الآية ١٨٣ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٨٣ من سورة آل عمران

ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍۢ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨٣ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ) يقول تعالى تكذيبا أيضا لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم ألا يؤمنوا برسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته فقبلت منه أن تنزل نار من السماء تأكلها .

قاله ابن عباس والحسن وغيرهما .

قال الله تعالى : ( قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ) أي : بالحجج والبراهين ( وبالذي قلتم ) أي : وبنار تأكل القرابين المتقبلة ( فلم قتلتموهم ) أي : فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم ( إن كنتم صادقين ) أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لقد سمع الله قول الذين قالوا: " إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول ".

* * * وقوله: " الذين قالوا إن الله "، في موضع خفض ردًّا على قوله: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ .

* * * ويعني بقوله: " قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول "، أوصانا، وتقدم إلينا في كتبه وعلى ألسن أنبيائه (12) =" أن لا نؤمن لرسول "، يقول: أن لا نصدِّق رسولا فيما يقول إنه جاء به من عند الله من أمر ونهي وغير ذلك=" حتى يأتينا بقربان تأكله النار "، يقول: حتى يجيئنا بقربان، وهو ما تقرَّب به العبد إلى ربه من صدقة.

* * * وهو مصدر مثل " العدوان " و " الخسران " من قولك: " قرَّبتُ قربانًا ".

وإنما قال: " تأكله النار "، لأن أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك الزمان، كان دليلا على قبول الله منه ما قرِّب له، ودلالة على صدق المقرِّب فيما ادعى أنه محق فيما نازع أو قال، كما:- 8310 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " حتى يأتينا بقربان تأكله النار "، &; 7-449 &; كان الرجل يتصدق، فإذا تُقُبِّل منه، أنـزلت عليه نارٌ من السماء فأكلته.

8311 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد، قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " بقربان تأكله النار "، كان الرجل إذا تصدق بصدقة فتُقُبِّلت منه، بعث الله نارًا من السماء فنـزلت على القربان فأكلته.

* * * = فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: [قل، يا محمد، للقائلين: إنّ الله عهد إلينا] أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار: " [قد جاءكم] رسل من قبلي بالبينات "، (13) يعني: بالحجج الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة قولهم=" وبالذي قلتم "، يعني: وبالذي ادَّعيتم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه والإقرار بنبوته، من أكل النار قُربانه إذا قرَّب لله دلالة على صدقه، (14) =" فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين "، يقول له: قل لهم: قد جاءتكم الرسل الذين كانوا من قبلي بالذي زعمتم أنه حجة لهم عليكم، فقتلتموهم، فلم قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذي جاءوكم به من ذلك كان حجة لهم عليكم=" إن كنتم صادقين " في أن الله عهد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسله بقُربان تأكله النار حجة له على نبوته؟

* * * قال أبو جعفر: وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية: أنّ الذين وصف صفتهم من اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لن يَعْدوا أن يكونوا &; 7-450 &; في كذبهم على الله وافترائهم على ربهم وتكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمونه صادقًا محقًّا، وجحودهم نبوَّته وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في عهد الله تعالى إليهم أنه رسوله إلى خلقه، مفروضة طاعته (15) إلا كمن مضى من أسلافهم الذين كانوا يقتلون أنبياء الله بعد قطع الله عذرهم بالحجج التي أيدهم الله بها، والأدلة التي أبان صدقهم بها، افتراء على الله، واستخفافًا بحقوقه.

---------------------- الهوامش: (12) انظر تفسير"عهد إليه" فيما سلف 3: 38 ، وتفسير"العهد" في فهارس اللغة.

(13) في المخطوطة: "فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار رسل من قبلي بالبينات.

.

." ، وقد وضع ناسخ المخطوطة أمام السطرين في الهامش (ط ط كذا) ، يعني أنه خطأ كان في النسخة التي نقل عنها ، فنقله هكذا كما وجده ، فجاء ناشر المطبوعة -أو ناسخ قبله- فأراد أن يصححها ، فزاد صدر الآية: "قل قد جاءكم" بعد قوله: "بقربان تأكله النار" ، ولكن يبقى السياق غير حسن ، فزدت ما بين القوسين ، استظهارًا من نهج أبي جعفر في بيانه عن معاني آي كتاب الله ، والله الموفق للصواب.

(14) في المطبوعة والمخطوطة: "إذ قرب لله" ، والسياق يقتضي"إذا".

(15) في المطبوعة: "لن يفروا أن يكونوا في كذبهم على الله" ، وفي المخطوطة: "لن يقروا" ولا معنى لهما ، وصوابهما ما أثبت.

وسياق العبارة: "لن يعدوا أن يكونوا في كذبهم.

.

.

إلا كمن مضى من أسلافهم".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير[ ص: 277 ] قوله تعالى : الذين في موضع خفض بدلا من " الذين " في قوله عز وجل لقد سمع الله قول الذين قالوا أو نعت " للعبيد " أو خبر ابتداء ، أي هم الذين قالوا .

وقال الكلبي وغيره .

نزلت في كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا وفنحاص بن عازوراء وجماعة أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ; فقالوا له : أتزعم أن الله أرسلك إلينا ، وإنه أنزل علينا كتابا عهد إلينا فيه ألا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن جئنا به صدقناك .

فأنزل الله هذه الآية .

فقيل : كان هذا في التوراة ، ولكن كان تمام الكلام : حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان .

وقيل : كان أمر القرابين ثابتا إلى أن نسخت على لسان عيسى ابن مريم .

وكان النبي منهم يذبح ويدعو فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف لا دخان لها ، فتأكل القربان .

فكان هذا القول دعوى من اليهود ; إذ كان ثم استثناء فأخفوه ، أو نسخ ، فكانوا في تمسكهم بذلك متعنتين ، ومعجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل قاطع في إبطال دعواهم ، وكذلك معجزات عيسى ; ومن وجب صدقه وجب تصديقه .

ثم قال تعالى : إقامة للحجة عليهم : قل يا محمد قد جاءكم يا معشر اليهود رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم من القربان فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين يعني زكريا ويحيى وشعيا ، وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم السلام ولم تؤمنوا بهم .

أراد بذلك أسلافهم .

وهذه الآية هي التي تلاها عامر الشعبي - رضي الله عنه - ، فاحتج بها على الذي حسن قتل عثمان - رضي الله عنه - كما بيناه .

وإن الله تعالى سمى اليهود قتلة لرضاهم بفعل أسلافهم ، وإن كان بينهم نحو من سبعمائة سنة .

والقربان ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسك وصدقة وعمل صالح ; وهو فعلان من القربة .

ويكون اسما ومصدرا ; فمثال الاسم السلطان والبرهان .

والمصدر العدوان والخسران .

وكان عيسى بن عمر يقرأ " بقربان " بضم الراء إتباعا لضمة القاف ; كما قيل في جمع ظلمة : ظلمات ، وفي حجرة حجرات .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حال هؤلاء المفترين القائلين: { إن الله عهد إلينا } أي: تقدم إلينا وأوصى، { ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار } فجمعوا بين الكذب على الله، وحصر آية الرسل بما قالوه، من هذا الإفك المبين، وأنهم إن لم يؤمنوا برسول لم يأتهم بقربان تأكله النار، فهم -في ذلك- مطيعون لربهم، ملتزمون عهده، وقد علم أن كل رسول يرسله الله، يؤيده من الآيات والبراهين، ما على مثله آمن البشر، ولم يقصرها على ما قالوه، ومع هذا فقد قالوا إفكا لم يلتزموه، وباطلا لم يعملوا به، ولهذا أمر الله رسوله أن يقول لهم: { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات } الدالات على صدقهم { وبالذي قلتم } بأن أتاكم بقربان تأكله النار { فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين } أي: في دعواهم الإيمان برسول يأتي بقربان تأكله النار، فقد تبين بهذا كذبهم، وعنادهم وتناقضهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( الذين قالوا إن الله عهد إلينا ) الآية قال الكلبي : نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد تزعم أن الله تعالى بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك الكتاب وأن الله تعالى قد عهد إلينا في التوراة ( ألا نؤمن لرسول ) يزعم أنه جاء من عند الله ، ( حتى يأتينا بقربان تأكله النار ) فإن جئتنا به صدقناك؛ قال فأنزل الله تعالى : ( الذين قالوا ) أي : سمع الله قول الذين قالوا ومحل ( الذين ) خفض ردا على ( الذين ) الأول ، ( إن الله عهد إلينا ) أي : أمرنا وأوصانا في كتبه أن لا نؤمن برسول أي : لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار فيكون دليلا على صدقه ، والقربان : كل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من نسيكة وصدقة وعمل صالح فعلان من القربة وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل وكانوا إذا قربوا قربانا أو غنموا غنيمة جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف فتأكله وتحرق ذلك القربان وتلك الغنيمة فيكون ذلك علامة القبول وإذا لم يقبل بقيت على حالها .

وقال السدي : إن الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد ، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم ، ( قل ) يا محمد ( قد جاءكم ) يا معشر اليهود ( رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ) القربان ( فلم قتلتموهم ) يعني : زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء ، وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم ( إن كنتم صادقين ) معناه تكذيبهم مع علمهم بصدقك ، كقتل آبائهم الأنبياء ، مع الإتيان بالقربان والمعجزات ، ثم قال معزيا لنبيه صلى الله عليه وسلم :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الَّذين» نعت للذين قبله «قالوا» لمحمد «إن الله» قد «عهد إلينا» في التوراة «ألا نؤمن لرسول» نصدقه «حتى يأتينا بقربانٍ تأكله النار» فلا نؤمن لك حتى تأتينا به وهو ما يتقرب به إلى الله من نعم وغيرها فإن قُبل جاءت نار بيضاء من السماء فأحرقته وإلا بقي مكانه وعُهد إلى بني إسرائيل ذلك إلا في المسيح ومحمد قال تعالى «قل» لهم توبيخا «قد جاءكم رسلٌ من قبلي بالبينات» بالمعجزات «وبالذي قلتم» كزكريا ويحيى فقتلتموهم والخطابُ لمن في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان الفعل لأجدادهم لرضاهم به «فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين» في أنكم تؤمنون عند الإتيان به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء اليهود حين دُعُوا إلى الإسلام قالوا: إن الله أوصانا في التوراة ألا نصدِّق مَن جاءنا يقول: إنه رسول من الله، حتى يأتينا بصدقة يتقرب بها إلى الله، فتنزل نار من السماء فتحرقها.

قل لهم -أيها الرسول-: أنتم كاذبون في قولكم؛ لأنه قد جاء آباءكم رسلٌ من قِبلي بالمعجزات والدلائل على صدقهم، وبالذي قلتم من الإتيان بالقربان الذي تأكله النار، فَلِمَ قَتَل آباؤكم هؤلاء الأنبياء إن كنتم صادقين في دعواكم؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل اليهود فقال : { الذين قالوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار } .وقوله { الذين قالوا إنَّ } .

.

إلخ .

فى محل نصب بتقدير : أعنى .

أو فى محل رفع بتقدير : هم الذين قالوا .

ويجوز أن يكون فى محل جر على البدلية من قوله { الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ } .والمراد بالموصول جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف ، وفنحاص بن عازوراء ، وحيى بن أخطب .

.

وغيرهم ، فقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم أتوا النبى صلى الله عليه وسلم وقالوا له هذا القول وهو : { إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا } .

.

.

إلخ .و ( القربان ) هو ما يتقرب به إلى الله من نعم أو غير ذلك من القربات .والمعنى : أن عذابنا الأليم سيصيب أولئك اليهود الذين قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء ، والذين قالوا إن الله امرنا فى التوراة وأوصانا بأن لا نصدق ونعترف لرسول يدعى الرسالة غلينا من قبل الله - تعالى - حتى ياتينا بقربان يتقرب به إلى الله ، فتنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان ، فإذا فعل ذلك كان صادقا فى رسالته .ومقصدهم من وراء هذا القول الذى حكاه القرآن عنهم ، أن يظهروا أمام الناس بمظهر المحافظين على عهود الله .

وأنهم ما تركوا الإيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم حسدا له ، وإنما تركوا الإيمان به ، لأنه لم يأتب بالمعجزات التى أتى بها الأنبياء السابقون ، فهم معذورون إذا لم يؤمنوا به لأنه ليس نبيا صادقا - فى زعمهم - .ولا شك أن قولهم هذا ظاهر البطلان ، لأن الإتيان بالقربان إذا كان معجزة لرسول لا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول ، إذ أن آيات الله فى إثبات رسالات رسله متعددة النواحى ، مختلفة المناهج ، وكون هذا الإتيان بالقربان الذى تأكله النار معجزة لبعض الرسل لا يستدعى أن يكون معجزة لجميعهم ولذا فقد أمر الله - تعالى - رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يبطل قولهم فقال : { قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .أى : قل لهم يا محمد { قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي } كثير عددهم " بالبينات " أى بالحجج الواضحة ، وبالمعجزات الساطعة الدالة على صدقهم { وبالذي قُلْتُمْ } أى وجاءكم هؤلاء الرسل بالقربان الذى تأكله النار { فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } بعد أن جاءوكم بتلك المعجزات الباهرة { إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } فى دعواكم أنكم تتبعون الحق ، وتطيعون الرسل متى أتوكم بما يهد بصدقهم؟فالجملة الكريمة ترد على هؤلاء اليهود بأبلغ الوجوه التى تثبت كذبهم فيما يدعون ، لأن قتلهم للأنبياء بعد أن جاءوهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صدقهم ، دليل على أن هؤلاء اليهود قد بلغوا منتهى الجحود والظلم والعدوان ، وأن دعواهم أن إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم متوقف على مجيئه بالقربان الذى تأكله النار دعوة كاذبة ، لأن من جاءهم بالقربان كان جزاؤه القتل منهم ..

.قال الفخر الرازى : وقد بني الله بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد وإنما على سبيل التعنت .

وذلك لأن أسلافهم طلبوا هذه المعجزة من الأنبياء المتقدمين مثل : زكريا ويحيى وعيسى ، فلما أظهروا لهم هذا المعجزة سعوا فى قتلهم بعد أن قابلوهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة .

وذلك يدل على أن مطالبهم كانت على سبيل التعنت؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما سعوا فى قتلهم ، ومتأخروا اليهود راضون بفعل متقدميهم .

وهذا يقتضى كونهم متعنتين - أيضا - فى مطالبهم .

ولهذا لم يجبهم الله فيها " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه هي الشبهة الثانية للكفار في الطعن في نبوته صلى الله عليه وسلم، وتقريرها أنهم قالوا: ان الله عهد الينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وأنت يا محمد ما فعلت ذلك فوجب أن لا تكون من الأنبياء، فهذا بيان وجه النظم، وفي الآية مسائل.

المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا، وزيد بن التابوب، وفنحاص بن عازوراء وغيرهم، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتاباً، وقد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، ويكون لها دوي خفيف، تنزل من السماء، فان جئتنا بهذا صدقناك، فنزلت هذه الآية.

قال عطاء: كانت بنو اسرائيل يذبحون لله، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت، والسقف مكشوف فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه، وبنو اسرائيل خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي خفيف ولا دخان لها فتأكل كل ذلك القربان.

واعلم أن للعلماء فيما ادعاه اليهود قولين: الأول وهو قول السدى: أن هذا الشرط جاء في التوراة ولكنه مع شرط، وذلك أنه تعالى قال في التوراة: من جاءكم يزعم أنه نبي فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمدا عليهما السلام.

فانهما اذا أتيا فآمنوا بهما فانهما يأتيان بغير قربان تأكله النار.

قال: وكانت هذه العادة باقية الى مبعث المسيح عليه السلام، فلما بعث الله المسيح ارتفعت وزالت.

القول الثاني: ان ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه لو كان ذلك حقاً لكانت معجزات كل الأنبياء هذا القربان، ومعلوم أنه ما كان الأمر كذلك، فان معجزات موسى عليه السلام عند فرعون كانت أشياء سوى هذا القربان.

وثانيها: أن نزول هذه النار وأكلها للقربان معجزة فكانت هي وسائر المعجزات على السواء، فلم يكن في تعيين هذه المعجزة وتخصيصها فائدة، بل لما ظهرت المعجزة القاهرة على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب القطع بنبوته سواء ظهرت هذه المعجزة أو لم تظهر.

وثالثها: أنه إما أن يقال إنه جاء في التوراة أن مدعي النبوة وإن جاء بجميع المعجزات فلا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه المعجزة المعينة، أو يقال جاء في التوراة أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة سواء كانت المعجزة هي مجيء النار، أو شيء آخر، والأول باطل، لأن على هذا التقدير لم يكن الاتيان بسائر المعجزات دالا على الصدق، وإذا جاز الطعن في سائر المعجزات جاز الطعن أيضاً في هذه المعجزة المعينة.

وأما الثاني: فانه يقتضي توقيت الصدق على ظهور مطلق المعجزة، لا على ظهور هذه المعجزة المعينة، فكان اعتبار هذه المعجزة عبثا ولغوا، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الشبهة بالكلية، والله أعلم.

المسألة الثانية: في محل ﴿ الذين ﴾ وجوه: أحدها: قال الزجاج: الجر، وهذا نعت العبيد، والتقدير: وما ربك بظلام للعبيد الذين قالوا كذا وكذا.

وثانيها: أن التقدير: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير، وقول الذين قالوا إن الله عهد إلينا.

وثالثها: أن يكون رفعا بالابتداء والتقدير: هم الذين قالوا ذلك.

المسألة الثالثة: قال الواحدي رحمه الله: القربان البر الذي يتقرب به إلى الله، وأصله المصدر من قولك قرب قربانا، كالكفران والرجحان والخسران، ثم سمى به نفس المتقرب به، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لكعب بن عجرة يا كعب الصوم جُنَّةٌ والصلاة قربان أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.

واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة فقال: ﴿ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى بين بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد، بل على سبيل التعنت، وذلك لأن أسلاف هؤلاء اليهود طلبوا هذا المعجز من الأنبياء المتقدمين مثل زكريا وعيسى ويحيى عليهم السلام، وهم أظهروا هذا المعجز، ثم إن اليهود سعوا في قتل زكرياء ويحيى، ويزعمون أنهم قتلوا عيسى عليه السلام أيضاً، وذلك يدل على أن أولئك القوم إنما طلبوا هذا المعجز من أولئك الأنبياء على سبيل التعنت، إذ لو لم يكن كذلك لما سعوا في قتلهم، ثم إن المتأخرين راضون بأفعال أولئك المتقدمين ومصوبون لهم في كل ما فعلوه، وهذا يقتضي كون هؤلاء في طلب هذا المعجز من محمد عليه الصلاة والسلام متعنتين، واذا ثبت أن طلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد، لم يجب في حكمة الله إسعافهم بذلك، لا سيما وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الجواب شاف عن هذه الشبهة.

المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى ﴾ ولم يقل جاءتكم رسل لأن فعل المؤنث يذكر إذا تقدمه.

المسألة الثالثة: المراد بقوله: ﴿ وبالذى قُلْتُمْ ﴾ هو ما طلبوه منه، وهو القربان الذي تأكله النار.

واعلم أنه تعالى لم يقل: قد جاءكم رسل من قبلي بالذي قلتم، بل قال: ﴿ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ ﴾ والفائدة: أن القوم قالوا: ان الله تعالى وقف التصديق بالنبوة على ظهور القربان الذي تأكله النار، فلو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: إن الأنبياء المتقدمين أتوا بهذا القربان، لم يلزم من هذا القدر وجوب الاعتراف بنبوتهم، لاحتمال أن الاتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط هو الذي يلزم عند عدمه عدم المشروط، لكن لا يلزم عند وجوده وجود المشروط، فثبت أنه لو اكتفى بهذا القدر لما كان الالزام واردا، أما لما قال: ﴿ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ ﴾ كان الالزام واردا، لأنهم لما أتوا بالبينات فقد أتوا بالموجب للتصديق، ولما أتوا بهذا القربان فقد اتوا بالشرط، وعند الاتيان بهما كان الاقرار بالنبوة واجبا، فثبت أنه لولا قوله: ﴿ جَاءكُمْ...

بالبينات ﴾ لم يكن الالزام واردا على القوم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ عَهِدَ إِلَيْنَا ﴾ أمرنا في التوراة وأوصانا بأن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بهذه الآية الخاصة، وهو أن يرينا قربانا تنزل نار من السماء فتأكله، كما كان أنبياء بني إسرائيل تلك آيتهم، كان يقرب بالقربان، فيقوم النبي فيدعو، فتنزل نار من السماء فتأكله، وهذه دعوى باطلة وافتراء على الله، لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان للرسول الآتي به إلا لكونه آية ومعجزة فهو إذن وسائر الآيات سواء فلا يجوز أن يعينه الله تعالى من بين الآيات.

وقد ألزمهم الله أن أنبياءهم جاؤهم بالبينات الكثيرة التي أوجبت عليهم التصديق، وجاؤهم أيضاً بهذه الآية التي اقترحوها فلم قتلوهم إن كانوا صادقين أن الإيمان يلزمهم بإتيانها وقرئ ﴿ بقربان ﴾ بضمتين.

ونظيره السلطان.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ وبالذى قُلْتُمْ ﴾ ؟

قلت: معناه، وبمعنى الذي قلتموه من قولكم: قربان تأكله النار.

ومؤدّاه كقوله: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ [المجادلة: 3] أي لمعنى ما قالوا.

في مصاحف أهل الشام: وبالزبر، وهي الصحف ﴿ والكتاب المنير ﴾ التوراة والإنجيل والزبور.

وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه وتكذيب اليهود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ قالُوا ﴾ هم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكٌ وحُيَيٌّ وفِنْحاصُ ووَهْبُ بْنُ يَهُوذا.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ﴾ أمَرَنا في التَّوْراةِ وأوْصانا.

﴿ ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ ﴾ بِأنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ الخاصَّةِ الَّتِي كانَتْ لِأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو أنْ يُقَرِّبَ بِقُرْبانٍ فَيَقُومُ النَّبِيُّ فَيَدْعُو فَتَنْزِلُ نارٌ سَماوِيَّةٌ فَتَأْكُلُهُ، أيْ تُحِيلُهُ إلى طَبْعِها بِالإحْراقِ.

وهَذا مِن مُفْتَرَياتِهِمْ وأباطِيلِهِمْ لِأنَّ أكْلَ النّارِ القُرْبانَ لَمْ يُوجِبِ الإيمانَ إلّا لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً فَهو وسائِرُ المُعْجِزاتِ شَرْعٌ في ذَلِكَ.

﴿ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ تَكْذِيبٌ وإلْزامٌ بِأنَّ رُسُلًا جاءُوهم قَبْلَهُ كَزَكَرِيّا ويَحْيى بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ مُوجِبَةٍ لِلتَّصْدِيقِ وبِما اقْتَرَحُوهُ فَقَتَلُوهُمْ، فَلَوْ كانَ المُوجِبُ لِلتَّصْدِيقِ هو الإتْيانُ بِهِ وكانَ تَوَقُّفُهم وامْتِناعُهم عَنِ الإيمانِ لِأجْلِهِ فَما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَن جاءَ بِهِ في مُعْجِزاتٍ أُخَرَ واجْتَرَءُوا عَلى قَتْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين قَالُواْ} في موضع جر على البدل من الذين قالوا أو نصب بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم {إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا} أمرنا في التوراة وأوصانا {أَلاَّ نُؤْمِنَ} بأن لا نؤمن {لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار} أي يقرب قرباناً فتنزل نار من السماء فتأكله فإن جئتنا به صدقناك وهذه دعوى باطلة وافتراء على الله لأن أكل النار القربان سبب الإيمان للرسول الآتي به لكونه معجزة فهو إذاً وسائر المعجزات سواء {قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات} المعجزات سوى القربان {وبالذى قُلْتُمْ} أي بالقربان يعني قد جاء أسلافكم الذين أنتم على ملتهم وراضون بفعلهم {فلم قتلتموهم} أى كان امتناعكم عن الإيمان لأجل هذا فلم لم تؤمنوا بالذين أتوا به ولم قتلتموهم {إِن كُنتُمْ صادقين} في قولكم إنما نؤخر الإيمان لهذا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ قالُوا ﴾ نُصِبَ أوْ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ.

والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ووَهْبُ بْنُ يَهُوذا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوهِ، وفِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ، وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا هَذا القَوْلَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ﴾ ، أيْ: أمَرَنا في التَّوْراةِ وأوْصانا ﴿ ألا نُؤْمِنَ ﴾ أيْ: بِأنْ لا نُصَدِّقَ، ونَعْتَرِفَ ﴿ لِرَسُولٍ ﴾ يَدَّعِي الرِّسالَةَ إلَيْنا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ ﴾ وهو ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن نِعَمٍ وغَيْرِها كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقُرِئَ (بِقُرُبانٍ) بِضَمَّتَيْنِ ﴿ تَأْكُلُهُ النّارُ ﴾ أُرِيدَ بِهِ نارٌ بَيْضاءُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ولَها دَوِيٌّ، والمُرادُ مِن أكْلِ النّارِ لِلْقُرْبانِ إحالَتُها إلى طَبْعِها بِالإحْراقِ، واسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ إمّا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، أوِ المَجازِ المُرْسَلِ، وقَدْ كانَ أمْرُ إحْراقِ النّارِ لِلْقُرْبانِ إذا قُبِلَ شائِعًا في زَمَنِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ، إلّا أنَّ دَعْوى أُولَئِكَ اليَهُودِ هَذا العَهْدُ مِن مُفْتَرِياتِهِمْ وأباطِيلِهِمْ؛ لِأنَّ أكْلَ النّارِ القُرْبانَ لَمْ يُوجِبِ الإيمانَ إلّا لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً، فَهو وسائِرُ المُعْجِزاتِ شَرْعٌ في ذَلِكَ، ولَمّا كانَ مَرامُهم مِن هَذا الكَلامِ الباطِلِ عَدَمَ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعَدَمِ إتْيانِهِ بِما قالُوا، ولَوْ تَحَقَّقَ الإتْيانُ بِهِ لَتَحَقَّقَ الإيمانُ بِزَعْمِهِمْ رَدِّ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلاءِ القائِلِينَ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِكَذِبِهِمْ ﴿ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ ﴾ كَثِيرَةُ العَدَدِ كَبِيرَةُ المِقْدارِ مِثْلَ زَكَرِيّا، ويَحْيى وغَيْرِهِمْ ﴿ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ ﴾ أيِ المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ والحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ وصِحَّةِ رِسالَتِهِمْ، وحَقِيَةِ قَوْلِهِمْ كَما كُنْتُمْ تَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِمْ، وتَطْلُبُونَ مِنهم ﴿ وبِالَّذِي قُلْتُمْ ﴾ بِعَيْنِهِ وهو القُرْبانُ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ ﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ﴾ ، أيْ: فَما لَكم لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِمْ حَتّى اجْتَرَأْتُمْ عَلى قَتْلِهِمْ، مَعَ أنَّهم جاءُوا بِما قُلْتُمْ مَعَ مُعْجِزاتٍ أُخَرَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ: فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُكم مِن أنَّكم تُؤْمِنُونَ لِرَسُولٍ يَأْتِيكم بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ، والخِطابُ لِمَن في زَمَنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنْ كانَ الفِعْلُ لِأسْلافِهِمْ لِرِضاهم بِهِ -عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ - وإنَّما لَمْ يَقْطَعْ سُبْحانَهُ عُذْرَهم بِما سَألُوهُ مِنَ القُرْبانِ المَذْكُورِ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ في الإتْيانِ بِهِ مَفْسَدَةً لَهم، والمُعْجِزاتِ تابِعَةٌ لِلْمَصالِحِ، ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ هَذا الشَّرْطَ جاءَ في التَّوْراةِ هَكَذا: مَن جاءَ يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى فَلا تُصَدِّقُوهُ حَتّى يَأْتِيَكم بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ إلّا المَسِيحَ ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإذا أتَياكم فَآمِنُوا بِهِما؛ فَإنَّهُما يَأْتِيانِ بِغَيْرِ قُرْبانٍ، والظّاهِرُ عَدَمُ ثُبُوتِ هَذا الشَّرْطِ أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا يعني كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف وغيرهما من رؤساء اليهود: قالوا: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا يعني أمرنا في التوراة أَلَّا نُؤْمِنَ يعني أن لا نصدق لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ يعني تجيء نار من السماء فتأكل القربان بالبينات، فإن جئتنا بها صدقناك قال الله تعالى: قُلْ يا محمد قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ يعني: بالآيات والعلامات وَبِالَّذِي قُلْتُمْ يعني قد جاءكم الرسل بالذي قلتم من أمر القربان فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ يعني زكريا ويحيى وغيرهما إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تقولون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ص: قيل: المراد هنا نفْيُ القليلِ والكثيرِ مِنَ الظُّلْم كقول طَرَفَةَ «١» : [الطويل] .

وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً ...

وَلَكِنْ متى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أَرْفِدِ «٢»

ولا يريدُ: أنه قدْ يحلُّ التلاعَ قليلاً.

وزاد أبو البقاءِ وجْهاً آخر، وهو أنْ يكون على النَّسَبِ، أي: لا ينسب سبحانه إلى ظُلْمٍ، فيكون من باب بَزَّاز وعَطَّار.

انتهى، قلتُ: وهذا القولُ أحْسَنُ ما قيل هنا، فمعنى وما ربُّكَ بظَلاَّم، أي: بذي ظلم.

الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)

وقوله سبحانه: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا ...

الآية: هذه المقالَةُ قالَتْها أحْبَارُ اليهودِ مدافعةً لأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمعنى: إنَّك لم تأْتِنَا بقُرْبان تأكله النار، فنَحْنُ قد عُهِدَ إلَيْنا ألاَّ نُؤْمِنَ لك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

«قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وجَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا، أيْ: أمَرَنا في التَّوْراةِ: أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ، أيْ: لا نُصَدِّقُ رَسُولًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولٌ، حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ.» قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والقُرْبانُ: ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَبْحٍ وغَيْرِهِ.

وإنَّما طَلَبُوا القُرْبانَ، لِأنَّهُ كانَ مِن سُنَنِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، وكانَ نُزُولُ النّارِ عَلامَةَ القَبُولِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّقُ، فَإذا قُبِلَتْ مِنهُ، نَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ، فَأكْلَتْهُ، وكانَتْ نارًا لَها دَوِيٌّ، وحَفِيفٌ.

وقالَ عَطاءٌ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَذْبَحُونَ لِلَّهِ، فَيَأْخُذُونَ أطايِبَ اللَّحْمِ، فَيَضَعُونَها في وسَطِ البَيْتِ تَحْتَ السَّماءِ، فَيَقُومُ النَّبِيُّ في البَيْتِ، ويُناجِي رَبَّهُ، فَتَنْزِلُ نارٌ، فَتَأْخُذُ ذَلِكَ القُرْبانَ، فَيَخِرُّ النَّبِيُّ ساجِدًا، فَيُوحِي اللَّهُ إلَيْهِ ما يَشاءُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْيَهُودِ ﴿ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بِالآَياتِ، ﴿ وَبِالَّذِي ﴾ سَألْتُمْ مِنَ القُرْبانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ  ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النارُ ﴾ .

قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "سَيُكْتَبُ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ: و"قَتْلُهُمْ" بِرَفْعِ اللامِ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و"يَقُولُ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ الباقُونَ بِنُونِ الجَمْعِ، فَإمّا أنَّها نُونُ العَظَمَةِ، وإمّا هي لِلْمَلائِكَةِ، و"ما" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَفْعُولَةٌ بِها، و"قَتْلَهُمْ" بِنَصْبِ اللامِ عَطْفًا عَلى "ما"، "وَنَقُولُ" بِالنُونِ عَلى نَحْوِ "سَنَكْتُبُ" والمَعْنى في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، قالَ الكِسائِيُّ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَيُقالُ ذُوقُوا".

وقالَ أبُو مُعاذٍ النَحْوِيُّ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ" "وَيُقالُ لَهم ذُوقُوا".

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عنهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ: "سَتُكْتَبُ" بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ "ما قالُوا" بِمَعْنى: سَتُكْتَبُ مَقالَتُهم.

وهَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَيُحْصِي عَلَيْهِمْ قَوْلَهم.

والكُتُبُ فِيما حَكى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ هو في صُحُفٍ تُقَيِّدُهُ المَلائِكَةُ فِيها، تِلْكَ الصُحُفُ المَكْتُوبَةُ هي الَّتِي تُوزَنُ، وفِيها يَخْلُقُ اللهُ الثِقَلَ والخِفَّةَ بِحَسَبِ العَمَلِ المَكْتُوبِ فِيها.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الإحْصاءِ وعَدَمِ الإهْمالِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِما تَفْهَمُ العَرَبُ مِنهُ غايَةَ الضَبْطِ والتَقْيِيدِ.

فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ أقْوالَ هَؤُلاءِ تُكْتَبُ وأعْمالُهُمْ، ويَتَّصِلُ ذَلِكَ بِأفْعالِ آبائِهِمْ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَحْوِهِ، ثُمَّ يُقالُ لِجَمِيعِهِمْ: "ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ" وخَلَطَتِ الآيَةُ الآباءَ مَعَ الأبْناءِ في الضَمائِرِ، إذِ الآباءُ هُمُ الَّذِينَ طَرَّقُوا لِأبْنائِهِمُ الكُفْرَ وإذِ الأبْناءُ راضُونَ بِأفْعالِ الآباءِ مُتَّبِعُونَ لَهم.

والذَوْقُ مَعَ العَذابِ مُسْتَعارٌ، عِبارَةٌ عَنِ المُباشَرَةِ، إذِ الذَوْقُ مِن أبْلَغِ أنْواعِها وحاسَّتُهُ مُمَيَّزَةٌ جِدًّا، والحَرِيقُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وقِيلَ: الحَرِيقُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ داخِلٌ فِيما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُعاصِرِي النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ، ونَسَبَ هَذا التَقْدِيمَ إلى اليَدِ إذْ هي الكاسِبَةُ لِلْأعْمالِ في غالِبِ أمْرِ الإنْسانِ، فَأُضِيفَ كُلُّ كَسْبٍ إلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ هَذا بِعَدْلٍ مِنهُ فِيهِمْ ووَضْعِ الشَيْءِ مَوْضِعِهِ، والتَقْدِيرُ: وبِـ أنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ وجَمَعَ "عَبْدًا" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَبِيدٍ، لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وتَنْجِيَةٍ مِن ظُلْمٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا ﴾ صِفَةٌ راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ  ﴾ قالَ الزَجّاجُ: "الَّذِينَ" صِفَةٌ لِلْعَبِيدِ، وهَذا مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى والرَصْفِ، وهَذِهِ المَقالَةُ قالَتْها أحْبارُ يَهُودَ مُدافَعَةً لِأمْرِ النَبِيِّ  ، أيْ أنَّكَ لا تَأْتِي بِنارٍ فَنَحْنُ قَدْ عُهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لَكَ.

و"عَهِدَ" مَعْناهُ: أمَرَ، والعَهْدُ: أخَصُّ مِنَ الأمْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ في كُلِّ ما يَتَطاوَلُ أمْرُهُ ويَبْقى في غابِرِ الزَمانِ، وتَعَدّى "أمِنَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِاللامِ والباءِ في ضِمْنِ ذَلِكَ.

و"قُرْبانٌ" مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الشَيْءُ الَّذِي يُقَرَّبُ كالرَهْنِ، وكانَ أمْرُ القُرْبانِ حُكْمًا قَدِيمًا في الأنْبِياءِ، ألا تَرى أنَّ ابْنَيْ آدَمَ قَرَّبا قُرْبانًا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا أرادُوا مَعْرِفَةَ قَبُولِ اللهِ تَعالى لِصَدَقَةِ إنْسانٍ أو عَمَلِهِ أو صِدْقِ قَوْلِهِ، قَرَّبَ قُرْبانًا شاةً أو بَقَرَةً ذَبِيحَةً أو بَعْضَ ذَلِكَ، وجَعَلَهُ في مَكانٍ لِلْهَواءِ وانْتَظَرَ بِهِ ساعَةً، فَتَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَماءِ فَتَحْرِقُ ذَلِكَ الشَيْءَ، فَهَذِهِ عَلامَةُ القَبُولِ، وإذا لَمْ تَنْزِلِ النارُ فَلَيْسَ ذَلِكَ العَمَلُ بِمَقْبُولٍ، ثُمَّ كانَ هَذا الحُكْمُ في أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ.

وكانَتْ هَذِهِ النارُ أيْضًا تَنْزِلُ لِأمْوالِ الغَنائِمِ فَتَحْرِقُها، حَتّى أُحِلَّتِ الغَنائِمُ لِمُحَمَّدٍ  حَسَبَ الحَدِيثِ.

ورُوِيَ عن عِيسى بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "بِقُرُبانٍ" بِضَمِّ الراءِ، وذَلِكَ عَلى الإتْباعِ لِضَمَّةِ القافِ ولَيْسَتْ بِلُغَةٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فُعُلانٌ بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: السُلُطانُ بِضَمِّ اللامِ، وقالَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى الإتْباعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أبدل ﴿ الذين قالوا إن الله عهد ﴾ من ﴿ الذين قالوا إن الله فقير ﴾ [آل عمران: 181] لذكر قولة أخرى شنيعة منهم، وهي كذبهم على الله في أنّه عهد إليهم على ألسنة أنبيائهم أنّ لا يؤمنوا لرسول حتّى يأتيهم بقربان، أي حتّى يذبح قرباناً فتأكله نار تنزل من السماء، فتلك علامة القبول، وقد كان هذا حصل في زمن موسى عليه السلام حين ذُبح أوّل قربان على النحو الذي شَرعه الله لبني إسرائيل فخرجت نار من عند الرّب فأحرقتْه.

كما في سفر اللاويين.

إلاّ أنه معجزة لا تطّرد لسائر الأنبياء كما زعمه اليهود لأنّ معجزات الرسل تجيء على ما يناسب تصديق الأمّة.

وفي الحديث: «ما من الأنبياء نبيء إلاّ أوتي من الآيات ما مثله آمَن عليه البشر، وإنّما كان الذي أوتيتُ وحْياً أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعاً يوم القيامة» فقال الله تعالى لنبيّه: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ﴾ .

وهذا الضرب من الجدل مبنيّ على التسليم، أي إذا سلّمنا ذلك فليس امتناعكم من اتّباع الإسلام لأجل انتظار هذه المعجزة فإنّكم قد كذّبتم الرسل الذين جاؤوكم بها وقتلتموهم، ولا يخفي أنّ التسليم يأتي على مذهب الخصم إذ لا شكّ أنّ بني إسرائيل قتلوا أنبياء منهم بعد أن آمنوا بهم، مثل زكرياء ويحيى وأشعياء وأرمياء، فالإيمان بهم أوّل الأمر يستلزم أنهم جاؤوا بالقُربان تأكله النار على قولهم، وقتلهم آخراً يستلزم أنّ عدم الثبات على الإيمان بالأنبياء شنشنة قديمة في اليهود وأنّهم إنّما يتّبعون أهواءهم، فلا عجب أن يأتي خلَفُهم بمثل ما أتى به سلفهم.

وقوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ ظاهر في أنّ ما زعموه من العهد لهم بذلك كذب ومعاذير باطلة.

وإنّما قال: ﴿ وبالذي قلتم ﴾ عُدل إلى الموصول للاختصار وتسجيلاً عليهم في نسبة ذلك لهم ونظيره قوله تعالى: ﴿ وقال لأوتينّ مالاً وولَداً إلى قوله: ونرثه ما يقول ﴾ [مريم: 77، 80] أي نرث ماله وولده.

ثم سلى الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: «فإن كذّبوك فقد كُذّب رسل من قبلك» والمذكور بعد الفاء دليل الجواب لأنّه علّته، والتقدير: فإن كذّبوك فلا عجب أو فلا تخزن لأنّ هذه سُنّة قديمة في الأمم مع الرسل مثلك، وليس ذلك لنقص فيما جئت به.

والبيّنات: الدلائل على الصدق، والزبر جمع زبور وهو فَعول بمعنى مفعول مثل رسول، أي مزبور بمعنى مخطوط.

وقد قيل: إنه مأخوذ من زَبَر إذا زَجر أوْ حَبَس لأنّ الكتاب يقصد للحكم.

وأريد بالزبر كتب الأنبياء والرسل، ممّا يتضمّن مواعظ وتذكيراً مثل كتاب داوود والإنجيل.

والمراد بالكتاب المنير: إن كان التعريف للجنس فهو كتب الشرائع مثل التوراة والإنجيل، وإن كان للعهد فهو التوراة، ووصفه بالمنير مجاز بمعنى المبيِّن للحق كقوله: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ﴾ [المائدة: 44] والعطف منظور فيه إلى التوزيع، فبعض الرسل جاء بالزّبر، وبعضهم بالكتاب المنير، وكلّهم جاء بالبيّنات.

وقرأ الجمهور ﴿ والزّبر ﴾ بعطف الزبر بدون إعادة باء الجرّ.

وقرأه ابن عامر: وبالزبر بإعادة باء الجرّ بعد واو العطف وكذلك هو مرسوم في المصحف الشامي.

وقرأ الجمهور: والكتاب بدون إعادة باء الجرّ وقرأه هشام عن ابن عامر وبالكتاب باعادة باء الجرّ وهذا انفرد به هشام، وقد قيل: إنّه كُتب كذلك في بعض مصاحف الشام العتيقة، وليست في المصحف الإمام.

ويوشك أن تكون هذه الرواية لهشام عن ابن عامر شاذّة في هذه الآية، وأنّ المصاحف التي كتبت بإثبات الباء في قوله: ﴿ وبالكتاب ﴾ [فاطر: 25] كانت مملاة من حفّاظ هذه الرواية الشاذّة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا ﴾ وفي هَذا الأذى ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ كانَ يَهْجُو النَّبِيَّ  والمُؤْمِنِينَ ويُحَرِّضُ عَلَيْهِمُ المُشْرِكِينَ حَتّى قَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّ فَنُحاصَ اليَهُودِيَّ سَيِّدَ بَنِي قَيْنُقاعَ لَمّا سُئِلَ الإمْدادَ قالَ: احْتاجَ رَبُّكم إلى أنْ نُمِدَّهُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الأذى ما كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الشِّرْكِ كَقَوْلِ اليَهُودِ: عُزَيْزٌ ابْنُ اللَّهِ، وكَقَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى يأتينا بقربان تأكله النار ﴾ قال: يتصدق الرجل منا فإذا تقبل منه أنزلت عليه نار من السماء فأكلته.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كان من قبلنا من الأمم يقرب أحدهم القربان، فتخرج الناس فينظرون أيتقبل منهم أم لا، فإن تقبل منهم جاءت نار بيضاء من السماء فأكلت ما قرب، وإن لم يتقبل لم تأت النار فعرف الناس أن لم يقبل منهم، فلما بعث الله محمداً سأله أهل الكتاب أن يأتيهم بقربان ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ القربان ﴿ فلمَ قتلتموهم ﴾ يعيرهم بكفرهم قبل اليوم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد...

﴾ الآية.

قال هم اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن أتيتنا بقربان تأكله النار صدقناك وإلا فلست بنبي.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إن الرجل يشترك في دم الرجل، وقد قتل قبل أن يولد.

ثم قرأ الشعبي ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ﴾ فجعلهم هم الذين قتلوهم ولقد قتلوا قبل أن يولدوا بسبعمائة عام.

ولكن قالوا قتلوا بحق وسنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا....

﴾ الآية.

قال: كذبوا على الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر قال: كانت رسل تجيء بالبينات، ورسل علامة نبوتهم أن يضع أحدهم لحم البقر على يده فتجيء نار من السماء فتأكله.

فأنزل الله: ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ قال: اليهود.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فقد كذبت رسل من قبلك ﴾ قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أصحابه في قوله: ﴿ بالبينات ﴾ قال: الحرام والحلال ﴿ والزبر ﴾ قال: كتب الأنبياء ﴿ والكتاب المنير ﴾ قال: هو القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والزبر والكتاب المنير ﴾ قال: يضاعف الشيء وهو واحد.

قوله تعالى: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن علي بن أبي طالب قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية.

جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿ كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل ما فات فبالله فثقوا، وإياه فأرجوا، فإن المصاب من حرم الثواب.

فقال علي: هذا الخضر.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن حبان وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرأوا إن شئتم ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها.

ثم تلا هذه الآية ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا بما عليها، ولقاب قوس أحدهم في الجنة خير من الدنيا بما عليها» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: إن آخر من يدخل الجنة يعطى من النور بقدر ما دام يحبو فهو في النور حتى تجاوز الصراط.

فذلك قوله: ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ .

وأخرج أحمد عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» .

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فقد فاز ﴾ قال سعد: ونجا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول عبد الله بن رواحة: وعسى أن أفوز ثمت ألقى ** حجة اتقى بها الفتانا وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن سابط في قوله: ﴿ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ قال: كزاد الراعي يزوده الكف من التمر، أو الشيء من الدقيق يشرب عليه اللبن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ قال: هي متاع متروك أوشكت والله أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم.

ولا قوَّة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا ﴾ الآية.

قال أبو إسحاق (١) (٢) ويجوز أن يكون رفعًا بالابتداء؛ على معنى: هم الذين قالوا.

ويجوز أن يكون بدلًا مِنَ ﴿ الَّذِينَ ﴾ الأوَّل (٣) قال السدِّي (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ﴾ .

القُرْبان: البِرُّ الذي تتقرب به إلى الله (٦) (٧) (٨)  ، لكَعْبِ بن عُجْرَة (٩) (١٠) (١١) قال عَطَاءَ (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ ، إلى آخرها.

وخُوطِب [بهذا] (١٥)  لأنهم يجرون مجرَى أسلافهم؛ لِرِضاهم بمذاهبهم، وكونهم على طريقتهم.

وقد مضى مثل هذا في أوائل سورة البقرة (١٦) (١) في "معاني القرآن" له 1/ 494.

نقله عنه بنصه.

(٢) قال ابن عطية عن هذا الإعراب: (وهذا مفسد للمعنى والرصف).

"المحرر الوجيز" 3/ 443.

(٣) ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿ الَّذِينَ ﴾ في قوله: ﴿ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا ﴾ .

ويجوز فيها النصب بإضمار فعل، مثل: (أذُمُّ)، أي: أذم الذين.

انظر: "الدر المصون" 3/ 516.

(٤) قوله -بنصه- في: "تفسير الثعلبي" 3/ 164 ب.

(٥) في المصدر السابق: (من جاءكم من أحد يزعم).

(٦) انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 325، و"الكُليات" 702، 733، و"التوقيف على مُهِمَّات التعاريف" 578.

(٧) قُرْبانًا، وقِرْبانا، وقُرْبًا.

انظر: "اللسان" 6/ 3066 (قرب).

(٨) في (ج): (سمي).

(٩) كعب بن عجرة القُضاعي، حليف الأنصار، صحابي، مدني، شهد عمرة الحديبية، وسكن الكوفة، مات بالمدينة سنة (51 أو 52، أو 53هـ).

انظر: "الاستيعاب" 3/ 379، و"الإصابة" 3/ 297.

(١٠) مقطع من حديث طويل، أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه 11/ 345 رقم (20719).

وابن حبان في صحيحه (انظر: الإحسان: 5/ 9 رقم (1723)، و10/ 372 رقم (4514).

والحاكم في "المستدرك" 4/ 422.

وقال: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي.

والبزار (انظر: "كشف الأستار" 2/ 241 رقم 1609، وفيه: " ..

الصلاة برهان، والصوم جنة").

وورد من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن كعب، أخرجه: ابن حبان في صحيحه (انظر: الإحسان: 12/ 378 رقم 5567).

والطبراني في "المعجم الكبير" 19/ 162 رقم (361)، ولفظه عنده: (الصلاة برهان، والصوم جنة)، وأخرجه من طرق أخرى عن كعب، في: 19/ 105 رقم (212)، 135 رقم (298)، و141 رقم (309)، و145رقم (318)، ولفظ بعضها: (الصلاة نور)، وبعضها: (الصلاة برهان).

وأخرجه الإمام أحمد في: المسند، عن جابر: 3/ 312، انظر: "الفتح الرباني" 23/ 26 - 27)، واقتصر على بعفر ألفاظه، وليس فيه هذا المقطع، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" عن جابر 5/ 247، وقال: (رواه أحمد والبزار، == ورجالهما رجال الصحيح ..)، وفي: 10/ 230 وقال: (رواه أبو يَعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير أبي إسحاق بن أبي إسرائيل، وهو ثقة مأمون).

وأورده المتقي الهندي في: "كنز العمال": 6/ 71 - 72 رقم (14893)، وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، والدارمي، وابن زنجويه، وسعيد بن منصور، والطبري، والطبراني، وأبي نعيم في: الحلية، والبيهقي في: الشعب.

(١١) في (ج): (إليه).

(١٢) قوله، في: "تفسير الثعلبي" 3/ 165 أ، و"زاد المسير" 1/ 516.

(١٣) الثُّرُوب، جمع: ثَرْب، وهو: شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء.

انظر: "القاموس" 80 (ثرب).

(١٤) في (ج)، و"تفسير الثعلبي": (نارا).

(١٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(١٦) انظر: تفسير قوله تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ .

من الآية: 61 من سورة البقرة، في "تفسير البسيط".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين قالوا ﴾ صفة للذين، وليس صفة للعبيد ﴿ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ ﴾ كانوا إذا أرادوا أن يعرفوا قبول الله لصدقه أو غيرها جعلوه في مكان، فتنزل نار من السماء فتحرقه، وإن لم تنزل فليس بمقبول، فزعموا أن الله جعل لهم ذلك علامة على صدق الرسل ﴿ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ ﴾ الآية: رد عليهم بأن الرسل قد جاءتهم بمعجزات توجب الإيمان بهم، وجاؤهم أيضاً بالقربان الذي تأكله النار، ومع ذلك كذبوهم وقتلوهم، فذلك يدل على ان كفرهم عناد، فإنهم كذبوا في قولهم: ﴿ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا ﴾ ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بغيره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا يحزنك ﴾ من الأفعال حيث كان إلا قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ نافع ومثله ﴿ ليحزنني  ﴾ و ﴿ ليحزن الذين آمنوا  ﴾ وقرأ يزيد على ضده.

الباقون: بفتح الياء وضم الراء.

ولا خلاف في مثل ﴿ يحزنون  ﴾ و ﴿ لا تحزن  ﴾ مما هو لازم ﴿ ولا يحسبن ﴾ وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في ﴿ تحسبنهم ﴾ أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ فإنها بالتاء وفتح الباء.

الباقون: الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب.

/ ﴿ يميز ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير.

الباقون: خفيف بفتح الياء وكسر الميم.

﴿ يعملون خبير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ لقد سمع ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ سيكتب ﴾ بضم الياء وفتح التاء ﴿ وقتلهم ﴾ برفع اللام و ﴿ ويقول ﴾ على الغيبة: حمزة الباقون: بالنون فيهما على التكلم.

ونصب اللام في ﴿ وقتلهم ﴾ ﴿ وبالزبر ﴾ ابن عامر ﴿ وبالكتاب ﴾ الحلواني عن هشام.

الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما ﴿ زحزع عن ﴾ مدغماً: شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ﴿ ليبيننه ﴾ ﴿ ولا يكتمونه ﴾ بالياء فيهما لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد.

الباقون: بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم.

الوقوف: ﴿ في الكفر ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ في الآخرة ﴾ ج لعطف المختلفين مع اتحاج مقصود الكلام ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج لما ذكر ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ 5 ﴿ لأنفسهم ﴾ ط ﴿ إثما ﴾ ج لما ذكر أياَ ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ من الطيب ﴾ ط ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ شراً لهم ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق.

﴿ بغير حق ﴾ ج لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالياء لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: ﴿ سيكتب ﴾ مع اتساق المعنى.

﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد ملطقاً لا العبيد الموصوفة.

نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح ﴿ تأكله النار ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لابتداء شرط في أمر معظم.

﴿ فقد فاز ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ ولا تكتمونه ﴾ ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ يشترون ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ج لما ذكر.

﴿ أليم ﴾ ه {والأ ﴿ ض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: نزلت في كفار قريش وإنه  جعل رسوله آمناً من شرهم وأتاح العاقبة له وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها، وقيل في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمداً لطالب ملك فتارة يكون الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولاً ما غلبه أحد.

وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فاغتم النبي  لذلك فبيّن الله  أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك.

ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في الكفر إنما تناسب من كفر بعد الإيمان / المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة إنما تليق بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود وذلك هو ما قدر النبي  من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم بالإيمان فبيّن الله  أنه لا يلحق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية.

فإن قيل: الحزن على كفر الكافر وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟

فالجواب أنه نهي عن الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  ﴾ أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك ﴿ إنهم لن يضروا الله ﴾ أي دينه ﴿ شيئاً ﴾ من الضرر.

﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ﴾ فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ أنه كما لاحظ لهم من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها.

وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصاً لم يبق معه صارف ألبتة.

ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة ﴿ إن الذين اشتروا ﴾ الآية.

والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا.

ومن كان عقله هذا القدر - وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة في الآخرة - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير.

ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة له على إيصال الضرر إلى الغير.

ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بالياء فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعل، و"أن" مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه.

ومن قرأ بتاء الخطاب فـ ﴿ الذين كفروا ﴾ مفعول أول و"أن" مع ما في حيزه بدل منه.

وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي.

ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض.

مع امتناع السكوت على متاعك؟

والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن "ما" مصدرية.

ويجوز أن يقدر مضافمحذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.

قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان أي طال.

وأملى له أي طوّل له وأمهله.

قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار.

ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة.

و ﴿ إثماً ﴾ نصب على التمييز.

وفي / وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى.

قالت الأشاعرة ههنا: إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة.

والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه  فاعل الخير والشر.

وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثماً، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله.

وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله  محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين.

أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقاً.

وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة.

ومثله ﴿ وجعلو لله أنداداً ليضلوا  ﴾ وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال.

ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك.

ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه  بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان  فاعلاً للازدياد ومريداً له.

قالوا: في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم.

ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر "إن" الأولى وفتح الثانية.

وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها.

ثم إنه  أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد.

لله در النائبات فإنها *** صدأ اللئام وصيقل الأحرار فقال: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ اللام لتأكيد النفي والخطاب في ﴿ أنتم ﴾ للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق.

خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض.

وماز وميَّز لغتان.

مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً، وميّزته تمييزاً.

وفي الحديث " "من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة " ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع / المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون والأهون.

وبم يحصل هذا الميز؟

قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي  إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل.

وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله.

وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي ﴾ أي يصطفي ويختار ﴿ من رسله من يشاء ﴾ وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله  بعلمه لا يليق بكل منكم، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده.

الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله  إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق.

الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله  .

ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلاناً مؤمن وفلاناً منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء.

أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال: ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴾ قال السدي: قال رسول الله  : " "عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر " فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ .

وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت.

وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطو علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق.

/ ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على بذل المال في سبيل الله فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب قدر مضافاً أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد.

ومن جعل الموصول فاعلاً فالمفعول الأول محذوف للدلالة.

التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيراً وهو صيغة الفصل.

قال الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عدّ بخيلاً لم يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال.

وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدوّ وتعين دفعهم بالمال.

وروى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد  ونبوّته.

وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا يكون عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم.

وعلى هذا التفسير فمعنى ﴿ سيطوّقون ﴾ أن الله  يجعل في رقابهم طوقاً من النار كقوله  : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق.

وعلى التفسير الأول فإما أن يكون محمولاً على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ويقول: أنا مالك.

عن ابن مسعود عن النبي  : " ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل طوقاً في عنقه شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه " ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ الآية.

وعن ابن عمر قال: قال  : " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوّقه يقول: أن كنزك " وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقاً أي سيلزمون إثمه في الآخرة إلزام الطوق.

وفي أمثالهم "يقلدها طوق الحمامة" إذا جاء بهنة يسب بها ويذم.

وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة.

ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطوّقونه فدية  ﴾ قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكناً؟

﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره.

فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟

ونظيره قوله: ﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه  ﴾ وقال كثير من المفسرين: المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث.

قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركاً له فيه.

ومثله ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه أو غالباً عليه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، أي يجازيهم على منعهم الحقوق.

ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب.

ثم شرع في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد  .

وذلك أنه لما أمر بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقاً في أن الله  يطلب منا المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق.

وأيضاً لو كان نبياً لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي.

فهذا بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ عنوا أنه بخيل.

وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه  قادراً على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما روي عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل "أن رسول الله  كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً.

فقال فنحاص عن عازوراء ـ وهو من علمائهم - أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك.

فذهب فنحاص إلى رسول الله  وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك.

فقال رسول الله صلى الله لأبي بكر: ما الذي حملك على ما صنعت؟

فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال هكذا.

فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر" .

وأيضاً إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: إذهب أنت وربك فقاتلا.

فلا يبعد أن محمداً  لما طلب منهم الأموال قالوا له: لو كان الإله غنياً فأي حاجة إلى أموالنا.

ثم إن القائل لو كان فنحاصاً وحده فإنما / يستقيم قوله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا ﴾ لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه.

ثم إنه  لم يجبهم عن شبهتهم.

أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر عبيدة ببذل الأموال مع كونه أغنى الإغنياء.

وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم  ﴾ ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته.

فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب، وإنما يستأهل صنوفاً من العتاب وضروباً من العذاب فلهذا قال على جهة الوعيد ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى.

وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة.

ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا.

﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ وهو من أسماء جهنم.

"فعيل" بمعنى "مفعول" كالأليم بمعنى المؤلم.

أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة.

والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص.

وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب.

ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول ﴿ ذلك ﴾ العذاب أو الوعيد ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ من السب والقتل.

وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات.

وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفرداً.

قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج.

قال الجبائي: قوله: ﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب.

وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلاً وإلا لكان الظلم حاصلاً.

والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتباً على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى / أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلماً، فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلماً.

قيل: إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً.

وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلماً عظيماً لو لم يكونوا مذنبين، أقو ل: إنه  نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: ﴿ وما ظلمناهم  ﴾ ﴿ وهم لا يظلمون  ﴾ وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى ههنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال: إن خُيِّلَ إليكم أن في الوجود شراً بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير.

ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة.

ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله  فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت.

قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله.

وأصله مصدر كالكفران والرجحان.

ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه قوله  لكعب بن عجرة: " "يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان" أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.

وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء.

قال: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً.

فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت.

وقيل: إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، فأي فائدة في تخصيصها؟

ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي / النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية المعينة، وحينئذٍ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن فيها جاز في هذه.

وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية كانت.

وحينئذٍ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثاً فلهذا نسبهم الله  إلى الجحود والعناد فقال: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ أي بمدلوله ومؤدّاه ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ إنما الإيمان يجب عند الإتيان بالقربان.

وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم الإلزام.

وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط.

فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعاً، فكان الإقرار بالنبوة واجباً.

ثم سلى رسوله بقوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم ﴿ فقد كذب رسل من قبلك ﴾ وأي رسل والمصيبة إذا عمت طابت ﴿ جاؤا بالبينات ﴾ وهي الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات.

والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب.

وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو الواضح المستنير.

يعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن.

وعطف الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال  ﴾ وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور.

ثم أكد التسلية بقوله: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله.

والمراد لكل نفس ذائقة الموت كل ذات.

فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله  منها ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك  ﴾ وكذا كل الجمادات لأن لها ذوات.

ولقوله: ﴿ فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله  ﴾ ولأنه لا موت لأهل الجنة ولأهل النار.

فالمراد المكلفون الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوّز الموت عليهم.

روي عن ابن عباس: لما نزل قوله  : ﴿ كل من عليها فان ﴾ \[الرحمن: /26\] قالت الملائكة: مات أهل الأرض.

فلما نزل ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قالت الملائكة: متنا.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول الذوق.

قالت الحكماء: الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة الغريزية.

وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة.

قالوا: والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم كما قال  : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" .

﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره ﴿ فقد فاز ﴾ لم يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: الخلاص من العذاب والوصل إلى الثواب.

فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به.

قال  : " "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد.

ثم شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى.

والغرور بالضم مصدر، الغار المدلس هو الشيطان.

عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها.

وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور.

وعن سعيد بن جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة.

فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ.

﴿ لتبلون في أموالكم ﴾ اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم.

والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد, والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على ما ابتلاكم الله به ﴿ وتتقوا ﴾ المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتقوى ﴿ من عزم الأمور ﴾ من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من / عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به.

قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية القتال.

وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف.

والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال.

والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه.

عن كعب بن مالك "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي  ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي  قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي  أن يستصلحهم كلهم.

فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية" .

روي "أن رسول الله  ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله.

فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة.

فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا.

فسلم رسول الله  ثم وقف.

فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن.

فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا.

ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك.

فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون.

فلم يزل النبي  يخفضهم حتى سكنوا.

ثم ركب النبي  دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي؟

قال: كذا وكذا.

فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله  " ، وأنزل الله هذه الآية.

ثم إنه  عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضاً من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون من نعته وصفته فلهذا قال: ﴿ وإذا أخذ الله ﴾ بإضمار "اذكر" والضمير في ﴿ لتبيننه ﴾ قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي.

وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه.

وقيل له الله لتفعلن ﴿ ولا يكتمونه ﴾ قيل: الواو للحال أي غير كاتمين.

ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكداً بالنون.

والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد ﴿ فنبذوه / وراء ظهورهم ﴾ جعلوه كالشيء المطروح المتروك.

وعن علي  : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا.

وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب.

وطوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه.

ومعنى قوله: ﴿ واشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان حظ يسير من الدنيا ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئاً من أمر الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارّهم واستجذاب لمبارّهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيره أن ينسب إلى غيره.

ثم ذكر نوعاً آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله بذلك فقال: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباب فالخطاب للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين ﴿ الذين يفرحون ﴾ والثاني ﴿ بمفازة ﴾ .

وقوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد.

ومن ضم الباء في الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، والثاني للتأكيد.

ومعنى ﴿ بما أتوا ﴾ بما فعلوا.

وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل.

قال  : ﴿ إنه كان وعده مأتياً  ﴾ ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً  ﴾ .

ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز.

وقال الفراء: أي ببعد منه لأن الفوز التباعد عن المكروه.

في الصحيحين "أن مروان قال لرافع أبوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون.

فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي  يهوداً فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآيتين" .

وقال الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا كلمتكم على ذلك.

فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل الصوم والصلاة، نحن أولياء الله.

فذلك قول الله ﴿ يفرحون بما أتوا ﴾ بما فعلوا ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ / فأنزل الله هذه الآية" .

يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.

وعن أبي سعيد الخدري "أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله  إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآية" .

وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة / الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة.

ونحن إذا أنصفنا من انفسنا وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ ولغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب؟

التأويل: ﴿ هو خيراً لهم بل هو شر لهم ﴾ كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس.

﴿ سيطوّقون ﴾ شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل "حب الدنيا رأس كل خطيئة" ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون.

والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال.

فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء.

﴿ بقربان تأكله النار ﴾ قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشياطنية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم،فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله، قل يا وارد الحق ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي ﴾ أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ﴿ وبالذي قلتم ﴾ أي بجعل الدنيا قرباناً ﴿ فلم قتلتموهم ﴾ غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات.

﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت.

فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله.

﴿ لتبلون ﴾ بالجهاد الأكبر ﴿ ولتسمعن ﴾ من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء ﴿ أذى كثيراً ﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿ وإن تصبروا ﴾ على جهاد النفس ﴿ وتتقوا ﴾ بالله عما سواه ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي من أمور أولي العزم ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل  ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ ﴾ : قيل: إنهم لما دعوا إلى الإسلام - يعني -: اليهود - قالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ﴾ ، وكان ذلك آية في بني إسرائيل؛ فسأل اليهود من.

[نبينا] محمد  ذلك.

وقيل: كان مِنْ قبلنا، في الأمم الخالية ذلك؛ فسألوا من رسول الله  ذلك، ولكن لم يكن القربان من آيات النبوة والرسالة إن كان؛ فهو من آيات التقوى؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ كان القربان من آيات التقوى؛ ألا ترى أنه قال: يا محمد ﴿ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ ﴾ يعنى: القربان؛ ﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: إن كان ذلك من آيات النبوة، لم قتلتم الأنبياء أتوا به؟!

أو لِمَ قَتَلَ أوائِلُكُم الأنبياءَ؛ إذ أتوا بالقربان، ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : أنه من آيات النبوة، أو ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : أنه عهد إليكم ألا تؤمنوا به حتى يأتي بقربان، والله أعلم.

وفي قوله - عز وجل -: أيضاً -: ﴿ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ - فهو، والله أعلم، ادَّعَوْا أن أوائلهم ادَّعَوُا الذي ذكروا من العهد، وهم تَبِعُوا أولئك، فعرَّفهم صُنْعَ من بدعواهم احتجوا؛ ليكون لهم فيه آيةٌ، أما تكذيبهم بما احتجوا بوصية المتقدمين في ذلك، فَبَطَل عذرهم؛ إذ هم قتلوهم؛ فلا يجوز تصديقهم على العهد الذي ادعوا وذلك صنيعهم، أو يقروا أنهم أُخْبِروا بالعهد من غير أن كان كذباً وباطلاً؛ فبطل حجاجهم.

على أن في الآية: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، فجعل ذلك آية التُّقَى لا آية النبوة.

والأصل فيه: أنا لما عرفنا آيات الرسل - عليهم السلام - لا يُذكر فيها القرابين؛ ثبت أن هذا الذي ادعوا ليس هو بعهد جاء به الرسل - عليهم السلام - ولكنه حِيَلُ السفهاء بتلقين الشياطين وَوَحْيِهِم؛ لذلك لم يجب الذي ذكروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ : يا محمد في القول، وما جئت من آيات تدل وَتُوَضِّحُ أنك رسول الله، وأنك صادق في قولك.

﴿ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ يعزي نبيه - عليه الصلاة والسلام - ويصبِّره؛ ليصبر على أذاهم وتكذيبهم إياه؛ كما صبر أولئك على أذاهم وتكذيبهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 35].

وفي قوله -  - أيضاً -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ وجوه: أحدها: أن يصبِّره على ذلك بما له فيه أجر أن صبروا، على عظم ذلك عليهم؛ وذلك قوله  : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثاني: على رفع العذر عنه في ترك الإبلاغ؛ فإن ذلك لم يمنع من تقدمه.

والثالث: على الأنبياء أنهم أصحاب تقليد في التكذيب، لا أن يكذبوا من محنة وظهور؛ فذلك أقل للتأذي، ولتوهم الارتياب في الأنبياء؛ ليستيقن من حضره، وصدقه - أن ذلك منهم على الاعتناد والتقليد دون المحنة والظهور، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ : قد ذكرناها فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلزُّبُرِ ﴾ : قيل: أحاديث الأنبياء - عليهم السلام - من قبلهم بالنبوة على ما يكون.

وقيل: الزبر: هي الكتب، أي: جاءوا بالبينات والزبر، يعني: الكتب.

﴿ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ ﴾ : قيل: الزبر والكتاب واحد.

وقيل: ﴿ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ ﴾ : هو الذي فيه الحلال والحرام، والأحكام المكتوبة عليهم.

والمنير: هو الذي أنار قلب كل من تمسَّك بالهدى؛ كما قيل في الفرقان أنه يفصل ويفرق بين الحق والباطل، والله أعلم.

وتسمى كتب الله كلها فرقاناً ومنيراً؛ بما تفرق بين الحق والباطل، وتبين السبيلين جميعاً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهم الذين قالوا كذبًا وافتراء: إن الله أوصانا في كتبه وعلى ألسنة أنبيائه ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بما يصدق قوله، وذلك بأن يتقرب إلى الله بصدقة تُحْرقُها نار تنزل من السماء، فكذبوا على الله في نسبة الوصية إليه، وفي حصر دلائل صدق الرسل فيما ذكروا، ولهذا أمر الله نبيه محمدًا  أن يقول لهم: قد جاءكم رسل من قبلي بالبراهين الواضحة على صدقهم، وبالذي ذكرتم من القُربان الذي تحرقه نار من السماء، فلِمَ كذبتموهم وقتلتموهم إن كنتم صادقين فيما تقولون؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.JwBeb"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا كلام جديد مستقل لا يتعلق بواقعة أحد لا على سبيل القصد ولا على سبيل الاستطراد، فقد جاء في سياق القصة آيات في شؤون الكافرين في أنفسهم وما يليق بهم من الخزي والعقوبة ونحو ذلك تذكر للمناسبة، ثم يعود الكلام إلى ما يتعلق بالواقعة، وقد انتهى ذلك بالآيات التي قبل هذه الآيات وأما هذه وما بعدها إلى آخر السورة فهي ضروب من الإرشاد وذلك لا يمنع أن يكون بينها وبين ما قبلها تناسب، بل التناسب فيها ظاهر.

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ  ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بما آتاهم الله من فضله المال، وأن البخل به هو البخل بالصدقة المفروضة فيه، وعدم التصريح بذلك من ضروب إيجاز القرآن، فكثيرًا ما يترك التصريح بالقول لأنه مفهوم من السياق والقرائن دالة عليه واللبس مأمون، فلا يخطر ببال أحد أن الوعيد هو على البخل بجميع ما يملك الإنسان من فضل ربه عليه فإن الله أباح لنا الطيبات والزينة في نص كتابه، والعقل يجزم أيضًا بأن الله لا يكلف الناس بذل كل ما يكسبون وأن يبقوا جائعين عراة بائسين.

وذهب آخرون إلى أن ذلك هو العلم وأن الكلام في اليهود الذين أوتوا صفات النبي  فكتموها، والأولى أن تبقى على عمومها فإن المال من فضل الله وكذلك العلم والجاه، والناس مطالبون بشكر ذلك والبخل على الناس به كفر لا شكر.

والحكمة في ترك النص على أن البخل المذموم هنا هو البخل بما يجب بذله مما يتفضل الله به على المكلف هي أن في العموم من التأثير في النفس ما ليس للتخصيص، وهذه السورة متأخرة في النزول وكانت أكثر الأحكام إذا أُنزلت مقررة فإذا طرق سمع المؤمن هذا القول تذكر فضل الله عليه وأن عليه فيه حقًا للناس، وأن هذا الخطاب يذكر به سواء منه ما هو معلوم معين وما ليس بمعلوم ولا معين بل هو موكول إلى اجتهاده الذي يتبع عاطفة الإيمان.

وإنما نفى أولًا كونه خيرًا ثم أثبت كونه شرًا مع أن الثاني هو الظاهر الذي لا يماري فيه لأن المانع للحق إنما يمنعه لأنه يحسب أن في منعه خيرًا له لما في بقاء المال في اليد مثلًا من الانتفاع به بالتمتع باللذات، ودفع الغوائل والآفات، وتوهم التمكن من قضاء الحاجات، فإن قيل إن التحديد كان أوضح وأنفى للإبهام قلنا إن القرآن كتاب هداية ووعظ يخاطب الأرواح ليجذبها إلى الخير وبالعبارة التي هي أحسن تأثيرًا لا ككتب الفقه وغيره من كتب الفنون التي تتحرى فيها التعريفات الجامعة المانعة.

وكتاب هذا شأنه لا يجري على السنن التي لا تليق إلا بضعفاء العقول الذين فسدت فطرتهم بالتعاليم الفاسدة، وإن مثل هذه العبارة المطلقة التي تخطر في البال بذل كل ما في اليد، وتكاد توجبه لولا الدلائل الأخرى، تحدث في النفس أريحية للبذل تدفعها إلى بذل الواجب وزيادة عليه.

﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ : إن الآية لم تبينه ولا أشارت إلى كيفيته، فإن ورد في صحيح الأحاديث ما يبينه اتبع الوارد بقدره لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ووجب الإيمان به عند من صح عنده على أنه من خبر الغيب الذي أمرنا بالإيمان به لمحض الاتباع، وذهب بعض المفسرين إلى أن معناه أنهم يحملون تبعة أموالهم، يقال طوقني الأمر أي الزمني إيه فحاصل المعنى على هذا أن العقاب على البخل لزام لا مرد له.

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ : العبارة تبين أن كل ما يعطاه الإنسان من مال وجاه وقوة وعلم فإنه عرض زائل وصاحبه يفنى ويزول، ولا معنى لاستبقاء الفاني ما هو فان مثله بل عليه أن يضع كل شيء في موضعه الذي يصلح له، ويبذله في وجوهه اللائقة به، أي فهو بذلك يكون خليفة لله في إتمام حكمته في أرضه، ومحسنًا للتصرف فيما استخلف فيه.

﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير  لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا  ﴾ ، قال مفسرنا كغيره أي نأمر بكتابته وغفلوا عن قوله: ﴿ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ  ﴾ فإنه كان من سلفهم فما معنى التعبير عن كتابته بصيغة الاستقبال؟

لابد من تفسيره بوجه يصح في الأمرين، ولكن ضعف المسلمين في لغة القرآن هو الذي أوقعهم في هذا الضعف في الفهم، والضعف في الدين وتبع ذلك الضعف في كل شيء.

ولا يقال إن الفعل إذا أسند إلى الله تعالى يتجرد من الزمان فإن الكلام في اختلاف التعبير، والمعنى الصحيح لهذه الكلمة "سنعاقبهم على ذلك حتمًا" فإن الكتابة هنا عبارة عن حفظه عليهم، ويراد به لازمه وهو العقوبة عليه، والتوعد بحفظ الذنب وكتابته وإرادة العقوبة عليه شائع مستعمل حتى اليوم فلا يحتاج إلى دقة نظر، ولفظ الكتابة أكد من لفظ الحفظ لما فيه من معنى الاستتباب وأمن النسيان، وإنما ضم قتل الانبياء - وهو أفظع جرائم هذا الشعب - إلى الجريمة التي سيق الوعيد لأجلها لبيان أن مثل هذا الكفر والتهور ليس بدعًا من أمرهم فإنه سبق لهم أن قتلوا الهداة المرشدين بعد ما جاءوهم بالبينات فهم يجرون في هذا على عرق وليس هو بأول كبائرهم، وللإيذان بأن الجريمتين سيان في العظم واستحقاق العقاب.

وأما إضافة القتل إلى الحاضرين فقد تقدمت حكمته في سورة البقرة، ويشير إليه قول المفسرين: إنهم يعدون قتلة لرضاهم بما فعله سلفهم، وهذا تحويم حول المعنى الذي اوضحناه هناك وهو أن الأمم متكافلة في الأمور العامة، إذ يجب على الأمة الإنكار على فاعل المنكر من أفرادها وتغييره، أو النهي عنه لئلا يفشو فيها فيصير خلقًا من أخلاقها، أو عادة من عاداتها فتستحق عقوبته في الدنيا كالضعف والفقر وفقد الاستقلال، كما تستحق عقوبته في الآخرة بما دنس نفوسها، ولذلك لعن الله تعالى الذين كفروا من بني إسرائيل بما عصوا وكانوا يعتدون وبيّن سبب ذلك بقوله: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ  ﴾ .

ذلك بأن من أقر فاعل المنكر فلم ينهه ولم يسخط عليه تكون نفسه مشاكلة لنفسه تأنس بما تأنس به، ثم لا يلبث أن يفعل المنكر ولو بعد حين ما لم يكن عاجزًا عن ذلك بسبب من الأسباب الحسية كضعف الجسم أو قلة المال، أي أن مثل هذا لا يترك المنكر لأنه رزيلة تدنس نفس فاعلها، فيكون بعيدًا عن الخير غير مستحق لرضوان الله  .

وثم وجه آخر يجعل إسناد المنكر إلى مقره والراضي به إسنادًا قريبًا من الحقيقة وهو أن عدم النهي عن المنكر هو السبب في انتشاره وشيوعه لأن الميالين إلى المنكر لو علموا أن الناس يمقتونهم ويؤاخذونهم عليه لما فعلوه إلا ما يكون من الخلس الخفية، ولذلك كان الساكت على المنكر شريك الفاعل في الإثم.

كل هذا ظاهر فيمن يفعل المنكر في زمنه ولا ينكره، وأما من يقع المنكر من قومهم قبل زمنهم، كاليهود الذين نزلت هذه الآية وأمثالها فيهم كقوله: ﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ  ﴾ فهم يتفقون مع من سبقهم في علة الجريمة ومبعثها من النفس وهو عدم المبالاة بالدين، وقد كان هذا الخلف متفقين مع من سبقهم في الأخلاق والسجايا، وينتسبون إليهم انتساب حسب وتشرف أي فهم جديرون بأن يكونوا على شاكلتهم.

إن الله تعالى نبهنا بهذا الضرب من التعبير إلى أن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم بعين البصيرة ويطبقه على الشريعة فيستحسن منه ما استحسنت ويستقبح ما استهجنت، ويسجل على المسيء من سلفه إساءته وينفر منها، فإنه يعد عند الله تعالى مثله وشريكًا له في إثمه ومستحقًا لمثل عقوبته، فعليكم باتخذ الوسائل لإزالة المنكرات الفاشية ولا بد في ذلك من بذل الجهد، وإعمال الروية والفكر، وما علينا الآن في مثل هذه البلاد إلا الحيلة في بذل النصح والإرشاد، بأي ضرب من ضروبه، وكل أسلوب من أساليبه.

﴿ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ  ﴾ وقرأ حمزة "ويقول" الذوق عبارة عن الشعور بالألم أو ضده فمعنى ذوقوا تألموا، أما كيفية القول فلا نبحث فيها وإنما نعلم أن الله تعالى يوصل هذا المعنى إليهم.

﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ  ﴾ : يعني أن هذه العقوبة عدل منه سبحانه، وأشار بصيغة المبالغة (ظلام) إلى أن مثل هذه التسوية لا تصدر إلا ممن كان كثير الظلم مبالغًا فيه.

﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ  ﴾ أي أولئك هو الذين قالوا في الاعتذار عن عدم الإيمان بمحمد  : إن الله عهد إلينا في كتابه التوراة أن لا نؤمن لرسول يدعى أنه مرسل من الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار.

قال المفسرون إنهم أرادوا شيئًا كان شائعًا عندهم وهو أن يذبح القربان من النعم أو غيرها، فيوضع في مكان معين فتأتي نار بيضاء من السماء لها دوي فتأخذه أو تحرقه.

وروي ابن جرير عن ابن عباس أن الرجل منهم كان يتصدق بالصدقة فإذا تقبل منه نزلت عليه نار من السماء فأكلته، أي أكلت ما تصدق به.

ويجوز، وهو الأظهر، أن يكون معنى ﴿ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ  ﴾ أن يفرض علينا تقريب قربان يحرق بالنار فقد كان من أحكام الشريعة عندهم أن يحرقوا بعض القربان وقد أمر الله تعالى نبيه أن يرد عليهم فقال: ﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ في زعمكم أنكم لا تؤمنون بي لأني لم آمر بإحراق القرابين، أي إنكم لم ترضوا بعصيان أولئك الرسل فقط بل قسوتم عليهم وقتلتموهم، ولا ريب أن هذا لم يقع منكم إلا لأنكم شعب غليظ الرقبة وأنكم قساة غلف القلوب لا تفقهون الحق ولا تذعنون له، وهذا مبني على ما قلناه من اعتبار الأمة باتفاق أخلاقها وصفاتها وعاداتها العامة كالشخص الواحد، وكان هذا المعنى معروفًا عند العرب فإنهم يلصقون جريمة الشخص بقبيلته ويؤاخذونها به ولو بعد موته، ويدلنا هذا على أن الجنايات والجرائم مرتبطة في حكم الله تعالى بمناشئها ومنابعها، فمن لم يرتكب الجريمة لأن آلاتها وأسبابها غير حاضرة لديه لا يكون بريئًا من الجريمة إذا كان منشأُها والباعث عليها مستقرًا في نفسه، وهذا المنشأ هو التهاون بأمر الشريعة وعدم المبالاة بأمر الحق والتحري فيه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله