الآية ١٥٤ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٥٤ من سورة آل عمران

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 237 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٤ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ممتنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة ، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم ، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان كما قال تعالى في سورة الأنفال ، في قصة بدر : ( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه [ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ] ) [ الأنفال : 11 ] .

وقال [ الإمام ] أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو نعيم ووكيع عن سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن عبد الله بن مسعود قال : النعاس في القتال من الله ، وفي الصلاة من الشيطان .

قال البخاري : قال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن أبي طلحة ، رضي الله عنه ، قال : كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد ، حتى سقط سيفي من يدي مرارا ، يسقط وآخذه ، ويسقط وآخذه .

هكذا رواه في المغازي معلقا .

ورواه في كتاب التفسير مسندا عن شيبان ، عن قتادة ، عن أنس ، عن أبي طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد .

قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه .

وقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم ، من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، عن أبي طلحة قال : رفعت رأسي يوم أحد ، وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس .

لفظ الترمذي ، وقال : حسن صحيح .

ورواه النسائي أيضا ، عن محمد بن المثنى ، عن خالد بن الحارث ، عن أبي قتيبة ، عن ابن أبي عدي ، كلاهما عن حميد ، عن أنس قال : قال أبو طلحة : كنت فيمن ألقي عليه النعاس - الحديث .

وهكذا روي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنه .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب ، أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي ، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي ، حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا شيبان ، عن قتادة ، حدثنا أنس بن مالك ، أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه ، قال : والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم ، أجبن قوم وأرعنه ، وأخذله للحق ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) كذبة ، أهل شك وريب في الله عز وجل .

هكذا رواه بهذه الزيادة ، وكأنها من كلام قتادة ، رحمه الله ، وهو كما قال ، فإن الله عز وجل يقول : ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ) يعني : أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق ، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله وينجز له مأموله ، ولهذا قال : ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) يعني : لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) كما قال في الآية الأخرى : ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا [ وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ] ) [ الفتح : 12 ] وهكذا هؤلاء ، اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة وأن الإسلام قد باد وأهله ، هذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة ، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة .

ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ( يقولون ) في تلك الحال : ( هل لنا من الأمر من شيء ) قال الله تعالى : ( قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ) ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله : ( يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) أي : يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال [ محمد ] بن إسحاق بن يسار : فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير قال : قال الزبير : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا ، أرسل الله علينا النوم ، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره ، قال : فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ، ما أسمعه إلا كالحلم ، [ يقول ] ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) فحفظتها منه ، وفي ذلك أنزل الله [ تعالى ] ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) لقول معتب .

رواه ابن أبي حاتم .

قال الله تعالى : ( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) أي : هذا قدر مقدر من الله عز وجل ، وحكم حتم لا يحاد عنه ، ولا مناص منه .

وقوله : ( وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ) أي يختبركم بما جرى عليكم ، وليميز الخبيث من الطيب ، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال ، ( والله عليم بذات الصدور ) أي : بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ثُمَّ أَنْـزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ثم أنـزل الله، أيها المؤمنون من بعد الغم الذي أثابكم ربكم بعد غم تقدمه قبله =" أمنة "، وهي الأمان، (1) على أهل الإخلاص منكم واليقين، دون أهل النفاق والشك.

* * * ثم بين جل ثناؤه، عن " الأمنة " التي أنـزلها عليهم، ما هي؟

فقال =" نعاسًا "، بنصب " النعاس " على الإبدال من " الأمنة ".

* * * ثم اختلفت القرأة في قراءة قوله: " يغشى ".

فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والمدينة والبصرة وبعض الكوفيين بالتذكير بالياء: (يَغْشَى).

* * * وقرأ جماعة من قرأة الكوفيين بالتأنيث: (تَغْشَى) بالتاء.

* * * وذهب الذين قرأوا ذلك بالتذكير، إلى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من &; 7-316 &; المؤمنين دون الأمَنة، فذكَّره بتذكير " النعاس ".

وذهب الذين قرأوا ذلك بالتأنيث، إلى أنّ الأمَنة هي التي تغشاهم فأنثوه لتأنيث " الأمنة ".

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، غير مختلفتين في معنى ولا غيره.

لأن " الأمنة " في هذا الموضع هي النعاس، والنعاس هو الأمنة.

فسواء ذلك، (2) وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءته.

وكذلك جميع ما في القرآن من نظائره من نحو قوله: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [سورة الدخان: 43-45] و أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى [سورة القيامة: 37]، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ [سورة مريم: 25].

(3) .

* * * فإن قال قائل: وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عز وجل فيما افترقتا فيه من صفتهما، فأمِنت إحداهما بنفسها حتى نعست، وأهمَّت الأخرى أنفسها حتى ظنت بالله غير الحق ظن الجاهلية؟

قيل: كان سبب ذلك فيما ذكر لنا، كما:- 8072- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين، فواعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدرًا من قابلٍ، فقال نعم!

نعم!

فتخوف المسلمون أن ينـزلوا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: " انظر، فإن رأيتهم قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم، (4) فإن القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا أثقالهم، (5) فإن القوم ينـزلون المدينة، فاتقوا الله واصبروا " ووطَّنهم على القتال.

فلما أبصرهم الرسولُ قعدوا على الأثقال سراعًا عجالا نادى بأعلى صوته بذهابهم.

فلما رأى المؤمنون ذلك صدَّقوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فناموا، وبقى أناس من المنافقين يظنون أنّ القوم يأتونهم.

فقال الله جل وعز، يذكر حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا: " ثم أنـزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحقّ ظن الجاهلية ".

8073- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: أمَّنهم يومئذ بنعاس غشَّاهم.

وإنما ينعُسُ من يأمن =" يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ".

8074- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن أنـزل عليه النعاس يوم أحد أمنة، حتى سقط من يدي مرارًا = قال أبو جعفر: يعني سوطه، أو سيفه.

8075- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحُد، فجعلت ما أرى أحدًا من القوم إلا تحت حجفته يميد من النعاس.

(6) .

&; 7-318 &; 8076- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن صبَّ عليه النعاس يوم أحد.

8077- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أنس بن مالك: عن أبي طلحة: أنه كان يومئذ ممن غشِيه النعاس، قال: كان السيف يسقط من يدي ثم آخذه، من النعاس.

8078- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ذكر لنا، والله أعلم، عن أنس: أن أبا طلحة حدثهم: أنه كان يومئذ ممن غشيه النعاس، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، ويسقط = والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همَّة إلا أنفسهم،" يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية "، الآية كلها.

8079- حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال، حدثنا ضرار بن صُرد قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه قال: سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله عز وجل: " ثم أنـزل عليكم من بعد الغم أمَنةً نعاسًا ".

قال: ألقي علينا النوم يوم أحد.

8080- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ثم أنـزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا "، الآية، وذاكم يوم أحد، كانوا يومئذ فريقين، فأما المؤمنون فغشّاهم الله النعاس أمنةً منه ورحمة.

8081- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، نحوه.

8082- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " أمنة نعاسًا "، قال: ألقي عليهم النعاس، فكان ذلك أمنةً لهم.

8083- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال، قال عبد الله: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.

8084- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ثم أنـزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا "، قال: أنـزل النعاس أمنة منه على أهل اليقين به، فهم نيامٌ لا يخافون.

(7) 8085- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " أمنة نعاسًا "، قال: ألقى الله عليهم النعاس، فكان " أمنة لهم ".

وذكر أن أبا طلحة قال: ألقي عليًّ النعاس يومئذ، فكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي.

8086- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة = وهشام بن عروة، عن عروة، عن الزبير، أنهما قالا لقد رفعنا رءوسنا يوم أحد، فجعلنا ننظر، فما منهم من أحد إلا وهو يميل بجنب حجفته.

قال: وتلا هذه الآية: " ثم أنـزل عليكم من بعد الغم أمنةً نعاسًا ".

* * * القول في تأويل قوله : وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " وطائفة منكم "، أيها المؤمنون =" قد أهمتهم أنفسهم "، يقول: هم المنافقون لا هم لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكًا في أمر الله، وتكذيبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، وَمحْسَبة منهم أن الله خاذل نبيه ومُعْلٍ عليه أهل الكفر به، (8) يقولون: هل لنا من الأمر من شيء.

كالذي:- 8087- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: والطائفة الأخرى: المنافقون، ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبُه وأخذله للحق، يظنون بالله غير الحق ظنونًا كاذبة، إنما هم أهل شك وريبة في أمر الله: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ .

8088- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همة إلا أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قال الله عز وجل: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ الآية.

8089- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وطائفة قد أهمتهم أنفسهم "، قال: أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوُّف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبةٌ.

(9) 8090- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وطائفة قد أهمتهم أنفسهم " إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المنافقون.

* * * وأما قوله: " ظنّ الجاهلية "، فإنه يعني أهل الشرك.

كالذي:- 8091- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ظنّ الجاهلية "، قال: ظن أهل الشرك.

8092- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " ظن الجاهلية "، قال: ظن أهل الشرك.

* * * قال أبو جعفر: وفي رفع قوله: " وطائفة "، وجهان.

أحدهما، أن تكون مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله: " قد أهمتهم ".

والآخر: بقوله: " يظنون بالله غير الحق "، ولو كانت منصوبة كان جائزًا، وكانت " الواو "، في قوله: " وطائفة "، ظرفًا للفعل، بمعنى: وأهمت طائفة أنفسهم، كما قال وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [سورة الذاريات: 47].

(10) * * * القول في تأويل قوله : يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قال أبو جعفر: يعني بذلك الطائفة المنافقةَ التي قد أهمَّتهم أنفسهم، يقولون: ليس لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله، ولو كان لنا من الأمر شيء ما خرجنا لقتال من قاتلنا فقتلونا.

كما:- 8093- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قيل لعبد الله بن أبيّ: قُتل بنو الخزرج اليوم!

قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟

قيل إنّ الأمر كله لله!.

(11) * * * وهذا أمر مبتدأ من الله عز وجل، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: " إن الأمر كله لله "، يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف يحبّ.

ثم عاد إلى الخبر عن ذكر نفاق المنافقين، فقال: " يُخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك " يقول: يخفي، يا محمد، هؤلاء المنافقون الذين وصفتُ لك صفتهم، في أنفسهم من الكفر والشك في الله، ما لا يبدون لك.

ثم أظهر نبيَّه صلى الله عليه وسلم على ما كانوا يخفونه بينهم من نفاقهم، والحسرة التي أصابتهم على حضورهم مع المسلمين مشهدهم بأحد، فقال مخبرًا عن قيلهم الكفرَ وإعلانهم النفاقَ بينهم: " يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا "، يعني بذلك، أنّ هؤلاء المنافقين يقولون: لو كان الخروج إلى حرب من خرجنا لحربه من المشركين إلينا، ما خرجنا &; 7-323 &; إليهم، ولا قُتل منا أحد في الموضع الذي قتلوا فيه بأحد.

* * * وذكر أن ممن قال هذا القول، معتّب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف.

*ذكر الخبر بذلك: 8094- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، قال، قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: والله إنّي لأسمع قول معتِّب بن قشير، أخي بني عمرو بن عوف، والنعاسُ يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لوْ كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا!

(12) 8095- حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي، عن ابن إسحاق قال، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، بمثله.

* * * قال أبو جعفر: واختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ( قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ )، بنصب " الكل " على وجه النعت لـ" الأمر " والصفة له.

* * * وقرأه بعض قرأة أهل البصرة: ( قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) برفع " الكل "، على توجيه " الكل " إلى أنه اسم، وقوله " لله " خبره، كقول القائل: " إن الأمر بعضه لعبد الله " (13) .

* * * وقد يجوز أن يكون " الكل " في قراءة من قرأه بالنصب، منصوبًا على البدل.

* * * قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءة عندنا، النصبُ في" الكل " لإجماع أكثر القرأة عليه، من غير أن تكون القراءة الأخرى خطأ في معنى أو عربية.

ولو كانت القراءة بالرفع في ذلك مستفيضة في القرأة، لكانت سواءً عندي القراءةُ بأيِّ ذلك قرئ، لاتفاق معاني ذلك بأيَ وجهيه قرئ.

* * * القول في تأويل قوله : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل، يا محمد، للذين وصفت لك صفتهم من المنافقين: لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا مع المؤمنين مشهدهم، ولم تحضروا معهم حرب أعدائهم من المشركين، فيظهرَ للمؤمنين ما كنتم تخفونه من نفاقكم، وتكتمونه من شككم في دينكم (14) =" لبرز الذين كُتب عليهم القتل "، يقول: لظهر للموضع الذي كتب عليه مصرعه فيه، من قد كتب عليه القتل منهم، (15) ولخرج من بيته إليه حتى يصرع في الموضع الذي كُتب عليه أن يصرع فيه.

(16) .

* * * وأما قوله: " وليبتلي الله ما في صدوركم "، فإنه يعني به: وليبتلي الله ما في صدوركم، أيها المنافقون، كنتم تبرزون من بيوتكم إلى مضاجعكم.

* * * &; 7-325 &; ويعني بقوله: " وليبتلي الله ما في صدوركم "، وليختبر الله الذي في صدوركم من الشك، فيميِّزكم = بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم = من المؤمنين.

(17) * * * وقد دللنا فيما مضى على أنّ معاني نظائر قوله: " ليبتلي الله " و لِيَعْلَمَ اللَّهُ وما أشبه ذلك، وإن كان في ظاهر الكلام مضافًا إلى الله الوصف به، فمرادٌ به أولياؤه وأهل طاعته = (18) وأنّ معنى ذلك: وليختبر أولياءُ الله، وأهل طاعته الذي في صدوركم من الشك والمرض، فيعرفوكم، [فيميّزوكم] من أهل الإخلاص واليقين =" وليمحص ما في قلوبكم "، يقول وليتبينوا ما في قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من العداوة أو الولاية.

(19) * * * " والله عليم بذات الصدور "، يقول: والله ذو علم بالذي في صدور خلقه من خير وشر، وإيمان وكفر، لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها علانيتها، وهو لجميع ذلك حافظ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن إسحاق يقول: 8096- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ذكر الله تلاومَهم -يعني: تلاوم المنافقين - وحسرتهم على ما أصابهم، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم قل: " لو كنتم في بيوتكم "، لم تحضروا هذا الموضع الذي أظهر الله جل ثناؤه فيه منكم ما أظهر من سرائركم، لأخرج الذي كتب عليهم القتل إلى موطن غيره يصرعون فيه، حتى يبتلي به ما في صدوركم =" وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور "، أي لا يخفى عليه ما في صدورهم، (20) &; 7-326 &; مما اسْتَخْفَوْا به منكم.

(21) 8097- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا الحارث بن مسلم، عن بحر السقاء، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن قال: سئل عن قوله: " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم "، قال: كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله، وليس كل من يقاتل يُقتل، ولكن يُقتل من كَتب الله عليه القتل.

(22) -------------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"الأمن" فيما سلف 3: 29 / 4 : 87.

(2) في المطبوعة: "وسواء ذلك" بالواو ، والصواب من المخطوطة.

(3) انظر معاني القرآن للفراء 1: 240.

(4) الأثقال جمع ثقل (بفتحتين): وهو متاع المسافر ، وعنى به الإبل التي تحمل المتاع.

وجنب الفرس والأسير وغيره: قاده إلى جنبه.

(5) في المطبوعة والمخطوطة والدر المنثور 2: 87: "وجنبوا على أثقالهم" ، والصواب الذي لا شك فيه حذف"على".

(6) "الحجفة": ضرب من الترسة ، تتخذ من جلود الإبل مقورة ، يطارق بعضها على بعض ، ليس فيه خشب ، وهي الحجفة والدرقة."ماد يميد": مال وتحرك واضطرب.

(7) الأثر: 8084- سيرة ابن هشام 3: 122 ، وهو من تتمة الأثار التي آخرها: 8067.

(8) حسب الشيء يحسبه (بكسر السين) حسبانًا (بكسر الحاء) ومحسبة ومحسبة (بكسر السين وفتحها) ، ظنه طنًا.

(9) الأثر: 8089- سيرة ابن هشام 3: 122 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8084.

(10) قد استقصى هذا الباب من العربية ، الفراء في معاني القرآن 1: 240 - 242.

(11) في المطبوعة: "قل إن الأمر كله لله" كنص الآية ، وأثبت ما في المخطوطة.

(12) لم أجد نص الخبر في سيرة ابن هشام ، في خبر أحد ، ولكني وجدت معناه والإشارة إليه قبل أحد في ذكر من اجتمع إلى يهود من منافقي الأنصار 2: 169.

(13) انظر معاني القرآن للفراء 1: 243.

(14) في المطبوعة: "من شرككم في دينكم" ، والصواب من المخطوطة.

(15) انظر تفسير"برز" فيما سلف 5: 354.

(16) في المطبوعة: "ويخرج من بيته" ، لم يحسن قراءة المخطوطة.

(17) انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف 7: 297 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(18) انظر ما سلف قريبًا ص: 246 ، تعليق 2 ، / ثم انظر 3: 160 - 162.

(19) انظر تفسير"محص" فيما سلف ص: 244.

(20) في المطبوعة"لا يخفى عليه شيء مما في صدورهم" ، وفي المخطوطة"لا يخفى عليه شيء ما في صدورهم" ، وضرب بالقلم على"شيء" ، ولكن الناشر آثر إثباتها ، وجعل"ما""مما" ، والصواب المطابق لنص السيرة هو ما أثبت.

(21) الأثر: 8096- سيرة ابن هشام 3: 122 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8089.

(22) الأثر: 8097-"الحارث بن مسلم الرازي المقرئ" ، روى عن الثوري ، والربيع بن صبيح وغيرهما.

قال أبو حاتم: "الحارث بن مسلم ، عابد ، شيخ ثقة صدوق.

رأيته وصليت خلفه".

مترجم في ابن أبي حاتم 1 / 2 / 88.

و"بحر السقاء" ، هو"بحر بن كنيز الباهلي السقاء أبو الفضل" روي عن الحسن ، والزهري وقتادة.

وهو جد"عمرو بن علي الفلاس".

وروى عنه الثوري وكناه ولم يسمه ، قال يحيى بن سعيد القطان: "كان سفيان الثوري يحدثني ، فإذا حدثني عن رجل يعلم أني لا أرضاه كناه لي ، فحدثني يوما قال حدثني أبو الفضل ، يعني بحرًا السقاء".

وقال يحيى بن معين: "بحر السقاء ، لا يكتب حديثه".

وهو متروك.

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 418.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا الأمنة والأمن سواء .

وقيل : الأمنة إنما تكون مع أسباب الخوف ، والأمن مع عدمه .

وهي منصوبة ب أنزل ، ونعاسا بدل منها .

وقيل : نصب على المفعول له ; كأنه قال : أنزل عليكم للأمنة نعاسا .

وقرأ ابن محيصن " أمنة " بسكون الميم .

تفضل الله تعالى على المؤمنين بعد هذه الغموم في يوم أحد بالنعاس حتى نام أكثرهم ; وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام .

روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه .يغشى قرئ بالياء والتاء .

الياء للنعاس ، .

والتاء للأمنة .

وطائفة قد أهمتهم أنفسهم والطائفة تطلق على الواحد والجماعة .

يعني المنافقين : معتب بن قشير وأصحابه ، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور ، ويقولون الأقاويل .

ومعنى قد أهمتهم أنفسهم حملتهم على الهم ، والهم ما هممت به ; يقال : أهمني الشيء أي كان من همي .

وأمر مهم : شديد .

وأهمني الأمر : أقلقني : وهمني : أذابني .

والواو في قوله وطائفة واو الحال بمعنى إذ ، أي إذ طائفة يظنون أن أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - باطل ، وأنه لا ينصر .

ظن الجاهلية أي ظن أهل الجاهلية ، فحذف .

يقولون هل لنا من الأمر من شيء لفظه استفهام ومعناه الجحد ، أي ما [ ص: 229 ] لنا شيء من الأمر ، أي من أمر الخروج ، وإنما خرجنا كرها ; يدل عليه قوله تعالى إخبارا عنهم : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا .

قال الزبير : أرسل علينا النوم ذلك اليوم ، وإني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا .

وقيل : المعنى يقول ليس لنا من الظفر الذي وعدنا به محمد شيء ، والله أعلم .قوله تعالى : قل إن الأمر كله لله قرأ أبو عمرو ويعقوب " كله " بالرفع على الابتداء ، وخبره " لله " ، والجملة خبر " إن " .

وهو كقوله : ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة .

والباقون بالنصب ; كما تقول : إن الأمر أجمع لله .

فهو توكيد ، وهو بمعنى أجمع في الإحاطة والعموم ، وأجمع لا يكون إلا توكيدا .

وقيل : نعت للأمر .

وقال الأخفش : بدل ; أي النصر بيد الله ينصر من يشاء ويخذل من يشاء .

وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يعني التكذيب بالقدر .

وذلك أنهم تكلموا فيه ، فقال الله تعالى : قل إن الأمر كله لله يعني القدر خيره وشره من الله .يخفون في أنفسهم أي من الشرك والكفر والتكذيب .

ما لا يبدون لك يظهرون لك .

يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا أي ما قتل عشائرنا .

فقيل : إن المنافقين قالوا لو كان لنا عقل ما خرجنا إلى قتال أهل مكة ، ولما قتل رؤساؤنا .

فرد الله عليهم فقال : قل لو كنتم في بيوتكم لبرز أي لخرج .

الذين كتب أي فرض .

عليهم القتل يعني في اللوح المحفوظ .

إلى مضجاعهم أي مصارعهم .

وقيل : كتب عليهم القتل أي فرض عليهم القتال ، فعبر عنه بالقتل ; لأنه قد يئول إليه .

وقرأ أبو حيوة " لبرز " بضم الباء وشد الراء ; بمعنى يجعل يخرج .

وقيل : لو تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم إلى موطن آخر غيره تصرعون فيه حتى يبتلي الله ما في الصدور ويظهره للمؤمنين .

والواو في قوله : وليبتلي مقحمة كقوله : وليكون من الموقنين أي ليكون ، وحذف الفعل الذي مع لام كي .

والتقدير وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم فرض الله عليكم القتال والحرب ولم ينصركم يوم أحد ليختبر صبركم وليمحص عنكم سيئاتكم إن تبتم وأخلصتم .

وقيل : معنى ليبتلي ليعاملكم معاملة المختبر .

وقيل : ليقع منكم مشاهدة ما علمه غيبا .

وقيل : هو على حذف مضاف ، والتقدير ليبتلي أولياء الله تعالى .

وقد تقدم معنى التمحيص .

والله عليم بذات الصدور أي ما فيها من خير وشر .

وقيل : ذات الصدور هي الصدور ; لأن ذات الشيء نفسه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ثم أنزل عليكم من بعد الغم } الذي أصابكم { أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم } ولا شك أن هذا رحمة بهم، وإحسان وتثبيت لقلوبهم، وزيادة طمأنينة؛ لأن الخائف لا يأتيه النعاس لما في قلبه من الخوف، فإذا زال الخوف عن القلب أمكن أن يأتيه النعاس.

وهذه الطائفة التي أنعم الله عليها بالنعاس هم المؤمنون الذين ليس لهم هم إلا إقامة دين الله، ورضا الله ورسوله، ومصلحة إخوانهم المسلمين.

وأما الطائفة الأخرى الذين { قد أهمتهم أنفسهم } فليس لهم هم في غيرها، لنفاقهم أو ضعف إيمانهم، فلهذا لم يصبهم من النعاس ما أصاب غيرهم، { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } وهذا استفهام إنكاري، أي: ما لنا من الأمر -أي: النصر والظهور- شيء، فأساءوا الظن بربهم وبدينه ونبيه، وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله، وأن هذه الهزيمة هي الفيصلة والقاضية على دين الله، قال الله في جوابهم: { قل إن الأمر كله لله } الأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي، فجميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وعاقبة النصر والظفر لأوليائه وأهل طاعته، وإن جرى عليهم ما جرى.

{ يخفون } يعني المنافقين { في أنفسهم ما لا يبدون لك } ثم بين الأمر الذي يخفونه، فقال: { يقولون لو كان لنا من الأمر شيء } أي: لو كان لنا في هذه الواقعة رأي ومشورة { ما قتلنا هاهنا } وهذا إنكار منهم وتكذيب بقدر الله، وتسفيه منهم لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي أصحابه، وتزكية منهم لأنفسهم، فرد الله عليهم بقوله: { قل لو كنتم في بيوتكم } التي هي أبعد شيء عن مظان القتل { لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } فالأسباب -وإن عظمت- إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئا، بل لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة، { وليبتلي الله ما في صدوركم } أي: يختبر ما فيها من نفاق وإيمان وضعف إيمان، { وليمحص ما في قلوبكم } من وساوس الشيطان، وما تأثر عنها من الصفات غير الحميدة.

{ والله عليم بذات الصدور } أي: بما فيها وما أكنته، فاقتضى علمه وحكمته أن قدر من الأسباب، ما به تظهر مخبآت الصدور وسرائر الأمور.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم أنزل عليكم ) يا معشر المسلمين ، ( من بعد الغم أمنة نعاسا ) يعني : أمنا ، والأمن والأمنة بمعنى واحد وقيل : الأمن يكون مع زوال سبب الخوف والأمنة مع بقاء سبب الخوف وكان سبب الخوف هنا قائما ، ( نعاسا ) بدل من الأمنة ( يغشى طائفة منكم ) قرأ حمزة والكسائي " تغشى " بالتاء ردا إلى الأمنة وقرأ الآخرون بالياء ردا على النعاس .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : أمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم وإنما ينعس من يأمن ، والخائف لا ينام .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن ، أنا حسين بن محمد ، أخبرنا شيبان عن قتادة أخبرنا أنس أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد قال : فجعل سيفي يسقط من يدي فآخذه ويسقط وآخذه " .

وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس .

وقال عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الحرب ، أرسل الله علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم ، يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا فذلك قوله تعالى : ( يغشى طائفة منكم ) يعني : المؤمنين ، ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) يعني : المنافقين : قيل : أراد الله به تمييز المنافقين من المؤمنين فأوقع النعاس على المؤمنين حتى أمنوا ولم يوقع على المنافقين فبقوا في الخوف وقد أهمتهم أنفسهم أي : حملتهم على الهم يقال : أمر مهم .

( يظنون بالله غير الحق ) أي : لا ينصر محمدا ، وقيل : ظنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل ، ( ظن الجاهلية ) أي : كظن أهل الجاهلية والشرك ، ( يقولون هل لنا ) ما لنا : لفظه استفهام ومعناه حجد ، ( من الأمر من شيء ) يعني : النصر ، ( قل إن الأمر كله لله ) قرأ أهل البصرة برفع اللام على الابتداء وخبره في ( لله ) وقرأ الآخرون بالنصب على البدل وقيل : على النعت .

( يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض : لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم يقتل رؤساؤنا ، وقيل : لو كنا على الحق ما قتلنا هاهنا .

قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يعني : التكذيب بالقدر وهو قولهم ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ) قضي ، ( عليهم القتل إلى مضاجعهم ) مصارعهم ، ( وليبتلي الله ) وليمتحن الله ، ( ما في صدوركم وليمحص ) يخرج ويظهر ( ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ) بما في القلوب من خير وشر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة» أمنا «نعاسا» بدل «يغشى» بالياء والتاء «طائفة منكم» وهم المؤمنون فكانوا يميدون تحت الحجف وتسقط السيوف منهم «وطائفة قد أهمتهم أنفسهم» أي حملتهم على الهم فلا رغبة لهم إلا نجاتها دون النبي وأصحابه فلم يناموا وهم المنافقون «يظنون بالله» ظنا «غير» الظن «الحق ظَنَّ» أي كظن «الجاهلية» حيث اعتقدوا أن النبي قتل أولا ينصر «يقولون هل» ما «لنا من الأمر» أي النصر الذي وُعدناه «من شيء قل» لهم «إن الأمر كله» بالنصب توكيدا والرفع مبتدأ وخبره «لله» أي القضاء له بفعل ما يشاء «يخفون في أنفسهم ما لا يبدون» يظهرون «لك يقولون» بيان لما قبله «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا» أي لو كان الاختبار إلينا لم نخرج فلم نقتل لكن أخرجنا كرها «قل» لهم «لو كنتم في بيوتكم» وفيكم من كتب الله عليه القتل «لبرز» خرج «الذين كتب» قضي «عليهم القتل» منكم «إلى مضاجعهم» مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم وقعودهم لأن قضاءه تعالى كائن لا محالة «و» فعل ما فعل بأخذ «ليبتلي» يختبر «الله ما في صدوركم» قلوبكم من الإخلاص والنفاق «وليمحص» يميز «ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور» بما في القلوب لا يخفى عليه شيء وإنما يبتلي ليظهر للناس.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم كان من رحمة الله بالمؤمنين المخلصين أن ألقى في قلوبهم من بعد ما نزل بها من همٍّ وغمٍّ اطمئنانًا وثقة في وعد الله، وكان من أثره نعاس غَشِي طائفة منهم، وهم أهل الإخلاص واليقين، وطائفة أُخرى أهمَّهم خلاص أنفسهم خاصة، وضَعُفَتْ عزيمتهم وشُغِلوا بأنفسهم، وأساؤوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه، وظنوا أن الله لا يُتِمُّ أمر رسوله، وأن الإسلام لن تقوم له قائمة، ولذلك تراهم نادمين على خروجهم، يقول بعضهم لبعض: هل كان لنا من اختيار في الخروج للقتال؟

قل لهم -أيها الرسول-: إن الأمر كلَّه لله، فهو الذي قدَّر خروجكم وما حدث لكم، وهم يُخْفون في أنفسهم ما لا يظهرونه لك من الحسرة على خروجهم للقتال، يقولون: لو كان لنا أدنى اختيار ما قُتِلنا هاهنا.

قل لهم: إن الآجال بيد الله، ولو كنتم في بيوتكم، وقدَّر الله أنكم تموتون، لخرج الذين كتب الله عليهم الموت إلى حيث يُقْتلون، وما جعل الله ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من الشك والنفاق، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال.

والله عليم بما في صدور خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - ببعض مظاهر لطفه بهم ورحمته لهم حيث أنزل على طائفة منهم النعاس الذى أدخل الطمأنينة على قلوبهم وأزال الخوف والفزع من نفوسهم فقال - تعالى - { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ } والجملة الكريمة معطوفة على قوله { فَأَثَابَكُمْ } .والأمنة - بفتحتين - مصدر كالأمن : أمن أمنا وأماناً وأمنة .والنعاس : الفتور فى أوائل النوم ومن شأنه أن يزيل عن الإنسان بعض متاعبه ولا يغيب صاحبه فلذلك كان أمنة لهم : لأنه لو كان نوما ثقيلا لهاجمهم المشركون .أى : ثم أنزل عليكم - أيها المؤمنون - بعد أن أصابكم من الهم والغم ما أصابكم ، أمنا كان مظهره نعاسا اطمأنت معه نفوسكم واستراحت معه أبدانكم من غير فزع ولا قلق ، وكان هذا الأمان والاطمئنان لطائفة معينة منكم أخلصت جهادها لله ، وخافت مقام ربها ونهت نفسها عن الهوى .قال ابن كثير : يقول - تعالى - ممتنا على المؤمنين فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو النعاس الذى غشيهم وهم مشتملون السلاح فى حال همهم وغمهم والنعاس فى مثل تلك الحال دليل على الأمان ، كما قال فى سورة الأنفال : { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ } فعن ابن مسعود قال : النعاس فى القتال من الله وفى الصلاة من الشيطان " .وروى البخارى عن أبى طلحة قال : كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفى من يدى مرارا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه " .وقوله ( نعاسا ) بدل من { أَمَنَةً } أو عطف بيان .قال الفخر الرازى : واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد :أحدها : أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد ، فكان ذلك معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيماناً مع إيمانهم ، ومتى صاروا كذلك ازدادوا جدهم فى محاربة العدو .

ووثوقهم بأن الله منجز وعده .وثانيهما : أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة .وثالثها : أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقى مهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد خوفهم .ورابعها : أن الأعداء كانوا فى غاية الحرص على قتلهم فبقاؤهم فى النوم مع السلامة فى مثل تلك المعركة من أول الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم وذلك مما يزيل الخوف عن قلوهبم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله " .هذا جانب مما امتن الله به على المؤمنين من فضل ورعاية ، حيث أنزل عليهم النعاس فى أعقاب ما أصابهم من هموم ليكون راحة لأبدانهم ، وأمانا لنفوسهم .أما غير المؤمنين الصادقين فلم ينزل عليهم هذا النعاس بل بقوا فى قلقهم وحسرتهم وقد عبر الله - تعالى - عنهم بقوله : { وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق ظَنَّ الجاهلية } .وقوله { أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } حملتهم على الهم ، والهم ما يهتم له الإنسان أو ما يحزنه يقال : أهمنى الأمر أى أقلقنى وأزعجنى ، كما يقال : أهمنى الشىء ، أى جعلنى مهتما به اهتماماً شديداً .والمعنى : أن الله - تعالى - أنزل النعاس أمانا واطمئنانا للمؤمنين الصادقين بعد أن أصابتهم الغموم ، وهناك طائفة أخرى من الذين اشتركوا فى غزوة أحد لم تكن صادقة فى إيمانها لأنها كانت لا يهمها شأن الإسلام انتصر أو انهزم ولا شأن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

وإنما الذى كان يهمها هو شىء واحد وهو أمر نفسها وما يتعلق بذلك من الحصول على الغنائم ومتع الدنيا .أو المعنى : أن هذه الطائفة قد أوقعت نفسها فى الهم والحزن بسبب عدم اطمئنانها وعدم صبرها ، وجزعها المستمر .وإلى هذين العنيين أشار صاحب الكشاف بقوله : { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } أى : ما يهم إلا هم أنفسهم ، لا هم الدين ولا هم الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين .

وقد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم فى الهموم والأشجان فهم فى التشاكى والتباكى " .والجملة الكريمة مستأنفة مسوقة لبيان حال ضعاف الإيمان بعد أن بين - سبحانه - ما امتن به على أقوياء الإيمان .وقوله : { يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق ظَنَّ الجاهلية } وصف آخر لسوء أخلاق هذه الطائفة التى ضعف إيمانها ، وصارت لا يهمها إلا ما يتعلق بمنافعها الخاصة .أى أن هذه الطائفة لم تكتف بما استولى عليها من طمع وجشع وحب لنفسها بل تجاوزت ذلك إلى سوء الظن بالله بأن توهمت بأن الله - تعالى - لن ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم وأن الإسلام ليس ديناً حقاً وأن المسلمين لن ينتصروا على المشركين بعد معركة أحد .

.

.

إلى غير ذلك من الظنون الباطلة التى تتولد عند المرء الذى ضعف إيمانه وصار لا يهمه إلا أمر نفسه .وقوله { يَظُنُّونَ بالله } حال من الضمير المنصوب فى { أَهَمَّتْهُمْ } أو استئناف على وجه البيان لما قبله .وقوله { غَيْرَ الحق } مفعول مطلق وصف لمصدر محذوف أى يظنون بالله ظنا غير الحق الذى يجب أن يتحلى به المؤمنون إذ من شأن المؤمنين الصادقين أن يستسلموا لقدر الله بعد أن يباشروا الأسباب التى شرعها لهم : وأن يصبروا على ما أصابهم وأن يوقنوا بأن ما أصابهم هو بتقدير الله وبحكمته وبإرادته { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } وقوله { ظَنَّ الجاهلية } بدل أو عطف بيان مما قبله .أى يظنون بالله شيئاً هو من شأن أهل الجاهلية الذين يتوهمون أن الله لا ينصر رسله ولا يؤيد أولياءه ولا يهزم أعداءه .ثم بين - سبحانه - ما صدر عنهم من كلام باطل بسبب ظنونهم السيئة فقال - تعالى - { يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ } .

والاستفهام للإنكار بمعنى النفى ، وهم يريدون بهذا القول تبرئة نفوسهم من أن يكونوا سببا فيما أصاب المسلمين من آلام يوم أحد ، وأن الذين تسببوا فى ذلك هم غيرهم .أى : يقول بعضهم لبعض ليس لنا من الأمر شىء أى شىء فلسنا مسئولين عن الهزيمة التى حدثت للمسلمين فى أحد لأننا لم يكن لنا رأى يطاع ولأن الله - تعالى - لو أراد نصر محمد صلى الله عليه وسلم لنصره .وهذا القول قاله عبد الله بن أبى بن سلول حين أخبروه بمن استشهد من قبيلة الخزرج فى غزوة أحد .وذلك أن عبد الله بن أبى لما استشاره النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن الخروج لقتال المشركين فى أحد أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة ، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج لقتال المشركين بناء على إلحاح بعض الصحابة .فلما أخبر ابن أبى بمن قتل من الخزرج قال : هل لنا من الأمر شىء؟

يعنى أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقبل قوله حين أشار عليه بعدم الخروج من المدينة .وقد أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على هؤلاء الظانين بالله ظن السوء بقوله : { قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ } .أى قل لهم إن تقدير الأمور كلها لله - تعالى - وحده وإن العاقبة ستكون للمتقين ، إلا أنه - سبحانه - قد جعل لكل شىء سببا ، فمن أخلص لله فى جهاده وباشر الأسباب التى شرعها للنصر نصره الله - تعالى - ومن تطلع إلى الدنيا وزينتها وخالف أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أدبه الله - تعالى - بحجب نصره عنه حتى يفىء إلى رشده ويتوب توبة صادقة إلى ربه ، ويتخذ الوسائل التى شرعها الله - تعالى - للوصول إلى الفوز والظفر .فالجملة الكريمة معترضة للرد عليهم فيما تقولوه من أباطيل .ثم كشف - سبحانه - عما تخفيه نفوسهم من أمور سيئة فقال : { يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا } .أى : أن هؤلاء الذين أهمتهم أنفسهم : والذين يظنون بالله غير الحق .

يخفون فى أنفسهم من الأقوال القبيحة والظنون السيئة أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية مالا يستطيعون إظهاره أمامك .وهذه الجملة حال من الضمير فى قوله { يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا } السابقة .وقوله { يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا } بيان لبعض ما يخفون أو لما يقولونه فيما بينهم .أى يقولون لو كان لنا من الأمر المطاع أو المسموع شىء ما خرجنا من المدينة إلى هذا المكان الذى قتل فيه أقاربنا وعشائرنا .فأنت ترى أن القرآن يحكى عنهم أنهم يريدون تبرئة أنفسهم مما نزل بالمسلمين بأحد ، وأنهم لو كان لهم رأى مطاع لبقوا فى المدينة ولم يخرجوا منها لقتال المشركين ، وأن التبعة فى كل ما جرى فى غزوة أحد يتحملها النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ألحوا عليه فى الخروج لقتال المشركين خارج المدينة ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه لو كانوا على الحق لانتصروا .قال ابن جرير : وذكر أن ممن قال هذا القول - { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ } - معتب بن قشير من بنى عمرو بن عوف .

فعن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال ، والله إنى لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشانى ما أسمعه إلا كالحلم حين قال : { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا } .وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يدفع أقوالهم الباطلة فقال : { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ } .وقوله { لَبَرَزَ } من البروز وهو الخروج من المكان الذى يستتر فيه الإنسان و ( المضاجع ) جمع مضجع وهو مكان النوم .

والمراد به هنا المكان الذى استشهد فيه من استشهد من المسلمين .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الذين يقولون : لو كان لنا من الأمر شىء ما قتل أقاربنا فى هذا المكان من جبل أحد .

قل لهم لو كنتم فى بيوتكم ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم ، لخرج لسبب من الأسباب الداعية إلى الخروج الذين كتب عليهم القتل فى اللوح الحفوظ إلى مضاجعهم أى أماكن قتلهم التى قدر الله لهم أن يقتلوا فيها لأنه ما من نفس تموت إلا بإذن الله وبإرادته ، ولن يستطيع أحد أن ينجو من قدر الله المحتوم وقضائه النافذ ، فإن الحذر لا يدفع القدر ، والتدبير لا يقاوم التقدير { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } وفى هذا الرد مبالغة فى إبطال ما قاله هؤلاء الذين يظنون بالله الظنون السيئة حيث لم يقتصر - سبحانه - على تحقيق القتل نفسه متى قدره بل عين مكانه - أيضاً - .ثم بين - سبحانه - بعض الحكم من وراء ما حدث للمسلمين فى أحد فقال : { وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } .والابتلاء : الاختبارن وهو هنا كناية عن أثره ، وهو إظهاره للناس ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه .والتمحيص تخليص الشىء مما يخالطه مما فيه عيب له .والجملة معطوفة على كلام سابق يفهم من السياق .

والتقدير : نزل بكم ما نزل من الشدائد فى أحد لتتعودوا تحمل الشدائد والمحن ، وليعاملكم - سبحانه - معاملة المختبر لنفوسكم ، فيظهر ما تنطوى عليه من خير أو شر ، حتى يتبين الخبيث من الطيب وليخلص ما فى قلوبكم ويزيل ما عساه يعلق بها من أدران ، ويطهرها مما يخالطها من ظنون سيئة - فإن القلوب يخالطها بحكم العادة وتزيين الشيطان واستيلاء الغفلة وحب الشهوات .

ما يضاد ما أودع الله فيها من إيمان وإسلام وبر وتقوى .فلو تركت فى عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة ، ولم تتمحص من الآثام فاقتضت حكمة الله - تعالى - أن ينزل بها من المحن والبلاء ما يكون بالنسبة لها كالدواء الكريه لمن عرض له داء .وقوله { والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أى عليم بأسرارها وضمائرها الخفية التى لا تفارقها فهو القائل { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء } وهو القائل { وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى } ثم أخبر - سبحانه - عن الذين لم يثبتوا مع النبى صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وبين السبب فى ذلك وفتح لهم باب عفوه فقال :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما وعد نصر المؤمنين على الكافرين، وهذا النصر لابد وأن يكون مسبوقا بازالة الخوف عن المؤمنين، بين في هذه الآية أنه تعالى أزال الخوف عنهم ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين.

الثاني: أنه تعالى بين أنه نصر المؤمنين أولا، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم، ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلب من كان صادقا في إيمانه مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عليه.

واعلم أن الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فريقان: أحدهما: الذين كانوا جازمين بأن محمداً عليه الصلاة والسلام نبي حق من عند الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وكانوا قد سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال، فلا جرم كانوا آمنين، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس، فان النوم لا يجيء مع الخوف، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية، فقال هاهنا في قصة أحد في هؤلاء ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً ﴾ وقال في قصة بدر ﴿ إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ  ﴾ ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته عليه الصلاة والسلام، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين، فقال في صفة المؤمنين: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: الأمنة مصدر كالأمن، ومثله من المصادر: العظمة والغلبة، وقال الجبائي: يقال: أمن فلان يأمن أمناً وأماناً.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قرئ (أمنة) بسكون الميم، لأنها المرة من الأمن.

المسألة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿ نُّعَاساً ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون بدلا من أمنة، والثاني: إن يكون مفعولا، وعلى هذا التقدير ففي قوله: ﴿ أمنة ﴾ وجوه: أحدها: أن تكون حالا منه مقدمة عليه، كقولك: رأيت راكباً رجلا.

وثانيها: أن يكون مفعولا له بمعنى نعستم أمنة.

وثالثها: أن يكون حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة.

ثم قال تعالى: ﴿ يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة، غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه.

ثم يسقط فيأخذه، وعن الزبير قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف، فأرسل الله علينا النوم، وإني لأسمع قول معتب بن قشير: والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا.

وقال عبد الرحمن بن عوف: ألقى النوم علينا يوم أحد، وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.

واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد: أحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيماناً مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن الله منجز وعده.

وثانيها: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال، والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة.

وثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم، فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم.

ورابعها: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى، ومن الناس من قال: ذكر النعاس في هذا الموضع كناية عن غاية الامن، وهذا ضعيف لأن صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا عند قيام الدليل المعارض، فكيف يجوز ترك حقيقة اللفظ مع اشتمالها على هذه الفوائد والحكم.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي ﴿ تغشى ﴾ بالتاء رداً إلى الأمنة، والباقون بالياء رداً، إلى النعاس، وهو اختيار أبي حاتم وخلف وأبي عبيد.

واعلم أن الأمنة والنعاس كل واحد منهما يدل على الآخر، فلا جرم يحسن رد الكناية إلى أيهما شئت، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ  طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ  كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ  ﴾ وتغلي، إذا عرفت جوازهما فنقول: مما يقوي القراءة بالتاء أن الأصل الأمنة، والنعاس بدل، ورد الكناية إلى الأصل أحسن، وأيضاً الأمنة هي المقصود، وإذا حصلت الأمنة حصل النعاس لأنها سببه، فان الخائف لا يكاد ينعس، وأما من قرأ بالياء فحجته أن النعاس هو الغاشي، فان العرب يقولون غشينا النعاس، وقلما يقولون غشيني من النعاس أمنة، وأيضاً فان النعاس مذكور بالغشيان في قوله: ﴿ إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ  ﴾ وأيضاً: النعاس يلي الفعل، وهو أقرب في اللفظ إلى ذكر الغشيان من الأمنة فالتذكير أولى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ وفيه مسألتان.

المسألة الأولى: هؤلاء هم المنافقون عبدالله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما، كان همهم خلاص أنفسهم، يقال: همني الشيء أي كان من همي وقصدي، قال أبو مسلم: من عادة العرب أن يقولوا لمن خاف، قد أهمته نفسه، فهؤلاء المنافقون لشدة خوفهم من القتل طار النوم عنهم، وقيل المؤمنون، كان همهم النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانهم من المؤمنين، والمنافقون كان همهم أنفسهم وتحقيق القول فيه: أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه، صار غافلا عما سواه، فلما كان أحب الأشياء إلى الإنسان نفسه، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلا عن كل ما سواها، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ وذلك لأن أسباب الخوف وهي قصد الأعداء كانت حاصلة والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ووعد رسوله ما كان معتبراً عندهم، لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم، فلا جرم عظم الخوف في قلوبهم.

المسألة الثانية: طائفة رفع بالابتداء وخبره يظنون وقيل خبره أهمتهم أنفسهم ثم إنه تعالى وصف هذه الطائفة بأنواع من الصفات.

الصفة الأولى: من صفاتهم قوله تعالى: ﴿ يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق ظَنَّ الجاهلية ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذا الظن احتمالان: أحدهما: وهو الأظهر: هو أن ذلك الظن أنهم كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط الكفار عليه وهذا ظن فاسد، أما على قول أهل السنة والجماعة، فلأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، فإن النبوة خلعة من الله سبحانه يشرف عبده بها، وليس يجب في العقل أن المولى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى، بل له الأمر والنهي كيف شاء بحكم الالهية، وأما على قول من يعتبر المصالح في أفعال الله وأحكامه، فلا يبعد أن يكون لله تعالى في التخلية بين الكافر والمسلم، بحيث يقهر الكافر المسلم، حكم خفية وألطاف مرعية، فان الدنيا دار الامتحان والابتلاء، ووجوه المصالح مستورة عن العقول، فربما كانت المصلحة في التخلية بين الكافر والمؤمن حتى يقهر الكافر المؤمن، وربما كانت المصلحة في تسليط الفقر والزمانة على المؤمنين.

قال القفال: لو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن يضطر الناس إلى معرفة المحق بالجبر، وذلك ينافي التكليف واستحقاق الثواب والعقاب، بل الإنسان إنما يعرف كونه محقاً بما معه من الدلائل والبينات، فأما القهر فقد يكون من المبطل للمحق، ومن المحق للمبطل، وهذه جملة كافية في بيان أنه لا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة على أن صاحبها على الحق.

الثاني: أن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون إله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والبعث، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله يقويهم وينصرهم.

المسألة الثانية: ﴿ غَيْرِ الحق ﴾ في حكم المصدر، ومعناه: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به (وظن الجاهلية) بدل منه، والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق: أديان كثيرة، وأقبحها مقالات أهل الجاهلية، فذكر أولا أنهم يظنون بالله غير الظن الحق، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي غير حقة أركها وأكثرها بطلانا، وهو ظن أهل الجاهلية، كما يقال: فلان دينه ليس بحق، دينه دين الملاحدة.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ ظَنَّ الجاهلية ﴾ قولان: أحدهما: أنه كقولك: حاتم الجود، وعمر العدل، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية، والثاني: المراد ظن أهل الجاهلية.

الصفة الثانية: من الصفات التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء المنافقين قوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيء قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ ﴾ .

واعلم أن قوله: ﴿ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيء ﴾ حكاية للشبهة التي تمسك أهل النفاق بها، وهو يحتمل وجوها: الأول: أن عبدالله بن أبي لما شاوره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم، فغضب عبدالله بن أبي من ذلك، فقال عصاني وأطاع الولدان، ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجع عبدالله بن أبي قيل له: قتل بنو الخزرج، فقال: هل لنا من الأمر من شيء، يعني أن محمداً لم يقبل قولي حين أمرته بأن يسكن في المدينة ولا يخرج منها، ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا  ﴾ والمعنى: هل لنا من أمر يطاع وهو استفهام على سبيل الانكار.

الوجه الثاني في التأويل: أن من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لعدوه قالوا: عليه الأمر، فقوله: ﴿ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيء ﴾ أي هل لنا من الشيء الذي كان يعدنا به محمد، وهو النصرة والقوة شيء وهذا استفهام على سبيل الانكار، وكان غرضهم منه الاستدلال بذلك على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان كاذباً في ادعاء النصرة والعصمة من الله تعالى لأمته، وهذا استفهام على سبيل الانكار.

الثالث: أن يكون التقدير: أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء، والغرض منه تصبير المسلمين في التشديد في الجهاد والحرب مع الكفار، ثم إن الله سبحانه أجاب عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو (كله) برفع اللام، والباقون بالنصب، أما وجه الرفع فهو أن قوله: (كله) مبتدأ وقوله: (لله) خبره، ثم صارت هذه الجملة خبراً لإن، وأما النصب فلأن لفظة كل للتأكيد، فكانت كلفظة أجمع، ولو قيل: إن الأمر أجمع، لم يكن إلا النصب، فكذا إذا قال كله.

المسألة الثانية: الوجه في تقرير هذا الجواب ما بينا: أنا إذا قلنا بمذهب أهل السنة لم يكن على الله اعتراض في شيء من أفعاله في الإماتة والإحياء، والفقر والإغناء والسراء والضراء، وإن قلنا بمذهب القائلين برعاية المصالح، فوجوه المصالح مخفية لا يعلمها إلا الله تعالى، فربما كانت المصلحة في إيصال السرور واللذة، وربما كانت في تسليط الأحزان والآلام، فقد اندفعت شبهة المنافقين من هذا الوجه.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع المحدثات بقضاء الله وقدره، وذلك لأن المنافقين قالوا: إن محمدا لو قبل منا رأينا ونصحنا، لما وقع في هذه المحنة، فأجاب الله عنه بأن الأمر كله لله، وهذا الجواب: إنما ينتظم لو كانت أفعال العباد بقضاء الله وقدره ومشيئته إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعا لشبهة المنافقين، فثبت أن هذه الآية دالة على ما ذكرنا.

وأيضا فظاهر هذه الآية مطابق للبرهان العقلي، وذلك لأن الموجود، إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء الى الواجب لذاته، فثبت أن كل ما سوى الله تعالى مستند إلى إيجاده وتكوينه، وهذه القاعدة لا اختصاص لها بمحدث دون محدث، أو ممكن دون ممكن، فتدخل فيه أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ ﴾ وهذا كلام في غاية الظهور لمن وفقه الله للانصاف.

ثم انه تعالى قال: ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ﴾ .

واعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ هل لنا من الأمر من شيء ﴾ ، وهذا الكلام محتمل، فلعل قائله كان من المؤمنين المحقين، وكان غرضه منه إظهار الشفقة، وانه متى يكون الفرج؟

ومن أين تحصل النصرة؟

ولعله كان من المنافقين، وإنما قاله طعنا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام فبين تعالى في هذه الآية أن غرض هؤلاء من هذا الكلام هذا القسم الثاني، والفائدة في هذا التنبيه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم متحرزا عن مكرهم وكيدهم.

النوع الثالث: من الأشياء التي حكى الله عن المنافقين، قولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا.

وفيه إشكال، وهو أن لقائل أن يقول: ما الفرق بين هذا الكلام وبين ما تقدم من قوله: ﴿ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيء ﴾ ويمكن أن يجاب عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى لما حكى عنهم قولهم: ﴿ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيء ﴾ فأجاب عنه بقوله: ﴿ الأمر كُلَّهُ للَّهِ ﴾ واحتج المنافقون على الطعن في هذا الجواب بقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء لما خرجنا من المدينة وما قتلنا هاهنا، فهذا يدل على أنه ليس الأمر كما قلتم من أن الأمر كله لله، وهذا هو بعينه المناظرة الدائرة بين أهل السنة وأهل الاعتزال فإن السني يقول: الأمر كله في الطاعة والمعصية والإيمان والكفر بيد الله، فيقول المعتزلي: ليس الأمر كذلك، فإن الإنسان مختار مستقل بالفعل، إن شاء آمن، وإن شاء كفر، فعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة مستقلة بنفسها، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله الله تعالى جوابا عن الشبهة الأولى.

والوجه الثاني: أن يكون المراد من قوله: ﴿ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيء ﴾ هو أنه هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد شيء، ويكون المراد من قوله: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيء مَّا قُتِلْنَا هاهنا ﴾ هو ما كان يقوله عبدالله بن أبي من أن محمدا لو أطاعني وما خرج من المدينة ما قتلنا هاهنا.

واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه: الوجه الأول من الجواب: قوله: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ والمعنى أن الحذر لا يدفع القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير، فالذين قدر الله عليهم القتل لابد وأن يقتلوا على جميع التقديرات، لأن الله تعالى لما أخبر أنه يقتل، فلو لم يقتل لانقلب علمه جهلا؛ وقد بينا أيضا أنه ممكن فلابد من انتهائه الى إيجاد الله تعالى، فلو لم يجد لانقلبت قدرته عجزا، وكل ذلك محال، ومما يدل على تحقيق الوجوب كما قررنا قوله: ﴿ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل ﴾ وهذه الكلمة تفيد الوجوب، فان هذه الكلمة في قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام  ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص  ﴾ تفيد وجوب الفعل، وها هنا لا يمكن حملها على وجوب الفعل، فوجب حملها على وجوب الوجود وهذا كلام في غاية الظهور لمن أيده الله بالتوفيق.

ثم نقول للمفسرين: فيه قولان: الأول: لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل الى مضاجعهم ومصارعهم حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد، والثاني: كأنه قيل للمنافقين لو جلستم في بيوتكم وتخلفتم عن الجهاد لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار الى مضاجعهم، ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم.

الوجه الثاني في الجواب عن تلك الشبهة: قوله: ﴿ وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ وذلك لأن القوم زعموا أن الخروج إلى تلك المقاتلة كان مفسدة، ولو كان الأمر اليهم لما خرجوا اليها، فقال تعالى: بل هذه المقاتلة مشتملة على نوعين من المصلحة: أن يتميز الموافق من المنافق، وفي المثل المشهور: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين، ومعنى الابتلاء في حق الله تعالى قد مر تفسيره مرارا كثيرة.

فان قيل: لم ذكر الابتلاء وقد سبق ذكره في قوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ  ﴾ .

قلنا: لما طال الكلام أعاد ذكره، وقيل الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين، والثاني سائر الأحوال.

والوجه الثالث في الجواب: قوله: ﴿ وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أن هذه الواقعة تمحص قلوبكم عن الوساوس والشبهات، والثاني: أنها تصير كفارة لذنوبكم فتمحصكم عن تبعات المعاصي والسيآت، وذكر في الابتلاء الصدور، وفي التمحيص القلوب، وفيه بحث ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ .

واعلم أن ذات الصدور هي الأشياء الموجودة في الصدور، وهي الأسرار والضمائر، وهي ذات الصدور، لأنها حالة فيها مصاحبة لها، وصاحب الشيء ذوه وصاحبته ذاته، وإنما ذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفي عليه ما في الصدور، أو غير ذلك، لأنه عالم بجميع المعلومات وإنما ابتلاهم إما لمحض الإلهية، أو للاستصلاح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ﴾ وعدهم الله النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله تعالى: ﴿ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ ﴾ [آل عمران: 125] ويجوز أن يكون الوعد قوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ فلما فشلوا وتنازعوا لم يرعبهم.

وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت.

وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحداً خلف ظهره، واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل، وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم.

يحسونهم أي يقتلونهم قتلا ذريعاً.

حتى إذا فشلوا.

والفشل: الجبن وضعف الرأي.

وتنازعوا، فقال بعضهم: قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا وقال بعضهم: لا نخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فممن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة ﴾ ونفر أعقابهم ينهبون، وهم الذين أرادوا الدنيا، فكرّ المشركون على الرماة، وقتلوا عبد الله بن جبير رضي الله عنه، وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح دبوراً وكانت صباً، حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا، وهو قوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ لماعلم من ندمكم على ما فرط منكم من عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم؛ لأنّ الابتلاء رحمة كما أنّ النصرة رحمة.

فإن قلت: أين متعلق ﴿ حتى إِذَا ﴾ قلت: محذوف تقديره: حتى إذا فشلتم منعكم نصره.

ويجوز أن يكون المعنى: صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ نصب بصرفكم، أو بقوله: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أو بإضمار ﴿ اذكر ﴾ والإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد فيه.

يقال: صعد في الجبل وأصعد في الأرض.

يقال: أصعدنا من مكة إلى المدينة وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ تصعدون ﴾ ، يعني في الجبل.

وتعضد الأولى قراءة أبي: ﴿ إذ تصعدون في الوادي ﴾ .

وقرأ أبو حيوة: ﴿ تصعدون ﴾ ، بفتح التاء وتشديد العين، من تصعد في السلم وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ تلون ﴾ ، بواو واحدة وقد ذكرنا وجهها.

وقرئ: ﴿ يصعدون ﴾ .

﴿ ويلوون ﴾ بالياء ﴿ والرسول يَدْعُوكُمْ ﴾ كان يقول: «إليّ عباد الله إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرّ فله الجنة» ﴿ فِى أُخْرَاكُمْ ﴾ في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة.

يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول: في أوّلهم وأولاهم، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى ﴿ فأثابكم ﴾ عطف على صرفكم، أي فجازاكم الله ﴿ غَمّاً ﴾ حين صرفكم عنهم وابتلاكم ﴿ ب ﴾ سبب ﴿ غَمّ ﴾ أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له، أو غما مضاعفاً، غما بعد غم، وغما متصلاً بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر ﴿ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ للرسول، أي فآساكم في الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، فأثابكم غماً اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله، ولا على ما أصابكم من غلبة العدو.

وأنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم.

وعن أبي طلحة رضي الله عنه: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، وما أحد إلا ويميل تحت حجفته» وعن (الزبير) رضي الله عنه: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف، فأرسل الله علينا النوم.

والله إني لأسمع قول معتِّب بن قشير والنعاس يغشاني: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.

والأمنة: الأمن.

وقرئ: ﴿ أمنة ﴾ بسكون الميم، كأنها المرة من الأمن و ﴿ نُّعَاساً ﴾ بدل من أمنة.

ويجوز أن يكون هو المفعول، وأمنة حالاً منه مقدمة عليه، كقولك: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعولاً له بمعنى نعستم أمنة.

ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين، بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن، كبار وبررة ﴿ يغشى ﴾ قرئ بالياء والتاء ردا على النعاس، أو على الأمنة ﴿ طَائِفَةً مّنكُمْ ﴾ هم أهل الصدق واليقين ﴿ وَطَائِفَةٌ ﴾ هم المنافقون ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ ما بهم إلا هم أنفسهم لا هم الدين ولا هم الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، أو قد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان، فهم في التشاكي والتباثّ ﴿ غَيْرَ الحق ﴾ في حكم المصدر.

ومعناه: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به.

و ﴿ ظَنَّ الجاهلية ﴾ بدل منه.

ويجوز أن يكون المعنى: يظنون بالله ظن الجاهلية.

وغير الحق: تأكيد ليظنون، كقولك: هذا القول غير ما تقول، وهذا القول لا قولك وظن الجاهلية، كقولك: حاتم الجود، ورجل صدق: يريد الظن المختص بالملة الجاهلية.

ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية، أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله ﴿ يَقُولُونَ ﴾ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ﴿ هَل لَّنَا مِنَ الامر مِن شَيْء ﴾ معناه هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط، يعنون النصر والإظهار على العدو ﴿ قُلْ إِنَّ الامر كُلَّهُ للَّهِ ﴾ ولأوليائه المؤمنين وهو النصر والغلبة ﴿ كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ﴾ [المجادلة: 21] ، ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون ﴾ [الصافات: 173] ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَالا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ معناه: يقولون لك فيما يظهرون: هل لنا من الأمر من شيء سؤال المؤمنين المسترشدين وهم فيما يبطنون على النفاق، يقولون في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم إن الأمر كله لله ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الامر شَيْء ﴾ أي لو كان الأمر كما قال محمد إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون، لما غلبنا قط.

ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ يعني من علم الله منه أنه يقتل ويصرع في هذه المصارع وكتب ذلك في اللوح لم يكن بد من وجوده فلو قعدتم في بيوتكم ﴿ لَبَرَزَ ﴾ من بينكم ﴿ الذين ﴾ علم الله أنهم يقتلون ﴿ إلى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ وهي مصارعهم ليكون ما علم الله أنه يكون.

والمعنى أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين، وكتب مع ذلك أنهم الغالبون، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم وترغيب في الشهادة، وحرصهم على الشهادة مما يحرضهم على الجهاد فتحصل الغلبة.

وقيل: معناه هل لنا من التدبير من شيء، يعنون لم نملك شيئاً من التدبير حيث خرجنا من المدينة إلى أحد، وكان علينا أن نقيم ولا نبرح كما كان رأي عبد الله بن أبيّ وغيره، ولو ملكنا من التدبير شيئاً لما قتلنا في هذه المعركة، قل إن التدبير كله لله، يريد أن الله عز وجل قد دبر الأمر كما جرى، ولو أقمتم بالمدينة ولم تخرجوا من بيوتكم لما نجا من القتل من قتل منكم.

وقرئ: ﴿ كتب عليهم القتال ﴾ .

﴿ وكتب عليهم القتل ﴾ ، على البناء للفاعل.

ولبرِّز، بالتشديد وضم الباء ﴿ وَلِيَبْتَلِىَ الله ﴾ وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان.

فعل ذلك أو فعل ذلك لمصالح جمة وللابتلاء والتمحيص.

فإن قلت: كيف مواقع الجمل التي بعد قوله وطائفة؟

قلت: ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ ﴾ صفة لطائفة و ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ صفة أخرى أو حال بمعنى: قد أهمتهم أنفسهم ظانين.

أو استئناف على وجه البيان للجملة قبلها.

و ﴿ يَقُولُونَ ﴾ بدل من يظنون.

فإن قلت: كيف صح أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلاً من الإخبار بالظن؟

قلت: كانت مسألتهم صادرة عن الظنّ، فلذلك جاز إبداله منه.

ويخفون حال من يقولون.

و ﴿ قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ ﴾ [آل عمران: 154] اعتراض بين الحال وذوي الحال.

و ﴿ يَقُولُونَ ﴾ بدل من ﴿ يُخْفُونَ ﴾ والأجود أن يكون استئنافاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا ﴾ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الأمْنُ حَتّى أخَذَكُمُ النُّعاسُ، وعَنْ أبِي طَلْحَةَ غَشِيَنا النُّعاسُ في المَصافِّ حَتّى كانَ السَّيْفُ يَسْقُطُ مِن يَدِ أحَدِنا فَيَأْخُذُهُ، ثُمَّ يَسْقُطُ فَيَأْخُذُهُ.

والأمَنَةُ الأمْنُ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ ونُعاسًا بَدَلٌ مِنها أوْ هو المَفْعُولُ، و «أمَنَةً» حالٌ مِنهُ مُتَقَدِّمَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ المُخاطَبِينَ بِمَعْنى ذَوِي أمَنَةٍ أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعَ آمِنَ كَبارٍّ وبَرَرَةٍ.

وقُرِئَ «أمْنَةً» بِسُكُونِ المِيمِ كَأنَّها المَرَّةُ في الإمْرِ ﴿ يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ ﴾ أيِ النُّعاسُ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ رَدًّا عَلى الأمَنَةِ والطّائِفَةُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا.

﴿ وَطائِفَةٌ ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ.

﴿ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ أوْقَعَتْهم أنْفُسُهم في الهُمُومِ، أوْ ما يُهِمُّهم إلّا هَمُّ أنْفُسِهِمْ وطَلَبُ خَلاصِها.

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِطائِفَةٍ أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ عَلى وجْهِ البَيانِ لِما قَبْلَهُ، وغَيْرَ الحَقِّ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُظَنَّ بِهِ، وظَنُّ الجاهِلِيَّةِ بَدَلُهُ وهو الظَّنُّ المُخْتَصُّ بِالمِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ وأهْلِها.

﴿ يَقُولُونَ ﴾ أيْ لِرَسُولِ اللَّهِ  وهو بَدَلٌ مِن يَظُنُّونَ.

﴿ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ ﴾ هَلْ لَنا مِمّا أمَرَ اللَّهُ ووَعَدَ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ نَصِيبٌ قَطُّ.

وقِيلَ: أخْبَرَ ابْنُ أُبَيٍّ بِقَتْلِ بَنِي الخَزْرَجِ فَقالَ ذَلِكَ، والمَعْنى إنّا مَنَعْنا تَدْبِيرَ أنْفُسِنا وتَصْرِيفَها بِاخْتِيارِنا، فَلَمْ يَبْقَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ هَلْ يَزُولُ عَنّا هَذا القَهْرُ فَيَكُونُ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴿ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ أيِ الغَلَبَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِلَّهِ تَعالى ولِأوْلِيائِهِ فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ، أوِ القَضاءُ لَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ وهو اعْتِراضٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ كُلُّهُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

﴿ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ يَقُولُونَ أيْ يَقُولُونَ مُظْهِرِينَ أنَّهم مُسْتَرْشِدُونَ طالِبُونَ النَّصْرَ مُبْطِلِينَ الإنْكارَ والتَّكْذِيبَ.

﴿ يَقُولُونَ ﴾ أيْ في أنْفُسِهِمْ وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وهو بَدَلٌ مِن يُخْفُونَ أوِ اسْتِئْنافٌ عَلى وجْهِ البَيانِ لَهُ.

﴿ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ كَما وعَدَ مُحَمَّدٌ أوْ زَعَمَ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ولِأوْلِيائِهِ، أوْ لَوْ كانَ لَنا اخْتِيارٌ وتَدْبِيرٌ ولَمْ نَبْرَحْ كَما كانَ ابْنُ أُبَيٍّ وغَيْرُهُ.

ما قُتِلْنا هاهُنا لِما غُلِبْنا، أوْ لِما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنّا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ.

﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ﴾ أيْ لَخَرَجَ الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى مَصارِعِهِمْ ولَمْ تَنْفَعْهُمُ الإقامَةُ بِالمَدِينَةِ ولَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ، فَإنَّهُ قَدَّرَ الأُمُورَ ودَبَّرَها في سابِقِ قَضائِهِ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ ﴾ ولِيَمْتَحِنَ ما في صُدُورِكم ويُظْهِرَ سَرائِرَها مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، وهو عِلَّةُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْتَلِيَ أوْ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لَبَرَزَ لِنَفاذِ القَضاءِ أوْ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ولِلِابْتِلاءِ، أوْ عَلى لِكَيْلا تَحْزَنُوا.

﴿ وَلِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ ولِيَكْشِفَهُ ويُمَيِّزَهُ أوْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الوَساوِسِ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ بِخِفْياتِها قَبْلَ إظْهارِها، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الِابْتِلاءِ وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِتَمْرِينِ المُؤْمِنِينَ وإظْهارِ حالِ المُنافِقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً} ثم أنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم عن أبي طلحة غشينا النعاس ونحن في مصافنا فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه والأمنة الأمن ونعاسا بدل من أمنة أو هو مفعول وأمنة حال منه مقدمة عليه نحو رأيت راكباً رجلاً والأصل أنزل عليكم نعاساً ذا أمنة إذ النعاس ليس هو الأمن ويجوز أن يكون أمنة مفعولاً له أو حالاً من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن كبار وبررة {يغشى} يعني النعاس تغشى بالتاء والإمالة حمزة وعلي أي الأمنة {طَائِفَةٌ مّنكُمْ} هم أهل الصدق واليقين {وَطَائِفَةٌ} هم المنافقون {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} ما يهمهم إلا هم انفسهم

آل عمران (١٥٤ _ ١٥٥)

وخلاصها لاهم

الدين ولاهم رسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين رضوان الله عليهم {يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق} في حكم المصدر أي يظنون بالله غير الظن الحق الذى يحب أن يظن به وهو أن لا ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم {ظَنَّ الجاهلية} بدل منه والمراد الظن المختص بالمللة الجاهلية أو ظن أهل الجاهلية أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء} هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط يعنون النصر والغلبة على العدو {قُلْ إِنَّ الأمر} أي النصر والغلبة {كُلُّهُ لِلهِ} ولأوليائه المؤمنين وَإِنَّ جُندَنَا لهم الغالبون كله تأكيد للأمر ولله خبران كله بصرى وهو مبتدأ ولله خبره والجملة خبران {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} خوفاً من السيف {يَقُولُونَ} في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم إن الأمر كله لله {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شيء ما قتلنا ها هنا} أي لو كان الأمر كما قال محمد إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون لما غلبنا قط ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة قد أهمتهم صفة لطائفة ويظنون خبر لطائفة أو صفة أخرى أو حال أي قد اهمتهم أنفسهم ظانين ويقولون بدل من يظنون ويخفون حال من يقولون وقل إن الأمر كله لله اعتراض بين الحال وذي الحال ويقولون بدل من يخفون أو استئناف {قُل لَّوْ كنتم في بيوتكم} أى ن علم الله منه أنه يقتل في هذه المعركة وكتب ذلك في اللوح لم يكن بد من وجوده فلو قعدتم في بيوتكم {لَبَرَزَ} من بينكم {الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ} مصارعهم بأحد ليكون ما علم الله أنه يكون والمعنى أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين وكتب مع ذلك أنهم الغالبون لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله وأن

ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم {وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ} وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان فعل ذلك أو فعل ذلك لمصالح جمة وللاتبلاء والتمحيص {والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} بخفياتها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ فَأثابَكُمْ ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا، والمَعْنى ثُمَّ وهَبَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ مِن بَعْدِ الغَمِّ ﴾ الَّذِي اعْتَراكم، والتَّصْرِيحُ بِتَأخُّرِ الإنْزالِ عَنْهُ مَعَ دَلالَةِ ثُمَّ عَلَيْهِ وعَلى تَراخِيهِ عَنْهُ لِزِيادَةِ البَيانِ، وتَذْكِيرِ عِظَمِ المِنَّةِ.

﴿ أمَنَةً ﴾ مَصْدَرٌ كالمَنَعَةِ وهو مَفْعُولُ (أنْزَلَ) أيْ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم أمْنًا ﴿ نُعاسًا ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنها، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ نُعاسًا ﴾ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، و(أمَنَةً) حالٌ مِنهُ، والمُرادُ ذا أمَنَةٍ، ولا يَضُرُّ كَوْنُها مِنَ النَّكِرَةِ لِتَقَدُّمِها أوْ حالٌ مِنَ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي أمَنَةٍ، أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ آمِنٍ كَبارٍّ وبَرَرَةٍ.

وقِيلَ: إنَّ أمَنَةً مَفْعُولٌ لَهُ لِنُعاسًا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ظاهِرِهِ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، وإنِ التَزَمَ تَقْدِيرُ فِعْلٍ أيْ نَعَسْتُمْ أمَنَةً، ورُدَّ أنَّهُ لَيْسَ لِلْفِعْلِ مَوْقِعٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِأنْزَلَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ فاسِدٌ لِاخْتِلافِ شَرْطِهِ وهو اتِّحادُ الفاعِلِ إذْ فاعِلُ أنْزَلَ هو اللَّهُ تَعالى وفاعِلُ الأمَنَةِ هو المُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ، ورُدَّ بِأنَّ الأمَنَةَ كَما يَكُونُ مَصْدَرًا لِمَن وقَعَ بِهِ الأمْنُ يَكُونُ مَصْدَرًا لِمَن أوْقَعَهُ، والمُرادُ هُنا الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلَ عَلَيْكُمُ النُّعاسَ لِيُؤَمِّنَكم بِهِ وحِينَئِذٍ لا شُبْهَةَ في اتِّحادِ الفاعِلِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ المِيمِ كَأنَّها لِوُقُوعِها في زَمَنٍ يَسِيرٍ مَرَّةً مِنَ الأمْنِ، فَلا يُنافِي كَوْنُ المَقْصُودِ مُطْلَقَ الأمْنِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وتَخْصِيصِ الخَوْفِ مِن بَيْنِ فُنُونِ الغَمِّ بِالإزالَةِ لِأنَّهُ المُهِمُّ عِنْدَهم في ذَلِكَ المَقامِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُشْرِكِينَ انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ الَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ وأمْرِ المُسْلِمِينَ فَواعَدُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَدْرًا مِن قابِلٍ فَقالَ لَهم: نَعَمْ فَتَخَوَّفَ المُسْلِمُونَ أنْ يَنْزِلُوا المَدِينَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَجُلًا فَقالَ: انْظُرْ فَإنْ رَأيْتَهم قَدْ قَعَدُوا عَلى أثْقالِهِمْ وجَنَّبُوا خُيُولَهم فَإنَّ القَوْمَ ذاهِبُونَ، وإنْ رَأيْتَهم قَدْ قَعَدُوا عَلى خُيُولِهِمْ وجَنَّبُوا أثْقالَهم فَإنَّ القَوْمَ يَنْزِلُونَ المَدِينَةَ، فاتَّقُوا اللَّهَ تَعالى واصْبِرُوا، ووَطَّنَهم عَلى القِتالِ، فَلَمّا أبْصَرَهُمُ الرَّسُولُ قَعَدُوا عَلى الأثْقالِ سِراعًا عِجالًا نادى بِأعْلى صَوْتِهِ بِذَهابِهِمْ، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ صَدَّقُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنامُوا، وبَقِيَ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَظُنُّونَ أنَّ القَوْمَ يَأْتُونَهم فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ ﴾ إلَخْ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: آمَنُهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ بِنُعاسٍ غَشّاهم، وإنَّما يَنْعَسُ مَن يَأْمَنُ، والخائِفُ لا يَنامُ.

وأخْرَجَ خَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ أنَسٍ أنَّ أبا طَلْحَةَ قالَ: غَشِيَنا النُّعاسُ يَوْمَ أُحُدٍ ونَحْنُ في مَصافِّنا، وكُنْتَ مِمَّنْ غَشِيَهُ النُّعاسُ يَوْمَئِذٍ، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِن يَدِي، وآخُذُهُ ويَسْقُطُ وآخُذُهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ وما مِنهم مَن أحَدٍ إلّا وهو يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ - أيْ تُرْسَهُ - مِنَ النُّعاسِ، وعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ مِثْلَهُ.

قِيلَ: وهَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى مَعَ المُؤْمِنِينَ جَعْلُ النُّعاسِ في الحَرْبِ عَلّامَةً لِلظَّفَرِ، وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في صِفِّينَ، وهو مِنَ الوارِداتِ الرَّحْمانِيَّةِ والسِّكِّينَةِ الإلَهِيَّةِ ﴿ يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُهاجِرُونَ وعامَّةُ الأنْصارِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ لَمْ يَغْشَ الكُلَّ ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عُمُومِ الإنْزالِ لِلْكُلِّ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِنُعاسًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَغْشى) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ (لِلْأمَنَةِ) والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالٍ تَقْدِيرُهُ ما حُكْمُ هَذِهِ الأمَنَةِ ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّها تَغْشى طائِفَةً، وقِيلَ: إنَّها في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأمَنَةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الصِّفَةَ حَقُّها أنْ تَتَقَدَّمَ عَلى البَدَلِ وعَطْفِ البَيانِ، وأنْ لا يَفْصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُوفِ بِالمَفْعُولِ لَهُ، وأنَّ المَعْهُودَ أنْ يُحَدَّثَ عَنِ البَدَلِ دُونَ المُبْدَلِ مِنهُ ﴿ وطائِفَةٌ ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ.

﴿ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ جَعَلَتْهم ذَوِي هَمٍّ وأوْقَعَتْهم فِيهِ أوْ ما يُهِمُّهم إلّا أنْفُسُهم لا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا غَيْرُهُ، مِن أهَمَّهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ مُهِمًّا لَهُ ومَقْصُودًا، والحُصْرُ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ هَذا اللَّفْظَ عَلى الخائِفِ الَّذِي شَغَلَهُ هَمُّ نَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ، و ﴿ طائِفَةً ﴾ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿ قَدْ أهَمَّتْهُمْ ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ، وجازَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها نَكِرَةً لِوُقُوعِها بَعْدَ واوِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ: سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أضاءَ فَمُذْ بَدا مُحَيّاكِ أخْفى ضَوْءَ كُلِّ شارِقِ أوْ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: إذا مُتُّ كانَ النّاسُ صِنْفانِ شامِتٌ ∗∗∗ وآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي أنا صانِعُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ نَعْتًا لَها والخَبَرُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ أيْ ومَعَكم، أوْ وهُناكَ طائِفَةٌ، وتَقْدِيرُ - ومِنكم طائِفَةٌ - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُنافِقُونَ داخِلِينَ في الخِطابِ بِإنْزالِ الأمَنَةِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ إمّا حالِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِفَظاعَةِ الهَوْلِ مُؤَكِّدَةٌ لِعِظَمِ النِّعْمَةِ في الخَلاصِ عَنْهُ، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ حالِ المُنافِقِينَ، فالواوُ إمّا حالِيَّةٌ وإمّا اسْتِئْنافِيَّةٌ، وكَوْنُها بِمَعْنى إذْ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ.

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ أهَمَّتْهُمْ ﴾ لا مِن ﴿ طائِفَةً ﴾ وإنْ تَخَصَّصَتْ لِما في مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ مِنَ المَقالِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً بَعْدَ صِفَةٍ لِطائِفَةٍ، أوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ هي الخَبَرُ، و ﴿ قَدْ أهَمَّتْهُمْ ﴾ صِفَةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وغَيْرَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وهو بِحَسَبِ ما يُضافُ إلَيْهِ أيْ غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ وهو الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُظَنَّ بِهِ تَعالى، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نَوْعِيٌّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ ﴾ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.

وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: (غَيْرَ الحَقِّ)، و(ظَنَّ) مَصْدَرانِ أحَدُهُما لِلتَّشْبِيهِ والآخِرُ تَأْكِيدٌ لِغَيْرِهِ، أيْ يَقُولُونَ غَيْرَ الحَقِّ، ومَفْعُولا (يَظُنُّونَ) مَحْذُوفانِ أيْ يَظُنُّونَ أنَّ إخْلافَ وعْدِهِ سُبْحانَهُ حاصِلٌ، وأبُو البَقاءِ يَجْعَلُ (غَيْرَ الحَقِّ) مَفْعُولًا أوَّلًا أيْ أمْرًا غَيْرَ الحَقِّ، و(بِاللَّهِ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، وإضافَةُ (ظَنَّ) إلى الجاهِلِيَّةِ قِيلَ: إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى مَصْدَرِ صِفَتِهِ ومَعْناها الِاخْتِصاصُ بِالجاهِلِيَّةِ كَرَجُلِ صِدْقٍ وحاتِمِ الجُودِ، فَهي عَلى مَعْنى اللّامِ أيِ المُخْتَصِّ بِالصِّدْقِ والجُودِ، فالياءُ مَصْدَرِيَّةٌ، والتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ لَهُ، وإمّا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ ظَنَّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أيِ الشِّرْكِ والجَهْلِ بِاللَّهِ تَعالى، وهي اخْتِصاصِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ أيْضًا.

﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ: هَلْ لَنا مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ نَصِيبٌ أيْ لَيْسَ لَنا مِن ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ يَقُولُ الحاضِرُونَ مِنهم لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى صُورَةِ الِاسْتِرْشادِ: هَلْ لَنا مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى ووَعْدِهِ بِالنَّصْرِ شَيْءٌ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

والجُمْلَةُ قِيلَ: إمّا حالٌ أوْ خَبَرٌ إثْرَ خَبَرٍ، أوْ صِفَةٌ إثْرَ صِفَةٍ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، أوْ بَدَلٌ مِن (يَظُنُّونَ) وهو بَدَلُ الكُلِّ بِحَسَبِ الصِّدْقِ، وبَدَلُ الِاشْتِمالِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنا ﴾ إلَخْ تَفْسِيرٌ (لِيَظُنُّونَ) وتَرْجَمَةٌ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لا يَكُونُ تَرْجَمَةً لِلْخَبَرِ كَما لا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: أخْبَرَنِي زَيْدٌ قالَ: لا تَذْهَبْ أوْ أمَرَنِي قالَ: لا تَضْرِبْ، أوْ نَهانِي قالَ: اضْرِبْ، فَإنَّ المُطابَقَةَ بَيْنَ الحِكايَةِ والمَحْكِيِّ واجِبَةٌ.

وحاصِلُ الإشْكالِ أنَّ مُتَعَلِّقَ الظَّنِّ النِّسْبَةُ التَّصْدِيقِيَّةُ فَكَيْفَ يَقَعُ اسْتِفْهامُ تَرْجَمَةٍ لَهُ ؟

وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ طَلَبُ عِلْمٍ فِيما يُشَكُّ ويُظَنُّ، فَجازَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الظَّنِّ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الظَّنَّ أوِ العِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِما يُقالُ في جَوابِ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ عَلى ما ذُكِرَ في بابِ تَعْلِيقِ أفْعالِ القُلُوبِ بِاسْتِفْهامٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ حَقِيقِيًّا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ إنْكارِيًّا فَلا إشْكالَ، ولا قِيلَ ولا قالَ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ فَيَتَطابَقُ مَعَ ما قَبْلَهُ في الخَبَرِيَّةِ، وبَعْضُ مَن جَعَلَهُ إنْكارِيًّا ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى إنّا مَنَعْنا تَدْبِيرَ أنْفُسِنا وتَصْرِيفَها بِاخْتِيارِنا فَلَمْ يَبْقَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ أخْبَرَهُ المُنافِقُونَ بِقَتْلِ بَنِي الخَزْرَجِ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قِيلَ: وظَنُّهُمُ السُّوءَ عَلى هَذا تَصْوِيبُهم رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ ومَن تَبِعَهُ، وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ عَلى ظاهِرِهِ والمَعْنى هَلْ يَزُولُ عَنّا هَذا القَهْرُ فَيَكُونُ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، و(مِنَ) الثّانِيَةُ سَيْفُ خَطِيبٍ، و(شَيْءٌ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وفي خَبَرِهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: وجْهانِ: أحَدُهُما (لَنا) فَمِنَ الأمْرِ حالٌ، والثّانِي (مِنَ الأمْرِ) فَلَنا تَبْيِينٌ وبِهِ تَتِمُّ الفائِدَةُ ﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ أيْ إنَّ الشَّأْنَ والغَلَبَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِحِزْبِ اللَّهِ تَعالى وأوْلِيائِهِ، فَيَنْصُرُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ، ويَخْذُلُ أعْداءَهُ ويَقْهَرُهم، وكَنّى بِكَوْنِ الغَلَبَةِ لِلَّهِ تَعالى عَنْ كَوْنِها لِأوْلِيائِهِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَكانٍ، أوْ أنَّ القَضاءَ أوِ التَّدْبِيرَ لَهُ تَعالى مَخْصُوصٌ بِهِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ، ويُجْرِي الأُمُورَ حَسْبَما جَرى بِهِ القَلَمُ في سابِقِ القَضاءِ / وعَلى هَذا لا كِنايَةَ في الكَلامِ، وجاءَ مُؤَكِّدًا لِما أنَّ الكَلامَ الَّذِي وقَعَ هو في مُقابَلَتِهِ كَذَلِكَ.

واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ مِن هَذا الأمْرِ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ فِيما تَقَدَّمَهُ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ، إذْ لَوْ كانَ مَعْناهُ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الأمْرِ لَمْ يُجابُوا بِإثْباتِ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ مَعَ جُمْلَةِ النَّفْيِ جُمْلَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ لِيَكُونَ المَعْنى لَيْسَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، بَلْ لِغَيْرِنا مِمَّنْ حَمَلَنا عَلى الخُرُوجِ وأكْرَهَنا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوابًا لِهَذا المُقَدَّرِ، وفِيهِ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أيْضًا، أمّا إذا كانَ مُرادُهم نَفْيَ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ في هَذا القَوْلِ إثْباتَ ذَلِكَ النَّصْرِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وأمّا إذا كانَ مُرادُهم أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ حَيْثُ مُنِعُوا تَدْبِيرَ أنْفُسِهِمْ؛ فَلِأنَّ في ذَلِكَ النَّفْيِ إشْعارًا بِأنَّ لَهم تَدْبِيرًا، وأنَّهم لَوْ تُرِكُوا وتَدْبِيرَهم ما غُمِزَتْ قَناتُهم، وهَذا الإثْباتُ مُتَكَفِّلٌ بِرَدِّ ذَلِكَ وإبْطالِهِ عَلى وجْهِ سُتْرَةٍ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى، فَلا أرى التَّقْدِيرَ عَلى ما فِيهِ إلّا مِن ضِيقِ العَطَنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (كُلُّهُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، وأمّا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ فَكُلَّ تَوْكِيدٌ لِاسْمِ (إنَّ)، و(لِلَّهِ) خَبَرُها.

وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلَّهُ) بَدَلًا مِنَ (الأمْرَ) وفِيهِ بُعْدٌ.

﴿ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ يُضْمِرُونَ فِيها أوْ يُسِرُّونَ فِيما بَيْنَهم ﴿ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ أيْ ما لا يَسْتَطِيعُونَ إظْهارَهُ لَكَ، والجُمْلَةَ إمّا اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَقُولُونَ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها أيْ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مُظْهِرِينَ أنَّهم مُسْتَرْشِدُونَ طالِبُونَ لِلنَّصْرِ مُبْطِنِينَ الإنْكارَ والتَّكْذِيبَ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي في الآيَةِ الأُولى، والذّاهِبُ إلى حَمْلِ الِاسْتِفْهامِ فِيها عَلى الإنْكارِ يَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ الِاسْتِئْنافُ أوْ يَجُوزُ الخَبَرِيَّةُ ونَحْوُها أيْضًا عَلى ما مَرَّ، والجُمْلَةُ الجَوابِيَّةُ اعْتِراضِيَّةٌ في كُلِّ حالٍ سِوى احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ عَلى الصَّحِيحِ، وأمّا جَعْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ حالًا مِن ضَمِيرِ (قُلْ) والرّابِطُ لَكَ، فَلا يَخْفى حالُهُ ( يَقُولُونَ ) أيْ في أنْفُسِهِمْ أوْ خِفْيَةً لِبَعْضِهِمْ إذْ لَوْ كانَ القَوْلُ جِهارًا لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، والجُمْلَةُ إمّا بَدَلٌ مِن (يُخْفُونَ) أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي أخْفَوْهُ ؟

فَقِيلَ ذَلِكَ، ورَجَّحَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّهُ أكْثَرُ فائِدَةٍ، وبِأنَّ القَوْلَ إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَتَفاوَتِ القَوْلانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿ هَلْ لَنا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ في حالِ قَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ كانَ لَنا ﴾ لِأصْحابِهِمْ، وبَدَلُ الحالِ حالٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الأخِيرَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ قَوْلانِ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ، وفِيهِ أنَّ زَمانَ الحالِ المُقارَنِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى التَّضْيِيقِ كَما لا يَخْفى، ومِن هُنا عَلَّلَ بَعْضُ الفُضَلاءِ نَفْيَ المُقارَنَةِ بِتَرَتُّبِ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ وعَدَلَ عَنْ هَذا التَّعْلِيلِ، فَإنَّ.

﴿ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ عَلى مَعْنى لَوْ كانَ لَنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كَما وعَدَ مُحَمَّدٌ وادَّعى أنَّ الأمْرَ لِلَّهِ تَعالى ولِأوْلِيائِهِ ﴿ ما قُتِلْنا ﴾ فَكَأنَّ هَذا في زَعْمِهِمْ رَدٌّ لِما أُجِيبُوا بِهِ أوَّلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَوْ كانَ لَنا اخْتِيارٌ وتَدْبِيرٌ لَمْ نَبْرَحْ كَما كانَ رَأْيُ ابْنِ أُبَيٍّ وأتْباعِهِ، ومَعْنى ﴿ ما قُتِلْنا ﴾ ما غُلِبْنا لِأنَّ القائِلِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ قُتِلَ لِاسْتِحالَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا بِإسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ، فالمَعْنى لَوْ كانَ لَنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنّا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالتَّرَتُّبِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ نُزُولِ الآيَةِ الجَوابِيَّةِ وسَماعِهِمْ لَها حَتّى يَتَأتّى القَوْلُ بِزَعْمِ رَدِّها بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الفاسِدَةِ، والظّاهِرُ مِنَ الآثارِ عَدَمُ نُزُولِها إذْ ذاكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لِما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟

فَقالَ: إنّا واللَّهِ ما نُؤامِرُ ( ﴿ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ ) .

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ اشْتَدَّ الخَوْفُ عَلَيْنا أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا النَّوْمَ فَما مَنّا مِن رَجُلٍ إلّا ذَقْنُهُ في صَدْرِهِ، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ ما أسْمَعُهُ إلّا كالحُلُمِ: ﴿ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ فَحَفِظْتُها مِنهُ، وفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أنْزَلَ إلى (هَهُنا) وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا القَوْلَ مِنهم كالِاسْتِدْلالَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وإنَّ كِلا القَوْلَيْنِ وقَعَ مِنهُمُ ابْتِداءً وقَصَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا رادًّا لَهُ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا فَفِيهِ خَفاءٌ فَتَأمَّلْ، ﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ في جَوابِ ذَلِكَ ﴿ لَوْ كُنْتُمْ ﴾ أيُّها المُنافِقُونَ ﴿ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ ومَنازِلِكم بِالمَدِينَةِ ولَمْ تَخْرُجُوا لِلْقِتالِ بِحَمْلَتِكم ﴿ لَبَرَزَ ﴾ أيْ لَخَرَجَ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلى البُرُوزِ ﴿ الَّذِينَ كُتِبَ ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ قُدِّرَ في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ﴿ عَلَيْهِمُ القَتْلُ ﴾ في تِلْكَ المَعْرَكَةِ ﴿ إلى مَضاجِعِهِمْ ﴾ أيْ مَصارِعِهِمُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَ قَتْلَهم فِيها وقُتِلُوا هُناكَ البَتَّةَ، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ تَعالى لا يُرَدُّ، وحُكْمُهُ لا يُعَقَّبُ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في رَدِّ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ الظّاهِرَ الأبْلَغَ أنْ يُرادَ بِمَن كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ الكُفّارُ القاتِلُونَ، أيْ لَخَرَجَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ مِن بَيْنِ قَوْمِهِمْ إلى مَضاجِعِ المَقْتُولِينَ ولَمْ يَنْجُ أحَدٌ مِنهم مَعَ تَحَصُّنِهِمْ بِالمَدِينَةِ وتَحَفُّظِهِمْ في بُيُوتِهِمْ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ، ولِأنَّ الظّاهِرَ مِن (عَلَيْهِمْ) أنَّهم مَقْتُولُونَ لا قاتِلُونَ، وقِيلَ: المَعْنى لَوْ لَزِمْتُمْ مَنازِلَكم أيُّها المُنافِقُونَ والمُرْتابُونَ وتَخَلَّفْتُمْ عَنِ القِتالِ لَخَرَجَ إلى البِرازِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمُ القِتالُ صابِرِينَ مُحْتَسِبِينَ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ ويَؤُوَّلُ إلى قَوْلِنا: لَوْ تَخَلَّفْتُمْ عَنِ القِتالِ لا يَتَخَلَّفُ المُؤْمِنُونَ، والمُضاجِعُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى المَرْقَدِ فَهو اسْتِعارَةٌ لِلْمَصْرَعِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَحَلِّ امْتِدادِ البَدَنِ مُطْلَقًا لِلْحَيِّ والمَيِّتِ فَهو حَقِيقَةٌ، وقُرِئَ ( كَتَبَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( القَتْلَ )، و(كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ)، و(لَبُرِّزَ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ اللَّهُ تَعالى ما في صُدُورِكم بِأعْمالِكم، فَإنَّهُ قَدْ عَلِمَهُ غَيْبًا ويُرِيدُ أنْ يَعْلَمَهُ شَهادَةً لِتَقَعَ المُجازاةُ عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُبْتَلى المُمْتَحَنِ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ ومَدْخُولُها عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَ مَعْطُوفٍ عَلى عِلَلٍ أُخْرى مَطْوِيَّةٍ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ﴿ ولِيَبْتَلِيَ ﴾ إلَخْ، أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ أيْ، ولِلِابْتِلاءِ المَذْكُورِ: فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِعَدَمِ العِنايَةِ بِشَأْنِ أوْلِيائِهِ وأنْصارِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَثَلًا.

والعَطْفُ عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( أنْزَلَ عَلَيْكم ) والفَصْلُ بَيْنَهُما مُغْتَفَرٌ؛ لِأنَّ الفاصِلَ مِن مُتَعَلِّقاتِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَفْظًا أوْ مَعْنًى، وقِيلَ: إنَّهُ لا حَذْفَ في الكَلامِ وإنَّما هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا ﴾ أيْ أثابَكم بِالغَمِّ لِأمْرَيْنِ: عَدَمِ الحُزْنِ والِابْتِلاءِ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ تَوَسُّطَ تِلْكَ الأُمُورِ مُحْتاجٌ إلى نُكْتَةٍ حِينَئِذٍ وهي غَيْرُ ظاهِرَةٍ، وأبْعَدُ مِنهُ بَلْ لا يَكادُ يُقْبَلُ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أيْ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولِيَبْتَلِيَ ما في صُدُورِكم، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ وكِلْتا العِلَّتَيْنِ ﴿ لَبَرَزَ الَّذِينَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ﴾ لِنَفاذِ القَضاءِ، أوْ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ولِلِابْتِلاءِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ الذَّوْقَ السَّلِيمَ يَأْباهُ؛ فَإنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حِكْمَةِ ما وقَعَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ لا بَيانُ حِكْمَةِ البُرُوزِ المَفْرُوضِ، وإنَّما جُعِلَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُعْتَدُّ بِهِمْ، ولِأنَّ إظْهارَ حالِهِمْ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِمْ.

وقِيلَ: إنَّهُ لَهم ولِلْمُنافِقِينَ أيْ لِيَبْتَلِيَ ما في سَرائِرِكم مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، وقِيلَ: لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً لِأنَّ سَوْقَ الآيَةِ لَهم، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ أيْ لِيُخَلِّصَ ما فِيها مِنَ الِاعْتِقادِ مِنَ الوَسْواسِ يُرَجِّحُ الأوَّلَ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ لا اعْتِقادَ لَهم لِيُمَحَّصَ مِنَ الوَساوِسِ ويُخَلَّصَ مِنها، ولَعَلَّ القائِلِينَ بِكَوْنِ الخِطابِ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ أوْ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُفَسِّرُونَ التَّمْحِيصَ بِالكَشْفِ والتَّمْيِيزِ، أيْ لِيَكْشِفَ ما في قُلُوبِكم مِن مُخْفَياتِ الأُمُورِ أوِ النِّفاقِ ويُمَيِّزَها، إلّا أنَّ حَمْلَ التَّمْحِيصِ عَلى هَذا المَعْنى يَجْعَلُ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها، وإنَّما عَبَّرَ بِالقُلُوبِ هُنا كَما قِيلَ لِأنَّ التَّمْحِيصَ مُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِقادِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ القَلْبِ مَعَ ذَلِكَ فَيُقالُ: اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ، ولا تَكادُ تَسْمَعُهم يَقُولُونَ اعْتَقَدَ بِصَدْرِهِ أوْ آمَنَ بِصَدْرِهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ ولَيْسَ فِيهِ كَتَبَ في صُدُورِهِمُ الإيمانَ، نَعَمْ يُذْكَرُ الصَّدْرُ مَعَ الإسْلامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ ومِن هُنا قالَ بَعْضُ السّاداتِ: القَلْبُ مَقَرُّ الإيمانِ، والصَّدْرُ مَحَلُّ الإسْلامِ، والفُؤادُ مَشْرِقُ المُشاهَدَةِ، واللُّبُّ مَقامُ التَّوْحِيدِ الحَقِيقِيِّ، ولَعَلَّ الآيَةَ عَلى هَذا تُؤَوَّلُ إلى قَوْلِنا: لِيَبْتَلِيَ إسْلامَكم ولِيُمَحِّصَ إيمانَكم، ورُبَّما يُقالُ عَبَّرَ بِذَلِكَ مَعَ التَّعْبِيرِ فِيما قَبْلُ بِالصُّدُورِ لِلتَّفَنُّنِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالجَمْعَيْنِ واحِدٌ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ (154) أيْ بِما في القُلُوبِ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ الضَّمائِرِ الخَفِيَّةِ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها لِتَمَكُّنِها مِنَ الصُّدُورِ جُعِلَتْ كَأنَّها مالِكَةٌ لَها، فَذاتُ بِمَعْنى صاحِبَةٌ لا بِمَعْنى ذاتِ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ، وفي الآيَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ أوْ أحَدُهُما فَقَطْ عَلى الخِلافِ في الخِطابِ، وفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الِابْتِلاءِ، وإنَّما يُبْرِزُ صُورَةَ الِابْتِلاءِ لِحِكَمٍ يَعْلَمُها كَتَمْرِينِ المُؤْمِنِينَ أوْ إظْهارِ حالِ المُنافِقِينَ، واخْتارَ الصُّدُورَ هَهُنا لِأنَّ الِابْتِلاءَ الغَنِيَّ عَنْهُ سُبْحانَهُ كانَ مُتَعَلِّقًا بِما فِيها، والتَّمْحِيصُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ تَصْفِيَةٌ وتَطْهِيرٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا تُشْعِرُ بِهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وإنَّما فَعَلَهُ لِحِكْمَةٍ، نَعَمْ إذا أُرِيدَ بِهِ الكَشْفُ والتَّمْيِيزُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ أيْضًا.

ومِن هُنا جَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَها حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الفِعْلَيْنِ، أيْ فَعَلَ ما فَعَلَ لِلِابْتِلاءِ والكَشْفِ، والحالُ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْهُما مُحِيطٌ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ، إلّا أنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ سِرُّ التَّعْبِيرِ عَنِ الإسْرارِ والخَفِيّاتِ بِذاتِ الصُّدُورِ دُونَ ذاتِ القُلُوبِ، مَعَ أنَّ التَّعْبِيرَ الثّانِيَ أوْلى بِها لِأنَّ القُلُوبَ مَحَلُّها بِلا واسِطَةٍ، ومَحَلِّيَّةُ الصُّدُورِ لَها بِحَسَبِ الظّاهِرِ بِواسِطَةِ القُلُوبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذاتَ الصُّدُورِ بِمَعْنى الأشْياءِ الَّتِي لا تَكادُ تُفارِقُ الصُّدُورَ لِكَوْنِها حالَّةً فِيها بَلْ تَلازُمُها وتُصاحُبُها أشْمَلُ مِن ذاتِ القُلُوبِ لِصِدْقِ الأُولى عَلى الأسْرارِ الَّتِي في القُلُوبِ وعَلى القُلُوبِ أنْفُسِها، لِأنَّ كُلًّا مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُلازِمٌ لِلصُّدُورِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حالًّا فِيها دُونَ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّها لا تَصْدُقُ إلّا عَلى الأسْرارِ لِأنَّها الحالَّةُ فِيها دُونَ الصُّدُورِ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِن ذاتِ الصُّدُورِ هَذا المَعْنى الشّامِلُ، ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِها لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ وذلك أنهم لما أخذوا في الحرب انهزم المشركون، فلما أَخَذَ بعض المسلمين في النهب والغارة رجع الأمر عليهم وانهزم المسلمون، فذلك قوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ.

إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ يقول: تقتلونهم بأمره.

وقال القتبي: تحسونهم يعني تستأصلونهم بالقتل، يقال: جراد محسوس إذا قتله البرد.

حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ يعني: جَبُنْتُمْ من عدوكم، واختلفتم في الأمر وَعَصَيْتُمْ أمر الرسول  مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ يعني أراكم الله مَّا تُحِبُّونَ يعني من النصر على عدوكم، وهزيمة الكفار والغنيمة.

ثم قال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا أي يطلب الغنيمة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وهم الذين ثبتوا عند المشركين حتى قتلوا.

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا لا نعرف أن أحداً منا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية، فَعَلِمْنا أن فينا من يريد الدنيا ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ بالهزيمة من بعد أن أَظْفَركم عليهم لِيَبْتَلِيَكُمْ بمعصية الرسول بالقتل والهزيمة وَلَقَدْ عَفا الله عَنْكُمْ ولم يعاقبكم عند ذلك، فلم تقتلوا جميعاً وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ في عفوه وإنعامه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بالعفو والإنعام إِذْ تُصْعِدُونَ يعني: إلى الجبل هاربين، حيث صعدوا الجبل منهزمين من العدو، وكان رسول الله  يدعوهم: «يَا معْشرَ المُسْلِمينَ أَنَا رَسُولُ الله» فلم يلتفت إليه أحد، حتى أتوا على الجبل.

فذلك قوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ يعني الجبل.

وهذا قول الكلبي وقال الضحاك: إذ تصعدون في الوادي منهزمين.

وقال القتبي: يعني تبعدون في الهزيمة، يقال: أصعد في الأرض إذا أمعن في الهزيمة.

وقرأ الحسن: تَصْعَدُون بنصب التاء، أي تَصْعَدُون الجبل.

وقرأ العامة بالضم وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ يقول: ولا تقيمون على رسول الله  ، ويقال: لا يقيم بعضكم على بعض وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ يقول: مِنْ خَلْفِكم فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ يقول: جعل ثوابكم غماً على أثر الغم، ويقال: جزاكم غماً على أثر الغم، ويقال غماً متصلاً بالغم.

فأما الغم الأول: فإشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين وهم في ذلك الجبل قاله الكلبي.

وقال مقاتل: الغم الأول ما فاتهم من الفتح والغنيمة، فاجتمعوا وكانوا يذكرون فيما بينهم ما أصابهم في ذلك اليوم.

والغم الثاني: إذ صعد خالد بن الوليد، فلما عاينوه أَذْعَرهُم ذلك أي خوفهم، فأنساهم ما كانوا فيه من الحزن، فذلك قوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ من الفتح والغنيمة وَلا مَا أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة.

ويقال: الغم الأول الجُرح والقتل، والغم الثاني أنهم سمعوا بأن النبيّ  قد قتل فأنساهم الغم الأول.

قال: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يعني لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجازيكم بها.

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً الأمنة في اللغة الأمن.

قال الكلبي: إذا أَمِنَ القوم نعسوا.

وقال الضحاك: النعاس عند القتال أمنة من الله تعالى.

ويقال: الذي يصيبه الغم والهزيمة لا يكون له شيء أحسن من النعاس، فيذهب عنه همه، فأصاب القومَ النعاسُ فذهب عنهم الغم وأمنوا.

قوله تعالى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ يعني النعاسَ يغشى ويعلو طائفة منكم، من كان من أهل الصدق واليقين.

قرأ حمزة والكسائي: تغشى بالتاء.

وقرأ الباقون بالياء.

فمن قرأ بالتاء انصرف إلى قوله أمنة، ومن قرأ بالياء يكون نعتاً للنعاس.

ثم قال: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يعني أهل النفاق.

وقال الكلبي: هو معتب بن قُشَيْر وأصحابه يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ يعني: أنهم يظنون أن لن ينصر الله محمداً وأصحابه ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ قال الكلبي: يعني كظنهم في الجاهلية.

وقال مقاتل: ظن الجاهلية كظن الجهال المشركين، مثل أبي سفيان وأصحابه يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ يعني: النصرة والفتح قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يعني النصرة والغنيمة كله من الله يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي يُسِرُّونَ في أنفسهم ما لا يُبْدُونَ لَكَ أي يقولون ما لا يظهرون لك يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا أي يقولون لو كان ديننا حقا ما قتلنا هاهُنا قال الكلبي: وفي الآية تقديم وتأخير، ومعناه يقولون: هل لنا من الامر من شيء، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الامر شىء ما قتلنا هاهنا قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وقال الضحاك: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ يعني القدر خيره وشره من الله.

قرأ أبو عمرو: قل إن الامر كله لله بضم اللام، والباقون بالنصب.

فمن قرأ بالرفع جعله اسماً مستأنفاً، ومن نصب جعله نعتاً للأمر.

ثم قال تعالى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ يقول: لظهر.

ويقال: لخرج الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ أي قُضِيَ عَلَيهم القتل إِلى مَضاجِعِهِمْ أي إلى مواضع مصارعهم.

معناه: أنهم وإن لم يخرجوا إلى العدو وقد قضى الله عليهم بالقتل، لخرجوا إلى مواضع قتلهم لا محالة، حتى ينفذ فيهم القضاء.

قال تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ يعني ليختبر ويظهر ما في قلوبكم وَلِيُمَحِّصَ يعني: ليظهر ويكفر مَا فِي قُلُوبِكُمْ من الذنوب وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: بما في القلوب من الخير والشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وصواحِبِهَا مشَمِّراتٍ هَوَارِبَ، ما دُونَ أخْذِهِنَّ قليلٌ، ولا كثيرٌ إذ مالَتِ الرماةُ إلى العَسْكَر حين كَشَفْنَا القَوْمَ عَنه، يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورَنَا للخَيْلِ، فَأُوتِينَا مِنْ أَدْبَارنا، وصَرَخَ صَارِخٌ أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، وانكفأ علينا القومُ.

وقوله سبحانه: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، يعني بهم الذين حَرَصُوا على الغنيمة، وكان المالُ همَّهم قاله ابنُ عَبَّاسٍ «١» ، وسائرُ المفسِّرين، وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ مسْعود: ما كنتُ أرى أنّ أحدا من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يريدُ الدنيا حتى نَزَلَ فينا يَوْمَ أُحُدٍ: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا» .

وقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ إخبارٌ عن ثبوتِ مَنْ ثَبَتَ من الرُّماة، مع عبد اللَّه بن جُبَيْر امتثالا للأمْر حتى قُتِلُوا، ويدخلُ في هذا أنَسُ بْنُ النَّضْر، وكلُّ من جَدَّ ولم يضطرب من المؤمنين.

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)

وقوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ العامل في إذ قوله: «عفا» ، وقراءة «٣» الجمهور «تصعدون» (بضم التاء، وكسر العين) من: أصْعَدَ، ومعناه: ذَهَبَ في الأَرْضِ، والصعيدُ: وجهُ الأرض، ف «أَصْعَدَ» : معناه: دَخَلَ في الصَّعيد كما أنّ «أصبح» :

دخل في الصّباح.

وقوله سبحانه: وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ مبالغةٌ في صفةِ الانهزامِ، وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ «١» : «على أُحُدٍ» (بضم الألف والحاء) ، يريد الجَبَلَ، والمعنيّ بذلك نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم لأنه كان على الجَبَلِ، والقراءةُ الشهيرةُ أقوى لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكُنْ علَى الجَبَلِ إلاَّ بعد ما فَرَّ الناسُ، وهذه الحالُ مِنْ إصعادهم إنَّما كانتْ، وهو يدعوهم، ورُوِيَ أنَّه كان يُنَادِي صلّى الله عليه وسلّم:

«إلَيَّ، عِبَادَ اللَّهِ» ، والناسُ يفرُّون، وفي قوله تعالى: فِي أُخْراكُمْ: مدح له صلّى الله عليه وسلّم فإن ذلك هو موقِفُ الأبطالِ في أعْقَابِ النَّاس ومنه قولُ الزُّبِيْرِ بْنِ باطا «٢» : ما فَعَل مقدِّمتُنا إذَا حَمَلْنا، وحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا وكذلك كان صلّى الله عليه وسلّم أشْجَعَ الناسِ ومنه قولُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ «٣» /: كِنَّا إذا احمر البَأْسُ، اتقيناه برَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله تعالى: فَأَثابَكُمْ: معناه: جازاكُمْ على صنيعكم، واختلف في معنى قوله تعالى: غَمًّا بِغَمٍّ، فقال قوم: المعنى: أثابكم غَمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسائرِ المسلمينَ بفَشَلكم، وتَنَازُعِكم، وعِصْيَانكم.

قال قتادة، ومجاهد:

الغَمُّ الأول: أنْ سَمِعُوا أَلاَ إنَّ محمّدا قد قتل، والثاني: القتل والجراح «٤» .

وقوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ، أي: من الغنيمة، ولا ما أصابكم، أي: من القَتْل والجِرَاحِ، وذُلِّ الانهزام، واللامُ من قوله: «لكَيْ لاَ» متعلِّقة ب «أثَابَكُمْ» ، المعنى: لتعلموا أنَّ ما وقَعَ بكُمْ إنما هو بجنايَتِكُمْ، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادةُ البَشَر أنَّ جانِيَ الذنْبِ يَصْبِرُ للعقوبة، وأكْثَرُ قَلَقِ المعاقَبِ وحُزْنِهِ، إنما هو مع ظَنِّه البراءةَ بنَفْسه، ثم ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ: وفي صحيح البخاريِّ» ، عن أنسٍ أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أحد، قال:

فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ «١» ، ونحْوه عن الزُّبَيْر «٢» ، وابنِ مسْعود «٣» ، «والواوُ» في قوله: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن.

وقوله سبحانه: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ: معناه: يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم يضمحلُّ.

قلْتُ: وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ، ففي «صحيح مسلم» ، وغيره، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ...

» «٤» الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود: واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» «٥» اهـ.

وقوله:

ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ: ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح: ٢٦] وتَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ [الأحزاب: ٣٣] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد الله بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ: وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا.

وقوله «١» سبحانه: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ...

الآية: أخبر تعالى عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو.

وقوله سبحانه: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ «٢» عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن.

وقوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ: اللام في «ليبتلي» متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره: وليبتليَ وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا/ الاختبار.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ قال عُمَرُ (رضي اللَّه عنه) : المرادُ بهذه الآية جميعُ مَنْ تولى ذلك اليَوْمَ عن العدُوِّ «٣» .

وقيل: نزلَتْ في الذين فرّوا إلى المدينة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمَنَةُ: الأمْنُ.

يُقالُ: وقَعَتِ الأمَنَةُ في الأرْضِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآَيَةِ: أعْقَبَكم بِما نالَكم مِنَ الرُّعْبِ أنَّ أمِنَكم أمْنًا تَنامُونَ مَعَهُ، لِأنَّ الشَّدِيدَ الخَوْفَ لا يَكادُ يَنامُ.

و"نُعاسًا" مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن "أمَنَةً" يُقالُ: نَعَسَ الرَّجُلُ يَنْعَسُ نُعاسًا، فَهو ناعِسٌ.

وبَعْضُهم يَقُولُ: نُعْسانُ.

قالَ الفَرّاءُ: قَدْ سَمِعْتُها، ولَكِنِّي لا أشْتَهِيها.

قالَ العُلَماءُ: النُّعاسُ: أخَفُّ النَّوْمِ.

وفي وجْهِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِالنُّعاسِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أمِنَهم بَعْدَ خَوْفِهِمْ حَتّى نامُوا، فالمِنَّةُ بِزَوالِ الخَوْفِ، لِأنَّ الخائِفَ لا يَنامُ.

والثّانِي: قَوّاهم بِالاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَغْشى" بِالياءِ مَعَ التَّفْخِيمِ، وهو يَعُودُ إلى النُّعاسِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: "تَغْشى" بِالتّاءِ مَعَ الإمالَةِ، وهو يَرْجِعُ إلى الأمَنَةِ.

فَأمّا الطّائِفَةُ الَّتِي غَشِيَها النَّوْمُ، فَهُمُ المُؤْمِنُونَ، والطّائِفَةُ الَّذِينَ أهَمَّتْهم أنْفُسَهُمُ: المُنافِقُونَ، أهَمَّهم خَلاصُ أنْفُسِهِمْ، فَذَهَبَ النَّوْمُ عَنْهم.

قالَ أبُو طَلْحَةَ: كانَ السَّيْفُ يَسْقُطُ مِن يَدِي، ثُمَّ أخَذَهُ، ثُمَّ يَسْقُطُ، وأخَذَهُ مِنَ النُّعاسِ.

وجَعَلْتُ أنْظُرُ، وما مِنهم أحَدٌ يَوْمئِذٍ إلّا يَمِيدُ تَحْتَ حَجْفَتِهِ مِنَ النُّعاسِ.

وقالَ الزُّبَيْرُ: أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْنا النَّوْمَ، فَما مِنّا رَجُلٌ إلّا ذَقَنُهُ في صَدْرِهِ، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ كالحُلْمِ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ: ﴿ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ فَحَفِظْتُها مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم كَذَّبُوا بِالقَدَرِ، رَواهُ الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: ظَنُّوا أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ  مُضْمَحِلٌّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: كَظَنِّ الجاهِلِيَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ: الجَحْدُ، تَقْدِيرُهُ ما لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ.

قالَ الحَسَنُ قالُوا لَوْ كانَ الأمْرُ إلَيْنا ما خَرَجْنا، وإنَّما أُخْرِجْنا كُرْهًا.

وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ بِالأمْرِ: النَّصْرُ والظَّفَرُ، قالُوا: إنَّما النَّصْرُ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ ﴾ ، أيِ: النَّصْرُ، والظَّفْرُ، والقَضاءُ والقَدَرُ ﴿ لِلَّهِ ﴾ والأكْثَرُونَ قَرَؤُوا (إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) بِنَصْبِ اللّامِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِرَفْعِها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّةُ مَن نَصَبَ، أنَّ "كُلَّهُ" بِمَنزِلَةِ "أجْمَعِينَ" في الإحاطَةِ والعُمُومِ، فَلَوْ قالَ: إنَّ الأمْرَ أجْمَعُ لَمْ يَكُنْ إلّا النَّصْبُ، و"كُلَّهُ" بِمَنزِلَةِ "أجْمَعِينَ" ومَن رَفَعَ، فَلِأنَّهُ قَدِ ابْتَدَأ بِهِ، كَما ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ تَعالى: (كُلُّهم آَتِيهِ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ﴾ في الَّذِي أخْفَوْهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: (لَوْ كُنّا في بُيُوتِنا ما قُتِلْنا هاهُنا) .

والثّانِي: أنَّهُ إسْرارُهُمُ الكُفْرَ، والشَّكَّ في أمْرِ اللَّهِ.

والثّالِثُ: النَّدَمُ عَلى حُضُورِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والَّذِي قالَ: ﴿ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.

والَّذِي قالَ: (لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ) مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ ﴾ أيْ: لَوْ تَخَلَّفْتُمْ، لَخَرَجَ مِنكم مَن كُتِبَ عَلَيْهِ القَتْلُ، ولَمْ يُنْجِهِ القُعُودُ.

والمُضاجِعُ: المُصارِعُ بِالقَتْلِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى (بَرَزُوا): صارُوا إلى بِرازٍ، وهو المَكانُ المُنْكَشِفُ.

ومَعْنى ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ: لِيَخْتَبِرَهُ بِأعْمالِكم، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَهُ غَيْبًا، فَيَعْلَمُهُ شَهادَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ: أرادَ لِيُظْهِرَها مِنَ الشَّكِّ والِارْتِيابِ بِما يُرِيكم مِن عَجائِبِ صُنْعِهِ مِنَ الأمَنَةِ، وإظْهارِ سَرائِرِ المُنافِقِينَ.

وهَذا التَّمْحِيصُ خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وقالَ غَيْرُهُ أرادَ بِالتَّمْحِيصِ.

إبانَةٌ ما في القُلُوبِ مِنَ الِاعْتِقادِ لِلَّهِ، ولِرَسُولِهِ، ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَهو خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ أيْ: بِما فِيها.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ عَلِيمٌ بِحَقِيقَةِ ما في الصُّدُورِ مِنَ المُضْمِراتِ، فَتَأْنِيثُ ذاتٍ بِمَعْنى الحَقِيقَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: لَقِيتُهُ ذاتَ يَوْمٍ.

فَيُؤَنِّثُونَ لِأنَّ مَقْصِدَهُمْ: لَقِيتُهُ مَرَّةً في يَوْمٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "عَفا".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: " تُصْعِدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِن أصْعَدَ ومَعْناهُ: ذَهَبَ في الأرْضِ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَعِيدُ، وجْهُ الأرْضِ، وصُعْدَةُ اسْمٌ مِن أسْماءِ الأرْضِ، فَأصْعَدَ مَعْناهُ: دَخَلَ في الصَعِيدِ، كَما أنَّ أصْبَحَ دَخَلَ في الصَباحِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

والعَرَبُ تَقُولُ: أصْعَدْنا مِن مَكَّةَ وغَيْرِها، إذا اسْتَقْبَلُوا سَفَرًا بَعِيدًا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِحادِي الإبِلِ: قَدْ كُنْتِ تَبْكِينَ عَلى الإصْعادِ فالآنَ صَرَّحْتِ وصاحَ الحادِي وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ واليَزِيدِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: "إذْ تَصْعَدُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ، مِن صَعِدَ إذا عَلا، والمَعْنى بِهَذا صُعُودٌ مِن صَعِدَ في الجَبَلِ، والقِراءَةُ الأُولى أكْثَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تَلْوُونَ" مُبالَغَةٌ في صِفَةِ الِانْهِزامِ، وهو كَما قالَ دُرَيْدٌ: وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟

وهَذا أشَدُّ مِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ........................

∗∗∗ أخُو الجُهْدِ لا يَلْوِي عَلى مَن تَعَذَّرا وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ: "إذْ يَصْعَدُونَ ولا يَلْوُونَ" بِالياءِ فِيهِما عَلى ذِكْرِ الغَيْبِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَلا تَلْؤُونَ" بِهَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ، وهَذِهِ لُغَةٌ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "وَلا تَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وواوٍ واحِدَةٍ، وهي قِراءَةٌ مُتَرَكِّبَةٌ عَلى لُغَةٍ مِن هَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ الساكِنَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تُلْوُونَ" بِضَمِّ التاءِ، مِن ألْوى وهي لُغَةٌ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "عَلى أُحُدٍ" بِضَمِّ الألِفِ والحاءِ، يُرِيدُ الجَبَلَ، والمَعْنِيُّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ كانَ عَلى الجَبَلِ، والقِراءَةُ الشَهِيرَةُ أقْوى لِأنَّ النَبِيَّ  لَمْ يَكُنْ عَلى الجَبَلِ إلّا بَعْدَ ما فَرَّ الناسُ عنهُ، وهَذِهِ الحالُ مِن إصْعادِهِمْ إنَّما كانَتْ وهو يَدْعُوهُمْ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُنادِي: « "إلَيَّ عِبادَ اللهِ"،» والناسُ يَفِرُّونَ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي أُخْراكُمْ ﴾ مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ هو مَوْقِفُ الأبْطالِ في أعْقابِ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُ الزَبِيرِ بْنِ باطا: "ما فَعَلَ مُقَدِّمَتُنا إذْ حَمَلْنا وَحامِيَتُنا إذْ فَرَرْنا"، وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ  أشْجَعَ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ: "كُنّا إذا احْمَرَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأثابَكُمْ" مَعْناهُ: جازاكم عَلى صَنِيعِكُمْ، وسُمِّيَ الغَمُّ ثَوابًا عَلى مَعْنى أنَّهُ القائِمُ في هَذِهِ النازِلَةِ مَقامَ الثَوابِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ........................

∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ وكَقَوْلِ الآخَرِ: أخافُ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ ∗∗∗ أداهِمَ سُودًا أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا فَجَعَلَ القُيُودَ والسِياطَ عَطاءً، ومُحَدْرَجَةً: بِمَعْنى مُدَحْرَجَةٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "غَمًّا بِغَمٍّ"، فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: أثابَكم غَمًّا بِسَبَبِ الغَمِّ الَّذِي أدْخَلْتُمُوهُ عَلى رَسُولِ اللهِ  وسائِرِ المُؤْمِنِينَ، بِفَشَلِكم وتَنازُعِكم وعِصْيانِكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالباءُ عَلى هَذا باءُ السَبَبِ.

وَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى أثابَكم غَمًّا بِالغَمِّ الَّذِي أوقَعَ عَلى أيْدِيكم بِالكُفّارِ يَوْمَ بَدْرٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالباءُ عَلى هَذا باءُ مُعادَلَةٍ، كَما قالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ سِجالٌ.

وقالَتْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى أثابَكم غَمًّا عَلى غَمٍّ، أو غَمًّا مَعَ غَمٍّ، وهَذِهِ باءُ الجَرِّ المُجَرَّدِ.

واخْتَلَفُوا في تَرْتِيبِ هَذَيْنِ الغَمَّيْنِ فَقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: الغَمُّ الأوَّلُ: أنْ سَمِعُوا: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، والثانِي: القَتْلُ والجِراحُ الواقِعَةُ فِيهِمْ.

وقالَ الرَبِيعُ وقَتادَةُ أيْضًا بِعَكْسِ هَذا التَرْتِيبِ، وقالَ السُدِّيُّ ومُجاهِدٌ أيْضًا وغَيْرُهُما: بَلِ الغَمُّ الأوَّلُ هو قَتْلُهم وجِراحُهم وكُلُّ ما جَرى في ذَلِكَ المَأْزِقِ، والغَمُّ الثانِي هو إشْرافُ أبِي سُفْيانَ عَلى النَبِيِّ ومَن كانَ مَعَهُ.

ذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  طَفِقَ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو الناسَ حَتّى انْتَهى إلى قَوْمٍ مِن أصْحابِهِ قَدْ عَلَوْا صَخْرَةً في صَفْحِ الجَبَلِ فَمَشى نَحْوَهُمْ، فَأهْوى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ لِيَرْمِيَهُ، فَقالَ: أنا رَسُولُ اللهِ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، وفَرِحَ هو عَلَيْهِ السَلامُ إذْ رَأى مِن أصْحابِهِ الِامْتِناعَ، ثُمَّ أخَذُوا يَتَأسَّفُونَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الظَفَرِ، وعَلى مَن ماتَ مِن أصْحابِهِمْ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ أبُو سُفْيانَ مِن عُلُوٍّ في خَيْلٍ كَثِيرَةٍ، فَنَسُوا ما نَزَلَ بِهِمْ أوَّلًا، وأهَمَّهم أمْرُ أبِي سُفْيانَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: "لَيْسَ لَهم أنْ يَعْلُونا، اللهُمَّ إنْ تُقْتَلْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ" ثُمَّ نَدَبَ أصْحابَهُ فَرَمَوْهم بِالحِجارَةِ، وأغْنى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى أنْزَلُوهم.» واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن هَزِيمَةِ أُحُدٍ اخْتِلافًا كَثِيرًا، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ هَوْلٌ، فَكُلُّ أحَدٍ وصَفَ ما رَأى وسَمِعَ، «قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: أوَّلُ مَن مَيَّزَ رَسُولَ اللهِ  أنا، رَأيْتُ عَيْنَيْهِ تُزْهِرانِ تَحْتَ المِغْفَرِ.» ورُوِيَ أنَّ الخَيْلَ المُسْتَعْلِيَةَ إنَّما كانَتْ حَمْلَةَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وأنَّ أبا سُفْيانَ إنَّما دَنا، والنَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في عُرْعُرَةِ الجَبَلِ، ولِأبِي سُفْيانَ في ذَلِكَ المَوْقِفِ قَوْلٌ كَثِيرٌ، ولِعُمَرَ مَعَهُ مُراجَعَةٌ مَحْفُوظَةٌ، اخْتَصَرْتُها إذْ لا تَخُصُّ الآيَةَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: مِنَ الغَنِيمَةِ، ( وما أصابَكم ) مَعْناهُ: مِنَ القَتْلِ والجَرْحِ وذُلِّ الِانْهِزامِ وما نِيلَ مِن نَبِيِّكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللامُ مِن قَوْلِهِ: "لِكَيْلا" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أثابَكُمْ"، المَعْنى: لِتَعْلَمُوا أنَّ ما وقَعَ بِكم إنَّما هو بِجِنايَتِكُمْ، فَأنْتُمْ آذَيْتُمْ أنْفُسَكُمْ، وعادَةُ البَشَرِ أنَّ جانِيَ الذَنْبِ يَصْبِرُ لِلْعُقُوبَةِ، وأكْثَرُ قَلَقِ المُعاقَبِ وحُزْنِهِ إنَّما هو مَعَ ظَنِّهِ البَراءَةَ بِنَفْسِهِ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ تَوَعُّدٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ النُعاسِ الَّذِي أمَّنَ بِهِ المُؤْمِنِينَ فَغَشِيَ أهْلَ الإخْلاصِ، وذَلِكَ «أنَّهُ لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ مِن مَوْضِعِ الحَرْبِ، قالَ النَبِيُّ  لِعَلِيٍّ بِحَضْرَةِ أصْحابِهِ المُتَحَيِّزِينَ في تِلْكَ الساعَةِ إلَيْهِ: "اذْهَبْ فانْظُرْ إلى القَوْمِ، فَإنْ جَنَّبُوا الخَيْلَ فَهم ناهِضُونَ إلىمَكَّةَ، وإنْ كانُوا عَلى خَيْلِهِمْ فَهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ، فاتَّقُوا اللهَ واصْبِرُوا" ووَطَّنَهم عَلى القِتالِ.

فَمَضى عَلِيٌّ ثُمَّ رَجَعَ فَأخْبَرَ أنَّهم جَنَّبُوا الخَيْلَ وقَعَدُوا عَلى أثْقالِهِمْ عِجالًا، فَآمَنَ المُوقِنُونَ المُصَدِّقُونَ رَسُولَ اللهِ  ، وألْقى اللهُ عَلَيْهِمُ النُعاسَ، وبَقِيَ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لا يُصَدِّقُونَ،» بَلْ كانَ ظَنُّهم أنَّ أبا سُفْيانَ يَؤُمُّ المَدِينَةَ ولا بُدَّ، فَلَمْ يَقَعْ عَلى أحَدٍ مِنهم نَوْمٌ، وإنَّما كانَ هَمُّهم في أحْوالِهِمُ الدُنْياوِيَّةِ.

قالَ أبُو طَلْحَةَ: لَقَدْ نِمْتُ في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى سَقَطَ سَيْفِي مِن يَدِي مِرارًا.

وقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: لَقَدْ رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ النَوْمِ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ إلى أصْحابِ النَبِيِّ  ، فَما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يَمِيلُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَعَسْنا يَوْمَ أُحُدٍ والنُعاسُ في الحَرْبِ أمَنَةٌ مِنَ اللهِ، والنُعاسُ في الصَلاةِ مِنَ الشَيْطانِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "أمَنَةً" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والنَخْعِيُّ "أمْنَةً" بِسُكُونِ المِيمِ، وهُما بِمَعْنى الأمْنِ، وفَتْحُ المِيمِ أفْصَحُ، وقَوْلُهُ: "نُعاسًا" بَدَلٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وَنافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: "يَغْشى" بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ النُعاسِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الضَمِيرِ البَدَلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَغْشى" بِالتاءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ الأمَنَةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ المُبْدَلِ مِنهُ.

والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهُمْ ﴾ هي واوُ الحالِ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ وزَيْدٌ قائِمٌ.

قالَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، قالَ الزَجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ خَبَرُ قَوْلِهِ: "وَطائِفَةٌ" قَوْلَهُ: "يَظُنُّونَ" ويَكُونَ "قَدْ أهَمَّتْهُمْ" صِفَةً لِلطّائِفَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهم إلى أنَّ اللَفْظَةَ مِنَ الهَمِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الغَمِّ والحُزْنِ، والمَعْنى: أنَّ نُفُوسَهُمُ المَرِيضَةَ وظُنُونَهُمُ السَيِّئَةَ قَدْ جَلَبَتْ إلَيْهِمُ الهَمَّ خَوْفَ القَتْلِ وذَهابِ الأمْوالِ، تَقُولُ العَرَبُ: أهَمَّنِي الشَيْءُ إذا جَلَبَ الهَمَّ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللَفْظَةَ مِن قَوْلِكَ: هَمَّ بِالشَيْءِ يَهُمُّ إذا أرادَ فِعْلَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى: أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمُ المُكاشَفَةَ ونَبْذَ الدِينِ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَلْنَرْجِعْ إلى دِينِنا الأوَّلِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرِ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٍ ما قُتِلْنا ها هُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ مَعْناهُ: يَظُنُّونَ أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ يَضْمَحِلُّ ويَذْهَبُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ ﴾ ؛ ذَهَبَ جُمْهُورُ الناسِ إلى أنَّ المُرادَ مُدَّةُ الجاهِلِيَّةِ القَدِيمَةِ قَبْلَ الإسْلامِ، وهَذا كَما قالَ: "حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ" و"تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ"، وكَما تَقُولُ: شِعْرَ الجاهِلِيَّةِ، وكَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أبِي في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ أرادَ في هَذِهِ الآيَةِ: ظَنَّ الفِرْقَةِ الجاهِلِيَّةِ، والإشارَةَ إلى أبِي سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، والأمْرُ مُحْتَمَلٌ، وقَدْ نَحا هَذا المَنحى قَتادَةُ والطَبَرِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ حِكايَةُ كَلامٍ قالُوهُ.

قالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقالَ: وهَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ ؟

يُرِيدُ أنَّ الرَأْيَ لَيْسَ لَنا، ولَوْ كانَ لَنا مِنهُ شَيْءٌ لَسَمِعَ مِن رَأْيِنا فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ مِنّا، وهَذا مِنهم قَوْلٌ بِأجَلَيْنِ، وكَأنَّ كَلامَهم يَحْتَمِلُ الكُفْرَ والنِفاقَ، عَلى مَعْنى: لَيْسَ لَنا مِن أمْرِ اللهِ شَيْءٌ، ولا نَحْنُ عَلى حَقٍّ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ وابْنُ فُورَكٍ، لَكِنْ يُضْعِفُ ذَلِكَ أنَّ الرَدَّ عَلَيْهِمْ إنَّما جاءَ عَلى أنَّ كَلامَهم في مَعْنى سُوءِ الرَأْيِ في الخُرُوجِ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ فَصِيحٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "كُلَّهُ"، بِالنَصْبِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرِ، لِأنَّ "كُلَّهُ" بِمَعْنى أجْمَعُ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ "كُلُّهُ لِلَّهِ" بِرَفْعِ "كُلٍّ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ورَجَّحَ الناسُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِأنَّ التَأْكِيدَ أمْلَكُ بِلَفْظَةِ "كُلٍّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عن تَسَتُّرِهِمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْضِ كُفْرٍ، بَلْ هي جَهالَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَمّا يُخْفُونَهُ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي لا يَقْدِرُونَ أنْ يُظْهِرُوا مِنهُ أكْثَرَ مِن هَذِهِ النَزَعاتِ، وأخْبَرَ تَعالى عنهم عَلى الجُمْلَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّتَهُ في المُنافِقِينَ، لا إلَهَ إلّا هو.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ هي مَقالَةٌ سُمِعَتْ مِن مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المَغْمُوصِ عَلَيْهِ بِالنِفاقِ.

وقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ فِيما أسْنَدَ الطَبَرِيُّ عنهُ: واللهِ لَكَأنِّي أسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ أخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والنُعاسُ يَغْشانِي، ما أسْمَعُهُ إلّا كالحُلْمِ حِينَ قالَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَلامُ مُعَتِّبٍ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى ما احْتَمَلَ كَلامُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبٌ هَذا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنَّهُ شَهِدَ العَقَبَةَ، وذَلِكَ وهْمٌ، والصَحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ عَقَبَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ ﴾ ....

الآيَةُ رَدٌّ عَلى الأقْوالِ، وإعْلامٌ بِأنَّ أجَلَ كُلِّ امْرِئٍ إنَّما هو واحِدٌ، فَمَن لَمْ يُقْتَلْ فَهو يَمُوتُ لِذَلِكَ الأجَلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَدَّرَ اللهُ تَعالى، وإذا قُتِلَ فَذَلِكَ هو الَّذِي كانَ في سابِقِ الأزَلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فِي بُيُوتِكُمْ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ، وهي بَعْضُ طُرُقِ السَبْعَةِ: "فِي بِيُوتِكُمْ"، بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "لَبَرَزَ" بِفَتْحِ الراءِ والباءِ عَلى مَعْنى: صارُوا في البَرازِ مِنَ الأرْضِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "بُرِّزَ" بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلَيْهِمُ القَتْلُ" أيْ: كُتِبَ عَلَيْهِمْ في قَضاءِ اللهِ وتَقْدِيرِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ والزُهْرِيُّ: "عَلَيْهِمُ القِتالُ".

وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ مَعْنى الِاسْتِغْناءِ عَنِ المُنافِقِينَ، أيْ: لَوْ تَخَلَّفْتُمْ أنْتُمْ لَبَرَزَ المُؤْمِنُونَ المُوقِنُونَ المُطِيعُونَ في القِتالِ المَكْتُوبِ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ ...

الآيَةُ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِيَبْتَلِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ: ولِيَبْتَلِيَ ولِيُمَحِّصَ فَعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ الواقِعَةَ، والِابْتِلاءُ هُنا هو الِاخْتِبارُ، والتَمْحِيصُ: تَخْلِيصُ الشَيْءِ مِن غَيْرِهِ، والمَعْنى: لِيَخْتَبِرَهُ فَيُعَلِّمَهُ عِلْمًا مُساوِقًا لِوُجُودِهِ وقَدْ كانَ مُتَقَرِّرًا قَبْلَ وُجُودِ الِابْتِلاءِ أزَلًا، و"ذاتِ الصُدُورِ": ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ المُعْتَقَداتِ، هَذا هو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ}.

الضمير في قوله: ﴿ ثم أنزل ﴾ ضمير اسم الجلالة، وهو يرجّح كون الضمير ﴿ أثابكم ﴾ مثله لئلا يكون هذا رجوعاً إلى سياق الضمائر المتقدّمة من قوله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده ﴾ والمعنى ثمّ أغشاكم بالنعاس بعد الهزيمة.

وسمّي الأغشاء إنزالاً لأنّه لمّا كان نعاساً مقدّراً من الله لحكمة خاصّة، كان كالنازل من العوالم المشرّفة كما يقال: نزلت السكينة.

والأمَنةُ بفتح الميم الأمن، والنعاس: النوم الخفيف أو أوّل النَّوم، وهو يزيل التعب ولا يغيّب صاحبه، فلذلك كان أمنة إذ لو ناموا نوماً ثقيلاً لأخذوا، قال أبو طلحة الأنصاري، والزبير، وأنس بن مالك: غشينا نعاس حتَّى أنّ السيف ليسقط من يد أحدنا.

وقد استجدّوا بذلك نشاطهم، ونسوا حزنهم، لأنّ الحزن تبتدئ خفّته بعد أوّل نومة تعفيه، كما هو مشاهد في أحزان الموت وغيرها.

و(نعاساً) بَدل على (أمنة) بدل مطابق.

وكان مقتضى الظاهر أن يقدّم النعاس ويؤخّر أمنة: لأنّ أمنة بمنزلة الصفة أو المفعول لأجله فحقّه التقديم على المفعول كما جاء في آية [الأنفال: 11]: ﴿ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ﴾ ولكنّه قدّم الأمنة هنا تشريفاً لشأنها لأنَّها جعلت كالمنزل من الله لنصرهم، فهو كالسكينة، فناسب أن يجعل هو مفعول أنزل، ويجعل النعاس بدلاً منه.

وقرأ الجمهور: يَغشى بالتحتية على أنّ الضّمير عائد إلى نعاس، وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بالفوقية بإعادة الضّمير إلى أمَنة، ولذلك وصفها بقوله: منكم}.

﴿ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق ظَنَّ الجاهلية يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الامر مِن شَئ قُلْ إِنَّ الامر كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الامر شَئ مَّا قُتِلْنَا هاهنا ﴾ .

لمّا ذكر حال طائفة المؤمنين، تخلّص منه لذكر حال طائفة المنافقين، كما علم من المقابلة، ومن قوله: ﴿ يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ﴾ ، ومِن ترك وصفها بمنكم كما وصف الأولى.

﴿ وطائفة ﴾ مبتدأ وصف بجملة ﴿ قد أهمتهم أنفسهم ﴾ .

وخبره جملة ﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ والجملة من قوله: ﴿ وطائفة قد أهمتهم ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ اعتراض بين جملة ﴿ ثم أنزل عليكم ﴾ الآية.

وجملة ﴿ إن الذين تولوا منكم ﴾ [آل عمران: 155] الآية.

ومعنى ﴿ أهمتهم أنفسهم ﴾ أي حَدّثتهم أنفسهم بما يدخل عليهم الهَمّ وذلك بعدم رضاهم بقدر الله، وبشدّة تلّهفهم على ما أصابهم وتحسّرهم على ما فاتهم مِمّا يظّنونه منجياً لهم لو عملوه: أي من الندم على ما فات، وإذ كانوا كذلك كانت نفوسهم في اضطراب وتحرّق يمنعهم من الاطمئنان ومن المنام، وهذا كقوله الآتي: ﴿ ليجعل اللَّه ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ [آل عمران: 156].

وقيل معنى ﴿ أهمّتهم ﴾ أدخلت عليهم الهَمّ بالكفر والارتداد، وكان رأسُ هذه الطائفة معتّب بن قشير.

وجملة ﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ إمَّا استئناف بياني نشأ عن قوله: ﴿ قد أهمتهم أنفسهم ﴾ وإمَّا حال من (طائفة).

ومعنى ﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ أنَّهم ذهبت بهم هواجسهم إلى أن ظنوا بالله ظنوناً باطلة من أوهام الجاهلية.

وفي هذا تعريض بأنَّهم لم يزالوا على جاهليتهم لم يخلصوا الدين لله، وقد بيّن بعض ما لهم الظنّ بقوله: ﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ وهل للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، بقرينة زيادة (من) قبل النكرة، وهي من خصائص النفي، وهو تبرئة لأنفسهم من أن يكونوا سبباً في مقابلة العدوّ.

حتَّى نشأ عنه ما نشأ، وتعريض بأنّ الخروج للقتال يوم أحُدُ خطأ وغرور، ويظنّون أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم ليس برسول إذ لو كان لكان مؤيّداً بالنصر.

والقول في ﴿ هل لنا من الأمر من شيء ﴾ كالقول في ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ [آل عمران: 128] المتقدّم آنفاً.

والمراد بالأمر هنا شأن الخروج إلى القتال، والأمر بمعنى السيادة الذي منه الإمارة، ومنه أولو الأمر.

وجملة ﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ يظنّون ﴾ لأنّ ظنّ الجاهلية يشتمل على معنى هذا القول.

ومعنى ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ﴾ أي من شأن الخروج إلى القتال، أو من أمر تدبير النَّاس شيء، أي رأي ما قتلنا ههنا، أي ما قتل قومنا.

وليس المراد انتفاء القتل مع الخروج إلى القتال في أحُدُ، بل المراد انتفاء الخروج إلى أحُدُ الَّذي كان سبباً في قتل من قُتل، كما تدلّ عليه قرينة الإشارة بقوله: (ههنا)، فالكلام كناية.

وهذا القول قاله عبد الله بن أُبَي ابن سلول لمّا أخبروه بمن استشهد من الخزرج يومئذ، وهذا تنصّل من أسباب الحرب وتعريض بالنَّبيء ومن أشار بالخروج من المؤمنين الَّذين رغبوا في إحدى الحسنيين.

وإنَّما كان هذا الظنّ غيرَ الحقّ لأنَّه تخليط في معرفة صفات الله وصفات رسوله وما يجوز وما يستحيل، فإنّ لله أمراً وهدياً وله قدَر وتيسير، وكذلك لرسوله الدعوة والتشريع وبذل الجهد في تأييد الدّين وهو في ذلك معصوم، وليس معصوماً من جريان الأسباب الدنيوية عليه، ومن أن يكون الحرب بينه وبين عدوّه سجالاً، قال أبو سفيان لهرقل وقد سأله: كيف كان قتالكم له؟

فقال أبو سفيان: ينال منّا وننال منه، فقال هرقل: وكذلك الإيمان حتَّى يتمّ.

فظنّهم ذلك ليس بحقّ.

وقد بيّن الله تعالى أنَّه ظنّ الجاهلية الَّذين لم يعرفوا الإيمان أصلاً فهؤلاء المتظاهرون بالإيمان لم يدخل الإيمان في قلوبهم فبقيت معارفهم كما هي من عهد الجاهلية، والجاهلية صفة جرت على موصوف محذوف يقدّر بالفئة أو الجماعة، وربما أريد به حالة الجاهلية في قولهم أهل الجاهلية، وقوله تعالى: ﴿ تبرّج الجاهلية الأولى ﴾ ، والظاهر أنَّه نسبة إلى الجاهل أي الَّذي لا يعلم الدين والتَّوحيد، فإنّ العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحلم، قال ابن الرومي: بجهل كجهل السيف والسيف منتضى *** وحلم كحلم السيف والسيف مغمد وأطلقت الجهل على عدم العلم قال السموأل: فليسَ سواء عالم وجَهول *** وقال النابغة: وليس جَاهل شيءٍ مثلَ مَن علما *** وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن، وصف به أهل الشرك تنفيراً من الجهل، وترغيباً في العلم، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذمّ في نحو قوله: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ [المائدة: 50] ﴿ ولاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الجاهليّة الأولى ﴾ [الأحزاب: 33] ﴿ إذ جعل الَّذين كفروا في قلوبهم الحَمِيَّة حَمِيَّة الجَاهلية ﴾ [الفتح: 26].

وقال ابن عبَّاس: سمعت أبي في الجاهلية يقول: اسقنا كأساً دِهاقاً، وفي حديث حكيم بن حِزام: أنَّه سأل النَّبيء صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يتحنّث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم.

وقالوا: شعر الجاهلية، وأيَّامُ الجاهلية.

ولم يسمع ذلك كُلّه إلاّ بعد نزول القرآن وفي كلام المسلمين.

وقوله: ﴿ غير الحق ﴾ منتصب على أنَّه مفعول ﴿ يظنّون ﴾ كأنَّه قيل الباطلَ.

وانتصب قوله: ﴿ ظن الجاهلية ﴾ على المصدر المبيّن للنوع إذ كلّ أحد يعرف عقائد الجاهلية إن كان متلبِّساً بها أو تاركاً بها.

وجملة ﴿ يخفون ﴾ حال من الضّمير في ﴿ يقولون ﴾ أي يقولون ذلك في حال نيّتهم غيرَ ظَاهِرِه، ف ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ﴾ إعلان بنفاقهم، وأنّ قولهم: ﴿ هل لنا من الأمر من شيء ﴾ وقولهم: ﴿ لو كان من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ هو وإن كان ظاهره صورة العتاب عن ترك مشورتهم فنِيَّتهم منه تخطئة النَّبيء في خروجه بالمسلمين إلى أُحُد، وأنَّهم أسدّ رأياً منه.

وجملة ﴿ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ يخفون في أنفسهم ﴾ إذ كانوا قد قالوا ذلك فيما بينهم ولم يظهروه، أو هي بيان لجملة ﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ إذا أظهروا قولهم للمسلمين، فترجع الجملة إلى معنى بدل الاشتمال من جملة ﴿ يظنّون ﴾ لأنها لما بينت جملة هي بدل فهي أيضا كالتي بينتها، وهذا أظهر لأجل قوله بعدَه: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم ﴾ فإنَّه يقتضي أنّ تلك القالة فشت وبلغت الرسولَ، ولا يحسن كون جملة ﴿ يقولون لو كان ﴾ إلى آخره مستأنفة خلافا لما في «الكشاف».

وهذه المقالة صدرت من مُعَتِّب بن قُشير قال الزبير بن العوّام: غشيني النُّعاس فسمعت معتّب بن قشير يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.

فحكى القرآن مقالته كما قالها، وأسندت إلى جميعهم لأنَّهم سمعوها ورضوا بها.

وجملة ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ ردّ عليهم هذا العذر الباطل أي أنّ الله ورسوله غير محتاجين إلى أمركم.

والجملة معترضة.

وقرأ الجمهور: كلَّه بالنصب تأكيداً لاسم إنّ، وقرأه أبو عمرو، ويعقوب بالرفع على نيّة الابتداء.

والجملةُ خبر إنّ.

﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ .

لقن الله رسوله الجواب عن قولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.

والجواب إبطال لقولهم، وتعليم للمؤمنين لدفع ما عسى أن يقع في نفوسهم من الريب، إذا سمعوا كلام المنافقين، أو هو جواب للمنافقين ويحصل به علم للمؤمنين.

وفُصلت الجملة جرياً على حكاية المقاولة كما قرّرنا غير مرّة.

وهذا الجواب جار على الحقيقة وهي جريان الأشياء على قَدر من الله والتسليممِ لذلك بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتض ترك الأسباب، لأنّ قدر الله تعالى وقضاءه غير معلومَين لنا إلاّ بعد الوقوع، فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفاً عن مصادفة قدر الله لمأمولنا، فإن استفرغنا جهودنا وحُرمنا المأمول، علمنا أنّ قدر الله جرى من قبل على خلاف مرادنا.

فأمَّا ترك الأسباب فليس من شأننا، وهو مخالف لما أراد الله منّا، وإعراض عمّا أقامنا الله فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القدَر.

والمعنى: لو لم تكونوا ههنا وكنتم في بيوتكم لخرج الَّذين كتب الله عليهم أن يموتوا مقتولين فقتلوا في مضاجعهم الَّتي اضطجعوا فيها يوم أُحُد أي مصارعهم فالمراد بقوله: ﴿ كتب ﴾ قدّر، ومعنى ﴿ برز ﴾ خرج إلى البراز وهو الأرض.

وقرأ الجمهور باء (بيوتكم) بالكسر.

وقرأه أبو عمرو، وورش عن نافع، وحفص، وأبو جعفر بالضم.

والمضاجع جمع مضجع بفتح الميم وفتح الجيم وهو محلّ الضجوع، والضجوع: وضع الجنب بالأرض للراحة والنَّوم، وفعله من باب منع ومصدره القياسي الضجْع، وأمَّا الضجوع فغير قياسي، ثمّ غلب إطلاق المضجع على مكان النَّوم قال تعالى: ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ [السجدة: 16] وفي حديث أمّ زرع: «مَضْجَعه كمَسلّ شَطْبَة» فحقيقة الضجوع هو وضع الجنب للنَّوم والراحة وأطلق هنا على مصارع القتلى على سبيل الاستعارة، وحسّنها أنّ الشهداء أحياء، فهو استعارة أو مشاكلة تقديرية لأنّ قولهم، ما قُتلنا ههنا يتضمَّن معنى أنّ الشهداء كانوا يَبْقون في بيوتهم متمتَّعين بفروشهم.

﴿ وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ .

﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم ﴾ عطف على قوله: ﴿ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ﴾ [آل عمران: 153] وما بينهما جمل بعضها عطف على الجملة المعلّلة، وبعضها معترضة، فهو خطاب للمؤمنين لا محالة، وهو علَّة ثانية لقوله: ﴿ فأثابكم عما بغم ﴾ [آل عمران: 153].

والصّدُور هنا بمعنى الضّمائر، والابتلاءُ: الاختبار، وهو هنا كناية عن أثره، وهو إظهاره للنَّاس والحجّة على أصحاب تلك الضّمائر بقرينة قوله: ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وليعلم اللَّه الذين ءامنوا ﴾ [آل عمران: 140].

والتمحيص تخليص الشيء ممَّا يخالطه ممَّا فيه عيب له فهو كالتزكية.

والقلوب هنا بمعنى العقائد، ومعنى تمحيص ما فيه قلوبهم تطهيرها ممَّا يخامرها من الريب حين سماع شُبه المنافقين الّتي يبثُّونها بينهم.

وأطلق الصدور على الضّمائر لأنّ الصدر في كلام العرب يطلق على الإحساس الباطني، وفي الحديث: «الإثم ما حاك في الصّدر» وأطلق القلب على الاعتقاد لأنّ القلب في لسان العرب هو ما به يحصّل التفكّر والاعتقاد.

وعُدّي إلى الصّدور فعل الابتلاء لأنَّه اختبار الأخلاق والضّمائر: ما فيها من خير وشَرّ، وليتميّز ما في النفس.

وَعُدِّيَ إلى القلوب فعل التمحيص لأنّ الظنون والعقائد محتاجة إلى التمحيص لتكون مصدر كلّ خير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ تَوَعَّدُوا المُؤْمِنِينَ بِالرُّجُوعِ، فَكانَ مَن أخَذَتْهُ الأمَنَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُتَأهِّبِينَ لِلْقِتالِ، وهم أبُو طَلْحَةَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ، وغَيْرُهم فَنامُوا حَتّى أخَذَتْهُمُ الأمَنَةُ.

﴿ وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ مِنَ الخَوْفِ وهم مِنَ المُنافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ومَن مَعَهُما أخَذَهُمُ الخَوْفُ فَلَمْ يَنامُوا لِسُوءِ الظَّنِّ.

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ ﴾ يَعْنِي في التَّكْذِيبِ بِوَعْدِهِ.

﴿ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنّا أُخْرِجْنا كَرْهًا ولَوْ كانَ الأمْرُ إلَيْنا ما خَرَجْنا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أيْ لَيْسَ لَنا مِنَ الظَّفَرِ شَيْءٌ، كَما وُعِدْنا، عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ لِذَلِكَ.

﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَوْ تَخَلَّفْتُمْ لَخَرَجَ مِنكُمُ المُؤْمِنُونَ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا بِتَخَلُّفِكم.

والثّانِي: لَوْ تَخَلَّفْتُمْ لَخَرَجَ مِنكُمُ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ، ولَمْ يُنْجِهِمْ قُعُودُهم.

﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُبْتَلى المُخْتَبَرِ.

والثّانِي: مَعْناهُ لِيَبْتَلِيَ أوْلِياءَ اللَّهِ ما في صُدُورِكم فَأضافَ الِابْتِلاءَ إلَيْهِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ فِيهِمْ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: هم كُلُّ مَن ولّى الدُّبُرَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: أنَّهم مَن هَرَبَ إلى المَدِينَةِ وقْتَ الهَزِيمَةِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحَبَّتُهم لِلْغَنِيمَةِ وحِرْصُهم عَلى الحَياةِ.

والثّانِي: اسْتَذَلَّهم بِذِكْرِ خَطايا سَلَفَتْ لَهم، وكَرِهُوا القَتْلَ قَبْلَ إخْلاصِ التَّوْبَةِ مِنها والخُرُوجِ مِنَ المَظْلِمَةِ فِيها، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ وَلَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حَلُمَ عَنْهم إذْ لَمْ يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: غَفَرَ لَهُمُ الخَطِيئَةَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم قَدْ أخْلَصُوا التَّوْبَةَ.

وَقِيلَ: إنَّ الَّذِينَ بَقُوا مَعَ النَّبِيِّ  لَمْ يَنْهَزِمُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنهم خَمْسَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والباقُونَ مِنَ الأنْصارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن السدي.

أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين، فواعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدراً من قابل فقال لهم: نعم.

فتخوّف المسلمون أن ينزلوا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فقال: «انظر فإن رأيتهم قد قعدوا على أثقالهم، وجنبوا خيولهم، فإن القوم ذاهبون.

وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم، وجنبوا على أثقالهم، فإن القوم ينزلون المدينة.

فاتقوا الله واصبروا، ووطنهم على القتال» .

فلما أبصرهم الرسول قعدوا على الأثقال سراعاً عجالاً نادى بأعلى صوته بذهابهم، فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فناموا، وبقي الناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم فقال الله يذكر حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: أمنهم الله يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من يأمن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة قال: سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً ﴾ قال: ألقي علينا النوم يوم أحد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن أنس أن أبا طلحة قال: غشينا ونحن في مصافنا يوم أحد، حدث أنه كان ممن غشيه النعاس يومئذ، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، وسقط وآخذه.

فذلك قوله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم ﴾ والطائفة الأخرى؛ المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه وأخذ له للحق يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية كذبهم إنما هم أهل شك وريبة في الله.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه والحاكم وصححه وابن مردويه وابن جرير والطبراني وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن الزبير بن العوّام قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم أحد إلا وهو مميد تحت حجفته من النعاس.

فذلك قوله ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً وتلا هذه الآية ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً.

وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن الزبير بن العوّام قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم أحد إلا وهو مميد تحت حجفته من النعاس.

وتلا هذه الآية ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً...

﴾ الآية.

وأخرج ابن اسحق وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن الزبير قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً ﴾ إلى قوله: ﴿ ما قتلنا ههنا ﴾ لقول معتب بن قشير.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه قرأ في آل عمران ﴿ أمنة نعاساً تغشى ﴾ بالتاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود قال: (النعاس) عند القتال أمنة من الله، والنعاس في الصلاة من الشيطان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: إن المنافقين قالوا لعبدالله بن أبي وكان سيد المنافقين في أنفسهم قتل اليوم بنو الخزرج.

فقال: وهل لنا من الأمر شيء؟

أما والله ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ [ المنافقون: 8] وقال: ﴿ لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله: ﴿ ظن الجاهلية ﴾ قالا: ظن أهل الشرك.

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال معتب: الذي قال يوم أحد ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ فأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله ﴾ إلى آخر القصة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ﴾ كان مما أخفوا في أنفسهم أن قالوا ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية فقال: لما قتل من قتل من أصحاب محمد أتوا عبدالله بن أبي فقالوا له: ما ترى؟

فقال: إنا والله ما نؤامر ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ قال: كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله، وليس كل من يقاتل يقتل، ولكن يقتل من كتب الله عليه القتل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا ﴾ الآية.

قال المُفسِّرون (١) (٢) (٣) (٤) قال ابن عباس (٥) (٦) قال أبو طَلْحَة (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال أبو إسحاق (١١) ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا ﴾ : أي: أعْقَبَكم- بما نالكم (١٢) (١٣) والأَمَنَةُ: مصدرٌ، كـ (الأمْنِ).

ومثله من المصادر: (العَظَمَةُ)، و (الغَلَبَةُ).

وقال اللِّحْيانيُّ (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ قُرِئ بالياء والتَّاءِ (١٧) و-أيضًا- فإنَّ النعاسَ مذكورٌ بالغِشْيَانِ في قوله: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ  ﴾ ولأن النعاسَ يَلِي الفِعْلَ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذِكْرِ الغِشْيانِ مِنَ الأمَنَة.

فالتذكير أولى.

ومن قرأ بالتَّاءِ: جعل الأمَنَةَ هي الغاشِيَةَ.

والأَمَنَةُ والنُّعاسُ، أحدهما بَدَلٌ عن الثاني، فيجوز وَيحْسُن رَدُّ الكِنَايَةِ (١٨) ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي  ﴾ ، وَ ﴿ وتَغْلِي ﴾ (١٩) ومِمَّا يُقَوِّي القراءة بالتَّاء: أنَّ الأصل: الأَمَنَةُ، و (النُّعَاس): بَدَلٌ.

وَرَدُّ الكناَيَةِ إلى الأصْلِ أحْسَنُ.

والأَمَنةُ هي المقصودة، فإذا حَصَلَتْ (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ قال ابن عباس (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ هؤلاء هم المنافقون: عبد الله بن أُبَي، ومُعَتِّبُ بن قُشَيْر (٢٤) (٢٥) والواو في قوله ﴿ وَطَاَئِفَةٌ ﴾ ، واو الحال.

قال سيبويه (٢٦) (٢٧) ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ .

وجائزٌ أن يكون الخَبَرُ: ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ ، ويكون ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ : مِنْ صِفَةِ النَّكِرَةِ، ويكون المعنى: وطائفةٌ مُهِمَّتُهُمْ أنفُسُهم، يَظنُّونَ.

قال أبو الفَتْحِ المَوصِلِيُّ (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) قال أبو علي (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ أي: يظنون أنَّ أمرَ النبي  مضمَحِلٌّ، وأنّه لا يُنْصر (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ .

الجاهلية: زَمَان الفَتْرَةِ، قبل الإسلام (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ أي: ما لنا.

استفهام يتضمن الجَحْدَ.

قال الحَسَنُ (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ ، أي: النَّصْرُ بيد الله عز وجل.

وقال عطاء، عن ابن عباس (٤٣) (٤٤) ﴿ كُلَّهُ ﴾ : فَنَصَبَهُ [أكثرُهُم] (٤٥) (٤٦) ولو قيل: (إن الأمرَ أجْمَعَ)، لم يكن إلّا النَّصبُ، -كذلك- إذا (٤٧) ﴿ كُلَّهُ ﴾ (٤٨) وقرأ أبو عمروٍ بالرَّفْعِ (٤٩) ﴿ لِلَّهِ ﴾ : الخَبَر.

قال الفَرّاءُ (٥٠) (٥١) ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ﴾ (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ أي: مِنَ الشَّكِّ والنِّفَاقِ، وتكذيب الوَعْدِ بالاستعلاء على أهل الشرك.

وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾ رُوي (٥٣)  -، أنَّه قال (٥٤) (٥٥) (٥٦) وقال المفسرون (٥٧) ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ أيها المُنافِقُونَ، وَلم تَخْرُجوا إلى أُحُد.

﴿ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ يعني: لو تَخلَّفتم عن القتال؛ لَخَرَج منكم الذين كُتِب عليهم القَتْل، ولم يكن لِيُنْجِيهم قُعُودهم.

ومعنى (بَرَزَ): صار إلى (بَرَاز)؛ وهو المكان المنكشف (٥٨) والمضاجع: جمعُ (المَضْجَع)؛ وهو الموضع الذي يَضْجَعُ عليه الإنسانُ.

ومنه قوله تعالى: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ  ﴾ .

قال الهُذَلِيُّ (٥٩) أَم ما لجنْبِكَ لا يُلائِمُ مَضْجَعًا ...

إلّا أَقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضْجَعُ (٦٠) وقال: (أضْجَعْتُ فُلانا): إذا وَضَعْت جَنْبَهُ بالأرض.

و (ضَجَعَ)، فهو يَضْجَعُ بنَفْسِهِ.

ويريد بـ ﴿ المَضَاجِعِ ﴾ ههنا: مَصارِعَهم للقتل؛ أي: حيث يَسْقُطُون (٦١) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ قال الكسائيُّ وغيرُهُ (٦٢) ومعنى ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ : ليعاملكم معامَلَة المُبْتَلِي، المُخْتَبِرِ لكم.

وقال أبو إسحاق (٦٣) وقيل (٦٤) اللهِ -تعالى-، تفخيما لشأنهم؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا ﴾ (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ قد ذكرنا للتَّمْحِيصِ ثلاث مَعَانٍ، عند قوله -تعالى-: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ : التَّطْهِير، والكَشْف، والابْتِلاء.

وهذ كلها مُحْتَمَلَةٌ في هذه الآية.

قال قتادة (٦٦) ﴿ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ ، أي: يُظْهِرها (٦٧) (٦٨) (٦٩) وقال الكَلْبِيُّ (٧٠) ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ﴾ : يُبَيِّن ما في قلوبكم.

يعني: أن المؤمن يُظْهِر الرِّضَا بِقَدَرِ الله، والمنافق يُظْهر مثلَ ما أظهرَ مُعَتِّب بن قُشَيْر وأصحابُه.

فَعَلَ اللهُ ما فَعَلَ يومَ أُحُد؛ لِيُبَيِّنَ ما في قلوب الفريقين.

ويَحْتَمِلُ التَّمْحِيصُ -ههنا- معنى الابتلاء، غير أن القولين الأَوَّلَيْن أجودُ؛ لِزِيَادَةِ الفائدة؛ فإنَّ الابتلاءَ قد ذُكِرَ في قوله: ﴿ وَلِيَبْتَلىَ اللَّهُ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ (ذاتُ الصدور)، تحتمل معنيين: أحدهما: أن (ذات الصدور) هي: الصدور؛ لأن ذاتَ الشيء نَفْسُهُ، وعَيْنهُ.

يقال: (فَهَمتُ ذاتَ كلامك)، كما يقال: (نَفْسَ كلامك).

قال الشاعر: نَطُوفُ بِذَاتِ البيتِ والخَيْرُ ظاهِرُ (٧١) أي: البيت نفسه.

وفيه معنى التأكيد.

فيكون المعنى: واللهُ عليمٌ بالصدور.

والثاني: أنَّ (ذاتَ الصدور): الأشياء التي في الصدور، وهي الأسرار والضمائر، وهي (ذات الصدور)؛ لأنها فيها، تَحُلُّها (٧٢) (٧٣) (١) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 140، 141، و"النكت والعيون" 1/ 430.

(٢) في (ج): (المسلمين).

(٣) (الحَجَفُ)، جمعٌ، ومفردُها: (حَجَفَةٌ)، وهي: التُّرُوسُ الصغيرة، والمُتَّخَذَةُ من الجلود، وليس فيها خَشب، يُطَارَقُ بين جِلْدين، ويُجعل منها حَجَفة.

انظر: (حجف) في: "المجمل" 1/ 265، و"القاموس" (798)، و"المعجم الوسيط" 1/ 108.

(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٥) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 140، و"تفسير الثعلبي" 3/ 134 أ.

(٦) عند الطبري: أمَّنهم.

وعند الثعلبي: أمَنَهم.

(٧) أخرج قوله: ابن أبي شيبة في: "المصنف" 7/ 372 رقم (36780).

والترمذي في: "السنن" رقم (2007) كتاب التفسير.

باب سورة آل عمران.

وقال: (حسن صحيح).

والطبري في: "تفسيره" 4/ 140، والحاكم في "المستدرك" 2/ 297.

وقال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبيُّ.

والطبراني في: "المعجم الكبير" 5/ 98 رقم (4707)، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" 487 رقم (421)، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 134 أ، والبغوي في "تفسيره" 2/ 121.

وأبو طلحة، هو: زيد بن سهل بن الأسود، النَجَّاري الأنصاري.

من فضلاء الصحابة، اشتهر بكُنْيَتِه، شهد العَقَبة، وبدرا، وأحدًا، وهو زوج أم سُلَيم بنت مِلْحان، أم أنس بن مالك، -  م-، اختلف في تاريخ وفاته على السنوات التالية: (32، 33، 34، هـ)، وقيل: (51 هـ).

انظر: "أسد الغابة" 2/ 289، و"الإصابة" 4/ 113.

(٨) (فجعلت): ساقطة من (ج).

(٩) في (ج): (فما).

(١٠) أخرج قوله هذا: البخاري في: "صحيحه" (4068) كتاب المغازي.

باب (ثم أنزل عليكم ..)، كتاب التفسير.

سورة آل عمران.

باب قوله: أمنة نعاسا ..

والنسائي في "تفسيره" 1/ 337،516، والترمذي في "السنن" رقم (3008) كتاب التفسير.

باب: (سورة آل عمران).

وأحمد في "المسند" 4/ 29، والطبراني في "المعجم الكبير" 5/ 96 رقم (4700)، والطبري في "تفسيره" 4/ 141، وابن أبي حاتم 3/ 793، والثعلبي 3/ 134 أ، والبغوي 2/ 121.

(١١) في "معاني القرآن"، له 1/ 479.

نقله عنه بنصه.

(١٢) في (ج): (أنالكم).

(١٣) في "معاني القرآن" (أمنَكم).

(١٤) قوله، في "تهذيب اللغة" 1/ 209 (أمن).

(١٥) (وأمْنَةً): ساقطة من (ج).

وليست في "تهذيب اللغة".

ويبدو أنَّ إثبات هذه الكلمة، سبق قلم من الناسخ؛ حيث أبدلها بـ (أمَنًا) التي وردت في قول اللحياني في (التهذيب)، ولم يذكرها المؤلفُ هنا، ولم أقف في مصادر اللغة التي رجعت إليها، على مجيء (أمْنةً) مصدرًا لـ (أمِنَ)، إلا أنها وردت في قراءة ابن محيصن، ورُويت عن يحيى، وإبراهيم من القُرَّاء.

وقال ابن جِنِّي: (روينا عن قطرب أنه قال: (الأمْنَةُ): الأمْنُ.

و (الأمَنَة) -بفتح الميم-، أشبه بمعاقبة الأمْن).

"المحتسب" 1/ 174.

وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 241، و"فتح القدير" 1/ 589، و"القراءات الشاذة" لعبد الفتاح القاضي: 30.

وورد من مصادرها: (..

إمْنًا) -بالكسر-.

انظر: "القاموس" 1176.

وفي "اللسان" "ما أحسن أمَنَتَك، وإمْنَتَك"؛ أي: دينك وخلقك.

1/ 141 (أمن).

و (أَمَنَةً) -إضافةً إلى مجيئها مصدرًا- فإنها تأتي صفة، بمعنى: الذي يثق بكلِّ أحد، أما (الأُمَنَة) -بضم الهمزة، وفتح الميم والنون-، فإنها صفهَ فقط، كـ (الأمَنَة)، ولا تأتي مصدرًا.= انظر (أمن) في: "الصحاح" 5/ 2071، و"اللسان" 1/ 140، و"التاج" 18/ 23 وما بعدها.

(١٦) وهو بدل اشتمال، ويكون بدلًا في حالة إعراب ﴿ أَمَنَةً ﴾ مفعولًا به لـ ﴿ أَنزَلَ ﴾ .

وقيل: هو عطف بيان، ويجوز أن يكون ﴿ نُّعَاسًا ﴾ مفعولًا، و ﴿ أَمَنَةً ﴾ حال منه.

وقيل غير ذلك.

انظر: "معاني القرآن"، للزجاج 1/ 478، و"البيان" للأنباري 1/ 226، و"التبيان" للعكبري (215)، و"الدر المصون" 3/ 444، و"فتح القدير" 1/ 589.

(١٧) قرأ ابنُ كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر ﴿ يَغْشَى ﴾ -بالياء-.

وقرأ حمزة، والكسائي ﴿ وَتَغشَى ﴾ بالتاء.

انظر: "القراءات" للأزهري 1/ 128، و"الحجة" 88، و"الكشف" 1/ 360.

(١٨) الكناية: الضمير.

(١٩) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: ﴿ يَغْلِي ﴾ .

وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، ونافع، وحمزة، والكسائي، وعاصم -في رواية أبي بكر-: ﴿ تَغْلِي ﴾ .== قال الفراء: (إذا كانت ﴿ تغلي ﴾ ، فهي الشجرة، وإذا كانت ﴿ يَغلِى ﴾ ، فهو المُهْل).

"معاني القرآن" 1/ 240.

وانظر: "السبعة" 592، و"تفسير الطبري" 4/ 139، و"المدخل" للحدادي 147 - 149، و"المسائل العضديات" 166.

(٢٠) في (ج): (حصل).

(٢١) في (ج): (وحصل).

(٢٢) لم أقف على مصدر قوله.

(٢٣) انظر: "تفسير البغوي" 2/ 121، و"زاد المسير" 1/ 480، و"تفسير ابن كثير" 1/ 451، و"فتح القدير" 1/ 590.

(٢٤) ويقال: مُعتِّب بن بشير الأوسي الأنصاري.

شهد العقبة وبدرًا وأُحدًا، وقال ابن هشام بأنه ليس من المنافقين، وقيل: إنه تاب مما قاله يوم أحد.

انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 238،344، و"الاستيعاب" 3/ 482، و"أسد الغابة" 5/ 225، و"الإصابة" 3/ 443.

(٢٥) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 141، و"النكت والعيون" 1/ 430، و"تفسير البغوي" 2/ 122.

(٢٦) في "الكتاب" 1/ 90.

نقله عنه بمعناه.

وانظر: "الكامل" للمبرد 1/ 327، 328، وكتاب "معاني الحروف" للرماني 60، و"الصاحبي" 157، و"أمالي ابن الشجري" 3/ 11، و"تذكرة النحاة" 648.

(٢٧) من قوله: (وهو ..) إلى (..

وطائفة مهمتهم أنفسهم): ساقط من (ج).

(٢٨) هو ابن جِنِّي في: "سر صناعة الإعراب" 2/ 644 - 645.

نقله عنه بعضه بتصرف، ونقل أكثره بنصه.

(٢٩) في (أ): مهمةٌ -بضم التاء المربوطة المُنوَّنة-.

وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل.

والمثبت من: "سر صناعة الإعراب"؛ وهو الصواب؛ لأن موقعها في الجملة حال منصوب.

(٣٠) في (ب): (النعاس) بدلًا من: الطائفة.

(٣١) في (أ)، (ب)، (ج): (ضاحك)، والمثبت من: سر الصناعة، لأن ابن جِنِّي أراد أنها حال منصوبة.

(٣٢) بـ (إذ): ساقط من (ج).

(٣٣) قول أبي الفارسي -هنا- من تتمة كلام ابن جني في: المصدر السابق: 2/ 645 نقله المؤلف عنه بمعناه وانظر رأي أبي علي الفارسي حول هذه المسألة في كتابيه: "المسائل المشكلة" 593، و"المسائل الحلبيات" 151.

(٣٤) عبارة أبي علي -كما نقلها ابن جني-، هي: (..

من حيث كانت (إذ) منتصبة الموضع بما قبلها، أو بعدها، كما أن (أو) منتصبة الموضع في الحال ..).

(٣٥) في (ب): (قائما).

(٣٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 479، و"زاد المسير" 1/ 481.

(٣٧) قال النووي: (سموا بذلك؛ لكثرة جهالاتهم).

"صحيح مسلم بشرح النووي" 3/ 87، وانظر: "المزهر" للسيوطي 2/ 202.

(٣٨) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 142، و"معاني القرآن"، للزجاج 1/ 431.

(٣٩) قوله، في: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 795، و"النكت والعيون" 2/ 909، و"زاد المسير" 1/ 481.

(٤٠) لفظه عند ابن أبي حاتم: (..

ذلك المنافق، لما قُتِل مِن أصحاب محمد، أتَوا عبد اللهَ بن أبَي، فقالوا له: ما تَرَى؟

فقال: إنَّا والله ما نُؤامَر، لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا).

وما أورده المؤلف هو معنى هذا اللفظ.

(٤١) في (ب): (وقال الآخرون الأكثرون).

ولم أقف على من قال بهذا القول، وقد أوردته بعض كتب التفسير ولم تعزه انظر: "النكت والعيون" 1/ 431، و"زاد المسير" 1/ 481، و"تفسير القرطبي" 4/ 242، و"فتح القدير" 1/ 590.

(٤٢) (ذلك): ساقطة من (ج).

(٤٣) لم أقف على مصدر هذ الرواية.

وأورد الثعلبي، والقرطبي -من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس- ما نصه: (يعني: القدر خيره وشره من الله).

وهي بمعنى رواية عطاء عنه.

انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 134 ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 242.

(٤٤) في (ب): (واختلفوا القراء).

(٤٥) ما بين المعقوفين في (أ): غير واضح.

والمثبت من (ب)، (ج).

انظر هذه القراءة في: "السبعة" 2187، و"الحجة" للفارسي 3/ 90.

(٤٦) من قوله: (لأن ..) إلى (..

إذا قال كله): نقله -بتصرف يسير- عن "الحجة" للفارسي 3/ 90.

(٤٧) (أ)، (ب): (إذ).

والمثبت من: (ج)، و"الحجة".

(٤٨) فنصب ﴿ كُلَّهُ ﴾ إما على التوكيد، أو النعت، أو البدل.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 243، و"معاني القرآن" للأخفش 1/ 218، و"الأصول في النحو" لابن السراج 2/ 23، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 371، و"التبيان" للعكبري ص 216.

(٤٩) أي: ﴿ كُلَّهُ ﴾ انظر: المصادر السابقة.

(٥٠) في "معاني القرآن"، له 1/ 243.

نقله عنه بمعناه.

(٥١) في (ج): (من).

(٥٢) قوله تعالى: ﴿ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ﴾ ، جملة مكونة من: مبتدإ، وهو: ﴿ وُجُوهُهُمْ ﴾ ، وخبر، وهو: ﴿ مُّسْوَدَّةٌ ﴾ .

والجملة في محل نصب على الحال.

ويجوز من الناحية النحوية أن تُنْصبَ ﴿ وُجُوهُهُمْ ﴾ على أنها بدل من ﴿ الَّذِينَ ﴾ .

انظر: "البيان" للأنباري 2/ 325 (٥٣) في (أ): (رَوَي).

والمثبت من: (ب)، (ج).

(٥٤) أخرج قوله: الواقدي في "المغازي" 1/ 323، والطبري في "تفسيره" 4/ 143،== وابن أبي حاتم 3/ 795، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" 487 فصل 25.

رقم (423)، وأورده السيوطي في "لباب النقول" 59، و"الدر المنثور" 2/ 156، وزاد نسبة إخراجه إلى ابن إسحاق، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في "الدلائل".

وانظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 68.

(٥٥) في (أ): (كالحِكم).

والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر الخبر.

(٥٦) في (أ): (هنا).

والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر الأثر.

(٥٧) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 142، و"تفسير الثعلبي" 3/ 134 ب، والنَّصُّ له.

(٥٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 480، و"نزهة القلوب" للسجستاني 144، و"المقاييس" 1/ 218 (برز).

(٥٩) هو أبو ذؤيب، خويلد بن خالد الهذلي.

(٦٠) البيت ورد منسوبًا له في: "المفضليات" 421، و"الزاهر" 1/ 473، و"الأمالي" 1/ 182، و"تهذيب اللغة" 3/ 2982 (قضض)، و"شرح أشعار الهذليين" 1/ 5، و"مقاييس اللغة" 5/ 21 (قضض)، و"جمهرة أشعار العرب" ص 241، و"اللسان" 6/ 3662 (قضض).

ورد في (التهذيب): (..

أقضَّ عليه ذاك ..)، وفي "المقاييس" (أم ما لجسمك).

البيت من مرثيته التي يرثي بها أبناءه الخمسة الذين ماتوا في عام واحد.

وقبل هذا البيت: قالتْ أُمَيْمَةُ ما لجسمك شاحبا ...

منذ ابْتُلِيتَ ومثل مالِكَ يَنفَع (أم) في البيت هي المنقطعة، بمعنى: (بل) والاستفهام.

وقوله: (لا يُلائِم): لا يوافق، (أقضَّ عليك ذاك المضجع)؛ أي: لم يطمئن بك النوم، كأن تحت جنبك (قَضِيضا)، وهو: الحصى الصغار.

انظر: "الزاهر" 1/ 473، و"التهذيب" 3/ 2982، و"شرح أشعار الهذليين" 1/ 6.

(٦١) (يسقطون): مطموسة في (ج).

(٦٢) لم أقف على مصدر قول الكسائي، ولا على مصدر قول غيره ممن قال هذا القول.

(٦٣) في "معاني القرآن" له 1/ 480.

نقله عن بتصرف.

(٦٤) ممن قال ذلك: الطبري في "تفسيره" 4/ 143، وقد أورد هذا القول الماورديُّ في: "النكت والعيون" 1/ 431 ولم يعزه (٦٥) الزخرف: 55.

ومعنى ﴿ آسَفُونَا ﴾ : أغضبونا.

وهو قول: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، والسدي، وغيرهم من المفسرين.

انظر: "تفسير الطبري" 25/ 84، و"تفسير ابن كثير" 4/ 137.

والمؤلف يقصد -هنا- أن معنى الآية: فلما أغضبوا موسى  ومن معه من أولياء الله، ولكن نُسِب الغضبُ إلى الله تعالى؛ تفخيمًا لشأن أولياء الله.

ولا مانع من قبول هذا التأويل الذي يراه المؤلف، مع إثبات صفة الغضب لله تعالى، ولكن قد يكون الدافع لهذا التأويل هو الهرب من نسبة هذه الصفة إليه تعالى، وحينها، فإن هذا التأويل لا يُسَلَّم؛ وذلك أنَّ الأشاعرة -والمؤلف منهم- يرون أن الغضب من صفات المخلوقين التي يجب أن لا تنسب إلى الله على الحقيقة؛ حيث إن الغضبَ عندهم هو: غَلَيَانُ دَمِ القَلْب؛ لإرادة الانتقام، وذاك محال على الله، وانما يُنْسَب إلى الله -عز وجل- على سبيل المجاز، ويراد به -حينها-: إرادة العقوبة، فيكون صفة ذات، أو يُراد به العقوبة ذاتها، فيكون صفة فعل.

ولكنْ سَلَفُ الأُمَّةِ -وقد شق بيان مذهبهم الحق في صفات الباري تعالى- يرون أن الغضب من صفات الله، يُنْسبُ إليه -تعالى- على الحقيقة، بما يليق بذاته، والشأن في الصفات أن تُمَرَّ كما جاءت، دون تعطيل ولا تشبيه ولا تحريف ولا تأويل، ولا بيان لكيفيَّتها، كما أن صفة الغضب تنسب إلى المخلوق على الحقيقة، بما يتناسب مع خَلْقِهِ، وطبيعته، ومن توابع هذه الصفة، ولوازمها في المخلوق: هو ما ذكره المُؤَوِّلُونَ مِنْ غَلَيَان دَمِ القلب، وبذا تفترق صفة الخالق عن المخلوق.

انظر: "النكت والعيون" 5/ 231 - 232، و"تفسير الفخر الرازي" 27/ 220،== ولوامع الأنوار" للسفاريني 1/ 221 - 223، و"روح المعاني" 25/ 91، و"أضواء البيان" 7/ 256، و"العقائد السلفية" لأحمد بن حجر 1/ 86 (٦٦) لم أقف على مصدر قوله.

وقد أورده ابن الجوزي في: "الزاد" 1/ 482.

(٦٧) في (ب)، (ج): (يطهرها) بالطاء.

انظر:"بحر العلوم" 1/ 309، و"تفسير الثعلبي" 3/ 134 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 122، و"زاد المسير" 1/ 482.

(٦٨) من قوله: (وهذا ..) إلى (..

يمحص قلوب): ساقط من (ج).

(٦٩) لم أقف على مصدر قوله.

(٧٠) لم أقف على مصدر قوله.

(٧١) هو عمرو بن الحارث بن مضاض كما في "الأغاني" 15/ 17بلفظ (نمشّى به والخير إذ ذاك) وفي "نهاية الأرب" للنويري بلفظ (نطوف بذاك).

وصدره: فنحن ولاة البيت من بعد نابت وينظر: "السيرة الحلبية" (1/ 15)، و"البدء والتاريخ" 4/ 126، و"أخبار مكة" للأزرقي 1/ 97، و"الاكتفاء" للكلاعي 1/ 59، و"البداية والنهاية" 2/ 186، و"المنتظم" 2/ 321، و"تاريخ الطبري" 1/ 523، و"الأنساب" 5/ 440، و"معجم البلدان" 5/ 36، 186.

(٧٢) في (ب): (وتحلها).

(٧٣) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1299 - 1301 (ذو)، و"اللسان" 3/ 1476 - 1477 (ذو) وانظر: تفسير قوله تعالى: ﴿ إنَّ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ .

آية: 119.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمَنَةً نُّعَاساً ﴾ قال ابن مسعود: نعسنا يوم أحد، والنعاس في الحرب أمان من الله ﴿ يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ ﴾ هم المؤمنون المخلصون، غشيهم النعاس تأميناً لهم ﴿ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ هم المنافقون كانوا خائفين من أن يرجع إليهم أبو سفيان، والمشركون ﴿ غَيْرَ الحق ﴾ معناه يظنون أن الإسلام ليس بحق، وأن الله لا ينصرهم، و ﴿ ظَنَّ الجاهلية ﴾ بدل وهو على حذف الموصوف تقديره ظن المودة الجاهلية، أو الفرقة الجاهلية ﴿ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ ﴾ قالها عبد الله بن أبيّ بن سلول، والمعنى: ليس لنا رأي، ولا يسمع قولنا أو: لسنا على شيء من الأمر الحق، فيكون قولهم على هذا كفراً ﴿ يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ﴾ يحتمل أن يريد الأقوال التي قالوها أو الكفر ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ ﴾ قاله معتب بن قشير، ويحتمل من المعنى ما احتمل قول عبد الله بن أبي ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ الآية: رد عليهم، وإعلامٌ بأن أجل كل إنسان إنما هو واحد، وأن من لم يقتل يموت بأجله، ولا يؤخر، وأن من كتب عليه القتل لا ينجيه منه شيء ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ﴾ يتعلق بفعل تقديره فعل بكم ذلك ليبتلي ﴿ إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ ﴾ الآية: نزلت فيمن فر يوم أحد ﴿ استزلهم ﴾ أي طلب منهم أن يزلوا، ويحتمل أن يكون معناه: أزلهم؛ أي أوقعهم في الزلل ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ أي كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها؛ بأن مكن الشيطان من استزلالهم ﴿ عَفَا الله عَنْهُمْ ﴾ أي غفر لهم ما وقعوا فيه من الفرار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرعب ﴾ بضمتين حيث كان: ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب.

الباقون: يسكون العين - ﴿ ومأواهم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولقد صدقكم ﴾ وبابه بإدغام الدال في الصاد: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل ﴿ وتغشى ﴾ بتاء فوقانية وبالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ كله ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالنصب ﴿ يعملون بصير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة.

الباقون: بالخطاب ﴿ متم ﴾ و ﴿ متنا ﴾ بكسر الميم من مات يمات حيث كان: نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلاههنا لجوار ﴿ قتلتم ﴾ الباقون: بضم الميم من مات يموت.

﴿ يجمعون ﴾ بياء الغيبة: حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب.

/ الوقوف: ﴿ سلطاناً ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ النار ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن "حتى" تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران "إذا" مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره.

والوقف على ﴿ تحبون ﴾ ظاهر في الوجهين.

﴿ الآخرة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿ صرفكم ﴾ على الجواب المحذوف.

﴿ ليبتليكم ﴾ ج ﴿ عفا عنكم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أصابكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ طائفة منكم ﴾ (لا) لأن الواو للحال.

﴿ الجاهلية ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ يبدو لك ﴾ ط ﴿ ههنا ﴾ ط ﴿ مضاجعهم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم.

﴿ وليبتلي ﴾ ﴿ ما في قلوبكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ الجمعان ﴾ (لا) لأن إنما خبر إن ﴿ كسبوا ﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ وما قتلوا ﴾ ج لأن لام ﴿ يجعل ﴾ قد يتعلق بقوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ تجمعون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ لنت لهم ﴾ ج لأن الواو للعطف و"لو" للشرط ﴿ من حولك ﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿ الأمر ﴾ ج لفاء التعقيب مع "إذا" الشرطية ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المتوكلين ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: إنه  يذكر في هذه الآيات وجوهاً كثيرة في باب الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار.

من جملتها الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا شك أن هذا من معاظم أسباب الاستيلاء، ثم إن هذا الوعد مخصوص بيوم أحد أو هو عام في جميع الأوقات.

الأظهر الثاني كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أنا سنتلقي الرعب في قلوب الكفار بعد ذلك حتى يظهر هذا الدين على سائر الأديان، ويؤيده قوله  " نصرت بالرعب مسيرة شهر " وذهب كثير من المفسرين إلى أنه مختص بيوم أحد لوروده في مساق تلك القصة.

قال السدي: "لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق.

ثم إنهم ندموا وقالوا بئسما صنعنا.

قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم.

فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا عما هموا به ففي ذلك نزلت الآية" .

وقيل: إن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال: أين ابن أبي كبشة - يعني رسول الله  - أين ابن أبي قحافة؟

أين ابن الخطاب؟

فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى.

والرعب الخوف الذي يملأ القلب فزعاً ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار.

وإلقاء الرعب في قلوبهم لا يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض الوجوه.

ولكن ظاهر قوله: ﴿ في قلوب الذين كفروا ﴾ يقتضي وقوع الرعب في قلوب جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف المسلمين وهيبتهم.

إما في الحرب وإما في المحاجة.

وقيل: إنه مخصوص بأولئك الكفار.

﴿ بما أشركوا ﴾ أي بسبب إشراكهم بالله.

وفيه وجه معقول وهو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار لأنه يقول: إذا كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له الإجابة.فيلزم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم الإجابة.

كيف وإنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً؟

﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ الهة لم ينزل الله بإشراكها حجة.

والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال للوالي سلطان، ومنه سلاطة اللسان، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر.

قال الجوهري: السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر.

وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة، ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** قال المتكلمون: التقليد باطل لأن كل ما لا دليل عليه لم يجز إثباته.

ومنهم من يبالغ فيقول: ما لا دليل عليه فيجب نفيه.

ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه.

ويكفي في رفع هذه الحاجةإثبات الصانع الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته.

أقول: هذا إذا استدللنا بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على نفيه فلا شريك لأجل الدليل، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي الشريك.

ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه حالهم في الآخرة فقال: ﴿ ومأواهم ﴾ أي والمكان الذي يأوون إليه ﴿ النار وبئس مثوى الظالمين ﴾ مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء الرعب بقوله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ﴾ / تستأصلونهم قتلاً.

قال أصحاب الاشتقاق: حَسَّه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه.

﴿ بإذنه ﴾ بعلمه.

وقيل: المراد بهذا الوعد أنه  رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق الله رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل تسعة نفر بعده على اللواء.

وقيل: هو ما ذكره من قوله ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم  ﴾ إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط هو الصبر والتقوى.

وقيل: المراد هو "أن الرسول  قال للرماة: لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين مادمتم فيه.

فلما أقبل المشركون جعل الرماة: يرشقون خليهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم.

وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ﴾ " قال بعض العلماء: هذا ليس بشرط فلهذا لم يقتض الجواب.

والمعنى قد نصركم الله إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم بالنصر كان مشروطاً بالصبر.

وقال آخرون: إنه للمجازاة.

ثم اختلفوا في الجزاء على وجوه: أحدها قال البصريون: إنه محذوف كما مر في الوقوف وذلك لدلالة سياق الكلام عليه.

وثانيها قال الكوفيون: جوابه وعصيتم، والواو زائدة.

والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من المكان الذي وقفهم في رسول الله  وثالثها قال أبو مسلم: جوابه ثم صرفكم.

و "ثم" ههنا كالساقطة.

وقيل: جوابه ما يدل عليه قوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ والتقدير: حتى إذا فشلتم صرتم فريقين.

والمراد بالفشل الجبن والخور، وبالتنازع أن الرماة لما هزم المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا: الغنيمة.

فقال عبد الله بن جبير أمير الرماة: عهد إلينا رسول الله  أن لا نبرح هذا المكان.

فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة، وبقي عبد الله مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون.

وقوله: ﴿ في الأمر ﴾ إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان.

وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعاً في الغنيمة، ثم تنازعوا من طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة وإنما ورد الخطاب عاماً وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتماداً على المخصص بعده وهو قوله ﴿ ومنكم من يريد الآخرة ﴾ وفائدة قوله: ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان / من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم.

قوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ قالت الأشاعرة: معنى هذا الصرف أنه  رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبوراً وكانت صباًَ حتى وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة.

ولا يتوجه عليهم إشكال أن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه.

وأما المعتزلة فلم يرضوا بهذا التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان في قوله ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ وأيضاً إنه  عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم؟

فعند ذلك ذكروا في تأويل الآية وجوهاً.

قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أوّلاً لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك إلى أن أحاط بهم العدو، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو.

ألا ترى أن النبي  ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه فتحصنوا به، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافة الله إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وبإذنه.

ثم قال ﴿ ليبتليكم ﴾ والمراد أنه  لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين.

ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقاربهم وأحبائهم، من أعظم أنواع الابتلاء، فإذن الآية مشتلمة على المعذورين، في الانصراف وعلى غير المعذورين.

فقوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ يرجع إلى المعذورين، وقوله ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يرجع إلى غير المعذورين.

وسبب العفو ما علم من ندمهم على ما فرط منهم من عصيان أمر رسول الله  .

وقال الكعبي: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم ﴿ ليبتليكم ﴾ بكثرة الأنعام عليكم والتخفيف عنكم.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: المعنى من الصرف أنه  أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة لهم على عصيانهم وفشلهم، ومعنى الابتلاء أنه جعل ذلك الصرف محنة عليهم ليتوبوا عما خالفوا فيه أمره، ثم أعلمهم أنه قد عفا عنهم.

قال القاضي: ظاهر قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يقتضي تقدم ذنب منهم.

فإن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بالعفو عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو.

وقالت الأشاعرة: لا شك أن ذلك الذنب كان من الكبائر لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك / المخالفة سبباً لانهزام عسكر الإسلام ولقتل جم غفير من الصحابة.

ثم إن ظاهر الآية دل على أنه  قد عفا عنهم من غير توبة لأنها غير مذكورة فصارت الآية دليلاً على أنه قد يعفو عن أصحاب الكبائر.

﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء كانت الدولة لهم أو عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة, وقد يستدل بالآية على أن صاحب الكبيرة مؤمن لأنه سماهم مؤمنين خلاف ما يقوله المعتزلة من أنه لا مؤمن ولا كافر.

قوله  : ﴿ إذ تصعدون ﴾ إما مستأنف بإضمار "واذكر" وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه.

أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها.

قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى اعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد ﴿ ولا تلوون على أحد ﴾ لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته.

﴿ والرسول يدعوكم ﴾ كان يقول: إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة.

فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو.

﴿ في أخراكم ﴾ في سابقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه  وبقي هو في الجماعة المتأخرة.

يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى.

﴿ فأثابكم ﴾ قال في الكشاف: إنه عطف على صرفكم.

وأقول: لا يبعد أن يعطف على ﴿ تصعدون ﴾ لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال: ثاب إليه أي رجع.

والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها.

فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير.

فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتك الضرب.

أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور.

والباء في ﴿ بغم ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو: بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة.

أما الاحتمال الأول ففيه وجوه: قال الزجاج: إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام.

وقيل: المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.

وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين.

وفي الكشاف: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ / للرسول أي فآساكم في الاغتنام.

فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها.

وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يكون هناك غمان: الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة.

أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً.

أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين.

أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول  .

أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة.

وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها.

ثم اللام في قوله: ﴿ لكيلا تحزنوا ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ لأن في عفوه  ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ فأثابكم ﴾ فيكون المعنى على قول الزجاج: إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله.

وعلى قول الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائده.

قالت الأشاعرة: معنى إثابة الغم من الله  خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء.

وأما المعتزلة فإنهم يقولون: الغم فعل العبد لكنه أسند إليه  لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.

وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال.

وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ.

وإن جعلت الباء بمعنى "مع" فالمعنى كما في قول الزجاج: أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى.

ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال: ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ عالم بجميع / أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك.

ثم أخبر أن الذين كانوا مع النبي  يوم أحد فريقان: أحدهما الجازمون بحقية هذا الدين وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر على سائر لأديان، فخاطب الجماعة بقوله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً ﴾ وأراد هؤلاء بقوله: ﴿ يغشى طائفة منكم ﴾ والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة.

والنعاس فتور في أوائل النوم.

وانتصاب ﴿ أمنة ﴾ على أنها حال متقدمة من ﴿ نعاساً ﴾ مثل: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبارّ وبررة، أو على أنه مفعول ﴿ أنزل ﴾ و ﴿ نعاساً ﴾ بدل منه.

قال أبو طلحة: غشانا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلاّ ويميل تحت حجفته.

وعن الزبير: كنت مع الرسول  حين اشتد الخوف فأرسل الله علينا النوم.

والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: ﴿ ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.

وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.

وكان في ذلك النعاس فوائد منها: أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت المعتاد معجزة ظاهره جديدة له  موجبة لزيادة وثوقهم بأن الله ينجز وعده وينصرهم، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد.

ومنها أن الأرق والسهر يوجبان الفتور والكلال، والنعاس يجدد القوة والنشاط.

ومنها شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة.

ومنها أن الأعداء كانوا حراصاً متهالكين في قتلهم.

فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ الله ولكلاءته معهم.

ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس ههنا كناية عن غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد والحكم المذكورة.

واعلم أن من قرأ ﴿ تغشى ﴾ بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن الأمنة مقصودة بالذات، والنعاس مقصود بالعرض، ولأنها متبوع وأنه تابع.

ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس، وينصره كونه أقرب، وكون المبدل منه في حكم النحي، وموافقته لقوله في قصة بدر ﴿ إذ يغشيكم النعاس  ﴾ ولأن العرب تقول: غشية النعاس، وقلما يقولون غشية الأمن، ولأن النعاس والأمنة لما كانا شيئاً واحداً كان التذكر أولى.

وأما الفريق الثاني فهم المنافقون الذين كانوا في شك من نبوته  وما حضروا إلا لطلب الغنيمة كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، فأخبر عنهم بقوله: ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ ما بهم إلا هَمُّ أنفسهم لا همَّ الدين ولا همَّ النبي ولا المسلمين.

والهمّ / الأمر الشديد.

ويقال: أهمه ذلك الأمر أي أقلقه وأحزنه.

فالمعنى أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان منهم بسبب التشكك وعدم الثبات.

والتحقيق فيه أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحب الأشياء عندهم هو النفس، وكانت أسباب الخوف على النفس هناك موجودة والدافع لذلك وهو الوثوق بنصر الله ووعده غير حاصل لهم فلم يكن لهم هناك إلا هَمُّ أنفسهم.

﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ وهو في حكم المصدر أي غير الظن الحق الذي يحب أن يظن به.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ بدل منه.

والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأرداها مقالات أهل الجاهلية فذكر أولاً أنهم يظنون بالله ظناً باطلاً، ثم بين أنهم اختاروا من الأديان أرذلها كما يقال: فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة.

أو ﴿ ظن الجاهلية ﴾ مصدر و ﴿ غير الحق ﴾ تأكيد لـ ﴿ يظنون ﴾ كقولك: هذا القول غير ما تقول.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ كقولك: حاتم الجود ورجل صدق.

مما أضيق للملابسة أي الظن المختص بالملة الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام.

أو أريد ظن أهل الجاهلية وهم أهل الشرك الجاهلون بالله.

فالجاهلية مصدر كالعالمية القادرية.

قيل: إن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون الإله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والمعاد، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي  إن الله يقوّيهم وينصرهم.

وقيل: الظن هو أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً حقاً لم يسلط الله الكفار عليه، وهذا ظن فاسد.

أما عند أهل السنة فلأنه  فاعل لما يشاء ولا اعتراض لأحد عليه، وإذا شرف المولى عبده بخلقة لم يجب أن يشرفه بأخرى.

وأما عند من يعتبر المصالح في أفعاله وأحكامه فلا يبعد أن يكون في التخلية بين الكافر والمسلم وغير ذلك من المصائب حكم خفية.

ولو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال المصائب عنه اضطر الناس إلى معرفة الحق، وكان ينافي التكاليف واستحقاق الثواب والعقاب.

وإنما يعرف كون الإنسان محقاً بالدلائل والبينات، ولا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة والمال والجاه على حقية صاحبها والله أعلم.

﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ حكاية شبهة تمسك بها أهل النفاق فاستفهموا عنها على سبيل الإنكار.

وإنما يحتمل وجوها: أحدها هل لنا من التدبير من شيء يعنون رأي عبد الله بن أبي وأن النبي  لم يقبل قوله حين أمره أن يسكن في المدينة ولا يخرج منها.

ونظيره ما حكى عنه ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا  ﴾ وثانيها من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لأحد قالوا له الأمر، وإذا كانت لعدوّه قالوا عليه الأمر.

أي هل لنا من الأمر الذي كان يعدنا به محمد وهو النصر والقدرة شيء؟

وثالثها أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء؟

والغرض منه تعيير المسلمين على التسديد في / الجهاد، فأمره الله  أن يجيب عنها بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ والحوادث بأسرها مستندة إلى قضائه وقدره.

فإذا كان قدر الخروج إلى الكفار واختصاص جمع من الصحابة بالشهادة فلا مفر من ذلك، وإذا أراد إعلاء كلمة الإسلام وإظهار هذا الدين على الأديان وقع لا محالة.

﴿ يخفون في أنفسهم ﴾ في ضمائرهم أو فيما بينهم ﴿ ما لا يبدون لك ﴾ وذلك المخفي قولهم: ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ أي لو كان هذا الدين حقاً لما سلط الله الكفار على من يذب عنه، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فأمر الله  نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ وهي مصارعهم التي قتلوا فيها، لأن ما كتب الله في اللوح لم يكن بد من وجوده.

فلو قعدتم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم أن يقتلوا في المصارع المعلومة حتى يوجد ما علم الله وجوده.

وقيل: معناه لو تخلفتم أيها المنافقون عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب الله عليهم قتال الكفار إلى مصارعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم، على أن البروز إلى هذه المصارع لا يخلو عن الفوائد وذلك قوله: ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ﴾ خص الابتلاء بما في الصدور والتمحيص بما في القلوب إما لاختلاف العبارة، وإما لأن الابتلاء محله القلب الذي في الصدر.

والتمحيص مورده الهيئات والعقائد التي في القلب.

واعلم أن نسق هذه الآية أنيق ونظمه عجيب.

أما نسقه فقوله: ﴿ وطائفة ﴾ مبتدأ و ﴿ أهمتهم ﴾ صفته و ﴿ يظنون ﴾ خبره.

ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً أي وثمة، أو ومنهم طائفة أهمتهم، و ﴿ يظنون ﴾ صفة أخرى، أو حال بمعنى أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه اليبان للجملة قبلها، و ﴿ يقولون ﴾ بدل من ﴿ يظنون ﴾ أو بيان له.

وإنما صح وقوع القول الذي مقوله إنشاء بدلاً من الإخبار بالظن لأن سؤالهم كان صادراً عن الظن و ﴿ يخفون ﴾ حال من ﴿ يقولون ﴾ و ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ اعتراض بين الحال وذي الحال، فمن قرأ ﴿ كله ﴾ بالرفع فلأنه مبتدأ و ﴿ لله ﴾ خبره، والجملة خبر "إن".

ومن قرأ بالنصب فلكونه تأكيداً للأمر و ﴿ لله ﴾ خبر "إن" كما لو قلت: إن الإمر أجمع لله.

وقوله: ﴿ يقولون ﴾ استئناف، وقوله: و ﴿ وليبتلي ﴾ تقدم ذكره في الوقوف.

وأما نظمه فإنه لما أخبر عن هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر من شيء، لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظاناً بل شاكاً في حقية هذا الدين وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء.

ثم لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين المنكرين، أراد أن يشكف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون فقال: ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا / يبدون لك ﴾ أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة، فكان لسائل أن يسأل ما الذي يخفونه في أنفسهم؟

فقيل ﴿ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وقد مر تفسيره.

ويحتمل أن يراد: لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم نقتل ههنا؟

فيكون كالطعن في قوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ قال في التفسير الكبير: هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي.

فذاك يقول: الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الله.

وهذا يقول: الإنسان مختار مستقل إن شاء آمن وإن شاء كفر.

فأمر النبي  أن يجيب عن هذا الاعتقاد بأن ما قضى الله فهو كائن، والحذر لايرد القدر، والتدبير لا يبطل التقدير.

وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن المنافق ما في المثل: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات.

ثم قال: ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء، وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح.

قوله عز من قائل: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا.

ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله  قتل.

ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن: أعن رسول الله  تفرون؟

وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل أغزل.

وقال بعض الرواة: إن المسلمين لم يعدوا الجبل.

قال القفال: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي  .

ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي  : لقد ذهبتم فيها عريضة.

وأما الذين ثبتوا مع الرسول  فكانوا أربعة عشر رجلاً.

سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام.

وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.

وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير.

وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن / حنيف.

ثم لم يقتل منهم أحد, وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله  نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع ﴿ إنما استزلهم الشيطان ﴾ تقول: زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق.

والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها.

والباء في ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ للاستعانة مثلها في: كتبت بالقلم.

والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي.

وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: قال الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة.

فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطيئن فيه, وقيل: إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة.

وقيل: كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.

وإنما قال: ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله: ﴿ لها ما كسبت  ﴾ أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله  كقوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير  ﴾ وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.

ويحتمل أن تكون الباء بمعنى "في" أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال.

إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.

وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها.

﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾ فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز.

بقي البحث في أنه أي ذنب هو؟

والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله.

ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر؟

قالت المعتزلة: كلاهما محتمل.

لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية.

قال القاضي: الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر.

قالت الأشاعرة: إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص.

وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط.

/ ثم ندب إلى المؤمنين ما يزيد رغبتهم في الجهاد فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ﴾ قيل: إنه عام.

وقيل: يعني المنافقين.

وقيل: منافقي يوم أحد كعبد الله بن أبيّ وأصحابه.

وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لم يسم المنافق كافراً ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أي لأجل إخوانهم مثل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وذلك أنهم قالوا: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ والميت والمقتول لا يكلم.

وعلى تقدير فرض التكلم كان المناسب أن لو قيل: لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم.

ومعنى الأخوة اشتراك النسب.

فلعل المقتولين كانوا أقارب المنافقين وإن كانوا مسلمين.

أو اتفاق الجنس فلعل بعض المنافقين صار مقتولاً في بعض الغزوات.

والضرب في الأرض الإبعاد فيها للتجارة وغيرها.

والغزو قصد محاربة العدو قريباً كان أو بعيداً.

والفاعل غاز والجمع غُزَّىً مثل: سابق وسبق، وراكع وركع، وإنما قال: ﴿ إذا ضربوا ﴾ دون "إذ ضربوا" أو "حين ضربوا" ليشاكل في المعنى قوله: ﴿ وقالوا ﴾ لأنه أراد حكاية الحال الماضية.

والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.

فالكافرون يقولون: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد أن يقول: "قالوا" ويجوز أن يكون ﴿ قالوا ﴾ في تقدير "يقولون" لكنه وقع التعبير عنه بلفظ الماضي لأنه لازم الحصول في المستقبل مثل ﴿ أتى أمر الله  ﴾ وفيه دلالة على أن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة قد بلغ الغاية، فكأن هذا المستقبل كالكائن الواقع.

ويمكن أن يقال: عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليعلم أن المقصود الإخبار عن جدّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة.

وقال قطرب: كلمة "إذ" و "إذا" يجوز إقامة كل منهما مقام الأخرى، وهذا وإن لم يوجد له في كلام العرب نظير، لكن القرآن أولى ما يستشهد به وهو حجة على غيره وليس غير حجة عليه، قال الواحدي: في الكلام محذوف والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

وأما اللام في قوله: ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ ففي متعلقه وجهان: الأول أنه ﴿ قالوا ﴾ أي قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ليجعل الله ذلك الكلام حسرة فتكون لام العاقبة كقوله  : ﴿ فلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ وكيف استعقب ذلك القول حصول الحسرة؟

فيه وجوه: فقيل: لأن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام تخيلوا أنهم لو بالغوا في منعه عن ذلك السفر أو الغزو لم يمت أو لم يقتل فازدادت حسرتهم وتلهفهم بسبب أنهم قصروا في منعه، بخلاف المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكونان إلا بتقدير الله فإنه لا يحصل له شيء من هذا النوع من الأسف.

وقيل: / لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد، فإذا نال المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة.

وقيل: المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين.

وقيل: المقصود خيبتهم عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم الله المؤمنين بطلانها.

وقيل: الغرض أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في الحيرة والحسرة.

الوجه الثاني: أن متعلق اللام قوله: ﴿ لا تكونوا ﴾ وذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ذلك الانتفاء انتفاء كونكم مثلهم حسرة، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم ﴿ والله يحيي ويميت ﴾ رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له.

فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد.

فعلى المكلف أن يتلقى أوامره بالامتثال، فالله أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له.

عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أناذا أموت كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء.

وفي أمثالهم "الشجاع موقى والجبان ملقى".

وكان عليّ يقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذين نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش، ويجوز أن يكون المراد: والله يحيي قلوب أوليائه بنور اليقين والعرفان، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ فلا تكونوا مثلهم.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون وعيداً لهم.

ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم: ﴿ لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله: ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ﴾ شيء من مغفرته ورحمته ﴿ خير مما يجمعون ﴾ فاللام الأولى هي الموطئة، والثانية لام جواب القسم المقدر، وكذا في الآية الأخرى.

والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر لا بالسفر.

ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من الله.

وإن ذلك خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا.

وعن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء.

ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً، أو ورد على حسب معتقدهم أن أموالهم خيرات لهم.

وإنما كانت المغفرة والرحمة خيراً من المال لأن المال الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد، وإن لم يمت فلعل المال لا يبقى في الغد، فكم من أمير أصبح أسيراً.

وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه إلى الغد فلعل مانعاً من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به، / وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع، ومنافع الآخرة أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية، وأي نسبة لانتفاع الحمار بلذة قبقبه؟

فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم، ثم رغبهم بنوع آخر فقال: ﴿ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾ كأنه قيل: إن تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياماً قلائل في الدنيا مع اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس والمال في دين الله وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية.

وإنما قدم القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ما هو أفضل، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله، فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل، الثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا.

ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقاً ليعم أنواع القتل كلها.

وفي قوله: ﴿ لإلى الله تحشرون ﴾ لطائف منها: تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر، وأنهم لا يحشرون إلى غيره، وأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم إلا له، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.

ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل باسم الله تنبيهاً على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة.

ومنها بناء ﴿ تحشرون ﴾ على المفعول تعويلاَ على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي يبدىء ويعيد، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره.

ومنها أنه أضاف حشره إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتاً لا يخرجون عن قبضته.

ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون.

واعلم أنه  ذكر في الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه.

فالأول إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه، والثاني إشارة إلى من يعبد طمعاً في ثوابه والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة.

فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه، وما أحسن هذا النسق!

يروى أن عيسى  مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟

فقالوا: نخشى عذاب الله.

فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه.

ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة.

فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته.

ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات / العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا لرغبة.

فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون.

قال القاضي: في الآية دليل على أن المقتول ليس بميت وإلا كان قوله: ﴿ ولئن متم أو قتلتم ﴾ عطفاً للشيء على نفسه.

قلت: لا، ولكنه عطف الأخص على الأعم.

ثم إنه  لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك ان عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول  حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم.

روي "أن امرأة عثمان دخلت على النبي  - وكان النبي  وعلي يغسلان السلاح - فقالت: ما فعل عثمان؟

أما والله لا تجدونه أمام القوم.

فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم.

فقال رسول الله  : مه" .

وروي أنه قال حينئذٍ: "أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا." ولما دخل عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم فيها عريضة.

وعنه أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " وقال  : " لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقة، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقة" فلما كان  إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلماً وأحسنهم خلقاً لأن الغرض من البعثة - وهو التزام التكاليف - لا يتم إلا إذا مالت قلوب الأمة إليه، وسكنت نفوسهم لديه، ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات النصيحة.

وعن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان.

كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله  بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها، كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم هذا الدين وكملت هذه الشريعة.

واعلم أن من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً في هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على شيء بسبب فوات شيء من مطالبها، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق.

ولما كان  أكمل البشر في القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وجب أن يكون أكمل الناس خلقاً وذلك من فضل الله ورحمته على الناس / كما قال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ و "ما" مزيدة للتوكيد.

أما الحكم بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى.

وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: فبرحمة.

وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلاً.

وجوز بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة.

وإنما كان لينه ورفقه رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله  .

فلا رحمة بالحقيقة إلا له.

ولا رحيم إلا هو، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد برحمته عوضاً كالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، أو الثناء، أو يحمله على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الإعراض.

وأيضاً رحمة المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها.

فلا رحمة إلا بإعانة الله وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم.

ثم بيّن أن الحكمة في لين جانبه ما هي فقال: ﴿ ولو كنت فظاً ﴾ سيء الخلق وأصله فظظ كحذر.

فظظت يا رجل بالكسر فظاظة ﴿ غليظ القلب ﴾ قاسية بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على التفريق ومنه "فض الختام".

ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك.

ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب ﴾ تشافههم بالملامة على ذلك ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم.

وههنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة في قوله: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقال في إقامة حد الزنا: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر  ﴾ ومثله ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  ﴾ ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ فيعلم من المدح على اللين في موضع ومن الأمر بالغلظة في موضع آخر أن الفضيلة في الوسط وهو استعمال كل شيء في موضعه، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، ومنه المثل "لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى".

واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة القضاء والقدر.

وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله، وهي عند المعتزلة عامة في حق جميع المكلفين.

فكل ما فعله مع محمد  من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب.

فلطف الله ورحمته مشترك بين أصفى الأصفياء وبين أشقى الأشقياء.

فلا يكون اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، / وهذا خلاف نص الآية، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره.

والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف فذاك بالحقيقة كسب نفسه، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون برحمة من الله.

ثم قال: ﴿ فاعف عنهم ﴾ فيما يختص بك {واستغفر لهم{ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم.

قيل: في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال كما أنه  قد عفا عنهم كأنه قيل: اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، وهذا من كمال رحمة الله بهذه الأمة.

ثم قال: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ والمشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها.

وقيل: من شرت الدابة شوراً عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت.

والمكان الذي تعرض فيه الدواب يسمى مشواراً.

يقال: إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار.

وتركيبه يدل على الإظهار والكشف، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء.

وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد منها: أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم، وفي ترك ذلك نوع من الإهانة والفظاظة، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم.

ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا.

ومنها قال الحسن وسفيان بن عبيينة: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده، ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطؤا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة.

ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم فينزلهم على قدر منازلهم.

ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا قال  : " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " وهذا هو السر في الجماعات والجمعات.

ومنها أنه  ما أمر رسوله بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم أنهم الآن أعظم حالاً مما كانوا، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، وأن الاعتماد على فضله وكرمه لا على العمل والطاعة.

ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى, وفيما وراء ذلك هل تجوز المشاورة في كلها أم لا؟

قال الكلبي وكثير من العلماء: إن الأمر بها مخصوص بالحرب لأن اللام في لفظ ﴿ الأمر ﴾ ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي بالاتفاق، فهو إذن لمعهود سابق وليس / ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد.

وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي  بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة.

ومنهم من قال: اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي، وكيف لا وإنه كان مأموراً بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة, وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي  بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب.

وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على الندب قال: وهذا كقوله  : " "البكر تستأمر في نفسها " ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييباً لنفسها فكذا ههنا.

﴿ فإذا عزمت ﴾ أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ﴿ فتوكل على الله ﴾ لأن الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن.

عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ فإذا عزمت ﴾ بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحداً.

﴿ إن ينصركم الله ﴾ عن ابن عباس: إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد ﴿ وإن يخذلكم ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ أي من بعد خذلالنه لدلالة الفعل عليه، أو هو من قولك "ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان" تريد إذا جاوزته.

وقيل: إن ينصركم بجذبات العناية فلا غالب لكم من الصفات البشرية، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده من الأنبياء والأولياء؟

فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو القادر على الأدخال فيه.

﴿ وعلى الله ﴾ وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن الأمر كله له ولا رادّ لقضائه ولا دافع لبلائه، ولأن الإيمان يوجب ذلك ويقتضيه.

وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعوّل على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده.

التأويل: ﴿ ولقد صدقكم الله ﴾ أيها الطلاب ﴿ وعده ﴾ ألا من طلبني وحدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر / الطلب وعصيتم الدليل المربي ﴿ من بعد ما أراكم ﴾ الدليل بالتربية ﴿ ما تحبون ﴾ من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة.

قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال: ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم.

ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة.

فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة.

وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ ظن الجاهلية ﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره.

هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء؟

﴿ ما قتلنا ههنا ﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم ﴾ أيها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ ﴿ وليمحص ما في قلوبكم ﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم.

﴿ ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ﴾ ليعلم أن الله  في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو.

ومن هنا قال: " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا / ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان.

لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون.

وباقي الحقائق قد مرت في التفسير.

وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك الوقى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن، وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها.

ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ ﴾ : فيه لغتان: "تَصْعدون" بفتح التاء، وهو من الصعود أن صعدوا الجبل، "وتُصعدون" بالرفع، وهو أن أصعدوا أصحابهم نحو الوادي؛ لأن المنهزم الأوّل إذا التفت فرأى منهزماً آخر أشتدّ.

وقيل: الإصعاد هو الإبعاد في الأرض.

وقيل: تَصْعدون من صعود الجبل، وتُصعدون في الوادي من الجبل.

وقوله: ﴿ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ ﴾ : أي: لا تلتفتون على أحد، ولا ترجعون.

﴿ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ ﴾ .

أي: الرسول يدعوكم وينادي وراءكم: إلَيَّ أنا الرسول.

وقيل: يناديكم من بعدكم: إِلَيَّ أنا رسول الله يا معشر المؤمنين، وكان يصل نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ : اختلف فيه، قيل: غمّ الأول: الهزيمة والنكبة التي أصابتهم، والغم الآخر: الصوت الذي سمعوا: قُتِلَ محمد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - فذلك غم على غم.

ويحتمل: ﴿ غَمّاًً ﴾ : بعصيانهم رسول الله  اغتموا، والغم الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول الله  بتركهم المركز، وعصيانهم إياه والخلاف له.

وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ : أي: مرة بعد المرة الأولى.

وقيل: ﴿ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ ، أي: هزيمة بعد هزيمة: أصابتهم هزيمة بعد هزيمة من قتل إخوانهم، وإصابتهم الجراحات.

وقيل: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً ﴾ : بعصيانكم رسول الله  ، ﴿ بِغَمٍّ ﴾ : الذي أدخلوا على رسول الله  بترككم المركزَ والطاعةَ له، وفي قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ وهو غم الهزيمة والنكبة، بالغم الذي أدخلوا على رسول الله  في عصيانهم إياه، وإهمالهم المَقْعَد الذي أمرهم بالمقام فيه.

وقيل: غماً بالغم الذي له تركوا المركز، وهو أن غمهم اغتنام أصحابهم.

وقيل: غم الاعتذار إلى رسول الله  بالغم الذي جنوه به؛ حيث مالوا إلى الدنيا، وعصوه فيما أمرهم.

وقيل: غماً [على] أثر غم، نحو: القتل، والهزيمة، والإرجاف بقتل رسول الله  ، وحقيقته: أن يكون أحد الغمين جزاء، والآخر ابتداء، وفي ذلك تحقيق الزَّلة والجزاء؛ وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ ﴾ : يعني: من الفتح والغنيمة، ولا ما أصابكم من القتل والهزيمة.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ من الدنيا، ﴿ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ ﴾ : فيها من أنواع الشدائد؛ بما أدخلتم على رسول الله  من الغمّ بعصيانكم إيّاه.

﴿ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ : على الوعيد: [وقوله]: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ : قيل فيه بوجهين؛ قيل: الطائفة التي أتاها النعاس هم المؤمنون، سمعوا بانصراف العدو عنهم فصدقوا الخبر فناموا؛ لأن الخوف إذا غلب يمنع النوم، وأمّا الطائفة التي قد أهمتهم أنفسهم هم المنافقون، لم يصدّقوا الخبر فلم يذهب عنهم الخوف، فلم ينعسوا؛ وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ  ﴾ الآية.

وقيل: كانت الطائفتان جميعاً من المؤمنين، لكن إحداهما قد أتاها النعاس؛ لما أمنوا من العدو، والأخرى لا؛ بعصيانهم رسول الله  وترْكِهم أمره منع ذلك النوم عنهم؛ إذ كيف يلقون رسول الله  ، وكيف يعتذرون إليه؟

والله أعلم.

وعن ابن مسعود -  - قال: "النُّعَاسُ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَفِي القِتَالِ أَمنَةٌ مِنَ الله".

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ﴾ : قيل: يظنون بالله ألا ينصر محمّداً  وأصحابه، ذا في غير المؤمنين.

وقيل: ﴿ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ نوناً كاذبة، إنما هم أهل شرك وريبة في أمر الله، يقولون: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ﴾ : وقوله: - عز وجل -: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ ﴾ : قيل: يقولون بعضهم لبعض: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ ﴾ ، يعني بالأمر: النصر والغنيمة.

وقيل: قالوا ذلك للمؤمنين.

﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ ﴾ .

يعني النصر والفتح كلّه بيد الله.

﴿ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ﴾ : والذين يخفون قولهم: لو أقمنا في منازلنا ما قتلنا ههنا، وقيل: يقولون: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ ، [قالوا: ليس لنا] من الأمر من شيء؛ إنما الأمر إلى محمد، ولو كان الأمر لنا ما خرجنا إلى هؤلاء حتى قتلنا ههنا.

قال الله -  -: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ﴾ : قيل: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ كما يقولون: ﴿ لَبَرَزَ ﴾ ، يعني: لخروج من البيوت ﴿ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ ﴾ ؛ ليقتلوا.

وقيل: من كتب عليه القتل يظهر الذي كتب عليه حيث كان.

وقيل: إذا كتب على أحد القتل لأتاه، ولو كان في البيت، وكقوله: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  ﴾ ، وقيل: متى كتب الله على قوم القتل فلم يموتوا أبداً؟!

وفي هذا بيان أن الآجال المكتوبة هي التي تنقضي بها الأعمار: إن كان قتلاً فقتل، وإن كان موتاً فموت، لا على ما قالت المعتزلة: إن القتل تعجيل عن أجله المكتوب له وعليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ : والابتلاء هو الاستظهار؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ  ﴾ تبدي وتظهر، وذلك يكون بوجهين: يظهر بالجزاء مرة، ومرة بالكتاب، يعلم الخلق من كانت سريرته حسنة بالجزاء، وكذلك إذا كانت سيئة، أو يعلم ذلك بالكتاب.

وقوله -  -: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ ، أي: ليظهر الله للخلق ما في صدورهم مما مضى، وليجلعه ظاهراً لهم.

﴿ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ .

من الذنوب.

وعن ابن عباس -  - قال: "الابتلاء والتمحيص هما واحد".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ : يقول: هو عالم بما في صدروهم من سرائرهم، ولكن يجعلها ظاهراً عندكم.

ويحتمل الابتلاء - ههنا - الأمر بالجهاد؛ ليعلموا المنافق منهم من المؤمن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ : يعني: إن الذين انصرفوا عن عدوهم مدبرين منهم منهزمين يوم التقى الجمعان: جمع المؤمنين، وجمع المشركين.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ : أي: إنما انهزموا ولم يثبتوا خوفاً أن يقتلوا بالثبات؛ فيلقوا الله وعليهم عصيان رسول الله  ، فكرهوا أن يقتلوا وعليهم معصية رسول الله  ؛ خوفاً من الله -  - ﴿ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بما خافوا الله بعصيانهم رسول الله  .

ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ - أن اللعين لما رآهم أجابوه إلى ما دعاهم من اشتغالهم بالغنيمة، وتركهم المركز، وعصيانهم رسول الله  دعاهم إلى الهزيمة، فانهزموا وتولّوا - عدوَّهم.

ويحتمل قوله: ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ ، أي: بكسبهم، قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ؛ فكذلك هذا، والله أعلم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .

قَبِلَ توبتكم، وعفا عنكم، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لم يخزكم وقت عصيانكم، ولا عاقبكم، أو حليم بتأخير العذاب عنكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم أنزل عليكم بعد الألم والضيق طمأنينة وثقة، جَعلت طائفة منكم -وهم الواثقون بوعد الله- يغطيهم النعاس مما في قلوبهم من أمن وسكينة، وطائفة أخرى لم ينلهم أمن ولا نعاس، وهم المنافقون الذين لا هَمَّ لهم إلا سلامة أنفسهم، فهم في قلق وخوف، ويظنون بالله ظن السوء، من أن الله لا ينصر رسوله ولا يؤيد عباده، كظن أهل الجاهلية الذين لم يَقْدُروا الله حق قدره، يقول هؤلاء المنافقون لجهلهم بالله: ليس لنا من رأيٍ في أمر الخروج إلى القتال، ولو كان لنا ما خرجنا، قل - أيها النبي - مجيبًا هؤلاء: إن الأمر كله لله، فهو الذي يُقدِّر ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو من قدَّر خروجكم.

وهؤلاء المنافقون يخفون في أنفسهم من الشك وظن السوء ما لا يظهرون لك، حيث يقولون: لو كان لنا في الخروج رأي ما قُتِلنا في هذا المكان، قل -أيها النبي- ردًّا عليهم: لو كنتم في بيوتكم بعيدين عن مواطن القتل والموت؛ لخرج من كَتبَ الله عليه القتل منكم إلى حيث يكون قَتْلهم.

وما كتب الله ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من نيات ومقاصد، ويميز ما فيها من إيمان ونفاق، والله عليم بالذي في صدور عباده لا يخفى عليه شيء منها.

<div class="verse-tafsir" id="91.0YZL0"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

روى الواحدي عن محمد بن كعب قال لما رجع رسول الله  إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُحد قال ناس من أصحابه؛ من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟

فأنزل الله هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ  ﴾ الآية.

ونقول: نعم إن الناس قالوا ذلك كما يعلم من قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا  ﴾ وسيأتي، ولكن هذا القول ليس سبب النزول لهذه الآية وحدها وإنما نزلت مع هذه الآيات الكثيرة بعد تلك الواقعة وما قيل فيها.

الوعد المشار إليه في الآية يحتمل أن يكون المراد به ما تكرر كثيرًا في القرآن من نصر الله المؤمنين ونصر من ينصره، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ  ﴾ الآية، وقال بعضهم: إن المراد به وعد النبي لهم عند تعبئتهم واختاره ابن جرير وروى فيه عن السدي أنه قال "لما برز رسول الله  إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين، وقال: ولا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير، ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار؟

فقام إليه علي بن أبي طالب فقال والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم، فتركه.

فكبر رسول الله  وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟

قال إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم وحمل النبي  وأصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله  وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم لا نترك أمر رسول الله  ، فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي  ، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم".

أي قتلوا منهم سبعين كما هو معلوم من الروايات المفصلة.

وإنما ذكرنا هنا رواية السدي بطولها لما فيها من التصريح بأن النبي  قال للرماة "فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم"، والتفصيل الذي يعين على فهم الآية وغيرها، ومنها أن الرماة لم يعصوا كلهم وإنما أولئك بعض عامتهم، وأما الخاصة الراسخون في الإيمان العارفون بالواجب فقد ثبتوا، والمختار عندنا أن المراد بوعد الله هنا ما تكرر في القرآن وإنما قال النبي ما قال للرماة عملًا بالقرآن وتأولًا له فإنه تعالى قرن الوعد فيه بشروط لا تتم إلا بالطاعة والثبات.

فملخص تفسير الآية هكذا ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ  ﴾ إياكم بالنصر حتى في هذه الواقعة ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ  ﴾ أي المشركين أي تقتلونهم قتلًا ذريعًا ﴿ بِإِذْنِهِ  ﴾ تعالى أي بعنايته وتأييده لكم ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ضعفتم في الرأي والعمل فلم تقووا على حبس أنفسكم عن الغنيمة، ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ  ﴾ فقال بعضكم ما بقاؤنا هنا وقد انهزم المشركون وقال الآخرون لا نخالف أمر الرسول، ﴿ وَعَصَيْتُمْ  ﴾ رسولكم وقائدكم بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه يحمون ظهوركم بنضح المشركين بالنبل ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ  ﴾ من النصر والظفر فصبرتم على الضراء ولم تصبروا في السراء، ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا  ﴾ كالذين تركوا مكانهم وذهبوا وراء الغنيمة ليصيبوا منها، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ  ﴾ كالذين ثبتوا من الرماة مع أميرهم عبد الله بن جبير وهم نحو عشرة وكان الرماة خمسين رجلًا، والذين ثبتوا مع النبي  وهم ثلاثون رجلًا.

أي صدقكم وعده ونصركم على قلتكم وكثرة المشركين واستمر هذا النصر إلى أن فشلتم وتنازعتم وعصيتم، فعندما وصلتم إلى هذه الغاية، لم تعودوا مستحقين لهذه العناية، لمخالفتكم لسننه في استحقاق النصر، الذي وعد به أهل الثبات والصبر، فعلى هذا تكون "حتى" للغاية و"إذا" في قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ليست للشروط وإنما هي بمعنى الحين والوقت هذا هو المختار، والوجه الثاني أنها للشرط وجوابها محذوف تقديره عند البصريين "منعكم نصره" أو نحوه، وإن الحكمة في حذف الجواب هنا على القول به هي أن تذهب النفس في تقديره كل مذهب، ومثل هذا الحذف لا يأتي في الكلام البليغ إلا حيث ينتظر المخاطب الجواب بكل شغف ولهف ولك أن تجعل تقديره: امتحنكم بالإدالة منكم ليمحصكم ويميز المخلصين والصادقين منكم.

وحاصل المعنى أنه بعد أن صدقكم وعده فكنتم تقتلونهم بإذنه ومعونته قتل حس واستئصال صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم، وحال بينكم وبين تمام النصر ليمتحنكم بذلك أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ويختبر أو لأجل أن يكون ذلك ابتلاء واختبارًا يمحصكم به ويميز بين الصادقين والمنافقين ويزيل، بين الأقوياء والضعفاء كما علم من الآيات السابقة.

وقد اسند الله تعالى صرف المؤمنين عن المشركين إلى نفسه هنا باعتبار غايته الحميدة في تربيتهم وتمحيصهم الذي يعهدهم للنصر الكامل والظفر الشامل في المستقبل وأضاف ما أصابهم إليهم في قوله الذي سيأتي في السياق ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ باعتبار سببه وهو ما كان منهم من الفشل والتنازع والعصيان، وقد عد بعضهم إسناد الصرف إليه هنا مشكلًا لا سيما على مذهب المعتزلة الذين تكلف علماؤهم في تخريجه تكلفًا لا حاجة إليه، إذ لا إشكال فيه، ولكن المذاهب والاصطلاحات هي التي تولد لأصحابها المشكلات.

قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ  ﴾ بذلك التحميص الذي محا أثر الذنب من نفوسكم فصرتم كأنكم لم تفشلوا ولم تتنازعوا ولم تعصوا، وقد ظهر أثر هذا العفو في حمراء الأسد.

﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فلا يذرهم على ما هم عليه من ضعف يلم ببعضهم، أو تقصير يهبط بنفوس غير الراسخين منهم، حتى يبتلي ما في قلوبهم، ويمحص ما في صدورهم، فيكونوا من المخلصين.

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ  ﴾ أي صرفكم عنهم في ذلك الوقت الذي أصعدتم فيه أي ذهبتم وأبعدتم في الأرض منهزمين -وهو غير الصعود الذي هو الذهاب في المرتفعات كالجبال- لا تلوون أي لا تعطفون على أحد بنجدة ولا مدافعة، ولا تلتفون إلى من وراءكم لشدة الدهشة التي عرتكم والذعر الذي فاجأكم.

﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ  ﴾ أي تفعلون ذلك والرسول من ورائكم يدعوكم إليه فيمن تأخر معه منكم فكانوا ساقة الجيش -روي أنه كان يقول في دعوته: "إليّ عباد الله إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة"- وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، وكان يجب أن يكون لكم أسوة حسنة بالرسول فتقتدوا به في صبره وثباته ولكن أكثركم لم يفعل ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ  ﴾ ، الغم هو الألم الذي يفاجئ الإنسان عند نزول المصيبة وأما الحزن فهو الألم الذي يكون بعد ذلك ويستمر زمنًا.

﴿ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ  ﴾ أي لأجل أن لا تحزنوا بعد هذا التأديب والتمرين على ما فاتكم من غنيمة ومنفعة، ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ  ﴾ من قرح ومصيبة فإن التربية إنما تكون بالعمل والتمرن الذي به يكمل الإيمان وترسخ الأخلاق.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون الضمير في "فأثابكم" للرسول أي فآساكم في الاغتمام وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم فأثابكم غمًا اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو.

﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ ، يقول فلا تعتذروا عن أنفسكم ولا تخادعوها فإن الخبير بأعمالكم المحيط بنفوسكم لا يخفى عليه من أمركم خافية وإنما المعوّل على علمه وخبره لا على إعذاركم وتأويلكم لأنفسكم ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ  ﴾ اختلف المفسرون في وقت هذا النعاس فقال بعضهم إن ذلك كان في أثناء الواقعة وأن الرجل كان ينام تحت ترسه كأنه آمن من كل خوف وفزع، إلا المنافقين فإنهم أهمتهم أنفسهم فاشتد جزعهم، وحمل بعضهم هذه الآية على آية الأنفال: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ  ﴾ وإنما هذه في غزوة بدر.

وقد مضت السنة في الخلق بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هولًا كبيرًا ومصابًا عظيمًا فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه ويبيت بليلة الملسوع فيصبح خاملًا ضعيفًا، وقد كان المؤمنون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك إذ بلغهم أن جيشًا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدًا وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد يضربون أخماسًا لأسداس، ويفكرون بما سيلاقون في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس، غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه، فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها ومثله المطر الذي أنزل عليهم عند شدة حاجتهم إليه وقد قرن ذكره به في الآية التي ذكرتهم بعناية الله بهم في ذلك.

وأما النعاس يوم أُحد فقد قيل إنه كان في أثناء الحرب، وقيل إنه كان بعدها وقد اتفق المفسرون وأهل السير على أن المؤمنين قد أصابهم يوم أُحد شيء من الضعف والوهن لما أصابهم من الفشل والعصيان، وقتل طائفة من كبارهم وشجعانهم فكانوا بعد انتهاء الواقعة قسمين، فقسم منهم ذكروا ما أصابهم فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم وذكروا الله ووعده بنصرهم فاستغفروا لذنوبهم ووثقوا بوعد ربهم، وعلموا أنه إن كان قد غلبوا في هذه المرة فإن الله سينصرهم في غيرها حيث لا يعودون إلى مثل ما وقع منهم فيها من الفشل والتنازع وعصيان قائدهم ورسولهم، فأنزل الله عليهم النعاس أمنة، أو الأمنة نعاسًا، حتى يستردوا ما فقدوا من القوة بما أصابهم من القرح، ومع عرض لهم من الضعف، والنوم للمصاب بمثل تلك المصائب نعمة كبيرة، وعناية من الله عظيمة، وقد كان من أثر هذا الاطمئنان في القلوب، والراحة للأجسام، والتسليم للقضاء، أن سهل على هؤلاء المؤمنين اقتفاء أثر المشركين بعد انصرافهم، وعزموا على قتالهم في حمراء الأسد عندما دعاهم الرسول إلى ذلك فاستجابوا له مذعنين.

واتفق الرواة أيضًا على أن كثيرًا منهم كانوا مثقلين بالجراح فلم يقدروا على اقتفاء أثر المشركين فذلك قوله تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ  ﴾ فهذه الطائفة من المؤمنين الضعفاء، ولا حاجة إلى جعلها في المنافقين كما قيل، فإن هؤلاء سيأتي الكلام فيهم وما من أمة إلا وفيها الضعفاء والأقوياء في الإيمان وغيره.

وقد بيّن ظنهم بقوله: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ فنلام أن ولينا وغلبنا؟

يعنون أنه ليس لهم من أمر النصر وعدمه شيء فإنهم فهموا مما وقع يوم بدر أن النصر وحقية الدين متلازمان، وعجبوا مما وقع في أحد كأنه مناف لحقيقة الدين، وهذا خطأ عظيم، أي فإن نصر الله لرسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالًا والعاقبة للمتقين.

﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ  ﴾ لا أمر النصر وحده، أي إن كل أمر يجري بحسب سننه تعالى في خلقه ونظامه الذي ربط فيه الأسباب بالمسببات ومنه نصر من ينصره من المؤمنين ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا  ﴾ أي لو كان أمر النصر والظفر في أيدينا لما وقع فينا القتل هنا، يقررون رأيهم ويستدلون عليه بما وقع لهم غافلين عن تحديد الآجال ولذلك أمر الله نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ أي لو كنتم وادعين في بيوتكم في سلم وأمان لخرج من بينكم من انتهت آجالهم وثبت في علم الله أنهم يقتلون كما يثبت المكتوب في الألواح والأوراق إلى حيث يقتلون ويسقطون من البراز، فتكون مصارعهم ومضاجع الموت لهم فقتل من قتل لم يكن لأن الأمر ليس كله بيد الله بل لأن آجالهم قد جاءت كما سبق في علم الله.

﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ أي يقع ذلك لأجل أن يكون القتل عاقبة من جاء أجلهم منكم ولأجل أن يمتحن الله نفوسكم فيظهر لكم ما انطوت عليه من ضعف وقوة في الإيمان، ويطهرها حتى تصل إلى الدرجات العلى من الإيقان، وقد تقدم تفسير الابتلاء والتمحيص في هذا السياق ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  ﴾ أي بالسرائر والوجدانات الملازمة للصدور حيث القلوب المنفعلة بها، والمنبسطة أو المنقبضة بتأثيرها، وقد يخفى ذلك على أصحابها فينخدعون للشعور العارض لها الذي لم يرسخ بالتجارب والابتلاء كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا  ﴾ أي إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أُحد لم يكن ذلك التولي منهم إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، أي زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان لهم بالوسوسة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله