الآية ١٦١ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٦١ من سورة آل عمران

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 211 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦١ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وما كان لنبي أن يغل ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وغير واحد : ما ينبغي لنبي أن يخون .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا المسيب بن واضح ، حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن سفيان [ عن ] خصيف ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا : لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها .

فأنزل الله : ( وما كان لنبي أن يغل ) أي يخون .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا خصيف ، حدثنا مقسم حدثني ابن عباس أن هذه الآية : ( وما كان لنبي أن يغل ) نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر ، فقال بعض الناس : أخذها قال فأكثروا في ذلك ، فأنزل الله : ( وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) وكذا رواه أبو داود ، رحمه الله ، والترمذي جميعا ، عن قتيبة ، عن عبد الواحد بن زياد ، به .

وقال الترمذي : حسن غريب .

ورواه بعضهم عن خصيف ، عن مقسم - يعني مرسلا .

وروى ابن مردويه من طريق أبي عمرو بن العلاء ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقد ، فأنزل الله ، عز وجل : ( وما كان لنبي أن يغل ) وقد روي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم .

وهذا تبرئة له ، صلوات الله وسلامه عليه ، عن جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك .

وقال العوفي عن ابن عباس : ( وما كان لنبي أن يغل ) أي : بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضا وكذا قال الضحاك .

وقال محمد بن إسحاق : ( وما كان لنبي أن يغل ) بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغه أمته .

وقرأ الحسن البصري وطاوس ، ومجاهد ، والضحاك : ( وما كان لنبي أن يغل ) بضم الياء أي : يخان .

وقال قتادة والربيع بن أنس : نزلت هذه الآية يوم بدر ، وقد غل بعض أصحابه .

رواه ابن جرير عنهما ، ثم حكى عن بعضهم أنه قرأ هذه القراءة بمعنى يتهم بالخيانة .

ثم قال تعالى : ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد .

وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضا في أحاديث متعددة .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الملك ، حدثنا زهير - يعني ابن محمد - عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي مالك الأشجعي [ رضي الله عنه ] عن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض ، تجدون الرجلين جارين في الأرض - أو في الدار - فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعا ، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة " .

[ " وفي الصحيحين عن سعيد بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين " ] .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ابن لهيعة ، عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير .

قال : سمعت المستورد بن شداد يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا ، أو ليست له زوجة فليتزوج ، أو ليس له خادم فليتخذ خادما ، أو ليست له دابة فليتخذ دابة ، ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال " .

هكذا رواه الإمام أحمد ، وقد رواه أبو داود بسند آخر وسياق آخر فقال : حدثنا موسى بن مروان الرقي ، حدثنا المعافى ، حدثنا الأوزاعي ، عن الحارث بن يزيد عن جبير بن نفير ، عن المستورد بن شداد .

قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة ، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما ، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا " .

قال : قال أبو بكر : أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من اتخذ غير ذلك فهو غال ، أو سارق " .

قال شيخنا الحافظ المزي [ رحمه الله ] رواه جعفر بن محمد الفريابي ، عن موسى بن مروان فقال : عن عبد الرحمن بن جبير بدل جبير بن نفير ، وهو أشبه بالصواب .

حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا حفص بن بشر ، حدثنا يعقوب القمي حدثنا حفص بن حميد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ، فينادي : يا محمد ، يا محمد ، فأقول : لا أملك [ لك ] من الله شيئا ، قد بلغتك .

ولا أعرفن أحدكم [ يأتي ] يوم القيامة يحمل جملا له رغاء ، فيقول : يا محمد ، يا محمد .

فأقول : لا أملك لك من الله شيئا ، قد بلغتك .

ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا له حمحمة ، ينادي : يا محمد ، يا محمد .

فأقول : لا أملك لك من الله شيئا ، قد بلغتك .

ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل [ قشعا ] من أدم ، ينادي : يا محمد ، يا محمد .

فأقول : لا أملك لك من الله شيئا ، قد بلغتك " .

لم يروه أحد من أهل الكتب الستة .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، سمع عروة يقول : أخبرنا أبو حميد الساعدي قال : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له : ابن اللتبية على الصدقة ، فجاء فقال : هذا لكم وهذا أهدي لي .

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال : " ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول : هذا لكم وهذا أهدي لي .

أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا ؟

والذي نفس محمد بيده ، لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته إن كان بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر " ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه ثم قال : " اللهم هل بلغت " ثلاثا .

وزاد هشام بن عروة : فقال أبو حميد : بصر عيني ، وسمع أذني ، وسلوا زيد بن ثابت .

أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة وعند البخاري : وسلوا زيد بن ثابت .

ومن غير وجه عن الزهري ، ومن طريق عن هشام بن عروة ، كلاهما عن عروة ، به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن يحيى بن سعيد ، عن عروة بن الزبير ، عن أبي حميد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " هدايا العمال غلول " .

وهذا الحديث من أفراد أحمد وهو ضعيف الإسناد ، وكأنه مختصر من الذي قبله ، والله أعلم .

حديث آخر : قال أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو أسامة ، عن داود بن يزيد الأودي ، عن المغيرة بن شبل ، عن قيس بن أبي حازم ، عن معاذ بن جبل قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، فلما سرت أرسل في أثري فرددت ، فقال : " أتدري لم بعثت إليك ؟

لا تصيبن شيئا بغير إذني فإنه غلول ، ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) لهذا دعوتك ، فامض لعملك " .

هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وفي الباب عن عدي بن عميرة ، وبريدة ، والمستورد بن شداد ، وأبي حميد ، وابن عمر .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ابن علية ، حدثنا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي ، عن أبي زرعة بن عمر بن جرير ، عن أبي هريرة ، قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ، ثم قال : " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ، فيقول : يا رسول الله ، أغثني .

فأقول : لا أملك لك من الله شيئا ، قد أبلغتك .

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة ، فيقول : يا رسول الله ، أغثني .

فأقول : لا أملك لك من الله شيئا ، قد أبلغتك .

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق ، فيقول : يا رسول الله ، أغثني ، فأقول : لا أملك لك من الله شيئا ، قد أبلغتك .

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول : يا رسول الله أغثني .

فأقول : لا أملك لك من الله شيئا ، قد بلغتك " .

أخرجاه من حديث أبي حيان ، به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، حدثني قيس ، عن عدي بن عميرة الكندي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس ، من عمل لنا [ منكم ] عملا فكتمنا منه مخيطا فما فوقه فهو غل يأتي به يوم القيامة " قال : فقال رجل من الأنصار أسود - قال مجالد : هو سعد بن عبادة - كأني أنظر إليه ، فقال : يا رسول الله ، اقبل عني عملك .

قال : " وما ذاك ؟

" قال : سمعتك تقول كذا وكذا .

قال : " وأنا أقول ذاك الآن : من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره ، فما أوتي منه أخذه .

وما نهي عنه انتهى " .

وكذا رواه مسلم ، وأبو داود ، من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد ، به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن ابن جريج ، حدثني منبوذ ، رجل من آل أبي رافع ، عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبي رافع قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم حتى ينحدر المغرب ، قال أبو رافع : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعا إلى المغرب إذ مر بالبقيع فقال : " أف لك .

.

أف لك " مرتين ، فكبر في [ ذرعي ] وتأخرت وظننت أنه يريدني ، فقال : " ما لك ؟

امش " قال : قلت : أحدثت حدثا يا رسول الله ؟

قال : " وما ذاك ؟

" قلت : أففت بي ، قال : " لا ، ولكن هذا قبر فلان ، بعثته ساعيا على آل فلان ، فغل نمرة فدرع الآن مثله من نار " .

حديث آخر : قال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج - وكان بمكة - حدثنا عبيدة بن الأسود ، عن القاسم بن الوليد ، عن أبي صادق ، عن ربيعة بن ناجد ، عن عبادة بن الصامت ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم ، ثم يقول : " ما لي فيه إلا مثل ما لأحدكم ، إياكم والغلول ، فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة ، أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك ، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد ، في الحضر والسفر ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، إنه لينجي الله به من الهم والغم ، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد ، ولا تأخذكم في الله لومة لائم " .

وقد روى ابن ماجه بعضه عن المفلوج ، به .

حديث آخر : عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ردوا الخياط والمخيط ، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة " .

حديث آخر : قال أبو داود : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن مطرف ، عن أبي الجهم ، عن أبي مسعود الأنصاري قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعيا ثم قال : " انطلق - أبا مسعود - لا ألفينك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته " .

قال : إذا لا أنطلق .

قال : إذا لا أكرهك " .

تفرد به أبو داود .

حديث آخر : قال أبو بكر بن مردويه : أنبأنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، أنبأنا عبد الحميد بن صالح أنبأنا أحمد بن أبان ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الحجر ليرمى به [ في ] جهنم فيهوي سبعين خريفا ما يبلغ قعرها ، ويؤتى بالغلول فيقذف معه " ، ثم يقال لمن غل ائت به ، فذلك قوله : ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثني سماك الحنفي أبو زميل ، حدثني عبد الله بن عباس ، حدثني عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : فلان شهيد ، وفلان شهيد .

حتى أتوا على رجل فقالوا : فلان شهيد ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلا إني رأيته في النار في بردة غلها - أو عباءة " .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس : إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون " .

قال : فخرجت فناديت : ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون .

وكذا رواه مسلم ، والترمذي من حديث عكرمة بن عمار به .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة مصدقا ، فقال : " إياك يا سعد أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء " قال : لا آخذه ولا أجيء به .

فأعفاه .

ثم رواه من طريق عبيد الله عن نافع ، به ، نحوه .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، حدثنا صالح بن محمد بن زائدة ، عن سالم بن عبد الله ، أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم ، فوجد في متاع رجل غلول .

قال : فسأل سالم بن عبد الله فقال : حدثني أبي عبد الله ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من وجدتم في متاعه غلولا فأحرقوه " : قال : وأحسبه قال : واضربوه ، قال : فأخرج متاعه في السوق ، فوجد فيه مصحفا ، فسأل سالما ، فقال : بعه وتصدق بثمنه .

وهكذا رواه علي بن المديني ، وأبو داود ، والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي - زاد أبو داود : وأبو إسحاق الفزاري - كلاهما عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة ، به .

وقد قال علي بن المديني ، رحمه الله ، والبخاري وغيرهما : هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا .

وقال الدارقطني : الصحيح أنه من فتوى سالم فقط ، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام [ أحمد ] بن حنبل ، رحمه الله ، ومن تابعه من أصحابه ، وخالفه أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، والجمهور ، فقالوا : لا يحرق متاع الغال ، بل يعزر تعزير مثله .

وقال البخاري : وقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الغال ، ولم يحرق متاعه ، والله أعلم .

طريق أخرى عن عمر : قال ابن جرير : حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث : أن موسى بن جبير حدثه : أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه : أن عبد الله بن أنيس حدثه : أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوما الصدقة فقال : ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة : " من غل منها بعيرا أو شاة ، فإنه يحمله يوم القيامة " ؟

قال عبد الله بن أنيس : بلى .

ورواه ابن ماجه ، عن عمرو بن سواد ، عن عبد الله بن وهب ، به .

ورواه الأموي عن معاوية ، عن أبي إسحاق ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن قال : عقوبة الغال أن يخرج رحله ويحرق على ما فيه .

ثم روي عن معاوية ، عن أبي إسحاق ، عن عثمان بن عطاء ، عن أبيه ، عن علي [ رضي الله عنه ] قال : الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد [ المملوك ، ويحرم نصيبه ، وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا : لا يحرق متاع الغال ، بل يعزر تعزير مثله ، وقد قال البخاري : وقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الغال ولم يحرق متاعه ، والله أعلم ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، أنبأنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن خمير بن مالك قال : أمر بالمصاحف أن تغير قال : فقال ابن مسعود : من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليغله ، فإنه من غل شيئا جاء به يوم القيامة ، ثم قال قرأت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة ، أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

وروى وكيع في تفسيره عن شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم ، قال : لما أمر بتحريق المصاحف قال عبد الله : يا أيها الناس ، غلوا المصاحف ، فإنه من غل يأت بما غل يوم القيامة ، ونعم الغل المصحف .

يأتي به أحدكم يوم القيامة .

وقال [ أبو ] داود عن سمرة بن جندب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غنم غنيمة أمر بلالا فينادي في الناس ، فيجيئون بغنائمهم يخمسه ويقسمه ، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من شعر فقال : يا رسول الله ، هذا كان مما أصبنا من الغنيمة .

فقال : " أسمعت بلالا ينادي ثلاثا ؟

" ، قال : نعم .

قال : " فما منعك أن تجيء به ؟

" فاعتذر إليه ، فقال : " كلا أنت تجيء به يوم القيامة ، فلن أقبله منك " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته جماعة من قرأة الحجاز والعراق: ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ )، بمعنى: أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم من أموال أعدائهم.

واحتجَّ بعض قارئي هذه القراءة: أنّ هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قطيفة فُقدت من مغانم القوم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم: " لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها!"، ورووا في ذلك روايات، فمنها ما:- 8136- حدثنا به محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا خصيف قال، حدثنا مقسم قال، حدثني ابن عباس: أن هذه الآية: " وما كان لنبيّ أن يغل "، نـزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، قال: فقال بعض الناس: أخذها!

قال: فأكثروا في ذلك، فأنـزل الله عز وجل: " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلُل يأت بما غل يوم القيامة ".

(23) 8137- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا &; 7-349 &; خصيف قال، سألت سعيد بن جبير: كيف تقرأ هذه الآية: " وما كان لنبي أن يغُل " أو: " يُغَل "؟

قال: لا بل " يَغُل "، فقد كان النبي والله يُغَل ويقتل.

8138- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس: " وما كان لنبي أن يغل "، قال: كان ذلك في قطيفة حمراء فقدت في غزوة بدر، فقال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " فلعل النبي أخذها "!

فأنـزل الله عز وجل: " وما كان لنبي أن يغُل " = [قال سعيد: بلى والله، إنّ النبي ليُغَلّ ويُقتل].

(24) 8139- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خلاد، عن زهير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: " أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم!".

فأنـزل الله عز وجل: " وما كان لنبيّ أن يغُلّ".

8140- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مالك بن إسماعيل قال، حدثنا زهير قال، حدثنا خصيف، عن سعيد بن جبير وعكرمة في قوله: " وما كان لنبي أن يغل "، قالا يغُل = قال قال عكرمة أو غيره، عن ابن عباس، قال = كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم!

قال: فأنـزل الله هذه الآية: " وما كان لنبي أن يغل ".

8141- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد، قال، حدثنا قزعة بن سويد الباهلي، عن حميد الأعرج، عن سعيد بن جبير قال: نـزلت هذه الآية: " وما كان لنبي أن يغل "، في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة.

(25) 8142- حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن سليمان الأعمش قال: كان ابن مسعود يقرأ: ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ )، فقال ابن عباس: بلى، ويُقْتَل = قال: فذكر ابن عباس أنه إنما كانت في قطيفة قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غَلَّها، يوم بدر.

فأنـزل الله: " وما كان لنبيّ أن يَغُل ".

* * * وقال آخرون ممن قرأ ذلك كذلك، بفتح " الياء " وضم " الغين ": إنما نـزلت هذه الآية في طلائع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجَّههم في وجه، ثم غنم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقسم للطلائع، فأنـزل الله عز وجل هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم، يعلمه فيها أن فعله الذي فعله خطأ، وأنّ الواجب عليه في الحكم أن يقسم للطلائع مثل ما قسم لغيرهم، ويعرِّفه الواجبَ عليه من الحكم فيما &; 7-351 &; أفاء الله عليه من الغنائم، وأنه ليس له أن يخصّ بشيء منها أحدًا ممن شهد الوقعة - أو ممن كان رِدْءًا لهم في غزوهم - دون أحد.

(26) *ذكر من قال ذلك: 8143- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غلَّ يوم القيامة "، يقول: ما كان للنبي أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القَسْم، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنـزل الله.

يقول: ما كان الله ليجعل نبيًّا يغلُّ من أصحابه، فإذا فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم استنُّوا به.

(27) 8144- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: أنه كان يقرأ: " ما كان لنبي أن يغلَّ"، قال: أن يعطي بعضًا، ويترك بعضًا، إذا أصاب مغنمًا.

8145- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقسم للطلائع، فأنـزل الله عز وجل: " وما كان لنبيّ أن يغل ".

8146- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: " ما كان لنبي أن يغل "، يقول: ما كان لنبيّ أن يقسم لطائفة من أصحابه ويترك طائفة، ولكن يعدل ويأخذ في ذلك بأمر الله عز وجل، ويحكم فيه بما أنـزل الله.

8147- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا &; 7-352 &; جويبر، عن الضحاك في قوله: " ما كان لنبي أن يغل "، قال: ما كان له إذا أصاب مغنمًا أن يقسم لبعض أصحابه ويدع بعضًا، ولكن يقسم بينهم بالسوية.

* * * وقال آخرون ممن قرأ ذلك بفتح " الياء " وضم " الغين ": إنما أنـزل ذلك تعريفًا للناس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يكتم من وحي الله شيئًا.

*ذكر من قال ذلك: 8148- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وما كان لنبيّ أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون "، أي: ما كان لنبيّ أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يعمل ذلك يأت به يوم القيامة.

(28) * * * قال أبو جعفر: فتأويل قراءة من قرأ ذلك كذلك: ما ينبغي لنبي أن يكون غالا - بمعنى أنه ليس من أفعال الأنبياء خيانة أممهم.

* * * يقال منه: " غلّ الرجل فهو يغُلُّ"، إذا خان،" غُلولا ".

ويقال أيضًا منه: " أغلَّ الرجل فهو يُغِلُّ إغلالا "، كما قال شريح: " ليس على المستعير غير المغِلِّ ضمَان "، يعني: غير الخائن.

ويقال منه: " أغلّ الجازر "، إذا سرق من اللحم شيئا مع الجلد.

(29) * * * وبما قلنا في ذلك جاء تأويل أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 8149- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا &; 7-353 &; أسباط، عن السدي: " ما كان لنبي أن يغل "، يقول: ما كان ينبغي له أن يخون، فكما لا ينبغي له أن يخون فلا تخونوا.

8150- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ما كان لنبي أن يغل "، قال: أن يخون.

* * * وقرأ ذلك آخرون: ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ ) بضم " الياء " وفتح " الغين "، وهي قراءة عُظم قرأة أهل المدينة والكوفة.

* * * واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: ما كان لنبي أن يَغُلّه أصحابه، ثم أسقط" الأصحاب "، فبقي الفعل غير مسمًّى فاعله.

وتأويله: وما كان لنبيّ أن يُخان.

*ذكر من قال ذلك: 8151- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف، عن الحسن أنه كان يقرأ: " وما كان لنبيّ أن يُغَل " قال عوف، قال الحسن: أن يخان.

8152- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وما كان لنبي أن يغل "، يقول: وما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه من المؤمنين - ذكر لنا أن هذه الآية نـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غَلَّ طوائف من أصحابه.

8153- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " وما كان لنبي أن يُغَل "، قال: أن يغله أصحابه.

8154- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " وما كان لنبي أن يُغَلَّ"، قال &; 7-354 &; الربيع بن أنس، يقول: ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه - قال: ذكر لنا، والله أعلم: أن هذه الآية أنـزلت على نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غَلّ طوائف من أصحابه.

* * * وقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبي أن يتهم بالغلول فيخوَّن ويسرَّق.

وكأن متأولي ذلك كذلك، وجَّهوا قوله: " وما كان لنبي أن يغل " إلى أنه مراد به: " يغَلَّل "، ثم خففت " العين " من " يفعَّل "، فصارت " يفعل " كما قرأ من قرأ قوله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [سورة الأنعام: 33] بتأوُّل: يُكَذِّبُونَك.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ) بمعنى: ما الغلول من صفات الأنبياء، ولا يكون نبيًّا من غلَّ.

وإنما اخترنا ذلك، لأن الله عز وجل أوعد عقيب قوله: " وما كان لنبي أن يغل " أهلَ الغلول فقال: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، الآية والتي بعدها.

فكان في وعيده عقيب ذلك أهلَ الغلول، الدليلُ الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله: " وما كان لنبيّ أن يغلّ".

لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلول، لعقَّب ذلك بالوعيد على التُّهَمة وسوء الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالوعيد على الغلول.

وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول، بيانٌ بيِّنٌ، أنه إنما عرّف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتفٍ من صفة الأنبياء وأخلاقهم، لأنّ ذلك جرم عظيم، والأنبياء لا تأتي مثله.

* * * فإن قال قائل ممن قرأ ذلك كذلك: فأولى منه (30) " وما كان لنبي أن يخونه أصحابه "، إن كان ذلك كما ذكرت، (31) ولم يعقّب الله قوله: " وما كان لنبي أن يغل " إلا بالوعيد على الغلول، ولكنه إنما وجب الحكمُ بالصحة لقراءة من قرأ: " يغل " بضم " الياء " وفتح " الغين "، لأن معنى ذلك: وما كان للنبي أن يغله أصحابه، فيخونوه في الغنائم؟

قيل له: أفكان لهم أن يغلوا غير النبي صلى الله عليه وسلم فيخونوه، حتى خُصوا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم؟

فإن قالوا: " نعم "، خرجوا من قول أهل الإسلام.

لأن الله لم يبح خيانة أحد في قول أحد من أهل الإسلام قط.

وإن قال قائل: لم يكن ذلك لهم في نبيّ ولا غيره.

قيل: فما وجه خصوصهم إذًا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم، وغُلوله وغُلول بعض اليهود بمنـزلةٍ فيما حرم الله على الغالِّ من أموالهما، وما يلزم المؤتمن من أداء الأمانة إليهما؟

وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا، من أن الله عز وجل نفى بذلك أن يكون الغلول والخيانة من صفات أنبيائه، ناهيًا بذلك عبادَه عن الغلول، وآمرًا لهم بالاستنان بمنهاج نبيهم، كما قال ابن عباس في الرواية التي ذكرناها من رواية عطية، (32) ثم عقَّب تعالى ذكره نهيَهم عن الغلول بالوعيد عليه فقال: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، الآيتين معًا.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ومن يخُن من غنائم المسلمين شيئًا وفيئهم وغير ذلك، يأت به يوم القيامة في المحشر.

كما:- 8155- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قام خطيبًا فوعظ وذكَّر ثم قال: ألا عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، (33) يقول: يا رسول الله، أغثني!

فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك!

ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ لها حمحمة، (34) يقول: يا رسول الله، أغثني!

فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك!

ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامتٌ، (35) يقول: يا رسول الله، أغثني!

فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك!

ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته بقرة لها خوار (36) ، يقول: يا رسول الله، أغثني!

فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك!

ألا عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته رِقاع تخفِق &; 7-357 &; يقول: (37) يا رسول الله، أغثني!

فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك!

(38) 8156- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحمن، عن أبي حيّان، عن أبى زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل هذا = زاد فيه &; 7-358 &; " لا ألفين أحدكم على رقبته نفسٌ لها صياح ".

(39) 8157- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أبو حيّان، عن أبي زرعة، بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا يومًا، فذكر الغُلول، فعظَّمه وعظَّم أمره فقال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني = (40) ثم ذكر نحو حديث أبي كريب، عن عبد الرحمن.

(41) 8158- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حفص بن بشر، عن يعقوب القمي قال، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أعرفَنّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، ينادي: يا محمد!

يا محمد!

(42) فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك!

ولا أعرفنّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملا له رُغاء يقول: يا محمد!

يا محمد!

فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك!

ولا أعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة ينادي: يا محمد!

يا محمد!

فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك!

ولا أعرفنّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قِشْعًا من أَدَمٍ، (43) &; 7-359 &; ينادي: يا محمد!

يا محمد!

فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك ".

(44) 8159- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أسباط بن محمد قال، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن ذكوان، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد قال، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقًا فجاء بسوادٍ كثير، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقبضه منه.

فلما أتوه جعل يقول: هذا لي، وهذا لكم.

قال فقالوا: من أين لك هذا؟

قال: أهدي إليّ!

فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك، فخرج فخطب فقال: " أيها الناس، ما بالي أبعث قومًا إلى الصدقة، فيجيء أحدهم بالسواد الكثير، (45) فإذا بعثت من يقبضه قال:هذا لي، وهذا لكم!

فإن كان صادقًا أفلا أهدي له وهو في بيت أبيه أو في بيت أمه؟" ثم قال: " أيها الناس، من بعثناه على عمل فغَلَّ شيئًا، جاء به يوم القيامة على عنقه يحمله، فاتقوا الله أن يأتي أحدكم يوم القيامة على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة تخور، أو شاة تثغو ".

(46) 8160- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية وابن نمير وعبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له " ابن الأتْبِيَّة " على صدقات &; 7-360 &; بني سليم، فلما جاء قال: " هذا لكم، وهذا هدية أهديت لي".

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا يجلس أحدكم في بيته فتأتيه هديته!

ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد، فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله، فيقول أحدهم: هذا الذي لكم، وهذا هدية أهديت إليّ!

أفلا يجلس في بيت أبيه أو في بيت أمه فتأتيه هديته؟

والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدكم من ذلك شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، فلا أعرفنَّ ما جاء رجل يحمل بعيرًا له رغاء، (47) أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر!

(48) ثم رفع يده فقال:ألا هل بلغت "؟

8161- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد، حدثه بمثل هذا الحديث = قال: أفلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك؟

ثم رفع يده حتى إني لأنظر إلى بياض إبطيه، ثم قال: " اللهم هل بلغت؟"= قال أبو حميد: بَصَرُ عيني وسَمْعُ أذني.

(49) 8162- حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب وقال، حدثني عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث: أن موسى بن جبير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر يومًا الصدقة فقال: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر &; 7-361 &; غلول الصدقة: " من غل منها بعيرًا أو شاة، فإنه يحمله يوم القيامة "؟

قال عبد الله بن أنيس: بلى.

(50) 8163- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة مصدِّقًا، فقال: إياك، يا سعد، أنْ تجيء يوم القيامة ببعير تحمله رغاء!

قال: لا آخذه ولا أجيء به!

فأعفاه.

(51) 8164- حدثنا أحمد بن المغيرة الحمصي أبو حميد قال، حدثنا الربيع بن روح قال، حدثنا ابن عياش قال، حدثني عبيد الله بن عمر بن حفص، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه استعمل سعد بن عبادة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إياك، يا سعد، أن تجيء يوم القيامة تحمل على عنقك بعيرًا له رغاء!

فقال سعد: فإن فعلتُ يا رسول الله، إن ذلك لكائن!

قال: نعم!

قال سعد: قد علمت يا رسول الله أني أُسأَل فأعْطِى!

فأعفنى.

فأعفاه.

(52) 8165- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن حبان قال، حدثنا عبد الرحمن بن الحارث قال، حدثني جدي عبيد بن أبي عبيد - وكان أول مولود &; 7-363 &; بالمدينة - قال: استعملت على صدقة دَوْس، فجاءني أبو هريرة في اليوم الذي خرجت فيه، فسلَّم، فخرجت إليه فسلمت عليه فقال: كيف أنت والبعير؟

كيف أنت والبقر؟

كيف أنت والغنم؟

ثم قال: سمعت حبِيِّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أخذ بعيرًا بغير حقه جاء به يوم القيامة له رغاء، ومن أخذ بقرة بغير حقها جاء بها يوم القيامة لها خوار، ومن أخذ شاة بغير حقها جاء بها يوم القيامة على عنقه لها يعار، (53) فإياك والبقر فإنها أحدُّ قرونًا وأشدُّ أظلافًا ".

(54) 8166- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثني محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن جده عبيد بن أبي عبيد قال: استعملت على صدقة دوس، فلما قضيت العمل قدمت، فجاءني أبو هريرة فسلم علي فقال: أخبرني كيف أنت والإبل = ثم ذكر نحو حديثه عن زيد، إلا أنه قال: جاء به يوم القيامة على عنقه له رُغاء.

(55) 8167- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم &; 7-364 &; القيامة "، قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غنم مغنمًا بعث مناديًا: " ألا لا يغلَّن رجلٍ مخْيَطًا فما دونه، (56) ألا لا يغلّنّ رجل بعيرًا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلنّ رجل فرسًا، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له حَمْحمة ".

* * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه (57) : " ثم توفى كل نفس "، ثم تعطى كل نفس جزاء ما كسبت بكسبها، وافيًا غير منقوص ما استحقه واستوجبه من ذلك (58) =" وهم لا يظلمون "، يقول: لا يفعل بهم إلا الذي ينبغي أن يفعل بهم، من غير أن يعتدي عليهم فينقصوا عما استحقوه.

كما:- 8168- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون "، ثم يُجزى بكسبه غير مظلوم ولا متعدًّى عليه.

(59) ------------------ الهوامش : (23) الأثر: 8136-"محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب القرشي الأموي" ، روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه ، قال النسائي: "لا بأس به" ، وهو ثقة جليل صدوق.

و"عبد الواحد بن زياد العبدي" أحد الأعلام سلفت ترجمته في: 2616.

و"خصيف بن عبد الرحمن الجزري" ، رأى أنسًا ، وروي عن عطاء ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، ومقسم وغيرهم.

قال أحمد"ضعيف الحديث" ، وقال: "شديد الاضطراب في المسند".

وقال ابن عدي: "إذا حدث عن خصيف ثقة ، فلا بأس بحديثه".

وقال ابن حبان: "تركه جماعة من أئمتنا واحتج به آخرون ، وكان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا ، إلا أنه كان يخطئ كثيرًا فيما يروى ، وينفرد عن المشاهير بما لا يتابع عليه ، وهو صدوق في روايته ، إلا أن الإنصاف فيه ، قبول ما وافق الثقات ، وترك ما لم يتابع عليه".

مترجم في التهذيب.

والحديث رواه الترمذي في باب تفسير القرآن ، من طريق قتيبة ، عن عبد الواحد بن زياد ، بمثله وقال: "هذا حديث حسن غريب" ، وقد روى عبد السلام بن حرب عن خصيف نحو هذا ، وروى بعضهم هذا الحديث عن خصيف عن مقسم ، ولم يذكر فيه ابن عباس" - يعني مرسلا.

ونسبه ابن كثير في تفسيره 2: 279 ، إلى أبي داود أيضًا ، ونسبه السيوطى في الدر المنثور 2: 91 إلى أبي داود ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، والترمذي ، وابن جرير.

(24) الأثر: 8138-"عتاب بن بشير الجزري".

روي عن خصيف وغيره.

قال أحمد: "أرجو أن لا يكون به بأس ، روى بأخرة أحاديث منكرة ، وما أرى إلا أنها من قبل خصيف".

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "بل والله" ، والصواب ما أثبت من المخطوطة ، وأما قوله في آخر الأثر: "قال سعيد: .

.

." ، فإني تركته مكانه هنا ، ولكني أرجح أنه من تمام الأثر التالي رقم: 8140 ، فوضعته بين القوسين.

هذا ، إذا لم يكن قد سقط من الناسخ أثر آخر من رواية سعيد بن جبير.

(25) الأثر: 8141-"قزعة بن سويد بن حجير الباهلي" ، روى عن أبيه ، وحميد بن قيس الأعرج ، وابن أبي مليكة ، وابن أبي نجيح وغيرهم.

قال أحمد: "مضطرب الحديث ، وهو شبه المتروك".

وقال أبو حاتم: "ليس بذاك القوى" ، وقال ابن حبان: "كان كثير الخطأ فاحش الوهم ، فلما كثر ذلك في روايته سقط الاحتجاج بأخباره".

وقال البزار: "لم يكن بالقوي ، حدث عنه أهل العلم".

مترجم في التهذيب.

(26) الردء (بكسر فسكون): الناصر والمعين.

(27) الأثر: 8143- هذا إسناد دائر في التفسير ، وانظر الكلام فيه برقم: 305.

(28) الأثر: 8148- سيرة ابن هشام 3: 124 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8135 ، وفي بعض لفظه اختلاف يسير.

(29) يعني عند سلخ الذبيحة ، يسلخها فيترك شيئًا من اللحم ملتزقًا بإهابها.

(30) قوله: "فأولى منه" ، أي فأولى من المذهب الذي ذهبت إليه في قراءة الآية وتفسيرها = يقوله هذا القائل ، ردًا على أبي جعفر.

(31) في المطبوعة والمخطوطة: "إن ذلك كما ذكرت" سقط من الناسخ"كان" فأثبتها ، لأن هذا هو حق المعنى الذي أراده أبو جعفر في سياق قول من رد عليه قوله.

(32) يعني الأثر: 8143 ، "وعطية" المذكور ، هو"عطية بن سعد بن جنادة العوفي" ، الذي روى عن ابن عباس ، وهو المذكور في الإسناد السالف"عن أبيه".

وقد أشكل ذلك على بعض من علق على التفسير ، فقال: لم يمض لعطية هذا ذكر!!

ولكنه مذكور كما ترى.

(33) "الثغاء": صوت الشاء والمعز والظباء وما شاكلها."ثغت الشاة تثغو": صاحت.

يقال: "ماله ثاغية ولا راغية" ، الثاغية: الشاء: والراغية: الإبل.

(34) الحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل ، كالذي يكون منه إذا طلب العلف ، أو رأى صاحبه الذي كان ألفه ، فاستأنس إليه.

(35) الصامت هو الذهب والفضة ، أو ما لا روح فيه من أصناف المال.

يقال: "ما له صامت ولا ناطق".

فالناطق: الحيوان ، كالإبل والغنم وغيرها.

(36) "الخوار": صوت الثور ، وما اشتد من صوت البقرة والعجل."خار الثور يخور".

(37) "الرقاع" جمع رقعة: وهو الخرقة ، و"تخفق" تضطرب وتلمع إذا حركتها الرياح ، أو إسراع حاملها.

يريد الثياب التي يغلها الغال مما يختطفه من الغنائم.

وقد فسره كثير من الشراح بأنه أراد الرقاع المكتوبة التي تكون فيها الحقوق والديون ، وخفوقها حركتها ، وأرجح القولين ما قدمت منهما.

(38) الحديث: 8155- أبو حيان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء التحتية- يحيى بن سعيد ابن حيان التيمي: مضت ترجمته: 5382.

ووقع في المطبوعة في الإسنادين التاليين لهذا"أبو حبان" بالباء الموحدة ، وهو خطأ.

ووقع هنا في المخطوطة: "عن يحيى بن سعيد ، عن أبي حيان".

وهو خطأ.

فإن"أبا حيان": اسمه"يحيى بن سعيد" - كما ذكرنا.

ومحمد بن فضيل بن غزوان سمع منه ، ويروى عنه مباشرة ، كما هو ثابت في ترجمتهما.

نعم: إن"يحيى بن سعيد القطان" روى هذا الحديث عن"أبي حيان يحيى بن سعيد التيمي" ، كما سيأتي في التخريج - ولكن ليس في هذا الإسناد.

أبو زرعة - بضم الزاي وسكون الراء: هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي.

وهو تابعي ثقة ، من علماء التابعين.

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 2 / 243 - 244 ، فيمن اسمه"هرم" ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 265 - 266 ، فيمن اسمه"عبد الرحمن" ، لاختلافهم في اسمه.

والظاهر أن اسمه كنيته.

ووقع في المطبوعة ، في الرواية الآتية: 8157-"عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير" ، وهو تحريف ، صوابه"بن" بدل"عن".

والحديث سيأتي عقب هذا بإسنادين: من طريق عبد الرحمن ، عن أبي حيان ، ومن طريق ابن علية ، عن أبي حيان.

ورواه أحمد في المسند: 9499 (ج2: ص: 426 حلبي).

عن إسماعيل -وهو ابن علية- عن أبي حيان.

ورواه مسلم 2: 83 ، عن زهير بن حرب ، عن إسماعيل بن إبراهيم ، وهو ابن علية ، به.

ورواه البخاري 6: 129 (فتح) ، عن مسدد ، عن يحيى - وهو ابن سعيد القطان ، عن أبي حيان وهو يحيى بن سعيد التيمي.

ورواه مسلم أيضا بأسانيد.

وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 9: 101 بأسانيد.

وروى البخاري قطعة منه ، ضمن حديث ، من وجه آخر 3: 213 (فتح).

وذكره ابن كثير 2: 281 ، من رواية المسند ، ثم قال: "أخرجاه من حديث أبي حيان ، به" يريد الشيخين.

وذكره السيوطى 2: 92 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، والبيهقي في الشعب.

(39) الحديث: 8156- هو تكرار للحديث السابق.

ولكن"عبد الرحمن" - في هذا الإسناد: لم أستطع أن أجزم فيه بشيء.

وأخشى أن يكون محرفًا عن"عبد الرحيم" ، فيكون: "عبد الرحيم بن سليمان الأشل" ، فهو الذي يروى عن أبي حيان ، ويروى عنه"أبو كريب".

وهو راوي هذا الحديث - رواه مسلم 2: 83 ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الرحمن بن سليمان.

قوله: "نفس لها صياح" ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "وكأنه أراد بالنفس ، ما يغله من الرقيق ، من امرأة أو صبي".

(40) "الرغاء": صوت ذوات الخف كالإبل ، وقد يستعار لغيره: "رغا البعير يرغو".

(41) الحديث: 8157- هو تكرار للحديثين قبله.

وقوله في آخره"ثم ذكر نحو حديث أبي كريب عن عبد الرحمن" أخشى أن يكون محرفًا ، وأن صوابه"عن عبد الرحيم" ، كما بينا من قبل.

(42) قوله: "لا أعرفن" قد سلف أن بينت في التعليق على الأثر: 8011 ، ص: 286 تعليق: 4 ، والأثر: 8025 ، أنها كلمة تقال عند التهديد والوعيد والزجر الشديد ، وستأتي أيضًا في رقم: 8160 بعد.

(43) "القشع": هو النطع الخلق من الجلد ، وهو الفرو الخلق أيضًا.

وقال ابن الأثير: أراد القربة البالية.

و"الأدم" جمع أديم: وهو الجلد.

وفي المطبوعة والمخطوطة وابن كثير"قسما" ، خطأ محض.

(44) الحديث: 8158- حفص بن بشر ، ويعقوب بن عبد الله القمي ، مضيا في: 4842.

حفص بن حميد القمي أبو عبيد: مترجم في التهذيب ، وعند ابن أبي حاتم 1 / 2 / 171.

وهو ثقة ، وثقه النسائي وغيره.

وقال ابن معين: "صالح".

وجهله ابن المديني ، ولئن جهله لقد عرفه غيره.

وهذا إسناد صحيح.

والحديث ذكره ابن كثير 2: 280 ، عن هذا الموضع من الطبري.

وقال: "لم يروه أحد من أهل الكتب الستة".

ولم أجده في موضع آخر مما بين يدي من المراجع ، حتى السيوطي لم يذكره في الدر المنثور.

(45) "السواد" العدد الكثير من المال ، سمى بذلك لأن الإبل والغنم وغيرها إذا جاءت كثيرة مجتمعة ، ترى كأنها سواد في خافق الأرض.

يقال: "لفلان سواد كثير" ، أي مال كثير من إبل وغنم وغيرها.

ويقال للشخص الذي يرى من بعيد"سواد" ، وفي الحديث: "إذا رأى أحدكم سوادًا بليل ، فلا يكن أجبن السوادين ، فإنه يخافك كما تخافه" ، يعني بالسواد الشخص.

(46) انظر التعليق على رقم: 8161 .

(47) قوله: "فلا أعرفن" ، انظر التعليق السالف ص: 358 تعليق: 4.

(48) يعرت العنـز تيعر (مثل فتح يفتح) يعارًا (بضم الياء): صوتت صوتًا شديدًا.

وكان في المطبوعة: "تثغو" ، وهو وإن كان صوابًا في المعنى ، فهو خطأ في الرواية ، صوابه من المخطوطة ، ومن رواية الحديث كما ترى في التخريج.

(49) الأحاديث: 8159 - 8161 ، هي ثلاثة أسانيد لحديث واحد.

وعبد الرحيم - في ثالثها هو ابن سليمان الأشل.

والحديث رواه أحمد في المسند 5: 423 - 424 (حلبي) ، عن سفيان ، وهو ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن أبي حميد الساعدي ، بنحوه.

وكذلك رواه البخاري 13: 144 - 146 ، ومسلم 2: 83 - 84 ، من طريق سفيان بن عيينة.

ورواه البخاري أيضًا في مواضع أخر.

ورواه مسلم -عقب تلك الرواية- من أوجه أخر ، منها من طريق عبد الرحيم بن سليمان.

وذكره ابن كثير: 2: 280 - 281 ، من رواية المسند ، ثم قال: "أخرجاه (يعني الشيخين) ، من حديث سفيان بن عيينة.

.

.

ومن غير وجه عن الزهري ، ومن طرق عن هشام بن عروة - كلاهما عن عروة ، به".

قوله: "بصر عيني ، وسمع أذني" اختلفوا في ضبطه ، فروى على أنه فعل"بصر" (بفتح الباء وضم الصاد""وسمع" فعل.

وروى"بصر ، وسمع" اسمان.

يراد به: "أعلم هذا الكلام يقينًا ، أبصرت عيني النبي صلى الله عليه وسلم حين تكلم به ، وسمعته أذني فلا شك في علمي به" ، كما قال النووي في شرح مسلم 12: 220 ، 221.

(50) الحديث: 8162- موسى بن جبير الأنصاري المدني: مضت ترجمته وتوثيقه في: 2941.

عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري المدني: تابعي ثقة.

ترجمه ابن أبي حاتم 2 / 2 / 96.

ونقل الحافظ في التهذيب أن البخاري صرح بأنه"سمع عبد الله بن أنيس".

عبد الله بن أنيس -بالتصغير- الجهني المدني ، حليف الأنصار: صحابي معروف ، مترجم في التهذيب ، والإصابة.

وهذا الحديث من مسند عمر ، ومن مسند عبد الله بن أنيس ، لتصريح كل منهما بأنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكن الإمام أحمد لم يذكره في مسند عمر ، وذكره في مسند عبد الله بن أنيس فقط.

فرواه أحمد: 16131 (ج 3 ص 498 حلبي) ، عن هارون بن معروف ، عن عمرو بن الحارث - بهذا الإسناد.

وكذلك رواه ابنه عبد الله بن أحمد ، عن هارون بن معروف.

ورواه ابن ماجه: 1810 ، من طريق عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، به.

وقال البوصيري في زوائده: "في إسناده مقال ، لأن موسى بن جبير ذكره ابن حبان في الثقات وقال: إنه يخطئ.

وقال الذهبي في الكاشف: ثقة ، ولم أر لغيرهما فيه كلامًا وعبد الله بن عبد الرحمن: ذكره ابن حبان في الثقات.

وباقي رجاله ثقات".

ونقله ابن كثير 2: 283 ، عن هذا الموضع من تفسير الطبري ، ثم نسبه أيضًا لابن ماجه ، ولم يزد!

ففاته أن ينسبه للمسند ، وهو أهم.

وذكره السيوطي في الجامع الصغير: 8882 ، ونسبه لأحمد ، والضياء المقدسي ، عن عبد الله بن أنيس فقط.

وهو عنه وعن عمر ، كما بينا.

(51) الحديث: 8163- سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: مضيا في: 2255 يحيى بن سعيد الأنصاري النجاري: مضى مرارًا ، آخرها: 4809.

وهذا إسناد صحيح ، رجاله رجال الصحيح.

وسيأتي تخريج الحديث في الذي بعده.

(52) الحديث: 8164- أحمد بن المغيرة ، شيخ الطبري: مضى في: 3473 أني لم أعرفه.

وقد زادنا أبو جعفر هنا تعريفًا به ، فنسبه"الحمصي" ، وأن كنيته"أبو حميد".

ولا يزال مع هذا غير معروف لنا.

الربيع بن روح الحمصي ، أبو روح الحضرمي.

ثقة ، روى عنه أيضًا أبو حاتم ، وقال: "وكان ثقة خيارًا".

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 / 255 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 461.

ابن عياش: هو إسماعيل بن عياش الحمصي ، مضى توثيقه في: 5445.

وهذا إسناد صحيح أيضًا ، لكن إسماعيل بن عياش لم يخرج له شيء في الصحيحين.

والحديث في معنى الذي قبله ، أطول في اللفظ قليلا.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3: 86 ، من حديث ابن عمر ، بنحو اللفظ السابق.

وقال: "رواه البزار ، ورجاله رجال الصحيح".

وذكره ابن كثير 2: 283 ، عن الرواية الماضية من الطبري.

ثم قال: "ثم رواه من طريق عبيد الله ، عن نافع ، به.

نحوه".

ولم يروه أحمد في المسند في مسند عبد الله بن عمر ، ولكن رواه في مسند"سعد بن عبادة" ، من حديثه 5: 285 (حلبي) ، بنحوه -بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب ، عن سعد بن عبادة.

وهو إسناد منقطع بين ابن المسيب وابن عبادة.

فإن سعد بن عبادة توفي سنة 15 ، وقيل: سنة 11.

وسعيد بن المسيب ولد سنة 15 ، فلم يدركه يقينًا.

وكذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3: 85 ، من حديث سعد بن عبادة.

وقال: "رواه أحمد ، والبزار ، والطبراني في الكبير ، ورجاله ثقات ، إلا أن سعيد بن المسيب لم ير سعد بن عبادة".

(53) في المطبوعة: "لها ثغاء" ، وأثبت ما في المخطوطة.

قد سلف"اليعار" ص: 360 ، تعليق: 2.

(54) الحديث: 8165- أبو كريب: هو محمد بن العلاء ، الحافظ الثقة.

زيد بن حبان: هكذا ثبت في الطبري.

وأكاد أجزم بأنه محرف.

فليس في الرواة -فيما نعلم- إلا زيد بن حبان الرقى ، وهو قديم ، مات سنة 158.

فلم يدركه أبو كريب المتوفي سنة 248.

والراجح عندي أنه محرف عن"زيد بن الحباب العكلي" ، الذي يروي عنه كريب كثيرًا.

وهو ثقة ، مضت ترجمته: 2185.

عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد بن أبي عبيد: ثقة.

قال أبو زرعة: "لا بأس به".

وهو مترجم عند ابن أبي حاتم 2 / 2 / 224 ، باسم"عبد الرحمن بن الحارث بن أبي عبيد".

فقصر في نسبه ، إذ حذف اسم جده الأدنى.

وقد ثبت نسبه على الصواب في ترجمة جده في التهذيب.

ولم أجد لعبد الرحمن هذا ترجمة غيرها.

عبيد بن أبي عبيد الغفاري ، مولى بني رهم: تابعي ثقة.

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 411 ، وثقات ابن حبان ، ص: 269 (مخطوط مصور).

وقد خلط ابن أبي حاتم في اسم حفيده"عبد الرحمن بن الحارث" فذكره في ترجمة جده ، في الرواة عنه ، باسم"عبد الرحمن بن عبيد بن الحارث".

والحديث سيأتي عقبه بإسناد آخر.

(55) الحديث: 8166- خالد بن مخلد: هو القطواني البجلي.

مضت ترجمته في: 2206.

وقوله"حدثني محمد" - هكذا ثبت في الطبري.

وأكاد أجزم أنه خطأ ، زيادة من الناسخين.

فإن"خالد بن مخلد" يروي عن"عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد" مباشرة ، كما ثبت في ترجمة"عبد الرحمن" عند ابن أبي حاتم.

وفيه: "سئل أبو زرعة عن عبد الرحمن بن الحارث الذي يحدث عنه خالد بن مخلد القطواني".

ولو كان هذا الراوي"محمد" ثابتا في الإسناد ، لبين نسبه أو نحو ذلك ، فإن اسم"محمد" أكثر الأسماء دورانًا ، فلا يذكر هكذا مجهلا ، دون قرينة ترشد عن شخصه.

والحديث مكرر ما قبله.

وقد مضى معناه من حديث أبي هريرة ، من رواية أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عنه: 8155 - 8157.

وأما من هذا الوجه ، من رواية عبيد بن أبي عبيد ، عنه -: فإني لم أجده في موضع آخر.

(56) "المخيط" (بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الياء): ما يخاط به ، كالإبرة ونحوها.

(57) في المطبوعة والمخطوطة"يعني بذلك جل ثناؤه" ، والصواب يقتضي ما أثبت.

(58) انظر تفسير"وفي" فيما سلف 6: 465 - وتفسير"كسب" فيما سلف ص: 327 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(59) الأثر: 8168- سيرة ابن هشام 3: 124 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8148 ، وفي المطبوعة: "معتدى عليه" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو موافق لما في السيرة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمونفيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : لما أخل الرماة يوم أحد بمراكزهم - على ما تقدم - خوفا من أن يستولي المسلمون على الغنيمة فلا يصرف إليهم شيء ، بين الله سبحانه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجور في القسمة ; فما كان من حقكم أن تتهموه .

وقال الضحاك : بل السبب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث طلائع في بعض غزواته ثم غنم قبل مجيئهم ; فقسم للناس ولم يقسم للطلائع ; فأنزل الله عليه عتابا : وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل أي يقسم لبعض ويترك بعضا .

وروي نحو هذا القول عن ابن عباس .

وقال ابن عباس أيضا وعكرمة وابن جبير وغيرهم : نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت في المغانم يوم بدر ; فقال بعض من كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - : لعل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذها ، فنزلت الآية أخرجه أبو داود والترمذي وقال : هذا حديث حسن غريب .

قال ابن عطية : قيل كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنوا أن في ذلك حرجا .

وقيل : كانت من المنافقين .

وقد روي أن المفقود كان سيفا .

وهذه الأقوال تخرج على قراءة يغل بفتح الياء وضم الغين .

وروى أبو صخر عن محمد بن كعب وما كان لنبي أن يغل قال : تقول وما كان لنبي أن يكتم شيئا من كتاب الله .

وقيل : اللام فيه منقولة ، أي وما كان نبي ليغل ; كقوله : ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه .

أي ما كان الله ليتخذ ولدا .

وقرئ " يغل " بضم الياء وفتح الغين .

وقال ابن السكيت : لم نسمع في المغنم إلا غل غلولا ، وقرئ وما كان لنبي أن يغل ويغل .

قال : فمعنى " يغل " يخون ، ومعنى " يغل " يخون ، ويحتمل معنيين : أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته ، والآخر يخون أن ينسب إلى الغلول : ثم قيل : إن كل من غل شيئا في خفاء فقد غل يغل غلولا : قال ابن عرفة : سميت غلولا لأن الأيدي مغلولة منها ، أي ممنوعة .

وقال أبو عبيد : الغلول من المغنم خاصة ، ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد .[ ص: 241 ] ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة : أغل يغل ، ومن الحقد : غل يغل بالكسر ، ومن الغلول : غل يغل بالضم .

وغل البعير أيضا يغل غلة إذا لم يقض ريه وأغل الرجل خان ، قال النمر :جزى الله عنا حمزة ابنة نوفل جزاء مغل بالأمانة كاذبوفي الحديث : ( لا إغلال ولا إسلال ) أي لا خيانة ولا سرقة ، ويقال : لا رشوة .

وقال شريح : ليس على المستعير غير المغل ضمان .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن من رواه بالفتح فهو من الضغن .

وغل دخل يتعدى ولا يتعدى ; يقال : غل فلان المفاوز ، أي دخلها وتوسطها .

وغل من المغنم غلولا ، أي خان .

وغل الماء بين الأشجار إذا جرى فيها ; يغل بالضم في جميع ذلك .

وقيل : الغلول في اللغة أن يأخذ من المغنم شيئا يستره عن أصحابه ; ومنه تغلغل الماء في الشجر إذا تخللها .

والغلل : الماء الجاري في أصول الشجر ، لأنه مستتر بالأشجار ، كما قال :لعب السيول به فأصبح ماؤه غللا يقطع في أصول الخروعومنه الغلالة للثوب الذي يلبس تحت الثياب .

والغال : أرض مطمئنة ذات شجر .

ومنابت السلم والطلح يقال لها : غال .

والغال أيضا نبت ، والجمع غلان بالضم .

وقال بعض الناس : إن معنى يغل يوجد غالا ; كما تقول : أحمدت الرجل وجدته محمودا .

فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى " يغل " بفتح الياء وضم الغين .

ومعنى " يغل " عند جمهور أهل العلم أي ليس لأحد أن يغله ، أي يخونه في الغنيمة .

فالآية في معنى نهي الناس عن الغلول في الغنائم ، والتوعد عليه .

وكما لا يجوز أن يخان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز أن يخان غيره ، ولكن خصه بالذكر لأن الخيانة معه أشد وقعا وأعظم وزرا ; لأن المعاصي تعظم بحضرته [ ص: 242 ] لتعين توقيره .

والولاة إنما هم على أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فلهم حظهم من التوقير .

وقيل : معنى يغل أي ما غل نبي قط ، وليس الغرض النهي .الثانية : قوله تعالى : ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة أي يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته ، معذبا بحمله وثقله ، ومرعوبا بصوته ، وموبخا بإظهار خيانته على رءوس الأشهاد ; على ما يأتي .

وهذه الفضيحة التي يوقعها الله تعالى بالغال نظير الفضيحة التي توقع بالغادر ، في أن ينصب له لواء عند إسته بقدر غدرته .

وجعل الله تعالى هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه ; ألا ترى إلى قول الشاعر :أسمي ويحك هل سمعت بغدرة رفع اللواء لنا بها في المجمعوكانت العرب ترفع للغادر لواء ، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال : لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك وروى أبو داود عن سمرة بن جندب قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه ، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من الشعر فقال : يا رسول الله هذا كان فيما أصبناه [ ص: 243 ] من الغنيمة .

فقال : ( أسمعت بلالا ينادي ثلاثا ) ؟

قال : نعم .

قال : ( فما منعك أن تجيء به ) ؟

فاعتذر إليه .

فقال : ( كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك ) .

قال بعض العلماء : أراد يوافي بوزر ذلك يوم القيامة ، كما قال في آية أخرى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون .

وقيل : الخبر محمول على شهرة الأمر ; أي يأتي يوم القيامة قد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء أو فرسا له حمحمة .قلت : وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه ، وإذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل كما في كتب الأصول .

وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحقيقة ، ولا عطر بعد عروس .

ويقال : إن من غل شيئا في الدنيا يمثل له يوم القيامة في النار ، ثم يقال له : انزل إليه فخذه ، فيهبط إليه ، فإذا انتهى إليه حمله ، حتى إذا انتهى إلى الباب سقط عنه إلى أسفل جهنم ، فيرجع إليه فيأخذه ; لا يزال هكذا إلى ما شاء الله .

ويقال يأت بما غل يعني تشهد عليه يوم القيامة تلك الخيانة والغلول .الثالثة : قال العلماء : والغلول كبيرة من الكبائر ; بدليل هذه الآية وما ذكرناه من حديث أبي هريرة : أنه يحمله على عنقه .

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في مدعم : والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا قال : فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( شراك أو شراكان من نار ) .

أخرجه الموطأ .

فقوله عليه السلام : ( والذي نفسي بيده ) وامتناعه من الصلاة على من غل دليل على تعظيم الغلول وتعظيم الذنب فيه وأنه من الكبائر ، وهو من حقوق الآدميين ولا بد فيه من القصاص بالحسنات والسيئات ، ثم صاحبه في المشيئة .

وقوله : ( شراك أو [ ص: 244 ] شراكان من نار ) مثل قوله : ( أدوا الخياط والمخيط ) .

وهذا يدل على أن القليل والكثير لا يحل أخذه في الغزو قبل المقاسم ، إلا ما أجمعوا عليه من أكل المطاعم في أرض الغزو ومن الاحتطاب والاصطياد .

وقد روي عن الزهري أنه قال : لا يؤخذ الطعام في أرض العدو إلا بإذن الإمام .

وهذا لا أصل له ; لأن الآثار تخالفه ، على ما يأتي .

قال الحسن : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتحوا المدينة أو الحصن أكلوا من السويق والدقيق والسمن والعسل .

وقال إبراهيم : كانوا يأكلون من أرض العدو الطعام في أرض الحرب ويعلفون قبل أن يخمسوا .

وقال عطاء : في الغزاة يكونون في السرية فيصيبون أنحاء السمن والعسل والطعام فيأكلون ، وما بقي ردوه إلى إمامهم ; وعلى هذا جماعة العلماء .الرابعة : وفي هذا الحديث دليل على أن الغال لا يحرق متاعه ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحرق متاع الرجل الذي أخذ الشملة ، ولا أحرق متاع صاحب الخرزات الذي ترك الصلاة عليه ، ولو كان حرق متاعه واجبا لفعله - صلى الله عليه وسلم - ولو فعله لنقل ذلك في الحديث .

وأما ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه .

فرواه أبو داود والترمذي من حديث صالح بن محمد بن زائدة ، وهو ضعيف لا يحتج به .

قال الترمذي : سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال : إنما روى هذا صالح بن محمد وهو أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث .

وروى أبو داود أيضا عنه قال : غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز ، فغل رجل متاعا فأمر الوليد بمتاعه فأحرق ، وطيف به ولم يعطه سهمه .

قال أبو داود : وهذا أصح الحديثين .

وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه .

قال أبو داود : وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد - ولم أسمعه منه - : ومنعوه سهمه .

قال أبو عمر : قال بعض رواة هذا الحديث : واضربوا عنقه وأحرقوا متاعه .

وهذا الحديث يدور على صالح بن محمد وليس ممن يحتج به .

وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وهو ينفي القتل في الغلول .

وروى ابن جريج عن [ ص: 245 ] أبي الزبير عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ليس على الخائن ولا على المنتهب ولا على المختلس قطع .

وهذا يعارض حديث صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الإسناد .

والغال خائن في اللغة والشريعة وإذا انتفى عنه القطع فأحرى القتل .

وقال الطحاوي : لو صح حديث صالح المذكور احتمل أن يكون حين كانت العقوبات في الأموال ; كما قال في مانع الزكاة : إنا آخذوها وشطر ماله ، عزمة من عزمات الله تعالى .

وكما قال أبو هريرة في ضالة الإبل المكتومة : فيها غرامتها ومثلها معها .

وكما روى عبد الله بن عمرو بن العاص في الثمر المعلق غرامة مثليه وجلدات نكال وهذا كله منسوخ ، والله أعلم .الخامسة : فإذا غل الرجل في المغنم ووجد أخذ منه ، وأدب وعوقب بالتعزير .

وعند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والليث : لا يحرق متاعه .

وقال الشافعي والليث وداود : إن كان عالما بالنهي عوقب .

وقال الأوزاعي : يحرق متاع الغال كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه ، ولا تنزع منه دابته ، ولا يحرق الشيء الذي غل .

وهذا قول أحمد وإسحاق ، وقاله الحسن ، إلا أن يكون حيوانا أو مصحفا .

وقال ابن خويز منداد : وروي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ضربا الغال وأحرقا متاعه .

قال ابن عبد البر : وممن قال يحرق رحل الغال ومتاعه مكحول وسعيد بن عبد العزيز .

وحجة من ذهب إلى هذا حديث صالح المذكور .

وهو عندنا حديث لا يجب به انتهاك حرمة ، ولا إنفاذ حكم ; لما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه .

وما ذهب إليه مالك ومن تابعه من هذه المسألة أصح من جهة النظر وصحيح الأثر ، والله أعلم .[ ص: 246 ] السادسة : لم يختلف مذهب مالك في العقوبة على البدن ، فأما في المال فقال في الذمي يبيع الخمر من المسلم : تراق الخمر على المسلم ، وينزع الثمن من الذمي عقوبة له ; لئلا يبيع الخمر من المسلمين .

فعلى هذا يجوز أن يقال : تجوز العقوبة في المال .

وقد أراق عمر - رضي الله عنه - لبنا شيب بماء .السابعة : أجمع العلماء على أن للغال أن يرد جميع ما غل إلى صاحب المقاسم قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيل إلى ذلك ، وإنه إذا فعل ذلك فهي توبة له ، وخروج عن ذنبه .

واختلفوا فيما يفعل به إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليه ; فقال جماعة من أهل العلم : يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي .

هذا مذهب الزهري ومالك والأوزاعي والليث والثوري ; وروي عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري .

وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس ; لأنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه ; وهو مذهب أحمد بن حنبل .

وقال الشافعي : ليس له الصدقة بمال غيره .

قال أبو عمر : فهذا عندي فيما يمكن وجود صاحبه والوصول إليه أو إلى ورثته ، وأما إن لم يكن شيء من ذلك فإن الشافعي لا يكره الصدقة حينئذ إن شاء الله .

وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف لها وانقطاع صاحبها ، وجعلوه إذا جاء - مخيرا بين الأجر والضمان ، وكذلك المغصوب .

وبالله التوفيق .

وفي تغريم الغلول دليل على اشتراك الغانمين في الغنيمة ، فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر ; فمن غصب شيئا منها أدب اتفاقا ، على ما تقدم .الثامنة : وإن وطئ جارية أو سرق نصابا فاختلف العلماء في إقامة الحد عليه ; فرأى جماعة أنه لا قطع عليه .التاسعة : ومن الغلول هدايا العمال ، وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغال .

روى أبو داود في سننه ومسلم في صحيحه عن أبي حميد الساعدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية قال ابن السرح ابن الأتبية على الصدقة ، فجاء فقال : هذا لكم وهذا أهدي لي .

فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال : ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا ، لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرا فله رغاء وإن كانت بقرة فلها خوار أو شاة تيعر ) - ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ثم قال : ( اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت ) .

وروى أبو داود عن بريدة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا [ ص: 247 ] فما أخذ بعد ذلك فهو غلول .

وروى أيضا عن أبي مسعود الأنصاري قال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساعيا ثم قال : ( انطلق أبا مسعود ولا ألفينك يوم القيامة تأتي على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته ) .

قال : إذا لا أنطلق .

قال : ( إذا لا أكرهك ) .

وقد قيد هذه الأحاديث ما رواه أبو داود أيضا عن المستورد بن شداد قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا .

قال فقال أبو بكر : أخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من اتخذ غير ذلك فهو غال سارق ) ، والله أعلم .العاشرة : ومن الغلول حبس الكتب عن أصحابها ، ويدخل غيرها في معناها .

قال الزهري : إياك وغلول الكتب .

فقيل له : وما غلول الكتب ؟

قال : حبسها عن أصحابها .

وقد قيل في تأويل قوله تعالى : وما كان لنبي أن يغل أن يكتم شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة .

وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عيب دينهم وسب آلهتهم ، فسألوه أن يطوي ذلك ; فأنزل الله هذه الآية ; قاله محمد بن بشار .

وما بدأنا به قول الجمهور .الحادية عشرة : قوله تعالى : ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون تقدم القول فيه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان وهو محرم إجماعا، بل هو من الكبائر، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص، فأخبر الله تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل، لأن الغلول -كما علمت- من أعظم الذنوب وأشر العيوب.

وقد صان الله تعالى أنبياءه عن كل ما يدنسهم ويقدح فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقا، وأطهرهم نفوسا، وأزكاهم وأطيبهم، ونزههم عن كل عيب، وجعلهم محل رسالته، ومعدن حكمته { الله أعلم حيث يجعل رسالته }.

فبمجرد علم العبد بالواحد منهم، يجزم بسلامتهم من كل أمر يقدح فيهم، ولا يحتاج إلى دليل على ما قيل فيهم من أعدائهم، لأن معرفته بنبوتهم، مستلزم لدفع ذلك، ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الفعل منهم، فقال: { وما كان لنبي أن يغل } أي: يمتنع ذلك ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته.

ثم ذكر الوعيد على من غل، فقال: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } أي: يأت به حامله على ظهره، حيوانا كان أو متاعا، أو غير ذلك، ليعذب به يوم القيامة، { ثم توفى كل نفس ما كسبت } الغال وغيره، كل يوفى أجره ووزره على مقدار كسبه، { وهم لا يظلمون } أي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا يهضمون شيئا من حسناتهم، وتأمل حسن هذا الاحتراز في هذه الآية الكريمة.

لما ذكر عقوبة الغال، وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال يوهم -بالمفهوم- أن غيره من أنواع العاملين قد لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ولغيره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وما كان لنبي أن يغل ) الآية روى عكرمة ومقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن هذه الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز للغنيمة وقالوا : نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر ، فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري " ؟

قالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم " فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وقال قتادة : ذكر لنا أنها نزلت في طائفة غلت من أصحابه .

.

وقيل : إن الأقوياء ألحوا عليه يسألونه من المغنم ، فأنزل الله تعالى : ( وما كان لنبي أن يغل ) فيعطي قوما ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بينهم بالسوية .

وقال محمد بن إسحاق بن يسار : هذا في الوحي ، يقول : ما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة .

قوله تعالى : ( وما كان لنبي أن يغل ) قرأ ابن كثير وأهل البصرة وعاصم " يغل " ) بفتح الياء وضم الغين معناه : أن يخون والمراد منه الأمة وقيل : اللام فيه منقولة معناه : ما كان النبي ليغل وقيل : معناه ما كان يظن به ذلك ولا يليق به ، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الغين ، وله وجهان أحدهما : أن يكون من الغلول أيضا أي : ما كان لنبي أن يخان يعني : أن تخونه أمته والوجه الآخر : أن يكون من الإغلال ، معناه : ما كان لنبي أن يخون أي ينسب إلى الخيانة .

( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) قال الكلبي : يمثل له ذلك الشيء في النار ثم يقال له : انزل فخذه فينزل فيحمله على ظهره فإذا بلغ موضعه وقع في النار ثم يكلف أن ينزل إليه ، فيخرجه ففعل ذلك به .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث مولى ابن مطيع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع ، قال فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى وكان رفاعة بن زيد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له مدعم قال فخرجنا حتى إذا كنا بوادي القرى فبينما مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فأصابه فقتله فقال الناس : هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه نارا " فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شراك من نار أو شراكان من نار " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن يحيى بن حيان ، عن أبي عمرة الأنصاري ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : توفي رجل يوم خيبر فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلوا على صاحبكم " فتغيرت وجوه الناس لذلك فزعم زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن صاحبكم قد غل في سبيل الله " قال : ففتحنا متاعه فوجدنا خرزات من خرزات اليهود يساوين درهمين .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب المروزي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن أبي حميد الساعدي قال : استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال : هذا لكم وهذا أهدي لي ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال : " ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي ، فهلا جلس في بيت أمه أو في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا فوالذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها تيعر " ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه ثم قال : " اللهم هل بلغت " .

وروى قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال : " لا تصيبن شيئا بغير إذني فإنه غلول ، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " .

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه " .

وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه " .

قوله تعالى : ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزلت لما فقدت قطيفة حمراء يوم أحد فقال بعض الناس: لعل النبي أخذها: «وما كان» ما ينبغي «لنبي أن يّغُلَّ» يخون في الغنيمة فلا تظنوا به ذلك، وفي قراءة بالبناء للمفعول أن ينسب إلى الغلول «ومن يغلُل يأت بما غلَّ يوم القيامة» حاملا له على عنقه «ثم تُوفَّى كل نفس» الغال وغيره جزاء «ما كسبت» عملت «وهم لا يُظلمون» شيئا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما كان لنبيٍّ أن يَخُونَ أصحابه بأن يأخذ شيئًا من الغنيمة غير ما اختصه الله به، ومن يفعل ذلك منكم يأت بما أخذه حاملا له يوم القيامة؛ ليُفضَح به في الموقف المشهود، ثم تُعطى كل نفس جزاءَ ما كسبت وافيًا غير منقوص دون ظلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم نهى - سبحانه - عن الغلول ونزه النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال - تعالى - { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } وقوله { يَغُلَّ } من الغلول وهو الأخذ من الغنيمة خفية قبل قسمتها .

يقال : غل فلان شيئاً من المغنم يغل غلولا إذا أخذه خفية .

ويقال : أغل الجازر أو السالخ إذا أبقى فى الجلد شيئا من اللحم على طريق الخفية .وأصله من الغلل وهو دخول الماء فى خلل الشجر خفية .

والغل : الحقد الكامن فى الصدر وسميت هذه الخيانة غلولا ، لأنها تجرى فى المال على خفاء من وجه لا يحل .والمعنى : ما صح ولا استقام لنبى من الأنبياء أن يخون فى المغنم ، لأن الخيانة تتنافى مع مقام النبوة الذى هو أشرف المقامات { وَمَن يَغْلُلْ } أى ومن يرتكب شيئاً من ذلك ، { يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } أى يأت بما غله يوم القيامة حاملا إياه ليكون فضيحة له يوم الحشر ، ليؤخذ بإثم غلوله وخيانته .وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه أبو داود والترمذى عن ابن عباس قال : " نزلت هذه الآية " { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } فى قطيفة حمراء فقدت يوم بدر .

فقال بعض الناس : لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها ، وأكثروا فى ذلك فأنزل الله الآية " .وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضاً أن المنافقين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء فُقِد ، فأنزل الله - تعالى - { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } .قال ابن كثير - بعد أن ساق هاتين الروايتين - وهذا تنزيه له صلى الله عليه وسلم من جميع وجوه الخيانة فى أداء الأمانة وقسمة الغنيمة وغير ذلك .وفى ورود هذه الآية الكريمة فى سياق الحديث عن غزوة أحد ، حكمة عظيمة ، وتأديب من الله للمؤمنين ، وتحذير لهم من الغلول ، ذلك أن الرماة الذين تركوا أماكنهم مخالفين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دفعهم لذلك خشيتهم من أن ينفرد المقاتلون بالغنائم ، ففعلوا ما فعلوا ، ولقد روى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرماة :" أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم " .وقد نهى صلى الله عليه وسلم فى كثير من الأحاديث عن الغلول ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال : " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ، ثم قال لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثنى ، فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ، ولا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثنى فأقول : لا أملك من الله شيئاً قد أبلغتك .

لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول : يا رسول الله أغثنى فأقول : لا أملك من الله شيئاً قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق - أى ثياب - فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيام على رقبته صامت - أى ذهب وفضة - فيقول : يا رسول الله أغثنى فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك " .هذا ، وجمهور العلماء على أن الغال يأتى بما غله يوم القيامة بعينه على سبيل الحقيقة لأن ظواهر النصوص من الكتاب والنسة تؤيد ذلك .

ولأنه لا موجب لصرف الألفاظ عن ظواهرها .ومن العلماء من جعل الإتيان بالغلول يوم القيامة مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيراً بما غل عما لزمه من الإثم مجازا .قال الفخر الرازى : " واعلم أن هذا التأويل - المجازى - يحتمل ، إلا أن الأصل المعتبر فى علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة إلا إذا قام دليل يمنع منه .

وهنا لا مانع من هذا الظاهر فوجب إثباته " .ومن المفسرين الذين حمولا الإتيان على ظاهره الإمام القرطبى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } أى يأتى به حاملا له على ظهره ورقبته معذباً بحماه وثقله ومرعوباً بصوته ، وموبخاً بإظهار خيانته على رءوس الاشهاد .وقال بعد إيراده للحديث السابق الذى رواه مسلم عن أبى هريرة : قيل الخبر محمول على شهرة الأمر .

أى يأتى يوم القيامة قد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل بعيراً له رغاء أو فرساً له حمحمة .قلت : وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه ، وإذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل - كما فى كتب الأصول - وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم بالحقيقة ولا عطر بعد عروس " .ثم نبه - سبحانه - على العقوبة التى ستحل بالخائن ، بعد أن بين ما سيناله من فضيحة وخزى فقال : { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } .أى : ثم تعطى كل نفس يوم القيامة جزاء ما كسبت من خير أو شر وافيا تاماً ، وهم لا يظلمون شيئاً ، لأن الحاكم بينهم هو ربك الذى لا يظلم أحداً .وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وقوله { وَمَن يَغْلُلْ } وجاء العطف بثم المفيدة للتراخى ، للإشعار بالتفاوت الشديد بين حمله ما غل وبين جزائه وسوء عاقبته يوم القيامة .وقال - سبحانه - { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ } .

.

.

بصيغة العموم ، ولم يقل ثم يوفى الغال مثلا - لأن من فوائد ذكر هذا الجزاء بصيغة العموم ، الاعلام والإخبار للغال وغيره من جميع الكاسبين بأن كل إنسان سيجازى على عمله سواء أكان خيرا أو شراً .

فيندرج الغال تحت هذا العموم أيضاً فكأنه قد ذكر مرتين .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل به؟

قلت : جىء بعام دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى ، وهو أبلغ وأثبت ، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزى فموفى جزاءه ، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بلغ في الحث على الجهاد أتبعه بذكر أحكام الجهاد.

ومن جملتها المنع من الغلول، فذكر هذه الآية في هذا المعنى وفيها مسائل: المسألة الأولى: الغلول هو الخيانة، وأصله أخذ الشيء في الخفية، يقال أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخيانة، والغل الحقد الكامن في الصدر.

والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب، والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجرة لأنه مستتر بالأشجار وتغلل الشيء إذا تخلل وخفى، وقال عليه الصلاة والسلام: «من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» وقال: «هدايا الولاة غلول» وقال: «ليس على المستعير غير المغل ضمان» وقال: «لا إغلال ولا إسلال» وأيضا يقال: أغله إذا وجده غالا، كقولك: أبخلته وأفحمته.

أي وجدته كذلك.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو (يغل) بفتح الياء وضم الغين، أي ما كان للنبي أن يخون، وقرأ الباقون من السبعة يغل بضم الياء وفتح الغين، أي ما كان للنبي أن يخان.

واختلفوا في أسباب النزول، فبعضها يوافق القراءة الأولى.

وبعضها يوافق القراءة الثانية.

أما النوع الأول: ففيه روايات: الأولى: أنه عليه الصلاة والسلام غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم، وتأخرت القسمة لبعض الموانع، فجاء قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم منه درهما أتحسبون أني أغلكم مغنمكم» فأنزل الله هذه الآية.

الثاني: أن هذه الآية نزلت في أداء الوحي، كان عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتم، فسألوه أن يترك ذلك فنزلت هذه الآية.

الثالث: روى عكرمة وسعيد بن جبير: أن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الجهال لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فنزلت هذه الآية.

الرابع: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق آخر أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي عليه الصلاة والسلام من الغنائم بشيء زائد فنزلت هذه الآية.

الخامس: روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث طلائع فغنموا غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت هذه الآية.

السادس: قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أخذ شيئا فهو له» وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر، فقال عليه الصلاة والسلام: «ظننتم أنا نغل فلا نقسم لكم» فنزلت هذه الآية.

واعلم أن على الرواية الأولى المراد من الآية النهي عن أن يكتم الرسول شيئا من الغنيمة عن أصحابه لنفسه، وعلى الروايات الثلاثة يكون المقصود نهيه عن الغلول، بأن يعطى للبعض دون البعض.

وأما ما يوافق القراءة الثانية: فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت غنائم هوازن في يده يوم حنين، غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية.

واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم أمر الغلول وجعله من الكبائر، عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين» وعن عبدالله بن عمرو: أن رجلا كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم، يقال له: كركرة فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو في النار»، فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء وعباءة قد غلهما، وقال عليه الصلاة والسلام: «أدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة».

وروي رويفع بن ثابت الانصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى اذا أعجفها ردها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا حتى اذا أخلقه رده».

وروي أنه صلى الله عليه وسلم جعل سلمان علي الغنيمة فجاءه رجل وقال يا سلمان كان في ثوبي خرق فأخذت خيطا من هذا المتاع فخطته به، فهل علي جناح؟

فقال سلمان: كل شيء بقدره فسل الرجل الخيط من ثوبه ثم ألقاه في المتاع، وروي أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين من المغنم، فقال أصبت هذا يوم خيبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شراك أو شراكان من نار» ورمى رجل بسهم في خيبر، فقال القوم لما مات: هنيئا له الشهادة فقال عليه الصلاة والسلام: «كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة التي أخذها من الغنائم قبل قسمتها لتلتهب عليه نارا».

واعلم أنه يستثنى عن هذا النهي حالتان.

الحالة الأولى: أخذ الطعام وأخذ علف الدابة بقدر الحاجة، قال عبدالله بن أبي أوفى: أصبنا طعاما يوم حنين، فكان الرجل يأتي فيأخذ منه قدر الكفاية ثم ينصرف، وعن سلمان أنه أصاب يوم المدائن أرغفة وجبنا وسكينا، فجعل يقطع من الجبن ويقول: كلوا على اسم الله.

الحالة الثانية: اذا احتاج اليه، روي عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به.

المسألة الثالثة: أما القراءة بفتح الياء وضم الغين، بمعنى: ما كان لنبي أن يخون، فله تأويلان: الأول: أن يكون المراد أن النبوة والخيانة لا يجتمعان، وذلك لأن الخيانة سبب للعار في الدنيا والنار في الآخرة، فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة، والنبوة أعلى المناصب الانسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف، والجمع بين الصفتين في النفس الواحدة ممتنع، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان، فنظير هذه الآية قوله: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  ﴾ يعني: الالهية واتخاذ الولد لا يجتمعان، وقيل: اللام منقولة، والتقدير: وما كان النبي ليغل، كقوله: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ﴾ أي ما كان الله ليتخذ ولدا.

الوجه الثاني: في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال: إن القوم قد التمسوا منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم، ولا شك أنه لو فعل ذلك لكان ذلك غلولا، فأنزل الله تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك، ونظيره قوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ  ﴾ فقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ أي ما كان يحل له ذلك، واذا لم يحل له لم يفعله، ونظيره قوله: ﴿ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا  ﴾ أي ما يحل لنا.

وإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول: حجة هذه القراءة وجوه: أحدها: أن أكثر الروايات في سبب نزول هذه الآية أنهم نسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الغلول، فبين الله بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به.

وثانيها: أن ما هو من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل كقوله: ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله  ﴾ و ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ  ﴾ ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله  ﴾ ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ  ﴾ ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب  ﴾ وقل أن يقال: ما كان زيد ليضرب، وإذا كان كذلك وجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب، ويؤكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة، وقال: ليس في الكلام ما كان لك أن تضرب، بضم التاء.

وثالثها: أن هذه القراءة اختيار ابن عباس: فقيل له إن ابن مسعود يقرأ (يغل) فقال ابن عباس: كان النبي يقصدون قتله، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة؟

وأما القراءة الثانية وهي (يغل) بضم الياء وفتح الغين ففي تأويلها وجهان: الأول: أن يكون المعنى: ما كان للنبي أن يخان.

واعلم أن الخيانة مع كل أحد محرمة، وتخصيص النبي بهذه الحرمة فيه فوائد: أحدها: أن المجني عليه كلما كان أشرف وأعظم درجة كانت الخيانة في حقه أفحش، والرسول أفضل البشر فكانت الخيانة في حقه أفحش.

وثانيها: أن الوحي كان يأتيه حالا فحالا، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.

وثالثها: ان المسلمين كانوا في غاية الفقر في ذلك الوقت فكانت تلك الخيانة هناك أفحش.

الوجه الثاني: في التأويل: أن يكون من الإغلال: أن يخون، أي ينسب الى الخيانة، قال المبرد تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافرا ونسبته الى الكفر، قال العتبي: لو كان هذا هو المراد لقيل: يعلل، كما قيل: يفسق ويفجر ويكفر، والأولى: أن يقال: إنه من أغللته، أي وجدته غالا، كما يقال أبخلته وأفحمته، أي وجدته كذلك.

قال صاحب الكشاف: وهذه القراءة بهذا التأويل يقرب معناها من معنى القراءة الأولى، لأن هذا المعنى لهذه القراءة هو أنه لا يصح أن يوجد النبي غالا، لأنه يوجد غالا إلا إذا كان غالا.

المسألة الرابعة: قد ذكرنا ان الغلول هو الخيانة، إلا أنه في عرف الاستعمال صار مخصوصا بالخيانة في الغنيمة، وقد جاء هذا أيضا في غير الغنيمة، قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الغلول الرجلان يكون بينهما الدار والأرض فان اقتطع أحدهما من صاحبه موضع حصاة طوقها من الأرضين السبع» وعلى هذا التأويل يكون المعنى كونه صلوات الله وسلامه عليه مبرأ عن جميع الخيانات، وكيف لا نقول ذلك والكفار كانوا يبذلون له الأموال العظيمة لترك ادعاء الرسالة فكيف يليق بمن كان كذلك وكان أمينا لله في الوحي النازل اليه من فوق سبع سموات أن يخون الناس!

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة ﴾ وفيه وجهان: الأول: وهو قول أكثر المفسرين إجراء هذه الآية على ظاهرها، قالوا: وهي نظير قوله في مانع الزكاة ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا مَا كَنَزْتُمْ لانفُسِكُمْ فَذُوقُواْ  ﴾ ويدل عليه قوله: «لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك» وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم، ثم يقال له: انزل اليه فخذه فينزل اليه، فاذا انتهى اليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.

قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته.

الوجه الثاني: أن يقال: ليس المقصود منه ظاهره، بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل والتصوير، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السموات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله  ﴾ فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر: بل المقصود إثبات أن الله تعالى لا يعزب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فكذا هاهنا المقصود تشديد الوعيد، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجهين: الأول: قال أبو مسلم: المراد أن الله تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه، لأنه لا يخفى عليه خافية.

الثاني: قال أبو القاسم الكعبي: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، واعلم أن هذا التأويل يحتمل إلا أن الأصل المعتبر في علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة، إلا إذا قام دليل يمنع منه، وهاهنا لا مانع من هذا الظاهر، فوجب اثباته.

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل بما قبله؟

والجواب: الفائدة في ذكر هذا العموم أن صاحب الغلول إذا علم أن هاهنا مجازيا يجازي كل أحد على عمله سواء كان خيراً أو شرا، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب.

السؤال الثاني: المعتزلة يتمسكون بهذا في إثبات كون العبد فاعلا، وفي إثبات وعيد الفساق.

أما الأول: فلأنه تعالى أثبت الجزاء على كسبه، فلو كان كسبه خلقا لله لكان الله تعالى يجازيه على ما خلقه فيه.

وأما الثاني: فلأنه تعالى قال في القاتل المتعمد: ﴿ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ  ﴾ وأثبت في هذه الآية أن كل عامل يصل اليه جزاؤه فيحصل من مجموع الآيتين القطع بوعيد الفساق.

والجواب: أما سؤال الفعل فجوابه المعارضة بالعلم، وأما سؤال الوعيد فهذا العموم مخصوص في صورة التوبة، فكذلك يجب أن يكون مخصوصا في صورة العفو للدلائل الدالة على العفو.

ثم قال تعالى: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ قال القاضي: هذا يدل على أن الظلم ممكن في أفعال الله وذلك بأن ينقص من الثواب أو يزيد في العقاب، قال: ولا يتأتى ذلك إلا على قولنا دون قول من يقول من المجبرة: إن أي شيء فعله تعالى فهو عدل وحكمة لأنه المالك.

الجواب: نفي الظلم عنه لا يدل على صحته عليه، كما أن قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ  ﴾ لا يدل على صحتهما عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِن يَنصُرْكُمُ الله ﴾ كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فَمَن ذَا الذى يَنصُرُكُم ﴾ فهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه.

ونحوه ﴿ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ [فاطر: 2] .

﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ من بعد خذلانه.

أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان؛ تريد إذا جاوزته.

وقرأ عبيد بن عمير: ﴿ وإن يخذلكم ﴾ ، من أخذله إذا جعله مخذولاً.

وفيه ترغيب في الطاعة وفيما يستحقون به النصر من الله تعالى والتأييد، وتحذير من المعصية ومما يستوجبون به العقوبة بالخذلان ﴿ وَعَلَى الله ﴾ وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ولأن إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه.

يقال غلّ شيئاً من المغنم غلولاً وأغلّ إغلالاً، إذا أخذه في خفية.

يقال أغلّ الجازر، إذا سرق من اللحم شيئاً مع الجلد.

والغل: الحقد الكامن في الصدر.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «من بعثناه على عمل فغلّ شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» وقوله صلى الله عليه وسلم: «هدايا الولاة غلول» وعنه: «ليس على المستعير غير المغل ضمان» وعنه: «لا إغلال ولا إسلال» ويقال: أغله إذا وجده غالا، كقولك: أبخلته وأفحمته ومعنى ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ وما صحّ له ذلك، يعني أن النبوة تنافي الغلول، وكذلك من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى معنى الأوّل، لأن معناه: وما صح له أن يوجد غالاً، ولا يوجد غالا إلا إذا كان غالاً.

وفيه وجهان: أحدهما أن يبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وينزه وينبه على عصمته بأن النبوّة والغلول متنافيان؟

لئلا يظن به ظانّ شيئاً منه وألا يستريب به أحد، كما روى: أنّ قطيفة حمراء فقدت يوم بدر.

فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها.

وروي: «أنها نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز وطلبوا الغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري، فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً، فقال صلى الله عليه وسلم: بل ظنتم أنا نغل ولا نقسم لكم» .

والثاني أن يكون مبالغة في النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي: أنه بعث طلائع فغنمت غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع، فنزلت.

يعني: وما كان لنبيّ أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.

وسمى حرمان بعض الغزاة ﴿ غلولا ﴾ تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر، ولو قرئ: (أن يغل) من أغل بمعنى غل، لجاز ﴿ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة ﴾ يأت بالشيء الذي غله بعينه يحمله كما جاء في الحديث: «جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» وروي: «ألا لا أعرفنّ أحدكم يأتي ببعير له رغاء وببقرة لها خوار وبشاة لها ثغاء، فينادي يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً فقد بلغتك» وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسك، فتليت عليه الآية فقال: إذاً أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.

ويجوز أن يراد يأتي بما احتمل من وباله وتبعته وإثمه فإن قلت: هلا قيل: ثم يوفى ما كسب، ليتصل به؟

قلت: جيء بعامّ دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى، وهو أبلغ وأثبت، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي يعدل بينهم في الجزاء، كلٌّ جزاؤه على قدر كسبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ وما صَحَّ لِنَبِيٍّ أنْ يَخُونَ في الغَنائِمِ فَإنَّ النُّبُوَّةَ تُنافِي الخِيانَةَ، يُقالُ غَلَّ شَيْئًا مِنَ المَغْنَمِ يَغُلُّ غُلُولًا وأغَلَّ إغْلالًا إذا أخَذَهُ في خُفْيَةٍ والمُرادُ مِنهُ: إمّا بَراءَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا اتُّهِمَ بِهِ إذْ رُوِيَ أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ  أخَذَها، أوْ ظَنَّ بِهِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ لِلْغَنِيمَةِ وقالُوا نَخْشى أنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ  مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ ولا يُقَسِّمُ الغَنائِمَ.

وَإمّا المُبالَغَةُ في النَّهْيِ لِلرَّسُولِ  عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ بَعَثَ طَلائِعَ، فَغَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقَسَّمَ عَلى مَن مَعَهُ ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ فَنَزَلَتْ.

فَيَكُونُ تَسْمِيَةُ حِرْمانِ بَعْضِ المُسْتَحِقِّينَ غُلُولًا تَغْلِيظًا ومُبالَغَةً ثانِيَةً.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ أنْ يُغَلَّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والمَعْنى: وما صَحَّ لَهُ أنْ يُوجَدَ غالًّا أوْ أنْ يُنْسَبَ إلى الغُلُولِ.

﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَأْتِ بِالَّذِي غَلَّهُ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ.

أوْ بِما احْتَمَلَ مِن وبالِهِ وإثْمِهِ.

﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ يَعْنِي تُعْطى جَزاءَ ما كَسَبَتْ وافِيًا، وكانَ اللّائِقُ بِما قَبْلَهُ أنْ يُقالَ ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَتْ لَكِنَّهُ عَمَّمَ الحُكْمَ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، فَإنَّهُ إذا كانَ كُلُّ كاسِبٍ مَجْزِيًّا بِعَمَلِهِ فالغالُّ مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِ بِذَلِكَ أوْلى.

﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ فَلا يُنْقَصُ ثَوابُ مُطِيعِهِمْ ولا يُزادُ في عِقابِ عاصِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ} مكي وأبو عمرو وحفص وعاصم أي يخون وبضم الياء وفتح الغين غيرهم يقال غلّ شيئاً من المغنم غلولاً وأغلّ إغلالاً إذا أخذه في خفية ويقال أغله إذا وجده غالاً والمعنى ما صح له ذلك يعني أن النبوة تنافي الغلول وكذا من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى هذا لأن معناه وما صح له أن

آل عمران (١٦١ _ ١٦٥)

يوجد غالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر مما أصيب من المشركين فقال بعض المنافقين لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فنزلت الآية {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غل يوم القيامة} أى يأت بالشئ الذي غله بعينه حاملاً له على ظهره كما جاء في الحديث أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه {ثُمَّ توفى كُلُّ نفس ما كسبت} تعطى جزاؤها وافياً ولم يقل ثم يوفى ما كسب ليتصل بقوله يغلل بل جيئ بعام ليدخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى وهو أبلغ لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي جزاء كل على قدر كسبه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَخُونَ في المَغْنَمِ؛ لِأنَّ الخِيانَةَ تُنافِي النُّبُوَّةَ، وأصْلُ الغُلِّ الأخْذُ بِخَفِيَّةٍ ولِذا اسْتَعْمِلُ في السَّرِقَةِ ثُمَّ خُصَّ في اللُّغَةِ بِالسَّرِقَةِ مِنَ المَغْنَمِ قَبْلَ القِسْمَةِ، وتُسَمّى غُلُولًا أيْضًا، قِيلَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأيْدِيَ فِيها مَغْلُولَةٌ أيْ مَمْنُوعَةٌ مَجْعُولُ فِيها غُلٌّ وهي الحَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ يَدَ الأسِيرِ إلى عُنُقِهِ، ويُقالُ لَها: جامِعَةٌ أيْضًا، وقالَ الرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: أصْلُ الغُلُولِ مِنَ الغَلَلِ وهو دُخُولُ الماءِ في خَلَلِ الشَّجَرِ، وسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المِلْكِ عَلى خَفاءٍ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي يَحِلُّ، ومِن ذَلِكَ الغِلُّ لِلْحِقْدِ، والغَلِيلُ لِحَرارَةِ العَطَشِ، والغِلالَةُ لِلشِّغارِ، والمُرادُ تَنْزِيهُ ساحَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَمّا ظَنَّ بِهِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ «أنَّ الرُّماةَ حِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ يَوْمَئِذٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ قالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، وأنْ لا يُقَسِّمَ الغَنائِمَ كَما لَمْ يُقَسَّمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ ولا نَقْسِمُ لَكم، ولِهَذا نَزَلَتِ الآيَةُ»، أوْ تَنْزِيهُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا اتَّهَمَهُ بِهِ بَعْضُ المُنافِقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وحَسَّناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَها، والرِّوايَةُ الأُولى أوْفَقُ بِالمَقامِ، وارْتِباطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْها أتَمُّ؛ لِأنَّ القِصَّةَ أُحُدِيَّةٌ إلّا أنَّ فِيها إشْعارًا بِأنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ لَمْ تُقْسَمْ وهو مُخالِفٌ لِما سَيَأْتِي في الأنْفالِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ أوْلى بِالقَبُولِ عِنْدَ أرْبابِ هَذا الشَّأْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ مُرْسَلًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلائِعَ فَغَنِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَنِيمَةً، فَقَسَّمَ بَيْنَ النّاسِ ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًا، فَلَمّا قَدَمَتِ الطَّلائِعُ قالُوا: قَسَمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَقْسِمْ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، فالمَعْنى ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُعْطِيَ قَوْمًا مِنَ العَسْكَرِ ويَمْنَعَ آخَرِينَ بَلْ عَلَيْهِ أنَّ يَقْسِمَ بَيْنَ الكُلِّ بِالسَّوِيَّةِ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ حِرْمانِ بَعْضِ الغُزاةِ بِالغُلُولِ فَطْمًا عَنْ هَذا الفِعْلِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى حَدِّ ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ خُوطِبَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُرِيدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ - ولا يَخْفى بُعْدُهُ - والصِّيغَةُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ إخْبارٌ لَفْظًا ومَعْنًى، لَكِنَّها لا تَخْلُو عَنْ رَمْزٍ إلى نَهْيٍ عَنِ اعْتِقادِ ذَلِكَ في تِلْكَ الحَضْرَةِ المُقَدَّسَةِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ خَبَرٌ أُجْرِيَ مَجْرى الطَّلَبِ، وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ نَهْيًا في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى ﴾ ، و ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، و ﴿ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴾ وكَذا لِلِامْتِناعِ العَقْلِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ ﴾ ، و ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ﴿ أنْ يَغُلَّ ﴾ عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي تَوْجِيهِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ماضِيهِ أغْلَلْتُهُ أيْ نَسَبْتُهُ إلى الغُلُولِ كَما تَقُولُ أكْفَرْتُهُ أيْ نَسَبْتُهُ إلى الكُفْرِ، قالَ الكُمَيْتُ: وطائِفَةٌ قَدْ (أكْفَرَتْنِي) بِحُبِّكم وطائِفَةٌ قالَتْ مُسِيءٌ ومُذْنِبُ والمَعْنى ما صَحَّ لِنَبِيٍّ أنْ يَنْسِبَهُ أحَدٌ إلى الغُلُولِ، وثانِيها أنْ يَكُونَ مِن أغْلَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ غالًّا كَقَوْلِهِمْ أحَمَدْتُهُ وأبْخَلْتُهُ وأجْبَنْتُهُ بِمَعْنى وجَدْتُهُ كَذَلِكَ، والمَعْنى ما صَحَّ لِنَبِيٍّ أنْ يُوجَدَ غالًّا، وثالِثُها أنَّهُ مِن غُلٍّ إلى أنَّ المَعْنى ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّهُ غَيْرُهُ أيْ يَخُونُهُ ويَسْرِقُ مِن غَنِيمَتِهِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ النَّبِيِّ بِذَلِكَ وإنْ كانَ لا يَجُوزُ أنْ يَغُلَّ غَيْرُهُ مِن إمامٍ أوْ أمِيرٍ إمّا لِعِظَمِ خِيانَتِهِ أوْ لِأنَّهُ القائِمُ بِأمْرِ الغَنائِمِ، فَإذا حَرُمَتِ الخِيانَةُ عَلَيْهِ وهو صاحِبُ الأمْرِ فَحُرْمَتُها عَلى غَيْرِهِ أوْلى كَذا قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَوْجِيهِ التَّخْصِيصِ بِما ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِفاتِ إلى سَبَبِ النُّزُولِ والنَّظَرِ إلى ما سَيَأْتِي بَعْدُ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أداءِ الوَحْيِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ القُرْآنَ وفِيهِ عَيْبُ دِينِهِمْ وسَبُّ آلِهَتِهِمْ فَسَألُوهُ أنْ يُطْوى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، ولا يَخْفى أنَّهُ بِعِيدٌ جِدًّا، ولا أدْرِي كَيْفَ سَنَدُ هَذِهِ الرِّوايَةِ، ولا أظُنُّ الخَبَرَ إلّا مَوْضُوعًا، ويَزِيدُهُ بُعْدًا بَلْ لا يَكادُ يُجَوِّزُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ وهو جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ بِالَّذِي غَلَّهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا ويَكُونُ التَّقْدِيرُ في حالِ عَلِمَ الغالُّ بِعُقُوبَةِ الغُلُولِ، وظاهِرُ الآثارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإتْيانَ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا فَذَكَرَ الغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ ثُمَّ قالَ: ألا لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَها حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ رِقاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغَتْكَ» .

والأخْبارُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنْ يُفْضَحَ بِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ زِيادَةً في عُقُوبَتِهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ عَقْلًا.

والِاسْتِبْعادُ غَيْرُ مُفِيدٍ، وقَدْ وقَعَ ما يُشْعِرُ بِالِاسْتِبْعادِ قَدِيمًا، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ هَذا يَغُلُّ ألْفَ دِرْهَمٍ وألْفَيْ دِرْهَمٍ يَأْتِي بِها أرَأيْتَ مَن يَغُلُّ مِائَةَ بَعِيرٍ أوْ مِائَتَيْ بَعِيرٍ كَيْفَ يَصْنَعُ بِها ؟

!

قالَ: أرَأيْتَ مَن كانَ ضِرْسُهُ مِثْلَ أُحُدٍ، وفَخِذُهُ مِثْلَ ورِقانَ، وساقُهُ مِثْلَ بَيْضاءَ، ومَجْلِسُهُ ما بَيْنَ الرَّبَذَةِ إلى المَدِينَةِ، ألا يَحْمِلُ مِثْلَ هَذا.

ووَرَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الإتْيانَ بِالغُلُولِ مِنَ النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ في الآيَةِ حَذْفٌ أيْ يَأْتِ بِما غَلَّ مِنَ النّارِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الحَجَرَ لَيَزِنُ سَبْعُ خَلِفاتٍ، فَيُلْقى في جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ويُؤْتى بِالغُلُولِ فَيُلْقى مَعَهُ ثُمَّ يُكَلَّفُ صاحِبُهُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ وهو قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ » .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَوْ كُنْتُ مُسْتَحِلًّا مِنَ الغُلُولِ القَلِيلَ لاسْتَحْلَلْتُ مِنهُ الكَثِيرَ، ما مِن أحَدٍ يَغُلُّ إلّا كُلِّفَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ مِن أسْفَلِ دَرْكِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: الإتْيانُ بِهِ مَجازٌ عَنِ الإتْيانِ بِإثْمِهِ تَعْبِيرًا بِما عَمِلَ عَمّا لَزِمَهُ مِنَ الإثْمِ أيْ يَأْتِ بِما احْتَمَلَ مِن وبالِهِ وإثْمِهِ، واخْتارَهُ البَلْخِيُّ، وقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما تَضَمَّنَتْهُ الأخْبارُ جاءَ عَلى وجْهِ المَثَلِ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى إذْ فَضَحَ الغالَّ وعاقَبَهُ العُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ جَرى مَجْرى أنْ يَكُونَ آتِيًا بِهِ وحامِلًا لَهُ ولَهُ صَوْتٌ، ولا يَخْفى أنَّ جَوابَ أبِي هُرَيْرَةَ لِلرَّجُلِ يَأْبى هَذا التَّأْوِيلَ.

وقِيلَ: إنَّ المَعانِيَ تَظْهَرُ في صُوَرٍ جُسْمانِيَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ خَبَرُ مَجِيءِ المَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ، وتَلَقِّي القُرْآنِ صاحِبَهُ في صُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لا يَبْعُدُ ظُهُورُ الأعْمالِ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي بِصُوَرٍ تُناسِبُها فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَعْصِيَةَ كُلِّ غالٍّ تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ غُلُولِهِ، فَيَأْتِي بِها هُناكَ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الأخْبارُ عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ارْتِكابِ التَّمْثِيلِ، وجَوابُ أبِي هُرَيْرَةَ لا يَأْباهُ، وإلْقاؤُهُ في النّارِ أيْضًا غَيْرُ مُشْكِلٍ، وأهْلُ الظّاهِرِ لَعَلَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ يُلْقى مِن غَيْرِ تَعْذِيبٍ، وبِتَقْدِيرِهِ لا مَحْذُورَ أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ خَلْقًا حِينَ قَوْلِ جَهَنَّمَ: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ فَيَضَعُهم فِيها، ومَعَ هَذا وتَسْلِيمِ صِحَّةِ الخَبَرِ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِاسْتِثْناءِ بَعْضِ الغُلُولِ عَنِ الإلْقاءِ إذْ قَدْ يَكُونُ الغُلُولُ مُصْحَفًا ولا أظُنُّ أحَدًا يَتَجاسَرُ عَلى القَوْلِ بِإلْقائِهِ.

﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ أيْ تُعْطى كُلُّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ تامًّا وافِيًا، فَفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أوْ أنَّهُ أُقِيمَ المَكْسُوبُ مَقامَ جَزائِهِ، وفي تَعْلِيقِ التَّوْفِيَةِ بِكُلِّ مَكْسُوبٍ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ الغالِّ عِنْدَ إتْيانِهِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِ اليَوْمِ والمُبالَغَةِ في بَيانِ فَظاعَةِ حالِ الغالِّ ما لا يَخْفى، فَإنَّهُ إذا كانَ كُلُّ كاسِبٍ مَجْزِيًّا بِعَمَلِهِ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ، وإنْ كانَ جُرْمُهُ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ، فالغالُّ مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِ بِذَلِكَ أوْلى، وهَذا سَبَبُ العُدُولِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن نَحْوِ ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَ؛ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَرادُ ثُمَّ تُوَفّى مِنهُ كُلُّ نَفْسٍ لَها حَقٌّ في تِلْكَ الغَنِيمَةِ ما كَسَبَتْ مِن نُقْصانِ حَقِّها مِن غُلِّهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّظْمُ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حَمْلِهِ ما غَلَّ وبَيْنَ جَزائِهِ، أوْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أيْ بَعْدِ حَمْلِهِ ما غَلَّهُ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وجَعَلَهُ مُنْتَظَرًا فِيما بَيْنَ النّاسِ مُفْتَضَحًا حامِلًا ما غَلَّهُ تُوَفّى مِنهُ كُلُّ نَفْسٍ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الِاحْتِمالِ مِمّا يُصانُ عَنْهُ كَلامُ المَلِكِ المُتَعالِ، فالحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ هو القَوْلُ الأوَّلُ المُتَضَمِّنُ لِنُكْتَةِ العُدُولِ، وأمْرُ (ثُمَّ) عَلَيْهِ ظاهِرٌ سَواءٌ جُعِلَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، أوِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ.

أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الإتْيانَ بِما غَلَّ عِنْدَ قِيامِهِ مِنَ القَبْرِ عَلى ما هو الظّاهِرُ والجَزاءُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.

وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ جَزاءَ الغالِّ وعُقُوبَتَهُ أشَدُّ فَظاعَةً مِن حَمْلِ ما غَلَّهُ والفَضِيحَةُ بِهِ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحَمْلُ كالعِلاوَةِ عَلى الحَمْلِ، بَلْ يَكادُ أنْ يَكُونَ نَعِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلْقى بَعْدُ، والجُمْلَةُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ.

﴿ وهُمْ ﴾ أيْ كُلُّ النّاسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ ﴿ لا يُظْلَمُونَ ﴾ أيْ لا يَنْقُصُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ والعَدْلِ ثَوابُ مُطِيعِهِمْ ولا يُزادُ عِقابُ عاصِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: يَغُل بنصب الياء.

وقرأ الباقون: يُغَل بضم الياء ونصب الغين.

فمن قرأ بالنصب معناه: وما كان لنبي أن يخون في الغنيمة، ومن قرأ بالضم فمعناه: لا ينسب إلى الغلول.

وذلك أنه لما كان يوم أحد أخذوا في النهب والغارة وتركوا القتال، وخافوا أن تفوتهم الغنيمة، وظنوا أن من أخذ شيئاً يكون له، وأن النبيّ  لا يقسم لهم، فنزلت هذه الآية: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ يقول: ما جاز لنبيّ أن يخون في الغنيمة، وما جاز لأصحابه أن ينسبوه إلى الخيانة وَمَنْ يَغْلُلْ أي يخن في الغنيمة يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني يحمله على ظهره.

وهذا كما روي عن رسول الله  أنه قال: «لأَعرِفَنّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْتِي عَلَى عُنقِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله شَيْئاً» يريد أن من غل شاة أو بقرة، أتى بها يوم القيامة يحملها.

ويقال: من غلّ شيئاً في الدنيا، يمثل له يوم القيامة في النار، ثم يقال له: انزل إليه فَخُذْه، فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله، فكلما انتهى به إلى الباب سقط منه إلى أسفل جهنم، فيرجع فيأخذه فلا يزال كذلك ما شاء الله.

ويقال: يَأْتِ بِما غَلَّ يعني تشهد عليه يوم القيامة تلك الخيانة والغلول، ويقال هذا على سبيل التمثيل يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي بوباله، فيكون وباله على عنقه كما قال في آية أخرى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ [الأنعام: 31] .

ثم قال تعالى: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ أي توفى وتجازى كل نفس ما عملت من خير أو شر وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ قال الكلبي: يعني أفمن أخذ الحلال من الغنيمة كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ يعني: كمن استوجب سخطاً من الله بأخذ الغلول من الغنائم.

ثم بيّن مستقر كل من غل يوم القيامة ومن أخذ من الحلال، فقال لمن غل: وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الذي صاروا إليه يعني النار.

وقال في حق من أخذ الحلال: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ يعني لهم درجات في الجنة عند الله، ويقال: هم ذوو درجات عند الله وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي بمن غلّ وبمن لم يغل.

وقال القتبي: هي طبقات عند الله في الفضل، فبعضهم أرفع من بعض.

وقال أبو عبيدة والكسائي: لهم درجات عند الله، ويقال لمن لم يغل درجات في الجنة، ولمن غل درجات في النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

«التذكرة» «١» ، وما وقَعَ من ذكْرِ الحَثْيَةِ والحَفْنَةِ لَيْسَ هو على ظاهره، فاللَّه سبحانه منزَّه عن صفَاتِ الأجْسَامِ.

وقوله تعالى: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ أيْ: يترككم، والخذل الترك، والضميرُ في: مِنْ بَعْدِهِ يعودُ على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ على الخذل.

وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)

وقوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، قرأ ابنُ كَثِيرٍ «٢» ، وأبو عَمْرٍو، وعاصم: «أَنْ يَغُلَّ» بفتح الياء، وضم الغين، وقرأ باقي السبعة: «أَنْ يُغَلَّ» بضم الياء، وفتح الغين، واللفظةُ بمعنى الخِيَانة في خَفَاءِ، تقولُ العربُ: أَغَلَّ الرَّجُلُ يُغِلُّ إغْلاَلاً، إذا خان، واختلفَ عَلَى القراءة الأولى، فقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: نزلَتْ بسبب قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ من المغانمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فقال بعضُ النَّاس: لعلَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم أَخَذَهَا «٣» ، فقيلَ: كانت هذه المَقَالَةُ مِنْ مؤمِنٍ لم يَظُنَّ في ذلك حَرَجاً.

وقيل: كانَتْ من منافِقين، وقد رُوِيَ أن المفقود إنما كَانَ سَيْفاً، قال النَّقَّاش: ويقال:

إنما نزلَتْ لأن الرماة قالوا يوم أُحُدٍ: الغنيمةَ الغنيمةَ، فإنا نخشى أن يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَنْ أَخَذ شيئاً، فهو له «٤» ، وقال ابْنُ إسحاق: الآية إنما أنزلَتْ، إعلاماً بأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكتم شيئاً مما أُمِرَ بتبليغه «٥» .

وأمَّا على القراءة الثانيةِ، فمعناها عند الجمهور، أي: ليس لأحدٍ أنْ يغل النبيَّ، أيْ:

يخونه في الغنيمة لأنَّ المعاصِيَ تَعْظُمُ بحَضْرته لتعيين توقيره.

قال ابن العربي «١» في «أحكامه» : وهذا القول هو الصحيحُ، وذلك أنَّ قوماً غَلُّوا من الغنائمِ، أو هَمُّوا، فأنزل اللَّه تعالَى الآية، فنهاهُمُ اللَّه عن ذلك، رواه الترمذيُّ.

انتهى.

وقوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...

الآية: وعيدٌ لِمَنْ يغل من الغنيمة، أو في زكاته بالفَضِيحَة يَوْمَ القيامة على رءوس الأَشهاد، قال القرطبيُّ في «تذكرته» «٢» : قال علماؤنا (رحمهم اللَّه) في قوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ: إنّ ذلك على الحقيقة كما بيّنه صلّى الله عليه وسلّم، أي: يأتي به حاملاً له على ظهره ورقبته، معذَّباً بحمله وثِقَلِهِ، ومروَّعاً بصوته، وموبَّخاً بإظهار خيانته.

انتهى.

وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «أَدُّوا الْخَائِطَ وَالمَخِيطَ فَإنَّ الغُلُولَ عَارٌ ونَارٌ وشَنَارٌ على أَهْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» «٣» رواه مالكٌ في «الموطَّأ» ، قال أبو عُمَرَ في «التمهيد» : الشَّنَار: لَفْظَةٌ جامعةٌ لمعنَى العَارِ وَالنَّارِ، ومعناها الشَّيْن، والنَّار يريد أن الغلول شَيْنٌ وعارٌ ومنْقَصَة في الدُّنْيا، وعذابٌ في الآخرة.

انتهى، وفي الباب أحاديثُ صحيحةٌ في الغُلُولِ، وفي مَنْعِ الزكاة.

وقوله سبحانه: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ، أي: الطاعة الكفيلة بِرضْوَان اللَّه.

قال ص: «أَفَمَنْ» : استفهام، معناه: النَّفْيُ، أي: ليس مَنِ اتبع مَا يَئُولُ به إلى رِضَا اللَّه تعالى عَنْه فباء برضَاه، كَمَنْ لم يَتَّبِعْ ذلك فباء بسَخَطه.

انتهى.

وقوله سبحانه: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ قال ابنُ إسحاق وغيره: المراد بذلك الجَمْعَانِ المذكورانِ أهل الرِّضْوان، وأصحاب السَّخَط «٤» ، / أيْ: لكلِّ صِنْفٍ منهم تَبَايُنٌ في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق النَّار أيضاً، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ ما ظاهره: أن المراد بقوله: «هم» ، إنما هو لمتبعي الرضْوان «٥» ، أي: لهم درجاتٌ كريمةٌ عند ربهم، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: هُمْ ذَوْو دَرَجَاتٍ، والدرجاتُ: المنازلُ بعضها أعلى من بعض في المَسَافة، أو في التكرمة، أو في العذاب، وباقي الآية وعد ووعيد.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ قَطِيفَةً مِنَ المَغْنَمِ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ ناسٌ: لَعَلَّ النَّبِيَّ  أخَذَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ رَجُلًا غَلَّ مِن غَنائِمِ هَوازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِن أشْرافِ النّاسِ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ  أنْ يَخُصَّهم بِشَيْءٍ مِنَ الغَنائِمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ  بَعَثَ طَلائِعًا، فَغَنِمَ النَّبِيُّ  غَنِيمَةً، ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ، فَقالُوا: قَسَمَ الفَيْءَ ولَمْ يَقْسِمْ لَنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّ قَوْمًا غَلُّوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّها «نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَرَكُوا مَرْكَزَهم يَوْمَ أُحُدٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ، وقالُوا: نَخافُ أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ  : "مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ" فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ  : "ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم ألّا تَبْرَحُوا؟!

أظْنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ؟!" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والسّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في غُلُولِ الوَحْيِ، قالَهُ القُرَظِيُّ، وابْنُ إسْحاقَ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهم كانُوا يُكْرَهُونَ ما في القُرْآَنِ مِن عَيْبِ دِينِهِمْ وآَلِهَتِهِمْ، فَسَألُوهُ أنْ يَطْوِيَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "يَغُلَّ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، ومَعْناها: يَخُونُ.

وفي هَذِهِ الخِيانَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: خِيانَةُ المالِ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: خِيانَةُ الوَحْيِ عَلى قَوْلِ القُرَظِيِّ، وابْنِ إسْحاقَ.

وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، ولَها وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى يُخانُ، [وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُلْفى خائِنًا، يُقالُ: أغْلَلْتُ فُلانًا، أيْ: وجَدْتُهُ غالًّا، كَما يُقالُ: أحْمَقْتُهُ: وجَدْتُهُ أحْمَقَ، وأحْمَدْتُهُ: وجَدْتُهُ مَحْمُودًا ] قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: يَخُونُ، قالَهُ الفَرّاءُ، وأجازَهُ الزَّجّاجُ، ورَدَّهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: لَوْ أرادَ، يَخُونُ لَقالَ: يَغْلُلْ كَما يُقالُ: يَفْسُقُ، ويَخُونُ، ويَفْجُرُ.

وَقِيلَ: "اللّامُ" في قَوْلِهِ "لِنَبِيٍّ" مَنقُولَةٌ، ومَعْنى الآَيَةِ: وما كانَ النَّبِيُّ لِيَغُلَّ، ومِثْلُهُ: ﴿ ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ  ﴾ ، أيْ: ما كانَ اللَّهُ لِيَتَّخِذَ ولَدًا.

وَهَذِهِ الآَيَةُ مِنَ ألْطَفِ التَّعْرِيضِ، إذْ قَدْ ثَبَتَتْ بَراءَةُ ساحَةِ النَّبِيِّ  ، مِنَ الغُلُولِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الغُلُولَ في غَيْرِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿ وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ  ﴾ وقَدْ ذُكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوُ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ الغُلُولُ: أخْذُ شَيْءٍ مِنَ المَغْنَمِ خِفْيَةً، ومِنهُ الغِلالَةُ، وهي ثَوْبٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيابِ، والغَلَلُ: وهو الماءُ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ الشَّجَرِ، والغِلُّ: وهو الحِقْدُ الكامِنُ في الصَّدْرِ، وأصْلُ البابِ الِاخْتِفاءُ.

وفي إتْيانِهِ بِما غَلَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ يَأْتِي بِما غَلَّهُ، يَحْمِلُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمًا فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ، وعَظَّمَ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: "لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فُرْسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أُمَلِّكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ شاةٌ لَها ثُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ.

لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَها صِياحٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ.

لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ رِقاعٌ تَخْفُقُ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ.

لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ" .» الرُّغاءُ: صَوْتُ البَعِيرِ، والثُّغاءُ: صَوْتُ الشّاةِ، والنَّفْسُ: ما يُغَلُّ مِنَ السَّبْيِ، والرِّقاعُ: الثِّيابُ والصّامِتُ: المالُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَأْتِي حامِلًا إثْمَ ما غَلَّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ ما غَلَّ مِن حَسَناتِهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ لِمَكانِ الأثَرِ الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ أيْ: تُعْطى جَزاءَ ما كَسَبَتْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في صِيغَةِ: وما كانَ لِكَذا أنْ يَكُونَ كَذا، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ  ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ "يَغُلَّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ.

وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ "أنْ يُغَلَّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، وبِها قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ.

واللَفْظَةُ: بِمَعْنى الخِيانَةِ في خَفاءٍ.

قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الغَلَلِ؛ وهو الماءُ الجارِي في أُصُولِ الشَجَرِ والدَوْحِ، قالَ أبُو عَمْرٍو: تَقُولُ العَرَبُ: أغَلَّ الرَجُلُ يُغِلُّ إغْلالًا: إذا خانَ، ولَمْ يُؤَدِّ الأمانَةَ، ومِنهُ قَوْلُ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: جَزى اللهُ عَنِّي جَمْرَةَ بْنَةَ نَوْفَلٍ جَزاءَ مُغِلٍّ بِالأمانَةِ كاذِبِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ شُرَيْحٌ: لَيْسَ عَلى المُسْتَعِيرِ غَيْرِ المُغِلِّ ضَمانٌ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَقُولُ في الغِلِّ الَّذِي هو الضَغَنُ: غَلَّ يَغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ.

ويَقُولُونَ في الغُلُولِ مِنَ الغَنِيمَةِ: غَلَّ يَغُلُّ بِضَمِّ الغَيْنِ.

والحُجَّةُ لِمَن قَرَأ "يَغُلَّ" أنَّ ما جاءَ مِن هَذا النَحْوِ في التَنْزِيلِ أُسْنِدَ الفِعْلُ فِيهِ إلى الفاعِلِ عَلى نَحْوِ: ﴿ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ  ﴾ ﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ  ﴾ ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ  ﴾ ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ  ﴾ ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ  ﴾ ولا يَكادُ يَجِيءُ: ما كانَ زَيْدٌ لِيُضْرَبَ فَيُسْنَدُ الفِعْلُ فِيهِ إلى المَفْعُولِ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الِاحْتِجاجِ نَظَرٌ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ "يَغُلَّ" بِضَمِّ الغَيْنِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ "يُغَلَّ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى واللهِ ويُقْتَلُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في السَبَبِ الَّذِي أوجَبَ أنْ يَنْفِيَ اللهُ تَعالى عَنِ النَبِيِّ أنْ يَكُونَ غالًّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ -الَّتِي هي بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ مَن كانَ مَعَ النَبِيِّ  : لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ أخَذَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِن مُؤْمِنِينَ لَمْ يَظُنُّوا أنَّ في ذَلِكَ حَرَجًا، وقِيلَ: كانَتْ مِن مُنافِقِينَ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ المَفْقُودَ إنَّما كانَ سَيْفًا.

قالَ النَقّاشُ: ويُقالُ: «إنَّما نَزَلَتْ لِأنَّ الرُماةَ قالُوا يَوْمَ أُحُدٍ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ أيُّها الناسُ، إنَّما نَخْشى أنْ يَقُولَ النَبِيُّ  : مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  ، قالَ: "خَشِيتُمْ أنْ نَغُلَّ؟" ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ الضَحّاكُ: بَلِ السَبَبُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  : بَعَثَ طَلائِعَ في بَعْضِ غَزَواتِهِ ثُمَّ غَنِمَ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، فَقَسَمَ لِلنّاسِ ولَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ عِتابًا: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ » أيْ: يَقْسِمَ لِبَعْضٍ ويَتْرُكَ بَعْضًا، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا القَوْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ إعْلامًا بِعَدْلِ رَسُولِ اللهِ  وقَسْمِهِ لِلْغَنائِمِ، ورَدًّا عَلى الأعْرابِ الَّذِينَ صاحُوا بِهِ: اقْسِمْ عَلَيْنا غَنائِمَنا يا مُحَمَّدُ، وازْدَحَمُوا حَتّى اضْطَرُّوهُ إلى السَمُرَةِ الَّتِي أخَذَتْ رِداءَهُ، ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ إعْلامًا بِأنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِمّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّ الآيَةَ عَلى هَذا في قِصَّةِ أُحُدٍ، لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ وَشاوِرْهم في الأمْرِ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اسْتَحْسَنُوهُ بَعْدَ إساءَتِهِمْ مِنَ العَفْوِ عنهم ونَحْوِهِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، وكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ "يُغِلَّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الغَيْنِ، لِأنَّهُ مِنَ الإغْلالِ في الأمانَةِ.

وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أنْ يُغَلَّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، فَمَعْناها عِنْدَ جُمْهُورٍ مِن أهْلِ العِلْمِ: أنْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَغُلَّهُ، أيْ يَخُونَهُ في الغَنِيمَةِ.

فالآيَةُ في مَعْنى نَهْيِ الناسِ عَنِ الغُلُولِ في المَغانِمِ والتَوَعُّدِ عَلَيْهِ.

وخُصَّ النَبِيُّ بِالذِكْرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَحْظُورًا مَعَ الأُمَراءِ لِشُنْعَةِ الحالِ مَعَ النَبِيِّ  ، لِأنَّ المَعاصِيَ تَعْظُمُ مَعَ حَضْرَتِهِ لِتَعَيُّنِ تَوْقِيرِهِ، والوُلاةُ وإنَّما هم عن أمْرِ النَبِيِّ  فَلَهم حَظُّهم مِنَ التَوْقِيرِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى "أنْ يُغَلَّ" أنْ يُوجَدَ غالًّا، كَما تَقُولُ: أحْمَدْتُ الرَجُلَ وجَدْتَهُ مَحْمُودًا، فَهَذِهِ القِراءَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَرْجِعُ إلى مَعْنى "يَغُلَّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْنى "يُغَلَّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ يُقالُ لَهُ: غَلَلْتَ ويُنْسَبُ إلى ذَلِكَ، كَما تَقُولُ أسْقَيْتُهُ، إذا قُلْتَ: سَقاكَ اللهُ كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ: وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ مُوَقِّرٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ.

ونَحْوُهُ في الكَلامِ: أكْفَرْتُ الرَجُلَ إذا نَسَبْتَهُ إلى الكُفْرِ، وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا آكُلُ سَمْنًا حَتّى يَحْيا الناسُ مِن أوَّلِ ما يَحْيَوْنَ"، أيْ يَدْخُلُونَ في الحَيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ وعِيدٌ لِمَن يَغُلُّ مِنَ الغَنِيمَةِ، أو في زَكاتِهِ فَيَجْحَدُها ويُمْسِكُها، فالفَضِيحَةُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْ يَأْتِيَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ بِالشَيْءِ الَّذِي غَلَّ في الدُنْيا.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَطَبَ فَقالَ: "ألا عَسى رَجُلٌ مِنكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ شاةٌ لَها ثُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ" ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَلامُ في بَقَرَةٍ لَها خُوارٌ، وجَمَلٍ لَهُ رُغاءٌ، وفَرَسٍ لَهُ حَمْحَمَةٌ.» ورَوى نَحْوَ هَذا الحَدِيثِ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ النَبِيُّ  : « "لا أعْرِفَنَّ أحَدَكم يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُ شاةً لَها ثُغاءٌ...."» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.

ورَوى نَحْوَهُ أبُو حُمَيْدٍ الساعِدِيُّ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "أدُّوا الخِياطَ والمِخْيَطَ" فَقامَ رَجُلٌ فَجاءَ بِشِراكٍ أو شِراكَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "شِراكٌ أو شِراكانِ مِن نارٍ"» وقالَ في مِدْعَمٍ: « "إنَّ الشَمْلَةَ الَّتِي غَلَّ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الفَضِيحَةُ الَّتِي يُوقِعُ اللهُ بِالغالِّ هي نَظِيرَةُ الفَضِيحَةِ الَّتِي تُوقَعُ بِالغادِرِ؛ في أنْ يُنْصَبَ لَهُ لِواءٌ بِغَدْرَتِهِ حَسَبَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَ اللهُ هَذِهِ المُعاقَباتِ حَسْبَما يَعْهَدُهُ البَشَرُ ويَفْهَمُونَهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الحادِرَةِ أسُمَيُّ ويْحَكِ هَلْ سَمِعْتِ بِغَدْرَةٍ ∗∗∗ رُفِعَ اللِواءُ لَنا بِها في المَجْمَعِ وكانَتِ العَرَبُ تَرْفَعُ لِلْغادِرِ لِواءً، وكَذَلِكَ يُطافُ بِالجانِي مَعَ جِنايَتِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ: ﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَن باءَ ﴾ ....

الآيَةُ، تَوْقِيفٌ عَلى تَبايُنِ المَنزِلَتَيْنِ وافْتِراقِ الحالَتَيْنِ، والرِضْوانُ: مَصْدَرٌ، وقَرَأهُ عاصِمٌ -فِيما رُوِيَ عنهُ- بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ جَمِيعُهم بِكَسْرِها، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأها بِكَسْرِ الراءِ وضَمِّ الضادِ، وهَذا كُلُّهُ بِمَعْنىً واحِدٍ مَصْدَرٌ مِنَ الرِضى.

والمَعْنى: اتَّبَعُوا الطاعَةَ الكَفِيلَةَ بِرِضْوانِ اللهِ، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ وَ"باءَ بِسَخَطٍ" مَعْناهُ: مَضى مُتَحَمِّلًا لَهُ، والسَخَطُ: صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ تَتَرَدَّدُ مَتى لُحِظَ فِيها مَعْنى الإرادَةِ.

وقالَ الضَحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى أنَّ مَن لَمْ يَغُلَّ واتَّقى؛ فَلَهُ الرِضْوانُ، وإلى أنَّ مَن غَلَّ وعَصى فَلَهُ السَخَطُ.

وقالَ غَيْرُهُ: هي مُشِيرَةٌ إلى أنَّ مَنِ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ فَلَهُ الرِضْوانُ، وإلى المُنافِقِينَ الراجِعِينَ عَنِ النَبِيِّ  فَلَهُمُ السَخَطُ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "هم دَرَجاتٌ"؛ مَنِ المُرادُ بِذَلِكَ؟

فَقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِذَلِكَ الجَمْعانِ المَذْكُورانِ، أهْلُ الرِضْوانِ وأصْحابُ السَخَطِ، أيْ: لِكُلِّ صِنْفٍ مِنهم تَبايُنٌ في نَفْسِهِ؛ في مَنازِلِ الجَنَّةِ، وفي أطْباقِ النارِ أيْضًا.

وقالَ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ ما ظاهِرُهُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: "هُمْ" إنَّما هو لِمُتَّبِعِي الرِضْوانِ، أيْ: لَهم دَرَجاتٌ كَرِيمَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هم دَرَجاتٌ، والدَرَجاتُ: المَنازِلُ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ في المَسافَةِ أو في التَكْرِمَةِ، أو في العَذابِ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "هم دَرَجَةٌ" بِالإفْرادِ.

وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ ووَعْدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أنَّه عطف على مجموع الكلام عطف الغرض رعلى الغرض وموقعه عقب جملة: ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم ﴾ [آل عمران: 160].

الآية لأنها أفادت أن النصر بيد الله والخذْل بيده، وذلك يستلزم التَّحريض على طلب مرضاته ليكون لطيفاً بمن يُرضونه.

وإذ قد كانت هذه النَّصائح والمواعظ موجهة إليهم ليعملوا بها فيما يستقبل من غزواتهم، نبّهوا إلى شيء يستخفّ به الجيش في الغزوات، وهو الغُلول ليعلموا أنّ ذلك لا يُرضي الله تعالى فيحذَروه ويكونوا ممّا هو أدعى لغضب الله أشدّ حذراً فهذه مناسبة التَّحذير من الغلول ويعضّد ذلك أنّ سبب هزيمتهم يوم أُحُد هو تعجلهم إلى أخذ الغنائم.

والغلُول: تعجّل بأخذ شيء من غال الغنيمة.

ولا تجد غير هذا يصلح لأن يكون مناسباً لتعقيب آية النصر بآية الغلول، فإنّ غزوة أحُد الَّتي أتت السورة على قصّتها لم يقع فيها غُلول ولا كائن للمسلمين فيها غنيمة وما ذكره بعض المفسِّرين من قضية غلوللٍ وقعت يومَ بدر في قطيفة حمراء أو في سيف لا يستقيم هنا لبعد ما بين غزوة بدر وغزوة أُحُد فضلاً على ما ذكره بعضهم من نزول هذه الآية في حرص الأعراب على قسمة الغنائم يوم حُنين الواقععِ بعد غزوة أحُد بخمس سنين.

وقرأ جمهور العشرة: يُغَلّ بضمّ التحتية وفتح الغين وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو وعاصم بفتح التحتية وضَمّ الغين.

والفعل مشتقّ من الغلول وهو أخذ شيء من الغنيمة بدون إذن أمير الجيش، والغلول مصدر غير قياسي، ويطلق الغلول على الخيانة في المال مطلقاً.

وصيغة ﴿ وما كان لنبي أن يُغلّ ﴾ صيغة جحود تفيد مبالغة النَّفي.

وقد تقدّم القول فيها عند قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنُّبَوة ﴾ [آل عمران: 79] في هذه السورة فإذا استعملت في الإنشاء كما هنا أفادت المبالغة في النَّهي.

والمعنى على قراءة الجمهور نهي جيش النَّبيء عن أن يَغلُو لأنّ الغلول في غنائم النَّبيء صلى الله عليه وسلم غلول للنَّبيء، إذ قسمة الغنائم إليه، وأمَّا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم فمعنى أن النَّبيء لا يَغُلّ أنَّه لا يقع الغلول في جيشه فإسناد الغُلول إلى النَّبيء مجاز عقلي لملابسة جيش النَّبيء نبيئَهم ولك أن تجعله على تقدير مضاف.

والتقدير: ما كَان لجيش نَبيء أن يَغُلّ.

ولبعض المفسّرين من المتقدّمين ومن بعدهم تأويلات للمعنى على هذه القراءة فيها سَماجة.

ومعنى و ﴿ من يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ أنَّه يأتي به مشهَّراً مفضوحاً بالسرقة.

ومن اللَّطائف ما في البيان والتبيين للجاحظ: أنّ مَزْيَداً رجلاً من الأعراب سرق نافجة مسك فقيل له: كيفَ تسرقها وقد قال الله تعالى: ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ ؟

فقال: إذَنْ أحمِلُها طيّبةَ الريح خفيفة المحمل.

وهذا تلميح وتلقي المخاطب بغير ما يترقّب.

وقريب منه ما حكي عن عبد الله بن مسعود والدرك على مَن حكاه قالوا: لمّا بعث إليه عثمان ليسلم مصحفه ليحرقه بعد أن اتَّفق المسلمون على المصحف الَّذي كُتب في عهد أبي بكر قال ابن مسعود: إنّ الله قال: ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ وإنِّي غالّ مصحفي فمن استطاع منكم أن يَغُلّ مصحفه فليفعل.

ولا أثق بصحَّة هذا الخبر لأنّ ابْن مسعود يعلم أنّ هذا ليس من الغلول.

وقوله: ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ تنبيه على العقوبة بعد التفضيح، إذ قد علم أنّ الكلام السابق مسوق مساق النَّهي، وجيء ب (ثمّ) للدّلالة على طول مهلة التفضيح، ومن جملة النُّفوس الَّتي توفَّى ما كسبت نفس من يغلل، فقد دخل في العموم.

وجملة ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها وهي ﴿ توفى كل نفس ما كسبت ﴾ .

والآية دلّت على تحريم الغلول وهو أخذ شيء من المغنم بغير إذن أمير الجيش، وهو من الكبائر لأنَّه مِثل السرقة، وأصحّ ما في الغلول حديث «الموطأ»: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من خيبر قاصداً وادي القُرى وكان له عبد أسود يدعى مِدْعَما، فبينما هو يحطّ رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فقتله، فقال النَّاس: هنيئاً له الجنَّةُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كلاّ والَّذي نفسي بيده إن الشَّملة التي أخذها يومَ خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً " ومن غلّ في المغنم يؤخذ منه مَا غَلَّه ويؤدّب بالاجتهاد، ولا قطع فيه باتِّفاق، هذا قول الجمهور، وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد بن حنبل، وجماعة: يحرق متاع الغالّ كُلّه عدَا سِلاحَه وسرجه، ويردّ ما غلّه إلى بيت المال، واستدلّوا بحديث رواه صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي، عن عمر بن الخطاب: أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم قال: " إذا وجدتم الرجل قد غلّ فأحرقوا متاعه واضربوه " وهو حديث ضعيف، قال الترمذي سألت محمداً يعني البخاري عنه فقال: «إنَّما رواه صالح بن محمد، وهو منكر الحديث.

على أنَّه لو صَحّ لوجَبَ تأويله لأنّ قواعد الشَّريعة تدلّ على وجوب تأويله فالأخذ به إغراق في التعلّق بالظواهر وليس من التفقّه في شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وما صِلَةٌ دَخَلَتْ لِحُسْنِ النَّظْمِ.

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ الفَظُّ: الجافِي، والغَلِيظُ القَلْبِ: القاسِي، وجَمَعَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ، وإنْ كانَ مَعْناهُما واحِدًا لِلتَّأْكِيدِ.

﴿ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ وفي أمْرِهِ بِالمُشاوَرَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ في الحَرْبِ لِيَسْتَقِرَّ لَهُ الرَّأْيُ الصَّحِيحُ فِيهِ، قالَ الحَسَنُ: ما شاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أُمُورِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ تَأْلِيفًا لَهم وتَطْيِبًا لِأنْفُسِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِما عَلِمَ فِيها مِنَ الفَضْلِ، ولِتَتَأسّى أُمَّتُهُ بِذَلِكَ بَعْدَهُ  ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِيَسْتَنَّ بِهِ المُسْلِمُونَ ويَتْبَعَهُ فِيها المُؤْمِنُونَ وإنْ كانَ عَنْ مَشُورَتِهِمْ غَنِيًّا، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ.

﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ.

فَفي تَأْوِيلِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أخَذَها رَسُولُ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في طَلائِعَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ  وجَّهَهم في وجْهٍ، ثُمَّ غَنِمَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ أيْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَتْرُكَ طائِفَةً ويَجُورَ في القَسْمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكْتُمَ النّاسَ ما بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لِرَهْبَةٍ مِنهُ ولا رَغْبَةٍ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَتَّهِمَهُ أصْحابُهُ ويُخَوِّنُوهُ.

والثّانِي: مَعْناهُ: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ أصْحابَهُ ويُخَوِّنَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

وَأصْلُ الغُلُولِ الغَلَلُ وهو دُخُولُ الماءِ في خِلالِ الشَّجَرِ، فَسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المالِ عَلى خَفاءٍ كَجَرْيِ الماءِ، ومِنهُ الغِلُّ الحِقْدُ لِأنَّهُ العَداوَةُ تَجْرِي في النَّفْسِ مَجْرى الغَلَلِ.

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ وفي وجْهِ المِنَّةِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيَكُونَ ذَلِكَ شَرَفًا لَهم.

والثّانِي: لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ تَعَلُّمَ الحِكْمَةِ مِنهُ لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ.

والثّالِثُ: لِيُظْهِرَ لَهم عِلْمَ أحْوالِهِ مِنَ الصِّدْقِ والأمانَةِ والعِفَّةِ والطَّهارَةِ.

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم أزْكِياءُ في الدِّينِ.

والثّانِي: أنْ يَدْعُوَهم إلى ما يَكُونُونَ بِهِ أزْكِياءَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي يُطَهِّرُهم بِها، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج أبو داود وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق مقسم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها.

فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الأعمش قال: كان ابن مسعود يقرأ ﴿ ما كان لنبي أن يغل ﴾ فقال ابن عباس: بلى.

ويقتل، إنما كانت في قطيفة قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلها يوم بدر.

فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: نزلت هذه الآية ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة.

وأخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عباس قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً فردت رايته، ثم بعث فردت بغلول رأس غزالة من ذهب.

فنزلت ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ » .

وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ قال: ما كان لنبي أن يتهمه أصحابه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس قال: فقدت قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين فقال بعض الناس: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها.

فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ قال: خصيف فقلت لسعيد بن جبير ﴿ ما كان لنبي أن يغل ﴾ يقول: ليخان قال: بل يغل، فقد كان النبي والله يغل ويقتل أيضاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ بنصب الياء ورفع الغين.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الرحمن السلمي وأبي رجاء ومجاهد وعكرمة.

مثله.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ بفتح الياء.

وأخرج ابن منيع في مسنده عن أبي عبد الرحمن قال: قلت لابن عباس إن ابن مسعود يقرأ ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ يعني بفتح الغين فقال لي: قد كان له أن يغل وأن يقتل، إنما هي ﴿ أن يغل ﴾ يعني بضم الغين.

ما كان الله ليجعل نبياً غالاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ قال: أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسمة، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنزل الله يقول: ما كان الله ليجعل نبياً يغل من أصحابه فإذا فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم استسنوا به.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئاً، فلما قدمت الطلائع قالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا؟

فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ قال: أن يقسم لطائفة ولا يقسم لطائفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ قال أن يخون.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن أنه قرأ ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ بنصب الغين قال: أن يخان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة والربيع ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ يقول: ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه.

وذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه.

وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن مجاهد قال: كان ابن عباس ينكر على من يقرأ ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ ويقول: كيف لا يكون له أن يغل وقد كان له أن يقتل؟

قال الله: ﴿ ويقتلون الأنبياء بغير حق ﴾ [ البقرة: 61] ولكن المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من الغنيمة، فأنزل الله: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن زيد بن خالد الجهني.

«أن رجلاً توفي يوم حنين فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صلوا عليه.

فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عبدالله بن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في النار، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة فقال: أسمعت بلالاً ثلاثاً؟

قال: نعم.

قال: فما منعك أن تجيء به؟

قال: يا رسول الله أعتذر.

قال: كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخل مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد غل فسأل سالماً عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه، واضربوه.

قال فوجدنا في متاعه مصحفاً، فسئل سالم عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبدالله بن شقيق قال: «أخبرني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وجاءه رجل فقال: استشهد مولاك فلان.

قال: بل هو الآن يُجَرُّ إلى النار في عباءة غلَّ بها الله ورسوله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: «كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو في النار.

فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه عباءة قد غلها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك قال: «قيل يا رسول الله استشهد مولاك فلان قال: كلا.

إني رأيت عليه عباءه قد غلها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: «أهدى رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً فخرج به معه إلى خيبر، فنزل بين العصر والمغرب، فأتى الغلام سهم غائر فقتله.

فقلنا هنيئاً لك الجنة فقال: والذي نفسي بيده إن شملته لُتحْرَقَ عليه الآن في النار، غلها من المسلمين.

فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أصبت يومئذ شراكين فقال: يقدمنك مثلها من نار جهنم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن سالم قال: كان أصحابنا يقولون: عقوبة صاحب الغلول، أن يحرق فسطاطه ومتاعه.

وأخرج الطبراني عن كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا إسلال ولا غلول ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ » وأخرج الترمذي وحسنه عن معاذ بن جبل قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت فقال: أتدري لمَ بعثت إليك؟

لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ لهذا دعوتك، فامضِ لذلك» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: «ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غنم مغنماً بعث مناديه يقول: ألا لا يغلن رجل مخيطاً فما فوقه، ألا لا أعرفن رجلاً يغل بعيراً يأتي به يوم القيامة حامله على عنقه له رغاء، ألا لا أعرفن رجلاً يغل فرساً يأتي به يوم القيامة حامله على عنقه له حمحمة، ألا لا أعرفن رجلاً يغل شاة يأتي بها يوم القيامة حاملها على عنقه لها ثغاء يتتبع من ذلك ما شاء الله أن يتتبع.

ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اجتنبوا الغلول فإنه عار، وشنار، ونار» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره ثم قال: ألا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك» .

وأخرج هناد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة.

أن رجلاً قال له: أرأيت قول الله: ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ هذا يغل ألف درهم وألفي درهم يأتي بها، أرأيت من يغل مائة بعير ومائتي بعير كيف يصنع بها؟

قال: أرأيت من كان ضرسه مثل أحد، وفخذه مثل ورقان، وساقه مثل بيضاء، ومجلسه ما بين الربذة إلى المدينة.

ألا يحمل مثل هذا.

وأخر ج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن بريدة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحجر ليزن سبع خلفات ليلقى في جهنم فيهوى فيها سبعين خريفاً، ويؤتى بالغلول فيلقى معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به وهو قول الله: ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود عن عدي بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس من عمل منكم لنا في عمل فكتمنا منه مخيطاً فما فوقه فهو غل وفي لفظ فإنه غلول يأتي به يوم القيامة» .

وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن أنيس.

أنه تذاكر هو وعمر يوماً الصدقة فقال: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة، من غل منها بعيراً أو شاة فإنه يحمله يوم القيامة؟

قال عبدالله بن أنيس: بلى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ يعني يأت بما غل يوم القيامة يحمله على عنقه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو قال: لو كنت مستحلاً من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير، ما من أحد يغل غلولاً إلا كلف أن يأتي به من أسفل درك جهنم.

وأخرج أحمد وابن أبي داود في المصاحف عن خمير بن مالك قال: لما أمر بالمصاحف أن تغير فقال ابن معسود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه فليغله فإنه، من غل شيئاً جاء به يوم القيامة، ونعم الغل المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ يعني رضا الله فلم يغلل في الغنيمة ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ يعني كمن استوجب سخطاً من الله في الغلول فليس هو بسواء، ثم بين مستقرهما فقال للذي يغل ﴿ مأواه جهنم وبئس المصير ﴾ يعني مصير أهل الغلول، ثم ذكر مستقر من لا يغل فقال: ﴿ هم درجات ﴾ يعني فضائل ﴿ عند الله والله بصير بما يعملون ﴾ يعني بصير بمن غل منكم ومن لم يغل.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ قال: من لم يغل ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ كمن غل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ قال: أمر الله في أداء الخمس ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ فاستوجب سخطاً من الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ قال: من أدى الخمس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ أفمن اتبع رضوان الله ﴾ يقول: من أخذ الحلال خير له ممن أخذ الخرام وهذا في الغلول، وفي المظالم كلها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ هم درجات عند الله ﴾ يقول: بأعمالهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ هم درجات عند الله ﴾ قال: هي كقوله: ﴿ لهم درجات عند الله ﴾ [ الأنفال: 4] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ هم درجات ﴾ يقول: لهم درجات.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ هم درجات ﴾ قال: للناس درجات بأعمالهم في الخير والشر.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ هم درجات عند الله ﴾ قال: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذين فاق فضله على الذي أسفل منه، ولا يرى الذي أسفل منه أنه فضل عليه أحد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ الآية.

اختلفوا في سبب نزول هذه الآية: فرَوَى عكرمةُ، ومِقْسَم (١) (٢)  أخذها (٣) وقال -في رواية الضحّاك- (٤)  ، لَمَّا وَقَعَ في يده غنائمُ هَوَازِنَ يوم حُنَيْنٍ، غَلَّهُ رجلٌ بِمِخْيَط، فأنزل الله هذه الآية.

وقال قتادة -في نزول هذه الآية- (٥)  ، [وطلبوا] (٦) (٧) (٨) وقال الكلبي (٩) (١٠)  : مَن (١١) (١٢)  : ظننتم أنَّا نَغُلُّ، ولا نَقْسِم لكم.

فأنزل الله هذه الآية.

وفي قوله ﴿ يَغُلَّ ﴾ قراءتان: أحدهما: فتح الياء، وضم الغَيْن (١٣) (١٤) قال الزّجاج (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) فمعنى قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ ، أي: أن يَخُونَ فيكم (٢٢) فإن قيل: ما معنى تخصيص النبي  ههنا-، وغيرُهُ يساويه في أنه ليس له ذلك؟.

قلنا: (أَنْ) مع المستقبل، تكون بمعنى المصدر؛ كأنه قيل: (ما كان لِنَبي الغُلُول)؛ أراد: ما غَلَّ نَبِيٌّ.

ينفي عن الأنبياء الغُلُولَ، لا أنه (٢٣) وقال (٢٤) (٢٥) ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ  ﴾ ، أي: ما كان الله لِيَتّخِذَ [ولدا] (٢٦) وحجة هذه القراءة: ما روي عن ابن عباسٍ -في أكثر الروايات- في سبب نزول الآية، وعن الكلبي ومقاتل، وذلك يدل على نَسَبِ الغُلُول إلى النبي  ، فَنَفى ذلك عنه.

و-أيضًا- فإنَّ ما هو مِن هذا (٢٧) ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ  ﴾ ، و ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ  ﴾ ، و ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا  ﴾ ، و ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ  ﴾ .

ولا يكاد يجيء منه: (ما كان زيدٌ ليُضْرَبَ)، فيُسنَد الفعلُ فيه إلى المفعول به، فكذلك: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ يُسندُ (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وهذه القراءة اختيار ابن عباس، كان (٣٢) ﴿ يُغَلّ ﴾ ، فقال ابن عباس: قد كان النبي يُقتَل، فكيف (٣٣) (٣٤) والقراءة الثانية: ﴿ يُغَلّ ﴾ بضم الياء، وفتح الغين.

وهذه القراءة تحتملُ وجهين (٣٥) فإن جعلتها من (الغُلُول) احتملت معنيين: أحدهما: أن معنى قوله: ﴿ وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يُغَلّ ﴾ (٣٦) (٣٧) (٣٨) وفائدة تخصيص النبي  بالذِّكْر: أن الغُلُول يَعْظُمُ بحضرته، ويكبر كِبَرًا لا يكبر عند غيره؛ لأن المعاصي بحضرته أعظم.

المعنى (٣٩) يُؤكِّد هذا المعنى ما روى عطاءٌ عن ابن عباس (٤٠) ﴿ وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يَغُلَّ ﴾ ؛ يريد: أن يكون ممن يَصْحَبُهُ، أحدٌ يَغُلُّ ويَسْتَحلُّ الغُلُولَ.

وإن أخذت بهذه القراءةِ مِنَ (الإغْلال)، احتَمَلَتْ -أيضا- معنيين: أحدهما: أن يكون (الإغلال) بمعنى (الغُلول).

يقال: (غَلّ الرجلُ مِنَ الغنيمة، يَغل غَلًّا، وغلولًا)، و (أَغَلّ إغلالًا): إذا سَرَق منها (٤١) (٤٢) (٤٣) قال النَّمْر بن تَوْلَب (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقال آخر: حَدَّثْتَ (٤٧) (٤٨) قوله: (لِلْغَدْرِ) (٤٩) و-حينئذٍ - يُقَدَّرُ حذفُ المضاف؛ أي: لم يكنَ صاحبَ خائِنَةٍ؛ أي: خيانَة.

وإنْ شئتَ جعلته مثل: (راوِيَة).

ونَسَبَ (٥٠) (٥١) أَحَذَّ (٥٢) (٥٣) المعنى الثاني: أنْ يكون (الإغلالُ) بمعنى النسبة إلى الغُلُول.

وقد يَردُ (٥٤) (٥٥) ومنه قول ذي الرُّمَّة: وأُسْقِيهِ حتى كاد (٥٦) ويقال (أَكْفَرَهُ): إذا نَسَبَهُ إلى الكفر.

قال الكُمَيْت (٥٧) فَطَائِفَةٌ قَدْ أكفَرُوني بِحُبِّكُمْ (٥٨) فيكون المعنى: وما كان لِنَبِيٍّ أن يُنْسَبَ إلى الغُلُول؛ أي: لا يُقَال له غَلَلْتَ.

قال الفرّاءُ، في (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) ﴿ يُغَلّ ﴾ ؛ يريدون: أنْ يُسَرَّقَ ويُخَوَّنَ (٦٣) ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ، و ﴿ ويُكَذِّبُونَكَ ﴾ (٦٤) ومِن حُجَّةِ هذه القراءة: ما رُوي عن ابن عبّاس، من طريق الضّحاك، وما روي عن قتادة، في سبب نزول هذه الآية (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ .

أي: يأتي به حاملًا له على ظهره، كما روي أن النبي  ، خَطَبَ يومًا، فذَكَرَ الغُلُولَ، وعَظَّمَه، وعَظَّمَ أَمْرَهُ، فقال: "لا أُلْفِيَنَّ (٦٦) (٦٧) (٦٨) فأقول: لا أملك لك مِنَ الله شيئًا، قد أَبْلَغْتُكَ".

وذَكَر في الحديث: الشاةَ والفرَسَ والصَّامِتَ (٦٩) وهذا قول: ابن عباس (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ .

قال ابن عباس (٧٥) ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ .

قال (٧٦) (١) هو: أبو القاسم، مِقْسم بن بُجْرة، ويقال: نَجْدة الكِنْدي، ثم التُّجيبي النخعي.

يقال له: مولى ابن عباس، من مشاهير التابعين، أسلم في حياة النبي  ، وبايع == معاذًا في اليمن، ويقال: إن له صُحبة، صَدوق وكان يُرْسل، مات سنة (101هـ).

انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 301، و"الإصابة" 3/ 455، و"تقريب التهذيب" 545 (6873).

(٢) القطيفة: دِثَارٌ أو كِسَاءٌ مُخَمَّلٌ؛ أي: له أهداب.

وجمعها: قطائف، وقُطُف.

انظر (قطف) في: "القاموس" 845، و"المعجم الوسيط" 2/ 753.

(٣) الأثر عن ابن عباس -من رواية مقسم-، أخرجه: أبو داود (3971) كتاب الحروف والقراءات، والترمذي (3009) كتاب التفسير.

باب: (4) من سورة آل عمران.

وقال: (حديث حسن غريب)، والطبري في "تفسيره" 7/ 348، 349، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 361 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.

ومن رواية عكرمة، أخرجه: الطبري في "تفسيره" 4/ 155، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 803، والطبراني في "المعجم الكبير" 11/ 364 رقم (12028، 12029)، والواحدي في "أسباب النزول" (130).

ومن رواية سعيد بن جبير، أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 155.

(٤) من رواية جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس، أوردها الثعلبي 3/ 140 ب، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 490.

(٥) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 157، و"زاد المسير" 1/ 490.

وهذا القول من قتادة تفسير للآية على القراءة الثانية ﴿ يَغُلَّ ﴾ .

(٦) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.

(٧) ويجوز أن تكون: لتخصيصهم.

بدلًا من الكلمة التي أضفتها قبلها.

(٨) لم أقف على مصدر هذه الرواية، وقد ذكرها ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 490.

(٩) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 140 ب.

(١٠) قوله في "تفسيره" 1/ 310، والمصدر السابق.

وبه قال الفراء في "معاني القرآن" 1/ 246.

(١١) من قوله: (من ..) إلى (فقال النبي  ): ساقط من (ج).

(١٢) في (أ): (يُقْسَم).

وفي: (ب)، (ج): مهملة من الشكل.

وأثبَتُّ ضبطَها من "تفسير الثعلبي" 3/ 140 ب؛ نظرًا لتقارب سياق المؤلف لهذا القول، مع سياق الثعلبي، وهي الأليق بسياق الكلام.

(١٣) القراءة بفتح الياء، وضم الغَين: ﴿ يَغُلَّ ﴾ ، قرأ بها: ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم.

وقرأ الباقون: ﴿ يَغُلَّ ﴾ -بضم الياء، وفتح الغين-.

انظر: "الحجة" للفارسي 3/ 94، و"النشر" 2/ 243، و"إتحاف فضلاء البشر" 181.

(١٤) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2689.

(١٥) في "معاني القرآن" له 1/ 484، وقد نقله عنه بتصرف، واختصار.

وقد ورد نص قول الزجاج في "تهذيب اللغة" 3/ 2689، مع اختلاف يسير عما في "معاني القرآن"، ووافق نقل المؤلف -هنا- عن الزجاج، بعضًا مما في نسخة "المعاني" المطبوعة، ووافق بعضًا مما في "التهذيب"، وليس في "المعاني".

مما يدل على أن المؤلف نقل عن نسخةٍ من المعاني فيها بعض اختلاف عن النسخة المطبوعة المتداولة، أو نقل قولَ الزجاج عن كتابٍ آخر تصرف في عبارة الزجاج.

(١٦) في "المعاني": فكل ما.

(١٧) في (ب): (التي).

(١٨) (في مطمئن من الأرض): ليست في "معاني القرآن".

والعبارة في "التهذيب" (وهو الوادي المطمئن الكثير الشجر).

وانظر: "المنتخب" لكراع النمل 1/ 424.

(١٩) في "المعاني": وهو الحقد.

وفي "التهذيب": وهو الحقد الكامن.

(٢٠) قوله: (والغلالة: الثوب الذي يلبس تحت الثياب): أورده في "التهذيب" من قول أبي زيد، وليس من قول الزجاج.

(٢١) في (أ)، (ب)، (ج): (الغال).

وفي "المعاني": الغل.

وما أثبت من مصادر اللغة.

انظر (غلل) في: "إصلاح المنطق" 26، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 49؛ و"جمهرة اللغة" لابن دريد 2/ 2012، و"تهذيب اللغة" 3/ 2689، و"المقاييس" 4/ 376، و"اللسان" 6/ 3287.

(٢٢) هكذا وردت (فيكم) في (أ)، (ب)، (ج)، و"تفسير الوسيط" المؤلف 371.

وأرى أن الأصوب أن تكون: (فيكتم)؛ لأنه أنسب للسياق الذي أراد المؤلف من خلاله أن يُدلِّل على أن معنى (الغل) -هنا- فيه كتمان وكمون وستر، وهو أنسب بسبب النزول الذي أورده المؤلف سابقًا، وأشار إليها هنا.

ويعزز هذا ما قاله في تفسيره "الوجيز": (أي: يخون بكتمان شيء من الغنيمة عن أصحابه) 1/ 240.

(٢٣) في (ج): لأنه -.

بدلًا من: (لا أنه).

(٢٤) من قوله: (وقال ..) إلى (..

ليتخذ ولدا): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 141 أ.

ولم أقف على من قال بهذا القول، من أصحاب المعاني.

(٢٥) (في) (ج): (لنبي).

(٢٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٢٧) من قوله: (من هذا ..) إلى (يُسند فيه الفعل إلى الفاعل): نقله -بتصرف يسير- عن "الحجة" للفارسي 3/ 96.

(٢٨) من قوله: (يسند ..) إلى (..

عن يونس أنه): ساقط من (ج).

(٢٩) في (أ): (بمؤكد).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٣٠) (أ)، (ب)، (ج): (أبو عبيدة).

وما أثبَتُّه فمن "تهذيب اللغة" 3/ 2688.

فقد ورد فيه: (وأخبرني المنذري، عن الحسين بن فهم، عن ابن سلام، قال: كان أبو عمرو بن العلاء، ويونس يختاران ..) وذكره.

وابن سَلّام، هو: أبو عبيد.

والمؤلف، كثيرًا ما ينقل عن "تهذيب اللغة" بتصرف.

وانظر: "اللسان" 6/ 3286 (غلل).

(٣١) هو: أبو عبد الرحمن، يونس بن حبيب الضَبِّي بالولاء نحوي بصري، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وحماد بن سلمة، وكانت له حلقة بالبصرة يحضرها أهل العلم، والأدباء وفصحاء الأعراب، توفي سنة (183هـ).

انظر: "أخبار النحويين البصريين" 51، و"طبقات النحويين" للزبيدي 51، و"إنباه الرواة" 4/ 74.

(٣٢) من هنا، وإلى: (..

لأن المعاصي بحضرته أعظم): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي 3/ 96 - 97.

وهو من تتمة النقل السابق.

(٣٣) في (ج): (كيف).

(٣٤) انظر هذا الأثر عن ابن عباس في: "تفسير الطبري" 4/ 155، وانظر قراءة ابن عباس في "تفسير سفيان الثوري" 81، و"المعجم الكبير" للطبراني 11/ 101 (11174).

(٣٥) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 124، و"تفسير الثعلبي" 3/ 141 ب.

(٣٦) (أ)، (ب): (يَغُلّ) -بفتح الياء، وضم الغين، والمثبت من (ج)، وهو الصواب.

(٣٧) في (أ): (جازها).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٣٨) في (ب): (وأميرهم).

(٣٩) (المعنى): ساقط من (ب).

(٤٠) لم أقف على مصدر هذه الرواية.

(٤١) يقال: (غَلَّ، يَغُلُّ، غُلولًا): للخيانة في المغنم خاصة.

و (أغَلَّ، يُغِلُّ، إغلالًا): للخيانة في المغانم، وغيرها.

و (غَلَّ، يَغِلُّ، غِلًّا): للحقد والضِّغْنِ والشحناء.

انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 124، و"إصلاح المنطق" 265 - 266، و"تهذيب اللغة" 3/ 2688 (غلل)، و"ما جاء على فعلت وأفعلت" للجواليقي 57، و"اللسان" 6/ 3285 (غلل).

(٤٢) لم أقف على مصدر قول الزجاج هذا.

(٤٣) انظر (غلل) في: "إصلاح المنطق" 65، و"التهذيب" 3/ 2690، و"اللسان" 6/ 3286.

(٤٤) من بداية بيت الشعر، وإلى (..

أي: لا يقال له: غللت): نقله المؤلف -بتصرف؛ واختصار- عن: "الحجة" للفارسي 3/ 95 - 97.

والنَّمْر، هو: ابن تَوْلَب بن أقَيْش العُكْلي، وكُنْيَته: أبو قيس، وأبو ربيعة.

شاعر مُخضْرَم، أدرك الجاهلية والإسلام، وَفَدَ على النبي  ، وأسلم وحسن إسلامه.

انظر.

"الشعر والشعراء" ص 191، و"الإصابة" 3/ 572، و"الأعلام" 8/ 48.

(٤٥) في (أ): (مُغَلٍّ).

وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل.

والمثبت من مصادر البيت.

(٤٦) البيت ورد في "شعره" ص 38، وورد منسوبا له في: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 123، و"إصلاح المنطق" 266، و"الزاهر" 1/ 469، و"تهذيب اللغة" 3/ 2689 (غلل)، و"الصحاح" 5/ 1784 (غلل)، و"المقاييس" 4/ 376 (غلل)، و"المحرر الوجيز" 3/ 401، و"اللسان" 6/ 3285 (غلل).

وقد ورد في "التهذيب"، و"الصحاح": (حمزة) بدلًا من (جمرة).

ومعنى (المُغِلِّ): الخائن.

ورد في إحدى نسخ "إصلاح المنطق" أشار إليها محقق الكتاب: (جَمرة، كانت أخيذة عنده، فسألته أن يزيرها قومها، ففعل، فلما أتتهم منعوها الرجوع ..).

ص 266.

(٤٧) في (ب): (حدثته).

(٤٨) نسبته المصادر التالية لرجل من بني أبي بكر بن كلاب: "مجاز القرآن" 1/ 158، و"الكامل" للمبرد 1/ 359، و"اللسان" 3/ 1294 (خون).

وورد غير منسوب في: "إصلاح المنطق" 266، و"تفسير الطبري" 6/ 156، و"الجمهرة" لابن دريد 1/ 347، و"المخصص" 2/ 4، و"اللسان" 4/ 2395 (صبع)، 6/ 3286 (غلل).

يقال: (فلانٌ مُغِلُّ الإصبع): إذا كان خائنًا.

انظر: "اللسان" 4/ 2395 (صبع).

يخاطب الشاعرُ رجلًا يُسمَّى (قرين بن سُلْميّ الحنفي) قتل أخاه، وقبل هذا البيت: أقَرِينُ إشك لو رأيت فوارسي ...

بعَمَايَتَيْنِ إلى جوانب ضَلْفَعِ و (عمايتين)، و (ضلفع): مواضع في نجد.

انظر مناسبة البيت في "الكامل" 1/ 358 - 359.

(٤٩) في (ج): (الغدر).

(٥٠) في (أ): (نُسِبَ)، وفي (ب)، (ج) مهملة من الشكل.

والمثبت من "الحجة" للفارسي.

وهو الصواب؛ حتى تتناسب مع الكلمة المنصوبة المعمولة لها بعدها.

(٥١) في (أ): نُسِبَ.

وفي (ب)، (ج) مهملة من الشكل.

والمثبت من "الحجة" للفارسي، ويقال فيها ما قيل في التي قبلها.

(٥٢) في (أ)، (ب): أحد.

والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.

(٥٣) جزء من بيت شعر، للفرزدق.

وتمامه: أأطعَمْتَ العراقَ ورافِدَيْه ...

فَزَاريَّا أحَذَّ يَدِ القميصِ وهو في "ديوانه" 338، وورد منسوبًا له في: "الحيوان" للجاحظ 5/ 197، 6/ 510، و"الشعر والشعراء" 1/ 94، و"المعارف" 408، و"الكامل" 3/ 83، و"اللسان" 3/ 1688 (رفد)، 2/ 809 (حذذ).

وورد غير منسوب في: "المخصص" 2/ 4، و"همع الهوامع" 1/ 172، و"الدرر اللوامع" 25.

جاء في بعض المصادر: (أوَلَّيْت العراق)، وورد: (فَوَلَّيت)، وورد: (بَعَثت إلى العراق)، وفي الهمع: (لأطعمت ..) وهي خطأ بلا شك.

ومعنى (أحذَّ يدِ القميص)، أي: خفيف اليد.

يصفه بالغلول والسرقة، وأراد: أحذ اليد، وأضاف اليد إلى القميص؛ لحاجته.

و (الحَذَذ): السرعة، وقيل: السرعة والخفة، و-كذلك-: خفة الذنَب، واللحية.

و (فرسٌ أحَذّ): خفيف شعر الذنب، و (رجل أَحَذّ): سريع اليد خفيفها، وهذا التفسير هو الذي أراده المؤلف أعلاه.

وقيل: (الأحَذّ): المقطوع؛ أي: أنه قصير اليد عن نيل المعالي، فجعله كالأحذ، الذي لا شعر لذنبه.

انظر: "اللسان" 2/ 808 (حذذ).= والبيت، ضمن أبيات، يهجو بها الشاعرُ عمرَ بن هبيرة الفزاري، ويخاطب -معاتبًا- يزيدَ بن عبد الملك، الذي ولَّى ابنَ هبيرة العراقَ.

(٥٤) في (ج): (ترد).

(٥٥) في "الحجة" للفارسي 3/ 97: (..

كقولك: أسقيْتُهُ؛ أي: قلت له: سقاك الله).

(٥٦) وتمامه: وأسقِيهِ حتى كاد مما أبُثُّهُ ...

تكلِّمني أحجارُه ومَلاعبُه وقبل هذا البيت: وقفت على رَبْعٍ لِمَيَّة ناقتي ...

فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وهو في "ديوانه" 821.

وورد البيتُ -الشاهد- منسوبًا له، في: "كتاب سيبويه" 4/ 59، و"النوادر" 213، و"مجاز القرآن" 1/ 350، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 557، و"تهذيب اللغة"10/ 297، و"المحرر الوجيز" 3/ 404، و"لسان العرب" 4/ 2042 (سقى)، 4/ 2314 (شكا)، و"المقاصد النحوية" 2/ 176، و"التصريح" للأزهري 1/ 204، و"شرح شواهد الشافية" 41، و"الدرر اللوامع" 1/ 108.

وورد غير منسوب في: "منهج السالك" 1/ 263، و"همع الهوامع" 2/ 144.

ورد في بعض الروايات: (وَأُشْكِيهِ ..)، وورد: (..

أبِثُّهُ) -بضم الهمزة، وكسر الباء-.

ومعنى (أبُثُّه): أظهر له البَثَّ، وهو: الحزن والغم.

انظر: "اللسان" 1/ 208 (بثث).

يخاطب الشاعرُ -هنا- منزلَ معشوقته (مية).

و (أسقيه): أدعوِ له بالسُّقْيا.

والماضي: أسْقاهُ.

(٥٧) هو: أبو المُسْتَهِلّ، الكُمَيت بن زيد بن حُبَيْش، من بني أسد.

شاعر إسلامي، عاش في أيام الدولة الأموية، ولم يدرك الدولة العباسية، وكان متشيعًا لبني هاشم، وُلِد سنة (60 هـ)، ومات سنة (126هـ).

انظر: "الشعر والشعراء" 2/ 385، و"جمهرة أشعار العرب" 351، و"أمالي الزجاجي" 137، و"الخزانة" 1/ 144.

(٥٨) صدر بيت، وعجزه: وطائفةٌ قالوا مسيءٌ ومذنب ورد في: "شرح هاشميات الكميت" 53، وورد منسوبًا له في "خزانة الأدب" 4/ 314.

وورد فيه: (..

قد أكفرتني بحبهم ..).

قال في "شرح الهاشميات": (و (طائفة)؛ يريد: الحرورية.

(وطائفة)؛ يريد: المرجئة).

(٥٩) في (ج): (وفي).

(٦٠) في "معاني القرآن" له 1/ 246، نقله عنه بتصرف يسير.

(٦١) في (ج): (وقال).

(٦٢) أي: ابن مسعود  .

وقال الطبري: (وهي قراءة عُظْم قَرَأة أهل المدينة والكوفة) "تفسيره" 4/ 157.

(٦٣) أي: ينسب إلى السرقة والخيانة.

(٦٤) القراءة الأولى: ﴿ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ، لابن كثير، وعاصم، وأبي عمرو، وابن عامر == والقراءة الثانية: ﴿ يُكْذِبُونَكَ ﴾ ، لنافع، والكسائي.

انظر:"السبعة" 257، و"الحجة" للفارسي 3/ 302، و"المبسوط" لابن مهران 618.

أي: أن (كَذَّبه، وأكْذَبه)، بمعنًى واحد، وهو: نسبته إلى الكذب، وكذلك: (غَلَّ، وأغَلَّ) تتواردان على معنى واحد، وهو: النسبة إلى الغلول.

انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 58، و"الحجة" للفارسي 3/ 302.

وحول رأي الفراء -هذا-، قال الأزهري: (وقال أبو العباس: جَعَلَ (يَغُل)، بمعنى: (يُغَلَّل)، وكلام العرب على غير ذلك في (فعَّلت)، و (أفْعَلْت).

و (أفعلته): أدخلت ذاك فيه، و (فعَّلتُ): كثرت ذاك فيه).

"التهذيب" 3/ 2688.

وانظر: "الحجة" للفارسي 302 - 304.

(٦٥) انظر ما سبق ص 128 - 129.

(٦٦) في (ج): (لألفين).

وهذه توافق رواية الإمام أحمد في "المسند": (لألفِيَنَّ يجيء أحدكم يوم القيامة ..) وسيأتي تخريجه.

وفي بعض الروايات: (لا ألفِينَّ ..) انظر: "فتح الباري" 6/ 186.

ألفى الشيء: وجده.

يقال: (ألْفَيْتُ الشيء، أُلْفِيهِ، إِلفاءً): إذا وجدته وصادفته ولقيته.

انظر: "اللسان": 7/ 4056 (لفا).

(٦٧) الرُّغاء: صوت البعير.

قال: (رَغَا البعيرُ، والضَّبُعُ، والنَّعامُ، رُغاءً): صوَّتَت فَضَجَّت.

انظر: "القاموس" (1289) (رغا).

(٦٨) في مصادر الحديث التالية: أغثني.

(٦٩) في (ج): (والفَرَسَ الصامِتَ).

والصامت من المال: الذهب، والفضة، خلاف الناطق منه، وهو: الحيوان.

انظر: "النهاية في غريب الحديث" 3/ 52، و"القاموس" 155 (صمت)، و"فتح الباري" 6/ 186.

والحديث من رواية أبي هريرة، أخرجه: البخاري في "الصحيح" (3073) كتاب الجهاد.

باب الغلول وقول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ ﴾ .

ومسلم في "الصحيح" رقم (1831) كتاب الإمارة.

باب غلظ تحريم الغلول.

وأحمد في "المسند" 2/ 426، وابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 529، رقم (33519).

والطبري في "تفسيره" 4/ 158، والبيهقي في "السنن" 9/ 101، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 141 ب.

وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 163 وزاد نسبة إخراجه إلى البيهقي في "الشُّعَب".

(٧٠) قول ابن عباس  ومن بعده، هي آثار رواها المذكورون عن النبي  ، بالمعنى نفسه.

وقول ابن عباس  ما في "تفسير الطبري" 4/ 159، وأورد الأثر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 455 ونسب أخراجه إلى ابن جرير، وقال: (لم يروه أحد من أهل الكتب الستة).

(٧١) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 158، 160، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 805.

(٧٢) قوله في: "صحيح مسلم" رقم (1832) كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال، والطبري في "تفسيره" 4/ 159، والبغوي في "تفسيره" 2/ 127، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 455.

وأبو حميد الساعدي ، اختلف في اسمه كثيراً، المنذر بن سعد، وقيل: عبد الرحمن بن سعد بن المنذر، وقيل غير ذلك.

أنصاري ، صحابي مشهور، شهد أحداً وما بعدها، تُوفي في آخر خلافة معاوية، وأول خلافة يزيد بن معاوية.

انظر: "الاستيعاب" 4/ 199، و"الإصابة" 4/ 46.

(٧٣) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 160، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 86، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.

(٧٤) قوله في: "المصنف" لعبد الرزاق 5/ 242 (9493)، و"تفسير الطبري" 4/ 161.

(٧٥) لم أقف على مصدر قوله.

(٧٦) لم أقف على مصدر قوله.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ هو من الغلول وهو أخذ الشيء خفية من المغانم وغيرها.

وقرئ بفتح الياء وضم الغين، ومعناه تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم من الغلول، وسببها أنه فقدت من المغانم قطيفة حمراء، فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، وقرأ نافع وغيره بضم الياء وفتح الغين، أي ليس لأحد أن يغل نبياً: أي يخونه في المغانم، وخص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظوراً من الأمر، لشنعة الحال مع النبي؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته، وقيل: معنى هذه القراءة: أن يوجد غالاً كما تقول أحمدت الرجل، إذا أصبته محموداً، فعلى هذا القول يرجع معنى هذه القراءة، إلى معنى فتح الياء ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ ﴾ وعيد لمن غل بأن يسوق يوم القيامة على رقتبه الشيء الذي غل، وقد جاء ذلك مفسراً في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير لا ألفين أحدكم على ربقبته فرس لا ألفين أحدكم على رقبته رقاع لا ألفين أحدكم على رقبته صامت، لا ألفين أحدكم على رقبته إنسان فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك ﴿ أَفَمَنِ اتبع ﴾ الآية: فقيل: إن الذي اتبع رضوان الله.

من لم يغلل، والذي باء بالسخط من غل، وقيل الذي اتبع الرضوان: من استشهد بأحد، والذي باء بالسخط: المنافقون الذين رجعوا عن الغزو ﴿ هُمْ درجات ﴾ ذووا درجات، والمعنى تفاوت بين منازل أهل الرضوان وأهل السخط، أو التفاوت بين درجات أهل الرضوان فإن بعضهم فوق بعض، فكذلك درجات أهل السخط.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يغل ﴾ بفتح الياء وضم الغين: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس.

الباقون: بالضم والفتح على البناء للمفعول.

﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: الحلواني عن هشام.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد: ابن عامر.

الباقون: بالتخفيف.

﴿ وإن الله ﴾ بالكسر على الابتداء: عليّ.

الباقون: بالفتح.

﴿ وخافوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل.

الباقون بالحذف.

الوقوف: ﴿ إن يغل ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ يوم القيامة ﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿ لايظلمون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ والحكمة ﴾ ج لمكان العطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مثليها ﴾ (لا) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿ قلتم ﴾ ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ ه لا ﴿ نافقوا ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم.

﴿ أو ادفعوا ﴾ ط ﴿ لاتبعناكم ﴾ ط ﴿ للإيمان ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف.

﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ج لاحتمال كون "الذين" بدلاً عن ضمير ﴿ يكتمون ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف.

﴿ ما قتلوا ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أمواتاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ص ﴿ يرزقون ﴾ ه لا لأن ﴿ فرحين ﴾ حالهم.

﴿ من فضله ﴾ (لا) للعطف.

﴿ من خلفهم ﴾ (لا) لتعلق "أن".

﴿ يحزنون ﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون.

﴿ وفضل ﴾ (لا) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية.

﴿ المؤمنين ﴾ ه ج لأن "الذين" يصلح صفة اللمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة.

﴿ القرح ﴾ ط لمن لم يقف على ﴿ المؤمنين ﴾ .

﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف.

﴿ إيماناً ﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب.

﴿ الوكيل ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ لا للعطف ﴿ رضوان الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ أولياءه ﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿ مؤمنين ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم من أحكام الجهاد.

وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية.

يقال: أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه.

والغل الحقد الكامن في الصدر.

والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في / أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار.

وقال  : " "من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" وقال أيضاً: " هدايا الولاة غلول" " وقال الجوهري: غل يغل غلولاً أي خان.

وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة: الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي  من الكبائر.

عن ثوبان عن رسول الله  : " "من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله  ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: " لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سموات، أفلا يكون أميناً في الأرض؟

هيهات.

وقيل: اللام منقولة والتقدير: وما كان نبي ليغل كقوله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد  ﴾ أي ما كان الله ليتخذ ولداً.

ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته.

وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها: أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش.

ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.

ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح.

وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من / الإغلال.

قال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة.

قال القتيبي: لو كان هذا هو المراد لقيل "يغلل" كما يقال: "يفسق ويكفر" والأولى أن يقال: هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال: أبخلته أي وجدته كذلك.

ومن هنا قال في الكشاف: معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.

وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول: كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل؟

وقال خصيف: قلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغل.

فقال: بل يغل ويقتل.

ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله  أخذها.

وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال: إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ﴿ ما كان لنا أن نشرك  ﴾ ﴿ ما كان ليأخذ أخاه  ﴾ ﴿ ما كان لنفس أن تموت  ﴾ ﴿ ما كان الله ليضل قوماً  ﴾ ﴿ وما كان الله ليطلعكم  ﴾ وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال: ليس في الكلام "ما كان لك أن تضرب" بضم التاء.

والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس.

ويوافق هذه القراءة ما روي "أنه  لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت" .

وعلى هذا يغل بمعنى يخان.

وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي "أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟

فقال  : لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم؟

فنزلت" .

وعن ابن عباس "أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي  من الغنائم بشيء زائد فنزلت" .

وقال الكلبي ومقاتل: "نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر.

فقال لهم  : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟

فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال  : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" .

وروي "أنه  بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع" فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.

وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر.

وقيل: نزلت في أداء الوحي.

كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل: / ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم  ﴾ ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.

وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.

قلت: ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده.

قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادات فضيحته.

ومثله قوله  : " لكل غادر لواء يوم القيامة " وقال أبو مسلم: هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته.

والمراد أنه  يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية.

وقيل: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة.

﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل: ثم يوفى ما كسب.

ثم فصل ما أجمل فقال: ﴿ أفمن اتبع ﴾ والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره "أمن اتقى فاتبع" قال الكلبي والضحاك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ رجع منه بشدّة إرادة انتقام لأجل الغلول؟

وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله بامتثال امر النبي  حين دعاهم إلى دفع المشركين يوم أحد، كمن باء بسخط من الله وهم الذين لم يمتثلوا؟

وقيل: الأولون المهاجرون والآخرون المنافقون.

وقيل: أفمن اتبع رضوان الله بالإيمان والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته؟

وهذا القول أقرب لتكون الآية مجراة على العموم وإن كان سبب النزول خاصاً.

وقوله: ﴿ ومأواه جهنم ﴾ من تمام صلة من "باء".

وقوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ اعتراض.

قال القفال: لا يجوز في الحكمة أن يُسوى بين المسيء والمحسن وإلا كان إغراء بالمعاصي وإباحة لهما وإهمالاً للطاعات وتنفيراً عنها.

﴿ هم درجات ﴾ قيل: أي لهم / درجات.

وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها.

وقالت الحكماء: النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام، ومن هنا قال  : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات.

وقيل: المراد ذوو درجات.

ثم الضمير إلى أي شيء يعود؟

قيل: إلى من اتبع رضوان الله لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب.

ولأنه قد ذكر وصف من باء بسخط من الله وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفاً لمن اتبع الرضوان ويؤيده قوله: ﴿ عند الله ﴾ وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا" ولا يراد به عندية المكان لتنزهه  عن ذلك إلا أنه يفيد في الجملة تشريفاً وأنه يليق بأهل الثواب.

وقال الحسن: يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب.

عن رسول الله  : "إن منها ضحضاحاً وغمراً " وقال: " إن أهون أهل النار عذاباً رجل يحذى له نعلان من نار يغلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي " والأوجه أن يكون عائداً إلى الكل، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذا دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق.

وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله: ﴿ ولكل درجات مما عملوا  ﴾ ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيجازيهم بمقدارها.

قوله عز من قائل: ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين ﴾ في النظم وجوه منها: أن هذا الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة؟

ومنها كأنه  قال: لا أكتفي في وصفه بأن أنزهه عن الخيانة ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم.

ومنها أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول، فالطعن فيه طعن فيكم.

ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان، فيكون المقصود العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد.

ومعنى المنّ ههنا الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه.

والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة، وإما أن يعود إلى بعثة هذا الرسول.

فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان والجهالة، والنبي يورد عليهم / وجوه دلائل الكمال ويزيح عللهم في كل حال.

وأيضاً إنهم وإن شهدت فطرتهم بوجوب خدمة مولاهم لكن لا يعرفون كيفية تلك الخدمة إلى أن يشرحها النبي  لهم.

وأيضاً أنهم جبلوا على الكسل والملل فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات فيزول فتورهم ويتجدد نشاطهم.

وبالجملة فعقول البشر يمنزلة أنوار البصر، وعقل النبي بمنزلة نور الشمس.

فكما لا يتم الانتفاع بنور البصر إلا عند سطوع نور الشمس، فكذلك لا يحصل الاهتداء بمجرد العقل ما لم ينضم إليه إرشاد النبي  .

ومن الثاني أن هذا الرسول بعث ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنسهم عربياً مثلهم، أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده.

فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه.

وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحداً سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه، وإذا كانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به.

وفيه أيضاً شرف لهم وفخر كما قال: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ وذلك أن الافتخار بإبراهيم  كان مشتركاً فيه بين اليهود والنصارى والعرب.

ثم اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل، وما كان للعرب ما يقابل ذلك.

فلما بعث الله محمداً وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم.

وقيل: ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل.

ويروى عن النبي  وعن فاطمة أنهما قرآ ﴿ من أنفسهم ﴾ بفتح الفاء أي أشرفهم، وعلى هذا يكون المؤمنون عاماً.

ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد  .

وأما سائر أوصافه من قوله: ﴿ يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ فقد مر تفسيرها في البقرة عند قوله: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وإعراب قوله: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ كما سلف في قوله: ﴿ وإن كانت لكبيرة  ﴾ ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم.

فبعثة هذا الرسول عقب الجهل والذهاب عن الدين تكون أعم نفعاً وأتم وقعاً.

ثم لما أجاب عن نسبة النبي  إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله: ﴿ أنى هذا ﴾ وأجاب عنها بقوله: ﴿ قل هو من عند انفسكم ﴾ والواو في قوله ﴿ أو لما أصابتكم ﴾ لعطف هذه الجملة الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو العطف لأن له صدر الكلام و ﴿ لما ﴾ ظرف ﴿ قلتم ﴾ ومقول القول ﴿ أنى هذا ﴾ و ﴿ وأصابتكم ﴾ في محل / الجر بإضافة ﴿ لما ﴾ إليه.

والتقدير: أقلتم حين أصابتكم؟

ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ من أين أصابنا هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم؟

والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر.

وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقيل: أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى.

فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً في الأولى يوم أحد، ثم لما عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله: ﴿ قد أصبتم مثليها ﴾ جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد؟

لكنه صرح بجواب آخر فقال: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ وفي تقريره وجهان: الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم.

وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مقارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة.

الثاني ما روي عن علي  أنه قال: جاء جبريل  إلى النبي  يوم بدر فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم.

فذكر رسول الله  ذلك لقومه فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم.

فقتل يوم أحد سبعون رجلاً بعدد أسارى بدر.

فمعنى ﴿ هو من عند أنفسكم ﴾ هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل.

وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختياراً في الفعل والترك، وأنه من عند نفسه.

وعارضهم الأشاعرة بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون الله قادراً عليه.

فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ قال ابن عباس: أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن الرضا بالقضاء لازم.

وقيل: بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده، فاستعير الإذن للتخلية، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع ﴿ ليعلم المؤمنين ﴾ أي ليتميزوا عن أهل النفاق.

وإنما لم يقل "وليعلم المنافقين" ليناسب المؤمنين لفظاً لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت وأحدثوها، ولأنه عطف على الصلة.

﴿ وقيل لهم ﴾ قال الأصم: هذا القائل رسول الله  ، كان يدعوهم إلى / القتال.

وقيل: هو أبو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، لما انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس تبعهم وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم ﴿ تعالوا قاتلوا في سبيل الله ﴾ إن كان في قلبكم حب هذا الدين ﴿ أو ادفعوا ﴾ عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم يكن بكم هم الآخرة وطلب مرضاة الله أي كونوا من رجال الدين أو من رجال الدنيا.

وقال السدي وابن جريج: ادفعوا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والرعب.

ثم إنه كأن سائلاً سأل فما أجاب المنافقون عند دعاء المؤمنين إياهم إلى القتال؟

فقيل: ﴿ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ كأنهم جحدوا أن يكون بين الفريقين قتالألبتة.

أو المراد لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لوافقناكم عليه, ولكنكم تلقون بأيديكم إلى التهلكة، وذلك أن رأي عبد الله كان في الإقامة وما كان يستصوب الخروج من المدينة، وكلا المعنيين منهم في الجواب فاسد.

أما الأول فلأن ظهور أمارات الحرب كافٍ في وجوب القتال والدفع عن النفس والمال.

والظن في أمور الدنيا قائم مقام العلم، ولا أمارة أقوى من قرب الأعداء من المدينة عند جبل أحد.

وأما الثاني فلأنه  لما وعدهم بالنصر والغلبة إن صبروا واتقوا لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء النفس إلى التهليكة.

ولركاكة جوابهم قال: ﴿ هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان ﴾ لأنهم تباعدوا بهذا الجواب المنبىء عن الدغل والنفاق عن الإيمان المظنون بهم قبل اليوم.

والمراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية لجانب المشركين وعلى الأول قال أكثر العلماء: إنه تنصيص من الله  على أنهم كفار لأن القرب من الكفر حصول الكفر.

قال الحسن: إذا قال الله أقرب فهو اليقين بأنهم مشركون كقوله: ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ فهذه الزيادة لا شك فيها.

وقال الواحدي: فيه دليل على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه  لم يظهر القول بتكفيرهم ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ أي لا يتجاوز الإيمان حناجرهم ومخارج الحروف منهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ما نطقوا به من التوحيد ﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ من بغض الإسلام والمسلمين وسائر مجاري أحوالهم فيما بينهم.

وذلك أن المؤمنين قد علموا بعض ذلك بالقرائن والأمارات، وهو  عالم بتفاصيل ذلك ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض  ﴾ .

﴿ الذين قالوا ﴾ منصوب على الذم أو على البدل من ﴿ الذين نافقوا ﴾ أو مرفوع على الذم أي هم الذين، أو على البدل من ضمير ﴿ يكتمون ﴾ وقيل: يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في ﴿ أفواههم ﴾ أو ﴿ قلوبهم ﴾ ﴿ لإخوانهم ﴾ لأجل إخوانهم المقتولين يوم أحد / إخوة في النسب أو في سكنى الدار أو في الجنسية في النفاق.

والقائلون - عند جمهور المفسرين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه.

واعترض الأصم بأنه قد خرج يوم أحد فكيف وصف بالقعود في قوله: ﴿ وقعدوا ﴾ أي والحال أنهم قد قعدوا عن القتال.

والجواب أن القعود عن القتال وهو الجبن عنه وتركه لا ينافي الخروج.

﴿ لو أطاعونا ﴾ في أمرنا إياهم بالقعود ﴿ ما قتلوا ﴾ كأنهم قعدوا وما اكتفوا بذلك بل أرادوا تثبيط غيرهم وذلك لما في الطباع من محبة الحياة وكراهة الموت.

"ومن يسمع يخل" فلعل بعض ضعفة المسلمين إذا سمع ذلك رغب في القعود ونفر طبعه عن الجهاد فأجابهم الله  بقوله: ﴿ قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قيودكم لا بغيره من أسباب النجاة, وفيه استهزاء بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادفعوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.

وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.

جميع ذلك بناء على أن القتل أمر مكروه يجب على العاقل أن يتحرز منه لو أمكنه، لكنا لا نسلم ذلك وهو المراد بقوله: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ﴾ والخطاب للرسول أو لكل أحد.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للرسول.

أو المراد لا يحسبن حاسب أو لا يحسبنهم أمواتاً.

وضمير المفعول للذين قتلوا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً.

فحذف المفعول الأوّل لدلالة الكلام عليه، فكأنه مذكرو كما حذف المبتدأ في قوله: ﴿ بل أحياء ﴾ أي هم أحياء للدلالة.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله  " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهارالجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه الآية " وعن جابر بن عبد الله قال: "نظر إليّ رسول الله  فقال: ما لي أراك مهتماً؟

قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك ديناً وعيالاً.

فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحاً.

فقال: يا عبدي سلني أعطك.

فقال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.

فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.

فقال: يا رب فأبلغ من روائي " فنزلت.

وقال جماعة من أهل التفسير: نزلت / الآية في شهداء بئر معونة.

وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فنزلت الآية تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم أنهم أحياء متنعمون.

واختلف العلماء في معنى هذه الحياة.

فعن طائفة أنها على سبيل المجاز.

وقال الأصم والبلخي: أريد بها الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبة.

وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال: ما مات من خلف مثلك.

ومن هذه الطائفة من قال: مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض ألبتة.

روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع.

قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دماً.

ومن هؤلاء من قال: المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض تعذيب منكري المعاد، وزيف بأنه عدول عن الظاهر، وبأن عذاب القبر ثابت.

فالثواب أولى.

وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتاً والذي يزيل هذا الحسبان هو اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في قوم القيامة، فإن ذلك مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه.

وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في أجواف طير.

وبقوله: ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ والاستبشار بمن يكون في الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة.

وذهب كثير من المحققين إلى أنهم أحياء في الحال لكن بحياة روحانية، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة.

وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوّة والكلال، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل.

ولأن الإنسان يكون عالماً بنفسه حالماً يكون غافلاً عن جميع أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم.

ثم ذلك الشيء المغاير لهذا البدن المحسوس سواء كان جسماً مخصوصاً سارياً أو جوهراً مجرداً لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حياً أو أماته الله فيعيده حياً, وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه وتزول الشبهات.

ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة لأحوال البدن، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر، كما أن البدن يضعف وقت النوم وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح، وإذا أعرضت النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سروراً وابتهاجاً وفرحاً وارتياحاً، وانطبعت فيها الجلايا القدسية، وانكشفت لها المعارف الإلهية، وأكثر أرباب / الشرع على أنهم أحياء في الحال بحياة جسمانية.

ثم منهم من قال: إنه  يصعد أجسادهم إلى السموات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها، ومنهم من قال: بل يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها.

ومن الناس من طعن في هذه القول وقال: إن تجويز كون البدن الميت الملقى في التراب حياً متنعماً عاقلاً عارفاً نوع من السفسطة.

والحق في هذه المسألة عندي خلاف ما يقوله أهل التناسخ من أن النفس بعد موت بدنها تقبل على بدن آخر وتعرض عن الأوّل بالكلية، وخلاف ما يقوله الفلاسفة من أن النفس تنقطع علاقتها عن البدن مطلقاً وإنما تلتذ أو تتألم هي بما اكتسبت من المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة أو بالعقائد الباطلة والملكات الذميمة.

والذي أقوله: إن النفس تبقى لها علاقة مع بدنها لا بالتحريك واكتساب الأعمال، ولكن بالتلذذ والتألم والتعقل ونحوها.

وليس ببدع أن يتغير التعلق بحسب تغير الأطوار كما كان يتغير في مدّة العمر بحسب الأسنان والأمزجة.

والتحقيق فيه أن النفس في هذا العالم جعلت متصرفة في البدن لأجل اكتساب الأعمال والملكات، وأنه يفتقر إلى تحريك الأعضاء وأعمال الجوارح والآلات، وبعد الموت تجعل متصرفة فيه من جهة الجزاء والحساب، فكيف ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر؟

فلعله يكفي بعد الموت أن يكون له علاقة التلذذ والتألم والإدراك فقط إلى أن تقوم القيامة الكبرى.

وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهداً في القبر من غير تحرك ولا إحساس ونطق، ويؤيده ما روي "أنه  وقف على قليب بدر وقال: يافلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟

فإني وجدت ما وعدني الله حقاً.

فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟

فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئاً" .

وفي حديث عذاب القبر " إنه ليسمع قرع نعالهم " ولعل السر في أنه اكتفى بهذا القدر من التصرف أنه إن كان أكثر من ذلك كما سيكون في القيامة الكبرى نافى تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء وهو السر في آخر حديث عذاب القبر " فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" وأما الشهداء فلا يبعد أن يجازيهم الله  بمزيد التلذذ بنعيم الآخرة كما قتلوا تعجيلاً للثواب.

وكما عجلوا الانقطاع عن طيبات الدنيا ومشتهياتها فإن جزاء كل طائفة ينبغي أن يناسب عملهم.

فافهم / هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة والله أعلم.

ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله: ﴿ فالذين عند ربك  ﴾ أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم، أو المراد في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا".

يرزقون كما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها التنعم برزق الله كما ورد في الحديث.

﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها.

وقال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم.

فقوله: ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ فرحين ﴾ إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم.

بلسان الحكماء ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية و ﴿ فرحين ﴾ رمز إلى ابتهاجها بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال، و ﴿ يستبشرون بالذين ﴾ بإخوانهم من المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم.

والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة.

ومعنى ﴿ من خلفهم ﴾ أنهم بقوا بعدهم.

وقيل لم يحلقوا بهم أي لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم ﴿ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ بدل الاشتمال من "الذين".

وذلك أن الله يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون امنين يوم القيامة، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم, وإنما بشرهم الله بذلك لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال إخوانهم وهو شبه تألم، فأكرمهم الله  بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم أمن إخوانهم من عذاب الله فحصل لهم سروران: من قبل حالهم في أنفسهم وذلك قوله: ﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكد فقال: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله ﴾ وهي الثواب.

وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو سرورهم بسعادة أنفسهم.

﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ﴿ لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ وهذا سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين.

ثم إنه  مدح المؤمنين بغزوتين متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى.

أما الأولى فما روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبقَ منهم إلاّ القليل.

فلم تركناهم؟

فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس.

فخرج في سبعين من الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فألقى الله الرعب في قلوب / المشركين وانهزموا.

فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا ﴾ بإتيان جميع المأمورات ﴿ واتقوا ﴾ بالانتهاء عن المحظورات ﴿ وأحسنوا ﴾ في طاعة الرسول واتقوا مخالفته وإن بلغ الأمر بهم إلى الجراحات.

روي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة.

ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.

و "من" في قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم ﴾ للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم.

وقال أبو بكر الأصم: نزلت في يوم أحد لما رجع النبي  بالناس بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنهم بعد أن مثلوا بحمزة، فصلى عليهم النبي  ودفنهم بدمائهم.

وذكروا "أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال  للزبير: ردّها لئلا تجزع من مثلة أخيها.

فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله  .

فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيراً واستغفرت له.

وجاءت امرأة أخرى قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها، فلما رأت الرسول  وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر" .

وأما الثانية فروى ابن عباس "أن أبا سفيان لما عزم أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى القابل فنقتتل بها إن شئت.

فقال  لعمر: قل بيننا وبينك ذاك إن شاء الله.

فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل مرّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع.

ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فألحق بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل.

فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم.

فقال  : والذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم وحدي.

فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى وهي ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام.

فلم يلق رسول الله  وأصحابه أحداً من المشركين.

وكانت معهم تجارت ونفقات فوافوا السوق وباعوا ما معهم واشتروا بها أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.

ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق وأنزل الله في المؤمنين ﴿ الذي قال لهم الناس ﴾ " يعني نعيم بن مسعود كما ذكرناه.

وإنما عبر / عن الإنسان الواحد بالناس لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل وما له إلا فرس واحد.

ولأن الواحد إذا قال قولاً وله أتباع يقولون مثل قوله ويرضون به، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل كقوله  : ﴿ وإذا قتلتم نفساً  ﴾ وحين قال نعيم ذلك القول لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامّونه ويصلون جناح كلامه، وقال ابن عباس ومحمد بن إسحق: "مر ركب من عبد القيس بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليخوفوهم وضمن لهم عليه جعلاً - حمل بعير من زبيب -" .

وقال السدي: هم منافقو المدينة كانوا يثبطون المسلمين عند الخروج ويقولون: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه.

والمفعول محذوف أي جمعوا لكم الجموع.

والعرب تسمي الجيش جمعاً.

﴿ فاخشوهم فزادهم ﴾ قول نعيم أو قول المثبطين ﴿ إيماناً ﴾ لأنهم لم يسمعوا قولهم وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام فكان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى بحسب زيادتها ونقصانها.

وأما من قال: الإيمان عبارة عن نفس التصديق فتأويله أن الزيادة وقعت في ثمرات الإيمان، ولكنها جعلت في الإيمان مجازاً.

وقد مر تحقيق الكلام لنا في هذا المعنى في أوائل الكتاب.

وكما أنهم أضمروا ذلك بحسب الاعتقاد وافقوا الخليل  حين ألقي في النار فأظهروه باللسان وقالوا: حسبنا الله.

وقد مر إعراب مثله في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم  ﴾ ﴿ ونعم الوكيل ﴾ الكافي أو الكافل أو الموكول إليه هو.

ثم عملوا بما اعتقدوه وقالوا فخرجوا ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله ﴾ وهي العافية ﴿ وفضل ﴾ وهو الربح بالتجارة، أو النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ لم يصبهم قتل ولا جراح وصفهم بأنه حصل لهم الملائم ولم يحصل لهم المنافي وهذه غاية المطلب ونهاية الأماني، وإن ذلك ثمرة الإخلاص والتوكل على الله  وتعالى .

ثم روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟

فقال  : ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ ليعلموا أن لهم ثواب المجاهدين حيث قضوا ما عليهم.

ثم قال: ﴿ والله ذو فضل عظيم ﴾ تنبيهاً على أن السبب الكلي في ثواب المطيعين هو فضل ربهم ورحمته عليهم ولم ينج أحداً عمله إلا أن يتغمده الله برحمته، فعلى المؤمن أن لا يثق إلا بالله ولا يخاف أحداً إلا إياه وذلك قوله: ﴿ إنما ذلكم ﴾ المثبط هو ﴿ الشيطان ﴾ لعتوّه وتمرده وإعوائه، ثم بين شيطنته بقوله: ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ أو الشيطان صفة اسم الإشارة، وهذه الجملة خبر والمعفول الأوّل محذوف أي يخوّفكم أولياءه ﴿ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ فإن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس الذين هم أولياء المثبطين.

والأولياء هم أبو سفيان وأصحابه.

وقيل: الشيطان هو إبليس.

وقيل: المضاف محذوف والتقدير إنما / ذلكم قول الشيطان.

وقيل: يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله  .

وعلى هذا فالضمير في ﴿ فلا تخافوهم ﴾ للناس في قوله: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ وقيل: التقدير يخوّفكم بأوليائه كقوله: ﴿ ويخوّفونك بالذين من دونه  ﴾ فحذف حرف الجر قاله الفراء والزجاج وأبو علي، وزيفه ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر.

الله حسبي.

التأويل: قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها.

فالآن نقول: إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين و الصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة.

وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين  ﴾ وكما ورد في حديث الشهداء " "من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة" والذي جاء فيه " "إن أرواحهم في أجواف طير خضر" فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً.

فمن الممكن أن يخلق الله  من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله  .

وأما كون الطيرخضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿ تعرف في وجوههم نضرة النعيم  ﴾ وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤل إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه  ﴾ وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله  ورسوله أعلم بمرادهما.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ فيه قراءتان: "يغل" بنصب الياء، وبرفع الياء ونصب الغين، ومن قرأه بنصب الياء فذلك يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ أي: لم يكن نبي من الأنبياء غلَّ قط، وهو أحق من لا تتهمونه؛ لعلمكم به؛ فكيف اتهمتموه هنا بالغلول؟!

وقيل: إن ناساً من المنافقين خَشُوا ألا يقسم رسول الله  الغنيمة بينهم؛ فطلبوا القسمة؛ فنزلت [هذه] الآية.

وقيل: قالوا: اعدل يا محمد في القسمة؛ فنزل هذا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ أي: قد كنتم عرفتموه من قبل أن يرسل، فما عرفتموه خان قط أَوْ غَلَّ؛ فكيف يحتمل الخيانة بعدما أرسل؟!

هذا لا يحتمل.

ومن قرأه بالرفع [أي: يُغَلّ] فهو - أيضاً - يحتمل وجهين، أي: يتهم بالغلول في الغنيمة؛ فهو يرجع إلى تأويل الأول.

ويحتمل قوله: "أن يُغَلّ" أن يخان في الغنيمة، لا يخون ولا يحل أن يخان النبي  في الغنيمة؛ فإنه يطلع على ذلك، يطلع الله ورسوله، على ما جاء في بعض الأخبار "أنَّهُ مرَّ بقبر، فقال: إنه في عذاب، قيل: بماذا يا رسول الله؟!

فقال: إِنَّه كَانَ أَخَذَ مِنَ الغَنِيمَةِ قَدْرَ دِرْهَمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُ" ويحتمل: خصوص الغنيمة بما يتناول الغالَّ حِلُّهُ، بما لا يعرف له صاحب؛ كالمال الذي لا مالك له، وربما يباح التناول منه للحاجة والأخذ بغير البدل بوجه لا يحتمل بتلك أكل الحل من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : أي: يؤخذ به يوم القيامة، وهكذا كل من أخذ من مال غيره بغير إذنه؛ فإنه يؤخذ به.

وقال بعض الناس: وإنما خص الغنيمة بفضل وعيد؛ لأن الغلول فيها يجحف بحق الفقراء وأهل الحاجة، أو يضر ذلك أصناف الخلق، وسائرُ الأموال ليس كذا.

وقيل: إنما جاء الوعيد في هذا أنهم كانوا أهل نفاق، يستحلون الغلول في الغنيمة والأخذ منها، وهذا كأنه أشبه.

وعن ابن عباس -  - قال: بعث [رسول الله]  جيشاً فغلوا رأس ذهب؛ فنزلت [الآية]: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ .

وعن ابن عباس -  - أيضاً - قال: فُقِدَتْ قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين؛ فقال الناس: لعل رسول الله  أخذها لنفسه؛ فأنزل الله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : قل: أفمن لم يغل، ولم يأخذ من الغنيمة شيئاً - كمن غلَّ وأخذ منها؟!

ليسا سواء؛ رجع أحدهما برضوان الله، والآخر بسخطه.

ويحتمل: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ ﴾ : أفمن أطاع الله واتبع أمره، كمن عصى الله واتبع هواه؟!

ليسا بسواء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : والدرجات - والله أعلم -: ما يقصدوها أهلها.

والدركات: ما تدركهم من غير أن يقصدوها؛ كالدرك في العقود يدرك من غير قصد.

وقيل: الدرجات: ما يعلو.

والدركات: ما يَسْفُل، والله أعلم.

فهذا في التسمية المعروفة أنْ سُمِّيَتِ النار دركات والجنة درجات، وحقيقة ذلك واحد، والآية تدل على الأمرين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : وجه المنة فيما بعث الرسل عليهم من البشر، ولم يرسلهم من الملائكة ولا من الجن - وجوه: أحدها: أن كل جوهر يألف بجوهره، وينضم إليه ما لم يألف بجوهر غيره، ولا ينضم إلى جنس آخر، فإذا كان كذلك، والرسل إنما بعثوا لتأليف قلوب الخلق وجمعهم، والدعاء إلى دين يوجب الجمع بينهم، ويدفع الاختلاف من بينهم - فإذا كان ما وصفنا بُعِثُوا من جوهرهم وجنسهم؛ ليألفوا بهم وينضموا إليهم، والله أعلم.

والثاني: أن الرسل لا بدّ لهم من أن يقيموا آيات وبراهين لرسالتهم، فإذا كانوا من غير جوهرهم وجنسهم لا يظهر لهم الآيات والبراهين؛ لما يقع عندهم أنهم إنما يأتون ذلك بطباعهم دون أن يأتوها بغير إعطائهم إياها ذلك.

والثالث: أن ليس في وسع البشر معرفة غير جوهرهم وغير جنسهم من نحو الملائكة والجن؛ ألا ترى أن البشر لا يرونهم؟!

فإذا كان كذلك بُعِثُوا منهم؛ ليعرفوهم ولتظهر لهم الحجة، والله أعلم.

ثم المنة الثانية: حيث بعثهم من نسبهم وجنسهم وحَسَبهم لم يبعثهم من غيرهم؛ وذلك أنهم إذا بعثوا من غير قبيلهم وجنسهم لم يظهر لهم صدقهم ولا أمانتهم فيما ادعوا من الرسالة، فبعثهم منهم؛ ليظهر صدقهم وأمانتهم، لَمَّا ظهر صدقهم وأمانتهم في غير ذلك؛ فيدلّ ذلك لهم أنهم لما لم يكذبوا بشيء قط ولا خانوا في أمانة - لا يكذبون على الله  .

والثاني: أنهم إ ذا كانوا من غير نسبهم فلعلهم إذا أتوا بآية أو براهين يقولون: إنما كان ذلك بتعليم من أحد، واختلاف إلى أحد ممن يفتعل بمثل هذا، بعثهم الله منهم؛ ليعلموا أنهم إذا لم يتعلموا من أحد، ولا اختلفوا فيه - أنهم إنما علموا ذلك بالله -  - لا بأحد من البشر، والله أعلم.

ألا ترى أن ما أتى به موسى - صلوات الله عليه - من الآيات من نحو: العصا، واليد البيضاء وغير ذلك لو كان سحراً في الحقيقة لكان من أعظم آيات رسالته: لأنه لم يعرف أنه اختلف إلى أحد في تعلم السحر قط، وقد نشأ بين أظهرهم، فكيف ولم يكن سحراً؟!

فدل أن لله على خلقه منة عظيمة؛ فيما بعث الرسل من نسبهم وقرابتهم، وومن نشأ بين أظهرهم لمعنى الذي وصفنا، والله أعلم.

وقيل: قوله: ﴿ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: من العرب معروف النسب أميّاً؛ ليعلموا أنه إنما أتى به ما أتى سماويّاً وَحْياً، وألا يرتابوا في رسالته وفيما يقوله، كقوله: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ الآية [العنكبوت: 48].

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾ : يحتمل: إعلام رسالته ونبوته، ويحتمل الآيات الحجج والبراهين، هما واحد، ويحتمل: آيات القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ : يحتمل: التزكية من الزكاء النماء، وهو أن أظهر ذكرهم، وأفشى شرفهم ومذاهبهم؛ حتى صاروا أئمة يذكرون ويقتدون بهم بعد موتهم؛ قكوله -  -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  ﴾ : أظهره ولم يُخمل ذكرهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا  ﴾ أي: أخفاها وأخملها؟!

ويحتمل: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ ، أي: يطهرهم بالتوحيد، وقيل: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ ، أي: يأخذ منهم الزكاة؛ ليطهرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ أن ينصرف إلى وجوه، وقد ذكرناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴾ : وقد ذكرنا الضلال أنه يتوجه إلى وجوه: إلى الهلاك، وإلى الحيرة، وإلى خمول الذكر وغيره.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما كان لنبي من الأنبياء أن يخون بأخذ شيء من الغنيمة غير ما اختصه به الله، ومن يَخُنْ منكم بأخذ شيء من الغنيمة، يُعاقَب بأن يُفضح يوم القيامة، فيأتي حاملًا ما أخذه أمام الخلق، ثم تُعطى كل نفس جزاء ما اكتسبته تامًّا غير منقوص، وهم لا يُظلمون بزيادة سيئاتهم، ولا بنقص حسناتهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.j6JLN"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

نزلت هذه الآية في شأن النبي  من سياق الحكم والأحكام المتعلقة بغزوة أُحد، ولكن أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ  ﴾ قد نزل في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله  أخذها، وقد ضعف هذه الرواية بعض المفسرين وإن حسنها الترمذي لأن السياق كله في واقعة أُحد ورجحوا عليها ما روي عن الكلبي ومقاتل من أن الرماة قالوا حين تركوا المركز الذي وضعهم النبي  فيه: نخشى أن يقول النبي  : "من أخذ شيئًا فهو له"، وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال النبي  : "أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" ولهذا نزلت الآية.

وروى ابن أبي شيبة في (المصنف) وابن جرير مرسلًا عن الضحاك قال بعث رسول الله  طلائع فغنم  غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبي  ولم يقسم لنا، فأنزل الله تعالى الآية.

والصواب أن هذه الآية من متعلقات هذه الواقعة كالآيات التي قبلها وكثير مما يأتي بعدها.

وأصل الغل الأخذ بخفية كالسرقة، وغلب في السرقة من الغنيمة قبل القسمة وتسمى غلولاً.

قال الرماني وغيره: أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر، وسميت الخيانة غلولًا لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل.

ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش والغلالة للشعار، والمعنى ما كان من شأن نبي من الأنبياء ولا من سيرته أن يغل؛ لأن الله قد عصم أنبياءه من الغل والغلول فهو لا يقنع منهم، وهذا التعبير أحسن من قولهم: ما صح ولا استقام لنبي أن يغل أي يخون في المغنم.

وقد تقدم بيان ما يفيده هذا التعبير من نفي الشأن الذي هو أبلغ من نفي الفعل لأنه عبارة عن دعوى بدليل كأنه يقول هنا إن النبي لا يمكن أن يقع منه ذلك لأنه ليس من شأن الأنبياء ولا مما يقع منهم أو يجوز عليهم.

وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب "أن يغل" بالبناء للمفعول وهو من أغللته بمعنى وجدته غالًا أي ما كان من شأن النبي أن يوجد غالًا، أو بمعنى نسبته إلى الغلول أي ما كان لنبي أن يكون متهمًا بالغلول، أو من غل أي ما كان لنبي أن يكون بحيث يسرق من غنيمته السارقون ويخونه العاملون وهذا أضعف مما قبله.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الغل أو الغلول المنفي هنا هو إخفاء شيء من الوحي وكتمانه عن الناس لا الخيانة في المغنم، وإن كان ما بعده عامًا في كل غلول أو خاصًا بالغنيمة فإنه جيء به للمناسبة كما عهد في مناسبات القرآن وانتقاله من حكم إلى حكم أو خبر له حكمه.

وذكروا أنه نزل ردًا على من رغب إلى النبي  أن يترك النهي على المشركين.

ومن مناسبة كون الغل بمعنى الكتمان وإخفاء بعض التنزيل ما تقدم من أمر الله تعالى نبيه  في الآيات السابقة بمعاتبة من كان معه في أُحد وتوبيخهم على ما قصروا، وذلك مما يصعب تبليغه عادة لأنه يشق على المبلِّغ والمبلَّغ، ومن أمره  بالعفو عنهم والاستغفار لهم ومشاورتهم في الأمر على ما كان منهم، وفي هذا إعلاء لشأنهم ومعاملة لهم بالمساواة في مثل هذه الشؤون، وذلك مما عهد في طباع البشر أن يشق على الرئيس منهم إبلاغه للمرؤوسين.

ثم قال: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ فسروا الإتيان بما غل به الغال بأنه يحمله وكأنهم جعلوا الباء للمصاحبة، وليس بمتعين، وقد عدل عنه بعض المفسرين كأبي مسلم الأصفهاني وقال إنه على حد قوله تعالى حكاية عن لقمان ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ  ﴾ فليس معنى ﴿ يَأْتِ بِهَا اللَّه  ﴾ أنه يحملها، ولكن معناه أنه يعلم بها أتم العلم لا تخفى عليه مهما كانت مستترة، لأن من يأتي بالشيء لا بد أن يكون عالمًا به، والمعنى أن الإتيان بالشيء الذي يغله الغال هو كناية عن انكشافه وظهوره، أي أن كل غلول وخيانة خفية يعلمه الله تعالى مهما خفي ويظهره يوم القيامة للغال حتى يعرفه كمعرفة من أتى بالشيء لذلك الشيء على حد قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ  ﴾ .

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ : من عليهم غمرهم بالمنة وأثقلهم بالنعمة.

انتقل من نفي الغلول عن النبي عليه  ومن وصفه قبل ذلك بالرحمة واللين، وأمره بالمشاورة إلى التفرقة بين أصحابه الذين عاملهم هذه المعاملة الذين اتبعوا رضوان الله، وبين من باء بسخط من الله وتفاوت درجاتهم في ذلك وقالوا ما قالوا مما دل على جهلهم وكفرهم بحرمانهم من هدايته، ثم عاد إلى ذكر منته تعالى على المؤمنين ببعثه النبي  فيهم.

وقد كان ما تقدم من وصفه  بالرحمة واللين وأمره بتلك المعاملة الحسنى وتنزيهه عن الغلول تمهيدًا لهذه المنة.

ثم وصفه بأوصاف أخرى أكد بها المنة أولها: أنه من أنفسهم أي من جنسهم أي العرب.

ووجه هذه المنة الخاصة، التي لا تنافي كونه  رحمة عامة، هو أن كونه منهم يزيد في شرفهم ويجعلهم أول المهتدين به، لأنهم أسرع الناس فهمًا لدعوته، والنعمة العامة قد ذكرت في آيات أخرى كقوله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  ﴾ ويمكن أن يستدل على هذا التخصيص بالعرب دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي تقدمت في سورة البقرة ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ  ﴾ إلخ، الأوصاف المذكورة هنا، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بأنفسهم ههنا البشر لا العرب.

الوصف الثاني: قوله: ﴿ يَتلوا عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ  ﴾ والآيات هي الآيات الكونية الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته وتلاوتها عبارة عن تلاوة ما فيه بيانها، وتوجيه النفوس إلى الاستفادة منها والاعتبار بها، وهو القرآن كقوله  في أواخر هذه السورة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ ، وقوله في سورة البقرة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  ﴾ ، ومنها ما لم يذكر فيه كلمة "الآيات" كقوله تعالى ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا  وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا  ﴾ إلخ.

الوصف الثالث والرابع: قوله تعالى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ  ﴾ تزكيته إياهم هي تطهيرهم من العقائد الزائفة ووساوس الوثنية وأدرانها، والعقائد هي أساس الملكات، ولذلك نقول: إن العرب وغيرهم كانوا قبل بعثة محمد  ملوثين في عقولهم ونفوسهم.

أما تعليمهم الكتاب فمعناه أن هذا الدين الذي جاء به قد اضطرهم إلى تعلم الكتابة بالقلم وأخرجهم من الأمية لأنه دين حث على المدنية وسياسة الأمم.

وأما الحكمة فهي أسرار القلوب وفقه الأحكام وبيان المصلحة فيها، والطريق إلى العمل بها ذلك الفقه الذي يبعث على العمل، أو هي العمل الذي يوصل إلى هذا الفقه في الأحكام، أو طرق الاستدلال ومعرفة الحقائق ببراهينها، لأن هذه الطريقة هي طريقة القرآن وسنته في العقائد وكذا في الآداب والعبادات، وقد مرت الشواهد الكثيرة على ذلك وسيأتي ما هو أكثر وأغزر إن شاء الله تعالى.

﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  ﴾ أي وإنهم كانوا قبل بعثة النبي  في ضلال بيّن واضح، وأي ضلال أبين من ضلال قوم مشركين يعبدون الأصنام ويتبعون الأوهام أميين لا يقرأون ولا يكتبون فيعرفوا كنه ضلالتهم، وحقيقة جهالتهم، فضلالهم أبين من ضلال أهل الكتاب، كما هو ظاهر لأولي الألباب.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله