الآية ١٥٣ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٥٣ من سورة آل عمران

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَـٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٥٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 209 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٣ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ) أي : صرفكم عنهم ( إذ تصعدون ) أي : في الجبل هاربين من أعدائكم .

وقرأ الحسن وقتادة : ( إذ تصعدون ) أي : في الجبل ( ولا تلوون على أحد ) أي : وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب ( والرسول يدعوكم في أخراكم ) أي : وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء ، وإلى الرجعة والعودة والكرة .

قال السدي : لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم ، دخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها ، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس : " إلي عباد الله ، إلي عباد الله " .

فذكر الله صعودهم على الجبل ، ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال : ( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ) .

وكذا قال ابن عباس ، وقتادة والربيع ، وابن زيد .

وقد قال عبد الله بن الزبعرى يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته - وهو مشرك بعد لم يسلم - التي يقول في أولها : يا غراب البين أسمعت فقل إنما تنطق شيئا قد فعل إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل إلى أن قال : ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل حين حكت بقباء بركها واستحر القتل في عبد الأشل ثم خفوا عند ذاكم رقصا رقص الحفان يعلو في الجبل فقتلنا الضعف من أشرافهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل الحفان : صغار النعم .

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أفرد في اثني عشر رجلا من أصحابه ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا زهير ، حدثنا أبو إسحاق أن البراء بن عازب قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير قال : ووضعهم موضعا وقال : " إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم قال : فهزموهم .

قال : فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل ، وقد بدت أسؤقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن ، فقال أصحاب عبد الله : الغنيمة ، أي قوم ، الغنيمة ، ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟

قال عبد الله بن جبير : أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فقالوا : إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة .

فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين ، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم ، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة : سبعين أسيرا وسبعين قتيلا .

قال أبو سفيان : أفي القوم محمد ؟

أفي القوم محمد ؟

أفي القوم محمد ؟

- ثلاثا - قال : فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ، ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟

أفي القوم ابن أبي قحافة ؟

أفي القوم ابن الخطاب ؟

أفي القوم ابن الخطاب ؟

ثم أقبل على أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا ، قد كفيتموه .

فما ملك عمر نفسه أن قال : كذبت والله يا عدو الله ، إن الذين عددت لأحياء كلهم ، وقد بقي لك ما يسوءك .

فقال يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز ، يقول : اعل هبل .

اعل هبل .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تجيبوه ؟

" قالوا : يا رسول الله ، ما نقول ؟

قال : " قولوا : الله أعلى وأجل " .

قال : لنا العزى ولا عزى لكم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تجيبوه ؟

" .

قالوا : يا رسول الله ، وما نقول ؟

قال : " قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم " .

وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرا ، ورواه من حديث إسرائيل ، عن أبي إسحاق بأبسط من هذا ، كما تقدم .

والله أعلم .

وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غزية ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار ، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد الجبل ، فلقيهم المشركون ، فقال : " ألا أحد لهؤلاء ؟

" فقال طلحة : أنا يا رسول الله ، فقال : " كما أنت يا طلحة " .

فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله ، فقاتل عنه ، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه ، ثم قتل الأنصاري فلحقوه فقال : " ألا رجل لهؤلاء ؟

" فقال طلحة مثل قوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله ، فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله ، فقاتل عنه وأصحابه يصعدن ، ثم قتل فلحقوه ، فلم يزل يقول مثل قوله الأول ، فيقول طلحة : فأنا يا رسول الله ، فيحبسه ، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له ، فيقاتل مثل من كان قبله ، حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لهؤلاء ؟

" فقال طلحة : أنا .

فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله ، فقال : حس ، فقال رسول الله : " لو قلت : باسم الله ، وذكرت اسم الله ، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك ، حتى تلج بك في جو السماء " ، ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون .

وقد روى البخاري ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن إسماعيل ، عن قيس بن أبي حازم قال : رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم - يعني يوم أحد .

وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان النهدي قال : لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام ، التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير طلحة بن عبيد الله وسعد ، عن حديثهما وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش ، فلما رهقوه قال : " من يردهم عنا وله الجنة - أو : وهو رفيقي في الجنة ؟

" فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، ثم رهقوه أيضا ، فقال : " من يردهم عنا وله الجنة ؟

" فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل .

فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه : ما أنصفنا أصحابنا " .

رواه مسلم عن هدبة بن خالد ، عن حماد بن سلمة به نحوه .

وقال الحسن بن عرفة : حدثنا ابن مروان بن معاوية ، عن هاشم بن هاشم الزهري ، قال سمعت سعيد بن المسيب يقول : سمعت سعد بن أبي وقاص [ رضي الله عنه ] يقول : نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد قال : " ارم فداك أبي وأمي " .

وأخرجه البخاري ، عن عبد الله بن محمد ، عن مروان بن معاوية .

وقال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان ، عن بعض آل سعد ، عن سعد بن أبي وقاص ، أنه رمى يوم أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال سعد : فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني النبل ويقول : " ارم فداك أبي وأمي " حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل ، فأرمي به .

وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه ، عن جده ، عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين ، عليهما ثياب بيض ، يقاتلان عنه أشد القتال ، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده ، يعني : جبريل وميكائيل عليهما السلام .

وقال أبو الأسود ، عن عروة بن الزبير قال : كان أبي بن خلف ، أخو بني جمح ، قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال : " بل أنا أقتله ، إن شاء الله " .

فلما كان يوم أحد أقبل أبي في الحديد مقنعا ، وهو يقول : لا نجوت إن نجا محمد .

فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله ، فاستقبله مصعب بن عمير ، أخو بني عبد الدار ، يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، فقتل مصعب بن عمير ، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة ، وطعنه فيها بحربته ، فوقع إلى الأرض عن فرسه ، لم يخرج من طعنته دم ، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور ، فقالوا له : ما أجزعك إنما هو خدش ؟

فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أقتل أبيا " .

ثم قال : والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون .

فمات إلى النار ، فسحقا لأصحاب السعير .

وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب بنحوه .

وذكر محمد بن إسحاق قال : لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ، أدركه أبي بن خلف وهو يقول : لا نجوت إن نجوت ، فقال القوم : يا رسول الله ، يعطف عليه رجل منا ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوه " فلما دنا تناول رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] الحربة من الحارث بن الصمة ، فقال بعض القوم ما ذكر لي : فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة ، تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض ، ثم استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا .

وذكر الواقدي ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمرو بن قتادة ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن أبيه نحو ذلك .

قال الواقدي : كان ابن عمر يقول : مات أبي بن خلف ببطن رابغ ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل إذا أنا بنار تأجح فهبتها ، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش ، وإذا رجل يقول : لا تسقه ، فإن هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا أبي بن خلف .

وثبت في الصحيحين ، من رواية عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله - وهو حينئذ يشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله " .

ورواه البخاري أيضا من حديث ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : اشتد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في سبيل الله ، اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال محمد بن إسحاق بن يسار ، رحمه الله : أصيبت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشج في وجنته ، وكلمت شفته وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص .

فحدثني صالح بن كيسان ، عمن حدثه ، عن سعد بن أبي وقاص قال : ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص وإن كان ما علمته لسيئ الخلق ، مبغضا في قومه ، ولقد كفاني فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عثمان الجزري ، عن مقسم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمى وجهه فقال : " اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا " .

فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار .

ذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن أبي الحويرث ، عن نافع بن جبير قال : سمعت رجلا من المهاجرين يقول : شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها ، كل ذلك يصرف عنه ، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ : دلوني على محمد ، لا نجوت إن نجا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ليس معه أحد ، ثم جاوره فعاتبه في ذلك صفوان ، فقال : والله ما رأيته ، أحلف بالله إنه منا ممنوع .

خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله ، فلم نخلص إلى ذلك .

قال الواقدي : الثبت عندنا أن الذي رمى في وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن قميئة والذي دمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا ابن المبارك ، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله ، أخبرني عيسى بن طلحة ، عن أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان أبو بكر ، رضي الله عنه ، إذا ذكر يوم أحد قال ذاك يوم كله لطلحة ، ثم أنشأ يحدث قال : كنت أول من فاء يوم أحد ، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دونه - وأراه قال : حمية فقال فقلت : كن طلحة ، حيث فاتني ما فاتني ، فقلت : يكون رجلا من قومي أحب إلي ، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه ، وأنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، وهو يخطف المشي خطفا لا أحفظه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح ، فانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه ، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عليكما صاحبكما " .

يريد طلحة ، وقد نزف ، فلم نلتفت إلى قوله ، قال : وذهبت لأن أنزع ذلك من وجهه ، فقال أبو عبيدة : أقسمت عليك بحقي لما تركتني .

فتركته ، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأزم عليها بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين ، ووقعت ثنيته مع الحلقة ، ذهبت لأصنع ما صنع ، فقال : أقسمت عليك بحقي لما تركتني ، قال : ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى ، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة ، فكان أبو عبيدة ، رضي الله عنه ، أحسن الناس هتما ، فأصلحنا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار ، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة ، وإذا قد قطعت إصبعه ، فأصلحنا من شأنه .

ورواه الهيثم بن كليب ، والطبراني ، من حديث إسحاق بن يحيى به .

وعند الهيثم : فقال أبو عبيدة : أنشدك يا أبا بكر إلا تركتني ؟

فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه ، فجعل ينضنضه كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استل السهم بفيه فبدرت ثنية أبي عبيدة .

وذكر تمامه ، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه ، وقد ضعف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا ، فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان ، وأحمد ، ويحيى بن معين ، والبخاري ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، ومحمد بن سعد ، والنسائي وغيرهم .

وقال ابن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث : أن عمر بن السائب حدثه : أنه بلغه أن مالكا أبا [ أبي ] سعيد الخدري لما جرح النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد مص الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض ، فقيل له : مجه .

فقال : لا والله لا أمجه أبدا .

ثم أدبر يقاتل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة ، فلينظر إلى هذا " فاستشهد .

وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه ، عن سهل بن سعد أنه سئل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم ، وكان علي يسكب عليها بالمجن فلما رأت فاطمة [ رضي الله عنها ] أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة ، أخذت قطعة حصير فأحرقته ، حتى إذا صار رمادا ألصقته بالجرح ، فاستمسك الدم .

وقوله : ( فأثابكم غما بغم ) أي : فجازاكم غما على غم كما تقول العرب : نزلت ببني فلان ، ونزلت على بني فلان .

قال ابن جرير : وكذا قوله : ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) [ طه : 71 ] [ أي : على جذوع النخل ] .

قال ابن عباس : الغم الأول : بسبب الهزيمة ، وحين قيل : قتل محمد صلى الله عليه وسلم ، والثاني : حين علاهم المشركون فوق الجبل ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم ليس لهم أن يعلونا " .

وعن عبد الرحمن بن عوف : الغم الأول : بسبب الهزيمة ، والثاني : حين قيل : قتل محمد صلى الله عليه وسلم ، كان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة .

رواهما ابن مردويه ، وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك .

وذكر ابن أبي حاتم عن قتادة نحو ذلك أيضا .

وقال السدي : الغم الأول : بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح ، والثاني : بإشراف العدو عليهم .

وقال محمد بن إسحاق ( فأثابكم غما بغم ) أي : كربا بعد كرب ، قتل من قتل من إخوانكم ، وعلو عدوكم عليكم ، وما وقع في أنفسكم من قول من قال : " قتل نبيكم " فكان ذلك متتابعا عليكم غما بغم .

وقال مجاهد وقتادة : الغم الأول : سماعهم قتل محمد ، والثاني : ما أصابهم من القتل والجراح .

وعن قتادة والربيع بن أنس عكسه .

وعن السدي : الأول : ما فاتهم من الظفر والغنيمة ، والثاني : إشراف العدو عليهم ، وقد تقدم هذا عن السدي .

قال ابن جرير : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : ( فأثابكم غما بغم ) فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم والنصر عليهم ، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ - بعد الذي أراكم في كل ذلك ما تحبون - بمعصيتكم ربكم ، وخلافكم أمر النبي صلى الله عليه وسلم - غم ظنكم أن نبيكم قد قتل ، وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم .

وقوله : ( لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ) أي : على ما فاتكم من الغنيمة بعدوكم ( ولا ما أصابكم ) من القتل والجراح ، قاله ابن عباس ، وعبد الرحمن بن عوف ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ( والله خبير بما تعملون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولقد عفا عنكم، أيها المؤمنون، إذ لم يستأصلكم، إهلاكًا منه جمعكم بذنوبكم وهربكم =" إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ".

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه عامة قرأة الحجاز والعراق والشام سوى الحسن البصري: ( إِذْ تُصْعِدُونَ ) بضم " التاء " وكسر " العين ".

وبه القراءة عندنا، لإجماع الحجة من القرأة على القراءة به، واستنكارهم ما خالفه.

* * * وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرأه: ( إِذْ تَصْعَدُونَ )، بفتح " التاء " و " العين ".

8047- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هرون، عن يونس بن عبيد، عن الحسن.

* * * فأما الذين قرأوا: (تُصْعِدُون) بضم " التاء " وكسر " العين "، فإنهم وجهوا معنى ذلك إلى أنّ القوم حين انهزموا عن عدوِّهم، أخذوا في الوادي هاربين.

وذكروا أنّ ذلك في قراءة أبي: ( " إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الْوَادِي " ).

8048- حدثنا [بذلك] أحمد بن يوسف قال، حدثنا أبو عبيد قال، حدثنا حجاج، عن هرون.

* * * =قالوا: فالهرب في مستوى الأرض وبطون الأودية و الشعاب: " إصعاد "، لا صعود.

(68) قالوا وإنما يكون " الصعود " على الجبال والسلاليم والدَّرج، لأن معنى " الصعود "، الارتقاء والارتفاع على الشيء عُلوًا.

(69) قالوا: فأما الأخذ في مستوى الأرض والهبوط، فإنما هو " إصعاد "، كما يقال: " أصعَدْنا من مكة "، إذا بتدأت في السفر منها والخروج =" وأصعدنا &; 7-301 &; من الكوفة إلى خراسان "، بمعنى: خرجنا منها سفرًا إليها، وابتدأنا منها الخروج إليها.

قالوا: وإنما جاء تأويل أكثر أهل التأويل، بأن القوم أخذوا عند انهزامهم عن عدوهم في بطن الوادي.

*ذكر من قال ذلك: 8049- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولا تلوون على أحد "، ذاكم يوم أحد، أصعدوا في الوادي فرارًا، (70) ونبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم: " إلىَّ عباد الله، إلى عباد الله "!.

(71) * * * قال أبو جعفر: وأما الحسن، فإني أراه ذهب في قراءته: " إذ تَصْعَدون " بفتح " التاء " و " العين "، إلى أن القوم حين انهزموا عن المشركين صعدوا الجبل.

وقد قال ذلك عددٌ من أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 8050- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما شدَّ المشركون على المسلمين بأحُد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: " إليّ عباد الله، إليّ عباد الله "!

فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إياهم، فقال: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ".

(72) 8051- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: انحازوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يصعدون في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم.

8052- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

8053- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس، قوله: " إذ تصعدون ولا تلووْن على أحد "، قال صعدوا في أحُدٍ فرارًا.

* * * قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أن أولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ: " إذ تُصعِدون "، بضم " التاء " وكسر " العين "، بمعنى: السبق والهرب في مستوى الأرض، أو في المهابط، لإجماع الحجة على أن ذلك هو القراءة الصحيحة.

ففي إجماعها على ذلك، الدليلُ الواضح على أنّ أولى التأويلين بالآية، تأويل من قال: " اصْعدوا في الوادي ومضوْا فيه "، دون قول من قال: " صعدوا على الجبل ".

* * * قال أبو جعفر: وأما قوله: " ولا تلوون على أحد "، فإنه يعني: ولا تعطفون على أحد منكم، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض، هربًا من عدوّكم مُصْعدين في الوادي.

(73) * * * ويعني بقوله: " والرسول يدعوكم في أخراكم "، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوكم أيها المؤمنون به من أصحابه =" في أخراكم "، يعني: أنه يناديكم من خلفكم: " إليّ عباد الله، إليّ عباد الله " !.

(74) كما:- 8054- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " والرسول يدعوكم في أخراكم "، إليّ عباد الله ارجعوا، إليّ عباد الله ارجعوا!.

8055- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " والرسول يدعوكم في أخراكم "، رأوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم: " إليّ عباد الله "!

8056- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي مثله.

8057- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، أنَّبهم الله بالفرار عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهو يدعوهم، لا يعطفون عليه لدعائه إياهم، فقال: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ".

(75) 8058- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " والرسول يدعوكم في أخراكم "، هذا يوم أحد حين انكشف الناسُ عنه.

* * * القول في تأويل قوله : فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فأثابكم غمًّا بغم "، يعني: فجازاكم بفراركم عن نبيكم، وفشلكم عن عدوكم، ومعصيتكم ربكم =" غمًّا بغم "، يقول: غما على غم.

* * * وسمى العقوبة التي عاقبهم بها = من تسليط عدوهم عليهم حتى نال منهم ما نال " ثوابًا "، إذ كان عوضًا من عملهم الذي سخطه ولم يرضه منهم، (76) فدلّ بذلك جل ثناؤه أنّ كل عوض كان لمعوَّض من شيء من العمل، خيرًا كان أو شرًّا = أو العوض الذي بذله رجل لرجل، أو يد سلفت له إليه، فإنه مستحق اسم " ثواب "، كان ذلك العوض تكرمةً أو عقوبة، ونظير ذلك قول الشاعر: (77) أخَــافُ زِيَـادًا أَنْ يَكُـونَ عَطَـاؤُه أدَاهِــمَ سُـودًا أوْ مُحَدْرَجَـةً سُـمْرَا (78) فجعل " العطاء " القيود.

(79) وذلك كقول القائل لآخر سلف إليه منه مكروه: " لأجازينَّك على فعلك، ولأثيبنك ثوابك ".

(80) * * * وأما قوله: " غمًّا بغم "، فإنه قيل: " غمًّا بغم "، معناه: غمًّا على غم، كما قيل: وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [سورة طه: 71]، بمعنى: ولأصلبنكم على جذوع النخل.

وإنما جاز ذلك، لأن معنى قول القائل: " أثابك الله غمًّا على غم "، جزاك الله &; 7-305 &; غمًّا بعد غم تقدَّمه، (81) فكان كذلك معنى: " فأثابكم غمًّا بغم "، لأن معناه: فجزاكم الله غمًّا بعقب غمّ تقدمه، (82) وهو نظير قول القائل: " نـزلت ببني فلان، ونـزلت على بني فلان "،" وضربته بالسيف وعلى السيف ".

(83) * * * واختلف أهل التأويل في الغم الذي أثيب القوم على الغم، وما كان غمُّهم الأول والثاني؟

فقال بعضهم: " أما الغم الأول، فكان ما تحدَّث به القوم أنّ نبيهم صلى الله عليه وسلم قد قتل.

وأما الغمّ الآخر، فإنه كان ما نالهم من القتل والجراح ".

*ذكر من قال ذلك: 8059- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فأثابكم غمًّا بغم "، كانوا تحدَّثوا يومئذ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أصيب، وكان الغم الآخر قَتل أصحابهم والجراحات التي أصابتهم.

قال: وذكر لنا أنه قتل يومئذ سبعون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ستة وستون رجلا من الأنصار، وأربعة من المهاجرين = وقوله: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "، يقول: ما فاتكم من غنيمة القوم =" ولا ما أصابكم "، في أنفسكم من القتل والجراحات.

8060- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فأثابكم غمًّا بغم "، قال: فرّة بعد فرّة: الأولى حين سمعوا الصوت أن محمدًا قد قتل، والثانية حين رجع الكفار، فضربوهم مدبرين، حتى قتلوا منهم سبعين رجلا ثم انحازوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فجعلوا يصعدون في الجبل والرسول يدعوهم في أخراهم.

8061- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

* * * وقال آخرون: " بل غمهم الأول كان قتْل من قتل منهم وجرح من جرح منهم ".

والغم الثاني كان من سماعهم صوت القائل: " قُتل محمد "، صلى الله عليه وسلم .

*ذكر من قال ذلك: 8062- حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " غمًّا بغم "، قال: الغم الأول: الجراحُ والقتل، والغم الثاني حين سمعوا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد قتل.

فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ".

* * * 8063- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " فأثابكم غمًّا بغم "، قال: الغم الأول الجراح والقتل، والغم الآخر حين سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل.

فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول الله: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ".

وقال آخرون: " بل الغم الأول ما كان فاتهم من الفتح والغنيمة، والثاني إشراف أبي سفيان عليهم في الشِّعب " .

وذلك أن أبا سفيان -فيما زعم بعض أهل السير- لما أصاب من المسلمين ما أصاب، وهرب المسلمون، جاء حتى أشرف عليهم وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب أحد، الذي كانوا ولَّوا إليه عند الهزيمة، فخافوا أن يصطلمهم أبو سفيان وأصحابه.

(84) *ذكر الخبر بذلك: 8064- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة.

فلما رأوه، وضع رجل سهمًا في قوسه، فأراد أن يرميَه، فقال: " أنا رسول الله!"، ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًّا، وفرح رسول الله حين رأى أن في أصحابه من يمتنع.

(85) فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا.

=فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم، فلما نظروا إليه، نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمَّهم أبو سفيان، (86) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تُعبَد "!

ثم ندَب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنـزلوهم، فقال أبو سفيان يومئذ: " اعْلُ هُبَل!

حنظلة بحنظلة، ويوم بيوم بدر "!

= وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب، وكان جُنُبًا فغسَّلته الملائكة، وكان حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر = وقال أبو سفيان: " لنا العُزَّى، ولا عُزَّى لكم "!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: " قل الله مولانا ولا مولى لكم "!

فقال أبو سفيان: فيكم محمد؟

(87) قالوا: نعم!

قال: " أما إنها قد كانت فيكم مُثْلة، ما أمرتُ بها، ولا نهيتُ عنها، ولا سرَّتني، ولا ساءتني"!

فذكر الله إشراف أبي سفيان عليهم فقال: " فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم "، الغم الأول: ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغم الثاني: &; 7-308 &; إشراف العدوّ عليهم =" لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "، من الغنيمة =" ولا ما أصابكم " من القتل حين تذكرون.

فشغلهم أبو سفيان.

(88) 8065- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، فيما ذكَروا من حديث أحُد، قالوا: كان المسلمون في ذلك اليوم -لما أصابهم فيه من شدة البلاء- أثلاثًا، ثلثٌ قتيل، وثلثٌ جريح، وثلثٌ منهزم، وقد بلغته الحرب حتى ما يدري ما يصنع = (89) وحتى خلص العدوّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدُثَّ بالحجارة حتى وقع لشِقِّه، وأصيبتْ رَباعيته، وشجَّ في وجهه، وكُلِمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص.

(90) = (91) وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه لواؤه حتى قتل، وكان الذي أصابه ابن قميئة الليثي، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش فقال: " قتلت محمدًا ".

(92) 8066- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس: " قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم " = كما حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن &; 7-309 &; إسحاق قال، حدثني ابن شهاب الزهري = كعبُ بن مالك أخو بني سلِمة قال: عرفتُ عينيه تَزْهَران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: " يا معشر المسلمين: أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم "!

فأشار إليَّ رسو ل الله أن أنصت.

فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض نحو الشعب، معه عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام، والحارث بن الصِّمة، (93) في رهط من المسلمين.

(94) .

=قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ومعه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا "!

فقاتل عمرُ بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين، حتى أهبطوهم عن الجبل.

ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بُدِّن، فظاهرَ بين درعين، (95) فلما ذهب لينهض، فلم يستطع، جلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض حتى استوى عليها.

(96) .

= ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى &; 7-310 &; صوته: " أنعمْتَ فعالِ!

إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعْلُ هُبَل "، أي: أظهر دينك، (97) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: " قم فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل!

لا سواء!

قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار "!

فلما أجاب عمر رضي الله عنه أبا سفيان، قال له أبو سفيان: " هلم إليَّ يا عمر "!

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ائته فانظر ما شأنُه "؟

فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدًا؟

فقال عمر: اللهمّ لا وإنه ليسمع كلامك الآن!.

فقال: أنت أصدقُ عندي من ابن قميئة وأبرُّ!

= (98) لقول ابن قميئة لهم: إنّي قتلت محمدًا = ثم نادى أبو سفيان، فقال: إنه قد كان في قتلاكم.

مُثْلة، والله ما رضيتُ ولا سخطتُ، ولا نهيت ولا أمرتُ.

(99) 8067- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق: " فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم "، أي: كربًا بعد كرب، قتلُ من قتل من إخوانكم، وعلوّ عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: " قُتل نبيكم "، فكان ذلك مما تتابع عليكم غمًّا بغم =" لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "، من ظهوركم على عدوكم بعد أن رأيتموه بأعينكم =" ولا ما أصابكم " من قتل إخوانكم، حتى فرجت بذلك الكرب عنكم =" والله خبير بما تعملون "، وكان الذي فرَّج به عنهم ما كانوا فيه من الكرب والغمّ الذي أصابهم، (100) أن الله عز وجل ردّ عنهم كِذبة الشيطان بقتل نبيهم.

فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًّا بين أظهرهم، هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم، والمصيبة التي أصابتهم في إخوانهم، (101) حين صرف الله القتل عن نبيهم صلى الله عليه وسلم.

(102) 8068- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " فأثابكم غمًّا بغم "، قال ابن جريج، قال مجاهد: أصاب الناس حزن وغم على ما أصابهم في أصحابهم الذين قُتلوا.

فلما تولَّجُوا في الشعب وهم مصابون، (103) وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشعب، فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليهم &; 7-312 &; فيقتلونهم أيضًا، فأصابهم حزن في ذلك أيضًا أنساهم حُزنهم في أصحابهم، فذلك قوله: " فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم " = قال ابن جريج، قوله: " على ما فاتكم "، يقول: على ما فاتكم من غنائم القوم =" ولا ما أصابكم "، في أنفسكم.

8069- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج.

قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن عبيد بن عمير قال: جاء أبو سفيان بن حرب ومن معه، حتى وقف بالشعب، ثم نادى: أفي القوم ابن أبي كبشة؟

(104) فسكتوا، فقال أبو سفيان: قُتل ورب الكعبة!

ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟

فسكتوا، فقال: قُتل ورب الكعبة!

ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟

فسكتوا، فقال: قُتل ورب الكعبة!

ثم قال أبو سفيان: اعل هُبل، يوم بيوم بدر، وحنظلة بحنظلة، وأنتم واجدون في القوم مَثْلا (105) لم يكن عن رأي سَراتنا وخيارنا، ولم نكرهه حين رأيناه!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: قم فناد فقل: الله أعلى وأجل!

نعم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا!

لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار!.

* * * وقال آخرون في ذلك بما:- 8070- حدثني به محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ، فرجعوا فقالوا: والله لنأتينهم، ثم لنقتلنهم!

قد جرحوا منا!

(106) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلا؛ فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجل أنكم عصيتموني!

فبينما هم كذلك إذ أتاهم القوم قد ائتشبوا وقد اخترطوا سيوفهم، (107) فكان غمَّ الهزيمة وغمهم حين أتوهم =" لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "، من القتل =" ولا ما أصابكم "، من الجراحة =" فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا " الآية، وهو يوم أحد.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال: معنى قوله: " فأثابكم غمًّا بغم،" أيها المؤمنون، بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم، والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ -بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون- بمعصيتكم ربَّكم وخلافكم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم، غمَّ ظنَّكم أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قتل، وميل العدوّ عليكم بعد فلولكم منهم.

(108) .

والذي يدل على أن ذلك أولى بتأويل الآية مما خالفه، قوله: " لكيلا تحزنوا &; 7-314 &; على ما فاتكم ولا ما أصابكم "، والفائت، لا شك أنه هو ما كانوا رجَوْا الوصول إليه من غيرهم، إما من ظهور عليهم بغلَبهم، وإما من غنيمة يحتازونها = وأنّ قوله: " ولا ما أصابكم "، هو ما أصابهم: إما في أبدانهم، وإما في إخوانهم.

فإن كان ذلك كذلك، فمعلوم أن " الغم " الثاني هو معنًى غير هذين.

لأن الله عز وجل أخبر عباده المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أثابهم غمًّا بغم لئلا يحزنهم ما نالهم من الغم الناشئ عما فاتهم من غيرهم، ولا ما أصابهم قبل ذلك في أنفسهم، وهو الغم الأول، على ما قد بيناه قبل.

* * * وأما قوله: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم "، فإن تأويله على ما قد بيَّنت، من أنه: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "، فلم تدركوه مما كنتم ترجون إدراكه من عدوكم بالظفر عليهم والظهور، وحيازة غنائمهم =" ولا ما أصابكم "، في أنفسكم.

من جرح من جرح وقتل من قتل من إخوانكم.

* * * وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه قبلُ على السبيل التي اختلفوا فيه، كما:- 8071- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم "، قال: على ما فاتكم من الغنيمة التي كنتم ترجون =" ولا تحزنوا على ما أصابكم "، من الهزيمة.

* * * وأما قوله: " والله خبير بما تعملون "، فإنه يعني جل ثناؤه: والله بالذي تعملون، أيها المؤمنون - من إصعادكم في الوادي هربًا من عدوكم، وانهزامكم منهم، وترككم نبيكم وهو يدعوكم في أخراكم، وحزنكم على ما فاتكم من عدوكم وما أصابكم في أنفسكم = ذو خبرة وعلم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، أو يعفو عنه.

* * * --------------- الهوامش : (68) في المطبوعة: "قالوا: الهرب في مستوى الأرض".

وفي المخطوطة: "بالهرب" ، والصواب ما أثبت.

(69) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 105 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 239.

(70) في المخطوطة: "في الوادي نبي الله" وما بينهما بياض ، وما ثبت في المطبوعة ، صواب موافق لما في الدر المنثور 2: 87 ، على خطأ ظاهر في الدر.

(71) في المخطوطة: "قال عباد الله قال عباد الله" ، والذي في المطبوعة هو الصواب الموافق لما في الدر المنثور 2: 87 ، إلا أن ناشر المطبوعة زاد"قال" قبل: "إلى عباد الله" ، وهو فاسد فخذفتها ، فإن الذي في المخطوطة تصحيف"إلى.

.

.

إلى".

وانظر الأثر التالي: 8050.

(72) الأثر: 8050- هو بعض الأثر السالف: 7943 ، مع زيادة فيه ، وفي تاريخ الطبري أيضًا 3: 20 ، مع زيادة هنا.

(73) انظر تفسير"لوى" فيما سلف: 6: 536 ، 537.

(74) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 105 ، ومعاني القرآن للفراء: 1: 239.

(75) الأثر: 8057- سيرة ابن هشام 3: 121 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8046.

(76) في المطبوعة: "إذ كان ذلك من عملهم الذي سخطه" ، وكان في المخطوطة مكان"ذلك" بياض ، والصواب ما أثبت ، استظهارًا من كلام أبي جعفر التالي.

(77) هو الفرزدق.

(78) ديوانه: 227 ، النقائض: 618 ، طبقات فحول الشعراء: 256 ، وتاريخ الطبري 6: 139 ، معاني القرآن للفراء 1: 239 ، وغيرها.

من شعره في زياد بن أبي سفيان ، وهو يلي الأبيات التي ذكرتها في التفسير آنفًا 2: 195 ، تعليق: 1 ، والرواية التي ذكرها الطبري هنا ، متابعة للفراء ، وهي لا تستقيم مع الشعر ، وأجمع الرواة على أنه: فلمَّــا خَشِــيتُ أَنْ يَكُـونَ عَطَـاؤُهُ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

نَمَيْــتُ إلَـى حَـرْفٍ أَضَـرَّ بِنَيِّهـا سُـرَى البِيـدِ وَاسْتِعْراضُهَا البَلَدَ القَفْرَا والأداهم جمع أدهم: وهو القيد ، سمي بذلك لسواده.

والمحدرجة: السياط.

حدرج السوط: فتله فتلاً محكمًا حتى استوى.

وجعلها"سمرًا" ، لأدمة جلدها الذي تصنع منه.

(79) في المطبوعة: "فجعل العطاء العقوبة" ، والصواب من المخطوطة ، ولا أدري لم غيره الناشر الأول.

(80) انظر لما سلف ، معاني القرآن للفراء 1: 239 ، وانظر معنى"الثواب" فيما سلف قريبًا: 2: 458 / 7: 272 ، وقد نسيت أن أذكر مرجعه هناك.

(81) في المطبوعة: "يقدمه" في الموضعين ، وهو خطأ لا شك فيه.

(82) في المطبوعة: "يقدمه" في الموضعين ، وهو خطأ لا شك فيه.

(83) انظر ما سلف 1: 299 ، 313 / 2 : 411 ، 412.

(84) إذا أبيد القوم من أصلهم واستأصلهم عدوهم قيل: "اصطلموا" بالبناء للمجهول.

(85) انظر ما سلف: 256 تعليق: 1 ، فإني زدت"به" من التاريخ ، ولكنه عاد هنا في المخطوطة فأسقطها ، فاتفقت المخطوطة في الموضعين ، فتركت هذه على حالها ، وإن كنت لا أرتضيها.

(86) في التاريخ"وأهمهم" ، وهمه الأمر وأهمه ، سواء في المعنى.

(87) في التاريخ: "أفيكم محمد" بالألف ، وهما سواء.

(88) الأثر 8064- تاريخ الطبري 3: 20 ، 21 ، وبعضه في الأثرين السالفين: 7943 ، 8050 ، وكلها سياق واحد في التاريخ.

(89) هذه الفقرة من الأثر ، لم أجدها في سيرة ابن هشام.

(90) هذه الفقرة من الأثر في سيرة ابن هشام 3: 84 ، وانظر التخريج في آخره.

ودثه بالعصا وبالحجر رماه رميًا متتابعًا ، أو ضربه بالعصا ضربًا متقاربًا من وراء الثياب حتى يأخذه الألم.

والشق: الجنب.

والكلم: الجرح.

(91) الفقرة التالية من الأثر في سيرة ابن هشام 3: 77 ، قبل السالفة.

(92) الأثر: 8065- هذا أثر ملفق من سيرة ابن إسحاق ، كما رأيت في التعليقين السالفين ، وهو فيها من 3: 84 / 3: 77 / والقسم الأول لم أعثر عليه فيها.

(93) في المطبوعة: "والحارث بن الصامت" ، والصواب من المخطوطة والمراجع ، ولا أدري فيم غيره الناشر الأول!!

(94) هذه الفقرة من الأثر في سيرة ابن هشام 3: 88 ، 89.

(95) بدن الرجل تبدينا: ألبسه البدن ، أي الدرع.

وقد مضى شراح السيرة ، فزعموا أن"بدن" (بالبناء للمعلوم) هنا ، معناها: أسن.

قال أبو ذر الخشني في تفسير غريب سيرة ابن هشام: 228"بدن الرجل ، إذا أسن.

وبدن ، إذا عظم بدنه من كثرة اللحم".

وكلا التفسيرين خطأ هنا ، وإن كان صحيحًا في اللغة ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يوم قاتل في أحد مسنًا ولا بلغ في السن ما يضعفه.

وأيضًا فإنه ، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، لم يوصف قط بالبدانة والسمن.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الصلاة: "إني قد بدنت فلا تبادروني بالركوع والسجود" ، فإنه لم يعن البدانة ، وإنما أراد أن الحركة قد ثقلت عليه ، كما تثقل على الرجل البادن.

ولو قرئت في"بدن" بالبناء للمعلوم لكان عربية صحيحة.

وأما قوله: "ظاهر بين درعين" ، أي ليس إحداهما على الأخرى ، وكذلك"ظاهر بين ثوبين ، أو نعلين" ، لبس أحدهما على الآخر.

(96) هذه الفقرة من الأثر في سيرة ابن هشام 3: 91 ، وتاريخ الطبري 3: 21.

(97) قوله: "أنعمت" ، أي جئت بالسهم الذي فيه"نعم" ، و"عال" ، أي: تجاف عنها -عن الأصنام- ولا تذكرها بسوء.

يقال: "عال عني ، وأعل عني" ، أي تنح.

وذلك أن الرجل من قريش من أهل الجاهلية ، كان إذا أراد ابتداء أمر ، عمد إلى سهمين فكتب على أحدهما"نعم" وعلى الآخر"لا" ، ثم يتقدم إلى الصنم ويجيل سهامه ، فإن خرج سهم"نعم" أقدم ، وإن خرج سهم"لا" امتنع.

وكان أبو سفيان لما أراد الخروج إلى أحد ، استفتى هبل ، فخرج له سهم الإنعام.

فذلك تفسير كلمته.

ومن لطيف أخبار الاستقسام بالأزلام.

ما فعل امرؤ القيس ، حين قتل أبوه ، فاستقسم عند ذي الخلصة ، فأجال سهامه فخرج له السهم الناهي"لا" ثلاث مرات ، فجمع قداحه وكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال له: "مصصت ببظر أمك!

لو أبوك قتل ما عقتني!!" ، ثم خرج فقاتل ، فظفر.

فيقال إنه لم يستقسم بعد ذلك بقدح عند ذي الخلصة حتى جاء الإسلام ، وهدمه جرير بن عبد الله البجلي ، وأبطل الله أمر الجاهلية كله.

وقد قيل لأبي سفيان يوم الفتح: "أين قولك ، أنعمت فعال"؟

فقال: "قد صنع الله خيرًا ، وذهب أمر الجاهلية".

هذا وقد كان في المطبوعة: "أنعمت فقال إن الحرب سجال" ، وهو خطأ صرف.

والحرب سجال: أي مرة لهذا ، ومرة لهذا.

وقوله: "اعل هبل" قد شرحه ابن إسحاق ، فيظن بعض من يضبط السيرة أنه"أعل" (بهمز الألف وسكون العين وكسر اللام) وهو خطأ ، والصواب أنه أمر من"علا" ، يريد: زد علوًا.

(98) في المطبوعة: "وأشار لقول ابن قميئة" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، والصواب منها ومن سيرة ابن هشام.

وقوله: "وأبر" ، من"البر" ، وهو الصدق والخير كله.

(99) الأثر 8066- هذا الأثر مجموع من مواضع في السيرة كما أشرت إليه ، وهي في: سيرة ابن هشام 3: 88 ، 89 / 3: 91 ، وتاريخ الطبري 3: 21 / والسيرة 3: 99.

(100) في المخطوطة والمطبوعة: "وكان الذي خرج عنهم" بإسقاط"به" والسياق يقتضى إثباتها ، فأثبتها من سيرة ابن هشام.

(101) في المطبوعة: "فهان الظهور عليهم" ، وفي المخطوطة: "فهذا الظهور عليهم" كتب"فهذا" في آخر"السطر" و"الظهور" في أول السطر التالي ، فلم يحسن الناشر قراءتها ، والصواب من سيرة ابن هشام.

(102) الأثر: 8067- سيرة ابن هشام 3: 121 ، 122 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8057.

(103) في المطبوعة: "فلما تولجوا في الشعب يتصافون" ، وهو لا معنى له ، والصواب من المخطوطة إلا أن كاتبها كان قد سقط من كتابته من أول"وهم مصابون" إلى"باب الشعب" ، فكتبها في الهامش.

فاستعجمت على الناشر الأول قراءتها.

(104) "ابن أبي كبشة" ، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذلك كان المشركون يذكرون رسول الله.

فقيل إن"أبا كبشة" ، رجل من خزاعة ، خالف قريشًا في عبادة الأوثان وعبد الشعري العبور ، فذكروه بذلك لمخالفته إياهم إلى عبادة الله تعالى ، كما خالفهم أبو كبشة إلى عبادة الشعري.

ويقال: إنها كنية وهب بن عبد مناف ، جد رسول الله من قبل أمه ، فنسب إليه ، لأنه نزع إليه في الشبه.

ويقال: هي كنية زوج حليمة السعدية التي أرضعته صلى الله عليه وسلم.

(105) في المخطوطة: "وأنتم واحد ورقى القوم سلا" ، وهو كلام"فاسد" صوابه في المطبوعة.

والمثل (بفتح الميم وسكون الثاء) مصدر"مثل بالقتيل" إذا جدع أنفه ، أو أذنه أو مذاكيره أو شيئا من أطرافه وجسده ، طلب التشويه لجثته.

والاسم"المثلة" (بضم الميم وسكون الثاء).

(106) في المطبوعة: "قد خرجوا منا" ، وأسقطها السيوطى في الدر المنثور 2: 87 ، فاستظهر ناشر الطبعة السالفة إسقاطها كما فعل السيوطي ، وهي في المخطوطة: "قد حرحوا منا" ، غير منقوطة ، كما أثبتها وصواب قراءتها ما أثبت.

ومعنى: "جرحوا منا" ، أي أصابوا بعضنا بالجراحات والقتل ، وبلغوا في ذلك مبلغًا.

ولم تثبت كتب اللغة ذلك ، ولكنه عربي معرق عتيق ، وما كل اللغة تثبته كتب اللغة ، وخاصة مجاز العبارات.

(107) في المطبوعة: "قد أنسوا وقد اخترطوا سيوفهم" ، وفي الدر المنثور 2: 87" قد ايسوا" وفي المخطوطة: "قد انسوا" غير منقوطة ، والذي في المطبوعة والدر لا معنى له ، وقد رجحت قراءتها.

تأشب القوم وائتشبوا: انضم بعضهم لبعض واجتمعوا والتفوا ، وفي الحديث"فتأشب أصحابه إليه" ، أي اجتمعوا إليه وطافوا به.

وأصله من"أشب الشجر" ، إذا التف وكثر حتى ضاقت فرجه ، وحتى لا مجاز فيه لمجتاز.

(108) قوله: "بعد فلولكم منهم" يعني: بعد هزيمتكم وفراركم منهم ، ولم تصرح كتب اللغة بفعل ثلاثي لازم مصدره"فلول" ، بل قالوا: "فله يفله ، فانفل" ، ولكن يرجح صواب ما في نص الطبري أنه جاء في أمثالهم: "من فل ذل" ، أي من فر عن عدوه ذل.

وأما ابن كثير فقد نقل في تفسيره 2: 270 نص الطبري هذا ، وفيه"ونبوكم منهم" ، وليست بشيء ، وكأن الصواب ما في التفسير ، فهو جيد في العربية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون[ ص: 226 ] إذ متعلق بقوله : ولقد عفا عنكم .

وقراءة العامة تصعدون بضم التاء وكسر العين .

وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة بفتح التاء والعين ، يعني تصعدون الجبل .

وقرأ ابن محيصن وشبل " إذ يصعدون ولا يلوون " بالياء فيهما .

وقرأ الحسن " تلون " بواو واحدة .

وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم " ولا تلوون " بضم التاء ; وهي لغة شاذة ذكرها النحاس .

وقال أبو حاتم : أصعدت إذا مضيت حيال وجهك ، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره .

فالإصعاد : السير في مستو من الأرض وبطون الأودية والشعاب .

والصعود : الارتفاع على الجبال والسطوح والسلاليم والدرج .

فيحتمل أن يكون صعودهم في الجبل بعد إصعادهم في الوادي ; فيصح المعنى على قراءة تصعدون و " تصعدون " .

قال قتادة والربيع : أصعدوا يوم أحد في الوادي .

وقراءة أبي " إذ تصعدون في الوادي " .

قال ابن عباس : صعدوا في أحد فرارا .

فكلتا القراءتين صواب ; كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد ، والله أعلم .

قال القتبي والمبرد : أصعد إذا أبعد في الذهاب وأمعن فيه ; فكأن الإصعاد إبعاد في الأرض كإبعاد الارتفاع ; قال الشاعر :ألا أيهذا السائلي أين أصعدت فإن لها من بطن يثرب موعداوقال الفراء : الإصعاد الابتداء في السفر ، والانحدار الرجوع منه ; يقال : أصعدنا من بغداد إلى مكة وإلى خراسان وأشباه ذلك إذا خرجنا إليها وأخذنا في السفر ، وانحدرنا إذا رجعنا .

وأنشد أبو عبيدة :قد كنت تبكين على الإصعاد فاليوم سرحت وصاح الحاديوقال المفضل : صعد وأصعد وصعد بمعنى واحد .

ومعنى تلوون تعرجون وتقيمون ، أي لا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا ; فإن المعرج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته .

على أحد يريد محمدا - صلى الله عليه وسلم - ; قاله الكلبي .والرسول يدعوكم في أخراكم أي في آخركم ; يقال : جاء فلان في آخر الناس وأخرة الناس وأخرى الناس وأخريات الناس .

وفي البخاري أخراكم تأنيث آخركم : حدثنا عمرو بن خالد حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق قال : سمعت البراء بن عازب قال : جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير وأقبلوا منهزمين فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم .

ولم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - غير اثني عشر [ ص: 227 ] رجلا .

قال ابن عباس وغيره : كان دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أي عباد الله ارجعوا ) وكان دعاؤه تغييرا للمنكر ، ومحال أن يرى عليه السلام المنكر وهو الانهزام ثم لا ينهى عنه .

قلت : هذا على أن يكون الانهزام معصية وليس كذلك ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : فأثابكم غما بغم الغم في اللغة : التغطية .

غممت الشيء غطيته .

ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين .

ومنه غم الهلال إذا لم ير ، وغمني الأمر يغمني .

قال مجاهد وقتادة وغيرهما : الغم الأول القتل والجراح ، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ; إذ صاح به الشيطان .

وقيل : الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة ، والثاني ما أصابهم من القتل والهزيمة .

وقيل : الغم الأول الهزيمة ، والثاني إشراف أبي سفيان وخالد عليهم في الجبل ; فلما نظر إليهم المسلمون غمهم ذلك ، وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم ; فعند ذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم لا يعلن علينا ) كما تقدم .

والباء في بغم على هذا بمعنى على .

وقيل : هي على بابها ، والمعنى أنهم غموا النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفتهم إياه ، فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم .

وقال الحسن : فأثابكم غما يوم أحد بغم يوم بدر للمشركين .

وسمي الغم ثوابا كما سمي جزاء الذنب ذنبا .

وقيل : وقفهم الله على ذنبهم فشغلوا بذلك عما أصابهم .قوله تعالى : لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون اللام متعلقة بقوله : ولقد عفا عنكم وقيل : هي متعلقة بقوله : فأثابكم غما بغم أي كان هذا الغم بعد الغم لكيلا تحزنوا على ما فات من الغنيمة ، ولا ما أصابكم من الهزيمة .

والأول أحسن .

و " ما " في قوله ما أصابكم في موضع خفض .

وقيل : " لا " صلة .

أي لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبة لكم على مخالفتكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وهو مثل قوله : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ; أي أن تسجد .

وقوله لئلا يعلم أهل الكتاب أي ليعلم ، وهذا قول المفضل .

وقيل : أراد بقوله فأثابكم غما بغم أي توالت عليكم الغموم ، لكيلا تشتغلوا بعد هذا بالغنائم .

والله خبير بما تعملون فيه معنى التحذير والوعيد .[ ص: 228 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يذكرهم تعالى حالهم في وقت انهزامهم عن القتال، ويعاتبهم على ذلك، فقال: { إذ تصعدون } أي: تجدون في الهرب { ولا تلوون على أحد } أي: لا يلوي أحد منكم على أحد، ولا ينظر إليه، بل ليس لكم هم إلا الفرار والنجاء عن القتال.

والحال أنه ليس عليكم خطر كبير، إذ لستم آخر الناس مما يلي الأعداء، ويباشر الهيجاء، بل { الرسول يدعوكم في أخراكم } أي: مما يلي القوم يقول: "إليَّ عباد الله" فلم تلتفتوا إليه، ولا عرجتم عليه، فالفرار نفسه موجب للوم، ودعوة الرسول الموجبة لتقديمه على النفس، أعظم لوما بتخلفكم عنها، { فأثابكم } أي: جازاكم على فعلكم { غما بغم } أي: غما يتبع غما، غم بفوات النصر وفوات الغنيمة، وغم بانهزامكم، وغم أنساكم كل غم، وهو سماعكم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل.

ولكن الله -بلطفه وحسن نظره لعباده- جعل اجتماع هذه الأمور لعباده المؤمنين خيرا لهم، فقال: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } من النصر والظفر، { ولا ما أصابكم } من الهزيمة والقتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتم بوجوده المسلي عن كل مصيبة ومحنة، فلله ما في ضمن البلايا والمحن من الأسرار والحكم، وكل هذا صادر عن علمه وكمال خبرته بأعمالكم، وظواهركم وبواطنكم، ولهذا قال: { والله خبير بما تعملون }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إذ تصعدون ) يعني : ولقد عفا عنكم إذ تصعدون هاربين ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة ( تصعدون ) بفتح التاء والعين والقراءة المعروفة بضم التاء وكسر العين .

والإصعاد : السير في مستوى الأرض والصعود : الارتفاع على الجبال والسطوح ، قال أبو حاتم : يقال أصعدت إذا مضيت حيال وجهك وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره ، وقال المبرد : أصعد إذا أبعد في الذهاب ، وكلتا القراءتين صواب فقد كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد وقال المفضل : صعد وأصعد وصعد بمعنى واحد .

( ولا تلوون على أحد ) أي : لا تعرجون ولا تقيمون على أحد ولا يلتفت بعضكم إلى بعض ، ( والرسول يدعوكم في أخراكم ) أي : في آخركم ومن ورائكم ، إلي عباد الله فأنا رسول الله ، من يكر فله الجنة ، ( فأثابكم ) فجازاكم جعل الإثابة بمعنى العقاب ، وأصلها في الحسنات لأنه وضعها موضع الثواب كقوله تعالى : ( فبشرهم بعذاب أليم ) جعل البشارة في العذاب ومعناه : جعل مكان الثواب الذي كنتم ترجون ( غما بغم ) وقيل : الباء بمعنى على أي : غما على غم وقيل : غما متصلا بغم فالغم الأول : ما فاتهم من الظفر والغنيمة ، والغم الثاني : ما نالهم من القتل والهزيمة .

وقيل : الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح ، والغم الثاني : ما سمعوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فأنساهم الغم الأول .

وقيل : الغم الأول : إشراف خالد بن الوليد عليهم بخيل المشركين ، والغم الثاني : حين أشرف عليهم أبو سفيان ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة ، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه وأراد أن يرميه ، فقال أنا رسول الله ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع ، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب ، فلما نظر المسلمون إليهم أهمهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس لهم أن يعلونا اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض ، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم .

وقيل : إنهم غموا الرسول بمخالفة أمره ، فجازاهم الله بذلك الغم ، غم القتل والهزيمة .

قوله تعالى : ( لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ) من الفتح والغنيمة ، ( ولا ما أصابكم ) أي : ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة ، ( والله خبير بما تعملون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكروا «إذ تصعدون» تبعدون في الأرض هاربين «ولا تلوون» تعرجون «على أحد والرسولُ يدعوكم في أخراكم» أي من ورائكم يقول إليَّ عباد الله «فأثابكم» فجازاكم «غمّاً» بالهزيمة «بغمٍّ» بسبب غمِّكم للرسول بالمخالفة وقيل الباء بمعنى على، أي مضاعفا على غم فوت الغنيمة «لكيلا» متعلق بعفا أو بأثابكم فلا زائدة «تحزنوا على ما فاتكم» من الغنيمة «ولا ما أصابكم» من القتل والهزيمة «والله خبير بما تعملون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اذكروا -يا أصحاب محمد- ما كان مِن أمركم حين أخذتم تصعدون الجبل هاربين من أعدائكم، ولا تلتفتون إلى أحد لِمَا اعتراكم من الدهشة والخوف والرعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت في الميدان يناديكم من خلفكم قائلا إليَّ عبادَ الله، وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، فكان جزاؤكم أن أنزل الله بكم ألمًا وضيقًا وغمًّا؛ لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من نصر وغنيمة، ولا ما حلَّ بكم من خوف وهزيمة.

والله خبير بجميع أعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بما كان من بعضهم بعد أن اضطربت أحوالهم وجاءهم أعداؤهم من أمامهم ومن خلفهم بسبب ترك معظم الرماة لأماكنهم ، فقال - تعالى - { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ والرسول يَدْعُوكُمْ في أُخْرَاكُمْ } .وقوله : { تُصْعِدُونَ } من الإصعاد وهو الذهاب فى صعيد الأرض والإبعاد فيه .يقال : أصعد فى الأرض إذا أبعد فى الذهاب وأمعن فيه ، فهو الصعد .قال القرطبى : الإصعاد : السير فى مستو من الأرض وبطون الأودية والشعاب .والصعود : الارتفاع على الجبال والدرج .وقوله { إِذْ تُصْعِدُونَ } متعلق بقوله { صَرَفَكُمْ } أو بقوله { لِيَبْتَلِيَكُمْ } أو بمحذوف تقديره اذكروا .أى اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن كنتم مصعدين تهرولون بسرعة فى بطن الوادى بعد أن اختلت صفوفكم - واضطرب جمعكم .

وصرتم لا يعرج بعضكم على بعض ولا يتلفت أحدكم إلى غيره من شدة الهرب ، والحال أن رسولكم صلى الله عليه وسلم { يَدْعُوكُمْ في أُخْرَاكُمْ } أى يناديكم فى أخراكم أو فى جماعتكم الأخرى أو من خلفكم يقال .جاء فلان فى آخر الناس وأخراهم إذا جاء خلفهم ، كما يقال : جاء فى أولهم وأولاهم .والمراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو المنهزمين إلى الثبات وإلى ترك الفرار من الأعداء وإلى معاودة الهجوم عليهم وهو ثابت لم يتزعزع ومعه نفر من أصحابه .قال ابن جرير لما اشتد المشكرون على المسلمين بأحد فهزموهم ، دخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس : " إلىَّ عباد الله "!

فذكر الله صعودهم إلى الجبل ، ثم ذكر دعاء النبى صلى الله عليه وسلم إياهم فقال : { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ والرسول يَدْعُوكُمْ في أُخْرَاكُمْ } .ففى هذه الجملة الكريمة تصوير بديع معجز لحال المسلمين عندما اضطربت صفوفهم فى غزوة أحد ، فهى تصور حالهم وهم مصعدون فى الوادى بدون تمهل أو تثبت ، وتصور حالهم وقد أخذ منهم الدهش مأخذه بحيث أصبح بعضهم لا يلتفت إلى غيره أو يسمع له نداء ، أو يجيب له طلبا وتصور حال النبى صلى الله عليه وسلم وقد ثبت كالطود الأشم بدون اضطراب أو وجل ومعه صفوة من أصحابه وقد أخذ ينادى الفارين بقوله : " إلى عباد الله ، إلى عباد الله أنا رسول الله ، من يكر فله الجنة " .وقوله - تعالى - { فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ } .بيان للنتيجة التى ترتبت على هذا الاضطراب وهو معطوف على قوله { صَرَفَكُمْ } أو على قوله { تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ } ولا يضر كونهما مضارعين فى اللفظ لأن إذ المضافة إليهما صيرتهما ماضيين فى المعنى .وأصل الإثابة إعطاء الثواب ، وهو شىء يكون جزاء على عطاء أو فعل ولفظ الثواب لا يستعمل فى الأعم الأغلب إلا في الخير ، والمراد به هنا العقوبة التى نزلت بهم .

وسميت العقوبة التى نزلت بهم ثوابا على سبيل الاستعارة التهكمية كما فى قوله { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ويجوز أن يكون اللفظ مستعملا فى حقيقته ، لأن لفظ الثواب فى أصل اللغة معناه ما يعود على الفاعل من جزاء فعله ، سواء أكان خيراً أو شراً .قال القرطبى : قوله - تعالى - { فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ } الغم فى اللغة التغطية .

يقال : غممت الشىء أى غطيته .

ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين .قال مجاهد وقتادة وغيرهما ، والغم الأول القتل والجراح والغم الثانى الإرجاف بمقتل النبى صلى الله عليه وسلم وقيل الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة والثانى : استعلاء المشركين عليهم .

وعند ذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم" اللهم لا يعان علينا " .والباء فى { بِغَمٍّ } على هذا بمعنى على .

وقيل هى على بابها والمعنى أنهم غموا النبى صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم إياه فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم " .ويجوز أن يكون الكلام لمجرد التكثير أى جازاكم بغموم وأحزان كثيرة متصل بعضها ببعض بأن منع عنكم نصره وحرمكم الغنيمة وأصابتكم الجراح الكثيرة وأشيع بينكم أن نبيكم قد قتل .

.

وكل ذلك بسبب أنكم خالفتم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم وتغلب حب الدنيا وشهواتها على قلوب بعضكم فلم تخلصوا لله الجهاد فأصابكم ما أصابكم .وقوله { لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ } تعليل لقوله { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } أى : ولقد عفا الله - تعالى - عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من غنائم ونصر ، ولا على ما أصابكم من جراح وآلام ، فإن عفو الله - تعالى - يذهب كل حزن ويمسح كل ألم .وير صاحب الكشاف أن معنى " لكى لا تحزنوا " لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ، ولا على مصيب من المضار .ثم قال : ويجوز أن يكون الضمير فى { فَأَثَابَكُمْ } للرسول .

أى : فآساكم فى الاغتمام - أى فصار أسوتكم - لأنه كما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرها فقد غمه ما نزل بكم .

فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره ، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو " .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أى : والله - تعالى - عليم بأعمالكم ونياتكم علما كاملا ، وخير بما انطوت عليه نفوسكم فهو - سبحانه - لا تخفى عليه خافية مهما صغرت ، فاتقوه وراقبوه واتبعوا ما كلفكم به لتنالوا الفوز والسادة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق بما قبله، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: أحدها: كأنه قال وعفا عنكم اذ تصعدون، لأن عفوه عنهم لابد وان يتعلق بأمر اقترفوه، وذلك الأمر هو ما بينه بقوله: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ والمراد به ما صدر عنهم من مفارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين لا يلوون على أحد.

وثانيها: التقدير: ثم صرفكم عنهم إذ تصعدون.

وثالثها: التقدير: ليبتليكم اذ تصعدون.

والقول الثاني: أنه ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله، والتقدير: اذكر اذ تصعدون وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قرأ الحسن ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الْجَبَلِ ﴾ ، وقرأ أبي ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الوادى ﴾ وقرأ أبو حيوة ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ بفتح التاء وتشديد العين، من تصعد في السلم.

المسألة الثانية: الإصعاد: الذهاب في الأرض والأبعاد فيه، يقال صعد في الجبل، وأصعد في الأرض، ويقال أصعدنا من مكة إلى المدينة، قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى مثل الوادي والنهر والأزقة، فإنك تقول: صعد فلان يصعد في الوادي إذا أخذ من أسفله الى أعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم فإنه يقال صعدت.

المسألة الثالثة: ولا تلوون على أحد: أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب، وأصله أن المعرج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته، فاذا مضى ولم يعرج قيل لم يلوه، ثم استعمل اللي في ترك التعريج على الشيء وترك الالتفات الى الشيء، يقال: فلان لا يلوي على شيء، أي لا يعطف عليه ولا يبالي به.

ثم قال تعالى: ﴿ والرسول يَدْعُوكُمْ ﴾ كان يقول: «إليَّ عباد الله أنا رسول الله من كر فله الجنة» فيحتمل أن يكون المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده، ولا يتفرقوا، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يدعوهم إلى المحاربة مع العدو.

ثم قال: ﴿ فِى أُخْرَاكُمْ ﴾ أي آخركم، يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما يقال: في أولهم وأولاهم، ويقال: جاء فلان في أخريات الناس، أي آخرهم، والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه.

ثم قال: ﴿ فأثابكم غَمّاً بِغَمّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير، ويجوز أيضا استعماله في الشر، لأنه مأخوذ من قولهم: ثاب إليه عقله، أي رجع اليه، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ  ﴾ والمرأة تسمى ثيباً لأن الواطئ عائد اليها، وأصل الثواب كل ما يعود الى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيراً أو شراً، الا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير، فان حملنا لفظ الثواب هاهنا على أصل اللغة استقام الكلام، وإن حملناه على مقتضى العرف كان ذلك وارداً على سبيل التهكم، كما يقال: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، أي جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب قال تعالى: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ .

المسألة الثانية: الباء في قوله: ﴿ غَمّاً بِغَمّ ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعارضة، كما يقال: هذا بهذا أي هذا عوض عن ذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى مع والتقدير: أثابهم غماً مع غم، أما على التقدير الأول ففيه وجوه: الأول: وهو قول الزجاج أنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب أن عصيتم أمره، فالله تعالى أذاقكم هذا الغم، وهو الغم الذي حصل لهم بسبب الانهزام وقتل الأحباب، والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.

الثاني: قال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين، والمقصود منه أن لا يبقى في قلبكم إلتفات إلى الدنيا، فلا تفرحوا بإقبالها ولا تحزنوا بإدبارها، وهو المعنى بقوله: ﴿ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ ﴾ في واقعة أحد ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم  ﴾ في واقعة بدر، طعن القاضي في هذا الوجه وقال: إن غمهم يوم أحد إنما كان من جهة استيلاء الكفار، وذلك كفر ومعصية، فكيف يضيفه الله إلى نفسه؟

ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في تسليط الكفار على المسلمين نوع مصلحة، وهو أن لا يفرحوا بإقبال الدنيا ولا يحزنوا بإدبارها، فلا يبقى في قلوبهم اشتغال بغير الله.

الثالث: يجوز أن يكون الضمير في قوله: ﴿ فأثابكم ﴾ يعود للرسول، والمعنى أن الصحابة لما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه، اغتموا لأجله، والرسول عليه السلام لما رأى أنهم عصوا ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محرومين من الغنيمة، وقتل أقاربهم اغتم لأجلهم، فكان المراد من قوله: ﴿ فأثابكم غَمّاً بِغَمّ ﴾ هو هذا، أما على التقدير الثاني وهو أن تكون الباء في قوله: ﴿ غَمّاً بِغَمّ ﴾ بمعنى مع أي غما مع غم، أو غما على غم، فهذا جائز لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض، تقول: ما زلت به حتى فعل، وما زلت معه حتى فعل، وتقول: نزلت ببني فلان، وعلى بني فلان.

واعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة: فأحدها: غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس والأموال.

وثانيها: غمهم بما لحق سائر المؤمنين من ذلك.

وثالثها: غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة وكسر الرباعية.

ورابعها: ما أرجف به من قتل الرسول صلى الله عليه وسلم.

وخامسها: بما وقع منهم من المعصية وما يخافون من عقابها.

وسادسها: غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم، وذلك لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الانهزام، وذلك من أشق الأشياء، لأن الإنسان بعد صيرورته منهزما يصير ضعيف القلب جباناً، فاذا أمر بالمعاودة، فان فعل خاف القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر أو عقاب الآخرة، وهذا الغم لا شك أنه أعظم الغموم والأحزان، وإذا عرفت هذه الجملة فكل واحد من المفسرين فسر هذه الآية بواحد من هذه الوجوه ونحن نعدها: الوجه الأول: أن الغم الأول ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والغم الثاني ما حصل عند الهزيمة.

الوجه الثاني: ان الغم الأول ما حصل بسبب فوت الغنائم، والغم الثاني ما حصل بسبب أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيما.

الوجه الثالث: أن الغم الأول ما كان عند توجه أبي سفيان وخالد بن الوليد عليهم بالقتل والغم الثاني هو أن المشركين لما رجعوا خاف الباقون من المسلمين من أنهم لو رجعوا لقتلوا الكل فصار هذا الغم بحيث أذهلهم عن الغم الأول.

والوجه الرابع: أن الغم الأول ما وصل اليهم بسبب أنفسهم وأموالهم، والغم الثاني ما وصل اليهم بسبب الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الآية قول ثالث اختاره القفال رحمه الله تعالى قال: وعندنا أن الله تعالى ما أراد بقوله: ﴿ غَمّاً بِغَمّ ﴾ اثنين، وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها، أي ان الله عاقبكم بغموم كثيرة، مثل قتل إخوانكم وأقاربكم، ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم، ومثل إقدامكم على المعصية، فكأنه تعالى قال: أثابكم هذه الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زاجرا لكم عن الاقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله تعالى.

المسألة الثالثة: معنى أن الله أثابهم غم بغم: أنه خلق الغم فيهم، وأما المعتزلة فهذا لا يليق بأصولهم، فذكروا في علة هذه الإضافة وجوها: الأول: قال الكعبي: إن المنافقين لما أرجفوا أن محمداً عليه الصلاة والسلام قد قتل ولم يبين الله تعالى كذب ذلك القائل، صار كأنه تعالى هو الذي فعل ذلك الغم، وهذا كالرجل الذي يبلغه الخبر الذي يغمه ويكون معه من يعلم أن ذلك الخبر كذب، فاذا لم يكشفه له سريعا وتركه يتفكر فيه ثم أعلمه فإنه يقول له: لقد غممتني وأطلت حزني وهو لم يفعل شيئاً من ذلك، بل سكت وكف عن إعلامه، فكذا هاهنا.

الثاني: أن الغم وان كان من فعل البعد فسببه فعل الله تعالى، لأن الله طبع العباد طبعا يغتمون بالمصائب التي تنالهم وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.

الثالث: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى الغم في قلب بعض المكلفين لرعاية بعض المصالح.

ثم قال تعالى: ﴿ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ وفيه وجهان: الاول: أنها متصلة بقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ  ﴾ كأنه قال: ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا، لان في عفوه تعالى ما يزيل كل غم وحزن، والثاني: أن اللام متصلة بقوله: ﴿ فأثابكم ﴾ ثم على هذا القول ذكروا وجوها: الأول: قال الزجاج: المعنى أثابكم غم الهزيمة من غمكم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب مخالفته، ليكون غمكم بأن خالفتموه فقط، لا بأن فاتتكم الغنيمة وأصابتكم الهزيمة، وذلك لان الغم الحاصل بسبب الإقدام على المعصية ينسي الغم الحاصل بسبب مصائب الدنيا.

الثاني: قال الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلتموهم مغمومين يوم بدر، لأجل أن يسهل أمر الدنيا في أعينكم فلا تحزنوا بفواتها ولا تفرحوا باقبالها، وهذان الوجهان مفرعان على قولنا الباء في قوله: ﴿ غَمّاً بِغَمّ ﴾ للمجازاة، أما اذا قلنا انها بمعنى مع فالمعنى أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا أمر الرسول لوقعنا في غم فوات الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في هذه الغموم العظيمة التي كل واحد منها أعظم من ذلك الغم أضعافا مضاعفة، والعاقل اذا تعارض عنده الضرران، وجب أن يخص أعظمهما بالدفع، فصارت إثابة الغم على الغم مانعاً لكم من أن تحزنوا بسبب فوات الغنيمة، وزاجراً لكم عن ذلك، ثم كما زجرهم عن تلك المعصية بهذا الزجر الحاصل في الدنيا، زجرهم عنها بسبب الزواجر الموجودة في الغنيمة فقال: ﴿ والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي هو عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم، قادر على مجازاتها، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وذلك من أعظم الزواجر للعبد عن الاقدام على المعصية، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ﴾ وعدهم الله النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله تعالى: ﴿ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ ﴾ [آل عمران: 125] ويجوز أن يكون الوعد قوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ فلما فشلوا وتنازعوا لم يرعبهم.

وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت.

وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحداً خلف ظهره، واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل، وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم.

يحسونهم أي يقتلونهم قتلا ذريعاً.

حتى إذا فشلوا.

والفشل: الجبن وضعف الرأي.

وتنازعوا، فقال بعضهم: قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا وقال بعضهم: لا نخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فممن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة ﴾ ونفر أعقابهم ينهبون، وهم الذين أرادوا الدنيا، فكرّ المشركون على الرماة، وقتلوا عبد الله بن جبير رضي الله عنه، وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح دبوراً وكانت صباً، حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا، وهو قوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ لماعلم من ندمكم على ما فرط منكم من عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم؛ لأنّ الابتلاء رحمة كما أنّ النصرة رحمة.

فإن قلت: أين متعلق ﴿ حتى إِذَا ﴾ قلت: محذوف تقديره: حتى إذا فشلتم منعكم نصره.

ويجوز أن يكون المعنى: صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ نصب بصرفكم، أو بقوله: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أو بإضمار ﴿ اذكر ﴾ والإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد فيه.

يقال: صعد في الجبل وأصعد في الأرض.

يقال: أصعدنا من مكة إلى المدينة وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ تصعدون ﴾ ، يعني في الجبل.

وتعضد الأولى قراءة أبي: ﴿ إذ تصعدون في الوادي ﴾ .

وقرأ أبو حيوة: ﴿ تصعدون ﴾ ، بفتح التاء وتشديد العين، من تصعد في السلم وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ تلون ﴾ ، بواو واحدة وقد ذكرنا وجهها.

وقرئ: ﴿ يصعدون ﴾ .

﴿ ويلوون ﴾ بالياء ﴿ والرسول يَدْعُوكُمْ ﴾ كان يقول: «إليّ عباد الله إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرّ فله الجنة» ﴿ فِى أُخْرَاكُمْ ﴾ في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة.

يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول: في أوّلهم وأولاهم، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى ﴿ فأثابكم ﴾ عطف على صرفكم، أي فجازاكم الله ﴿ غَمّاً ﴾ حين صرفكم عنهم وابتلاكم ﴿ ب ﴾ سبب ﴿ غَمّ ﴾ أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له، أو غما مضاعفاً، غما بعد غم، وغما متصلاً بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر ﴿ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ للرسول، أي فآساكم في الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، فأثابكم غماً اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله، ولا على ما أصابكم من غلبة العدو.

وأنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم.

وعن أبي طلحة رضي الله عنه: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، وما أحد إلا ويميل تحت حجفته» وعن (الزبير) رضي الله عنه: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف، فأرسل الله علينا النوم.

والله إني لأسمع قول معتِّب بن قشير والنعاس يغشاني: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.

والأمنة: الأمن.

وقرئ: ﴿ أمنة ﴾ بسكون الميم، كأنها المرة من الأمن و ﴿ نُّعَاساً ﴾ بدل من أمنة.

ويجوز أن يكون هو المفعول، وأمنة حالاً منه مقدمة عليه، كقولك: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعولاً له بمعنى نعستم أمنة.

ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين، بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن، كبار وبررة ﴿ يغشى ﴾ قرئ بالياء والتاء ردا على النعاس، أو على الأمنة ﴿ طَائِفَةً مّنكُمْ ﴾ هم أهل الصدق واليقين ﴿ وَطَائِفَةٌ ﴾ هم المنافقون ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ ما بهم إلا هم أنفسهم لا هم الدين ولا هم الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، أو قد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان، فهم في التشاكي والتباثّ ﴿ غَيْرَ الحق ﴾ في حكم المصدر.

ومعناه: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به.

و ﴿ ظَنَّ الجاهلية ﴾ بدل منه.

ويجوز أن يكون المعنى: يظنون بالله ظن الجاهلية.

وغير الحق: تأكيد ليظنون، كقولك: هذا القول غير ما تقول، وهذا القول لا قولك وظن الجاهلية، كقولك: حاتم الجود، ورجل صدق: يريد الظن المختص بالملة الجاهلية.

ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية، أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله ﴿ يَقُولُونَ ﴾ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ﴿ هَل لَّنَا مِنَ الامر مِن شَيْء ﴾ معناه هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط، يعنون النصر والإظهار على العدو ﴿ قُلْ إِنَّ الامر كُلَّهُ للَّهِ ﴾ ولأوليائه المؤمنين وهو النصر والغلبة ﴿ كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ﴾ [المجادلة: 21] ، ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون ﴾ [الصافات: 173] ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَالا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ معناه: يقولون لك فيما يظهرون: هل لنا من الأمر من شيء سؤال المؤمنين المسترشدين وهم فيما يبطنون على النفاق، يقولون في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم إن الأمر كله لله ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الامر شَيْء ﴾ أي لو كان الأمر كما قال محمد إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون، لما غلبنا قط.

ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ يعني من علم الله منه أنه يقتل ويصرع في هذه المصارع وكتب ذلك في اللوح لم يكن بد من وجوده فلو قعدتم في بيوتكم ﴿ لَبَرَزَ ﴾ من بينكم ﴿ الذين ﴾ علم الله أنهم يقتلون ﴿ إلى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ وهي مصارعهم ليكون ما علم الله أنه يكون.

والمعنى أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين، وكتب مع ذلك أنهم الغالبون، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم وترغيب في الشهادة، وحرصهم على الشهادة مما يحرضهم على الجهاد فتحصل الغلبة.

وقيل: معناه هل لنا من التدبير من شيء، يعنون لم نملك شيئاً من التدبير حيث خرجنا من المدينة إلى أحد، وكان علينا أن نقيم ولا نبرح كما كان رأي عبد الله بن أبيّ وغيره، ولو ملكنا من التدبير شيئاً لما قتلنا في هذه المعركة، قل إن التدبير كله لله، يريد أن الله عز وجل قد دبر الأمر كما جرى، ولو أقمتم بالمدينة ولم تخرجوا من بيوتكم لما نجا من القتل من قتل منكم.

وقرئ: ﴿ كتب عليهم القتال ﴾ .

﴿ وكتب عليهم القتل ﴾ ، على البناء للفاعل.

ولبرِّز، بالتشديد وضم الباء ﴿ وَلِيَبْتَلِىَ الله ﴾ وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان.

فعل ذلك أو فعل ذلك لمصالح جمة وللابتلاء والتمحيص.

فإن قلت: كيف مواقع الجمل التي بعد قوله وطائفة؟

قلت: ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ ﴾ صفة لطائفة و ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ صفة أخرى أو حال بمعنى: قد أهمتهم أنفسهم ظانين.

أو استئناف على وجه البيان للجملة قبلها.

و ﴿ يَقُولُونَ ﴾ بدل من يظنون.

فإن قلت: كيف صح أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلاً من الإخبار بالظن؟

قلت: كانت مسألتهم صادرة عن الظنّ، فلذلك جاز إبداله منه.

ويخفون حال من يقولون.

و ﴿ قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ ﴾ [آل عمران: 154] اعتراض بين الحال وذوي الحال.

و ﴿ يَقُولُونَ ﴾ بدل من ﴿ يُخْفُونَ ﴾ والأجود أن يكون استئنافاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِصَرَفَكُمْ، أوْ لِيَبْتَلِيَكم أوْ بِمُقَدَّرٍ كاذْكُرُوا.

والإصْعادُ الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ يُقالُ: أصْعَدْنا مِنمَكَّةَ إلى المَدِينَةِ.

﴿ وَلا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ ﴾ لا يَقِفُ أحَدٌ لِأحَدٍ ولا يَنْتَظِرُهُ.

﴿ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ﴾ كانَ يَقُولُ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ مَن يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ.

﴿ فِي أُخْراكُمْ ﴾ في ساقَتِكم أوْ جَماعَتِكُمُ الأُخْرى ﴿ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ عُطِفَ عَلى صَرَفَكُمْ، والمَعْنى فَجازاكُمُ اللَّهُ عَنْ فَشَلِكم وعِصْيانِكم غَمًّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ، مِنِ الِاغْتِمامِ بِالقَتْلِ والجَرْحِ وظَفَرِ المُشْرِكِينَ والإرْجافِ بِقَتْلِ الرَّسُولِ  ، أوْ فَجازاكم غَمًّا بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللَّهِ  بِعِصْيانِكم لَهُ.

﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ ﴾ لِتَتَمَرَّنُوا عَلى الصَّبْرِ في الشَّدائِدِ فَلا تَحْزَنُوا فِيما بَعْدُ عَلى نَفْعٍ فائِتٍ ولا ضُرٍّ لاحِقٍ.

وقِيلَ لا مَزِيدَةٌ والمَعْنى لِتَأْسَفُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ وعَلى ما أصابَكم مِنَ الجَرْحِ والهَزِيمَةِ عُقُوبَةً لَكم.

وقِيلَ الضَّمِيرُ في فَأثابَكم لِلرَّسُولِ  أيْ فَآساكم في الِاغْتِمامِ فاغْتَمَّ بِما نَزَلَ عَلَيْكُمْ، كَما اغْتَمَمْتُمْ بِما نَزَلَ عَلَيْهِ ولَمْ يَثُرْ بِكم عَلى عِصْيانِكم تَسْلِيَةً لَكم كَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ النَّصْرِ ولا عَلى ما أصابَكم مِنَ الهَزِيمَةِ ﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ عَلِيمٌ بِأعْمالِكم وبِما قَصَدْتُمْ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)

وانتصب {إِذْ تُصْعِدُونَ} تبالغون في الذهاب في صعيد الأرض والإصعاد الذهاب في صعيد الأرض أو الابعاد فيه وانتصب بصرفكم أو بقوله ليبتليكم أو بإضمار اذكروا {ولا تلوون على أحد} ولا تلتفتون وهو عبارة عن غاية انهزامهم وخوف عدوهم {والرسول يَدْعُوكُمْ} يقول إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة

والجملة في موضع الحال {فِى أُخْرَاكُمْ} في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة يقال جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أولهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى {فأثابكم} عطف على صرفكم أي فجازاكم الله {غَمّاً} حين صرفكم عنهم وابتلاكم {بغم} بسبب غم اذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم أمره أو غماً مضاعفاً غماً بعد غم وغماً متصلاً بغم من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله عليه السلام والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ} لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع {وَلاَ مَا أصابكم} ولا على مصيب من المضار {والله خَبِيرٌ بما تعملون} عالم بعلمكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِصَرَفَكم أوْ بِيَبْتَلِيَكم، وتَعَلُّقُهُ بِعَفا كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ تَعَلُّقُهُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ بِعَصَيْتُمْ، أوْ (تَنازَعْتُمْ) أوْ (فَشِلْتُمْ)، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ كاذْكُرْ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ ﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ﴾ وفِيهِ خِطابانِ بِدُونِ عَطْفٍ، فالصَّوابُ اذْكُرُوا.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ - بِاذْكُرْ - جِنْسُ هَذا الفِعْلِ فَيُقَدَّرُ - اذْكُرُوا - لا اذْكُرْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وأجابَ الشِّهابُ بِأنَّ اذْكُرْ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى القَوْلِ، والمَعْنى قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ حِينَ يُصْعِدُونَ إلَخْ، ومِثْلُهُ لا مَنعَ فِيهِ كَما تَقُولُ لِزَيْدٍ: أتَقُولُ كَذا، فَإنَّ الخِطابَ المَحْكِيَّ مَقْصُودُ لَفْظِهِ فَلا يُنافِي القاعِدَةَ المَذْكُورَةَ وهم غَفَلُوا عَنْهُ فَتَأمَّلْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا، والإصْعادُ الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الإصْعادِ والصُّعُودِ بِأنَّ الإصْعادَ في مُسْتَوى الأرْضِ والصُّعُودَ في ارْتِفاعٍ، وقِيلَ: لا فَرْقَ بَيْنَ أصْعَدَ وصَعِدَ سِوى أنَّ الهَمْزَةَ في الأوَّلِ لِلدُّخُولِ نَحْوَ أصْبَحَ إذا دَخَلَ في الصَّباحِ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ (تَصْعَدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ والعَيْنِ وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى صُعُودِ الجَبَلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (تَصَعَّدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ العَيْنِ وهو إمّا مِن تَصَعَّدَ في السُّلَّمِ إذا رَقى أوْ مِن صَعَّدَ في الوادِي تَصْعِيدًا إذا انْحَدَرَ فِيهِ، فَقَدْ قالَ الأخْفَشُ: أصْعَدَ في الأرْضِ إذا مَضى وسارَ وأصْعَدَ في الوادِي وصَعَّدَ فِيهِ إذا انْحَدَرَ وأنْشَدَ: فَإمّا تَرَيْنِي اليَوْمَ مُزْجِي ظَعِينَتِي أُصَعِّدُ طَوْرًا في البِلادِ وأُفْرِعُ وقالَ الشَّمّاخُ: فَإنْ كَرِهْتَ هِجائِي فاجْتَنِبْ سَخَطِي لا ∗∗∗ يَدْهَمَنَّكَ إفْراعِي وتَصْعِيدِي ووَرَدَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ القَوْمَ لِما امْتُحِنُوا ذَهَبُوا فِرارًا في وادِي أُحُدٍ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ صَعَّدَ في السُّلَّمِ صُعُودًا وصَعَّدَ في الجَبَلِ أوْ عَلى الجَبَلِ تَصْعِيدًا ولَمْ يَعْرِفُوا فِيهِ صَعِدَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (إذْ تُصْعِدُونَ) في الوادِي وهي تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الإصْعادَ الذَّهابُ في مُسْتَوى الأرْضِ دُونَ الِارْتِفاعِ، وقُرِئَ (يُصْعِدُونَ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وأمْرُ تَعَلُّقِ إذْ بِاذْكُرْ عَلَيْهِ ظاهِرٌ.

﴿ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ ﴾ أيْ لا تُقِيمُونَ عَلى أحَدٍ ولا تُعَرِّجُونَ وهو مِن لَوى بِمَعْنى عَطَفَ وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى وقَفَ وانْتَظَرَ لِأنَّ مِن شَأْنِ المُنْتَظِرَ أنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ، وفُسِّرَ أيْضًا بِلا تَرْجِعُونَ وهو قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ هَذا الفِعْلَ لا يُذْكَرُ إلّا في النَّفْيِ فَلا يُقالُ لَوَيْتُ عَلى كَذا، وقَرَأ الحَسَنُ تَلُونُ بِواوٍ واحِدَةٍ بِقَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً وحَذْفِها تَخْفِيفًا.

وقُرِئَ ( تَلْوُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّهُ مِن ألْوى لُغَةً في لَوى، ويُلْوُونَ بِالياءِ كَيُصْعِدُونَ، قالَ أبُو البَقاءِ ويُقْرَأُ (عَلى أُحُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ وهو الجَبَلُ، والتَّوْبِيخُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، ووَجَّهَهُ بَعْضُهم بِأنَّ المُرادَ أصْحابُ أُحُدٍ أوْ مَكانُ الوَقْعَةِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى إبْعادِهِمْ في اسْتِشْعارِ الخَوْفِ وجَدِّهِمْ في الهَزِيمَةِ حَتّى لا يَلْتَفِتُونَ إلى نَفْسِ المَكانِ.

﴿ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ ﴾ أيْ يُنادِيكم في ساقَتِكم أوْ جَماعَتِكُمُ الأُخْرى أوْ يَدْعُوكم مِن ورائِكم فَإنَّهُ يُقالُ: جاءَ فَلانٌ في آخِرِ النّاسِ وأخِرَتِهِمْ وأُخْراهم إذا جاءَ خَلْفَهم، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ بِطَرِيقِ الرِّسالَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُبالَغَةً في تَوْبِيخِ المُنْهَزِمِينَ، رُوِيَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُنادِي: إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ، مَن يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ» .

وكانَ ذَلِكَ حِينَ انْهَزَمَ القَوْمُ وجَدُّوا في الفِرارِ قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلى مَدًى لا يُسْمَعُ فِيهِ الصَّوْتُ، فَلا يُنافِي ما تَقَدَّمَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونادى بِأعْلى صَوْتِهِ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ أبْشِرُوا هَذا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ أنْصِتْ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ آخِرَ الأمْرِ حَيْثُ أبْعَدَ المُنْهَزِمُونَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿ فَأثابَكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ صَرَفَكُمْ ﴾ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى والتَّعْبِيرُ بِالإثابَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ.

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ.

أوْ أنَّها مُجازٌ عَنِ المُجازاةِ أيْ فَجازاكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما عَصَيْتُمْ ﴿ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ أيْ كَرْبًا بِكَرْبٍ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الغَمِّ والحُزْنِ، والباءُ إمّا لِلْمُصاحَبَةِ والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ أيْ جازاكم ﴿ غَمًّا ﴾ مُتَّصِلًا ﴿ بِغَمٍّ ﴾ ، والغَمُّ الأوَّلُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ القَتْلِ والجَرْحِ وغَلَبَةِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ، والغَمُّ الثّانِي ما حَصَلَ لَهم مِنَ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَوْتِ الغَنِيمَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ.

وقِيلَ: الغَمُّ الثّانِي إشْرافُ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ عَلَيْهِمْ وهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الصَّخْرَةِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: المُرادُ مُجَرَّدُ التَّكْثِيرِ أيْ جازاكم بِغُمُومٍ كَثِيرَةٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ، وإمّا لِلسَّبَبِيَّةِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأثابَكم، والغَمُّ الأوَّلُ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالقَتْلِ نَحْوَهُ، والغَمُّ الثّانِي لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ أيْ أثابَكم غَمًّا بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعِصْيانِكم لَهُ ومُخالَفَتِكم أمْرَهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرِبِيُّ: الغَمُّ الأوَّلُ لِلْمُشْرِكِينَ بِما رَأوْا مِن قُوَّةِ المُسْلِمِينَ عَلى طَلَبِهِمْ وخُرُوجِهِمْ إلى حَمْراءِ الأسَدِ، والغَمُّ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ بِما نِيلَ مِنهم أيْ فَجازاكم بِغَمِّ أعْدائِكُمُ المُشْرِكِينَ بِسَبَبِ غَمٍّ أذاقُوهُ إيّاكم، وقِيلَ: الباءُ عَلى هَذا لِلْبَدَلِ، وكِلا القَوْلَيْنِ بَعِيدٌ، والعَطْفُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، والغَمَّ الثّانِي لِلْمُشْرِكِينَ بِما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ، والمَعْنى فَجازاكم غَمًّا يَوْمَ أُحُدٍ بِالقَتْلِ والجَرْحِ بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ ما لَحِقَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ إنَّما يُوجِبُ المُجازاةَ بِالكَرامَةِ دُونَ الغَمِّ، وقِيلَ الضَّمِيرُ المَسْتَكِنُّ في أثابَكم لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأثابَكم بِمَعْنى آساكم أيْ جَعَلَكم أُسْوَةً لَهُ مُتَساوِيَيْنِ في الحُزْنِ، فاغْتَمَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما نَزَلَ عَلَيْكم كَما اغْتَمَمْتُمْ بِما نَزَلَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَثِرْ بِكم عَلى عِصْيانِكم تَسْلِيَةً لَكم وتَنْفِيسًا عَنْكم، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ لِلُزُومِ التَّفْكِيكِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى صَرَفَكم، وعَدَمُ ظُهُورِ التَّرَتُّبِ إلّا بِتَكَلُّفٍ إنْ كانَ العَطْفُ عَلى (يَدْعُوكُمْ) نَعَمِ التَّعْلِيلُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ ﴾ ظاهِرٌ إذِ المَعْنى آساكم بِذَلِكَ لِيَكِلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ النَّصْرِ ولا ما أصابَكم مِنَ الشَّدائِدِ، وكَذا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المَغْرِبِيُّ، وأمّا عَلى الأوْجُهِ الأُخَرِ فالمَعْنى لِتَتَمَرَّنُوا عَلى الصَّبْرِ في الشَّدائِدِ فَلا تَحْزَنُوا عَلى نَفْعٍ ما فاتَ أوْ ضُرٍّ آتٍ، وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ لِأنَّ المُجازاةَ بِالغَمِّ إنَّما تَكُونُ سَبَبًا لِلْحُزْنِ لا لِعَدَمِهِ.

وقِيلَ: (لا) زائِدَةٌ والمَعْنى لِكَيْ تَأْسَفُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ وعَلى ما أصابَكم مِنَ الجِراحِ والهَزِيمَةِ عُقُوبَةً لَكم، فالتَّعْلِيلُ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، ولا يَخْفى أنَّ تَأْكِيدَ لا وتَكْرِيرَها يُبْعِدُ القَوْلَ بِزِيادَتِها، وقِيلَ: التَّعْلِيلُ عَلى ظاهِرِهِ، و(لا) لَيْسَتْ زائِدَةً، والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ أيْ ولَقَدْ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكم لِئَلّا تَحْزَنُوا إلَخْ، فَإنَّ عَفْوَ اللَّهِ تَعالى يُذْهِبُ كُلَّ حُزْنٍ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ أمْرَ التَّعْلِيلِ ظاهِرٌ أيْضًا عَلى ما حُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ ولا القَوْلِ بِزِيادَةِ - لا - ويُوَضِّحُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أصابَ النّاسَ غَمٌّ وحُزْنٌ عَلى ما أصابَهم في أصْحابِهِمُ الَّذِينَ قُتِلُوا، فَلَمّا اجْتَمَعُوا في الشِّعْبِ وقَفَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ بِبابِ الشِّعْبِ، فَظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم سَوْفَ يَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَهم أيْضًا فَأصابَهم حُزْنٌ أنْساهم حُزْنَهم في أصْحابِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ إلَخْ، وحَدِيثُ: إنَّ المُجازاةَ بِالغَمِّ إنَّما تَكُونُ سَبَبًا لِلْحُزْنِ لا لِعَدَمِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى الإطْلاقِ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَكُونَ غَمٌّ مَخْصُوصٌ سَبَبًا لِزَوالِ غَمٍّ آخَرَ مَخْصُوصٍ أيْضًا بِأنْ يَعْظُمَ الثّانِي فَيُنْسِيَ الأوَّلَ فَتَدَبَّرْ.

﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ (153) عَلِيمٌ بِأعْمالِكم وبِما قَصَدْتُمْ بِها، وفي المَقْصِدِ الأسْنى: الخَبِيرُ بِمَعْنى العَلِيمِ، لَكِنَّ العِلْمَ إذا أُضِيفَ إلى الخَفايا الباطِنَةِ سُمِّيَ خِبْرَةً، وسُمِّيَ صاحِبُها خَبِيرًا، وفِيهِ تَرْغِيبٌ في الطّاعَةِ وتَرْهِيبٌ عَنِ المَعْصِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ وذلك أنهم لما أخذوا في الحرب انهزم المشركون، فلما أَخَذَ بعض المسلمين في النهب والغارة رجع الأمر عليهم وانهزم المسلمون، فذلك قوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ.

إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ يقول: تقتلونهم بأمره.

وقال القتبي: تحسونهم يعني تستأصلونهم بالقتل، يقال: جراد محسوس إذا قتله البرد.

حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ يعني: جَبُنْتُمْ من عدوكم، واختلفتم في الأمر وَعَصَيْتُمْ أمر الرسول  مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ يعني أراكم الله مَّا تُحِبُّونَ يعني من النصر على عدوكم، وهزيمة الكفار والغنيمة.

ثم قال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا أي يطلب الغنيمة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وهم الذين ثبتوا عند المشركين حتى قتلوا.

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا لا نعرف أن أحداً منا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية، فَعَلِمْنا أن فينا من يريد الدنيا ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ بالهزيمة من بعد أن أَظْفَركم عليهم لِيَبْتَلِيَكُمْ بمعصية الرسول بالقتل والهزيمة وَلَقَدْ عَفا الله عَنْكُمْ ولم يعاقبكم عند ذلك، فلم تقتلوا جميعاً وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ في عفوه وإنعامه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بالعفو والإنعام إِذْ تُصْعِدُونَ يعني: إلى الجبل هاربين، حيث صعدوا الجبل منهزمين من العدو، وكان رسول الله  يدعوهم: «يَا معْشرَ المُسْلِمينَ أَنَا رَسُولُ الله» فلم يلتفت إليه أحد، حتى أتوا على الجبل.

فذلك قوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ يعني الجبل.

وهذا قول الكلبي وقال الضحاك: إذ تصعدون في الوادي منهزمين.

وقال القتبي: يعني تبعدون في الهزيمة، يقال: أصعد في الأرض إذا أمعن في الهزيمة.

وقرأ الحسن: تَصْعَدُون بنصب التاء، أي تَصْعَدُون الجبل.

وقرأ العامة بالضم وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ يقول: ولا تقيمون على رسول الله  ، ويقال: لا يقيم بعضكم على بعض وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ يقول: مِنْ خَلْفِكم فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ يقول: جعل ثوابكم غماً على أثر الغم، ويقال: جزاكم غماً على أثر الغم، ويقال غماً متصلاً بالغم.

فأما الغم الأول: فإشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين وهم في ذلك الجبل قاله الكلبي.

وقال مقاتل: الغم الأول ما فاتهم من الفتح والغنيمة، فاجتمعوا وكانوا يذكرون فيما بينهم ما أصابهم في ذلك اليوم.

والغم الثاني: إذ صعد خالد بن الوليد، فلما عاينوه أَذْعَرهُم ذلك أي خوفهم، فأنساهم ما كانوا فيه من الحزن، فذلك قوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ من الفتح والغنيمة وَلا مَا أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة.

ويقال: الغم الأول الجُرح والقتل، والغم الثاني أنهم سمعوا بأن النبيّ  قد قتل فأنساهم الغم الأول.

قال: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يعني لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجازيكم بها.

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً الأمنة في اللغة الأمن.

قال الكلبي: إذا أَمِنَ القوم نعسوا.

وقال الضحاك: النعاس عند القتال أمنة من الله تعالى.

ويقال: الذي يصيبه الغم والهزيمة لا يكون له شيء أحسن من النعاس، فيذهب عنه همه، فأصاب القومَ النعاسُ فذهب عنهم الغم وأمنوا.

قوله تعالى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ يعني النعاسَ يغشى ويعلو طائفة منكم، من كان من أهل الصدق واليقين.

قرأ حمزة والكسائي: تغشى بالتاء.

وقرأ الباقون بالياء.

فمن قرأ بالتاء انصرف إلى قوله أمنة، ومن قرأ بالياء يكون نعتاً للنعاس.

ثم قال: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يعني أهل النفاق.

وقال الكلبي: هو معتب بن قُشَيْر وأصحابه يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ يعني: أنهم يظنون أن لن ينصر الله محمداً وأصحابه ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ قال الكلبي: يعني كظنهم في الجاهلية.

وقال مقاتل: ظن الجاهلية كظن الجهال المشركين، مثل أبي سفيان وأصحابه يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ يعني: النصرة والفتح قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يعني النصرة والغنيمة كله من الله يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي يُسِرُّونَ في أنفسهم ما لا يُبْدُونَ لَكَ أي يقولون ما لا يظهرون لك يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا أي يقولون لو كان ديننا حقا ما قتلنا هاهُنا قال الكلبي: وفي الآية تقديم وتأخير، ومعناه يقولون: هل لنا من الامر من شيء، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الامر شىء ما قتلنا هاهنا قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وقال الضحاك: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ يعني القدر خيره وشره من الله.

قرأ أبو عمرو: قل إن الامر كله لله بضم اللام، والباقون بالنصب.

فمن قرأ بالرفع جعله اسماً مستأنفاً، ومن نصب جعله نعتاً للأمر.

ثم قال تعالى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ يقول: لظهر.

ويقال: لخرج الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ أي قُضِيَ عَلَيهم القتل إِلى مَضاجِعِهِمْ أي إلى مواضع مصارعهم.

معناه: أنهم وإن لم يخرجوا إلى العدو وقد قضى الله عليهم بالقتل، لخرجوا إلى مواضع قتلهم لا محالة، حتى ينفذ فيهم القضاء.

قال تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ يعني ليختبر ويظهر ما في قلوبكم وَلِيُمَحِّصَ يعني: ليظهر ويكفر مَا فِي قُلُوبِكُمْ من الذنوب وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: بما في القلوب من الخير والشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وصواحِبِهَا مشَمِّراتٍ هَوَارِبَ، ما دُونَ أخْذِهِنَّ قليلٌ، ولا كثيرٌ إذ مالَتِ الرماةُ إلى العَسْكَر حين كَشَفْنَا القَوْمَ عَنه، يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورَنَا للخَيْلِ، فَأُوتِينَا مِنْ أَدْبَارنا، وصَرَخَ صَارِخٌ أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، وانكفأ علينا القومُ.

وقوله سبحانه: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، يعني بهم الذين حَرَصُوا على الغنيمة، وكان المالُ همَّهم قاله ابنُ عَبَّاسٍ «١» ، وسائرُ المفسِّرين، وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ مسْعود: ما كنتُ أرى أنّ أحدا من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يريدُ الدنيا حتى نَزَلَ فينا يَوْمَ أُحُدٍ: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا» .

وقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ إخبارٌ عن ثبوتِ مَنْ ثَبَتَ من الرُّماة، مع عبد اللَّه بن جُبَيْر امتثالا للأمْر حتى قُتِلُوا، ويدخلُ في هذا أنَسُ بْنُ النَّضْر، وكلُّ من جَدَّ ولم يضطرب من المؤمنين.

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)

وقوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ العامل في إذ قوله: «عفا» ، وقراءة «٣» الجمهور «تصعدون» (بضم التاء، وكسر العين) من: أصْعَدَ، ومعناه: ذَهَبَ في الأَرْضِ، والصعيدُ: وجهُ الأرض، ف «أَصْعَدَ» : معناه: دَخَلَ في الصَّعيد كما أنّ «أصبح» :

دخل في الصّباح.

وقوله سبحانه: وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ مبالغةٌ في صفةِ الانهزامِ، وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ «١» : «على أُحُدٍ» (بضم الألف والحاء) ، يريد الجَبَلَ، والمعنيّ بذلك نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم لأنه كان على الجَبَلِ، والقراءةُ الشهيرةُ أقوى لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكُنْ علَى الجَبَلِ إلاَّ بعد ما فَرَّ الناسُ، وهذه الحالُ مِنْ إصعادهم إنَّما كانتْ، وهو يدعوهم، ورُوِيَ أنَّه كان يُنَادِي صلّى الله عليه وسلّم:

«إلَيَّ، عِبَادَ اللَّهِ» ، والناسُ يفرُّون، وفي قوله تعالى: فِي أُخْراكُمْ: مدح له صلّى الله عليه وسلّم فإن ذلك هو موقِفُ الأبطالِ في أعْقَابِ النَّاس ومنه قولُ الزُّبِيْرِ بْنِ باطا «٢» : ما فَعَل مقدِّمتُنا إذَا حَمَلْنا، وحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا وكذلك كان صلّى الله عليه وسلّم أشْجَعَ الناسِ ومنه قولُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ «٣» /: كِنَّا إذا احمر البَأْسُ، اتقيناه برَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله تعالى: فَأَثابَكُمْ: معناه: جازاكُمْ على صنيعكم، واختلف في معنى قوله تعالى: غَمًّا بِغَمٍّ، فقال قوم: المعنى: أثابكم غَمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسائرِ المسلمينَ بفَشَلكم، وتَنَازُعِكم، وعِصْيَانكم.

قال قتادة، ومجاهد:

الغَمُّ الأول: أنْ سَمِعُوا أَلاَ إنَّ محمّدا قد قتل، والثاني: القتل والجراح «٤» .

وقوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ، أي: من الغنيمة، ولا ما أصابكم، أي: من القَتْل والجِرَاحِ، وذُلِّ الانهزام، واللامُ من قوله: «لكَيْ لاَ» متعلِّقة ب «أثَابَكُمْ» ، المعنى: لتعلموا أنَّ ما وقَعَ بكُمْ إنما هو بجنايَتِكُمْ، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادةُ البَشَر أنَّ جانِيَ الذنْبِ يَصْبِرُ للعقوبة، وأكْثَرُ قَلَقِ المعاقَبِ وحُزْنِهِ، إنما هو مع ظَنِّه البراءةَ بنَفْسه، ثم ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ: وفي صحيح البخاريِّ» ، عن أنسٍ أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أحد، قال:

فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ «١» ، ونحْوه عن الزُّبَيْر «٢» ، وابنِ مسْعود «٣» ، «والواوُ» في قوله: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن.

وقوله سبحانه: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ: معناه: يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم يضمحلُّ.

قلْتُ: وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ، ففي «صحيح مسلم» ، وغيره، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ...

» «٤» الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود: واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» «٥» اهـ.

وقوله:

ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ: ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح: ٢٦] وتَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ [الأحزاب: ٣٣] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد الله بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ: وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا.

وقوله «١» سبحانه: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ...

الآية: أخبر تعالى عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو.

وقوله سبحانه: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ «٢» عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن.

وقوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ: اللام في «ليبتلي» متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره: وليبتليَ وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا/ الاختبار.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ قال عُمَرُ (رضي اللَّه عنه) : المرادُ بهذه الآية جميعُ مَنْ تولى ذلك اليَوْمَ عن العدُوِّ «٣» .

وقيل: نزلَتْ في الذين فرّوا إلى المدينة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: "إذْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِ العَيْنِ، مِن قَوْلِهِ: "تُصْعِدُونَ" وهو مِنَ الإصْعادِ.

ورَوى أبانُ عَنْ ثَعْلَبٍ، عَنْ عاصِمٍ فَتْحَها، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وهو مِنَ الصُّعُودِ.

قالَ الفَرّاءُ: الإصْعادُ في ابْتِداءِ الأسْفارِ، والمَخارِجِ، تَقُولُ: أصْعَدْنا مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ، فَإذا صَعِدْتَ عَلى سُلَّمٍ أوْ دَرَجَةٍ، قُلْتَ: صَعِدْتُ، ولا تَقُولُ: أُصْعِدْتُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَنِ ابْتَدَأ مَسِيرًا مِن مَكانٍ، فَقَدْ أُصْعِدَ، فَأمّا الصُّعُودُ، فَهو مِن أسْفَلَ إلى فَوْقَ.

ومَن فَتَحَ التّاءَ والعَيْنَ، أرادَ الصُّعُودَ في الجَبَلِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآَيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ صُعُودُهم في الجَبَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الإبْعادُ في الهَزِيمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، و"تَلْوُونَ" بِمَعْنى "تَعْرُجُونَ" .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أحَدٍ ﴾ عامٌّ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ النَّبِيُّ  قالَ: «والنَّبِيُّ  يُنادِيهِمْ مِن خَلْفِهِمْ: "إلى عِبادِ اللَّهِ، أنا رَسُولُ اللَّهِ"» وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وحُمَيْدُ، عَلى أحَدٍ" بِضَمِّ الألِفِ والحاءِ، يَعْنُونَ الجَبَلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأثابَكُمْ ﴾ أيْ: جازاكم.

قالَ الفَرّاءُ الإثابَةُ هاهُنا بِمَعْنى عِقابٍ، ولَكِنَّهُ كَما قالَ الشّاعِرُ: أخافُ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ أداهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرًا المُحَدْرَجَةُ: السِّياطُ.

والسُّودُ فِيما يُقالُ: القُيُودُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ في هَذِهِ الباءِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "مَعَ" .

والثّانِي: بِمَعْنى "بَعْدُ" .

والثّالِثُ: بِمَعْنى "عَلى"، فَعَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأقْوالِ يَتَعَلَّقُ الغَمّانِ بِالصَّحابَةِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذَيْنَ الغَمَّيْنِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ.

والثّانِي: إشْرافُ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ الأوَّلَ فِرارُهُمُ الأوَّلُ، والثّانِي: فِرارُهم حِينَ سَمِعُوا أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الأوَّلَ ما فاتَهم مِنَ الغَنِيمَةِ وأصابَهم مِنَ القَتْلِ والجِراحِ، والثّانِي: حِينَ سَمِعُوا أنَّ النَّبِيَّ  قَدْ قُتِلَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ الأوَّلَ ما فاتَهم مِنَ الغَنِيمَةِ، والفَتْحِ، والثّانِي: إشْرافُ أبِي سُفْيانَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والخامِسُ: أنَ الأوَّلَ إشْرافُ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ عَلَيْهِمْ، والثّانِي: إشْرافُ أبِي سُفْيانَ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ الباءَ بِمَعْنى الجَزاءِ، فَتَقْدِيرُهُ: غَمَّكم كَما غَمَمْتُمْ غَيْرَكم، فَيَكُونُ أحَدُ الغَمَّيْنِ لِلصَّحابَةِ، وهو أحَدُ غُمُومِهِمُ الَّتِي ذَكَرْناها عَنِ المُفَسِّرِينَ، ويَكُونُ الغَمُّ الَّذِي جُوزُوا لِأجْلِهِ لِغَيْرِهِمْ.

وفي المُرادِ بِغَيْرِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ غَمُّوهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ  غَمُّوهُ حَيْثُ خالَفُوهُ، فَجُوزُوا عَلى ذَلِكَ، بِأنَّ غُمُّو بِما أصابَهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا ﴾ في "لا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها باقِيَةٌ عَلى أصْلِها، ومَعْناها النَّفْيُ، فَعَلى هَذا في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَأثابَكم غَمًّا أنْساكُمُ الحُزْنَ عَلى ما فاتَكم وما أصابَكم، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّبِيَّ قَدْ قُتِلَ، نَسُوا ما أصابَهم وما فاتَهم.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ فَمَعْنى الكَلامِ: عَفا عَنْكم، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم وأصابَكم، لِأنَّ عَفْوَهُ يُذْهِبُ كُلَّ غَمٍّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صِلَةٌ، ومَعْنى الكَلامِ: لِكَيْ تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم وأصابَكم عُقُوبَةً لَكم في خِلافِكم.

ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ  ﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ.

هَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والَّذِي فاتَهُمُ: الغَنِيمَةُ، والَّذِي أصابَهُمُ: القَتْلُ والهَزِيمَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "عَفا".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: " تُصْعِدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِن أصْعَدَ ومَعْناهُ: ذَهَبَ في الأرْضِ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَعِيدُ، وجْهُ الأرْضِ، وصُعْدَةُ اسْمٌ مِن أسْماءِ الأرْضِ، فَأصْعَدَ مَعْناهُ: دَخَلَ في الصَعِيدِ، كَما أنَّ أصْبَحَ دَخَلَ في الصَباحِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

والعَرَبُ تَقُولُ: أصْعَدْنا مِن مَكَّةَ وغَيْرِها، إذا اسْتَقْبَلُوا سَفَرًا بَعِيدًا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِحادِي الإبِلِ: قَدْ كُنْتِ تَبْكِينَ عَلى الإصْعادِ فالآنَ صَرَّحْتِ وصاحَ الحادِي وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ واليَزِيدِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: "إذْ تَصْعَدُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ، مِن صَعِدَ إذا عَلا، والمَعْنى بِهَذا صُعُودٌ مِن صَعِدَ في الجَبَلِ، والقِراءَةُ الأُولى أكْثَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تَلْوُونَ" مُبالَغَةٌ في صِفَةِ الِانْهِزامِ، وهو كَما قالَ دُرَيْدٌ: وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟

وهَذا أشَدُّ مِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ........................

∗∗∗ أخُو الجُهْدِ لا يَلْوِي عَلى مَن تَعَذَّرا وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ: "إذْ يَصْعَدُونَ ولا يَلْوُونَ" بِالياءِ فِيهِما عَلى ذِكْرِ الغَيْبِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَلا تَلْؤُونَ" بِهَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ، وهَذِهِ لُغَةٌ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "وَلا تَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وواوٍ واحِدَةٍ، وهي قِراءَةٌ مُتَرَكِّبَةٌ عَلى لُغَةٍ مِن هَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ الساكِنَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تُلْوُونَ" بِضَمِّ التاءِ، مِن ألْوى وهي لُغَةٌ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "عَلى أُحُدٍ" بِضَمِّ الألِفِ والحاءِ، يُرِيدُ الجَبَلَ، والمَعْنِيُّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ كانَ عَلى الجَبَلِ، والقِراءَةُ الشَهِيرَةُ أقْوى لِأنَّ النَبِيَّ  لَمْ يَكُنْ عَلى الجَبَلِ إلّا بَعْدَ ما فَرَّ الناسُ عنهُ، وهَذِهِ الحالُ مِن إصْعادِهِمْ إنَّما كانَتْ وهو يَدْعُوهُمْ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُنادِي: « "إلَيَّ عِبادَ اللهِ"،» والناسُ يَفِرُّونَ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي أُخْراكُمْ ﴾ مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ هو مَوْقِفُ الأبْطالِ في أعْقابِ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُ الزَبِيرِ بْنِ باطا: "ما فَعَلَ مُقَدِّمَتُنا إذْ حَمَلْنا وَحامِيَتُنا إذْ فَرَرْنا"، وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ  أشْجَعَ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ: "كُنّا إذا احْمَرَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأثابَكُمْ" مَعْناهُ: جازاكم عَلى صَنِيعِكُمْ، وسُمِّيَ الغَمُّ ثَوابًا عَلى مَعْنى أنَّهُ القائِمُ في هَذِهِ النازِلَةِ مَقامَ الثَوابِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ........................

∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ وكَقَوْلِ الآخَرِ: أخافُ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ ∗∗∗ أداهِمَ سُودًا أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا فَجَعَلَ القُيُودَ والسِياطَ عَطاءً، ومُحَدْرَجَةً: بِمَعْنى مُدَحْرَجَةٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "غَمًّا بِغَمٍّ"، فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: أثابَكم غَمًّا بِسَبَبِ الغَمِّ الَّذِي أدْخَلْتُمُوهُ عَلى رَسُولِ اللهِ  وسائِرِ المُؤْمِنِينَ، بِفَشَلِكم وتَنازُعِكم وعِصْيانِكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالباءُ عَلى هَذا باءُ السَبَبِ.

وَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى أثابَكم غَمًّا بِالغَمِّ الَّذِي أوقَعَ عَلى أيْدِيكم بِالكُفّارِ يَوْمَ بَدْرٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالباءُ عَلى هَذا باءُ مُعادَلَةٍ، كَما قالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ سِجالٌ.

وقالَتْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى أثابَكم غَمًّا عَلى غَمٍّ، أو غَمًّا مَعَ غَمٍّ، وهَذِهِ باءُ الجَرِّ المُجَرَّدِ.

واخْتَلَفُوا في تَرْتِيبِ هَذَيْنِ الغَمَّيْنِ فَقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: الغَمُّ الأوَّلُ: أنْ سَمِعُوا: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، والثانِي: القَتْلُ والجِراحُ الواقِعَةُ فِيهِمْ.

وقالَ الرَبِيعُ وقَتادَةُ أيْضًا بِعَكْسِ هَذا التَرْتِيبِ، وقالَ السُدِّيُّ ومُجاهِدٌ أيْضًا وغَيْرُهُما: بَلِ الغَمُّ الأوَّلُ هو قَتْلُهم وجِراحُهم وكُلُّ ما جَرى في ذَلِكَ المَأْزِقِ، والغَمُّ الثانِي هو إشْرافُ أبِي سُفْيانَ عَلى النَبِيِّ ومَن كانَ مَعَهُ.

ذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  طَفِقَ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو الناسَ حَتّى انْتَهى إلى قَوْمٍ مِن أصْحابِهِ قَدْ عَلَوْا صَخْرَةً في صَفْحِ الجَبَلِ فَمَشى نَحْوَهُمْ، فَأهْوى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ لِيَرْمِيَهُ، فَقالَ: أنا رَسُولُ اللهِ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، وفَرِحَ هو عَلَيْهِ السَلامُ إذْ رَأى مِن أصْحابِهِ الِامْتِناعَ، ثُمَّ أخَذُوا يَتَأسَّفُونَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الظَفَرِ، وعَلى مَن ماتَ مِن أصْحابِهِمْ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ أبُو سُفْيانَ مِن عُلُوٍّ في خَيْلٍ كَثِيرَةٍ، فَنَسُوا ما نَزَلَ بِهِمْ أوَّلًا، وأهَمَّهم أمْرُ أبِي سُفْيانَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: "لَيْسَ لَهم أنْ يَعْلُونا، اللهُمَّ إنْ تُقْتَلْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ" ثُمَّ نَدَبَ أصْحابَهُ فَرَمَوْهم بِالحِجارَةِ، وأغْنى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى أنْزَلُوهم.» واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن هَزِيمَةِ أُحُدٍ اخْتِلافًا كَثِيرًا، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ هَوْلٌ، فَكُلُّ أحَدٍ وصَفَ ما رَأى وسَمِعَ، «قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: أوَّلُ مَن مَيَّزَ رَسُولَ اللهِ  أنا، رَأيْتُ عَيْنَيْهِ تُزْهِرانِ تَحْتَ المِغْفَرِ.» ورُوِيَ أنَّ الخَيْلَ المُسْتَعْلِيَةَ إنَّما كانَتْ حَمْلَةَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وأنَّ أبا سُفْيانَ إنَّما دَنا، والنَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في عُرْعُرَةِ الجَبَلِ، ولِأبِي سُفْيانَ في ذَلِكَ المَوْقِفِ قَوْلٌ كَثِيرٌ، ولِعُمَرَ مَعَهُ مُراجَعَةٌ مَحْفُوظَةٌ، اخْتَصَرْتُها إذْ لا تَخُصُّ الآيَةَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: مِنَ الغَنِيمَةِ، ( وما أصابَكم ) مَعْناهُ: مِنَ القَتْلِ والجَرْحِ وذُلِّ الِانْهِزامِ وما نِيلَ مِن نَبِيِّكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللامُ مِن قَوْلِهِ: "لِكَيْلا" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أثابَكُمْ"، المَعْنى: لِتَعْلَمُوا أنَّ ما وقَعَ بِكم إنَّما هو بِجِنايَتِكُمْ، فَأنْتُمْ آذَيْتُمْ أنْفُسَكُمْ، وعادَةُ البَشَرِ أنَّ جانِيَ الذَنْبِ يَصْبِرُ لِلْعُقُوبَةِ، وأكْثَرُ قَلَقِ المُعاقَبِ وحُزْنِهِ إنَّما هو مَعَ ظَنِّهِ البَراءَةَ بِنَفْسِهِ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ تَوَعُّدٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ النُعاسِ الَّذِي أمَّنَ بِهِ المُؤْمِنِينَ فَغَشِيَ أهْلَ الإخْلاصِ، وذَلِكَ «أنَّهُ لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ مِن مَوْضِعِ الحَرْبِ، قالَ النَبِيُّ  لِعَلِيٍّ بِحَضْرَةِ أصْحابِهِ المُتَحَيِّزِينَ في تِلْكَ الساعَةِ إلَيْهِ: "اذْهَبْ فانْظُرْ إلى القَوْمِ، فَإنْ جَنَّبُوا الخَيْلَ فَهم ناهِضُونَ إلىمَكَّةَ، وإنْ كانُوا عَلى خَيْلِهِمْ فَهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ، فاتَّقُوا اللهَ واصْبِرُوا" ووَطَّنَهم عَلى القِتالِ.

فَمَضى عَلِيٌّ ثُمَّ رَجَعَ فَأخْبَرَ أنَّهم جَنَّبُوا الخَيْلَ وقَعَدُوا عَلى أثْقالِهِمْ عِجالًا، فَآمَنَ المُوقِنُونَ المُصَدِّقُونَ رَسُولَ اللهِ  ، وألْقى اللهُ عَلَيْهِمُ النُعاسَ، وبَقِيَ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لا يُصَدِّقُونَ،» بَلْ كانَ ظَنُّهم أنَّ أبا سُفْيانَ يَؤُمُّ المَدِينَةَ ولا بُدَّ، فَلَمْ يَقَعْ عَلى أحَدٍ مِنهم نَوْمٌ، وإنَّما كانَ هَمُّهم في أحْوالِهِمُ الدُنْياوِيَّةِ.

قالَ أبُو طَلْحَةَ: لَقَدْ نِمْتُ في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى سَقَطَ سَيْفِي مِن يَدِي مِرارًا.

وقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: لَقَدْ رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ النَوْمِ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ إلى أصْحابِ النَبِيِّ  ، فَما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يَمِيلُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَعَسْنا يَوْمَ أُحُدٍ والنُعاسُ في الحَرْبِ أمَنَةٌ مِنَ اللهِ، والنُعاسُ في الصَلاةِ مِنَ الشَيْطانِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "أمَنَةً" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والنَخْعِيُّ "أمْنَةً" بِسُكُونِ المِيمِ، وهُما بِمَعْنى الأمْنِ، وفَتْحُ المِيمِ أفْصَحُ، وقَوْلُهُ: "نُعاسًا" بَدَلٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وَنافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: "يَغْشى" بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ النُعاسِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الضَمِيرِ البَدَلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَغْشى" بِالتاءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ الأمَنَةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ المُبْدَلِ مِنهُ.

والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهُمْ ﴾ هي واوُ الحالِ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ وزَيْدٌ قائِمٌ.

قالَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، قالَ الزَجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ خَبَرُ قَوْلِهِ: "وَطائِفَةٌ" قَوْلَهُ: "يَظُنُّونَ" ويَكُونَ "قَدْ أهَمَّتْهُمْ" صِفَةً لِلطّائِفَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهم إلى أنَّ اللَفْظَةَ مِنَ الهَمِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الغَمِّ والحُزْنِ، والمَعْنى: أنَّ نُفُوسَهُمُ المَرِيضَةَ وظُنُونَهُمُ السَيِّئَةَ قَدْ جَلَبَتْ إلَيْهِمُ الهَمَّ خَوْفَ القَتْلِ وذَهابِ الأمْوالِ، تَقُولُ العَرَبُ: أهَمَّنِي الشَيْءُ إذا جَلَبَ الهَمَّ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللَفْظَةَ مِن قَوْلِكَ: هَمَّ بِالشَيْءِ يَهُمُّ إذا أرادَ فِعْلَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى: أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمُ المُكاشَفَةَ ونَبْذَ الدِينِ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَلْنَرْجِعْ إلى دِينِنا الأوَّلِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرِ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٍ ما قُتِلْنا ها هُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ مَعْناهُ: يَظُنُّونَ أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ يَضْمَحِلُّ ويَذْهَبُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ ﴾ ؛ ذَهَبَ جُمْهُورُ الناسِ إلى أنَّ المُرادَ مُدَّةُ الجاهِلِيَّةِ القَدِيمَةِ قَبْلَ الإسْلامِ، وهَذا كَما قالَ: "حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ" و"تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ"، وكَما تَقُولُ: شِعْرَ الجاهِلِيَّةِ، وكَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أبِي في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ أرادَ في هَذِهِ الآيَةِ: ظَنَّ الفِرْقَةِ الجاهِلِيَّةِ، والإشارَةَ إلى أبِي سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، والأمْرُ مُحْتَمَلٌ، وقَدْ نَحا هَذا المَنحى قَتادَةُ والطَبَرِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ حِكايَةُ كَلامٍ قالُوهُ.

قالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقالَ: وهَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ ؟

يُرِيدُ أنَّ الرَأْيَ لَيْسَ لَنا، ولَوْ كانَ لَنا مِنهُ شَيْءٌ لَسَمِعَ مِن رَأْيِنا فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ مِنّا، وهَذا مِنهم قَوْلٌ بِأجَلَيْنِ، وكَأنَّ كَلامَهم يَحْتَمِلُ الكُفْرَ والنِفاقَ، عَلى مَعْنى: لَيْسَ لَنا مِن أمْرِ اللهِ شَيْءٌ، ولا نَحْنُ عَلى حَقٍّ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ وابْنُ فُورَكٍ، لَكِنْ يُضْعِفُ ذَلِكَ أنَّ الرَدَّ عَلَيْهِمْ إنَّما جاءَ عَلى أنَّ كَلامَهم في مَعْنى سُوءِ الرَأْيِ في الخُرُوجِ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ فَصِيحٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "كُلَّهُ"، بِالنَصْبِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرِ، لِأنَّ "كُلَّهُ" بِمَعْنى أجْمَعُ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ "كُلُّهُ لِلَّهِ" بِرَفْعِ "كُلٍّ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ورَجَّحَ الناسُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِأنَّ التَأْكِيدَ أمْلَكُ بِلَفْظَةِ "كُلٍّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عن تَسَتُّرِهِمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْضِ كُفْرٍ، بَلْ هي جَهالَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَمّا يُخْفُونَهُ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي لا يَقْدِرُونَ أنْ يُظْهِرُوا مِنهُ أكْثَرَ مِن هَذِهِ النَزَعاتِ، وأخْبَرَ تَعالى عنهم عَلى الجُمْلَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّتَهُ في المُنافِقِينَ، لا إلَهَ إلّا هو.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ هي مَقالَةٌ سُمِعَتْ مِن مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المَغْمُوصِ عَلَيْهِ بِالنِفاقِ.

وقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ فِيما أسْنَدَ الطَبَرِيُّ عنهُ: واللهِ لَكَأنِّي أسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ أخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والنُعاسُ يَغْشانِي، ما أسْمَعُهُ إلّا كالحُلْمِ حِينَ قالَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَلامُ مُعَتِّبٍ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى ما احْتَمَلَ كَلامُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبٌ هَذا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنَّهُ شَهِدَ العَقَبَةَ، وذَلِكَ وهْمٌ، والصَحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ عَقَبَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ ﴾ ....

الآيَةُ رَدٌّ عَلى الأقْوالِ، وإعْلامٌ بِأنَّ أجَلَ كُلِّ امْرِئٍ إنَّما هو واحِدٌ، فَمَن لَمْ يُقْتَلْ فَهو يَمُوتُ لِذَلِكَ الأجَلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَدَّرَ اللهُ تَعالى، وإذا قُتِلَ فَذَلِكَ هو الَّذِي كانَ في سابِقِ الأزَلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فِي بُيُوتِكُمْ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ، وهي بَعْضُ طُرُقِ السَبْعَةِ: "فِي بِيُوتِكُمْ"، بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "لَبَرَزَ" بِفَتْحِ الراءِ والباءِ عَلى مَعْنى: صارُوا في البَرازِ مِنَ الأرْضِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "بُرِّزَ" بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلَيْهِمُ القَتْلُ" أيْ: كُتِبَ عَلَيْهِمْ في قَضاءِ اللهِ وتَقْدِيرِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ والزُهْرِيُّ: "عَلَيْهِمُ القِتالُ".

وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ مَعْنى الِاسْتِغْناءِ عَنِ المُنافِقِينَ، أيْ: لَوْ تَخَلَّفْتُمْ أنْتُمْ لَبَرَزَ المُؤْمِنُونَ المُوقِنُونَ المُطِيعُونَ في القِتالِ المَكْتُوبِ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ ...

الآيَةُ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِيَبْتَلِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ: ولِيَبْتَلِيَ ولِيُمَحِّصَ فَعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ الواقِعَةَ، والِابْتِلاءُ هُنا هو الِاخْتِبارُ، والتَمْحِيصُ: تَخْلِيصُ الشَيْءِ مِن غَيْرِهِ، والمَعْنى: لِيَخْتَبِرَهُ فَيُعَلِّمَهُ عِلْمًا مُساوِقًا لِوُجُودِهِ وقَدْ كانَ مُتَقَرِّرًا قَبْلَ وُجُودِ الِابْتِلاءِ أزَلًا، و"ذاتِ الصُدُورِ": ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ المُعْتَقَداتِ، هَذا هو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ إذ تصعدون ﴾ متعلّق بقوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ [آل عمران: 152] أي دفعكم عن المشركين حين أنتم مصعدون.

والإصْعاد: الذهاب في الأرض لأنّ الأرض تسمّى صعيداً، قال جعفر بن عُلْبة: هَوَاي مَع الرَكْب اليَمَانِينَ مُصْعِد *** والإصعاد أيضاً السَّير في الوادي، قال قتادة والربيع: أصعدوا يوم أحُد في الوادي.

والمعنى: تفرّون مصعدين، كأنَّه قيل: تذهبون في الأرض أي فراراً، ف إذ) ظرف للزمان الَّذي عقب صرف الله إيّاهم وكان من آثاره.

﴿ ولا تلون على أحد ﴾ أي في هذه الحالة.

واللَّيُّ مجاز بمعنى الرّحمة والرفق مثل العطف في حقيقته ومجازه، فالمعنى ولا يلوي أحد عن أحد فأوجز بالحذف، والمراد على أحد منكم، يعني: فررتم لا يرحم أحد أحداً ولا يرفق به، وهذا تمثيل للجدّ في الهروب حتَّى إنّ الواحد ليدوس الآخر لو تعرّض في طريقه.

وجملة ﴿ والرسول يدعوكم في أُخراكم ﴾ حال، والأخرى آخر الجيش أي من ورائكم.

ودعاء الرسول دعاؤه إيّاهم للثبات والرجوع عن الهزيمة، وهذا هو دعاء الرسول النَّاس بقوله: «إليّ عباد الله من يَكُر فله الجنَّة».

وقوله: ﴿ فأثابكم غما ﴾ إن كان ضمير ﴿ فأثابكم ﴾ ضميرَ اسم الجلالةَ، وهو الأظهر والموافق لقوله بعده: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم ﴾ [آل عمران: 154] فهو عطف على ﴿ صَرَفكم ﴾ [آل عمران: 152] أي ترتّب على الصرف إثابتكم.

وأصلُ الإثابة إعطاء الثَّواب وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل.

والغمّ ليس بخير، فيكونُ أثابكم إمّا استعارة تهكمية كقول عمرو بن كلثوم: قَرَينَاكُم فَعَجَّلْنَا قِراكم *** قبيلَ الصبح مِرداة طحونا أي جازاكم الله على ذلك الإصعاد المقارن للصرف أن أثابكم غمّاً أي قلقَا لكم في نفوسكم، والمراد أن عاقبكم بغمّ كقوله: ﴿ فبشّرهم بعذاب أليم ﴾ [آل عمران: 21] وفي هذا الوجه بعد: لأنّ المقام مقام ملام لا توبيخ، ومقام لا تنديم.

وإمّا مشاكلةً تقديرية لأنَّهم لما خرجوا للحرب خرجوا طالبين الثَّواب، فسلكوا مسالك باءوا معها بعقاب فيكون كقول الفرزدق: أخاف زياداً أن يكون عطاؤُه *** أدَاهِم سوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمرا وقول الآخر: قلتُ: اطبُخوا لي جُبَّةً قميصاً *** ونكتة هذه المشاكلة أن يتوصّل بها إلى الكلام على ما نشأ عن هذا الغمّ من عبرة، ومن توجّه عناية الله تعالى إليهم بعده.

والباء في قوله: ﴿ بغمّ ﴾ للمصاحبة أي غمّاً مع غمّ، وهو جملة الغموم الَّتي دخلت عليهم من خيبة الأمل في النَّصر بعد ظهور بَوارقه، ومن الانهزام، ومن قتل من قُتل، وجرح من جرح، ويجوز كون الباء للعوض، أي: جازاكم الله غمّاً في نفوسكم عوضاً عن الغمّ الَّذي نسبتم فيه للرسول وإن كان الضّمير في قوله: ﴿ فأثابكم ﴾ عائداً إلى الرسول في قوله: ﴿ والرسول يدعوكم ﴾ ، وفيه بعد، فالإثابة مجاز في مقابلة فعل الجميل بمثله أي جازاكم بغمّ.

والباء في قوله: ﴿ بغمّ ﴾ باء العوض.

والغمّ الأوّل غمّ نفس الرسول، والغمّ الثَّاني غمّ المسلمين، والمعنى أنّ الرسول اغتمّ وحزن لما أصابكم، كما اغتممتم لما شاع من قتله فكان غمّه لأجلكم جزاءاً على غمّكم لأجله.

وقوله: ﴿ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ﴾ تعليل أوّل ل (أثابكم) أي ألهاكم بذلك الغمّ لئلاّ تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة، وما أصابكم من القتل والجراح، فهو أنساهم بمصيبة صغيرة مصيبة كبيرة، وقيل: (لا) زائدة والمعنى: لتحزنوا، فيكون زيادة في التوبيخ والتنديم إن كان قوله: ﴿ أثابكم ﴾ تهكّماً أو المعنى فأثابكم الرسول غمّاً لكيلا تحزنوا على ما فاتكم: أي سكت عن تثريبكم، ولم يظهر لكم إلاّ الاغتمام لأجلكم، لكيلا يذكّركم بالتثريب حزناً على ما فاتكم، فأعرض عن ذكره جَبراً لخواطركم.

وقيل: المعنى أصابكم بالغمّ الَّذي نشأ عن الهزيمة لتعتادوا نزول المصائب، فيذهب عنكم الهلع والجزع عند النوائب.

وفي الجمع بين ﴿ ما فاتكم ﴾ و ﴿ ما أصابكم ﴾ طباق يؤذن بطباق آخر مقدّر، لأنّ ما فات هو النافع وما أصاب هو من الضّار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ ﴾ أيْ تَقْتُلُونَهم في قَوْلِ الجَمِيعِ، يُقالُ: حَسَّهُ حَسًّا إذا قَتَلَهُ، لِأنَّهُ أُبْطِلَ بِمَعُونَتِهِ.

﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الإصْعادِ والصُّعُودِ أنَّ الإصْعادَ في مُسْتَوى الأرْضِ، والصُّعُودَ في ارْتِفاعٍ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وأبِي العَبّاسِ، والزَّجّاجِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم صَعِدُوا في جَبَلِ أُحُدٍ فِرارًا.

﴿ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ ﴾ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: « (يا عِبادَ اللَّهِ ارْجِعُوا)» ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ.

﴿ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَمًّا عَلى غَمٍّ.

والثّانِي: غَمًّا مَعَ غَمٍّ.

وَفي الغَمِّ الأوَّلِ والثّانِي تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ القَتْلُ والجِراحُ، والغَمَّ الثّانِيَ الإرْجافُ بِقَتْلِ النَّبِيِّ  ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: غَمًّا يَوْمَ أُحُدٍ بِغَمِّ يَوْمِ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جريرعن الحسن البصري أنه قرأ ﴿ تصعدون ﴾ بفتح التاء والعين.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ تصعدون ﴾ برفع التاء وكسر العين.

وأخرج ابن جرير عن هرون قال: في قراءة أبي بن كعب ﴿ إذ تصعدون في الوادي ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ إذ تصعدون ﴾ قال: صعدوا في أحد فراراً يدعوهم في اخراهم (إليّ عباد الله ارجعوا، إليّ عباد الله ارجعوا).

وأخرج ابن المنذر عن عطية العوفي قال: لما كان يوم أحد وانهزم الناس، صعدوا في الجبل والرسول يدعوهم في أخراهم فقال الله: ﴿ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل أنه عن قوله: ﴿ إذ تصعدون...

﴾ الآية.

قال: فروا منهزمين في شعب شديد لا يلوون على أحد، والرسول يدعوهم في أخراهم (إليّ عباد الله، إليّ عباد الله.

ولا يلوي عليه أحد).

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إذ تصعدون ﴾ الآية.

قال: ذاكم يوم أحد صعدوا في الوادي فراراً ونبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم «إليّ عباد الله، إليّ عباد الله» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ﴾ فرجعوا وقالوا: والله لنأتينهم ثم لنقتلنهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مهلاً فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجل أنكم عصيتموني» فبينما هم كذلك إذ أتاهم القوم وقد أيسوا، وقد اخترطوا سيوفهم ﴿ فأثابكم غماً بغمٍّ ﴾ فكان غمُّ الهزيمة، وغمُّهم حين أتوهم ﴿ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ﴾ من الغنيمة ﴿ وما أصابكم ﴾ من القتل والجراحة.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف ﴿ فأثابكم غماً بغم ﴾ قال: الغم الأول بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل قتل محمد.

وكان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فأثابكم غماً بغم ﴾ قال: فرة بعد الفرة الأولى حين سمعوا الصوت أن محمداً قد قتل، فرجع الكفار فضربوهم مدبرين حتى قتلوا منهم سبعين رجلاً، ثم انحازوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يصعدون في الجبل والرسول يدعوهم في أخراهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فأثابكم غماً بغم ﴾ قال: الغم الأوّل الجراح والقتل، والغم الآخر حين سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل.

فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة.

وذلك قوله: ﴿ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الربيع.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه فأراد أن يرميه فقال: «أنا رسول الله» .

ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع.

فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم، فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمهم أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد.

ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم» فذلك قوله: ﴿ فأثابكم غماً بغم ﴾ الغم الأوّل ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغم الثاني اشراف العدوّ عليهم ﴿ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ﴾ من الغنيمة ﴿ ولا ما أصابكم ﴾ من القتل حين تذكرون فشغلهم أبو سفيان.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: أصاب الناس حزن وغم على ما أصابهم في أصحابهم الذين قتلوا، فلما تولجوا في الشعب وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشعب، فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليه فيقتلونهم أيضاً، فأصابهم حزن من ذلك أنساهم حزنهم في أصحابهم.

فذلك قوله سبحانه ﴿ فأثابكم غماً بغم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ (إذْ) مُتَعَلِّق بـ (عَفَا)؛ يعني: ولقد عَفَا عنكم إذْ تُصْعِدُونَ.

و (الإصْعَادُ)، قال الفَرَّاءُ (١) (٢) (٣) (٤) وأَقْرَأَني العَرُوضِيُّ، عن الأزهري، عن المُنْذِري، عن الحَرَّانِيِّ، عن ابن السِّكِّيت، قال (٥) وقال الأخفش (٦) (٧) أبو عُبَيْد، عن أبي زيد، وأبي عمروٍ: يقال: (أَصْعَدَ الرجلُ في البلاد): حيث تَوَجَّهَ.

(٨) ألا أيُّهذا السَّائِلِي أينَ أَصْعَدَتْ ...

فإنَّ لَهَا في أهلِ يَثْرِبَ مَوْعِدَا (٩) (١٠) ﴿ تُصْعِدُونَ ﴾ : تُبْعِدُونَ في الهَزِيمَةِ؛ يقال: أَصعَدَ في الأرض: إذا أَمْعَنَ فيها (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾ أي: لا تُعَرِّجُونَ ولا تُقِيمون ولا تَلْتَفِتون هَرَبًا.

يقال: (مَضَى ولم يَلْوِ على شيءٍ)؛ أي: لم يُعَرِّجْ.

وأصله: أنَّ المُعَرِّجَ على الشيء، يَلْوِي إليه عُنُقَهُ، أو عِنَانَ (١٣) فإن قيل: أليس اللهُ قد أخبَرَ أنَّه عَفَا عنهم -إذْ هُزِمُوا-، فكيف ذلك العَفْو، مع ما ابتلاهم به مِنَ القَتْلِ والجَرْح، وإدَالَةِ العَدُوِّ عليهم؟.

قيل: لولا عَفْوُ اللهِ، ما نَجَا منهم أحدٌ (١٤) ﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ .

قال ابن عباس (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ فَأَثَابَكُمْ ﴾ الإثَابَةُ: أكثر ما تُسْتَعمل (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) إلا أنَّه كَثُرَ استعمالُهُ في خِفَّةِ الفَرَحِ، وَنَشَاطِ السُّرُورِ (٢٤) وقال أصحابُ المعاني (٢٥) ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ ؛ أي: جَعَلَ مكانَ مَا تَرْجُونَ مِنَ الثَّوَابِ، الغَمَّ؛ كما تقول: (تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ)، و (عِتَابُكَ السَّيْفُ) (٢٦) (٢٧) وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ...

تَحِيَّةُ بَيْنهمْ ضرْبٌ وَجِيعُ (٢٨) وقال الفَرّاء (٢٩) أَخَافُ زِيَادًا أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) قال (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ أي: أثَابَكم غَمًّا، وهو: الهَزِيمَة، وظَفَر المشركين بكم.

﴿ بِغَمٍّ ﴾ ، يعني: بِغَمِّكمْ رَسول الله  ؛ إذْ عَصَيْتموهُ وَضَيَّعتم أمرَهُ.

فالغَمُّ الأوّل لهم، والغَمُّ الثاني للنبي  .

وهذا القول، اختيار الزجاج (٤٠) وقال الحسن (٤١) (٤٢) وقيل: الغَمُّ الأَوَّل: ما أصابهم مِنَ الهزيمة والقتل.

والغَم الثاني: إشْرافُ خالد بن الوَلِيد عليهم، في خَيْلِهِ، فَرَعَبَهم ذلك، وزَادَ مِنْ قَلَقِهم.

وهذا قول أكثر المفسرين (٤٣) (٤٤) وقيل: الغَمّ الأوَّل: ما أصابهم مِنَ القتل والجرح.

والغَمّ الثاني: ما سَمِعوا أنَّ مُحَمَّدًا قد قُتِلَ.

وهذا قول: قَتَادة (٤٥) (٤٦) (٤٧) ﴿ غَمَّا بِغَمٍّ ﴾ ؛ يريد: الهزيمة، وحيث قال ابنُ قَمِيئَةُ (٤٨) والباء في قوله: ﴿ بِغَمٍّ ﴾ -في القولين المتأخرين-؛ بمعنى: [(مع)] (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) قوله تعالى: ﴿ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾ .

اختلفوا (٥٣) ﴿ لِكَيْلَا ﴾ : فقال بعضَ النحويِّين (٥٤) ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ \[كأنه قال: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ \] (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) ﴿ فَأَثَابَكُمْ ﴾ .

ثُمْ اختلفوا: فَقَالَ [أبو إسحاق] (٥٩)  بِمُخَالَفتِهِ (٦٠) وقال غيره: كان أصحاب رسول الله  ، يَتَأَسَّفُونَ على ما فاتهم مِنْ غَنائم المشركين، وعلى ما حَلَّ بهم مِنَ القَتْلِ والجراح، فأنزلَ اللهُ بقلوبهم غَمَّ قَتْلِ الرسول  ، ثمّ أزال ذلك الغم عنهم؛ لِيَفرحوا ببقائه، ولا يحزنوا مع بقائه على شَيءٍ (٦١) (٦٢) وقولُ أبي إسحاق ألْيَقُ بَظَاهِرِ الآية؛ لأنه ليس في الآية ذِكْرُ إزَالَةِ غَمِّ قتلِ النبيِّ  ، إلّا بأنْ (٦٣) وحُكي عن المُفَضَّلِ (٦٤) (٦٥) ﴿ لِئَلَّا يَعْلَمَ ﴾ (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .

تذكيرٌ؛ للتَّحْذِير (٦٧) (١) في "معاني القرآن" له 1/ 239.

(٢) في "معاني القرآن" له 1/ 478 - 479.

(٣) في (ب): (وابتدأنا).

(٤) في (ب): (يوما).

(٥) قوله في "إصلاح المنطق" 256.

ونصه: (قد أصْعَد في الأرض إصعادًا، وقد صَعِدَ في الجبل، وعلى الجبل).

وأورده الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 2013 (صعد)، والنص له.

(٦) في "معاني القرآن" له 1/ 218.

(٧) ونصه عنده: "أصعد"؛ أي: مضى وسار.

و (أصعد في الوادي)؛ أي: انحدر فيه.

وأما (صَعِد)، فإنه ارتَقَى).

وأورده الازهريُّ -كما هو عند المؤلف-.

ويبدو أن المؤلف نقله عنه.

انظر: "التهذيب" 2/ 2013 (صعد).

(٨) نقله -بنصه- عن "تهذيب اللغة" 2/ 2013 (صعد).

(٩) البيت في: ديوانه: 45.

وقد ورد منسوبًا له في المصادر التالية: "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 412، و"المقتضب" 4/ 259، و"الأضداد" لابن الأنباري 315، و"تفسير الثعلبي" 3/ 132ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 239، و"المقاصد النحوية" 3/ 60، 326، و"الدرر اللوامع" 1/ 153، وأورده السيوطي في "همع الهوامع" 3/ 51 ولم ينسبه.

وقد ورد البيت في الديوان، وكل المصادر السابقة -ما عدا "الأضداد" وتفسيري الثعلبي، والقرطبي-: (أين يَمَّمَتَ) بدلًا من: (أين أصْعَدَتْ) وليس فيها موضع الشاهد.

وورد عند القرطبي: (فإن لها من بطن يثربَ موعدا).

والبيت من قصيدة طويلة يمدح فيها النبي  وهو متوجه إلى المدينة المنورة؛ لِيُسْلِمَ، إلا أن قريشًا صرفته عن ذلك، فرجع ولم يُسْلِمْ.

انظر خبره في: "سيرة ابن هشام" 1/ 411.

(١٠) في "تفسير غريب القرآن" له 114، وانظر: "أدب الكاتب" له 278.

(١١) (فيها): ليست في (ج)، ولا في "تفسير غريب القرآن".

(١٢) وبقية عبارة ابن قتيبة: (وصعِد الجبل والسطح).

قال الطبري: (قالوا: فالهرب في مستوى الأرض، وبطون الأودية والشِّعاب: (إصعاد) لا صعود.

قالوا: وإنما يكون (الصُّعُود) على الجبال والسلاليم والدَّرج؛ لأن معنى (الصعود): الارتقاء، والارتفاع على الشيء عُلُوًّا).

"تفسيره" 4/ 132 - 133.

وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 105، و"الأضداد" لابن الأنباري 315.

ونقل الثعلبي عن المفضل، أن: (صَعِد، وأصْعَدَ، وصَعَدَ، بمعنى واحد).

"تفسير الثعلبي" 2/ 132 ب.

وكذا فسر ابنُ اليزيدي (الإصعاد) بالصعود على الجبل.

انظر: "غريب القرآن" لابن اليزيدي 44.

(١٣) (أ)، (ب): (عيْنان).

والمُثبت من (ج).

(١٤) في (ج): (أحدا).

(١٥) لم أقف على مصدر قوله بهذا النص.

والذي في "تفسير الطبري" 4/ 133من قوله -في تفسيرها-: (إليَّ عبادَ الله!) وقد يفهم من هذا القول أنه يناديهم مِن خَلْفهم، وهو ما فهمه الطبريُّ، حيث فسرها بذلك، ثم أورد قول ابن عباس -السابق- دليلًا على ذلك.

انظر: "تفسيره" 4/ 133.

(١٦) من قوله: (يقال ..) إلى (..

وأخراة الناس): بنصه في: "تفسير الثعلبي" 3/ 133 أ.

وأورده القرطبي في "تفسيره" 4/ 240.

وعندهما زيادة: (..

وأخرَيَات الناس).

(١٧) في (ج): (احرة).

وفي "تفسير الثعلبي" (أَخَرَةِ) وعند القرطبي: (أُخْرَةِ).

وما ورد في (أ)، (ب) مِمّا أثبَتُّه، قد ورد في مصادر اللغة.

يقال: (جاء أَخَرَة، وبأخَرَةٍ، وَأُخَرَةً، وبأخَرَةٍ)؛ أي: جاء آخر كل شيء.

ويقال: (جاء أُخُرًا، وبآخِرَةٍ)، ويقال: (وآخِرَةِ السَّرْج، أو الرَّحل).

انظر: (أخر) في: "اللسان" 1/ 39، و"التاج" 6/ 17.

(١٨) (وأخرى الناس وأخراة الناس): ساقط من (ج).

وقوله: (وأخراة الناس) ليس في "تفسير القرطبي".

و (أخراة) مثل (أخرى)؛ مؤنث (الآخر).

انظر: "التاج" 6/ 17 (أخر).

(١٩) في (ج): (يستعمل).

(٢٠) انظر: (ثوب) في: "تهذيب اللغة" 1/ 465، و"اللسان" 1/ 519.

(٢١) انظر: (طرب) في: "التهذيب" 3/ 2174، و"اللسان" 5/ 2649.

(٢٢) في (ب): (يقال).

(٢٣) شطر بيت للنابغة الجعدي.

وصدره: وَأرَانِي طَرِبًا في إثْرِهِمْ وقد ورد في: شعره: 93.

وورد منسوبًا له في: "أدب الكاتب" 18، و"تهذيب اللغة" 3/ 2174 (طرب)، و"الاقتضاب" 3/ 14، و"اللسان" 5/ 2649 (طرب).

وروايته في شعره: (فأراني ..).

(الوالهُ): الذي ذهب عقله، أو قارب الذهاب؛ لفقد حبيبه، أو ولده، وهو (الثاكل).

و (المُختَبَل): الذي خَبَلَهُ الحُزْنُ فَجَنَّنَهُ وأفقده عقله، أو هو الذي قُطِع عضوٌ من أعضائه.

وهذا التفسير الثاني، قال في: "الاقتضاب" إنه (أجود في هذا الموضع؛ ليختلف المعنيان).

انظر: "الاقتضاب" 4/ 134، و"القاموس" 972 (ثكل)، 990 (خبل).

(٢٤) انظر: (مادة: طرب) في المصادر السابقة (٢٥) انظر: "تفسيرِ الطبري" 4/ 134، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 497، و"بحر العلوم" 1/ 308، و"تفسير الثعلبي" 3/ 133 ب.

(٢٦) وهذا من كلام العرب السائر.

كما يقول أبو زيد في: النوادر: 149.

(٢٧) أبو ثور الزُّبَيْديَ، تقدم.

(٢٨) ورد البيت في: شعره 149.

وقد ورد منسوبًا له في: "كتاب سيبويه" 3/ 50، و"النوادر" لأبي زيد 150، و"العمدة" لابن رشيق 2/ 1056، و"الممتع في صنعة الشعر" 159.

== وأوردته المصادر التالية غير منسوب: "كتاب سيبويه" 2/ 232، و"المقتضب" 2/ 20، 4/ 413، و"الخصائص" 1/ 368، و"مفردات ألفاظ القرآن" 126، 835، و"المحرر الوجيز" 3/ 375، و"شرح المفصل" 2/ 80، و"التصريح" 1/ 353، و"خزانة الأدب" 9/ 257، 263؛ حيث ذكر نسبته للشاعر ولم يجزم بذلك.

أراد الشاعرُ بـ (الخيل) الأولى: خيل الأعداء، وبالثانية: خيلَه.

والخيل -هنا-، يعني بها: الفُرسان.

و (دَلَفْتُ): دَنَوْتُ وزَخفْتُ؛ يقال: (دَلَفَ الشيخ): إذا مَشى مَشْيًا لَيِّنًا.

انظر: "خزانة الأدب" 9/ 264.

(٢٩) في "معاني القرآن" له 1/ 239.

نقله بنصه إلى نهاية بيت الشعر (فتلا).

(٣٠) (أ)، (ب): (عطآه).

والمثبت من: (ج)، ومصادر البيت.

(٣١) في (ج): (قتلا).

البيت، للفرزدق، وهو في: ديوانه: 169.

وقد ورد منسوبًا له في.

"طبقات فحول الشعراء" 2/ 304، و"تاريخ الطبري" 5/ 247، و"الصحاح" 1/ 305 (حدرج)، و"اللسان" 2/ 804 (حدرج).

وورد غير منسوب في: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 239، و"تفسير الطبري" 4/ 134، و"تفسير الثعلبي" 3/ 133 أ، و"المدخل" للحدادي 357، و"المحرر الوجيز" 3/ 376، و"زاد المسير" 1/ 478، و"البحر المحيط" 3/ 83.

ورواية البيت في الديوان، و"تاريخ الطبري": فلمَّا خشِيتُ أن يكون عطاؤه ...

أداهم سودا أو محدرجة سُمْرا وفي "طبقات فحول الشعراء" (فلما خشينا ..).

وورد في كل المصادر -ما عدا "تفسير الثعلبي"-: (سُمْرا) بدلا من: (فُتلا) التي لا تستقيم مع قافية القصيدة الرائية.

واتفقت رواية المؤلف للبيت مع الثعلبي، مما يدل على أن المؤلف أخذ البِيت عنه.== (الأداهم): جمع: (أدْهَم)، وهو: الأسْوَد.

وتُطلَقُ (الأداهمُ) على القيِود -وهي المرادة -هنا- في البيت-، وسميت بذلك؛ لِسَوَادها.

و (المُحَدْرَجة): السِّياط، وأصل المُحَدْرَج: المفتول، والأملس.

ويقال -كذلك-: (الحُدرُج)، و (الحُدرُوج).

انظر: "اللسان" 4/ 1443 (دهم)، 2/ 804 (حدرج).

والبيت ضمن قصيدة طويلة قالها الشاعر في زِيَاد بن أبِيهِ، وكان قد تَوَعَّد الفرزدقَ، ثم أظهر عفوَهُ عنه، وأنه سيُؤَمِّنه وَيمُنُّ عليه، فلم يثق الشاعرُ في أمانه، وقال القصيدة في ذلك.

(٣٢) في (ج): (القيود والسياط).

(٣٣) في (ج): (تجعل).

(٣٤) الفراء في: "معاني القرآن" 1/ 239.

نقله عنه بنصه.

(٣٥) ما بين المعقوفين زيادة لازمة لتستقيم العبارة.

(٣٦) في (ج): (احترم).

اجْتَرَمَ، بمعنى: (جَرَم، وأجرم): تَعَدَّى، وارتكب جُرْما؛ أي: ذنبًا.

يقال: (جرم إليهم، وعليهم جريمة)، و (فلان يَتَجَرَّم علينا)؛ أي: يَتَجَنَّى علينا ما لم نجْنِه.

انظر: "اللسان" 1/ 604 (جرم).

(٣٧) في "معاني القرآن" عليك.

(٣٨) ما بين المعقوفين في (أ)، (ج): (أي).

وساقط من (ب).

والمثبت من "معاني القرآن".

(٣٩) في (أ): (أثييني)، وفي (ب): (أيثبتني)، وفي (ج): مهملة من النقط.

والمثبت من "معاني القرآن".

(٤٠) في "معانى القرآن" له 1/ 479.

(٤١) قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 133 أ، و"النكت والعيون" 1/ 430، و"زاد المسير" 1/ 479، و"تفسير القرطبي" 4/ 240.

(٤٢) وأخرج عنه ابن أبي حاتم قولَه في تفسيرها: (قال غَمَّا -والله- شديد، على غَمٍّ شديد، ما منهم إنسان إلا وقد همته نفسه).

"تفسيره" 3/ 791.

(٤٣) ممن قال ذلك: ابن عباس.

انظر: "زاد المسير" 1/ 478، ومقاتل.

انظر: "تفسيره" 1/ 307.

ولم أقف على غيرهما قال به.

(٤٤) في "معاني القرآن" له 1/ 240.

(٤٥) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 135، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 791، و"زاد المسير" 1/ 478، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 154، وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.

(٤٦) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 135.

(٤٧) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.

(٤٨) في (ج): (قتيبة).

== ابن قَمِيئة: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله.

وهو الذي قَتَلَ مُصْعَب ابن عُمَيْر (وكان يَظُنُّه رسولَ الله  ، وكان بِيَدِ مُصْعب اللِّواء.

انظر: "المغازي" 1/ 244 - 246، و"تاريخ الطبري" 2/ 516، و"إمتاع الأسماع" 1/ 129، 130، 131.

(٤٩) ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج).

(٥٠) في (ب): (قال).

(٥١) في (ج): (بني).

(٥٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 812، و"تفسير الطبري" 4/ 134، و"رصف المباني" 222، و"الجنى الداني" 40، 42.

و (الباء) في القول -وهو قول الحسن-: للسببية؛ أي: فأثابكم غمًّا؛ بسبب الغم الذي حلَّ بالكفار -على أيديكم- يوم بدر.

وابن عطية يسمي هذه الباء: (باء معادلة).

انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 376، و"البحر المحيط" 3/ 84، و"الدر المصون" 3/ 442.

(٥٣) في (ب): (واختلفوا).

(٥٤) لم أهتد إليهم.

(٥٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٥٦) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، وساقط من (ب)، والمثبت من (ج).

(٥٧) في (ب): (من).

(٥٨) وقد استحسن هذا الوجه: القرطبي، واستبعده أبو حيان، والسمين الحلبي؛ وذلك لطول الفصل، ولأنه -في الظاهر- يتعلق بمجاوره، وهو: ﴿ فَأَثَابَكُمْ ﴾ .

انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 241، و"البحر المحيط" 3/ 85، و"الدر المصون" 3/ 443.

(٥٩) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).

وقول أبي إسحاق في "معاني القرآن" له 1/ 479.

نقله عنه بمعناه.

(٦٠) في (ج): (مخالفة).

(٦١) في (ج): (ما) بدلا من (شيء).

(٦٢) لم أقف على من قال هذا القول بتمامه، إلا أن بعضه، وهو: أن الغم الأول: ما أصابهم من قتل وجراح، والغم الثاني: سماعهم قتل النبي  .

قد سبق وروده عند تفسير قوله تعالى: ﴿ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ آية: 153.

(٦٣) في (ج): (أن).

(٦٤) حكى قولَ المُفضَّل: الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 133 ب، والقرطبى في "تفسيره" 4/ 241.

(٦٥) بمعنى: (زيادة).

(٦٦) انظر: "تفسير البيضاوي" 2/ 250، و"تفسير النسفي" 4/ 221.

(٦٧) في (أ)، (ب): (التحذير)، والمثبت من (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ العامل في إذ عفا، فيوصل إذ تصعدون مع ما قبله ويحتمل أن يكون العامل فيه مضمر ﴿ وَلاَ تَلْوُونَ ﴾ مبالغة في صفة الانهزام ﴿ والرسول يَدْعُوكُمْ ﴾ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اليَّ عباد الله، وهم يفرون ﴿ في أُخْرَاكُمْ ﴾ من خلفكم وفيه مدح للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنّ الأخرى هي موقف الأبطال ﴿ فأثابكم ﴾ أي جازاكم ﴿ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ قيل: أثابكم غماً متصلاً بغم، وأحد الغمين: ما أصابهم من القتل والجراح والآخر: ما أُرجف به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ على مَا فَاتَكُمْ ﴾ من النصر والغنيمة ﴿ وَلاَ مَآ أصابكم ﴾ من القتل والجراح والانهزام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرعب ﴾ بضمتين حيث كان: ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب.

الباقون: يسكون العين - ﴿ ومأواهم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولقد صدقكم ﴾ وبابه بإدغام الدال في الصاد: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل ﴿ وتغشى ﴾ بتاء فوقانية وبالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ كله ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالنصب ﴿ يعملون بصير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة.

الباقون: بالخطاب ﴿ متم ﴾ و ﴿ متنا ﴾ بكسر الميم من مات يمات حيث كان: نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلاههنا لجوار ﴿ قتلتم ﴾ الباقون: بضم الميم من مات يموت.

﴿ يجمعون ﴾ بياء الغيبة: حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب.

/ الوقوف: ﴿ سلطاناً ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ النار ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن "حتى" تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران "إذا" مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره.

والوقف على ﴿ تحبون ﴾ ظاهر في الوجهين.

﴿ الآخرة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿ صرفكم ﴾ على الجواب المحذوف.

﴿ ليبتليكم ﴾ ج ﴿ عفا عنكم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أصابكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ طائفة منكم ﴾ (لا) لأن الواو للحال.

﴿ الجاهلية ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ يبدو لك ﴾ ط ﴿ ههنا ﴾ ط ﴿ مضاجعهم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم.

﴿ وليبتلي ﴾ ﴿ ما في قلوبكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ الجمعان ﴾ (لا) لأن إنما خبر إن ﴿ كسبوا ﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ وما قتلوا ﴾ ج لأن لام ﴿ يجعل ﴾ قد يتعلق بقوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ تجمعون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ لنت لهم ﴾ ج لأن الواو للعطف و"لو" للشرط ﴿ من حولك ﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿ الأمر ﴾ ج لفاء التعقيب مع "إذا" الشرطية ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المتوكلين ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: إنه  يذكر في هذه الآيات وجوهاً كثيرة في باب الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار.

من جملتها الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا شك أن هذا من معاظم أسباب الاستيلاء، ثم إن هذا الوعد مخصوص بيوم أحد أو هو عام في جميع الأوقات.

الأظهر الثاني كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أنا سنتلقي الرعب في قلوب الكفار بعد ذلك حتى يظهر هذا الدين على سائر الأديان، ويؤيده قوله  " نصرت بالرعب مسيرة شهر " وذهب كثير من المفسرين إلى أنه مختص بيوم أحد لوروده في مساق تلك القصة.

قال السدي: "لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق.

ثم إنهم ندموا وقالوا بئسما صنعنا.

قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم.

فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا عما هموا به ففي ذلك نزلت الآية" .

وقيل: إن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال: أين ابن أبي كبشة - يعني رسول الله  - أين ابن أبي قحافة؟

أين ابن الخطاب؟

فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى.

والرعب الخوف الذي يملأ القلب فزعاً ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار.

وإلقاء الرعب في قلوبهم لا يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض الوجوه.

ولكن ظاهر قوله: ﴿ في قلوب الذين كفروا ﴾ يقتضي وقوع الرعب في قلوب جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف المسلمين وهيبتهم.

إما في الحرب وإما في المحاجة.

وقيل: إنه مخصوص بأولئك الكفار.

﴿ بما أشركوا ﴾ أي بسبب إشراكهم بالله.

وفيه وجه معقول وهو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار لأنه يقول: إذا كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له الإجابة.فيلزم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم الإجابة.

كيف وإنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً؟

﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ الهة لم ينزل الله بإشراكها حجة.

والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال للوالي سلطان، ومنه سلاطة اللسان، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر.

قال الجوهري: السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر.

وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة، ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** قال المتكلمون: التقليد باطل لأن كل ما لا دليل عليه لم يجز إثباته.

ومنهم من يبالغ فيقول: ما لا دليل عليه فيجب نفيه.

ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه.

ويكفي في رفع هذه الحاجةإثبات الصانع الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته.

أقول: هذا إذا استدللنا بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على نفيه فلا شريك لأجل الدليل، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي الشريك.

ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه حالهم في الآخرة فقال: ﴿ ومأواهم ﴾ أي والمكان الذي يأوون إليه ﴿ النار وبئس مثوى الظالمين ﴾ مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء الرعب بقوله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ﴾ / تستأصلونهم قتلاً.

قال أصحاب الاشتقاق: حَسَّه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه.

﴿ بإذنه ﴾ بعلمه.

وقيل: المراد بهذا الوعد أنه  رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق الله رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل تسعة نفر بعده على اللواء.

وقيل: هو ما ذكره من قوله ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم  ﴾ إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط هو الصبر والتقوى.

وقيل: المراد هو "أن الرسول  قال للرماة: لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين مادمتم فيه.

فلما أقبل المشركون جعل الرماة: يرشقون خليهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم.

وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ﴾ " قال بعض العلماء: هذا ليس بشرط فلهذا لم يقتض الجواب.

والمعنى قد نصركم الله إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم بالنصر كان مشروطاً بالصبر.

وقال آخرون: إنه للمجازاة.

ثم اختلفوا في الجزاء على وجوه: أحدها قال البصريون: إنه محذوف كما مر في الوقوف وذلك لدلالة سياق الكلام عليه.

وثانيها قال الكوفيون: جوابه وعصيتم، والواو زائدة.

والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من المكان الذي وقفهم في رسول الله  وثالثها قال أبو مسلم: جوابه ثم صرفكم.

و "ثم" ههنا كالساقطة.

وقيل: جوابه ما يدل عليه قوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ والتقدير: حتى إذا فشلتم صرتم فريقين.

والمراد بالفشل الجبن والخور، وبالتنازع أن الرماة لما هزم المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا: الغنيمة.

فقال عبد الله بن جبير أمير الرماة: عهد إلينا رسول الله  أن لا نبرح هذا المكان.

فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة، وبقي عبد الله مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون.

وقوله: ﴿ في الأمر ﴾ إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان.

وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعاً في الغنيمة، ثم تنازعوا من طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة وإنما ورد الخطاب عاماً وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتماداً على المخصص بعده وهو قوله ﴿ ومنكم من يريد الآخرة ﴾ وفائدة قوله: ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان / من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم.

قوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ قالت الأشاعرة: معنى هذا الصرف أنه  رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبوراً وكانت صباًَ حتى وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة.

ولا يتوجه عليهم إشكال أن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه.

وأما المعتزلة فلم يرضوا بهذا التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان في قوله ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ وأيضاً إنه  عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم؟

فعند ذلك ذكروا في تأويل الآية وجوهاً.

قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أوّلاً لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك إلى أن أحاط بهم العدو، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو.

ألا ترى أن النبي  ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه فتحصنوا به، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافة الله إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وبإذنه.

ثم قال ﴿ ليبتليكم ﴾ والمراد أنه  لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين.

ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقاربهم وأحبائهم، من أعظم أنواع الابتلاء، فإذن الآية مشتلمة على المعذورين، في الانصراف وعلى غير المعذورين.

فقوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ يرجع إلى المعذورين، وقوله ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يرجع إلى غير المعذورين.

وسبب العفو ما علم من ندمهم على ما فرط منهم من عصيان أمر رسول الله  .

وقال الكعبي: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم ﴿ ليبتليكم ﴾ بكثرة الأنعام عليكم والتخفيف عنكم.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: المعنى من الصرف أنه  أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة لهم على عصيانهم وفشلهم، ومعنى الابتلاء أنه جعل ذلك الصرف محنة عليهم ليتوبوا عما خالفوا فيه أمره، ثم أعلمهم أنه قد عفا عنهم.

قال القاضي: ظاهر قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يقتضي تقدم ذنب منهم.

فإن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بالعفو عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو.

وقالت الأشاعرة: لا شك أن ذلك الذنب كان من الكبائر لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك / المخالفة سبباً لانهزام عسكر الإسلام ولقتل جم غفير من الصحابة.

ثم إن ظاهر الآية دل على أنه  قد عفا عنهم من غير توبة لأنها غير مذكورة فصارت الآية دليلاً على أنه قد يعفو عن أصحاب الكبائر.

﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء كانت الدولة لهم أو عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة, وقد يستدل بالآية على أن صاحب الكبيرة مؤمن لأنه سماهم مؤمنين خلاف ما يقوله المعتزلة من أنه لا مؤمن ولا كافر.

قوله  : ﴿ إذ تصعدون ﴾ إما مستأنف بإضمار "واذكر" وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه.

أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها.

قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى اعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد ﴿ ولا تلوون على أحد ﴾ لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته.

﴿ والرسول يدعوكم ﴾ كان يقول: إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة.

فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو.

﴿ في أخراكم ﴾ في سابقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه  وبقي هو في الجماعة المتأخرة.

يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى.

﴿ فأثابكم ﴾ قال في الكشاف: إنه عطف على صرفكم.

وأقول: لا يبعد أن يعطف على ﴿ تصعدون ﴾ لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال: ثاب إليه أي رجع.

والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها.

فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير.

فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتك الضرب.

أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور.

والباء في ﴿ بغم ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو: بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة.

أما الاحتمال الأول ففيه وجوه: قال الزجاج: إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام.

وقيل: المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.

وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين.

وفي الكشاف: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ / للرسول أي فآساكم في الاغتنام.

فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها.

وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يكون هناك غمان: الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة.

أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً.

أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين.

أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول  .

أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة.

وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها.

ثم اللام في قوله: ﴿ لكيلا تحزنوا ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ لأن في عفوه  ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ فأثابكم ﴾ فيكون المعنى على قول الزجاج: إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله.

وعلى قول الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائده.

قالت الأشاعرة: معنى إثابة الغم من الله  خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء.

وأما المعتزلة فإنهم يقولون: الغم فعل العبد لكنه أسند إليه  لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.

وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال.

وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ.

وإن جعلت الباء بمعنى "مع" فالمعنى كما في قول الزجاج: أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى.

ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال: ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ عالم بجميع / أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك.

ثم أخبر أن الذين كانوا مع النبي  يوم أحد فريقان: أحدهما الجازمون بحقية هذا الدين وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر على سائر لأديان، فخاطب الجماعة بقوله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً ﴾ وأراد هؤلاء بقوله: ﴿ يغشى طائفة منكم ﴾ والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة.

والنعاس فتور في أوائل النوم.

وانتصاب ﴿ أمنة ﴾ على أنها حال متقدمة من ﴿ نعاساً ﴾ مثل: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبارّ وبررة، أو على أنه مفعول ﴿ أنزل ﴾ و ﴿ نعاساً ﴾ بدل منه.

قال أبو طلحة: غشانا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلاّ ويميل تحت حجفته.

وعن الزبير: كنت مع الرسول  حين اشتد الخوف فأرسل الله علينا النوم.

والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: ﴿ ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.

وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.

وكان في ذلك النعاس فوائد منها: أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت المعتاد معجزة ظاهره جديدة له  موجبة لزيادة وثوقهم بأن الله ينجز وعده وينصرهم، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد.

ومنها أن الأرق والسهر يوجبان الفتور والكلال، والنعاس يجدد القوة والنشاط.

ومنها شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة.

ومنها أن الأعداء كانوا حراصاً متهالكين في قتلهم.

فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ الله ولكلاءته معهم.

ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس ههنا كناية عن غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد والحكم المذكورة.

واعلم أن من قرأ ﴿ تغشى ﴾ بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن الأمنة مقصودة بالذات، والنعاس مقصود بالعرض، ولأنها متبوع وأنه تابع.

ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس، وينصره كونه أقرب، وكون المبدل منه في حكم النحي، وموافقته لقوله في قصة بدر ﴿ إذ يغشيكم النعاس  ﴾ ولأن العرب تقول: غشية النعاس، وقلما يقولون غشية الأمن، ولأن النعاس والأمنة لما كانا شيئاً واحداً كان التذكر أولى.

وأما الفريق الثاني فهم المنافقون الذين كانوا في شك من نبوته  وما حضروا إلا لطلب الغنيمة كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، فأخبر عنهم بقوله: ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ ما بهم إلا هَمُّ أنفسهم لا همَّ الدين ولا همَّ النبي ولا المسلمين.

والهمّ / الأمر الشديد.

ويقال: أهمه ذلك الأمر أي أقلقه وأحزنه.

فالمعنى أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان منهم بسبب التشكك وعدم الثبات.

والتحقيق فيه أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحب الأشياء عندهم هو النفس، وكانت أسباب الخوف على النفس هناك موجودة والدافع لذلك وهو الوثوق بنصر الله ووعده غير حاصل لهم فلم يكن لهم هناك إلا هَمُّ أنفسهم.

﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ وهو في حكم المصدر أي غير الظن الحق الذي يحب أن يظن به.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ بدل منه.

والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأرداها مقالات أهل الجاهلية فذكر أولاً أنهم يظنون بالله ظناً باطلاً، ثم بين أنهم اختاروا من الأديان أرذلها كما يقال: فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة.

أو ﴿ ظن الجاهلية ﴾ مصدر و ﴿ غير الحق ﴾ تأكيد لـ ﴿ يظنون ﴾ كقولك: هذا القول غير ما تقول.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ كقولك: حاتم الجود ورجل صدق.

مما أضيق للملابسة أي الظن المختص بالملة الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام.

أو أريد ظن أهل الجاهلية وهم أهل الشرك الجاهلون بالله.

فالجاهلية مصدر كالعالمية القادرية.

قيل: إن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون الإله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والمعاد، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي  إن الله يقوّيهم وينصرهم.

وقيل: الظن هو أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً حقاً لم يسلط الله الكفار عليه، وهذا ظن فاسد.

أما عند أهل السنة فلأنه  فاعل لما يشاء ولا اعتراض لأحد عليه، وإذا شرف المولى عبده بخلقة لم يجب أن يشرفه بأخرى.

وأما عند من يعتبر المصالح في أفعاله وأحكامه فلا يبعد أن يكون في التخلية بين الكافر والمسلم وغير ذلك من المصائب حكم خفية.

ولو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال المصائب عنه اضطر الناس إلى معرفة الحق، وكان ينافي التكاليف واستحقاق الثواب والعقاب.

وإنما يعرف كون الإنسان محقاً بالدلائل والبينات، ولا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة والمال والجاه على حقية صاحبها والله أعلم.

﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ حكاية شبهة تمسك بها أهل النفاق فاستفهموا عنها على سبيل الإنكار.

وإنما يحتمل وجوها: أحدها هل لنا من التدبير من شيء يعنون رأي عبد الله بن أبي وأن النبي  لم يقبل قوله حين أمره أن يسكن في المدينة ولا يخرج منها.

ونظيره ما حكى عنه ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا  ﴾ وثانيها من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لأحد قالوا له الأمر، وإذا كانت لعدوّه قالوا عليه الأمر.

أي هل لنا من الأمر الذي كان يعدنا به محمد وهو النصر والقدرة شيء؟

وثالثها أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء؟

والغرض منه تعيير المسلمين على التسديد في / الجهاد، فأمره الله  أن يجيب عنها بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ والحوادث بأسرها مستندة إلى قضائه وقدره.

فإذا كان قدر الخروج إلى الكفار واختصاص جمع من الصحابة بالشهادة فلا مفر من ذلك، وإذا أراد إعلاء كلمة الإسلام وإظهار هذا الدين على الأديان وقع لا محالة.

﴿ يخفون في أنفسهم ﴾ في ضمائرهم أو فيما بينهم ﴿ ما لا يبدون لك ﴾ وذلك المخفي قولهم: ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ أي لو كان هذا الدين حقاً لما سلط الله الكفار على من يذب عنه، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فأمر الله  نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ وهي مصارعهم التي قتلوا فيها، لأن ما كتب الله في اللوح لم يكن بد من وجوده.

فلو قعدتم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم أن يقتلوا في المصارع المعلومة حتى يوجد ما علم الله وجوده.

وقيل: معناه لو تخلفتم أيها المنافقون عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب الله عليهم قتال الكفار إلى مصارعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم، على أن البروز إلى هذه المصارع لا يخلو عن الفوائد وذلك قوله: ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ﴾ خص الابتلاء بما في الصدور والتمحيص بما في القلوب إما لاختلاف العبارة، وإما لأن الابتلاء محله القلب الذي في الصدر.

والتمحيص مورده الهيئات والعقائد التي في القلب.

واعلم أن نسق هذه الآية أنيق ونظمه عجيب.

أما نسقه فقوله: ﴿ وطائفة ﴾ مبتدأ و ﴿ أهمتهم ﴾ صفته و ﴿ يظنون ﴾ خبره.

ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً أي وثمة، أو ومنهم طائفة أهمتهم، و ﴿ يظنون ﴾ صفة أخرى، أو حال بمعنى أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه اليبان للجملة قبلها، و ﴿ يقولون ﴾ بدل من ﴿ يظنون ﴾ أو بيان له.

وإنما صح وقوع القول الذي مقوله إنشاء بدلاً من الإخبار بالظن لأن سؤالهم كان صادراً عن الظن و ﴿ يخفون ﴾ حال من ﴿ يقولون ﴾ و ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ اعتراض بين الحال وذي الحال، فمن قرأ ﴿ كله ﴾ بالرفع فلأنه مبتدأ و ﴿ لله ﴾ خبره، والجملة خبر "إن".

ومن قرأ بالنصب فلكونه تأكيداً للأمر و ﴿ لله ﴾ خبر "إن" كما لو قلت: إن الإمر أجمع لله.

وقوله: ﴿ يقولون ﴾ استئناف، وقوله: و ﴿ وليبتلي ﴾ تقدم ذكره في الوقوف.

وأما نظمه فإنه لما أخبر عن هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر من شيء، لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظاناً بل شاكاً في حقية هذا الدين وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء.

ثم لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين المنكرين، أراد أن يشكف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون فقال: ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا / يبدون لك ﴾ أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة، فكان لسائل أن يسأل ما الذي يخفونه في أنفسهم؟

فقيل ﴿ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وقد مر تفسيره.

ويحتمل أن يراد: لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم نقتل ههنا؟

فيكون كالطعن في قوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ قال في التفسير الكبير: هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي.

فذاك يقول: الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الله.

وهذا يقول: الإنسان مختار مستقل إن شاء آمن وإن شاء كفر.

فأمر النبي  أن يجيب عن هذا الاعتقاد بأن ما قضى الله فهو كائن، والحذر لايرد القدر، والتدبير لا يبطل التقدير.

وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن المنافق ما في المثل: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات.

ثم قال: ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء، وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح.

قوله عز من قائل: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا.

ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله  قتل.

ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن: أعن رسول الله  تفرون؟

وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل أغزل.

وقال بعض الرواة: إن المسلمين لم يعدوا الجبل.

قال القفال: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي  .

ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي  : لقد ذهبتم فيها عريضة.

وأما الذين ثبتوا مع الرسول  فكانوا أربعة عشر رجلاً.

سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام.

وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.

وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير.

وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن / حنيف.

ثم لم يقتل منهم أحد, وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله  نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع ﴿ إنما استزلهم الشيطان ﴾ تقول: زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق.

والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها.

والباء في ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ للاستعانة مثلها في: كتبت بالقلم.

والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي.

وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: قال الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة.

فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطيئن فيه, وقيل: إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة.

وقيل: كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.

وإنما قال: ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله: ﴿ لها ما كسبت  ﴾ أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله  كقوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير  ﴾ وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.

ويحتمل أن تكون الباء بمعنى "في" أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال.

إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.

وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها.

﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾ فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز.

بقي البحث في أنه أي ذنب هو؟

والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله.

ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر؟

قالت المعتزلة: كلاهما محتمل.

لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية.

قال القاضي: الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر.

قالت الأشاعرة: إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص.

وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط.

/ ثم ندب إلى المؤمنين ما يزيد رغبتهم في الجهاد فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ﴾ قيل: إنه عام.

وقيل: يعني المنافقين.

وقيل: منافقي يوم أحد كعبد الله بن أبيّ وأصحابه.

وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لم يسم المنافق كافراً ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أي لأجل إخوانهم مثل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وذلك أنهم قالوا: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ والميت والمقتول لا يكلم.

وعلى تقدير فرض التكلم كان المناسب أن لو قيل: لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم.

ومعنى الأخوة اشتراك النسب.

فلعل المقتولين كانوا أقارب المنافقين وإن كانوا مسلمين.

أو اتفاق الجنس فلعل بعض المنافقين صار مقتولاً في بعض الغزوات.

والضرب في الأرض الإبعاد فيها للتجارة وغيرها.

والغزو قصد محاربة العدو قريباً كان أو بعيداً.

والفاعل غاز والجمع غُزَّىً مثل: سابق وسبق، وراكع وركع، وإنما قال: ﴿ إذا ضربوا ﴾ دون "إذ ضربوا" أو "حين ضربوا" ليشاكل في المعنى قوله: ﴿ وقالوا ﴾ لأنه أراد حكاية الحال الماضية.

والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.

فالكافرون يقولون: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد أن يقول: "قالوا" ويجوز أن يكون ﴿ قالوا ﴾ في تقدير "يقولون" لكنه وقع التعبير عنه بلفظ الماضي لأنه لازم الحصول في المستقبل مثل ﴿ أتى أمر الله  ﴾ وفيه دلالة على أن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة قد بلغ الغاية، فكأن هذا المستقبل كالكائن الواقع.

ويمكن أن يقال: عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليعلم أن المقصود الإخبار عن جدّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة.

وقال قطرب: كلمة "إذ" و "إذا" يجوز إقامة كل منهما مقام الأخرى، وهذا وإن لم يوجد له في كلام العرب نظير، لكن القرآن أولى ما يستشهد به وهو حجة على غيره وليس غير حجة عليه، قال الواحدي: في الكلام محذوف والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

وأما اللام في قوله: ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ ففي متعلقه وجهان: الأول أنه ﴿ قالوا ﴾ أي قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ليجعل الله ذلك الكلام حسرة فتكون لام العاقبة كقوله  : ﴿ فلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ وكيف استعقب ذلك القول حصول الحسرة؟

فيه وجوه: فقيل: لأن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام تخيلوا أنهم لو بالغوا في منعه عن ذلك السفر أو الغزو لم يمت أو لم يقتل فازدادت حسرتهم وتلهفهم بسبب أنهم قصروا في منعه، بخلاف المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكونان إلا بتقدير الله فإنه لا يحصل له شيء من هذا النوع من الأسف.

وقيل: / لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد، فإذا نال المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة.

وقيل: المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين.

وقيل: المقصود خيبتهم عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم الله المؤمنين بطلانها.

وقيل: الغرض أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في الحيرة والحسرة.

الوجه الثاني: أن متعلق اللام قوله: ﴿ لا تكونوا ﴾ وذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ذلك الانتفاء انتفاء كونكم مثلهم حسرة، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم ﴿ والله يحيي ويميت ﴾ رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له.

فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد.

فعلى المكلف أن يتلقى أوامره بالامتثال، فالله أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له.

عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أناذا أموت كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء.

وفي أمثالهم "الشجاع موقى والجبان ملقى".

وكان عليّ يقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذين نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش، ويجوز أن يكون المراد: والله يحيي قلوب أوليائه بنور اليقين والعرفان، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ فلا تكونوا مثلهم.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون وعيداً لهم.

ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم: ﴿ لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله: ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ﴾ شيء من مغفرته ورحمته ﴿ خير مما يجمعون ﴾ فاللام الأولى هي الموطئة، والثانية لام جواب القسم المقدر، وكذا في الآية الأخرى.

والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر لا بالسفر.

ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من الله.

وإن ذلك خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا.

وعن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء.

ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً، أو ورد على حسب معتقدهم أن أموالهم خيرات لهم.

وإنما كانت المغفرة والرحمة خيراً من المال لأن المال الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد، وإن لم يمت فلعل المال لا يبقى في الغد، فكم من أمير أصبح أسيراً.

وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه إلى الغد فلعل مانعاً من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به، / وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع، ومنافع الآخرة أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية، وأي نسبة لانتفاع الحمار بلذة قبقبه؟

فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم، ثم رغبهم بنوع آخر فقال: ﴿ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾ كأنه قيل: إن تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياماً قلائل في الدنيا مع اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس والمال في دين الله وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية.

وإنما قدم القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ما هو أفضل، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله، فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل، الثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا.

ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقاً ليعم أنواع القتل كلها.

وفي قوله: ﴿ لإلى الله تحشرون ﴾ لطائف منها: تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر، وأنهم لا يحشرون إلى غيره، وأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم إلا له، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.

ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل باسم الله تنبيهاً على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة.

ومنها بناء ﴿ تحشرون ﴾ على المفعول تعويلاَ على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي يبدىء ويعيد، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره.

ومنها أنه أضاف حشره إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتاً لا يخرجون عن قبضته.

ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون.

واعلم أنه  ذكر في الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه.

فالأول إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه، والثاني إشارة إلى من يعبد طمعاً في ثوابه والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة.

فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه، وما أحسن هذا النسق!

يروى أن عيسى  مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟

فقالوا: نخشى عذاب الله.

فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه.

ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة.

فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته.

ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات / العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا لرغبة.

فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون.

قال القاضي: في الآية دليل على أن المقتول ليس بميت وإلا كان قوله: ﴿ ولئن متم أو قتلتم ﴾ عطفاً للشيء على نفسه.

قلت: لا، ولكنه عطف الأخص على الأعم.

ثم إنه  لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك ان عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول  حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم.

روي "أن امرأة عثمان دخلت على النبي  - وكان النبي  وعلي يغسلان السلاح - فقالت: ما فعل عثمان؟

أما والله لا تجدونه أمام القوم.

فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم.

فقال رسول الله  : مه" .

وروي أنه قال حينئذٍ: "أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا." ولما دخل عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم فيها عريضة.

وعنه أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " وقال  : " لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقة، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقة" فلما كان  إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلماً وأحسنهم خلقاً لأن الغرض من البعثة - وهو التزام التكاليف - لا يتم إلا إذا مالت قلوب الأمة إليه، وسكنت نفوسهم لديه، ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات النصيحة.

وعن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان.

كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله  بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها، كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم هذا الدين وكملت هذه الشريعة.

واعلم أن من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً في هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على شيء بسبب فوات شيء من مطالبها، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق.

ولما كان  أكمل البشر في القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وجب أن يكون أكمل الناس خلقاً وذلك من فضل الله ورحمته على الناس / كما قال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ و "ما" مزيدة للتوكيد.

أما الحكم بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى.

وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: فبرحمة.

وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلاً.

وجوز بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة.

وإنما كان لينه ورفقه رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله  .

فلا رحمة بالحقيقة إلا له.

ولا رحيم إلا هو، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد برحمته عوضاً كالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، أو الثناء، أو يحمله على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الإعراض.

وأيضاً رحمة المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها.

فلا رحمة إلا بإعانة الله وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم.

ثم بيّن أن الحكمة في لين جانبه ما هي فقال: ﴿ ولو كنت فظاً ﴾ سيء الخلق وأصله فظظ كحذر.

فظظت يا رجل بالكسر فظاظة ﴿ غليظ القلب ﴾ قاسية بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على التفريق ومنه "فض الختام".

ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك.

ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب ﴾ تشافههم بالملامة على ذلك ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم.

وههنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة في قوله: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقال في إقامة حد الزنا: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر  ﴾ ومثله ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  ﴾ ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ فيعلم من المدح على اللين في موضع ومن الأمر بالغلظة في موضع آخر أن الفضيلة في الوسط وهو استعمال كل شيء في موضعه، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، ومنه المثل "لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى".

واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة القضاء والقدر.

وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله، وهي عند المعتزلة عامة في حق جميع المكلفين.

فكل ما فعله مع محمد  من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب.

فلطف الله ورحمته مشترك بين أصفى الأصفياء وبين أشقى الأشقياء.

فلا يكون اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، / وهذا خلاف نص الآية، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره.

والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف فذاك بالحقيقة كسب نفسه، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون برحمة من الله.

ثم قال: ﴿ فاعف عنهم ﴾ فيما يختص بك {واستغفر لهم{ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم.

قيل: في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال كما أنه  قد عفا عنهم كأنه قيل: اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، وهذا من كمال رحمة الله بهذه الأمة.

ثم قال: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ والمشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها.

وقيل: من شرت الدابة شوراً عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت.

والمكان الذي تعرض فيه الدواب يسمى مشواراً.

يقال: إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار.

وتركيبه يدل على الإظهار والكشف، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء.

وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد منها: أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم، وفي ترك ذلك نوع من الإهانة والفظاظة، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم.

ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا.

ومنها قال الحسن وسفيان بن عبيينة: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده، ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطؤا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة.

ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم فينزلهم على قدر منازلهم.

ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا قال  : " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " وهذا هو السر في الجماعات والجمعات.

ومنها أنه  ما أمر رسوله بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم أنهم الآن أعظم حالاً مما كانوا، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، وأن الاعتماد على فضله وكرمه لا على العمل والطاعة.

ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى, وفيما وراء ذلك هل تجوز المشاورة في كلها أم لا؟

قال الكلبي وكثير من العلماء: إن الأمر بها مخصوص بالحرب لأن اللام في لفظ ﴿ الأمر ﴾ ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي بالاتفاق، فهو إذن لمعهود سابق وليس / ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد.

وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي  بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة.

ومنهم من قال: اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي، وكيف لا وإنه كان مأموراً بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة, وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي  بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب.

وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على الندب قال: وهذا كقوله  : " "البكر تستأمر في نفسها " ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييباً لنفسها فكذا ههنا.

﴿ فإذا عزمت ﴾ أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ﴿ فتوكل على الله ﴾ لأن الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن.

عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ فإذا عزمت ﴾ بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحداً.

﴿ إن ينصركم الله ﴾ عن ابن عباس: إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد ﴿ وإن يخذلكم ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ أي من بعد خذلالنه لدلالة الفعل عليه، أو هو من قولك "ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان" تريد إذا جاوزته.

وقيل: إن ينصركم بجذبات العناية فلا غالب لكم من الصفات البشرية، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده من الأنبياء والأولياء؟

فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو القادر على الأدخال فيه.

﴿ وعلى الله ﴾ وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن الأمر كله له ولا رادّ لقضائه ولا دافع لبلائه، ولأن الإيمان يوجب ذلك ويقتضيه.

وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعوّل على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده.

التأويل: ﴿ ولقد صدقكم الله ﴾ أيها الطلاب ﴿ وعده ﴾ ألا من طلبني وحدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر / الطلب وعصيتم الدليل المربي ﴿ من بعد ما أراكم ﴾ الدليل بالتربية ﴿ ما تحبون ﴾ من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة.

قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال: ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم.

ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة.

فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة.

وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ ظن الجاهلية ﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره.

هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء؟

﴿ ما قتلنا ههنا ﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم ﴾ أيها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ ﴿ وليمحص ما في قلوبكم ﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم.

﴿ ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ﴾ ليعلم أن الله  في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو.

ومن هنا قال: " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا / ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان.

لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون.

وباقي الحقائق قد مرت في التفسير.

وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك الوقى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن، وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها.

ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ ﴾ : فيه لغتان: "تَصْعدون" بفتح التاء، وهو من الصعود أن صعدوا الجبل، "وتُصعدون" بالرفع، وهو أن أصعدوا أصحابهم نحو الوادي؛ لأن المنهزم الأوّل إذا التفت فرأى منهزماً آخر أشتدّ.

وقيل: الإصعاد هو الإبعاد في الأرض.

وقيل: تَصْعدون من صعود الجبل، وتُصعدون في الوادي من الجبل.

وقوله: ﴿ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ ﴾ : أي: لا تلتفتون على أحد، ولا ترجعون.

﴿ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ ﴾ .

أي: الرسول يدعوكم وينادي وراءكم: إلَيَّ أنا الرسول.

وقيل: يناديكم من بعدكم: إِلَيَّ أنا رسول الله يا معشر المؤمنين، وكان يصل نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ : اختلف فيه، قيل: غمّ الأول: الهزيمة والنكبة التي أصابتهم، والغم الآخر: الصوت الذي سمعوا: قُتِلَ محمد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - فذلك غم على غم.

ويحتمل: ﴿ غَمّاًً ﴾ : بعصيانهم رسول الله  اغتموا، والغم الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول الله  بتركهم المركز، وعصيانهم إياه والخلاف له.

وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ : أي: مرة بعد المرة الأولى.

وقيل: ﴿ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ ، أي: هزيمة بعد هزيمة: أصابتهم هزيمة بعد هزيمة من قتل إخوانهم، وإصابتهم الجراحات.

وقيل: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً ﴾ : بعصيانكم رسول الله  ، ﴿ بِغَمٍّ ﴾ : الذي أدخلوا على رسول الله  بترككم المركزَ والطاعةَ له، وفي قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ وهو غم الهزيمة والنكبة، بالغم الذي أدخلوا على رسول الله  في عصيانهم إياه، وإهمالهم المَقْعَد الذي أمرهم بالمقام فيه.

وقيل: غماً بالغم الذي له تركوا المركز، وهو أن غمهم اغتنام أصحابهم.

وقيل: غم الاعتذار إلى رسول الله  بالغم الذي جنوه به؛ حيث مالوا إلى الدنيا، وعصوه فيما أمرهم.

وقيل: غماً [على] أثر غم، نحو: القتل، والهزيمة، والإرجاف بقتل رسول الله  ، وحقيقته: أن يكون أحد الغمين جزاء، والآخر ابتداء، وفي ذلك تحقيق الزَّلة والجزاء؛ وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ ﴾ : يعني: من الفتح والغنيمة، ولا ما أصابكم من القتل والهزيمة.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ من الدنيا، ﴿ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ ﴾ : فيها من أنواع الشدائد؛ بما أدخلتم على رسول الله  من الغمّ بعصيانكم إيّاه.

﴿ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ : على الوعيد: [وقوله]: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ : قيل فيه بوجهين؛ قيل: الطائفة التي أتاها النعاس هم المؤمنون، سمعوا بانصراف العدو عنهم فصدقوا الخبر فناموا؛ لأن الخوف إذا غلب يمنع النوم، وأمّا الطائفة التي قد أهمتهم أنفسهم هم المنافقون، لم يصدّقوا الخبر فلم يذهب عنهم الخوف، فلم ينعسوا؛ وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ  ﴾ الآية.

وقيل: كانت الطائفتان جميعاً من المؤمنين، لكن إحداهما قد أتاها النعاس؛ لما أمنوا من العدو، والأخرى لا؛ بعصيانهم رسول الله  وترْكِهم أمره منع ذلك النوم عنهم؛ إذ كيف يلقون رسول الله  ، وكيف يعتذرون إليه؟

والله أعلم.

وعن ابن مسعود -  - قال: "النُّعَاسُ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَفِي القِتَالِ أَمنَةٌ مِنَ الله".

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ﴾ : قيل: يظنون بالله ألا ينصر محمّداً  وأصحابه، ذا في غير المؤمنين.

وقيل: ﴿ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ نوناً كاذبة، إنما هم أهل شرك وريبة في أمر الله، يقولون: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ﴾ : وقوله: - عز وجل -: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ ﴾ : قيل: يقولون بعضهم لبعض: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ ﴾ ، يعني بالأمر: النصر والغنيمة.

وقيل: قالوا ذلك للمؤمنين.

﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ ﴾ .

يعني النصر والفتح كلّه بيد الله.

﴿ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ﴾ : والذين يخفون قولهم: لو أقمنا في منازلنا ما قتلنا ههنا، وقيل: يقولون: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ ، [قالوا: ليس لنا] من الأمر من شيء؛ إنما الأمر إلى محمد، ولو كان الأمر لنا ما خرجنا إلى هؤلاء حتى قتلنا ههنا.

قال الله -  -: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ﴾ : قيل: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ كما يقولون: ﴿ لَبَرَزَ ﴾ ، يعني: لخروج من البيوت ﴿ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ ﴾ ؛ ليقتلوا.

وقيل: من كتب عليه القتل يظهر الذي كتب عليه حيث كان.

وقيل: إذا كتب على أحد القتل لأتاه، ولو كان في البيت، وكقوله: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  ﴾ ، وقيل: متى كتب الله على قوم القتل فلم يموتوا أبداً؟!

وفي هذا بيان أن الآجال المكتوبة هي التي تنقضي بها الأعمار: إن كان قتلاً فقتل، وإن كان موتاً فموت، لا على ما قالت المعتزلة: إن القتل تعجيل عن أجله المكتوب له وعليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ : والابتلاء هو الاستظهار؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ  ﴾ تبدي وتظهر، وذلك يكون بوجهين: يظهر بالجزاء مرة، ومرة بالكتاب، يعلم الخلق من كانت سريرته حسنة بالجزاء، وكذلك إذا كانت سيئة، أو يعلم ذلك بالكتاب.

وقوله -  -: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ ، أي: ليظهر الله للخلق ما في صدورهم مما مضى، وليجلعه ظاهراً لهم.

﴿ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ .

من الذنوب.

وعن ابن عباس -  - قال: "الابتلاء والتمحيص هما واحد".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ : يقول: هو عالم بما في صدروهم من سرائرهم، ولكن يجعلها ظاهراً عندكم.

ويحتمل الابتلاء - ههنا - الأمر بالجهاد؛ ليعلموا المنافق منهم من المؤمن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ : يعني: إن الذين انصرفوا عن عدوهم مدبرين منهم منهزمين يوم التقى الجمعان: جمع المؤمنين، وجمع المشركين.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ : أي: إنما انهزموا ولم يثبتوا خوفاً أن يقتلوا بالثبات؛ فيلقوا الله وعليهم عصيان رسول الله  ، فكرهوا أن يقتلوا وعليهم معصية رسول الله  ؛ خوفاً من الله -  - ﴿ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بما خافوا الله بعصيانهم رسول الله  .

ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ - أن اللعين لما رآهم أجابوه إلى ما دعاهم من اشتغالهم بالغنيمة، وتركهم المركز، وعصيانهم رسول الله  دعاهم إلى الهزيمة، فانهزموا وتولّوا - عدوَّهم.

ويحتمل قوله: ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ ، أي: بكسبهم، قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ؛ فكذلك هذا، والله أعلم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .

قَبِلَ توبتكم، وعفا عنكم، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لم يخزكم وقت عصيانكم، ولا عاقبكم، أو حليم بتأخير العذاب عنكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اذكروا -أيها المؤمنون- حين كنتم تُبْعِدون في الأرض هاربين يوم أحد، لما أصابكم الفشل بمخالفة أمر الرسول، ولا ينظر أحد منكم لأحد، والرسول يدعوكم من خلفكم بينكم وبين المشركين قائلًا: إليَّ عبادَ الله، إليَّ عبادَ الله، فجازاكم الله على هذا ألمًا وضيقًا بما فاتكم من النصر والغنيمة، يتبعه ألم وضيق، وبما شاع بينكم من قَتْل النبي، وقد أنزل بكم هذا لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من النصر والغنيمة، ولا ما أصابكم من قتل وجراح، بعدما علمتم أن النبي لم يُقْتل، حيث هانت عليكم كل مصيبة وألم، والله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أحوال قلوبكم، ولا أعمال جوارحكم.

من فوائد الآيات التحذير من طاعة الكفار والسير في أهوائهم، فعاقبة ذلك الخسران في الدنيا والآخرة.

إلقاء الرعب في قلوب أعداء الله صورةٌ من صور نصر الله لأوليائه المؤمنين.

من أعظم أسباب الهزيمة في المعركة التعلق بالدنيا والطمع في مغانمها، ومخالفة أمر قائد الجيش.

من دلائل فضل الصحابة أن الله يعقب بالمغفرة بعد ذكر خطئهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.6gk9d"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

روى الواحدي عن محمد بن كعب قال لما رجع رسول الله  إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُحد قال ناس من أصحابه؛ من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟

فأنزل الله هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ  ﴾ الآية.

ونقول: نعم إن الناس قالوا ذلك كما يعلم من قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا  ﴾ وسيأتي، ولكن هذا القول ليس سبب النزول لهذه الآية وحدها وإنما نزلت مع هذه الآيات الكثيرة بعد تلك الواقعة وما قيل فيها.

الوعد المشار إليه في الآية يحتمل أن يكون المراد به ما تكرر كثيرًا في القرآن من نصر الله المؤمنين ونصر من ينصره، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ  ﴾ الآية، وقال بعضهم: إن المراد به وعد النبي لهم عند تعبئتهم واختاره ابن جرير وروى فيه عن السدي أنه قال "لما برز رسول الله  إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين، وقال: ولا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير، ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار؟

فقام إليه علي بن أبي طالب فقال والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم، فتركه.

فكبر رسول الله  وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟

قال إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم وحمل النبي  وأصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله  وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم لا نترك أمر رسول الله  ، فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي  ، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم".

أي قتلوا منهم سبعين كما هو معلوم من الروايات المفصلة.

وإنما ذكرنا هنا رواية السدي بطولها لما فيها من التصريح بأن النبي  قال للرماة "فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم"، والتفصيل الذي يعين على فهم الآية وغيرها، ومنها أن الرماة لم يعصوا كلهم وإنما أولئك بعض عامتهم، وأما الخاصة الراسخون في الإيمان العارفون بالواجب فقد ثبتوا، والمختار عندنا أن المراد بوعد الله هنا ما تكرر في القرآن وإنما قال النبي ما قال للرماة عملًا بالقرآن وتأولًا له فإنه تعالى قرن الوعد فيه بشروط لا تتم إلا بالطاعة والثبات.

فملخص تفسير الآية هكذا ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ  ﴾ إياكم بالنصر حتى في هذه الواقعة ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ  ﴾ أي المشركين أي تقتلونهم قتلًا ذريعًا ﴿ بِإِذْنِهِ  ﴾ تعالى أي بعنايته وتأييده لكم ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ضعفتم في الرأي والعمل فلم تقووا على حبس أنفسكم عن الغنيمة، ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ  ﴾ فقال بعضكم ما بقاؤنا هنا وقد انهزم المشركون وقال الآخرون لا نخالف أمر الرسول، ﴿ وَعَصَيْتُمْ  ﴾ رسولكم وقائدكم بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه يحمون ظهوركم بنضح المشركين بالنبل ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ  ﴾ من النصر والظفر فصبرتم على الضراء ولم تصبروا في السراء، ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا  ﴾ كالذين تركوا مكانهم وذهبوا وراء الغنيمة ليصيبوا منها، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ  ﴾ كالذين ثبتوا من الرماة مع أميرهم عبد الله بن جبير وهم نحو عشرة وكان الرماة خمسين رجلًا، والذين ثبتوا مع النبي  وهم ثلاثون رجلًا.

أي صدقكم وعده ونصركم على قلتكم وكثرة المشركين واستمر هذا النصر إلى أن فشلتم وتنازعتم وعصيتم، فعندما وصلتم إلى هذه الغاية، لم تعودوا مستحقين لهذه العناية، لمخالفتكم لسننه في استحقاق النصر، الذي وعد به أهل الثبات والصبر، فعلى هذا تكون "حتى" للغاية و"إذا" في قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ليست للشروط وإنما هي بمعنى الحين والوقت هذا هو المختار، والوجه الثاني أنها للشرط وجوابها محذوف تقديره عند البصريين "منعكم نصره" أو نحوه، وإن الحكمة في حذف الجواب هنا على القول به هي أن تذهب النفس في تقديره كل مذهب، ومثل هذا الحذف لا يأتي في الكلام البليغ إلا حيث ينتظر المخاطب الجواب بكل شغف ولهف ولك أن تجعل تقديره: امتحنكم بالإدالة منكم ليمحصكم ويميز المخلصين والصادقين منكم.

وحاصل المعنى أنه بعد أن صدقكم وعده فكنتم تقتلونهم بإذنه ومعونته قتل حس واستئصال صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم، وحال بينكم وبين تمام النصر ليمتحنكم بذلك أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ويختبر أو لأجل أن يكون ذلك ابتلاء واختبارًا يمحصكم به ويميز بين الصادقين والمنافقين ويزيل، بين الأقوياء والضعفاء كما علم من الآيات السابقة.

وقد اسند الله تعالى صرف المؤمنين عن المشركين إلى نفسه هنا باعتبار غايته الحميدة في تربيتهم وتمحيصهم الذي يعهدهم للنصر الكامل والظفر الشامل في المستقبل وأضاف ما أصابهم إليهم في قوله الذي سيأتي في السياق ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ باعتبار سببه وهو ما كان منهم من الفشل والتنازع والعصيان، وقد عد بعضهم إسناد الصرف إليه هنا مشكلًا لا سيما على مذهب المعتزلة الذين تكلف علماؤهم في تخريجه تكلفًا لا حاجة إليه، إذ لا إشكال فيه، ولكن المذاهب والاصطلاحات هي التي تولد لأصحابها المشكلات.

قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ  ﴾ بذلك التحميص الذي محا أثر الذنب من نفوسكم فصرتم كأنكم لم تفشلوا ولم تتنازعوا ولم تعصوا، وقد ظهر أثر هذا العفو في حمراء الأسد.

﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فلا يذرهم على ما هم عليه من ضعف يلم ببعضهم، أو تقصير يهبط بنفوس غير الراسخين منهم، حتى يبتلي ما في قلوبهم، ويمحص ما في صدورهم، فيكونوا من المخلصين.

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ  ﴾ أي صرفكم عنهم في ذلك الوقت الذي أصعدتم فيه أي ذهبتم وأبعدتم في الأرض منهزمين -وهو غير الصعود الذي هو الذهاب في المرتفعات كالجبال- لا تلوون أي لا تعطفون على أحد بنجدة ولا مدافعة، ولا تلتفون إلى من وراءكم لشدة الدهشة التي عرتكم والذعر الذي فاجأكم.

﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ  ﴾ أي تفعلون ذلك والرسول من ورائكم يدعوكم إليه فيمن تأخر معه منكم فكانوا ساقة الجيش -روي أنه كان يقول في دعوته: "إليّ عباد الله إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة"- وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، وكان يجب أن يكون لكم أسوة حسنة بالرسول فتقتدوا به في صبره وثباته ولكن أكثركم لم يفعل ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ  ﴾ ، الغم هو الألم الذي يفاجئ الإنسان عند نزول المصيبة وأما الحزن فهو الألم الذي يكون بعد ذلك ويستمر زمنًا.

﴿ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ  ﴾ أي لأجل أن لا تحزنوا بعد هذا التأديب والتمرين على ما فاتكم من غنيمة ومنفعة، ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ  ﴾ من قرح ومصيبة فإن التربية إنما تكون بالعمل والتمرن الذي به يكمل الإيمان وترسخ الأخلاق.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون الضمير في "فأثابكم" للرسول أي فآساكم في الاغتمام وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم فأثابكم غمًا اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو.

﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ ، يقول فلا تعتذروا عن أنفسكم ولا تخادعوها فإن الخبير بأعمالكم المحيط بنفوسكم لا يخفى عليه من أمركم خافية وإنما المعوّل على علمه وخبره لا على إعذاركم وتأويلكم لأنفسكم ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ  ﴾ اختلف المفسرون في وقت هذا النعاس فقال بعضهم إن ذلك كان في أثناء الواقعة وأن الرجل كان ينام تحت ترسه كأنه آمن من كل خوف وفزع، إلا المنافقين فإنهم أهمتهم أنفسهم فاشتد جزعهم، وحمل بعضهم هذه الآية على آية الأنفال: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ  ﴾ وإنما هذه في غزوة بدر.

وقد مضت السنة في الخلق بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هولًا كبيرًا ومصابًا عظيمًا فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه ويبيت بليلة الملسوع فيصبح خاملًا ضعيفًا، وقد كان المؤمنون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك إذ بلغهم أن جيشًا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدًا وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد يضربون أخماسًا لأسداس، ويفكرون بما سيلاقون في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس، غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه، فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها ومثله المطر الذي أنزل عليهم عند شدة حاجتهم إليه وقد قرن ذكره به في الآية التي ذكرتهم بعناية الله بهم في ذلك.

وأما النعاس يوم أُحد فقد قيل إنه كان في أثناء الحرب، وقيل إنه كان بعدها وقد اتفق المفسرون وأهل السير على أن المؤمنين قد أصابهم يوم أُحد شيء من الضعف والوهن لما أصابهم من الفشل والعصيان، وقتل طائفة من كبارهم وشجعانهم فكانوا بعد انتهاء الواقعة قسمين، فقسم منهم ذكروا ما أصابهم فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم وذكروا الله ووعده بنصرهم فاستغفروا لذنوبهم ووثقوا بوعد ربهم، وعلموا أنه إن كان قد غلبوا في هذه المرة فإن الله سينصرهم في غيرها حيث لا يعودون إلى مثل ما وقع منهم فيها من الفشل والتنازع وعصيان قائدهم ورسولهم، فأنزل الله عليهم النعاس أمنة، أو الأمنة نعاسًا، حتى يستردوا ما فقدوا من القوة بما أصابهم من القرح، ومع عرض لهم من الضعف، والنوم للمصاب بمثل تلك المصائب نعمة كبيرة، وعناية من الله عظيمة، وقد كان من أثر هذا الاطمئنان في القلوب، والراحة للأجسام، والتسليم للقضاء، أن سهل على هؤلاء المؤمنين اقتفاء أثر المشركين بعد انصرافهم، وعزموا على قتالهم في حمراء الأسد عندما دعاهم الرسول إلى ذلك فاستجابوا له مذعنين.

واتفق الرواة أيضًا على أن كثيرًا منهم كانوا مثقلين بالجراح فلم يقدروا على اقتفاء أثر المشركين فذلك قوله تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ  ﴾ فهذه الطائفة من المؤمنين الضعفاء، ولا حاجة إلى جعلها في المنافقين كما قيل، فإن هؤلاء سيأتي الكلام فيهم وما من أمة إلا وفيها الضعفاء والأقوياء في الإيمان وغيره.

وقد بيّن ظنهم بقوله: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ فنلام أن ولينا وغلبنا؟

يعنون أنه ليس لهم من أمر النصر وعدمه شيء فإنهم فهموا مما وقع يوم بدر أن النصر وحقية الدين متلازمان، وعجبوا مما وقع في أحد كأنه مناف لحقيقة الدين، وهذا خطأ عظيم، أي فإن نصر الله لرسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالًا والعاقبة للمتقين.

﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ  ﴾ لا أمر النصر وحده، أي إن كل أمر يجري بحسب سننه تعالى في خلقه ونظامه الذي ربط فيه الأسباب بالمسببات ومنه نصر من ينصره من المؤمنين ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا  ﴾ أي لو كان أمر النصر والظفر في أيدينا لما وقع فينا القتل هنا، يقررون رأيهم ويستدلون عليه بما وقع لهم غافلين عن تحديد الآجال ولذلك أمر الله نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ أي لو كنتم وادعين في بيوتكم في سلم وأمان لخرج من بينكم من انتهت آجالهم وثبت في علم الله أنهم يقتلون كما يثبت المكتوب في الألواح والأوراق إلى حيث يقتلون ويسقطون من البراز، فتكون مصارعهم ومضاجع الموت لهم فقتل من قتل لم يكن لأن الأمر ليس كله بيد الله بل لأن آجالهم قد جاءت كما سبق في علم الله.

﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ أي يقع ذلك لأجل أن يكون القتل عاقبة من جاء أجلهم منكم ولأجل أن يمتحن الله نفوسكم فيظهر لكم ما انطوت عليه من ضعف وقوة في الإيمان، ويطهرها حتى تصل إلى الدرجات العلى من الإيقان، وقد تقدم تفسير الابتلاء والتمحيص في هذا السياق ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  ﴾ أي بالسرائر والوجدانات الملازمة للصدور حيث القلوب المنفعلة بها، والمنبسطة أو المنقبضة بتأثيرها، وقد يخفى ذلك على أصحابها فينخدعون للشعور العارض لها الذي لم يرسخ بالتجارب والابتلاء كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا  ﴾ أي إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أُحد لم يكن ذلك التولي منهم إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، أي زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان لهم بالوسوسة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل