الآية ٣٠ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٣٠ من سورة آل عمران

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًۭا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًۭا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا [ وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ] ) الآية ، يعني : يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر كما قال تعالى : ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) [ القيامة : 13 ] فما رأى من أعماله حسنا سره ذلك وأفرحه ، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه ، وود لو أنه تبرأ منه ، وأن يكون بينهما أمد بعيد ، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنا به في الدنيا ، وهو الذي جرأه على فعل السوء : ( يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) [ الزخرف : 38 ] .

ثم قال تعالى مؤكدا ومهددا ومتوعدا : ( ويحذركم الله نفسه ) أي : يخوفكم عقابه ، ثم قال مرجيا لعباده لئلا ييأسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه : ( والله رءوف بالعباد ) قال الحسن البصري : من رأفته بهم حذرهم نفسه .

وقال غيره : أي رحيم بخلقه ، يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم ، وأن يتبعوا رسوله الكريم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز وجل : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ويحذركم الله نفسه في يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا موفَّرًا،" وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا " = يعني غاية بعيدة، فإن مصيركم أيها القوم يومئذ إليه، فاحذروه على أنفسكم من ذنوبكم.

* * * وكان قتادة يقول في معنى قوله: " محضرًا "، (1) ما:- 6840 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا "، يقول: موفَّرًا.

* * * قال أبو جعفر: وقد زعم [بعض] أهل العربية أنّ معنى ذلك: (2) واذكر يوم تجد.

وقال: إن ذلك إنما جاء كذلك، لأن القرآن إنما نـزل للأمر والذكر، كأنه قيل لهم: اذكروا كذا وكذا، لأنه في القرآن في غير موضع: " واتقوا يوم كذا، وحين كذا ".

* * * وأما " ما " التي مع " عملت "، فبمعنى " الذي"، ولا يجوز أن تكون جزاءً، لوقوع " تجد " عليه.

(3) وأما قوله: " وما عملت من سوء "، فإنه معطوف على قوله: " ما " الأولى، و " عملت " صلةٌ بمعنى الرّفع، لمَّا قيل: " تود ".

(4) &; 6-320 &; فتأويل الكلام: يوم تَجد كل نفس الذي عملت من خير محضرًا، والذي عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا * * * " والأمد " الغاية التي ينتهي إليها، ومنه قول الطرماح: كُـلُّ حَـيٍّ مُسْتَكْـمِلٌ عِدَّةَ الـ عُمْـرِ, ومُـودٍ إِذَا انْقَضَـى أَمَـدُهْ (5) يعني: غاية أجله.

وقد:- 6841 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " وما عملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا "، مكانًا بعيدًا.

6842 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " أمدًا بعيدًا "، قال: أجلا.

6843 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا &; 6-321 &; عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا "، قال: يسر أحدَهم أن لا يلقى عمله ذاكَ أبدًا يكونُ ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئةً يستلذّها.

(6) * * * القول في تأويل قوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ويحذركم الله نفسه: أن تُسخِطوها عليكم بركوبكم ما يسخطه عليكم، فتوافونه يومَ تَجد كلُّ نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، وهو عليكم ساخط، فينالكم من أليم عقابه ما لا قِبَل لكم به.

ثم أخبر عز وجل أنه رءوف بعباده رحيمٌ بهم، وأنّ من رأفته بهم: (7) تحذيرُه إياهم نفسه، وتخويفهم عقوبته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معاصيه، كما:- 6844- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن الحسن في قوله: " ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد "، قال: من رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه.

(8) ------------------------ الهوامش : (1) هذا المعنى قلما تصيبه في كتب اللغة ، فأثبته فيها.

(2) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.

(3) الوقوع: التعدي ، وقد سلف شرح ذلك فاطلبه في فهرس المصطلحات.

(4) في المطبوعة والمخطوطة: "كما قيل تود" ، والصواب ما أثبت.

وقد استظهرت قراءتها من كلام الفراء في معاني القرآن 1: 206 ، ونص كلامه: "وقوله وما عملت من سوء - فإنك ترده أيضًا على (ما) ، فتجعل (عملت) صلة لها في مذهب رفع لقوله (تود لو أن بينها)" ، ويعني بذلك أن جملة"تود" مفعول ثان لقوله: "تجد" ، كما كان"محضرًا" مفعولا ثانيًا.

وسيأتي ذلك بعد قليل في تفسيره.

(5) ديوانه: 112 ، وهذه رواية الطبري ، وكان يروي ديوان الطرماح ، وقرأه بالمسجد الجامع بمصر ، وأملاه على الناس ، وشرح غريبة.

ولا أدري أأخطأ أم عنده رواية أخرى غير التي وصلتنا ، فالشعر في ديوانه كما يلي: بعد أن ذكر دار صاحبته ، وما بقي بها من النؤى والرماد: تَـــرَكَ الدَّهْــرُ أهلَــهُ شُــعَبًا فَاسْــتمَرَّتْ مِــنْ دُونِهِــمْ عُقَـدُهْ وَكــذَاكَ الزَّمَــانُ يَطْـرُدُ بالنَّـاسِ إلـــى اليَــوْمِ, يَوْمُــهُ وغَــدُهْ لاَ يُلِيثَــانِ بِاخْتِلاَفِهِمَــا المَــرْءَ, وَإنْ طَــــالَ فِيهِمَـــا أَمَـــدُهْ كُــلُّ حَـيٍّ مُسـتَكْمِلٌ عِـدَّةَ العُمْـرِ, وَمُـــودٍ إذَا انْقَضَـــى عَـــدَدُهْ وقوله: "شعبًا" ، أي متفرقون ، واستمرت: اشتدت وأحكمت عقدة حبال الدهر ، فلم يعد له أمل في اجتماع أحبابه بعد الفراق.

وقوله: "لا يليثان" ، من ألاثه يليثه: أخره ، وهو من"اللوث" ، وهو البطء والتأخير.

يقول: إن اختلاف الأيام من يوم وغد ، لا يؤخران أجل المرء وإن طال عمره ، حتى يفنياه ويذهبا به.

وقوله: "مود" أي: هالك ، إذا انقضى عدد أيامه وأكله في هذه الحياة الدنيا.

(6) في المطبوعة: "خطيئته" وفي المخطوطة: "حطيته" هكذا نقطت ، ورأيت الصواب أن أقرأها كما أثبتها.

(7) في المطبوعة: "ومن رأفته بهم" ، وفي المخطوطة: "وأرض رأفته بهم" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(8) الأثر: 6844-"والحسن" ، هو الحسن البصري بلا ريب ، فقد نسب هذا الأثر إليه ابن كثير في تفسيره 2: 125 ، والسوطي في الدر المنثور 2: 17 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عمرو بن الحسن" ، فظهر أنه خطأ لا شك فيه.

أما "عمرو" ، فلم أستطع أن أقطع من يكون ، فمن روى عن الحسن ، ممن اسمه"عمرو" كثير.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد[ ص: 56 ] ( يوم ) منصوب متصل بقوله : ويحذركم الله نفسه .

يوم تجد .

وقيل : هو متصل بقوله : وإلى الله المصير .

يوم تجد .

وقيل : هو متصل بقوله : والله على كل شيء قدير .

يوم تجد ويجوز أن يكون منقطعا على إضمار اذكر ; ومثله قوله : إن الله عزيز ذو انتقام يوم تبدل الأرض .و ( محضرا ) حال من الضمير المحذوف من صلة " ما " تقديره يوم تجد كل نفس ، ما عملته من خير محضرا .

هذا على أن يكون تجد من وجدان الضالة .

و ( ما ) من قوله وما عملت من سوء عطف على ( ما ) الأولى .

و ( تود ) في موضع الحال من ( ما ) الثانية .

وإن جعلت تجد بمعنى تعلم كان محضرا المفعول الثاني ، وكذلك تكون تود في موضع المفعول الثاني ; تقديره يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت محضرا .

ويجوز أن تكون " ما " الثانية رفعا بالابتداء ، و ( تود ) في موضع رفع على أنه خبر الابتداء ، ولا يصح أن تكون " ما " بمعنى الجزاء ; لأن تود مرفوع ، ولو كان ماضيا لجاز أن يكون جزاء ، وكان يكون معنى الكلام : وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ; أي كما بين المشرق والمغرب .

ولا يكون المستقبل إذا جعلت ( ما ) للشرط إلا مجزوما ; إلا أن تحمله على تقدير حذف الفاء ، على تقدير : وما عملت من سوء فهي تود .

أبو علي : هو قياس قول الفراء عندي ; لأنه قال في قوله تعالى : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون : إنه على حذف الفاء .

والأمد : الغاية ، وجمعه آماد .

ويقال : استولى على الأمد ، أي غلب سابقا .

قال النابغة :إلا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمدوالأمد : الغضب .

يقال : أمد أمدا ، إذا غضب غضبا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا } أي: كاملا موفرا لم ينقص مثقال ذرة، كما قال تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره } والخير: اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة صغيرها وكبيرها، كما أن السوء اسم جامع لكل ما يسخط الله من الأعمال السيئة صغيرها وكبيرها { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا } أي: مسافة بعيدة، لعظم أسفها وشدة حزنها، فليحذر العبد من أعمال السوء التي لا بد أن يحزن عليها أشد الحزن، وليتركها وقت الإمكان قبل أن يقول { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض } { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلا } { حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } فوالله لترك كل شهوة ولذة وان عسر تركها على النفس في هذه الدار أيسر من معاناة تلك الشدائد واحتمال تلك الفضائح، ولكن العبد من ظلمه وجهله لا ينظر إلا الأمر الحاضر، فليس له عقل كامل يلحظ به عواقب الأمور فيقدم على ما ينفعه عاجلا وآجلا، ويحجم عن ما يضره عاجلا وآجلا، ثم أعاد تعالى تحذيرنا نفسه رأفة بنا ورحمة لئلا يطول علينا الأمد فتقسو قلوبنا، وليجمع لنا بين الترغيب الموجب للرجاء والعمل الصالح، والترهيب الموجب للخوف وترك الذنوب، فقال { ويحذركم الله نفسه والله رءوفٌ بالعباد } فنسأله أن يمن علينا بالحذر منه على الدوام، حتى لا نفعل ما يسخطه ويغضبه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يوم تجد كل نفس ) نصب يوما بنزع حرف الصفة أي في يوم ، وقيل : بإضمار فعل أي : اذكروا واتقوا يوم تجد كل نفس ( ما عملت من خير محضرا ) لم يبخس منه شيء كما قال الله تعالى : " ووجدوا ما عملوا حاضرا " ( 49 - الكهف ( وما عملت من سوء ) جعله بعضهم خبرا في موضع النصب أي تجد محضرا ما عملت من الخير [ والشر فتسر بما عملت من الخير ] وجعله بعضهم خبرا مستأنفا ، دليل هذا التأويل : قراءة ابن مسعود رضي الله عنهما " وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا " قوله تعالى : ( تود لو أن بينها ) أي بين النفس ( وبينه ) يعني وبين السوء ( أمدا بعيدا ) قال السدي : مكانا بعيدا ، وقال مقاتل : كما بين المشرق والمغرب ، والأمد الأجل والغاية التي ينتهى إليها ، وقال الحسن : يسر أحدهم أن لا يلقى عمله أبدا ، وقيل يود أنه لم يعمله ( ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر «يوم تجد كل نفس ما عملتـ» ـهُ «من خير محضرا وما عملتـ» ـهُ «من سوءٍ» مبتدأ خبره «تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا» غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها «ويحذركم الله نفسه» كرر للتأكيد «والله رؤوف بالعباد».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وفي يوم القيامة يوم الجزاء تجد كل نفس ما عملت من خير ينتظرها موفرًا لتُجزَى به، وما عملت من عمل سيِّئ تجده في انتظارها أيضًا، فتتمنى لو أن بينها وبين هذا العمل زمنًا بعيدًا.

فاستعدوا لهذا اليوم، وخافوا بطش الإله الجبار.

ومع شدَّة عقابه فإنه سبحانه رءوف بالعباد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم كرر - سبحانه - التحذير من الحساب يوم القيامة وما يقع فيه من أهوال ورغب المؤمنين في العمل الصالح فقال : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً } .قال الآلوسى : الأمد : غاية الشىء ومنتهاه والفرق بينه وبين الأبد أن الأبد مدة من الزمان غير محدودة والأمد مدة لها حد مجهول ، والمرادهنا الغاية الطويلة ، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأمد البعيد المسافة البعيدة ، ولعله الأظهر ، فالتمنى هنا من قبيل التمنى فى قوله - تعالى - { ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين } والمعنى : راقبوا ربكم أيها المؤمنون .

وتزودوا من العلم الصالح واذكروا { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } في الدنيا { مِنْ خَيْرٍ } وإن كان مثقال ذرة { مُّحْضَراً } لديها مشاهدا في الصحف ، حتى لكأنه قد أحضر من الدنيا إلى الآخرة فيرى رأى العين { وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء } تراه أيضاً ظاهراً ثابتا مسجلا عليها ، وتتمنى لو أن بينها وبين هذا العمل السىء زمنا طويلا ، ومسافة بعيدة وذلك لأن الإنسان يتمنى دائما أن يكون بيعدا بعدا شاسعاً عن الشىء المخيف المؤلم خصوصاً فى هذا اليوم العصيب وهو يوم القيامة .وقوله { يَوْمَ } متعلق بمحذوف تقديره اذكروا ، وهو مفعول به لهذا المحذوف .

و " تجد " يجوز أن يكون متعديا لواحد فيكون بمعنى تصيب وتصادف ، ويكون " محضراً " على هذا منصوبا على الحال .

قال الجمل : وهذا هو الظاهر .

ويجوز أن يكون بمعنى تعلم فيتعدى لاثنين أولهما { مَّا عَمِلَتْ } والثانى { مُّحْضَراً } .وقوله { وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء } معطوف على قوله { مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ } .ويرى بعضهم أن " ما " فى قوله { وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء } متبدأ ، وخبرها جملة { لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً } فيكون المعنى : ما عملت من سوء تتمنى كل نفس أن يكون بينها وبينه أمدا بعيدا .أتى - سبحانه - بقوله { مُّحْضَراً } فى جانب الخير فقط من أن عمل السوء أيضاً يكون محضراً للإشعار يكون عمل الخير هو المراد بالذات .

وهو الذى يتمناه الإنسان ويرجو حضوره فى هذا لما يترتب عليه من ثواب وأما عمل الشر فتتمنى كل نفس اقترفته لو بعد عنها ولم تره بسبب ما يترتب عليه من عقاب .وقوله - سبحانه - { وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } تكرير للتحذير الأول الذى جاء فى قوله - تعالى - { لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين } والسر في هذا التكرير زيادة التحذير من عقاب الله وانتقامه ، فإن تكرار التحذير من شأنه أن يغرس في القلوب التذكر والاعتبار والوجل .وقيل : إن التحذير الأول ذكر للنهى عن موالاة الكافرين .

والذى هنا ذكر للحث على عمل الخير والتنفير من عمل الشر .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { والله رَؤُوفُ بالعباد } ومن مظاهر رأفته ورحمته أنه حذر عباده قبل أن يعاقبهم ، وأنه يعفو عن كثير من ذنوب عباده ، وأنه فتح لهم باب التوبة حتى يقلعوا عن خطاياهم .إلى غير ذلك من مظاهر رأفته ورحمته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية من باب الترغيب والترهيب، ومن تمام الكلام الذي تقدم.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في العامل في قوله: ﴿ يَوْمٍ ﴾ وجوهاً الأول: قال ابن الأنباري: اليوم متعلق بالمصير والتقدير: وإلى الله المصير يوم تجد الثاني: العامل فيه قوله: ﴿ وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ في الآية السابقة، كأنه قال: ويحذركم الله نفسه في ذلك اليوم الثالث: العامل فيه قوله: ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ أي قدير في ذلك اليوم الذي تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وخص هذا اليوم بالذكر، وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى تفضيلاً له لعظم شأنه كقوله: ﴿ مالك يَوْمِ الدين  ﴾ الرابع: أن العامل فيه قوله: ﴿ تَوَدُّ ﴾ والمعنى: تود كل نفس كذا وكذا في ذلك اليوم الخامس: يجوز أن يكون منتصباً بمضمر، والتقدير: واذكر يوم تجد كل نفس.

المسألة الثانية: اعلم أن العمل لا يبقى، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة، فلابد فيه من التأويل وهو من وجهين: الأول: أنه يجد صحائف الأعمال، وهو قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ وقال: ﴿ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أحصاه الله وَنَسُوهُ  ﴾ الثاني: أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى: ﴿ مُّحْضَرًا ﴾ يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة، ويحتمل أن يكون المعنى: أن جزاء العمل يكون محضراً، كقوله: ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا  ﴾ وعلى كلا الوجهين، فالترغيب والترهيب حاصلان.

أما قوله: ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي: الأظهر أن يجعل ﴿ مَا ﴾ هاهنا بمنزلة الذي، ويكون ﴿ عَمِلَتْ ﴾ صلة لها، ويكون معطوفاً على ﴿ مَا ﴾ الأول، ولا يجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ شرطية، وإلا كان يلزم أن ينصب ﴿ تَوَدُّ ﴾ أو يخفضه، ولم يقرأه أحد إلا بالرفع، فكان هذا دليلاً على أن ﴿ مَا ﴾ هاهنا بمعنى الذي.

فإن قيل: فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله، ودت.

قلنا: لا كلام في صحته لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع، لأنه حكاية حال الكافر في ذلك اليوم، وأكثر موافقة للقراءة المشهورة.

المسألة الثانية: الواو في قوله: ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء ﴾ فيه قولان الأول: وهو قول أبي مسلم الأصفهاني: الواو واو العطف، والتقدير: تجد ما عملت من خير وما عملت من سوء، وأما قوله: ﴿ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا ﴾ ففيه وجهان الأول: أنه صفة للسوء، والتقدير: وما عملت من سوء الذي تود أن يبعد ما بينها وبينه والثاني: أن يكون حالاً، والتقدير: يوم تجد ما عملت من سوء محضراً حال ما تود بعده عنها.

والقول الثاني: أن الواو للاستئناف، وعلى هذا القول لا تكون الآية دليلاً على القطع بوعيد المذنبين، وموضع الكرم واللطف هذا، وذلك لأنه نص في جانب الثواب على كونه محضراً وأما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه، والبعد عنه، وذلك ينبه على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيد.

المسألة الثالثة: الأمد، الغاية التي ينتهي إليها، ونظيره قوله تعالى: ﴿ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين فَبِئْسَ القرين  ﴾ .

واعلم أن المراد من هذا التمني معلوم، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على المكان، إذ المقصود تمني بعده، ثم قال: ﴿ وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ وهو لتأكيد الوعيد.

ثم قال: ﴿ والله رَءوفٌ بالعباد ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه، وعرفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه، قال الحسن: ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه الثاني: أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي الثالث: أنه لما قال: ﴿ وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ وهو للوعيد أتبعه بقوله: ﴿ والله رَءوفٌ بالعباد ﴾ وهو الموعد ليعلم العبد أن وعده ورحمته، غالب على وعيده وسخطه والرابع: وهو أن لفظ العباد في القرآن مختص، قال تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله  ﴾ فكان المعنى أنه لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل الطاعة فقال: ﴿ والله رَءوفٌ بالعباد ﴾ أي كما هو منتقم من الفساق، فهو رؤوف بالمطيعين والمحسنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَوْمَ تَجِدُ ﴾ منصوب بتودّ.

والضمير في بينه لليوم، أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً.

ويجوز أن ينتصب ﴿ يَوْمَ تَجِدُ ﴾ بمضمر نحو: اذكر، ويقع على ما عملت وحده، ويرتفع ﴿ وَمَا عَمِلَتْ ﴾ على الابتداء، و ﴿ تَوَدُّ ﴾ خبره، أي: والذي عملته من سوء تودّ هي لو تباعد ما بينها وبينه.

ولا يصح أن تكون ما شرطية لارتفاع تودّ.

فإن قلت: فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله ودّت؟

قلت: لا كلام في صحته، ولكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم وأثبت لموافقة قراءة العامّة.

ويجوز أن يعطف ﴿ وَمَا عَمِلَتْ ﴾ على ﴿ مَّا عَمِلَتْ ﴾ ويكون ﴿ تَوَدُّ ﴾ حالاً، أي يوم تجد عملها محضراً وادّة تباعد ما بينها وبين اليوم أو عمل السوء محضراً، كقوله تعالى: ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا ﴾ [الكهف: 49] يعني مكتوباً في صحفهم يقرؤنه ونحوه ﴿ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أحصاه الله وَنَسُوهُ ﴾ [المجادلة: 6] .

والأمد المسافة كقوله تعالى: ﴿ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين ﴾ [الزخرف: 38] وكرّر قوله: ﴿ وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه ﴿ والله رَءوفٌ بالعباد ﴾ يعني أن تحذيره نفسه وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروه دعاهم ذلك إلى طلب رضاه واجتناب سخطه.

وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه.

ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً لعلمه وقدرته، مرجوّ لسعة رحمته كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [فصلت: 43] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ﴾ يَوْمٌ مَنصُوبٌ بِتَوَدُّ أيْ تَتَمَنّى كُلُّ نَفْسٍ يَوْمَ تَجِدُ صَحائِفَ أعْمالِها، أوْ جَزاءَ أعْمالِها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ حاضِرَةً لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو لَهُ أمَدًا بَعِيدًا، أوْ بِمُضْمَرٍ نَحْوَ اذْكُرْ، وتَوَدُّ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عَمِلَتْ أوْ خَبَرٌ لِما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ وتَجِدُ مَقْصُورٌ عَلى ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، ولا تَكُونُ ما شَرْطِيَّةً لِارْتِفاعِ تَوَدُّ.

وقُرِئَ «وَدَّتْ» وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً ولَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الخَبَرِ أوْقَعُ مَعْنًى لِأنَّهُ حِكايَةُ كائِنٍ وأوْفَقُ لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ.

﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ.

﴿ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى إنَّما نَهاهم وحَذَّرَهم رَأْفَةً بِهِمْ ومُراعاةً لِصَلاحِهِمْ، أوْ أنَّهُ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ فَتُرْجى رَحْمَتُهُ ويُخْشى عَذابُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بعيداً} يوم منصوب بتودوا الضمير فيه بينه لليوم أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين تتمنى لو أن بينهما وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً أى مسافة بعيدة أو باذكر ويقع تجد على ما عملت وحده ويرتفع وما عملت على الابتداء وتود خبره أى والذى عملته من سوء تودهى لو تباعد ما بينها وبينه ولا يصح أن تكون ما شرطية لارتفاع تود نعم الرفع جائز إذا كان الشرط ماضياً لكن الجزم هو

الكثير وعن المبرد أن الرفع شاذ وكرر قوله

آل عمران (٣٠ _ ٣٥)

{وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه {والله رؤوف بالعباد} ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه حتى لا يتعرضوا لسخطه ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً لكمال قدرته مرجو لسعة رحمته كقوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ونزل حين قال اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ ﴿ ما عَمِلَتْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ مِن خَيْرٍ ﴾ وإنْ كانَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴿ مُحْضَرًا ﴾ لَدَيْها مُشاهَدًا في الصُّحُفِ، وقِيلَ: ظاهِرًا في صُوَرٍ، وقِيلَ: تَجِدُ جَزاءَ أعْمالِها مُحْضَرًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لَيْسَ في حاضِرًا وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (تَجِدُ)، ﴿ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ ما عَمِلَتْ ﴾ و ﴿ مُحْضَرًا ﴾ مَحْضَرٌ فِيهِ مَعْنًى إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالذِّكْرِ في الخَيْرِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ الخَيْرِ مُرادًا بِالذّاتِ وكَوْنِ إحْضارِ الشَّرِّ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، وتَقْدِيرُ ﴿ مُحْضَرًا ﴾ في النَّظْمِ وحَذْفُهُ لِلِاقْتِصارِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في الأوَّلِ مِمّا قالَهُ الأكْثَرُونَ ويَكُونُ مِنَ العَطْفِ عَلى المَفْعُولَيْنِ وهو جائِزٌ كَما في «اَلدُّرِّ المَصُونِ» ولَمْ يَجْعَلُوهُ مِن قَبِيلِ عَلِمْتُ زَيْدًا فاضِلًا وعَمْرًا، وهو لَيْسَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ بَلْ مِن قَبِيلِ زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو وهو مِمّا حُذِفَ فِيهِ الخَبَرُ، كَما صَرَّحُوا بِهِ فَيَلْزَمُ الِاقْتِصارُ ضَرُورَةً، والفَرْقُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والمَفْعُولِ في هَذا البابِ وهْمٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (تَجِدُ) بِمَعْنى تُصِيبُ فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، و ﴿ مُحْضَرًا ﴾ حالٌ، ﴿ تَوَدُّ ﴾ أيْ تَتَمَنّى وهو عامِلٌ في الظَّرْفِ أيْ تَتَمَنّى يَوْمَ ذَلِكَ، ﴿ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ ﴾ أيْ بَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿ أمَدًا بَعِيدًا ﴾ ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ (ما عَمِلَتْ) لِقُرْبِهِ ولِأنَّ اليَوْمَ أُحْضِرَ فِيهِ الخَيْرُ والشَّرُّ والمُتَمَنِّي بَعْدَ الشَّرِّ لا ما فِيهِ مُطْلَقًا فَلا يَحْسُنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ اليَوْمَ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ في «اَلْبَحْرِ»، ورُدَّ بِأنَّهُ أبْلَغَ لِأنَّهُ يَوَدُّ البُعْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَوْمِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ لِئَلّا يُرى ما فِيهِ مِنَ السُّوءِ.

واَلْأمَدُ غايَةُ الشَّيْءِ ومُنْتَهاهُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأبَدِ أنَّ الأبَدَ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، والأمَدُ مُدَّةٌ لَها حَدٌّ مَجْهُولٌ والمُرادُ هُنا الغايَةُ الطَّوِيلَةُ، وقِيلَ: مِقْدارُ العُمْرِ، وقِيلَ: قَدْرُ ما يُذْهَبُ بِهِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالأمَدِ البَعِيدِ المَسافَةُ البَعِيدَةُ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، فالتَّمَنِّي هُنا مِن قَبِيلِ التَّمَنِّي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ ﴾ وهَذا الَّذِي ذُكِرَ في نَظْمِ الآيَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ الظّاهِرُ في بادِئِ الرَّأْيِ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرٍ اِخْتَلَفَ النُّحاةُ في جَوازِهِ وهو كَوْنُ الفاعِلِ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى ما اِتَّصَلَ بِهِ مَعْمُولُ الفِعْلِ المُتَقَدِّمُ نَحْوَ غُلامُ هِنْدٍ ضَرَبَتْ هِيَ، والآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ لِأنَّ الفاعِلَ بِ (يَوَدُّ) عائِدٌ عَلى شَيْءٍ اِتَّصَلَ بِمَعْمُولِ (يَوَدُّ) وهو يَوْمٌ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى ﴿ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ، والتَّقْدِيرُ: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ يَوْمَ وِجْدانِها ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ مُحْضَرًا لَوْ أنَّ بَيْنَها الخ؛ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ عَلى جَوازِ ذَلِكَ وهو الصَّحِيحُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: أجْلُ المَرْءِ يَسْتَحِثُّ ولا يَدْ رِي إذا يَبْتَغِي حُصُولَ الأمانِي أيِ المَرْءُ في وقْتِ اِبْتِغائِهِ حُصُولَ الأمانِي يَسْتَحِثُّ أجْلُهُ ولا يَدْرِي، والفَرّاءُ والأخْفَشُ وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ عَلى عَدَمِ الجَوازِ لِأنَّ هَذا المَعْمُولَ فَضْلَةٌ فَيَجُوزُ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى ما اِتَّصَلَ بِهِ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَلْزَمُ ذِكْرُ المَعْمُولِ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ الفاعِلُ عَلى ما اِتَّصَلَ بِهِ ولا يَخْفى وهَنُهُ.

وفِي الآيَةِ أوْجُهٌ أُخَرُ: مِنها: أنَّ ناصِبَ الظَّرْفِ ﴿ قَدِيرٌ ﴾ ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ تَقْيِيدُ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُ إذْ قَدِرَ في مِثْلِهِ عُلِمَ قُدْرَتُهُ في غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.

ومِنها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالمَصِيرِ أوْ بِالذِّكْرِ أوْ بِ (يُحَذِّرُكُمْ) مُقَدَّرًا فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ أوْ بِالعِقابِ المُضافِ الَّذِي أشْعَرَ بِهِ كَلامُ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وصَرَّحُوا بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِنَحْوِ اُذْكُرُوا يَجُوزُ في ﴿ ما عَمِلَتْ ﴾ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ تَوَدُّ ﴾ وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (ما) الأُولى، وجُمْلَةُ ﴿ تَوَدُّ ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّ سائِلًا قالَ حِينَ أُمِرُوا بِذِكْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ: فَماذا يَكُونُ إذْ ذاكَ؟

فَقِيلَ: ﴿ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها ﴾ الخ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تَجِدُ) أيِ اُذْكُرُوا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ مُحْضَرًا، وأدَّتْ تَباعُدَ ما بَيَّنَها وبَيْنَهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ عَمِلَتْ ﴾ لِقُرْبِهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الوِدادَ إنَّما هو وقْتُ وِجْدانِ العَمَلِ حاضِرًا في الآخِرَةِ لا وقْتُ العَمَلِ في الدُّنْيا، والحالِيَّةُ مِن ضَمِيرِ ﴿ عَمِلَتْ ﴾ تَقْتَضِيهِ فَلا وجْهَ لَها، وأُجِيبَ بِأنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى مَعْنى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ كَذا مُقَدَّرًا وِدادُهُ، أيْ حالَ كَوْنِهِ ثابِتًا في قَدَرِنا وِدادَهُ، فالوِدادُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لِلْعَمَلِ إلّا أنَّ كَوْنَ الوِدادِ ثابِتًا في قَدَرِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ مُقارِنٌ لَهُ، وهَذا مِثْلَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ﴿ عَمِلَتْ ﴾ يَلْزَمُ تَخْصِيصُ العَمَلِ، والمَقامُ لا يُناسِبُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ القَصْدُ التَّخْصِيصَ بَلْ بَيانَ سُوءِ حالِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ ولا بَأْسَ بِهِ، وجَوَّزَ أيْضًا أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) في ”ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ“ [ 30 ] شَرْطِيَّةً وإلى ذَلِكَ مالَ السَّفاقِسِيُّ ورَفَعَ ﴿ تَوَدُّ ﴾ لَيْسَ بِمانِعٍ لِأنَّهُ إذا كانَ الشَّرْطُ ماضِيًا والجَزاءُ مُضارِعًا جازَ في الجَزاءِ الرَّفْعُ والجَزْمُ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ إنِ الشَّرْطِيَّةَ وأسْماءِ الشَّرْطِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ رَفْعَ المُضارِعِ في الجَزاءِ شاذٌّ كَرَفْعِهِ في الشَّرْطِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُبَرِّدُ وشَهِدَ بِهِ الِاسْتِعْمالُ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ إلّا في قَوْلِ زُهَيْرٍ: (وإنْ) أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِيَ ولا حَرِمُ فَلا يُسْتَسْهَلُ تَخْرِيجُ القِراءَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها عَلَيْهِ، نَعَمْ لا بَأْسَ بِتَخْرِيجِ الشَّواذِّ كَقِراءَةِ ﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ بِرَفْعِ يُدْرِكُ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الشُّذُوذَ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ الرَّفْعَ مَسْمُوعٌ كَثِيرًا في لِسانِ العَرَبِ حَتّى اِدَّعى بَعْضُ المَغارِبَةِ أنَّهُ أحْسَنُ مِنَ الجَزْمِ، وبَيْتُ زُهَيْرٍ مِثْلُهُ قَوْلُ أبِي صَخْرٍ: ولا بِاَلَّذِي إنْ بانَ مِنهُ حَبِيبُهُ ∗∗∗ يَقُولُ ويُخْفِي الصَّبْرَ إنِّي لَجازِعُ وقَوْلُ الآخَرِ: إنْ يُسْألُوا الخَيْرَ يُعْطُوهُ وإنْ خُبِرُوا ∗∗∗ في الجَهْدِ أُدْرِكُ مِنهم طِيبَ أخْبارِ بِرَفْعِ أُدْرِكُ وهو مُضارِعٌ وقَعَ جَوابَ الشَّرْطِ، وقَوْلُهُ: وإنْ بَعُدُوا لا يَأْمَنُونَ اِقْتِرابَهُ ∗∗∗ تَشَوُّفَ أهْلِ الغائِبِ المُتَنَظِّرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفي «اَلْبَحْرِ»: إنْ ضَعْفَ تَخْرِيجِ الرَّفْعِ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ بِذَلِكَ لِما عَلِمْتَ ولَكِنْ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما في الآيَةِ جَزاءً لِما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ النِّيَّةَ في المَرْفُوعِ التَّقْدِيمُ ويَكُونُ إذْ ذاكَ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ لا نَفْسَ الجَوابِ وحِينَئِذٍ يُؤَدِّي إلى تَقْدِيمِ المُضْمَرِ عَلى ظاهِرِهِ في غَيْرِ الأبْوابِ المُسْتَثْناةِ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ وبَيْنَهُ عائِدٌ عَلى اِسْمِ الشَّرْطِ وهو (ما) فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، ورَدَّهُ السَّفاقِسِيُّ بِأنّا لَوْ تَنَزَّلْنا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ أيْضًا لَأنَّ الجُمْلَةَ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ الشَّرْطِ يَلْزَمُ تَأْخِيرُها وإنْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً في النِّيَّةِ ألا تَرى أنَّ الفاعِلَ إذا اِشْتَمَلَ عَلى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَفْعُولِ يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِ، وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ في النِّيَّةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ودَّتْ وعَلَيْها يَرْتَفِعُ مانِعُ الِارْتِفاعِ بِالإجْماعِ وتَصِحُّ الشَّرْطِيَّةُ إلّا أنَّ العَلّامَةَ الثّانِي قالَ: إنَّ في الصِّحَّةِ كَلامًا لِأنَّ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ حالٌ أوْ عَطْفٌ عَلى (تَجِدُ) والشُّرْطِيَّةُ لا تَقَعُ حالًا ولا مُضافًا إلَيْها الظَّرْفُ فَلا يَبْقَ إلّا عَطْفُها عَلى اُذْكُرُوا وهو بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُخِلُّ بِالمَعْنى وهو كَوْنُ هَذِهِ الحالَةِ والوِدادَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا مَحِيصَ سِوى جَعْلُها حالًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ وهي ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ودَّتْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّهم أعْرَبُوا أنَّ الوَصْلِيَّةَ مَعَ جُمْلَتِها عَلى الحالِيَّةِ ولَمْ يَنُصَّ النُّحاةُ عَلى مَنعِ الإضافَةِ إلَيْها، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ: إنَّ المَوْصُولِيَّةَ أوْفَقُ بِقِراءَةِ العامَّةِ وأجْرى عَلى سُنَنِ الِاسْتِقامَةِ لِأنَّهُ كَلامٌ كَحِكايَةِ الحالِ الكائِنَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما يُفِيدُ الوُقُوعَ ولا كَذَلِكَ الشَّرْطِيَّةُ عَلى أنَّها تُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ ولا عَمَلَ سُوءٍ في اِسْتِقْبالِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَذا لا يَنْفِي الصِّحَّةَ لِأنَّها وإنْ لَمْ تَدُلَّ عَلى الوُقُوعِ لا تُنافِيهِ، وحَدِيثُ الِاسْتِقْبالِ يَدْفَعُهُ تَقْدِيرُ وما كانَ عَمِلَتْ كَما في نَظائِرَ لَهُ، فَتَدَبَّرْ وافْهَمْ فَعَلَّكَ لا يَقْطَعُكَ عَنِ اِخْتِيارِ المَوْصُولِيَّةِ شَيْءٌ.

﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ قِيلَ: ذِكْرُهُ أوَّلًا لِلْمَنعِ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ وهُنا حَثًّا عَلى عَمَلِ الخَيْرِ والمَنعِ مِن عَمَلِ السُّوءِ مُطْلَقًا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ تَوَدُّ ﴾ أيْ تَهابُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ ومِنَ العَمَلِ السَّيْءِ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بِإظْهارِ قَهّارِيَّتِهِ وهو مِمّا لا يَكادُ يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ الكِتابُ العَزِيزُ عَلَيْهِ، وأهْوَنُ مِنهُ عَطْفُهُ عَلى (تَجِدُ) والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِ (اُذْكُرُوا) أيِ اُذْكُرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ واذْكُرُوا يَوْمَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بِإظْهارِ كِبْرِيائِهِ وقَهّارِيَّتِهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ تَكْرارٌ لِما سَبَقَ وإعادَةٌ لَهُ لَكِنْ لا لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ بَلْ لِإفادَةِ ما يُفِيدُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ مِن أنَّ تَحْذِيرَهُ تَعالى نَفْسَهُ مِن رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ لِلْعِبادِ لِأنَّهم إذا عَرَفُوهُ وحَذَرُوهُ جَرَّهم ذَلِكَ إلى طَلَبِ رِضاهُ واجْتِنابِ سَخَطِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، أوْ مِن أنَّ تَحْذِيرَهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى تَناسِي صِفَةِ الرَّحْمَةِ بَلْ هو مُتَحَقِّقٌ مَعَ تَحَقُّقِها أيْضًا.

فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ وعَلى الثّانِي حالٌ، وإلى الأوَّلِ يُشِيرُ كَلامُ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وألْ في العِبادِ لِلِاسْتِغْراقِ وتَكْرِيرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإذْهابِ الغَفْلَةِ بِتَوَجُّهِ الذِّهْنِ إلى هَذا الحُكْمِ أتَمَّ تَوَجُّهٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ يقول: إن تسروا ما فى قلوبكم من النكوث، وولاية الكفار أَوْ تُبْدُوهُ يعني تعلنوه للمؤمنين يَعْلَمْهُ اللَّهُ لأن الله عليم وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من عمل، فليس يخفى عليه شيء وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من السر والعلانية، والعذاب والمغفرة قدير يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ في الدنيا مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً يعني تجد ثوابه حاضراً، ولا ينقص من ثواب عمله شيء وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ يعني من شر في الدنيا تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً يعني تتمنى النفس أن تكون بينها، وبين ذلك العمل أجلاً بعيداً، كما بين المشرق والمغرب، ولم تعمل ذلك العمل قط ثم قال: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي عقوبته في عمل السوء وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ قال ابن عباس: يعني بالمؤمنين خاصة، وهو رحيم بهم.

ويقال: رؤوف بالذين يعملون السوء، حيث لم يعجل بعقوبتهم.

ويقال: ذكر في أول هذه الآية عدله عز وجل في قوله: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، وفي وسطها تخويف وتهديد وهو قوله وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وفي آخرها ذكر رأفته ورحمته وهو قوله وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: نَفْسَهُ: نائبةٌ عن «إيَّاهُ» ، وهذه مخاطبةٌ على معهود ما يفهمه البشَرُ، والنَّفْسُ في مثْلِ هذا راجعٌ إِلى الذاتِ، وفي الكلامِ حذْفُ مضافٍ لأن التحذير إِنما هو من عقابٍ وتنكيلٍ ونحوه، قال ابنُ عَبَّاس، والحسن: / ويحذِّركم اللَّه عقابه «١» .

وقوله تعالى: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ ...

الآية: الضميرُ في «تُخْفُوا» هو للمؤمنين الذين نُهُوا عن الكافرين، والمعنى: إِنكم إِن أبطنتم الحرْصَ على إِظهار موالاتهم، فإِن اللَّه يعلم ذلك، وَيَكْرَهُهُ منكم.

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)

وقوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْنِي» : «يَوْم» : نصْبٌ بمحذوفٍ، تقديره: اذكُروا أو احذروا، ولا يصحُّ أنْ يكون ظرفًا ل «يحذِّركم» كما زعم بعضُهم لأن التحذير في الدنيا وَقعَ لا في الآخرة.

اهـ.

وقوله تعالى: وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، يحتمل أنْ تكون «مَا» معطوفةً على «مَا» الأولى، فهي في موضعِ نَصْب، ويكون «تَوَدُّ» في موضعِ الحالِ، وإِليه ذهب الطبريُّ «٢» وغيره، ويحتملُ أنْ تكون «مَا» رُفِعَ بالاِبتدَاء، والخبر في قوله: «تَوَدُّ» .

وما بعده، والأَمَدُ:

الغايةُ المحْدُودة من المكانِ أو الزَّمَان.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ يحتمل أنْ يكون إشارةً إِلى أنَّ تحذيره رأْفَةٌ منه سبحانه بعباده، ويحتملُ أنْ يكونَ ابتداء إِعلام بهذه الصفَةِ، فمقتضى ذلك: التأنيسُ لئلا يفرطَ الوعيدُ على نَفْس مؤمن، فسبحانه ما أرحمه بعباده!.

وعن مَنْصُورِ بْنِ عَمَّار «٣» أنه قال: أعقلُ النّاس محسن خائف، وأجهل النّاس مسيء

آمنٌ، فلما سمع عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَان «١» منْه هذا الكلامَ بكى حتى بَلَّ ثيابه، ثم قال له:

اتل عَلَيَّ، يا مَنْصُورُ، شَيْئاً منْ كتابِ اللَّهِ، فتلا عليه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ...

الآيَةَ، فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: قَتَلْتَنِي، يَا مَنْصُورُ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ.

اهـ.

وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ...

الآية: قال الشيخُ العارفُ باللَّه ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : مِنْ علامةِ السعادةِ للشخْصِ: أنْ يكون مُعْتَنِياً بمعرفة السُّنَّة في جميعِ تصرُّفاته، والذي يكونُ كذلك هو دائمٌ في عبادة في كلِّ حركاته وسكناته، وهذا هو طريق أهل الفَضْلِ حتى حُكِيَ عن بعضهم أنه لم يأكُلِ البطِّيخَ سنين لَمَّا لَمْ يبلُغْه كيفيَّةُ السُّنَّة في أَكْله، وكيف لاَ، واللَّه سبحانه يَقُولُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ والاِتباعية الكاملةُ إِنما تصحُّ بأنْ تكون عامَّة في كلِّ الأشياء، يعني: إِلا ما خصَّصه به الدليلُ، جعلنا اللَّه من أهْلها في الدَّارَيْن.

انتهى.

قال ع «٢» : قال الحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ، وابنُ جريج: إنّ قوما على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا، فنزلَتْ هذه الآية، وقيل: أمر صلّى الله عليه وسلّم أنْ يقولَ هذا القولَ لنصارى نَجْرَان.

قال ع «٣» : ويحتملُ أنْ تكون الآيةُ عامَّة لأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا يدَّعُون أنَّهم يحبُّون اللَّه، ويحبهم.

قال عِيَاضٌ: اعلم أَنَّ مَنْ أَحبَّ شيئاً، آثره، وآثر موافقته، وإِلا لم يكن صادقاً في حُبِّه، وكان مدَّعياً، فالصادق في حبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، مَنْ تظهر علاماتُ ذلك عليه، وأولُها الاِقتداءُ به، واتباع سنَّته، واتباع أقوالِهِ وأفعالِهِ، والتأدُّبُ بآدابه في عُسره ويُسْره قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ...

الآية، قال عياض: روي في الحديث، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «مَنِ استمسك بِحَدِيثِي، وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ، جاء مع القرآن، ومن

تَهَاوَنَ بالقُرْآنِ، وَحَدِيثِيَ، / خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ...

» الحديثَ «١» ، وعن أبي هريرةَ (رضي اللَّه عنه) ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «المُسْتَمْسِكُ بسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي، لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ» «٢» ، وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «عليكُمْ بالسبيلِ والسُّنَّةِ، فإِنه ما على الأرضِ من عبد على السبيل والسنة، ذكر الله في نَفْسِهِ، ففاضَتْ عيناه مِنْ خَشْية ربه، فيعذِّبه اللَّه أبداً، وما على الأرضِ مِنْ عبد على السبيل والسنة، ذكر الله في نَفْسه، فاقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْية اللَّه، إلا كان مَثَلُهُ كَمَثَلِ شجرة، قَدْ يَبِسَ ورَقُهَا، فهي كَذَلِكَ إِذ أصابتها ريحٌ شديدةٌ فتحاتَّ عنها ورقُها إِلاَّ حَطَّ اللَّه عنه خَطَايَاهُ كما تَحَاتَّ عن الشجرة وَرَقُهَا ...

» الحديث.

قال عياض: ومن علامات محبّته صلّى الله عليه وسلّم: زُهْدُ مدَّعيها في الدُّنْيا، وإِيثاره الفَقْر، واتصافه فيه ففي حديثِ أبي سَعِيدٍ: «إِنَّ الفَقْرَ إلى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى الوَادِي، أَوِ الجَبَل إلى أَسْفَلِهِ» «٣» ، وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «٤» : «قال رجُلٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إٍنِّي أُحِبُّكَ، فَقَالَ: انظر مَا تَقُولُ؟

قَالَ: وَاللَّهِ لأُحِبُّكَ» ثَلاَثَ مَرَّات قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي، فَأَعِدَّ لِلفَقْرِ تَجْفَافاً» ، ثم ذكر نَحْوَ حديثِ أبِي سَعِيدٍ بمعناه «٥» اهـ من «الشّفا» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصَبَ "اليَوْمَ" بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالمَصِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وإلى اللَّهِ المَصِيرُ، يَوْمَ تَجِدُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يَوْمَ تَجِدُ.

وفي كَيْفِيَّةِ وُجُودِ العَمَلِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: وُجُودُهُ مَكْتُوبًا في الكِتابِ.

والثّانِي: وُجُودُ الجَزاءِ عَلَيْهِ.

والأمَدُ: الغايَةُ.

قالَ الطِّرَّمّاحُ: كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْ رِ ومُودٍ إذا انْقَضى أمَدُهُ يُرِيدُ غايَةَ أجَلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ ويَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ الضَمِيرُ في "تُخْفُوا" هو لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أولِياءً، والمَعْنى: إنَّكم إنْ أبْطَنْتُمُ الحِرْصَ عَلى إظْهارِ مُوالاتِهِمْ؛ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ ويَكْرَهُهُ مِنكم.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى التَفْصِيلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ عُمُومٌ، والشَيْءُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْجُودُ.

و"يَوْمَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في العامِلِ فِيهِ، فَقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العامِلُ فِيهِ "قَدِيرٌ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإلى اللهِ المَصِيرُ  ﴾ ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وقالَ أيْضًا: العامِلُ فِيهِ ( ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ يَوْم ) ورَجَّحَهُ، وقالَ مَكِّيٌّ حِكايَةً: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ يَوْمَ" و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، و"مُحْضَرًا" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: مُوَفَّرًا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، والحُضُورُ أبْيَنُ مِن أنْ يُفَسَّرَ بِلَفْظٍ آخَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَعْطُوفَةً عَلى "ما" الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ وتَكُونَ "تَوَدُّ" في مَوْضِعِ الحالِ، وإلى هَذا العَطْفِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ "تَوَدُّ" وما بَعْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وعَمَلُها السَيِّءُ مَرْدُودٌ عِنْدَها، إنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا.

وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "مِن سُوءٍ ودَّتْ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ "تَوَدُّ" لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ، والشَرْطُ يَقْتَضِي جَزْمَهُ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ "فَهِيَ تَوَدُّ" وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ.

والأمَدُ: الغايَةُ المَحْدُودَةُ مِنَ المَكانِ أوِ الزَمانِ.

قالَ النابِغَةُ: .......................

سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ فَهَذِهِ غايَةٌ في المَكانِ.

وقالَ الطِرِمّاحُ: كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ ومُودٍ إذا انْقَضى أمَدُهُ فَهَذِهِ غايَةٌ في الزَمانِ.

وَقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَسُرُّ أحَدَهم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، ذَلِكَ مُناهُ، وأمّا في الدُنْيا فَقَدْ كانَتْ خَطِيئَتُهُ يَسْتَلِذُّها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى التَحْذِيرِ، لِأنَّ تَحْذِيرَهُ وتَنْبِيهَهُ عَلى النَجاةِ؛ رَأْفَةٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إعْلامٍ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَمُقْتَضى ذَلِكَ التَأْنِيسُ لِئَلّا يَفْرُطَ الوَعِيدُ عَلى نَفْسِ مُؤْمِنٍ، وتَجِيءُ الآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ شَدِيدُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ﴾ مَعْناهُ: واللهُ مَحْذُورُ العِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة مستأنفة، أصل نظم الكلام فيها: تَوَدّ كل نفس لَوْ أنّ بينهَا وَبيْن ما عملت من سوء أمداً بعيداً يومَ تَجِدُ مَا عملت من خير مُحْضراً.

فقُدم ظرفها على عامله على طريقة عربية مشهورة الاستعمال في أسماء الزمان، إذا كانت هي المقصود من الكلام، قضاء لحق الإيجاز بنسج بديع.

ذلك أنّه إذا كان اسم الزمان هو الأهمّ في الغرض المسوق له الكلام، وكان مع ذلك ظرفاً لشيء من علائقه، جيء به منصوباً على الظرفية، وجُعل معنى بعضضِ ما يحصل منه مصوغاً في صيغة فعللٍ عامل في ذلك الظرف.

أو أصل الكلام: يحضر لكلِّ نفس في يوم الإحضار ما عملت من خير وما عملت من سوء، فتودّ في ذلك اليوم لو أنّ بينها وبين ما عملت من سوء أمداً بعيداً، أي زماناً متأخّراً، وأنّه لم يحضر ذلك اليومَ.

فالضمير في قوله وبينه على هذا يعود إلى ما عملتْ من سوء، فحُوِّل التركيب، وجُعل (تودّ) هو الناصب ليوم، ليستغنى بكونه ظرفاً عن كونه فاعلاً.

أو يكون أصل الكلام: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ومن شرّ محضراً، تودّ لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم أمداً بعيداً؛ ليكون ضمير بينه عائداً إلى يوم أي تودّ أنّه تأخّر ولم يحضر كقوله: ﴿ رب لولا أخرتنِي إلى أجل قريب فأصدّق ﴾ [المنافقون: 10] وهذا التحويل من قبيل قول امرئ القيس.

ويوماً على ظهر الكثيب تعذّرت *** عليّ وآلت حِلفة لم تُحَلَّل فإنّ مقصده ما حصل في اليوم، ولكنّه جعل الاهتمام بنفس اليوم، لأنّه ظرفه.

ومنه ما يجيء في القرآن غير مرة، ويكثر مثل هذا في الجمل المفصول بعضها عن بعض بدون عطف لأنّ الظرف والمجرور يشبهان الروابط، فالجملة المفصولة إذا صدّرت بواحد منها أكسبها ذلك نوع ارتباط بما قبلها: كما في هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿ وإذ قالت امرأة عمران ﴾ [آل عمران: 35] ونحوهما، وهذا أحسن الوجوه في نظم هذه الآية وأومأ إليه في «الكشاف».

وقيل منصوب باذكر، وقيل متعلق بقوله: ﴿ المصير ﴾ وفيه بعد لطول الفصل، وقيل بقوله: (ويحذّركم) وهو بعيد، لأنّ التحذير حاصل من وقت نزول الآية، ولا يحسن أن يجعل عامل الظرف في الآية التي قبل هذه لعدم التئام الكلام حق الالتئام.

فعلى الوجه الأول قوله تودّ هو مبدأ الاستئناف، وعلى الوجوه الأخرى هو جملة حالية من قوله وما عمِلت من سُوء.

وقوله: ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ يجوز أن كون تكريراً للتحذير الأول لِزيادة التأكيد كقول لبيد: فتنازَعَا سَبِطاً يَطير ظِلاله *** كدُخان مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها مَشْمُولَةٍ غُلِثت بنابت عَرنَج *** كدُخَاننِ نَارٍ سَاطِععٍ أسْنَامُها ويجوز أن يكون الأول تحذيراً من موالاة الكافرين، والثاني تحذيراً من أن يجدوا يوم القيامة ما عملوا من سوء محضراً.

والخطاب للمؤمنين ولذلك سمّى الموعظة تحذيراً: لأنّ المحذّر لا يكون متلبّساً بالوقوع في الخطر، فإنّ التحذير تبعيد من الوقوع وليس انتشالاً بعدَ الوقوع وذيّله هنا بقوله: ﴿ والله رؤوف بالعباد ﴾ للتذكير بأنّ هذا التحذير لمصلحة المحذّرين.

والتعريف في العباد للاستغراق: لأنّ رأفة الله شاملة لكلّ الناس مسلمهم وكافرهم: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابّة ﴾ [فاطر: 45] ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ [الشورى: 19] وما وعيدهم إلاّ لجلب صلاحهم، وما تنفيذه بعد فوات المقصود منه إلاّ لصدق كلماته، وانتظاممِ حكمته سبحانه.

ولك أن تجعل (أل) عوضاً عن المضاف إليه أي بعباده فيكون بشارة للمؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ في آلِ عِمْرانَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ.

والثّانِي: أنَّهُ المَسِيحُ، لِأنَّ مَرْيَمَ بِنْتُ عِمْرانَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفِيما اصْطَفاهم بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِ دِينِهِمْ لَهم، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّهُ اصْطَفاهم بِتَفْضِيلِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي مَيَّزَهم بِها عَلى أهْلِ زَمانِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِهِمْ لِلنُّبُوَّةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم صارُوا ذُرِّيَّةً بِالتَّناصُرِ لا بِالنَّسَبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ  ﴾ يَعْنِي في الِاجْتِماعِ عَلى الضَّلالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهم في التَّناسُلِ والنَّسَبِ، إذْ جَمِيعُهم مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: أخبرهم أنه يعلم ما أسروا من ذلك وما أعلنوا فقال: ﴿ إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ﴾ يقول: موفراً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وما عملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ﴾ قال: يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً يكون ذلك مناة، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئة يستلذها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ أمداً بعيداً ﴾ قال: مكاناً بعيداً.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ أمداً ﴾ قال: أجلاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ﴾ قال: من رأفته بهم حذرهم نفسه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ اختلفوا في العامل في ﴿ يَوْمَ ﴾ ، فقال ابن الأنباري (١) ﴿ الْمَصِيرُ ﴾ (٢) وقال الزجَّاج (٣) ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ ، في الآية (٤) (٥) قال أبو بكر: ولا يجوز أن يكون (اليوم) منصوباً بـ ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ﴾ ، المذكور في هذه الآية، لأن واو النَّسَقِ (٦) قال: ويجوز أن يكون (اليوم) متَصلًا بـ ﴿ قَدِيرٌ ﴾ (٧) وخصَّ هذا [اليوم] (٨) ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ (٩) وقوله تعالى: ﴿ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ .

يريد: بيان ما عملت؛ بما يرى من صحائف الحسنات.

ويجوز أن يكون المعنى: جزاء ما عملت؛ بما يرى من الثواب.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ﴾ .

الأظهر: أن تجعل ﴿ مَا ﴾ ههنا بمنزلة (الذي)، فيكون معطوفاً على ﴿ مَا ﴾ الأولى، ويكون ﴿ عَمِلَتْ ﴾ صلةً لها.

ويصلح أن تكون بمعنى: الجزاء فتكون مُسْتَأنَفَةً.

وكان الأجود؛ إذا جعلت ﴿ مَا ﴾ بمعنى الجزاء، أن تنصب ﴿ تَوَدُّ ﴾ ، أو تخفضه، ولَمْ يقرأ أحدٌ إلا رفعاً، فكان هذا دليلاً [على] (١٠) ﴿ مَا ﴾ بمعنى (الذي) (١١) وقوله تعالى: ﴿ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ .

معنى (الأمد): الغاية التي يُنتَهى إليها (١٢) قال مقاتل (١٣) وقال الحسن (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ .

قد ذكرنا ما فيه (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ .

قال الحسن (١٦) (١) لم أهتد إلى مصدر قوله.

(٢) في (د): (متعلق بالضمير).

يعني بـ ﴿ الْمَصِيرُ ﴾ : ما ورد في قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ آية: 28 من نفس السورة.

(٣) في "معاني القرآن" له: 1/ 397.

(٤) من قوله: (في الآية ..) إلى (..

نفسه): ساقط من (ج).

(٥) ضعَّف أبو حيان نصب ﴿ يَوْمَ ﴾ بـ ﴿ الْمَصِيرُ ﴾ ، وبـ ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ﴾ في الآية التي قبلها؛ وذلك لأن الفاصل قد طال بين العامل والمعمول، ويضاف إليه في النصب بـ ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ﴾ ، أن التحذير موجود، واليوم موعود، فلا يلتقيان، فلا يصح عمل الفعل هنا.

انظر: "البحر المحيط" 2/ 426، "التبيان" للعكبري: 1/ 252.

(٦) أي: واو العطف.

(٧) في (ج): (تقديره).

ويعني بـ ﴿ قَدِيرٌ ﴾ الواردة في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ آية: 29.

(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د).

(٩) وقيل إنَّ ﴿ يَوْمَ ﴾ في آية سورة آل عمران، منصوب بفعل مضمرٍ، هو (اذكر) أو (اتَّقوا)، وقال الزمخشري: إنَّ ناصبه هو فعل ﴿ تَوَدُّ ﴾ الآتي بعده.

وحول هذه الوجوه نقاش، انظره في "تفسير الطبري" 3/ 231، "الكشاف" 1/ 423، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 560، "البحر المحيط" 2/ 426، "الدر المصون" 1/ 114.

(١٠) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج).

(١١) انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 206،"إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 321، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 155، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 561.

(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 231، "القاموس المحيط" 339 (أمد).

(١٣) قوله في "تفسيره" 1/ 270.

ونصه عنده: (يعني: أجلًا بعيدًا بين المشرق والمغرب).

(١٤) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 231، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 631، "تفسير الثعلبي" 3/ 36 ب، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 29، ونسب إخراجه لابن المنذر كذلك.

(١٥) ذكر ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ من آية: 28.

(١٦) قوله في "تفسير عبد الرزاق": 1/ 118، "تفسير الطبري" 3/ 231، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 631، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 1/ 384.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون ﴾ الآية.

عامة في جميع الأعصار، وسببها ميل بعض الأنصار إلى بعض اليهود، وقيل: كتاب حاطب إلى مشركي قريش ﴿ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ ﴾ تبرؤ ممن فعل ذلك.

ووعيد على موالاة الكفار، وفي الكلام حذف تقديره: ليس من التقرب إلى الله ﴿ فِي شَيْءٍ ﴾ ، وموضع في شيء نصب على الحال من الضمير في ليس من الله، قاله ابن عطية ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ ﴾ إباحة لموالاتهم إن خافوا منهم، والمراد موالاة في الظاهر مع البغضاء في الباطن ﴿ تقاة ﴾ وزنه فعلة بضم الفاء وفتح العين.

وفاؤه واو، وأبدل منها تاء، ولامه ياء أبدل منها ألف، وهو منصوب على المصدرية، ويجوز أن ينصب على الحال من الضمير في تتقوا ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ تخويف ﴿ يَوْمَ تَجِدُ ﴾ منصوب على الظرفية، والعامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكروا أو خافوا وقيل: العامل فيه قدير، وقيل: المصير، وقيل: يحذركم ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء ﴾ مبتدأ خبره تودّ، أو معطوف ﴿ أَمَدَاً ﴾ أي مسافة ﴿ والله رَؤُوفٌ ﴾ ذُكر بعد التحذير تأنيساً لئلا يفرط في الخوف، أو لأن التحذير والتنبيه رأفة ﴿ فاتبعوني ﴾ جعل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم علامة على محبة العبد لله تعالى وشرط في محبة الله للعبد ومغفرته له، وقيل إنّ الآية خطاب لنصارى نجران ومعناها على العموم في جميع الناس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الحي من الميت والميت من الحي ﴾ بالتشديد على "فيعل" حيث كان: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون بالتخفيف على "فيل".

﴿ منهم تقية ﴾ بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها: أبو زيد عن المفضل وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ تقاة ﴾ بضم التاء.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة.

الوقوف: ﴿ ممن تشاء ﴾ ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما ﴿ ونذل من تشاء ﴾ ط ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ في الليل ﴾ ز للفصل بين الجملتين المتضادتين ﴿ من الحي ﴾ ز لعطف المتفقتين ﴿ حساب ﴾ ه، ﴿ المؤمنين ﴾ ج ﴿ تقاة ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ محضرا ﴾ ج والأجوز أن يوقف على ﴿ سوء ﴾ تقديره وما عملت من سوء كذلك.

﴿ بعيداً ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ ذنوبكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والرسول ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ العالمين ﴾ (لا) لأن ﴿ ذرّية ﴾ بدل.

﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ (لا) لاحتمال أن "إذ" متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب "إذ" بإضمار "اذكر".

/التفسير: إنه  لما ذكر من طريقة المعاندين ما ذكر، علم نبيه  طريقة مباينة لطريقتهم من كيفية التمجيد والتعظيم فقال: ﴿ قل اللهم ﴾ ومعناه عند سيبويه يا الله والميم المشددة عوض عن الياء.

وإنما أخرت تبركاً باسم الله  وهذا من خصائص اسم الله.

كما اختص بدخول تاء القسم، وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزته في يا الله.

وعند الكوفيين أصله يا الله أمنا بخير أي أقصدنا، فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء.

وخففت الهمزة من أمّ.

وزيف بأن التقدير لو كان كذلك لزم أن يذكر الدعاء بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا.

ولجاز أن يتكلم به على أصله من غير تخفيف الهمزة وبإثبات حرف النداء وأجيب بأنه إنما لم يوسط العاطف لئلا يصير السؤال سؤالين ضرورة مغايرة المعطوف للمعطوف عليه بخلاف ما لو جعل الثاني تفسيراً للأول فيكون آكد.

وبأن الأصل كثيراً ما يصير متروكاً مثل: ما أكرمه فإنه لا يقال: شيء ما أكرمه في التعجب.

﴿ ومالك الملك ﴾ نداء مستأنف عند سيبويه.

فإن النداء باللهم لا يوصف كما لا توصف أخواته من الأسماء المختصة بالنداء نحو: يا هناه ويا نومان ويا ملكعان وفل.

وأجاز المبرد نصبه على النعت كما جاز في "يا ألله".

عن ابن عباس وأنس بن مالك "أن رسول الله  حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟

هم أعز وأمنع من ذلك" فنزلت الآية.

وعن عمرو بن عون "أن رسول الله  لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله  ، يخبره  ، فأخذ المعول من سلمان فضربها  ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كالمصباح في جوف بيت مظلم، وكبر  وكبر المسلمون وقال  : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال  : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب  الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا.

فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا" فنزلت.

وقال الحسن: إن الله  أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما.

وأمره بذلك دليل على أن يستجيب له  هذا الدعاء وهكذا منازل الأنبياء إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم.

﴿ مالك الملك ﴾ أي تملك جنس الملاك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وفيه أن قدرة الخلق في كل ما يقدرون عليه ليست إلا بأقدار / الله  .

ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله: ﴿ تؤتى الملك من تشاء ﴾ أي النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك.

فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل.

وهذا الملك قيل: ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق.

والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من أرادوا من المتمردين.

ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشراً ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً  ﴾ ومن المجوّزين من كان يقول إن محمداً  فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم؟

﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ وكانت اليهود تقول: النبوة في أسلافنا فنحن أحق بها.

وقد روينا في تفسير قوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون  ﴾ أن اليهود تكبروا على النبي  بكثرة عددهم وعددهم فرد الله  على جميع هؤلاء الطوائف بأنه  مالك الملك يؤتي الملك - وهو النبوة - من يشاء، وينزع الملك - النبوة - ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء كقوله: ﴿ الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط.

ومثله ﴿ أو لتعودنّ في ملتنا  ﴾ مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود إليها.

وقيل: المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال بأنواعه وعلى الجاه، وهو أن يكون مهيباً عند الناس وجيهاً غالباً مظفراً مطاعاً.

ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء الله  .

فكم من عاقل قليل المال، ورب جاهل غافل رخي البال، وقد رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولاً، فعلمنا أن الكل بإيتاء الله  سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور، لأن حصول الملك للجائر إن لم يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له.

فلم يبق إلا أن يكون من مسبب الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور.

لو كان بالحيل الغنى لوجدتني *** بتخوم أقطار السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حرم الغنى *** ضدان مفترقان أيّ تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك.

والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك.

في بعض الكتب "أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة.

وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم" وهذا كقوله  "كما تكونوا يولى عليكم" والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص ﴿ وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴾ كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق، وكل ذلك بتيسير الله  وتقديره ﴿ بيدك الخير ﴾ أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء.

وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر والنفع والضرّ، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، أو لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم تفصيلها فكلها خير، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر فاكتفى بالأول عن الثاني.

وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا بالتضمن في قوله: ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ ولأن الخير يصدر عن الحكم بالذات والشر بالعرض فاقتصر على الخير.

﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ وذلك بأن يجعل الليل قصيراً ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس.

ففي كل منهما قوام العالم ونظامه.

أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوأه.

فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه ﴿ وتخرج الحي من الميت ﴾ المؤمن من الكافر ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ أي كافراً فهديناه، أو الطيب من الخبيث، أو الحيوان من النطفة، أو الطير من البيضة وبالعكس.

والنطفة تسمى ميتاً ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاًَ فأحياكم  ﴾ أو يخرج السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة وبالعكس.

فإخراج النبات من الأرض يسمى إحياء ﴿ يحيي الأرض بعد موتها  ﴾ ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ تقدم مثله في البقرة.

وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم / ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم.

ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر الله أردفه بشريطة الشفقة على خلق الله، أو نقول: لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة والذلة والخير كله.

بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين ﴾ بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين.

قال الزجاج: ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ.

والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر.

وقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين.

عن ابن عباس قال: "كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلا كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم.

فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود.

فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم" فنزلت هذه الآية.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك: "نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود.

فلما خرج النبي  يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو" فنزلت.

وقال الكلبي: نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله  فأنزل الله  هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.

وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم  ﴾ ﴿ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء  ﴾ ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله  ﴾ وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال: ﴿ من يفعل ذلك فليس من الله ﴾ أي من ولايته أو من دينه ﴿ في شيء ﴾ يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال: تود عدوّي ثم تزعم أنني *** صديقك ليس النوك عنك بعازب قال بعض الحكماء: هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدوّ مشفقاً على العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ قال الجوهري: يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث.

فالتقاة اسم وضع موضع المصدر.

قال الواحدي: ويجوز أن يجعل "تقاة" ههنا مثل "دعاة" و "رماة" فيكون حالاً مؤكدة، وعلى هذين الوجهين يكون تتقوا مضمناً معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي بـ"من".

ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل: ضرب الأمير لمضروبه، فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه.

رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى  : كن وسطاً وامش جانباً أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله.

وللتقية عند العلماء أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب.

ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما "روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله  فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

قال: نعم.

قال: أتشهد أني رسول الله؟

قال: نعم.

- وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

فقال: نعم نعم نعم.

فقال: أتشهد أني رسول الله؟

فقال: إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله.

فبلغ ذلك رسول الله  : فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه" .

ونظير هذه الآية ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة.

وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز ألبتة.

ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافر محاماة على النفس.

ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله  : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه" و "من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على / التيمم إذا بيع الماء بالغبن.

قال مجاهد: كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين.

وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة.

وهذا أرجح عند الأئمة.

﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ قيل: أي عقاب نفسه.

وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب.

وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره.

وقيل: الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل.

ثم حذر عن جعل الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية فقال: ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ أي قلوبكم وضمائركم لأن القلب في الصدر فجاز إقامة الظرف مقام المظروف ﴿ أو تبدوه يعلمه الله ﴾ يتعلق به علمه الأزلي.

ثم استأنف بياناً أشفى وتحذيراً أوفى فقال: ﴿ ويعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ ثم قال إتماماً للتحذير ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ ثم خلط الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب فقال: ﴿ يوم تجد ﴾ وفي عامله وجوه قال ابن الأنباري: وإلى الله المصير يوم تجد.

وقيل: والله على كل شيء قدير يوم تجد، وخص ذلك اليوم بالذكر وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله  تعظيماً لشأنه مثل ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ وقيل: انتصابه بمضمر أي اذكر.

والأظهر أن العامل فيه ﴿ تود ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ لليوم أي تود كل نفس يوم تجد ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء محضراً أيضاً لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً.

والأمد الغاية التي ينتهي إليها مكاناً كانت أو زماناً.

والمقصود تمني بعده كقوله: ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين  ﴾ ومعنى كون العمل محضراً هو أن يكون ما كتب فيه العمل من الصحائف حاضراً، أو يكون جزاؤه حاضراً إذ العمل عرض لا يبقى.

ثم إن لم يكن يوم متعلقاً بـ ﴿ تود ﴾ احتمل أن يكون ﴿ تود ﴾ صفة ﴿ سوء ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ يعود إليه، واحتمل أن يكون حالاً، واحتمل أن يكون ﴿ ما عملت ﴾ مبتدأ من الصلة والموصول و ﴿ تود ﴾ خبره وهو الأكثر، واحتمل أن يكون "ما" شرطية و ﴿ تود ﴾ جزاء له وهو قليل كقوله: وإن أتاه خليل يوم مسغبة *** يقول لا غائب ما لي ولا حرم وقراءة عبد الله ﴿ ودت ﴾ يحتملها على السواء إلا أن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ تأكيد للوعيد ﴿ والله رؤوف بالعباد ﴾ قال الحسن: ومن رأفته أن حذرهم نفسه وعرّفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه.

ويجوز أن يراد أنه / رؤوف بهم حيث أمهلهم للتوبة والتلافي، أو هو وعد كما أن التحذير وعيد، أو المراد بالعباد عباده المخلصون كقوله: ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ كما هو منتقم من الفساق ومحذرهم نفسه فهو رؤوف بالعباد المطيعين والمحسنين.

ثم إنه  دعا القوم إلى الإيمان به ورسوله من طريق آخر سوى طريق التهديد والتحذير فقال: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله  أنهم يحبون الله فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله هذه الآية.

وروى الضحاك عن ابن عباس قال: "وقف النبي  على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ولقد كانا على الإسلام.

فقالت قريش: يا محمد إنا نعبد هذه حباً لله ليقربونا إلى الله زلفى" .

فأنزل الله ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت حين زعمت اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه.

وقيل: نزلت في نصارى نجران زعموا أنهم يعظمون المسيح ويعبدونه حباً لله وتعظيماً له.

والحاصل أن كل من يدعي محبة الله  من فرق العقلاء فلا بد أن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، فإذا قامت الدلائل العقلية والمعجزات الحسية على نبوة محمد  وجبت متابعته.

فليس في متابعته إلا أنه يدعوهم إلى طاعة الله وتعظيمه وترك تعظيم غيره.

فمن أحب الله كان راغباً فيه لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض بالكلية عن غيره، وقد مر في تفسير قوله: ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله  ﴾ تحقيق المحبة وأنها من الله  عبارة عن إعطاء الثواب.

وقال: ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ ليدل مع إيفاء الثواب على إزالة العقاب وهذه غاية ما يطلبه كل عاقل.

﴿ والله غفور ﴾ في الدنيا يستر على عبده أنواع المعاصي ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة يثيبه على مثقال الذرة من الطاعة والحسنة.

يروى أنه لما نزل ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ قال عبد الله بن أبيّ إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزلت ﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ وذلك أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ثم إن المنافق ألقى شبهة في البين أمره الله  أن يقول: إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا لما يقوله النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ومبلغ تكاليفه ﴿ فإن تولوا ﴾ أعرضوا أو تعرضوا على أن يكون التاء الأولى محذوفة ويدخل في جملة ما يقوله الرسول لهم، فإنه لا يحصل للكافرين محبة الله لأنها عبارة عن الثناء لهم وإيصال الثواب إليهم، والكافر يستحق الذم واللعن وهذا ضد المحبة.

ثم إنه  لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن / علو درجات الرسل وسموّ طبقاتهم فقال: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ الآية أي جعلهم صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة كقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وقيل: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار.

وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية.

أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة.

أما المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة فقوله  " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " وقوله: " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم  ﴿ وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات والأرض  ﴾ ذكروا في تفسيره أن الله تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد، فإنه يروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام.

ويقال: إن النسر وغيره من عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ.

وقال  : " أطت السماء وحق لها أن تئط " فسمع أطيط السماء.

ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك.

وقد سمع سليمان كلام النمل وفهمه.

ومثله ما يروى أن النبي  تكلم مع الذئب ومع البعير، وقد وجد يعقوب  ريح يوسف من مسيرة أيام.

وقال  " إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم" وهو دليل كمال قوة الذوق.

وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قيل: وهو دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر، إذ لا إدراك ههنا فكيف يستدل به على قوة الإدراك؟

بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه  لا يبعد أن يجعل المنافي ملائماً للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى يصير ملائماً.

وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال  : ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ ومنها قوة الذكاء قال علي رضي / الله عنه: علمني رسول الله  ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب.

وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي؟

وأما القوة المحركة فكعروج النبي  وعروج عيسى  إلى السماء، وكرفع إدريس وإلياس على ما ورد في الأخبار.

وأما القوة الروحانية العقلية فنقول: إن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، أو كالمخالفة صفاء ونورية وانجذاباً إلى عالم الأرواح، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من المبادىء العالية أتم من سائر النفوس وأكمل، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على العالمين من جميع سكان الأرضين عند من يقول الملك أفضل من البشر، أو من سكان السموات أيضاً عند من يرى البشر أفضل المخلوقات.

ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصفطاء آدم صفي الله وخليفته.

ثم إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم: شيث وأولاده إلى إدريس، ثم إلى نوح ثم إلى إبرهيم ثم انشعب من إبراهيم  شعبتان: إسماعيل وإسحق.

فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد  ، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص.

فوضع النبوة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيص، واستمر ذلك إلى زمان محمد  .

فلما ظهر محمد  نقل نور النبوة ونور الملك إليه  وبقي الدين والملك في أمته  إلى يوم القيامة، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب بقوله: ﴿ ومن ذريتي  ﴾ بعد قوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وأما آل عمران فقيل: أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون.

وقيل: المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه ﴿ إذ قالت امرأة عمران  ﴾ ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل الأم، ولأن الكلام سيق للنصارى الذين يحتجون على إلهية عيسى  بالخوارق التي ظهرت على يده.

فالله  يقول: إن ذلك باصطفاء الله إياه لا لكونه شريكاً للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله  : ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ .

﴿ ذرية ﴾ بدل ممن سوى آدم ﴿ بعضها من بعض ﴾ قيل: أي في التوحيد والإخلاص والطاعة كقوله: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض  ﴾ وذلك لاشتراكهم في النفاق.

وقيل: معناه أن غير آدم كانوا متوالدين من آدم.

وقيل: يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحق.

وكذلك عيسى من مريم، ومريم بنت عمران بن ماثان.

ثم قال في الكشاف: ماثان بن سليمان بن داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق وفيه نظر، لأن بين ماثان وسليمان قوماً آخرين، وكذلك بين ايشا ويهوذا.

﴿ والله / سميع ﴾ لأقوال العباد ﴿ عليم ﴾ بضمائرهم وأفعالهم فيصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً.

ويحتمل أن يكون الكلام مع اليهود والنصارى الذين كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تغريراً للعوام مع علمهم ببطلان هذا الكلام، فيكون أول الكلام تشريفاً للمرسلين وآخره تهديداً للمبطلين كأنه قيل: والله سميع لأقوالهم الباطلة، عليم بأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بحسب ذلك.

ويحتمل أن يتعلق بما بعده كما في الوقوف.

التأويل: مالك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعداً للبقاء كالملائكة والإنسان، توجد بعضها قابلاً للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان.

﴿ وتعز من تشاء ﴾ بعزة الوجود النوري، ﴿ وتذل من تشاء ﴾ بذل القبض القهري، بيدك الخير.

﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير.

تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية.

لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس.

فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات.

﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ أي من صفات قهره ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس ﴿ ويعلم ما في السموات ﴾ قلوبكم ﴿ وما في الأرض ﴾ نفوسكم ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت ﴾ أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول.

واعلم أن للاتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الاتباع ثلاث درجات.

أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله  ، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله.

وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وهذا حب / يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب: وما أنا بالباغي على الحب رشوة *** ضعيف هوى يرجى عليه ثواب والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاماً وإجلالاً له، ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة: أحبك حبين حب الهوى *** وحب لأنك أهل لذاكا ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال: سأعبد الله لا أرجو مثوبته *** لكن تعبد إعظام وإجلال والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلهية في مكان من "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، غذينا بالمحبة يوم قالت *** له الدنيا أتينا طائعينا وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو.

وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر.

وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله  من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله.

قرأ القارى بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فقال: بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه.

والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه.

والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف" فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله: "فخلقت الخلق لأعرف" لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ بالأعمال الصالحة ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بالرحمة ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف / المتابعة.

وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم: ﴿ فاتبعوني ﴾ بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته.

وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ ببذل الوجود ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بجذبكم إلى نفسه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال: "فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً" فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً.

﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم.

﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ وذلك أن الله  خلق العالمين سبعة أنواع: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله  "وإن الله خلق آدم على صورته" ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي ﴿ بعضها من بعض ﴾ بالوراثة الدينية " "العلماء ورثة الأنبياء" فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة ﴿ والله سميع ﴾ لدعائهم ﴿ عليم ﴾ بأحوالهم وخصالهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً ﴾ : قيل: تجد ثواب ما عملت من خير حاضراً؛ لأن عمله إنما كان للثواب لا لنفس العمل.

﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً ﴾ : يحتمل: ما عملت من سوء تجده مكتوباً يتجاوز عنه؛ لأن الله - عز وجلّ - وعد المؤمنين، وأطمع لهم قبول حسناتهم، والتجاوز عن سيئاتهم؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ ؛ فيجد المؤمن ثواب ما عمل من خير حاضراً، ويتجاوز عن مساوئه.

وأمّا الكافر: فيجد عقاب ما عمل من سوء في الدنيا؛ كقوله: ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً  ﴾ فلا يتجاوز عنهم، ويبطل خيراتهم.

وقوله: ﴿ أَمَدَاً بَعِيداً ﴾ : قيل: بعيداً من حيث لا يرى.

وقيل: بعيداً تودّ: ليت أن لم يكن، وما من نفس مؤمنة ولا كافرة إلا ودّوا البعد عن ذنبه، وأنه لم يكن.

﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ : قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾ : إن أراد رأفة الآخرة - يعني بالمؤمنين خاصّة، وإن أراد رأفة الدينا - فهو بالكل.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾ : فالرحمة من الله - جلّ ثناؤه - والرأفة نوعان: أحَدهما: في حق الابتداء، أن خلق خلقاً ركب فيهم ما يميزون بين مختلف الأمور، ويجمعون بين المؤتلف، ثم لم يأخذ كلا منهم بما استحق من العقوبة؛ بل رحم وأمهل للتوبة والرجوع إليه، وهذه الرحمة رحمة عامة لا يخلو عنها عبد.

ورحمة في حق الجزاء؛ من التجاوز والمغفرة وإيجاب الثواب للفعل، فهذه لا ينالها أعداؤه؛ لما يوجب التجهيل في التفريق بين الذي جعل في العقول التفريق؛ ولما يكون وضع الإحسان في غير أهله، والإكرام لمن لا يصرف الكرم به؛ ولما في الحكمة تعذيبهم تخويفاً وزجراً عما يختارون، وينالها من تقرب واعتقد الموالاة، وكان هو أعظم في قلوبهم وطاعته من جميع لذَّات الدارين، وإن كانوا يبلون بالمعاصي على الجهالة، أو على رجاء الرحمة والعفو؛ إذ هو كذلك في شرطهم الذي به والوه، وبالغلبة، والله أعلم، فهي رحمة خاصّة، أي: هي بالمؤمنين، وبالعباد الذين بذلوا أنفسهم له بالعبودة بحق الاختيار، وإن كان يغلبون على ذلك في أحوال، والله الموفق.

وقوله: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ قيل: إن ناساً كانوا يقولون في عهد رسول الله  : إنا نحبُّ الله حبّاً شديداً؛ فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية، وبين فيها لمحبته علماً.

وقيل: إنّ اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحبّاؤه؛ فأنزل الله - تبارك وتعالى -" قل يا محمد: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ وذلك أنّ من أَحبّ ملكاً من الملوك يحبّ رسوله، ويتبعه في أمره، ويؤثر طاعته لحبّه، فإذا أظهرتم أنتم بغضكم لرسولي، وتركتم اتباعه في أمره، وإيثار طاعته - ظهر أنكم تكذبون في مقالتكم: نحن أبناء الله وأحبَّاؤه؛ لأن من أحبَّ آخر يحب المتصلين به ورسله وحشمه، والمحبّة - ههنا -: الإيثار بالفعل طاعة من يحبّه فيما أحبّه وكرهه، والطاعة له في جميع أمره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ...

﴾ الآية: قد تقدم ذكرها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يوم القيامة تلقى كلُّ نفس عملها من الخير قد أُتي به لا نقص فيه، والذي عملت من السوء تتمنى أن بينها وبينه زمنًا بعيدًا، وأنى لها ما تمنت!

ويحذركم الله نفسه، فلا تتعرضوا لغضبه بارتكاب الآثام، والله بالعباد، ولهذا يحذرهم ويخوفهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.r59jv"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

جاء قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ بعد تلك الآية التي نبه الله فيها النبي والمؤمنين إلى الالتجاء إليه معترفين أن بيده الملك والعز ومجامع الخير والسلطان المطلق في تصريف الكون يعطي من يشاء ويمنع من يشاء فإذا كانت العزة والقوة له عز شأنه فمن الجهل والغرور أن يعتز بغيره من دونه، وأن يلتجأ إلى غير جنابه، أو يذل المؤمن في غير بابه، وقد نطقت السير بأن بعض الذين كانوا يدخلون في الإسلام كان يقع منهم قبل الاطمئنان بالإيمان اغتراره بعزة الكافرين وقوتهم وشوكتهم فيوالونهم ويركنون إليهم وهذا أمر طبيعي في البشر.

وذكروا في سبب نزول الآية أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقصته معروفة وقيل إنها نزلت في ابن أبي سلول (زعيم المنافقين) وقيل في جماعة من الصحابة كانوا يوالون بعض اليهود، ومهما كان السبب في نزولها فإنا نعلم أن من طبيعة الاجتماع في كل دعوة أن يوجد في المستجيبين لها القوي والضعيف، على أن مظاهر القوة والعزة تغر بعض الصادقين وتؤثر في نفوس بعض المخلصين فما بالك بغيرهم، ولذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ الأولياء من الكافرين.

وقد ورد بمعنى هذه الآية آيات أخرى فلا بد من تفسيرها تفسيرًا تتفق به معانيها.

الأولياء: الأنصار، والاتخاذ يفيد معنى الاصطناع، وهم عبارة عن مكاشفتهم بالأسرار الخاصة بمصلحة الدين، وقوله: ﴿ مِنْ دُوْنَ المُؤْمِنِينَ  ﴾ قيد في الاتخاذ، أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء وأنصارًا في شيء تقدم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين أي كما فعل حاطب بن أبي بلتعة، لأن في هذا اختيارًا لهم وتفضيلًا على المؤمنين، بل فيه إعانة للكفر على الإيمان ولو بطريق اللزوم، ومن شأن هذا أن لا يصدر من مؤمن ولو كان فيه مصلحة خاصة له، ولذلك هم عمر  بقتل حاطب وسماه منافقًا لولا أن نهاه  عن ذلك وذكره بأنه من أهل بدر.

وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ  ﴾ الآية فالموادة مشاركة في الأعمال، فإن كانت في شأن من شؤون المؤمنين من حيث هم مؤمنون والكافرين من حيث هم كافرون فالممنوع منها ما يكون فيه خذلان لدينك وإيذاء لأهله أو إضاعة لمصالحهم، وأما ما عدا ذلك كالتجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا تدخل في ذلك النفي لأنها ليست معاملة في محادة الله ورسوله أي في معاداتهما ومقاومة دينهما.

﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ  ﴾ : معنى العبارة أنه يكون بينه وبين الله غاية البعد أي تنقطع صلة الإيمان بينه وبين الله تعالى أي فيكون من الكافرين كما قال في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  ﴾ أو معناه فيكون عدو الله وقوله ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً  ﴾ استثناء من أعم الأحوال أي إن ترك موالاة الكافرين على المؤمنين حتم في كل حال إلا في حال الخوف من شيء تتقونه منهم فلكم حينئذ أن توالوهم بقدر ما يتقى به ذلك الشيء، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه الموالاة تكون صورية لأنها للمؤمنين لا عليهم، والظاهر أن الاستثناء منقطع والمعنى ليس لكم أن توالوهم على المؤمنين ولكن لكم أن تتقوا ضررهم بموالاتهم.

وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فجوازه لأجل منفعة المسلمين يكون أولى، وعلى هذا يجوز لحكام المسلمين أن يحالفوا الدول غير المسلمة لأجل فائدة المؤمنين بدفع الضرر أو جلب المنفعة وليس لهم أن يتولوهم في شيء يضر بالمسلمين وإن لم يكونوا من رعيتهم.

وهذه الموالاة لا تختص بوقت الضعف بل هي جائزة في كل وقت.

﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا  ﴾ الكلام تتمة لوعيد من يوالي الكافرين ناصرًا إياهم على المؤمنين والمعنى اتقوا واحذروا، أو ليحذروا يوم تجد كل نفس عملها من الخير مهما قل محضرًا.

ولا يجوز تقدير "اذكر" متعلقًا لقوله "يوم تجد" كما فعل (الجلال).

ومعنى كونه محضرًا أن فائدته ومنفعته تكون حاضرة لديه.

وأما عمل السوء فتود كل نفس اقترفته ولو بعد عنها ولم تره وتؤخذ بجزائه.

وهذا يدل على أن عمل الشر يكون محضرًا أيضًا ولكنه عبر عنه بما ذكر ليدل على أن إحضاره مؤذ لصاحبه يود لو لم يكن، ومنه يعلم أن إحضار عمل الخير يكون غبطة لصاحبه وسرورًا.

وهذا التعبير ضرب من التمثيل كالآيات التي فيها ذكر كتب الأعمال وأخذها بالأيمان والشمائل فإن الغرض من التعبير بأخذها باليمين أخذها بالقبول الحسن ومن أخذها بالشمال أو من وراء الظهر أخذها مع الكراهية والامتعاض.

ومن مباحث اللفظ في الآية دخول الحرف المصدري على مثله في قوله ﴿ لَوْ أَنَّ  ﴾ وهو معروف في الكلام العربي الفصيح فلا حاجة إلى جعل الأصل فيه المنع وتأويل ما سمع منه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله