنّ الآل يطلق على أشدّ الناس اختصاصاً بالمضاف إليه، والاختصاص هنا اختصاص في المتابعةِ والتواطؤ على الكفر، كقوله: ﴿ أدْخِلُوا ءال فرعون أشدّ العذاب ﴾ [غافر: 46] فلذكر الآل هنا من الخصوصية ما ليس لذكر القوم؛ إذ قوم الرجل قد يخالفون، فلا يدل الحكم المتعلّق بهم على أنّه مساوٍ لهم في الحكم، قال تعالى: ﴿ ألا بعداً لعاد قوم هود ﴾ [هود: 60] في كثير من الآيات نظائرها، وقال: ﴿ أن ائْتتِ القومَ الظالمين قومَ فرعون ﴾ [الشعراء: 10، 11].

وقوله: «كذبوا» بيان لدأبهم، استئناف بياني.

وتخصيص آل فرعون بالذكر من بين بقية الأمم لأنّ هلكهم معلوم عند أهل الكتاب، بخلاف هلك عاد وثمود فهو عند العرب أشهر؛ ولأنّ تحدّي موسى إياهم كان بآيات عظيمة فما أغنتهم شيئاً تُجاه ضلالهم؛ ولأنّهم كانوا أقرب الأمم عهداً بزمان النبي صلى الله عليه وسلم فهو كقول شعيب: ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ [هود: 89] وكقول الله تعالى للمشركين: ﴿ وإنّها لبسبيل مقيم ﴾ [الحجر: 76] وقوله: ﴿ وإنّهما لبإمام مبين ﴾ [الحجر: 79] وقوله: ﴿ وإنّكم لَتَمُرُّون عليهم مُصبحين وبالليللِ أفلا تعقلون ﴾ [الصافات: 137، 138].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الدَّأْبَ: العادَةُ، (أيْ) كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.

والثّانِي: أنَّ الدَّأْبَ هُنا الِاجْتِهادُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: دَأبْتُ في الأمْرِ، إذا اجْتَهَدْتَ فِيهِ.

فَإذا قِيلَ: إنَّهُ العادَةُ فَفِيما أشارَ إلَيْهِ مِن عادَتِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَعادَتِهِمْ في التَّكْذِيبِ بِالحَقِّ.

والثّانِي: كَعادَتِهِمْ مِن عِقابِهِمْ عَلى ذُنُوبِهِمْ.

وَإذا قِيلَ: إنَّهُ الِاجْتِهادُ، احْتَمَلَ ما أشارَ إلَيْهِ مِنِ اجْتِهادِهِمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كاجْتِهادِهِمْ في نُصْرَةِ الكُفْرِ عَلى الإيمانِ.

والثّانِي: كاجْتِهادِهِمْ في الجُحُودِ والبُهْتانِ.

وَفِيمَن أشارَ إلَيْهِمْ أنَّهم كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، كانُوا في انْتِقامِ اللَّهِ مِنهم لِرُسُلِهِ والمُؤْمِنِينَ، كَآلِ فِرْعَوْنَ في انْتِقامِهِ مِنهم لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ، فَيَكُونُ هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَذْكِيرًا لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِنِعْمَةٍ سَبَقَتْ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ اسْتِدْعاءً لِشُكْرِهِمْ عَلَيْها، وعَلى القَوْلِ الثّانِي وعْدًا بِنِعْمَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ لِأنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ قَتْلِ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ، فَحَقَّقَ وعْدَهُ وجَعَلَهُ مُعْجِزًا لِرَسُولِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ قال: كصنيع آل فرعون.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ قال: كفعل.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يقول: كسنَّتهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .

الآية.

يقال: (دَأبتُ، أَدْأَبُ، دَأبًا) (١) (٢) قال الفراء (٣) (٤) (٥) كـ (النَعْلِ)، و (الصَخْرِ)، و (النَهْرِ)، و (الشأْمِ) (٦) قد سار شرقِيّهُمْ حتى أتى سبأَ ...

وانساحَ غربِيُّهُمْ حتى هو الشأَمُ (٧) ويقال: (سار فلان يومًا دائِبًا): إذا اجتهد في السير يومه كله.

هذا معناه في اللغة.

ثم يصير الدأْب عبارة عن: الحال، والشأن، والأمر، والعادة؛ لاشتمال العمل والجهد على هذا كله (٨) واختلفوا في معنى الكاف في قوله: ﴿ كَدَأْبِ ﴾ : فقال ابن عباس، وعكرمة (٩) (١٠) يريد: إن اليهود كفرت بمحمد  كعادة آل فرعون مع فرعون، عرفوا كَذِبَهُ وصِدْقَ موسى، وكذلك كفار الأمم الخالية.

وعلى هذا التقدير: دأبهم في الكفر، كدأب آل فرعون، فيكون الكافُ في موضع رفعٍ بخبر الابتداء (١١) و (الدأب) على هذا التفسير والتقدير إن شِئت قلت: معناه: الأمر والشأن.

وهو قول الأخفش (١٢) (١٣) (١٤) وأما الزجَّاج، فإنه أجرى (الدأب) على ما هو موضوع عليه في اللغة، فقال (١٥) (١٦)  ، كتظاهر آل فرعون على موسى  .

قال ابنُ الأنباري (١٧) (١٨) (١٩) كَدَأبِك من أُمِّ الحْوَيْرِث ....

البيت (٢٠) أي لَقِيتَ من هذه المنازل، كما لَقِيتَ من هاتين المرأتين (٢١) وقال بعض أهل المعاني (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وعلى هذا القول: شُبِّه حال كفار اليهود بحال آل فرعون في العقوبة، وقلة غناء أسوالهم عنهم، وفي القول الأول: التشبيه وقع بين الحالتين في الكفر والتكذيب.

قال النحويون: ولا يجوز أن تكون الكاف من صلة (كفروا) في قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لما وقع بينهما من الفصل بخبر (إنَّ) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ .

قال بعض أهل اللغة: معنى الذَّنْب: التُّلُوُّ للشيء.

(ذنَبَه، يذْنِبهُ، ذنْبًا): إذا تلاه.

و (الذَّنُوبُ): الدَّلْو؛ لأنها تالية للحبل في الجذب، وأصله من (الذَّنَبِ)؛ لأنه تالٍ لصاحبه (٢٧) فالذَّنْب: الجُرْم (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ .

إنما سُمِّي عقابًا؛ لأنه يعقب الذنب.

(١) في (ب): (داءبًا).

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 380، "تهذيب اللغة" 2/ 1127 (دأب).

(٣) قوله بمعناه في "معاني القرآن" له: 2/ 47.

وورد بمعناه في "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 313، ونسبه لكتاب (المصادر) للفراء.

وأورده السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 40.

(٤) في (أ): (تَثَقَّلُ).

ولم تضبط بالشكل في بقية النسخ، وصوبته من: "الدر المصون" 3/ 40.

(٥) حروف الحلق هي: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 46 - 47، "الممتع في التصريف" 2/ 668 - 669، "التمهيد" لابن الجزري ص 83.وقد قال الفراء في "معاني القرآن" 2/ 47 عند قوله تعالى: (دأبا) آية: 47 من سورة يوسف بعد ذكر القراءتين فيها، بتسكين الهمزة وفتحها: (وكذلك كل حرف فُتِح أوله، وسُكِّن ثانيه، فتثقيله جائز إذا كان ثانيه همزةً أو عينًا أو غينًا أو حاءً أو خاءً أو هاءً).

وانظر: "تفسير الطبري" 3/ 191، "البيان" لأبي البركات الأنباري: 2/ 42.

(٦) في (ب)، (أ): (والشام) في (ج): (والسام).

وقصد المؤلف هنا أن هذه الكلمات تُنطق بتسكين الحرف الثاني، أو بفتحه.

(٧) لم أهتد إلى قائله، وقد نقله السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 40 عن "البسيط" للواحدي بالرواية التالية: قد سار شرقيهم حتى أتى سبأ ...

وانساح غربيهم حتى هوى الشأما.

(٨) انظر: "مجمل اللغة" 2/ 342، "اللسان" 3/ 1310.

(٩) تقدمت ترجمته.

(١٠) انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 3/ 690، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 603، "تفسير ابن كثير" 1/ 375.

(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج 1/ 380.

(١٢) في "معاني القرآن" له 1/ 194.

(١٣) لم أهتد إلى مصدر قوله.

(١٤) في "الكامل" له 1/ 376.

(١٥) في "معاني القرآن" له: 1/ 380.

نقله المؤلف عنه بتصرف يسير.

(١٦) (أي): ساقطة من: (ج).

(١٧) لم أقف على مصدر قوله.

(١٨) في (د): (تفعل).

(١٩) (به): ساقطة من: (ج).

(٢٠) البيت من معلقته، وهو في: "ديوانه": ص 111.

وروايته في "الديوان": كَدِينك من أمِّ الحوَيْرِثِ قَبْلَها ...

وجارَتِها أُمِّ الرَّباب بِمَأسَلِ وورد كذلك في "تفسير الطبري" 3/ 191، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 27، "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 569، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 314، "الأمالي" للقالي 2/ 295، "المنصف" لابن جني 1/ 150، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 10، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 10، "خزانة الأدب" 3/ 223.

والدأب في البيت: العادة.

وكذا قوله: (كدينك) أي: كعادتك.

و (أم الحويرث) هي: أخت الحارث الكلبي، وهي امرأة أبي الشاعر، كما صَوَّبَ ذلك البغداديُّ في "خزانة الأدب" وقيل: هي أم الحارث الكلبي.

و (أم الرَّبَاب): امرأةٌ من بني كلب أيضًا، و (مَأسِل): إسم جبل.

(٢١) أي: لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك أهلها، كما لقيت من أم الحويرث وجارتها.

وقيل: أصابك من التعب من هذه المرأة، كما أصابك من هاتين المرأتين أي: أصبحت عادتك في حب هذه، كعادتك من تَيْنك في قلة حظك من وصالهما ومعاناتك الوجْد بهما.

(٢٢) ممن قال بذلك النحاس في "معاني القرآن" 1/ 359.

(٢٣) زيادة من: (ج)، (د).

(٢٤) في (ب): (طول).

(٢٥) من قوله: (عند حلول) إلى (أولدهم): ساقطة من: (ج)، (د).

(٢٦) ممن قال: إن الكاف متعلقة بـ ﴿ كَفَرُوا ﴾ الفرَّاء.

وممن أنكر هذا الوجه الزجَّاج، والنَّحاس.

انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج 1/ 380، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 313.

وتعليل رأييِهما أن الخبر قد تم بقوله (لن تغني ..) فانقطع تعلق الفعل بالكاف، ولا يُعطَف على صلة الموصول بعد تمام الجملة.

وانظر: "البيان" لأبي البركات الأنباري 1/ 192، "التبيان" للعكبري 1/ 177.

"الكشاف" 1/ 414، "المحرر الوجيز" 3/ 32، "البحر المحيط" 1/ 389 وقد ذكر عشرة أقوال في إعراب الكاف.

(٢٧) انظر: (ذنب) في "تهذيب اللغة" 2/ 1295، "اللسان" (ذنب) 3/ 1520.

(٢٨) في (ج): (والحرم).

(٢٩) في (ج)، (د): (الدم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَدَأْبِ ﴾ في موضع رفع أي دأب هؤلاء كدأب ﴿ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ وفي ذلك تهديد ﴿ والذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ عطف على آل فرعون، ويعني بهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، والضمير عائد على آل فرعون ﴿ بآياتنا ﴾ البراهين أو الكتاب ﴿ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ ﴾ قرئ بتاء الخطاب ليهود المدينة، وقيل لكفار قريش، وقرئ بالياء إخباراً عن يهود المدينة، وقيل: عن قريش وهو صادق على كل قول، أما اليهود فغلبوا يوم قريظة والنضير وقينقاع، وأما قريش ففي بدر وغيرها.

والأشهر أنها في بني قينقاع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام بعد غزوة بدر، فقالوا له: لا يغرنك أنك قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال فلو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، فنزلت الآية: ثم أخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آلم الله ﴾ مقطوعة الألف والميم ساكنة: يزيد والمفضل والأعشى والبرجمي الباقون موصولاً بفتح الميم.

﴿ التوراة ﴾ ممالة حيث كان: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف والنجاري عن ورش، والخزاز عن هبيرة، وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ كدأب ﴾ حيث كان بغير همزة: أبو عمرو وغيره شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش والخزاز عن هبيرة وحمزة عن الوقف.

الوقوف: ﴿ آلم ﴾ ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون.

﴿ إلا هو ﴾ ج ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ والإنجيل ﴾ ط ﴿ الفرقان ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه، ﴿ في السماء ﴾ ط ﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه، ﴿ متشابهات ﴾ ط لاستئناف تفصيل ﴿ وابتغاء / تأويله ﴾ ج لأن الواو تصلح استئنافاً والحال أليق ﴿ إلا الله ﴾ م عند أهل السنة لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتاً وفعلاً من الأحكام التي يدخلها القياس والتأويل وجعل المحكمات الأصول النصوص المجمع عليها فعطف قوله ﴿ والراسخون ﴾ على اسم الله وجعل ﴿ يقولون ﴾ حالاً لهم ساغ له أن لا يقف على ﴿ إلا الله ﴾ .

﴿ آمنا به ﴾ (لا) لأن قوله ﴿ كل من عند ربنا ﴾ من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان.

﴿ من عند ربنا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ رحمة ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال لام التعليل أو فاء التعقيب للتسبب ﴿ الوهاب ﴾ ه، ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه، ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه ﴿ فرعون ﴾ (لا) للعطف، ﴿ من قبلهم ﴾ ط، ﴿ بآياتنا ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.

التفسير: أما قراءة عاصم فلها وجهان: الأول نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء.

الثاني أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل.

وأما من فتح الميم ففيه قولان: أحدهما قول الفراء واختيار كثير من البصريين وصاحب الكشاف أن أسماء الحروفموقوفة الأواخر تقول: ألف، لام، ميم كما تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، وعلى هذا وجب الابتداء بقوله ﴿ الله ﴾ فإذا ابتدأنا به تثبت الهمزة متحركة إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف وألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها، فكأن الهمزة ساقطة بصورتها باقية بمعناها.

وثانيهما قول سيبويه وهو أنه لما وصل ﴿ الله ﴾ بـ ﴿ آلم ﴾ التقى ساكنان بل سواكن ضرورة سقوط الهمزة في الدرج، فوجب تحريك الأول أعني الوسطاني منها وهو الميم وكان الأصل هو الكسر إلا أنهم فتحوا الميم محافظة على التفخيم.

فالفتحة على هذا القول ليست هي المنقولة من همزة الوصل فلا يردعليه ما يرد على القول الأول من أن الهمزة حيث لا وجود لها في الوصل أصلاً فكيف تنقل حركتها.

قال الواحدي: نقل المفسرون أنه "قدم على رسول الله  وفد نجران ستون راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم أميرهم واسمه عبد المسيح والثاني مشيرهم ووزيرهم، وكانوا يقولون له السيد واسمه الأيهم، والثالث حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل.

وكان ملوك الروم شرفوه وموّلوه فأكرموه لما بلغهم عنه عن علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من نجران ركب أبو حارثة بغلته وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة فبينما بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله  .

فقال أبو حارثة: بل تعست / أمك.

فقال: ولم يا أخي؟

فقال: إنه والله النبي  الذي ننتظره.

فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟

قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالاً كثيرة وأكرمونا.

فلو آمنا بمحمد لأخذوا منا كل هذه الأشياء.

فوقع ذلك في قلب أخيه كرز وكان يضمره إلى أن أسلم، وكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة - الأمير والسيد والحبر - مع رسول الله  على اختلاف من أديانهم.

فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة ابن الله، وتارة ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله  : فعلنا وفعلنا ولو كان واحداً لقال فعلت.

وقد حان وقت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله  فقال رسول الله  : دعوهم.

فصلوا إلى المشرق، فقال لهم رسول الله  : أسلموا فقالوا: قد أسلمنا قبلك.

فقال  : كذبتم.

كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولداً، وتعبدون الصليب وتأكلون الخنزير؟

قالوا: فمن أبوه؟

فسكت رسول الله  فأنزل الله  في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها آية المباهلة.

ثم أخذ رسول الله  يناظر معهم فقال: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أنه حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟

فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟

قالوا: لا.

قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم؟

قالوا: لا.

قال: فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟

قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث، وتعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة وغذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟

قالوا: بلى.

فقال  : فكيف يكون هو كما زعمتم؟

فعرفوا ثم أبوا إلا حجوداً ثم قالوا: يا محمد، ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟

قال: بلى، قالوا: فحسبنا.

ففي ذلك نزل ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ الآية" .

وتمام القصة سيجيء في آية المباهلة إن شاء الله  .

واعلم أن مطلع هذه السورة له نظم عجيب ونسق أنيق.

وذلك أن أولئك النصارى كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في شأن الإله أو في أمر النبوة.

أما الأول فالحق فيه معه لأنه  حيّ قيوم كما مر في تفسير آية الكرسي، وأن عيسى ليس كذلك لأنه ولد وكان يأكل ويشرب / ويحدث.

والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه.

وهذه الكلمة أعني قوله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ جامعة لجيمع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى بالتثليث.

وأما الثاني فقوله ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ كالدعوى.

وقوله ﴿ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل ﴾ كالدليل عليها.

وتقريره أنكم وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان لأنه  قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين.

ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلاً من عند الله كما قام في الكتابين.

وإذا كان الطريق مشتركاً فالواجب تصديق الكل كالمسلمين.

أما قبول البعض ورد البعض فجهل وتقليد، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ختم بالتهديد والوعيد فقال ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ﴾ وإنما خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجماً، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه، وأنهما نزلا جملة.

وأما قوله ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب  ﴾ فالمراد هناك نزوله مطلقاً من غير اعتبار التنجيم.

قال أبو مسلم: قوله ﴿ بالحق ﴾ أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم، و أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل، وأنه قول فصل وليس بالهزل.

وقال الأصم: أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، ولبعضهم على بعض من سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات.

وقيل: مصوناً من المعاني الفاسدة المتناقضة كقوله ﴿ ولم يجعل له عوجاً قيماً  ﴾ ﴿ لوجدوا فيه اختلافا كثيراً  ﴾ وفي قوله ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ إنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب المتقدمة، لأن من هو على مثل حاله من كونه أمياً لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفترياً استحال أن يسلم من التحريف والجزاف.

وفيه أنه  لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان.

فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟

فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقاً في معنى التقدم، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده.

فإن قلت: كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها؟

قلنا: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، وكان القرآن مصدقاً لها.

فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف.

والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية.

فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء: التوراة معناها الضياء والنور من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت / النار.

قال: وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفاً.

أو تورية بكسر الراء "تفعلة" مثل "توفية" إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم يقولون في بادية "باداة".

وزعم الخليل والبصريون أن أصلها "وورية" "فوعلة" كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث.

وأما الإنجيل فالزجاج: إفعيل من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين.

وقيل: من نجلت الشيء استخرجته أي إنه  أظهر الحق بسببه.

أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه.

ومعنى قوله ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل أن ينزل القرآن.

و ﴿ هدى للناس ﴾ إما أن يكون عائداً إلى الكتابين فقط فيكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى.

وإنما لم يوصف القرآن بأنه هدى مع أنه قال في أول البقرة ﴿ هدى للمتقين  ﴾ لأن المناظرة ههنا مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، فذكر أنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه، وأما الكتابان فهم قائلون بصحتهما فخصهما بالهداية لذلك، وإما أن يكون راجعاً إلى الكتب الثلاثة وهو قول الأكثرين.

﴿ وأنزل الفرقان ﴾ قيل: أي جنس الكتب السماوية لأنها كلها تفرق بين الحق والباطل.

وقيل: أي الكتب التي ذكرها كأنه وصفها بوصف آخر فيكون كما قال: الى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم وقيل: أي الكتاب الرابع وهو الزبور، وزيف بأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام وإنما هو مواعظ، ويحتمل أن يجاب بأن غاية المواعظ هي التزام الأحكام المعلومة فيؤل إلى ذلك.

وقيل: كرر ذكر القرآن بما هو مدح له ونعت بعد ذكره باسم الجنس تفخيماً لشأنه وإظهاراً لفضله.

وفي التفسير الكبير: إنه  لما ذكر الكتب الثلاثة بيّن أنه أنزل معها ما هو الفرقان الحق وهو المعجز الباهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين كلام المخلوقين.

ثم إنه  بعد ذكر الإلهيات والنبوات زجراً لمعرضين عن هذه الدلائل وهم أولئك النصارى أو كل من أعرض عن دلائله فإن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فقال ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ من كتبه المنزلة وغيرها من دلائله ﴿ لهم عذاب شديد والله عزيز ﴾ لا يغالب إذ لا حد لقدرته ﴿ ذو انتقام ﴾ عقاب شديد لا يقدر على مثله منتقم.

فالتنكير للتعظيم.

وانتقمت منه إذا كافأته عقوبة بما صنع.

فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو انتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب.

فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل.

قوله  ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ لما ذكر أنه حيّ قيوم والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق، وكونه كذلك يتوقف على مجموع أمرين: أن يكون عالماً بكميات / حاجاتهم وكيفياتها وكلياتها وجزئياتها، ثم أن يكون قادراً على ترتيبها.

والأول لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات أشار إلى ذلك بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ والثاني لا يتأتى إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات فأشار إليه بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ ثم فيه لطيفة أخرى وهي أنه لما ادعى كمال عمله بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ والطريق إلى إثبات كونه  عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه  عالماً بجميع المعلومات، بل الطريق إلى ذلك ليس إلا الدليل العقلي فلا جرم قال ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ﴾ ظلمات ﴿ ٱلأَرْحَامِ ﴾ بهذه البنية العجيبة والتركيب الغريب من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، بعضها عظام، وبعضها أوردة، وبعضها شرايين، وبعضها عضلات.

ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن والتأليف الأكمل، وذلك يدل على كمال علمه لأن التركيب المحكم المتقن لا يصدر إلا عن العالم بتفاصيله.

ثم إنه  لما كان قيوماً بمصالح الخلق ومصالحهم قسمان: جسمانية وأشرفها تعديل المزاج وأشار إليها بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ وروحانية وأشرفها إلى العلم فلا جرم أشار إلى ذلك بقوله ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ .

ويحتمل أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها.

وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى وعولوا في ذلك على نوعين من الشبهة: أحدهما يتعلق بالعلم وهو أن عيسى  كان يخبر عن الغيوب وذلك قوله  : ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم  ﴾ والثاني يتعلق بالقدرة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وليس للنصارى شبهة غير هاتين.

فأزال شبهتهم الأولى بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء ﴾ فمن المعلوم بالضرورة من أحوال عيسى أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات.

فعدم إحاطته بجميع الأشياء فيه دلالة قاطعة على أنه ليس بإله، ولكن إحاطته ببعض المغيبات لا تدل على كونه إلهاً لاحتمال أنه علم ذلك بالوحي أو الإلهام.

وأزال شبهتهم الثانية بقوله ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ وذلك أن الإله هو الذي يقدر على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب، ومعلوم أن عيسى لم يكن قادراً على الإحياء والإماتة بهذا الوجه.

كيف ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه.

فإماتة بعض الأشخاص أو إحياؤه لا يدل على الإلهية لجواز كونه بإظهار الله  المعجزة على يده، والعجز على إماتة البعض أو إحيائه يدل على عدم الإلهية قطعاً، وأما الإحياء والإماتة لجميع الحيوانات فيدل على الإلهية قطعاً.

ثم إنّهم عدلوا عن المقدمات المشاهدية إلى مقدمات إلزامية وهو أنكم أيها المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر فيكون ابناً لله.

والجواب عنه بقوله / أيضاً ﴿ هو الذي يصوركم ﴾ لأن هذا التصوير لما كان منه صفة فإن شاء صوره من نطفة الأب، وإن شاء صوره ابتداء من غير أب.

وأيضاً قالوا للرسول  : ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروحه؟

وهذا يدل على أنه ابن لله.

فأجاب الله  عنه بأن هذا إلزام لفظي، محتمل للحقيقة والمجاز.

وإذا ورد اللفظ بحيث يخالف الدليل العقلي كان من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل، أو تفويضه إلى علم الله وذلك قوله ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ الآية.

فظهر أنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة إلا وقد اشتملت هذه الآيات على دفعها والجواب عنها، فإن قيل: ما الفائدة في قوله ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ مع أنه لو أطلق كان أبلغ؟

قلت: الغرض تفهيم العباد كمال علمه وذلك عند ذكر السموات والأرض أقوى لعظمتهما في الحس، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، وهذه فائدة ضرب الأمثلة في العلوم.

قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه، وأصله من صاره إذا أماله.

وذلك أن الصورة مائلة إلى شكل أبويه.

والأرحام جمع الرحم، والتركيب يدل على الرقة والعطف كما سلف.

وقيل: سمي رحماً لاشتراك الرحم فيما بوجب الرحمة والعطف.

وقرىء ﴿ تصوركم ﴾ أي صوركم لنفسه ولتعبده.

و"كيف" في موضع الحال أي على أي حال أراد طويلاً أو قصيراً، أسود أو أبيض، حسناً أو قبيحاً إلى غير ذلك من الأحوال المختلفة.

ثم إنه  لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد رداً على النصارى القائلين بالتثليث فقال ﴿ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إلى كمال العلم.

وفيه رد على من زعم إلهية عيسى فإن العلم ببعض الغيوب وإحياء بعض الأشخاص لا يكفي في كونه إلهاً.

ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: القرآن دل على أنه بكليته محكم وذلك قوله: ﴿ الر كتاب أحكمت آياته  ﴾ ﴿ الر تلك آيات الكتاب الحكيم  ﴾ والمراد كون كله كلاماً ملحقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وأنه بحيث لا يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانية وبلاغة معانيه.

ودل على أنه بتمامه متشابه ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ والمراد أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإعجاز والبراءة من التناقض والتناقض.

ثم إن هذه الآية ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه.

فيعني ههنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر، وبالمتشابه القدر المشترك بين المجمل والمؤول كما تقرر في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا الكتاب.

والإحكام في اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه.

/ فالحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب، وفي حديث النخعي "حكم اليتيم كما تحكم ولدك" أي امنعه من الفساد.

وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي وأما التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما.

ثم يقال لكل ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، ولقول خصمه متشابهة.

فالمعتزلي يقول: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  ﴾ محكم ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله  ﴾ متشابه.

والسني يقلب الأمر في ذلك.

وكذا المعتزلي يقول: ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ محكم وقوله ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ متشابه.

والسني بالعكس.

فلا بد من قانون يرجع إليه فنقول: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل.

وهو إما لفظي أو عقلي.

والدليل اللفظي لا يكون قاطعاً ألبتة لتوقفه على نقل اللغات، وعلى وجوه التصريف والإعراب، وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً فلا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، فإذن لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بالدلالة القطعية العقلية، على أن معناه الراجح محال عقلاً فإذا قامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله  من هذه اللفظ ما أشعر به الظاهر، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا، لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية وهي ظنية كما بينا ولا سيما المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر، فإذن الخوض في تعيين التأويل غير جائز والله أعلم.

المسألة الثانية في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه.

عن ابن عباس أن المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الأنعام ﴿ قل تعالوا  ﴾ إلى آخرها، وعلى هذا فالمحكم عنده ما لا يتغير باختلاف الشرائع، لأن هذه الآية كذلك.

والمتشابهاتهي التي اشتبهت على اليهود كأوائل السور، أوّلوها على حساب الجمل ليستخرجوا بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه.

وعنه أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ.

وقال الأصم: المحكم هو الذي يكون دلائله واضحة لائحة كإنشاء الخلق في قوله: ﴿ فخلقنا النطفة علقة ﴾ \[المؤمنون: 14\] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل كآيات / البعث، فإن التأمل يجعلها محكمة، فإن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة.

فإن عنى الأصم بوضوح الدلائل رجحانها، وبالخفاء خلاف ذلك، فهذا هو الذي ذكرنا من أن المحكم عبارة عن النص والظاهر، والمتشابه المجمل والمؤول.

وإن عنى بالواضح ما تعلم صحته بضرورة العقل، وبالخفي ما تعرف صحته بدليل العقل، فكل القرآن متشابه.

فإن إنشاء الخلق أيضاً يفتقر إلى دليل عقلي، فإن الدهري ينسب ذلك إلى الطبيعة، والمنجم إلى تأثير الكواكب.

ولعل الأصم يسمي ما هو الأبعد عن الغلط لقلة مقدماته وضبطها محكماً، والذي هو غير ذلك متشابهاً.

وقيل: كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي أو دليل خفي فهو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته كالعلم بوقت القيامة وبمقادير الثواب والعقاب في حق كل مكلف فذاك متشابه.

المسألة الثالثة في أنه لم جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً.

من الملحدة من طعن فيه وقال: كيف يليق بالحكيم أن يجعل كتابه المرجوع إليه في دينه، الموضوع إلى يوم القيامة بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب، فمثبت الرؤية يتمسك بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ونافيها يتشبث بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ومثبت الجهة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ والنافي ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ فكل منهم يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة متشابهة، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح خفية، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنه لو جعل كله ظاهراً جلياً خالصاً عن المتشابه نفياً كان أقرب إلى حصول الغرض.

والجواب أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيدالثواب.

وأيضاً لو كان كله محكماً كان مطابقاً لمذهب واحد فقط فكان ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به، وإذا كان مشتملاً على القسمين فحينئذٍ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مقالته فيجتهد في فهم معانيه، وبعد الفحص والاستكشاف، صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، ويتخلص المبطل عن باطلة ويصل إلى الحق.

وأيضاً إذا كان فيه محكم ومتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بالدلائل العقلية، فيتخلص من ظلمة التقليد إلى ضياء البينة والاستدلال والطمأنينة، وافتقر أيضاً إلى تحصيل علوم أخر كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه وأصول الكلام إلى غير ذلك، ولما في المشابهة من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه.

وههنا سبب أقوى وهو أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطباع العامة تنبو في / الأغلب عن إدراك الحقائق، فمن سمع منهم في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما توهموه وتخيلوه مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح.

فالأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابهات، والثاني وهو الذي يكشف لهم آخر الحال من قبيل المحكمات.

قوله ﴿ هن أم الكتاب ﴾ الأم في اللغة الأصل الذي يتكون منه الشيء.

فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، فلا جرم صارت المحكمات أصولاً للمتشابهات.

وإنما لم يقل أمهات الكتاب ليطابق المبتدأ لأن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد هو الأصل لمجموع المتشابهات، وهذا كقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ \[المؤمنون: 50\] على معنى أن مجموعها آية واحدة.

﴿ وأخر ﴾ أي ومنه آيات آخر ﴿ متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ أي ميل عن الحق ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ لا يتمسكون إلا بالمتشابه.

قال الربيع: هم وفد نجران "حاجوا رسول الله  في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحاً منه؟

قال  : بلى.

قالوا: حسبنا" .

وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة من الحروف المقطعة في أوائل السور.

وقال قتادة والزجاج: هم منكرو البعث لأنه قال في آخره ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ وما ذاك إلا وقت القيامة فإنه  أخفاها عن الخلائق حتى الملائكة والأنبياء.

والتحقيق أنه عام لكل مبطل متشبث بأهداب المتشابهات، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عن عموم اللفظ.

ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه.

ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة والكفار من النقمة فكانوا يقولون ائتنا بعذاب الله، ومتى الساعة، ولو ما تأتينا بالملائكة، فموهوا الأمر على الضعفة.

قال أهل السنة: ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ فإنه لما ثبت بصريح العقل امتناع كون الإله في مكان وإلا لزم انقسامه، وكل منقسم مركب، وكل مركب ممكن.

فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات.

ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي وأنه من الله  وإلا تسلسل، فيكون حصول الفعل مع تلك الداعية وعدمه عند عدمها واجباً فيبطل التفويض ويثبت أن الكل بقضاء الله وقدره.

وإذا لاحت الدلائل العقلية يجوز للعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه؟

بناء على ما اشتهر بين الجمهور من أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة، وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة.

/ والإنصاف أن الآيات ثلاثة أقسام: أحدها ما يتأكد ظواهرها بالدلائل العقلية فذاك هو المحكم حقاً.

وثانيها التي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله غير ظاهره.

وثالثها الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فهو المتشابه بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر.

لكن ههنا عقدة أخرى وهي أن الدليل العقلي مختلف فيه أيضاً بحسب ما رتبه كل فريق وتخيله صادقاً في ظنه مادة وصورة.

فكل فريق يدعي بمقتضى فكره أن الدليل العقلي قد قام على ما يوافق مذهبه وتأكد به الظاهر الذي تعلق به، فلا خلاص من البين إلا بتأييد سماوي ونور إلهي ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ ثم إنه  بين أن للزائغين غرضين: أحدهما ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ وهي في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، والرجل مفتون بابنه وبشعره.

فكان التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً به عاشقاً لا ينقطع عنه تخيله البتة.

وقيل: الفتنة في الدين هو الضلال عنه أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم.

وعن الأصم: إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة.

الغرض الثاني ﴿ ابتغاء تأويله ﴾ أي طلب المعنى الذي يرجع إليه اللفظ بحسب ما يشتهونه من غير أن يكون قد وجد له في كتاب الله بيان.

قال القاضي أبو بكر: هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما أن يحملوه على غير الحق وهو المراد من قوله ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾ والثاني أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه وهو قوله ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ثم قال عز من قائل ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ والعلماء اختلفوا في هذا الموضع.

منهم من يقف ههنا، فعلى هذا لا يعلم المتشابه إلا الله وهو قول ابن عباس وعائشة والحسن ومالك بن أنس والكسائي والفراء، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي.

ومنهم من لم يجعل الواو في ﴿ والراسخون ﴾ للابتداء وإنما يجعله للعطف حتى يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله وعند الراسخين، لأن وصفهم بالرسوخ في العلم - وهو الثبوت والتعمق وبعد الغور فيه - يناسب ذلك.

وهذا قول مجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين، وقد يروى عن ابن عباس أيضاً.

والمختار هو الأول لوجوه منها: ما ذهب إليه كثير من العلماء أن "أما" فيه معنى التفصيل البتة، وهذا إنما يستقيم لو قدر و"أما الراسخون في العلم فيقولون".

ومنها أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علم أن مراد الله بعض مجازات تلك الحقيقة وفي المجازات كثرة.

وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالتراجيح اللغوية الظنية، ومثل ذلك لا يصح / الاستدلال به في المسائل القطعية مثاله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ فإنه دل الدليل على أن الإله يمتنع أن يكون في المكان، فعرفنا أنه ليس مراداً لله من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها إلا أن في مجازات هذا اللفظ كثرة لا يتعين أحدها إلا بدليل لغوي ظني، والقول بالظن في ذات الله وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين، ولهذا قال مالك بن أنس: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.

ومنها ما قيل إن هذه الآية ذم لطالب تأويل المتشابه حيث قال ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ﴾ وتخصيص بعض المتشابهات بذلك كطلب وقت الساعة ونحوه ترجيح من غير مرجح، فالذم يتوجه على الكل وهو المطلوب.

ومنها أنه  مدح الراسخين في العلم بأنهم ﴿ يقولون آمنا به ﴾ وقال  في أول البقرة: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم  ﴾ فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح، ولا في قولهم ﴿ كل من عند ربنا ﴾ لأن كل من عرف شيئاً على التفصيل فإنه لا بد أن يؤمن به إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله  عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا أن القرآن كلام الله  ، وأنه لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القاطعة على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراداً لله  عرفوا أن مراد الله  منه شيء غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب.

فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله بحيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ولا عدم علمهم بالمراد عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن، ولم يصر كون ظاهره مردوداً شبهة لهم في الطعن في كلام الله  .

ثم إن جعل قوله ﴿ والراسخون ﴾ عطفاً على اسم ﴿ الله ﴾ فقوله ﴿ يقولون آمنا به ﴾ كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هم يقولون آمنا بالمتشابه كل من عند ربنا أي كل واحد من المحكم والمتشابه من عنده.

وفي زيادة ﴿ عند ﴾ مزيد توضيح وتأكيد وتفخيم لشأن القرآن، ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿ آمنا به ﴾ إلى الكتاب أي يقولون، آمنا بالكتاب كل من محكمه ومتشابهه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه، ويحتمل أن يكون قوله ﴿ يقولون ﴾ حالاً إلا أن فيه إشكالاً وهو أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره وههنا قد تقدم ذكر الله وذكر الراسخين، والحال لا يمكن إلا من الراسخين فيلزم ترك الظاهر.

﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ ما يتعظ إلا ذوو العقول الكاملة الذين يستعملون أذهانهم في فهم القرآن فيعلمون ما الذي يطابق ظاهره دلائل العقل فيكون محكماً، وما الذي هو بالعكس فيكون متشابهاً، ثم يعتقدون أن الكل كلام من لا يجوز في / كلامه التناقض، فيحكمون بأن ذلك المتشابه لا بد أن يكون له معنى صحيح عند الله وإن دق عن فهومنا.

وقيل: هو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل حتى علموا من التأويل ما علموا.

ثم إنه  حكى عن الراسخين نوعين من الدعاء: الأول قولهم ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ أي بعد وقت هدايتنا، والثاني قولهم ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ سألوا ربهم أوّلاً أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الأباطيل والعقائد الفاسدة، ثم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ويزين جوارحهم وأعضاءهم بزينة الطاعة والعبودية والخدمة.

ونكَّر رحمة ليشمل جميع أنواعها.

فأوّلها أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة، وثانيها أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة، وثالثها أن يحصل له في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية، ورابعها أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت، وخامسها سهولة السؤال والظلمة والوحشة في القبر، وسادسها في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وتبديلها بالحسنات، وسابعها في الجنة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وثامنها في الحضرة رفع الأستار ورؤية الملك الجبار.

وفي قولهم ﴿ من لدنك ﴾ تنبيه على أن هذا المقصود لا يحصل إلا من عنده ويؤكده قوله ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ فالمطالب وإن كانت عظيمة فإنها تكون حقيرة بالنسبة إلى غاية كرمك ونهاية وجودك وموهبتك.

ولنعد إلى ما يتعلق بالدعاء الأول قال أهل السنة: القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، وكل منهما يتوقف على داعية ينشئها الله تعالى فيه، إذ لو حدثت بنفسها لزم سد باب إثبات الصانع.

فإن كانت داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والرين وغيرها مما ورد في القرآن، وإن كانت داعية الإيمان فهو التوفيق والرشاد والهداية والتثبيت والعصمة ونحوها.

وكان رسول الله  يقول: " "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" يعني الداعيتين.

ومما يؤكد ذلك أن الله  مدح هؤلاء الراسخين بأنهم لا يتبعون المتشابهات بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال ويتركون الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه، فتكون هذه الآية من أقوى المحكمات وهو ظاهر في أن الإزاغة والهداية كلتيهما من الله  .

أما المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أن الإزاغة لا يجوز أن تصدر من الله  لأن ذلك ظلم وقبيح، وجب صرف الآية إلى التأويل فقال الجبائي واختاره القاضي: المراد أن لا يمنع قلوبهم الألطاف التي معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان، وزيف بأن اللطف إن / صح في حقهم وجب عندكم على الله أن يفعل ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلهيته ولصار جاهلاً أو محتاجاً.

وقال الأصم: لا تبلنا ببلوى يزيغ عندها قلوبنا.

والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ.

وقد يقول القائل: لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك.

وزيف بأن التشديد في التكليف قبيح إن علم الله  أن له أثراً في حمل المكلف على القبيح وإلا فوجوده كعدمه فلا فائدة في صرف الدعاء إليه.

وقال الكعبى: لا تسمنا باسم الزائغ كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي يقول إنه كافر.

وزيف بأن التسمية دائرة مع الفعل، وفعل الزيغ باختيار العبد عندكم فالتسمية أيضاً بسببه، وقال الجبائي أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك وهو كالأول إلا أن يحمل على شيء اخر وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر أماته في هذه السنة.

ويرد عليه أنه لو كان علمه بأنه يكفر في السنة الثانية يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأنه لا يؤمن قط ويبقى على الكفر طول عمره يوجب أن لا يخلقه.

وعن الأصم أيضاً: لا تزغ قلوبنا عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل.

ولا يخفى تعسفه وعدم مناسبته لقوله ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ .

وقال أبو مسلم: احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ.

ثم إنهم لما طلبوا أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة فكأنهم قالوا ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية، ولكن الغرض ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه أي في وقوعه.

فاللام للوقت، أو جامع الناس لجزاء يوم فحذف المضاف ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قيل: هو كلام الله  كأنه يصدقهم فيما قالوه، ولو كان من تمام قول المؤمنين لقيل: إنك لا تخلف.

إلا أن يحمل على الالتفات ومعناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله.

ولا سيما وعد الحشر والجزاء لينتصف للمظلومين من الظالمين.

والميعاد المواعدة والوقت والموضع قاله في الصحاح.

واعلم أنه لا يلزم من أنه  لا يخلف الوعد القطع بوعيد الفساق كما زعم المعتزلة، لأن كل ما ورد في وعيد الفساق فهو عندنا مشروط بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة بدليل منفصل.

قال الواحدي: ولم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب.

قال بعضهم: إذا وعد السراء أنجز وعده *** وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه وناظر أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد فقال: ما تقول في أصحاب الكبائر؟

فقال: إن الله وعد وعداً وأوعد إيعاداً.

فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده.

فقال أبو عمرو إنك أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، لأن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الايعاد كرماً وأنشد: وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمكذب إيعادي ومنجز موعدي وذلك أن الوعد حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم فهذا هو الفرق بين الوعد والوعيد.

على أنا لا نسلم أن الوعيد ثابت جزماً من غير شرط بل هو مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله  .

ثم إنه  لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدة عذابهم فقال: ﴿ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ﴾ وقيل: المراد وفد نجران وذلك أنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن عقلمة قال لأخيه: إني أعلم أنه رسول الله  حقاً، ولكن إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال.

فالله  بيَّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة، لكن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.

واعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به ويجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة.

أما الأول فإليه أشار بقوله: ﴿ لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ﴾ لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها المرء عند الخطوب.

وإذا لم يفد أقرب الطرق إلى دفع المضار في ذلك اليوم فما عداه بالتعذر أولى ومثله ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم  ﴾ ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير  ﴾ .

وأما الثاني فإليه أشار بقوله: ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس: و"من" في قوله ﴿ من الله ﴾ للبدل مثله في قوله ﴿ و إن الظن لا يغني من الحق شيئا  ﴾ أي بدله والمضاف محذوف تقديره لن تغني عنهم بدل رحمة الله أو طاعته شيئاً.

أو في الحديث " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أي لا ينفعه جده وحظه في الدنيا بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وأنشد أبو علي: فليت لنا من ماء زمزم شربة *** مبردة باتت على طهيان وطهيان من بلاد الأزد.

قلت: يجوز أن يقال "من" للابتداء تقديره من عذاب الله، والجار والمجرور مقدم حالاً من شيء أو "من" زائدة لتأكيد النفي التقدير: لن تغني عنهم عذاب الله شيئاً من الغناء أي لن تدفع.

وقال أبو عبيدة "من" بمعنى "عند" والمعنى: لن تغني عند الله شيئاً.

قوله  : ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يقال: دأب فلانٍ في عمله أي جدّ وتعب دأبا دؤباً فهو دئيب.

وأدأبته أنا، والدائبان الليل والنهار، والدأب العادة والشان، وكل ما عليه الإنسان من صنيع وحالة، وقد يحرّك وأصله من دأبت إطلاقاً لاسم الخاص على العام أي جد هؤلاء الكفار واجتهادهم أو شأنهم أو صنيعهم في تكذيب محمد وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى  .

ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم فكذلك نهلك هؤلاء.

فقوله: ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ تفسير لدأبهم على أنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما فعلوا وما فعل بهم؟

فقيل: كذبوا بآياتنا بالمعجزات الدالة على صدق رسلنا.

﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ أي صاروا عند نزول العذاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على وجه الخلاص البتة.

وقيل: المعنى كدأب الله في آل فرعون أي يجعلهم الله وقود النار كعادته وصنيعه في آل فرعون والمصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول.

وقال القفال: يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله  وللعادة المضافة إلى الكفار كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد كعادة من قبلهم في إيذاء الرسل، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء كعادتنا في إهلاك أولئك الكفرة.

وقيل: الدؤب والدأب اللبث والدوام والتقدير: دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون.

وقيل: مشقتهم وتعبهم في النار كمشقة آل فرعون بالعذاب ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ .

وقيل: المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب والمعنى: إنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد فينزل بكم مثل ما نزل بهم ولا تغني عنكم الأموال والأولاد.

ويحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال وهو قوله ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ ثم صاروا إلى دوام العذاب وهو قوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ فسينزل بمن كذب بمحمد أمران: أحدهما المحن المعجلة من القتل والسبي والإذلال وسلب الأموال وإليه الإشارة بقوله فيما بعد ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ والثاني المصير إلى العذاب الدائم وذلك قوله ﴿ وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ .

/ التأويل: ﴿ آلم ﴾ الألف إظهار الوحدة مطلقاً ذاتاً وصفة.

فإن الألف واحد في ذاته وصفاته في وضع الحساب، ومتفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف، ويشير باستقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغيره عن الوجود الوحداني أزلاً وأبداً.

فإن الألف مصدر جميع الحروف، فإن من استقامته يخرج كل حرف معوج.

ثم في اللام والميم المتصل كل حرف منهما بالآخر إثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوفة بالإثنينية وذلك قسمان: قسم لم يكن فكان ثم يزول، وقسم ما كان فكان ولا يزول.

وهذان قسمان محدثان وموجدهما الواحد القديم الذي لا زال كان ولا يزال يكون وإليه الإشارة بالألف.

وأما اللام فإشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يكون باقياً وهو عالم الصورة والملك والأجساد.

فوقوعه في المرتبة الثانية، من الألف إشارة إلى أنه مسبوق بالوجود والألف سابق عليه، والانكسار فيه يشير إلى تغيره وزواله.

والميم إشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يزال يبقى وهو عالم المعنى والملكوت والأرواح.

وذلك أن الميم أول حرف من اسمه المبدىء وآخر حرف من اسمه القيوم، فيشير إلى أنه كما أبدأه المبدىء حين لم يكن يقيمه القيوم حين كان لا يزال.

وبوجه آخر الألف إشارة إلى وجود حقيقي قائم بذاته، واللام يشير إلى إثبات ونفي.

فالإثبات في لام التمليك ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ والنفي في "لا" النافية أي لا وجود لشيء بالحقيقة سواه، والميم يشير أيضاً إلى إثبات ونفي.

فالإثبات ميم اسمه القيوم والنفي "ما" النافية أي ما في الوجود حقيقة إلا هو.

ودليل الوجهين في ﴿ آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فـ ﴿ الله ﴾ إثبات ذات القديم، ﴿ لا إله إلا هو ﴾ نفى الشرك عن وجوده وإثبات وحدته في وجوده و ﴿ الحي القيوم ﴾ إثبات جميع صفات كماله ونفي جميع سمات النقص عن ذاته.

وقد أودع مجموع معاني هذه الآية في قوله ﴿ آلم ﴾ فمعنى قوله ﴿ الله ﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو الألف، ومعنى قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ أودع في أول حرف من حروفه وهو اللام.

ومعنى قوله ﴿ الحي القيوم ﴾ أودع في آخر حرف من حروفه وهو الميم.

وإنما أودع في آخر حروفه ههنا ليكون السر مودعاً في الآية من أول حرفها إلى آخر حرفها مكتوماً فيما بينهما.

والحروف الثلاثة من قوله ﴿ آلم ﴾ يكون الألف من أولها دالاً على المعنى الذي هو في الكلمة الأولى وهي ﴿ الله ﴾ واللام من أوسطها دالاً على المعنى الذي في الكلمة الثانية وهي ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والميم من آخرها دالاً على المعنى الذي هو مودع في الثالثة وهو ﴿ الحي القيوم ﴾ فيكون الاسم الأعظم مودعاً في ﴿ آلم ﴾ كما روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو سر القرآن وصفوته كما روي عن أبي بكر وعلي  .

ثم إنه  بعد أن أظهر أسرار ألوهيته المودعة في ﴿ آلم ﴾ بقوله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة مع حبيبه محمد  / فقال ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ أي نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة متجلية لسرك، مخيفة عن زورك، فصرت مشاهداً لسر الله المودع في ﴿ آلم ﴾ وهو الذي بين يدي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فصرت مصدقاً له تصديق تحقيق لا تصديق تقليد فأفهم إذ لم تتعلم، ولا تعلم أنك لا تفهم لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطيارين ولا من السيارين.

﴿ وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ﴾ فلا تظنن يا محمد أن إنزال الكتب على الأنبياء كان كتنزيل القرآن بالحقيقة على قلبك كما قال: ﴿ ولكن جعلناه نوراً  ﴾ حتى صرت مكاشفاً عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما إنزال الكتب على الأنبياء كان بالصورة مكتوبة في صحائف وألواح يقرؤها كل قاريء، ويستوي في هداها الأنبياء والأمم قاطبة ﴿ هدى للناس ﴾ وكنت مخصوصاً بالهداية عند تجلي أنوار القرآن بالتنزيل على قلبك كما قال: ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا  ﴾ ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ الذي يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب على صورة الأنبياء، ويفرق بين تعليمك القرآن وبين تعليمهم الكتب.

فإن كانوا يتدارسون الكتب فأنت تتخلق بالقرآن، فشتان بين نبي يجيء وهو بذاته نور ومعه كتاب ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  ﴾ وبين نبى يجىء ومعه نور من الكتاب ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس  ﴾ وشتان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة  ﴾ وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ يسترون بحجب الغفلات وتتبع الشهوات قلوبهم فتعمى عن مشاهدة هذه الآيات البينات ﴿ لهم عذاب شديد ﴾ من هذا العمى والحرمان وهم في خسران من الركون إلى هذا النقصان ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ يعز أهل الغرام بنيل المرام وينتقم من أهل السلوة بحجاب العزة.

ثم أخبر  عن كمال علمه بقوله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ وكيف يخفى وإنه ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز ﴾ عن نقص الأحكام ﴿ الحكيم ﴾ فيما يجري من الأزل إلى الأبد وجفت به الأقلام.

وفي الآية إشارة إلى أنه إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجال الحق نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهو بمثابة ملك الأرحام، ويضبط المريد أحواله الظاهرة والباطنة على وفق أمر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة يلزم منه سقوط النطفة وفسادها، ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره فالله  بتصرف ولاية الشيخ / المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحوّلها من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس التي منها صدر إلى عالم الإنس، فيتكون الجنين في رحم القلب وهو طفل خليفة الله في أرضه فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه ﴿ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده  ﴾ ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه  ﴾ فإذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون.

الآيات المحكمات تنزيلها شرب الخواص والعوام لبسط الشرع والاهتداء، والمتشابهات تأويلها شرب الخواص وخواص الخواص لإخفاء الأسرار عن الأغيار والابتلاء ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب وهم أهل الأهواء والبدع ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ﴾ ليضلوا بأهوائهم ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ ليضلوا الناس بآرائهم ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴾ بما شاهدوا من أنوار الحق في تحقيق التأويل ﴿ كل من عند ربنا ﴾ بتوفيقه وإعلامه وتعريفه ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين خرجوا في متابعة النبي  من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور لباب وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في قشور العلوم الكسبية الواصلون إلى حقائق لباب العلوم اللدنية من لدن حكيم خبير.

وفي الآية إشارة إلى أن علوم الراسخين كلها بتعليم الله  إياهم في الميثاق إذ تجلى بصفة الربوبية للذرّات، وأشهدهم على أنفسهم بشواهد الربوبية ألست بربكم؟

فبشهود تلك الشواهد ركز في جبلة الذرّات علم التوحيد فقالوا: بلى.

ويندرج في علم التوحيد كل العلوم كما قال: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ فلما ردّت الذرّات إلى الأصلاب واحتجبت بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرحام وتنقلت بقدم الأربعينات من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن الحضرة إلى أن وضع الحمل، وردت النفس العالمة بعلم التوحيد الناطقة به إلى أسفل سافلين القالب محتجبة بحجب البشرية ناسية تلك العلوم والتنطق بها.

ثم أبواه يذكرانه تلك العلوم بالرموز والقرائن حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية وأستار الأطوار، وينطق بلسان الأبوين لا بلسانه الذي أجاب به الرب وقال بلى، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك.

وكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المستمع المجيب في الميثاق.

فسمعه قشر ذلك السمع الذي استمع خطاب الحق، وبصره قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق، وقلبه قشر ذلك القلب الذي فقه خطاب الحق، وعلومه قشر تلك العلوم التي تعلمت من الحق.

فالنبي  إنما بعث ليذكره حقيقة تلك العلوم التي كان أبواه يذكرانه قشرها كما قال ﴿ فذكر إنما أنت مذكر  ﴾ فالتذكير عام ولكن التذكر خاص فلهذا قال ﴿ وما يذكر إلا أولوا / الألباب ﴾ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا ﴾ عن صراطك بغلبات ظلمات طبائعنا وطباعنا ﴿ بعد إذ هديتنا ﴾ إلى حضرة جلالك ونور جمالك حتى سمعنا بلب سمعنا لب التنزيل، وشاهدنا بلب أبصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا علومنا ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ تجذبنا من لدنا إلى لدنك وتغنينا عنا بك ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ .

وفيه إشارة إلى أن وظيفة الطالب أن لا يسكن في مقام ولا يقف مع حال بل يكون إلى الأبد طلاباً كما كان الله من الأزل إلى الأبد وهاباً.

وكما أنه لا نهاية لمواهبه فلا غاية لمطالب طالبه، وأن بعد هذه الدار داراً هي دار القرار يوفى فيها جزاء الأبرار والفجار.

فحصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب.

ومقاساة التعب والنصب، وإن التقوى خير زاد للمعاد ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ ﴿ إن الذين كفروا ﴾ ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات نفسانيتهم ﴿ لن تغنى عنهم ﴾ طاغوت ﴿ أموالهم وأولادهم من ﴾ أنوار الله التي حجبوا عنها ﴿ وأولئك هم وقود النار ﴾ نار الفرقة والقطيعة ﴿ نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة  ﴾ لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا قشور الجلود ولا تخلص إلى لب القلوب.

وإن عذاب حرقة لجلود بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب وحرقة القطيعة عن الله كنسيم الحياة إلى سموم الممات.

في فؤاد المحب نار هوى *** أحر نار الجحيم أبردها وكذلك دأب جميع الكفار الذين ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات النفس فعموا وصموا عن مشاهدة أنوارنا ومحافظة أسرارنا، فأخذهم الله فعاقبهم بحجاب ذنبوبهم وحرقة قلوبهم ﴿ والله شديد العقاب ﴾ أليم نار فراقه عظيم عذاب بعده وإشراقه.

بالنار خوّفني قومي فقلت لهم *** النار ترحم من في قلبه نار <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ ، وذلك أنهم كانوا يستنصرون بأولادهم وأموالهم في الدنيا، ويستعينون بهما على غيرهم؛ فظنوا أنهم يستنصرون بهم في الآخرة، ويدفعون بهم عن أنفسهم العذاب؛ وهو كقولهم: ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ؛ فأخبرهم الله - عز وجل - أن أموالكم وأولادكم لا تغني عنكم من عذاب الله شيئاً.

وقوله: ﴿ وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ ﴾ : أي: حطب النار؛ فهو - والله أعلم - أن الإنسان إذا وقع في النار في هذه الدنيا لا يحترق احتراق الحطب؛ ولكنه يذوب ويسيل منه الصَّديد، فقال الله - عز وجل -: إنهم يحترقون في النار في الآخرة احتراق الحطب، لا احتراق الإنسان في الدنيا؛ لأنها أشدُّ بطشاً، وأسرع أخذاً، وأطول احتراقاً؛ وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : ليس كعذاب الدنيا أنه على الانقضاء والنفاد؛ ولكن على الدوام فيها والخلود أبد الآبدين؛ فنعوذ بالله منها.

وقوله: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .

قيل: كأشباه آل فرعون، وقيل: كعمل آل فرعون وكصنيعهم، وكله واحد، ثم يحتمل بعد هذا وجهين: يحتمل: صنيع هؤلاء وعملهم - كصنيع آل فرعون ومن كان قبلهم بموسى، في التكذيب والتعنت.

ويحتمل بصنيع هؤلاء بما يلحقهم من العذاب بالتكذيب والتعنت؛ فألحق أولئك من العذاب بتكذيب الرسل، وتعنتهم عليهم.

﴿ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : قد ذكرناه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وشأن هؤلاء الكافرين كشأن آل فرعون ومَن قبلهم من الذين كفروا بالله وكذبوا بآياته، فعذبهم الله بسبب ذنوبهم، ولم تنفعهم أموالهم ولا أولادهم، والله شديد العقاب لمن كفر به، وكذب بآياته.

<div class="verse-tafsir" id="91.WNvxR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  ﴾ يقال أن هذه الآية وما قبلها في تقرير التوحيد سواء كان ردًا على نصارى نجران أو كان كلامًا مستقلًا، فإن التوحيد لما كان أهم ركن للإسلام كان مما تعرف البلاغة أن يبدأ بتقرير الحق في نفسه ثم يؤتى ببيان حال أهل المناكرة والجحود ومناشئ اغترارهم بالباطل وأسباب استغنائهم عن ذلك الحق أو اشتغالهم عنه، وأهمها الأموال والأولاد، فهي تنبئهم هنا بأنها لا تغني عنهم في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه إذ يجمع الله فيه الناس ويحاسبهم بما عملوا، بل ولا في أيام الدنيا لأن أهل الحق لا بد أن يغلبوهم على أمرهم، وما أحوج الكافرين إلى هذا التذكير.

إن الجحود إنما يقع من الناس للغرور بأنفسهم وتوهمهم الاستغناء عن الحق فإن صاحب القوة والجاه إذا وعظ بالدين عند هضم حق من الحقوق لا يؤثر فيه الوعظ ولكنه إذا رأى أن الحق له واحتاج إلى الاحتجاج عليه بالدين فإنه ينقلب واعظًا بعد أن كان جاحدًا، فهم لظلمة بصيرتهم وغرورهم بما أوتوا من مال وولد وجاه يتبعون الهوى في الدين في كل حال.

فسر مفسرنا (الجلال) تغني بتدفع، وهو خلاف ما عليه جمهور المفسرين وإنما تغني هنا كيغني في قوله  ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا  ﴾ ولا أراك تقول أن معناها لن يدفع من الحق شيئًا وإنما معنى "من" هنا البدلية، أي أن أموالهم وأولادهم لن تكون بدلًا لهم من الله تعالى تغنيهم عنه، فإنهم إذا تمادوا على باطلهم يغلبون على أمرهم في الدنيا ويعذبون في الآخرين.

بل توعدهم أيضًا بقوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ  ﴾ الوقود بالفتح (كصبور) ما توقد به النار من حطب ونحوه، أي أنهم سبب وجود نار الآخرة كما أن الوقود سبب وجود النار في الدنيا، أو أنهم مما توقد به.

ولا نبحث عن كيفية ذلك فإنه من أمور الغيب التي تؤخذ بالتسليم.

ثم ذكر تعالى مثلًا لهؤلاء الكافرين الذين استغنوا بما أوتوا في الدنيا عن الحق فعارضوه وناهضوه حتى ظفر بهم فقال ﴿ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ  ﴾ بأن أهلكهم ونصر موسى على آل فرعون ومن قبله من الرسل على أممهم المكذبين، ذلك بأنهم كانوا بكفرهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون فما أخذوا إلا بذنوبهم وما نصر الرسل ومن آمن معهم إلا بصلاحهم وإصلاحهم فالله تعالى لا يحابي ولا يظلم ﴿ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ  ﴾ على مستحقه إذ قضت سنته بأن يكون العقاب أثرًا طبيعيًا للذنوب والسيئات وأشدها الكفر وما تفرع عنه، فليعتبر المخذولون إن كانوا يعقلون.

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  ﴾ : كان الكافرون يعتزون بأموالهم وأولادهم فتوعدهم الله تعالى وبيّن لهم أن الأمر ليس بالكثرة والثروة وإنما هو بيده  .

﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ  ﴾ : لا يبعد أن تكون الآية تشير إلى واقعة بدر كما قال المفسر (الجلال)، ويحتمل أن تكون إشارة إلى وقائع أخرى قبل الإسلام، ويرجح هذا إذا كان الخطاب لليهود فإن في كتبهم مثل هذه العبرة كقصة طالوت وجالوت في سورة البقرة.

ويرجح الأول إذا كان الخطاب لمشركي العرب وثبت أن نزول الآية كان بعد وقعة بدر.

وقد كانت الفئة الكافرة في بدر ثلاثة أضعاف المسلمة، ويصح أن يكونوا مع ذلك رأوهم مثليهم فقط لأن الله قللهم في أعينهم كما ورد في سورة الأنفال.

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ  ﴾ : وجه العبرة أن هناك قوة فوق جميع القوى قد تؤيد الفئة القليلة فتغلب الكثيرة بإذن الله.

وقد ورد في القرآن ما يمكن أن نفهم به سنته تعالى في مثل هذا التأييد، لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا ويجب أخذه بجملته، بل هذه الآية نفسها تهدي إلى السر في هذا النصر، فإنه قال: ﴿ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ ومتى كان القتال في سبيل الله أي سبيل حماية الحق والدفاع عن الدين وأهله فإن النفس تتوجه إليه بكل ما فيها من قوة وشعور ووجدان وما يمكنها من تدبير واستعداد مع الثقة بأن وراء قوتها معونة الله وتأييده.

ومما يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ ، ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ  ﴾ : ولا شك أن المؤمنين قد امتثلوا أمر الله تعالى في كل ما أوصاهم به بقدر طاقتهم فاجتمع لهم الاستعداد والاعتقاد فكان المؤمن يقاتل ثابتًا واثقًا والكافر متزلزلًا مائقًا ونصروا الله فنصرهم وفاء بوعده في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فالمؤمن من يشهد له بإيمانه وإيتاؤه ما وعد الله المؤمنين لا من يدعي الإيمان بلسانه وأخلاقه وأعماله وحرمانه ما وعد الله المؤمنين تكذب دعواه.

وغزوات الرسول وأصحابه شارحة لما ورد من الآيات في ذلك، وناهيك بغزوة أُحد فإنهم لما خالفوا ما أمروا به نزل بهم ما نزل وهذا أكبر عبرة لمن بعدهم لو كانوا يعتبرون بالقرآن ولكنهم أعرضوا عنه ونبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما اختاروا لأنفسهم.

ولو عادوا إليه واتحدوا فيه واعتصموا بحبله لفازوا بالعز الدائم والسعادة الكبرى والسيادة العليا في الدنيا والأخرى.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله