الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١١٢ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 113 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) أي : ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون ( إلا بحبل من الله ) أي : بذمة من الله ، وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم ، وإلزامهم أحكام الملة ( وحبل من الناس ) أي : أمان منهم ولهم ، كما في المهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين ولو امرأة ، وكذا عبد ، على أحد قولي العلماء .
قال ابن عباس : ( إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) أي : بعهد من الله وعهد من الناس ، [ و ] هكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، والربيع بن أنس .
وقوله : ( وباءوا بغضب من الله ) أي : ألزموا فالتزموا بغضب من الله ، وهم يستحقونه ( وضربت عليهم ) أي : ألزموها قدرا وشرعا .
ولهذا قال : ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ) أي : وإنما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد ، فأعقبهم ذلك الذلة والصغار والمسكنة أبدا ، متصلا بذلة الآخرة ، ثم قال تعالى : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) أي : إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله وقيضوا لذلك أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله ، عز وجل ، والغشيان لمعاصي الله ، والاعتداء في شرع الله ، فعياذا بالله من ذلك ، والله المستعان .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا شعبة ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر الأزدي ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي ، ثم يقوم سوق بقلهم في آخر النهار .
القول في تأويل قوله : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لن يضركم، يا أهل الإيمان بالله ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم وتكذيبهم نبيَّكم محمدًا صلى الله عليه وسلم شيئا =" إلا أذى "، يعني بذلك: ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمه وعزير، ودعائهم إياكم إلى الضلالة، ولن يضروكم بذلك، (23) .
* * * وهذا من الاستثناء المنقطع الذي هو مخالف معنى ما قبله، كما قيل: " ما اشتكى شيئًا إلا خيرًا "، وهذه كلمة محكية عن العرب سماعًا.
* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 7626- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " لن يضروكم إلا أذى "، يقول: لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم.
7627- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " لن يضروكم إلا أذى "، قال: أذى تسمعونه منهم.
7628- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن &; 7-109 &; ابن جريج، قوله: " لن يضروكم إلا أذى "، قال: إشراكهم في عُزير وعيسى والصَّليب.
7629- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " لن يضروكم إلا أذى " الآية، قال: تسمعون منهم كذبًا على الله، يدعونكم إلى الضلالة.
* * * القول في تأويل قوله : وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن يقاتلكم أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى يهزَموا عنكم، فيولوكم أدبارهم انهزامًا.
* * * فقوله: " يولوكم الأدبار "، كناية عن انهزامهم، لأن المنهزم يحوِّل ظهره إلى جهة الطالب هربًا إلى ملجأ وموئل يئل إليه منه، خوفًا على نفسه، والطالبُ في أثره.
فدُبُر المطلوب حينئذ يكون محاذي وجه الطالب الهازِمِِة.
* * * =" ثم لا ينصرون "، يعني: ثم لا ينصرهم الله، أيها المؤمنون، عليكم، لكفرهم بالله ورسوله، وإيمانكم بما آتاكم نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم.
لأن الله عز وجل قد ألقى الرعب في قلوبهم، فأيدكم أيها المؤمنون بنصركم.
(24) .
* * * وهذا وعدٌ من الله تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان، نصرَهم على الكفرة به من أهل الكتاب.
* * * وإنما رفع قوله: " ثم لا ينصرون " وقد جَزم قوله: " يولوكم الأدبار "، على جواب الجزاء، ائتنافًا للكلام، لأن رؤوس الآيات قبلها بالنون، فألحق هذه بها، كما قال: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [سورة المرسلات: 36]، رفعًا، وقد قال في موضع آخر: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [سورة فاطر: 36] إذْ لم يكن رأس آية.
(25) ---------------- الهوامش : (23) في المطبوعة: "ولا يضرونكم" ، وفي المخطوطة: "ولا يضروكم" ، والصواب هو ما أثبت.
(24) في المطبوعة: "قد ألقى الرعب في قلوب كائدكم" ، وهو تصحيح لما في المخطوطة: "قد ألقى الرعب في قلوب فأيدكم" ، وظاهر أن"قلوب" صوابها"قلوبهم" ، واستقام الكلام على ما في المخطوطة.
(25) انظر معاني القرآن للفراء 1: 229.
قوله تعالى : ضربت عليهم الذلة يعني اليهود .
أين ما ثقفوا أي وجدوا ولقوا ، وتم الكلام .
وقد مضى في البقرة معنى ضرب الذلة عليهم .
إلا بحبل من الله استثناء منقطع ليس من الأول .
أي لكنهم يعتصمون بحبل من الله .
وحبل من الناس يعني الذمة التي لهم .
والناس : محمد والمؤمنون يؤدون إليهم الخراج فيؤمنونهم .
وفي الكلام اختصار ، والمعنى : إلا أن يعتصموا بحبل من الله ، فحذف ; قاله الفراء .وباءوا بغضب من الله أي رجعوا .
وقيل احتملوا .
وأصله في اللغة أنه لزمهم ، وقد مضى في البقرة .
ثم أخبر لم فعل ذلك بهم .
فقال ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون وقد مضى في البقرة مستوفى .
أخبر تعالى أنه عاقبهم بالذلة في بواطنهم والمسكنة على ظواهرهم، فلا يستقرون ولا يطمئنون { إلا بحبل } أي: عهد { من الله وحبل من الناس } فلا يكون اليهود إلا تحت أحكام المسلمين وعهدهم، تؤخذ منهم الجزية ويستذلون، أو تحت أحكام النصارى وقد { باءوا } مع ذلك { بغضب من الله } وهذا أعظم العقوبات، والسبب الذي أوصلهم إلى هذه الحال ذكره الله بقوله: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } التي أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الموجبة لليقين والإيمان، فكفروا بها بغيا وعنادا { ويقتلون الأنبياء بغير حق } أي: يقابلون أنبياء الله الذين يحسنون إليهم أعظم إحسان بأشر مقابلة، وهو القتل، فهل بعد هذه الجراءة والجناية شيء أعظم منها، وذلك كله بسبب عصيانهم واعتدائهم، فهو الذي جرأهم على الكفر بالله وقتل أنبياء الله.
( ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا ) حيث ما وجدوا ( إلا بحبل من الله ) يعني : أينما وجدوا استضعفوا وقتلوا وسبوا فلا يأمنون " إلا بحبل من الله " : عهد من الله تعالى بأن يسلموا ، ( وحبل من الناس ) المؤمنين ببذل جزية أو أمان يعني : إلا أن يعتصموا بحبل فيأمنوا .
قوله تعالى : ( وباءوا بغضب من الله ) رجعوا به ، ( وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون )
«ضربت عليهم الذلة أين ما ثُقفوا» حيثما وجدوا فلا عز لهم ولا اعتصام «إلا» كائنين «بحبل من الله وحبل من الناس» المؤمنين وهو عهدهم إليهم بالأمان على أداء الجزية أي لا عصمة لهم غير ذلك «وباءُوا» رجعوا «بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم» أي بسبب أنهم «كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك» تأكيد «بما عصوا» أمر الله «وكانوا يعتدون» يتجاوزون الحلال إلى الحرام.
جعل الله الهوان والصغار أمرًا لازمًا لا يفارق اليهود، فهم أذلاء محتقرون أينما وُجِدوا، إلا بعهد من الله وعهد من الناس يأمنون به على أنفسهم وأموالهم، وذلك هو عقد الذمة لهم وإلزامهم أحكام الإسلام، ورجعوا بغضب من الله مستحقين له، وضُربت عليهم الذلَّة والمسكنة، فلا ترى اليهوديَّ إلا وعليه الخوف والرعب من أهل الإيمان؛ ذلك الذي جعله الله عليهم بسبب كفرهم بالله، وتجاوزهم حدوده، وقَتْلهم الأنبياء ظلمًا واعتداء، وما جرَّأهم على هذا إلا ارتكابهم للمعاصي، وتجاوزهم حدود الله.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض العقوبات التى عاقب بها اليهود بسبب كفرهم وظلمهم فقال : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس } .وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة يقال ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها ، وتفرعت عن هذا المعنى معان مجازية أخرى ترجع إلى شدة اللصوق .والذلة على وزن فعلة من قول القائل : ذل فلان يذل ذلة وذلا .
والمراج بها الصغار والهوان والحقارة .فضرب الذلة عليهم كناية عن لزومها لهؤلاء اليهود ، وإحاطتها بهم ، كما يحيط السرادق بمن يكون فى داخله .قال صاحب الكشاف : جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم ، فهم كمن يكون فى القبة من ضربت عليهم ، أو الصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه .
فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة " .و { ثقفوا } أى وجدوا ، أو ظفر بهم .
يقال : ثقفه أى صادفه أو ظفر به أو أدركه .
وهذه المادة تدل على التمكن من أخذ الشىء ومن التصرف فيه بشدة ومنها سمى الأسير ثقافا .
والثقاف آلة تكسر بها أغماد الرماح .والحبل : هو ما يربط بين شيئين ويطلق على العهد لأن الناس يرتبطون بالعهود : كما يقع الارتباط الحسى بالحبال ، وهذا الإطلاق هو المراد هنا .ولذا قال ابن جرير : وأما الحبل الذى ذكره الله - تعالى - فى هذا الموضوع ، فإنه السبب الذى يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا فى بلاد الإسلام .والمعنى : أن هؤلاء اليهود أحاطت بهم الذلة فى جميع أحوالهم أينما وجدوا وحيثما حلوا إلا فى حال اعتصامهم بعهد من الله أو بعهد من الناس .وقد فسر العلماء عهد الله بعقد الجزية الذى يربط بينهم وبين المسلمين .وإنما كان عقد الجزية عهدا من الله لهم ، لأنه - سبحانه - هو الذى شرعه ، وما شرعه الله فالوفاء به واجب .وكان عهدا من المسلمين لهم ، لأنهم أحد طرفيه ، فهم الذين باشروه مع اليهود وبمقتضاه يحفظون حقوقهم ودماءهم وأموالهم؛ ويكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، ولعى المسلمين حمايتهم ، وصون أموالهم لقاء مقدار من المال يدفع لهم كل عام وهو المسمى بالجزية .وأما عهد الناس ، فهو العهود التى يعيشون بمقتضاها فى أى أمة من أمم الأرض مسلمة كانت هذه الأمة أو كافرة .فإن كانت العهود صادرة من المسلمين ، جاز أن يطلق عليها عهد الله - أيضاً - باعتبار أن الله هو الذى شرعها .وإن كانت من غير المسلمين فهى عهود من الناس سواء أوافقت شريعة الله تعالى - أم لا .والمعنى الإجمالي للآية : أن اليهود قد ضرب الله - تعالى - عليهم الذلة والمسكنة فى كل زمان ومكان بسبب كفرهم وطغيانهم ، وسلب عنهم السلطان والملك ، فهم يعيشون فى بقاع الأرض فى حماية غيرهم من الأمم الأخرى ، بمقتضى عهود يعقدونها معهم وقد تكون هذه العهود موافقة لشرع الله - تعالى - وقد لا تكون موافقة .فإن قال قائل : إنهم الآن أصحاب جاه وسلطان ، بعد أن أنشأوا دولتهم بفلسطين!!والجواب : أنهم مع قيام هذه الدولة يعيشون تحت حماية غيرهم من دول الكفر الكبرى .
فهى التى تحميهم وتمدهم بأسباب الحياة والقوة ، فينطبق على هذه الحالة - أيضاً - أنها بحبل من الناس .
فاليهود لا سلطان لهم ، ولا عزة تكمن فى نفوسهم ، ولكنهم مأمورون مسخرون أن يعيشوا فى تلك البقعة من الأرض لتكون مركزا لتلك الأمم الت تعهدت بحمايتهم ما استطاعوا من قوة لقتال أعداء الله وأعدائهم .لو أنهم فعلوا ذلك لما كان حالهم كما ترى الآن من ضعف وتخاذل وتفرق والأمل كبير فى أن يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من أخطار فيعملوا على دفعها ويعتصموا بحبل الله لتعود لهم قوتهم وهيبتهم .لو أنهم فعلوا ذلك لما كان حالهم كما ترى الآن من ضعف وتخاذل وتفرق والأمل كبير فى أن يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من أخطار فيعملوا على دفعها ويعتصموا بحبل الله لتعود لهم قوتهم وهيبتهم .هذا ، وقوله : { أَيْنَ مَا } اسم شرط ، وهو ظرف مكان و " ما " مزيدة فيها للتأكيد .وقوله { ثقفوا } فى محل جزم بها .وجواب الشرك محذوف يدل عليه ما قبله أى : أينما ثقفوا غلبوا أو ذلوا .ويجوز أن يكون جواب الشرط قوله { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } عند من يجوز تقديم جواب الشرط على الشرط .والاستثناء فى قوله { إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس } مفرغ من عموم الأحوال أى ضربت عليهم الذلة فى عامة الأحوال إلا فى حال اعتصامهم بحبل من الله وحبل من الناس .ثم ذكر - سبحانه - عقوبتين أخريين أنزلهما بهم جزاء كفرهم وتعديهم لحدوده فقال تعالى : { وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة } .قال ابن جرير : قوله - تعالى - { وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله } أى انصرفوا ورجعوا .ولا يقال باؤوا ، إلا موصولا إما بخير وإما بشر .
يقال منه : باء فلان بذنبه يبوء به بوأ وبواء .
ومنه قوله - تعالى - { إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ } يعنى تنصرف متحملهما ، وترجع بهما قد صارا عليك دونى .
فمعنى الكلام إذا : ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله ، قد صار عليهم من الله غضب ، ووجب عليهم منه سخط " .والمسكنة : مفعلة من السكون ، ومنها أخذ لفظ المسكين .
لأن الهم قد أثقله فجعله قليل الحركة والنهوض لما به من الفاقة والفقر .والمراد بها فى الآية الكريمة الضعف النفسي ، والفقر القلبي الذى يستولى على الشخص فيجعله يحس بالهوان مهما تكن لديه من أسباب القوة .والفرق بينها وبين الذلة : أن الذلة تجىء أسبابها من الخارج .
كأن يغلب المرء على أمره نتيجةانتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو .أما المسكنة فهى تنشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق ، واستيلاء المطامع والشهوات وحب الدنيا عليها .والمعنى : أن هؤلاء اليهود يجانب ضرب الذلة عليهم حينما حلوا ، قد صاروا فى غضب من الله ، وأصبحوا أحقاء به ، وضربت عليهم كذلك المسكنة التى تجعلهم يحسون بالصغار مهما ملكوا من قوة ومال .ثم ذكر - سبحانه - الأسباب التى جعلتهم أحقاء بهذه العقوبات فقال - تعالى - : { ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } .فاسم الإشارة ذلك يعود إلى تلك العقوبات العادلة التى عاقبهم الله بها بسبب كفرهم وفسقهم .والآيات : تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله - تعالى - وربوبيته وتطلق ويراد بها النصوص التى تشتمل عليها الكتب السماوية ، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغون عن الله - تعالى - ، وهى التي يسميها علماء التوحيد بالمعجزات .وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ومردوا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل المضارع { يَكْفُرُونَ } .أى : ذلك الذى أصابهم من عقوبات رادعة ، سببه أنهم كانوا يكفرون بآيات الله وأدلته الدالة على وحدانيته وعلى صدق رسله - عليهم الصلاة والسلام - وتلك هى جريمة بنى إسرائيل الأولى .أما جريمتهم الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله { وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ } أى أنهم لم يكتفوا بالكفر ، بل امتدت أيديهم الأثيمة إلى دعاة الحق وهم أنبياء الله - تعالى - الذين أرسلهم لهدايتهم فقتلوهم بدون أدنى شبهة تحمل على الإساءة إليهم فضلا عن قتلهم .وقال - سبحانه - { بِغَيْرِ حَقٍّ } مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدا .
لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر فى شريعتهم لأنها تحرمه .قال - تعالى - { مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً }فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم ، وتخليد مذمتهم ، وتقبيح إجرامهم حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ فى الفهم ، أو تأول فى الحكم أو شبهة فى الأمر ، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا ، ومخالفون لشرع الله عن تعمد وإصرار .ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق ، فما فائدة ذكره؟
قلت : معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم ، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا ، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم .فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم .وقال الفخر الرازى ما ملخصه : فإن : قيل : قال هنا : { وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ } وقال فى سورة البقرة { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } فما الفرق؟
قلت : إن الحق المعلوم بين المسلمين الذى يوجب القتل يتجلى فى حديث : " لا تحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق " فالحق المذكور فى سورة البقرة إشارة إلى هذا .
وأما الحق المنكر هنا فالمراد به تأكيد العموم أى لم يكن هناك أى حق يستندون إليه ، لا هذا الذى يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة .ونسب - سبحانه - القتل إلى أولئك اليهود المعاصرين للعهد النبوى مع أن القتل قد صدر عن أسلافهم ، لأن أولئك المعاصرين كانوا راضين بفعل آبائهم وأجدادهم ، فصحت نسبة القتل إليهم ، ولأن بعض أولئك المعاصرين قد هَمَّ بقتل النبى صلى الله عليه وسلم فكف الله - تعالى - أيديهم الأثيمة عنه .ثم سجل الله - تعالى - جريمتهم الثالثة بقوله { ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } .العصيان : الخروج عن طاعة الله ، والاعتداء : تجاوز الحد الذى حده الله - تعالى - لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شىء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه .وللمفسرين فى مرجع اسم الإشارة { ذلك } فى قوله { ذلك بِمَا عَصَوْاْ } رأيان :أولهما : أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم لأنبيائه ، وعليه يكون المعنى :إن هؤلاء اليهود قد ألفوا العصيان لخالقهم والتعدى لحدوده بجرأة وعدم مبالاة ، فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه ، وباشروا تلك الكبائر بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة .والجملة الكريمة على هذا الرأى تفيد أن التردى فى المعاصى ، وارتكاب ما نهى الله عنه ، وتجاوز الحدود المشروعة ، يؤدى إلى الانتقال من صغير الذنوب إلى كبيرها ومن حقيرها إلى عظيمها لأن هؤلاء اليهود حين استمرأوا المعاصى ، هانت على نفوسهم الفضائل ، وانكسرت أمام شهواتهم كل المثل العليا فكذبوا بآيات الله تكذيبا ، وقتلوا من جاءهم بالهدى ودين الحق .وثانيهما : أن اسم الإشارة { ذلك } فى قوله { ذلك بِمَا عَصَوْاْ } يعود إلى نفس المشار إليه باسم الإشارة الأول وهو قوله { ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ } .وتكون الحكمة فى تكرار الإشارة هو تمييز المشار إليه ، حرصاً على معرفته ، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة عليهم واستحقاقهم لغضب الله كما أشرنا من قبل .والإشارة حينئذ من قبيل التكرير المغنى عن العطف كما فى قوله - تعالى - { أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون } والمعنى : أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة ، وصاروا أحقاء بسخط الله بسبب كفرهم بآياتنا وقتلهم أنبياءنا وخروجهم عن طاعتنا ، وتعديهم حدودنا .وعلى هذا الرأى يكون ذكر أسباب العقوبة التى حلت بهم فى الدرجة العيا من حسن الترتيب فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه فى حقه وهو كفرهم بآياته .
ثم ثنى بما يتلوه فى العظم وهو قتلهم لأنبيائه ، ثم وصمهم بعد ذلك بالعصيان والخروج عن طاعته ، ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء وتخطى الحدود ، وعدم المبالاة بالعهود .وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم فى سوق الأحكام مشفوعة بعللها وأسبابها .وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد بدأت حديثها بمدح الأمة الإسلامية بأنها خير أمة أخرجت للناس ، ثم ثنت بدعوة أهل الكتاب إلى الإسلام وبإخبار المؤمنين بأن أعداءهم لن يضروهم ضررا يؤثر فى كيانهم ما داموا معتصمين بتعاليم دينهم ، ثم ختمت حديثها ببيان العقوبات التى حلت باليهود بسبب كفرهم وبغيهم .وبعد هذا الحديث الحكم عن أهل الكتاب ، وعن العقوبات التى أنزهلا - سبحانه - باليهود بسبب فسقهم وظلمهم ، بعد كل ذلك ساق - سبحانه - آيات كريمة تمدح من يستحق المدح من أهل الكتاب إنصافا لهم وتكريما لذواتهم فقال - تعالى - : { لَيْسُواْ سَوَآءً .
.
.
} .
واعلم أنه تعالى لما بيّن أنهم إن قاتلوا رجعوا مخذولين غير منصورين ذكر أنهم مع ذلك قد ضربت عليهم الذلة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا تفسير هذه اللفظة في سورة البقرة، والمعنى جعلت الذلة ملصقة ربهم كالشيء يضرب على الشيء فيلصق به، ومنه قولهم: ما هذا علي بضربة لازب، ومنه تسمية الخراج ضريبة.
المسألة الثانية: الذلة هي الذل، وفي المراد بهذا الذل أقوال الأول: وهو الأقوى أن المراد أن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم وتملك أراضيهم فهو كقوله تعالى: ﴿ اقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله ﴾ والمراد إلا بعهد من الله وعصمة وذِمام من الله ومن المؤمنين لأن عند ذلك تزول الأحكام، فلا قتل ولا غنيمة ولا سبي الثاني: أن هذه الذلة هي الجزية، وذلك لأن ضرب الجزية عليهم يوجب الذلة والصغار والثالث: أن المراد من هذه الذلة أنك لا ترى فيهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً معتبراً، بل هم مستخفون في جميع البلاد ذليلون مهينون.
واعلم أنه لا يمكن أن يقال المراد من الذلة هي الجزية فقط أو هذه المهانة فقط لأن قول: ﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله ﴾ يقتضي زوال تلك الذلة عند حصول هذا الحبل والجزية والصغار والدناءة لا يزول شيء منها عند حصول هذا الحبل، فامتنع حمل الذلة على الجزية فقط، وبعض من نصر هذا القول، أجاب عن هذا السؤال بأن قال: إن هذا الاستثناء منقطع، وهو قول محمد بن جرير الطبري، فقال: اليهود قد ضربت عليهم الذلة، سواء كانوا على عهد من الله أو لم يكونوا فلا يخرجون بهذا الاستثناء من الذلة إلى العزة، فقوله: ﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله ﴾ تقديره لكن قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس.
واعلم أن هذا ضعيف لأن حمل لفظ ﴿ إِلا ﴾ على (لكن) خلاف الظاهر، وأيضاً إذا حملنا الكلام على أن المراد: لكن قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس لم يتم هذا القدر فلابد من إضمار الشيء الذي يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه والإضمار خلاف الأصل، فلا يصار إلى هذه الأشياء إلا عند الضرورة فإذا كان لا ضرورة هاهنا إلى ذلك كان المصير إليه غير جائز، بل هاهنا وجه آخر وهو أن يحمل الذلة على كل هذه الأشياء أعني: القتل، والأسر، وسبي الذراري، وأخذ المال، وإلحاق الصغار، والمهانة، ويكون فائدة الاستثناء هو أنه لا يبقى مجموع هذه الأحكام، وذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام، وهو أخذ القليل من أموالهم الذي هو مسمى بالجزية، وبقاء المهانة والحقارة والصغار فيهم، فهذا هو القول في هذا الموضع، وقوله: ﴿ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ ﴾ أي وجدوا وصودفوا، يقال: ثقفت فلاناً في الحرب أي أدركته، وقد مضى الكلام فيه عند قوله: ﴿ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ .
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله ﴾ فيه وجوه: الأول: قال الفرّاء: التقدير إلا أن يعتصموا بحبل من الله، وأنشد على ذلك: رأتني بحبلها فصدت مخافة *** وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق واعترضوا عليه، فقالوا: لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته، لأن الموصول هو الأصل والصلة فرع فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه، أما حذف الأصل وإبقاء الفرع فهو غير جائز الثاني: أن هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى، لأن معنى ضرب الذلة لزومها إياهم على أشد الوجوه بحيث لا تفارقهم ولا تنفك عنهم، فكأنه قيل: لا تنفك عنهم الذلة، ولن يتخلصوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس الثالث: أن تكون الباء بمعنى (مع) كقولهم: اخرج بنا نفعل كذا، أي معنا، والتقدير: إلا مع حبل من الله.
المسألة الرابعة: المراد من حبل الله عهده، وقد ذكرنا فيما تقدم أن العهد إنما سمي بالحبل لأن الإنسان لما كان قبل العهد خائفاً، صار ذلك الخوف مانعاً له من الوصول إلى مطلوبه، فإذا حصل العهد توصل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه، فصار ذلك شبيهاً بالحبل الذي من تمسك به تخلص من خوف الضرر.
فإن قيل: إنه عطف على حبل الله حبلاً من الناس وذلك يقتضي المغايرة فكيف هذه المغايرة؟
قلنا: قال بعضهم: حبل الله هو الإسلام، وحبل الناس هو العهد والذمة، وهذا بعيد لأنه لو كان المراد ذلك لقال: أو حبل من الناس، وقال آخرون: المراد بكلام الحبلين العهد والذمة والأمان، وإنما ذكر تعالى الحبلين لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بإذن الله وهذا عندي أيضاً ضعيف، والذي عندي فيه أن الأمان الحاصل للذمي قسمان أحدهما: الذي نص الله عليه وهو أخد الجزية والثاني: الذي فوض إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة وينقص بحسب الاجتهاد فالأول: هو المسمى بحبل الله والثاني: هو المسمى بحبل المؤمنين والله أعلم.
ثم قال: ﴿ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مّنَ الله ﴾ وقد ذكرنا أن معناه: أنهم مكثوا، ولبثوا وداموا في غضب الله، وأصل ذلك مأخوذ من البوء وهو المكان، ومنه: تبوأ فلان منزل كذا وبوأته إياه، والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا فيه، وسواء قولك: حل بهم الغضب وحلوا به.
ثم قال: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة ﴾ والأكثرون حملوا المسكنة على الجزية وهو قول الحسن قال وذلك لأنه تعالى أخرج المسكنة عن الاستثناء وذلك يدل على أنها باقية عليهم غير زائلة عنهم، والباقي عليهم ليس إلا الجزية، وقال آخرون: المراد بالمسكنة أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان غنياً موسراً، وقال بعضهم: هذا إخبار من الله سبحانه بأنه جعل اليهود أرزاقاً للمسلمين فيصيرون مساكين، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأنواع من الوعيد قال: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بئايات الله وَيَقْتُلُونَ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ ﴾ والمعنى: أنه تعالى ألصق باليهود ثلاثة أنواع من المكروهات أولها: جعل الذلة لازمة لهم وثانياً: جعل غضب الله لازماً لهم.
وثالثها: جعل المسكنة لازمة لهم، ثم بيّن في هذه الآية أن العلة لإلصاق هذه الأشياء المكروهة بهم هي: أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، وهنا سؤالات: السؤال الأول: هذه الذلة والمسكنة إنما التصقت باليهود بعد ظهور دولة الإسلام، والذين قتلوا الأنبياء بغير حق هم الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم بأدوار وأعصار، فعلى هذا الموضع الذي حصلت فيه العلة وهو قتل الأنبياء لم يحصل فيه المعلول الذي هو الذلة والمسكنة، والموضع الذي حصل فيه هذا المعلول لم تحصل فيه العلة، فكان الإشكال لازماً.
والجواب عنه: أن هؤلاء المتأخرين وإن كان لم يصدر عنهم قتل الأنبياء عليهم السلام لكنهم كانوا راضين بذلك، فإن أسلافهم هم الذين قتلوا الأنبياء وهؤلاء المتأخرون كانوا راضين بفعل أسلافهم، فنسب ذلك الفعل إليهم من حيث كان ذلك الفعل القبيح فعلاً لآبائهم وأسلافهم مع أنهم كانوا مصوبين لأسلافهم في تلك الأفعال.
السؤال الثاني: لم كرر قوله: ﴿ ذلك بِمَا عَصَواْ ﴾ وما الحكمة فيه ولا يجوز أن يقال التكرير للتأكيد، لأن التأكيد يجب أن يكون بشيء أقوى من المؤكد، والعصيان أقل حالاً من الكفر فلم يجز تأكيد الكفر بالعصيان؟.
والجواب من وجهين: الأول: أن علة الذلة والغضب والمسكنة هي الكفر وقتل الأنبياء، وعلة الكفر وقتل الأنبياء هي المعصية، وذلك لأنهم لما توغلوا في المعاصي والذنوب فكانت ظلمات المعاصي تتزايد حالاً فحالاً، ونور الإيمان يضعف حالاً فحالاً، ولم يزل كذلك إلى أن بطل نور الإيمان وحصلت ظلمة الكفر، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ فقوله: ﴿ ذلك بِمَا عَصَواْ ﴾ إشارة إلى علة العلة ولهذا المعنى قال أرباب المعاملات، من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفريضة، ومن ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر الثاني: يحتمل أن يريد بقوله: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ من تقدم منهم، ويريد بقوله: ﴿ ذلك بِمَا عَصَواْ ﴾ من حضر منهم في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لا يلزم التكرار، فكأنه تعالى بيّن علة عقوبة من تقدم، ثم بيّن أن من تأخر لما تبع من تقدم كان لأجل معصيته وعداوته مستوجباً لمثل عقوبتهم حتى يظهر للخلق أن ما أنزله الله بالفريقين من البلاء والمحنة ليس إلا من باب العدل والحكمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بِحَبْلٍ مّنْ الله ﴾ في محل النصب على الحال، بتقدير: إلا معتصمين أو متمسكين أو متلبسين بحبل من الله وهو استثناء من أعم عام الأحوال.
والمعنى: ضربت عليهم الذلة في عامّة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، يعني ذمّة الله وذمّة المسلمين، أي لاعز لهم قط إلا بهذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمّة لما قبلوه من الجزية ﴿ وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله ﴾ استوجبوه ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة ﴾ كما يضرب البيت على أهله، فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها، وهم اليهود عليهم لعنة الله وغضبه ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبواء بغضب الله أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء، ثم قال: ﴿ ذلك بِمَا عَصَواْ ﴾ أي ذلك كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده ليعلم أنّ الكفر وحده ليس بسبب في استحقاق سخط الله، وأنّ سخط الله يستحق بركوب المعاصي كما يستحق بالكفر.
ونحوه ﴿ مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ ﴾ [نوح: 25] ، ﴿ وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل ﴾ [النساء: 161] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ هَدْرُ النَّفْسِ والمالِ والأهْلِ، أوْ ذُلُّ التَّمَسُّكِ بِالباطِلِ والجِزْيَةِ.
﴿ أيْنَ ما ثُقِفُوا ﴾ وُجِدُوا ﴿ إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ ﴾ اسْتِثْناءً مِن أعَمِّ عامَ الأحْوالِ أيْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ في عامَّةِ الأحْوالِ إلّا مُعْتَصِمِينَ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِذِمَّةِ اللَّهِ أوْ كِتابِهِ الَّذِي آتاهم وذِمَّةِ المُسْلِمِينَ، أوْ بِدِينِ الإسْلامِ واتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ.
﴿ وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ رَجَعُوا بِهِ مُسْتَوْجِبِينَ لَهُ ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ﴾ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ إحاطَةَ البَيْتِ المَضْرُوبِ عَلى أهْلِهِ، واليَهُودُ في غالِبِ الأمْرِ فُقَراءُ ومَساكِينُ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والبَوْءِ بِالغَضَبِ.
﴿ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ.
والتَّقْيِيدُ بِغَيْرِ حَقٍّ مَعَ أنَّهُ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَقًّا بِحَسَبِ اعْتِقادِهِمْ أيْضًا.
﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الكُفْرُ والقَتْلُ.
﴿ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ، فَإنَّ الإصْرارَ عَلى الصَّغائِرِ يُفْضِي إلى الكَبائِرِ، والِاسْتِمْرارَ عَلَيْها يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ.
وقِيلَ مَعْناهُ أنَّ ضَرْبَ الذِّلَّةِ في الدُّنْيا واسْتِيجابَ الغَضَبِ في الآخِرَةِ كَما هو مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ أيْضًا.
<div class="verse-tafsir"
{ضُرِبَتْ} ألزمت {عَلَيْهِمُ الذلة} أي على اليهود {أينما ثُقِفُواْ} وجدوا {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله} في محل النصب على الحال والباء متعلق بمحذوف تقديره إلا معتصمين أو متمسكين بحبل من الله {وَحَبْلٍ مّنَ الناس} والحبل العهد والذمة والمعنى ضربت عليهم الذلة في كل حال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس يعني ذمة الله وذمة المسلمين أي لا عز لهم قط الاهذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية {وباؤوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله} استوجبوه {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة} الفقر عقوبة لهم على قولهم إِنَّ الله فقير ونحن أغنياء أو خوف الفقر مع قيام اليسار {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله وَيَقْتُلُونَ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ}
ذلك إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بغضب الله أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ثم قال {ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي ذلك الكفر وذلك القتل كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده
﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ أيْ ذِلَّةُ هَدْرِ النَّفْسِ والمالِ والأهْلِ، وقِيلَ: ذِلَّةُ التَّمَسُّكِ بِالباطِلِ وإعْطاءِ الجِزْيَةِ، قالَ الحَسَنُ: أذَلَّهُمُ اللَّهُ تَعالى فَلا مَنَعَةَ لَهم، وجَعَلَهم تَحْتَ أقْدامِ المُسْلِمِينَ، وهَذا مِن ضَرْبِ الخِيامِ والقِبابِ كَما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، قِيلَ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وقَدْ يُشَبَّهُ إحاطَهُ الذِّلَّةِ واشْتِمالِها عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ فَلانٌ الضَّرِيبَةَ عَلى عَبْدِهِ أيْ ألْزَمَها إيّاهُ، فالمَعْنى ألْزَمُوا الذِّلَّةَ وثَبَتَتْ فِيهِمْ فَلا خَلاصَ لَهم مِنها ﴿ أيْنَ ما ثُقِفُوا ﴾ أيْ وُجِدُوا، وقِيلَ: أُخِذُوا وظُفِرَ بِهِمْ، و( أيْنَما ) شَرْطٌ، و( ما ) زائِدَةٌ، وثُقِفُوا في مَوْضِعِ جَزْمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أوْ هو بِنَفْسِهِ عَلى رَأْيٍ.
﴿ إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والمَعْنى عَلى النَّفْيِ أيْ لا يَسْلَمُونَ مِنَ الذِّلَّةِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أنْ يَكُونُوا مُعْتَصِمِينَ بِذِمَّةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كِتابِهِ الَّذِي أتاهم وذِمَّةِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهم بِذَلِكَ يَسْلَمُونَ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وسَبْيِ الذَّرارِيِّ واسْتِئْصالِ الأمْوالِ.
وقِيلَ: أيْ إلّا في حالِ أنْ يَكُونُوا مُتَلَبِّسِينَ بِالإسْلامِ واتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم حِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ عَنْهم ذُلُّ التَّمَسُّكِ والإعْطاءِ.
﴿ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ رَجَعُوا بِهِ وهو كِنايَةٌ عَنِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ واسْتِيجابِهِمْ إيّاهُ مِن قَوْلِهِمْ باءَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا صارَ حَقِيقًا أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فالمُرادُ صارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبِهِ سُبْحانَهُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والوَصْفُ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ.
﴿ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ﴾ فَهم في الغالِبِ مَساكِينُ وقَلَّما يُوجَدُ يَهُودِيٌّ يُظْهِرُ الغِنى.
( ﴿ ذَلِكَ ﴾ ) أيِ المَذْكُورُ مِنَ المَذْكُوراتِ ﴿ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ أصْلًا، ونِسْبَةُ القَتْلِ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهُ فِعْلُ أسْلافِهِمْ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
﴿ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ ( 211 ) إشارَةً إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ القُرْبُ فَلا تَكْرارَ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ ضَرْبَ الذِّلَّةِ وما يَلِيهِ كَما هو مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهم فَهو مُعَلَّلٌ بِعِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي والمُضارِعِ لِما مَرَّ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ( ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴾ ) وكَذا جُمْلَةُ ( ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ ﴾ ) وما عَطْفٌ عَلَيْها وارِدَتانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ولِذا لَمْ يُعْطَفا عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ قَبْلَهُما، وإنَّما لَمْ يَعْطِفِ الِاسْتِطْرادَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِتَباعُدِهِما وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما نَوْعًا مِنَ الكَلامِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مَعَ ما بَعْدَهُما مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ آمَنَ ﴾ مُبَيِّنٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ ﴾ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ المَفْرُوضَ إيمانُ الجَمِيعِ، وإلّا فَبَعْضُهم مُؤْمِنُونَ رَفْعًا لِسُوءِ الظَّنِّ بِالبَعْضِ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ ﴾ بَيانٌ لِما هو خَيْرٌ لَهم وهو أنَّهم لِعَدَمِ إيمانِهِمْ مُبْتَلَوْنَ بِمَشَقَّةِ التَّدْبِيرِ لِإضْرارِكم وبِالحُزْنِ عَلى الخَيْبَةِ وتَدْبِيرِ الغَلَبَةِ عَلَيْكم بِالمُقابَلَةِ والغَلَبَةِ لَكم، وفي طَلَبِ الرِّياسَةِ بِمُخالَفَتِكم، وضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ لِتِلْكَ المُخالَفَةِ، وفي طَلَبِ المالِ بِأخْذِ الرِّشْوَةِ بِتَحْرِيفِ كِتابِهِمْ وضَرْبِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةَ، ولَوْ آمَنُوا لَنَجَوْا مِن جَمِيعِ ذَلِكَ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ وتَحَمُّلِ بُعْدِهِ لا يَأْبى القَوْلَ بِالِاسْتِطْرادِ لِأنَّهُ أنْ يُذْكَرَ في أثْناءِ الكَلامِ ما يُناسِبُهُ ولَيْسَ السِّياقُ لَهُ، وإنَّما يَأْبى الِاعْتِراضَ ولا نَقُولُ بِهِ فَتَأمَّلْ.
* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ ﴾ الَّذِي هو القُرْبُ مِنَ اللَّهِ ﴿ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ أيْ بَعْضَهُ، والإشارَةُ بِهِ إلى النَّفْسِ فَإنَّها إذا أنْفَقَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ زالَ الحِجابُ الأعْظَمُ وهانَ إنْفاقُ كُلٍّ بَعْدَها ﴿ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ فَيَنْبَغِي تَحَرِّي ما يُرْضِيهِ، ويُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: المُنْفِقُونَ عَلى أقْسامٍ: فَمِنهم مَن يُنْفِقُ عَلى مُلاحَظَةِ الجَزاءِ والعِوَضِ، ومِنهم مَن يُنْفِقُ عَلى مُراقَبَةِ رَفْعِ البَلاءِ والمِحَنِ، ومِنهم مَن يُنْفِقُ اكْتِفاءً بِعِلْمِهِ، ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ مَن قالَ: ويَهْتَزُّ لِلْمَعْرُوفِ في طَلَبِ العُلا لِتُذْكَرَ يَوْمًا عِنْدَ سَلْمى شَمائِلُهْ ﴿ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ ﴾ قِيلَ: فائِدَةُ الإخْبارِ بِذَلِكَ تَعْلِيمُ أهْلِ المَحَبَّةِ أنْ يَتْرُكُوا ما حُبِّبَ إلَيْهِمْ مِنَ الأطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ واللَّذائِذِ الدُّنْيَوِيَّةِ رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ وهو الكَعْبَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ المَظاهِرِ لَهُ تَعالى حَتّى قالُوا: إنَّها لِلْمُحَمِّدِيِينَ كالشَّجَرَةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ( ﴿ مُبارَكًا ﴾ ) بِما كَساهُ مِن أنْوارِ ذاتِهِ ( ﴿ وهُدًى ﴾ ) بِما كَساهُ مِن أنْوارِ صِفاتِهِ ( ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ ) عَلى حَسْبِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ المُشْتَمِلُ عَلى الرِّضا والتَّسْلِيمِ والِانْبِساطِ واليَقِينِ والمُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ والخُلَّةِ والفُتُوَّةِ، أوِ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ والفَناءِ والبَقاءِ والسُّكْرِ والصَّحْوِ، أوْ جَمِيعِ ذَلِكَ.
﴿ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ مِن غَوائِلِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ مَقامُ التَّمْكِينِ ( وتَطْبِيقُ ذَلِكَ عَلى ما في الأنْفُسِ ) أنَّ البَيْتَ إشارَةٌ إلى القَلْبِ الحَقِيقِيِّ، ويُحْمَلُ ما ورَدَ أنَّ البَيْتَ أوَّلُ ما ظَهَرَ عَلى وجْهِ الماءِ عِنْدَ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وخُلِقَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ وكانَ زُبْدَةً بَيْضاءَ عَلى وجْهِ الماءِ فَدَحِيَتِ الأرْضُ تَحْتَهُ عَلى ذَلِكَ، وظُهُورُهُ عَلى الماءِ حِينَئِذٍ تَعَلُّقُهُ بِالنُّطْفَةِ عِنْدَ خَلْقِ سَماءِ الرُّوحِ الحَيَوانِ وأرْضِ البَدَنِ، وخَلْقُهُ قَبْلَ الأرْضِ إشارَةٌ إلى قِدَمِهِ وحُدُوثِ البَدَنِ، وتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِألْفَيْ عامٍ إشارَةٌ إلى تَقَدُّمِهِ عَلى البَدَنِ بِطَوْرَيْنِ طَوْرِ النَّفْسِ وطَوْرِ القَلْبِ تَقَدُّمًا بِالرُّتْبَةِ، إذِ الألْفُ رُتْبَةٌ تامَّةٌ، وكَوْنُهُ زُبْدَةً بَيْضاءَ إشارَةً إلى صَفاءِ جَوْهَرِهِ، ودَحْوُ الأرْضِ تَحْتَهُ إشارَةً إلى تَكَوُّنِ البَدَنِ مِن تَأْثِيرِهِ، وكَوْنِ أشْكالِهِ وصُوَرِ أعْضائِهِ تابِعَةً لِهَيْئاتِهِ، ولا يَخْفى أنَّ مَحَلَّ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالبَدَنِ واتِّصالِ القَلْبِ الحَقِيقِيِّ بِهِ أوَّلًا هو القَلْبُ الصَّنَوْبَرِيُّ وهو أوَّلُ ما يَتَكَوَّنُ مِنَ الأعْضاءِ، وأوَّلُ عُضْوٍ يَتَحَرَّكُ، وآخِرُ عُضْوٍ يَسْكُنُ، فَيَكُونُ ﴿ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ الصَّدْرُ صُورَةٌ، أوْ أوَّلُ مُتَعَبَّدٍ وُضِعَ لَهم لِلْقَلْبِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو بِبَكَّةَ الصَّدْرِ المَعْنَوِيِّ الَّذِي هو أشْرَفُ مَقامٍ في النَّفْسِ ومَوْضِعِ ازْدِحامِ القُوى إلَيْهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ ( مُبارَكًا ) أنَّهُ ذُو بَرَكَةٍ إلَهِيَّةٍ بِسَبَبِ فَيْضِ الخَيْرِ عَلَيْهِ، وكَوْنُهُ ( هُدًى ) أنَّهُ يُهْتَدى بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى -والآياتُ - الَّتِي فِيهِ هي العُلُومُ والمَعارِفُ والحِكَمُ والحَقائِقُ، و ﴿ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ إشارَةٌ إلى العَقْلِ الَّذِي هو مَقامُ قَدَمِ إبْراهِيمَ الرُّوحِ يَعْنِي مَحَلَّ اتِّصالِ نُورِهِ مِنَ القَلْبِ، ولا شَكَّ أنْ مَن دَخَلَ ذَلِكَ ( كانَ آمِنًا ) مِن أعْداءِ سِعالى المُتَخَيَّلَةِ وعَفارِيتِ أحادِيثِ النَّفْسِ واخْتِطافِ شَياطِينِ الوَهْمِ وجِنِّ الخَيالاتِ واغْتِيالِ سِباعِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وصِفاتِها.
﴿ ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ وهم أهْلُ مَعْرِفَتِهِ عَزِّ شَأْنُهُ، وأمّا الجاهِلُونَ بِهِ فَلا قامُوا ولا قَعَدُوا، يُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِلشِّبْلِيِّ: إنِّي حَجَجْتُ فَقالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ ؟
فَقُلْتُ: اغْتَسَلْتُ وأحْرَمْتُ وصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ولَبَّيْتُ، فَقالَ لِي: عَقَدْتَ بِهِ الحَجَّ ؟
فَقُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: فَسَخْتَ بِعَقْدِكَ كُلَّ عَقْدٍ عَقَدْتَ مُنْذُ خُلِقْتَ مِمّا يُضادُّ هَذا العَقْدَ ؟
قُلْتُ: لا.
قالَ: فَما عَقَدْتَ، ثُمَّ قالَ: نَزَعْتَ ثِيابَكَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: تَجَرَّدْتَ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ فَعَلْتَ ؟
قُلْتُ: لا.
قالَ: ما نَزَعْتَ، فَقالَ: تَطَهَّرْتَ ؟
قالَ: نَعَمْ.
قالَ: أزَلْتَ عَنَّكَ كُلَّ عِلَّةٍ ؟
فَقُلْتُ: لا، قالَ: فَما تَطَهَّرْتَ، قالَ: لَبَّيْتَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: وجَدْتَ جَوابَ التَّلْبِيَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ؟
قُلْتُ: لا.
قالَ: ما لَبَّيْتَ، قالَ: دَخَلْتَ الحَرَمَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: اعْتَقَدْتَ بِدُخُولِكَ تَرْكَ كُلِّ مُحَرَّمٍ ؟
قُلْتُ: لا.
قالَ: ما دَخَلْتَ، قالَ: أشْرَفْتَ عَلى مَكَّةَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: أشْرَفَ عَلَيْكَ حالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ؟
قُلْتُ: لا.
قالَ: ما أشْرَفْتَ.
قالَ: دَخَلْتَ المَسْجِدَ الحَرامَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: دَخَلْتَ الحَضْرَةَ ؟
قُلْتُ: لا.
قالَ: ما دَخَلْتَ المَسْجِدَ الحَرامَ، قالَ: رَأيْتَ الكَعْبَةَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَأيْتَ ما قَصَدْتَ لَهُ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما رَأيْتَ الكَعْبَةَ، قالَ: رَمَلْتَ وسَعَيْتَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: هَرَبْتَ مِنَ الدُّنْيا ووَجَدْتَ أمْنًا مِمّا هَرَبْتَ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما فَعَلْتَ شَيْئًا، قالَ: صافَحْتَ الحَجَرَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: مَن صافَحَ الحَجَرَ فَقَدْ صافَحَ الحَقَّ، ومَن صافَحَ الحَقَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُ الأمْنِ أفَظَهَرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما صافَحْتَ، قالَ: أصْلَيْتَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدُ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أوَجَدْتَ نَفْسَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما صَلَّيْتَ، قالَ: خَرَجْتَ إلى الصَّفا ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أكَبَّرْتَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
فَقالَ: أصَفا سِرُّكَ وصَغُرَتْ في عَيْنِكَ الأكْوانُ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما خَرَجْتَ ولا كَبَّرْتَ، قالَ: هَرْوَلْتَ في سَعْيِكَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: هَرَبَتْ مِنهُ إلَيْهِ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما هَرْوَلْتَ، قالَ: وقَفْتَ عَلى المَرْوَةِ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَأيْتَ نُزُولَ السَّكِينَةِ عَلَيْكَ وأنْتَ عَلَيْها ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما وقَفْتَ عَلى المَرْوَةِ، قالَ: خَرَجْتَ إلى مِنًى؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أعْطَيْتَ ما تَمَنَّيْتَ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما خَرَجْتَ، قالَ: دَخَلْتَ مَسْجِدَ الخَيْفِ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: تَجَدَّدَ لَكَ خَوْفٌ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما دَخَلْتَ، قالَ: مَضَيْتَ إلى عَرَفاتٍ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: عَرَفْتَ الحالَ الَّذِي خُلِقْتَ لَهُ والحالَ الَّذِي تَصِيرُ إلَيْهِ ؟
وهَلْ عَرَفْتَ مَن رَبَّكَ ما كُنْتَ مُنْكِرًا لَهُ ؟
وهَلْ تَعْرِفُ الحَقَّ إلَيْكَ بِشَيْءٍ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما مَضَيْتَ، قالَ: نَفَرْتَ إلى المَشْعَرِ الحَرامِ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: ذَكَرْتَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ ذِكْرًا أنْساكَ ذِكْرَ ما سِواهُ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما نَفَرْتَ، قالَ: ذَبَحْتَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أفْنَيْتَ شَهَواتِكَ وإراداتِكَ في رِضاءِ الحَقِّ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما ذَبَحْتَ، قالَ: رَمَيْتَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَمَيْتَ جَهْلَكَ مِنكَ بِزِيادَةِ عِلْمٍ ظَهَرَ عَلَيْكَ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما رَمَيْتَ، قالَ: زُرْتَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: كُوشِفْتَ عَنِ الحَقائِقِ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما زُرْتَ، قالَ: أحْلَلْتَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: عَزَمْتَ عَلى الأكْلِ مِنَ الحَلالِ قَدْرَ ما تَحْفَظُ بِهِ نَفْسَكَ؟
قُلْتُ: لا.
قالَ: ما أحْلَلْتَ، قالَ: ودَّعْتَ ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: خَرَجْتَ مِن نَفْسِكَ ورُوحِكَ بِالكُلِّيَّةِ ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: ما ودَّعْتَ ولا حَجَجْتَ وعَلَيْكَ العَوْدُ إنْ أحْبَبْتَ وإذا حَجَجْتَ فاجْتَهِدْ أنْ تَكُونَ كَما وصَفْتُ لَكَ انْتَهى.
فَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الشِّبْلِيُّ هو الحَجُّ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أنْ يُقالَ لَهُ حَجٌّ، ولِلَّهِ تَعالى عِبادٌ أهَّلَهم لِذَلِكَ وأقْدَرَهم عَلى السُّلُوكِ في هاتِيكَ المَسالِكِ فَحَجُّهم في الحَقِيقَةِ مِنهُ إلَيْهِ ولَهُ فِيهِ، فَمَطافُهم حَظائِرُ القَرْيَةِ عَلى بِساطِ الحِشْمَةِ ومَوْقِفُهم عَرَفَةُ العِرْفانِ عَلى ساقِ الخِدْمَةِ، لَيْسَ لَهم غَرَضٌ في الجُدْرانِ والأحْجارِ، وهَيْهاتَ هَيْهاتَ ما غَرَضُ المَجْنُونِ مِنَ الدِّيارِ إلّا الدِّيارُ، ومِن كَفَرَ وأعْرَضَ عَنِ المَوْلى بِهَوى النَّفْسِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ فَهو سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْهُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ.
﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ﴿ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ﴾ إذْ هو أقْرَبُ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِالإنْكارِ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ بِإيرادِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ ﴿ وأنْتُمْ شُهَداءُ ﴾ عالِمُونَ بِأنَّها حَقٌّ لا اعْوِجاجَ فِيها ﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ فَيُجازِيكم بِهِ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ خَوْفًا مِن إنْكارِهِمْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِيقَةِ والطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ الرّاسِخِ فِيكم ﴿ كافِرِينَ ﴾ لِأنَّ إنْكارَ الحَقِيقَةِ كُفْرٌ كَإنْكارِ الشَّرِيعَةِ، ﴿ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ أيْ مَن يَعْتَصِمْ بِهِ مِنهُ فَقَدَ اهْتَدى إلَيْهِ بِهِ، قالَ الواسِطِيُّ: ومَن زَعَمَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ بِهِ مِن غَيْرِهِ فَقَدْ جَهِلَ عَظَمَةَ الرُّبُوبِيَّةِ، وحَقِيقَةُ الِاعْتِصامِ عِنْدَ بَعْضِهِمُ انْجِذابُ القَلْبِ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي هي الأصْنامُ المَعْنَوِيَّةُ والتَّبَرِّي إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وقِيلَ: الِاعْتِصامُ لِلْمُحِبِّينَ هو اللَّجَأُ بِطَرْحِ السَّوِيِّ، ولِأهْلِ الحَقائِقِ رَفْعُ الِاعْتِصامِ لِمُشاهَدَتِهِمْ أنَّهم في القَبْضَةِ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ بِصَوْنِ العُهُودِ وحِفْظِ الحُدُودِ والخُمُودِ تَحْتَ جَرَيانِ القَضاءِ بِنَعْتِ الرِّضا، وقِيلَ: حَقُّ التَّقْوى عَدَمُ رُؤْيَةِ التَّقْوى ﴿ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ لا تَمُوتُنَّ إلّا عَلى حالِ إسْلامِ الوُجُودِ لَهُ أيْ لِيَكُنْ مَوْتُكم هو الفَناءَ في التَّوْحِيدِ.
﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ وهو عَهْدُهُ الَّذِي أخَذَهُ عَلى العِبادِ يَوْمَ ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ ، ﴿ ولا تَفَرَّقُوا ﴾ بِاخْتِلافِ الأهْواءِ ﴿ واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ بِالهِدايَةِ إلى مَعالِمِ التَّوْحِيدِ المُفِيدِ لِلْمَحَبَّةِ في القُلُوبِ ﴿ إذْ كُنْتُمْ أعْداءً ﴾ لِاحْتِجابِكم بِالحُجُبِ النَّفْسانِيَّةِ والغَواشِي الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ بِالتَّحابِّ في اللَّهِ تَعالى لِتَنَوُّرِها بِنُورِهِ ﴿ فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ ﴾ عَلَيْكم ﴿ إخْوانًا ﴾ في الدِّينِ ﴿ وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ ﴾ وهي مَهْوى الطَّبِيعَةِ الفاسِقَةِ وجَهَنَّمُ الحِرْمانِ ﴿ فَأنْقَذَكم مِنها ﴾ بِالتَّواصُلِ الحَقِيقِيِّ بَيْنَكم إلى سِدْرَةِ مَقامِ الرُّوحِ ورُوحِ جَنَّةِ الذّاتِ.
﴿ ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ ﴾ كالعُلَماءِ العارِفِينَ أرْبابِ الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ ﴿ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ﴾ أيْ يُرْشِدُونَ النّاسَ إلى الكَمالِ المُطْلَقِ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ تَعالى والوُصُولِ إلَيْهِ ﴿ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ المُقَرَّبِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ المُبْعِدِ عَنْهُ تَعالى ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَبْقَ لَهم حِجابٌ وهم خُلَفاءُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ.
﴿ ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا ﴾ واتَّبَعُوا الأهْواءَ والبِدَعَ ﴿ واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ ﴾ الحُجَجُ العَقْلِيَّةُ والشَّرْعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلِاتِّحادِ واتِّفاقِ الكَلِمَةِ ﴿ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ مِنَ الحَضْرَةِ.
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ قالُوا: ابْيِضاضُ الوَجْهِ عِبارَةٌ عَنْ تَنَوُّرِ وجْهِ القَلْبِ بِنُورِ الحَقِّ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِ والإعْراضِ عَنِ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ النَّفْسانِيَّةِ المُظْلِمَةِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، واسْوِدادُهُ ظُلْمَةُ وجْهِ القَلْبِ بِالإقْبالِ عَلى النَّفْسِ الطّالِبَةِ لِحُظُوظِها والإعْراضِ عَنِ الجِهَةِ العُلْوِيَّةِ النُّورانِيَّةِ.
﴿ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ فَيُقالُ لَهم ﴿ أكَفَرْتُمْ ﴾ أيِ احْتَجَبْتُمْ عَنِ الحَقِّ بِصِفاتِ النَّفْسِ ﴿ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ أيْ تَنَوُرِّكم بِنُورِ الِاسْتِعْدادِ وصَفاءِ الفِطْرَةِ وهِدايَةِ العَقْلِ ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ وهو عَذابُ الِاحْتِجابِ عَنِ الحَقِّ ﴿ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ بِهِ ﴿ وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ الخاصَّةِ الَّتِي هي شُهُودُ الجَمالِ ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ باقُونَ بَعْدَ الفَناءِ.
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ ﴾ مِن مَكانِ الأزَلِ ﴿ لِلنّاسِ ﴾ أيْ لِنَفْعِهِمْ ﴿ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ المُوصِلِ إلى مَقامِ التَّوْحِيدِ ﴿ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ وهو القَوْلُ بِتَحَقُّقِ الكَثْرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ.
﴿ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ كَإيمانِكم ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ مِمّا هم عَلَيْهِ ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴾ كَإيمانِكم ﴿ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ ﴾ الخارِجُونَ عَنْ حَرَمِ الحَقِّ.
﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى ﴾ وهو الإنْكارُ عَلَيْكم بِالقَوْلِ ﴿ وإنْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ ولَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ الإيذاءِ ﴿ يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ﴾ ولا يَنالُونَ مِنكم شَيْئًا لِقُوَّةِ بَواطِنِكم وضَعْفِهِمْ ﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ لا يَنْصُرُهم أحَدٌ أصْلًا بَلْ يَبْقُونَ مَخْذُولِينَ لِعَدَمِ ظُهُورِ أنْوارِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ يقول جُعِلَتْ عليهم الجزية ويقال أَلْزِم عليهم القتال أَيْنَما ثُقِفُوا أي وُجدوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أي بعهد من الله وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يعني تحت قوم يؤدون إليهم الجزية، فإن لم يكن لهم عهد قتلوا وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ يقول: استوجبوا الغضب من الله تعالى.
ويقال: رجعوا بغضب من الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ يعني جعل عليهم زي الفقر.
قال الكلبي: فترى الرجل منهم غنياً، وعليه من البؤس والفقر والمسكنة.
ويقال: إنهم يظهرون من أنفسهم الفقر، لكيلا تضاعف عليهم الجزية ذلِكَ الذي يصيبهم بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ومحمد وبالقرآن وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ يعني رضوا بما فعل آباؤهم، فكأنهم قتلوهم ذلِكَ الغضب بِما عَصَوْا الله وَكانُوا يَعْتَدُونَ بأفعالهم كلما ذكر الله عقوبة قوم في كتابه بيّن المعنى الذي يعاقبهم لذلك، لكيلا يظن أحد أنه عذَّبهم بغير جُرْم.
ثم بيَّن فضيلة من آمن من أهل الكتاب على من لم يؤمن فقال تعالى: لَيْسُوا سَواءً قال بعضهم: هذا معطوف على الأول منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، ليسوا سواء في الثواب، فيكون هاهنا وقف.
وقال بعضهم: هذا ابتداء، ويكون فيه مضمر، فكأنه يقول: ليس من آمن منهم ويتلون آيات الله كمن هو كافر.
كقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر: 9] معناه: ليس كالذي هو من أهل النار، فكذلك هاهنا قال: ليس من آمن مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كمن لم يؤمن، فبين الذين آمنوا فقال: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يعني مُهَذَّبة عاملة بكتاب الله تعالى.
ويقال: مستقيمة.
وروى الزجاج عن الأخفش قال: ذو أمة قائمة، يعني ذو طريقة قائمة يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ يعني القرآن في الصلاة آناءَ اللَّيْلِ يعني في ساعات الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ أي يصلون لله.
قوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يقرون بالله وبمحمد وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي باتباعه وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن الشرك وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي يبادرون إلى الطاعات، والأعمال الصالحة وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد في الجنة.
وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ يعني لن تجحدوه ولن تنسوه يقول تجزون به، وتثابون عليه في الآخرة، وهذا كما روي عن النبيّ أنه قال: «البرُّ لا يَبْلَى وَالإثْمُ لا يُنْسَى» .
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ أي عليم بثوابهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ومن كان بمثل حالهم.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ كلاهما بالياء، والباقون كلاهما بالتاء على معنى المخاطبة.
<div class="verse-tafsir"
الكلام شيْءٌ مقدَّر لا يستغنِي المعنى عنه كقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ [البقرة: ١٨٤] المعنى: فَأَفْطَرَ، فَعِدَّةٌ.
وقوله تعالى: بَعْدَ إِيمانِكُمْ يقتضي أنَّ لهؤلاء المذكورين إيماناً متقدِّماً، واختلف أهل التأويل في تَعْيِينِهِمْ، فقال أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ: هم جميعُ الكُفَّارِ، وإيمانهم هو إقرارهم يَوْمَ قِيلَ لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «١» [الأعراف: ١٧٢] وقال أكثر المتأوِّلين: المراد أهل القبْلَة مِنْ هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسَنُ: الآية في المنافقين «٢» ، وقال قتادة: هي في أهْل الرَّدة «٣» ، وقال أبو أُمَامة: هي في الخَوَارج «٤» .
وقوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ الإشارة ب «تِلْكَ» إلى هذه الآياتِ المتضمِّنة تعذيبَ الكُفَّار، وتَنْعِيمَ المؤمنين، ولَمَّا كان في هذا ذكْرُ التعذيبِ، أخبر سبحانه أنه لا يريدُ أنْ يقع منه ظُلْمٌ لأحدٍ من العبادِ، وإذا لم يردْ ذلك، فلا يوجد ألبتة لأنه لا يَقَعُ من شيء إلاَّ ما يريده سُبْحانه، وقوله: بِالْحَقِّ: معناه بالإخبار الحَقِّ، ويحتمل أنْ يكون المعنى: نَتْلُوهَا عَلَيْكَ مضمَّنة الأفعال التي هِيَ حَقٌّ في نفسها من كرامةِ قومٍ، وتعذيبِ آخرينَ، ولما كان للذِّهْنِ أنْ يقف هنا في الوَجْه الذي به خَصَّ اللَّه قومًا بعملٍ يرحمهم مِنْ أجله، وآخرين بعملٍ يعذِّبهم عليه، ذكر سبحانه الحُجَّة القاطعة في مِلْكِهِ جميعَ المخلوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ أَلاَّ يعترض علَيْه وذلك في قوله: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ...
الآية/.
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)
وقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ...
الآية: اختلفَ في تأويل هذه الآية.
فقيل: نزلَتْ في الصحابة، وقال الحسَنُ بْنُ أبي الحَسَن وجماعةٌ مِنْ أَهْل العلْمِ:
الآيةُ خطَابٌ لجميع الأمة بأنهم خير أمة أخرجَتْ للنَّاس «١» ويؤيِّد هذا التأويلَ كونُهم شهداءَ عَلَى النَّاس.
وأمَّا قوله: «كُنْتُمْ» على صيغة المُضِيِّ فإنها التي بمعنَى الدَّوامِ كما قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب: ٧٣] وقال قوم: المعنى: كنتم فِي عِلْمِ اللَّه، وهذه الخَيْريَّة التي خَصَّ اللَّه بها هذه الأمَّة، إنما يأخذ بحَظِّه منها مَنْ عمل بهذه الشُّروط مِنَ الأمر بالمعروفِ، والنَّهْيِ عن المنكر، والإيمانِ باللَّه ممَّا جاء في فَضْل هذه الأمَّة ما خرَّجه مُسْلِمٌ في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامةِ» وفي رواية: «السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة» وفي رواية: «نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ القيامة، المقتضي لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ» ، وفي رواية: «المَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ» «٢» .
اهـ.
وخرَّج ابن مَاجَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «نَحْنُ آخرُ الأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبَ، يقال: أين الأمّة الأمّيّة ونبيّها، فَنَحْنُ الآخرُونَ الأَوَّلُونَ» «٣» ، وفي روايةٍ عن ابن عَبَّاس: «فتُفَرِّجُ لَنَا الأَمَمُ عَنْ طَرِيقَنَا، فَنَمْضِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الطُّهُورِ، فَتَقُولُ الأُمَمُ:
كَادَتْ هَذِهِ الأَمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلُّهَا» «٤» ، وخَرَّجهُ أيضاً أبو داود الطَّيَالِسِيُّ في مسنده بمعناه.
اهـ من «التذكرة» «٥» .
ورَوَى أبو داودَ في سننِه، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، عن أبيه، عن أبي
موسى، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالقَتْل» «١» اهـ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ أيضاً عن غَيْر أبي داود، وهذا الحديثُ ليس هو على عمومه في جميعِ الأمَّة لثبوت نُفُوذِ الوعيدِ في طائفةٍ من العُصَاة.
اهـ.
وقوله: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وما بعده: أحوالٌ في موضعِ نصبٍ.
وفي الحديثِ: «خَيْرُ النَّاسِ أتُقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآمَرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ» «٢» ، رواه البغويُّ في «منتخبه» .
اهـ من «الكوكب الدري» .
وقوله سبحانه: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: تنبيهٌ على حال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وأخيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وغيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ.
وقوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً، أي: إلا أَذًى بالألسنة فَقَطْ، وأخبر سبحانه في قوله: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ، بخبر غَيْب، صحَّحه الوجود، فهي من آيات نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وفائدةُ الخَبَرِ هي في قولِهِ: ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ، أي: لا تكونُ حَرْبُ اليهودِ معكم سِجَالاً، وخص الأدبار بالذِّكْر دون الظَّهْرِ، تَخْسِيساً للفَارِّ، وهكذا هو حيثُ تصرَّفَ.
وقوله تعالى: ضُرِبَتْ: معناه: أُثْبِتَتْ بشدَّةٍ وإلزامٍ، وهذا وصْفُ حالٍ تقرَّرت على اليهودِ في أقطار الأرْضِ قبل مَجِيء الإسلام، وثُقِفُوا: معناه أُخِذُوا بحالِ المذْنِبِ المستحِقِّ الإهلاك، وقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ في الكلامِ محذوفٌ يدركُهُ فهُمْ السامعِ، تقديره: فلا نجاة لهم مِنَ القَتْلِ أو الاستئصال إلاَّ بحَبْلٍ، وهو العَهْدُ.
وقوله: ذلِكَ إشارةٌ إلى الغَضَب، وضَرْب الذلَّة والمَسْكَنَة، وباقي الآية تقدّم تفسير نظيره.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيْنَ ما ثُقِفُوا ﴾ مَعْناهُ: أدْرَكُوا ووَجَدُوا، وذَلِكَ أنَّهم أيْنَ نَزَلُوا احْتاجُوا إلى عَهْدٍ مِن أهْلِ المَكانِ، وأداءِ جِزْيَةٍ.
قالَ الحَسَنُ: أدْرَكَتْهم هَذِهِ الأُمَّةُ، وإنَّ المَجُوسَ لَتُجْبِيهُمُ الجِزْيَةَ.
وأمّا الحَبْلُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: الحَبْلُ: العَهْدُ، قالَ بَعْضُهُمْ: ومَعْنى الكَلامِ: إلّا بِعَهْدٍ يَأْخُذُونَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِإذْنِ اللَّهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وما بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّهم أذِلّاءُ، إلّا أنَّهم يَعْتَصِمُونَ بِالعَهْدِ إذا أُعْطُوهُ.
وقَدْ سَبَقَ في "البَقَرَةِ" تَفْسِيرُ باقِي الآَيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يُصِيبَكم مِنهم ضَرَرٌ في الأبْدانِ ولا في الأمْوالِ، وإنَّما هو أذىً بِالألْسِنَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: "الأذى" هو تَحْرِيفُهم أمْرَ مُحَمَّدٍ وتَكْذِيبُهم إيّاهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَنَقُّصُهُمُ المُؤْمِنِينَ وطَعْنُهم عَلَيْهِمْ جُمْلَةً وأفْرادًا، وهَذا كُلُّهُ عَظِيمٌ مُقْلِقٌ، وبِسَبَبِهِ اسْتَحَقُّوا القَتْلَ والإجْلاءَ، وضَرْبَ الجِزْيَةِ.
لَكِنْ أرادَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَلْحَظَهُمُ المُؤْمِنُونَ بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ حَتّى لا يَصُدُّوا أحَدًا عن دِينِهِ ولا يَشْغَلُوهُ عن عِبادَةِ رَبِّهِ، وهَكَذا هي فَصاحَةُ العَرَبِ، ومِن هَذا المَعْنى في التَحْقِيرِ؛ قَوْلُ ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ: يا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلى شاكِرٍ، وإنْ شِئْتَ المالَ فَسَلْ مِنهُ ما شِئْتَ" فَقَوْلُهُ: "ذا دَمٍ" رُوِيَ بِالذالِ مَنقُوطَةً، وبِالدالِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، فَـ "ذَمٍّ" بِفَتْحِ الذالِ وبِكَسْرِها أرادَ بِها الذِمامَ، وأمّا الدالُ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ التَعْظِيمَ لِأمْرِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُرِيدَ الوَعِيدَ، أيْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ مَطْلُوبٍ بِثَأْرِهِ لَهُ حُماةٌ فاحْذَرْ عاقِبَةَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ تَقْتُلْ مَلِكًا يُسْتَشْفى بِدَمِهِ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ في دِماءِ المُلُوكِ، فَهَذا اسْتِعْطافٌ لا وعِيدٌ، أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُفْسِدَ مِثْلِي، وهَذا كَما اسْتَعْطَفَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِهَذا المَعْنى، ويَحْتَمِلُ كَلامُ ثُمامَةَ، أنَّهُ أرادَ تَحْقِيرَ أمْرِ نَفْسِهِ ولِيُذْهِبَ عن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ المَسَرَّةَ بِنَيْلِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، ويَجْرِي ذَلِكَ مَجْرى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ؟
ومِثْلُهُ قَوْلُ الأسِيرِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، حِينَ قالَ لَهُ: لَأقْتُلَنَّكَ، قالَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَنْقُصُ مِن عَدَدِ الخَزَرِ شَيْئًا فَكَأنَّ ثُمامَةَ أرادَ: إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ حَيَوانًا حَقِيرًا شَأْنُهُ، كَما يُقْتَلُ كُلُّ ذِي دَمٍ فَما بالُكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتَدَعُ الإنْعامَ عَلَيَّ؟
فالآيَةُ تَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى مِن جِهَةِ أنَّهُ حَقَّرَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ ما هو عَظِيمٌ في نَفْسِهِ تَنْبِيهًا لَهم.
وأخْبَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ ....
الآيَةِ، بِخَبَرِ غَيْبٍ صَحَّحَهُ الوُجُودُ، فَهي مِن آياتِ مُحَمَّدٍ ، وفائِدَةُ الخَبَرِ هي في قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ، أيْ: لا تَكُونُ حَرْبُهم مَعَكم سِجالًا وخَصَّ الأدْبارَ بِالذِكْرِ دُونَ الظَهْرِ تَخْسِيسًا لِلْفارِّ، وهَكَذا هو حَيْثُ تَصَرَّفَ.
وقَوْلُهُ: "ضُرِبَتْ" مَعْناهُ: أُثْبِتَتْ بِشِدَّةٍ والتِزامٍ مُؤَكَّدٍ، وهَذا وصْفُ حالٍ تَقَرَّرَتْ عَلى اليَهُودِ في أقْطارِ الأرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: جاءَ الإسْلامُ وإنَّ المَجُوسَ لَتَجْبِيهِمُ الجِزْيَةَ، وما كانَتْ لَهم عِزَّةٌ ومَنَعَةٌ إلّا بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ وتِلْكَ الأرْضِ فَأزالَها اللهُ بِالإسْلامِ، ولَمْ تَبْقَ لَهم رايَةٌ أصْلًا في الأرْضِ.
و"الذِلَّةُ"، فِعْلَةٌ مِنَ الذُلِّ، و"ثُقِفُوا" مَعْناهُ: أُخِذُوا وهم بِحالِ المُذْنِبِ المُسْتَحِقِّ الإهْلاكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ ﴾ .
﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الثِقافِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نَدْعُو ثَقِيفًا وقَدْ عَضَّ الحَدِيدُ بِها عَضَّ الثِقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا بِحَبْلٍ" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ﴾ لِأنَّ بادِيَ الرَأْيِ يُعْطِي أنَّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ خَطَأً، وأنَّ الحَبْلَ مِنَ اللهِ ومِنَ الناسِ يُزِيلُ ضَرْبَ الذِلَّةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما الكَلامُ مَحْذُوفٌ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السامِعِ الناظِرِ في الأمْرِ، وتَقْدِيرُهُ في آياتِنا: فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ إلّا بِحَبْلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا ﴾ كَأنَّهُ بِالمَعْنى: هَلَكُوا واسْتُؤْصِلُوا، فَلِذَلِكَ حَسُنَ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها: "إلّا بِحَبْلٍ".
وقَرُبَ فَهْمُ ذَلِكَ لِلسّامِعِ.
قالَ الزَجّاجُ: المَعْنى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ إلّا أنَّهم يَعْتَصِمُونَ بِالعَهْدِ إذا أُعْطَوْهُ، والحَبْلُ: العَهْدُ، شُبِّهَ بِهِ لِأنَّهُ يَصِلُ قَوْمًا بِقَوْمٍ كَما يَفْعَلُ الحَبْلُ في الأجْرامِ.
و"باءُوا" مَعْناهُ: مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِهَذا الحُكْمِ، وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي أوقَعَ بِهِمْ.
وأفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى وجْهِ الدَهْرِ مِنَ التَعَنُّتِ والعِصْيانِ تُوجِبُ الغَضَبَ، فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِهِ، والنَصارى إنَّما ضَلُّوا فَقَطْ.
و"المَسْكَنَةُ": التَذَلُّلُ والضَعَةُ، وهي حالَةُ الطَوافِ المُلْتَمِسِ لِلُّقْمَةِ واللُقْمَتَيْنِ المُضارِعِ المُفارِقِ لِحالَةِ التَعَفُّفِ والتَعَزُّزِ بِهِ، فَلَيْسَ أحَدٌ مِنَ اليَهُودِ وإنْ كانَ غَنِيًّا إلّا وهو بِهَذِهِ الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الغَضَبِ وضَرْبِ الذِلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَعاقَبَهُمُ اللهُ عَلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِذَلِكَ.
و"آياتِ اللهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها المَتْلُوَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ العِبَرَ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: "بِغَيْرِ حَقٍّ" تَأْكِيدٌ ومُبالَغَةٌ وقَطْعٌ لِما عَسى أنْ يَكُونَ في وهْمِ إنْسانٍ مُمْكِنًا بِوَجْهٍ ما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما عَصَوْا ﴾ حَمَلَهُ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ" إلى الشَيْءِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِـ "ذَلِكَ" الأوَّلِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ والزَجّاجُ وغَيْرُهُما.
والَّذِي أقُولُ: إنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ" الأخِيرِ إنَّما هي إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى اسْتَدْرَجَهم فَعاقَبَهم عَلى العِصْيانِ والِاعْتِداءِ بِالمَصِيرِ إلى الكُفْرِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ، وهو الَّذِي يَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: إنّاللهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ بِالإيقاعِ في مَعْصِيَةٍ، ويُجازِي عَلى الطاعَةِ بِالتَوْفِيقِ إلى طاعَةٍ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الناسِ إذا تَأمَّلَ.
وعِصْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ واعْتِداؤُهم في السَبْتِ وغَيْرِهِ مُتَقَرِّرٌ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِن كِتابِ اللهِ.
وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَما فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: "اجْتَنِبُوا المَعْصِيَةَ والعُدْوانَ، فَإنَّ بِها أُهْلِكَ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الناسِ".
<div class="verse-tafsir"
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة}.
يعود ضمير (عليهم) إلى ﴿ وأكثرهم الفاسقون ﴾ [آل عمران: 110] وهو خاص باليهود لا محالة، وهو كالبيان لقوله ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ .
والجملة بيَانيّة لذكر حال شديد من شقائهم في الدنيا.
ومعنى ضرب الذلّة اتَّصالها بهم وإحاطتها، ففيه استعارة مكنية وتبعية شبّهت الذلّة، وهي أمر معقول، بقية أو خيمة شملتهم وشبّه اتّصالها وثباتها بضرب القبة وشَدّ أطنابها، وقد تقدّم نظيره في البقرة.
و ﴿ ثُقفُوا ﴾ في الأصل أخذوا في الحرب ﴿ فإمّا تثقفنّهم في الحرب ﴾ [الأنفال: 57] وهذه المادة تدلّ على تمكّن من أخذ الشيء، وتصرّف فيه بشدّة، ومنها سمي الأسْر ثِقافاً، والثقاف آلة كالكلُّوب تكسر به أنابيب قنا الرّماح.
قال النابغة: عَضّ الثِّقَاففِ على صُمّ الأنَابِيب *** والمعنى هنا: أينما عثر عليهم، أو أينما وجدوا، أي هم لا يوجدون إلا محكومين، شبّه حال ملاقاتهم في غير الحرب بحال أخذ الأسير لشدّة ذلّهم.
وقوله ﴿ إلا بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ الحبل مستعار للعهد، وتقدّم ما يتعلق بذلك عند قوله تعالى ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ في سورة البقرة (256) وعهد الله ذمّته، وعهد النَّاس حلفهم، ونصرهم، والاستثناء من عموم الأحوال وهي أحوال دلّت عليها الباء التي للمصاحبة.
والتَّقدير: ضربت عليهم الذلّة متلبِّسين بكُلّ حال إلاّ متلبّسين بعهد من الله وعهد من النَّاس، فالتَّقدير: فذهبوا بذلّة إلاّ بحبل من الله.
والمعنى لا يسلمون من الذلّة إلاّ إذا تلبَّسُوا بعهد من الله، أي ذمّة الإسلام، أو إذا استنصروا بقبائل أولى بأس شديد، وأمّا هم في أنفسهم فلا نصر لهم.
وهذا من دلائل النُّبوّة فإنّ اليهود كانوا أعزّة بيشربَ وخيبر والنضير وقريظة، فأصبحوا أذلّة، وعمَّتهم المذلّة في سائر أقطار الدنيا.
وباءوا بغضب من الله} أي رجعوا وهو مجاز لمعنى صاروا إذ لا رجوع هنَا.
والمسكنة الفقر الشَّديد مشتقة من اسم المسكين وهو الفقير، ولعلّ اشتقاقه من السكون وهو سكون خيالي أطلق على قلّة الحيلة في العيش.
والمراد بضرب المسكنة عليهم تقديرها لهم وهذا إخبار بمغيّب لأن اليهود المخبر عنهم قد أصابهم الفقر حين أخذت منازلهم في خيبر والنَّضِير وقينُقاع وقُريظةَ، ثُمّ بإجلائهم بعد ذلك في زمن عمر.
﴿ مِّنَ الناس وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بھايات الله وَيَقْتُلُونَ الانبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ .
الإشارة إلى ضرب الذلّة المأخوذ من ﴿ ضربت عليهم الذلّة ﴾ .
ومعنى ﴿ يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء ﴾ تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ إنّ الذين يكفرون بآيات الله ﴾ [آل عمران: 21] أوائل هذه السورة.
وقوله: ﴿ لك بما عَصوا وكانوا يعتدون ﴾ يحتمل أن يكون إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء بغير حقّ، فالباء سبب السبب، ويحتمل أن يكون إشارة ثانية إلى ضرب الذلّة والمسكنة فيكون سبباً ثانياً.
(وما) مصدرية أي بسبب عصيانهم واعتدائهم، وهذا نشر على ترتيب اللفّ فكفرهم بالآيات سببه العصيان، وقتلهم الأنبياء سببه الأعتداء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) ولَمْ يَقُلْ: أنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ؟
فَفِيهِ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كانَ قَدَّمَ البِشارَةَ لَهم بِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ، فَقالَ: ( كُنْتُمْ ) يَعْنِي إلى ما تَقَدَّمَ في البِشارَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: « (أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ)» .
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ مُسْتَصْحَبٌ ولَيْسَ الآنِفُ مُتَقَدِّمًا، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ والثّالِثُ: مَعْناهُ خَلَقَهم خَيْرَ أُمَّةٍ.
والرّابِعُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والفريابي وأحمد والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابي عباس في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال: أنتم.
فكنا كلنا، ولكن قال: ﴿ كنتم ﴾ في خاصة أصحاب محمد، ومن صنع مثل صنيعهم كانوا ﴿ خير أمة أخرجت للناس ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي عمن حدثه عن عمر في قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ قال: تكون لأوّلنا، ولا تكون لآخرنا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذرعن عكرمة في الآية قال: نزلت في ابن مسعود، وعمار بن يسار، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ الآية.
ثم قال: يا أيها الناس من سرَّه أن يكون من تلكم الأمة فليؤدِّ شرط الله منها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ يقول: على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله.
يقول: لمن أنتم بين ظهرانيه كقوله: ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين ﴾ [ الدخان: 32] .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي هريرة في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قال: خير الناس للناس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثم قال: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن معاوية بن حيدة.
أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قال: «إنكم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله» .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا نبي الله صلى لله عليه وسلم قال ذات يوم وهو مسند ظهره إلى الكعبة: نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة، نحن آخرها وخيرها» .
وأخرج أحمد بسند حسن عن علي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قال: أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطية في الآية قال: خير الناس للناس.
شهدتم للنبيين الذين كذبهم قومهم بالبلاغ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: لم تكن أمة دخل فيها من أصناف الناس غير هذه الأمة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ﴾ يقول: تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله ويقاتلونهم عليه.
ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف ﴿ وتنهونهم عن المنكر ﴾ والمنكر هو التكذيب وهو أنكر المنكر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ منهم المؤمنون ﴾ قال: استثنى الله منهم ثلاثة كانوا على الهدى والحق.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وأكثرهم الفاسقون ﴾ قال: ذم الله أكثر الناس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ قال: تسمعونه منهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ قال: إشراكهم في عزير، وعيسى، والصليب.
وأخرج عن الحسن ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ قال: تسمعون من كذباً على الله، يدعونكم إلى الضلالة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ قال: هم أصحاب القبالات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ قال: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: أدركتهم هذه الأمة، وأن المجوس لتجتنيهم الجزية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ قال: الجزية.
وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس ﴿ إلا بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ قال: بعهد من الله وعهد من الناس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ﴾ قال اجتنبوا المعصية والعدوان، فإن بهما هلك من هلك قبلكم من الناس.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ قد مضى الكلام في معنى ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ على اليهود، في سورة البقرة (١) وقوله تعالى: ﴿ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ﴾ أي: وُجِدوا، وصُودِفوا (٢) ﴿ حَيثُ ثَقفتُمُوهُم ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ قال الفرّاء (٣) رأتني بحَبْلَيْها فَصدّتْ مَخَافَةً ...
وفي الحَبْلِ رْوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ (٤) (٥) (٦) وقد نُعي هذا عليه، فقيل: لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته (٧) (٨) (٩) (١٠) وقد أخبرني العَرُوضي رحمه الله، عن الأزهري، قال (١١) (١٢) (١٣) (١٤) قال: وقول الشاعر: (رأتني بحبليها)؛ هو كما تقول: (أنا بالله، وبك) (١٥) (١٦) (١٧) قال الأزهري: والقول، ما قال أبو العباس (١٨) وقال الأخفش (١٩) ﴿ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ استثناء خارج عن (٢٠) (٢١) (٢٢) واختار الزَّجَّاج هذا الوجه، فقال (٢٣) (٢٤) (٢٥) ونَصَرَ محمدُ بن جَرِير هذه الطريقة أيضًا، فقال (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال (٢٩) ﴿ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ﴾ ، ثم قال: ﴿ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أراد (٣٠) ﴿ وَمَا كاَنَ لِمُؤمِنٍ أَن يَقتُلَ مُؤْمَنًا إِلا خَطأ ﴾ ، فـ (الخَطَأ) وإن كان منصوبًا بما عمل فيِه ما قبل الاستثناء، فليس باستثناء مُتَّصل حتى يَدُلَّ على أنَّ قتلَه خطأ مباحٌ (٣١) (٣٢) ومَن نَصرَ طريقة أبي العباس، قال (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وأما التفسير: فقد ذكرنا معضى (الحبل) عند قوله: ﴿ وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ﴾ وبعض المفسرين يذهب إلى أن حبلَ الله ههنا الإسلام (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) وباقي الآية مشروح في سورة البقرة [[انظر: "تفسير البسيط" [البقرة: 61].]].
(١) انظر: "تفسير البسيط" عند تفسير آية: 61 من سورة البقرة.
(٢) انظر: (ثقف) في "اللسان" 1/ 492، "القاموس" ص 795.
(٣) في "معاني القرآن" له: 1/ 230.
نقله عنه بنصه.
(٤) البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه: 35.
وورد في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 230، "تفسير الطبري" (49)، "تهذيب اللغة" 1/ 731، "تفسير الثعلبي" 3/ 101 أ، "أساس البلاغة" 1/ 381، "اللسان" 2/ 761، 7/ 4410، 6/ 3401.
"البحر المحيط" 3/ 32.
وروايته في الديوان: فجئت بحبليها فردَّت مخافةً ...
إلى النفس روعاءُ الجَنان فَرُوق ووردت روايته في "اللسان" 7/ 4410 رأتني بنِسْعَيها فردت مخافتي ...
إلى الصدر روْعاءُ الفؤادِ فَرُوق وفي "اللسان" 6/ 3401: رأتني مُجَلِّيها فصدت مخافةً ...
وفي الخيل روعاء الفؤاد فروق و (الروعاء): الناقة الحديدة الفؤاد.
"القاموس" 724 (روع).
و (الفَرُوق): == الشديدة الفزع.
من (الفَرَق): وهو الخوف.
"اللسان" 6/ 3397 (فرق).
قال الأستاذ محمود شاكر في تعليقه على البيت في هامش "تفسير الطبري" 7/ 113 (ط.
شاكر): (مدح ناقته بحدة الفؤاد، تفزع لكل نبأة؛ من يقظتها؛ كما قالوا: (مجنونة)، يقول ذلك في ناقته: رأتني أقبلت بالحبلين لأشد عليها راحلي، فصدَّت خائفة.
يصفها بأنها كريمة لم تبتذلها الأسفار.
ثم قال: فلما شددت عليها الرحل، كانت في الحبل ذكية شهمة، تتوجس لكل نبأة؛ من يقظتها وتوقدها).
(٥) في (ب): (قبلت).
(٦) في (ج): (بحبلها).
(٧) وهي -هنا- الجار والمجرور.
ففي الآية ﴿ بِحَبْلٍ ﴾ ، وفي البيت (بحبليها).
(٨) في (ج): (ذكر ما شد).
(٩) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).
(١٠) ما بين المعقوفين: في (أ)، (ب): (لا يتبع).
والمثبت من (ج).
(١١) قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 731 - 732 (حبل) إلى نهاية: (ومعنى (ألا): (لكن).
وقد نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.
(١٢) (الفراء): ساقطة من: (ج).
(١٣) وفي "تهذيب اللغة": (بعيد أن تحذف (أن) وتُبقِي صلتها).
(١٤) ثم حذف المضاف: ليس في "تهذيب اللغة".
وقد ذهب إلى هذا الزمخشري، وأيَّد كون الاستثناء متصلًا هنا، وقال: (وهو استثناء من أتم الأحوال؛ المعنى: ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حالة اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس ..).
"الكشاف" 1/ 455.
(١٥) وبك: ليس في "تهذيب اللغة".
بالنسبة لهذه الألفاظ مثل (أنا بالله، وبك) وأمثالها، وبغض النظر عن مجال الاستدلال النحوي بها، فإن الآثار الشرعية قد وردت بالنهي عن استعمالها بهذه الصورة.
فقد قال : "إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شئت".
أخرجه ابن ماجه (2117) كتاب الكفارات، باب (13)، وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه":1/ 362.
وورد في الحديث عنه : "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان".
رواه أبو داود في "السنن" (4980)، كتاب الأدب، والبيهقي في "السنن" 3/ 216، وأحمد في "المسند" 5/ 384، 394، 398.
وعن ابن عباس: جاء رجل إلى النبي ، فراجعه في بعض الكلام، فقال: ما شاء الله وشئت.
فقال : "أجعلتني والله عِدْلاً، بل ما شاء الله وحده".
أخرجه البيهقي في "السنن" 3/ 217، والبخاري في الأدب المفرد: 344 رقم (783)، وغيرهما.
انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1/ حديث رقم (136 - 139).
وقد ذكر العلماء أن قول الإنسان (ما لى غير الله وأنت)، و (توكلت على الله == وعليك)، وأنا بالله وبك) وأمثالها من عبارات، تعد من ألفاظ الشرك التي يجب أن تُجتَنَب، كما دلت على ذلك الآثار السابقة.
انظر تيسير العزيز الحميد: 598 - 602 (١٦) في (ج): (بحبلها).
(١٧) في (ب): (بالراية).
(١٨) هو ثعلب.
(١٩) قوله في "معاني القرآن" له 1/ 213، ولكنه هنا من، تتمة قول الأزهري السابق في "التهذيب".
(٢٠) في (ب)، "معاني القرآن"، "تهذيب اللغة": (من).
(٢١) أي إنه استثناء منقطع.
(٢٢) في "معاني القرآن"، "تهذيب اللغة": (في معنى لكن).
(٢٣) في "معاني القرآن" له 1/ 457 نقله عنه بنصه.
(٢٤) في (ج): (الا استثناء).
(٢٥) المعنى: ليست في "معاني القرآن".
(٢٦) في "تفسيره" 4/ 50.
نقله عنه بالمعنى.
(٢٧) زيادة من (أ).
(٢٨) في (ج): (بالاستغناء).
(٢٩) في المرجع السابق.
نقله بالمعنى.
(٣٠) من قوله: (أراد ..) إلى (بحبل من الله): مكرر في (أ).
(٣١) في (ج): (ماح).
(٣٢) (خطأ): ساقطة من: (ب).
(٣٣) لم أقف على هذا القائل.
وممن ذهب إلى أن الاستثناء منقطع ونصر هذا الرأي: ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 270.
(٣٤) في (ج): (إن الله عز).
(٣٥) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).
(٣٦) وهو اختيار ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 270 - 271.
(٣٧) ممن قال بذلك: ابن زيد، ومقاتل.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 293، "تفسير الطبري" 7/ 73.
(٣٨) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).
(٣٩) في (أ)، (ب)، (ج): كلي.
(٤٠) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 48، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 735، وأورده السيوطي في " الدر" 2/ 115 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.
(٤١) في (ج): أخذونه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله ﴾ الحبل هنا العهد والذمة ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً ﴾ أي: ليس أهل الكتاب مستويين في دينهم ﴿ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ ﴾ أي قائمة بالحق، وذلك فيمن أسلم من اليهود: كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد وأخيه أسد وغيرهم ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ يدل أن تلاوتهم للكتاب في الصلاة ﴿ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ بالتاء حسب قراءة المؤلف أي لن تحرموا ثوابه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويسارعون ﴾ وبابه كـ ﴿ سارعوا ﴾ و ﴿ نسارع ﴾ \[المؤمنون:56\] ممالة: قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس.
﴿ ما يفعلوا ﴾ ﴿ فلن يكفروه ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ تسؤهم ﴾ وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة: الأعشى وأوقية، والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ لا يضركم ﴾ من الضير: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع.
وقرأ المفضل ﴿ لا يضركم ﴾ بالفتح الباقون: ﴿ لا يضركم ﴾ بالضم كلاهما من الضر مجزوماً ثم محركاً للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع ﴿ تعملون محيط ﴾ بتاء الخطاب: سهل.
الباقون: بياء الغيبة.
الوقوف: ﴿ المسكنة ﴾ ط ﴿ بغير حق ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه لأن ضمير ﴿ ليسوا ﴾ يعود إلى ما يعود إليه ضمير ﴿ منهم المؤمنون ﴾ لبيان الفضل بين الفريقين، والذين / عصوا واعتدوا أحد الفريقين ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يسجدون ﴾ ه قيل: لا وقف على جعل ﴿ يؤمنون ﴾ حالاً لضمير ﴿ يسجدون ﴾ ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ يكفروه ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ 5 ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ فأهلكته ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ج ﴿ خبالاً ﴾ ط ﴿ ما عنتم ﴾ ج لاحتمال كون قد بدت حالا ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ج للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم ﴿ آمنا ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق ﴿ من الغيظ ﴾ ط ﴿ يغيظكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تسؤهم ﴾ ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد الحالين منهم.
﴿ يفرحوا بها ﴾ ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.
التفسير: هذا خبر آخر من مستقبلات أحوال اليهود المعلومة بالوحي.
والمعنى ضربت عليهم الذلة والهوان في عامة الأحوال بالقتل والسبي والنهب أينما وجدوا إلا معتصمين أو متلبسين أي إلا في حال اعتصامهم ﴿ بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ يعني ذمة الله وذمة المسلمين، فهما في حكم واحد أي لا عزلهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة بقبول الجزية، فحينئذٍ يكون دمهم محقوناً ومالهم مصوناً وهو نوع من العزة وقيل: حبل الله الإسلام، وحبل الناس الذمة.
فعلى هذا يكون الواو بمعنى "أو".
وقيل: ذمة الله الجزية المنصوص عليها، وذمة الناس ما يزيد الإمام عليها أو ينقص بالاجتهاد.
وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب نظراً إلى المعنى لأن ضرب الذلة عليهم معناه لا تنفك عنهم ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ قيل: إنه من قولك "تبوأ فلان منزل كذا" والمعنى مكثوا في غضب الله.
وسواء قولك حل بهم الغضب وحلوا بالغضب.
﴿ وضربت عليهم المسكنة ﴾ عن الحسن أن المراد بها الجزية، وإنما أفردت بالذكر بعد الاستثناء ليعلم أنها باقية غير زائلة بعد اعتصامهم بالذمة.
وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً مطاعاً لكنهم مستخفون في جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة ألبتة.
وباقي الآية قد مر تفسيره في البقرة إلا أنه قال في هذا الموضع من هذه السورة وفي النساء ﴿ الأنبياء بغير حق ﴾ لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر في الموضعين أعني في البقرة وفي أول السورة ما ينبىء عن القلة مع أن ذلك موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما.
ثم تدرج إلى ما هو نص في الكثرة في الموضعين الآخرين نعياً علهيم وتفظيعاً لشأنهم، ولمثل هذا عرّف الحق في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن / تقتل النفس به وهو قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالاً في نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم.
﴿ لسوا سواء ﴾ كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان.
قال الفراء وابن الأنباري: تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً.
قال أبو ذؤيب: عاني إليها القلب إني لأمرها *** مطيع فما أدري أرشد طلابها؟
أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده.
وتقول: زيد وعبد الله لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي.
فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك.
وقيل: وهو اختيار أبي عبيدة أن ﴿ أمة ﴾ مرفوعة بـ ﴿ ليس ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث.
أو هو بدل من الضمير على نحو ﴿ أسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ والتقدير: ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة.
وفي تفسير أهل الكتاب قولان: الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى.
قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنياً غيره فنزلت.
وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذه يكون المسلمون منهم.
عن ابن مسعود قال: "أخر رسول الله ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم" .
وفي رواية: "فبشر أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل الله هذه الآيات" ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ قال القفال رحمه الله : لا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب.
فقيل: ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا.
ولا يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد فسماهم الله أهل الكتاب كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان؟
فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً ما تقدم من قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ كقوله: ﴿ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ﴾ ثم إنه مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان: الأولى: أنها / قائمة.
قيل: أي في الصلاة.
وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة.
وقيل: أي مستقيمة عادلة من قولك: "أقمت العود فقام" بمعنى استقام.
وههنا نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية.
وقوله: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ الصفة الثانية: ﴿ يتلون ﴾ أي أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل.
فالتلاوة القراءة.
وأصل الكلمة الإتباع.
فكأن التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن.
وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على صانعها.
وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل "معاً" و "أني" و"أنوا" مثل "نحى" و"تلو".
الصفة الثالثة: ﴿ وهم يسجدون ﴾ يحتمل أن يكون حالاً من ﴿ يتلون ﴾ كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعاً إلا أن ما روي عن النبي : " "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً" يأباه وأن يكون كلاماً مستقلاً أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن كقوله: ﴿ يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن يكون المراد: وهم يصلون ويتهجدون.
والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد وهم يخضعون لله كقوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالاً.
الصفة الرابعة: ﴿ يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية.
وهذه إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد.
ولا يخفى أن غير مؤمني أهل الكتاب ليسوا من القبيلين في شيء بسبب تحريفاتهم واعتقاداتهم الفاسدة.
الخامسة والسادسة: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي.
وفيه تعريض بالأمة المذمومة أنهم كانوا مداهنين.
وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.
الصفة السابعة ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ أي المذكورات كلها وهي من صفات المدح لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات.وما روي أنه قال: " "العجلة من الشيطان " مخصوص بهذه الآية.
على أنها لا تفيد كلية الحكم لأن القضية أهملت إهمالاً، كيف لا والأمور متفاوتة.
منها ما يحمد فيه التأخير لكونه مما يحصل على مهل وتدريج فلو طلب منه خلاف وضعه / فات الغرض وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر وتأمل.
ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم، فإن الفرص تمر مر السحاب.
قال : " اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " الصفة الثامنة: ﴿ أولئك من الصالحين ﴾ وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود.
ثم شرط للأمة الموصوفة بل بجميع المكلفين إيصال الجزاء إليهم ألبتة تأكيداً للإخبار عنهم بقوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ فقال: ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه.
فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين، مع أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو: شكر النعمة وكفرها.
وسمى منع الجزاء كفراً كما سمى إيصال الثواب شكراً في قوله: ﴿ فإن الله شاكر عليم ﴾ ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهاً على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟!
ثم بين أحوال أهل الشقاء بقوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.
وقد سبق تفسير مثله من أول السورة.
ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً أمكن أن يخطر ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوده الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك الوهم بقوله: ﴿ مثل ما ينفقون ﴾ الآية.
قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد.
وهو منقول عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.
وفي الصحاح: الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث.
وعلى هذا فمعنى الآية: كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر.
وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه البارد فيكون موصوفة محذوفاً بمعنى فيها قرّة صر كما تقول: برد بارد على المبالغة، أو تكون "في" تجريدية كما يقال: رأيت فيك أسداً أي أنت أسد، وإن ضيعني فلان ففي الله كافٍ وكافل.
وقيل: الصر السموم الحارة.
وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس ﴿ فيها صر ﴾ قال: فيها نار.
وعلى القولين، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان برداً مهلكاً أو حرّاً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث فيصح التشبية.
وهذا في التشبية المركب الذي مر ذكره في أول سورة البقرة.
ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث.
والمراد ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون بها وجه الله، ولهذا قيده بقوله: ﴿ في هذه الحياة / الدنيا ﴾ فشبه ذلك بالزرع الذي حسه البرد فصار حطاماً.
وقيل: مثل ما ينفقون يعني أبا سفيان وأصحابه من سفلة اليهود المنفقين على أحبارهم في إيذاء رسول الله وفي جمع العساكر عليه في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر، كمثل ريح فيها صر في كونه مبطلاً للحرث.
والظاهر أن الضمير في ﴿ ينفقون ﴾ عائد إلى جميع الكفار.
وذلك أن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر، وإما أن يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع، ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيراً كثيراً في المعاد، لكنهم إذا قدمواالآخرة رأوا كفرهم مبطلاً لآثار تلك الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كبيراً فأصابه جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف.
ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيراً وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول وفي تخريب ديار المسلمين.
ولا يبعد أيضاً تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالاً كثيرة في تجهيز الجيوش والإغراء على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الأمر عليهم وأظهر الله الإسلام وأعز أهله، فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة.
وقيل: المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة كقوله: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ والمراد جميع الانتفاعات.
أما فائدة قوله: ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ وعدم الاقتصار على قوله: ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ فهي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه أثر ولاعثر، وحرث المسلم المطيع ليس كذلك لأنه إذا أصابته جائحة في الدنيا أبدله الله خيراً منه في الدنيا أو في الآخرة.
فإن المسلم مثاب على كل ألم يصيبه حتى الشوكة يشاكها، أما الذين عصوا الله فاستحقوا إهلاك حرثهم عقوبة لهم فحرثهم هو الذي لا يتصور منه بعد الإهلاك فائدة أصلاً.
ويحتمل أن يراد بالظالم ههنا وضع الزرع في غير موضعه.
فإن من زرع لا في موضعه وفي غير أوانه ثم أصابته الآفة كان أولى بأن يصير ضائعاً.
والضمير في ﴿ وما ظلمهم ﴾ للمنفقين أي ما ظلمهم بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث أي ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما ستحقوا به العقوبة.
ثم إنه تعالى لما بالغ في شرح احوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين من مخالطة الكافرين.
قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواطؤن رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فنهاهم الله عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم وبطانة الرجل خصيصه وصفيه الذي يفضي / إليه بشقوره أي أموره اللاصقة بالقلب المهمة له.
الواحد شقر وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب للذي يلي منه الجسد خلاف الظهارة، نهاهم عن مودة كل كافر لأن قوله: ﴿ بطانة ﴾ نكرة في سياق النفي.
وقوله: ﴿ من دونكم ﴾ يؤكد ذلك.
وهو إما أن يتعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ ويكون صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم والأول أولى، لأن الغرض ليس هو النهي عن اتخاذ البطانة وإنما المقصود النهي عن الاتخاذ من غير أبناء جنسهم وأهل ملتهم بطانة، وأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى.
و"من" للتبيين وقيل: زائدة.
ثم ذكر علة النهي فقال: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ يقال: ألا في الأمر يألو إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: "لا آلوك نصحاً أو جهداً" على التضمين أي لا أمنعك نصحاً.
والخبال الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ومخبل ناقص العقل فاسدة.
وقيل: خبالاً نصب على التمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال.
والمعنى لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفساد حالكم.
﴿ ودّوا ما عنتم ﴾ أي عنتكم على أن "ما" مصدرية.
والعنت الوقوع في أمر شاق ومنه يقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه قد أعنته.
والمراد أحبوا وتمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.
والحاصل من الجمليتن أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم فإن لم يمكنهم ذلك لمانع من خارج فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم ﴿ قد بدت البغضاء ﴾ هي شدة البغض كالضراء شدة الضر.
والأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل تكسيره كسوط وأسواط.
فحذفت الهاء تخفيفاً وأقيمت الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.
وظهور البغضاء من اليهود واضح لقشرهم العصا وكشرهم عن الأنياب وعدم التقية في تكذيب النبي والكتاب.
وأما من المنافقين فذلك أن المداجي لا بد أن ينفلت من لسانه ما يكشف عن نفاقه وخبث طويته.
وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك.
﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ لأن فلتات اللسان متناهية وكوامن الصدور تكاد تكون غير متناهية.
ثم بيّن أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من غاية العناية وحثهم على إعمال العقل في مدلولات هذه النصائح فقال: ﴿ قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ من أهل العقول.
وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه العدوّ والولي.
ثم إن سياق هذه الجمل يحتمل أن يكون على سبيل تنسيق الصفات للبطانة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة غير آليكم خبالاً وادّين عنتكم بادية بغضاؤهم.
وأما ﴿ قد بينا ﴾ فكلام مبتدأ، أو أحسن من ذلك وأبلغ أن تكون الجمل مستأنفات كلها على جهة التعليل للنهي كما قلنا، فكأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة، فقيل: لأنهم لا يقصرون فقيل: لم يفعلون ذلك؟
فقيل: لأنهم يودون عنتكم.
ثم قيل: وما آية / ودادة العنت؟
فقيل: قد بدت والله أعلم.
أما كون هذا التقدير أحسن فلأن الجمل المتعاقبة على سبيل التنسيق يتوسط بينها العاطف ولا عاطف ههنا، وأما كونه أبلغ فلبناء الكلام على السؤال والجواب ولتقليل اللفظ وتكثير المعنى ولإثبات الدعاوى بالبراهين، ولا يخفى جلالة قدر هذه الفوائد.
ثم استأنف للتحذير نمطاً آخر من البيان مشتملاً على التوبيخ فقال: ﴿ ها أنتم أولاء ﴾ الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ثم ذيله ببيان الخطأ وهو قوله: ﴿ تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ لأنكم تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ويريدون لكم الكفر وهو أقبح الأشياء، أو تحبونهم لما بينكم وبينهم من الرضاعة والقرابة ولا يحبونكم لاختلاف الدين، أو تحبونهم لأنهم أظهروا لكم الإيمان ولا يحبونكم لتمكن الكفر في باطنهم، أو تحبونهم لأنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب ولا يحبونكم لأنكم تحبون الرسول وهم يبغضونه ومحب المبغوض مبغوض، أو تحبونهم فتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ولا يحبونكم لأنهم لا يفعلون مثل ذلك بكم، أو تحبونهم لأنكم لا تريدون وقوعهم في المحن ولا يحبونكم لأنهم يتربصون بكم الدوائر.
والحق أن هذه الاعتبارات وأمثالها مما لا تكاد تنحصر داخلة في الآية.
ثم ذكر سبباً آخر مما يأبى أن يكون بينهما جامع فقال: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ وأضمر قرينه وهو "وهم لا يؤمنون به" لأن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر غالباً.
والمراد بالكتاب الجنس كقولهم "كثر الدرهم في أيدي الناس".
وفي الكشاف: إن الواو في ﴿ وتؤمنون ﴾ للحال، واللام في ﴿ الكتاب ﴾ للعهد أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله.
وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطنهم أصلب منكم في حقكم.
ثم ذكر مضادة أخرى فقال: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ أحدثنا الدخول في الإيمان ﴿ وأذا خلوا عضوا ﴾ ويوصف المغتاظ أو النادم بعض الأنامل والبنان والإبهام لأن هذا الفعل كثيراً ما يصدر منهما فجعل كناية عن الغضب والندم، وإن لم يكن هناك عض وإنما حصل لهم هذا الغيظ وهو شدة الغضب لما رأوا من ائتلاف المؤمنين وعلو دينهم وارتفاع شأنهم ﴿ قل موتو بغيظكم ﴾ دعاء عليهم بأن يزداد ما يوجب غيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، فإن ذلك يتضمن ذلهم وخزيهم.
والحاصل أنه أمر النبي أن يخبرهم بأن الله أتاح أن يظهر دين الإسلام علىالأديان كلها والمقدر كائن، فإن كان هذا سبباً لغيظكم فلا محالة يكون موتكم على هذا الغيظ.
ثم إن قوله: ﴿ إن الله عليم بذات الصدور ﴾ أي بصواحباتها وهي الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه.
إن كان داخلاً في جمل المقول، فمعناه أخبرهم بما يسرونه من الغيظ وقل لهم: إن غيظكم سيزداد إلى أن يذيبكم أو تموتوا عليه، وقل لهم: إن الله يعلم ما هو أخفى / مما تسرونه وهو مضمرات القلوب وخفياتها.
وإن كان خارجاً فالمعنى قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني أعلم ما أضمره الخلائق ولم يظهروه على ألسنتهم أصلاً.
ويجوز أن لا يكون أمراً بالقول لفظاً بل يراد حدّث نفسك بأنهم سيهلكون غيظاً وحسداً، فيكون أمراً للرسول بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله ونصره.
ثم ذكر نوعاً آخر من مضادتهم ومعاداتهم فقال: ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ أي حسنة كانت من منافع الدنيا كالصحة والخصب والغنيمة والظفر على الأعداء والائتلاف بين الأحباء ﴿ تسؤهم ﴾ ساءه يسوءه نقيض سره يسره ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ ضد من أضداد ما عددنا.
﴿ يفرحوا بها ﴾ ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة وجعل المعنى واحداً.
وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد *** إلا أن يكون ثمة غاية الحقد.
وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال التنوين في ﴿ حسنة ﴾ للتقليل وفي ﴿ سيئة ﴾ للتعظيم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على عداوتهم ﴿ وتتقوا ﴾ ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو إن تصبروا على أوامر الله وتتقوا محارمه ﴿ لا يضركم كيدهم ﴾ وهو احتيال الإنسان لإيقاع غيره في مكروه.
وقال ابن عباس: هو العداوة.
﴿ شيئاً ﴾ من الضرر بل كنتم في كنف الله وحفظه.
وفيه إرشاد من الله إلى أن يستعان على دفع مكايد الأعداء بالصبر والتقوى، فمن كان لله كان الله له.
وفي كلام الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.
وقال بعضهم: إذا ما شئت إرغام الأعادي *** بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى *** على الأعداء من نوب الزمان ﴿ إن الله بما تعملون ﴾ في عداوتكم أو بما تعملون أنتم من الصبر والتقوى.
﴿ محيط ﴾ فيجازي كل أحد بما هو أهله.
التأويل: ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل من الناس يعني متابعة النبي وسيرته.
ويقتلون الأنبياء يميتون سنتهم وسيرهم.
ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون.
فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً.
ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات الجسمانية بقوله: ﴿ مثل ما / ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح ﴾ هي هواء الهوى ﴿ فيها صر ﴾ الشهوة ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ هو الحرث الروحاني ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ بإبطال الاستعداد الإنساني.
ثم نهي أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من هذا الحديث فقال: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ﴾ لا يقصرون في إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم ﴿ ودّوا ﴾ من نعيم الدنيا ومشتهياتها ﴿ ما عنتم ﴾ ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاستيم من المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ اعتراضاتهم الفاسدة ﴿ وما تخفي صدورهم ﴾ الحاسدة من الغل والحقد ﴿ أكبر ﴾ ﴿ تحبونهم ﴾ محبة الرحمة والشفقة ﴿ ولا يحبونكم ﴾ لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح ﴿ ويؤتون بالكتاب كله ﴾ بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس ﴿ عليم بذات الصدور ﴾ بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد.
﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ كرامة من الله وقبول من الخلق.
سيئة إنكار من الجهال وطعن.
<div class="verse-tafsir"
وعن ابن عباس - - في قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ قال: "خير الناس أنفعهم للناس و ﴿ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : أي تأمرونهم، أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلون عليه، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف، والمنكر: هو التكذيب، فهو أنكر المنكر".
وعن علي - - [أنه] قال: قال النبي : "أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِياءِ، قلنا يا رسول الله، وما هو؟
قال: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُوراً، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ" قال الشيخ - رحمه الله -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ له وجهان: أي: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ على ألسن الرسل في الكتب المتقدمة خير أمة.
ويحتمل: أي: كنتم صرتم بإيمانكم برسول الله ، واتباعكم ما معه - خير أمّة على وجه الأرض؛ لأنهم آمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
وقوله: ﴿ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ : يتوجّه إلى وجوه ثلاثة: المعروف: هو المعروف في العقول، [أي]: الذي تستحسنه العقول، والمنكر: هو الذي قبحته العقول وأنكرته.
ويحتمل أن يكون المعروف: هو الَّذي عرف بالآيات والبراهين أنه حسن، والمنكر: [ما عرف بالحجج؛ أي: أنه قبيح.
ويحتمل أن المعروف: هو الذي جرى على ألسن الرسل أنه حسن، والمنكر:] هو الذي أنكروه ونهوا عنه.
فعلى هذه الوجوه يخرج تأويل الآية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ .
لا شك أن الإيمان خير لهم من الكفر، ولكن معناه - والله أعلم - أنهم إنما أبوا الإيمان وتمسكوا بالكفر لوجهين: أحدهما: أنهم كانوا أهل عزة وشرف فيما بينهم، وأهل دراية؛ ينتاب إليهم الناس، ويختلفون إليهم بحوائجهم، فخافوا ذهاب ذلك عنهم إذا آمنوا، فأخبر الله - عز وجل - أنهم إن آمنوا لكان [خيراً] لهم من الذكر والشرف والعزّ في أهل الإيمان أكثر مما لهم في أهل الكفر؛ ألا ترى أنّ من آمن منهم مِنْ دَرَسة الكتاب وعلمائهم - كان لهم من الذكر والشرف في الإيمان ما لم يكن لأحد مات منهم على الكفر؛ نحو: عبد الله بن سلام، ومن أسلم منهم؛ نحو: كعب، وغيره من الأحبار؟!
وإنما كانوا من علمائهم لم يكونوا من علماء أهل الإيمان، فنالوا بالإيمان من الذكر والعزّ والشرف ما لم ينل أحد منهم مات على الكفر، بل حمل ذكرهم وانتشر في أهلهم؛ فضلاً عن أهل الإيمان والإسلام، والله أعلم.
والثاني: أنهم كانوا أبوا الإسلام واتباع محمد ، واختاروا المقام على الكفر؛ خوفاً وإشفاقاً على ما لهم من المنافع والمنال أن يذهب ذلك عنهم بالإسلام، فأخبر - عزّ وجلّ - أنهم لو آمنوا لكان خيراً لهم في الآخرة؛ إذ ذاك ينقطع ويذهب عن قريب، والذي لأهل الإيمان في الآخرة باق دائم، لا يزول أبداً؛ لما كان الذي يُنال بالإيمان غيباً، وكذلك ما يحلُّ بالكفار من جزاء الكفر - غيب اشتد عليهم الفكر والتدبر، لما يمنعهم عن الشهوات، وبنغص عليهم اللّذات، فآثروا ما هوته أنفسهم وتلذذوا به على التدبّر، مع ما كان إدراك الغائب بالشاهد أمر عسير، لا يوصل إليه إلا بفضل الله، ولم يكن عليه ذلك لا يسقط معنى الإفضال والإنعام، ويصير حقّاً مع ما كان منهم تقديم الجفاء، وإيثار زهرة الدنيا وبهجة الغنى على الموعود، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ : كذلك كانوا: كان المؤمنون أقل، والكفار أكثر، [والله أعلم].
وقوله: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ...
﴾ الآية: فيه بشارة لرسول الله وللمؤمنين، بالأمن لهم عن أذى المشركين وضررهم، إلا أذى باللسان؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ...
﴾ الآية [الحشر: 12]، ونحوه من الآيات التي فيها بشارة لأهل الإيمان بالنصر لهم على عدوهم.
وفي قوله: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى...
﴾ الآية - دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر بذلك قبل أن يكون، فكان على ما أخبر؛ فدل أنه إنما علم ذلك بالله عزّ وجلّ.
وقوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود - -: "ضُربت عليهم المسكنة" وليس فيه الذلة، وفي حرف حفصة: "ضربت عليهم المسكنة والذلة".
ثم اختلف في ﴿ ٱلذِّلَّةُ ﴾ : قيل: هي الجزية التي ضربت عليهم، وهي ذلة؛ كقوله: ﴿ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يأنفون عنها.
وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ ﴾ أي: وجدوا.
﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
يعني: بعهد من الله، وعهد من الناس يكون تحت قوم يؤدّون الجزية؛ وكذلك تأوّل ابن عباس - -: ﴿ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ أي: بعهد من الله، وعهد من الناس.
وقال مقاتل: و"الناس" في هذا الموضع: النبي خاصّة.
ويحتمل قوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ ﴾ بكفرهم فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا أهل ذكر وشرف وعز فيما بينهم.
﴿ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ ﴾ .
أي: لا يوجدون إلا بحبل من الله وحبل من الناس - بالإسلام، أي: لا يظفرون بهم ولا يوجدون؛ إلا أن يسلموا لخوفهم على أنفسهم.
وقوله: ﴿ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: استوجبوا غضباً من الله بكفرهم.
وقيل: رجعوا.
وقيل: وجب عليهم الغضب.
وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ﴾ : وهي الحاجة والفقر، وهو ما ذكرنا: أنهم ظاهروا المشركين على رسول الله مع قربهم برسول الله وبعدهم بالمشركين؛ فأذلهم الله - - بذلك، وجعلهم أهل حاجة وَضِعة فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا أهل عزّ وشرف فيما بينهم؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 26].
قال الشيخ - رحمه الله -: وقد يحتمل رجوع الآية إلى خاص منهم، وهم الذين ذكر الله في قوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم ﴾ الآية [الأحزاب: 26] الآية، وغير ذلك مما يصير فيه المسلمون.
يعرف حقيقة المراد من شهد النوازل، وعرف الأسباب التي لها جاءت البشارات.
ويحتمل: أن الله - - جعل كل حاجاتهم إلى ما يفنى؛ وهي الدنيا التي لا بقاء لها ولا منفعة في الحقيقة، فهي حاجة، ثم بما فيهم بالجهل أن ذلك فيهم حاجة.
ويحتمل: أن الله مع ما وسع عليهم الدنيا - جعل في قلوبهم خوف الفقر، وأعظم الحاجات فهي المسكنة.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : وآيات الله: ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أن أوائلهم قد قتلوا الأنبياء [بغير حق]، وهؤلاء رضوا بذلك، وإن كانوا لم يتولوا هم بأنفسهم؛ فأضاف الله - - ذلك إليهم؛ لأنهم شاركوا في صنيعهم برضاهم؛ وهو كقوله: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ .
ويحتمل: أن يكونوا [قصدوا قتل] محمد ، فإذا قصدوا ذلك فكأنهم قصدوا الأنبياء كلهم، كما ذكرنا في قوله: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً...
﴾ الآية.
ويحتمل: أن يكونوا هموا قتل محمد .
ويحتمل: أن يكون عيَّرَهُم بآبائهم؛ إذ هم قلدوهم في الدّين، فبين سوء صنيعهم بالأنبياء - عليهم السلام - ليعرفوا به سفههم وسفه كل من [قصد تقليدهم]، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكونوا قتلوا أتباع محمد ؛ فأضاف إليه، وهو كما أضاف إليه مخادعتهم المؤمنين - إلى نفسه؛ وكما أضاف نصر أوليائه إليه، وإن كان الله لا يخادع ولا ينصر؛ فعلى ذلك إضافة القتل إليه؛ لقتلهم الأتباع، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
جُعِل الهوان والصَّغار محيطًا باليهود مشتملًا عليهم أينما وُجِدوا، فلا يَأمَنون إلا بعهد أو أمن من الله تعالى أو من الناس، ورجعوا بغضب من الله، وجُعِلت عليهم الحاجة والفاقة محيطة بهم، ذلك الذي جُعل عليهم بسبب كفرهم بآيات الله، وقَتْلهم لأنبيائه ظلمًا، وذلك - أيضًا - بسبب عصيانهم وتجاوزهم لحدود الله.
ولمَّا بيَّن الله حال غالب أهل الكتاب، بيَّن حال طائفة منهم مستقيمة على الحق قائمة به فقال: <div class="verse-tafsir" id="91.1EL3V"
هذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أولًا وهم النبي وأصحابه الذين كانوا معه عليهم الرضوان، فهم الذين كانوا أعداء فألف الله بين قلوبهم فكانوا بنعمته إخوانًا، وهم الذين اعتصموا بحبل الله ولم يتفرقوا في الدين فيذهبوا فيه مذاهب تتعصب لكل مذهب شيعة منهم، وهم الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يخاف في ذلك ضعيف قويًا، ولا يهاب صغير كبيرًا، وهم المؤمنون بالله، ذلك الإيمان الذي استولى على عقولهم وقلوبهم ومشاعرهم وملك أزمة أهوائهم حتى كان هو المسير لهم في عامة أحوالهم، ذلك الإيمان الذي بيّن سبحانه خواصه وصفاته في آيات كثيرة، وظهرت فوائده وآثاره في تغيير هيئة الأرض على أيديهم، ذلك الإيمان الذي قال تعالى في أهله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ وقال فيهم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ وقال فيهم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ إلخ.
الآيات التي تحقق معناها ومعنى أمثالها في أولئك الأصحاب الذين كانوا مع الرسول .
أما تقديم ذكر الأمر والنهي على الإيمان فالحكمة فيه أن هذه الصفة -(الأمر والنهي)- محمودة في عرف جميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، ويعترفون لصاحبها بالفضل، ولما كان الكلام في خيرية هذه الأمة على جميع الأمم مؤمنهم وكافرهم قدم الوصف المتفق على حسنه عند المؤمنين والكافرين.
وهناك حكمة أخرى وهي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمه في الذكر موافقًا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدمًا عليه.
﴿ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ إنه بعد ما نهانا سبحانه عن التفرق والاختلاف كما تفرق أهل الكتاب بعد ما جاءهم البينات، وأمرنا بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر أننا خير أمة أخرجت للناس بهذا وبالإيمان الحقيقي الذي يقترن بالإذعان النفسي والاتباع العملي، ناسب أن يذكر أن أهل الكتاب المختلفين ليسوا مؤمنين هذا الإيمان الخاص الذي يحبه الله تعالى ويرضاه، وهو الذي يكون الأمر بالمعروف ثمرة من ثماره والنهي عن المنكر أثرًا من آثاره، فعلمنا أن المراد بهذا الإيمان شيء أخص من الإيمان العرفي الذي يدعيه كل أحد له دين وكتاب، بل هو ما عرفناه آنفًا وقبل ذلك.
والكلام يشعر بأنه لا يوجد فيهم مؤمن هذا الإيمان الإذعاني الذي يصحبه الإخلاص والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنه لا يمكن أن تعرى منه أمة لها دين سماوي، والواقع أنه كان في أهل الكتاب مؤمنون مخلصون ولذلك قال تعالى ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ فعلم أن الحكم الأول على الأمة إنما هو حكم على أكثر أفرادها فهم الذين فسقوا عن حقيقة الدين ولم يبق عندهم منه إلا بعض الرسوم والتقاليد الظاهرة، فالكلام استئناف بياني لا استطراد كما قيل.
ثم قال جل شأنه ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ﴾ ، أي أن حالهم معكم أن يكونوا أدلاء مهضومي الحقوق رغم أنوفهم إلا بحبل من الله وهو ما قررته شريعته لهم إذا دخلوا في حكمكم من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم إيذائهم وهضم شيء من حقوقهم وحبل من الناس وهو ما تقتضيه المشاركة من احتياجكم إليهم واحتياجهم إليكم في بعض الامور.
أي فهذا القدر المستثنى من عموم الذلة لم يأتهم من أنفسهم وإنما جاءهم من غيرهم فهم لا عزة لهم في أنفسهم لأن السلطان والملك قد فقدا منهم.
﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ﴾ ، إن المسكنة حالة للشخص منشؤها استصغاره لنفسه حتى لا يدعي لها حقًا، والذلة حالة تعتري الشخص من سلب غيره لحقه وهو يتمناه، فمنشؤها وسببها غيره لا نفسه كالمسكنة.
<div class="verse-tafsir"