الآية ١٥٠ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٥٠ من سورة آل عمران

بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ ١٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 60 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٠ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أمرهم بطاعته وموالاته ، والاستعانة به ، والتوكل عليه ، فقال : ( بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن الله مسدِّدكم، أيها المؤمنون، فمنقذكم من طاعة الذين كفروا.

* * * وإنما قيل: " بل الله مولاكم "، لأن في قوله: إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ، نهيًا لهم عن طاعتهم، فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لا تُطيعوا الذين كفروا فيردُّوكم على أعقابكم، ثم ابتدأ الخبر فقال: " بل الله مولاكم "، فأطيعوه، دون الذين كفروا، فهو خيرُ من نَصَر.

ولذلك رفع اسم " الله "، ولو كان منصوبًا على معنى: بل أطيعوا الله مولاكم، دون الذين كفروا = كان وجهًا صحيحًا.

* * * ويعني بقوله: " بل الله مولاكم "، وليّكم وناصركم على أعدائكم الذين كفروا، (5) " وهو خير الناصرين "، لا من فررتم إليه من اليهود وأهل الكفر بالله.

فبالله الذي هو ناصركم ومولاكم فاعتصموا، وإياه فاستنصروا، دون غيره ممن يبغيكم الغوائل، ويرصدكم بالمكاره، كما:- 8001- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " بل الله مولاكم "، إن كان ما تقولون بألسنتكم صدقًا في قلوبكم =" وهو خير الناصرين "، أي: فاعتصموا به ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدِّين عن دينكم.

(6) -------------------- الهوامش : (5) انظر تفسير"المولى" فيما سلف 6: 141.

(6) الأثر: 8001- سيرة ابن هشام 3: 119 ، 120 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7998 ، مع اختلاف يسير في اللفظ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم قال : بل الله مولاكم أي متولي نصركم وحفظكم إن أطعتموه .

وقرئ " بل الله " بالنصب ، على تقدير بل وأطيعوا الله مولاكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر أنه مولاهم وناصرهم، ففيه إخبار لهم بذلك، وبشارة بأنه سيتولى أمورهم بلطفه، ويعصمهم من أنواع الشرور.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم قال : ( بل الله مولاكم ) ناصركم وحافظكم على دينكم ، ( وهو خير الناصرين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بل الله مولاكم» ناصركم «وهو خير الناصرين» فأطيعوه دونهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنهم لن ينصروكم، بل الله ناصركم، وهو خير ناصر، فلا يحتاج معه إلى نصرة أحد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمرهم - سبحانه - بطاعته والاعتماد عليه والاستعانة به وحده فقال { بَلِ الله مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ الناصرين } .وحرف " بل " هنا للإضراب الانتقالى ، لأنه - سبحانه - بعد أن حذر المؤمنين من إطاعة الكافرين وما يترتب عليها من مضار ، انتقل إلى توجيههم إلى ما فيه عزتهم وكرامتهم وسعادتهم .والمولى هنا بمعنى النصير والمعين ، وهذا اللفظ لا يدل على النصرة والعون فقط ، وإنما يدل على كمال المحبة والمودة والقرب ، والنصرة تجىء ملازمة لهذه المعانى ، لأنه من كان الله محبا له ، كان - سبحانه - ناصرا له لا محالة .والمعنى إنى أنهاكم - أيها المؤمنون - عن إطاعة الكافرين ، لأنهم ليسوا أولياء لكم فتطيعوهم ، بل الله - تعالى - هو وليكم ومعينكم وهو خير الناصرين ، لأنه هو الذى لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء فأخلصوا له العبادة والطاعة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن هذه الآية من تمام الكلام الأول، وذلك لأن الكفار لما أرجفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، ودعا المنافقون بعض ضعفة المسلمين الى الكفر، منع الله المسلمين بهذه الآية عن الالتفات الى كلام أولئك المنافقين.

فقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قيل: ﴿ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ ﴾ المراد أبو سفيان، فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم، قال السدي: المراد أبو سفيان لأنه كان شجرة الفتن، وقال آخرون: المراد عبدالله بن أبي وأتباعه من المنافقين، وهم الذين ألقوا الشبهات في قلوب الضعفة وقالوا لو كان محمد رسول الله ما وقعت له هذه الواقعة، وإنما هو رجل كسائر الناس، يوما له ويوما عليه، فارجعوا الى دينكم الذي كنتم فيه، وقال آخرون: المراد اليهود لأنه كان بالمدينة قوم من اليهود، وكانوا يلقون الشبهة في قلوب المسلمين، ولا سيما عند وقوع هذه الواقعة، والأقرب أنه يتناول كل الكفار، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ ﴾ لا يمكن حمله على طاعتهم في كل ما يقولونه بل لابد من التخصيص فقيل: ان تطيعوهم فيما أمروكم به يوم أحد من ترك الإسلام، وقيل: إن تطيعوهم في كل ما يأمرونكم من الضلال، وقيل في المشورة، وقيل في ترك المحاربة وهو قولهم: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا  ﴾ .

ثم قال: ﴿ يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم ﴾ يعني يردوكم الى الكفر بعد الإيمان، لأن قبول قولهم في الدعوة الى الكفر كفر.

ثم قال: ﴿ فَتَنقَلِبُواْ خاسرين ﴾ .

واعلم أن اللفظ لما كان عاما وجب أن يدخل فيه خسران الدنيا والآخرة، أما خسران الدنيا فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد للعدو والتذلل له وإظهار الحاجة اليه، وأما خسران الآخرة فالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد.

ثم قال تعالى: ﴿ بَلِ الله مولاكم وَهُوَ خَيْرُ الناصرين ﴾ والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا جهل، لأنهم عاجزون متحيرون، والعاقل يطلب النصرة من الله تعالى، لأنه هو الذي ينصركم على العدو ويدفع عنكم كيده، ثم بين أنه خير الناصرين، ولو لم يكن المراد بقوله: ﴿ مولاكم وَهُوَ خَيْرُ الناصرين ﴾ النصرة، لم يصح أن يتبعه بهذا القول، وإنما كان تعالى خير الناصرين لوجوه: الأول: أنه تعالى هو القادر على نصرتك في كل ما تريد، والعالم الذي لا يخفى عليه دعاؤك وتضرعك، والكريم الذي لا يبخل في جوده، ونصرة العبيد بعضهم لبعض بخلاف ذلك في كل هذه الوجوه، والثاني: أنه ينصرك في الدنيا والآخرة، وغيره ليس كذلك، والثالث: أنه ينصرك قبل سؤالك ومعرفتك بالحاجة، كما قال: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار  ﴾ وغيره ليس كذلك.

واعلم أن قوله: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الناصرين ﴾ ظاهره يقتضي أن يكون من جنس سائر الناصرين وهو منزه عن ذلك، لكنه ورد الكلام على حسب تعارفهم كقوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ ﴾ قال عليّ رضي الله عنه: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.

وعن الحسن رضي الله عنه: إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم، لأنهم كانوا يستغوونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين، ويقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوماً له ويوماً عليه.

وعن السدي: إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم ﴿ يَرُدُّوكُم ﴾ إلى دينهم.

وقيل هو عامّ في جميع الكفار، وإنّ على المؤمنين أن يجانبوهم ولا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم ولا على مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم ﴿ بَلِ الله مولاكم ﴾ أي ناصركم، لا تحتاجون معه إلى نصرة أحد وولايته.

وقرئ بالنصب على: بل أطيعوا الله مولاكم ﴿ سَنُلْقِى ﴾ قرئ بالنون والياء.

والرعب بسكون العين وضمها قيل: قذف الله في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة.

وقيل: ذهبوا إلى مكة فلما كانوا ببعض الطريق قالوا: ما صنعنا شيئاً، قتلنا منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم فأمسكوا.

﴿ بِمَا أَشْرَكُواْ ﴾ بسبب إشراكهم، أي كان السبب في إلقاء الله الرّعب في قلوبهم إشراكهم به ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سلطانا ﴾ آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة.

فإن قلت: كان هناك حجة حتى ينزلها الله فيصح لهم الإشراك؟

قلت: لم يعن أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل عليهم، لأن الشرك لا يستقيم أن يقوم عليه حجة، وإنما المراد نفي الحجة ونزولها جيمعاً، كقوله: وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِر <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ ﴾ أيْ إلى الكُفْرِ ﴿ عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ نَزَلَتْ في قَوْلِ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ: ارْجِعُوا إلى دِينِكم وإخْوانِكم ولَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَما قُتِلَ.

وَقِيلَ أنْ تَسْتَكِينُوا لِأبِي سُفْيانَ وأشْياعِهِ وتَسْتَأْمِنُوهم يَرُدُّوكم إلى دِينِهِمْ.

وقِيلَ عامٌّ في مُطاوَعَةِ الكَفَرَةِ والنُّزُولِ عَلى حُكْمِهِمْ فَإنَّهُ يَسْتَجِرُّ إلى مُوافَقَتِهِمْ.

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ ناصِرُكم.

وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ مَوْلاكم.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ ﴾ فاسْتَغْنَوْا بِهِ عَنْ وِلايَةِ غَيْرِهِ ونَصْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)

{بَلِ الله مولاكم} ناصركم فاستغنوا عن نصرة غيره {وَهُوَ خَيْرُ الناصرين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ إضْرابٌ وتَرْكٌ لِلْكَلامِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، والمَعْنى لَيْسَ الكُفّارُ أوْلِياءً فَيُطاعُوا في شَيْءٍ ولا يَنْصُرُونَكم، بَلِ اللَّهُ ناصِرُكم لا غَيْرُهُ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقُرِئَ بِنَصْبِ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى فَلا تُطِيعُوهم بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ مَوْلاكم ﴿ وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ ﴾ (150) لِأنَّهُ القَوِيُّ الَّذِي لا يُغْلَبُ والنّاصِرُ في الحَقِيقَةِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُخَصَّ بِالطّاعَةِ والِاسْتِعانَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها.

وجُوِّزَ عَلى القِراءَةِ الشّاذَّةِ الِاسْتِئْنافُ والحالِيَّةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني المنافقين يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ كفاراً بعد إيمانكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ إلى دينكم الأول بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ أي أطيعوا الله فيما يأمركم، هو مولاكم يعني: وليكم وناصركم وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ أي المانعين من كفار مكة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بأن أظهرهم على عدُوِّهم، وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ: الجَنَّة بلا «١» خلاف.

قال الفَخْر «٢» : ولا شَكَّ أنَّ ثوابَ الآخِرَةِ هي الجَنَّة، وذلك غَيْرُ حاصلٍ في الحالِ، فيكون المرادُ أنَّه سبحانه، لَمَّا حكم لهم بحصولها في الآخرة، قام حُكْمُهُ لهُمْ بذلك مَقَامَ الحُصُول في الحالِ، ومحمل قوله: فَآتاهُمُ أنه سيؤتيهم.

وقيل: ولا يمتنع أنْ تكون هذه الآية خاصَّةً بالشهداء، وأنه تعالى في حال نزول هذه الآية، كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة.

انتهى.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: المنافقين الذين خَيَّبوا المسلمين، وقالوا في أمر أُحُد: لو كان محمَّد نبيًّا، لم ينهزم.

وقوله سبحانه: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ هذا تثبيتٌ لهم، وقوله سبحانه: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ سبب هذه الآيةِ أنه لما ارتحَلَ أبُو سُفْيان بالكفَّار، رجع النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينةِ، فتجهَّز، واتبع المشركِينَ، وكان مَعْبَدُ بْنُ أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ «٣» قد جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ سَاءَنَا مَا أَصَابَكَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ تَمِيلُ إلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم/، ثُمَّ رَكِبَ مَعْبَدٌ حتى لَحِقَ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا رأى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَداً، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ، يَا مَعْبَدُ؟

قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ قَدِ اجتمع مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، ونَدِمُوا على مَا صَنَعُوا، قَالَ: وَيْلَك!

مَا تَقُولُ؟

قَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَرَاكَ أَنْ ترحل حتّى ترى نواصي الخيل، قال: فو الله، لقد

أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ إلَيْهِمْ، قَالَ: فَإنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذلك، وو الله، لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ على أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ شِعْراً، قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟

قَالَ: قُلْتُ «١» : [البسيط]

كَادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ...

إذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبَابِيلِ «٢»

تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لاَ تَنَابِلَةٍ ...

عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٍ مَعَازِيلِ «٣»

فَظَلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِلَة ...

لَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ «٤»

إلى آخر الشِّعْر، فألقى اللَّه الرُّعْبَ في قلوبِ الكفَّارِ، وقالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّة «٥» : لاَ تَرْجِعُوا فإني أرى أنه سيكُونُ للقَوْمِ قِتَالٌ غَيْرُ الذي كَانَ، فنَزَلَتِ الآيةُ في هذا الإلقاء، وهي بَعْدُ متناولَةٌ كلَّ كافرٍ قال الفَخْر «٦» : لأنه لا أحد يخالفُ دِينَ الإسلام، إلا وَفِي قلبه خَوْفٌ من الرُّعْب، إما عند الحَرْب، وإما عند المُحَاجَّة.

انتهى.

وقوله سبحانه: بِما أَشْرَكُوا، هذه باءُ السَّبَبِ، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة والبُرْهَان.

قال ص: قوله: وَبِئْسَ، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: النار [انتهى] .

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، جاء الخطَابُ لجميعِ المؤمنينَ، وإن كانَتِ الأمور التي عاتبهم سبحانه علَيْها، لم يقَعْ فيها جميعُهم ولذلك وجوهٌ من الفصاحةِ، منْها: وعْظ الجميع، وزجْرُه إذ مَنْ لم يفعلْ مُعَدٌّ أنْ يفعل إن لم يزجر، ومنها: السَّتْر والإبقاء على من فعل، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد وَعَدَ المؤمِنِينَ النَّصْرَ يَومَئِذٍ على خبر اللَّه إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فصَدَقَهُم اللَّه وعْدَه وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صَافَّ المشركين يومئذ، ورتَّب الرماة، على ما قَدْ ذكَرْناه قَبْلَ هذا، واشتعلت نارُ الحَرْب، وأبلى حمزةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأَبُو دُجَانَةَ «١» ، وعليٌّ، وعَاصِمُ بْنُ أَبِي الأَقْلَحِ «٢» ، وغيرُهم، وانهزم المشركُونَ، وقُتِلَ منهم اثنان وعشْرُونَ رجُلاً، فهذا معنى قوله عز وجل: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، والحَسُّ: القتل الذَّريعُ، يقال: حَسَّهُمْ إذا استأصلهم قتْلاً، وحَسَّ البَرْدُ النَّباتَ.

وقوله سبحانه: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ، يحتملُ أنْ تكونَ «حتى» غايةً كأنه قال: إلى أنْ فشلتم، والأظهر الأقوى أنَّ «إذا» على بابها تحتاجُ إلى الجوابِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وفُرْسَانِ الصِّنَاعة أنَّ الجوابَ محذوفٌ يدلُّ عليه المعنى، تقديرُهُ: انهزمتم، ونحوه، والفَشَل: استشعار العَجْزِ، وترْكُ الجِدِّ، والتَّنَازُعُ هو الَّذي وقَعَ بَيْنَ الرماةِ، وَعَصَيْتُمْ: عبارةٌ عن ذَهَابِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الرماة، وتأمَّل (رحمك اللَّه) ما يوجبه الركُونُ إلى الدنيا، وما يَنْشَأُ عنها من الضَّرَرِ، وإذا كان مَثَلُ هؤلاءِ السَّادة على رِفْعَتِهِمْ وعظيمِ منزلتهم، حَصَلَ لهم بسببها مَا حَصَلَ مِنَ الفَشَل والهزيمةِ، فكيف بأمثالنا، وقد حذَّرَ الله عز وجلّ ونبيُّه- عليه السلام- من الدُّنْيا وآفاتها بما لا يخفى على ذي لُبٍّ، وقد ذكرنا في هذا «المُخْتَصَرِ» جملةً كافيةً لمَنْ وفَّقه اللَّه، وشَرَح صدْره، وقد خرَّج البَغَوِيُّ في «المسند المنتخب» له، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تُفْتَحُ الدُّنْيَا على أَحَدٍ إلاَّ أَلْقَتْ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ القيامة» «٣» .

انتهى من «الكوكب الدري» .

وقال- عليه السلام- للأنْصَارِ لما تعرَّضوا له إذْ سمعوا بقُدُوم أبي عُبَيْدةِ بمالِ البَحْرَيْنِ:

«أبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله، مَا الفَقْرَ أخشى عَلَيْكُم!

وَلَكِنِّي أخشى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ على مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» ، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ، واللفظ له، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ «١» .

انتهى.

واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ وقد روى ابنُ المُبَارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ «٢» ، قال:

حدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ «٣» أنَّ رجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا؟

قَالَ: «إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ حَسَنَةٍ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ قَبِيحَةٍ» «٤» .

انتهى، فتأمَّله راشداً، وقولَه: مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَّا تُحِبُّونَ، يعني:

هزيمةَ المشركين، قال الزُّبَيْر «٥» : واللَّه، لَقَدْ رأيتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هنْدِ بنت عتبة «٦» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ أيْ: ولِيُّكم يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، فاسْتَغْنُوا عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ بَلِ اللهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ الناصِرِينَ ﴾ ﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النارُ وبِئْسَ مَثْوى الظالِمِينَ ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ جَبَّنُوا المُسْلِمِينَ وقالُوا في أمْرِ أُحُدٍ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يُهْزَمْ، والَّذِينَ قالُوا: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَلْنَرْجِعْ إلى دِينِنا الأوَّلِ، إلى نَحْوِ هَذِهِ الأقْوالِ، ثُمَّ اللَفْظُ يَقْتَضِي كُلَّ كافِرٍ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ويَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

نَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عن طاعَتِهِمْ.

و"بَلِ" تَرْكٌ لِلْكَلامِ الأوَّلِ ودُخُولٌ في غَيْرِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وهَذا تَثْبِيتٌ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ" "بَلِ اللهَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: بَلْ أطِيعُوا اللهَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "سَنُلْقِي" اسْتِعارَةٌ، إذْ حَقِيقَةُ الإلْقاءِ إنَّما هي في الأجْرامِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ  ﴾ ونَحْوُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: هُما نَفَثا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِما عَلى النابِحِ العاوِي أشَدَّ رِجامِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "سَنُلْقِي" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ أيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ: "سَيُلْقِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى "هُوَ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ "الرُعُبَ" بِضَمِّ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ، وقَرَأ الباقُونَ: "الرُعْبَ" بِسُكُونِ العَيْنِ.

وهَذا كَقَوْلِهِمْ: عُنُقٌ وعُنْقٌ وكِلاهُما حَسَنٌ فَصِيحٌ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ «لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ بِالكُفّارِ؛ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ  عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وقالَ: انْظُرِ القَوْمَ، فَإنْ كانُوا قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ ورَكِبُوا الإبِلَ فَهم مُتَشَمِّرُونَ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانُوا عَلى الخَيْلِ فَهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ، فَمَضى عَلِيٌّ فَرَآهم قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ فَأخْبَرَ رَسُولَ اللهِ  ، فَسُرَّ وسُرَّ المُسْلِمُونَ.

ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ  إلى المَدِينَةِ فَتَجَهَّزَ واتَّبَعَ المُشْرِكِينَ يُرِيهِ الجَلَدَ، فَبَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ؛ وإنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: أحِينَ قَتَلْناهم وهَزَمْناهم ولَمْ يَبْقَ إلّا الفَلُّ والطَرِيدُ نَنْصَرِفُ عنهُمُ؟

ارْجِعْ بِنا إلَيْهِمْ حَتّى نَسْتَأْصِلَهم فَعَزَمُوا عَلى ذَلِكَ، وكانَ مَعْبَدُ بْنُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيُّ قَدْ جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ  وهو عَلى كُفْرِهِ، إلّا أنَّ خُزاعَةَ كُلَّها كانَتْ تَمِيلُ إلى رَسُولِ اللهِ  ، فَقالَ لَهُ: واللهِ يا مُحَمَّدُ لَقَدْ ساءَنا ما أصابَكَ؛ ولَوَدِدْنا أنَّكَ لَمْ تُرْزَأْ في أصْحابِكَ.

فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ  والناسُ بِما عَزَمَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنَ الانْصِرافِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَسَخَّرَ اللهُ ذَلِكَ الرَجُلَ مَعْبَدَ بْنَ أبِي مَعْبَدٍ، وألْقى بِسَبَبِهِ الرُعْبَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ الخَبَرَ رَكِبَ حَتّى لَحِقَ بِأبِي سُفْيانَ بِالرَوْحاءِ، وقُرَيْشٌ قَدْ أجْمَعُوا الرَجْعَةَ إلى رَسُولِ اللهِ  وأصْحابِهِ، فَلَمّا رَأى أبُو سُفْيانَ مَعْبَدًا قالَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ؟

قالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ، قَدِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ مَن كانَ تَخَلَّفَ عنهُ، ونَدِمُوا عَلى ما صَنَعُوا، قالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ؟

قالَ: واللهِ ما أرى أنْ تَرْتَحِلَ حَتّى تَرى نَواصِيَ الخَيْلِ، قالَ: فَوَ اللهِ لَقَدْ أجْمَعْنا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، قالَ: فَإنِّي أنْهاكَ عن ذَلِكَ، واللهِ لَقَدْ حَمَلَنِي ما رَأيْتُ عَلى أنْ قُلْتُ فِيهِ شِعْرًا قالَ: وما قُلْتَ؟

قالَ "قُلْتُ": كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي ∗∗∗ إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِقاءِ ولا مِيلٍ مَعازِيلِ فَظَلْتُ عَدْوًا أظُنُّ الأرْضَ مائِلَةً ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ إلى آخِرِ الشِعْرِ، فَوَقَعَ الرُعْبُ في قُلُوبِ الكُفّارِ.

وقالَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ: لا تَرْجِعُوا فَإنِّي أرى أنَّهُ سَيَكُونُ لِلْقَوْمِ قِتالٌ غَيْرُ الَّذِي كانَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» في هَذا الإلْقاءِ، وهي -بَعْدُ- مُتَناوِلَةٌ كُلَّ كافِرٍ، ويَجْرِي مَعَها قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "نُصِرْتُ بِالرُعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ"،» ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ إنَّما أُعْلِمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِها بَعْدَ هَذِهِ الأحْوالِ كُلِّها حِينَ امْتَدَّ ظِلُّ الإسْلامِ.

قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ لَمّا أمَرَ اللهُ المُؤْمِنَ بِالصَبْرِ.

ووَعَدَهُ النَصْرَ، وأخْبَرَهُ أنَّ الرُعْبَ مُلْقىً في قُلُوبِ الكُفّارِ، نَقَصَ الرُعْبُ مِن كُلِّ كافِرٍ جُزْءًا مَعَ زِيادَةِ شَجاعَةِ المُؤْمِنِ، إذْ قَدْ وُعِدَ النَصْرَ، فَلِذَلِكَ كُلِّفَ المُؤْمِنُ الوُقُوفَ لِلْكافِرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما أشْرَكُوا" هَذِهِ باءُ السَبَبِ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكَ بِاللهِ نَفْسُهُ مُقَسَّمَةٌ في الدُنْيا، ولَيْسَ لَهُ بِاللهِ تَعالى ثِقَةٌ، فَهو يَكْرَهُ المَوْتَ ويَسْتَشْعِرُ الرُعْبَ مِنهُ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِعاقِبَةِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَأْوى: مَفْعَلٌ مِن أوَيْتَ إلى المَكانِ إذا دَخَلْتَهُ وسَكَنْتَ فِيهِ، والمَثْوى، مَفْعَلٌ مِن: ثَوَيْتَ، والتَقْدِيرُ: وبِئْسَ مَثْوى الظالِمِينَ هي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للانتقال من التَّوبيخ واللوم والعتاب إلى التَّحذير، ليتوسّل منه إلى معاودة التسلية، على ما حصل من الهزيمة، وفي ضمن ذلك كلّه، من الحقائق الحكمية والمواعظ الأخلاقية والعبر التَّاريخية، ما لا يحصيه مريد إحصائه.

والطاعة تطلق على امتثال أمْر الآمِر وهو معروف، وعلى الدخول تحت حكم الغالب، فيُقال طَاعَت قبيلة كذا وطوّع الجيش بلاد كذا.

و ﴿ الَّذين كفروا ﴾ شائع في اصطلاح القرآن أن يراد به المشركون، واللفظ صالح بالوضع لكلّ كافر من مشرك وكتابي، مظهر أو منافق.

والردّ على الأعقاب: الارتداد، والانقلاب: الرجوع، وقد تقدّم القول فيهما عند قوله: ﴿ أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ [آل عمران: 144] فالظاهر أنَّه أراد من هذا الكلام تحذير المؤمنين من أن يُخامرهم خاطر الدخول في صلح المشركين وأمانهم، لأنّ في ذلك إظهار الضّعف أمامهم، والحاجة إليهم، فإذا مالوا إليهم استدرجوهم رويداً رويداً، بإظهار عدم كراهية دينهم المخالف لهم، حتَّى يردّوهم عن دينهم لأنَّهم لن يرضوا عنهم حتَّى يرجعوا إلى ملّتهم، فالردّ على الأعقاب على هذا يحصل بالإخارة والمآل، وقد وقعت هذه العبرة في طاعة مسلمي الأندلس لطاغية الجلالقة.

وعلى هذا الوجه تكون الآية مشيرة إلى تسفيهِ رأي من قال: «لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان» كما يدلّ عليه قوله: ﴿ بل الله مولاكم ﴾ .

ويحتمل أن يراد من الطاعة طاعة القول والإشارة، أي الامتثال، وذلك قول المنافقين لهم: لو كان محمد نبيئاً ما قُتل فارجعوا إلى إخوانكم وملّتكم.

ومعنى الردّ على الأعقاب في هذا الوجه أنَّه يحصل مباشرة في حال طاعتهم إيّاهم.

وقوله: ﴿ بل الله مولاكم ﴾ إضراب لإبطال ما تضمّنه ما قبله، فعلى الوحه الأول تظهر المناسبة غاية الظهور، لأنّ الطاعة على ذلك الوجه هي من قبيل الموالاة والحلف فناسب إبطالها بالتَّذكير بأنّ مولى المؤمنين هو الله تعالى، ولهذا التَّذكير موقع عظيم: وهو أن نقض الولاء والحلف أمر عظيم عند العرب، فإنّ للولاء عندهم شأناً كشأن النسب، وهذا معنى قرّره الإسلام في خطبة حجّة الوداع أو فتح مكة «مَن انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين» فكيف إذا كان الولاء ولاء سيد الموالي كلّهم.

وعلى الوجه الثَّاني في معنى ﴿ إن تطيعوا الَّذين كفروا ﴾ تكون المناسبة باعتبار ما في طاعة المنافقين من موالاتهم وترك ولاء الله تعالى.

وقوله: ﴿ وهو خير الناصرين ﴾ يقوّي مناسبة الوجه الأول ويزيد إرادته ظهوراً.

و ﴿ خير النَّاصرين ﴾ هو أفضل الموصوفين بالوصف، فيما يراد منه، وفي موقعه، وفائدته، فالنصر يقصد منه دفع الغلب عن المغلوب، فمتى كان الدفع أقطع للغالب كان النصر أفضل، ويقصد منه دفع الظلم فمتى كان النصر قاطعاً لظلم الظالم كان موقعه أفضل، وفائدته أكمل، فالنصر لا يخلو من مدحة لأنّ فيه ظهور الشَّجاعة وإباء الضيم والنجدة.

قال ودّاك بنُ ثمَيْل المازني: إذا استنجدوا لمْ يسْألوا من دعاهم *** لأية حرب أم بأي مكان ولكنّه إذا كان تأييداً لظالم أو قاطع طريق، كان فيه دَخَل ومذمّة، فإذا كان إظهاراً لحقِّ المحقّ وإبطاللِ الباطل، استكمل المحمدة، ولذلك فَسّر النَّبيء صلى الله عليه وسلم نصر الظالم بما يناسب خُلُق الإسلام لمّا قال: «انصر أخاك ظالماً ومظلوماً» فقال بعض القوم: هذا أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟

فقال: «أنْ تنصره على نفسه فتكفّه عن ظلمه».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ ﴾ أيْ تَقْتُلُونَهم في قَوْلِ الجَمِيعِ، يُقالُ: حَسَّهُ حَسًّا إذا قَتَلَهُ، لِأنَّهُ أُبْطِلَ بِمَعُونَتِهِ.

﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الإصْعادِ والصُّعُودِ أنَّ الإصْعادَ في مُسْتَوى الأرْضِ، والصُّعُودَ في ارْتِفاعٍ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وأبِي العَبّاسِ، والزَّجّاجِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم صَعِدُوا في جَبَلِ أُحُدٍ فِرارًا.

﴿ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ ﴾ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: « (يا عِبادَ اللَّهِ ارْجِعُوا)» ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ.

﴿ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَمًّا عَلى غَمٍّ.

والثّانِي: غَمًّا مَعَ غَمٍّ.

وَفي الغَمِّ الأوَّلِ والثّانِي تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ القَتْلُ والجِراحُ، والغَمَّ الثّانِيَ الإرْجافُ بِقَتْلِ النَّبِيِّ  ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: غَمًّا يَوْمَ أُحُدٍ بِغَمِّ يَوْمِ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا...

﴾ الآية.

لا تنتصحوا اليهود والنصارى عن دينكم، ولا تصدقوهم بشيء في دينكم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا...

﴾ الآية.

يقول: إن تطيعوا أبا سفيان بن حرب يردوكم كفاراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب.

أنه سئل عن هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم ﴾ التعرب؟

فقال علي: بل هو الزرع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو قال: ألا أخبركم بالمرتد على عقبيه، الذي يأخذ العطاء ويغزو في سبيل الله، ثم يدع ذلك ويأخذ الأرض بالجزية والرزق.

فذلك الذي يرتد على عقبيه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ﴾ أي: ناصِرُكُم ومُعِينُكم.

والمعني في هذه الآية: يقول: أنا مولاكم؛ فاسْتَغْنُوا عن مُوَالاةِ الكفَّار، وناصِرُكُمْ؛ فلا تَسْتَنْصِرُوهم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ ﴾ الفعل مسند، إلى ضمير النبيّ ومعه ربيون على هذا في موضع الحال، وقيل: إنه مسند إلى الربيين، فيكون ربيون على هذا مفعولاً لما لم يسم فاعله فعلى الأوّل يوقف على قوله: قتل، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل قط نبي في محاربة ﴿ رِبِّيُّونَ ﴾ علماء مثل ربانيين، وقيل: جموع كثيرة ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ الضمير لربيون على إسناد القتل للنبي، وهو لم يق منهم على إسناد القتل إليهم ﴿ وَمَا استكانوا ﴾ أي: لم يذلوا للكفار قال بعض النحاة: الاستكان مشتق من السكون، ووزنه افتعلوا مطلت فتحة الكاف فحدث عن مطلها ألف وذلك كالإشباع، وقيل: أنه من كان يكون، فوزنه استفعلوا، وقوله تعالى: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ وما بعده: تعريض لما صدر من بعض الناس يوم أحد ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ أي في الحرب ﴿ ثَوَابَ الدنيا ﴾ النصر ﴿ ثَوَابِ الآخرة ﴾ الجنة ﴿ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ ﴾ هم المنافقون الذين قالوا في قضية أحد ما قالوا، وقيل: مشركو قريش وقيل: اليهود.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ رايتموه ﴾ بغير همزة يعني بالتليين ونحوه ﴿ رأوك  ﴾ و ﴿ رأوه  ﴾ روى هبة الله بن جعفر الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ يرد ثواب ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمروا وشان بن عامر وسهل وحمزة وعلي وخلف ﴿ نؤته ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ ﴿ وكائن ﴾ بالمد والهمز مثل "كاعن" حيث كان: ابن كثير.

وقرأ يزيد ﴿ وكاين ﴾ بالمد بغير همزة.

وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي بغير نون في الوقف ﴿ وكأي ﴾ الباقون: ﴿ وكأين ﴾ في الحالين ﴿ قتل ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع وقتيبة والمفضل.

الباقون.

﴿ قاتل ﴾ .

الوقوف: ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ تلقوه ﴾ ص لطول الكلام ﴿ رسول ﴾ ج لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ أعقابكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ مؤجلاً ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ منها ﴾ ج للعطف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ قتل ﴾ ط ليكون قتل النبي  إلزاماً للحجة على من اعتذر في الانهزام بما سمع من نداء إبليس ألا إن محمداً قد قتل.

والتقدير ومعه ريبون كثير.

ولو وصل كان الريبون مقتولين.

ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فله أن لا يقف ﴿ كثير ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب ﴿ وما استكانوا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ج ﴿ الناصرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر فوائد مداولة الأيام وحكمها، أتبعها ما هو السبب الأصلي في ذلك فقال: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ بدون تحمل المشاق.

و"أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار و"لما" بمعنى "لم" مع زيادة التوقع.

وليس المراد نفي العلم بالمجاهدين ولكن المراد نفي المعلوم.

وإنما حسن إقامة ذلك مقام هذا لأن العلم متعلق بالمعلوم كما هو عليه، فلما حصلت بينهما هذه المطابقة حسن إقامة أحدها مقام الآخر.

تقول: ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه.

فحاصل الكلام لا تحسبوا أن / تدخلوا الجنة ولم تجاهدوا بعد.

وإنما أنكر هذا الحسبان لأنه  أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة, وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح المنوطة بها في الدين والدنيا.

وإذا كان كذلك فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال مثل هذه الطاعة.

والواو في قوله: ﴿ ويعلم الصابرين ﴾ واو الجمع في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.

كأنه قيل: إن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان فليس كل من أقر بدين الله كان صادقاً، ولكن الفيصل فيه تسليط المكروهات ومخالفات النفس فإن الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء.

وقيل: التقدير أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين؟

ووجه آخر وهو أن يكون مجزوماً أيضاً لكن الميم لما حركت للساكنين حركت بالفتحة إتباعاً للفتحة قبلها.

وهذا كما قرىء ﴿ ولما يعلم الله ﴾ بفتح الميم إلا أن يراد ولما يعلمن بالنون الخفيفة ثم حذفت.

وقرأ الحسن ﴿ ويعلم ﴾ بالجزم على العطف.

وروي عن أبي عمرو ﴿ ويعلم ﴾ بالرفع على الحال كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت ﴾ الخطاب فيه للذين ألحوا على رسول الله  في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة.

ويراد بالموت سببه وهو الجهاد والقتل.

قال المحققون: إنه لم يكن تمنيهم للموت تمنياً لأن يقتلوا لأن قتل المشركين لهم كفر.

ولا يجوز للمؤمن أن يتمنى الكفر أو يريده أو يرضى به، بل إنما تمنوا الفوز بدرجات الشهداء والوصول إلى كراماتهم.

وشبهوا ذلك بمن شرب دواء الطبيب النصراني فإن غرضه حصول الشفاء.

ولا يخطر بباله جر منفعة وإحسان إلى عدو الله وتنفيق صناعته، قالت الأشاعرة ههنا: من أراد شيئاً أراد ما هو من لوازمه، وثواب الشهداء لا يحصل إلا بالشهادة، ولا ريب أنه  أراد إيصال ثواب الشهداء إلى المؤمنين، ولهذا ورد من الترغيبات ما ورد فأراد صيرورتهم شهداء، ولن يصيروا شهداء إلا إذا قتلهم الكفار فلا بد أن يريد أن يقتلهم الكفار وذلك القتل كفر ومعصية، فثبت أنه  مريد للكفر والإيمان والطاعة والعصيان.

﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته وصعوبة مقاساته.

﴿ فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ﴾ قال الزجاج: أي وأنتم بصراء كقولهم: رأيته بعيني أي رأيتموه معاينين حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وشارفتم أن تقتلوا.

ويحتمل أن يراد رأيتم إقدام القوة وشدة حرصهم على قتلكم وعلى قتل الرسول، ثم بقيتم أنتم تنظرون إليهم من غير جد في دفعهم ولا اجتهاد في مقاتلتهم، وفيه توبيخ لهم على تمنيهم الجهاد وعلى إلحاحهم في الخروج إليه، ثم انهزامهم وقلة ثباتهم عنده.

قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: "لما نزل النبي  بالشعب أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ولا ينتقلوا سواء كان الأمر لهم أو عليهم.

فلما وقفوا وحملوا على الكفار هزموهم وقتل علي عليه / السلام طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير والمقداد شدا على المشركين، ثم حمل الرسول  مع أصحابه فهزموا أبا سفيان.

ثم إن بعض القوم لما رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة، وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم، وكثر القتل في المسلمين، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله  بحجر وكسر رباعيته وشج وجهه وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة.

واحتمل طلحة بن عبيد الله رسول الله ودافع عنه أبو بكر وعلي  .

وظن ابن قميئة أنه قتل رسول الله  فقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخاً ألا إن محمداً قد قتل.

قيل: وكان الصارخ الشيطان ففشا في الناس خبر قتله  فانكفؤا، وجعل رسول الله  يدعو: إليّ عباد الله، حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فنزلت" ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ أي مرسل.

قال أبو علي: وقد يكون الرسول في غير هذا الموضع بمعنى الرسالة أي حاله مقصور على الرسالة لا يتخطاها إلى البقاء والدوام ﴿ قد خلت من قبله الرسل ﴾ فسيخلو كما خلوا.

وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فكونوا أنتم كذلك لأن الغرض من إرسال الرسل التبليغ وإلزام الحجة لا وجودهم بين أممهم أبداً ﴿ أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ الفاء لتسبيب الجملة الشرطية عن الجملة التي قبلها، والهمزة لإنكار الجزاء لأنه في الحقيقة كأنه دخل عليه.

والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمداً أو قتل؟

وسبب الإنكار ما تقدم من الدليلين: أحدهما أن الحاجة الى الرسول هي التبليغ وبعد ذلك لا حاجة إليه، فلا يلزم من قتله أو موته الإدبار عما كان هو عليه من الدين وما يلزم كالجهاد.

وثانيهما القياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم، فإن موسى  مات ولم ترجع أمته عن ذلك الدين.

والنصارى زعموا أن عيسى  قتل وهم لم يرجعوا عن دينه وإنما ذكر القتل.

وقد علم أنه لا يقتل لكونه مجوّزاً عند المخاطبين.

وقوله: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ لو سلم أنه متقدم في النزول فإنه مما كان يختص بمعرفته العلماء منهم على أنه ليس نصاً في العصمة عن القتل، بل يحتمل العصمة من فتنة الناس وإضلالهم.

وقوله: ﴿ إنك ميت  ﴾ يراد به المفارقة إلى الآخرة بأي طريق كان بدليل ﴿ وإنهم ميتون  ﴾ وكثير منهم قد قتلوا.

ويمكن أن يقال: صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق جزأيها لصدق قولنا إن كانت الخمسة زوجاً فهي تنقسم بمتساويين مع كذب جزأيها.

ومعنى "أو" هو الترديد والتشكيك أي سواء فرض / وقوع الموت أو القتل فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الإدبار أو الارتداد ﴿ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ﴾ بل لا يضر إلا نفسه، وهذا كما يقول الوالد لولده عند العتاب إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض.

يريد أنه يعود ضرره عليه.

وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين.

ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والإنكشاف عن رسول الله  .

روي أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.

وقال ناس من المنافقين: لو كان نبياً لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم.

فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت.

وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟

فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه.

ثم قال: اللهم إني اعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل.

وعن بعض المهاجرين أنه مر بأنصاري يتشحط في دمه فقال: يا فلان، اشعرت أن محمداً قد قتل؟

فقال: إن كان قتل فقد بلغ قاتلوا على دينكم.

ففي أمثالهم قال تعالى: ﴿ وسيجزي الله الشاكرين ﴾ لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا من الصبر والثبات.

ثم قال: ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ ووجه النظم أن المنافقين أرجفوا أن محمداً قتل فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان، فأبطل قولهم بأن القتل مثل الموت في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر.

وكما أنه لو مات في بلده لم يدل ذلك على فساد دينه فكذا لو قتل.

وفيه تحريض المؤمنين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يغنى عن القدر، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإن خوّض المهالك واقتحم المعارك.

أو الغرض بيان حفظة وكلاءته لنبيه فإنه ما بقي في تلك الواقعة سبب من أسباب الهلاك والشر إلا وقد حصل إلا أنه  لما كان حافظاً لنبيه ولم يقدّر في ذلك الوقت أجله لم يضره ذلك.

وفيه تقريع لأصحابه أنهم قد قصروا في الذب عنه  ، وجواب عما قاله المنافقون للصحابة لما رجعوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

قال الأخفش والزجاج: تقدير الكلام وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله.

وقال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئة الله وأرادته، فأورد الكلام على سبيل التمثيل كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله فيه، وذلك أن إسناد الموت إلى النفس نسبة الفعل إلى القابل لا إلى الفاعل، فأقيم القابل مقام الفاعل.

وقال أبو مسلم: الإذن هو الأمر.

والمعنى أن الله  يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر.

وقيل: المراد التكوين والتخليق لأنه لا يقدر على خلق الموت والحياة أحد إلا الله.

وقيل: التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار.

/ والمعنى ما كان لنفس أن تموت بالقتل إلا بأن يخلي الله بين القاتل والمقتول.

وفيه أنه تعالى لا يخلي بين نبيه وبين أحد ليقتله  ، ولكنه جعل من بين يديه  ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به فلا تهنوا في غزواتكم بعد ذلك بإرجاف مرجف.

وقيل: الإذن العلم أي لن تموت نفس إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع ولذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ كتاباً موجلاً ﴾ وهو مصدر مؤكد لنفسه لدلالة ما قبله عليه أي كتب الموت كتاباً مؤجلاً مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: الكتاب المؤجل هو المشتمل على الآجال.

وقيل: هو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع الحوادث من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

قال القاضي: الأجل والرزق مضافان إلى الله  ، وأما الكفر والفسق والإيمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد.

فإذا كتب  ذلك فإنما يكتب ما يعلمه من اختيار العبد وذلك لا يخرج فيه العبد من أن يكون مذموماً أو ممدوحاً.

والحق أن هذا تعكيس للقضية فإن الله  إذا علم من العبد الكفر استحال أن يأتي هو بالإيمان وإلا انقلب علم الله جهلاً، وإذا كان هو غير قادر على الإيمان حينئذٍ فما معنى اختياره؟

ثم إنه كان في الذين حضروا يوم أحد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة كما أخبر الله  في هذه السورة فقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ أي من ثوابها تعريض بالفريق الدنيوي وهم الذين شغلتهم الغنائم، وباقي الآية مدح للفريق الآخر الأخروي، وإن فضله  وعطيته شامل لكلا الفريقين، لكن ثواب الفريق الثاني هو المعتد به في الحقيقة ولهذا ختم الكلام بقوله: ﴿ وسنجزي الشاكرين ﴾ فأبهم الجزاء وأضافه إلى نفسه تنبيهاً على جزاء الذين شكروا نعمة الإسلام فلم يشغلهم عن الجهاد شيء لا يكتنه كنهه وتقصر عنه العبارة، وأنه كما يليق بعميم فضله وجسيم طوله.

وهذه الآية وإن وردت في الجهاد لكنها عامة في جميع الأعمال كما قال  : " "إنما الأعمال بالنيات" " وذلك لأن المؤثر في جانب الثواب والعقاب القصود والدواعي.

فمن وضع الجبهة على الأرض والوقت ظهر والشمس أمامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله  كان من الإيمان، وإن قصد تعظيم الشمس كان من الكفر.

﴿ وكأين ﴾ الأكثرون على أنها في الأصل مركبة من كاف التشبيه و"أي" التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة.

كما أن "كذا" مركبة من "الكاف" و"ذا" المقصود به / الإشارة.

"فكأين" مثل "كذا" في كون المجرورين مبهمين عند السامع إلا أن في "ذا" إشارة في الأصل إلى ما في ذهن المتكلم بخلاف "أي" فإنه للعدد المبهم ومميزها منصوب ومفرد على الأصل.

والأكثر إدخال "من" في مميز "كأين" وبه ورد القرآن, والتمييز بعد "كذا" و"كأين" في الأصل عن الكاف لا عن "ذا" و"أي" كما في "مثلك رجلاً" لأنك تبين في كذا رجلاً وكأين رجلاً أن مثل العدد المبهم في أي جنس هو ولم تبين العدد المبهم.

فأي في الأصل كان معرباً لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة كما في "من" لا تنوين تمكن فلهذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين لا صورة له خطاً ولأجل التركيب تصرف فيه فقيل: كائن مثل كاعن.

وربما ظن بعضهم أنه اسم فاعل من كان، ولكنه بني لكثرة الاستعمال وهاتان اللغتان فيه مشهورتان ولهذا قرىء بهما.

وفيه لغات آخر غير مشهورة تركنا ذكرها لأنه لم يقرأ بها ولعلك تجدها في كتبنا الأدبية، ومحل ﴿ كأين ﴾ ههنا رفع على الابتداء، وقوله ﴿ قتل ﴾ أو ﴿ قاتل ﴾ خبره والضمير يعود إلى لفظ ﴿ كأين ﴾ فإنه مفرد اللفظ.

وإن كان مجموع المعنى.

والربيون معناه الألوف أو الجماعات الكثيرة.

الواحد ربى عن الفراء والزجاج.

قال ابن قتيبة: أصله من الربة الجماعة، فحذفت الهاء في النسبة، ويقال: ترببوا أي تجمعوا.

وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية.

والكسر فيه من تغييرات النسب كالضم في دهري، والقياس الفتح، ثم من قرأ ﴿ قتل ﴾ فمعنى الآية إن كثيراً من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعده ما وهنوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوّهم ونصرة دينهم وكان ينبغي أن يكون لكم فيهم أسوة حسنة.

فيكون المقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنيباء لتقتدي هذه الأمم بهم.

ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوّهم قروح فما وهنوا.

فعلى هذا يكون الغرض من الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي  في القتال.

وربما تؤيد هذه القراءة بما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال، ويحتمل أن تنزل القراءة الأولى على هذه الرواية أيضاً بأن يقال: المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير، فما ضعف الباقون وما استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدّوهم.

ثم إنه  مدح هؤلاء الربيين بصفات وذلك قوله ﴿ فما وهنوا ﴾ إلخ ولا بد من تغايرها فقيل ﴿ فما وهنوا ﴾ عند قتل النبي ﴿ وما ضعفوا ﴾ عن الجهاد بعده ﴿ وما استكانوا ﴾ للعدو أي لم يخضعوا له، وفيه تعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عن الإرجاف بقتل رسول الله  ، وبضعفهم عند ذلك عن جهاد الكفار / واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان.

وقيل: الوهن استيلاء الخوف عليهم، والضعف ضعف الإيمان واختلاج الشبهات في صدورهم، والاستكانة الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم.

وقيل: الوهن ضعف يلحق القلب، والضعف مطلقاً اختلال القوة الجسمية، والاستكانة إظهار ذلك العجز والضعف.

واستكان قيل"افتعل" من السكون كأنه سكن لصاحبه ليفعل به ما يريد.

وعلى هذا فالمد شاذ كقولهم "هو منه بمنتزاح" أي ببعد يراد بمنتزح.

والأصح أنه استفعل من "كان" والمد قياسي كأن صاحبه تغير من كون إلى كون أي من حال إلى حال.

﴿ والله يحب الصابرين ﴾ بأن يريد إكرامهم والحكم بالثواب والجنة لهم.

ثم أخبر أنهم كانا مستعينين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع وطلب الإمداد والنصر من الله، والغرض أن تقتدي هذه الأمة بهم.

فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه وعدده وعُدَدِه ذل، ومن اعتصم بالله والتجأ إليه فاز بالظفر.

وفي إضافتهم الذنوب والإسراف إلى أنفسهم وهم ربانيون هضم للنفس واستصغار لها.قال المحققون: إنما قدموا الاستغفار لعلمهم بأنه  ضمن نصر المؤمنين، فإذا لم يحصل النصرة وظهرت أمارات واستيلاء الأعداء دل ذلك على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فيلزم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة أقرب إلى الاستجابة.

إنهم عمموا الذنوب أوَّلاً الصغائر والكبائر بقولهم: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ ثم خصصوا الذنوب الكبائر بقولهم ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه.

والمراد بتثبيت الأقدام وإزالة الخوف عن قلوبهم وإماطة الخواطر الفاسدة عن صدورهم.

والمراد بالنصر الأمور الزائدة على القوة والعدة والشدة كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وكإحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم كهبوب ريح تثير الغبار في وجوههم، وإجراء سيل في مواضع وقوفهم.

وفي الآية تأديب وإراشاد من الله  في كيفية الطلب عند النوائب جهاداً كان أو غيره ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر وانشراح الصدر ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ وهو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وذلك غير حاصل في الحال.

والمراد أنه حكم لهم بحصولها في الآخرة، وحكم الله بالحصول كنفس الحصول.

أو المراد أنه سيؤتيهم مثل أتى أمر الله أي سيأتي، قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون الآية مختصة بالشهداء وأنهم في الجنة عند ربهم كما ماتوا أحياء، وثواب الآخرة كله حسن، فما ظنك بحسن ثوابها؟

وإنما لم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلتها وامتزاجها بالمضار وكدر صفوها بالانقطاع والزوال.

قال القفال: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله: ﴿ وقولوا للناس / حسناً  ﴾ والغرض منه المبالغة كما يقال: فلان جود وعدل إذا كان غاية في الجود ونهاية في العدل.

وههنا نكتة وهي أنه أدخل "من" التبعيضية في الآية المتقدمة في قوله: ﴿ نؤته منها ﴾ في الموضعين، ولم يذكر في هذه الآية.

لأن أولئك اشتغلوا بالثواب عن العبودية فلم ينالوا إلا البعض، بخلاف هؤلاء فإنهم لم يذكروا أنفسهم إلا بالعيب والقصور ولم يسألوا ربهم إلا ما يوجب إعلاء كلمته، فلا جرم فازوا بالكل.

وفيه تنبيه على أن من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله.

ثم قال ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.

وههنا سر وهو أنه  وفقهم للطاعة ثم أثابهم عليها ثم مدحهم على ذلك فسماهم محسنين، ليعلم العبد أن الكل بعنايته وفضله.

﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ عن السدي: المراد بالذين كفروا هو أبو سفيان وأصحابه فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم.

والمعنى إن تستكينوا لهم وتستأمنوهم.

وعن علي  : هم المنافقون عبد الله بن أبيّ وأشياعه قالوا للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.

وعن الحسن: هم اليهود والنصارى يستغوونهم ويوقعون لهم الشبهة في الدين ولا سيما عند هذه الواقعة كانوا يقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوم له ويوم عليه.

والأقرب أنه عام في جميع الكفار فإن خصوص السبب لا ينافي إرادة العموم، فعلى المؤمنين أن لا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم وعلى مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم وهو المراد بقوله: ﴿ يردوكم على أعقابكم ﴾ أي إلى الكفر بعد الإيمان ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الدنيا باستبدال ذلة الكفر بعزة الإسلام والانقياد للأعداء الذي هو اشق الأشياء لدى العقلاء، وفي الآخر بالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد.

﴿ بل الله مولاكم ﴾ ناصركم وهو إضراب عما كانوا بصدده من طاعة الكفار.

والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا خطأ وجهالة لأنهم عاجزون مثلكم متحيرون، وبغير إذن الله لا ينفعون ولا يضرون.

﴿ وهو خير الناصرين ﴾ لو فرض أن لأحد سواه قدرة على النصر لأنه خبير بمواقع الحاجات، قدير على إنجاز الطلبات، ينصر في الدنيا والآخرة بلا شائبة علة من العلات، ونصرة غيره لو فرض فإنه مخصوص بالدنيا وببعض الأمور وفي بعض الأوقات ولغرض من الأغراض الفاسدات، كيف ولا ناصر بالحقيقة سواه.

التأويل: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق / الشريعة وقانون الطريقة لتتحلى الأرواح بأنوار الحقيقة ﴿ ولقد كنتم ﴾ يا أرباب الصدق وأصحاب الطلب ﴿ تمنون ﴾ موت النفوس عن صفاتها تزكية لها ﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ بالمجاهدات والرياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد الأصغر ظاهراً وفي الجهاد الأكبر باطناً ﴿ فقد ﴾ رأيتم هذه الأسباب التي كنتم تمنونها عياناً ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ لا تفدون أرواحكم و لاتجاهدون حق الجهاد في الله بأرواحكم وأشباحكم ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ فيه أن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند إعدام المقلد من الوالدين أو الاستاذ، وكذا عند موت المقلد فيعجز عند سؤال الملكين في قولهما له من ربك؟

فيقول: هاه لا أدري.

فيقولون: ما تقول في هذا الرجل؟

فيقول: هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس.

فيقولان له: لا دريت ولا تليت.

﴿ وسيجزي الله ﴾ بالإيمان الحقيقي ﴿ الشاكرين ﴾ الذين شكروا نعمة الإيمان التقليدي بأداء حقوقه وهو الائتمان بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية وتتخلص عنها بطبعها إلا بتوفيق الله وجذبه وإشراق نوره كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس.

ثم أثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وهذه رتبة الخواص أي من عمل شوقاً إلى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم، فثوابه نقد في الدنيا لأنه حاضر لا غيبه له وهو معنى قولهم "الصوفي ابن الوقت" وفيه أنشد: خليلي هل أبصرتما أو سمعتما *** بأكرم من مولى تمشى إلى عبد أتى زائراً من غير وعد وقال لي *** أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد.

ومن عمل شوقاً إلى الجنة فنظره على النعمة فثوابه في الآخرة ﴿ وسجيزي الشاكرين ﴾ أي كلا الفريقين على قدر شكرهما ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ أعدى العدو الذي بين جنبيه و ﴿ معه ربيون ﴾ متخلقون بأخلاق الرب ﴿ فما وهنوا لما أصابهم ﴾ من تعب المجاهدات ﴿ وما ضعفوا ﴾ في طلب الحق ﴿ وما استكانوا ﴾ باحتمال الذلة والالتفات إلى غير الله.

﴿ إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة وصفاتها ﴿ يردّوكم ﴾ إلى أسفل سافلين بشريتكم وبهيمتكم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ ﴾ : يحتمل الطاعة لهم: طاعة الدين، أي: يطيعونهم في كفرهم.

ويحتمل: الطاعة لهم في ترك الجهاد مع عدوهم؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً ﴾ الآية [آل عمران: 156] الآية، وقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا، أي: يردوكم على دينكم الأول، وهو على التمثيل والكناية، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ : أي: أولى بكم، أو ناصركم، أو حافظكم، أو وليكم.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ ﴾ : أي: خير من ينصر من نصره؛ فلا يغلب، كقوله: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ ﴾ الآية: هذه بشارة من الله - عز وجل - لرسوله صلى اله عليه وسلم بالنصر له؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وكذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ" ، وكان ما ذكر؛ لأن رسول الله  كان يأتيهم بعد ذلك ويقصدهم، لا أنهم أتوه، وكانوا قبل ذلك يأتون رسول الله  ويقصدونه.

[وقوله:] ﴿ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ : أي: بالشرك ما قذف في قلوبهم من الرعب، من غير أن كان لهم بما أشركوا حجة أو كتاب أو برهان أو عذر؛ قال ابن عباس -  -: "السلطان في القرآن حجة".

وقوله: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ ﴾ : أي: مقامهم في النار.

﴿ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : أي: النار بئس مقام الظالمين: وقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ .

أي: أنجز الله وعده؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وقد فعل.

﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ : قال أهل التفسير: إذ تضلونهم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ : هو على التقديم والتأخير: "حتى إذا تنازعتم [و] فشلتم"؛ إذ التنازع هو سبب الفشل [والجبن]؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ  ﴾ .

[وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ .

قيل: في القصّة: إن نفراً من رماة أمرهم رسول الله  أن يكونوا في مكان، وألا يدعو موقفهم، فتركوه ووقعوا في غنائمه؛ فعوقبوا على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ ،] يحتمل: ما أراكم ما تحبون من الهزيمة والغنيمة.

ويحتمل: ما أراكم من النصر لكم على عدوكم، وإنجاز الوعد لكم.

وقوله: - عز وجل - ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ : روي عن عبد الله بن مسعود -  - أنه قال: "ما كنا نعرف [أن] أحداً من أصحاب رسول الله  يريد الدنيا، حتى نزل قوله: ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ .

روي عن ابن عباس -  - في قوله -  -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ ، يعني: هُزِمَ المسلمون، يقول: صرفوا عن المشركين منهزمين، بعد إذ كانوا هزموهم، لكن لما عصوا وتركوا المركز صرفهم الله عن عدوه: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ .

أي: ذلك الصرف كان لكم من الله ابتلاء ومحنة.

وقيل: كان ذلك العصيان - الذي منكم كان - من الله ابتلاء؛ ليعلم من قد علم أنه يعصي عاصياً، والله أعلم.

ودلّ قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ - وإن كان الانصراف فعلهم - أن الله لفعلهم - على ما عليه فعلهم - خالقٌ، وأن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ إذ ذلك الشيء إذا كان انصرافاً عن العدو معصيّة، وقد تبرأ الله -  - عن أن تضاف إليه المعاصي، وقد أضاف انصرافهم إلى فعله وهو الصرف - ثبت أنه غير فعلهم، والله أعلم.

﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ ؛ حيث لم يستأصلكم بالقتل.

ويحتمل: ﴿ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ ؛ حيث قبل رجوعكم وتوبتكم عن العصيان.

وهذه الآية قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ - ترد على المعتزلة؛ [وكذلك] قوله -  -: ﴿ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ  ﴾ [إلى آخر] الآية؛ لأنهم يقولون: هم الذين صرفوا أنفسهم لا الله، وهم الذين كتبوا عليهم القتل لا الله، وهم الذين يداولون لا الله، وقد أضاف - عز وجل - ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لا يضيف إليه إلا عن فعل وصنع له فيه؛ ولأنهم يقولون: لا يفعل إلا الأصلح لهم في الدين، فأيّ صلاح كان لهم في صرفه إياهم عن عدوهم؟!

وأيّ صلاح لهم فيما كتب عليهم القتل؟!

فدل أن الله قد يفعل بعباده ما ليس ذلك بأصلح لهم في الدّين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : بالعفو عنهم، وقبول التوبة؛ حيث عصوا رسول الله  وتركوا أمره، وعلى قول المعتزلة عليه أن يفعل ذلك؛ فعلى قولهم ليس هو بذي فضل على أحد، نعوذ بالله من السرف في القول.

قال الشيخ - رحمه الله -: الفائدة في تخصيص المؤمنين بالامتنان عليهم دون جملة من بعث النبي  فيهم ومنهم، مع ما ذكر منته بالبعث من أنفسهم، وقد بيّنا وجه المنة في البعث من جوهر البشر - وجهان: أحدهما: أن من لم يؤمن به لم يكن عرف نعمة من الله -  - وإن كان - في الحقيقة - نعمة منه لهم، ورحمة لهم وللعالمين، فخص من عرفة ليشكروا بما ذكرهم؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ ، أي: هم يقبلون ويعرفون حق الإنذار.

والثاني: أنه صار لهم حجة على جميع الأعداء: أنهم لا يطيعون لمعنى كان منهم، إلاّ وللمؤمنين عليهم وجه دفع ذلك بما كان عليه ما عرفوه به قبل الرسالة؛ لما فيه لزوم القول بصدقة؛ فيكون ذلك منة لهم وسروراً ونعمة عظيمة؛ فأستأداهم الله لشكرها، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هؤلاء الكافرون لن ينصروكم إذا أطعتموهم، بل الله هو ناصركم على أعدائكم، فأطيعوه، وهو سبحانه خير الناصرين، فلا تحتاجون لأحد بعده.

<div class="verse-tafsir" id="91.J3BR6"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قال بعض المفسرين إن هذه الآيات التفات عن خطاب المنافقين الذين وبخهم في الآيات السابقة أن انهزموا وقالوا ما قالوا، إلى خطاب المؤمنين الصادقين.

وعندي أن الخطاب لمن سمع قول أولئك القائلين من المنافقين: ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم.

وهو أخص مما قبله.

قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ معناه إن تطيعوا الذين جحدوا نبوة محمد، ولم يقبلوا دعوته إلى التوحيد والخير كأبي سفيان ومن معه من مشركي مكة الذين دعاكم مرضى القلوب إلى الرجوع إليهم، وتوسيط رئيس المنافقين عبدالله بن أُبي بينكم وبين رئيسهم (أبي سفيان) ليطلب لكم منه الأمان أو الذين كفروا بقلوبهم وآمنوا بأفواههم كعبدالله بن أُبي وأصحابه الذين خذلوكم قبل الشروع في الحرب ثم دعوكم بعدها إلى الرجوع عن دينكم وقالوا لو كان محمد نبيًا لما أصابه ما أصابه ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ إلى ما كنتم عليه من الكفر ابتداء أو استدراجًا.

أي إن طلبتم الأمان منهم وكانت حالكم معهم حال المغلوب مع الغالب يتولوا عليكم، وتكونوا معهم أذلاء مقهورين حتى يردوكم عن دينكم ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ  ﴾ للدنيا والآخرة، أما الأول فبخضوعكم لسلطانهم، وامتهانكم بينهم، وحرمانكم مما وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات من استخلافهم في الأرض بالسيادة والملك، ومن تمكين دينهم وتبديلهم من بعد خوفهم أمنًا، وأما الآخر فبما يمسكهم في الآخرة من عذاب المرتدين مع الحرمان مما وعد الله المتقين.

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ  ﴾ لا وجه للاعتراض بأن الكافرين لا خير فيهم، فإن التفضيل إنما هو بالنسبة إلى النصر يعني أن نصر الله لعباده المؤمنين خير من نصر الكافرين لمن ينصرونه من أوليائهم ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا  ﴾ .

وفي الآية وجهان: أحدهما: أن إلقاء الرعب خاص بتلك الواقعة ولو كان عامًا لشمل غزوة حنين ولم يكن الكفار فيها مرعوبين بل كانوا مستميتين، وكذلك نرى أن كثيرًا من الكافرين قد حاربوا ولم يصبهم الرعب وهذا الوجه هو الذي عليه مفسرنا (الجلال) وكثير من المفسرين.

والوجه الثاني: أن الآية بيان لسنة إلهية عامة، وهو الحق، وبيانه يتوقف على فهم المعنى المراد من لفظ المؤمنين ولفظ الكافرين وهو ما كان عليه المؤمنون والكافرون في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات، فأما أولئك المؤمنون فهم الذين كانوا في مرتبة من اليقين والاذعان، قد صدقها العمل الذي كان منه بذل الأنفس والأموال في سبيل الإيمان، الذين عاتبهم الله ووبخهم على تلك الهفوة التي وقعت من بعضهم بما تقدم وما يأتي في هذا السياق من الآيات، وأما أولئك الكافرون فهم الذين دُعوا إلى الإيمان وأقيم لهم على الدعوة الدليل والبرهان، فجاحدوا وعاندوا وكابروا الحق، وآثروا مقارعة الداعي ومن استجاب له بالسيف، وقعدوا له ولهم كل مرصد، فإذا نظرنا في شرك هؤلاء الكافرين، وفي حالهم مع أولئك المؤمنين، نجد أن شأنهم معهم كشأن من يرى نور الحق مع خصمه فيحمله البغي والعدوان على مجاحدته من غير حجة ولا دليل، يرتاب فيما هو فيه ويتزلزل، فإذا شاهد الذين دعوه ثابتين مطمئنين يعظم ارتيابه ويهاب خصمه حتى يمتلئ قلبه رعبًا منه.

هذا هو شأن الكافرين المعاندين مع المؤمنين الصادقين، كأنه تعالى يقول هذه هي الطبيعة في المشركين إذا قاوموا المؤمنين، فلا تخافوهم ولا تبالوا بقول من يدعوكم إلى موالاتهم والالتجاء إليهم.

وبهذا يندفع قول من يقول: ما بالنا نجد الرعب كثيرًا ما يقع في قلوب المسلمين، ولا يقع في قلوب الكافرين؟

فإن الذين يسمون أنفسهم مسلمين قد يكونون على غير ما كان عليه أولئك الذين خوطبوا بهذا الوعد من قوة اليقين والإذعان والثبات والصبر وبذل النفس والمال في سبيل الله وتمني الموت في الدفاع عن الحق، فمعنى المؤمنين غير متحقق فيهم، وإنما رعب المشركين مرتبط بإيمان المؤمنين وما يكون له من الآثار، فحال المسلمين اليوم لا يقوم حجة على القرآن لأن أكثرهم قد انصرفوا عن الاجتماع على ما جاء به الإسلام من الحق وما كان عليه سلفهم من الإيمان والصفات والأعمال، فالقرآن باق على وعده، ولكن هات لنا المؤمنين الذين ينطبق إيمانهم على آياته ولك من إنجاز وعده في هذه الآية وغيرها ما تشاء.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ  ﴾ الآية.

وعلى هذا يكون الإشراك سببًا للرعب كسائر الأسباب العادية التي ربط الله بها المسببات كالشرب للري، والأكل للشبع فمن وصل إليه الحق تزلزل الباطل في نفسه لا محالة.

﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ  ﴾ أي هي مكانهم الذي يأوون إليه في الآخرة بعد ما يصيبهم من الخذلان في الدنيا ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ  ﴾ أي والنار التي يأوون إليها بئس المثوى والمقام لهم؛ بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والجحود، ومعاندة الحق، ومقاومة أهله، وظلم الناس بسوء المعاملة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده