الآية ٤٥ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٤٥ من سورة آل عمران

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍۢ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 167 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه بشارة من الملائكة لمريم ، عليها السلام ، بأن سيوجد منها ولد عظيم ، له شأن كبير .

قال الله تعالى : ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ) أي : بولد يكون وجوده بكلمة من الله ، أي : بقوله له : " كن " فيكون ، وهذا تفسير قوله : ( مصدقا بكلمة من الله ) [ آل عمران : 39 ] كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه ( اسمه المسيح عيسى ابن مريم ) أي يكون مشهورا بهذا في الدنيا ، يعرفه المؤمنون بذلك .

وسمي المسيح ، قال بعض السلف : لكثرة سياحته .

وقيل : لأنه كان مسيح القدمين : [ أي ] لا أخمص لهما .

وقيل : لأنه [ كان ] إذا مسح أحدا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى .

وقوله : ( عيسى ابن مريم ) نسبة له إلى أمه ، حيث لا أب له ( وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ) أي : له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا ، بما يوحيه الله إليه من الشريعة ، وينزل عليه من الكتاب ، وغير ذلك مما منحه به ، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه ، فيقبل منه ، أسوة بإخوانه من أولي العزم ، صلوات الله عليهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " إذ قالت الملائكة "، وما كنت لديهم إذ يختصمون، وما كنت لديهم أيضًا إذ قالت الملائكة: يا مريم إنّ الله يبشرك.

* * * &; 6-411 &; " والتبشير " إخبار المرء بما يسره من خبر.

(104) * * * وقوله: " بكلمة منه "، يعني برسالة من الله وخبر من عنده، وهو من قول القائل: " ألقى فلانٌ إليّ كلمةً سَرّني بها "، بمعنى: أخبرني خبرًا فرحت به، كما قال جل ثناؤه: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ [سورة النساء: 171]، يعني: بشرى الله مريمَ بعيسى، ألقاها إليها.

* * * فتأويل الكلام: وما كنت، يا محمد، عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم: يا مريم إنّ الله يبشرك ببُشرى من عنده، هي ولدٌ لك اسمهُ المسيحُ عيسى ابن مريم.

* * * وقد قال قوم - وهو قول قتادة -: إن " الكلمة " التي قال الله عز وجل: " بكلمة منه "، هو قوله: " كن ".

7061 - حدثنا بذلك الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " بكلمة منه "، قال: قوله: " كن ".

* * * فسماه الله عز وجل " كلمته "، لأنه كان عن كلمته، كما يقال لما قدّر الله من شيء: " هذا قدَرُ الله وقضاؤُه "، يعنى به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث، وكما قال جل ثناؤه: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا [سورة النساء: 47 سورة الأحزاب: 37]، يعني به: ما أمر الله به، وهو المأمور [به] الذي كان عن أمر الله عز وجل.

(105) * * * &; 6-412 &; وقال آخرون: بل هي اسم لعيسى سماه الله بها، كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء.

* * * وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: " الكلمة " هي عيسى.

7062 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله يبشرك بكلمة منه "، قال: عيسى هو الكلمة من الله.

* * * قال أبو جعفر: وأقربُ الوُجوه إلى الصواب عندي، القولُ الأول.

وهو أنّ الملائكة بشَّرت مريمَ بعيسى عن الله عز وجل برسالته وكلمته التي أمرَها أن تُلقيها إليها: أنّ الله خالقٌ منها ولدًا من غير بَعْل ولا فَحل، ولذلك قال عز وجل: " اسمه المسيح "، فذكَّر، ولم يقُل: " اسمُها " فيؤنث، و " الكلمة " مؤنثة، لأن " الكلمة " غير مقصود بها قصدُ الاسم الذي هو بمعنى " فلان "، وإنما هي بمعنى البشارة، فذكِّرت كنايتها كما تذكر كناية " الذرّية " و " الدابّة " والألقاب، (106) على ما قد بيناه قبل فيما مضى.

(107) * * * فتأويل ذلك كما قلنا آنفًا، من أنّ معنى ذلك: إن الله يبشرك ببشرى = ثم بيَّن عن البشرى أنها ولدٌ اسمه المسيح.

* * * وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه إنما ذكر فقال: " اسمه المسيح "، وقد قال: " بكلمة منه "، و " الكلمة "، عنده هي عيسى = لأنه في المعنى كذلك، كما قال جل ثناؤه: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا ، ثم قال بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا [سورة الزمر: 56 ،59]، وكما يقال: " ذو الثُّدَيَّة "، لأن يده &; 6-413 &; كانت قصيرة قريبة من ثدييه، (108) فجعلها كأنّ اسمها " ثَدْيَة "، ولولا ذلك لم تدخل " الهاء " في التصغير.

* * * وقال بعض نحويي الكوفة نحو قول من ذكرنا من نحويي البصرة: في أنّ" الهاء " من ذكر " الكلمة "، وخالفه في المعنى الذي من أجله ذكر قوله " اسمه "، و " الكلمة "، متقدمة قبله.

فزعم أنه إنما قيل: " اسمه "، وقد قدّمت " الكلمة "، ولم يقل: " اسمها "، لأن من شأن العرب أن تفعل ذلك فيما كان من النعوت والألقاب والأسماء التي لم توضَع لتعريف المسمى به، كـ" فلان " و " فلان "، وذلك، مثل " الذرّية " و " الخليفة " و " الدابة "، ولذلك جاز عنده أن يقال: " ذرية طيبة " و " ذرّيةً طيبًا "، ولم يجز أن يقال: " طلحة أقبلت = ومغيرة قامت ".

(109) * * * وأنكر بعضهم اعتلالَ من اعتلّ في ذلك بـ" ذي الثدية "، وقالوا: إنما أدخلت " الهاء " في" ذي الثدية "، لأنه أريد بذلك القطعة منَ الثَّدْي، كما قيل: " كنا في لحمة ونَبيذة "، يراد به القطعة منه.

وهذا القول نحو قولنا الذي قلناه في ذلك.

* * * وأما قوله: " اسمهُ المسيح عيسى ابن مريم "، فإنه جل ثناؤه أنبأ عباده عن نسبة عيسى، وأنه ابن أمّه مريم، ونفى بذلك عنه ما أضاف إليه الملحدون في الله جل ثناؤه من النصارى، من إضافتهم بنوّته إلى الله عز وجل، وما قَرَفَتْ أمَّه به المفتريةُ عليها من اليهود، (110) كما:- &; 6-414 &; 7063 - حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين "، أي: هكذا كان أمرُه، لا ما يقولون فيه.

(111) * * * وأما " المسيح "، فإنه " فعيل " صرف من " مفعول " إلى " فعيل "، وإنما هو " ممسوح "، يعني: مَسحه الله فطهَّره من الذنوب، ولذلك قال إبراهيم: " المسيح " الصدّيق...

(112) 7064 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.

7065 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.

* * * وقال آخرون: مُسح بالبركة.

7066 - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال، قال سعيد: إنما سمي" المسيح "، لأنه مُسِح بالبركة.

* * * &; 6-415 &; القول في تأويل قوله : وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) قال أبو جعفر: يعني بقوله " وجيهًا "، ذا وَجْهٍ ومنـزلة عالية عند الله، وشرفٍ وكرامة.

ومنه يقال للرجل الذي يَشرُف وتعظمه الملوك والناس " وجيه "، يقال منه: " ما كان فلان وَجيهًا، ولقد وَجُهَ وَجاهةً" =" وإن له لَوجْهًا عند السلطان وَجاهًا ووَجاهةً"، و " الجاه " مقلوب، قلبت، واوه من أوّله إلى موضع العين منه، فقيل: " جاه "، وإنما هو " وجه "، و " فعل " من الجاه: " جاهَ يَجوه ".

مسموع من العرب: " أخاف أن يجوهني بأكثر من هذا "، بمعنى: أن يستقبلني في وجهي بأعظم منه.

* * * وأما نصب " الوجيه "، فعلى القطع من " عيسى "، (113) لأن " عيسى " معرفة، و " وجيه " نكرة، وهو من نعته.

ولو كان مخفوضًا على الردّ على " الكلمة " كانَ جائزًا.

* * * وبما قلنا (114) = من أنّ تأويل ذلك: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله = قال، فيما بلغنا، محمد بن جعفر.

7067 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " وجيهًا "، قال: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله.

(115) * * * وأما قوله: " ومِنَ المقرّبين "، فإنه يعني أنه ممن يقرِّبه الله يوم القيامة، فيسكنه في جواره ويدنيه منه، كما:- &; 6-416 &; 7068 - حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ومن المقربين "، يقول: من المقربين عند الله يوم القيامة.

7069 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ومن المقرّبين "، يقول: من المقربين عند الله يوم القيامة.

7070 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

* * * ------------------------ الهوامش: (104) انظر معنى"التبشير" فيما سلف في هذا الجزء: 369 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

وكان في المطبوعة هنا"من خير".

وفي المخطوطة غير منقوطة ، وصوابه ما أثبت.

(105) ما بين القوسين زيادة لا يستقيم الكلام إلا بها.

(106) الكناية: الضمير ، كما سلف مرارًا ، وهو من اصطلاح الكوفيين.

(107) انظر ما سلف 2: 210 / ثم هذا الجزء: 362 ، 363 ، ومواضع أخرى.

(108) خبر ذي الثدية مشهور معروف ، انظر سنن أبي داود"باب قتال الخوارج" 4: 334-338.

(109) انظر ما سلف في هذا الجزء: 362 ، 363.

(110) في المطبوعة: "قذفت به" ، والصواب من المخطوطة.

قرف الرجل بسوء: رماه به واتهمه ، فهو مقروف.

وقوله: "المفترية" مرفوعة فاعل"قرفت أمه به" ، ويعني الفئة المفترية.

(111) الأثر: 7063- سيرة ابن هشام 2: 229-230 ، وهو من بقية الآثار التي آخرها: 7060 ، ونصه: "لا كما تقولون فيه".

(112) مكان هذه النقط سقط لا شك فيه عندي ، وأستظهر أنه إسناد واحد إلى"إبراهيم" ثم يليه الأثر رقم: 7064 ، فيه أن المسيح هو الصديق ، كما ذكر .

وكان في المخطوطة والمطبوعة موضع هذه النقط: "وقال آخرون: مسح بالبركة" ، وهو كلام لا يستقيم ، كما ترى ، فأخرت هذه الجملة إلى مكانها قبل الأثر رقم: 7066 ، واستجزت أن أصنع ذلك ، لأنه من الوضوح بمكان لا يكون معه شك أو لجلجة.

هذا ، وفي تفسير"المسيح" أقوال أخر كثيرة ، لا أظن الطبري قد غفل عنها ، ولكني أظن أن في النسخة سقطًا قديمًا ، ولذلك اضطرب الناسخ هنا.

هذا إذا لم يكن الطبري قد أغفلها اختصارًا.

(113) "القطع" ، كما أسلفنا في مواضع متفرقة ، هو الحال ، انظر ما سلف في هذا الجزء: 371 ، تعليق: 2 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1: 213.

(114) في المطبوعة: "كما قلنا" ، والصواب من المخطوطة.

(115) الأثر: 7067- سيرة ابن هشام 2: 230 ، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 7063.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربيندليل على نبوتها كما تقدم .

" وإذ " متعلقة ب يختصمون .

ويجوز أن تكون متعلقة بقوله : وما كنت لديهم .بكلمة منه وقرأ أبو السمان بكلمة منه وقد تقدم اسمه المسيح ولم يقل اسمها لأن معنى كلمة معنى ولد .

والمسيح لقب لعيسى ومعناه الصديق ; قاله إبراهيم النخعي .

وهو فيما يقال معرب وأصله الشين وهو مشترك .

وقال ابن فارس : والمسيح العرق ، والمسيح الصديق ، والمسيح الدرهم الأطلس لا نقش فيه والمسح الجماع ; يقال مسحها .

والأمسح : المكان الأملس .

والمسحاء المرأة الرسحاء التي لا إست لها .

وبفلان مسحة من جمال .

والمسائح قسي جياد ، واحدتها مسيحة .

قال :لها مسائح زور في مراكضها لين وليس بها وهن ولا رققواختلف في المسيح ابن مريم مما ذا أخذ ; فقيل : لأنه مسح الأرض ، أي ذهب فيها فلم يستكن بكن .

وروي عن ابن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ ; فكأنه سمي مسيحا لذلك ، فهو على هذا فعيل بمعنى فاعل .

وقيل : لأنه ممسوح بدهن البركة ، كانت الأنبياء تمسح به ، طيب الرائحة ; فإذا مسح به علم أنه نبي .

وقيل : لأنه كان ممسوح الأخمصين .

وقيل : لأن الجمال مسحه ، أي أصابه وظهر عليه .

وقيل : إنما سمي بذلك لأنه مسح بالطهر من الذنوب .

وقال أبو الهيثم : المسيح ضد المسيخ ; يقال : مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا مباركا ، ومسخه أي خلقه خلقا ملعونا قبيحا .

وقالابن الأعرابي : المسيح الصديق ، والمسيخ الأعور ، وبه سمي الدجال .

وقال أبو عبيد : المسيح أصله بالعبرانية مشيحا بالشين فعرب كما عرب موشى بموسى .

وأما الدجال فسمي مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين .

وقد قيل في الدجال مسيح بكسر الميم وشد السين .

وبعضهم يقول كذلك بالخاء المنقوطة .

وبعضهم يقول مسيخ بفتح الميم وبالخاء والتخفيف ; والأول أشهر .

وعليه الأكثر .

[ ص: 85 ] سمي به لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس ; فهو فعيل بمعنى فاعل ، فالدجال يمسح الأرض محنة ، وابن مريم يمسحها منحة .

وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول .

وقال الشاعر :إن المسيح يقتل المسيخاوفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة الحديث .

ووقع في حديث عبد الله بن عمرو ( إلا الكعبة وبيت المقدس ) ذكره أبو جعفر الطبري .

وزاد أبو جعفر الطحاوي ( ومسجد الطور ) ; رواه من حديث جنادة بن أبي أمية عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس .

وذكر الحديث .

وفي صحيح مسلم : فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله الحديث بطوله .

وقد قيل : إن المسيح اسم لعيسى غير مشتق سماه الله به .

فعلى هذا يكون عيسى بدلا من المسيح من البدل الذي هو هو .

وعيسى اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وإن جعلته عربيا لم ينصرف في معرفة ولا نكرة ; لأن فيه ألف تأنيث .

ويكون مشتقا من عاسه يعوسه إذا ساسه وقام عليه .وجيها أي شريفا ذا جاه وقدر ، وانتصب على الحال ; [ ص: 86 ] قاله الأخفش .

ومن المقربين عند الله تعالى وهو معطوف على وجيها أي ومقربا ; قاله الأخفش .

وجمع وجيه وجهاء ووجهاء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله لأنه كان بالكلمة من الله، لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته، فأرسل الله جبريل عليه السلام إلى مريم، فنفخ في جيب دِرْعِهَا فَوَلَجَتْ فيها تلك النفخة الذكية من ذلك الملك الزكي، فأنشأ الله منها تلك الروح الزكية، فكان رُوحانيا نشأ من مادة روحانية، فلهذا سمى روح الله { وجيها في الدنيا والآخرة } أي: له الوجاهة العظيمة في الدنيا، جعله الله أحد أولي العزم من المرسلين أصحاب الشرائع الكبار والأتباع، ونشر الله له من الذكر ما ملأ ما بين المشرق والمغرب، وفي الآخرة وجيها عند الله يشفع أسوة إخوانه من النبيين والمرسلين، ويظهر فضله على أكثر العالمين، فلهذا كان من المقربين إلى الله، أقرب الخلق إلى ربهم، بل هو عليه السلام من سادات المقربين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ) إنما قال : اسمه رد الكناية إلى عيسى واختلفوا في أنه لم سمي مسيحا ، منهم من قال : هو فعيل بمعنى المفعول يعني أنه مسح من الأقذار وطهر من الذنوب ، وقيل : لأنه مسح بالبركة ، وقيل : لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن ، وقيل مسحه جبريل بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل ، وقيل : لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له ، وسمي الدجال مسيحا لأنه كان ممسوح إحدى العينين ، وقال بعضهم هو فعيل بمعنى الفاعل ، مثل عليم وعالم قال ابن عباس رضي الله عنهما سمي مسيحا لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ ، وقيل : سمي بذلك لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان ، وعلى هذا القول تكون الميم فيه زائدة وقال إبراهيم النخعي : المسيح الصديق ويكون المسيح بمعنى الكذاب وبه سمي الدجال والحرف من الأضداد ( وجيها ) أي : شريفا رفيعا ذا جاه وقدر ( في الدنيا والآخرة ومن المقربين ) عند الله

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر «إذ قالت الملائكة» أي جبريل «يا مريم أن الله يبشرك بكلمة منه» أي ولد «اسمه المسيح عيسى بن مريم» خاطبها بنسبته إليها تنبيها على أنها تلده بلا أب إذ عادة الرجال نسبتهم إلى آبائهم «وجيها» ذا جاه «في الدنيا» بالنبوة «والآخرة» بالشفاعة والدرجات العُلا «ومن المقرَّبين» عند الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما كنت - يا نبي الله - هناك حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله يُبَشِّرْكِ بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي يقول له: "كن"، فيكون، اسمه المسيح عيسى ابن مريم، له الجاه العظيم في الدنيا والآخرة، ومن المقربين عند الله يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

{ إِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ } .وهذه الجملة الكريمة بدل اشتمال من جملة { وَإِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم إِنَّ الله اصطفاك } .

.

الخ قالوا : ولا يضر الفصل إذ الجملة الفاصلة بين البدل والمبدل منه اعتراض جىء به تقريراً لما سبق؛ وتنبيها على استقلاله .والظرف { وَإِذْ } معمول لمحذوف تقديره اذكر ، أى اذكر وقت أن قالت الملائكة لمريم ، يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه .وقوله يبشرك { بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ } أى يبشرك بمولود يحصل بكلمة منه - سبحانه - وسمى هذا المولود كلمة لأنه وجد بكلمة كن فهو من باب إطلاق السبب على المسبب .والمراد أنه وجد من غير واسطة أب ، لأن غيره وإن وجد بتلك الكلمة لكنه بواسطة أب ، أى أنه - سبحانه - إذا كان قد خلق الناس بطريق التناسل عن ذكر وأنثى وأخرج الأولاد من أصلاب الآباء ، فإن عيسى - عليه السلام - لم يكن كذلك ، بل خلقه الله - تعالى - خلقا آخر ، خلقه { بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ } وهى " كن " فكان كما أراده الله و " من " فى قوله " منه " لابتداء الغاية والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة : أى بكلمة كائنة منه .فالمراد بقوله " كلمة " أى يبشر بولد حى يسرى عليه حكم الأحياء اسمه المسيح عيسى ابن مريم وعلى هذا التأويل سار كثير من المفسرين .ورجح ابن جرير أن معنى { بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ } ببشرى منه - سبحانه - فقد قال : وقوله " بكلمة منه " يعنى برسالة من الله وخير من عنده وهو من قول القائل : ألقى إلى فلان كلمة سرنى بها بمعنى أخبرنى خبرا فرحت به .

.

فتأويل الكلام : وما كنت يا محمد عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم إن الله يبشرك ببشرى من عنده ، هى ولدك اسمه المسيح عيسى ابن مريم " .وعلى كلا التأويلين ففى التعبير عن عيسى - عليه السلام - بأنه كلمة من الله تكريم له وتشريف ، وقوله { اسمه المسيح } مبتدأ وخبر ، والجملة نعت .

والضمير في قوله { اسمه } يعود إلى كلمة .

وجاء مذكراً رعاية للمعنى لأننا سبق بينا أن المراد بها عند كثير من المفسرين الولد .والمسيح : لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق ، وأصله مشيحاً بالعبرانية ومعناه المبارك .

وقد حكى الله - تعالى - أنه قال عن نفسه { قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الكتاب وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً } وقيل المسيح فعيل بمعنى فاعل ، للمبالغة في مسحه الأرض بالسياحة للعبادة : أو مسحه ذا العاهة ليبرأ .

أو بمعنى مفعول أي ممسوح لأن الله مسحه بالطهر من الذنوب .وعيسى : اسم لهذا الاسم الكريم ، وهو اسم ينبىء عن البياض والصفاء والنقاء .قال الراغب : عيسى اسم علم ، وإذا جعل عربياً أمكن أن يكون من قولهم بعيراً عيسى وناقة عيساء وجمعها عيس وهى أبل بيض يعترى بياضها بعض الظلمة " أى فيها أغبرار قليل يعطى بياضها صفاء ونقاء وجمالا .وابن مريم : هو كنيته ، وهي للإشارة إلى أن نسبه ثاتب لأمه لا لأحد سواها وليس ابنا لله - تعالى - كما قال الضالون .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قيل عيسى بن مريم والخطاب لمريم؟

قلت : لأن الأبناء ينسبون إلى الأباء لا إلى الأمهات ، فأعلمت بنسبه إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه .

وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين : فإن قلت لم ذكر ضمير الكلمة .

قلت لأن المسمى بها مذكر .

فإن قلت : لم قيل اسمه المسيح عيسى بن مريم وهذه ثلاثة أشياء : الاسم منها عيسى وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟

قلت : الاسم المسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره ، فكأنه قيل : الذى يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة " .والمعنى الإجمالي للجملة الكريمة : اذكر يا محمد وقت أن قالت الملائكة لمريم : يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أى بمولود يحصل بكلمة منه بلا واسطة أب ، هذا المولود العجيب اسمه الذى يميزه لقبا المسيح ويميزه علماً عيسى ويميزه كنبة ابن مريم .فأنت ترى أنه - سبحانه - قد عرف هذا المولود العظيم بتعريف واحد جمع ثلاثة أمور كل واحد منها يشيى إلى معنى كريم قد تحقق فى هذا النبى العظيم ومجموع هذه الأمور لا يشاركه فيها أحد من البشر ، ثم بعد ذلك وصفه - سبحانه - بأربعة أوصاف تدل على فضله وعلو منزلته فقال - تعالى -

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما شرح حال مريم عليها السلام، في أول أمرها وفي آخر أمرها وشرح كيفية ولادتها لعيسى عليه السلام، فقال: ﴿ إِذْ قَالَتِ الملئكة ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في العامل في ﴿ إِذْ ﴾ قيل: العامل فيه.

وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة، وقيل: يختصمون إذ قالت الملائكة، وقيل: إنه معطوف على ﴿ إِذْ ﴾ الأولى في قوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران ﴾ وقيل التقدير: إن ما وصفته من أمور زكريا، وهبة الله له يحيى كان إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك، وأما أبو عبيدة: فإنه يجري في هذا الباب على مذهب له معروف، وهو أن ﴿ إِذْ ﴾ صلة في الكلام وزيادة، واعلم أن القولين الأولين فيهما بعض الضعف وذلك لأن مريم حال ما كانوا يلقون الأقلام وحال ما كانوا يختصمون ما بلغت الجد الذي تبشر فيه بعيسى عليه السلام، إلا قول الحسن: فإنه يقول إنها كانت عاقلة في حال الصغر، فإن ذلك كان من كراماتها، فإن صح ذلك جاز في تلك الحال أن يرد عليها البشرى من الملائكة، وإلا فلابد من تأخر هذه البشرى إلى حين العقل، ومنهم من تكلف الجواب، فقال: يحتمل أن يقال الاختصام والبشرى وقعا في زمان واسع، كما تقول لقيته في سنة كذا، وهذا الجواب بعيد والأصوب هو الوجه الثالث، والرابع، أما قول أبي عبيدة: فقد عرفت ضعفه، والله أعلم.

المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ الملائكة ﴾ يفيد الجمع إلا أن المشهور أن ذلك المنادي كان جبريل عليه السلام، وقد قررناه فيما تقدم، وأما البشارة فقد ذكرنا تفسيرها في سورة البقرة في قوله: ﴿ وَبَشّرِ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات  ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ ﴾ فقد ذكرنا تفسير الكلمة من وجوه وأليقها بهذا الموضع وجهان الأول: أن كل علوق وإن كان مخلوقاً بواسطة الكلمة وهي قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ إلا أن ما هو السبب المتعارف كان مفقوداً في حق عيسى عليه السلام وهو الأب، فلا جرم كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكل وأتم فجعل بهذا التأويل كأنه نفس الكلمة كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال فيه على سبيل المبالغة إنه نفس الجود، ومحض الكرم، وصريح الإقبال، فكذا هاهنا.

والوجه الثاني: أن السلطان العادل قد يوصف بأنه ظل الله في أرضه، وبأنه نور الله لما أنه سبب لظهور ظل العدل، ونور الإحسان، فكذلك كان عيسى عليه السلام سبباً لظهور كلام الله عزّ وجلّ بسبب كثرة بياناته وإزالة الشبهات والتحريفات عنه فلا يبعد أن يسمى بكلمة الله تعالى على هذا التأويل.

فإن قيل: ولم قلتم إن حدوث الشخص من غير نطفة الأب ممكن قلنا: أما على أصول المسلمين فالأمر فيه ظاهر ويدل عليه وجهان الأول: أن تركيب الأجسام وتأليفها على وجه يحصل فيها الحياة والفهم، والنطق أمر ممكن، وثبت أنه تعالى قادر على الممكنات بأسرها، وكان سبحانه وتعالى قادراً على إيجاد الشخص، لا من نطفة الأب، وإذا ثبت الإمكان، ثم إن المعجز قام على صدق النبي، فوجب أن يكون صادقاً، ثم أخبر عن وقوع ذلك الممكن، والصادق إذا أخبر عن وقوع الممكن وجب القطع بكونه كذلك، فثبت صحة ما ذكرناه الثاني: ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ  ﴾ فلما لم يبعد تخليق آدم من غير أب فلأن لا يبعد تخليق عيسى من غير آب كان أولى وهذه حجة ظاهرة، وأما على أصول الفلاسفة فالأمر في تجويزه ظاهر ويدل عليه وجوه: الأول: أن الفلاسفة اتفقوا على أنه لا يمتنع حدوث الإنسان على سبيل التوالد من غير تولد قالوا: لأن بدن الإنسان إنما استعد لقبول النفس الناطقة التي تدبر بواسطة حصول المزاج المخصوص في ذلك البدن، وذلك المزاج إنما جعل لامتزاج العناصر الأربعة على قدر معين في مدة معينة، فحصول أجزاء العناصر على ذلك القدر الذي يناسب بدن الإنسان غير ممتنع وامتزاجها غير ممتنع، فامتزاجها يكون عند حدوث الكيفية المزاجية واجباً، وعند حدوث الكيفية المزاجية يكون تعلق النفس بذلك البدن واجباً، فثبت أن حدوث الإنسان على سبيل التولد معقول ممكن، وإذا كان الأمر كذلك فحدوث الإنسان لا عن الأب أولى بالجواز والإمكان.

الوجه الثاني: وهو أنا نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد، كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر، والعقارب عن الباذروج، وإذا كان كذلك فتولد الولد لا عن الأب أولى أن لا يكون ممتنعاً.

الوجه الثالث: وهو أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث الكثيرة ليس أن تصور المنافي يوجب حصول كيفية الغضب، ويوجب حصول السخونة الشديدة في البدن أليس اللوح الطويل إذا كان موضوعاً على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه ولو جعل كالقنطرة على وهدة لم يقدر على المشي عليه، بل كلما مشى عليه يسقط وما ذاك إلا أن تصور السقوط يوجب حصول السقوط، وقد ذكروا في كتب الفلسفة أمثلة كثيرة لهذا الباب، وجعلوها كالأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات، فما المانع من أن يقال إنه لما تخيلت صورته عليه السلام كفى ذلك في علوق الولد في رحمها.

وإذا كان كل هذه الوجوه ممكناً محتملاً كان القول بحدوث عيسى عليه السلام من غير واسطة الأب قولاً غير ممتنع، ولو أنك طالبت جميع الأولين والآخرين من أرباب الطبائع والطب والفلسفة على إقامة حجة إقناعية في امتناع حدوث الولد من غير الأب لم يجدوا إليه سبيلاً إلا الرجوع إلا استقراء العرف والعادة، وقد اتفق علماء الفلاسفة على أن مثل هذا الاستقراء لا يفيد الظن القوي فضلاً عن العلم، فعلمنا أن ذلك أمر ممكن فلما أخبر العباد عن وقوعه وجب الجزم به والقطع بصحته.

أما قوله تعالى: ﴿ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ ﴾ فلفظة ﴿ مِنْ ﴾ ليست للتبعيض هاهنا إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى متجزئاً متبعضاً متحملاً للاجتماع والافتراق وكل من كان كذلك فهو محدث وتعالى الله عنه، بل المراد من كلمة ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا ابتداء الغاية وذلك لأن في حق عيسى عليه السلام لما لم تكن واسطة الأب موجودة صار تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر فكان كونه كلمة ﴿ الله ﴾ مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهمه النصارى والحلولية.

وأما قوله تعالى: ﴿ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: المسيح: هل هو اسم مشتق، أو موضوع؟.

والجواب: فيه قولان الأول: قال أبو عبيدة والليث: أصله بالعبرانية مشيحا، فعربته العرب وغيروا لفظه، وعيسى: أصله يشوع كما قالوا في موسى: أصله موشى، أو ميشا بالعبرانية، وعلى هذا القول لا يكون له اشتقاق.

والقول الثاني: أنه مشتق وعليه الأكثرون، ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس: إنما سمي عيسى عليه السلام مسيحاً، لأنه ما كان يمسح بيده ذا عاهة، إلا برئ من مرضه الثاني: قال أحمد بن يحيى: سمي مسيحاً لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها، ومنه مساحة أقسام الأرض، وعلى هذا المعنى يجوز أن يقال: لعيسى مسيح بالتشديد على المبالغة كما يقال للرجل فسيق وشريب الثالث: أنه كان مسيحاً، لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله تعالى، فعلى هذه الأقوال: هو فعيل بمعنى: فاعل، كرحيم بمعنى: راحم الرابع: أنه مسح من الأوزار والآثام والخامس: سمي مسيحاً لأنه ما كان في قدمه خمص، فكان ممسوح القدمين والسادس: سمي مسيحاً لأنه كان ممسوحاً بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء، ولا يمسح به غيرهم، ثم قالوا: وهذا الدهن يجوز أن يكون الله تعالى جعله علامة حتى تعرف الملائكة أن كل من مسح به وقت الولادة فإنه يكون نبياً السابع: سمي مسيحاً لأنه مسحه جبريل صلى الله عليه وسلم بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان الثامن: سمي مسيحاً لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وعلى هذه الأقوال يكون المسيح، بمعنى: الممسوح، فعيل بمعنى: مفعول.

قال أبو عمرو بن العلاء المسيح: الملك.

وقال النخعي: المسيح الصديق والله أعلم.

ولعلّهما قالا ذلك من جهة كونه مدحاً لا لدلالة اللغة عليه، وأما المسيح الدجال فإنما سمي مسيحاً لأحد وجهين: أحدهما: لأنه ممسوح أحد العينين والثاني: أنه يمسح الأرض أي: يقطعها في المدة القليلة، قالوا: ولهذا قيل له: دجال لضربه في الأرض، وقطعه أكثر نواحيها، يقال: قد دجل الدجال إذا فعل ذلك، وقيل: سمي دجالاً من قوله: دجل الرجل إذا موه ولبس.

السؤال الثاني: المسيح كان كاللقب له، وعيسى كالاسم فلم قدم اللقب على الاسم؟.

الجواب: أن المسيح كاللقب الذي يفيد كونه شريفاً رفيع الدرجة، مثل الصديق والفاروق فذكره الله تعالى أولاً بلقبه ليفيد علو درجته، ثم ذكره باسمه الخاص.

السؤال الثالث: لم قال عيسى بن مريم والخطاب مع مريم؟.

الجواب: لأن الأنبياء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فلما نسبه الله تعالى إلى الأم دون الأب، كان ذلك إعلاماً لها بأنه محدث بغير الأب، فكان ذلك سبباً لزيادة فضله وعلو درجته.

السؤال الرابع: الضمير في قوله: اسمه عائد إلى الكلمة وهي مؤنثة فلم ذكر الضمير؟.

الجواب: لأن المسمى بها مذكر.

السؤال الخامس: لم قال اسمه المسيح عيسى بن مريم؟

والاسم ليس إلا عيسى، وأما المسيح فهو لقب، وأما ابن مريم فهو صفة.

الجواب: الاسم علامة المسمى ومعرف له، فكأنه قيل: الذي يعرف به هو مجموع هذه الثلاثة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَجِيهًا فِي الدنيا والأخرة ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: معنى الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل، يوجه وجاهة هو وجيه، إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس والسلطان، وقال بعض أهل اللغة: الوجيه: هو الكريم، لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال.

واعلم أن الله تعالى وصف موسى صلى الله عليه وسلم بأنه كان وجيهاً قال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين ءَاذَوْاْ موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً  ﴾ ثم للمفسرين أقوال: الأول: قال الحسن: كان وجيهاً في الدنيا بسبب النبوة، وفي الآخرة بسبب علو المنزلة عند الله تعالى والثاني: أنه وجيه عند الله تعالى، وأما عيسى عليه السلام، فهو وجيه في الدنيا بسبب أنه يستجاب دعاؤه ويحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص بسبب دعائه، ووجيه في الآخرة بسبب أنه يجعله شفيع أمته المحقين ويقبل شفاعتهم فيهم كما يقبل شفاعة أكابر الأنبياء عليهم السلام والثالث: أنه وجهه في الدنيا بسبب أنه كان مبرأ من العيوب التي وصفه اليهود بها، ووجيه في الآخرة بسبب كثرة ثوابه وعلو درجته عند الله تعالى.

فإن قيل: كيف كان وجيهاً في الدنيا واليهود عاملوه بما عاملوه، قلنا: قد ذكرنا أنه تعالى سمى موسى عليه السلام بالوجيه مع أن اليهود طعنوا فيه، وآذوه إلى أن برأه الله تعالى مما قالوا، وذلك لم يقدح في وجاهة موسى عليه السلام، فكذا هاهنا.

المسألة الثانية: قال الزجاج ﴿ وَجِيهاً ﴾ منصوب على الحال، المعنى: أن الله يبشرك بهذا الولد وجيهاً في الدنيا والآخرة، والفراء يسمي هذا قطعاً كأنه قال: عيسى ابن مريم الوجيه فقطع منه التعريف.

أما قوله: ﴿ وَمِنَ المقربين ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه تعالى جعل ذلك كالمدح العظيم للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم بواسطة هذه الصفة.

وثانيها: أن هذا الوصف كالتنبيه على أنه عليه السلام سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة.

وثالثها: أنه ليس كل وجيه في الآخرة يكون مقرباً لأن أهل الجنة على منازل ودرجات، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثلاثة  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ  أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وَيُكَلّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الواو للعطف على قوله: ﴿ وَجِيهاً ﴾ والتقدير كأنه قال: وجيهاً ومكلماً للناس وهذا عندي ضعيف، لأن عطف الجملة الفعلية على الإسمية غير جائز إلا للضرورة، أو الفائدة والأولى أن يقال تقدير الآية ﴿ إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ الوجيه في الدنيا والآخرة المعدود من المقربين، وهذا المجموع جملة واحدة، ثم قال: ﴿ وَيُكَلّمُ الناس ﴾ فقوله: ﴿ وَيُكَلّمُ الناس ﴾ عطف على قوله: ﴿ إِنَّ الله يُبَشّرُكِ ﴾ .

المسألة الثانية: في المهد قولان أحدهما: أنه حجر أمه والثاني: هو هذا الشيء المعروف الذي هو مضجع الصبي وقت الرضاع، وكيف كان المراد منه: فإنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد، ولا يختلف هذا المقصود سواء كان في حجر أمه أو كان في المهد.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَكَهْلاً ﴾ عطف على الظرف من قوله: ﴿ فِى المهد ﴾ كأنه قيل: يكلم الناس صغيراً وكهلاً وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما الكهل؟.

الجواب: الكهل في اللغة ما اجتمع قوته وكمل شبابه، وهو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوي وتم قال الأعشى: يضاحك الشمس منها كوكب شرق *** مؤزر بحميم النبت مكتهل أراد بالمكتهل المتناهي في الحسن والكمال.

السؤال الثاني: أن تكلمه حال كونه في المهد من المعجزات، فأما تكلمه حال الكهولة فليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟.

والجواب: من وجوه: الأول: أن المراد منه بيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة والتغير على الإله تعالى محال، والمراد منه الرد على وفد نجران في قولهم: إن عيسى كان إلها والثاني: المراد منه أن يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة والثالث: قال أبو مسلم: معناه أنه يكلم حال كونه في المهد، وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجز الرابع: قال الأصم: المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة.

السؤال الثالث: نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثاً وثلاثين سنة وستة أشهر، وعلى هذا التقدير: فهو ما بلغ الكهولة.

والجواب: من وجهين: الأول: بينا أن الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل التام، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين، فصح وصفه بكونه كهلاً في هذا الوقت والثاني: هو قول الحسين بن الفضل البجلي: أن المراد بقوله: ﴿ وَكَهْلاً ﴾ أن يكون كهلاً بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان، ويكلم الناس، ويقتل الدجال، قال الحسين بن الفضل: وفي هذه الآية نص في أنه عليه الصلاة والسلام سينزل إلى الأرض.

المسألة الرابعة: أنكرت النصارى كلام المسيح عليه السلام في المهد، واحتجوا على صحة قولهم بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها، ولا شك أن هذه الواقعة لو وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع واليقين بقولهم، لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والإثنين لا يجوز، ومتى حدثت الواقعة العجيبة جداً عند حضور الجمع العظيم فلابد وأن تتوفر الدواعي على النقل فيصير ذلك بالغاً حد التواتر، وإخفاء ما يكون بالغاً إلى حد التواتر ممتنع، وأيضاً فلو كان ذلك لكان ذلك الإخفاء هاهنا ممتنعاً لأن النصارى بالغوا في إفراط محبته إلى حيث قالوا إنه كان إلها، ومن كان كذلك يمتنع أن يسعى في إخفاء مناقبه وفضائله بل ربما يجعل الواحد ألفاً فثبت أن لو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى، ولما أطبقوا على إنكارها علمنا أنه ما كان موجوداً ألبتة.

أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة، وقالوا: إن كلام عيسى عليه السلام في المهد إنما كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة، وكان الحاضرون جمعاً قليلين، فالسامعون لذلك الكلام، كان جمعاً قليلاً، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء، وبتقدير: أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت، فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً مخفياً إلى أن أخبر الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك، وأيضاً فليس كل النصارى ينكرون ذلك، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب: لما قرأ على النجاشي سورة مريم، قال النجاشي: لا تفاوت بين واقعة عيسى، وبين المذكور في هذا الكلام بذرة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الصالحين ﴾ .

فإن قيل: كون عيسى كلمة من الله تعالى، وكونه ﴿ وَجِيهًا فِي الدنيا والأخرة ﴾ وكونه من المقربين عند الله تعالى، وكونه مكلماً للناس في المهد، وفي الكهولة كل واحد من هذه الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحاً فلم ختم الله تعالى أوصاف عيسى بقوله: ﴿ وَمِنَ الصالحين ﴾ ؟.

قلنا: إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحاً لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظباً على النهج الأصلح، والطريق الأكمل، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب، وفي أفعال الجوارح، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ المسيح ﴾ لقب من اولقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحاً بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ ﴾ [مريم: 31] وكذلك ﴿ عِيسَى ﴾ معرب من أيشوع.

ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء.

فإن قلت: ﴿ إِذْ قَالَتِ ﴾ بم يتعلق؟

قلت: هو بدل من ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الملئكة ﴾ ويجوز أن يبدل من ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ على أن الاختصام والبشارة وقعاً في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا.

فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟

قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين.

فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟

قلت لأن المسمى بها مذكر.

فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟

قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة ﴿ وَجِيهاً ﴾ حال من ﴿ كلمة ﴾ وكذلك قوله: (ومن المقربين)، (ويكلم) (وَمِنَ الصالحين).

أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.

وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة.

والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس.

وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة.

وكونه ﴿ مِنَ المقربين ﴾ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.

والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمي بالمصدر.

و ﴿ فِى المهد ﴾ في محل النصب على الحال، ﴿ وَكَهْلاً ﴾ عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلاً وكهلاً.

ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء.

ومن بدع التفاسير أن قولها: رب نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي ﴿ ونعلمه ﴾ عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ.

وقرأ عاصم ونافع: ﴿ ويعلمه ﴾ ، بالياء.

فإن قلت: علام تحمل: ورسولاً، ومصدّقاً من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ و ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يأبى حمله عليها؟

قلت: هو من المضائق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له ﴿ وأرسلت ﴾ على إرادة القول؛ تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم.

ومصدقاً لما بين يدي.

والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أصله أرسلت بأني قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، و ﴿ أَنِى أَخْلُقُ ﴾ نصب بدل من ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أني أخلق لكم، وقرئ: ﴿ إني ﴾ ، بالكسر على الاستئناف، أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير ﴿ فَأَنفُخُ فِيهِ ﴾ الضمير للكاف، أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا ﴾ فيصير طيراً كسائر الطيور حياً طياراً.

وقرأ عبد الله: ﴿ فأنفخها ﴾ قال: كالهَبْرَقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا وقيل: لم يخلق غير الخفاش ﴿ الاكمه ﴾ الذي ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين.

ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.

وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده.

وكرر ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية.

وروي: أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية، فقال: يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا.

وقرئ ﴿ تذخرون ﴾ ، بالذال والتخفيف ﴿ وَلأُحِلَّ ﴾ ردّ على قوله: ﴿ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون ﴿ مُصَدّقاً ﴾ مردوداً عليه أيضاً، أي جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً.

وما حرم الله عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك.

قيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له.

واختلفوا في إحلاله لهم السبت.

وقرئ ﴿ حرم عليكم ﴾ على تسمية الفاعل، وهو ما بين يديّ من التوراة، أو الله عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام؛ لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوماً عندهم.

وقرئ: ﴿ حرم ﴾ ، بوزن كرم ﴿ وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه، وقرئ بالفتح على البدل من ﴿ ءايَةً ﴾ .

وقوله: ﴿ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ﴾ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟

قلت لأنّ الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال.

ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد، ومن سائر ذلك.

وقرأ عبد الله.

﴿ وجئتكم بآيات من ربكم ﴾ ، فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه.

ثم ابتدأ فقال: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ ومعنى قراءة من فتح: ولأنّ الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله: ﴿ لإيلاف قُرَيْشٍ....

فَلْيَعْبُدُواْ ﴾ [قريش: 1 3] ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وما بينهما اعتراض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ بَدَلٌ مِن إذْ قالَتِ الأُولى وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ عَلى أنَّ وُقُوعَ الِاخْتِصامِ والبِشارَةِ في زَمانٍ مُتَّسِعٍ كَقَوْلِكَ لَقِيتُهُ سَنَةَ كَذا.

﴿ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ المَسِيحُ لَقَبُهُ وهو مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ كالصِّدِّيقِ وأصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحًا مَعْناهُ: المُبارَكُ، وعِيسى مُعْرَبُ أيْشُوعَ واشْتِقاقُهُما مِنَ المَسْحِ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ أوْ بِما طَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ مَسَحَ الأرْضَ ولَمْ يُقِمْ في مَوْضِعٍ، أوْ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ، ومِنَ العِيسِ وهو بَياضٌ يَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، تَكَلُّفٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ، وابْنُ مَرْيَمَ لِما كانَ صِفَةً تُمَيِّزُ تَمْيِيزَ الأسْماءِ نُظِّمَتْ في سِلْكِها، ولا يُنافِي تَعَدُّدَ الخَبَرِ وإفْرادَ المُبْتَدَأِ فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضافٌ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ ويَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ هَذِهِ الثَّلاثَةُ، فَإنَّ الِاسْمَ عَلامَةُ المُسَمّى والمُمَيِّزُ لَهُ مِمَّنْ سِواهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وابْنُ مَرْيَمَ صِفَتُهُ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ والخِطابُ لَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ إذِ الأوْلادُ تُنْسَبُ إلى الآباءِ ولا تُنْسَبُ إلى الأُمِّ إلّا إذا فُقِدَ الأبُ.

﴿ وَجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن كَلِمَةٍ وهي وإنْ كانَتْ نَكِرَةٌ لَكِنَّها مَوْصُوفَةٌ وتَذْكِيرُهُ لِلْمَعْنى، والوَجاهَةُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ ﴿ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ مِنَ اللَّهِ، وقِيلَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ أوْ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَةِ المَلائِكَةِ.

﴿ وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا ﴾ أيْ يُكَلِّمُهم حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ.

والمَهْدُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُمَهِّدُ لِلصَّبِيِّ في مَضْجَعِهِ.

وقِيلَ إنَّهُ رُفِعَ شابًّا والمُرادُ وكَهْلًا بَعْدَ نُزُولِهِ، وذَكَرَ أحْوالَهُ المُخْتَلِفَةَ المُتَنافِيَةَ إرْشادًا إلى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ ﴿ وَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ حالٌ ثالِثٌ مِن كَلِمَةٍ أوْ ضَمِيرِها الَّذِي في يُكَلِّمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إذ قالت الملائكة} أى اذكر {يا مريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ} أي بعيسى {مِّنْهُ} في موضع جر صفة لكلمة {اسمه} مبتدأ وذكر ضمير الكلمة لأن المسمى بها مذكر {المسيح} خبره والجملة في موضع جر صفة لكلمة والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحاً بالعبرانية ومعناه المبارك كقوله {وَجَعَلَنِى مباركا أين ما كنت} وقيل سمي مسيحاً لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ أو لأنه كان يمسح الأرض بالسياحة لا يستوطن مكاناً {عِيسَى} بدل من المسيح {ابن

مَرْيَمَ} خبر مبتدأ محذوف أي هو ابن مريم ولا يجوز أن يكون صفة لعيسى لأنه اسمه عيسى فحسب وليس اسمه عيسى بن مريم وإنما قال ابن مريم إعلاماً لها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه {وَجِيهاً} ذا جاه وقدر {في الدنيا} بالنبوة والطاعة {والآخرة} بعلوا الدرجة والشفاعة {ومن المقربين} يرفعه إلى السماء وقوله وجيهاً حال من كلمة لكونها موصوفة وكذا ومن المقربين أي وثابتاً من المقربين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَشْهُورِ، والقَوْلُ شَفاهِيٌّ كَما رَواهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، و(إذْ) المُضافَةُ إلى ما بَعْدَها بَدَلٌ مِن نَظِيرَتِها السّابِقَةِ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلُ اِشْتِمالٍ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ إذِ الجُمْلَةُ الفاصِلَةُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلُ مِنهُ اِعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِما سَبَقَ، وتَنْبِيهًا عَلى اِسْتِقْلالِهِ وكَوْنِهِ حَقِيقِيًّا بِأنْ يُعَدَّ عَلى حِيالِهِ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ، قالُوا: وتُرِكَ العَطْفُ بِناءً عَلى اِتِّحادِ المُخاطَبِ والمُخاطِبِ وإيذانًا بِتَقارُنِ الخِطابَيْنِ أوْ تَقارُبِهِما في الزَّمانِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الظَّرْفَ مَنصُوبًا بِ (اُذْكُرْ) مُقَدَّرًا، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِ (يَخْتَصِمُونَ) وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن (إذْ) المُضافَةِ إلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ زَمَنَ الِاخْتِصامِ قَبْلَ زَمَنِ البِشارَةِ بِمُدَّةٍ فَلا تَصِحُّ هَذِهِ البَدَلِيَّةُ، والتِزامُ أنَّهُ بَدَلٌ غَلَطٌ إذْ لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُعْتَبَرُ زَمانٌ مُمْتَدٌّ يَقَعُ الِاخْتِصامُ في بَعْضِهِ والبِشارَةُ في بَعْضٍ آخَرَ وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُما في زَمانٍ واحِدٍ كَما يُقالُ وقَعَ القِتالُ والصُّلْحُ في سَنَةٍ واحِدَةٍ مَعَ أنَّ القِتالَ واقِعٌ في أوَّلِها مَثَلًا والصُّلْحُ في آخِرِها، قِيلَ: ولا يُحْتاجُ إلى هَذا عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي مِمّا ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها عَلَيْها السَّلامُ كانَتْ عاقِلَةً في حالِ الصِّغَرِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها ورَدَتْ عَلَيْها البُشْرى إذْ ذاكَ، وفِيهِ بَعْدٌ بَلِ الآثارُ ناطِقَةٌ بِخِلافِهِ.

﴿ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ ﴾ كَلِمَةُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَلِمَةٍ وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى مَن أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍ بَلْ بِواسِطَةِ كُنْ فَقَطْ عَلى خِلافِ أفْرادِ بَنِي آدَمَ فَكانَ تَأْثِيرُ الكَلِمَةِ في حَقِّهِ أظْهَرَ وأكْمَلَ فَهو كَقَوْلِكَ لِمَن غَلَبَ عَلَيْهِ الجُودُ مَثَلًا: مَحْضُ الجُودِ، وعَلى ذَلِكَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وأيَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، وقِيلَ: أطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ بِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ، فَفي «اَلتَّوْراةِ» في الفَصْلِ العِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ: أقْبَلَ اللَّهُ تَعالى مِن سِينا وتَجَلّى مِن ساعِيرَ وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ، وسِينا جَبَلُ التَّجَلِّي لِمُوسى وساعِيرُ جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ وكانَ عِيسى يَتَعَبَّدُ فِيهِ وفارانُ جَبَلُ مَكَّةَ، وكانَ مُتَحَنَّثَ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ  ، وهَذا كَقَوْلِ مَن يُخْبِرُ بِالأمْرِ إذا خَرَجَ مُوافِقًا لِما أخْبَرَ بِهِ: قَدْ جاءَ كَلامِي، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي بِهِ كَما يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الكَلِمَةَ بِمَعْنى البِشارَةِ كَأنَّهُ قِيلَ بِبِشارَةٍ مِنهُ ويُبْعِدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ ولَعَلَّهُ يُرَجِّحُ أوَّلَ الأقْوالِ كَما يُرَجِّحُهُ عَدَمُ اِطِّرادِ الأقْوالِ الأُخَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لازِمًا في مِثْلِ ذَلِكَ، وفي ﴿ يُبَشِّرُكِ ﴾ هُنا مِنَ القِراءاتِ مِثْلُ ما فِيها، فِيما تَقَدَّمَ.

﴿ اسْمُهُ ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ وذِكْرُهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى لِكَوْنِها عِبارَةً عَنْ مُذَكَّرٍ و(اسْمُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ المَسِيحُ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: (عِيسى) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، أوْ عَطْفَ بَيانٍ، أوْ تَوْكِيدًا بِالمُرادِفِ كَما أشارَ إلَيْهِ الدَّنُوشَرِيُّ، أوْ خَبَرًا آخَرَ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارٍ أعْنِي مَدْحًا، وحَذْفُ المُبْتَدَأِ والفِعْلِ، قِيلَ: عَلى سَبِيلِ الجَوازِ ومُقْتَضى ما ذَكَرُوهُ في النَّعْتِ المَقْطُوعِ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَنصُوبًا يُلْتَزَمُ القَوْلُ بِالقَطْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ومَن جَعَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ أخْبارًا عَنِ المُبْتَدَأِ أوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ الِاسْمَ في الحَقِيقَةِ عِيسى والمَسِيحَ لَقَبٌ و(ابْنُ) صِفَةٌ، فَكَيْفَ جُعِلَتِ الثَّلاثَةُ خَبَرًا عَنْهُ؟!

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالِاسْمِ مَعْناهُ المُصْطَلَحُ وهو العَلَمُ مُطْلَقًا ولَيْسَ هو بِمَعْنًى مُقابِلِ اللَّقَبِ بَلْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، وأنَّ إضافَتَهُ تُفِيدُ العُمُومَ لِأنَّ إضافَةَ اِسْمِ الجِنْسِ قَدْ يُقْصَدُ بِها الِاسْتِغْراقُ، وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى اِبْنِ مَرْيَمَ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْمِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو السِّمَةُ والعَلامَةُ المُمَيِّزَةُ لا العَلَمُ، ولا مانِعَ حِينَئِذٍ مِن جَعْلِ مَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ خَبَرًا إذِ التَّمْيِيزُ بِذَلِكَ أشَدُّ مِنَ التَّمْيِيزِ بِكُلِّ واحِدٍ فَيَؤُولُ المَعْنى إلى قَوْلِكَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ ويُمَيَّزُ بِهِ عَمّا سِواهُ مَجْمُوعُ الثَّلاثَةِ، وبِهَذا كَما في «اَلِانْتِصافِ»: ((خَلاصٌ مِن إشْكالٍ يُورِدُونَهُ فَيَقُولُونَ: ﴿ المَسِيحُ ﴾ في الآيَةِ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّسْمِيَةُ وهو الظّاهِرُ فَما مَوْقِعُ ﴿ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ والتَّسْمِيَةُ لا تُوصَفُ بِالنُّبُوَّةِ؟!

وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَلْتَئِمْ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اسْمُهُ ﴾ ووَجْهُ الخَلاصِ ظاهِرٌ، ولِعَدَمِ ظُهُورِ هَذا التَّوْجِيهِ لِبَعْضِهِمُ اِلْتُزِمَ الخَلاصُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ المَسِيحَ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْمُهُ ﴾ والمُرادُ التَّسْمِيَةُ، وأمّا ﴿ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ فَخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُسَمّى بِالتَّسْمِيَةِ المَذْكُورَةِ مُنْقَطِعًا عَنْ ”المَسِيحُ“ )).

والمَشْهُورُ أنَّ المَسِيحَ لَقَبُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو لَهُ مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ كالفارُوقِ، وأصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحا ومَعْناهُ المُبارَكُ، وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ: الصِّدِّيقُ، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: المَلِكُ، وعِيسى مُعْرَبُ أيْشُوعَ، ومَعْناهُ السَّيِّدُ، وعَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ المَسِيحَ مُشْتَقٌّ مِنَ المَسْحِ، واخْتَلَفُوا في وجْهِ إطْلاقِهِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبِرْكَةِ واليُمْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ عَيْنَ الأكْمَهِ فَيُبْصِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ بِيَدِهِ إلّا بَرِئَ، ورَواهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الجُبّائِيُّ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِدُهْنِ زَيْتٍ بُورِكَ فِيهِ، وكانَتِ الأنْبِياءُ تَتَمَسَّحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ جِبْرِيلَ مَسَحَهُ بِجَناحَيْهِ وقْتَ الوِلادَةِ لِيَكُونَ عَوْذَةً مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ حِينَ مَسَحَ اللَّهُ تَعالى ظَهْرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرّاتِ ذُرِّيَّتِهِ لَمْ يَرُدَّهُ إلى مَقامِهِ كَما فَعَلَ بِباقِي الذَّرّاتِ بَلْ حَفِظَهُ عِنْدَهُ حَتّى ألْقاهُ إلى مَرْيَمَ فَكانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ اِسْمُ المَسِيحِ أيِ المَمْسُوحِ وقِيلَ وقِيلَ.

وهَذِهِ الأقْوالُ تُشْعِرُ بِأنَّ اللَّفْظَ عَرَبِيٌّ لا عِبْرِيٌّ، وكَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى الثّانِي، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وعَلَيْهِ لا اِشْتِقاقَ لِأنَّهُ لا يَجْرِي عَلى الحَقِيقَةِ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، وفي «اَلْكَشْفِ»: أنَّ الظّاهِرَ فِيهِ الِاشْتِقاقُ لِأنَّهُ عَرَبِيٌّ دَخَلَ عَلَيْهِ خَواصِّ كَلامِهِمْ جُعِلَ لَقَبَ تَشْرِيفٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كالخَلِيلِ لِإبْراهِيمَ، وجَعْلُهُ مُعْرَبًا ثُمَّ إجْراؤُهُ مَجْرى الصِّفاتِ في إدْخالِ اللّامِ لِأنَّهُ في كَلامِهِمْ بِمَعْنى الوَصْفِ خِلافُ الظّاهِرِ.

ومِنَ النّاسِ مَنِ اِدَّعى أنَّ دُخُولَ اللّامِ لا يُنافِي العُجْمَةَ فَإنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والإسْكَنْدَرَ لَمْ تُسْمَعْ إلّا مَقْرُونَةً بِها مَعَ أنَّها أعْجَمِيَّةٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يُنافِي أظَهْرِيَّةَ كَوْنِ مَحَلِّ النِّزاعِ عَرَبِيًّا، نَعَمْ قِيلَ في عِيسى: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِيسِ وأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ في لَوْنِهِ عِيسٌ أيْ بَياضٌ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ «كَأنَّما خَرَجَ مِن دِيماسٍ»، إلّا أنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ أنَّهُ لا اِشْتِقاقَ لَهُ، وأنَّ القائِلَ بِهِ كالرّاقِمِ عَلى الماءِ، وهَذا الخِلافُ إنَّما هو في هَذا المَسِيحِ، وأمّا المَسِيحُ الدَّجّالُ فَعَرَبِيٌّ إجْماعًا وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مُسِحَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَقْطَعُها في المُدَّةِ القَلِيلَةِ، وفَرَّقَ النَّخْعِيُّ بَيْنَ لَقَبِ رُوحِ اللَّهِ وعَدُوِّهِ بِأنَّ الأوَّلَ: بِفَتْحِ المِيمِ والتَّخْفِيفِ، والثّانِي: بِكَسْرِ المِيمِ وتَشْدِيدِ السِّينِ كَشِرِّيرٍ، وأنْكَرَهُ غَيْرُهُ وهو المَعْرُوفُ.

ثُمَّ القائِلُونَ بِاللَّقَبِيَّةِ في الآيَةِ وكَوْنِ عِيسى بَدَلًا مَثَلًا خَصَّ الكَثِيرُ مِنهم مَنعَ تَقْدِيمِ اللَّقَبِ عَلى الِاسْمِ بِما إذا لَمْ يَكُنْ أشْهَرَ مِنهُ حَقِيقَةً أوِ اِدِّعاءً أمّا إذا كانَ أشْهَرَ كَما هُنا، فَإنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ الأنْبارِيِّ ولا يُخْتَصُّ بِغَيْرِ الفَصِيحِ كَما فِيما إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، والمَشْهُورُ فِيما إذا كانَ الِاسْمُ واللَّقَبُ مُفْرَدَيْنِ إضافَةُ الأوَّلِ لِلثّانِي، وفي «اَلْمُفَصَّلِ» تَعَيُّنُها، وصَنِيعُ سِيبَوَيْهِ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، ومَن جَوَّزَ التَّبَعِيَّةَ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِمْ: هَذا يَحْيى عَيْنانِ إذْ لَوْ أُضِيفَ لَقِيلَ عَيْنَيْنِ، وحَمْلُهُ عَلى لُغَةِ مَن يُلْزِمُ المُثَنّى الألْفَ يَرُدُّهُ أنَّ الرِّوايَةَ بِضَمِّ النُّونِ ولَوْ كانَتِ الرِّوايَةُ بِالكَسْرِ لَأمْكَنَ ذَلِكَ الحَمْلُ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، وكَذا لَوْ كانَتْ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ يُمْكِنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ اللَّقَبُ مَجْرُورًا بِالإضافَةِ إلّا أنَّ الفَتْحَةَ فِيهِ نائِبَةٌ عَنِ الكَسْرَةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُسَمّى بِهِ يَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ كَما لا يَنْصَرِفُ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قُصارى ما يُثْبِتُهُ هَذا الِاسْتِدْلالُ الوُرُودُ في هَذا الجُزْئِيِّ، وأمّا أنَّهُ يُثْبِتُ الِاطِّرادَ فَلا، ولَعَلَّ المانِعَ إنَّما يَمْنَعُ ذَلِكَ، ويَدَّعِي أنَّ المُطَّرِدَ هو الإضافَةُ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَمْنَعَ مِنها مانِعٌ فَلا تَجُوزُ فِيما إذا قارَنَتْ ألِ الوَضْعَ لِمَنعِها عَنْ ذَلِكَ فَلا يُقالُ: الحَرْثُ كَرَزٍ بِالإضافَةِ، وكَذا إذا كانَ اللَّقَبُ وصْفًا في الأصْلِ نَحْوَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ الحاجِبِ في «شَرْحِ المُفَصَّلِ» لِأنَّ المَوْصُوفَ لا يُضافُ إلى صِفَتِهِ في المَشْهُورِ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ المَسِيحَ صِفَةٌ في العَرَبِيَّةِ ومَعَ هَذا في المَسْألَةِ خِلافُ اِبْنِ هِشامٍ فَإنَّهُ يُجَوِّزُ الإضافَةَ في هَذا القِسْمِ أيْضًا وتَمامُ البَحْثِ في «كُتُبِنا النَّحْوِيَّةِ»، فَلْيُفْهَمْ.

وإنَّما قِيلَ: ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ ولَوْ كانَ لَهُ أبٌ لَنُسِبَ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى تَفْضِيلِ الأُمِّ أيْضًا، وقِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ رَدًّا لِلنَّصارى، وأبْعَدُ مَنِ اِدَّعى أنَّ هَذِهِ الإضافَةَ لِمَدْحِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ في قُوَّةِ اِبْنِ عابِدَةَ، هَذا واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ (ابْنُ) في الآيَةِ يُكْتَبُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ بِناءً عَلى وُقُوعِهِ صِفَةً بَيْنَ عَلَمَيْنِ، إذِ القاعِدَةُ أنَّهُ مَتى وقَعَ كَذَلِكَ لَمْ تُكْتَبْ هَمْزَتُهُ بَلْ تُحْذَفُ في الخَطِّ تَبَعًا لِحَذْفِها في اللَّفْظِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمالِهِ كَذَلِكَ ومَتى تَقَدَّمَهُ عَلَمٌ لَكِنْ أُضِيفَ إلى غَيْرِ عَلَمٍ كَزَيْدِ اِبْنِ السُّلْطانِ أوْ تَقَدَّمَهُ غَيْرُ عَلَمٍ، وأُضِيفُ إلى عَلَمٍ كالسُّلْطانِ اِبْنِ زَيْدٍ أوْ وقَعَ بَيْنَ ما لَيْسا عَلَمَيْنِ كَزَيْدٍ العاقِلِ اِبْنِ الأمِيرِ عَمْرٍو كُتِبَتِ الألِفُ ولَمْ تُحْذَفْ في الخَطِّ في جَمِيعِ تِلْكَ الصُّوَرِ، والكُتّابُ كَثِيرًا ما يُخْطِئُونَ في ذَلِكَ فَيَحْذِفُونَ الهَمْزَةَ مِنهُ في الكِتابَةِ أيْنَما وقَعَ، وقَدْ نَصَّ عَلى خَطَئِهِمْ في ذَلِكَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ.

ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الرَّسْمَ يُرَجِّحُ التَّبَعِيَّةَ، نَعَمْ في كَوْنِ ذَلِكَ مُطَّرِدًا فِيما إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ عَلَمَ الأُمِّ خِلافٌ، واَلَّذِي أخْتارُهُ الحَذْفُ أيْضًا إذا كانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا.

﴿ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ الوَجِيهُ ذُو الجاهِ والشَّرَفِ والقَدْرِ، وقِيلَ: الكَرِيمُ عَلى مَن يَسْألُهُ فَلا يَرُدُّ لِكَرَمِ وجْهِهِ عِنْدَهُ خِلافَ مَن يَبْذُلُ وجْهَهُ لِلْمَسْألَةِ فَيَرُدُّ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا بِالنُّبُوَّةِ والتَّقَدُّمِ عَلى النّاسِ، وفي الآخِرَةِ بِقَبُولِ شَفاعَتِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وقِيلَ: وجاهَتُهُ في الدُّنْيا بِقَبُولِ دُعائِهِ بِإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ مُبَرَّءًا مِنَ العُيُوبِ الَّتِي اِفْتَراها اليَهُودُ عَلَيْهِ، وفي الآخِرَةِ ما تَقَدَّمَ، ولَيْسَتِ الوَجاهَةُ بِمَعْنى الهَيْئَةِ والبِزَّةِ لِيُقالَ: كَيْفَ كانَ وجِيهًا في الدُّنْيا مَعَ أنَّ اليَهُودَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ عامَلُوهُ بِما عامَلُوهُ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ لا تَقْدَحُ تِلْكَ المُعامَلَةُ فِيهِ كَما لا تَقْدَحُ عَلى التَّقادِيرِ الأُوَلِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ.

ونَصْبُ ﴿ وجِيهًا ﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ”كَلِمَةٍ“، وسَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِنها مَعَ أنَّها نَكِرَةٌ وصْفُها بِما بَعْدَها، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ وجُعِلَتِ الحالُ مَقَدَّرَةً لِأنَّ الوَجاهَةَ كانَتْ بَعْدَ البِشارَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الحالَ مِن (عِيسى) وقالَ أبُو البَقاءِ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ وكَذا لا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِن ﴿ المَسِيحُ ﴾ أوْ مِن ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ لِأنَّها أخْبارٌ، والعامِلُ فِيها الِابْتِداءُ أوِ المُبْتَدَأُ أوْ هُما ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ يَعْمَلُ في الحالِ، وكَذا لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ في اِسْمِهِ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَهُما ولِعَدَمِ العامِلِ في الحالِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.

﴿ ومِنَ المُقَرَّبِينَ  ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَتِهِ المَلائِكَةَ، وقِيلَ: مِنَ المُقَرَّبِينَ مِنَ النّاسِ بِالقَبُولِ والإجابَةِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ وجِيهًا ﴾ أيْ ومُقَرَّبًا مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يعني الذي ذكر في هذه الآية من قصة زكريا ومريم من أخبار الغيب، مما غاب عنك خبره، ولم تكن حاضراً، وفي الآية دليل نبوة محمد  ، حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم، ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر عن ذلك، وصدقه أهل الكتاب بذلك، فذلك قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ يعني لم تكن عندهم، وإنما تخبر عن الوحي.

فقال: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ يعني يطرحون أقلامهم في النهر بالقرعة وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ في أمر مريم إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ يعني جبريل-  - وحده إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ قرأ نافع وعاصم وابن عامر يُبَشِّرُكِ بالتشديد في جميع القرآن.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتشديد في جميع القرآن إلا في حم، عسق ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ [الشورى: 23] بالتخفيف، وقرأ حمزة بالتخفيف إلا في قوله فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] ووافقه الكسائي في بعضها، فمن قرأ بالتشديد، فهو من المباشرة، ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يفرحك، وكانت قصة البشارة أن مريم لما طهرت من الحيض، ودخلت المغتسل كما قال في سورة مَرْيَمَ، إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [مريم: 16] ، يعني أرادت أن تغتسل في جنب المشرفة، فلما دخلت المغتسل، رأت بشراً كهيئة الإنسان كما قال فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [مريم: 17] ، فخافت مريم، ثم قَالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [مريم: 18] ، لأن التقي يخاف الرحمن.

فقال لها جبريل: قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [مريم: 19] ، وذكرها هنا بلفظ آخر.

ومعناه واحد قال: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: 45] ، أي بولد بغير أب يصير مخلوقاً بكلمة من الله، وهو قوله كن فكان اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ويقال إنما سمي المسيح، لأنه يسيح في الأرض.

ويقال: المسيح بمعنى الماسح، كان يمسح وجه الأعمى فيبصر.

وقال الكلبي: المسيح الملك.

ثم قال وَجِيهاً أي ذا جاه فِي الدُّنْيا وَله منزلة فِى الْآخِرَةِ وقال مقاتل: فيها تقديم يعني وجيهاً في الدنيا وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في الآخرة عند ربه.

وقال الكلبي: وَجِيهاً فِي الدُّنْيا يعني في أهل الدنيا بالمنزلة، وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في جنة عدن وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي في حال صغره، وهو طفل في حجر أمه طفلاً وكهلاً، يعني إذا اجتمع عقله وكبر، فإن قيل: ما معنى قوله كهلاً؟

والكلام من الكهل لا يكون عجباً.

قيل له: المراد منه كلام الحكمة والعبرة.

ويقال: كهلاً بعد نزوله من السماء، وهو قول الكلبي وَمِنَ الصَّالِحِينَ مع آبائه في الجنة قالَتْ مريم رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ يعني من أين يكون لي ولد وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وهو كناية عن الجماع ف قالَ جبريل كَذلِكِ يعني هكذا كما قلت إنه لم يمسسك بشر ولكن اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً يعني إذا أراد أن يخلق خلقا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فنفخ جبريل في جيبها، يعني في نفسها قال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها، فعلقت بذلك.

وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل، لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة، وبعضه من الإنس، ولكن سبب ذلك إن الله تعالى لما خلق آدم-  - وأخذ الميثاق من ذريته، فجعل بعضهم في أصلاب الآباء، وبعضهم في أرحام الأمهات، فإذا اجتمع الماءان صار ولداً، وإن الله تعالى جعل المَاءَيْن جميعاً في مريم، بعضه في رحمها، وبعضه في صلبها، فنفخ فيها جبريل لتهيج شهوتها، لأن المرأة ما لم تهج شهوتها، لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخة جبريل، وقع الماء الذي كان في صلبها في رحمها، فاختلط الماءان فعلقت بذلك، فذلك قوله: إِذا قَضى أَمْراً، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً سبحانه، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بغير أب، ثم قال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ قرأ نافع وعاصم وَيُعَلِّمُهُ بالياء يعني أن الله يعلمه، وقرأ الباقون بالنون، ومعناه أن الله يقول ونعلمه الْكِتابَ يعني كتب الأنبياء.

وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: يعني الخط والكتابة، فعلّمه الله بالوحي والإلهام وَالْحِكْمَةَ يعني الفقه وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني يحفظ التوراة عن ظهر قلبه.

وقال بعضهم: وهو عالم بالتوراة.

وقال بعضهم: ألهمه الله بعد ما كبر حتى تعلم في مدة يسيرة.

ثم قال: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ نصب رسولاً لمعنيين: أحدهما يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، والثاني ويكلم الناس ورسولاً.

أي في حال رسالته إلى بني إسرائيل دليله أنه قال: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وذكر الزجاج- فالمعنى والله أعلم- ويكلمهم رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.

ثم أخبر عن أداء رسالته بعد ما أوحى إليه في حال الكبر، حيث قال لقومه: أنى قد جئتكم بآية من ربكم، يعني علامة لنبوتي، ثم بيّن العلامة فقال: أَنِّي أَخْلُقُ أي أقدر لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ ويقال: إن الناس سألوه عنه على وجه التعنت فقالوا له: اخلق لنا خفَّاشاً، واجعل فيه روحاً إن كنت صادقاً في مقالتك، فأخذ طيناً، وجعل منه خفاشاً، ونفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء والأرض، فكأن تسوية الطين، والنفخ من عيسى-  - والخلق من الله- عز وجل- كما أن النفخ من جبريل-  - والخلق من الله- عَزَّ وَجَلَّ- ويقال: إنما طلبوا منه خلق خفاش، لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه لحم ودم، يطير بغير ريش، ويلد كما يلد الحيوان، ولا يبيض كما تبيض سائر الطيور، ويكون له ضرع يخرج منه لبن، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة، فلما أن رأوا ذلك منه ضحكوا.

وقالوا: هذا سِحْر.

ثم قال تعالى: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ الأكمه الذي ولد أعمى فقالوا: إن لنا أطباء يفعلون مثل هذا، فذهبوا إلى جالينوس، وأخبروه بذلك فقال جالينوس: إذا ولد أعمى، لا يبصر بالعلاج، والأبرص إذا كان بحال إذا غرزت الإبرة فيه لا يخرج الدم منه لا يبرأ بالعلاج، فرجعوا إلى عيسى-  - وجاءوا بالأكمه والأبرص، فمسح يده عليهما، فأبصر الأعمى، وبرأ الأبرص، فآمن به بعضهم، وجَحَد بعضهم.

وقالوا: هذا سِحْر.

ثم قال تعالى: وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ فأَخْبَروا بذلك جالينوس.

فقال: الميت لا يعيش، ولا يحيى بالعلاج، فإن كان هو يحيي الموتى، فهو نبي، وليس بطبيب، فطلبوا منه أن يحيي الموتى، فأحيا أربعة نفر، أحدهم عازر، وكان صديقاً له، فبلغه أنه مات، فذهب مع أصحابه، وقد دفن، وأتى عليه أيام، فدعا الله، فقام بإذن الله تعالى وَوَدَكُه يقطر، فعاش وَوُلد له.

والثاني ابن العجوز، مَرّ به وهو يحمل على سرير، فدعا الله، فقام بإذن الله تعالى، ولبس ثيابه، وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله.

والثالث ابنة من بنات العاشر ماتت، وأتى عليها ليلة، فدعا الله تعالى، فعاشت بعد ذلك، وولد لها.

والرابع سام بن نوح، لأن القوم قالوا له: إنك تحيي من كان موته قريباً، فلعلهم لم يموتوا، وأصابتهم سكتة، فأحيي لنا سام بن نوح.

فقال: دلوني على قبره، فخرج وخرج القوم معه حتى انتهوا إلى قبره، فدعا الله تعالى، فأحياه وخرج من قبره قد شابت رأسه.

فقال له عيسى: كيف شابت رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟

فقال: يا روح الله إنك لما دعوتني، سمعت صوتاً يقول أَجِبْ روحَ الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن ذلك الهول شابت رأسي، فسأله عن النَّزْع.

فقال له: يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، ثم قال للقوم: صدقوه فإنه نبي الله، فآمن به بعضهم، وكذب به بعضهم.

وقالوا: هذا ساحر، فأرنا آية نعلم أنك صادق، فأخبرنا بما نأكل في بيوتنا، وما نَدَّخر للغد، فأخبرهم.

فقال: يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا، وادّخرت كذا وكذا، فذلك قوله عز وجل: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر.

ويقال إن الله بعث كل نبي إلى قومه، وأظهر لهم نوع ما كانوا يعرفونه، فكان في زمن موسى-  - الغالب عليهم السحر، فبيَّن لهم من جنس ذلك، ليعرفوا أن ذلك ليس بِسِحْر، وأنه من الله تعالى، وكان الغالب في زمن عيسى-  - علم الطب، فجاءهم عيسى بما عجز الأطباء عنه، فعرف الأطباء أن ذلك ليس من الطب، وكان في زمن نبينا-  - الفصاحة والشعر، فجاءهم بقرآن عجز الفصحاء والشعراء عن إتيان مثله.

ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ يعني فيما صنع عيسى-  - علامة لنبوته إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين أنه نبي، قرأ نافع: فيكون طائراً، وكذلك في سورة المائدة.

وقرأ الباقون بغير ألف، ومعناهما واحد.

ويقال: الطائر واحد، والطير جماعة.

ثم قال: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومعناه جئتكم مصدقاً، يعني الكتاب الذي أنزل عليّ، وهو الإنجيل مُصَدِّقاً، أي موافقاً لما بين يدي من التوراة وَلِأُحِلَّ لَكُمْ يعني أرخص لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ مثل الشحوم، ولحوم الإبل، ولحم كل ذي ظفر، وأما الميت، ولحم الخنزير، فهو حرام أبداً.

قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني أني لم أحل لكم شيئاً بغير برهان، فحقيق عليكم اتباعي، لأني أتيتكم ببرهان، وأتيتكم بتحليل الطيبات فَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم ونهاكم وَأَطِيعُونِ فيما آمركم وأنهاكم، وأنصح لكم إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ هذا تكذيب لقول النصارى حيث قالوا: إن الله هو المسيح.

وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فاعترف عيسى أنه عبد الله، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أي خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم، فاعبدوه، أي وحدوه ولا تشركوا به شيئا هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يعني هذا التوحيد الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم، لا عوج فيه، وهو طريق الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فقال قوم: كان ذلك في شرِعِهِمْ، والقول عنْدي في ذلك: أنَّ مريم أُمِرَتْ بفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعَالِمِ الصلاة، وهما طُولُ القيامِ، والسُّجُودُ، وخُصَّا بالذكْرِ لشرفهما، وهذانِ يَخْتَصَّان بصلاتها مفْرَدةً وإِلاَّ فمن يصلِّي وراء إِمامٍ، فليس يقال له: أَطِلْ قِيَامَكَ، ثم أمرتْ بعدُ بالصَّلاة في الجماعةِ، فقيل لها: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ، وقُصِدَ هنا مَعْلَمٌ آخر من مَعَالِمِ الصلاةِ لئلاَّ يتكرَّر اللفظ، ولم يرد في الآية الركوع والسجود الذي هو منتظمٌ في ركْعَةٍ واحدةٍ، واللَّه أعلم.

وقال ص: قوله: وَارْكَعِي، الواو: لا ترتّب، فلا يسأل، لِمَ قُدِّم السجود، إِلا من جهة علْمِ البيانِ، وجوابه أنه قدّم لأنه أقربُ ما يكونُ العَبْدُ فيه مِنْ ربِّه، فكان أشْرَفَ، وقيل: كان مقدّما في شرعهم.

اهـ.

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)

وقوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ...

الآية: هذه المخاطبة لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والإِشارة بذلك إِلى ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصصِ، والأنباء: الأخبار، والغَيْبُ: ما غَاب عن مدارك الإِنسان، ونُوحِيهِ: معناه: نُلْقِيهِ في نَفْسِك في خفاءٍ، وَحَدُّ الوَحْيِِ: إِلقاء المعنى في النَّفْس في خفاءٍ، فمنه بالمَلَكِ، ومنه بالإِلهام، ومنه بالإِشارة، ومنه بالكِتَابِ.

وفي هذه الآية بيان لنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم إِذ جاءهم بغُيُوب/ لا يعلمها إِلا مَنْ شاهدها، وهو لَمْ يَكُنْ لديهم، أوْ مَنْ قرأها في كتبهم، وهو صلّى الله عليه وسلّم أُمِّيٌّ من قومٍ أُمِّيِّينَ، أوْ:

من أعلمه الله بها، وهو ذاك صلّى الله عليه وسلّم، ولَدَيْهِمْ: معناه: عندهم ومَعَهُمْ.

وقوله: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ...

الآية: جمهورُ العلماء على أنه استهام لأخذِها والمنافَسَةِ فيها، فروي أنهم أَلْقَوْا أقلامَهُمُ الَّتي كانوا يَكْتُبُونَ بها التوراةَ في النَّهْرِ، فروي أنَّ قَلَمَ زكريَّا صاعد الجرية، ومضَتْ أقلام الآخَرِينَ، وقيل غير هذا، قُلْتُ: ولفظ ابْنِ العربيّ في «الأحكام» قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ وَعَلاَ قَلَمُ زَكَرِيَّا» «١» اهـ، وإِذا ثبت الحديث،

فلا نظر لأحد معه.

ويَخْتَصِمُونَ: معناه: يتراجَعُونَ القَوْلَ الجهيرَ في أمْرها.

وفي هذه الآية استعمال القُرْعَةِ، والقُرعَةُ سُنَّة، «وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إذا سافر، أقرع بين نسائه» «١» وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» «٢» .

واختلف أيضاً، هل الملائكةُ هنا عبارةٌ عن جِبْرِيلَ وحْده أوْ عن جماعةٍ من الملائكة؟

ووَجِيهاً: نصبٌ على الحال، وهو من الوَجْهِ، أيْ: له وجْهٌ ومنزلةٌ عند اللَّه، وقال البخاريُّ: وجيهاً: شَريفاً اهـ.

وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: معناه: مِنَ اللَّه تعالى، وكلامه في المَهْدِ: آيةٌ دالَّة على براءة أُمِّه، وأَخبر تعالى عنه أنَّه أيضًا يكلِّم الناس كَهْلاً، وفائدةُ ذلك أنَّه إِخبار لها بحَيَاتِهِ إلى سِنِّ الكهولة، قال جمهورُ النَّاس: الكَهْلُ الذي بَلَغَ سِنَّ الكهولةِ، وقال مجاهد: الكَهْلُ:

الحليمُ قال ع «٣» : وهذا تفسيرٌ للكُهُولة بعَرضٍ مصاحِبٍ لها في الأغلب، واختلف النَّاسُ في حَدِّ الكهولة، فقيل: الكَهْلُ ابن أَرْبَعِينَ، وقيل: ابنُ خَمْسَةٍ وثلاثينَ، وقيل: ابن ثلاثةٍ وثلاثين، وقيل: ابن اثنين وثلاثينَ، هذا حدُّ أَوَّلِهَا، وأمَّا آخرها، فاثنان وخمسونَ، ثم يدْخُلُ سنُّ الشيخوخة.

وقولُ مَرْيَمَ: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ: استفهام عن جهة حَمْلها، واستغراب للحَمْلِ على بَكَارتها، و «يَمْسَسْ» : معناه: يَطَأ ويُجَامِع.

ص: والبَشَر يُطْلَقُ على الواحِدِ والجمع.

اهـ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ، ويَحْيى، وعِيسى، ومَرْيَمَ.

والأنْباءُ: الأخْبارُ.

والغَيْبُ: ما غابَ عَنْكَ.

والوَحْيُ: كُلُّ شَيْءٍ دَلَّلْتَ بِهِ مِن كَلامٍ، أوْ كِتابٍ، أوْ إشارَةٍ، أوْ رِسالَةٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والوَحْيُ في القُرْآَنِ عَلى أوْجُهٍ تَراها في كِتابِنا المَوْسُومِ بِـ"الوُجُوهِ والنَّظائِرِ" مُونِقَةَ.

وفي الأقْلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الَّتِي يُكْتَبُ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها العِصِيُّ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها القِداحُ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: هي قِداحٌ جَعَلُوا عَلَيْها عَلاماتٍ يُعَرِّفُونَها عَلى جِهَةِ القُرْعَةِ.

وإنَّما قِيلَ لِلسَّهْمِ: القَلَمُ، لِأنَّهُ يُقَلَّمُ، أيْ: يُبْرى.

وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَقَدْ قَلَّمْتَهُ، ومِنهُ القَلَمُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، لِأنَّهُ قُلِّمَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ومِنهُ: قَلَّمْتُ أظْفارِي.

قالَ: ومَعْنى: ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ لِيَنْظُرُوا أيُّهم تَجِبُ لَهُ كَفالَةُ مَرْيَمَ، وهو الضَّمانُ لِلْقِيامِ بِأمْرِها.

ومَعْنى: ﴿ لَدَيْهِمْ ﴾ عِنْدَهم وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَفالَتِهِمْ لَها آَنِفًا.

وفي المُرادِ بِالكَلِمَةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ لَهُ: "كُنْ" فَكانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها بِشارَةُ المَلائِكَةِ مَرْيَمَ بِعِيسى، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ.

والثّالِثُ: أنَّ الكَلِمَةَ اسْمٌ لِعِيسى، وسُمِّيَ كَلِمَةً، لِأنَّهُ كانَ عَنِ الكَلِمَةِ.

وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِالكَلِمَةِ مِنَ اللهِ تَعالى.

وفي تَسْمِيَتِهِ بِالمَسِيحِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِقَدَمِهِ أُخْمُصٌ، والأُخْمُصُ: ما يَتَجافى عَنِ الأرْضِ مِن باطِنِ القَدَمِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذا عاهَةٍ إلّا بَرَأ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَسَحَ بِالبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى المَسِيحِ: الصَّدِيقُ قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وذَكَرُهُ اليَزِيدِيُّ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ومَعْنى هَذا أنَّ اللَّهَ مَسَحَهُ، فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ.

والخامِسُ: أنَّهُ كانَ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ: يَقْطَعُها، ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ.

وبَيانُهُ: أنَّهُ كانَ كَثِيرَ السِّياحَةِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ القاسِمِ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَسِيحُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى مَعْنَيَيْنِ.

أحَدُهُما: المَسِيحُ الدَّجّالُ، والأصْلُ فِيهِ: المَمْسُوحُ، لِأنَّهُ مَمْسُوحُ أحَدِ العَيْنَيْنِ.

والمَسِيحُ عِيسى، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ "مُشِيحا" بِالشِّينِ، فَلَمّا عَرَّبَتْهُ العَرَبُ، أُبْدِلَتْ مِن شِينِهِ سِينًا، كَما قالُوا: مُوسى، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مُوَشى.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما بَدَأ بِلَقَبِهِ، فَقالَ: المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، لِأنَّ المَسِيحَ أشْهَرُ مِن عِيسى، لِأنَّهُ قَلَّ أنْ يَقَعَ عَلى سَمِيٍّ يُشْتَبَهُ بِهِ، وعِيسى قَدْ يَقَعُ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَدَّمَهُ لِشُهْرَتِهِ، ألا تَرى أنَّ ألْقابَ الخُلَفاءِ أشْهَرُ مِن أسْمائِهِمْ.

فَأمّا قَوْلُهُ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، فَإنَّ ما نَسَبَهُ إلى أُمِّهِ، لِيَنْفِيَ ما قالَ عَنْهُ المُلْحِدُونَ مِنَ النَّصارى، إذْ أضافُوهُ إلى اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِيهًا ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَّوْجِيهُ في كَلامِ العَرَبِ: المُحَبَّبُ المَقْبُولُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوَجِيهُ: ذُو الجاهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو ذُو المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ ذَوِي القَدْرِ والمَعْرِفَةِ، يُقالُ: قَدْ وجَّهَ الرَّجُلُ يُوَجِّهُ وجاهَةً، ولِفُلانٍ جاهٌ عِنْدَ النّاسِ، أيْ: مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رِضاعِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ التَّمْهِيدِ، وهو التَّوَطِئَةُ.

وفي تَكْلِيمِهِ لِلنّاسِ في تِلْكَ الحالِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِتُبَرِّئَهُ أمَّهُ مِمّا قَذَفَتْ بِهِ.

والثّانِي: لِتَحْقِيقِ مُعْجِزاتِهِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكَلَّمَ ساعَةً في مَهْدِهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغَ النُّطْقِ.

﴿ وَكَهْلا ﴾ قالَ: ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، فَمَكَثَ في رِسالَتِهِ ثَلاثِينَ شَهْرًا، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: جاءَهُ الوَحْيُ عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ في نُبُوَّتِهِ ثَلاثَ سِنِينَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ زادَ عَلى الثَّلاثِينَ، ومَن أرْبى عَلَيْها، فَقَدْ دَخَلَ في الكُهُولَةِ.

والكَهْلُ عِنْدَ العَرَبِ: الَّذِي قَدْ جاوَزَ الثَّلاثِينَ، وإنَّما سُمِّيَ الكَهْلُ كَهْلًا، لِاجْتِماعِ قُوَّتِهِ، وكَمالِ شَبابِهِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: قَدِ اكْتَهَلَ النَّباتُ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَهْلُ: الرَّجُلُ حِينَ وخَطَهُ الشَّيْبُ.

فَإنْ قِيلَ: قَدْ عَلِمَ أنَّ الكَهْلَ يَتَكَلَّمُ، فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ البِشارَةِ بِطُولِ عُمْرِهِ، أيْ: أنَّهُ يَبْلُغُ الكُهُولَةَ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: (وَكَهْلًا) قالَ: ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ.

والثّانِي: أنَّهُ أخْبَرَهم أنَّ الزَّمانَ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وأنَّ الأيّامَ تَنْقُلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ هَذا التَّغَيُّرُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالكَهْلِ: الحَلِيمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمُ وجِيهًا في الدُنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القِصَصِ.

والأنْباءُ الأخْبارُ، و"الغَيْبِ" ما غابَ عن مَدارِكِ الإنْسانِ.

و"نُوحِيهِ" مَعْناهُ: نُلْقِيهِ في نَفْسِكَ في خَفاءٍ.

وحَدُّ الوَحْيِ إلْقاءُ المَعْنى في النَفْسِ في خَفاءٍ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَمِنهُ بِالمَلَكِ، ومِنهُ بِالإلْهامِ، ومِنهُ بِالإشارَةِ، ومِنهُ بِالكِتابِ، كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدٌ ∗∗∗ بَقِينَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ تَقُولُ العَرَبُ: أوحى، وتَقُولُ وحى.

وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ جاءَهم بِغُيُوبٍ لا يَعْلَمُها إلّا مَن شاهَدَها وهو لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ، أو مَن قَرَأها في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أُمِّيٌّ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، أو مَن أعْلَمَهُ اللهُ بِها وهو ذاكَ  ، و"لَدَيْهِمْ" مَعْناهُ: عِنْدَهم ومَعَهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الأقْلامِ والكِفْلِ.

وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ اسْتِهامٌ لِأخْذِها والمُنافَسَةِ فِيها.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّما كانَ اسْتِهامُهم حِينَ نالَتْهُمُ المَجاعَةُ دَفْعًا مِنهم لِتُحْمَلَ مَئُونَتُها.

"يَخْتَصِمُونَ" مَعْناهُ: يَتَراجَعُونَ القَوْلَ الجَهِيرَ في أمْرِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعْمالُ القُرْعَةِ والقُرْعَةُ سُنَّةٌ، «وَكانَ النَبِيُّ  إذا سافَرَ أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ،» وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَوْ يَعْلَمُونَ ما في الصَفِّ الأوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ"» وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى تَجْوِيزِ القُرْعَةِ إلّا مَن شَذَّ فَظَنَّ أنَّها قِمارٌ، وهَذا كُلُّهُ فِيما يَصْلُحُ التَراضِي بِكَوْنِهِ دُونَ قُرْعَةٍ، فَكَأنَّ القُرْعَةَ مُحَسِّنَةٌ لِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ.

وأمّا حَيْثُ لا يَجُوزُ التَراضِي كَعِتْقِ العَبِيدِ في ثُلُثِ المَيِّتِ فَجَوَّزَها الجُمْهُورُ ومَنَعَها أبُو حَنِيفَةَ.

وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ  أقْرَعَ بَيْنَ سِتَّةِ أعْبُدٍ، فَأعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ ، وهَكَذا يَطَّرِدُ وصْفُ الآيَةِ وتَتَوالى الإعْلاماتُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ.

وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ فِيها: "يَخْتَصِمُونَ"، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ ، وهَذا كُلُّهُ يَرُدُّهُ المَعْنى، لِأنَّ الِاخْتِصامَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قَوْلِ المَلائِكَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "إذْ قالَ المَلائِكَةُ".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ؛ هَلِ المَلائِكَةُ هُنا عِبارَةٌ عن جِبْرِيلَ وحْدَهُ أو عن جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ؟

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ كُلِّهِ في قَوْلِهِ آنِفًا: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ  ﴾ فَتَأمَّلْهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في قَوْلِهِ: "يُبَشِّرُكِ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، لِمَ عَبَّرَ عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِـ "كَلِمَةٍ" فَقالَ قَتادَةُ: جَعَلَهُ اللهُ "كَلِمَةً" إذْ هو مَوْجُودٌ بِكَلِمَةٍ وهي قَوْلُهُ تَعالى لِمُراداتِهِ: "كُنْ" وهَذا كَما تَقُولُ في شَيْءٍ حادِثٍ: هَذا قَدَرُ اللهِ، أيْ هو عِنْدَ قَدَرِ اللهِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: هَذا أمْرُ اللهِ.

وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ فَقالَ: وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الكَلِمَةُ اسْمٌ لِعِيسى سَمّاهُ اللهُ بِها كَما سَمّى سائِرَ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَمُقْتَضى هَذِهِ التَرْجَمَةِ أنَّ الكَلِمَةَ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ لِعِيسى، ثُمَّ أدْخَلَ الطَبَرِيُّ تَحْتَ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الكَلِمَةُ هي عِيسى، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مُحْتَمِلٌ أنْ يُفَسَّرَ بِما قالَ قَتادَةُ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سَنَذْكُرُهُ الآنَ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا ادَّعى الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.

وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: سَمّاهُ اللهُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تَوْراةِ مُوسى وغَيْرِها مِن كُتُبِ اللهِ وأنَّهُ سَيَكُونُ، فَهَذِهِ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ فِيهِ مِنَ اللهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنْتِ يا مَرْيَمُ مُبَشَّرَةٌ بِأنَّكِ المَخْصُوصَةُ بِوِلادَةِ الإنْسانِ الَّذِي قَدْ تَكَلَّمَ اللهُ بِأمْرِهِ، وأخْبَرَ بِهِ في ماضِي كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى أنْبِيائِهِ.

و"اسْمُهُ" في هَذا المَوْضِعِ، مَعْناهُ: تَسْمِيَتُهُ، وجاءَ الضَمِيرُ مُذَكَّرًا مِن أجْلِ المَعْنى، إذِ الكَلِمَةُ عِبارَةٌ عن ولَدٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِ لَفْظَةِ "المَسِيحُ"، فَقالَ قَوْمٌ: هو مِن ساحَ يَسِيحُ في الأرْضِ إذا ذَهَبَ ومَشى أقْطارَها، فَوَزْنُهُ "مُفْعِلٌ".

وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هو مِن "مَسَحَ" فَوَزْنُهُ "فَعِيلٌ".

واخْتَلَفُوا- بَعْدُ- في صُورَةِ اشْتِقاقِهِ مِن" مَسَحَ"؛ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن مِساحَةِ الأرْضِ لِأنَّهُ مَشاها فَكَأنَّهُ مَسَحَها، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ما مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى ذِي عِلَّةٍ إلّا بَرِئَ، فَهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "فاعِلٌ".

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُسِحَ بِدُهْنِ القُدْسِ، فَهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِ مَن قالَ: مَسَحَهُ اللهُ، فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُنُوبِ.

قالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: المَسِيحُ الصِدِّيقُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المَسِيحُ: المَلِكُ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلَكَ إحْياءَ المَوْتى وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "عِيسى" يَحْتَمِلُ مِنَ الإعْرابِ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: البَدَلَ مِنَ "المَسِيحُ"، وعَطْفَ البَيانِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَنَعَ بَعْضُ النُحاةِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وقالَ: كانَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أسْماؤُهُ عَلى المَعْنى أو أسْماؤُها عَلى اللَفْظِ لِلْكَلِمَةِ، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "عِيسى" خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، ويَدْعُو إلى هَذا كَوْنُ قَوْلِهِ: "ابْنُ مَرْيَمَ" صِفَةً لِعِيسى إذْ قَدْ أجْمَعَ الناسُ عَلى كَتْبِهِ دُونَ ألِفٍ، وأمّا عَلى البَدَلِ أو عَطْفِ البَيانِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ مَرْيَمَ صِفَةً لِعِيسى لِأنَّ الِاسْمَ هُنا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَخْصُ، هَذِهِ النَزْعَةُ لِأبِي عَلِيٍّ، وفي صَدْرِ الكَلامِ نَظَرٌ.

و"وَجِيهًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهو مِنَ الوَجْهِ، أيْ: لَهُ وجْهٌ ومَنزِلَةٌ عِنْدَ اللهِ والمَعْنى في الوَجِيهِ أنَّهُ حَيْثُما أقْبَلَ بِوَجْهِهِ، عُظِّمَ ورُوعِيَ أمْرُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ: فُلانٌ لَهُ وجْهٌ في الناسِ ولَهُ جاهٌ، وهَذا عَلى قَلْبٍ في اللَفْظَةِ يَقُولُونَ: جاهَنِي يَجُوهُنِي بِكَذا أيْ واجَهَنِي بِهِ، وجاهُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في الدُنْيا نُبُوَّتُهُ وذِكْرُهُ، ورَفْعُهُ في الآخِرَةِ مَكانَتُهُ ونَعِيمُهُ وشَفاعَتُهُ.

و"مِنَ المُقَرَّبِينَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بدل اشتمال من جملة ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك ﴾ [آل عمران: 42] قصد منه التكرير لتكميل المقُول بعد الجمل المعترضة.

ولكونه بدلاً لم يعطف على إذْ قالت الأوللِ.

وتقدّم الكلام على يُبشرك.

والكلمة مراد بها كلمة التكوين وهي تعلق القدرة التنجيزي كما في حديث خلق الإنسان من قوله: «ويؤمر بأرْبَع كَلِمَات بكتب رزقه وأجله» إلخ.

ووصف عيسى بكلمة مراد به كلمة خاصة مخالفة للمعتاد في تكوين الجنين أي بدون الأسباب المعتادة.

وقوله: ﴿ منه ﴾ مِن للابتداء المجازي أي بدون واسطة أسباب النسل المعتادة وقد دلّ على ذلك قوله: ﴿ إذا قضى أمراً ﴾ [البقرة: 117].

وقوله: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ عبر عن العَلَم واللقَب والوصففِ بالاسم.

لأنّ لثلاثتها أثراً في تمييز المسمّى.

فأما اللقب والعلم فظاهر.

وأما الوصف المفيد للنسب فلأنّ السامعين تعارفوا ذكر اسم الأب في ذكر الأعلام للتمييز وهو المتعارف، وتذكر الأمّ في النسب إما للجهل بالأب كقول بعضهم: زياد بن سُمَيةَ قبل أن يُلْحق بأبي سفيان في زمننِ معاويةَ بن أبي سفيان، وإما لأنّ لأمّه مفخراً عظيماً كقولهم: عَمْرو ابن هند، وهو عمرو بن المنذر ملكُ العرب.

والمسيح كلمة عبرانية بمعنى الوصف.

ونقلت إلى العربية علماً بالغلبة على عيسى وقد سمى متنصرة العرب بعضَ أبنائهم «عبد المسيح» وأصلها مَسِّيِّح بميم مفتوحة ثم سين مهملة مكسورة مشدّدة ثم ياء مثنّاة مكسورة مشدّدة ثم حاء مهملة ساكنة ونطق به بعض العرب بوزن سِكِّين.

ومعنى مسيح ممسوح بدهن المَسْحة وهو الزيت المعطّر الذي أمر الله موسى أن يتّخذه ليسكبه على رأس أخيه هارون حينما جعله كاهناً لبني إسرائيل، وصارت كهنة بني إسرائيل يمسحون بمثله من يملِّكونهم عليهم من عهد شاول الملِك، فصار المسيح عندهم بمعنى المَلِك: ففي أول سفر صمويل الثاني من كتب العهد القديم قال داود للذي أتاه بتاج شاول الملك المعروف عند العرب بطالوت «كيف لم تخف أن تمدّ يدك لتهلك مسيح الرب».

فيحتمل أنّ عيسى سمّي بهذا الوصف كما يُسَمّون بمَلِك ويحتمل أنه لقبٌ لقبه به اليهود تهكماً عليه إذ اتهموه بأنه يحاول أن يصير ملكاً على إسرائيل ثم غَلب عليه إطلاق هذا الوصف بينهم واشتهر بعد ذلك، فلذلك سمي به في القرآن.

والوجيه ذو الوجاهة وهي: التقدّم على الأمثال، والكرامةُ بين القوم، وهي وصف مشتق من الوَجْه للإنسان وهو أفضل أعضائه الظاهرة منه، وأجمعها لوسائل الإدراك وتصريف الأعمال، فأطلق الوجه على أول الشيء على طريقة الاستعارة الشائعة فيقال: وجهُ النهار لأول النهار قال تعالى: ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وَجْهَ النهار واكفُروا آخرَه ﴾ [آل عمران: 72] وقال الربيع بن زياد العبسي: مَن كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأتتِ نسوتنا بوجه نهار وقال الأعشى: ولاَح لهم وَجْهَ العَشِيَّاتتِ سَمْلَقُ *** ويقولون: هو وَجْه القوم أي سيّدهم والمقدّم بينهم.

واشتق من هذا الاسم فعل وَجُه بضم الجيم ككَرُم فجاء منه وَجيه صفةً مشبّهة، فوجيه الناس المكرّم بينهم، ومقبول الكلمة فيهم، قال تعالى في وصف موسى عليه السلام: ﴿ وكان عند اللَّه وجيهاً ﴾ .

والمهد شِبْه الصندوق من خشب لا غطاء له يُمهد فيه مَضجع للصبي مدة رضاعه يُوضع فيه لحفظه من السقوط.

وخُص تكليمُه بحالين: حاللِ كونه في المَهد، وحاللِ كونه كهلاً، مع أنه يتكلّم فيما بين ذلك لأنّ لذَينك الحالين مزيدَ اختصاص بتشريف اللَّه إياه فأما تكليمه الناس في المهد فلأنه خارق عادة إرهاصاً لنبوءته.

وأما تكليمهم كهلاً فمراد به دَعوتُه الناس إلى الشريعة.

فالتكليم مستعمل في صريحه وفي كنايته باعتبار القرينة المعينة للمعنيين وهي ما تعلق بالفعل من المجرورين.

وعطف عليه ﴿ ومن الصالحين ﴾ فالمجرور ظرف مستقرّ في موضع الحال.

والصالحون الذين صفتهم الصلاح لا تفارقهم، والصلاح استقامة الأعمال وطهارة النفس قال إبراهيم: ﴿ ربِّ هبْ لي من الصالحين ﴾ [الصافات: 100].

والكهل من دخل في عشرة الأربعين وهو الذي فارق عصر الشباب، والمرأة شهلة بالشين، ولا يقال كهلة كما لا يقال شهل للرجل إلاّ أن العرب قديماً سمّوا شهلاً مثل شهل بن شيبان الملقب الفِنْد الزِّماني فدلنا ذلك على أنّ الوصف أميت.

وقد كان عيسى عليه السلام حيث بعث ابن نيف وثلاثين.

وقوله: ﴿ وجيهاً ﴾ حال من ﴿ كلمة ﴾ باعتبار ما صِدْقها.

﴿ ومن المقرّبين ﴾ عطف على الحال، ﴿ ويكلم ﴾ جملة معطوفة على الحال المفردة: لأنّ الجملة التي لها محل من الإعراب لها حكم المفرد.

وقوله: ﴿ في المهد ﴾ حال من ضمير (يكلّم).

وكهلاً عطف على محلّ الجار والمجرور، لأنهما في موضع الحال، فعطف عليهما بالنصب، ﴿ ومن الصالحين ﴾ معطوف على ﴿ ومن المقرّبين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ وفي تَسْمِيَتِهِ بِالمَسِيحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مُسِحَ بِالتَّطَهُّرِ مِنَ الذُّنُوبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ ﴾ وفي سَبَبِ كَلامِهِ في المَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَنْزِيهِ أُمِّهِ مِمّا قُذِفَتْ بِهِ.

والثّانِي: لِظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ.

واخْتَلَفُوا: هَلْ كانَ في وقْتِ كَلامِهِ في المَهْدِ نَبِيًّا؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَبِيًّا لِظُهُورِ المُعْجِزَةِ مِنهُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَبِيًّا وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ.

والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ التَّمْهِيدِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَكَهْلا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالكَهْلِ الحَلِيمُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ الكَهْلَ في السِّنِّ.

واخْتَلَفُوا: بُلُوغُ أرْبَعٍ وثَلاثِينَ سَنَةً.

والثّانِي: أنَّهُ فَوْقَ حالِ الغُلامِ ودُونَ حالِ الشَّيْخِ، مَأْخُوذٌ مِنَ القُوَّةِ مِن قَوْلِهِمُ: اكْتَهَلَ البَيْتَ إذْ طالَ وقَوِيَ.

فَإنْ قِيلَ: فَما المَعْنى في الإخْبارِ بِكَلامِهِ كَهْلًا وذَلِكَ لا يُسْتَنْكَرُ؟

فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ يُكَلِّمُهم كَهْلًا بِالوَحْيِ الَّذِي يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ يَتَكَلَّمُ صَغِيرًا في المَهْدِ كَلامَ الكَهْلِ في السِّنِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ﴾ قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش.

أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» .

قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط.

أخرجه الشيخان بدون الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه عن علي «سمعت رسول الله يقول: خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل نساء العالمين خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية امرأة فرعون» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى على نساء العالمين أربعاً: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن حبان والحاكم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وآسية ارمأة فرعون» وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن.

مرسلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير عن أبي موسى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء: إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن فاطمة رضي الله عنها قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول» .

وأخرج ابن جرير عن عمار بن سعد قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية امرأة فرعون» .

وأخرج ابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أربع نسوة سيدات عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضلهن عالماً فاطمة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاطمة سيدة نساء العالمين بعد مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة ابنة خويلد» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش.

أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده، ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت بعيراً ما فضلت عليها أحداً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ قال: جعلك طيبة ايماناً.

وأخرج ابن حاتم عن السدي ﴿ وطهرك ﴾ قال: من الحيض ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ قال: على نساء ذلك الزمان الذي هم فيه.

وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: كانت مريم حبيساً في الكنيسة ومعها في الكنيسة غلام اسمه يوسف، وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيراً حبيساً فكانا في الكنيسة جميعاً، وكانت مريم إذا نفذ ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيملآن ثم يرجعان والملائكة في ذلك مقبلة على مريم ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ﴾ فإذا سمع ذلك زكريا قال: إن لابنة عمران لشأنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ يا مريم اقنتي لربك ﴾ قال: اطيلي الركود يعني القيام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: لما قيل لها ﴿ اقنتي لربك ﴾ قامت حتى ورمت قدماها.

وأخرج ابن جرير عن الأوزاعي قال: كانت مريم تقوم حتى يسيل القيح من قدميها.

وأخرج ابن عساكر عن ابن سعيد قال: كانت مريم تصلي حتى ترم قدماها.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ اقنتي لربك ﴾ قال: اخلصي.

وأخرج عن قتادة قال: ﴿ اقنتي لربك ﴾ قال: أطيعي ربك.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ واركعي واسجدي في الساجدين ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وما كنت لديهم ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ﴾ قال: إن مريم عليها السلام لما وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها فقال الله لمحمد: ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ﴾ قال: ألقوا أقلامهم في الماء فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا فكفلها زكريا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال: ألقوا أقلامهم يقال: عصيهم تلقاء جرية الماء، فاستقبلت عصا زكريا عليه السلام جرية الماء فقرعهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: ﴿ أقلامهم ﴾ قال: التي يكتبون بها التوراة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ أقلامهم ﴾ يعني قداحهم.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما وهب الله لزكريا يحيى، وبلغ ثلاث سنين بشر الله مريم بعيسى.

فبينما هي في المحراب إذ قالت الملائكة- وهو جبريل وحده- ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ من الفاحشة ﴿ واصطفاك ﴾ يعني اختارك ﴿ على نساء العالمين ﴾ عالم امتها ﴿ يا مريم اقنتي لربك ﴾ يعني صلي لربك يقول: اركدي لربك في الصلاة بطول القيام، فكانت تقوم حتى ورمت قدماها ﴿ واسجدي واركعي مع الراكعين ﴾ يعني مع المصلين مع قراء بيت المقدس.

يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ﴾ يعني بالخبر ﴿ الغيب ﴾ في قصة زكريا ويحيى ومريم ﴿ وما كنت لديهم ﴾ يعني عندهم ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ في كفالة مريم ثم قال يا محمد يخبر بقصة عيسى ﴿ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا ﴾ يعني مكيناً عند الله في الدنيا من المقربين في الآخرة ﴿ ويكلم الناس في المهد ﴾ يعني في الخرق ﴿ وكهلاً ﴾ ويكلمهم كهلاً إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني من المرسلين.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن وهب قال: لما استقر حمل مريم وبشرها جبريل.

وثقت بكرامة الله واطمأنت، فطابت نفساً واشتد ازرها، وكان معها في المحررين ابن خال لها يقال له يوسف، وكان يخدمها من وراء الحجاب، ويكلمها ويناولها الشيء من وراء الحجاب وكان أول من اطلع على حملها هو، واهتم لذلك واحزنه، وخاف منه البلية التي لا قبل بها، ولم يشعر من اين اتيت مريم، وشغله عن النظر في أمر نفسه وعمله لأنه كان رجلاً متعبداً حكيماً، وكان من قبل أن تضرب مريم الحجاب على نفسها تكون معه، ونشأ معها.

وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما ثم انطلقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيملآن قلتيهما ثم يرجعان إلى الكنيسة والملائكة مقبلة على مريم بالبشارة ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ فكان يعجب يوسف ما يسمع.

فلما استبان ليوسف حمل مريم وقع في نفسه من أمرها حتى كاد أن يفتتن، فلما أراد أن يتهمها في نفسه ذكر ما طهرها الله واصطفاها، وما وعد الله أمها أنه يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم، وما سمع من قول الملائكة ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ فذكر الفضائل التي فضلها الله تعالى بها وقال: إن زكريا قد أحرزها في المحراب قلا يدخل عليها أحد وليس للشيطان عليها سبيل فمن أين هذا؟

فلما رأى من تغير لونها، وظهور بطنها، عظم ذلك عليه، فعرض لها فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟

قالت: نعم.

قال: وكيف ذلك؟!

قالت: إن الله خلق البذر الأول من غير نبات، وأنبت الزرع الأول من غير بذر، ولعلك تقول: لولا أنه استعان عليه بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أنه يخلقه ولا ينبته.

قال يوسف: أعوذ بالله أن أقول ذلك.

قد صدقت وقلت بالنور والحكمة، وكما قدر أن يخلق الزرع الأول وينتبه من غير بذر، يقدر على أن يجعل زرعاً من غير بذر، فاخبريني هل ينبت الشجر من غير ماء ولا مطر؟

قالت: ألم تعلم أن للبذور والزرع والماء والمطر والشجر خالقاً واحداً!

فلعلك تقول لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر.

قال: أعوذ بالله أن أقول ذلك!

قد صدقت.

فاخبريني هل يكون ولد أو رجل من غير ذكر؟

قالت: نعم.

قال: وكيف ذلك؟

قالت: ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء امرأته من غير حبل ولا أنثى ولا ذكر قال: بلى.

فاخبريني خبرك؟

قالت: بشرني الله ﴿ بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ فعلم يوسف أن ذلك أمر من الله لسبب خير أراده بمريم، فسكت عنها.

فلم تزل على ذلك حتى ضربها الطلق، فنوديت أن أخرجي من المحراب فخرجت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك ﴾ قال: شافهتها الملائكة بذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يبشرك بكلمة منه ﴾ قال: عيسى هو الكلمة من الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا عيسى ومحمد عليهما السلام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: المسيح الصديق.

وأخرج ابن جرير عن سعيد قال: إنما سمي المسيح لأنه مسح بالبركة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن عبد الرحمن الثقفي.

أن عيسى كان سائحاً ولذلك سمي المسيح.

كان يمسي بأرض ويصبح بأخرى، وانه لم يتزّوج حتى رفع.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ومن المقربين ﴾ يقول: ومن المقربين عند الله يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ ﴾ قال ابن عباس: يريد: جبريل (١) ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ﴾ .

يعني: عيسى، لأنه في ابتداء أمره كان كلِمَةً من الله ألقاها إلى مريم، ثمَّ كوَّن تلك الكلمة بَشَراً.

قال الحسنُ (٢) (٣) (٤) ﴿ كُنْ ﴾ ، ومعنى هذا: أنه أوجده بالكلمة، وكونه بها، وهي قوله: ﴿ كُنْ ﴾ من غير توليد من فَحْلٍ، أو تنسيل من ذَكَرٍ، وهو معنى قوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ  ﴾ ، ولم يُردْ -والله أعلم- أنَّ عيسى هو الكلمة نفسها، ألا تراه يقول: ﴿ اسمُهُ المَسِيحُ ﴾ ، ولو أراد الكلمة لقال (٥) (٦) وقيل: إنما سمَّاه كلمةً؛ لأن الله تعالى بشَّر به في الكتب السالفة، فلمَّا أوجده سمَّاه كلمة، كما يقول الذي يُخْبِرُنا بأمر كائن -إذا وُجِدَ ذلك الأمر-: (قد جاء قولي (٧) (٨) وقيل: لأنه كان (يُكلِّم) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ اسْمُهُ الْمَسِيحُ ﴾ .

ذَكَر (١١) (١٢) فإن قيل: كيف أخبر أن اسمه المسيح، وقدمه على اسمه المعروف، وهو: عيسى، وإنما لُقِّب بـ (المسيح) بعد نفاذ التسمية له بـ (عيسى)؟

قيل: إنَّ الأسماء ألقاب عُلِّقت على المُسمَّيات؛ للفصل بين الأعيان فإذا عُلِّق الاسم على المولود في وقت ولادته، ثمَّ شُهر بعد عُلُوِّ سنِّه (١٣) (١٤) فأما معنى المسيح؛ فقال أبو عبيد (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك (٢٢) (٢٣)  مسيحاً؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ (٢٤) وقال أحمد بن يحيى (٢٥) فعلى قول هؤلاء، هو: (فعيل) بمعنى: (فاعل)، وقيل: إنه (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقيل: لأنه خرج من بطن أمِّه ممسوحاً بالدهن (٢٩) وقال الحسن (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) قال أبو الهيثم (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) قال [المنذري] (٤٣) (٤٤)  ] (٤٥) (٤٦) (٤٧) وكان إبراهيم النخعي يذهب أيضاً (٤٨) (٤٩) قال ابن الأنباري (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) ﴿ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ .

معنى (الوجيه): ذو الجاه والشرف والقدْر، يقال: (وجُهَ الرجلُ، يَوْجُهُ، وَجاهةً)، فـ (هو وَجِيْهٌ): إذا صارت له منزلة رفيعة عند السلطان والناس (٥٥) وقال بعض أهل اللغة (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) قال الزجَّاج (٦١) ﴿ وَجِيهًا ﴾ ، منصوب على الحال، المعنى: إنَّ الله يبشِّرك بهذا الولد، وجيهاً في الدنيا والآخرة.

والفرَّاء (٦٢) (٦٣) (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ .

أي: إلى ثواب الله وكرامته.

(١) لم أقف على مصدر قوله، وقد ورد في "زاد المسير" 4/ 428، "غرائب القرآن" 3/ 190، 4/ 44، وانظر: "المحرر الوجيز" 8/ 367.

(٢) لم أقف على مصدر قوله.

(٣) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 269 - 270، وأورده ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 389.

(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).

(٥) في (أ)، (ب): (يقال).

والمثبت من: (ج)، (د).

(٦) وهذا ما رجحه في "تفسيره" 3/ 270، ثم قال بعده: (ومعنى ذلك: أنَّ الله يبشِّركِ ببشْرى، ثم بيَّن عن البشرى أنها ولد اسمه المسيح).

(٧) في (أ)، (ب): (في قولي).

والمثبت من: (ج)، (د).

وهو الصواب؛ لأن المؤلف يريد أنَّ الأمر الكائن المتحقق هو نفس الكلام والقول الذي قاله.

(٨) كما يهدي: ساقط من (د).

(٩) في (ج): (تكلم).

(١٠) لم أهتد إلى أصحاب الأقوال السابقة المصدر بقوله: (قيل)، ولا إلى مصادرها.

(١١) (ذكر): ساقطة من (د).

(١٢) الكناية: الضمير.

(١٣) في (أ)، (ب): (سته).

والمثبت من: (ج)، (د).

(١٤) نقل هذا القول ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 389، ونسبه لابن الأنباري.

(١٥) قوله في "الزاهر" 1/ 493، "تهذيب اللغة" 4/ 3389 (مسح).

(١٦) قوله في "تهذيب اللغة" 4/ 3388 (مسح).

(١٧) في (د): (قال).

والمثبت من (ج).

(١٨) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).

(١٩) في (ج)، (د): (عرُّبوه).

ويجوز لغة: عربوه، وأعربوه.

انظر: "اللسان" 5/ 2865 (عرب).

(٢٠) في (د): (وغيَّروه).

(٢١) في (ج): (الاشتقاق).

(٢٢) ورد قوله هذا في "الزاهر" 1/ 394، "تهذيب اللغة" 4/ 3388 (مسح)، "تفسير البغوي" 2/ 38، "زاد المسير" 1/ 389، قال: (رواه الضحاك عن ابن عباس).

(٢٣) في (د): (إنما).

(٢٤) في (ج): (برأ).

(٢٥) هو ثعلب، وقوله في "الزاهر" 1/ 493، "تهذيب اللغة" 4/ 3388، "زاد المسير" 1/ 389.

(٢٦) (إنه): ساقطة من (د).

(٢٧) في (أ) وردت عبارة مكرَّرة هي: (وقيل: إنه فعيل بمعنى فاعل).

(٢٨) ممن قال بذلك الطبري في "تفسيره" 3/ 270 ونص قوله: (إنما هو ممسوح؛ يعني: مسحه الله فطهَّره من الذنوب؛ ولذلك قال إبراهيم: المسيح: الصدِّيق) فجعل الطبري من لوازم معنى الصدِّيق.

ويعني بـ (إبراهيم)، هو: النخعي كما سيأتي معنا.

(٢٩) قال ابن الجوزي عن هذا القول: (قاله أبو سليمان الدمشقي، وحكاه ابن القاسم).

"زاد المسير" 1/ 389.

(٣٠) لم أقف على مصدر قوله، وهو مذكور في "النكت والعيون" 1/ 394، "زاد المسير" 1/ 389.

(٣١) "تفسير الطبري" 3/ 270، وذكره ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 389.

(٣٢) في (ب): (بهذا).

(٣٣) (من): ساقطة من (د).

(٣٤) "تهذيب اللغة" 4/ 3389.

(٣٥) في (د): الأعرابي.

قوله، في "تهذيب اللغة" 4/ 33889 (مسح).

(٣٦) في (ج): أبو الهيثم، بدون واو العطف.

وقوله في: المصدر السابق.

وأبو الهيثم، هو خالد بن يزيد الرازي.

(٣٧) قوله في "التهذيب" 4/ 348.

(٣٨) في (ج): (وكان).

(٣٩) الأكْمَه: هو الذي يولد أعمى.

وقد يقال لمن لم تذهب عينه.

انظر: "معجم المفردات" للراغب: 459 (كمه).= والبَرَصُ: مرض جلدي معروف، يصيب الجلد ببياض.

انظر: "القاموس" 613 (برص).

(٤٠) في (د)، "تهذيب اللغة" السحاب.

(٤١) ما بين المعقوفين مطموس في: (أ) ومثبت من بقية النسخ، ومن "تهذيب اللغة".

(٤٢) في (ج)، (د)، "التهذيب": فهما مسيحان.

(٤٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ).

ومثبت من بقية النسخ، ومن "تهذيب اللغة".

وقول المنذري في "التهذيب" 4/ 3389.

وقد تقدمت ترجمته.

(٤٤) في (ب): (قلت).

(٤٥) ما بين المعقوفين زيادة من (د).

(٤٦) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، ومن "التهذيب".

وقول المنذري في "التهذيب" 4/ 348.

(٤٧) في (ب): (ومسخه).

(٤٨) (أيضًا): ساقطة من (ج).

(٤٩) "تفسير الطبري" 3/ 270، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 651، "الزاهر" 1/ 493، "التهذيب" 4/ 3389 (مسح)، "الدر المنثور" 2/ 45، وعزاه كذلك لابن المنذر.

(٥٠) قوله، في "تهذيب اللغة" 4/ 3389 (مسح).

(٥١) في (ج): (لا يعرفه).

(٥٢) في (أ)، (ب): (إذا).

والمثبت من: (ج)، (د).

(٥٣) في (ج): "التهذيب" ولعل هذا كان مستعملًا، (د) ولعل هذا مستعملًا.

(٥٤) قوله، في "تهذيب اللغة" 4/ 3389 (مسح)، وقوله من تتمة كلام ابن الأنباري.

(٥٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 412، "اللسان" 8/ 3776 (وجه).

(٥٦) لم أقف على هذا القائل.

(٥٧) في (أ)، (ب): (الكرم).

والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "البحر المحيط" 2/ 461، وهو أنسب لسياق الكلام.

(٥٨) في (ج): عند.

قال الفخر الرازي: (الوجيه، هو: الكريم؛ لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه، فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال).

تفسيره: 8/ 55.

وقال الطبري عن قوله تعالى عن موسى  : ﴿ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا  ﴾ : (الوجيه في كلام العرب: المُحَبُّ المقبول).

تفسيره 22/ 51.

(٥٩) في (ج): (للمسلمة).

(٦٠) في (ج)، (د): (فيرد).

ولم أقف على هذا الذي ذكره المؤلف في معنى (الوجيه) فيما رجعت إليه من مراجع.

(٦١) في "معاني القرآن" 1/ 412.

(٦٢) في "معاني القرآن" 1/ 213.

(٦٣) في (ج): (قال).

وكذا في "الدر المصون" 3/ 179، حيث نقل عبارة الواحدي هذه.

(٦٤) وقد علَّق السمينُ على قول الفراء هذا، بعد أن نقله عن الواحدي، بقوله: (فظاهر هذا يُوذِن بأن (وجيها) من صفة عيسى في الأصل، فقُطِعَ عنه، والحالُ وصْفٌ في المعنى).

"الدر المصون" 3/ 179.

وانظر ما سبق من تعليق على إعراب قوله تعالى ﴿ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ من آية 18 من سورة آل عمران.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اقنتي ﴾ القنوت هنا بمعنى الطاعة والعبادة، وقيل: طول القيام في الصلاة وهو قول الأكثرين ﴿ واسجدي واركعي ﴾ أمرت بالصلاة فذكر القنوت والسجود لكونها من هيئة الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: اركعي مع الراكعين بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين، أو في الجماعة؛ فلا يقتضي الكلام على هذا تقديم السجود على الركوع، لأنه لم يرد الركوع والسجود المنضمين في ركعة واحدة، وقيل أراد ذلك، وقدم السجود لأن الواو لا ترتب، ويحتمل أن تكون الصلاة في ملتهم بتقديم السجود على الركوع ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من القصص وهو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ ﴾ احتجاجاً على نبوته صلى الله عليه وسلم؛ لكونه أخبر بهذه الأخبار وهو لم يحضر معهم ﴿ يُلْقُون أقلامهم ﴾ أي أزلامهم، وهي قداحهم، وقيل: الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة؛ اقترعوا بها على كفالة مريم، حرصاً عليها وتنافساً في كفالتها، وتدل الآية على جواز القرعة، وقد ثبتت أيضاً من السنة ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ مبتدأ وخبر في موضع نصب بفعل تقديره: ينظرون أيهم ﴿ يَخْتَصِمُونَ ﴾ يختلفون فيمن يكفلها منهم ﴿ إِذْ قَالَتِ الملائكة ﴾ إذ بدل من إذ قالت، أو من إذ يختصمون، والعمل فيه مضمر ﴿ اسمه ﴾ أعاد الضمير المذكر على الكلمة، لأن المسمى بها ذُكر ﴿ المسيح ﴾ قيل: هو مشتق من ساح في الأرض، فوزنه مفعل، وقال الأكثرون: من مسح لأنه مسح بالبركة فوزنه فعيل وإنما قال: عيسى بن مريم والخطاب لمريم لينسبه إليها، إعلاماً بأنه يولد من غير والد ﴿ وَجِيهاً ﴾ نصب على الحال، ووجاهته في الدنيا النبوة والتقديم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلوّ الدرجة في الجنة ﴿ فِي المهد ﴾ في موضع الحال، ﴿ وَكَهْلاً ﴾ عطف عليه، والمعنى أنه يكلم الناس صغيراً؛ أيةً تدل على براءة أمّه مما قذفها به اليهود، وتدل على نبوته، ويكلمهم أيضاً كبيراً؛ ففيه إعلام بعيشه إلى أن يبلغ سن الكهولة، وأوله: ثلاث وثلاثون سنة وقيل: أربعون ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ﴾ عطف على يبشرك أو ويكلم ﴿ الكتاب ﴾ هنا جنس، وقيل الخط باليد، والحكمة هنا العلوم الدينية، أو الإصابة في القول والفعل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويعلمه ﴾ بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب.

الباقون بالنون.

﴿ أني أخلق ﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع ﴿ أني أخلق ﴾ بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد ﴿ كهيئة ﴾ بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف.

وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها.

الباقون بالياء والهمزة.

﴿ الطائر ﴾ يزيد.

الباقون ﴿ الطير ﴾ ﴿ فتكون ﴾ بتاء التأنيث.

المفضل.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ طائر ﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة.

الباقون ﴿ طيراً ﴾ ﴿ أنصاري إلى ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة ﴿ فيوفيهم ﴾ بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء.

الباقون بالنون.

الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الراكعين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ يكفل مريم ﴾ ص لعطف / المتفقتين.

﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً.

فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿ الصالحين ﴾ لأن ﴿ وجيهاً ﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين.

﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ (ط) ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ والإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ ورسولاً ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ ومن الصالحين ﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف.

﴿ من ربكم ﴾ ج لمن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ بالكسر ﴿ بإذن الله ﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات.

﴿ في بيوتكم ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج للعطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنصار الله ﴾ ج لأن ﴿ آمناً ﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ ومكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار.

﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود.

﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ آدم ﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف.

﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثالثة قصة مريم.

والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: ﴿ إذ قالت امرأة عمران  ﴾ لمكان العطف.

والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم ﴿ فأرسلنا إليها روحنا  ﴾ .

واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله  : ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم  ﴾ فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة.

ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ .

ثم إنه  مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها.

وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي  وأهل بيته ﴿ ويطهركم تطهيراً  ﴾ .

وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة.

وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود.

قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه  قال: " كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة " ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم.

فقوله: ﴿ اقنتي ﴾ أمر بالعبادة على العموم ﴿ واسجدي ﴾ أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله ﴿ وأدبار السجود  ﴾ وفي الخبر " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله  " "أقرب ما يكون العبد من الله  وهو ساجد " ثم قال: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة.

وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود.

وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿ اقنتي ﴾ الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: ﴿ واسجدي واركعي ﴾ استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم.

وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.

روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما.

اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب ﴿ نوحيه إليك ﴾ قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها.

وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ وقال: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم  ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً  ﴾ فلما كان الله  ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً ﴿ وما كنت لديهم ﴾ نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه  فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز ﴿ وما كنت بجانب الغربي  ﴾ ﴿ وما كنت بجانب الطور  ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه.

وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له.

ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها.

وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر.

وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم.

وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم.

فمن خرج له السهم سلم له الأمر.

قال  : ﴿ فساهم فكان من المدحضين  ﴾ وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور.

وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى.

قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه.

﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ يتنازعون على التكفل.

قيل: هم خزنة البيت.

وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي.

ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير.

ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع.

وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً.

القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته ﴿ إذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل كما مر.

ومتعلق "إذ" هو متعلق ﴿ وإذ قالت ﴾ لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إذ يختصمون ﴾ .

قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها.

فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول.

ويجوز أن يتعلق بـ ﴿ يختصمون ﴾ ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل.

واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم.

ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته.

ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث.

كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض.

وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات.

فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد.

قوله: ﴿ بكلمة منه ﴾ لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه  غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله.

وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال.

وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.

وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكذلك عيسى معرب "إيشوع".

أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون.

عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ.

وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.

وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب.

وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.

وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين.

وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم.

قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون.

وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان.

وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.

وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة.

قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها.

وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس.

/ وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته.

وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه.

وذلك من جملة ما اصطفيت به.

وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر.

وإنما قيل: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة.

﴿ وجيهاً ﴾ ذا الجاه والشرف والقدر.

وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه ﴿ في الدنيا ﴾ بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ﴿ والآخرة ﴾ بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة.

ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة.

وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.

وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.

والمهد قيل: حجر أمه.

وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي.

وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ﴿ وكهلاً ﴾ عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة.

والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي.

روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء.

ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة.

وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال.

فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟

فالجواب من وجوه.

قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال.

وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة.

وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة.

ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر.

وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر.

فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً.

والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع.

ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء.

وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت.

فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة.

فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك.

ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ كما ختم بذلك أوصاف يحيى.

وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى.

﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله: ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء عطف على ﴿ يبشرك ﴾ أو على ﴿ وجيهاً ﴾ أو على ﴿ يخلق ﴾ لأن قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ.

وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ﴿ إنا نبشرك ﴾ ونحن نخلقه.

ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط.

وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة.

ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه.

وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق.

ثم قال: ﴿ ورسولاً ﴾ عطفاً على ﴿ وجيهاً ﴾ وما بعده.

﴿ إلى بني إسرائيل ﴾ أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف.

وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم ﴿ أني قد جئتكم ﴾ يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم.

وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم.

وأما قوله: ﴿ ومصدقاً لما بين يديّ ﴾ فمعطوف على قوله: ﴿ بآية ﴾ أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم ﴿ لأحل لكم ﴾ وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي.

أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدقما بين يديّ.

وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.

والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: ﴿ أني أخلق ﴾ فيمن قرأ بفتح ﴿ أني ﴾ ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق.

ومن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ فللاستئناف أو للبيان كقوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم  ﴾ ثم فسر المثل بقوله: ﴿ خلقه من تراب  ﴾ وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح.

والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته.

﴿ فأنفخ فيه ﴾ أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فيكون طيراً ﴾ وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.

يروى أنه خلق أنواعاً من الطير.

وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ ﴿ طائراً ﴾ وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض.

قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله.

وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ.

وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه  أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟

أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله  كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى  فيه على سبيل إظهار المعجزات؟

وهذا هو الحق لقوله  ﴿ الذي خلق الموت والحياة  ﴾ ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ﴿ ربي الذي يحيي ويميت  ﴾ فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى.

وقيل: هو الممسوح العين.

ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.

وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل.

وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل.

وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن.

وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه.

وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه.

وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه.

والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما.

والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز.

يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ﴿ وأحيي الموتى ﴾ أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له.

قال الكلبي: كان عيسى  يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب.

روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان  يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم.

كان  يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء.

فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت.

فجاء عيسى  يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت.

فقال  : فمن في هذا البيت؟

فقالوا: خنازير.

فقال عيسى  : كذلك يكونون فإذا هم خنازير.

وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة.

وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك.

والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم.

واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً.

ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: ﴿ ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ﴾ وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته.

ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى  تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين.

ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة.

وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس.

ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان.

والثاني أن الله  كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم  ﴾ واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم.

كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له.

﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه.

وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله  جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل.

ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ إني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب.

﴿ فاتقوا الله ﴾ لما جئتكم به من الآيات ﴿ وأطيعون ﴾ فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله.

ثم ختم كلامه بقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم.

القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: ﴿ فلما أحس ﴾ أي علم ﴿ عيسى منهم الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه.

قال السدي: لما بعثه الله  رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد  بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته.

وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.

فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك.

فقال  : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر.

فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه.

فقال عيسى  : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني.

فلما فعل دعا الله  فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً.

فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟

فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى  وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى  ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى  مشهوراً وقصد اليهود قتله  وأظهروا الطعن فيه.

/ وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ قيل: إنه لما دعا  بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا  فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى  : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟

فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى  بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى.

وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟

فأجابه إلى ذلك بعضهم.

ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى  أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت.

والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه  .

وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين  ﴾ ومعنى ﴿ إلى الله ﴾ قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟

وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله.

فالجار على القولين من صلة ﴿ أنصاري ﴾ مضمناً معنى الإضافة.

وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟

أو حال التجائي إليه؟

وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟

وفي الحديث أنه  كان يقول إذا ضحى: "اللهم منك وإليك" أي تقرباً إليك.

فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف.

وقيل: "إلى" بمعنى اللام.

وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله.

وهذا قول الحسن.

﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ أعوان دينه ورسوله.

وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن.

والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.

عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم.

وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.

وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم.

وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب.

وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا.

وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان.

فطبخ عيسى  حباً واحداً وجعل الجميع فيه.

وقال: كوني بإذن الله كما أريد.

فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر.

فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد.

فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون.

وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟

فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.

قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين.

وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى  على قصعة.

فكانت القصعة لا تنقص.

فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟

قالوا: نعم.

فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟

قال: عيسى ابن مريم.

قال: فإني أترك ملكي فأتبعك.

فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.

قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته.

﴿ آمنا بالله ﴾ يجري مجرى السبب لقولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله  فيه.

أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.

ثم تضرعوا إلى الله  بقولهم: ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين.

فقال ابن عباس: أي مع محمد  وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين  ﴾ ﴿ ومكروا ﴾ يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ﴿ ومكر الله ﴾ المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة.

قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم.

وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق.

فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً.

أما مكرهم بعيسى  فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى  وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة.

فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب.

وأخرى قالت: كان ابن الله.

وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله.

وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى  .

وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد.

فسمع بذلك ملك الروم.

وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم.

ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى  فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم.

وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك.

ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله  على تكذيب المسيح والهم بقتله.

وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.

واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله  محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ أو بأنه  عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج.

وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير.

﴿ إذ قال الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر ﴿ يا عيسى إني متوفيك ﴾ أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك.

وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ.

وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق.

ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي.

وقال محمد بن إسحق.

توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه.

وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب.

أخذه من قوله ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها  ﴾ .

وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده.

وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته.

وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته.

وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير.

فإن الواو لا تقتضي الترتيب.

والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا.

ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه  يتوفاه بعد ذلك.

أما قوله ﴿ ورافعك إليّ ﴾ فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله  وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله.

والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية.

ولئن سلم أنه  يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى  إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى.

ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق.

فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء.

وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة.

ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى.

على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد  بعده فصدقوه في قوله: ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  ﴾ أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى.

واعلم أن نص القرآن دل على أنه  حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم  ﴾ فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات.

الثاني أن جبريل كان معه حيث سار.

ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض.

فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟

وأنه  كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟

الثالث أنه  كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟

وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟

الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء.

الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً.

فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر.

والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه  قادر على خلق مثل زيد.

وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم.

وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف.

والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة.

وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم.

إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط.

وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر.

على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد  في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية.

قال: ﴿ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين.

وتفسيره قوله: ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها ﴿ والآخرة ﴾ بدخول النار خالدين فيها ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه.

وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين.

﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من نبأ عيسى  وغيره وهو مبتدأ خبره ﴿ نتلوه عليك ﴾ والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض.

جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته.

﴿ من الآيات ﴾ خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي.

ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و ﴿ نتلوه ﴾ صلته و ﴿ من الآيات ﴾ الخبر.

ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ﴿ نتلوه ﴾ .

والذكر الحكيم القرآن.

وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه.

وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه  أنزل هذه القصص مما كتب هناك.

قال المفسرون: "إن وفد نجران قالوا لرسول الله  : مالك تشتم صاحبنا؟

قال  : وما أقول؟

قالوا: تقول إنه عبد.

قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟

فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ " أي حاله الغريبة كحاله.

ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب.

لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه.

ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي قدّره جسداً من طين.

قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث.

وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل".

والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" ﴿ ثم قال له ﴾ أي لذلك المقدّر ﴿ كن فيكون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: فأصر بها بلا دهش فخرت *** أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة.

وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي صيره بشراً سوياً.

ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن".

وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه  بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص.

والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود.

قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه  هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج.

وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء ﴿ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً  ﴾ ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء.

ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 13\] ثم جعله طيناً لازباً ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب  ﴾ ثم سنه وغير رائحته ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون  ﴾ .

عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى  ؟

قالوا: / لأنه لا أب له.

قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.

قالوا: كان يحيي الموتى.

قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.

فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص.

قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.

﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ من ربك ﴾ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان.

﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ الشاكين.

قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً.

وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.

التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس ﴿ إن الله اصطفى آدم  ﴾ ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد  على الكائنات كقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" .

وقال  : " "آدم فمن دونه تحت لوائي " ، واصطفاء على الجنس كقوله: ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس  ﴾ ولمريم ﴿ إن الله اصطفاك ﴾ لاصطفائك إياه ﴿ وطهرك ﴾ عن الالتفات لغيره ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء.

﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله  .

والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.

وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره.

قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال  " "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب  ﴾ روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع.

وسمي المسيح لأنه حين مسح الله  ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " "إن الله  أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح.

﴿ وكهلاً ﴾ أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي  آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات.

ولما كان روح عيسى  وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ﴾ وهم القلب وصفاته ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله ﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت ﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ ومكروا ﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ ومكر الله ﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿ والله خير الماكرين ﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ ورافعك إليّ ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.

ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح.

﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿ والآخرة ﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله  .

ثم قال له كن فيكون.

هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ ﴾ : قال أهل التفسير: هو جبريل -  - لكن ذلك لا يعلم إلا بالخبر، فإن صحّ الخبر - فهو كذلك، وإلا لم يقل من كان مِنَ الملائكة قال ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ ﴾ : أن صفاها لعبادة نفسه، وخصّها له، ما لم يكن ذلك لأحد من النساء؛ فيكون ذاك صفوتها.

وقيل: اصطفاها بولادة عيسى -  - إذ أخرج منها نبيّاً مباركاً تقيّاً، على خلاف ولادة البشر.

وقوله: ﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾ : قيل: من الآثام والفواحش.

وقيل: وطهرك من مسّ الذكور، وما قذفت به.

﴿ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا من صفوتها؛ إذ جعلها لعبادة نفسه خالصاً، أو ما قد ولدت من ولد من غير أب، على خلاف سائر البشر.

وعن ابن عباس -  - قال: "خَطَّ رَسُولُ الله  أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ؟

قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ: خَدِيجَةُ، وَفَاطِمَةُ، وَمَرْيَمُ، وآسيَةُ امْرَأةُ فِرْعَونَ" .

وكذلك روى أنس -  - عن النبي  قال: "خَيْرُ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ  " وقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ ﴾ : يحتمل وجهين: الأمر بالقنوت: القيام، ثم الأمر بالسجود، أي: الصّلاة، ثم الأمر بالركوع مع الراكعين؛ وهو الصلاة بجماعة؛ ففيه الأمر بالصلاة بالجماعة، هل ما هو علينا؛ لأنه قال: ﴿ وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ ؛ وعلى ذلك روي في الخبر: "أنه سئل عن أفضل الصّلاة؟

فقال: طُولُ القُنُوتُ" ويحتمل أنه الأمر بالركوع، ثم بالسجود؛ فيدل أن السجود - وإن كان مقدماً ذكره على الركوع - فإنه ليس في تقديم ذكر شيء على شيء، ولا تأخير شيء عن شيء في الذكر دلالة وجوب الحكم كذلك.

وقيل: القنوت: هو الخضوع والطاعة؛ كقوله: ﴿ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ  ﴾ أي: خاضعين مطيعين.

فإن قيل: كيف أُمِرَتْ بالركوع مع الراكعين؟!

قيل: كانوا - والله أعلم - ذوي قرابة منها ورحم؛ ألا ترى أنهم كيف اختصموا في ضمّها وإمساكها، حتى أراد كل واحد منهم ضمها إلى نفسه، وأنه الأحق بذلك؟!

دلَّ أن بينهم وبينها رحماً وقرابة.

وقيل في قوله: ﴿ ٱقْنُتِي ﴾ : أي: أطيلي الركوع في الصَّلاة والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله -: يحتمل: ﴿ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ : أي: ممن يركع ويخضع له بالعبادة، لا على الاجتماع - والله أعلم - كيف كان الأمر في ذلك؟.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ ﴾ : أي: من أخبار الغيب لم تشهده أنت يا محمّد ولم تحضر، بل نحن أخبرناك وذكرناك عن ذلك.

ثم في ذلك وجوه الدلالة: أحدها: أراد أن يخبره عن صفوة هؤلاء وصنيعهم؛ ليكون على علم من ذلك.

والثاني: دلالة إثبات رسالته؛ لأنَّه أخبر على ما كان من غير أن اختلف إلى أحد، أو أعلمه أحد من البشر على علم منهم ذلك؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله عزّ وجل.

والثالث: أن يتأمل وجه الصفوة لهم؛ أنهم بما نالوه؛ فيجتهدوا في ذلك، والله أعلم.

وفي ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى أن ظهر ذلك بإلقاء الأقلام.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ الآية.

قيل: إنهم ألقوا أقلامهم على جرية الماء، فذهبت الأقلام كلها مع الجرية؛ إلا قلم زكريا؛ فإنه وقف على وجه الماء.

وقيل: طرحوا أقلامهم في الماء، وكان من شرطهم أن من صعد قلمه عالياً مع الجرية، فهو أحق بها، ومن سفل قلمه مع الجرية فهو المقروع، فصعد قلم زكريا، وتسفلت أقلامهم؛ فعند ذلك ضمّها زكريا إلى نفسه.

ثم من الناس من احتج بجواز القرعة والعمل بها - بهذه الآية؛ حيث ضمّها زكريا - مريم - إلى نفسه، لما خرجت القرعة له؛ لكن القرعة في الأنبياء لتبيين الأحق من غيره؛ لوجهين: لحق الوحي.

والثاني: لظهور إعلام في نفس القرعة؛ ما يعلم أنه كان بالله ذلك لا بنفسه؛ كارتفاع القلم على الماء، ومثل ذلك لا يكون للقلم، والمحق من المبطل، وفيما بين سائر الخلق؛ لدفعهم التهم؛ فهي لا تدفع أبداً.

ويحتمل استعمال القرعة فيها لتطييب الأنفس بذلك، أو علموا ذلك بالوحي، فليس اليوم وحي؛ لذلك بطل الاستدلال لجواز العمل بالقرعة اليوم، والله أعلم.

أو كان ذلك آية، والآية لا يقاس عليها غيرها؛ نحو: قبول قول قتيل بني إسرائيل - آية، ليس به معتبر في جواز قول قتيل آخر قبل الموت.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ ﴾ : يحتمل: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : أن قال: "كن" - فكان من غير أب ولا سبب، وسائر البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب: من النطفة، ثم من العقلة، ثم من مضغة مخلقة على ما وصف - عز وجل - في كتابه، وكان أمر عيسى -  - على خلاف ذلك.

ويحتمل: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : ما ذكر أنه كلم الناس في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [مريم: 30].

وذلك مما خص به عيسى، وهو بكلمة من الله قال ذلك.

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ ؛ والكهل: مما يكلم الناس؟

قيل: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ ﴾ الآية [النور: 24]، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق أبداً، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا يدوم، ولا يكون إلا مرّة.

والثاني: أمن من الله لمريم، وبشارة لها عن وفاته إلى وقت كهولته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ ﴾ .

قال ابن عباس -  -: "المسيح: المبارك"، أي: مسح بالبركة.

وقيل: سمي مسيحاً؛ لأنه كان يسمح عين الأعمى والأعور فيبصر.

وقيل: المسيح: العظيم؛ لكنّه - والله أعلم - بلسانهم؛ فيسأل: ما المسيح بلسانهم.

وقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : بالمنزلة، ومكيناً في الآخرة، ﴿ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ﴾ في الدرجة والرفعة، ومن كان وجيهاً في الدينا والآخرة مقرب فيهما.

وقوله: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ : عرفت مريم أن الولد يكون بمسّ البشر، وعلمت - أيضاً - أنها لا تتزوج، ولا يمسّها بشر أبداً؛ لأنها قالت: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ فإن لم يكن مسها أحد قبل ذلك، فلعله يمسّها في حادث الوقت؛ فيكون لها منه الولد، فلما لم يقل لها يمسسك؛ ولكن قال: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ دل ذلك أنها علمت أنها لا تتزوج أبداً؛ لأنها كانت محررة لله، مخلصة له في العبادة، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ ﴾ .

أي: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة؛ لأنها بشرت أن يهب لها ولداً، فقالت: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة، ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ ؟

ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ تأويله: ما ذكر في سورة مريم حيث قالت: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ الآية [مريم: 20] الآية، ثم قال: ﴿ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ  ﴾ أي: خلق الخلق عليَّ هين: بأبٍ، وبغير أب، وبمسِّ بشر، وبغير مسّ، [وبسبب، وبغير سبب؛ على ما خلق آدم بغير أب ولا أم؛ فعلى ذلك يخلق بتوالد بعض من بعض، وبغير توالد بعض من بعض]؛ كخلق الليل والنهار، يخلق بلا توالد أحدهما من الآخر؛ فكذلك يخلق لك ولداً من غير أب ولا مسّ بشر، وبالله الحول والقوة.

وقوله: ﴿ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ : أي: إذا قضى أمراً بتكوين أحد، أو بتكوين - فإنما يقول له: كن، لا يثقل عليه، ولا يصعب خلق الخلق وتكوينهم؛ كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ أي: خلق الخلق كلهم ابتداء، وبعثهم بعد الموت - كخلق نفس واحدة؛ أن يقول: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ؛ وإنما يثقل ذلك على الخلق ويصعب؛ لموانع تمنعهم وأشغال تشغلهم، فأمّا الله -  وتعالى - عن أن يشغله شغل، أو يمنعه مانع، أو يحجب عليه حجاب.

وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ : ذكر - والله أعلم - هذا الحرف؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف أو جزء منه يعبر فيفهم معناه، لا أن كان منه - عز وجل - كاف أو نون، أو حرف، أو هجاء، أو صفة يفهم ويعرف حقيقته، أو يوصف هو بمعنى من معاني [كلام] الخلق أو صفاتهم، أو يكون لتكوينه وقت أو مدة أو حال، أو يكون تكوين بعد تكوين، على ما يكون من الخلق، إنما هو أوجز حرف يفهم معناه، بالعبارة إخبار منه - عز جل - الخلق عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اذكر -أيها الرسول- إذ قالت الملائكة: يا مريم، إن الله يبشّرك بولد يكون خَلْقُه من غير أب، وإنما بكلمة من الله بأن يقول له: "كن"، فيكون ولدًا بإذن الله، واسم هذا الولد: المسيح عيسى بن مريم، له مكانة عظيمة في الدنيا وفي الآخرة، ومن المقربين إليه تعالى.

من فوائد الآيات عناية الله تعالى بأوليائه، فإنه سبحانه يجنبهم السوء، ويستجيب دعاءهم.

فَضْل مريم - عليها السلام - حيث اختارها الله على نساء العالمين، وطهَّرها من النقائص، وجعلها مباركة.

كلما عظمت نعمة الله على العبد عَظُم ما يجب عليه من شكره عليها بالقنوت والركوع والسجود وسائر العبادات.

مشروعية القُرْعة عند الاختلاف فيما لا بَيِّنة عليه ولا قرينة تشير إليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.z4OLd"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قد عرف بكلمة الله أي بوحيه لأنبيائه.

والكلمة تطلق على الكلام كقوله: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ  ﴾ .

إن الناس إنما يولون الملك عليهم لأجل تقرير العدل فيهم ورفع أثقال الظلم عنهم، وقد فعل المسيح ذلك، فإن اليهود كانوا عند بعثته فيهم متمسكين بظواهر ألفاظ الكتاب، وخاضعين لأفهام الكتبة والفريسيين وأوهامهم، حتى أرهقهم ذلك عسرًا، وتركهم يئنون من الظلم وأثقال التكاليف، فرفع المسيح ذلك عنهم بإرجاعهم إلى مقاصد الدين وحملهم على الأخوة الرافعة للظلم.

﴿ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ  ﴾ : إن كون المسيح ذا جاه ومكانة في الآخرة ظاهر، وجاهته في الدنيا فهي قد تكون موضع إشكال لما عرف من امتهان اليهود له ومطاردتهم إياه على فقره وضعف عصبيته...

والجواب عن ذلك سهل وهو أن الوجيه في الحقيقة من كانت له مكانة في القلوب واحترام ثابت في النفوس، ولا يكون أحد كذلك حتى يكون له أثر حقيقي ثابت من شأنه أن يدوم بعده زمنًا طويلًا أو غير طويل، ولا ينكر أحد أن منزلة المسيح في نفوس المؤمنين به كانت عظيمة جدًا، وأن ما جاء به من الإصلاح هو من الحق الثابت، وقد بقي أثره بعده، فهذه الوجاهة أعلى وأرفع من وجاهة الأمراء والملوك الذين يحترمون في الظاهر لظلمهم واتقاء شرهم ولدهائهم والتزلف إليهم رجاء الانتفاع بشيء مما في أيديهم من عرض الحياة الدنيا، لأن هذه وجاهة صورية لا أثر لها في النفوس إلا الكراهة والبغض والانتقاض، وتلك وجاهة حقيقية مستحوذة على القلوب.

وحقيقة الوجاهة في الآخرة هي أن يكون الوجيه في مكان عليّ ومنزلة رفيعة يراه الناس فيها فيجلّونه ويعلمون أنه مقرب من الله تعالى، ولا يمكننا أن نحددها ونعرف بماذا تكون.

فإن قال قائل: إن هذه الوجاهة تكون بالشفاعة.

فالجواب: إن الآية لم تبين ذلك.

على أنكم تقولون إن هذه الشفاعة عامة لكل نبي وعالم صالح فما هي مزية المسيح إذن؟.

﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا  ﴾ الجملة معطوفة على ما قبلها ولا يضر عطف الفعل على الاسم، والكهل الرجل التام السوي من غير تقييد بسن معينة، والكلام في المهد يصدق بما يكون في سن الكلام وهي سنة فأكثر وما يكون قبل ذلك وهو آية على كل تقدير، لأن تعديته إلى الناس تفيد أنه يكلمهم كلام التفاهم، وكلام الأطفال في المهد لا يكون كذلك عادة.

وفي قوله: ﴿ وَكَهْلًا  ﴾ بشارة بأنه يعيش على أن يكون رجلًا سويًا كاملًا ﴿ وَمِنْ الصَّالِحِينَ  ﴾ الذين أنعم الله عليهم وأصلح حالهم وهم الأنبياء الذين تعرف مريم سيرتهم.

﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  ﴾ أي كيف يكون لي ولد والحال أنني لم أتزوج فألمس؟

كناية ظاهرة، والاستفهام على حقيقته في وجه، ومعناه هل يكون بزواج يطرأ أم بمحض القدرة؟

وفي وجه آخر للتعجب من قدرة الله والاستعظام لشأنه ﴿ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ  ﴾ أي كمثل هذا الخلق البديع يخلق الله ما يشاء فإن من شأنه الاختراع والإبداع.

﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ : إن الرسول هنا بمعنى الرسالة والتقدير ويعلمه الرسالة إلى بني إسرائيل، واستعمال لفظ الرسول بمعنى الرسالة شائع قال كُثَيّر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول وفي رواية "برسيل" وبعض المفسرين يجعل الرسول بمعنى الناطق، أي ناطقًا إلى بني إسرائيل ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ : الخلق والتقدير والترتيب لا الإنشاء والاختراع، ويقرب أن يكون هذا إجماعًا من المفسرين، وفسره (الجلال) هنا بالتصوير، لأنه من التقدير، ولقد ذكر -كغيره- أنه كان يتخذ من الطين صورة خفاش فينفخ فيها فتحلها الحياة وتتحرك في يده.

وقال بعضهم بل تطير قليلًا ثم تسقط.

ولا حاجة إلى هذه التفصيلات بل نقف عند لفظ الآية وغاية ما يفهم منها أن الله تعالى جعل فيه هذا السر ولكن لم يقل إنه خلق بالفعل، ولم يرد عن المعصوم أن شيئًا من ذلك وقع، وقد جرت سنة الله تعالى أن تجري الآيات على أيدي الأنبياء عند طلب قومهم لها وجعل الإيمان موقوفًا عليها، فإن كانوا سألوه شيئًا من ذلك فقد جاء به، وكذلك يقال في قوله: ﴿ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ  ﴾ فإن قصارى ما تدل عليه العبارة أنه خص بذلك وأمر بأن يحتج به، والحكمة في إخبار النبي  بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم، وأما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك.

﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ  ﴾ أعاد ذكر الآية للتفرقة بين ما قبلها وما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله