الآية ٢٧ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٢٧ من سورة آل عمران

تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 162 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ) أي : تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان ، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان ، ثم يعتدلان .

وهكذا في فصول السنة : ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء .

وقوله : ( وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) أي : تخرج الحبة من الزرع والزرع من الحبة ، والنخلة من النواة والنواة من النخلة ، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ، والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة ، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء ( وترزق من تشاء بغير حساب ) أي : تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه ، وتقتر على آخرين ، لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل .

قال الطبراني : حدثنا محمد بن زكريا الغلابي ، حدثنا جعفر بن جسر بن فرقد ، حدثنا أبي ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، في هذه الآية من آل عمران : ( قل اللهم مالك الملك [ تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ] ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " تولج " تُدْخل، يقال منه: " قد ولَج فلان منـزله "، إذا دخله،" فهو يَلِجه وَلْجًا ووُلوجًا ولِجَةً" (36) - و " أولجته أنا "، إذا أدخلته.

* * * ويعني بقوله: " تولج الليل في النهار " تدخل ما نقصتَ من ساعات الليل في ساعات النهار، فتزيد من نقصان هذا في زيادة هذا =" وتولج النهارَ في الليل "، وتدخل ما نقصتَ من ساعات النهار في ساعات الليل، فتزيد في ساعات الليل ما نقصت من ساعات النهار، كما:- 6795 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " تولج الليلَ في النهار وتولج النهار في الليل "، حتى يكون الليل خمسَ عشرةَ ساعة، والنهارُ تسعَ ساعاتٍ، وتدخل النهار في الليل حتى يكون النهار خمسَ عشرة ساعة، والليل تسع ساعات.

6796 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما نقص من النهار يجعله في الليل، وما نقص من الليل يجعله في النهار.

(37) 6797 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في &; 6-303 &; الليل " قال: ما ينقص من أحدهما في الآخر، يعتقبان = أو: يتعاقبان، شك أبو عاصم = ذلك من الساعات.

(38) 6798 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، ما ينقص من أحدهما في الآخر، يتعاقبان ذلك من الساعات.

6799 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل.

6800 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، قال: هو نقصان أحدهما في الآخر.

6801 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة في قوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، قال: يأخذ الليل من النهار، ويأخذ النهار من الليل.

يقول: نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل.

6802 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، (39) سمعت الضحاك يقول في قوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، يعني أنه يأخذ أحدُهما من الآخر، فيكون الليل أحيانًا أطول من النهار، والنهار أحيانًا أطول من الليل.

&; 6-304 &; 6803 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل "، قال: هذا طويل وهذا قصير، أخذ من هذا فأولجه في هذا، حتى صار هذا طويلا وهذا قصيرًا.

* * * القول في تأويل قوله : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: " تأويل ذلك: أنه يخرج الشيء الحيَّ من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحيّ".

ذكر من قال ذلك: 6804 - حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحيّ"، قال: هي النطفة تخرج من الرّجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حيًّا وهي ميتة.

6805 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، قال: الناس الأحياء من النُّطف والنُّطف ميتة، ويخرجها من الناس الأحياء، والأنعام.

6806 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

&; 6-305 &; 6807 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك في قوله: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، فذكر نحوه.

6808 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدى: " تخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت من الحيّ"، فالنطفة ميتة تكون، تخرج من إنسان حيّ، ويخرج إنسان حيّ من نطفة ميتة.

6809 - حدثني محمد بن عمر بن علي بن عطاء المقدمي قال، حدثنا أشعث السجستاني قال، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد في قوله." تخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت من الحيّ"، قال: تخرج النطفة من الرجل، والرجل من النطفة.

(40) 6810 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " تخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت من الحيّ"، قال: تخرج الحيّ من هذه النطفة الميتة، وتخرج هذه النطفة الميتة من الحيّ.

6811 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: " تخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت من الحيّ" الآية، قال: الناس الأحياء من النطف، والنطف ميِّتةً من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنَّبْت كذلك = قال ابن جريج: وسمعت يزيد بن عويمر يخبر، عن سعيد بن جبير قال: إخراجه النطفة من الإنسان، وإخراجه الإنسان من النطفة.

(41) &; 6-306 &; 6812 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " تخرج الحيّ من الميت وتخرج الميت من الحيّ"، قال: النطفة ميتة، فتخرج منها أحياء =" وتخرج الميت من الحيّ"، تخرج النطفة من هؤلاء الأحياء، والحبّ ميتٌ تخرج منه حيًّا =" وتُخرج الميت من الحيّ"، تخرج من هذا الحيّ حبًّا ميتًا.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: " أنه يخرج النخلة من النواة، والنواةَ من النخلة، والسنبل من الحب، والحبّ من السنبل، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض ".

ذكر من قال ذلك.

6813 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا عبد الله، عن عكرمة قوله: " تخرج الحي من الميت "، قال: هي البيضة تخرج من الحيّ وهي ميتة، ثم يخرج منها الحيّ.

6814 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله." تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، قال: النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة.

* * * وقال آخرون: " معنى ذلك: أنه يخرج المؤمن من الكافر، والكافرَ من المؤمن ".

ذكر من قال ذلك: 6815 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن في قوله: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، يعني المؤمن من الكافر والكافرَ من المؤمن، والمؤمن عبدٌ حيُّ الفؤاد، والكافر عبدٌ ميّتُ الفؤاد.

&; 6-307 &; 6816 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال الحسن في قوله: " تُخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، قال: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.

(42) 6819 - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث، عن سعيد بن عمرو، عن الحسن قرأ: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، قال: تخرج المؤمن من الكافر، وتخرج الكافر من المؤمن.

(43) 6820 - حدثني حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان، أو عن ابن مسعود = وأكبر ظني أنه عن سلمان = قال: إن الله عزّ وجل خمّر طينة آدم أربعين ليلة - أو قال: أربعين يومًا - ثم قال بيده فيه، (44) فخرج كل طيِّب في يمينه، وخرج كل خبيث في يده الأخرى، ثم خلط بينهما، ثم خلق منها آدم، (45) فمن ثم يخرج الحيّ من الميت ويخرجُ الميت من الحي، يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.

(46) &; 6-308 &; 6821 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض نسائه، فإذا بامرأة حسنة النَّعْمة، (47) فقال: من هذه؟

قالت إحدى خالاتك!

قال: إن خَالاتي بهذه البلدة لغرائب!

(48) وأيّ خالاتي هذه؟

قالت: خالدة ابنة الأسود ابن عبد يغوث.

(49) قال: سبحان الذي يخرج الحيّ من الميت!

وكانت امرأة صالحةً، وكان أبوها كافرًا.

(50) 6822 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي"، قال: هل علمتم أن الكافر يلد مؤمنًا، وأن المؤمن يلد كافرًا؟

فقال: هو كذلك.

(51) * * * &; 6-309 &; قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرناها في هذه الآية بالصواب، تأويلُ من قال: " يخرج الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياءَ من النُّطف الميتة = وذلك إخراجُ الحيّ من الميت = ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء = وذلك إخراج الميت من الحيّ".

وذلك أن كل حيّ فارقه شيء من جسده، فذلك الذي فارقه منه ميت.

فالنطفة ميتة لمفارقتها جسد من خرجت منه، ثم ينشئ الله منها إنسانًا حيًا وبهائمَ وأنعامًا أحياءً.

وكذلك حكم كل شيء حيّ زايله شيء منه، فالذي زَايله منه ميت.

وذلك هو نظير قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [سورة البقرة: 28].

* * * وأما تأويل من تأوّله بمعنى الحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والبيضة من الدجاجة، والدجاجة من البيضة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن = فإن ذلك، وإن كان له وجه مفهوم، فليس ذلك الأغلب الظاهرَ في استعمال الناس في الكلام.

وتوجيهُ معاني كتاب الله عز وجل إلى الظاهر المستعمل في الناس، أولى من توجيهها إلى الخفيّ القليل في الاستعمال.

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته جماعة منهم: ( تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) بالتشديد، وتثقيل " الياء " من " الميت "، بمعنى أنه يخرج الشيء الحي من الشيء الذي قد ماتَ، ومما لم يمت.

* * * &; 6-310 &; وقرأت جماعة أخرى منهم: ( تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) بتخفيف " الياء " من " الميْت "، بمعنى أنه يخرج الشيء الحيّ من الشيء الذي قد مات، دون الشيء الذي لم يمت، ويُخرج الشيء الميت، دون الشيء الذي لم يمت، من الشيء الحي.

* * * وذلك أن " الميِّت " مثقل " الياء " عند العرب: ما لم يَمتْ وسيموت، وما قد مات.

وأما " الميْت " مخففًا، فهو الذي قد مات، فإذا أرادوا النعتَ قالوا: " إنك مائتٌ غدًا، وإنهم مائتون ".

وكذلك كل ما لم يكن بعد، فإنه يخرج على هذا المثال الاسمُ منه.

يقال: " هو الجائد بنفسه = والطائبة نفسه بذلك "، وإذا أريد معنى الاسم قيل: " هو الجوادُ بنفسه = والطيِّبة نفسه ".

(52) * * * قال أبو جعفر: فإذا كان ذلك كذلك، فأولى القراءتين في هذه الآية بالصواب، قراءةُ من شدّد " الياء " من " الميِّت ".

لأن الله جل ثناؤه يخرج الحي من النطفة التي قد فارقت الرجلَ فصارت ميِّتة، وسيخرجه منها بعد أن تُفارقه وهي في صلب الرجل =" ويخرج الميِّت من الحيّ" النطفةَ التي تصير بخروجها من الرجل الحيّ ميِّتًا، وهي قبل خروجها منه حيَّة.

فالتشديد أبلغ في المدح وأكملُ في الثناء.

* * * &; 6-311 &; القول في تأويل قوله : وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنه يُعطى من يشاء من خلقه فيجود عليه، (53) بغير محاسبة منه لمن أعطاه، لأنه لا يخاف دخولَ انتقاص في خزائنه، ولا الفناءَ على ما بيده، (54) كما:- 6823 - حدثني المثتي قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وترزق من تشاء بغير حساب "، قال: يخرج الرزق من عنده بغير حساب، لا يخاف أن ينقُص ما عنده تبارك وتعالى.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: اللهمّ يا مالك الملك تُؤتي الملك من تَشاء، وتنـزع الملك ممن تشاء، وتعزّ من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، دون من ادّعى الملحدون أنه لهم إله وربٌّ وعبدوه دونك، أو اتخذوه شريكًا معك، (55) أو أنه لك ولدٌ = وبيدك القدرة التي تفعل هذه الأشياء وتقدر بها على كل شيء، تُولج الليل في النهار وتُولج النهارَ في الليل، فتنقص من هذا وتزيد في هذا، وتنقص من هذا وتزيد في هذا، وتخرج من ميِّت حيًّا ومن حي ميِّتًا، وترزق من تشاء بغير حساب من خلقك، لا يقدر على ذلك أحدٌ سواك، ولا يستطيعه غيرك، كما:- 6824 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، أي: بتلك القدرة = يعني: بالقدرة التي تؤتي &; 6-312 &; الملك بها من تشاء وتنـزعهُ ممن تشاء =" وترزُق من تشاء بغير حساب "، لا يقدر على ذلك غيرُك، ولا يصنعه إلا أنت.

أي: فإن كنتُ سلَّطتُ عيسى على الأشياء التي بها يزعمون أنه إله =: من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، والخلق للطير من الطين، والخبر عن الغيوب، لتجعله آية للناس، (56) وتصديقًا له في نبوّته التي بعثته بها إلى قومه - فإنّ من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه: تمليكُ الملوك، (57) وأمرُ النبوّة ووضعها حيث شئت، (58) وإيلاجُ الليل في النهار والنهار في الليل، وإخراجُ الحيّ من الميت والميت من الحيّ، ورزقُ من شئت من برّ أو فاجر بغير حساب.

فكلّ ذلك لم أسلط عيسى عليه، ولم أملكه إياه، فلم تكن لهم في ذلك عبرةٌ وبينة: أنْ لو كان إلهًا، (59) لكان ذلك كله إليه، وهو في علمهم يهرُب من الملوك، وينتقل منهم في البلاد من بلد إلى بلد!

!

(60) --------------------------- الهوامش : (36) قوله: "ولجا" مصدر لم تذكره كتب اللغة.

وقوله"لجة" بوزن"عدة وزنة".

(37) الأثر: 6798-"حفص بن عمر العدني" ، مترجم في الكبير 1 / 2 / 362 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 182.

وقد مضى هذا الإسناد برقم: 533 ، 1406 ، وسيأتي أيضًا برقم: 6814 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا: "حفص عن عمر" ، وهو خطأ.

(38) في المطبوعة: "ما ينقص من أحدهما يدخل في الآخر ، متعاقبان..." بزيادة"يدخل" وليست في المخطوطة ، وانظر الأثر التالي.

وقوله"يعتقبان" في المخطوطة: "معتقبان" غير منقوطة ، وهو تحريف ، والذي في المطبوعة تصرف لا معنى له.

(39) في المطبوعة: "عبيد بن سلمان" ، وهو خطأ ، وهو إسناد دائر في التفسير.

(40) الأثر: 6809 -"محمد بن عمر بن علي بن عطاء المقدمي" ، ثقة.

روى عن أشعث بن عبد الله السجستاني ، وروى عنه الأربعة ، والطبري وغيرهم ، مترجم في التهذيب.

وقد مضى في رقم: 6255.

وكان في المطبوعة: "حدثني محمد بن عمرو ، وابن علي ، عن عطاء المقدمي" ، وفي المخطوطة: "محمد بن عمرو بن علي ، عن عطاء المقدمي" ، وكلاهما خطأ ، والصواب ما أثبت.

(41) الأثر: 6811-"يزيد بن عويمر" ، لم أجد في الرواة من يسمى بذلك ، وأخشى أن يكون في اسمه تحريف أو تصحيف لم أهتد إليه.

(42) سقط من الترقيم 6817 ، 6818.

(43) الأثر: 6819-"سعيد بن عمرو" ، لم أجد له ترجمة ، وأخشى أن يكون سقط من إسناده شيء ، وأن صوابه"عبد الوارث بن سعيد ، عن...".

وعبد الوارث مترجم فيما سلف رقم: 2154.

(44) في المخطوطة: "ثم قال بعده فيه" ، خطأ؛ وقوله: "قال بيده" ، أي حرك يده.

(45) في المخطوطة-: "ثم خلط بينهما وقال.

.

.

فمن ثم يخرج" ، وبين الكلام بياض ، وأتمته المطبوعة من الدر المنثور.

(46) الأثر: 6820-"بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي" من شيوخ أحمد وإسحاق.

قال أحمد: "إليه المنتهى في التثبت بالبصرة".

مترجم في التهذيب.

و"سليمان التيمي" ، هو: "سليمان بن طرخان التيمي" ، روى عن أنس بن مالك وطاوس ، ثقة.

مترجم في التهذيب."وأبو عثمان" هو"أبو عثمان الصنعاني: شراحيل بن مرثد" ، روى عن سلمان وأبي الدرداء ومعاوية وأبي هريرة وكعب الأحبار.

قال ابن حبان في الثقات: "صاحب الفتوح ، يروي المراسيل" وهذا الأثر أخرجه السيوطي في الدر المنثور 1: 15 ، ونسبه لسعيد بن منصور ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، وأبو الشيخ في العظمة ، (أخرج مثله ، ونسبه لابن مردويه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم).

(47) قوله: "حسنة النعمة" ، في المطبوعة: "النغمة" بالغين المعجمة ، وهو خطأ ، والنعمة (بفتح النون وسكون: العين) المسرة والفرح والترفه ، وكأنه يعني ما يبين عليها من أثر الترف والنعمة.

بيد أن الذي رواه ابن سعد ، وما نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة: "حسنة الهيئة".

(48) في المطبوعة: "بهذه البلد" ، وتاء"البلدة" في المخطوطة شبكت في دالها ، واختلطت بها لام"لغرائب" ، والذي أثبته هو نص ما في الإصابة ، وفي ابن سعد"بهذه الأرض".

(49) في المطبوعة والمخطوطة: "خلدة ابنة الأسود" ، وأخشى أن يكون أصلها"خالدة" كما في سائر الكتب ، ورسمت بحذف الألف كما كانوا يكتبون قديمًا.

وهي خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ، وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم"آمنة بنت وهب بن عبد مناف" ، فهو أخت يغوث بن وهب.

أما الأسود بن يغوث ، فهو أحد المستهزئين حنى جبريل ظهره ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ، فقال رسول الله: "خالي!

خالي!" ، فقال جبريل: "دعه عنك!" ، فمات الأسود.

(50) الأثر: 6821- رواه ابن سعد في الطبقات 8: 181 ، وذكر طرقه الحافظ ابن حجر في الإصابة ، في ترجمة"خالدة بنت الأسود".

(51) الأثر: 6822-"محمد بن سنان الفزاز" سلفت ترجمته برقم: 1999 ، 2056 ، و"أبو بكر الحنفي" ، هو"عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله بن شريك البصري" ، روى عنه أحمد وإسحاق وابن المديني ومحمد بن بشار ، ثقة.

مترجم في التهذيب."وعباد بن منصور الناجي" ، روى عن عكرمة ، وعطاء والحسن ، والقاسم بن محمد وغيرهم.

مترجم في التهذيب.

وانظر الأثر رقم: 6827 فيما يلي.

(52) انظر ما سلف في"الميت" 3: 318 ، 319 ، وهذا البيان عن معناه هنا ، أجود مما تجده في كتب اللغة.

(53) انظر معنى"الرزق" فيما سلف 4: 274 / 5: 43 ، 44.

(54) انظر تفسير"بغير حساب" فيما سلف 4: 274 ، 275.

(55) في المطبوعة: "واتخذوه" والصواب من المخطوطة.

(56) نص ابن هشام: "لأجعله آية للناس".

(57) في المطبوعة: "كتمليك الملوك" ، والصواب من المخطوطة وابن هشام.

(58) في ابن هشام: "بأمر النبوة".

(59) في المطبوعة: "فلم يكن" ، وأثبت ما في ابن هشام وفي مطبوعة الحلبي من السيرة"أفلم تكن" من إحدى نسخه ، وهي جيدة.

وفي مطبوعة الطبري: "إذ لو كان إلهًا..." ، والصواب من المخطوطة وابن هشام.

(60) الأثر: 6824- سيرة ابن هشام 2: 227 ، 228 ، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 6794.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حسابقال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي في معنى قوله تولج الليل في النهار الآية ، أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر ، حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو أطول ما يكون ، والليل تسع ساعات وهو أقصر ما يكون .

وكذا تولج النهار في الليل وهو قول الكلبي ، وروي عن ابن مسعود .

وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل والنهار ، كأن زوال أحدهما ولوج في الآخر .واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى : وتخرج الحي من الميت فقال الحسن : معناه تخرج المؤمن من الكافر والكافر من [ ص: 54 ] المؤمن ، وروي نحوه عن سلمان الفارسي .

وروى معمر عن الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على نسائه فإذا بامرأة حسنة الهيئة قال : ( من هذه ؟

) قلن إحدى خالاتك .

قال : ( ومن هي ؟

) قلن : هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( سبحان الذي يخرج الحي من الميت ) .

وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافرا .

فالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن ; فالموت والحياة مستعاران .

وذهب كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت في الآية حقيقتان ; فقال عكرمة : هي إخراج الدجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة ، وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية .

وقال ابن مسعود : هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي ، ويخرج الرجل منها حيا وهي ميتة .

وقال عكرمة والسدي : هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من الحبة ، والنواة من النخلة والنخلة تخرج من النواة ; والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه .وترزق من تشاء بغير حساب أي بغير تضييق ولا تقتير ; كما تقول : فلان يعطي بغير حساب ; كأنه لا يحسب ما يعطي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل } أي: تدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، فينشأ عن ذلك من الفصول والضياء والنور والشمس والظل والسكون والانتشار، ما هو من أكبر الأدلة على قدرة الله وعظمته وحكمته ورحمته { وتخرج الحي من الميت } كالفرخ من البيضة، وكالشجر من النوى، وكالزرع من بذره، وكالمؤمن من الكافر { وتخرج الميت من الحي } كالبيضة من الطائر وكالنوى من الشجر، وكالحب من الزرع، وكالكافر من المؤمن، وهذا أعظم دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك من التدبير شيئا، فخلقه تعالى الأضداد، والضد من ضده بيان أنها مقهورة { وترزق من تشاء بغير حساب } أي: ترزق من تشاء رزقا واسعا من حيث لا يحتسب ولا يكتسب

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( تولج الليل في النهار ) أي تدخل الليل في النهار حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ( وتولج النهار في الليل ) حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات ، فما نقص من أحدهما زاد في الآخر ( وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم " الميت " بتشديد الياء هاهنا وفي الأنعام ويونس والروم وفي الأعراف " لبلد ميت " وفي فاطر " إلى بلد ميت " زاد نافع " أومن كان ميتا فأحييناه " ( 122 - الأنعام ) و " لحم أخيه ميتا " ( 12 - الحجرات ) و " الأرض الميتة أحييناها " ( 33 - يس ) فشددها ، والآخرون يخففونها ، وشدد يعقوب " يخرج الحي من الميت " " لحم أخيه ميتا " قال ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة : معنى الآية : يخرج الحيوان من النطفة وهي ميتة ، ويخرج النطفة من الحيوان وقال عكرمة والكلبي : يخرج الحي من الميت أي الفرخ من البيضة ويخرج البيضة من الطير ، وقال الحسن وعطاء .

يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن ، فالمؤمن حي الفؤاد ، والكافر ميت الفؤاد قال الله تعالى : " أومن كان ميتا فأحييناه " ( 122 - الأنعام ) وقال الزجاج : يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس ، ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي ( وترزق من تشاء بغير حساب ) من غير تضييق [ ولا تقتير ] .

أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنفي ، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي ، أنا محمد بن علي بن زيد الصائغ ، أنا محمد بن أبي الأزهر ، أنا الحارث بن عمير ، أنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن فاتحة الكتاب وآية الكرسي والآيتين من آل عمران ( شهد الله - إلى قوله - إن الدين عند الله الإسلام - و - قل اللهم مالك الملك - إلى قوله - بغير حساب ) معلقات ، ما بينهن وبين الله عز وجل حجاب ، قلن : يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟

قال الله عز وجل : بي حلفت لا يقرؤكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان منه ولأسكننه في حظيرة القدس ولنظرت إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين مرة ولقضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ولأعذته من كل عدو وحاسد ونصرته منهم " رواه الحارث عن عمرو وهو ضعيف

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«تولج» تدخل «الليل في النهار وتولج النهار» تدخله «في الليل» فيزيد كل منهما مما نقص من الآخر «وتخرج الحيَّ من الميت» كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة «وتخرج الميت» كالنطفة والبيضة «من الحي وترزق من تشاء بغير حساب» أي رزقا واسعا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن دلائل قدرتك أنك تُدخل الليل في النهار، وتُدخل النهار في الليل، فيطول هذا ويقصر ذاك، وتُخرج الحي من الميت الذي لا حياة فيه، كإخراج الزرع من الحب، والمؤمن من الكافر، وتُخرج الميت من الحي كإخراج البيض من الدجاج، وترزق من تشاء مَن خلقك بغير حساب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - مظهرا حسيا من مظاهر قدرته الباهرة فقال : { تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل } .الولوج في الأصل : الدخول ، والإيلاج الإدخال .

يقال : ولج فلان منزله إذا دخله ، فهو يلجه ولجا وولوجا .وأولجته أنا إذا أدخلته ، ثم استعير لزيادة زمان النهار في الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب .أى أنت يا الله يا مالك الملك .

أنت الذى بقدرتك تدخل طائفة من الليل في النهار فيقصر الليل ويزيد النهار وتدخل طائفة من النهار في الليل فيقصر النهار ويزيد الليل ، وأنت وحدك الذى بقدرتك أن تجعلهما متعاقبين بأن تأتى بالليل رويداً رويداً في أعقاب النهار ، وتأتي بالنهار شيئاً فشيئاً فى أعقاب الليل ، وفى كل ذلك دليل على سعة قدرتك ، وواسع رحمتك .

وتذكير واعتبار لأولى الألباب .ثم ذكر - سبحانه - مظهرا حسيا آخر من مظاهر قدرته فقال : { وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي } .قال الفخر الرازي : ذكر المفسرون فيه وجوها .أحدها : يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر ، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح .والثاني : يخرج الحيوان - وهو حى - من النطفة - وهي ميتة - ، والدجاجة - وهي حية - من البيضة أو العكس .والثالث : يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس والنخلة من النواة وبالعكس : ثم قال : والكلمة محتملة للكل : أما الكفر والإيمان فقال - تعالى - { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ } يريد كان كافرا فهديناه ، فجعل الكفر موتاً والإيمان حياة ، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء وجعل ما قبل ذلك ميتة فقال : { وَيُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } وقال : { فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } وقال : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } وفى الحق : إن المتدبر فى هذا الكون وما يعترى سكانه من موت وحياة ليشهد ويذعن بأن لهذا الكون خالقا قادراً هو الله الواحد القهار .ثم ختم - سبحانه - مظاهر قدرته ورحمته بقوله { وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } والرزق - كما يقول الراغب - يقال للعطاء الجارى تارة دنيوا كان أو أخرويا .

وللنصيب تارة ، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة أخرى يقال : أعطى السلطان رزق الجند ، ورزقت علما ، قال - تعالى - : { وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت } أى : من المال والجاه والعلم " .أى أنت يا الله يا مالك الملك ، أنت وحدك الذى ترزق من تشاء أن ترزقه بغير حساب ، أى رزقا واسعا عظيما لأنك أنت صاحب الجود والكرم ، ولأنك ليس معك شريك فيحاسبك ، بل أنت المعطى بدون محاسب ، وبدون محاسبة من تعطيه ، ولأن خزائن ملكك لا ينقصها العطاء مهما كثر .ومن كانت هذه صفاته ، وتلك بعض مظاهر قدرته : من إيتاء الملك لمن يشاء ونزعه ممن يشاء وإيلاج الليل فى النهار والنهار فى الليل ، وإخراج الحى من الميت والميت من الحى ، كان من حقه أن يفرد بالعبادة والخضوع { أَلاَ لَهُ الخلق والأمر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين }قال ابن كثير : روى الطبرانى عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اسم الله الأعظم الذى إذا دُعى به أجاب في هذه الآية : { قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } " .وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد وصفتا الخالق - عز وجل - بما هو أهله ، من قدرة تامة وسلطان نافذ ، ورحمة واسعة ، وهذا الوصف من شانه أن يحمل كل عاقل على إخلاص العبادة له - سبحانه - وعلى الاستجابة لكل ما أمر به أو نهى عنه رغبة في ثوابه ، ورهبة من عقابه .

وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو وحده مالك الملك ، وأنه على كل شىء قدير ، عقب ذلك بنهى المؤمنين عن موالاة أعدائه بسبب قرابة أو صداقة أو نحوهما ، فقال - تعالى- : { لاَّ يَتَّخِذِ .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوّة، وصحة دين الإسلام، ثم قال لرسوله ﴿ فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن  ﴾ ثم ذكر من صفات المخالفين كفرهم بالله، وقتلهم الأنبياء والصالحين بغير حق، وذكر شدة عنادهم وتمردهم في قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب  ﴾ ثم ذكر شدة غرورهم بقوله: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات  ﴾ ثم ذكر وعيدهم بقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ  ﴾ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء وتمجيد يدل على مباينة طريقه وطريق أتباعه، لطريقة هؤلاء الكافرين المعاندين المعرضين، فقال معلماً نبيّه كيف يمجّد ويعظم ويدعو ويطلب ﴿ قُلِ اللهم مالك الملك ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف النحويون في قوله: ﴿ اللهم ﴾ فقال الخليل وسيبويه ﴿ اللهم ﴾ معناه: يا الله، والميم المشددة عوض من يا، وقال الفرّاء: كان أصلها، يا الله أم بخير: فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء، وحذفوا الهمزة من: أم، فصار ﴿ اللهم ﴾ ونظيره قول العرب: هلم، والأصل: هل، فضم: أم إليها، حجة الأولين على فساد قول الفرّاء وجوه: الأول: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صحّ أن يقال: اللّهم افعل كذا إلا بحرف العطف، لأن التقدير: يا الله أمنا واغفر لنا، ولم نجد أحداً يذكر هذا الحرف العاطف والثاني: وهو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال، لجاز أن يتكلم به على أصله، فيقال (الله أم) كما يقال (ويلم) ثم يتكلم به على الأصل فيقال (وَيْلٌ أُمُّهُ) الثالث: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفاً، فكان يجوز أن يقال: يا اللّهم، فلما لم يكن هذا جائزاً علمنا فساد قول الفراء بل نقول: كان يجب أن يكون حرف النداء لازماً، كما يقال: يا الله اغفر لي، وأجاب الفراء عن هذه الوجوه، فقال: أما الأول فضعيف، لأن قوله (يا الله أم) معناه: يا الله اقصد، فلو قال: واغفر لكان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما: قوله: ﴿ أمنا ﴾ والثاني: قوله: ﴿ واغفر لَنَا  ﴾ أما إذا حذفنا العطف صار قوله: اغفر لنا تفسيراً لقوله: أمنا.

فكان المطلوب في الحالين شيئاً واحداً فكان ذلك آكد، ونظائره كثيرة في القرآن، وأما الثاني فضعيف أيضاً، لأن أصله عندنا أن يقال: يا الله أمنا.

ومن الذي ينكر جواز التكلم بذلك، وأيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام الأصل، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله: ما أكرمه، معناه أي شيء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب فكذا هاهنا، وأما الثالث: فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقالّ: يا اللّهم وأنشد الفرّاء: وأما عليك أن تقولي كلما *** سبحت أو صليت يا اللّهما وقول البصريين: إن هذا الشعر غير معروف، فحاصله تكذيب النقل، ولو فتحنا هذا الباب لم يبق شيء من اللغة والنحو سليماً عن الطعن، وأما قوله: كان يلزم أن يكون ذكر حرف النداء لازماً فجوابه أنه قد يحذف حرف النداء كقوله: ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا  ﴾ فلا يبعد أن يختص هذا الاسم بإلزام هذا الحذف، ثم احتج الفراء على فساد قول البصريين من وجوه: الأول: أنا لو جعلنا الميم قائماً مقام حرف النداء لكنا قد أخرنا النداء عن ذكر المنادى، وهذا غير جائز ألبتة، فإنه لا يقال ألبتة (الله يا) وعلى قولكم يكون الأمر كذلك الثاني: لو كان هذا الحرف قائماً مقام النداء لجاز مثله في سائر الأسماء، حتى يقال: زيدم وبكرم، كما يجوز أن يقال: يا زيد ويا بكر والثالث: لو كان الميم بدلاً عن حرف النداء لما اجتمعا، لكنهما اجتمعا في الشعر الذي رويناه الرابع: لم نجد العرب يزيدون هذه المييم في الأسماء التامة لإفادة معنى بعض الحروف المباينة للكلمة الداخلة عليها، فكان المصير إليه في هذه اللفظة الواحدة حكماً على خلاف الاستقراء العام في اللغة وأنه غير جائز، فهذا جملة الكلام في هذا الموضع.

المسألة الثانية: ﴿ مالك الملك ﴾ في نصبه وجهان الأول: وهو قول سيبويه أنه منصوب على النداء، وكذلك قوله: ﴿ قُلِ اللهم فَاطِرَ السموات والأرض  ﴾ ولا يجوز أن يكون نعتاً لقوله: ﴿ اللهم ﴾ لأن قولنا ﴿ اللهم ﴾ مجموع الاسم والحرف، وهذا المجموع لا يمكن وصفه والثاني: وهو قول المبرد والزجاج أن ﴿ مالك ﴾ وصف للمنادى المفرد، لأن هذا الاسم ومعه الميم بمنزلته ومعه (يا) ولا يمتنع الصفة مع الميم، كما لا يمتنع مع الياء.

المسألة الثالثة: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم، وهم أعز وأمنع من ذلك، وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، وأخذوا يحفرون خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخبره، فأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضرب صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كأنه مصباح في جوف ليل مظلم، فكبّر وكبر المسلمون، وقال عليه الصلاة والسلام: «أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب» ثم ضرب الثانية، فقال: «أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم».

ثم ضرب الثالثة فقال: «أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا» فقال المنافقون: ألا تعجبون من نبيّكم يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومداين كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا فنزلت هذه الآية والله أعلم، وقال الحسن إن الله تعالى أمر نبيّه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاء، وهكذا منازل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أمروا بدعاء استجيب دعاءهم.

المسألة الرابعة: ﴿ الملك ﴾ هو القدرة، والمالك هو القادر، فقوله: ﴿ مالك الملك ﴾ معناه القادر على القدرة، والمعنى إن قدرة الخلق على كل ما يقدرون عليه ليست إلا بإقدار الله تعالى فهو الذي يقدر كل قادر على مقدوره، ويملك كل مالك مملوكه، قال صاحب الكشاف ﴿ مالك الملك ﴾ أي يملك جنس الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، واعلم أنه تعالى لما بيّن كونه ﴿ مالك الملك ﴾ على الإطلاق، فصل بعد ذلك وذكر أنواعاً خمسة: النوع الأول: قوله تعالى: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ وذكروا فيه وجوهاً الأول: المراد منه: ملك النبوّة والرسالة، كما قال تعالى: ﴿ فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً  ﴾ والنبوّة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن الخلق والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فأما على البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم وشريعتهم، وأن يعتقد أنه هو الحق، وأما على الظواهر فلأنهم لو تمردوا واستكبروا لاستوجبوا القتل، ومما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن يجعل الله تعالى بشراً رسولاً فحكى الله عنهم قولهم: ﴿ أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً  ﴾ وقال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً  ﴾ وقوم آخرون جوزوا من الله تعالى أن يرسل رسولاً من البشر، إلا أنهم كانوا يقولون: إن محمداً فقير يتيم، فكيف يليق به هذا المنصب العظيم على ما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ  ﴾ وأما اليهود فكانوا يقولون النبوّة كانت في آبائنا وأسلافنا، وأما قريش فهم ما كانوا أهل النبوّة والكتاب فكيف يليق النبوّة بمحمد صلى الله عليه وسلم؟

وأما المنافقون فكانوا يحسدونه على النبوّة، على ما حكى الله ذلك عنهم في قوله: ﴿ أم يحْسُدونَ الناس على مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ  ﴾ .

وأيضاً فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المهاد  ﴾ أن اليهود تكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم، ثم إنه تعالى رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بيّن أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء، فقال: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ .

فإن قيل: فإذا حملتم قوله: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ ﴾ على إيتاء ملك النبوّة، وجب أن تحملوا قوله: ﴿ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ على أنه قد يعزل عن النبوّة من جعله نبياً، ومعلوم أن ذلك لا يجوز.

قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن الله تعالى إذا جعل النبوّة في نسل رجل، فإذا أخرجها الله من نسله، وشرَّف بها إنساناً آخر من غير ذلك النسل، صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم، واليهود كانوا معتقدين أن النبوّة لابد وأن تكون في بني إسرائيل، فلما شرف الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بها، صح أن يقال: إنه ينزع ملك النبوّة من بني إسرائيل إلى العرب.

والجواب الثاني: أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ أي تحرمهم ولا تعطيهم هذا الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور  ﴾ مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط، وقال الله تعالى مخبراً عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا  ﴾ وأولئك الأنبياء قالوا: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاءَ الله  ﴾ مع أنهم ما كانوا فيها قط، فهذا جملة الكلام في تقرير قول من فسّر قوله تعالى: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ ﴾ بملك النبوة.

القول الثاني: أن يكون المراد من الملك، ما يسمى ملكاً في العرف، وهو عبارة عن مجموع أشياء أحدها: تكثير المال والجاه، أما تكثير المال فيدخل فيه ملك الصامت والناطق والدور والضياع، والحرث، والنسل، وأما تكثير الجاه فهو أن يكون مهيباً عند الناس، مقبول القول، مطاعاً في الخلق والثاني: أن يكون بحيث يجب على غيره أن يكون في طاعته، وتحت أمره ونهيه والثالث: أن يكون بحيث لو نازعه في ملكه أحد، قدر على قهر ذلك المنازع، وعلى غلبته، ومعلوم أن كل ذلك لا يحصل إلا من الله تعالى، أما تكثير المال فقد نرى جمعاً في غاية الكياسة لا يحصل لهم مع الكد الشديد، والعناء العظيم قليل من المال، ونرى الأبله الغافل قد يحصل له من الأموال ما لا يعلم كميته، وأما الجاه فالأمر أظهر، فإنا رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال العظيمة لأجل الجاه، وكانوا كل يوم أكثر حقارة ومهانة في أعين الرعية، وقد يكون على العكس من ذلك وهو أن يكون الإنسان معظماً في العقائد مهيباً في القلوب، ينقاد له الصغير والكبير، ويتواضع له القاصي والداني، وأما القسم الثاني وهو كونه واجب الطاعة، فمعلوم أن هذا تشريف يشرف الله تعالى به بعض عباده، وأما القسم الثالث، وهو حصول النصرة والظفر فمعلوم أن ذلك مما لا يحصل إلا من الله تعالى، فكم شاهدنا من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وعند هذا يظهر بالبرهان العقلي صحة ما ذكره الله تعالى من قوله: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ ﴾ .

واعلم أن للمعتزلة هاهنا بحثا قال الكعبي قوله: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ ليس على سبيل المختارية، ولكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم به، ولا ينزعه إلا ممن فسق عن أمر ربه ويدل عليه قوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين  ﴾ وقال في حق العبد الصالح ﴿ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم  ﴾ فجعله سبباً للملك، وقال الجبائي: هذا الحكم مختص بملوك العدل، فأما ملوك الظلم فلا يجوز أن يكون ملكهم بإيتاء الله، وكيف يصح أن يكون ذلك بإيتاء الله، وقد ألزمهم أن لا يتملكوه، ومنعهم من ذلك فصح بما ذكرنا أن الملوك العادلين هم المختصون بأن الله تعالى آتاهم ذلك الملك، فأما الظالمون فلا، قالوا: ونظير هذا ما قلناه في الرزق أنه لا يدخل تحته الحرام الذي زجره الله عن الانتفاع به، وأمره بأن يرده على مالكه فكذا هاهنا، قالوا: وأما النزع فبخلاف ذلك لأنه كما ينزع الملك من الملوك العادلين لمصلحة تقتضي ذلك فقد ينزع الملك عن الملوك الظالمين ونزع الملك يكون بوجوه: منها بالموت، وإزالة العقل، وإزالة القوى، والقدر والحواس، ومنها بورود الهلاك والتلف عن الأموال، ومنها أن يأمر الله تعالى المحق بأن يسلب الملك الذي في يد المتغلب المبطل ويؤتيه القوة والنصرة، فإذا حاربه المحق وقهره وسلب ملكه جاز أن يضاف هذا السلب والنزع إليه تعالى، لأنه وقع عن أمره، وعلى هذا الوجه نزع الله تعالى ملك فارس على يد الرسول، هذا جملة كلام المعتزلة في هذا الباب.

واعلم أن هذا الموضع مقام بحث مهم وذلك لأن حصول الملك للظالم، إما أن يقال: إنه وقع لا عن فاعل وإنما حصل بفعل ذلك المتغلب، أو إنما حصل بالأسباب الربانية، والأول: نفي للصانع والثاني: باطل لأن كل أحد يريد تحصيل الملك والدولة لنفسه، ولا يتيسر له ألبتة فلم يبق إلا أن يقال بأن ملك الظالمين إنما حصل بإيتاء الله تعالى، وهذا الكلام ظاهر ومما يؤكد ذلك أن الرجل قد يكون بحيث تهابه النفوس، وتميل إليه القلوب، ويكون النصر قريناً له والظفر جليساً معه فأينما توجه حصل مقصوده، وقد يكون على الضد من ذلك، ومن تأمل في كيفية أحوال الملوك اضطر إلى العلم بأن ذلك ليس إلا بتقدير الله تعالى، ولذلك قال حكيم الشعراء: لو كان بالحيل الغنى لوجدتني *** بأجل أسباب السماء تعلقي لكن من رزق الحجا حرم الغنى *** ضدان مفترقان أي تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق والقول الثاني: أن قوله: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء ﴾ محمول على جميع أنواع الملك فيدخل فيه ملك النبوّة، وملك العلم، وملك العقل، والصحة والأخلاق الحسنة، وملك النفاذ والقدرة وملك المحبة، وملك الأموال، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ﴾ فاعلم أن العزة قد تكون في الدين، وقد تكون في الدنيا، أما في الدين فأشرف أنواع العزة الإيمان قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ إذا ثبت هذا فنقول: لما كان أعز الأشياء الموجبة للعزة هو الإيمان، وأذل الأشياء الموجبة للمذلة هو الكفر، فلو كان حصول الإيمان والكفر بمجرد مشيئة العبد، لكان إعزاز العبد نفسه بالإيمان وإذلاله نفسه بالكفر أعظم من إعزاز الله عبده بكل ما أعزه به، ومن إذلال الله عبده بكل ما أذله به ولو كان الأمر كذلك لكان حظ العبد من هذا الوصف أتم وأكمل من حظ الله تعالى منه، ومعلوم أن ذلك باطل قطعاً، فعلمنا أن الإعزاز بالإيمان والحق ليس إلا من الله، والإذلال بالكفر والباطل ليس إلا من الله، وهذا وجه قوي في المسألة، قال القاضي: الإعزاز المضاف إليه تعالى قد يكون في الدين، وقد يكون في الدنيا أما الذي في الدين فهو أن الثواب لابد وأن يكون مشتملاً على التعظيم والمدح والكرامة في الدنيا والآخرة، وأيضاً فإنه تعالى يمدهم بمزيد الألطاف ويعليهم على الأعداء بحسب المصلحة، وأما ما يتعلق بالدنيا فبإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب، وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق.

واعلم أن كلامنا يأبى ذلك لأن كل ما يفعله الله تعالى من التعظيم في باب الثواب فهو حق واجب على الله تعالى ولو لم يفعله لانعزل عن الإلهية ولخرج عن كونه إلها للخلق فهو تعالى بإعطاء هذه التعظيمات يحفظ إلهية نفسه عن الزوال فأما العبد، فلما خص نفسه بالإيمان الذي يوجب هذه التعظيمات فهو الذي أعز نفسه فكان إعزازه لنفسه أعظم من إعزاز الله تعالى إياه، فعلمنا أن هذا الكلام المذكور لازم على القوم.

أما قوله: ﴿ وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ﴾ فقال الجبائي في تفسيره: إنه تعالى إنما يذل أعداءه في الدنيا والآخرة ولا يذل أحداً من أوليائه وإن أفقرهم وأمرضهم وأحوجهم إلى غيرهم، لأنه تعالى إنما يفعل هذه الأشياء ليعزهم في الآخرة، إما بالثواب، وإما بالعوض فصار ذلك كالفصد والحجامة فإنهما وإن كانا يؤلمان في الحال إلا أنهما لما كانا يستعقبان نفعاً عظيماً لا جرم لا يقال فيهما: إنهما تعذيب، قال وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى وجه المجاز كما سمى الله تعالى لين المؤمنين ذلا بقوله: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: إذلال الله تعالى عبده المبطل إنما يكون بوجوه منها بالذم واللعن ومنها بأن يخذلهم بالحجة والنصرة، ومنها بأن يجعلهم خولاً لأهل دينه، ويجعل مالهم غنيمة لهم ومنها بالعقوبة لهم في الآخرة هذا جملة كلام المعتزلة، ومذهبنا أنه تعالى يعز البعض بالإيمان والمعرفة، ويذل البعض بالكفر والضلالة، وأعظم أنواع الإعزاز والإذلال هو هذا والذي يدل عليه وجوه: الأول: وهو أن عز الإسلام وذل الكفر لابد فيه من فاعل وذلك الفاعل إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى والأول باطل، لأن أحداً لا يختار الكفر لنفسه، بل إنما يريد الإيمان والمعرفة والهداية فلما أراد العبد الإيمان ولم يحصل له بل حصل له الجهل، علمنا أن حصوله من الله تعالى لا من العبد الثاني: وهو أن الجهل الذي يحصل للعبد إما أن يكون بواسطة شبهة وإما أن يقال: يفعله العبد ابتداء، والأول باطل إذ لو كان كل جهل إنما يحصل بجهل آخر يسبقه ويتقدمه لزم التسلسل وهو محال، فبقي أن يقال: تلك الجهات تنتهي إلى جهل يفعله العبد ابتداء من غير سبق موجب البتة لكنا نجد من أنفسنا أن العاقل لا يرضى لنفسه أن يصير على الجهل ابتداء من غير موجب فعلمنا أن ذلك بإذلال الله عبده وبخذلانه إياه الثالث: ما بينا أن الفعل لابد فيه من الداعي والمرجح، وذلك المرجح يكون من الله تعالى فإن كان في طرف الخير كان إعزازاً، وإن كان في طرف الجهل والشر والضلالة كان إذلالاً، فثبت أن المعز والمذل هو الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ .

فاعلم أن المراد من اليد هو القدرة، والمعنى بقدرتك الخير والألف واللام في الخير يوجبان العموم، فالمعنى بقدرتك تحصل كل البركات والخيرات، وأيضاً فقوله: ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ يفيد الحصر كأنه قال بيدك الخير لا بيد غيرك، كما أن قوله تعالى: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ  ﴾ أي لكم دينكم أي لا لغيركم وذلك الحصر ينافي حصول الخير بيد غيره، فثبت دلالة هذه الآية من هذين الوجهين على أن جميع الخيرات منه، وبتكوينه وتخليقه وإيجاده وإبداعه، إذا عرفت هذا فنقول: أفضل الخيرات هو الإيمان بالله تعالى ومعرفته، فوجب أن يكون الخير من تخليق الله تعالى لا من تخليق العبد، وهذا استدلال ظاهر ومن الأصحاب من زاد في هذا التقدير فقال: كل فاعلين فعل أحدهما أشرف وأفضل من فعل الآخر كان ذلك الفاعل أشرف وأكمل من الآخر، ولا شك أن الإيمان أفضل من الخير، ومن كل ما سوى الإيمان فلو كان الإيمان بخلق العبد لا بخلق الله لوجب كون العبد زائداً في الخيرية على الله تعالى، وفي الفضيلة والكمال، وذلك كفر قبيح فدلت هذه الآية من هذين الوجهين على أن الإيمان بخلق الله تعالى.

فإن قيل: فهذه الآية حجة عليكم من وجه آخر لأنه تعالى لما قال: ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ كان معناه أنه ليس بيدك إلا الخير، وهذا يقتضي أن لا يكون الكفر والمعصية واقعين بتخليق الله.

والجواب: أن قوله: ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ يفيد أن بيده الخير لا بيد غيره، وهذا ينافي أن يكون بيد غيره ولكن لا ينافي أن يكون بيده الخير وبيده ما سوى الخير إلا أنه خص الخير بالذكر لأنه الأمر المنتفع به فوقع التنصيص عليه لهذا المعنى قال القاضي: كل خير حصل من جهة العباد فلولا أنه تعالى أقدرهم عليه وهداهم إليه لما تمكنوا منه، فلهذا السبب كان مضافاً إلى الله تعالى إلا أن هذا ضعيف لأن على هذا التقدير يصير بعض الخير مضافاً إلى الله تعالى، ويصير أشرف الخيرات مضافاً إلى العبد، وذلك على خلاف هذا النص.

أما قوله: ﴿ إِنَّكَ على كُلّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ فهذا كالتأكيد لما تقدم من كونه مالكاً لإيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال.

أما قوله تعالى: ﴿ تُولِجُ اليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي اليل ﴾ فيه وجهان الأول: أن يجعل الليل قصيراً ويجعل ذلك القدر الزائد داخلاً في النهار وتارة على العكس من ذلك وإنما فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه علق قوام العالم ونظامه بذلك والثاني: أن المراد هو أنه تعالى يأتي بالليل عقيب النهار، فيلبس الدنيا ظلمة بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوءه فكان المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر، والأول أقرب إلى اللفظ، لأنه إذا كان النهار طويلاً فجعل ما نقص منه زيادة في الليل كان ما نقص منه داخلاً في الليل.

وأما قوله: ﴿ وَتُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿ الميت ﴾ بالتشديد، والباقون بالتخفيف، وهما لغتان بمعنى واحد، قال المبرد: أجمع البصريون على أنهما سواء وأنشدوا: إنما الميت ميت الأحياء *** وهو مثل قوله: هين وهين، ولين ولين، وقد ذهب ذاهبون إلى أن الميت من قد مات، والميت من لم يمت.

المسألة الثانية: ذكر المفسرون فيه وجوهاً: أحدها: يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح عليه السلام والثاني: يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس والثالث: يخرج الحيوان من النطفة، والطير من البيضة وبالعكس والرابع: يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس، والنخلة من النواة وبالعكس، قال القفّال رحمه الله: والكلمة محتملة للكل أما الكفر والإيمان فقال تعالى: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه  ﴾ يريد كان كافراً فهديناه فجعل الموت كفراً والحياة إيماناً، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء، وجعل قبل ذلك ميتة فقال: ﴿ يحيي الأرض بعد موتها  ﴾ وقال: ﴿ فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا  ﴾ وقال: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ .

أما قوله: ﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ففيه وجوه: الأول: أنه يعطي من يشاء ما يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد، إذ ليس فوقه ملك يحاسبه بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب والثاني: ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود، بل تبسطه له وتوسعه عليه كما يقال: فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة، ونظيره قولهم في تكثير مال الإنسان: عنده مال لا يحصى والثالث: ترزق من تشاء بغير حساب، يعني على سبيل التفضل من غير استحقاق لأن من أعطى على قدر الاستحقاق فقد أعطى بحساب، وقال بعض من ذهب إلى هذا المعنى: إنك لا ترزق عبادك على مقادير أعمالهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الميم في ﴿ اللهم ﴾ عوض من يا، ولذلك لا يجتمعان.

وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم، وبدخول حرف النداء عليه، وفيه لام التعريف، وبقطع همزته في يا أَلله، وبغير ذلك ﴿ مالك الملك ﴾ أي تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرّف الملاك فيما يملكون ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ ﴾ تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك من الملك ﴿ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ ﴾ النصيب الذي أعطيته منه، فالملك الأوّل عام شامل، والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل.

روى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم؟

هم أعز وأمنع من ذلك.

وروي «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدّعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، وكبر وكبر المسلمون وقال: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمّتي ظاهرة على كلها، فأبشروا.

فقال المنافقون: ألا تعجبون، يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزلت» فإن قلت: كيف قال: ﴿ بِيَدِكَ الخير ﴾ فذكر الخير دون الشر؟

قلت: لأنّ الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، ولأن كل أفعال الله تعالى من نافع وضارّ صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه.

ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحيّ والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب دلالة على أنّ من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ثم قدر أن يرزق بغير حساب دلالة من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم وفي بعض الكتب: أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم لهم رحمة، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم، وهو معنى قوله عليه السلام: «كما تكونوا يولى عليكم» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ قُدْرَتِهِ عَلى مُعاقَبَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والمَوْتِ والحَياةِ وسَعَةِ فَضْلِهِ، دَلالَةً عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى مُعاقَبَةِ الذُّلِّ والعِزِّ وإيتاءِ المُلْكِ ونَزْعِهِ.

والوُلُوجُ: الدُّخُولُ في مَضِيقٍ.

وإيلاجُ اللَّيْلِ والنَّهارِ: إدْخالُ أحَدِهِما في الآخَرِ بِالتَّعْقِيبِ أوِ الزِّيادَةِ والنَّقْصِ.

وإخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وبِالعَكْسِ.

إنْشاءُ الحَيَواناتِ مِن مَوادِّها وإماتَتِها، أوْ إنْشاءُ الحَيَوانِ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةِ مِنهُ.

وقِيلَ: إخْراجُ المُؤْمِنِ مِنَ الكافِرِ والكافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ "المَيْتِ" بِالتَّخْفِيفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)

ثم ذكر قدرته بالباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما وحال الحى والميت فى إخرج أحدهما من الآخر وعطف عليه رزقه بغير حساب بقوله {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} فالإيلاج ادخال الشئ فى الشئ وهو مجاز هنا أي تنقص من ساعات الليل وتزيد في النهار وتنقص من ساعات النهار وتزيد في الليل {وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} الحيوان من النطفة أو الفرج من البيضة أو المؤمن من الكافر {وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} النطفة من الإنسان أو البيض من الدجاج أو الكافر من المؤمن {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} لا يعرف الخلق عدده ومقداره وإن كان معلوماً عنده ليدل على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ثم قدر أن يرزق بغير حساب

آل عمران (٢٨ _ ٣٠)

من يشاء من عباده فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويدلهم ويؤتيه العرب ويعزهم وفي بعض الكتب أنا الله ملك الملوك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي فان العباد أطاعونى جعلتهم عليم رحمة وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم وهو معنى قوله عليه السلام كما تكونوا يولى عليكم الحي من الميت والميت من الحي بالتشديد حيث كان مدني وكوفي غير أبي بكر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ الوُلُوجُ في الأصْلِ الدُّخُولُ، والإيلاجُ الإدْخالُ، واسْتُعِيرَ لِزِيادَةِ زَمانِ النَّهارِ في اللَّيْلِ وعَكْسِهِ بِحَسَبِ المَطالِعِ والمَغارِبِ في أكْثَرِ البُلْدانِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ ولا يَضُرُّ تَساوِي اللَّيْلِ والنَّهارِ دائِمًا عِنْدَ خَطِّ الِاسْتِواءِ لِأنَّهُ يَكْفِي الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ فِيهِما في الأغْلَبِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِإيلاجِ أحَدِهِما في الآخَرِ إيجادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَقِيبَ الآخَرِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الظّاهِرُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَيْلُ التَّكْوِيرِ ونَهارُهُ وهُما المَشْهُورانِ عِنْدَ العامَّةِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ ظاهِرَ القَوْلِ، ووَراءَ ذَلِكَ أيّامُ السَّلْخِ الَّتِي يَعْرِفُها العارِفُونَ وأيّامُ الإيلاجِ الشَّأْنِيَّةِ الَّتِي يَعْقِلُها العُلَماءُ الحُكَماءُ.

وبَيانُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ أنَّ اليَوْمَ عَلى ما ذَكَرَهُ القَوْمُ الإلَهِيُّونَ عِبارَةٌ عَنْ دَوْرَةٍ واحِدَةٍ مِن دَوْراتِ فَلَكِ الكَواكِبِ، وهو مِنَ النَّطْحِ إلى النَّطْحِ ومِنَ الشَّرْطَيْنِ إلى الشَّرْطَيْنِ ومِنَ البُطَيْنِ إلى البُطَيْنِ وهَكَذا إلى آخِرِ المَنازِلِ، ومِن دَرَجَةِ المَنزِلَةِ ودَقِيقَتِها إلى دَرَجَةِ المَنزِلَةِ ودَقِيقَتِها، وأخْفى مِن ذَلِكَ إلى أقْصى ما يُمْكِنُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ وما مِن يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ العامَّةِ وهي مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ مِن غُرُوبِها إلى غُرُوبِها أوْ مِنَ اِسْتِوائِها إلى اِسْتِوائِها أوْ ما بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما بَيْنَ ذَلِكَ إلّا وفِيهِ نِهايَةُ ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ يَوْمًا فاليَوْمُ طُولُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ دَرَجَةً لِأنَّهُ يَظْهَرُ فِيهِ الفَلَكُ كُلُّهُ وتَعُمُّهُ الحَرَكَةُ وهَذا هو اليَوْمُ الجُسْمانِيُّ، وفِيهِ اليَوْمُ الرُّوحانِيُّ فِيهِ تَأْخُذُ العُقُولُ مَعارِفَها والبَصائِرُ مَشاهِدَها والأرْواحُ أسْرارَها كَما تَأْخُذُ الأجْسامُ في هَذا اليَوْمِ الجُسْمانِيِّ أغْذِيَتَها وزِيادَتَها ونُمُوَّها وصِحَّتَها وسَقَمَها وحَياتَها ومَوْتَها، فالأيّامُ مِن جِهَةِ أحْكامِها الظّاهِرَةِ في العالَمِ المُنْبَعِثَةِ مِنَ القُوَّةِ الفَعّالَةِ لِلنَّفْسِ الكُلِّيَّةِ سَبْعَةٌ مِن يَوْمِ الأحَدِ إلى آخِرِهِ ولِهَذِهِ الأيّامِ أيّامٌ رُوحانِيَّةٌ لَها أحْكامٌ في الأرْواحِ والعُقُولِ تَنْبَعِثُ مِنَ القُوَّةِ العَلّامَةِ لِلْحَقِّ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ وهو الكَلِمَةُ الإلَهِيَّةُ، وعَلى هَذِهِ السَّبْعَةِ الدَّوّارَةِ يَدُورُ فَلَكُ البَحْثِ، فَنَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في المَشْهُودِ مِنَ الأيّامِ المَحْسُوسَةِ: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ ﴾ وأبانَ عَنْ حَقِيقَتَيْنِ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ بَعْدَ هَذا فَقالَ في آيَةِ: ﴿ وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ فَهَذِهِ أنْبَأتْ أنَّ اللَّيْلَ أصْلٌ والنَّهارُ كانَ غَيْبًا فِيهِ ثُمَّ سُلِخَ، ولَيْسَ مَعْنى السَّلْخِ مَعْنى التَّكْوِيرِ فَلا بُدَّ أنْ يُعْرَفَ لَيْلُ كُلِّ نَهارٍ مِن غَيْرِهِ حَتّى يُنْسَبَ كُلُّ ثَوْبٍ إلى لابِسِهِ ويُرَدُّ كُلُّ فَرْعٍ إلى أصْلِهِ، ويَلْحَقُ كُلُّ اِبْنٍ بِأبِيهِ، وقالَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كاشِفًا عَنْ حَقِيقَةٍ أُخْرى: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ فَجَعَلَ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ نِكاحًا مَعْنَوِيًّا لَمّا كانَتِ الأشْياءُ تَتَوَلَّدُ مِنهُما مَعًا وأكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ ولِهَذا كانَ كُلٌّ مِنهُما مُولِجًا ومُولَجًا فِيهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ أصْلٌ وبَعْلٌ فَكُلَّما تَوَلَّدُ في النَّهارِ فَأُمُّهُ النَّهارُ وأبُوهُ اللَّيْلُ وكُلَّما تَوَلَّدَ في اللَّيْلِ فَأُمُّهُ اللَّيْلُ وأبُوهُ النَّهارُ، فَلَيْسَ إذًا حُكْمُ الإيلاجِ حُكْمَ السَّلْخِ، فَإنَّ السَّلْخَ إنَّما هو في وقْتِ أنْ يَرْجِعَ النَّهارُ مِن كَوْنِهِ مُولِجًا ومُولَجًا فِيهِ، واللَّيْلُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ السَّلْخَ الواحِدَ ولَمْ يَذْكُرِ السَّلْخَ الآخَرَ مِن أجْلِ الظّاهِرِ والباطِنِ والغَيْبِ والشَّهادَةِ والرُّوحِ والجِسْمِ والحَرْفِ والمَعْنى وشِبْهِ ذَلِكَ، فالإيلاجُ رُوحٌ كُلُّهُ والتَّكْوِيرُ جِسْمُ هَذا الرُّوحِ الإيلاجِيِّ، ولِهَذا كَرَّرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ في الإيلاجِ كَما كَرَّرَهُما في التَّكْوِيرِ هَذا في عالَمِ الجِسْمِ وهَذا في عالَمِ الرُّوحِ، فَتَكْوِيرُ النَّهارِ لِإيلاجِ اللَّيْلِ وتَكْوِيرُ اللَّيْلِ لِإيلاجِ النَّهارِ، وجاءَ السَّلْخُ واحِدًا لِلظّاهِرِ لِأرْبابِهِ.

وقَدِ اِخْتَلَفَ العَجَمُ والعَرَبُ في أصالَةِ، أيُّ المُكَوَّرَيْنِ عَلى الآخَرِ، فالعَجَمُ يُقَدِّمُونَ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وزَمانُهم شَمْسِيٌّ فَلَيْلَةُ السَّبْتِ عِنْدَهم مَثَلًا اللَّيْلَةُ الَّتِي تَكُونُ صَبِيحَتُها يَوْمَ الأحَدِ وهَكَذا، والعَرَبُ يُقَدِّمُونَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ وزَمانُهم قَمَرِيٌّ ﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ فَلَيْلَةُ الجُمْعَةِ عِنْدَهم مَثَلًا هي اللَّيْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صَبِيحَتُها يَوْمَ الجُمْعَةِ وهم أقْرَبُ مِنَ العَجَمِ إلى العِلْمِ فَإنَّهُ يُعَضِّدُهُمُ السَّلْخُ في هَذا النَّظَرِ غَيْرَ أنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا الحُكْمَ فَنَسَبُوا اللَّيْلَةَ إلى غَيْرِ يَوْمِها كَما فَعَلَ أصْحابُ الشَّمْسِ وذَلِكَ لِأنَّ عَوامَّهم لا يَعْرِفُونَ إلّا أيّامَ التَّكْوِيرِ، والعارِفُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ ووَرَثَةِ الأنْبِياءِ يَعْلَمُونَ ما وراءَ ذَلِكَ مِن أيّامِ السَّلْخِ وأيّامِ الإيلاجِ الشَّأْنِيِّ.

ولَمّا كانَتِ الأيّامُ شَيْئًا وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهم ظاهِرٌ وباطِنٌ وغَيْبٌ وشَهادَةٌ ورُوحٌ وجِسْمٌ ومُلْكٌ ومَلَكُوتٌ ولَطِيفٌ وكَثِيفٌ، قالُوا: إنَّ اليَوْمَ نَهارٌ ولَيْلٌ في مُقابَلَةِ باطِنٍ وظاهِرٍ، والأيّامُ سَبْعَةٌ، ولِكُلِّ يَوْمٍ نَهارٌ ولَيْلٌ مِن جِنْسِهِ، والنَّهارُ ظِلُّ ذَلِكَ اللَّيْلِ وعَلى صُورَتِهِ لِأنَّهُ أصْلُهُ المُدْرَجُ هو فِيهِ المُنْسَلِخُ هو مِنهُ بِالنَّفْخَةِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ أطْلَقَ سُبْحانَهُ في آيَةِ السَّلْخِ ولَمْ يُبَيِّنْ أيَّ نَهارٍ سُلِخَ مِن أيَّةِ لَيْلَةٍ ولَمْ يَقُلْ لَيْلَةَ كَذا سَلَخَ مِنها نَهارَ كَذا لِيَعْقِلُها مَن ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى رُشْدَهُ فَيَنالُ فَصْلَ الخِطابِ، فَعَلى المَفْهُومِ مِنَ اللِّسانِ العَرَبِيِّ بِالحِسابِ القَمَرِيِّ، أيْ لَيْلَةُ الأحَدِ سَلَخَ اللَّهُ تَعالى مِنها نَهارَ الأرْبِعاءِ وسَلَخَ مِن لَيْلَةِ الإثْنَيْنِ نَهارَ الخَمِيسِ، ومِن لَيْلَةِ الثُّلاثاءِ نَهارَ الجُمْعَةِ، ومِن لَيْلَةِ الأرْبِعاءِ نَهارَ السَّبْتِ، ومِن لَيْلَةِ الخَمِيسِ نَهارَ الأحَدِ، ومِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ نَهارَ الإثْنَيْنِ، ومِن لَيْلَةِ السَّبْتِ نَهارَ الثُّلاثاءِ، فَجَعَلَ سُبْحانَهُ بَيْنَ كُلِّ لَيْلَةٍ ونَهارِها المَسْلُوخِ مِنها ثَلاثَ لَيالٍ وثَلاثَةَ نَهاراتٍ فَكانَتْ سِتَّةً وهي نَشْأتُكَ ذاتُ الجِهاتِ، فاللَّيالِي مِنها لِلتَّحْتِ والشَّمالِ والخَلْفِ، والنَّهاراتُ مِنها لِلْفَوْقِ واليَمِينِ والأمامِ، فَلا يَكُونُ الإنْسانُ نَهارًا ونُورًا تُشْرِقُ شَمْسُهُ وتُشْرِقُ بِهِ أرْضُهُ حَتّى يَنْسَلِخَ مِن لَيْلِ شَهْوَتِهِ ولا يُقْبَلُ عَلى مَن لا يَقْبَلُ الجِهاتِ حَتّى يَبْعُدَ عَنْ جِهاتِ هَيْكَلِهِ، وإنَّما نَسَبُوا هَذِهِ النِّسْبَةَ مِن جِهَةِ الِاشْتِراكِ في الشَّأْنِ الظّاهِرِ لِسَتْرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ عَلى يَدِ المُوكَلِينَ بِالسّاعاتِ، وفي اليَوْمِ الإيلاجِيِّ الشَّأْنِيِّ يَعْتَبِرُونَ لَيْلًا ونَهارًا أيْضًا وهو عِنْدَهم أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ساعَةً قَدِ اِتَّحَدَ فِيها الشَّأْنُ فَلَمْ يَنْبَعِثْ فِيها إلّا مَعْنًى واحِدٌ ويَتَنَوَّعْ في المَوْجُوداتِ بِحَسَبِ اِسْتِعْداداتِها، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ ولَمْ يَقُلْ في شُؤُونٍ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ الظّاهِرِ بِاخْتِلافِ القَوابِلِ وتَكَثُّرِ الأشْخاصِ، فَإذا ساعاتُ ذَلِكَ اليَوْمِ تَحْتَ حُكْمٍ واحِدٍ ونَظَرٍ والٍ واحِدٍ قَدْ ولّاهُ مَن لا يَكُونُ في مُلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ، وتَوَلّاهُ وخَصَّهُ بِتِلْكَ الحَرَكَةِ وجَعَلَهُ أمِيرًا في ذَلِكَ، والمُتَصَرِّفُ الحَقِيقِيُّ هو اللَّهُ تَعالى لا هو مِن حَيْثُ هُوَ، فاليَوْمُ الشَّأْنِيُّ ما كانَتْ ساعاتُهُ كُلُّها سَواءً، ومَتى اِخْتَلَفَتْ فَلَيْسَ بِيَوْمٍ واحِدٍ ولا يُوجَدُ هَذا في أيّامِ التَّكْوِيرِ وكَذا في أيّامِ السَّلْخِ إلّا قَلِيلًا فَطَلَبْنا ذَلِكَ في الأيّامِ الإيلاجِيَّةِ فَوَجَدْناهُ مُسْتَوْفًى فِيهِ، وقَدْ أرْسَلَ سُبْحانَهُ آيَةَ الإيلاجِ ولَمْ يَقُلْ: يُولِجُ اللَّيْلَ الَّذِي صَبِيحَتُهُ الأحَدُ في الأحَدِ ولا النَّهارَ الَّذِي مَساؤُهُ لَيْلَةُ الإثْنَيْنِ في الإثْنَيْنِ فَإذًا لا يُلْتَزَمُ أنَّ لَيْلَةَ الأحَدِ هي لَيْلَةُ الكُوَرِ ولا لَيْلَةُ السَّلْخِ، وإنَّما يُطْلَبُ وحْدانِيَّةُ اليَوْمِ مِن أجْلِ أحَدِيَّةِ الشَّأْنِ، فَلا يُنْظَرُ إلّا إلى اِتِّحادِ السّاعاتِ، والحاكِمُ المَوْلى مِن قِبَلِ المَوْلى فَلَيْلَةُ الأحَدِ الإيلاجِيِّ مُرَكَّبَةٌ مِنَ السّاعَةِ الأُولى مِن لَيْلَةِ الخَمِيسِ، والثّانِيَةِ مِنها، والثّالِثَةِ مِن يَوْمِ الخَمِيسِ، والعاشِرَةِ مِنها، والخامِسَةِ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، والثّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنها، والسّابِعَةِ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ، والثّامِنَةِ مِن لَيْلَةِ السَّبْتِ، والتّاسِعَةِ مِنها، والرّابِعَةِ مِن يَوْمِ السَّبْتِ، واَلْحادِيَةَ عَشْرَةَ مِنهُ، والسّادِسَةِ مِن لَيْلَةِ الأحَدِ، فَهَذِهِ ساعاتُ لَيْلِهِ.

وأمّا ساعاتُ نَهارِهِ مِن أيّامِ التَّكْوِيرِ فالأُولى مِن يَوْمِ الأحَدِ، والثّامِنَةُ والثّالِثَةُ مِن يَوْمِ الإثْنَيْنِ، والعاشِرَةُ مِنهُ، والخامِسَةُ مِن يَوْمِ الإثْنَيْنِ، والثّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنهُ، والسّابِعَةُ مِن لَيْلَةِ الثُّلاثاءِ، والثّانِيَةُ مِن يَوْمِ الثُّلاثاءِ، والتّاسِعَةُ مِنهُ، والرّابِعَةُ مِن لَيْلَةِ الأرْبِعاءِ، واَلْحادِيَةَ عَشْرَةَ مِنها، والسّادِسَةُ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءَ، فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ساعَةً ظاهِرَةً كالشَّمْسِ لِيَوْمِ الأحَدِ الإيلاجِيِّ الشَّأْنِيِّ كُلُّها كَنَفْسً واحِدَةٍ لِأنَّها مِن مَعْدِنٍ واحِدٍ، وهَكَذا تَقُولُ في سائِرِ الأيّامِ حَتّى تَكْمُلَ سَبْعَةَ أيّامٍ مُتَمَيِّزَةٍ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، مُولَجَةٌ بَعْضُها في بَعْضٍ، نَهارُها في لَيْلِها، ولَيْلُها في نَهارِها لِحِكْمَةِ التَّوالُدِ والتَّناسُلِ، وذَلِكَ كَسَرَيانِ الحُكْمِ الواحِدِ في الأيّامِ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن أيّامِ التَّكْوِيرِ.

وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ الشَّأْنَ في كُلِّ يَوْمٍ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ «بِالشَّأْنِ الإلَهِيِّ»، ولَعَلِّي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ وهَذِهِ الأيّامُ أيْضًا غَيْرُ يَوْمِ المَثَلِ، وهو عُمْرُ الدُّنْيا، ويَوْمُ الرَّبِّ، ويَوْمُ المَعارِجِ، ويَوْمُ القَمَرِ، ويَوْمُ الشَّمْسِ، ويَوْمُ زُحَلَ، ويَوْمُ الحَمَلِ، ولِكُلِّ كَوْكَبٍ مِنَ السَّيّاراتِ والبُرُوجِ يَوْمٌ، وقَدْ ذُكِرَ كُلُّ ذَلِكَ في «اَلْفُتُوحاتِ»، وإنَّما تَعَرَّضْنا لِهَذا المِقْدارِ وإنَّ كانَ الِاسْتِقْصاءُ في بَيانِ مَشْرَبِ القَوْمِ لَيْسَ بِدَعًا في هَذا الكِتابِ تَعْلِيمًا لِبَعْضِ طَلَبَةِ العِلْمِ ما اللَّيْلُ والنَّهارُ إذْ قَدْ ظَنُّوا لِجَهْلِهِمْ بِسَبَبِ بَحْثٍ جَرى بِنا الظُّنُونَ، وفي هَذا كِفايَةٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ فَحَمْدًا لَكَ اللَّهُمَّ عَلى ما عَلَّمْتَ ولَكَ الشُّكْرُ عَلى ما أنْعَمْتَ.

﴿ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ أيْ تَكُونُ الحَيَواناتُ مِن مَوادِّها أوْ مِنَ النُّطْفَةِ، وعَلَيْهِ اِبْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وخَلْقٌ كَثِيرٌ ﴿ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ أيِ النُّطْفَةِ مِنَ الحَيَواناتِ، كَما قالَ عامَّةُ السَّلَفِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ فَقَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ، فَقالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وقَبَضَ بِالأُخْرى قَبْضَةً فَجاءَ فِيها كُلُّ رَدِيءٍ، فَقالَ هَؤُلاءِ أهْلُ النّارِ ولا أُبالِي، فَخَلَطَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ فَيُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ والمُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ“ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ الآيَةَ،» وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ ورُوِيَ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ، فالحَيُّ والمَيِّتُ مَجازِيّانِ، وعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ الأُولى لا يَخْفى، والقائِلُونَ بِعُمُومِ المَجازِ قالُوا: المُرادُ تُخْرِجُ الحَيَواناتِ مِنَ النُّطَفِ، والنُّطَفَ مِنَ الحَيَواناتِ، والنَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ، والنَّواةَ مِنَ النَّخْلَةِ، والطَّيِّبَ مِنَ الخَبِيثِ، والخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، والعالِمَ مِنَ الجاهِلِ، والجاهِلَ مِنَ العالِمِ، والذَّكِيَّ مِنَ البَلِيدِ، والبَلِيدَ مِنَ الذَّكِيِّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

ولا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنْ يَكُونَ إخْراجُ كُلِّ حَيٍّ مِن مَيِّتٍ وكُلِّ مَيِّتٍ مِن حَيٍّ لِيَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ في جانِبِ المُبْدِئِ إذْ غايَةُ ما تُفْهِمُهُ الآيَةُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى هَذِهِ الصِّفَةَ، وأمّا أنَّهُ لا يَخْلُقُ شَيْئًا إلّا مِن شَيْءٍ فَلا، كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ المَيْتِ بِالتَّخْفِيفِ في المَوْضِعَيْنِ.

﴿ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ  ﴾ الظَّرْفُ في مَحَلِّ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ تَرْزُقُ مَن تَشاءُ غَيْرَ مُحاسِبٍ لَهُ، أوْ مِنَ الفاعِلِ، أيْ تَرْزُقُهُ غَيْرَ مُحاسِبٍ لَهُ، أوْ غَيْرَ مُضَيِّقٍ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ أيْ رِزْقًا غَيْرَ قَلِيلٍ، وفي ذِكْرِ هَذِهِ الأفْعالِ العَظِيمَةِ الَّتِي تُحَيِّرُ العُقُولَ ونِسْبَتِها إلَيْهِ تَعالى دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهم ويُؤْتِيَهُ العَرَبَ ويُعِزَّهُمْ، بَلْ هو أهْوَنُ عَلَيْهِ مِن كُلِّ هَيِّنٍ.

هَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُشِيرُ إلى فَضْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «”شَكَوْتُ إلى النَّبِيِّ  دَيْنًا كانَ عَلَيَّ فَقالَ: يا مُعاذُ أتُحِبُّ أنْ يُقْضى دَيْنُكَ؟

قُلْتُ: نَعَمْ قالَ: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكِ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُهُما تُعْطِي مِنهُما مَن تَشاءُ وتَمْنَعُ مِنهُما مَن تَشاءُ اِقْضِ عَنِّي دَيْنِي فَلَوْ كانَ عَلَيْكَ مَلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أدّى عَنْكَ“،» وفي رِوايَةٍ لِلطَّبَرانِيِّ، الآيَةَ بِتَمامِها.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ أيْ أبانَ بِدَلائِلِ الآفاقِ والأنْفُسِ أنَّهُ لا إلَهَ في الوُجُودِ سِواهُ، أوْ شَهِدَ بِذاتِهِ في مَقامِ الجَمْعِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، حَيْثُ لا شاهِدَ ولا مَشْهُودَ غَيْرُهُ، وشَهِدَ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ بِذَلِكَ وهي شَهادَةُ مَظاهِرِهِ سُبْحانَهُ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، ومِنَ القَوْمِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الشَّهادَتَيْنِ بِأنَّ شَهادَةَ المَلائِكَةِ مِن حَيْثُ اليَقِينُ وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ مِن حَيْثُ المُشاهَدَةَ، وأيْضًا قالُوا: شَهادَةُ المَلائِكَةِ مِن رُؤْيَةِ الأفْعالِ وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ مِن رُؤْيَةِ الصِّفاتِ، وقِيلَ: شَهادَةُ المَلائِكَةِ مِن رُؤْيَةِ العَظَمَةِ، ولِذا يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الخَوْفُ، وشَهادَةُ العُلَماءِ مِن رُؤْيَةِ الجَمالِ، ولِذا يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الرَّجاءُ، وشَهادَةُ العُلَماءِ مُتَفاوِتَةٌ فَشَهادَةُ بَعْضٍ مِنَ الحالاتِ، وشَهادَةُ آخَرِينَ مِنَ المَقاماتِ، وشَهادَةُ طائِفَةٍ مِنَ المُكاشَفاتِ، وشَهادَةُ فِرْقَةٍ مِنَ المُشاهَداتِ؛ وخَواصُّ أهْلِ العِلْمِ يَشْهَدُونَ بِهِ لَهُ بِنَعْتِ إدْراكِ القِدَمِ وبُرُوزِ نُورِ التَّوْحِيدِ مِن جَمالِ الوَحْدانِيَّةِ، فَشَهادَتُهم مُسْتَغْرِقَةٌ في شَهادَةِ الحَقِّ لِأنَّهم في مَحَلِّ المَحْوِ ﴿ قائِمًا بِالقِسْطِ ﴾ أيْ مُقِيمًا لِلْعَدْلِ بِإعْطاءِ كُلٍّ مِنَ الظُّهُورِ ما هو لَهُ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ فَيَتَجَلّى عَلَيْهِ عَلى قَدْرِ دُعائِهِ ﴿ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ ﴾ فَلا يَصِلُ أحَدٌ إلى مَعْرِفَةِ كُنْهِهِ وكُنْهِ مَعْرِفَتِهِ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي يُدَبِّرُ كُلَّ شَيْءٍ فَيُعْطِيهِ مِن مَراتِبِ التَّوْحِيدِ ما يُطِيقُ.

﴿ إنَّ الدِّينَ ﴾ المَرْضِيَّ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ﴾ وهو المَقامُ الإبْراهِيمِيُّ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أسْلَمْتُ وجْهِيَ ﴾ أيْ نَفْسِي وجُمْلَتِي وانْخَلَعْتُ عَنْ آنِيَتِي لِلَّهِ تَعالى فَفَنِيتُ فِيهِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ عَنِ الدِّينِ والسّاتِرُونَ لِلْحَقِّ بِالمَيْلِ مَعَ الشَّهَواتِ ﴿ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ ﴾ الدّاعِينَ إلى التَّوْحِيدِ وهُمُ العِبادُ والواصِلُونَ الكامِلُونَ ﴿ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ ﴾ وهو نَفْيُ الأغْيارِ وقَصْرُ الوُجُودِ الحَقِّ عَلى اللَّهِ تَعالى ﴿ مِنَ النّاسِ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ بِاَلَّذِينِ كَفَرُوا إلى قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ وبِالنَّبِيِّينَ إلى أنْبِياءِ القُلُوبِ المُشْرِفَةِ بِوَحْيِ إلْهامِ الغُيُوبِ، وبِالآمِرِينَ بِالقِسْطِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي مِن جُنُودِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمْ، فَبَشِّرْ أُولَئِكَ الكافِرِينَ ﴿ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وهو عَذابِ الحِجابِ والبُعْدِ عَنْ حَضْرَةِ رَبِّ الأرْبابِ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ ﴾ أيْ بَطَلَتْ وانْحَطَّتْ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ ﴿ أعْمالُهُمْ ﴾ لِعَدَمِ شَرْطِها وهو التَّوْحِيدُ ﴿ فِي الدُّنْيا ﴾ وهي عالَمُ الشَّهادَةِ ﴿ والآخِرَةِ ﴾ وهي عالَمُ الغَيْبِ ﴿ وما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ لِسُوءِ حَظِّهِمْ وقِلَّةِ اِسْتِعْدادِهِمْ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ ﴾ كَعُلَماءِ السُّوءِ وأحْبارِ الضَّلالِ ﴿ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ ﴾ النّاطِقِ بِمَقامِ الجَمْعِ والفَرْقِ ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ وبَيْنَ المُوَحِّدِينَ.

﴿ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ ﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ لِفَرْطِ حِجابِهِمْ واغْتِرارِهِمْ بِما أُوتُوا ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ ﴾ نارُ البُعْدِ ﴿ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ ﴾ أيْ قَلِيلَةً يَسِيرَةً ﴿ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ﴾ الَّذِي هم عَلَيْهِ ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ القَضايا والأقْيِسَةِ الَّتِي جاءَتْ بِها عُقُولُهُمُ المَشُوبَةُ بِظُلُماتِ الوَهْمِ والخَيالِ.

﴿ فَكَيْفَ ﴾ يَكُونُ حالُهم ﴿ إذا جَمَعْناهُمْ ﴾ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ في صَحْراءِ الشُّكُوكِ وتَمْزِيقِ سِباعِ الأوْهامِ لَهم ﴿ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ الكُبْرى الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الحَقُّ لِمُنْكِرِهِ، ﴿ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ صالِحَةٍ وطالِحَةٍ ﴿ ما كَسَبَتْ ﴾ بِواسِطَةِ اِسْتِعْدادِها ﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ جَزاءَ ذَلِكَ.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ أيِ المُلْكِ المُتَصَرِّفِ في مَظاهِرِكِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ ولا مُدافِعٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ ﴾ وهو مَنِ اِخْتَرْتَهُ لِلرِّياسَةِ الباطِنَةِ وجَعَلْتَهُ مُتَصَرِّفًا بِإرادَتِكَ وقُدْرَتِكَ ﴿ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ﴾ بِأنْ تَنْقُلَهُ إلى غَيْرِهِ بِاسْتِيفاءِ مُدَّةِ إقامَتِهِ في عالَمِ الأجْسامِ وتَكْمِيلِ النَّشْأةِ، أوْ تَحْرِمَ مَن تَشاءُ عَنْ إيتاءِ ذَلِكَ المُلْكِ لِظُلْمِهِ المانِعِ لَهُ مِن أنْ يَنالَ عَهْدَكَ أوْ يُمْنَحَ رِفْدَكَ ﴿ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ ﴾ بِإلْقاءِ نُورٍ مِن أنْوارِ عِزَّتِكَ عَلَيْهِ، فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴿ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ ﴾ بِسَلْبِ لِباسِ عِزَّتِكَ عَنْهُ فَيَبْقى ذَلِيلًا ﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ ﴾ كُلُّهُ وأنْتَ القادِرُ مُطْلَقًا تُعْطِي عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِكَ وتَتَجَلّى طِبْقَ إرادَتِكَ وتَمْنَحُ بِقَدْرِ قابِلِيَّةِ مَظاهِرِكَ.

﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ﴾ تُدْخِلُ ظُلْمَةَ النَّفْسِ في نُورِ القَلْبِ فَيُظْلِمُ ﴿ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ ﴾ وتُدْخِلُ نُورَ القَلْبِ في ظُلْمَةِ النَّفْسِ فَتَسْتَنِيرُ وتَخْلِطُهُما مَعًا مَعَ بُعْدِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما ﴿ وتُخْرِجُ ﴾ حَيَّ القَلْبِ مِن مَيِّتِ النَّفْسِ ومَيِّتَ النَّفْسِ مِن حَيِّ القَلْبِ، أوْ تُخْرِجُ حَيَّ العِلْمِ مِن مَيِّتِ الجَهْلِ ومَيِّتَ الجَهْلِ مِن حَيِّ العِلْمِ ﴿ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ ﴾ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ أوْ مِن إحْداهُما فَقَطْ ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ إذْ لا حَجْرَ عَلَيْكَ.

هَذا ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ إعْطاءَ المُلْكِ والإعْزازِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، نَبَّهَ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوالُوا أعْداءَ اللَّهِ تَعالى لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ جاهِلِيَّةٍ أوْ نَحْوِهِما، أوْ أنْ لا يَسْتَظْهِرُوا بِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى هو المُعِزُّ والقادِرُ المُطْلَقُ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في شأن المنافقين، وذلك أن رسول الله  لما فتح مكة قال عبد الله بن أبي رأس المنافقين: إن محمداً يتمنى أن ينال ملك فارس والروم وأنَّى له ذلك؟

فنزلت هذه الآية.

وقال بعضهم سأل النبي  ربه، أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته، فعلمه الله بأن يدعو بهذا الدعاء، وهو قول مقاتل وقال بعضهم: إن النبيّ  لما أمر بحفر الخندق، فظهر في الخندق صخرة عجزوا عن حفرها، فأخذ النبيّ  المعول، وضرب ضربة، فظهر من تلك الصخرة نور فقال له سلمان: رأيت شيئاً عجيباً.

فقال له النبي: «هَلْ رَأَيْتَ ذلك» ؟

قال: نعم.

فقال: رأيت في ذلك النور قصور أهل الشام، ثم ضرب ضربة أخرى، فظهر أيضاً كذلك.

فقال: رأيت قصور أهل فارس.

فقال رسول الله  : «سَيَظْهَرُ لأُمَّتِي مُلْكُ الشَّامِ، وَمُلْكُ فَارِسَ» .

فقال المنافقون: إن محمداً لا يأمن على نفسه، واضطر إلى حفر الخندق، فكيف يتمنى ملك الشام وفارس، فنزلت هذه الآية.

وقال بعضهم إن مشركي مكة قالوا: إن فارس والروم يبيتان في الحرير والديباج، فلو كان هو نبياً، كيف ينام على الحصير؟

فنزلت هذه الآية قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وأصل اللهم في اللغة يا الله أمنا بخير، أي اقْصِدْنا بالرحمة، ولكن لما كثر استعمال هذا اللفظ في الناس صارت الكلمتان ككلمة واحدة.

فقال: اللَّهُمَّ، يعني اللهم يا مالك الملك، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ يعني تؤتي محمدا  ومن تبعه وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ من فارس والروم وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ يعني أهل الإسلام وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ يعني أهل الشرك والطغيان بِيَدِكَ الْخَيْرُ يعني النصرة والغنيمة والعز إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الذل والعز وقال الضحاك: تؤتي الملك من تشاء، يعني الإسلام، وتعز من تشاء بالإسلام، وتذل من تشاء بالشرك، بيدك الخير، يعني الهداية والسعادة، إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قدير.

وقال الزَّجَّاج: تؤتى الملك من تشاء، معناه تولي الملك من تشاء أن تؤتيه، وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه، إلا أنه حذف الهاء، لأن في الكلام دليلاً عليه.

قال مقاتل: وقد قيل في الملك قولان: أحدهما هو المال والعبيد، والآخر من جهة الغلبة بالدين ثم قال تعالى تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني ما نقص من الليل دخل في النهار، حتى يبلغ خمسة عشرة ساعة هو أطول ما يكون، والليل تسع ساعات، وهو أقصر ما يكون وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعني أن ما نقص من النهار دخل في الليل، حتى يصير الليل خمس عشرة ساعة، والنهار تسع ساعات.

وهو قول الكلبي.

ويقال: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أي تذهب بالليل، وتجيء بالنهار، وتذهب بالنهار، وتجيء بالليل، هكذا إلى أن تقوم الساعة.

ثم قال وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ فقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص المَيِّت بالتشديد، والباقون المَيْت بالتخفيف، وهما لغتان ومعناهما واحد.

قال الكلبي: يعني تخرج البيضة، وهي ميتة من الطير، وهو حي، وتخرج الطير الحي من البيضة الميتة، وتخرج النطفة، وهي ميتة من الإنسان الحي، وتخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة، وتخرج الحبة من السنبلة إلى آخره.

وقال الحسن البصري: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.

ويقال: يخرج الجاهل من العالم، ويخرج العالم من الجاهل.

وروى معمر عن الزهري أن رسول الله  دخل على بعض نسائه، فإذا بامرأة حسنة الهيئة فقال: «مَنْ هذه؟» قالوا إحدى خالاتك.

قال: «وَمَنْ هِيَ؟» قالوا هي خالدة بنت الأَسْوَد بن عَبْد يغوث.

فقال رسول الله  : «سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ» ، وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافراً.

ثم قال تعالى: وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ يعني من غير أن تحاسب في الإعطاء، فكأنه يقول: ليس فوقه من يحاسبه في الإعطاء.

كما قال تعالى: لاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: 23] ويقال: من غير أن يحاسبه في الإعطاء.

ويقال: بغير تقتير.

ويقال: بغير حساب كما قال وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يحتسب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأمته، على جهة التوقيفِ والتعجيب: فكيف حالُ هؤلاءِ المغترِّين بالأباطيل، إِذا حشروا يوم القيامة، واضمحلت تلك الزخارفُ والدعاوى، وجوَّزوا بما اكتسبوه مِنْ كفرهم، وأعمالهم القبيحة، قال ابن عطيَّة: والصحيحُ في يوم القيامةِ أنَّه يَوْمٌ لأنَّ قبله ليلةٌ، وفيه شَمْسٌ «١» ، وقال النقَّاش: المراد باليوم الوقت.

قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)

وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ...

الآية: هو سبحانه وتعالى مالكُ الملكِ كلِّه مطلقاً في جميع أنواعه، وأشرفُ ملكٍ يؤتيه عباده سعادةُ الآخرة، رُوِيَ أنَّ الآية نزلَتْ بسبب أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشَّر أُمَّتَه بفتح مُلْك فارس وغيره، فقالَتِ اليهودُ والمنافقُونَ: هَيْهَاتَ، وكذَّبوا بذلك.

ومذهب البصريِّين أن الأصل في «اللَّهُمَّ» : يَا أَللَّهُ، فعوِّض من ياء النداءِ ميماً مشدَّدة.

و «مالك» : نصْبٌ على النداء، وخص تعالى الخَيْر بالذكْر، وهو تعالى بيده كلُّ شيء إِذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكأنَّ المعنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فأجزِلْ حظِّي منه، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتاب «التِّرْمذيِّ» وغيره، عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (رضي اللَّه عنه) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم/ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ» «٢» ، ورواه الحاكمُ أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» من طرق كثيرةٍ، وزاد فيه في بعْضِ طرقه: «وبنى لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ» قال الحاكمُ: وفي الباب، عن جابر،

وأبي هريرة، وبُرَيْدَة الأسلميِّ.

اهـ من «الحلية» «١» .

وقال ابن عبَّاس وغيره في معنى قوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ...

الآية: إنه ما ينتقصُ من النهار، فيزيد في الليل، وما ينتقصُ من الليلِ، فيزيدُ في النَّهار دَأَباً كلَّ فَصْلٍ من السنة «٢» ، وتحتملُ ألفاظُ الآية أنْ يدخل فيها تعاقُبُ الليلِ والنهارِ كأن زوالَ أحدهما وُلُوجٌ في الآخر.

واختلف في معنى قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ...

الآيةَ:

فقال الحسَنُ: معناهُ: يُخْرِجُ المؤمِنَ من الكافر، والكافِرَ من المؤمن «٣» ، وروي نحْوَه، عن سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ «٤» ، وروى الزُّهْرِيُّ، أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا سَمِعَ نَغْمَةَ «٥» خَالِدَةَ بِنْتِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ» فأُخْبِرَ بِهَا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ» ، وكَانَتِ امرأة صَالِحَةً، وكَانَ أَبُوهَا كَافِراً «٦» ، والمرادُ على هذا:

موتُ قلبِ الكافرِ، وحياةُ قَلْب المؤمن.

وذهب جمهورٌ كثيرٌ إِلى أنَّ الحياة والمَوْتَ في الآية حقيقةٌ، لا أنها استعارةٌ، ثم اختلفوا في المُثُلِ التي فسَّروا بها.

فقال ابن مسعود: هي النُّطْفة، تخْرُج من الرجُلِ، وهي ميتة، وهو حيٌّ، ويخرج الرجلُ منْها، وهي ميتة «١» .

وقال عكرمة: هو إِخراج الدَّجَاجة، وهي حية، مِن البَيْضَة، وهي ميتة، وإِخراج البيضة، وهي ميتة من الدَّجَاجة، وهي حية «٢» .

وروى السُّدِّيُّ، عن أبي مالكٍ، قال: هي الحبَّة تَخْرُجُ من السنبلةِ، والسنبلةُ تخرجُ من الحبَّة، وكذلك النَّوَاة «٣» .

وقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ...

الآية: هذا النهْيُ عن الاِتخاذِ، إِنما هو عن إِظهار اللُّطْفِ للكفَّار، والميلِ إِليهم، فأما أنْ يتخذوا بالقَلْب، فلا يفعل ذلك مؤمن، ولفظ الآية عامٌّ في جميع الأعصار.

واختلف في سَبَب نزولها، فقال ابنُ عَبَّاس: في كَعْبِ بْنِ الأَشْرَف وغيره، قد بطنوا بنَفَرٍ من الأنصار، ليفتنُوهم عن دِينِهِمْ، فنزلَتْ في ذلك الآيةُ «٤» ، وقال قومٌ: نزلَتْ في قصَّة حاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وكتابِه إلى أهْل مكَّة «٥» ، والآيةُ عامَّة في جميع هذا.

وقوله تعالى: فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ: معناه: في شيءٍ مَرْضِيٍّ كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» «٦» ، ثم أباح سبحانه إِظهار اتخاذهم بشرط الاِتقاءِ، فأما إِبطانه، فلا يصحُّ أن يتصف به مؤمنٌ في حالٍ.

وقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ ...

إلى آخر الآية: وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ﴾ أيْ: تُدْخِلُ ما نَقَصْتَ مِن هَذا في هَذا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: ما يَنْقُصُ مِن أحَدِهِما يَدْخُلُ في الآَخَرِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ولَجَ الشَّيْءَ يَلِجُ وُلُوجًا ووَلَجًا ووَلْجَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ) و ﴿ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ  ﴾ ، و ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا  ﴾ ، و ﴿ وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً  ﴾ ، و ﴿ الأرْضُ المَيْتَةُ  ﴾ : كُلُّهُ بِالتَّخْفِيفِ.

وقَرَأ نافِعٌ: وحَمْزَةُ: والكِسائِيُّ: (وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ) و(لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) و(إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ) وخَفَّفَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ غَيْرَ هَذِهِ الحُرُوفِ.

وقَرَأ نافِعٌ (أوَمَن كانَ مَيْتًا) و(الأرْضُ المَيْتَةُ) و(لَحْمُ أخِيهِ مَيْتًا) [ الحُجُراتِ: ١٢ ] وخَفَّفَ في سائِرِ القُرْآَنِ ما لَمْ يَمُتْ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الأصْلُ التَّثْقِيلُ، والمُخَفَّفُ مَحْذُوفٌ مِنهُ، وما ماتَ، وما لَمْ يَمُتْ في هَذا البابِ مُسْتَوَيانِ في الِاسْتِعْمالِ وأنْشَدُوا: ومَنهَلٌ فِيهِ الغُرابُ مَيِّتٌ سَقَيْتُ مِنهُ القَوْمَ واسْتَقَيْتُ فَهَذا قَدْ ماتَ وقالَ آَخَرُ: لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ فَخَفَّفَ ما ماتَ، وشَدَّدَ ما لَمْ يَمُتْ.

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ  ﴾ .

ثُمَّ في مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إخْراجُ الإنْسانِ حَيّا مِنَ النُّطْفَةِ، وهي مَيِّتَةٌ.

وإخْراجُ النُّطْفَةِ مِنَ الإنْسانِ، وكَذَلِكَ إخْراجُ الفَرْخِ مِنَ البَيْضَةِ، وإخْراجُ البَيْضَةِ مِنَ الطّائِرِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ إخْراجُ المُؤْمِنِ الحَيِّ بِالإيمانِ مِنَ الكافِرِ المَيِّتِ بِالكُفْرِ، وإخْراجِ الكافِرِ المَيِّتِ بِالكُفْرِ مِنَ المُؤْمِنِ الحَيِّ بِالإيمانِ، رَوى نَحْوَ هَذا الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إخْراجُ السُّنْبُلَةِ الحَيَّةِ مِنَ الحَبَّةِ المَيِّتَةِ، والنَّخْلَةُ الحَيَّةُ مِنَ النَّواةِ المَيِّتَةِ، والنَّواةِ المَيِّتَةِ مِنَ النَّخْلَةِ الحَيَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ، والحَبُّ اليابِسُ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ النّامِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: لِلَّذِي يُنْفِقُ مُوسِعًا: فُلانٌ يُنْفِقُ بِغَيْرِ حِسابٍ، كَأنَّهُ لا يَحْسَبُ ما أنْفَقَهُ إنْفاقًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ اللهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكِ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ وتُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ وتَرْزُقُ مِنَ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دافِعَةٌ لِباطِلِ نَصارى نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى هو اللهُ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأوصافَ تُبَيِّنُ لِكُلِّ صَحِيحِ الفِطْرَةِ؛ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها، وقالَ قَتادَةُ: "ذُكِرَ لَنا «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ في أُمَّتِهِ مُلْكَ فارِسَ والرُومِ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ في هَذِهِ الآيَةِ: النُبُوَّةُ.

والصَحِيحُ أنَّهُ مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ مُطْلَقًا في جَمِيعِ أنْواعِهِ، وأشْرَفُ مُلْكٍ يُؤْتِيهِ سَعادَةُ الآخِرَةِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بَشَّرَ أُمَّتَهُ بِفَتْحِ مُلْكِ فارِسَ وغَيْرِهِ فَقالَتِ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: هَيْهاتَ وكَذَّبُوا ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في تَرْكِيبِ لَفْظَةِ "اللهُمَّ" بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّها مَضْمُومَةُ الهاءِ مُشَدَّدَةُ المِيمِ المَفْتُوحَةِ وأنَّها مُنادى، ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّها لا تَأْتِي مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى خَبَرٍ، فَمَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الأصْلَ: "يا اللهُ"، فَلَمّا اسْتُعْمِلَتِ الكَلِمَةُ دُونَ حَرْفِ النِداءِ الَّذِي هو "يا" جَعَلُوا بَدَلَ حَرْفِ النِداءِ هَذِهِ المِيمَ المُشَدَّدَةَ، والضَمَّةُ في الهاءِ هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ، وذَهَبَ حَرْفانِ فَعُوِّضَ بِحَرْفَيْنِ.

ومَذْهَبُالفَرّاءِ والكُوفِيِّينَ أنَّ أصْلَ "اللهُمَّ" يا اللهَ أُمَّ: أيْ أُمَّ بِخَيْرٍ، وأنَّ ضَمَّةَ الهاءِ هي ضَمَّةُ الهَمْزَةِ الَّتِي كانَتْ في "أُمَّ" نُقِلَتْ.

ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ وقالَ: مُحالٌ أنْ يُتْرَكَ الضَمُّ الَّذِي هو دَلِيلٌ عَلى نِداءِ المُفْرَدِ وأنْ تُجْعَلَ في اسْمِ اللهِ ضَمَّةُ "أُمَّ"، هَذا إلْحادٌ في اسْمِ اللهِ تَعالى.

وهَذا غُلُوٌّ مِنَ الزَجّاجِ.

وقالَ أيْضًا: إنَّ هَذا الهَمْزَ الَّذِي يُطْرَحُ في الكَلامِ، فَشَأْنُهُ أنْ يُؤْتى بِهِ أحْيانًا كَما قالُوا: ويْلُمِّهِ في ويْلُ أُمِّهِ، والأكْثَرُ إثْباتُ الهَمْزَةِ، وما سُمِعَ قَطُّ يا اللهَ أُمَّ في هَذا اللَفْظِ.

وقالَ أيْضًا: ولا تَقُولُ العَرَبُ يا اللهُمَّ.

وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ حَرْفُ النِداءِ عَلى "اللهُمَّ" وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ: وما عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحْتِ أو هَلَّلْتِ ياللهُمَّ ما ارْدُدْ عَلَيْنا شَيْخَنا مُسَلَّما قالُوا: فَلَوْ كانَتِ المِيمُ عِوَضًا مِن حَرْفِ النِداءِ لَما اجْتَمَعا.

قالَ الزَجّاجُ: وهَذا شاذٌّ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ، ولا يُتْرَكُ لَهُ ما في كِتابِ اللهِ وفي جَمِيعِ دِيوانِ العَرَبِ.

قالَ الكُوفِيُّونَ: وإنَّما تُزادُ المِيمُ مُخَفَّفَةً في فَمِ وابْنَمِ ونَحْوِهِ، فَأمّا مِيمٌ مُشَدَّدَةٌ فَلا تُزادُ.

قالَ البَصْرِيُّونَ: لَمّا ذَهَبَ حَرْفانِ، عُوِّضَ بِحَرْفَيْنِ.

و"مالِكَ" نُصِبَ عَلى النِداءِ، نَصَّ سِيبَوَيْهِ "عَلى" ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ  ﴾ وقالَ: إنَّ "اللهُمَّ" لا يُوصَفُ لِأنَّهُ قَدْ ضُمَّتْ إلَيْهِ المِيمُ، قالَ الزَجّاجُ: و"مالِكَ" عِنْدِي صِفَةٌ لِاسْمِ اللهِ تَعالى، وكَذَلِكَ ( فاطِرِ السَماواتِ ) قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو مَذْهَبُ أبِي العَبّاسِ، وما قالَ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في الأسْماءِ المَوْصُوفَةِ شَيْءٌ عَلى حَدِّ "اللهُمَّ" لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ضُمَّ إلَيْهِ صَوْتٌ، والأصْواتُ لا تُوصَفُ، نَحْوَ، "غاقِ" وما أشْبَهَهُ.

وكَأنَّ حُكْمَ الِاسْمِ المُفْرَدِ أنْ لا يُوصَفَ، وإنْ كانُوا قَدْ وصَفُوهُ في مَواضِعَ، فَلَمّا ضُمَّ هُنا ما لا يُوصَفُ إلى ما كانَ قِياسُهُ ألّا يُوصَفَ صارَ بِمَنزِلَةِ صَوْتٍ ضُمَّ إلى صَوْتٍ نَحْوِ "حَيْهَلَ" فَلَمْ يُوصَفْ.

قالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، مَن قالَ: اللهُمَّ، فَقَدْ دَعا اللهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ كُلِّها، وقالَ الحَسَنُ: اللهُمَّ مَجْمَعُ الدُعاءِ.

وخَصَّ اللهُ تَعالى: "الخَيْرُ" بِالذِكْرِ وهو تَعالى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، إذِ الآيَةُ في مَعْنى دُعاءٍ وَرَغْبَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فَأجْزِلْ حَظِّي مِنهُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَرُّ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، كَما قالَ: ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ  ﴾ .

قالَ النَقّاشُ: بِيَدِكَ الخَيْرُ أيِ: النَصْرُ والغَنِيمَةُ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ أحَدِهِما.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ﴾ ....

الآيَةِ: أنَّهُ ما يَنْتَقِصُ مِنَ النَهارِ فَيَزِيدُ في اللَيْلِ، وما يَنْتَقِصُ مِنَ اللَيْلِ فَيَزِيدُ في النَهارِ، دَأبًا كُلَّ فَصْلٍ مِنَ السَنَةِ، وتَحْتَمِلُ ألْفاظُ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ فِيها تَعاقُبُ اللَيْلِ والنَهارِ كَأنَّ زَوالَ أحَدِهِما وُلُوجٌ في الآخَرِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ ....

الآيَةِ، فَقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ.

ورَوى الزُهْرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ  دَخَلَ عَلى بَعْضِ أزْواجِهِ فَإذا بِامْرَأةٍ حَسَنَةِ النَغْمَةِ فَقالَ: "مَن هَذِهِ؟

قالَتْ: إحْدى خالاتِكَ، فَقالَ: إنَّ خالاتِي بِهَذِهِ البَلْدَةِ لَغَرائِبٌ، أيُّ خالاتِي هِيَ؟

قالَتْ: خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقالَ النَبِيُّ  : سُبْحانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ"» وكانَتِ امْرَأةً صالِحَةً، وكانَ أبُوها كافِرًا وهو أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كُفِيَهُمُ النَبِيُّ  .

عَلَيْهِ السَلامُ.

فالمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ مَوْتُ قَلْبِ الكافِرِ وحَياةُ قَلْبِ المُؤْمِنِ، والحَياةُ والمَوْتُ مُسْتَعارانِ.

وذَهَبَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ في الآيَةِ إنَّما هُما الحَياةُ حَقِيقَةً والمَوْتُ حَقِيقَةً لا بِاسْتِعارَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُثُلِ الَّتِي فَسَّرُوا بِها فَقالَ عِكْرِمَةُ: هو إخْراجُ الدَجاجَةِ وهي حَيَّةٌ مِنَ البَيْضَةِ وهي مَيِّتَةٌ، وإخْراجُ البَيْضَةِ وهي مَيِّتَةٌ مِنَ الدَجاجَةِ وهي حَيَّةٌ، ولَفْظُ الإخْراجِ في هَذا المِثالِ وما ناسَبَهُ لَفْظٌ مُتَمَكِّنٌ عَلى عُرْفِ اسْتِعْمالِهِ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هي النُطْفَةُ تَخْرُجُ مِنَ الرَجُلِ وهي مَيِّتَةٌ وهو حَيٌّ، ويَخْرُجُ الرَجُلُ مِنها وهي مَيِّتَةٌ.

ولَفْظُ الإخْراجِ في تَنَقُّلِ النُطْفَةِ حَتّى تَكُونَ رَجُلًا إنَّما هو عِبارَةٌ عن تَغَيُّرِ الحالِ، كَما تَقُولُ في صَبِيٍّ جَيِّدِ البِنْيَةِ: يَخْرُجُ مِن هَذا رَجُلٌ قَوِيٌّ، وهَذا المَعْنى يُسَمِّيهِ ابْنُ جِنِّيٍّ: التَجْرِيدَ، أيْ تَجَرُّدُ الشَيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ هو خُرُوجٌ.

وقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ) أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ الحَيَوانَ كُلَّهُ يُمِيتُهُ فَهَذا هو مَعْنى التَجْرِيدِ بِعَيْنِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى ذَلِكَ: أفاءَتْ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا ∗∗∗ ∗∗∗ وفي اللهِ - إنْ لَمْ يُنْصِفُوا- حَكَمٌ عَدْلُ ورَوى السُدِّيُّ عن أبِي مالِكٍ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هي الحَبَّةُ تَخْرُجُ مِنَ السُنْبُلَةِ، والسُنْبُلَةُ تَخْرُجُ مِنَ الحَبَّةِ، والنَواةُ تَخْرُجُ مِنَ النَخْلَةِ، والنَخْلَةُ تَخْرُجُ مِنَ النَواةِ، والحَياةُ في النَخْلَةِ والسُنْبُلَةِ تَشْبِيهٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: بِغَيْرِ حِسابٍ مِنكَ، لِأنَّهُ تَعالى لا يَخافُ أنْ تُنْتَقَصَ خَزائِنُهُ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وغَيْرِهِ.

وقِيلَ: مَعْنى بِغَيْرِ حِسابٍ: أيْ مِن أحَدٍ لَكَ، لِأنَّهُ تَعالى لا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ "المَيْتَ" بِسُكُونِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ "مِنَ المَيِّتِ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ "المَيِّتِ" بِتَشْدِيدِ الياءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: إلى "بَلَدٍ مَيِّتٍ" و"لِبَلَدٍ مَيِّتٍ" وخَفَّفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ غَيْرَ هَذِهِ الحُرُوفِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَيِّتُ هو الأصْلُ، والواوُ الَّتِي هي عَيْنٌ مِنهُ انْقَلَبَتْ ياءً لِإدْغامِ الياءِ فِيها، و"مَيْتُ" بِالتَخْفِيفِ مَحْذُوفٌ مِنهُ عَيْنُهُ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ، والحَذْفُ حَسَنٌ والإتْمامُ حَسَنٌ، وما ماتَ وما لَمْ يَمُتْ في هَذا البابِ يَسْتَوِيانِ في الِاسْتِعْمالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المَيْتَ بِالتَخْفِيفِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ فِيما قَدْ ماتَ، وأمّا المَيِّتُ بِالتَشْدِيدِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيما ماتَ وفِيما لَمْ يَمُتْ بَعْدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي المقصود منه التعريض بأهل الكتاب بأنّ إعراضهم إنّما هو حسد على زوال النبوءة منهم، وانقراض الملك منهم، بتهديدهم وبإقامة الحجة عليهم في أنّه لا عجب أن تنتقل النبوءة من بني إسرائيل إلى العرب، مع الإيماء إلى أنّ الشريعة الإسلامية شريعة مقارنة للسلطان والمُلك.

و ﴿ اللهم ﴾ في كلام العرب خاص بنداء الله تعالى في الدعاء، ومعناه يا الله.

ولما كثر حذف حرف النداء معه قال النحاة: إنّ الميم عوض من حرف النداء يريدون أنّ لحاق الميم باسم الله في هذه الكلمة لما لم يقع إلاّ عند إرادة الدعاء صار غنيّاً عن جلب حرف النداء اختصاراً، وليس المراد أنّ الميم تفيد النداء.

والظاهر أنّ الميم علامة تنوين في اللغة المنقول منها كلمة (اللَّهم) من عبرانية أو قحطانية وأنّ أصلها لاَ هُم مرداف إله.

ويدل على هذا أنّ العرب نطقوا به هكذا في غير النداء كقول الأعشى: كدعوةٍ من أبي رباح *** يَسْمَعُها اللهُم الكبير وأنّهم نطقوا به كذلك مع النداء كقوللِ أبي خراش الهذلي: إنِّي إذا ما حَدَتٌ ألَمَّا *** أقُول يا اللهُمّ يا اللهُمّا وأنّهم يقولون يا الله كثيراً.

وقال جمهور النحاة: إنّ الميم عوض عن حرف النداء المحذوف وإنّه تعويض غير قياسي: وإنّ ما وقع على خلاف ذلك شذوذ.

وزعم الفراء أنّ اللهم مختزل من اسم الجلالة وجملة أصلها «يا الله أمّ» أي أقبل علينا بخير، وكل ذلك تكلّف لا دليل عليه.

والمالك هو المختصّ بالتصرّف في شيء بجميع ما يتصرّف في أمثاله مما يُقصد له من ذواتها، ومنافعها، وثمراتها، بما يشاء فقد يكون ذلك بالانفراد، وهو الأكثر، وقد يكون بمشاركةٍ: واسعةٍ، أو ضيّقة.

والمُلك بضم الميم وسكون اللام نوع من المِلك بكسر الميم فالملك بالكسر جنسٌ والمُلك بالضم نوعٌ منه وهو أعلى أنواعه، ومعناه التصرّف في جماعة عظيمة، أو أمة عديدة تصرُّف التدبير للشؤون، وإقامةِ الحقوق، ورعاية المصالح، ودفع العدوان عنها، وتوجيهها إلى ما فيه خيرها، بالرغبة والرهبة.

وانظر قوله تعالى: ﴿ قالوا أنّى يكون له المُلك علينا ﴾ في سورة البقرة (247) وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4]، فمعنى مالك الملك أنّه المتصرّف في نوع الملك (بالضم) بما يشاء، بأن يراد بالمُلك هذا النوع.

والتعريف في المُلك الأول لاستغراق الجنس: أي كل ملك هو في الدنيا.

ولما كان المُلك ماهية من المواهي، كان معنى كون الله مالك المُلك أنّه المالك لتصريف المُلك، أي لإعطائه، وتوزيعه، وتوسيعه، وتضييقه، فهو على تقدير مضاف في المعنى.

والتعريف في المُلك الثاني والثالث للجنس، دون استغراق أي طائفة وحصّة من جنس المُلْك، والتعويل في الفرق بين مقدار الجنس على القرائن.

ولذلك بينت صفة مالك الملك بقوله: ﴿ تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ﴾ [آل عمران: 26] فإنّ إيتاءه ونزعه مقول عليه بالتشكيك: إيجاباً، وسلباً، وكثرة وقلّة.

والنزع: حقيقة إزالة الجِرم من مكانه: كنزع الثوب، ونزع الماء من البئر، ويستعار لإزالة الصفات والمعاني كما قال تعالى: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غلّ ﴾ [الأعراف: 43] بتشبيه المعنى المتمكّن بالذات المتّصلة بالمكان، وتشبيه إزالته بالنزع، ومنه قوله هنا: ﴿ تنزع الملك ﴾ أي تزيل وصف الملك ممّن تشاء.

وقوله: ﴿ بيدك الخير ﴾ تمثيل للتصرّف في الأمر؛ لأنّ المتصرّف يكون أقوى تصرّفه بوضع شيء بيده، ولو كان لا يوضع في اليد، قال عنترة بن الأخرس المَعْني الطائي: فما بيديك خير أرتجيه *** وغيرُ صدودَك الخطبُ الكبير وهذا يعدّ من المتشابه لأنّ فيه إضافة اليد إلى ضمير الجلالة، ولا تشابه فيه: لظهور المراد من استعماله في الكلام العربي.

والاقتصار على الخير في تصرّف الله تعالى اكتفاء كقوله تعالى: ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ [النحل: 81] أي والبرد.

وكان الخير مقتضى بالذات أصالة والشرّ مقتضى بالعَرَض قال الجلال الدواني في شرح ديباجة هياكل النور: «وخُص الخير هنا لأنّ المقام مقام ترجّي المسلمين الخيرمن الله، وقد علم أنّ خيرهم شرّ لضدّهم كما قيل: مصائب قوم عند يوم فوائدُ *** أي «الخير مقتضَى الذات والشرّ مقتضي بالعرض وصادر بالتَبع لِمَا أنّ بعض ما يتضمن خيرات كثيرة هو مستلزم لشرّ قليل، فلو تركت تلك الخيرات الكثيرة لذلك الشرّ القليل، لصار تركها شرّاً كثيراً، فلما صدر ذلك الخير لزمه حصول ذلك الشرّ».

وحقيقة «تُولج» تدخل وهو هنا استعارة لتعاقب ضوء النهار وظلمة الليل، فكأنَّ أحدهما يدخل في الآخر، ولازدياد مدة النهار على مدة الليل وعكسه في الأيام والفصول عدا أيام الاعتدال وهي في الحقيقة لحظات قليلة ثم يزيد أحدهما لكنّ الزيادة لا تدرك في أولها فلا يعرفها إلاّ العلماء، وفي الظاهر هي يومان في كل نصف سنة شمسية قال ابن عرفة: «كان بعضهم يقول: القرآن يشتمل على ألفاظ يفهمها العوامّ وألفاظ يفهمها الخواصّ وما يفهمه الفريقات ومنه هذه الآية؛ فإنّ الإيلاج يشمل الأيام التي لا يفهمها إلاّ الخواص والفصولَ التي يدركها سائر العوام».

وفي هذا رمز إلى ما حدث في العالم من ظلمات الجهالة والإشراك، بعد أن كان الناس على دين صحيح كدين موسى، وإلى ما حدث بظهور الإسلام من إبطال الضلالات، ولذلك ابتدئ بقوله: ﴿ تولج الليل في النهار ﴾ ، ليكون الانتهاء بقوله: ﴿ وتولج النهار في الليل ﴾ ، فهو نظير التعريض الذي بيّنته في قوله: ﴿ تؤتي الملك من تشاء ﴾ الآية.

والذي دل على هذا الرمز افتتاح الكلام بقوله: ﴿ اللهم مالك الملك ﴾ إلخ.

وإخراج الحي من الميّت كخروج الحيوان من المضغة، ومن مُح البيضة.

وإخراج الميت من الحي في عكس ذلك كلّه، وسيجيء زيادة بيان لهذا عند قوله: ﴿ ومن يخرج الحي من الميّت ﴾ في سورة يونس (31).

وهذا رمز إلى ظهور الهُدى والملك في أمّة أمية، وظهور ضلال الكفر في أهل الكتابين، وزوال الملك من خَلَفهم يعد أن كان شعار أسلافهم، بقرينة افتتاح الكلام بقوله: اللهم مالك الملك } إلخ.

وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، وخلف: «الميّت» بتشديد التحتية.

وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: بسكون التحتية وهما وجهان في لفظ الميت.

وقوله: ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ هو كالتذييل لذلك كلّه.

والرزق ما يَنتفع به الإنسان فيطلق على الطعام والثمارَ كقوله: ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ [آل عمران: 37] وقوله: ﴿ فليأتكم برِزق منه ﴾ [الكهف: 19]، ويطلق على أعمّ من ذلك ممّا ينتفع به كما في قوله تعالى: ﴿ يَدْعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب.

وعندهم قاصرات الطَّرف أتراب ثم قال إنّ لهذا لَرِزْقُنا مَالَه من نَفَاد ﴾ [ص: 51 54] وقوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله ﴾ ومن ثم سميت الدراهم والدنانير رزقاً: لأنّ بها يعوض ما هو رزق، وفي هذا إيماء إلى بشارة للمسلمين بما أخبئ لهم من كنوز الممالك الفارسية والقيصرية وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُرِيدُ بِهِ مُلْكَ أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والثّانِي: مالِكُ العِبادِ وما مَلَكُوهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: مالِكُ النُّبُوَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ المُلْكَ هُنا النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الإيمانُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ السُّلْطانُ.

رَوى قَتادَةُ «أنَّ النَّبِيَّ  سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ في أُمَّتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

» ﴿ وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: تُعِزُّ مَن تَشاءُ بِالطّاعَةِ، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِالمَعْصِيَةِ.

والثّانِي: تُعِزُّ مَن تَشاءُ بِالنَّصْرِ، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِالقَهْرِ.

والثّالِثُ: تُعِزُّ مَن تَشاءُ بِالغِنى، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِالفَقْرِ.

﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ ﴾ أيْ أنْتَ قادِرٌ عَلَيْهِ، وإنَّما خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ قادِرًا عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، لِأنَّهُ المَرْغُوبُ في فِعْلِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ تُدْخِلُ نُقْصانَ اللَّيْلِ في زِيادَةِ النَّهارِ، ونُقْصانَ النَّهارِ في زِيادَةِ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ تَجْعَلُ اللَّيْلَ بَدَلًا مِنَ النَّهارِ، وتَجْعَلُ النَّهارَ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (المَيِّتَ) بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.

واخْتَلَفُوا في مَعْناهُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ المَيْتَ بِالتَّخْفِيفِ الَّذِي قَدْ ماتَ، وبِالتَّشْدِيدِ الَّذِي لَمْ يَمُتْ بَعْدُ.

وَحَكى أبُو العَبّاسِ عَنْ عُلَماءِ البَصْرِيِّينَ بِأسْرِهِمْ أنَّهُما سَواءٌ، وأنْشَدَ لِابْنِ الرَّعْلاءِ القِلابِيِّ: لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ ∗∗∗ إنَّما المَيْتُ مَن يَعِيشُ كَئِيبًا ∗∗∗ كاسِفًا بالُهُ قَلِيلَ الرَّجاءِ وَفِي تَأْوِيلِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُخْرِجُ الحَيَوانَ الحَيَّ في النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ، ويُخْرِجُ النُّطْفَةَ المَيِّتَةَ مِنَ الحَيَوانِ الحَيِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، ويُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

وَقالَ قَتادَةُ: وإنَّما سَمّى اللَّهُ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا بِيَحْيى لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أحْياهُ بِالإيمانِ.

﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ مَضَتْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته.

فأنزل الله: ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء....

﴾ الآية» .

وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد سل ربك ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ﴾ إلى قوله: ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ ثم جاءه جبريل فقال: يا محمد فسل ربك ﴿ قل رب أدخلني مدخل صدق...

﴾ [ الإسراء: 8] الآية.

فسأل ربه بقول الله تعالى فأعطاه ذلك» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء...

﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اسم الله الأعظم ﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ إلى قوله: ﴿ بغير حساب ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء عن معاذ بن جبل قال: «شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ديناً كان عليَّ فقال: يا معاذ أتحب أن يقضى دينك؟

قلت: نعم.

قال: ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ﴾ رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء، اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهباً أدي عنك» .

وأخرج الطبراني عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتقده يوم الجمعة، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى معاذاً فقال: يا معاذ ما لي لم أرك؟

فقال اليهودي عليَّ وقية من تبر، فخرجت إليك فحسبني عنك فقال: «ألا أعلمك دعاء تدعو به فلو كان عليك من الدين مثل صبير أداه الله عنك، فادع الله يا معاذ ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزُّ من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء منهما، ارحمني رحمة تغنني بها عن رحمة من سواك، اللهم أغنني من الفقر، واقض عني الدين، وتوفني في عبادتك وجهاد في سبيلك» .

وأخرج الطبراني في الصغير بسند جيد عن أنس بن مالك قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديناً لأداه الله عنك؟

قل يا معاذ ﴿ اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ﴾ رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ تؤتي الملك من تشاء ﴾ قال: النبوة.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ أي رب العباد الملك لا يقضي فيهم غيرك ﴿ تؤتي الملك من تشاء ﴾ أي أن ذلك بيدك لا إلى غيرك ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله: ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ قال: يأخذ الصيف من الشتاء ويأخذ الشتاء من الصيف ﴿ وتخرج الحي من الميت ﴾ يخرج الرجل الحي من النطفة الميتة ﴿ وتخرج الميت من الحي ﴾ يخرج النطفة الميتة من الرجل الحي.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ قال: قصر أيام الشتاء في طول ليله، وقصر ليل الصيف في طول نهاره.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ قال: ما نقص من الليل يجعله في النهار وما نقص من النهار يجعله في الليل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ تولج الليل في النهار ﴾ حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات ﴿ وتولج النهار في الليل ﴾ حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ قال: أخذ أحدهما من صاحبه.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ قال: يأخذ النهار من الليل حتى يكون أطول منه ويأخذ الليل من النهار حتى يكون أطول منه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ تخرج الحي من الميت ﴾ قال: يخرج النطفة الميتة من الحي، ثم يخرج من النطفة بشراً حياً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ قال: الناس الأحياء من النطف والنطف ميتة تخرج من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبات كذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة ﴿ تخرج الحي من الميت ﴾ قال: هي البيضة تخرج من الحي وهي ميتة ثم يخرج منها الحي.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ قال: النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك.

مثله.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والمؤمن عبد حي الفؤاد والكافر عبد ميت الفؤاد.

وأخرج سعد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وأبو الشيخ في العظمة عن سلمان قال: خمر الله طينة آدم أربعين يوماً، ثم وضع يده فيه فارتفع على هذه كل طيب، وعلى هذه كل خبيث، ثم خلط بعضه ببعض، ثم خلق منها آدم.

فمن ثم ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن.

وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خلق الله آدم عليه السلام أخرج ذريته فقبض قبضة بيمينه فقال: هؤلاء أهل الجنة ولا أبالي، وقبض بالأخرى قبضة فجاء فيها كل رديء فقال: هؤلاء أهل النار ولا أبالي، فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافر من المؤمن ويخرج المؤمن من الكافر» فذلك قوله: ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ .

وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي «عن ابن مسعود أو عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ قال: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن» .

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الزهري في قوله: ﴿ تخرج الحي من الميت ﴾ عن عبدالله بن عبدالله «أن خالدة ابنة الأسود بن عبد يغوث دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من هذه؟

قيل: خالدة بنت الأسود قال: سبحان الله الذي يخرج الحي من الميت» وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافراً.

وأخرج ابن مسعود من طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

مثله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس، أنه كان يقرأ ﴿ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ﴾ خفيفة.

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب، أنه قرأ ﴿ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ﴾ وقرأ ﴿ إلى بلد ميت ﴾ [ فاطر: 9] مثقلات كلهن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ قال: لا يخرجه بحساب يخاف أن ينقص ما عنده.

أن الله لا ينقص ما عنده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران ﴿ بغير حساب ﴾ قال: غدقاً.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ﴾ أي بتلك القدرة التي تؤتي الملك بها من تشاء وتنزعها ممن تشاء ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ لا يقدر على ذلك غيرك، ولا يصنعه إلا أنت.

أي وإن كنت سلطت عيسى عليه السلام على الأشياء التي تزعمونه إنه إله.

من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، وخلق الطير من الطين، والخبر عن الغيوب لأجعله به آية للناس، وتصديقاً له في نبوته التي بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه.

تمليك الملوك بأمر النبوّة ووضعها حيث شئت، وإِيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، ورزق من شئت من بر وفاجر بغير حساب، وكل ذلك لم أسلط عيسى عليه ولم أملكه إياه، أفلم يكن لهم في ذلك عبرة وبينة أن لو كان له إلهاً كان ذلك كله إليه، وهو في علمهم يهرب من الملوك، وينتقل منهم في البلاد من بلد إلى بلد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾ الإيلاج في اللغة (١) (٢) (٣) قال الشاعر: فإنَّ القوافي يَتَّلِجنَ موالِجاً ...

تَضايَقُ عنه أن تَولَّجَهُ (٤) (٥) وفي التنزيل: ﴿ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ  ﴾ ، والوُليجَةُ: الدَّخيلَةُ، والبطانة (٦) ﴿ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ .

ومعنى الآية: تجعل ما نقص من أحدهما، زيادة في الآخر، في قول جميع المفسرين (٧) وذكر ابن الأنباري (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾ .

أكثر المفسرين على أنَّ معناه: تخرج الحيوان من النطفة، وتخرج النطفة من الحيوان (١٤) وقال الكلبي (١٥) (١٦) وقال ابن عباس في رواية عطاء، والحسن (١٧) ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾ (١٨) وفي (الميِّت) قراءتان: التشديدُ، والتخفيفُ (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقول من قال: إن (المَيْت) بالتخفيف: الذي قد مات، وبالتشديد: الذي لم يمت بعدُ (٢٧) (٢٨) أنشد أبو العباس (٢٩) (٣٠) (٣١) ليس من مات فاستراح بمَيْتٍ ...

إنَّما المَيْتُ ميِّتُ الأحْياءِ إنَّما المَيْتُ من يعيشُ كثيبا ...

كاسفاً بالُهُ (٣٢) (٣٣) فهذا بيَّن أنَّ الأمر فيهما سواء.

وقوله تعالى: ﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

قال الزجَّاج (٣٤) وقال الحسن (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقيل معناه (٤١) (١) (في اللغة): ساقط من (د).

(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) و (د).

(٣) انظر (ولج) في "تهذيب اللغة" 4/ 3949، "الصحاح" 1/ 347، "اللسان" 8/ 4913، "تاج العروس" 3/ 509.

والمصدر الذي ذكره المؤلف، وهو: (وَلْجًا)، لم أعثر عليه فيما رجعت إليه من مصادر اللغة، وورد في "تفسير الطبري" 3/ 223.

(٤) في (ب): (تلجه).

(٥) في (أ)، (ب): (الأبرار).

والمثبت من: (ج)، (د)؛ نظرًا لاتفاق مصادر البيت كلها عليه؛ ولاتفاقه مع الروي الذي قبله.

والبيت، لطَرفة بن العبد، وهو في: ديوانه: 47.

وورد منسوبًا له في "مجاز القرآن" 1/ 254، 2/ 142، "البيان والتبين" 1/ 170، "الخصائص" 1/ 14، "سر صناعة الإعراب" 1/ 147، "الممتع" لابن عصفور: 1/ 386، "المقاصد النحوية" 4/ 581، "التصريح" 2/ 390.

وورد غير منسوب في المصادر التالية: "تفسير الطبري" 22/ 59، "تهذيب اللغة" 4/ 3949 (ولج)، "والمخصص":14/ 183، "شرح المفصل" 10/ 37، "اللسان" 8/ 4913 (ولج)، "تاج العروس" 3/ 510 (ولج).

وروايته في الديوان، "تفسير الطبري" (رأيت القوافي ..).

وفي الديوان: (تَضَيَّقُ).

وفي بعض المصادر: (تضايق عنها)، وفي "تهذيب اللغة" (أن تولجه الأمر).

و (القوافي): جمع قافية، وهي آخر حرف في بيت الشعر، الذي تبنى عليه القصيدة، وأراد هنا القصيدة.

و (تتَّلجْنَ)، أصلها: تَوْتِلجن، ثم قُلِبت الواوُ تاءً، وأدْغِمت في التاء التي بعدها، وهو صيغة افتعال من: (الولوج)، وهو: الدخول.

و (الموالج): جمع (مَوْلَج)، وهو: المَدْخل، و (تَوَلَّجَه): أصلها: تتولجه؛ أي: تدخل إلى مكانه.

والمعنى: أن قصائده وهي هنا، قصائد هجائه تبلغ من التأثير في نفس المهجوِّ، مواضِعَ عميقة ودقيقة، لدرجة أن رؤوس الإبر لا تستطيع أن تلجها، وتدخل إلى أماكنها.

والشاهد هنا: ورود كلمات (يتلجن) و (تَولَّجه)، فالأولى دلالة على ما ذكره المؤلف من ورود فعل (اتَّلج) والثانية على ما ذكره من ورود المصدر (التَّولُّج) وفعله (تَولَّج).

(٦) انظر (ولج)، في "الصحاح" 1/ 348، "القاموس" ص 209.

(٧) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 90، "تفسير الطبري" 3/ 223، "تفسير البغوي" 2/ 23.

(٨) لم أهتد إلى مصدر قوله.

(٩) (به): ساقطة من: (ج)، (د).

(١٠) في (ج): (وبدلًا).

(١١) في (ج): (لما).

(١٢) من قوله: (وكذلك ..) إلى (..

ومستترا تحته): ساقط من (د).

(١٣) وورد عن ابن مسعود -  - قولًا آخر، وهو: أنه يأخذ الصيف من الشتاء، ويأخذ الشتاء من الصيف.

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 625، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 26، ونسب إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.

وأورد عنه السيوطي في المصدر السابق رواية أخرى، هي: أنه قِصَر أيام الشتاء في طول ليله، وقِصَر ليل الصيف من طول نهاره ونسب السيوطي إخراجه كذلك لسعيد بن منصور، وابن المنذر.

"وانظر تفسير ابن مسعود" إعداد: محمد العيسوي: 2/ 158 - 159.

(١٤) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 224 ورجَّحه، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 626 - 627، "المحرر الوجيز" 3/ 68.

(١٥) قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 33 ب، "تفسير البغوي" 2/ 24، وقال به عكرمة، كما في "تفسير الطبري" 3/ 225، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 628، والمصادر السابقة.

(١٦) في (د): (الحيوان).

(١٧) لم تذكر المصادر التي رجعت إليها هذه الرواية عن ابن عباس، وإنما عزت القول للحسن وعطاء، فالرواية عن الحسن وردت في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 117، "تفسير الطبري" 3/ 225، "تفسير الثعلبي" 3/ 33 ب.

وعن الحسن وعطاء وردت في "تفسير البغوي" 2/ 24، "زاد المسير" 1/ 370.

وقال ابن الجوزي في "الزاد" بعد أن ذَكَر هذا القولَ: (رَوى نحو هذا الضحاك عن ابن عباس، وهو قول الحسن وعطاء).

(١٨) روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله: أنَّ خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث دخلت على الرسول  ، وهو عند بعض نسائه، فقال: "من هذه؟

" قيل: إحدى خالاتك يا رسول الله.

قال: "إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب، فمن هي؟

" قيل: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث.

فقال: "سبحان الله!

يخرج الحيِّ مِن الميِّت".

أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 117، والطبري 3/ 226، وابن أبي حاتم 2/ 626، وابن سعد في "الطبقات" 8/ 248 من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة  ا، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 27، ونسب إخراجه لابن مردويه.

(١٩) القراءة بالتشديدة أي: ﴿ الْمَيِّتِ ﴾ ، قراءة: حفص عن عاصم، وحمزة، ونافع، والكسائي.

والقراءة بالتخفيف؛ أي: ﴿ الْمَيِّتِ ﴾ قراءة: أبي بكر عن عاصم، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر.

انظر: "السبعة" 203، "الحجة" للفارسي: 3/ 25، "التبصرة" 457.

(٢٠) في (ج): (الياء والواو).

(٢١) في (ج): (سبقت).

(٢٢) ياء: ساقطة من (ج).

(٢٣) هذا مذهب البصريين، أما مذهب الكوفيين، فعندهم أن (ميت)، أصلها: (مَوِيت)، على وزن: (فَعِيل)، وذهب آخرون إلى أن أصلها: (فَيْعَل)، بفتح العين، وفي المسألة نقاش حول أصل هذه الكلمة.

انظر كتاب العين: 8/ 140، "تهذيب اللغة" 4/ 3321 (مات)، "الإنصاف" للأنباري: ص 639، "الكشف" لمكي: 1/ 340.

(٢٤) في (ج): (والتي).

(٢٥) قوله: (أعِلَّت)، من: (الإعلال)؛ وهو: تغيير حرف العلة للتخفيف؛ بالقلب، أو الحذف، أو الإسكان.

انظر: "شرح الشافية" 3/ 66.

(٢٦) من قوله: (فأعلت ..) إلى (..

في التشديد بالقلب): ساقط من (ج).

(٢٧) نُقِل هذا القول عن أبي حاتم السجستاني، كما في "الخزانة" 6/ 529، ولم أعثر على من قال به غيره، إلا ما نقله الجوهري عن الفراء: (يقال لمن لم يَمُت: (إنه مائت عن قليل)، و (ميِّت)، ولا يقولون لمن مات: (هذا مائت).

"الصحاح" 1/ 267 (موت).

(٢٨) في (ب): (وليس).

(٢٩) لم أهتد إلى مصدره، وهكذا ورد في "النكت والعيون" 1/ 385.

(٣٠) في جميع النسخ: (لأبي)، والمثبت هو الصواب.

(٣١) في (أ): غير واضحة.

وفي (ب): (لأبي يعلى الفسافي).

والمثبت من (ج)، (د).

وهو الصواب.

وهو: عَدِي بن الرَّعْلاء الغَسَّاني، والرَّعْلاء هي أُمَّهُ.

وهو شاعر جاهلي.

انظر: "معجم الشعراء" 86، "الخزانة" 9/ 586، "الأعلام" 4/ 220.

(٣٢) (باله): ساقط من (ج).

(٣٣) ورد منسوبًا له في: المصادر التالية: "الأصمعيات" للأصمعي 152، "معجم الشعراء" للمرزباني (ط 2، 1982م، ن: مكتبة القدسي) 252، "النكت والعيون" 1/ 385، ولكن فيه: (لابن الرعلاء القلابي)، "البيان" للأنباري 1/ 198، "اللسان" 7/ 4295 (موت)، "شرح شواهد المغني" 1/ 405، 2/ 858 "الخزانة" 6/ 530، 9/ 583.

كما ورد غير منسوب، في المصادر التالية: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 155، "البيان والتبيين" للجاحظ 1/ 132، "العقد الفريد" 5/ 491، "تهذيب اللغة" 4/ 3321 (موت)، "المنصف" 2/ 17، 3/ 62، "الصحاح" 1/ 267 (موت)، "أمالي ابن الشجري" 1/ 232، "ورسالة الصاهل والشاحج" 522، "شرح المفصل" 10/ 69، "البحر المحيط" 1/ 486، "والمغني" 601، "منهج السالك" 2/ 169.

وقد نسبا لصالح بن عبد القدوس، في "الحماسة" للبحتري (ضبط وتعليق: كمال مصطفى، ط 1، ن: المكتبة التجارية) 340، "معجم الأدباء" 3/ 420.

وردت روايته في "الأصمعيات" (..

ذليلا سيِّئا ..) ووردت (الرجاء) بالجيم، بدلًا من: (الرخاء) بالخاء، في كل المصادر ما عدا "معجم الشعراء" "خزانة الأدب" 9/ 583، وهي موافقة لما أورده المؤلف هنا و (الرخاء): اسم من: (رَخِيَ العيشُ)، و (رَخوَ): إذا اتّسع.

و (كاسِفًا بالُه)، من: (كسفت): إذا ساءت، والبال: الحال.

والشاعر يقول: بأن من لا يموت في الحرب، فإنه يعيش في ذلٍّ، وسوءِ حال، وخزي، فحياته في الحقيقة ليست إلا موتا.

والشاهد: استعمال (ميْت) و (ميِّت) بمعنى واحد.

(٣٤) في "معاني القرآن" 1/ 395، نقله عنه بتصرف يسير جدا.

وانظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 103.

(٣٥) لم أهتد إلى مصدر الأثر عنه.

(٣٦) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 227، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 628.

(٣٧) في (ج): (تغير).

(٣٨) في (ج): (مثله).

(٣٩) في (ب): (ولا كذا).

(٤٠) (جزءًا): ساقطة من (ج).

(٤١) لم أهتد إلى قائل هذا القول.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي ﴾ قال عبد الله بن مسعود: هي النطفة تخرج من الرجل ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حياً وهي ميتة، وقال عكرمة: هي إخراج الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وقيل: يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر، فالحياة والموت على هذا استعارة، وفي ذكر الحي من الميت المطابقة، وهي من أدوات البيان، وفيه أيضاً القلب لأنه قدم الحيّ على الميت، ثم عكس ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ بغير تضييق وقيل: بغير محاسبة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الحي من الميت والميت من الحي ﴾ بالتشديد على "فيعل" حيث كان: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون بالتخفيف على "فيل".

﴿ منهم تقية ﴾ بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها: أبو زيد عن المفضل وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ تقاة ﴾ بضم التاء.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة.

الوقوف: ﴿ ممن تشاء ﴾ ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما ﴿ ونذل من تشاء ﴾ ط ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ في الليل ﴾ ز للفصل بين الجملتين المتضادتين ﴿ من الحي ﴾ ز لعطف المتفقتين ﴿ حساب ﴾ ه، ﴿ المؤمنين ﴾ ج ﴿ تقاة ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ محضرا ﴾ ج والأجوز أن يوقف على ﴿ سوء ﴾ تقديره وما عملت من سوء كذلك.

﴿ بعيداً ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ ذنوبكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والرسول ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ العالمين ﴾ (لا) لأن ﴿ ذرّية ﴾ بدل.

﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ (لا) لاحتمال أن "إذ" متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب "إذ" بإضمار "اذكر".

/التفسير: إنه  لما ذكر من طريقة المعاندين ما ذكر، علم نبيه  طريقة مباينة لطريقتهم من كيفية التمجيد والتعظيم فقال: ﴿ قل اللهم ﴾ ومعناه عند سيبويه يا الله والميم المشددة عوض عن الياء.

وإنما أخرت تبركاً باسم الله  وهذا من خصائص اسم الله.

كما اختص بدخول تاء القسم، وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزته في يا الله.

وعند الكوفيين أصله يا الله أمنا بخير أي أقصدنا، فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء.

وخففت الهمزة من أمّ.

وزيف بأن التقدير لو كان كذلك لزم أن يذكر الدعاء بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا.

ولجاز أن يتكلم به على أصله من غير تخفيف الهمزة وبإثبات حرف النداء وأجيب بأنه إنما لم يوسط العاطف لئلا يصير السؤال سؤالين ضرورة مغايرة المعطوف للمعطوف عليه بخلاف ما لو جعل الثاني تفسيراً للأول فيكون آكد.

وبأن الأصل كثيراً ما يصير متروكاً مثل: ما أكرمه فإنه لا يقال: شيء ما أكرمه في التعجب.

﴿ ومالك الملك ﴾ نداء مستأنف عند سيبويه.

فإن النداء باللهم لا يوصف كما لا توصف أخواته من الأسماء المختصة بالنداء نحو: يا هناه ويا نومان ويا ملكعان وفل.

وأجاز المبرد نصبه على النعت كما جاز في "يا ألله".

عن ابن عباس وأنس بن مالك "أن رسول الله  حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟

هم أعز وأمنع من ذلك" فنزلت الآية.

وعن عمرو بن عون "أن رسول الله  لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله  ، يخبره  ، فأخذ المعول من سلمان فضربها  ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كالمصباح في جوف بيت مظلم، وكبر  وكبر المسلمون وقال  : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال  : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب  الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا.

فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا" فنزلت.

وقال الحسن: إن الله  أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما.

وأمره بذلك دليل على أن يستجيب له  هذا الدعاء وهكذا منازل الأنبياء إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم.

﴿ مالك الملك ﴾ أي تملك جنس الملاك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وفيه أن قدرة الخلق في كل ما يقدرون عليه ليست إلا بأقدار / الله  .

ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله: ﴿ تؤتى الملك من تشاء ﴾ أي النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك.

فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل.

وهذا الملك قيل: ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق.

والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من أرادوا من المتمردين.

ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشراً ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً  ﴾ ومن المجوّزين من كان يقول إن محمداً  فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم؟

﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ وكانت اليهود تقول: النبوة في أسلافنا فنحن أحق بها.

وقد روينا في تفسير قوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون  ﴾ أن اليهود تكبروا على النبي  بكثرة عددهم وعددهم فرد الله  على جميع هؤلاء الطوائف بأنه  مالك الملك يؤتي الملك - وهو النبوة - من يشاء، وينزع الملك - النبوة - ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء كقوله: ﴿ الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط.

ومثله ﴿ أو لتعودنّ في ملتنا  ﴾ مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود إليها.

وقيل: المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال بأنواعه وعلى الجاه، وهو أن يكون مهيباً عند الناس وجيهاً غالباً مظفراً مطاعاً.

ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء الله  .

فكم من عاقل قليل المال، ورب جاهل غافل رخي البال، وقد رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولاً، فعلمنا أن الكل بإيتاء الله  سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور، لأن حصول الملك للجائر إن لم يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له.

فلم يبق إلا أن يكون من مسبب الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور.

لو كان بالحيل الغنى لوجدتني *** بتخوم أقطار السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حرم الغنى *** ضدان مفترقان أيّ تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك.

والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك.

في بعض الكتب "أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة.

وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم" وهذا كقوله  "كما تكونوا يولى عليكم" والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص ﴿ وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴾ كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق، وكل ذلك بتيسير الله  وتقديره ﴿ بيدك الخير ﴾ أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء.

وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر والنفع والضرّ، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، أو لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم تفصيلها فكلها خير، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر فاكتفى بالأول عن الثاني.

وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا بالتضمن في قوله: ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ ولأن الخير يصدر عن الحكم بالذات والشر بالعرض فاقتصر على الخير.

﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ وذلك بأن يجعل الليل قصيراً ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس.

ففي كل منهما قوام العالم ونظامه.

أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوأه.

فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه ﴿ وتخرج الحي من الميت ﴾ المؤمن من الكافر ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ أي كافراً فهديناه، أو الطيب من الخبيث، أو الحيوان من النطفة، أو الطير من البيضة وبالعكس.

والنطفة تسمى ميتاً ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاًَ فأحياكم  ﴾ أو يخرج السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة وبالعكس.

فإخراج النبات من الأرض يسمى إحياء ﴿ يحيي الأرض بعد موتها  ﴾ ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ تقدم مثله في البقرة.

وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم / ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم.

ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر الله أردفه بشريطة الشفقة على خلق الله، أو نقول: لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة والذلة والخير كله.

بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين ﴾ بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين.

قال الزجاج: ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ.

والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر.

وقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين.

عن ابن عباس قال: "كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلا كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم.

فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود.

فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم" فنزلت هذه الآية.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك: "نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود.

فلما خرج النبي  يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو" فنزلت.

وقال الكلبي: نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله  فأنزل الله  هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.

وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم  ﴾ ﴿ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء  ﴾ ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله  ﴾ وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال: ﴿ من يفعل ذلك فليس من الله ﴾ أي من ولايته أو من دينه ﴿ في شيء ﴾ يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال: تود عدوّي ثم تزعم أنني *** صديقك ليس النوك عنك بعازب قال بعض الحكماء: هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدوّ مشفقاً على العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ قال الجوهري: يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث.

فالتقاة اسم وضع موضع المصدر.

قال الواحدي: ويجوز أن يجعل "تقاة" ههنا مثل "دعاة" و "رماة" فيكون حالاً مؤكدة، وعلى هذين الوجهين يكون تتقوا مضمناً معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي بـ"من".

ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل: ضرب الأمير لمضروبه، فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه.

رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى  : كن وسطاً وامش جانباً أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله.

وللتقية عند العلماء أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب.

ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما "روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله  فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

قال: نعم.

قال: أتشهد أني رسول الله؟

قال: نعم.

- وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

فقال: نعم نعم نعم.

فقال: أتشهد أني رسول الله؟

فقال: إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله.

فبلغ ذلك رسول الله  : فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه" .

ونظير هذه الآية ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة.

وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز ألبتة.

ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافر محاماة على النفس.

ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله  : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه" و "من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على / التيمم إذا بيع الماء بالغبن.

قال مجاهد: كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين.

وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة.

وهذا أرجح عند الأئمة.

﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ قيل: أي عقاب نفسه.

وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب.

وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره.

وقيل: الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل.

ثم حذر عن جعل الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية فقال: ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ أي قلوبكم وضمائركم لأن القلب في الصدر فجاز إقامة الظرف مقام المظروف ﴿ أو تبدوه يعلمه الله ﴾ يتعلق به علمه الأزلي.

ثم استأنف بياناً أشفى وتحذيراً أوفى فقال: ﴿ ويعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ ثم قال إتماماً للتحذير ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ ثم خلط الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب فقال: ﴿ يوم تجد ﴾ وفي عامله وجوه قال ابن الأنباري: وإلى الله المصير يوم تجد.

وقيل: والله على كل شيء قدير يوم تجد، وخص ذلك اليوم بالذكر وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله  تعظيماً لشأنه مثل ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ وقيل: انتصابه بمضمر أي اذكر.

والأظهر أن العامل فيه ﴿ تود ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ لليوم أي تود كل نفس يوم تجد ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء محضراً أيضاً لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً.

والأمد الغاية التي ينتهي إليها مكاناً كانت أو زماناً.

والمقصود تمني بعده كقوله: ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين  ﴾ ومعنى كون العمل محضراً هو أن يكون ما كتب فيه العمل من الصحائف حاضراً، أو يكون جزاؤه حاضراً إذ العمل عرض لا يبقى.

ثم إن لم يكن يوم متعلقاً بـ ﴿ تود ﴾ احتمل أن يكون ﴿ تود ﴾ صفة ﴿ سوء ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ يعود إليه، واحتمل أن يكون حالاً، واحتمل أن يكون ﴿ ما عملت ﴾ مبتدأ من الصلة والموصول و ﴿ تود ﴾ خبره وهو الأكثر، واحتمل أن يكون "ما" شرطية و ﴿ تود ﴾ جزاء له وهو قليل كقوله: وإن أتاه خليل يوم مسغبة *** يقول لا غائب ما لي ولا حرم وقراءة عبد الله ﴿ ودت ﴾ يحتملها على السواء إلا أن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ تأكيد للوعيد ﴿ والله رؤوف بالعباد ﴾ قال الحسن: ومن رأفته أن حذرهم نفسه وعرّفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه.

ويجوز أن يراد أنه / رؤوف بهم حيث أمهلهم للتوبة والتلافي، أو هو وعد كما أن التحذير وعيد، أو المراد بالعباد عباده المخلصون كقوله: ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ كما هو منتقم من الفساق ومحذرهم نفسه فهو رؤوف بالعباد المطيعين والمحسنين.

ثم إنه  دعا القوم إلى الإيمان به ورسوله من طريق آخر سوى طريق التهديد والتحذير فقال: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله  أنهم يحبون الله فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله هذه الآية.

وروى الضحاك عن ابن عباس قال: "وقف النبي  على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ولقد كانا على الإسلام.

فقالت قريش: يا محمد إنا نعبد هذه حباً لله ليقربونا إلى الله زلفى" .

فأنزل الله ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت حين زعمت اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه.

وقيل: نزلت في نصارى نجران زعموا أنهم يعظمون المسيح ويعبدونه حباً لله وتعظيماً له.

والحاصل أن كل من يدعي محبة الله  من فرق العقلاء فلا بد أن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، فإذا قامت الدلائل العقلية والمعجزات الحسية على نبوة محمد  وجبت متابعته.

فليس في متابعته إلا أنه يدعوهم إلى طاعة الله وتعظيمه وترك تعظيم غيره.

فمن أحب الله كان راغباً فيه لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض بالكلية عن غيره، وقد مر في تفسير قوله: ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله  ﴾ تحقيق المحبة وأنها من الله  عبارة عن إعطاء الثواب.

وقال: ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ ليدل مع إيفاء الثواب على إزالة العقاب وهذه غاية ما يطلبه كل عاقل.

﴿ والله غفور ﴾ في الدنيا يستر على عبده أنواع المعاصي ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة يثيبه على مثقال الذرة من الطاعة والحسنة.

يروى أنه لما نزل ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ قال عبد الله بن أبيّ إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزلت ﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ وذلك أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ثم إن المنافق ألقى شبهة في البين أمره الله  أن يقول: إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا لما يقوله النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ومبلغ تكاليفه ﴿ فإن تولوا ﴾ أعرضوا أو تعرضوا على أن يكون التاء الأولى محذوفة ويدخل في جملة ما يقوله الرسول لهم، فإنه لا يحصل للكافرين محبة الله لأنها عبارة عن الثناء لهم وإيصال الثواب إليهم، والكافر يستحق الذم واللعن وهذا ضد المحبة.

ثم إنه  لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن / علو درجات الرسل وسموّ طبقاتهم فقال: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ الآية أي جعلهم صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة كقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وقيل: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار.

وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية.

أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة.

أما المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة فقوله  " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " وقوله: " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم  ﴿ وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات والأرض  ﴾ ذكروا في تفسيره أن الله تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد، فإنه يروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام.

ويقال: إن النسر وغيره من عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ.

وقال  : " أطت السماء وحق لها أن تئط " فسمع أطيط السماء.

ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك.

وقد سمع سليمان كلام النمل وفهمه.

ومثله ما يروى أن النبي  تكلم مع الذئب ومع البعير، وقد وجد يعقوب  ريح يوسف من مسيرة أيام.

وقال  " إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم" وهو دليل كمال قوة الذوق.

وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قيل: وهو دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر، إذ لا إدراك ههنا فكيف يستدل به على قوة الإدراك؟

بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه  لا يبعد أن يجعل المنافي ملائماً للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى يصير ملائماً.

وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال  : ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ ومنها قوة الذكاء قال علي رضي / الله عنه: علمني رسول الله  ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب.

وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي؟

وأما القوة المحركة فكعروج النبي  وعروج عيسى  إلى السماء، وكرفع إدريس وإلياس على ما ورد في الأخبار.

وأما القوة الروحانية العقلية فنقول: إن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، أو كالمخالفة صفاء ونورية وانجذاباً إلى عالم الأرواح، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من المبادىء العالية أتم من سائر النفوس وأكمل، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على العالمين من جميع سكان الأرضين عند من يقول الملك أفضل من البشر، أو من سكان السموات أيضاً عند من يرى البشر أفضل المخلوقات.

ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصفطاء آدم صفي الله وخليفته.

ثم إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم: شيث وأولاده إلى إدريس، ثم إلى نوح ثم إلى إبرهيم ثم انشعب من إبراهيم  شعبتان: إسماعيل وإسحق.

فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد  ، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص.

فوضع النبوة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيص، واستمر ذلك إلى زمان محمد  .

فلما ظهر محمد  نقل نور النبوة ونور الملك إليه  وبقي الدين والملك في أمته  إلى يوم القيامة، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب بقوله: ﴿ ومن ذريتي  ﴾ بعد قوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وأما آل عمران فقيل: أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون.

وقيل: المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه ﴿ إذ قالت امرأة عمران  ﴾ ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل الأم، ولأن الكلام سيق للنصارى الذين يحتجون على إلهية عيسى  بالخوارق التي ظهرت على يده.

فالله  يقول: إن ذلك باصطفاء الله إياه لا لكونه شريكاً للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله  : ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ .

﴿ ذرية ﴾ بدل ممن سوى آدم ﴿ بعضها من بعض ﴾ قيل: أي في التوحيد والإخلاص والطاعة كقوله: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض  ﴾ وذلك لاشتراكهم في النفاق.

وقيل: معناه أن غير آدم كانوا متوالدين من آدم.

وقيل: يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحق.

وكذلك عيسى من مريم، ومريم بنت عمران بن ماثان.

ثم قال في الكشاف: ماثان بن سليمان بن داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق وفيه نظر، لأن بين ماثان وسليمان قوماً آخرين، وكذلك بين ايشا ويهوذا.

﴿ والله / سميع ﴾ لأقوال العباد ﴿ عليم ﴾ بضمائرهم وأفعالهم فيصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً.

ويحتمل أن يكون الكلام مع اليهود والنصارى الذين كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تغريراً للعوام مع علمهم ببطلان هذا الكلام، فيكون أول الكلام تشريفاً للمرسلين وآخره تهديداً للمبطلين كأنه قيل: والله سميع لأقوالهم الباطلة، عليم بأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بحسب ذلك.

ويحتمل أن يتعلق بما بعده كما في الوقوف.

التأويل: مالك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعداً للبقاء كالملائكة والإنسان، توجد بعضها قابلاً للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان.

﴿ وتعز من تشاء ﴾ بعزة الوجود النوري، ﴿ وتذل من تشاء ﴾ بذل القبض القهري، بيدك الخير.

﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير.

تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية.

لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس.

فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات.

﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ أي من صفات قهره ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس ﴿ ويعلم ما في السموات ﴾ قلوبكم ﴿ وما في الأرض ﴾ نفوسكم ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت ﴾ أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول.

واعلم أن للاتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الاتباع ثلاث درجات.

أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله  ، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله.

وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وهذا حب / يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب: وما أنا بالباغي على الحب رشوة *** ضعيف هوى يرجى عليه ثواب والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاماً وإجلالاً له، ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة: أحبك حبين حب الهوى *** وحب لأنك أهل لذاكا ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال: سأعبد الله لا أرجو مثوبته *** لكن تعبد إعظام وإجلال والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلهية في مكان من "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، غذينا بالمحبة يوم قالت *** له الدنيا أتينا طائعينا وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو.

وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر.

وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله  من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله.

قرأ القارى بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فقال: بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه.

والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه.

والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف" فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله: "فخلقت الخلق لأعرف" لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ بالأعمال الصالحة ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بالرحمة ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف / المتابعة.

وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم: ﴿ فاتبعوني ﴾ بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته.

وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ ببذل الوجود ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بجذبكم إلى نفسه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال: "فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً" فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً.

﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم.

﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ وذلك أن الله  خلق العالمين سبعة أنواع: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله  "وإن الله خلق آدم على صورته" ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي ﴿ بعضها من بعض ﴾ بالوراثة الدينية " "العلماء ورثة الأنبياء" فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة ﴿ والله سميع ﴾ لدعائهم ﴿ عليم ﴾ بأحوالهم وخصالهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ﴾ الآية [آل عمران: 26]: يحتمل قوله: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ وجهين: أحدهما: مالك ملك كل ملك في الدنيا له حقيقة الملك.

والثاني: أن الملك له، يؤتي من يشاء من ملكه، وينزع ممن يشاء الملك، وهو المالك لذلك، والقادر عليه.

والآية ترد على القدرية قولهم: لأنهم يقولون: إن الله لا يعطي الكافر الملك، وهو قد أخبر - عز وجلّ - أنه يؤتي من يشاء الملك، وقد يؤتي الكافر به الملك، فإن قالوا: أراد بـ"الملك": الدين، فقد أخبر - عز وجل - أيضا أنه ينزع، فكيف يستقيم على قولكم في الأصلح هذا.

ثم في الآية تقوية لمن قرأ: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ بالألف لأنه أعمّ وأجمع؛ لأنه قال: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ وهو أعمّ.

والثاني: أن "الملك" إنما يعتبر عن الولاية والسلطان، و"المالك": إنما يعبر عن حقيقة الملك، ومن له في الشيء حقيقة الملك - فله ولاية التغلب والتصرف فيه ولاية السلطان، ولا كل من له ولاية السّلطان يكون له ولاية التغلب فيه؛ لذلك كان بالألف أقرب، ومن قرأ: "ملك يوم الدين" بغير ألف ذهب إلى أن هذا كقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ومن الملك يقال: ملك؛ لا يقال: مالك؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

والمالك - على الإطلاق - لا يقال إلا [على الله]؛ وكذلك الرب - على الإطلاق - لا يقال إلا [على الله]، وأما العبد فإنه يقرن الشيء إليه؛ فيقال ربّ الدار ومالكها، ورب الدابة ومالكها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ : قال قائلون: الخطاب لرسول الله  خاصّة.

وقال آخرون: الخطاب بذلك لكل عاقل؛ وهو كقوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ إلى آخر الآية، ذلك الخطاب لكل أحد لا لرسول الله  خاصّة.

وقال الشيخ - رحمه الله -: ليس هو خطاب؛ ولكنه أمر بالبلاغ ليقوله كل أحد؛ لأنه لو خوطب به لم يذكر "قل" عند قراءته.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُمَّ ﴾ : قال قائلون: "اللهم" يعني: يا آلهتهم.

وقال آخرون: "الله" - على القطع - "أمّنا" اقصدنا بالخير، والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ الآية: فكأنه - عز وجل - امتحن من رغب في الملك، أو نال حظّاً منه - أن يصرفوا وجه الرغبة إليه، أو يروا حقيقة ما نالوه منه؛ فيوجهون إليه الشكر، ويخضعون له بالعبادة والطاعة فيما أمرهم به؛ لينالوا شرفة ويدوم له عزّه؛ وذلك كقوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ  ﴾ ليريهم أن الذي يملك هذا النوع الذي رغبت فيه أنفسكم، ومنعتكم عن القيام بحقهِ - هو الذي يملك ذلك؛ فإليه فاصرفوا سعيكم، وبشكره استديموا، الذي له اخترتم جل كدحكم؛ فإنه يملك ذلك دون غيره؛ وجملة ذلك في قوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ  ﴾ ومعقول فيما عليه طبع البشر، وإليه دعاهم عقولهم: أن كل شيء تؤثره أنفسهم - كان الذي يحق عليهم طلبة عند من به يوصل إليه، واختيارهم ما به يبلغون ما يأملون من أنواع الحيل التي تقربهم إلى ذلك، فمثله يلزم أمر الملك ولذَّات الدُّنيا، وتقرر في قلوبهم وجود ذلك لقوم؛ لو كان ينال بالتدبير أو بحسن السياسة، وطلب ذلك من الوجوه التي يطلب بها البشر - لم يكن الدين لهم ذلك بأحق من غيرهم؛ بل كان فيمن حرموا مَنْ هم أولى بذلك، وأحق أن يكون في ذلك متبوعاً لا تابعاً من الذين نالوه؛ ليعلم أن الذي يملك دفع ذلك إلى أحد أو تمليكه أحداً، غير الذين صرفوا كدحهم، وجعلوا له سعيهم؛ فيكون لله في كل أمر ممّا عليه أمر البشر آية عظيمة، وعلامة لطيفة على تفرده بملك ذلك، وتوحُّدِهِ بالتدبير فيه لمن له بصيرة ولمن به يمتحن عباده.

وعلى ذلك إذ ثبتت في ذلك أدلة التوحيد، ولزوم الاعتبار به؛ ليعرف من له الحق - ثبت القول ببطلان ما ينكره كثير من المعتزلة؛ أن الملك ناله الجبابرة، والسعة التي تصل إلى الكَفَرَة - لم يكن نالوه بتقدير الله، ولا وصلوا إليه بتدبيره؛ إذ حقه ما ذكرت من عظيم ما فيه من النعم؛ ليلزمهم به أرفع المحن وأعلى الشكر، وله أن يبلو بالحسنات والسّيئات؛ كما وعد عز وجل؛ وجملته: أن الدنيا إذ هي دار محنة ومكان ابتلاء، فليس الذي يعطي منه على الاستحقاق، ولا ما يمنع على العقوبة - وإن احتمل الدفع والمنع لذلك - ولكن له وللمحن، والمحنة أكثرها على مخالفة الأهواء، وتحمل المكاره، ويكون ذلك على إعطاء ما يعظم في أنفسهم، أو التمكين ليمتحنوا؛ فيتبين الإيثار والترك لوجه الله، والرغبة فيمن إليه حقيقة ملك كل شيء، أو الميل إلى من إليه أنواع التغرير والمخادعات من غير تحقيق، ولا قوة إلا بالله.

وعلى ذ1لك قوله: ﴿ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ  ﴾ يبيّن ذلك احتجاجه على إبراهيم [-  -] بالذي ذكر، وإغضاء إبراهيم عنه، ولو كان الذي آتاه [الله] الملك إبراهيم [-  -] لم يكن ليجترئ على تلك المقالة بقوله: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ  ﴾ ، ولا قوة إلا بالله.

ثم على قول المعتزلة؛ إنّ الله -  - إنما يشاء أن يؤتي الملك أولياءه، وينزع عن أعدائه في الجملة، فكيف ادعى لنفسه هذا السلطان والملك، وكان الوجوب على ضدّ ذلك؟!

أيظن المعتزلة أن الملحدة تطعن ما هو يوجب الشبهة في حجج التوحيد بأوضح مما أعطاهم المعتزلة بهذا القول، أو يمكنهم من الطعن في نقض ما ادعت الموحدة من علو الرب وقدرته وجلاله بأبلغ مما لقنتهم المعتزلة بما لبست ثوب التوحيد، واستترت بستره في الظاهر، ثم أعطت للملحدة هذا؛ ليظنوا أنهم بلغوا ما به نقض التوحيد، ودفع حجج أهله، جل الله عما وصفته الملحدة، وتعالى، فيه العصمة والنجاة.

ولما أعطتهم المعتزلة في الجملة سبقهم به إبليس، حتى كانوا بمثله يحتجون؛ فيظنون أنهم أحق بالنبوة منهم، بما أعطوا من الملك والثروة في الدنيا؛ فظنوا أنهم أجل عند الله -  - وأرفع في المنزلة منهم، من لم يكن ليؤثرهم بالرسالة عليهم، لكن أولئك حققوا حقائق النعم لله، ونيل ما نالوا من الملك والشرف به، والمعتزلة رامت إزالة ذلك عن الله؛ ليزيلوا عنهم ما لزمهم من الشكر له، والطاعة لمن بعثه الله، وأسأل الله تمام نعمه في الدين والدنيا.

وقوله: ﴿ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ ﴾ ونحو ذلك: وجوه من الأدلة.

أحدها: أن يعلم أن الله [- عز وجل -] فيما يخلق - لا يخلق على معونة الأسباب، وتوليد الطبائع؛ لأن الأسباب تكون بموضع الإشكال؛ وكذلك الطباع تولد الذي في جوهرة؛ نحو: الحار يولد الحرارة، والبارد [يولد] البرودة؛ فبين [الله -  -] الإنشاء على أحوال التضاد؛ [ليعلم] أنه القادر على اجتماع ما شاء بلا معونة من ذلك ولا توليد، ولا قوة إلا بالله.

والوجه الثاني: أنه جرى تقدير ذلك على ما لا تفاوت له، ولا اختلاف في اختلاف الأعوام؛ ليعلم أنها مسوّاة على التدبير، أحكمه على ذلك العزيز الحكيم، الذي لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمرّ وليعلم أن الذي قدر على ذلك واحد؛ إذ لم يختلف ولم يتناقض، ولا قوة إلا بالله.

وأيضاً، أنه قد صيّر كل جوهر بأحداث الآخر؛ كأنه لم يكن قط، ولا كان بقي له أثر، ثم رده بالوصف الذي كان؛ حتى لا يفوت منه شيء، حتى لا سبيل إلى العلم بالتفصيل بينهما؛ ليعلم أن قدرته على البعث، بعد أن يفني كل الأجزاء والآثار، على ما كان، ولا قوة إلا بالله.

وأيضاً، أنه إذ بنى الأمر على ما فيه من عظيم الحكمة، وعجيب التدبير - لم يجز أن يكون فعله خارجاً على العبث، ثم في رفع المحنة، وإبطال الرسالة في تعليم ما في ذلك من الحكمة، وما يلزم بمكان ذلك التدبير من الشكر والمعرفة، ثم من الترغيب فيما يملك من النعمة، والترهيب عما عنده من النقمة - إبطال الحكمة، وتقرير العالم مَع ما ذكرت على العبث، وذلك فاسد في العقول، وموجود في الجواهر عظيم حكمة منشئها، ثبت بذلك العبادة والرسالة والجزاء، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ لْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ﴾ إلى آخره: يحتمل وجهين: يحتمل أن تؤتي ابتداء من غير أن كان آتاهم مرة؛ وكذلك تنزع - أي تمنع - ابتداء من غير أن كان آتاهم، ثم ينزع؛ كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ  ﴾ رفع ابتداء من غير أن كانت موضوعة فرفعها؛ وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ إخراج الابتداء، لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم، فعلى ذلك هذا، وعلى ذلك قوله: ﴿ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ إيلاج ابتداء، لا أن كان أحدهما في الآخر؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ و ﴿ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً  ﴾ أخبر أنه لم يجعل واحداً منها مؤبّدا؛ وكذلك قوله: ﴿ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ إخراج ابتداء؛ أن يخلق الحي من الميت ابتداء، ويخلق الميت من الحي من غير أن كان فيه؛ ويحتمل هذا كله أن كان يؤتي الملك بعد أن لم يكن، ويعزّ بعد الذل، وينزع الملك بعد أن كان، ويذل بعد أن كان العز؛ [وكذا قوله: ﴿ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ : أن يدخل بعض هذا في هذا، وهذا في هذا].

وقوله: ﴿ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ : قيل: أن يخرج حي الأقوال من ميت الأفعال، وميت الأفعال من حي الأقوال، يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن؛ على ما سمى الله -  - الكافر ميتاً، والمؤمن حيّاً في غير موضع من القرآن.

وقيل: يخرج حي الجوهر من ميت الجوهر، وميت الجوهر من حي الجوهر.

وقيل: يخرج الحي من المني، ويخرج المني من الحي.

وقيل: البيضة من الحي، والحي من البيضة.

وقيل: النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة.

وقوله: ﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

قيل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ : يعرف الخلق عدده ومقداره.

وقيل: بغير تبعة ولا طلبة؛ أي: لا يحاسبهم فيما أعطاهم من بعد ما أعطاهم.

ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي: لا يعطيهم بحساب أعمالهم، ولكن بتفضل، خلافاً للمعتزلة.

ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ : في الآخرة.

وعن ابن عباس -  -: "بغير هنداز - فارسية معربة".

وعن مقاتل: "لا يقدر ذلك غيره؛ يقول: ليس فوقي ملك يحاسبني، أنا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني" والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن مظاهر قدرتك أنك تدخل الليل في النهار فيطول وقت النهار، وتدخل النهار في الليل فيطول وقت الليل، وتخرج الحي من الميت؛ كإخراج المؤمن من الكافر، والزرع من الحب، وتخرج الميت من الحي، كالكافر من المؤمن، والبيضة من الدجاجة، وترزق من تشاء رزقًا واسعًا من غير حساب وعدّ.

<div class="verse-tafsir" id="91.y7gXk"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

روي عن قتادة أن النبي  سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فنزل قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ  ﴾ وإن الكلام متصل بما قبله صح ما قيل في سبب النزول أم لم يصح، والكلام في حال النبي  مع من خوطبوا بالدعوة من المشركين وأهل الكتاب، فالمشركون كانوا ينكرون النبوة لرجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق كما أنكر أمثالهم على الأنبياء قبله.

وأهل الكتاب كانوا ينكرون أن يكون نبي من غير آل إسرائيل، وقد عهد في غير موضع من القرآن تسلية النبي  في مقام بيان عناد المنكرين ومكابرة الجاحدين وتذكيره بقدرته تعالى على نصره وإعلاء كلمة دينه، فهذه الآية من هذا القبيل.

كأنه يقول له: إذا تولى هؤلاء الجاحدون عن بيانك، ولم ينظروا في برهانك، وظل المشركون منهم على جهلهم، وأهل الكتاب في غرورهم، فعليك أن تلجأ إلى الله تعالى وترجع إليه بالدعاء والثناء، وتتذكر أنه بيده الأمر يفعل ما يشاء، وهذا يناسب ما تقدم في الرد على نصارى نجران من أمره بالالتجاء إليه سبحانه بقوله: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ  ﴾ .

وعلى هذا التفسير يصح أن يكون الملك بمعنى النبوة أو لازمها.

ولا شك أن النبوة ملك كبير لأن سلطانها على الأجساد والأرواح، على الظاهر والباطن، قال تعالى: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا  ﴾ فإن لم يكن هذا الملك عين النبوة فهو لازمها، ونزع الملك على هذا القول عبارة عن نزعه من الأمة التي كان يبعث فيها الأنبياء كأمة إسرائيل فقد نزعت منها النبوة ببعثة النبي  ، ويمكن أن يفسر النزع هنا بالحرمان فإنه تعالى يعطي النبوة من يشاء ويحرم منها من يشاء، فإن قيل: إن النزع إنما يكون لشيء قد وجد صح أن يجاب عنه بأن هذا على حد قوله تعالى حكاية على لسان الرسل: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا  ﴾ فإنهم لم يكونوا في ملتهم إذ يستحيل الكفر على الأنبياء.

﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ  ﴾ العز والذل معروفان من آثار الأول حماية الحقيقة ونفاذ الكلمة ومن أسبابه كثرة الأعوان وملك القلوب بالجاه والعلم النافع للناس وسعة الرزق مع التوفيق للإحسان، ومن آثار الثاني الضعف عن الحماية، والرضى بالضيم والمهانة.

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ  ﴾ قدر المفسر (الجلال) هنا كلمة "والشر"، هربًا من المعتزلة، على أنه ليس في العبارة نفي لكون الشر بيده كما أنه ليس فيها إثبات له فلا معنى لتصادم المذاهب فيها وحسبنا قوله: ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ .

﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ  ﴾ أي تدخل طائفة من الليل في النهار فيقصر الليل من حيث يطول النهار، وتدخل طائفة من النهار في الليل فيطول هذا من حيث يقصر ذاك.

﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ  ﴾ كالعالم من الجاهل والصالح من الطالح والمؤمن من الكافر ﴿ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ  ﴾ كالكافر من المؤمن والجاهل من العالم والشرير من الخير.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله