الآية ١٢١ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٢١ من سورة آل عمران

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 146 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢١ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد ، وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين ، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين ، وبيان صبر الصابرين ، فقال تعالى : ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ( 121 ) ) المراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، وغير واحد .

وعن الحسن البصري : المراد بذلك يوم الأحزاب .

رواه ابن جرير ، وهو غريب لا يعول عليه .

وكانت وقعة أحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة .

قال [ قتادة ] لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال .

وقال عكرمة : يوم السبت للنصف من شوال ، فالله أعلم .

وكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر ، وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان ، فلما رجع قفلهم إلى مكة قال أبناء من قتل ، ورؤساء من بقي لأبي سفيان : ارصد هذه الأموال لقتال محمد ، فأنفقوها في ذلك ، وجمعوا الجموع والأحابيش وأقبلوا في قريب من ثلاثة آلاف ، حتى نزلوا قريبا من أحد تلقاء المدينة ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ، فلما فرغ منها صلى على رجل من بني النجار ، يقال له : مالك بن عمرو ، واستشار الناس : أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة ؟

فأشار عبد الله بن أبي بالمقام بالمدينة ، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين .

وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدرا بالخروج إليهم ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته وخرج عليهم ، وقد ندم بعضهم وقالوا : لعلنا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، إن شئت أن نمكث ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يرجع حتى يحكم الله له " .

فسار ، عليه السلام في ألف من أصحابه ، فلما كان بالشوط رجع عبد الله بن أبي في ثلث الجيش مغضبا ، لكونه لم يرجع إلى قوله ، وقال هو وأصحابه : لو نعلم اليوم قتالا لاتبعناكم ، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم .

واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي .

وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال : " لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال " .

وتهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه ، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف ، والرماة يومئذ خمسون رجلا فقال لهم : " انضحوا الخيل عنا ، ولا نؤتين من قبلكم .

والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا ، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم " .

وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين ، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار .

وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الغلمان يومئذ وأرجأ آخرين ، حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين .

وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف ، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد : وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ، ودفعوا إلى بني عبد الدار اللواء .

ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات ، إن شاء الله تعالى .

ولهذا قال تعالى : ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) أي : تنزلهم منازلهم وتجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم ( والله سميع عليم ) أي : سميع لما تقولون ، عليم بضمائركم .

وقد أورد ابن جرير هاهنا سؤالا حاصله : كيف يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم سار إلى أحد يوم الجمعة بعد الصلاة ، وقد قال الله [ تعالى ] ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) ؟

ثم كان جوابه عنه : أن غدوه ليبوئهم مقاعد ، إنما كان يوم السبت أول النهار .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " إن تمسسكم حسنة تسؤهم "، إن تنالوا، أيها المؤمنون، سرورًا بظهوركم على عدوكم، وتتابع الناس في الدخول في دينكم، وتصديق نبيكم ومعاونتكم على أعدائكم = يسؤهم.

(55) وإن تنلكم مساءة بإخفاق سرية لكم، أو بإصابة عدوٍّ لكم منكم، أو اختلاف يكون بين جماعتكم = يفرحوا بها.

كما:- 7705- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها "، فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فُرقة واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين، سرَّهم &; 7-156 &; ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به.

فهم كلما خرج منهم قَرْنٌ أكذبَ الله أحدوثته، وأوطأ محلَّته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، فذاك قضاء الله فيمن مضى منهم وفيمن بقى إلى يوم القيامة.

7706- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها "، قال: هم المنافقون، إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك غيظًا شديدًا وساءهم.

وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافًا، أو أصيب طرفٌ من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به.

قال الله عز وجل: " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط".

7707- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " إن تمسسكم حسنة تسؤهم "، قال: إذا رأوا من المؤمنين جماعة وألفة ساءهم ذلك، وإذا رأوا منهم فرقة واختلافًا فرحوا.

* * * وأما قوله: " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا "، فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصبروا، أيها المؤمنون، على طاعة الله واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه: من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم من دون المؤمنين، وغير ذلك من سائر ما نهاكم =" وتتقوا " ربكم، فتخافوا التقدم بين يديه فيما ألزمكم وأوجبَ عليكم من حقه وحق رسوله =" لا يضركم كيدهم شيئًا "، أي: كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم.

* * * ويعني بـ " كيدهم "، غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين، ومكرهم بهم ليصدّوهم عن الهدى وسبيل الحق.

* * * قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله: " لا يضركم ".

فقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز وبعضُ البصريين: ( لا يَضُرُّكُمْ ) مخففة بكسر " الضاد "، من قول القائل: " ضارني فلان فهو يضيرني ضيرًا ".

وقد حكي سماعًا من العرب: " ما ينفعني ولا يضورني"، فلو كانت قرئت على هذه اللغة لقيل: ( لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا )، ولكني لا أعلم أحدًا قرأ به .

(56) * * * وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة وعامة قرأة أهل الكوفة: ( لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) بضم " الضاد " وتشديد " الراء "، من قول القائل: " ضرّني فلان فهو يضرني ضرًا ".

* * * وأما الرفع في قوله: " لا يضركم "، فمن وجْهين.

أحدهما: على إتباع " الراء " في حركتها = إذْ كان الأصل فيها الجزم، ولم يمكن جزمها لتشديدها = أقربَ حركات الحروف التي قبلها.

وذلك حركة " الضاد " وهي الضمة، فألحقت بها حركة الراء لقربها منها، كما قالوا: " مُدُّ يا هذا ".

والوجه الآخر من وجهي الرفع في ذلك: أن تكون مرفوعة على صحة، وتكون " لا " بمعنى " ليس "، وتكون " الفاء " التي هي جواب الجزاء، متروكة لعلم السامع بموضعها.

وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام: وإن تصبروا وتتقوا، فليس يضرُّكم كيدهم شيئًا - ثم تركت " الفاء " من قوله: " لا يضركم كيدهم "، ووجهت " لا " إلى معنى " ليس "، كما قال الشاعر: (57) فَـإنْ كَـانَ لا يُـرْضِيكَ حَـتَّى تَرُدَّنِي إلَــى قَطَــرِيٍّ، لا إخَـالُكَ رَاضِيَـا (58) ولو كانت " الراء " محركة إلى النصب والخفض، كان جائزًا، كما قيل: " مُدَّ يا هذا، ومُدِّ".

(59) * * * وقوله: " إنّ الله بما يعملون محيطٌ"، يقول جل ثناؤه: إن الله بما يعمل هؤلاء الكفار في عباده وبلاده من الفساد والصدّ عن سبيله، والعداوة لأهل دينه، وغير ذلك من معاصي الله =" محيط" بجميعه، حافظ له، لا يعزب عنه شيء منه، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله، ويذيقهم عقوبته عليه.

(60) ---------------------- الهوامش : (55) انظر تفسير"المس" فيما سلف 5: 118.

(56) انظر معاني القرآن للفراء 1: 232.

(57) هو سوار بن المضرب السعدي التميمي.

(58) نوادر أبي زيد: 45 ، الكامل 1: 300 ، حماسة ابن الشجري: 54 ، 55 ، معاني القرآن للفراء 1: 232 ، من أبيات ضرب بها وجه الحجاج بن يوسف الثقفي ، لما كتب على بني تميم البعث إلى قتال الخوارج ، فهرب سوار وقال: أَقَــاتِلِىَ الحَجَّــاجُ أَنْ لَـمْ أَزُرْ لَـهُ دَرَابَ، وَأَتْــرُكْ عِنْـدَ هِنْـدٍ فُؤَادِيَـا? فَـإن كُـنْتَ لا يُـرْضِيكَ حَتَّـى تَرُدَّنِي إلَــى قَطَـرِيٍّ، لا إِخـالُكَ رَاضِيَـا!!

إذَا جَـاوَزَتْ دَرْبَ المُجِـيزِينَ نَـاقَتي فَبِأسْــتِ أبي الحَجَّـاجِ لَمَّـا ثَنَانِيَـا أَيَرْجُـو بَنُـو مَرْوَانَ سَمْعِي وطَاعَتِي، وَدُونِــي تَمِيـمٌ، والفَـلاةُ وَرَائِيَـا!!

وقوله: "دراب" يعني: دراب جرد ، وهي بلدة في بلاد فارس ، وكان المهلب يومئذ يقاتل بها الخوارج ورأسهم قطرى بن الفجاءة.

ثم يقول له في البيت الثاني: إن كان لا يرضبيك إلا ردي إلى قتال قطري ، فلا أظنك تبلغ رضاك ، فإنك غير مدركي ، ولن تنالني يدك.

يسخر بسطوة الحجاج.

وقوله: "درب المجيزين" هم المقيمون على أبواب المدن والثغور.

يمنعون الخارج والداخل ، إلا من كان بيده جواز معطى من أميره.

يقول: إذا جاوزت الدرب فيا بعد يديك عن أن تنالني وتثنيني عن وجهتي!

والشاهد عند الطبري هو في قوله: "لا إخالك راضيًا" ، أي: فلست إخالك راضيًا.

(59) الذي سلف هو مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 232.

(60) انظر تفسير"الإحاطة" فيما سلف 2: 284 / 5 : 396.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليمقوله تعالى : وإذ غدوت من أهلك العامل في " إذ " فعل مضمر تقديره : واذكر إذ غدوت ، يعني خرجت بالصباح .

من أهلك من منزلك من عند عائشة .تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم هذه غزوة أحد وفيها نزلت هذه الآية كلها .

وقال مجاهد والحسن ومقاتل والكلبي : هي غزوة الخندق .

وعن الحسن أيضا يوم بدر .

والجمهور على أنها غزوة أحد ; يدل عليه قوله تعالى : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وهذا إنما كان يوم أحد ، وكان المشركون قصدوا المدينة في ثلاثة آلاف رجل ليأخذوا بثأرهم في يوم بدر ; فنزلوا عند أحد على شفير الوادي بقناة مقابل المدينة ، يوم الأربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة ، على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة ، فأقاموا هنالك يوم الخميس والنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامه أن في سيفه ثلمة ، وأن بقرا له تذبح ، وأنه أدخل يده في درع حصينة ; فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون ، وأن رجلا من أهل بيته يصاب ، وأن الدرع الحصينة المدينة .

أخرجه مسلم .

فكان كل ذلك على ما هو معروف مشهور من تلك الغزاة .

وأصل التبوء اتخاذ المنزل ، بوأته منزلا إذا أسكنته إياه ; ومنه قوله عليه السلام : من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار أي ليتخذ فيها منزلا .

فمعنى تبوئ المؤمنين تتخذ لهم مصاف .

وذكر البيهقي من حديث أنس أن [ ص: 176 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا وكأن ضبة سيفي انكسرت فأولت أني أقتل كبش القوم وأولت كسر ضبة سيفي قتل رجل من عترتي فقتل حمزة وقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلحة ، وكان صاحب اللواء .

وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب : وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أنا عاصم إن شاء الله لما معي ; فقال له طلحة بن عثمان أخو سعيد بن عثمان اللخمي : هل لك يا عاصم في المبارزة ؟

قال نعم ; فبدره ذلك الرجل .

فضرب بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيته فقتله ; فكان قتل صاحب اللواء تصديقا لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( كأني مردف كبشا ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الآيات نزلت في وقعة "أُحد" وقصتها مشهورة في السِّيَرِ والتواريخ، ولعل الحكمة في ذكرها في هذا الموضع، وأدخل في أثنائها وقعة "بدر" لما أن الله تعالى قد وعد المؤمنين أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم، وَرَدَّ كيد الأعداء عنهم، وكان هذا حكماً عاماً ووعداً صادقاً لا يتخلف مع الإتيان بشرطه، فذكر نموذجا من هذا في هاتين القصتين، وأنَّ الله نصر المؤمنين في "بدر" لما صبروا واتقوا، وأدَالَ عليهم العدو لما صدر من بعضهم من الإخلال بالتقوى ما صدر، ومن حكمة الجمع بين القصتين أن الله يحب من عباده إذا أصابهم ما يكرهون أن يتذكروا ما يحبون، فيخف عنهم البلاء ويشكروا الله على نعمه العظيمة التي إذا قوبلت بما ينالهم من المكروه الذي هو في الحقيقة خير لهم، كان المكروه بالنسبة إلى المحبوب نزرا يسيرا، وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة في قوله { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها } وحاصل قضية "أحد" وإجمالها أن المشركين لما رجع فُلُّهُم من "بدر" إلى مكة، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة، استعدوا بكل ما يقدرون عليه من العدد بالأموال والرجال والعدد، حتى اجتمع عندهم من ذلك ما جزموا بحصول غرضهم وشفاء غيظهم، ثم وجهوا من مكة للمدينة في ثلاثة آلاف مقاتل، حتى نزلوا قرب المدينة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم هو وأصحابه بعد المراجعة والمشاورة حتى استقر رأيهم على الخروج، وخرج في ألف، فلما ساروا قليلا رجع عبد الله بن أبي المنافق بثلث الجيش ممن هو على مثل طريقته، وهمت طائفتان من المؤمنين أن يرجعوا وهم بنو سلمة وبنو حارثة فثبتهم الله، فلما وصلوا إلى أحد رتبهم النبي صلى الله عليه وسلم في مواضعهم وأسندوا ظهورهم إلى أحد، ورتب النبي صلى الله عليه وسلم خمسين رجلا من أصحابه في خلة في جبل "أحد" وأمرهم أن يلزموا مكانهم ولا يبرحوا منه ليأمنوا أن يأتيهم أحد من ظهورهم، فلما التقى المسلمون والمشركون انهزم المشركون هزيمة قبيحة وخلفوا معسكرهم خلف ظهورهم، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فلما رآهم الرماة الذين جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم في الجبل، قال بعضهم لبعض: الغنيمة الغنيمة، ما يقعدنا هاهنا والمشركون قد انهزموا، ووعظهم أميرهم عبد الله بن جبير عن المعصية فلم يلتفتوا إليه، فلما أخلوا موضعهم فلم يبق فيه إلا نفر يسير، منهم أميرهم عبد الله بن جبير، جاءت خيل المشركين من ذلك الموضع واستدبرت المسلمين وقاتلت ساقتهم، فجال المسلمون جولة ابتلاهم الله بها وكفر بها عنهم، وأذاقهم فيها عقوبة المخالفة، فحصل ما حصل من قتل من قتل منهم، ثم إنهم انحازوا إلى رأس جبل "أحد" وكف الله عنهم أيدي المشركين وانكفأوا إلى بلادهم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة قال الله تعالى { وإذ غدوت من أهلك } والغدو هاهنا مطلق الخروج، ليس المراد به الخروج في أول النهار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يخرجوا إلا بعدما صلوا الجمعة { تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال } أي: تنزلهم وترتبهم كل في مقعده اللائق به، وفيها أعظم مدح للنبي صلى الله عليه وسلم حيث هو الذي يباشر تدبيرهم وإقامتهم في مقاعد القتال، وما ذاك إلا لكمال علمه ورأيه، وسداد نظره وعلو همته، حيث يباشر هذه الأمور بنفسه وشجاعته الكاملة صلوات الله وسلامه عليه { والله سميع } لجميع المسموعات، ومنه أنه يسمع ما يقول المؤمنون والمنافقون كل يتكلم بحسب ما في قلبه { عليم } بنيات العبيد، فيجازيهم عليها أتم الجزاء، وأيضا فالله سميع عليم بكم، يكلؤكم، ويتولى تدبير أموركم، ويؤيدكم بنصره كما قال تعالى لموسى وهارون { إنني معكما أسمع وأرى }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) قال الحسن : هو يوم بدر ، وقال مقاتل : يوم الأحزاب ، وقال سائر المفسرين : هو يوم أحد لأن ما بعده إلى قريب من آخر السورة في حرب أحد .

قال مجاهد والكلبي والواقدي : غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح .

قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما : إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره ، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار : يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم ، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه ، فكيف وأنت فينا ، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين .

فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي .

وقال بعض أصحابه : يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب ، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني رأيت في منامي بقرا تذبح ، فأولتها خيرا ، ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولتها هزيمة ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة " وكان يعجبه أن يدخلوا عليه بالمدينة فيقاتلوا في الأزقة ، فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد : اخرج بنا إلى أعدائنا .

فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من حبهم للقاء القوم ، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته ، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا ، وقالوا : بئس ما صنعنا ، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه ، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا : اصنع ما رأيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل " .

وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس فراح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ، بعدما صلى بأصحابه الجمعة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم ، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة ، فكان من حرب أحد ما كان ، فذلك قوله تعالى : ( وإذ غدوت من أهلك ) أي : واذكر إذا غدوت من أهلك ( تبوئ المؤمنين ) أي : تنزل المؤمنين ( مقاعد للقتال ) أي : مواطن ، ومواضع للقتال ، يقال : بوأت القوم إذا وطنتهم وتبوءوا هم إذا تواطنوا قال الله تعالى : " ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق " ( يونس - 93 ) وقال " أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا " ( يونس - 87 ) وقيل تتخذ معسكرا ، ( والله سميع عليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر يا محمد «إذ غدوت من أهلك» من المدينة «تبوئ» تنزل «المؤمنين مقاعد» مراكز يقفون فيها «للقتال والله سميع» لأقوالكم «عليم» بأحوالكم وهو يوم أحد خرج النبي صلى الله عليه وسلم بألف أو إلا خمسين رجلا والمشركون ثلاثة آلاف ونزل بالشعب يوم السبت سابع شوال سنة ثلاثٍ من الهجرة وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوى صفوفهم وأجلس جيشا من الرماة وأمَّر عليهم عبد الله ابن جبير بسفح الجبل وقال: انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا ولا تبرحوا غُلبنا أو نُصرنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- حين خَرَجْتَ من بيتك لابسًا عُدَّة الحرب، تنظم صفوف أصحابك، وتُنْزِل كل واحد في منزله للقاء المشركين في غزوة "أُحُد".

والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والآن فلنول وجوهنا شطر القرآن الكريم ، لنتدبر حديثه الحكيم عن هذه الغزوة ، ولنستمع إليه بقلوب واعية ، وآذان متفتحة ، وهو يبدأ حديثه عنها فيقول : { وَإِذْ غَدَوْتَ .

.

.

} .فى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد ، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا .وقوله - تعالى - : { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار ، يقال : غدا يغدو من باب سما يسمو .و { مِنْ } فى قوله : { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء ، والمراد بأهله ، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها .

والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير : من بيت أهلك .وقوله : { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل .

يقال : بوأته ، وبوأت له منزلا ، أى : أنزلته فيه .

والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم للقتال ، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص .والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره ، واذكر .والمعنى : واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد .وقوله : { تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال ، بحيث يكونون فى أحسن حال ، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم .قال الجمل : " ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم ، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر .

.

.

وهذا المعنى ممكن هنا ، فالمعنى عليه ، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال ، وهذا أظهر من الآخر ، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد ، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب " .فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة ، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم ، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر ، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك ، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين ، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم " أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب "؟؟

إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه .وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل " غدوت " .والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين :أولهما : قوله : { المؤمنين } .وثانيهما : قوله : { مَقَاعِدَ } وقوله : { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله : { تُبَوِّىءُ } .والمراد بقوله : { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد .

للإشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه ، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم .وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله : { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء ، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات .فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم ، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب ، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين ، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد .

حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفضل ، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبى ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى - :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً  ﴾ أتبعه بما يدلهم على سنة الله تعالى فيهم في باب النصرة والمعونة ودفع مضار العدو إذا هم صبروا واتقوا، وخلاف ذلك فيهم إذا لم يصبروا فقال: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ يعني أنهم يوم أحد كانوا كثيرين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين للقتال فلما أطاعوا أمر الرسول غلبوا واستولوا على خصومهم، وذلك يؤكد قولنا، وفيه وجه آخر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد الله بن أُبي بن سلول المنافق، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ هؤلاء المنافقين بطانة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: تقديره واذكر إذ غدوت والثاني: قال أبو مسلم: هذا كلام معطوف بالواو على قوله: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ  ﴾ يقول: قد كان لكم في نصر الله تلك الطائفة القليلة من المؤمنين على الطائفة الكثيرة من الكافرين موضع اعتبار لتعرفوا به أن الله ناصر المؤمنين، وكان لهم مثل ذلك من الآية إذ غدا الرسول صلى الله عليه وسلم يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والثالث: العامل فيه محيط: تقديره والله بما يعملون محيط وإذ غدوت.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذا اليوم أي يوم هو؟

فالأكثرون: أنه يوم أحد: وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحاق والربيع والأصم وأبي مسلم، وقيل: إنه يوم بدر، وهو قول الحسن، وقيل إنه يوم الأحزاب وهو قول مجاهد ومقاتل، حجة من قال هذا اليوم هو يوم أحد وجوه: الأول: أن أكثر العلماء بالمغازي زعموا أن هذه الآية نزلت في وقعة أُحد الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ  ﴾ والظاهر أنه معطوف على ما تقدم، ومن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، وأما يوم الأحزاب، فالقوم إنما خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد لا يوم الأحزاب، فكانت قصة أحد أليق بهذا الكلام لأن المقصود من ذكر هذه القصة تقرير قوله: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ فثبت أن هذا اليوم هو يوم أحد الثالث: أن الانكسار واستيلاء العدو كان في يوم أحد أكثر منه في يوم الأحزاب لأن في يوم أحد قتلوا جمعاً كثيراً من أكابر الصحابة ولم يتفق ذلك يوم الأحزاب فكان حمل الآية على يوم أحد أولى.

السمألة الثالثة: روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم والله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخل عدو علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟

فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر موضع وإن دخلوا قتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين وقال آخرون: أخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لئلا يظنوا أنا قد خفناهم، فقال عليه الصلاة والسلام: إني قد رأيت في منامي بقراً تذبح حولي فأولتها خيراً ورأيت في ذباب سيفي ثلماً فأوَّلته هزيمة ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم فقال قوم من المسلمين من الذين فاتتهم (بدر) وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد أخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته، فلما لبس ندم القوم، وقالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول الله والوحي يأتيه، فقالوا له اصنع يا رسول الله ما رأيت، فقال: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال، فمشى على رجليه وجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدراً خارجاً قال له تأخر، وكان نزوله في جانب الوادي، وجعل ظهره وعسكره إلى أُحد وأمر عبد الله بن جبير على الرماة، وقال: ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا، وقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: اثبتوا في هذا المقام، فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما خالف رأي عبد الله بن أُبَيّ شق عليه ذلك، وقال: أطاع الولدان وعصاني، ثم قال لأصحابه: إن محمداً إنما يظفر بعدوه بكم، وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعوكم، فيصير الأمر على خلاف ما قاله محمد عليه السلام، فلما التقى الفريقان انهزم عبد الله بالمنافقين، وكان جملة عسكر المسلمين ألفاً، فانهزم عبد الله بن أُبي مع ثلثمائة، فبقيت سبعمائة، ثم قواهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين، فلما رأى المؤمنون انهزام القوم، وكان الله تعالى بشرهم بذلك، طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع، وخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أراهم ما يحبون، فأراد الله تعالى أن يفطمهم عن هذا الفعل لئلا يقدموا على مخالفة الرسول عليه السلام وليعلموا أن ظفرهم إنما حصل يوم بدو ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله مع عدوهم لم يقوموا لهم فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكثر عليهم المشركون وتفرق العسكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿ إِذَا تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ والرسول يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ  ﴾ وشج وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه، ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وسعد، ووقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قد قتل، وكان رجل يكنى أبا سفيان من الأنصار نادى الأنصار وقال: هذا رسول الله، فرجع إليه المهاجرون والأنصار، وكان قتل منهم سبعون وكثر فيهم الجراح، فقال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلاً ذب عن إخوانه وشد على المشركين بمن معه حتى كشفهم عن القتلى والجرحى».

والله أعلم.

والمقصود من القصة أن الكفار كانوا ثلاثة آلاف والمسلمون كانوا ألفاً وأقل، ثم رجع عبد الله بن أُبي مع ثلثمائة من أصحابه فبقي الرسول صلى الله عليه وسلم مع سبعمائة، فأعانهم الله حتى هزموا الكفار، ثم لما خالفوا أمر الرسول واشتغلوا بطلب الغنائم انقلب الأمر عليهم وانهزموا ووقع ما وقع، وكل ذلك يؤكد قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً  ﴾ وأن المقبل من أعانه الله، والمدبر من خذله الله.

المسألة الرابعة: يقال: بوأته منزلاً وبوأت له منزلاً أي أنزلته فيه، والمباءة والباءة المنزل وقوله: ﴿ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ أي مواطن ومواضع، وقد اتسعوا في استعمال المقعد والمقام بمعنى المكان، ومنه قوله تعالى: ﴿ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ  ﴾ وقال: ﴿ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ  ﴾ أي من مجلسك وموضع حكمك وإنما عبر عن الأمكنة هاهنا بالمقاعد لوجهين: الأول: وهو أنه عليه السلام أمرهم أن يثبتوا في مقاعدهم لا ينتقلوا عنها، والقاعد في مكان لا ينتقل عنه فسمى تلك الأمكنة بالمقاعد، تنبيهاً على أنهم مأمورون بأن يثبتوا فيها ولا ينتقلوا عنها ألبتة والثاني: أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدو فيقوموا عند الحاجة إلى المحاربة فسميت تلك الأمكنة بالمقاعد لهذا الوجه.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّئ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ يروى أنه عليه السلام غدا من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد، وهذا قول مجاهد والواقدي، فدل هذا النص على أن عائشة رضي الله عنها كانت أهلاً للنبي صلى الله عليه وسلم وقال تعالى: ﴿ الطيبات لِلطَّيّبِينَ والطيبون للطيبات  ﴾ فدل هذا النص على أنها مطهرة مبرأة عن كل قبيح، ألا ترى أن ولد نوح لما كان كافراً قال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ وكذلك امرأة لوط.

ثم قال تعالى: ﴿ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي سميع لأقوالكم عليم بضمائركم ونياتكم، فإنا ذكرنا أنه عليه السلام شاور أصحابه في ذلك الحرب، فمنهم من قال له: أقم بالمدينة، ومنهم من قال: اخرج إليهم، وكان لكل أحد غرض آخر فيما يقول، فمن موافق، ومن مخالف فقال تعالى: أنا سميع لما يقولون عليم بما يضمرون.

ثم قال تعالى: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: العامل في قوله: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ ﴾ فيه وجوه: الأول: قال الزجاج: العامل فيه التبوئة، والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت الثاني: العامل فيه قوله: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ الثالث: يجوز أن يكون بدلاً من ﴿ إِذْ غَدَوْتَ ﴾ .

المسألة الثانية: الطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس لما انهزم عبد الله بن أُبي همت الطائفتان باتباعه، فعصمهم الله، فثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن العلماء من قال: إن الله تعالى أبهم ذكرهما وستر عليهما، فلا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر.

المسألة الثالثة: الفشل: الجبن والخور، فإن قيل: الهم بالشيء هو العزم، فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل والترك وذلك معصية فكيف بهما أن يقال والله وليهما؟.

والجواب: الهم قد يراد به العزم، وقد يراد به الفكر، وقد يراد به حديث النفس، وقد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده ووفور عدده، لأن أي شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف من ظهر ذلك منه بأنه هم بأن يفشل من حيث ظهر منه ما يوجب ضعف القلب، فكان قوله: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ ﴾ لا يدل على أن معصية وقعت منهما، وأيضاً فبتقدير أن يقال: إن ذلك معصية لكنها من باب الصغائر لا من باب الكبائر، بدليل قوله تعالى: ﴿ والله وَلِيُّهُمَا ﴾ فإن ذلك الهم لو كان من باب الكبائر لما بقيت ولاية الله لهما.

ثم قال تعالى: ﴿ والله وَلِيُّهُمَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عبد الله ﴿ والله وَلِيُّهُمَا ﴾ كقوله: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا  ﴾ .

المسألة الثانية: في المعنى وجوه: الأول: أن المراد منه بيان أن ذلك الهم ما أخرجهما عن ولاية الله تعالى الثاني: كأنه قيل: الله تعالى ناصرهما ومتولي أمرهما فكيف يليق بهما هذا الفشل وترك التوكل على الله تعالى؟

الثالث: فيه تنبيه على أن ذلك الفشل إنما لم يدخل في الوجود لأن الله تعالى وليهما فأمدهما بالتوفيق والعصمة، والغرض منه بيان أنه لولا توفيقه سبحانه وتسديده لما تخلص أحد عن ظلمات المعاصي، ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى بعده هذه الآية ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ .

فإن قيل: ما معنى ما روي عن بعضهم عند نزول هذه الآية أنه قال: والله ما يسرنا أنا لم نهم بما همت الطائفتان به، وقد أخبرنا الله تعالى بأنه وليهما؟.

قلنا: معنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى.

ثم قال: ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ التوكل: تفعل، من وكل أمره إلى فلان إذا عتمد فيه كفايته عليه ولم يتوله بنفسه، وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ و ﴾ اذكر ﴿ إِذْغَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ بالمدينة وهو غِدوّهُ إلى أحد من حجرة عائشة رضي الله عنها.

روي: أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبيّ ابن سلول ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره.

فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا ولادخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين وقال بعضهم: يا رسول الله، اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم.

فقال صلى الله عليه وسلم: إني قد رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي، فأوّلتها خيراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم.

فقال رجال من المسلمين قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا.

فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته.

فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه، وقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت، فقال: لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال فمشى على رجليه فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القدح.

إن رأى صدراً خارجاً قال: تأخر، وكان نزوله في عدوة الوادي وجعل ظهره وعسكره إلى أحد؛ وأمّر عبد الله بن جبير على الرماة وقال لهم: «انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا» ﴿ تُبَوِّئُ المؤمنين ﴾ تنزلهم.

وقرأ عبد الله ﴿ للمؤمنين ﴾ ، بمعنى تسوى لهم وتهيء ﴿ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ مواطن ومواقف.

وقد اتسع في قعد وقام حتى أجريا مجرى صار.

واستعمل المقعد والمقام في معنى المكان.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ [القمر: 55]، ﴿ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ﴾ [النمل: 39] من مجلسك وموضع حكمك ﴿ والله سَمِيعٌ ﴾ لأقوالكم عليم بنياتكم وضمائركم ﴿ إِذْ هَمَّتْ ﴾ بدل من ﴿ وإِذْ غَدَوْتَ ﴾ أو عمل فيه معنى ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

والطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان.

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف، وقيل: في تسعمائة وخمسين، والمشركون في ثلاثة آلاف ووعدهم الفتح إن صبروا، فانخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال: يا قوم، علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟

فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري فقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم، فقال عبدالله: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فهمّ الحيان باتباع عبد الله فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا.

والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه، كما قال عمرو بن الأطنابة: أَقُولُ لَهَا إذَا جَشَأتْ وَجاشَتْ ** مَكَانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحي حتى قال معاوية: عليكم بحفظ الشعر، فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين، فما ثبت مني إلا قول عمرو بن الأطنابة، ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية، والله تعالى يقول: ﴿ والله وَلِيُّهُمَا ﴾ ويجوز أن يراد: والله ناصرهما ومتولي أمرهما، فما لهما تفشلان ولا تتوكلان على الله فإن قلت، فمامعنى ما روي من قول بعضهم عند نزول الآية: «والله ما يَسُرُّنا أنا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا الله بأنه ولينا» ؟

قلت: معنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمة غير المأخوذ بها لأنها لم تكن عن عزيمة وتصميم كانت سبباً لنزولهما.

والفشل: الجبن والخور.

وقرأ عبد الله: ﴿ والله وليهم ﴾ كقوله ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ﴾ [الحجرات: 9] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ غَدَوْتَ ﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ.

﴿ مِن أهْلِكَ ﴾ أيْ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

﴿ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ ﴾ تُنْزِلُهم.

أوْ تُسَوِّي وتُهَيِّئُ لَهم ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِاللّامِ.

﴿ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ﴾ مَواقِفَ وأماكِنَ لَهُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ المَقْعَدُ والمَقامُ بِمَعْنى المَكانِ عَلى الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ ﴾ ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِأقْوالِكم.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنِيّاتِكم.

رُوِيَ « (أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ ثانِيَ عَشَرَ شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ.

فاسْتَشارَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصْحابَهُ، وقَدْ دَعا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ ولَمْ يَدْعُهُ قَبْلُ فَقالَ هو وأكْثَرُ الأنْصارِ: أقِمْ يا رَسُولَ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ ولا تَخْرُجُ إلَيْهِمْ، فَواللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ إلّا أصابَ مِنّا، ولا دَخَلَها عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ فَكَيْفَ وأنْتَ فِينا؟

فَدَعْهم فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وإنْ دَخَلُوا قاتَلَهُمُ الرِّجالُ ورَماهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ بِالحِجارَةِ، وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ.

وأشارَ بَعْضُهم إلى الخُرُوجِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «رَأيْتُ في مَنامِي بَقَرَةً مَذْبُوحَةً حَوْلِي فَأوَّلْتُها خَيْرًا، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًا فَأوَّلْتُهُ هَزِيمَةً، ورَأيْتُ كَأنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ وتَدَعُوهُمْ، فَقالَ رِجالٌ فاتَتْهم بَدْرٌ وأكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ اخْرُجْ بِنا إلى أعْدائِنا.

وبالَغُوا حَتّى دَخَلَ ولَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ نَدِمُوا عَلى مُبالَغَتِهِمْ وقالُوا: اصْنَعْ يا رَسُولَ اللَّهِ ما رَأيْتَ فَقالَ: «لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ» .

فَخَرَجَ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وأصْبَحَ بِشِعْبِ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ، ونَزَلَ في عُدْوَةِ الوادِي وجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وسَوّى صَفَّهُمْ، وأمَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ عَلى الرُّماةِ وقالَ: انْضَحُوا عَنّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونا مِن ورائِنا.» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} واذكر يا محمد إذ خرجت غدوة من أهلك بالمدينة والمراد غدوه من حجرة عائشة رضى الله عنها إلى أحد

آل عمران (١٢١ _ ١٢٤)

{تبوئ

المؤمنين} تنزلهم وهو حال {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} مواطن ومواقف من الميمنة والميسرة والقلب والجناحين والساقة وللقتال يتعلق يتبوئ {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وضمائركم رُوي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبيّ فاستشاره فقال أقم بالمدينة فما خرجنا على عدو قط إلا أصاب منا وما دخلوا علينا إلا أصبنا منهم فقال عليه السلام إني رأيت فى منامى بقرامذبحة حولي فأولتها خيراً ورأيت في ذباب سيفي ثلمة فأولتها هزيمة ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فلم يزل به قوم ينشطون في الشهادة حتى لبس لأمته ثم ندموا فقالوا الأمر إليك يا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال عليه السلام لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل فخرج بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ غَدَوْتَ ﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ خَرَجْتَ غَدْوَةً ( ﴿ مِن ﴾ ) عِنْدِ ( ﴿ أهْلِكَ ﴾ ) والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فِيهِ مِنِ اسْتِتْباعِ عَدَمِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِلضَّرَرِ عَلى أنَّ وُجُودَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِما وعَدَ مِنَ النَّجاةِ عَنْ مَضَرَّةِ كَيْدِ الأعْداءِ، وكانَ الخُرُوجُ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ﴿ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ تُوطِنُهم قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: تُنْزِلُهم، وقِيلَ: تُسَوِّي وتُهَيِّئُ لَهم، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ - لِلْمُؤْمِنِينَ - إذْ لَيْسَ مَحَلُّ التَّقْوِيَةِ والزِّيادَةِ غَيْرَ فَصِيحَةٍ ﴿ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ﴾ أيْ مَواطِنَ ومَواقِفَ ومَقاماتٍ لَهُ، وأصْلُ المَقْعَدِ والمَقامِ مَحَلُّ القُعُودِ والقِيامِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ بِطَرِيقِ المَجازِ عَلى المَكانِ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِيامٌ وقُعُودٌ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مَن بِهِ كَقَوْلِهِمُ المَجْلِسُ السّامِيُّ والمَقامُ الكَرِيمُ، وجُمْلَةُ ( ﴿ تُبَوِّئُ ﴾ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( ﴿ غَدَوْتَ ﴾ ) ولِكَوْنِ المَقْصُودِ تَذْكِيرُ الزَّمانِ المُمْتَدِّ المُتَّسِعِ لِابْتِداءِ الخُرُوجِ والتَّبْوِئَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إذْ هو المُذَكِّرُ لِلْقِصَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إلى القَوْلِ بِأنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ ناوِيًا وقاصِدًا لِلتَّبْوِئَةِ، و( مَقاعِدَ ) مَفْعُولٌ ثانٍ - لِتُبَوِّئُ - والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَقاعِدَ، ولا يَجُوزُ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ المَكانُ وهو لا يَعْمَلُ.

رَوى ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى والحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرِهِمْ، وكُلٌّ قَدْ حَدَّثَ بَعْضَ الحَدِيثِ " «أنَّهُ لَمّا أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ أصْحابِ القَلِيبِ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ بَعِيرِهِ مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ في رِجالٍ مِن قُرَيْشٍ مِمَّنْ أُصِيبَتْ آباؤُهم وأبْناؤُهم وإخْوانُهم يَوْمَ بَدْرٍ فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ، ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ أخْيارَكم فَأعِينُونا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ لَعَلَّنا نُدْرِكُ بِهِ ثَأْرَنا بِمَن أصابَ مِنّا فَفَعَلُوا، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وخَرَجَتْ بِجِدِّها وجَدِيدِها وأحابِيشِها ومَن تابَعَها مِن بَنِي كِنانَةَ وأهْلِ تِهامَةَ، وخَرَجُوا مَعَهم بِالظَّعْنِ التِماسَ الحَفِيظَةِ وأنْ لا يَفِرُّوا، وخَرَجَ أبُو سُفْيانَ وهو قائِدُ النّاسِ بِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، وخَرَجَ آخَرُونَ بِنِساءٍ أيْضًا، فَأقْبَلُوا حَتّى نَزَلُوا بِعَيْنَيْنِ بِجَبَلٍ بِبَطْنِ السَّبْخَةِ مِن قَناةٍ عَلى شَفِيرِ الوادِي مُقابِلَ المَدِينَةِ، فَلَمّا سَمَّعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  والمُسْلِمُونَ قَدْ نَزَلُوا حَيْثُ نَزَلُوا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي رَأيْتُ بَقَرًا تُنْحَرُ، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًا، ورَأيْتُ أنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ وتَدْعُوهم حَيْثُ نَزَلُوا، فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مُقامٍ، وإنْ هم دَخَلُوا عَلَيْنا قاتَلْناهم فِيها، وكانَ رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ رَأْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَرى رَأْيَهُ في ذَلِكَ أنْ لا يَخْرُجَ إلَيْهِمْ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَكْرَهُ الخُرُوجَ، فَقالَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِمَّنْ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وغَيْرُهم مِمَّنْ كانَ فاتَهُ يَوْمُ بَدْرٍ: اخْرُجْ بِنا يا رَسُولَ اللَّهِ إلى أعْدائِنا لا يَرَوْنَ أنا جَبُنّا عَنْهم وضَعُفْنا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقِمْ بِالمَدِينَةِ لا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ، فَواللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ لَنا قَطُّ إلّا أصابَ مِنّا ولا دَخَلَ عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ فَدَعْهم، يا رَسُولَ اللَّهِ فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وإنْ دَخَلُوا قاتَلَهُمُ الرِّجالُ مِن فَوْقِهِمْ، وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ كَما جاءُوا، فَلَمْ يَزَلِ النّاسُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ كانَ مِن أمْرِهِمْ حُبُّ لِقاءِ القَوْمِ حَتّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَبِسَ لَأْمَةَ حَرْبِهِ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وقَدْ نَدِمَ النّاسُ وقالُوا: اسْتَكْرَهْنا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَمْ يَكُنْ لَنا ذَلِكَ، فَإنْ شِئْتَ فاقْعُدْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ، فَخَرَجَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِألْفٍ مِن أصْحابِهِ وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ أنْ يَصْبِرُوا، واسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى الصَّلاةِ بِالنّاسِ حَتّى إذا كانَ بِالشَّوْطِ بَيْنَ المَدِينَةِ وأُحُدٍ انْخَذَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بِثُلُثِ النّاسِ وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي وما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هَهُنا أيُّها النّاسُ، فَرَجَعَ بِمَن تَبِعَهُ مِن قَوْمِهِ مِن أهْلِ النِّفاقِ والرَّيْبِ، واتَّبَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حِزامٍ أخُو بَنِي سَلِمَةَ يَقُولُ: يا قَوْمِ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ تَعالى أنْ تَخْذُلُوا قَوْمَكم ونَبِيَّكم عِنْدَ ما حَضَرَ مِن عَدُوِّهِمْ، قالَ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ لَما أسْلَمْناكم، ولَكِّنا لا نَرى أنَّهُ يَكُونُ قِتالٌ، فَلَمّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ وأبَوْا إلّا الِانْصِرافَ، قالَ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى أعْداءَ اللَّهِ فَسَيُغْنِي اللَّهُ تَعالى عَنْكم نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَتّى سَلَكَ في حَرَّةِ بَنِي حارِثَةَ فَذَبَّ فَرَسٌ بِذَنَبِهِ فَأصابَ كُلابَ سَيْفٍ فاسْتَلَّهُ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ يُحِبُّ الفَأْلَ ولا يَعْتافُ لِصاحِبِ السَّيْفِ: شُمَّ سَيْفَكَ فَإنِّي أرى السُّيُوفَ سَتُسَلُّ اليَوْمَ، ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِن أُحُدٍ مِن عَدْوَةِ الوادِي إلى الجَبَلِ فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وقالَ: لا يُقاتِلُ أحَدٌ حَتّى نَأْمُرَهُ بِالقِتالِ، وتَعَبَّأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْقِتالِ ومَشى عَلى رِجْلَيْهِ وجَعَلَ يَصُفُّ أصْحابَهُ فَكَأنَّما يُقَوِّمُ بِهِمُ القَدَحَ إنْ رَأى صَدْرًا خارِجًا قالَ: تَأخَّرْ، وهو في سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وأمَّرَ عَلى الرُّماةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وهو مُعَلَّمٌ يَوْمَئِذَ بِثِيابٍ بِيضٍ وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا وقالَ: انْضَحِ الخَيْلَ عَنّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونا مَن خَلْفِنا إنْ كانَ عَلَيْنا أوْ لَنا فاثْبُتْ مَكانَكَ لا يُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلَكَ، وظاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ ودَفَعَ اللِّواءَ إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وتَعَبَّأتْ قُرَيْشٌ وهم ثَلاثَةُ آلافٍ فِيهِمْ مِائَتا فَرَسٍ قَدْ جَنَّبُوها، ووَقَعَ القِتالُ وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ وكانَ ما كانَ، وأشارَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا اليَوْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ»، والقَوْلُ بِأنَّها إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ كَقَوْلِ مُقاتِلٍ بِأنَّها إشارَةٌ إلى يَوْمِ الأحْزابِ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِسائِرِ المَسْمُوعاتِ، ويَدْخُلُ ما وقَعَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مِنَ الأقْوالِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ عَلِيمٌ ﴾ (121) بِسائِرِ المَعْلُوماتِ، ومِنها ما في ضَمائِرِ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ قَدْ قَدَّرَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ما لا يَنْبَغِي صُدُورُهُ مِنهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حِينَ رَأوْا غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ: قَدْ غَنِمَ أصْحابُنا ونَبْقى نَحْنُ بِلا غَنِيمَةٍ وجَعَلُوا يَنْسَلُّونَ رَجُلًا فَرَجُلًا حَتّى أخْلَوْا مَراكِزَهم ولَمْ يَبْقَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ سِوى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مَعَ إيصاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِثُبُوتِهِمْ مَكانَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ يعني خرجت من منزلك بالصباح.

ويقال: من عند أهلك، وهي عائشة  تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ يعني تهيء للمؤمنين مَقاعِدَ لِلْقِتالِ يعني مواضع للحرب.

قال الكلبي: هو يوم أحد.

وقال مقاتل: هو يوم الخندق وَاللَّهُ سَمِيعٌ لدعائك عَلِيمٌ بأمر الكفار إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ يعني أرادت وأضمرت طائفتان من المسلمين.

وهما: حيا بني حارثة، وبني سلمة من الأنصار أَنْ تَفْشَلا يعني أن تَجْبُنَا عن القتال مع النبيّ  وترجعا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي ناصرهما وحافظهما حيث لم يرجعا، لأن النبيّ  خرج من المدينة يوم أُحد، ومعه ألف رجل، فرجع عبد الله بن أبي ابن سلول مع ثلاثمائة من المنافقين، ومن تابعهم، فدخل الفشل في قبيلتين من الأنصار، وهم المؤمنون، فأرادوا أن يرجعوا، فحفظ الله تعالى قلوبهم، فلم يرجعوا، فذلك قوله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي حافظ قلوبهما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعني على المؤمنين أن يتوكلوا على الله وهذه كلها مِنَنٌ ذكرها الله لنبيّه  ، ليعرف ويشكر الله تعالى، ويصبر على ما يصيبه من الأذى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال الزُّبَيْدِيُّ: العَنَتُ: الهلاك.

اهـ.

وقوله تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، أي: فهم فوق المستَتِر الَّذي تبدو البغضاءُ في عينيه، وخصَّ سبحانه الأفواه بالذكْرِ دون الألسنة إشارةً إلى تشدُّقهم وثَرْثَرَتِهِمْ في أقوالهم هذه، ثمَّ قال سبحانه للمؤمنين: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ تحْذيراً وتنبيهاً، وقد عَلِمَ سبحانه أنهم عقلاء، ولكن هذا هَزٌّ للنفوس، كما تقول: إنْ كُنْتَ رَجُلاً، فافعل كذا وكذا.

وقوله: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ: الضمير في «تُحِبُّونهم» للذين تقدَّم ذكْرُهم في قوله: بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ، قال: ص: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ، قال أبو البقاء:

الكِتَاب، هنا: جنس، أيْ: بالكتب كلِّها.

اهـ.

وقوله تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ: عبارةٌ عن شدَّة الغيظِ، مع عدم القُدْرة على إنفاذه ومنه قولُ أبي طَالِبٍ: [الطويل]

................

...

يَعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ «١»

وقوله سبحانه: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ قال فيه الطبريُّ «٢» ، وكثيرٌ من المفسِّرين: هو دعاءٌ عليهم، وقال قومٌ: بل أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأمَّتَه أنْ يواجهُوهم بهذا فعلَى/ هذا زال معْنَى الدعاء، وبَقِيَ معنى التقْرِيعِ.

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ: وعيد وذات الصدور: ما تنطوي عليه.

وقوله سبحانه: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ...

الآية: الحَسَنَةُ والسيِّئة في هذه الآية: لفظ عامٌّ في كل ما يَحْسُنُ ويَسُوء، قلْتُ: ويجبُ على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة وَرُوِّينا في «كتاب الترمذيِّ» ، عن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ (رضي اللَّه عنه) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ» «١» اهـ.

والكَيْد: الاحتيالُ بالأباطيل، وقوله تعالى: وَأَكِيدُ كَيْداً [الطارق: ١٦] من باب تسمية العقوبة باسم الذَّنْب.

وقوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ هذا ابتداءُ عتْبِ

المؤمنين في أَمْر أُحُدٍ، وفيه نزلَتْ هذه الآياتُ كلُّها، وكان من أمر غزوة أُحُدٍ أَنَّ المُشْرِكِينَ اجتمعوا في ثلاثة آلاف رجُلٍ، وقصدوا المدينةَ ليأخذوا بثأرهم في يوم بَدْرٍ، فنزلوا عند أُحُدٍ يوم الأربعاء، الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ، سنَةَ ثلاثٍ من الهجرةِ، على رأس أَحَدٍ وثلاثين شهرًا من الهجْرة، وأقاموا هنالك يوم الخميس، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة يدبِّر وينتظرُ أمْرَ اللَّهِ سبحانه، فلَمَّا كان في صَبِيحَة يَوْم الجُمُعة، جَمَعَ رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم النَّاس واستشارهم، وأخبرهم أنه كان يرى بقرًا تُذْبَح، وثَلْماً في ذُبَابِ سَيْفه، وأنَّهُ يُدْخِلُ يده في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنه تأوَّلها المدينةَ، وقال لهم: أرى ألاَّ نخرج إلى هؤلاء الكُفَّارِ، فقال له عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: أَقِمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالنَّاسِ، فَإنْ هُمْ أَقَامُوا، أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا، مَضَوْا خَائِبِينَ، وَإنْ جَاءُونَا إلَى المَدِينَةِ، قَاتَلْنَاهُمْ فِي الأَفْنِيَةِ وَرَمَاهُمُ النّساء والصّبيان بالحجارة من الآطام «١» ، فو الله، مَا حَارَبَنَا قَطُّ عَدُوٌّ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ إلاَّ غَلَبْنَاهُ، وَلاَ خَرَجْنَا مِنْهَا إلى عَدُوٍّ إلاَّ غَلَبَنَا، فَوَافَقَ هَذَا الرَّأْيُ رَأْيَ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، ورَأْيَ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وقَالَ قَوْمٌ مِنْ صُلَحَاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ فَاتَتْهُ بَدْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اخرج بِنَا إلى عَدُوِّنَا، وَشَجَّعُوا النَّاسَ، وَدَعَوْا إلَى الحَرْبِ، فَقَامَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، فصلى بِالنَّاسِ صَلاَةَ الجُمُعَةِ، وَقَدْ حَشَّمَهُ هَؤُلاَءِ الدَّاعُونَ إلَى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرِ صَلاَتِهِ بَيْتَهُ، وَلَبِسَ سِلاَحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ، وَقَالُوا: أَكْرَهْنَا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا خرج عليهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فِي سِلاَحِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ، إنْ شِئْتَ، فَإنَّا لاَ نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ سِلاَحَهُ أَنْ يَضَعَهَا حتى يُقَاتِل، ثُمَّ خَرَجَ بِالنَّاسِ، وَسَارَ حتى قَرُبَ مِنْ عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ، فَعَسْكَرَ هُنَالكَ، وَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ، وَعَصَانِي، فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، اعتزم النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى المَسِيرِ إلى مُنَاجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وَهُوَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، فانخزل عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ بِثَلاَثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُنَافِقٍ وَمُتَّبِعٍ، وَقَالُوا: نَظُنُّ أَنَّكُمْ لا تلقون قتالا، ومضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فِي سبْعِمِائةٍ/ فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حَارِثَةَ مِنَ الأَوْسِ وَبَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بالانْصِرَافِ، وَرَأَوْا كَثَافَةَ المُشْرِكِينَ، وَقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وَكَادُوا أَنْ يَجْبُنُوا، وَيَفْشَلُوا، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ تعالى، وَذَمَّ بَعْضُهُمْ بعضا، ونهضوا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتى أَطَلَّ عَلَى المُشْرِكِينَ فَتَصَافَّ النَّاسُ، وَكَانَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَدْ أَمَّرَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ «٢» ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً، وَجَعَلَهُمْ يَحْمُونَ الجَبَلَ وراء المسلمين،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ أُحُدٍ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، وابْنُ إسْحاقَ، وذَلِكَ أنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ أُحُدٍ مِن بَيْتِ عائِشَةَ إلى أُحُدٍ، فَجَعَلَ يَصُفُّ أصْحابَهُ لِلْقِتالِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ الأحْزابِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والأوَّلُ أصَحُّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا ﴾ وقَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: سَمِيعٌ لِمُشاوَرَتِكَ إيّاهم في الخُرُوجِ، ومُرادُهم لِلْخُرُوجِ، عَلِيمٌ بِما يُخْفُونَ مِن حُبِّ الشَّهادَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللهُ ولِيُّهُما وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِنَ الآياتِ، والظاهِرُ أنَّها اسْتِقْبالُ أمْرٍ آخَرَ.

لِأنَّ تِلْكَ مُقاوَمَةٌ في شَأْنِ مُنافِقِي اليَهُودِ، وهَذا ابْتِداءُ عَتْبِ المُؤْمِنِينَ في أمْرِ أُحُدٍ، فالعامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ.

وقالَ الحَسَنُ: هَذا الغُدُوُّ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَبَوُّئِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي كانَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وخالَفَهُ الناسُ.

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، وفِيها نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها.

وكانَ مِن أمْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في ثَلاثَةِ آلافِ رَجُلٍ، وقَصَدُوا المَدِينَةَ لِيَأْخُذُوا بِثَأْرِهِمْ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَنَزَلُوا عِنْدَ أُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الثانِي عَشَرَ مِن شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَلى رَأْسِ أحَدٍ وثَلاثِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا هُنالِكَ يَوْمَ الخَمِيسِ، ورَسُولُ اللهِ  بِالمَدِينَةِ يُدَبِّرُ ويَنْتَظِرُ أمْرَ اللهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ جَمَعَ رَسُولُ اللهِ  الناسَ واسْتَشارَهُمْ، وأخْبَرَهم أنَّهُ كانَ رَأى في مَنامِهِ بَقَرَةً تُذْبَحُ وثَلْمًا في ذُبابِ سَيْفِهِ، وأنَّهُ يُدْخِلُ يَدَهُ في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنَّهُ تَأوَّلَها المَدِينَةَ، وقالَ لَهُمْ، أرى ألّا نَخْرُجَ إلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: أقِمْ يا رَسُولَ اللهِ ولا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالناسِ، فَإنْ هم أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا مَضَوْا خائِبِينَ، وإنْ جاؤُونا إلى المَدِينَةِ قاتَلْناهم في الأفْنِيَةِ، ورَماهُمُ النِساءُ والصِبْيانُ بِالحِجارَةِ مِنَ الآطامِ، فَواللهِ ما حارَبْنا قَطُّ عَدُوًّا في هَذِهِ المَدِينَةِ إلّا غَلَبْناهُ، ولا خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ إلّا غَلَبَنا، فَوافَقَ هَذا الرَأْيُ رَأْيَ رَسُولِ اللهِ  ورَأْيَ جَماعَةٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

وقالَ قَوْمٌ مِن صُلَحاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ كانَ فاتَتْهُ بَدْرٌ: يا رَسُولَ اللهِ، اخْرُجْ بِنا إلى عَدُوِّنا، وشَجَّعُوا الناسَ ودَعَوْا إلى الحَرْبِ، فَقامَ رَسُولُ اللهِ  فَصَلّى بِالناسِ صَلاةَ الجُمُعَةِ وقَدْ جَشَّمَهُ هَؤُلاءِ الداعُونَ إلى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرَ صَلاتِهِ بَيْتَهُ ولَبِسَ سِلاحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ وقالُوا: أكْرَهْنا رَسُولَ اللهِ  ، فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِمُ النَبِيُّ  في سِلاحِهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ أقِمْ إنْ شِئْتَ، فَإنّا لا نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ سِلاحَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ.

ثُمَّ خَرَجَ بِالناسِ، وسارَ حَتّى قَرُبَ مِن عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ هُناكَ، وباتَ تِلْكَ اللَيْلَةَ، وقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي.

فَلَمّا كانَ في صَبِيحَةِ يَوْمِ السَبْتِ اعْتَزَمَ رَسُولُ اللهِ  عَلى السَيْرِ إلى مُناجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وهو في ألْفِ رَجُلٍ، فانْخَزَلَ عنهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ بِثَلاثِمِائَةٍ مِنَ الناسِ، مِن مُنافِقٍ ومُتَّبِعٍ، وقالُوا: نَظُنُّ أنَّكم لا تَلْقَوْنَ قِتالًا، ومَضى رَسُولُ اللهِ  ، في سَبْعِمِائَةٍ، فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوسِ وبَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بِالِانْصِرافِ، ورَأوا كَثافَةَ المُشْرِكِينَ وقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وكادُوا أنْ يَجْبُنُوا ويَفْشَلُوا فَعَصَمَهُمُ اللهُ تَعالى، وذَمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَهَضُوا مَعَ النَبِيِّ  ، فَمَضى رَسُولُ اللهِ  حَتّى أطَلَّ عَلى المُشْرِكِينَ، فَتَصافَّ الناسُ.

وكانَ رَسُولُ اللهِ  قَدْ أمَّرَ عَلى الرُماةِ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا، وجَعَلَهم يَحْمُونَ الجَبَلَ وراءَ المُسْلِمِينَ، وأسْنَدَ هو إلى الجَبَلِ، فَلَمّا اضْطَرَمَتِ الحَرْبُ انْكَشَفَ المُشْرِكُونَ وانْهَزَمُوا، وجَعَلَ نِساءُ المُشْرِكِينَ تَبْدُو خَلاخِلُهُنَّ وهُنَّ يُسْنِدْنَ في صَفْحِ جَبَلٍ، فَلَمّا رَأى الرُماةُ ذَلِكَ قالُوا: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ أيُّها المُسْلِمُونَ.

وكانَ رَسُولُ اللهِ  قَدْ قالَ لَهُمْ: لا تَبْرَحُوا مِن هُنا ولَوْ رَأيْتُمُونا تَتَخَطَّفُنا الطَيْرُ، فَقالَ لَهم عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ وقَوْمٌ مِنهُمُ: اتَّقُوا اللهَ واثْبُتُوا كَما أمَرَكم نَبِيُّكُمْ، فَعَصَوْا وخالَفُوا وزالُوا مُتْبِعِينَ، وكانَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ قَدْ تَجَرَّدَ في جَرِيدَةِ خَيْلٍ وجاءَ مِن خَلْفِ المُسْلِمِينَ حَيْثُ كانَ الرُماةُ، فَحَمَلَ عَلى الناسِ، ووَقَعَ التَخاذُلُ وصِيحَ في المُسْلِمِينَ مِن مُقَدِّمَتِهِمْ ومِن ساقَتِهِمْ، وصَرَخَ صارِخٌ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَتَخاذَلَ الناسُ واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَيِّفٌ عَلى سَبْعِينَ.

قالَ مَكِّيٌّ: قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: قُتِلَ مِنَ المُهاجِرِينَ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعَةٌ، ومِنَ الأنْصارِ سَبْعُونَ، وتَحَيَّزَ رَسُولُ اللهِ  في أعْلى الجَبَلِ وتَجاوَزَ الناسَ.

هَذا مُخْتَصَرٌ مِنَ القِصَّةِ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الآيَةِ، وأمْرُ "أُحُدٍ" بِطُولِهِ وما تَخَلَّلَهُ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ مُسْتَوْعَبٌ في كُتُبِ السِيَرِ، ولَيْسَ هَذا التَعْلِيقُ مِمّا يَقْتَضِي ذِكْرَهُ.

وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ السُدِّيِّ ما يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ القِتالَ كانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وحَكى عنهُ الطَبَرِيُّ، أنَّ نُزُولَ أبِي سُفْيانَ بِأُحُدٍ كانَ فِي الثالِثِ مِن شَوّالٍ، وذَلِكَ كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وقالَ النَقّاشُ: وقْعَةُ أُحُدٍ في الحادِي عَشَرَ مِن شَوّالٍ، وذَلِكَ خَطَأٌ.

قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: فَغُدُوُّ رَسُولِ اللهِ  يَوْمَ الجُمُعَةِ إلى التَدْبِيرِ مَعَ الناسِ واسْتِشارَتِهِمْ هو الَّذِي عُبِّرَ عنهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما أنَّ غُدُوَّ النَبِيِّ  إنَّما كانَ ورَأْيُهُ أنْ لا يَخْرُجَ الناسُ، فَكانَ لا يَشُكُّ في نَفْسِهِ أنْ يُقَسِّمَ أقْطارَ المَدِينَةِ عَلى قَبائِلِ الأنْصارِ.

وقالَ غَيْرُ الطَبَرِيِّ: بَلْ نُهُوضُ النَبِيِّ  يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَلاةِ هو غُدُوُّهُ، وبَوَّأ المُؤْمِنِينَ في وقْتِ حُضُورِ القِتالِ، وقِيلَ ذَلِكَ في لَيْلَتِهِ، وسَمّاهُ غُدُوًّا إذْ كانَ قَدِ اعْتَزَمَ التَدْبِيرَ، والشُرُوعَ في الأمْرِ مِن وقْتِ الغُدُوِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما أنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ رُبَّما كانَتْ قَبْلَ الزَوالِ، حَسْبَما ورَدَتْ بِذَلِكَ أحادِيثُ، فَيَجِيءُ لَفْظُ الغُدُوِّ مُتَمَكِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الغُدُوَّ المَذْكُورَ هو غُدْوَةُ يَوْمِ السَبْتِ إلى القِتالِ، ومِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ في تِلْكَ اللَيْلَةِ مُوافِقًا لِلْغُدُوِّ فَهو كَأنَّهُ كانَ في أهْلِهِ، وبَوَّأ المُسْلِمِينَ بِأمْرِهِ الرُماةَ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَدْبِيرِهِ مَصافَّ الناسِ، و"تُبَوِّئُ" مَعْناهُ: تُعَيِّنُ لَهم مَقاعِدَ يَتَمَكَّنُونَ فِيها ويَثْبُتُونَ تَقُولُ: تَبَوَّأْتُ مَكانَ كَذا، إذا حَلَلْتَهُ حُلُولًا مُتَمَكِّنًا ثَبَتَّ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ  ﴾ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : ( «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ» ) ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَمْ صاحِبٍ لِي صالِحٍ ∗∗∗ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وما بَوَّأ الرَحْمَنُ بَيْتَكَ مَنزِلًا ∗∗∗ بِشَرْقِيِّ أجْيادِ الصَفا والمُحَرَّمِ وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقاعِدَ" جَمْعُ مَقْعَدٍ، وهو مَكانُ القُعُودِ، وهَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: مَواقِفُ، ولَكِنَّ لَفْظَةَ القُعُودِ أدَلُّ عَلى الثُبُوتِ، ولا سِيَّما أنَّ الرُماةَ إنَّما كانُوا قُعُودًا، وكَذَلِكَ كانَتْ صُفُوفُ المُسْلِمِينَ أوَّلًا، والمُبارِزَةُ والسَرْعانُ يَجُولُونَ.

وقَوْلُهُ: "واللهُ سَمِيعٌ" أيْ: ما تَقُولُ ويُقالُ لَكَ وقْتَ المُشاوَرَةِ وغَيْرَهُ؛.وَ"إذْ" الثانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، و"هَمَّتْ" مَعْناهُ: أرادَتْ ولَمْ تَفْعَلْ، والفَشَلُ في هَذا المَوْضِعِ: هو الجُبْنُ الَّذِي كادَ يَلْحَقُ بَنِي سَلَمَةَ وبَنِي حارِثَةَ، والفَشَلُ في البَدَنِ: هو الإعْياءُ والتَبْلِيحُ، والفَشَلُ في الرَأْيِ: هو العَجْزُ والحَيْرَةُ وفَسادُ العَزْمِ، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ما ودِدْنا أنَّها لَمْ تَنْزِلْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: "واللهُ ولِيُّهُما".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ أمْرٌ في ضِمْنِهِ التَغْبِيطُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ما فَعَلَهُ بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ مِنَ المَسِيرِ مَعَ النَبِيِّ  .

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَوِّئُ لِلْمُؤْمِنِينَ" بِلامِ الجَرِّ، وقَرَأ-: "واللهُ ولِيُّهُمْ" عَلى مَعْنى الطائِفَتَيْنِ لا عَلى اللَفْظِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

وجود حرف العطف في قوله: ﴿ وإذ غدوت ﴾ مانع من تعليق الظرف ببعض الأفعال المتقدّمة مثل ﴿ ودوأ ما عنتم ﴾ [آل عمران: 118] ومثل ﴿ يفرحوا بها ﴾ [آل عمران: 120] وعليه فهو آت كما أتَتْ نظائره في أوائل الآي والقِصص القرآنية، وهو من عطف جملة على جملة وقصة على وذلك انتقال اقتضابي فالتقدير: واذكر إذ غدوت.

ولا يأتي في هذا تعلّق الظرف بفعل ممَّا بعده لأنّ قوله: ﴿ تبوئ ﴾ لاَ يستقيم أن يكون مبدأ الغرض، وقوله: ﴿ همت ﴾ لا يصلح لتعليق ﴿ إذ غدوت ﴾ لأنَّه مدخول (إذْ) أخرى.

ومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدّم أنَّها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدّين، المنافقين، ولمَّا كان شأن المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحداً، ودخيلتهما سواء، وكانوا يعملون على ما تدبّره اليهود، جمع الله مكائد الفريقين بذكر غزوة أحُد، وكان نزول هذه السورة عقب غزوة أحُد كما تقدّم.

فهذه الآيات تشير إلى وقعة أحُد الكائنة في شوّال سنة ثلاث من الهجرة حين نزل مشركو مكَّة ومن معهم من أحلافهم سَفْحَ جبل أحُد، حول المدينة، لأخذ الثَّأر بما نالهم يوم بدر من الهزيمة، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما يفعلون وفيهم عبد الله بنُ أبي ابن سَلُول رأسُ المنافقين، فأشار جمهورهم بالتحصّن بالمدينة حتَّى إذا دخل عليهم المشركون المدينة قاتلوهم في الديار والحصون فغلبوهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وأشار فريق بالخروج ورغبوا في الجهاد وألحُّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي المشيرين بالخروج، ولبس لأْمته، ثُمّ عرضَ للمسلمين تردّد في الخروج فراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لا ينبغي لنبيء أن يلبس لأمته فيضعها حتَّى يحكم الله بينه وبين عدُوّه " وخرج بالمسلمين إلى جبل أحُد وكان الجبل وراءهم، وصَفَّهم للحرب، وانكشفت الحرب عن هزيمة خفيفة لحقت المسلمين بسبب مكيدة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، إذا انخزل هو وثلث الجيش، وكان عدد جيش المسلمين سبعمائة، وعددُ جيش أهل مكَّة ثلاثة آلاف، وهمّت بنو سَلِمَة وبنو حَارثة من المسلمين بالانخزال، ثُمّ عصمهم الله، فذلك قوله تعالى: ﴿ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ﴾ أي ناصرهما على ذلك الهَمّ الشيطاني، الّذي لو صار عزماً لكان سبب شقائهما، فلعناية الله بهما بَرّأهما الله من فعل ما همَّتا به، وفي «البخاري» عن جابر بن عبد الله قال: " نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سَلِمة وفينا نزلتْ ﴿ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ﴾ وما يسرّني أنَّها لم تنزل والله يقول: ﴿ والله وليهما ﴾ " وانكشفت الواقعة عن مرجوحية المسلمين إذ قتل منهم سبعون، وقتل من المشركين نيف وعشرون وقال أبو سفيان يومئذ: «اعلُ هُبَلْ يوم بيوم بدر والحربُ سِجَال» وقتل حمزة رضي الله عنه ومَثّلت به هند بنت عتبة بن ربيعة، زوج أبي سفيان، إذ بقرت عن بطنه وقطعت قطعة من كبده لتأكلها لإحْنَةٍ كانت في قلبها عليه إذ قتل أباها عتبة يوم بدر، ثُمّ أسلمت بعد وحسن إسلامها.

وشُجّ وجه النَّبيء صلى الله عليه وسلم يومئذ وكُسِرَت رباعيته.

والغدوّ: الخروج في وقت الغداة.

و (مِن) في قوله: ﴿ من أهلك ﴾ ابتدائية.

والأهل: الزوج.

والكلام بتقدير مضاف يدلّ عليه فعْل ﴿ غدوتَ ﴾ أي من بيت أهلِك وهو بيت عائشة رضي الله عنها.

و ﴿ تُبَوّئ ﴾ تجعل مَبَاء أي مكان بَوْء.

والبَوْء: الرجوع، وهو هنا المقرّ لأنَّه يبوء إليه صاحبه.

وانتصب ﴿ المؤمنين ﴾ على أنَّه مفعول أوّل لِ (تُبَوِّئ)، ومقاعد مفعول ثان إجراء لفعل تُبَوّئ مجرى تعطي.

والمقاعد جمع مقعد.

وهو مكان القعود أي الجلوس على الأرض، والقعود ضدّ الوقوف والقيام، وإضافة مقاعد لاسم ﴿ القتال ﴾ قرينة على أنَّه أطلق على المواضع اللاّئقة بالقتال الَّتي يثبت فيها الجيش ولا ينتقل عنها لأنَّها لائقة بحركاته، فأطلق المقاعد هنا على مواضع القرار كناية، أو مجازاً مرسلاً بعلاقة الإطلاق، وشاع ذلك في الكلام حتَّى ساوى المقرّ والمكان، ومنه قوله تعالى: ﴿ في مقعد صدق ﴾ [القمر: 55].

واعلم أنّ كلمة مقاعد جرى فيها على الشريف الرضي نقد إذ قال في رثاء أبي إسحاق الصابيء: أعْزِزْ عَلَيّ بأن أراك وقَد خَلا *** عن جَانبَيْكَ مَقَاعِدُ العُوّاد ذكر ابن الأثير في المَثل السائر أن ابن سنان قال: إيراده هذه اللَّفظة في هذا الموضع صحيح إلاّ أنَّه موافق لما يُكره ذِكْرُه لا سيما وقد أضافه إلى من تحتمل إضافته إليه وهم العُوّاد، ولو انفرد لكان الأمرُ سهلاً.

قال ابن الأثير: قد جاءت هذه اللَّفظة في القرآن فجاءت مرضية وهي قوله تعالى: ﴿ وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ﴾ ألا ترى أنَّها في هذه الآية غير مضافة إلى من تُقبح إضافتها إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ﴾ واخْتَلَفُوا في أيِّ مَكانٍ كانَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَوْمَ الأحْزابِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

( تُبَوِّئُ ) أيْ تَتَّخِدُ مَنزِلًا تُبَوِّئُ فِيهِ المُؤْمِنِينَ.

وَمَعْنى الآيَةِ: أنَّكَ تُرَتِّبُ المُؤْمِنِينَ في مَواضِعِهِمْ.

﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: سَمِيعٌ بِما يَقُولُهُ المُنافِقُونَ، عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ.

والثّانِي: سَمِيعٌ لِما يَقُولُهُ المُشِيرُونَ عَلَيْكَ، عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَ مِن نَصِيحِ الرَّأْيِ وغِشِّ القُلُوبِ.

والثّالِثُ: سَمِيعٌ لِما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَ مِن خُلُوصِ النِّيَّةِ.

﴿ إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا ﴾ اخْتُلِفَ فِيها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم بَنُو سَلِمَةَ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأنْصارِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

وَفي سَبَبِ هَمِّهِمْ بِالفَشَلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ دَعاهُما إلى الرُّجُوعِ عَنْ لِقاءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَهَمّا بِهِ ولَمْ يَفْعَلا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الخُرُوجِ في الغُدُوِّ والمُقامِ حَتّى هَمّا بِالفَشَلِ، والفَشَلُ الجُبْنُ.

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ ﴾ وبَدْرٌ ماءٌ نَزَلُوا عَلَيْهِ كانَ لِرَجُلٍ يُسَمّى بَدْرًا، قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ هو بَدْرُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ فَسُمِّيَ بِاسْمِ صاحِبِهِ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وقالَ غَيْرُهُ بَلْ هو اسْمٌ لَهُ مِن غَيْرِ إضافَةٍ إلى اسْمِ صاحِبٍ.

﴿ وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الضَّعْفُ عَنْ مُقاوَمَةِ العَدُوِّ.

والثّانِي: قِلَّةُ العَدَدِ وضَعْفُ الحالِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُهاجِرِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا، والأنْصارُ مِائَتَيْنِ وسِتَّةً وثَلاثِينَ رَجُلًا، وكانَ المُشْرِكُونَ ما بَيْنَ تِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب وعاصم بن عمر بن قتادة ومحمد بن يحيى بن حبان والحصين بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ قالوا: كان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين، ومحق به الكافرين ممن كان يظهر الإسلام بلسانه وهو مستخفٍ بالكفر، ويوم أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته، فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية من آل عمران فيها صفة ما كان في يومه ذلك، ومعاتبة من عاتب منهم.

يقول الله لنبيه ﴿ وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ﴾ .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال: «قاتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر في رمضان سنة اثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوّال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق وهو يوم الأحزاب وبني قريظة في شوّال سنة أربع» .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في الدلائل عن عمروة قال: كانت وقعة أحد في شوّال على رأس سنة من وقعة بدر، ولفظ عبد الرزاق: على رأس ستة أشهر من وقعة بني النضير، ورئيس المشركين يؤمئذ أبو سفيان بن حرب.

وأخرج البيهقي عن قتادة قال: كانت وقعة أحد في شوّال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة مضت من شوّال، وكان أصحابه يومئذ سبعمائة والمشركون الفين أو ما شاء الله من ذلك.

وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف يا خال أخبرني عن قصتكم يوم أحد؟

قال: اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا ﴿ وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال ﴾ إلى قوله: ﴿ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ﴾ [ آل عمران: 122] قال: هم الذين طلبوا الأمان من المشركين إلى قوله: ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه ﴾ [ آل عمرن: 143] قال: هو تمني المؤمنين لقاء العدو إلى ﴿ أَفَإنْ مات أو قتل انقلبتم ﴾ [ آل عمران: 144] قال: هو صياح الشيطان يوم أحد: قتل محمد إلى قوله: ﴿ أمنة نعاساً ﴾ [ آل عمران عمران: 154] قال: ألقي عليهم النوم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ﴾ قال: يوم أحد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ تبوّئ المؤمنين ﴾ قال: توطئ.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ تبوّئ المؤمنين ﴾ قال: توطن المؤمنين لتسكن قلوبهم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الأعشى الشاعر: وما بوّأ الرحمن بيتك منزلاً ** بأجياد غربي الفنا والمحرم وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال ﴾ قال: مشى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ على رجليه يبوّئ المؤمنين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وإذ غدوت من أهلك ﴾ قال يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال يوم الأحزاب.

وأخرج إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن شهاب ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم.

كل حدث بعض الحديث عن يوم قالوا: لما أصيبت قريش أو من ناله منهم يوم بدر من كفار قريش، ورجع قلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره.

مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم واخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأراً بمن أصاب، ففعلوا فأجمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجت بجدتها وجديدها، وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة ولئلا يقروا.

وخرج أبو سفيان وهو قائد الناس، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وأنهم قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت بقراً تنحر، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها» .

ونزلت قريش منزلها أحداً يوم الأربعاء، فأقاموا ذلك اليوم، ويوم الخميس، ويوم الجمعة، وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد، فالتقوا يوم السبت للنصف من شوّال سنة ثلاث، وكان رأي عبد الله بن أبي مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى رأيه في ذلك؛ أن لا يخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج من المدينة فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته يوم بدر وحضوره: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنَّا جنُنَّا عنهم وضعفنا فقال عبد الله بن أبي: يا رسول الله أقم بالمدينة فلا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر، وإن دخلوا قاتلهم النساء والصبيان والرجال بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا خائبين كما جاؤوا.

فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس لامته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة ثم خرج عليهم.

وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل» .

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد تحوّل عنه عبدالله بن أبي بثلث الناس، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة، فذب فرس بذنبه فأصاب ذباب سيفه فاستلَّه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحب الفأل ولا يعتاف لصاحب السيف «شمَّ سيفك فإني أرى السيوف ستستل اليوم» .

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد من عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وتعبَّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل، وأمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير والرماة خمسون رجلاً فقال: «انضح عنا الجبل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كان علينا أو لنا فأنت مكانك لنؤتين من قبلك وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين» .

وأخرج ابن جرير عن السدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد أشيروا عليّ ما أصنع؟

فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرج إلى هذه الأكلب فقالت الأنصار: يا رسول الله ما غلبنا عدوّ لنا أتانا في ديارنا فكيف وأنت فينا.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلوا في الأزقة، فأتى النعمان بن مالك الأنصاري فقال: يا رسول الله لا تحرمني الجنة فقال له: بم؟

قال: بأني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، واني لا أفر من الزحف قال: صدقت.

فقتل يؤمئذ.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بدرعه فلبسها، فلما رأوه وقد لبس السلاح ندموا وقالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت فقال: رأيت القتال وقال رسول صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل» .

وأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتح أن يصبروا.

فرجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم فأعيوه وقالوا له: ما نعلم قتالاً، ولئن أطعتنا لترجعن معنا وقال: ﴿ وإذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ﴾ وهم بنو سلمة، وبنو حارثة، هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله.

وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وإذ تبوئ المؤمنين ﴾ قال: ذاك يوم أحد، غدا نبي الله من أهله إلى أحد ﴿ تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ﴾ وأحد بناحية المدينة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى (١) ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) قال ابن عباس (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١)  من منزل عائشة إلى أُحُد (١٢) قال ابن عباس (١٣) ﴿ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ ؛ يريد: مِن (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ يقال: (بَوَّأتُه مَنْزِلًا)، و (بَوَّأتُ له منزلًا)؛ أي: أنزلته إيَّاهُ (١٦) قال ابن هَرْمَة (١٧) وبُوِّئَتْ في صَميمِ مَعْشَرِها ...

فَتَمَّ في قومِها مُبَوَّؤُها (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) قال أبو علي (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ أي (٣٠) (٣١) وقد بيّنّا أن معنى القُعُود -في أصل اللغة-: الثُّبُوت، على أي حال كانت، عند قوله: ﴿ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ  ﴾ .

فمعنى: ﴿ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ مراكز (٣٢) (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قال ابن عباس (٣٤)  استشار أصحابه في ذلك الحرب (٣٥) ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لِمَا يقوله المُشيرون عليك (٣٦) ﴿ عَلِيُمٌ ﴾ (٣٧) (١) (قوله تعالى): ساقط من (ج).

(٢) ﴿ مِن أَهلِكَ ﴾ : ليس في (ب).

(٣) (مضى): مطموسة في (ج).

(٤) منها: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ  ﴾ .

(٥) ليست في (أ)، (ج).

ومثبتة من (ب).

(٦) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ)، ومثبت من (ب)، (ج).

(٧) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 70، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 748، و"النكت والعيون" 1/ 420.

(٨) انظر المصادر السابقة.

(٩) انظر المصادر السابقة.

(١٠) انظر المصادر السابقة.

(١١) ممن قال بذلك: ابن مسعود  ، ومجاهد، والكلبي، والزهري، وابن إسحاق، والطبري.

انظر: المراجع السابقة، و"سيرة ابن هشام" 3/ 58، و"بحر العلوم" 1/ 295، و"زاد المسير" 1/ 884 و"الدر المنثور" 2/ 120 وما بعدها.

(١٢) المصادر التي أشرت إليها، وقد ذكرت أقوال من سبق ذكره، ولكن لم تذكر أنه  خرج من منزل عائشة  ا.

(١٣) لم أقف على مصدر قوله.

(١٤) (من): ساقطة من (ج).

(١٥) وممن ذكر أن المنزل الذي خرج منه  هو منزل عائشة: أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 295، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 107 أ، والبغوي في "تفسيره" 4/ 96، وقد نسباه لمجاهد والكلبي والواقدي، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 449، وابن الديبع في "حدائق الأنوار" 521.

(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 72، و"الصحاح" 1/ 37 (بوأ)، و"اللسان" 1/ 382.

(١٧) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن سَلَمَة بن عامر بن هَرْمَة القرشي، من الخُلْج، وهم من قيس بن الحارث بن فِهْر.

سكن المدينة، وهو من آخر الشعراء الذين يُحتَجُّ بشعرهم، قال الأصمعي: (خُتِم الشعرُ بابن هَرْمة)، عاصر الدولة الأموية والعباسية، مات بعد سنة (150هـ) تقريبا.

انظر: "طبقات الشعراء" لابن المعتز 20، و"تاريخ بغداد" 6/ 127، و"خزانة الأدب" 1/ 424.

(١٨) البيت ورد منسوبًا له في: "مقاييس اللغة" 1/ 312 (بوأ)، وورد غير منسوب في: "اللسان" 1/ 382 (بوأ).

(١٩) انظر: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 233، و"تفسير الطبري" 4/ 72، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 362.

(٢٠) في (ج): (والمباه).

(٢١) في (ج): (والمباه).

(٢٢) انظر: "تهذيب اللغة": 1/ 246 (بوأ).

(٢٣) لم أقف على مصدر قوله.

(٢٤) في (ب): (لفلان).

(٢٥) في (ج): (المباه).

(٢٦) تضبط (المُراح) بضم الميم، إذا كانت من (أراح) الرباعي، وهو: حيث تأوي الماشية بالليل.

أما (المَراح) بفتح الميم، إذا كانت من (راح) الثلاثي.

وقد ضبطت بالضم في: "تفسير الطبري" 4/ 72، و"التهذيب" 2/ 1309 (راح)، و"القاموس": 272 (روح)، و"اللسان" 3/ 1769 (روح)، و"المصباح المنير" 93 (روح).

(٢٧) في (ج): (الغنم).

(٢٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٢٩) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 246 (بوأ)، و"مقاييس اللغة" 1/ 312 (بوأ)، و"المصباح المنير" 93 (روح).

ولم أعثر في كتب اللغة -التي رجعت إليها- على: (باء فلان منزله) بمعنى: لزمه، وإنما تأتي (باء) بمعنى الرجوع، واللزوم، والإقرار إذا عُدِّيت بالباء أو بـ (إلى) ومنه.

(باء بإثمه، يَبُوء بَوْءا) و (أبوء بذنبي)؛ أي: ألتزم وأرجع وأقر.

و (باء بالشيء): رجع.

ويقا- كذلك: باء فلانٌ لفلان، بَوْءا، وبَوَاءً): إذا كان مكافئًا له، يقتل به.

== أما (المَباءة) فهي من: (أبَأتُ الإبلَ مَباءَةً): أنخت بعضها إلى بعض.

فيتعدى الفعل هنا بالهمزة.

انظر: (بوأ) في: "تهذيب اللغة" 15/ 594، و"الصحاح" 1/ 37، و"اللسان" 1/ 382.

(٣٠) من قوله: (أي ..) إلى (..

مقاعد للقتال): ساقط من (ج).

(٣١) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٢) في (ج): (مراكب).

(٣٣) قال ابن دريد: والمقاعد: موضع القعود في الحرب وغيرها.

"الجمهرة" 2/ 661 (قعد).

(٣٤) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٥) هكذا جاءت (ذلك الحرب) على التذكير.

والمعروف أن الحرب مؤنثة، لكن حكى ابن الأعرابي والمبرد فيها التذكير، ولكنها نادرة، وقد تُذكَّر إذا ضُمِّنت معنى القتال.

انظر: (حرب) في: "الصحاح" 1/ 108، و"اللسان" 2/ 815.

(٣٦) في (ج): (عليكم).

(٣٧) (عليم): ساقطة من (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ ﴾ الحسنة هنا: الخيرات من النصر والرزق وغير ذلك، والسيئة ضدها ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ ﴾ من الضير بمعنى الضرّ ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ نزلت في غزوة أحد، وكان غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال صبيحة يوم السبت وخرج من المدينة يوم الجمعة بعد الصلاة وكان قد شاور أصحابه قبل الصلاة ﴿ تُبَوِّىءُ المؤمنين ﴾ تنزلهم وذلك يوم السبت حين حضر القتال، وقيل: ذلك يوم الجمعة بعد الصلاة حين خرج من المدينة، وذلك ضعيف؛ لأنه لا يقال: غدوت فيما بعد الزوال إلاّ على المجاز، وقيل: ذلك يوم الجمعة قبل الصلاة حين شاور الناس وذلك ضعيف؛ لأنه لم يبوئ حينئذٍ مقاعد للقتال؛ إلاّ أن يراد أنه بوأهم بالتدبير حين المشاورة ﴿ مقاعد ﴾ مواضع وهو جمع مقعد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تبوّى المؤمنين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ منزلين ﴾ بالتشديد وفتح الزاي: ابن عامر.

الباقون: بالتخفيف والفتح أيضاً.

﴿ مسوّمين ﴾ بكسر الواو: أبو عمرو وابن كثير وعاصم وسهل ورويس.

الباقون.

بالفتح.

الوقوف: ﴿ للقتال ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لأن "إذ" بدل من ﴿ إذ غدوت ﴾ أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ﴿ تبوىء ﴾ ﴿ أن تفشلا ﴾ (لا) لأن الواو للحال ﴿ وليهما ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج للفاء ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ط لتمام القول ﴿ بلى ﴾ (لا) لاتحاد مع ما بعده ﴿ مسوّمين ﴾ ه ﴿ قلوبكم به ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ (لا) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر ﴿ خائبين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

/ التفسير: أنه  لما وعدهم النصر على الأعداء إن هم صبروا واتقوا وخلاف ذلك إن لم يصبروا، أتبعه قوله: ﴿ وإذا غدوت من أهلك ﴾ ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ يعني أنهم يوم أحد كانوا كثيرين مستعدين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول  انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين لكنهم أطاعوا أمر الرسول فغلبوا واستولوا على خصومهم.

ووجه آخر في النظر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ المنافقين بطانة.

قال أبو مسلم: هذا كلام معطوف بالواو عل قوله: ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا  ﴾ أي قد كان لكم مثل تلك الآية إذ غدا الرسول يبوىء المؤمنين.

والجمهور على أنه منصوب بإضمار "اذكر" وعن الحسن أن هذا الغدو كان يوم بدر.

وعن مجاهد أنه يوم الأحزاب.

وأكثر العلماء بالمغازي على أن هذه الآية نزلت في واقعة أحد.

وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحق والربيع والأصم وأبي مسلم.

"روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار رسول الله  أصحابه ودعا  عبد الله بن أبيّ ولم يدعه قط قبلها فاستشاره.

فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟

فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين.

وقال بعضهم: يا رسول الله اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم.

وقال  : إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأوّلتها خيراً، أو رأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأوّلتها المدينة.

فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم، فقال رجال من المسلمين - قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد-: اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به  حتى دخل فلبس لأمته.

فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، نشير على رسول الله  والوحي يأتيه.

فقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت.

فقال: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل.

فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة من المدينة" .

قالوا من منزل عائشة وهو المراد بقوله: ﴿ من أهلك ﴾ عن مجاهد والواحدي "أنه مشى على رجليه إلى أحد وأصبح بالشعب منها يوم السبت للنصف من شوّال.

وجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القداح إن رأى صدراً خارجاً قال: تأخر.

وكان نزوله في جانب الوادي، وجعل  ظهره وعسكره إلى أحد.

وأمر  عبد الله بن جبير علىالرماة وقال لهم: انضحوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا، وقال  لأصحابه: اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام" .

"ثم إن رسول الله  لما خالف، رأى عبد الله بن أبيّ شق عليه ذلك وقال: أطاع الصبيان وعصاني ثم قال لأصحابة: إن محمداً  إنما يظفر بعدوّكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما ذكر محمد  .

فلما التقى الفريقان انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أولادنا وأنفسنا.

وكان جملة عسكر الإسلام ألفاً - وقيل: تسعمائة وخمسين - فبقي نحو من سبعمائة.

وكان المشركون ثلاثة آلاف فقوّاهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين.

لكنهم لما رأوا انهزام القوم وكان الله  بشرهم بذلك طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع وخالفوا أمر الرسول الله  ولم يعلموا أن ظفرهم يوم بدر ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله مع عدوّهم لم يقوموا لهم.

فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكرّوا على المسلمين وتفرق العسكر عن رسول الله  كما قال: ﴿ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ﴾ وشج وجه رسول الله  وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه  ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد.

ووقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قتل.

فأشرف أبو سفيان وقال: أفي القوم محمد؟

فقال النبي  : لا تجيبوه.

فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟

فقال: لا تجيبوه؟

قال: أفي القوم ابن الخطاب؟

فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا.

فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوّ الله.

أبقى الله لك ما يخزيك.

فقال أبو سفيان مرتجزاً: أعل هبل أعل هبل.

فقال النبي  : أجيبوه.

فقالوا: ما نقول؟

قال: قولوا: الله أعلى وأجل.

قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم.

فقال  : أجيبوه.

قالوا: ما نقول؟

قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال.

فقال رسول الله  : أجيبوه.

قالوا: ما نقول؟

قال: قولوا لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" .

ولنرجع إلى التفسير بوّأته منزلاً وبوّأت له منزلاً أنزلته فيه.

ومقاعد أي مواطن ومواقف، وقد اتتسع في "قعد" و"قام" حتى استعمل المقعد والمقام في المكان ومنه قوله تعالى: ﴿ في مقعد صدق  ﴾ وقوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك  ﴾ أي من موضع حكمك.

ويحتمل أنه  لما أمرهم أن يثبتوا في تلك الأمكنة ولا ينتقلوا عنها شبهت بالمقاعد لذلك، ويحتمل أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدوّ فيقوموا فلهذا سميت تلك المواضع مقاعد ﴿ والله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم ونياتكم فإنا بينا أنه كان في القوم موافق ومنافق ﴿ إذ همت طائفتان منكم ﴾ هما / حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان.

﴿ أن تفشلا ﴾ والفشل الجبن والخور.

والظاهر أنها ما كانت عزيمة ممضاة ولكنها كانت حديث نفس وقلما تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع.

فإن ساعدها صاحبها ذم وإن ردها إلى الثبات والصبر فلا بأس بما فعل.

وعن معاوية أنه قال: عليكم بحفظ الشعر فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين فما ثبتني إلاّ قوم عمرو بن الأطنابة: أقول لها إذا جشأت وجاشت *** مكانك تحمدي أو تستريحي ومما يدل على أن ذلك الهمّ لم يفض إلى حد العصيان قوله  : ﴿ والله وليهما ﴾ ولو كانت عزيمة لما ثبت معها الولاية.

ويجوز أن يراد والله ناصرهما ومتولي أمرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ والتوكل "تفعل" من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد في كفايته عليه ولم يتوله بنفسه.

وفيه إشارة إلى أن الإنسان يجب أن يدفع ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك.

عن جابر: "فينا نزلت ﴿ إذ همت طائفتان ﴾ نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة.

وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله ﴿ والله وليهما ﴾ " أخرجاه في الصحيحين.

ومع ذلك قال بعض العلماء: إن الله أبهم ذكرهما وستر عليهما ولا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر.

﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ وإنه ماء بين مكة والمدينة.

عن الواقدي أنه اسم لماء بعينه.

وعن الشعبي أنه سمي باسم رجل كان ذلك الماء له ﴿ وأنتم أذلة ﴾ إنما جاء بجمع القلة دون الأذلاء الذي هو للكثرة ليدل على أنهم مع قلة العدد - وهو المراد بذلتهم - كانوا قليلي العدد أيضاً كما مر في تفسير قوله: ﴿ قد كان لكم آية  ﴾ ولم يعن بالذلة ههنا نقيض العزة لقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ أو لعل المراد أنهم كانوا أذلة في عزم المشركين وفي اعتقادهم لقلة عددهم وسلاحهم كما حكى عنهم "ليخرجن الأعز منها الأذل" أو لعل الصحابة كانوا قد شاهدوا الكفار في مكة في غاية القوة والشوكة، وإلى هذا الوقت ما اتفق لهم استيلاء على أولئك الكفار فكانت هيبتهم باقية في نفوسهم ﴿ فاتقوا الله ﴾ وفي الثبات مع رسوله ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ بسبب تقواكم ما أنعم به عليكم من نصره.

أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر فيكون العامل في "إذ" قوله: ﴿ نصركم ﴾ أو حصل يوم أحد فيكون بدلاً ثانياً من ﴿ إذا غدوت ﴾ والأول قول أكثر المفسرين لأن الكلام متصل بقصة بدر، ولأن العدد والعُدَدَ يوم بدر أقل وكان الاحتياج إلى المدد أكثر.

والثاني مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحق، لأن المدد / يوم بدر كان بألف من الملائكة لقوله  في سورة الأنفال ﴿ فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة  ﴾ دون ثلاثة آلاف وخمسة آلاف فأنى صاروا خمسة الاف؛ وأجيب بأنهم أمدوا بألف ثم زيد ألفان ثم زيد فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زيدت ألفان آخران فصاروا خمسة آلاف.

فكأنه قيل لهم: ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة؟

فقالوا: بلى ثم قيل: ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف؟

فقالوا: بلى.

ثم قيل لهم: إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف.

وهو كما روي أنه  قال لأصحابه: " أيسركم أن تكونوا ربع أهل الجنة؟

قالوا: نعم.

قال: أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟

قالوا: نعم.

قال: فإني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" وأيضاً لعل أهل بدر أمدوا بألف، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير فخافوا وشق ذلك عليهم لقلة عددهم فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة.

ثم إنه لم يأت قريشاً ذلك المدد بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة على الألف.

قالوا: إن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً والمسلمون على الثلث منهم فأنزل الله ألفاً من الملائكة بعدد الكفار، وأما يوم أحد فكان عدد المسلمين ألفاً وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فلا جرم أنزل الله ثلاثة آلاف من الملائكة بعدد الكفار أيضاً، ثم وعدهم أن يجعل الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا واتقوا.

وأجيب بأن هذا تقريب حسن ولكنه لا يغلب على الظن أن يكون الأمر كذلك.

قالوا: قال  : ﴿ ويأتوكم من فورهم ﴾ ويوم أحد هو الذي كان يأتيهم الأعداء، أما يوم بدر فهم ذهبوا إلى الأعداء.

وأجيب بأن المشركين لما سمعوا يوم بدر أن الرسول  وأصحابه قد تعرضوا للعير، ثار الغضب في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي  .

ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله  أنهم إن أتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف.

ثم قالوا في وجه النظم إنه  ذكر قصة أحد ثم قال: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ أي يجب أن يكون توكلكم على الله لا على كثرة عددكم وعُدَدِكم ﴿ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ﴾ ثم عاد إلى قصة أحد.

ثم إنزال خمسة آلاف كان مشروطاً بشرط أن يصبروا ويتقوا.

ثم إنهم لم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا بل خالفوا أمر الرسول، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط.

وأما إنزال ثلاثة آلاف فإنه  وعدهم ذلك بشرط أن يثبتوا في تلك المقاعد، فلما أهملوا الشرط لم يحصل المشروط.

روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أحد ولكنهم لم يقاتلوا.

وروي عن / رسول الله  أنه أعطى اللواء مصعب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب فقال رسول الله  : تقدم يا مصعب.

فقال الملك: لست بمصعب.

فعرف الرسول  أنه ملك أمد به.

وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذٍ فيرده عليّ رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه، فظننت أنه ملك.

هذا حاصل تقرير القولين.

واختلفوا أيضاً في عدد الملائكة فمنهم من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد لأن الوعد بإمداد الثلاثة الآلاف لا شرط فيه، والوعد بإمداد خمسة الآلاف مشروط بالصبر والتقوى ومجيء الكفار من فورهم فهما متغايران وعلى هذا إن حملنا الآية على قصة بدر وقد ورد فيها ذكر الألف في موضع آخر فيكون المجموع تسعة آلاف، وإن حملناها على قصة أحد كان الجميع ثمانية آلاف.

ومنهم من أدخل الناقص في الزائد فقال: وعدوا بألف ثم زيد ألفان فصح أن يقال: وعدوا بثلاثة آلاف.

ثم زيد ألفان آخران فوعدوا بخمسة آلاف.

وأجمع أهل التفسير وأرباب السير أنه  أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار.

وعن ابن عباس أنه لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر، وفيما سواه كانوا عدداً ومدداً لا يقاتلون ولا يضربون.

ومنهم من قال: إن نصر الملائكة بإلقاء الرعب في قلوب الكفار وبإشعار المؤمنين بأن النصرة لهم.

وأما أبو بكر الأصم فقد أنكر إمداد الملائكة وقال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط، فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار، وبتقدير حضوره فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟

وأيضاً فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم.

وأيضاً لو قاتلوا فإما أن يكون بحيث يراهم الناس أولاً، وعلى الأول كان المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك، ولأنه خلاف قوله ﴿ ويقللكم في أعينهم  ﴾ ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ألبتة.

وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزيق البطون وإسقاط الكفار عن الأفراس من غير مشاهدة فاعل لهذه الأفعال ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والموافق والمخالف.

وأيضاً إنهم لو كانوا أجساماً كثيفة وجب أن يراهم الكل، وإن كانوا أجساماً لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخبول؟

واعلم أن هذه الشبة لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة وبمن يدعي التمسك بها ويعترف بأنه  قادر على ما يشاء فاعل لما يريد، فما كان يليق بالأصم إيرادها مع أن نص القرآن ناطق بها وورودها في الإخبار قريب من التواتر.

روى عبيد بن عمير قال: "لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ويقولون: لم نر الخيل البلق ولا الرجال / البيض الذين كنا نراهم يوم بدر" .

والتحقيق في هذا المقام أن التكليف ينافي الإلجاء، وأنه  قادر على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملك واحد بل بأدنى من ذلك أو بلا سبب، وكذا على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم عليه، لكنه لما أراد إشادة هذا الدين على مهل وتدريج بواسطة الدعوة بطريق الابتلاء والتكليف، فلا جرم أجرى الأمور على ما أجرى فله الحمد على ما أولى، وله الحكم في الآخرة والأولى.

والحاصل أن إهلاك قوم لوط كان بعد انقضاء تكليفهم وهو حين نزول البأس، فلا جرم أظهر القدرة وجعل عاليها سافلها، وفي حرب أحد كان الزمان زمان تكليف، فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز الموافق من المنافق، والثابت من المضطرب، فإنه لو جرى الأمر في أحد كما جرى في بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب والعقاب به، ولمثل ذلك أمد بالملائكة حين أمد على عادة الإمداد بالعساكر وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك كثير من الناس فاعلم.

ولنعد إلى تفسير الألفاظ.

قال صاحب الكشاف: إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة ليقوي قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله.

ومعنى ﴿ ألن يكفيكم ﴾ إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء بـ "لن" الذي هو تأكيد النقي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم كالآيسين من النصر.

ومعنى الكفاية سد الخلة والقيام بما يجب، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال.

قال بعضهم: ما كان على جهة القوة والإعانة.

قيل فيه: أمده يمده.

وما كان على جهة الزيادة قيل فيه: مده يمده.

وقرىء ﴿ منزلين ﴾ بكسر الزاي بمعنى منزلين النصر.

﴿ بلى ﴾ إيجاب لما بعد "لن" أي بلى يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية.

ثم قال: ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ يعني المشركين ﴿ من فورهم هذا ﴾ أي من ساعتهم هذه.

والفور مصدر من فارت القدر إذا غلت، ثم استعمل في معنى السرعة.

يقال: جاء فلان ورجع من فوره.

ومنه قول الأصوليين الأمور للفور أو للتراخي.

ثم سميت به الحالة التي لا توقف فيها على صاحبها فقيل: خرج من فوره كما يقال من ساعته لم يلبث.

جعل مجيء خمسة آلاف مشروطاً بثلاثة أشياء: الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور.

فلما لم توجد هذه الشرائط بكلها أو بجلها فلا جرم لم يوجد المشروط.

ويحتمل أن يعلق قوله: ﴿ من فورهم هذا ﴾ بما بعده أي يمددكم ربكم بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر النزول عن الإتيان.

وفيه بشارة بتعجيل النصر والفتح إن صبروا عن الغنائم واتقوا مخالفة الرسول.

وقوله: ﴿ مسومين ﴾ من السومة العلامة، وقد يعلم الفارس يوم اللقاء بعلامة ليعرف بها.

فمن قرأ بكسر الواو فمعناه معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة، ومن قرأ بالفتح فالمعنى أن الله سوّمهم.

قال / الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم.

وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيول وأذنابها.

وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم.

وعن قتادة: كانوا على خيل بلق.

وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك.

وعن رسول الله  أنه قال لأصحابه يوم بدر: تسوموا فإن الملائكة قد تسوّمت.

وقيل: مسومين مرسلين من أسمت الإبل وسوّمتها أرسلتها للرعي.

فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيولهم على الكفار لقتلهم وأسرهم، أو أن الله  أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات في المراعي.

﴿ وما جعله الله ﴾ الضمير عائد إلى المدد أو الإمداد الدال عليه الفعل.

وقال الزجاج: وما جعل الله ذكر المدد إلا بشرى وهي اسم من البشارة أي إلا لتبشروا بأنكم تنصرون ﴿ ولتطمئن قلوبكم به ﴾ كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم.

﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ لا من المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة.

ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة ويربط به على قلوب المجاهدين.

وفيه تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسببها.

وقوله: ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى كمال قدرته و ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى كمال علمه فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن أنجاحها ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ أي طائفة وقطعة من الذين كفروا.

وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف دون الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف كما قال: ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها  ﴾ ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار  ﴾ ﴿ أو يكبتهم ﴾ الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه.

وفسره الأئمة ههنا بالإخزاء والإهلاك واللعن والهزيمة والغيظ والإذلال والكل متقارب ﴿ فينقلبوا خائبين ﴾ غير ظافرين بمبتغاهم قيل: الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع ونقيضه الظفر.

وأما الياس فقد يكون قبل التوقع وبعده.

ونقيضه الرجاء، واللام في ﴿ ليقطع ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد نصركم ﴾ أو بقوله ﴿ وما النصر ﴾ ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ ولتطمئن ﴾ ولكنه ذكر بغير العاطف لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف كما يقول السيد لعبده: اشتريتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي.

قوله عز من قائل: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ فيه قولان: أحدهما وهو الأشهر أنه نزل في قصة أحد عن أنس بن مالك قال: "كسرت رباعية رسول الله  يوم أحد ودمي وجهه فجعل يسيل الدم على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟" وفي رواية: "شج رأسه  عتبة بن أبي وقاص يوم أحد وكسر رباعيته / فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول الحديث فنزلت" .

وفي رواية عن ابن عمر أن النبي  لعن أقواماً فقال : " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية.

وفيها ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ فتاب الله على هؤلاء فحس إسلامهم.

وقيل نزلت في حمزة بن عبد المطلب.

وذلك أنه  لما رآه ورأى ما فعلوه به من المثلة قال: لأمثلن منهم بثلاثين فنزلت، وقيل: أراد يعلن المسلمين الذين خالفوه أمره والذين انهزموا فمنعه الله عن ذلك.

مروى عن ابن عباس، وقيل: أراد أن يستغفر للمسلمين الذين عصوا أمره فنزلت.

وقال القفال: كل هذه الأمور وقعت يوم أحد فلا يمتنع حمل نزول الآية في الكل.

القول الثاني: وإليه ذهب مقاتل أنها نزلت في واقعة أخرى وهي "أن النبي  بعث جمعاً من خيار الصحابة زهاء سبعين إلى بني عامر ليعلموهم القرآن.

فلما وصلوا إلى موضع يقال له بئر معونة، ذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره وأخذهم وقتلهم.

فجزع من ذلك رسول الله  شديداً ودعا على الكفار في القنوت أربعين يوماً يقول بعد ما يرفع رأسه من الركعة الثانية في الصبح: اللهم العن بني لحيان والعن رعلاً وذكوان.

اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمسضعفين بمكة.

اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف حتى أنزل الله عز وجل ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ " ولا يخفى أن ظاهر الآية يدل على أنه  كان يفعل فعلاً فمنع منه، وحينئذٍ يتوجه الإشكال بأن فعل ذلك الفعل إن كان من الله  فكيف منعه منه وإلا فهو قدح في عصمته ومناف لقوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ والجواب أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع مشتغل به كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين  ﴾ مع أنه ما أطاعهم وقوله: ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ مع أنه ما أشرك قط.

ولعله  شاهد من قتل حمزة وغيره ما أورثه حزناً شديداً، وكان من الممكن أن يحمله على ما لا ينبغي من الفعل والقول، فنص الله  على المنع تقوية لعصمته  وتأكيداً لطهارته.

ولئن سلمنا أنه كان مشغولاً بذلك الفعل والقول فإنه محمول على ترك الأولى، والنهي إرشاد إلى اختيار الأفضل وأيضاً إن دعاء النبي  لا يكون بمجرد التشهي وإنما هو بطلب الأصلح فالذي يظن به خلاف مسؤوله  وقد وقع فهو بالحقيقة سؤاله  ، ولهذا سأل الله  أن يجعل لعنه على من لا يستحقه طهراً وزكاة ورحمة والله أعلم.

وقوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء، فإني أعلم بمصالح عبادي، أو المراد الأمر الذي هو خلاف النهي أي ليس لك من / أمر خلقي شيء إلا ما يكون أمري وحكمي.

وقوله: ﴿ أو يتوب ﴾ منصوب بإضمار "أن".

و"أن يتوب" في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم.

ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ شيء ﴾ والحاصل منع رسول الله  من كل فعل أو قول إلا ما كان بإذنه وأمره.

وفيه إرشاد إلى كمال درجات العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار ملكه  وملكوته.

وعن الفراء والزجاج أن قوله: ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ عطف على ﴿ ليقطع ﴾ وما بعده.

وقوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقول: ضربت زيداً فاعلم ذاك وعمراً.

فيكون المعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر.

وقيل: "أو" بمعنى "إلا أن" كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي.

والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم.

ثم التوبة عليهم مفسرة عند أهل السنة بخلق الندم فيه على ما مضى، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل.

وأكدوا هذا الظاهر ببرهان عقلي وهو أن الندم كراهة تحصل في القلب عما سلف منه، والعزم إرادة تتعلق بترك ذلك الفعل فيما يستقبل.

فلو كانت هذه الإرادة فعل العبد لافتقر في فعلها إلى إرادة أخرى وتسلسل، فهو إذن بخلق الله  .

وأما المعتزلة ففسروا التوبة عليهم إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة منهم.

وقوله: ﴿ فإنهم ظالمون ﴾ تعليل حسن التعذيب بسبب شركهم أو عصيانهم.

ثم أكد ما ذكر من قوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ أي هما والحقائق والماهيات التي فيهما لله، فليس الحكم فيهما إلا له.

ثم ذكر لازم الملك والحكم فقال: ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ بعميم فضله وإن كان من الأبالسة والفراعنة ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ بحكم الإلهية والقدرة وإن كان من الملائكة المقربين والصديقين وكل ذلك يحسن منه شرعاً وعقلاً وإلا لم يحصل لكمال الملك والحكم إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب، ولهذا ختم الكلام بقوله: ﴿ والله غفور رحيم ﴾ هذا قول الأشاعرة ويؤكده ما يروى عن ابن عباس في تفسير الآية: يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير, وأيدوا هذا النقل بدليل عقلي يشبه ما مر آنفاً، وهو أن الإرادات كلها تستند إلى الله  دفعاً للتسلسل.

فإذا خلق الله إرادة الطاعة أطاع، وإذا خلق إرادة المعصية عصى.

فطاعة العبد أو معصيته تنتهي إلى الله، وفعل الله لا يوجب على الله شيئاً.

أما المعتزلة فناقشوا في ذلك ورووا عن الحسن: يغفر لمن يشاء بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين، ويعذب من يشاء ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب.

والحق / أن العذاب لازم ملكة العصيان، وكذا القرب منه  لازم ملكة الطاعة.

فإن أريد بالوجوب هذا فلا نزاع، وإن أريد غير ذلك فممنوع والله أعلم.

التأويل: أخبر عن النصر بعد الصبر بقوله: ﴿ وإذا غدوت ﴾ وهو إشارة إلى جوهر السالك الصادق والسائر العاشق، وذلك أن يغدو في طلب الحق والرجوع إلى المبدأ من أصله أي صفات نفسه الحيوانية والبهيمية ﴿ تبوىء المؤمنين ﴾ أي صفاتك الروحانية مقاعد لقتال النفس والشيطان والدنيا ﴿ والله سميع ﴾ لدعائكم بالإخلاص للخلاص عن ورطة تيه الهوى ﴿ عليم ﴾ بصدق نياتكم في طلب الحق.

﴿ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ﴾ يعني القلب وأوصافه والروح وأخلاقه ﴿ والله وليهما ﴾ ليخرجهما من ظلمات البشرية إلى نور الربوبية ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ الدنيا ﴿ وأنتم أذلة ﴾ من غلبات شهوات النفس ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ فيه إشارة إلى أن نور النبي  يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقاتلة الشياطين ومجاهدة النفس ومكابدة الهوى في الركون إلى زخارف الدنيا.

وثلاثة آلاف من الملائكة إشارة إلى الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس كقوله: ﴿ وأنزل جنوداً لم تروها  ﴾ ﴿ بلى إن تصبروا ﴾ على مخالفة النفس وتثقوا بالله عما سواه يزدكم في الإمداد بالجنود ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ ليقهر بعضاً من الصفات النفسانية التي هي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته ﴿ أو يكبتهم ﴾ أو يغلبهم ويظفر بهم ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ يعز بحكمته من يشاء على ما يشاء والله المستعان على ما تصفون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ .

قوله: ﴿ تُبَوِّىءُ ﴾ : قيل: تهيئ للمؤمنين أمكنة القتال.

وقيل: ﴿ تُبَوِّىءُ ﴾ : تنزل المؤمنين.

وقيل: ﴿ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : تتخذ للمؤمنين مقاعد لقتال المشركين.

وقيل: ﴿ تُبَوِّىءُ ﴾ : توطن.

وقيل: تستعد للقتال.

كله يرجع إلى واحد.

ثم اختلف في اي حرب كان، وأي يوم؟

قال أكثر أهل التفسير: كان ذلك يوم أحد.

وقيل: إنه كان يوم الخندق.

وقيل: كان يوم الأحزاب؛ فلا يعلم ذلك إلا بخبر يصح أنه كان يوم كذا، لكن في ذلك أن الأئمة هم الذين يتولون أمر العساكر، ويختارون لهم المقاعد، وعليهم تعاهد إخوانهم، ودفع الخلل والضياع عنهم ما احتمل وسعهم، وعليهم طاعة الأئمة، وقبول الإشارة من الإمام، وذلك في قوله  : ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ  ﴾ ذكر مقاعد القتال في هذه الآية، لكن الذي لزم من ذلك في آية أخرى - ذكر الصف بقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ  ﴾ ، وذكر في آية آخرى الثبات بقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً  ﴾ والأصل أنهم أمروا بالثبات، فالأحسن أن يختار لهم أمكنة لهم بها معونة على الثبات، والله أعلم، فيحتمل أن يكون أراد بالمقاعد القعود، وذلك أثبت للقتال وأدفع للعدو، وفيما ذكر الصف ذكر للجملة عليه بقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ  وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ  ﴾ فيه رخصة الحملة على العدو، وباجتهاد إن كان فيها تولى الأدبار.

ويحتمل أن يكون أراد بالمقاعد: الأماكن والمواطن للقتال والحرب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

يحتمل: سميع لمقالتكم؛ عليم بسرائركم.

ويحتمل: سميع بذكركم الله والدعاء له؛ لأنهم أمروا بالذكر لله، والثبات للعدوّ بقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً  ﴾ ، وعليم بثوابكم.

ويحتمل قوله: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ : البشارة من الله - عز وجل - بالنصر لهم، والأمن من ضرر يلحقهم؛ كقوله -  - لموسى وهارون: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ * قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ ثم قال - عز وجل -: ﴿ قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ  ﴾ أمَّنهما من عدوهما بقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ ، فعلى ذلك يحتمل ذا في قوله - عز وجل -: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، ويكون سميع: أي: أسمع دعاءكم؛ بمعنى: أجيب، وأعلم ما به نصركم وظفركم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ ﴾ : قوله: ﴿ هَمَّتْ ﴾ : يحتمل: أن همُّوا هَمَّ خطر.

ويحتمل: أن همّوا همّ عَزْم، وكذلك هذا التأويل في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا  ﴾ همت هي هَمَّ عزم، وهمَّ هو بها همَّ خطر، وهَمُّ الخطر يقع من غير صنع من صاحبه، وهمُّ العزم يكون بالعزيمة والقصد.

وقوله: ﴿ هَمَّتْ ...

أَن تَفْشَلاَ ﴾ والفشل ليس مما ينهي عنه؛ لأنه يقع من غير فعله، لكنه - والله أعلم - همّوا أن يفعلوا فعل القتل والجبن وذكر في القصة أن الطائفتين: إحداهما كانت من بني كذا، والأخرى من بني كذا، فلا يجب أن يذكر إلا أن يقروا هم بذلك.

وقيل: إنهم كانوا أقروا بذلك، وقالوا: نحن كنا فعلنا، وما نحب ألا يكون في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ ظهر لنا ولاية الله، ولو لم يكن لم يظهر.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ .

قد ذكرنا هذا في غير موضع: أن "الولي": قيل: هو الناصر، وقيل: هو الحافظ، وقيل: إنه أولى بهم.

وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله -: المؤمن من يعلم - علم اليقين - أن من نصره الله لا يغلبه شيء، ومن يخذله الله لا ينصره شيء.

حق على المؤمنين ألا يتوكلوا ولا يثنوا إلا على الله، عز وجل.

قال الشيخ - رحمه الله -: فتوكل: أي اعتمد على ما وعد، واجتهد في الوفاء بما عهده، وفوض كل أمره إلى الله؛ إذ علم أنه - بكليته - لله، وإليه مرجعه، وبهذه الجملة عهد أن ينصر دينه، ولا يولّي عدوَّه دبرَه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها النبي- حين خرجت أول النهار من المدينة لقتال المشركين في أُحد، حيث أَخَذْتَ تُنْزِلُ المؤمنين مواقعهم من القتال، فبيّنت لكل واحد منزله، والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم.

من فوائد الآيات نَهْي المؤمنين عن موالاة الكافرين وجَعْلهم أَخِلّاء وأصفياء يُفْضَى إليهم بأحوال المؤمنين وأسرارهم.

من صور عداوة الكافرين للمؤمنين فرحهم بما يصيب المؤمنين من بلاء ونقص، وغيظهم إن أصابهم خير.

الوقاية من كيد الكفار ومكرهم تكون بالصبر وعدم إظهار الخوف، ثم تقوى الله والأخذ بأسباب القوة والنصر.

<div class="verse-tafsir" id="91.vdMVz"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن هذه الآيات وعشرات بعدها نزلت في شأن غزوة أحد، ويتوقف فهمها على الوقوف على قصة تلك الغزوة ولو إجمالًا فوجب لذلك أن نأتي قبل تفسيرها بما يعين على فهمها ويبين له مواقع تلك الأخبار وما فيها من الحكم والأحكام فنقول: لما خذل الله المشركين في غزوة بدر ورجع فلهم إلى مكة مقهورين موتورين نذر أبو سفيان بن حرب أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا  فخرج في مائة رجل من قريش حتى أتى بني النضير ليلًا، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي سيد بني النضير وصاحب كنزهم فسقاه الخمر وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقبة ليلته وأرسل أصحابه إلى ناحية من المدينة يقال لها العريض فقطعوا وحرقوا صورًا من النخل ورأوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له فقتلوهما ونذر به رسول الله  ، فخرج في طلبهم فلم يدركهم لأنهم فروا وألقوا سويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به فسميت غزوة السويق وكانت بعد بدر بشهرين، وإنما ذكرناها قبل ذكر أحد ليعلم القارئ أن العدوان من المشركين على المسلمين كان متصلًا متلاحقًا.

ولما رجع أبو سفيان إلى مكة أخذ يؤلب على رسول الله  والمسلمين وكان بعد قتل صناديد قريش في بدر هو السيد الرئيس فيهم، لذلك كلمه في أمر المسلمين الموتورون من عظماء قريش كعبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ليبذل مال العير التي كان جاء بها من الشام في أخذ الثأر فرضي هو وأصحاب العير بذلك، وكان مال العير كما في السيرة الحلبية خمسين ألف دينار ربحت مثلها فبذلوا الربح في هذه الحرب فاجتمعت قريش للحرب حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب وخرجت بحدها وجدها وأحابيشها، ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة فكانوا نحو ثلاثة آلاف وأخذوا معهم نساءهم التماس الحفيظة وأن لا يفروا فإن الفرار بالنساء عسر والفرار دونهن عار، وكان مع أبي سفيان وهو القائد زوجه هند ابنة عتبة فكانت تحرض الغلام وحشيًا الحبشي الذي أرسله مولاه جبير بن مطعم ليقتل حمزة عم النبي  بعمه طعمة بن عدي الذي قتل ببدر وقد علق عتقه على قتله وكان هذا الحبشي ماهرًا في الرمي بالحربة على بعد قلما يخطئ فكانت هند كلما رأته في الجيش تقول له" ويها أبا دسمة اشف واشتف"، تخاطبه بالتكنية تكريمًا له، وذكر الحلبي أنهم ساروا أيضًا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور.

نزل أبو سفيان بجيشه قريبًا من أحد في مكان يقال له "عينين" على شفير الوادي مقابل المدينة وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة فلما علم رسول الله  بذلك استشار أصحابه كعادته أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأيه هو أن يتحصنوا بالمدينة فإن دخلها العدو عليهم قاتلوه على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت ووافقه على هذا الرأي أكابر المهاجرين والأنصار كما في السيرة الحلبية وعبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، وأشار عليه جماعة من الصحابة أكثرهم من الأحداث وممن كان فاتهم الخروج يوم بدر بأن يخرج إليهم رغبتهم في القتال فما زالوا يلحون على رسول الله  حتى دخل فلبس لأمته بعد صلاة الجمعة وكان قد أوصاهم في خطبتها ووعدهم بأن لهم النصر ما صبروا، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله  ولم يكن لنا ذلك وقالوا له قد استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال: "ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه"، أي لما في فسخ العزيمة بعد إحكامها وتوثيقها من الضعف ومبادئ الفشل وسوء الأسوة.

وفي سحر يوم السبت خرج بألف من أصحابه واستعمل بالمدينة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى على الصلاة بمن بقي فيها.

فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انعزل عنه عبد الله بن أُبي بن سلول بنحو ثلث العسكر (وهم ٣٠٠) وقال: أطاعهم وعصاني -وفي رواية أطاع الولدان زمن لا رأي له- فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس.

فرجع بمن اتبعه من قومه أهل النفاق والريب فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا.

قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ولكن نرى أنه لا يكون قتال.

وقد كان المسلمون نحو ثلث المشركين الذين خرجوا إليهم فأمسوا وقد ذهب من الثلث نحو ثلثه.

وهمت بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج أن تفشلا فعصمهما الله تعالى.

وقد كان خروج المنافقين منهم خيرًا لهم كما قال تعالى في مثل ذلك يوم تبوك ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا  ﴾ الآية وإنما ارتأى عبد الله بن أُبي عدم الخروج ليكتفي أمر القتال أو خطره حرصًا على الحياة وإيثارًا لها على إعلاء كلمة الله فكان على موافقته للرسول في الرأي مخالفًا له في سببه وعلته، فالرسول  كان يراعي في جميع حروبه التي كانت كلها دفاعًا قاعدة ارتكاب أخف الضررين وأبعد الأمرين عن العدوان رحمة بالناس وإيثارًا للسلام.

وتعزز رأيه المبني على هذه السنة برؤيا رآها قبل ذلك وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

رأى أن في سيفه ثلمة ورأى أن بقرًا تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته فكان ذلك الرجل حمزة عمه  -وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون وتأول الدرع بالمدينة.

ولكنه على هذا كله عمل برأي الجمهور من أصحابه.

إقامة لقاعدة الشورى التي أمره الله بها وهو لم يخالف بذلك قاعدة ارتكاب أخف الضررين بل جرى عليها لأن مخالفة رأي الجمهور ولو إلى خير الأمرين هضم لحق الجماعة وإخلال بأمر الشورى التي هي أساس الخير كله.

وإنما يكون المكث في المدينة خيرًا من الخروج إلى العدو في أحد لو لم يكن مخلًا بقاعدة الشورى كما هو ظاهر، فكيف ترك المسلمون هذا الهدى النبوي الأعلى ورضوا بأن يكون ملوكهم وأمراؤهم مستبدين بالأحكام والمصالح العامة يديرون دولابها بأهوائهم التي لا تتفق مع الدين ولا مع العقل؟؟

وسأل قوم من الأنصار النبي  أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى وكان في الحقيقة ضلع اليهود مع المشركين، ولم يكونوا في عهودهم بموفين.

ومضى النبي بأصحابه حتى مر بهم في حرة بني حارثة وقال لهم "من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (قرب) لا يمر بنا عليهم؟" قال أبو خثيمة أخو بني حارثة ابن الحارث: أنا يا رسول الله.

فنفذ به في حرة قومه بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر.

فلما سمع حس رسول الله  وأصحابه قام يحثو في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فلا أحل لك أن تدخل حائطي.

قال ابن هشام: وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: والله لو أني أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك.

فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله  : "لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر".

وفي هذه المسألة من علم النبي بفن الحرب الإرشاد إلى اختيار أقرب الطرق إلى العدو وأخفاها عنه وذلك يتوقف على العلم بخرت الأرض الذي يعرف اليوم بعلم الجغرافية وإباحة المرور في ملك الناس عند الحاجة إلى ذلك لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

وفيها من رحمته  أنه لم يأذن بقتل ذلك المنافق المجاهر بعدائه بل رحمه وعذره ولم تكن المصلحة العامة تتوقف على قتله.

ولم تكن العرب قبل الإسلام تراعي هذه الدقة في حفظ الدماء بل قلما تراعيه أمة من الأمم في زمن الحرب.

ومضى رسول الله  حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: "لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال" وفي ذلك من إحكام الحرب أن الرئيس هو الذي يفتحها وما كانت العرب تراعي ذلك دائمًا لا سيما إذا حدث ما يثير حميتهم وقد امتثلوا الأمر على استشراف ولذلك قال بعض الأنصار وقد رأى قريشًا قد سرحت الظهر والكراع في زروع للمسلمين: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟

وفيه من الفوائد ما لا محل لشرحه هنا.

فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبعمائة فيهم خمسون فارسًا وظاهر بين درعين - أي لبس درعًا فوق درع - واستعمل على الرماة وكانوا خمسين عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض وقال: "انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك" ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بين العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو.

ثم استعرض  الشبان يومئذ فرد من استصغره عن القتال وهم ١٧ وأجاز أفرادًا من أبناء الخامسة عشرة قيل لسنهم وقيل لبنيتهم وطاقتهم ولعله الصواب فإنه كان قد رد سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة فقيل له يا رسول الله إن رافعًا رام فأجازه فقيل له فإن سمرة يصرع رافعًا.

فأجازه وروي أنهما تصارعا أمامه.

ورد عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة إذ كانوا يطيقون القتال في هذه السن كما هو الغالب في العرب يومئذ.

وتعبت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل معهم مئتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وابتدأت الحرب بالمبارزة.

ولما اشتبك القتال والتقى الناس بعضهم ببعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضهن، فقالت هند فيما يقول: ويهًا بني عبد الدار * ويهًا حماة الأدبار * ضربًا بكل بتار * إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق.

وروي أن النبي  كان يقول عند سماع نشيد النساء: "اللهم بك أحول وبك أصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل".

وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر عبد بن عمرو بن صيفي وكان رأس الأوس في الجاهلية فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر رسول الله  بالعداوة، وخرج من المدينة إلى مكة يؤلب قريشًا على قتاله ويزعم أن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه، وكان يسمى الراهب فسماه النبي  بالفاسق.

ولما برز نادى قومه وتعرف إليهم فقالوا له: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق.

فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر.

وقاتل قتالًا شديدًا.

وقد كان الظفر للمسلمين في المبارزة ثم في الملاحمة وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري الذي أعطاه النبي  سيفه وحمزة أسد الله وأسد رسوله وعلي بن أبي طالب والنضر بن أنس وسعد بن الربيع وغيرهم بلاء عظيمًا حتى انهزم المشركون وولوا مدبرين.

وروي أن حمزة قتل ٣١ مشركًا.

لما انهزم المشركون وولوا إلى نسائهم مدبرين ورأى الرماة من المسلمين هزيمتهم ترك الرماة مركزهم الذي أمرهم رسول الله  بحفظه وأن لا يدعوه سواء كان الظفر للمسلمين أو عليهم "وإن رأوا الطير تتخطف العسكر" لئلا يكر عليهم المشركون ويأتوهم من ورائهم وهو ما يعبر عنه في الاصطلاح العسكري بخط الرجعة.

وقالوا: يا قوم الغنيمة الغنيمة.

فذكرهم أميرهم عهد رسول الله  فلم يرجعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر.

فلما رأى الفرسان المشركين الثغر خاليًا قد خلا من الرماة كروا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين وأبلوا فيهم حتى خلصوا إلى رسول الله  فجرحوا وجهه الشريف وكسروا رباعيته اليمنى من ثناياه السفلى وهشموا البيضة التي على رأسه ودثوه بالحجارة حتى وقع لشقه وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين فأخد علي بيده واحتضنه طلحة بن عبيد الله.

وكان الذي تولى أذاه عمر بن قمئة وعتبة ابن وقاص.

وقتل مصعب بن عمير بين يديه فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة ابن الجراح عض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وطمع فيه المشركون فأدركوه يريدون منه ما الله عاصم إياه منهم بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ  ﴾ وحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، وترس عليه أبو دجانة بنفسه فكان يقع النبل على ظهره وهو لا يتحرك حتى كثر فيه، ودافع عنه أيضًا بعض النساء اللواتي شهدن القتال.

وقد انتهت الحرب بصرف الله المشركين عما كانوا يريدون من استئصال المسلمين فإن المسلمين كانوا أولًا هم الغالبين بحسن تدبير الرسول  والصبر والثبات وتمحض القصد إلى الدفاع عن دين الله وأهله فلما أخرجهم الظفر عن التزام طاعة رسولهم وقائدهم ودب إلى قلوب فريق منهم الطمع في الغنيمة فشلوا وتنازعوا في الأمر كما سيأتي في تفسير قوله ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ  ﴾ وزادهم فشلًا إشاعة قتل الرسول  حتى فر كثيرون إلى المدينة منهم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ولكنهم استحيوا من دخولها فرجعوا بعد ثلاث.

واختلط الأمر على كثير ممن ثبت ولما جاءهم خالد بالفرسان من ورائهم صار يضرب بعضهم بعضًا على غير هدى فمنهم الذين استبسلوا وأرادوا أن يموتوا على ما مات عليه رسول الله  ومنهم الذين كانوا معه  يفدونه بأنفسهم ويتلقون السهام والسيوف دونه حتى كان يعز عليهم أن يروه ناظرًا إلى جهة المشركين لئلا يصيبه سهم فكان أبو طلحة الذي تقدم ذكر نضاله عنه يقول له: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تنظر يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك، ولما علم سائر المسلمين ببقاء رسول الله  نفخت فيهم روح جديدة من القوة فاجتمع أمرهم حتى يئس المشركون منهم وصرفهم الله عنهم كما صرح به القرآن العزيز فيما يأتي.

فهذا ما كان من حرب الثلاثة آلاف من المشركين للسبعمائة من المسلمين.

ولما انكفأ المشركون راجعين ظن المسلمون أنهم يريدون المدينة فقال النبي  لعلي: "أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدنية، فوالذي نفس محمد بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأنجزنهم فيها" فرآهم علي قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا مكة.

ولما عزموا على الرجوع أشرف أبو سفيان على المسلمين وناداهم: موعدكم الموسم ببدر.

فقال النبي  : "قولوا نعم قد فعلنا".

ولما كان المشركون في الطريق تلاوموا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم وتركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.

فبلغ ذلك النبي  فنادى الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال: "لا يخرج معنا إلا من شهد القتال" فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف وقالوا: "سمعًا وطاعة" وذلك من خوارق قوة الإيمان وآياته الكبرى فإن هؤلاء المستجيبين كان قد برح بهم التعب والجراح تبريحًا.

فسار بهم حتى بلغوا "حمراء الأسد".

وأقبل معبد الخزاعي إلى رسول الله  فأسلم فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله فلحقه بالروحاء، فقال ما وراءك يا معبد؟

فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم.

فقال: ما تقول؟

قال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول جيش من وراء هذه الأكمة.

فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم.

قال: فلا تفعل فإني لك ناصح.

فرجعوا على أعقابهم إلى مكة.

ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تبلغ محمدًا رسالة وأوقر لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟

قال: نعم.

قال: أبلغ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه.

فلما بلغ النبي والمؤمنين قوله قولوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

ولما رجعوا قال المنافقون فيمن قتل لو كانوا أطاعونا ولم يخرجوا لما قتلوا.

وجه اتصال الآيات بما قبلها هو أنه تعالى نهاهم في تلك عن اتخاذ بطانة من الأعداء المعروفين بالعداوة لهم وأعلمهم ببغضهم إياهم وإن خادعهم أفراد منهم بدعوى الإيمان وأنهم إن يصبروا ويتقوا ما يجب اتقاؤه لا يضرهم كيدهم شيئًا.

وبعد هذا البيان ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد وما كان فيها من كيد المنافقين إذ قالوا أولًا وآخرًا وإذ خرجوا ثم انشقوا ورجعوا ليخذلوا المؤمنين ويوقعوا الفشل فيهم، ومن كيد المشركين وتألبهم الذي لم يكن له من دافع إلا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا موقعهم، وإلا التقوى ومنها بل أهمها طاعة الرسول  فيما أمر به هؤلاء الرماة، وذكرهم أيضًا بوقعة بدر إذ نصرهم على قلتهم بصبرهم وتقواهم.

قال تعالى ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ أي واذكر بعد هذا يا محمد إذ خرجت من بيت أهلك غدوة وذلك سحر يوم السبت سابع شوال من سنة ثلاث للهجرة ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ  ﴾ أي توطنهم وتنزلهم أماكن ومواضع في الشعب من "أُحد" لأجل القتال فيها، فمنها موضع للرماة وموضع للفرسان وموضع لسائر المؤمنين، فالمقاعد جمع مقعد وهو في الأصل مكان القعود كالمجلس لمكان الجلوس والمقام لمكان القيام، ثم استعملت هذه الألفاظ كلها بمعنى المكان توسعًا.

وقيل تبوئة المقاعد تسويتها وتهيئتها ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ لم يخف عنه شيء مما قيل في مشاورتك لمن معك في أمر الخروج إلى لقاء المشركين في "أُحد" أو انتظارهم في المدينة، فهو قد سمع أقوال المشركين وعلم نية كل قائل وأن منهم المخلص في قوله وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم ومنهم غير المخلص في قوله وإن كان صوابًا كعبد الله بن أُبي ومن معه من المنافقين.

ويصح أن يكون الوصفان الكريمان متعلقًا للظرف في الآية التالية كما نبينه في تفسيرها.

وذهب ابن جرير إلى أن الخطاب في هذه الآية للنبي والمراد به أصحابه يضرب لهم مثلًا أو مثلين على صدق وعده في الآية السابقة ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا  ﴾ بتذكيرهم بما كان يوم "أُحد" من وقوع المصيبة بهم عند ترك الرماة الصبر والتقوى - وذنب الجماعة أو الأمة لا يكون عقابه قاصرًا على من اقترفه بل يكون عامًا- وبما كان يوم بدر إذ نصرهم على قلتهم وذلتهم.

وهذا الرأي يتفق مع ما ذكرناه في وجه الاتصال بين الآيات.

﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا  ﴾ قال ابن جرير يعني بذلك جل ثناؤه والله سميع عليم حين همت طائفتان منكم أن تفشلا.

والهم حديث النفس وتوجهها إلى الشيء والفشل ضعف مع جبن.

وقيل إن هذا بدل من قوله ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ  ﴾ وقيل متعلق بتبوئ.

أي كان  يتخذ المعسكر للمؤمنين وينزل كل طائفة منهم منزلًا في وقت همت فيه طائفتان منهم بالفشل افتتانًا بكيد المنافقين الذين رجعوا من المعسكر.

والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار، ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا  ﴾ أي متولي أمورهما لصدق إيمانهما لذلك صرف الفشل عنهما وثبتهما فلم يجيبا داعي الضعف الذي ألمّ بهما عند رجوع ثلث العسكر بل تذكرا ولاية الله للمؤمنين فوثقا به وتوكلا عليه ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ  ﴾ أمثالهم لا على حولهم وقوتهم ولا على أعوانهم وأنصارهم وإنما يبذلون حولهم وقوتهم.

ويأخذون أهبتهم وعدتهم، إقامة لسنن الله تعالى في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات وهو الفاعل المسخر للسبب والمسبب والموفق بينهما فينصر الفئة القليلة على الكثيرة إن شاء كما نصر المؤمنين يوم بدر ولذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وهو ماء أو بئر بين مكة والمدينة كان لرجل اسمه بدر فسمي باسمه ثم أطلق اللفظ على المكان الذي هو فيه.

وقد كانت فيه أول غزوة قاتل فيها النبي المشركين في ١٧ رمضان من السنة الثالثة للهجرة فنصره الله عليهم نصرًا مؤزرًا ﴿ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ  ﴾ أي نصركم في حال ذلة كنتم فيها على قتلكم -كما يفيده لفظ أذلة، إذ هو جمع قلة- وقد كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلًا.

والمراد بكونهم أذلة أنهم لا منعة لهم إذ كانوا قليلي العدة من السلاح والظهر والزاد.

ولا غضاضة في الذل إلا إذا كان عن قهر من البغاة والظالمين، ولم يكن المؤمنون بمقهورين ومستذلين من الكافرين وإنما كانت قوتهم في أوائل تكونها ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ فإن التقوى هي التي تعدكم لقيام مقام الشكر على النعم التي يسديكم إياها فمن لم يَرُضْ نفسه بالتقوى غلب عليه اتباع الهوى فلا يرجى له أن يكون شاكرًا يصرف النعمة التي وهبت لأجله من الحكم والمنافع.

﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ قيل إن هذا متعلق بقوله ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وقيل إنه خاص بوقعة أحد التي ورد فيها هذا السياق كقوله ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا  ﴾ متعلق بتبوئ أو بسميع أو بدل من إذ الأولى.

والتقدير تبوئهم مقاعد للقتال في الوقت الذي هَمَّ فيه بعضهم بالفشل مع أن الله نصركم ببدر على قلة وذلة -وفي الوقت الذي كنت تقول فيه للمؤمنين ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ  ﴾ وهذا هو المختار.

والتقدير على الأول أن الله نصركم ببدر في ذلك الوقت الذي كنت تقول فيه لهم ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ  ﴾ إلخ أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين.

فشق ذلك عليهم فأنزل الله ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ  ﴾ إلخ فبلغت كرزًا الهزيمة فلم يمد المشركين.

ورواه ابن جرير عن الشعبي وعن غيره وذكر الخلاف في حصول هذا الإمداد بالفعل وأن بعضهم يقول أنه لم يحصل وبعضهم قال إنه حصل يوم بدر ونقل عن بعضهم أن الوعد بالإمداد وإن لم يحصل ببدر عام في كل الحروب وأنهم أُمدوا في حرب قريظة والنضير والأحزاب ولم يمدوا يوم أحد لأنهم لم يصبروا ولم يتقوا.

وروي عن الضحاك أن هذا كان وعدًا من الله يوم أحد عرضه على نبيه محمد  أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف.

وروي نحوه عن ابن زيد قال "قالوا لرسول الله  وهم ينظرون المشركين أليس الله يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟

فقال رسول الله  ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وإنما أمدكم يوم بدر بألف.

قال فجاءت الزيادة ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ  ﴾ الفور في الأصل فوران القِدْر ونحوها ثم استعير الفور للسرعة ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج من صاحبها على شيء، فمعنى يأتوكم من فورهم من ساعتهم هذه بدون إبطاء ومسومين من التسويم قرأها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو المشددة والباقون بفتحها.

وقد ورد سومه الأمر بمعنى كلفه إياه وسوم فلانًا خلاه وسومه في ماله حكمه وصرفه وسوم الخيل أرسلها، وكل هذه المعاني ظاهرة على قراءة فتح الواو من "مسومين" فيصح أن يكون المعنى أن هؤلاء الملائكة يكونون مكلفين من الله تثبيت قلوب المؤمنين، أو محكمين ومصرفين فيما يفعلونه في النفوس من إلهام النصر بتثبيت القلوب والربط عليها، أو مرسلين من عنده تعالى.

وأما قراءة كسر الواو "مسومين" فهي من قولهم سوم على القوم إذا أغار عليهم ففتك بهم ولو بالإعانة المعنوية على ذلك.

وقال بعض المفسرين إنه من التسويم بمعنى إظهار سيما الشيء أي علامته أي معلمين أنفسهم أو خيلهم وهو كما ترى لولا الرواية لم يخطر على بال أحد منهم ويمكن أن يقال مسومين للمؤمنين بما يظهر عليهم من سيما تثبيتهم إياهم.

قال ابن جرير بعد ذكر الخلاف في هذا الإمداد ما نصه: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال إن الله أخبر عن نبيه محمد  أنه قال للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين اثبتوا أن الله أمدّهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على النحو الذي ذكره من أنكر ذلك.

ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به ولا خبر به فنسلم لأحد الفريقين قوله.

غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أُمدوا يوم بدر بألف من الملائكة وذلك قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ  ﴾ أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أُمدوا وذلك أنهم لو أُمدوا لم يهزموا وينل منهم ما نيل منهم".

﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزٌ الحَكِيمٌ  ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم به من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم إلا بشرى لكم يبشركم بها ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ  ﴾ يقول وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم فتسكن إليه ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم وقلة عددكم ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ يعني وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة.

وذكر بعض أهل السير أن الملائكة قاتلت يوم أحد، وهو ما نفاه ابن جرير وقد ذكرنا عبارته، بل روي عن ابن عباس أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر وفيما عداه كانوا عددًا ومددًا لا يقاتلون.

وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار وبتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة، وأيضًا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم، وأيضًا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك ولأنه خلاف قوله: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ  ﴾ ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل البتة، وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والمرافق والمخالف.

وأيضًا إنهم كانوا أجسامًا كثيفة وجب أن يراهم الكل وإن كانوا أجسامًا لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخيول.

ذكر ذلك الرازي والنيسابوري فالرازي أورد هذا عن الأصم وذكر حججه مفصلة كعادته بقوله الحجة الأولى- الحجة الثانية إلخ ولخصه النيسابوري عنه بما ذكرناه.

واعترض الرازي عليه بأن مثل هذا إنما يصدر من غير المؤمنين وكان يجب أن يرد عليه بما يدفع هذه الحجج أو يبين لها مخرجًا.

ليس في القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل فيحتج به الرازي على أبي بكر الأصم وإنما جاء ذكر الملائكة في سياق الكلام عن غزوة بدر في سورة الأنفال على أنها وعد من الله تعالى بإمداد المؤمنين بألف من الملائكة، وفسر هذا الإمداد بقوله  : ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ قال ابن جرير في معنى التثبيت "يقول قووا بقتال أعدائهم" فأنت ترى أنه جزم بأن عمل الملائكة في ذلك اليوم إنما كان موضوعه القلوب بتقوية عزيمتها، وتصحيح نيتها، وذكر قول من قال إن ذلك كان بمعونتهم في القتال بصيغة تدل على ضعفه "قيل" وجعل قوله تعالى: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ  ﴾ إلخ من تتمة خطاب الله للمؤمنين وهو الظاهر.

وبعض المفسرين يجعله بيانًا لما تثبت به الملائكة النفوس أي أنها تلقي فيها اعتقاد القاء الله الرعب في قلوب المشركين إلخ.

وبهذا يندفع ما قاله الرازي على الأصم ولا يبقى محل لحججه فإنه لا ينكر أن الملائكة أرواح يمكن أن يكون لها اتصال ما بأرواح بعض البشر وتأثير فيها بالإلهام أو تقوية العزائم.

ويؤيده قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى  ﴾ كما قال مثل ذلك في هذه السورة.

هذا ما كان يوم بدر وسيأتي بسطه في تفسير سورة الأنفال إن أحيانا الله تعالى.

وأما يوم أحد فالمحققون على أنه لم يحصل إمداد بالملائكة ولا وعد من الله بذلك وإنما أخبر الله عن رسوله  أنه ذكر ذلك لأصحابه وجعل الوعد به معلقًا على ثلاثة أمور: الصبر، والتقوى، وإتيان الأعداء من فورهم.

ولم تتحقق هذه الشروط فلم يحصل الإمداد كما تقدم.

ولكن القول أفاد البشارة والطمأنينة.

وبقي أن يقال ما الحكمة وما السبب في إمداد الله المؤمنين يوم بدر بملائكة يثبتون قلوبهم، وحرمانهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب؟

والجواب عن ذلك يعلم من اختلاف حال المؤمنين في ذينك اليومين فنذكره هنا مجملًا مع بيان فلسفته الروحانية وندع التفصيل فيه إلى تفسير الآيات هنا وفي سورة الأنفال فإن ما هنا تفصيل لما في وقعة أحد من الحكم وما في سورة الأنفال تفصيل لما كان في وقعة بدر من ذلك.

كان المؤمنون يوم بدر في قلة وذلة من الضعف والحاجة فلم يكن لهم اعتماد إلا على الله تعالى وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم وما أمرهم به من الثبات والذكر إذ قال: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ فبذلوا كل قواهم وامتثلوا أمر ربهم ولم يكن في نفوسهم استشراف إلى شيء ما غير نصر الله وإقامة دينه والذود عن نبيه لا في أول القتال ولا في أثنائه فكانت أرواحهم بهذا الإيمان وهذا الصفاء قد علت وارتقت حتى استعدت لقبول الإلهام من أرواح الملائكة والتقوى بنوع ما من الاتصال بها.

وأما يوم أحد فقد كان بعضهم في أول الأمر على مقربة من الافتتان بما كان من المنافقين، ولذلك همت طائفتان منهم أن تفشلا، ثم إنهم لما تثبتوا وباشروا القتال انتصروا وهزموا المشركين الذين هم أكثر من ثلاثة أمثالهم، فكان بعد ذلك أن خرج بعضهم عن التقوى وخالفوا أمر الرسول  وطمعوا في الغنيمة وفشلوا وتنازعوا في الأمر فضعف استعداد أرواحهم فلم ترتق إلى أهلية الاستمداد من أرواح الملائكة فلم يكن لهم منهم مدد لأن الإمداد، لا يكون إلا على حسب الاستعداد.

هذا هو السبب لما حصل بحسب ما يظهر لنا وأما حكمته فهي تمحيص المؤمنين كمل سيأتي في قوله ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ  ﴾ إلخ وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في الأسباب والمسببات كما سيأتي في قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ وبيان أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول  ، وأن قتل الرسول  ، أو موته لا ينبغي أن يكون مثبطًا للهمم ولا داعية إلى الانقلاب على الأعقاب وأنه ليس له من أمر العباد شيء وأن كل ما يصيبهم من المصائب فهو نتيجة عملهم إذ هو عقوبة طبيعية لهم وغير ذلك مما بينه الله تعالى في قوله: ﴿ أو لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ  ﴾ إلخ وقوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ  ﴾ إلخ وغيرهما فلا نتعجله قبل الكلام في تفسير الآيات الناطقة به وما هي ببعيد.

ومن نكت البلاغة المؤيدة لما ذكرنا من اختلاف الحالين في الوقعتين أنه تعالى قال هنا: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  ﴾ وقال في سورة الأنفال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ  ﴾ والفرق بينهما أن المؤمنين لم يكن لهم يوم بدر ما تطمئن به قلوبهم غير وعد الله وبشارته لهم على لسان رسوله  ، ولذلك كان من دعائه يومئذ: "اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعْبَد في الأرض أبدًا"، وقال عمر راوي هذا الحديث: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك فإنه سينجر لك ما وعدك.

وأنزل الله يومئذ ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ  ﴾ .

فكان بهذا الوعد اطمئنان قلوبهم لا بسواه، فلذلك قدم "به" على "قلوبكم" وأما في يوم أحد فلم تكن الحال كذلك، كما علم مما تقدم آنفًا، فلم تَعْدُ البشارة أن تكون مما يطمئن به القلب فقال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  ﴾ من غير قصر ثم قال تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ  ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا متعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وبعض آخر إلى أنه من الكلام في وقعة أحد المقصودة بالذات فإن ذكر النصر ببدر إنما جاء استطرادًا، ولذلك أنكروا أن يكون ذكر الملائكة الثلاثة الآلاف والخمسة الآلاف متعلقًا به.

وهذا هو المختار عندنا.

أي أنه فعل ما فعل ليقطع طرفًا، أو ما النصر إلا من عنده ليقطع طرفًا.

ومعنى قطع الطرف منهم إهلاك طائفة منهم، يقال: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ  ﴾ إذا هلكوا، وقد نطق به التنزيل.

وعبر عن الطائفة بالطرف لأنهم الأقرب إلى المسلمين من الوسط أو أراد بهم الأشراف منهم، كذا قيل، والمتبادر الأول لا لأنه من باب ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ  ﴾ كما قيل، بل لأن الطرف هو أول ما يوصل إليه من الجيش.

وقد أهلك الله من المشركين يوم أحد طائفة في أول الحرب.

روى ابن جرير عن السدي أنه قال: ذكر الله قتلى المشركين يعني بأحد وكانوا ثمانية عشر رجلًا فقال: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ إلخ.

ونقول: قد ذكر غير واحد من أهل السير أن قتلى المشركين يوم أحد كانوا ثمانية عشر رجلًا ورد عليهم آخرون بأن حمزة وحده قتل نحو ثلاثين.

وصرح بعضهم بأن سبب غلط من قال ذلك القول هو ما روي أن بعض المسلمين أراد عد قتلى المشركين بعد ثمانية عشر.

وصرح بعضهم بأن سبب ذلك أن المشركين أخذوا قتلاهم أو دفنوهم لئلا يمثل بهم المسلمون بعد المعركة كما مثلوا هم بالمسلمين عندما أصابوا الغرة منهم وهذا هو المعقول.

وأما قوله: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ  ﴾ فقد فسروه بأقوال منها أن معناه يخزيهم ومنها أن معناه يصرعهم لوجوههم، وفي الأساس: كبت الله عدوه أكبه وأهلكه.

ولكن صاحب الأساس فسر الكلمة في الكشاف بقوله: "ليخزيهم ويغيظهم بالهزيمة" وقال الراغب: الكبت الرد بعنف وتذليل.

وقال البيضاوي "أو يخزيهم والكبت شدة الغيظ أو وهن يقع في القلب" وكل هذه المعاني وردت في كتب اللغة وصرح البيضاوي بأن "أو" هنا للتنويع لا للترديد، والمعنى أنه يقطع طرفًا وطائفة ويكبت طائفة أخرى أي ويتوب على طائفة ويعذب طائفة كما في الآية الآتية: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ  ﴾ جملة "ليس لك من الأمر شيء" معترضة بين هذا التقسيم وما بعدها معطوف على ما قبلها.

ولما كانت هذه الآية مما نزل في وقعة أحد كما روي في الصحيح تعينّ أن تكون التي قبلها كذلك وإلا كانت غير مفهومة إلا بتكلف ينزه القرآن عن مثله على كونه لا حاجة إليه.

أما كونها نزلت في شأن واقعة أحد فيدل عليه ما ورد في سبب نزولها روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله  يوم أحد "اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية فتيب عليهم كلهم، وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه وروى أحمد ومسلم من حديث أنس أن النبي  كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم" فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ  ﴾ الآية ذكر ذلك كله السيوطي في لباب النقول ولم يعز الأول إلى الترمذي والنسائي اكتفاء بمن هو أصح منهما رواية.

وقد روى ذلك ابن جرير من عدة طرق.

وما روي غير ذلك لا يعتد به.

ولا تنافي بين حديث ابن عمرو وحديث أنس لأن الجمع بينهما ظاهر وهو أنه قال ما قال فيهم حين أدموه ثم لعن رؤساءهم فنزلت الآية عقب ذلك كله.

وأما المعنى فقد قال ابن جرير: يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من اللذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء.

فقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ منصوب عطفًا على قوله أو: ﴿ يَكْبِتَهُمْ  ﴾ وقد يحتمل أن يكون تأويله ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم فيكون نصب يتوب بمعنى "أو" التي هي في معنى "حتى" والقول الأول أولى بالصواب لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحد سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك.

وتأويل "ليس لك من الأمر شيء ليس إليك يا محمد من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري وتنهى فيهم إلى طاعتي وإنما أمرهم إلي والقضاء فيهم بيدي دون غيري أقضي فيهم وأحكم بالذي أشاء من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي.

انتهى قول ابن جرير وقد أورد بعده ما عنده من الروايات في الآية.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله