الآية ٧٢ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٧٢ من سورة آل عمران

وَقَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره [ لعلهم يرجعون ] ) هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم ، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح ، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس : إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين ، ولهذا قالوا : ( لعلهم يرجعون ) .

قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله تعالى إخبارا عن اليهود بهذه الآية : يعني يهود صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وكفروا آخر النهار ، مكرا منهم ، ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة ، بعد أن كانوا اتبعوه .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : قالت طائفة من أهل الكتاب : إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا ، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم ، لعلهم يقولون : هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا .

[ وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في صفة المعنى الذي أمرت به هذه الطائفة مَنْ أمرَت به: من الإيمان وجهَ النهار، وكفرٍ آخره.

(5) فقال بعضهم: كان ذلك أمرًا منهم إياهم بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في نبوّته وما جاء به من عند الله، وأنه حق، في الظاهر = (6) من غير تصديقه في ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك = وبالكفر به وجحود ذلك كله في آخره.

ذكر من قال ذلك: &; 6-507 &; 7231 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: "آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره "، فقال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أوّل النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدّقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدَرُ أن يرجعوا عن دينهم.

7232 - حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك في قوله: "آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره "، قال: قالت اليهود: آمنوا معهم أوّل النهار، واكفروا آخره، لعلهم يرجعون معكم.

7233 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون "، كان أحبارُ قُرَى عربيةَ اثني عشر حبرًا، (7) فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا: " نشهد أن محمدًا حقّ صادقٌ"، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: " إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدَّثونا أن محمدًا كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم "، لعلهم يشكّون، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار، فما بالهم؟

فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك.

7234 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري قال: قالت اليهود بعضهم لبعض: أسلِموا أول النهار، وارتدُّوا آخره لعلهم يرجعون.

فأطلع الله على سرّهم، فأنـزل الله عز وجل: &; 6-508 &; " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ".

* * * وقال آخرون: بل الذي أمرَت به من الإيمان: الصلاةُ، وحضورها معهم أول النهار، وتركُ ذلك آخرَه.

ذكر من قال ذلك: 7235 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: "آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار "، يهودُ تقوله.

صلَّت مع محمد صلاةَ الصبح، وكفروا آخرَ النهار، مكرًا منهم، ليُرُوا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالةُ، بعد أن كانوا اتَّبعوه.

7236 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله.

7237 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار "، الآية، وذلك أنّ طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم أوّل النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهلُ الكتاب، وهم أعلم منا!

لعلهم ينقلبون عن دينهم، ولا تُؤمنوا إلا لمن تَبع دينكم.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: " وقالت طائفة من أهل الكتاب "، يعني: من اليهود الذين يقرأون التوراة ="آمنوا " صدّقوا =" بالذي أنـزل على الذين آمنوا "، وذلك ما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين الحقّ وشرائعه وسننه =" وجه النهار "، يعني: أوّل النهار.

* * * وسمَّى أوّله " وجهًا " له، لأنه أحسنه، وأوّلُ ما يواجه الناظرَ فيراه منه، كما يقال لأول الثوب: " وجهه "، وكما قال ربيع بن زياد: مَـنْ كَـانَ مَسْـرُورًا بمَقْتَـلِ مَـالِكٍ فَلْيَــأْتِ نِسْــوَتَنَا بِوَجْــهِ نَهَــارِ (8) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 7238 - حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وجه النهار "، أوّلَ النهار.

7239 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " وجه النهار "، أول النهار =" واكفروا آخره "، يقول: آخر النهار.

7240 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره)، قال قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلّوا معهم آخرَ النهار، لعلكم تستزلُّونهم بذلك.

* * * وأما قوله: " واكفروا آخره "، فإنه يعني به، أنهم قالوا: واجحدوا ما صدَّقتم به من دينهم في وَجه النهار، في آخر النهار =" لعلهم يرجعون " : يعني بذلك: لعلهم يرجعون عن دينهم معكم ويَدَعونه: كما:- 7241 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " لعلهم يرجعون "، يقول: لعلهم يدَعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه.

7242 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

7243 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لعلهم يرجعون "، لعلهم ينقلبون عن دينهم.

7244 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لعلهم يرجعون "، لعلهم يشكّون.

7245 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " لعلهم يرجعون "، قال: يرجعون عن دينهم.

------------------- الهوامش : (5) في المطبوعة: "والكفر آخره" غير ما في المخطوطة ، وهو صواب متمكن.

(6) سياق قوله: "بتصديق النبي...

في الظاهر".

(7) في المطبوعة: "قرى عرينة" وهي قراءة فاسدة للمخطوطة ، إذ كانت غير منقوطة وجاءت على الصواب في الدر المنثور 2: 42.

وانظر معجم ما استعجم: 929 ، فهو اسم مكان.

(8) مجاز القرآن 1: 97 ، حماسة أبي تمام 3: 26 ، والأغاني 16: 27 ، والخزانة 3: 538 ، واللسان (وجه) وغيرها ، من أبياته التي قالها حين قتل حميمه مالك بن زهير ، وحمى لقتله ، واستعد لطلب ثأره ، وبعد البيت ، وهو من تمامه.

يَجِــدِ النَّسَــاءَ حَوَاسِــرًا يَنْدُبْنَـهُ يَبْكِــينَ قَبْــلَ تَبَلُّــج الأسْــحَارِ قَــدْ كُـنَّ يَخْبَــأْنَ الوُجُـوهُ تَسَـتُّرًا فَــالْيَوْمَ حِــينَ بَــرَزْنَ للنظّــارِ يَخْمِشـنَ حُـرَّاتِ الوُجُـوهِ عَلَى امْرِئٍ سَــهْلِ الخليقــةِ طَيِّــبِ الأخبـارِ قالوا في معنى البيت الشاهد: "يقول: من كان مسرورًا بمقتل مالك ، فلا يشتمن به ، فإنا قد أدركنا ثأره به.

وذلك أن العرب كانت تندب قتلاها بعد إدراك الثأر".

ومعنى البيت عندي شبيه بذلك ، إلا أن قوله: "فليأت نسوتنا بوجه نهار" ، أراد به أنه مدرك ثأره من فوره ، فمن شاء أن يعرف برهان ذلك ، فليأت ليشهد المأتم قد قام يبكيه في صبيحة مقتله.

يذكر تعجيله في إدراك الثأر ، كأنه قد كان.

وتأويل ذلك أنه قال هذه الأبيات لامرأته قبل مخرجه إلى قتال الذين قتلوا مالكًا ، فقال لامرأته ذلك ، يعلمها أنه مجد في طلب الثأر ، وأنه لن يمرض في طلبه ، بل هو مدركه من فوره هذا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون[ ص: 105 ] نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وغيرهما ، قالوا للسفلة من قومهم : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ، يعني أوله .

وسمي وجها لأنه أحسنه ، وأول ما يواجه منه أوله .

قال الشاعر :وتضيء في وجه النهار منيرة كجمانة البحري سل نظامهاوقال آخر :من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهاروهو منصوب على الظرف ، وكذلك ( آخره ) .

ومذهب قتادة أنهم فعلوا ذلك ليشككوا المسلمين .

والطائفة : الجماعة ، من طاف يطوف ، وقد يستعمل للواحد على معنى نفس طائفة .

ومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم لبعض : أظهروا الإيمان بمحمد في أول النهار ثم اكفروا به آخره ; فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ارتياب في دينه فيرجعون عن دينه إلى دينكم ، ويقولون إن أهل الكتاب أعلم به منا .

وقيل : المعنى آمنوا بصلاته في أول النهار إلى بيت المقدس فإنه الحق ، واكفروا بصلاته آخر النهار إلى الكعبة لعلهم يرجعون إلى قبلتكم ; عن ابن عباس وغيره .

وقال مقاتل : معناه أنهم جاءوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - أول النهار ورجعوا من عنده فقالوا للسفلة : هو حق فاتبعوه ، ثم قالوا : حتى ننظر في التوراة ثم رجعوا في آخر النهار فقالوا : قد نظرنا في التوراة فليس هو به .

يقولون إنه ليس بحق ، وإنما أرادوا أن يلبسوا على السفلة وأن يشككوا فيه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر تعالى عن ما همت به هذه الطائفة الخبيثة، وإرادة المكر بالمؤمنين، فقال { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره } أي: ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه { لعلهم يرجعون } عن دينهم، فيقولون لو كان صحيحا لما خرج منه أهل العلم والكتاب، هذا الذي أرادوه عجبا بأنفهسم وظنا أن الناس سيحسنون ظنهم بهم ويتابعونهم على ما يقولونه ويفعلونه، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا ) الآية قال الحسن والسدي : تواطأ اثنا عشر حبرا من يهود خيبر وقرى عيينة وقال بعضهم لبعض : ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد ثم اكفروا آخر النهار وقولوا : إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك ، وظهر لنا كذبه ، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم واتهموه وقالوا : إنهم أهل الكتاب وهم أعلم منا به فيرجعون عن دينهم .

وقال مجاهد ومقاتل والكلبي هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود ، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه : آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا ، فأطلع الله تعالى رسوله على سرهم وأنزل ( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ) أوله سمي وجها لأنه أحسنه وأول ما يواجه الناظر فيراه ( واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) فيشكون ويرجعون عن دينهم

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالت طائفة من أهل الكتاب» اليهود لبعضهم «آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا» أي القرآن «وجه النهار» أوله «واكفروا» به «آخره لعلهم» أي المؤمنين «يرجعون» عن دينهم إذ يقولون ما رجع هؤلاء عنه بعد دخولهم فيه وهم أولو علم إلا لعلمهم بطلانه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقالت جماعة من أهل الكتاب من اليهود: صدِّقوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا أول النهار واكفروا آخره؛ لعلهم يتشككون في دينهم، ويرجعون عنه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أنت إذا تأملت فى هذه الآيات الكريمة تراها قد حكت عن طائفة من أهل الكتاب طريقة ماكرة لئيمة ، هى تظاهرهم بالإسلام لفترة من الوقت ليحسن الظن بهم من ليس خبيرا بمكرهم وخداعهم ، حتى إذا ما اطمأن الناس إليهم جاهروا بكفرهم ورجعوا إلى ما كانوا عليه ، ليوهموا حديثى العهد بالإسلام أو ضعاف الإيمان ، أنهم قوم يبحثون عن الحقيقة ، وأنهم ليس عندهم أى عداء للنبى صلى الله عليه وسلم بل إن الذى حصل منهم هو أنهم بعد دخولهم فى الإسلام وجدوه دينا باطلا وأنهم ما عادوا إلى دينهم القديم إلا بعد الفحص والاختبار وإمعان النظر في دين الإسلام .ولا شك أن هذه الطريقة التى سلكها بعض اليهود لصرف بعض المسلمين عن الإسلام من أقوى ما تفتق عنه تديبرهم الشيطانى ، لأن إعلانهم الكفر بعد الإسلام ، وبعد إظهارهم الإيمان به ، من شأنه أن يدخل الشك فى القلوب ويوقع ضعاف الإيمان فى حيرة واضطراب ، خاصة وأن العرب - فى مجموعهم - قوم أميون ومنهم من كان يعتقد أن اليهود أعرف منهم بمسائل العقيدة والدين .

فيظن أنهم ما ارتدوا عن الإسلام إلا بعد اطلاعهم على نقص فى تعاليمه .والمتتبع لمراحل التاريخ قديما وحديثا يرى أن الدهاة فى السياسة والحرب يتخذ هذه الخدعة ذريعة لإشاعة الخلل والاضطراب فى صفوف أعدائه .قال الأستاذ الشيخ محمد عبده - رحمه الله : " هذا النوع الذى تحكيه الآيات من صد اليهود عن الإسلام مبنى على قاعدة طبيعية فى البشر ، وهى أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه .

وقد وفقه هذا ، هرقل ، ملك الروم ، فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شئون النبى صلى الله عليه وسلم أ ، قال له : " هل يرتد أحد ن أتباع محمد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟

فقال أبو سفيان : لا .

وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا : لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه ، واطلعوا على بواطنه وخوافيه ، إذ لا يعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته ، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب " .هذا ، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات متعددة كلها تدور حول المعنى الذى قررناه .ومن هذه الروايات ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال فى قوله - تعالى - { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ } .

.

ألخ قال بعض أهل الكتاب لبعض : " أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار ، واكفروا آخره فغنه أجدر أن يصدقوكم ويعلموا أنكم قد رأيتم ما تكرهونه فى دينهم ، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم " .وعن السدى : كان - هؤلاء - أحبار قرى عربية ، اثنى عشر حبرا ، فقالوا لبعضهم : ادخلوا فى دين محمد أول النهار ، وقولوا : نشهد أن محمدا حق صادق .

فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا : إنا رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم ، لعلهم يشكون ، يقولون : هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم؟

فأخبر الله - عز وجل - رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك " .والمعنى : { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب } أى : فيما بينهم ليلبسوا على الضعفاء أمر دينهم { آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار } أى قال بعضهم لبعض : نافقوا وأظهروا التصديق بالإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم - وبما أنزل عليه وعلى أصحابه من قرآن { وَجْهَ النهار } أى فى أول النهار .وسمى أول النهار وجها ، لأنه أول ما يواجهك منه ، وأول وقت ظهوره ووضوحه .

وقوله { واكفروا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } معطوف على { آمَنُواْ } .أى : آمنوا فى أول النهار واكفروا فى آخره ، بأن تعودوا إلى اليهودية ، أملا فى أن ينخدع بحيلتكم هذه بعض المسلمين ، فيشكوا في دينهم ، ويعودوا إلى الكفر بعد دخولهم فى الإسلام .وقوله { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } كشف عن مقصدهم الخبيث ، وهو ابتغاؤهم رجوع بعض المؤمنين عن دينهم الحق إلى ما كانوا عليه من باطل .قال الفخر الرازي : " والفائدة فى إخبار الله - تعالى - عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه :الأول : أن هذه الحيلة كانت مخيفة فيما بينهم ، وما أطلعوا عليها أحداً من الأجانب ، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزاً .الثانى : أنه - تعالى - لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر فى قلوب المؤمنين ، ولولا هذا الإعلام لكان ربما أثرت هذه الحيلة فى قلب بعض من كان في إيمانه ضعف .الثالث : أن القوم لما افتضحوا فى هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل أردف ذلك بأن حكى عنهم نوعاً واحداً من أنواع تلبيساتهم، وهو المذكور في هذه الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قول بعضهم لبعض ﴿ آمنوا بِالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ﴾ ويحتمل أن يكون المراد كل ما أنزل وأن يكون المراد بعض ما أنزل.

أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه: الأول: أن اليهود والنصارى استخرجوا حيلة في تشكيك ضعفه المسلمين في صحة الإسلام، وهو أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الشرائع في بعض الأوقات، ثم يظهروا بعد ذلك تكذيبه، فإن الناس متى شاهدوا هذا التكذيب، قالوا: هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد، وإلا لما آمنوا به في أول الأمر وإذا لم يكن هذا التكذيب لأجل الحسد والعناد وجب أن يكون ذلك لأجل أنهم أهل الكتاب وقد تفكروا في أمره واستقصوا في البحث عن دلائل نبوته فلاح لهم بعد التأمل التام، والبحث الوافي أنه كذاب، فيصير هذا الطريق شبهة لضعفة المسلمين في صحة نبوته، وقيل: تواطأ اثنا عشر رجلاً من أحبار يهود خيبر على هذا الطريق.

وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ معناه أنا متى ألقينا هذه الشبهة فلعل أصحابه يرجعون عن دينه.

الوجه الثاني: يحتمل أن يكون معنى الآية أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين، ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء المؤمنين في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم ويرجعوا إلى دينكم، وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني ويدل عليه وجهان الأول: أنه تعالى لما قال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ  ﴾ أتبعه بقوله: ﴿ بَشّرِ المنافقين  ﴾ وهو بمنزلة قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤن  ﴾ الثاني: أنه تعالى اتبع هذه الآية بقوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ فهذا يدل على أنهم نهوا عن غير دينهم الذي كانوا عليه فكان قولهم: ﴿ آمنوا وَجْهَ النهار ﴾ أمر بالنفاق.

الوجه الثالث: قال الأصم: قال بعضهم لبعض إن كذبتموه في جميع ما جاء به فإن عوامكم يعلمون كذبكم، لأن كثيراً مما جاء به حق ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض حتى يحمل الناس تكذيبكم له على الإنصاف لا على العناد فيقبلوا قولكم.

الاحتمال الثاني: أن يكون قوله: ﴿ ءَامِنُواْ بِالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ﴾ بعض ما أنزل الله والقائلون بهذا القول حملوه على أمر القبلة وذكروا فيه وجهين: الأول: قال ابن عباس: وجه النهار أوله، وهو صلاة الصبح واكفروا آخره: يعني صلاة الظهر وتقريره أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ففرح اليهود بذلك وطمعوا أن يكون منهم، فلما حوله الله إلى الكعبة كان ذلك عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره ﴿ آمنواْ بِالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ﴾ يعني آمنوا بالقبلة التي صلّى إليها صلاة الصبح فهي الحق، واكفروا بالقبلة التي صلّى إليها صلاة الظهر، وهي آخر النهار، وهي الكفر الثاني: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، فقال بعضهم لبعض صلوا إلى الكعبة في أول النهار، ثم اكفروا بهذه القبلة في آخر النهار وصلوا إلى الصخرة لعلّهم يقولون إن أهل الكتاب أصحاب العلم فلولا أنهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما تركوها فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة.

المسألة الثانية: الفائدة في إخبار الله تعالى عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه: الأول: أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم، وما أطلعوا عليها أحداً من الأجانب، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخباراً عن الغيب، فيكون معجزاً الثاني: أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإعلان لكان ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف الثالث: أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعاً لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس.

المسألة الثالثة: وجه النهار هو أوله، والوجه في اللغة هو مستقبل كل شيء، لأنه أول ما يواجه منه، كما يقال لأول الثوب وجه الثوب، روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار، وشباب نهار، أي أول النهار، وأنشد الربيع بن زياد فقال: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأت نسوتنا بوجه نهار <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَجْهَ النهار ﴾ أوّله.

قال: مَنْ كَانَ مَسْرُوراً بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ** فَلْيَأْتِ نِسْوتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ والمعنى: أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أوّل النهار ﴿ واكفروا ﴾ به في آخره لعلهم يشكون في دينهم ويقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم.

وقيل: تواطأ اثنا عشر من أحبار يهود خيبر، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار من غير اعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك المنعوت وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم.

وقيل: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة قال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها في أوّل النهار، ثم اكفروا به في آخره وصلوا إلى الصخرة، ولعلهم يقولون: هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ ﴾ وما بينهما اعتراض.

أي: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم.

أرادوا: أسرّوا تصديقكم بأنّ المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام ﴿ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ عطف على أن يؤتى والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، أنّ المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله تعالى بالحجة.

فإن قلت: فما معنى الاعتراض؟

قلت: معناه أنّ الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم، أو يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ﴾ يريد الهداية والتوفيق.

أو يتمَّ الكلام عند قوله: ﴿ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ على معنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم: إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم.

وقوله: ﴿ أَن يؤتى ﴾ معناه لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه، لا لشيء آخر، يعني أن ما بكم من الحسد والبغي.

أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير: أأن يؤتى أحد بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ ﴾ على هذا؟

قلت: معناه دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم.

ويجوز أن يكون ﴿ هُدَى الله ﴾ بدلاً من الهدى، و ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ ﴾ خبر إن، على معنى: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم.

وقرئ: ﴿ إن يؤتى أحد ﴾ .

على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب.

أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم، يعني ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم، ويجوز أن ينتصب ﴿ أَن يؤتى ﴾ بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ كأنه قيل: قل إن الهدى هدى الله، فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لأن قولهم ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ ﴾ أيْ أظْهِرُوا الإيمانَ بِالقُرْآنِ أوَّلَ النَّهارِ.

﴿ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ واكْفُرُوا بِهِ آخِرَهُ لَعَلَّهم يَشُكُّونَ في دِينِهِمْ ظَنًّا بِأنَّكم رَجَعْتُمْ لِخَلَلٍ ظَهَرَ لَكُمْ، والمُرادُ بِالطّائِفَةِ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ قالا لِأصْحابِهِما لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ: آمِنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ وصَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ ثُمَّ وصَلُّوا إلى الصَّخْرَةِ آخِرَهُ لَعَلَّهم يَقُولُونَ هم أعْلَمُ مِنّا وقَدْ رَجَعُوا فَيَرْجِعُونَ.

وقِيلَ اثْنا عَشَرَ مِن أحْبارِ خَيْبَرَ تَقاوَلُوا بِأنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ أوَّلَ النَّهارِ ويَقُولُوا آخِرَهُ نَظَرْنا في كِتابِنا وشاوَرْنا عُلَماءَنا فَلَمْ نَجِدْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّعْتِ الَّذِي ورَدَ في التَّوْراةِ لَعَلَّ أصْحابَهُ يَشُكُّونَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقالت طائفة من أهل الكتاب} فيما بينهم {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} أي القرآن {وَجْهَ النهار} ظرف أي أوله يعني أظهروا الإيمان ب

ما أنزل على المسلمين فى أول النهار {واكفروا آخره} واكفروا به آخره {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لعل المسلمين يقولون ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَتْ طائِفَةٌ ﴾ أيْ جَماعَةٌ وسُمِّيَتْ بِها لِأنَّهُ يُسَوّى بِها حَلْقَةً يُطافُ حَوْلَها ﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ أيِ اليَهُودِ لِبَعْضِهِمْ ﴿ آمِنُوا ﴾ أيْ أظْهِرُوا الإيمانَ ﴿ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  ، وقِيلَ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ ﴿ وجْهَ النَّهارِ ﴾ أيْ أوَّلَهُ، كَما في قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيادٍ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا (بِوَجْهِ نَهارِ) وسُمِّيَ وجْهًا لِأنَّهُ أوَّلُ ما يُواجِهُكَ مِنهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كالوَجْهِ في أنَّهُ أعْلاهُ وأشْرَفُ ما فِيهِ، وذَكَرَ الثَّعالِبِيُّ أنَّهُ في ذَلِكَ اِسْتِعارَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴿ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ  ﴾ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ عَنِ اِعْتِقادِهِمْ حَقِّيَّةَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، قالَ الحَسُنُ والسُّدِّيُّ: ”تَواطَأ اِثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أحْبارِ يَهُودِ خَبِيرَ وقُرى عُرَيْنَةَ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اُدْخُلُوا في دِينِ مُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ بِاللِّسانِ دُونَ الِاعْتِقادِ واكْفُرُوا آخِرَ النَّهارِ وقُولُوا إنّا نَظَرْنا في كُتُبِنا وشاوَرْنا عُلَماءَنا فَوَجَدْنا مُحَمَّدًا لَيْسَ بِذاكَ وظَهَرَ لَنا كَذِبُهُ وبُطْلانُ دِينِهِ فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ أصْحابُهُ في دِينِهِمْ، فَقالُوا: إنَّهم أهْلُ الكِتابِ وهم أعْلَمُ بِهِ فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ إلى دِينِكُمْ“، وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ هَذا في شَأْنِ القِبْلَةِ لَمّا حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ لِأصْحابِهِ: آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مِن أمْرِ الكَعْبَةِ وصَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ وارْجِعُوا إلى قِبْلَتِكم آخِرَهُ لَعَلَّهم يَشُكُّونَ، والتَّعْبِيرُ بِما أُنْزِلَ بِناءً عَلى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ وإلّا فَهم يُكَذِّبُونَ ولا يُصَدِّقُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ شَيْئًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ أمْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وأمّا اِمْتِثالُ الأمْرِ مِنَ المَأْمُورِ فَمَسْكُوتٌ عَنْ بَيانِ وُقُوعِهِ وعَدَمِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ قال الكلبي: وذلك أن رسول الله  لما قَدِمَ المدينة، صلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً، أو ثمانية عشر شهراً، فلما صرف الله نبيّه إلى الكعبة عند صلاة الظهر، وقد كان صلى صلاة الصبح إلى بيت المقدس، وصلّى صلاة الظهر والعصر إلى الكعبة.

فقال رؤساء اليهود منهم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وغيرهما للسفلة منهم، آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، صدقوه بالقبلة التي صلّى صلاة الصبح في أول النهار وآمنوا به، وإنه الحق، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ يعني اكفروا بالقبلة التي صلى إليها آخر النهار لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى قبلتكم ودينكم.

وقال مقاتل: معناه أنهم جاءوا إلى محمد  أول النهار، ورجعوا من عنده، وقالوا للسفلة: هو حق فاتبعوه، ثم قالوا: حتى ننظر في التوراة، ثم رجعوا في آخر النهار.

فقالوا: قد نظرنا في التوراة، فليس هو إياه، يعنون أنه ليس بحق، وإنما أرادوا أن يلبسوا على السفلة، وأن يشككوا فيه فذلك قوله: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ يعني قالوا: لهم في أول النهار آمنوا به وَاكْفُرُوا آخِرَهُ يعني قالوا: في آخر النهار، واكفروا به لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي يشكون فيه فيرجعون.

ثم قال للسفلة: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه ولا تؤمنوا، أي لا تصدقوا، إلا لمن تبع دينكم، فإنه لن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتُمْ من التوراة، والمَنّ والسَّلوى، ولا تخبروهم بأمر محمد  ، فيحاجوكم عند ربكم، أي يخاصموكم، ويجعلوه حجة عليكم.

فقالوا ذلك حسداً حيث كان النبيّ  من غيرهم قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله، وهو قول مقاتل.

وقال الكلبي: بغير تقديم وتأخير، يقول: وَلا تُؤْمِنُوا، أي ولا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية، وصلى إلى قبلتكم، قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ يقول: دين الله هو الإسلام.

أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ يقول لن يعطى أحد مثل ما أوتيتم من دين الإسلام، والقرآن الذي فيه الحلال والحرام أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ أي: لن يخاصمكم اليهود عند ربكم يوم القيامة، ثم قال قُلْ يا محمد إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يعني النبوة، والكتاب والهدى، بيد الله، أي: بتوفيق الله، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يعني يوفق من يَشَآءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.

يقول: واسع الفضل عَلِيمٌ بمن يؤتيه الفضل يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ يعني بدينه يعطيه من يشاء من عباده وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي ذو المنّ العظيم، لمن اختصه بالإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كتابكم قال هذا المعنى قتادةُ وغيره «١» .

ويحتملُ أنْ يريد بالآياتِ ما ظَهَرَ على يده صلّى الله عليه وسلّم من المعجزات.

قُلْتُ: ويحتملُ الجميع من الآيات المتلوّة والمعجزات التي شاهدوها منه صلّى الله عليه وسلّم.

وقال ص: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ، ومفعول «تَشْهَدُونَ» : محذوفٌ، أي: أنها آيات اللَّه، أو ما يدلُّ على صحَّتها من كتابكم، أوْ بمثلها من آيات الأنبياء.

اهـ.

وقوله: لِمَ تَلْبِسُونَ: معناه: تَخْلِطُونَ: تَقُولُ: لَبَسْتُ الأَمْرَ بفتح الباءِ: بمعنى خَلَطْتُهُ ومنه قوله تعالى: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩] .

وفي قوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ توقيفٌ علَى العنادِ ظاهرٌ.

وباقى الآية تقدّم بيانه في «سورة البقرة» .

وقوله تعالى: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ ...

الآية/ أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآيةِ أنَّ طائفة من اليهودِ مِنْ أحبارهم ذهَبَتْ إلى خديعة المسلمين بهذا المَنْزَع، قال قتادة وغيره: قال بَعْضُ الأحبار: لنظهر الإيمان بمحمَّد صَدْر النَّهار ثم لنكْفُر به آخر النهار، فسيقول المُسْلِمُون عنْد ذلك: ما بَالُ هؤلاءِ كَانُوا مَعَنا ثم انصرفوا عَنَّا، ما ذاك إِلاَّ لأنهم انكشفت لهم حقيقةٌ في الأمر، فيشكُّون، ولعلَّهم يَرْجِعُون عن الإِيمان «٢» بمحمَّد، قال الإِمام الفَخْر «٣» : وفي إِخبار اللَّه تعالى عن تواطئهم على هذه الحِيلَةِ من الفائدة وجوه:

الأولُ: أنَّ هذه الحِيلَةَ كَانَتْ مخفيَّةً فيما بينهم، فلما أَخْبَرَ بها عنهم، كان إخباراً بمغيَّب، فيكون مُعْجِزاً.

الثاني: أنه تعالى، لما أطْلَعَ المؤمنينَ على تواطئهم على هذه الحيلة، لَمْ يحصل لهذه الحيلة أثرٌ في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإِعلام، لأمكن تأثيرها في قَلْب من ضَعُفَ إِيمانه.

الثالث: أنَّ القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة، صار ذلكَ رَادِعاً لهم عن الإِقدام على أمثالها من الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ اهـ.

وذكر تعالى عن هذه الطائفةِ مِنْ أَهْل الكتابِ أنهم قالوا: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، ولا خلافَ أن هذا القول هو مِنْ كلام الطائفةِ، واختلف النَّاسُ في قوله تعالى:

أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فقال مجاهد وغيره مِنْ أهل التأويل: الكلامُ كلُّه من قول الطائفة لأتْباعهم «١» .

وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراضٌ بَيْن الكلامَيْن قال ع «٢» : والكلامُ على هذا التأويل يحتملُ معانِيَ:

أحدها: ولا تصدِّقوا وتؤْمنوا إلاَّ لمن جاء بِمِثْلِ دينِكُمْ حذاراً أنْ يؤتى أحدٌ من النبوَّة والكرامة مِثْلَ ما أوتيتم، وحِذَاراً أنْ يحاجُّوكم بتصديقِكُمْ إيَّاهم عنْدَ ربِّكم، إذا لم تستمرُّوا عليه، وهذا القولُ على هذا المعنى ثمرةُ الحَسَدِ والكُفْر، مع المعرفة بصحّة نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ويحتملُ الكلام أنْ يكون معناه: ولا تُؤْمنوا بمحمَّد، وتُقِرُّوا بنبوَّته إذ قد علمتم صحَّتها إلا لليهود الّذين هم منكم، وأَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ: صفَةٌ لحالِ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فالمعنى: تستَّروا بإقراركم أن قَدْ أوتيَ مِثْلَ ما أوتيتم، أو فإنهم (يعنون العربَ) يحاجُّونكم بالإقرار عند ربِّكم.

وقرأ ابنُ كَثيرٍ وحْده مِنْ بَيْنِ السبعة: «آنْ يُؤتى» بالمد: على جهة الاستفهام الَّذي هو تقريرٌ «٣» ، وفسر أبو عليٍّ قراءة ابن كثيرٍ على أنَّ الكلام كلّه من قول الطائفة إلّا

الاعتراض الذي هو: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ فإنه لا يختلفُ أنَّه من قول الله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم، قال: فلا يجوزُ مع الاستفهام أنْ يحمَلَ: «آن يؤتى» على ما قبله مِنَ الفَعْلِ لأن الاستفهامَ قاطعٌ، فيجوزُ أنْ تكونَ «أَنْ» في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وخبرُهُ محذوفٌ، تقديره:

تُصدِّقون أو تعترفُون أو تذكِّرونه لغيركم، ونحو هذا ممَّا يدلُّ عليه الكلام.

قال ع «١» : ويكونُ «يحاجُّوكم» على هذا معطوفاً على: «أنْ يؤتى» .

قال أبو عَلِيٍّ: ويجوز أنْ يكون موضع «أنْ» نَصْباً، فيكونُ المعنَى: أتشيعونَ أو تَذكُرُون أنْ يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٧٦] ، فعلى كلا الوجهَيْن/ معنَى الآية توبيخٌ من الأحبارِ للأْتباعِ على تصديقهم بأنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم نَبِيٌّ مبعوثٌ.

قال ع «٢» : ويكون قوله تعالى: أَوْ يُحاجُّوكُمْ في تأويل نصْب «أنْ» بمعنى:

أو تريدونَ أنْ يحاجُّوكم.

وقال السُّدِّيُّ وغيره: الكلام كله من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية: هو مما أمر به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقوله لأمَّته «٣» .

وحكَى الزَّجَّاج «٤» وغيره أنَّ المعنى: قُلْ إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم.

ومعنى الآية على قول السدِّيِّ: أيْ: لم يعط أحدٌ مثْلَ حظِّكم، وإلاَّ فليحاجَّكم مَنِ ادعى سوى ذلك، أو يكون المعنى: أو يحاجُّونكم على معنى الازدراء باليَهُود كأنه قال:

أو هَلْ لهم أنْ يحاجُّوكم، أو يخاصمُوكُمْ فيما وهبَكُم اللَّه، وفضَّلكم به، وقال قتادةُ والرَّبيع: الكلام كله من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية هو مما أمر به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقوله للطائفة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ قالُوا: إذا لَقِيتُمْ أصْحابَ مُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ، فَآَمِنُوا، وإذا كانَ آَخِرَهُ، فَصَلُّوا صَلاتَكم لَعَلَّهم يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الكِتابِ، وهم أعْلَمُ مِنّا، فَيَنْقَلِبُونَ عَنْ دِينِهِمْ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: تَواطَأ اثْنا عَشَرَ حَبْرًا مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا في دِينِ مُحَمَّدٍ بِاللِّسانِ أوَّلَ النَّهارِ، واكْفُرُوا آَخِرَهُ، وقُولُوا: إنّا نَظَرْنا في كُتُبِنا، وشاوَرْنا عُلَماءَنا، فَوَجَدْنا مُحَمَّدًا لَيْسَ بِذَلِكَ، فَيَشُكُّ أصْحابُهُ في دِينِهِمْ، ويَقُولُونَ: هم أهْلُ الكِتابِ، وهم أعْلَمُ مِنّا، فَيَرْجِعُونَ إلى دِينِكم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: «أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَ نَبِيَّهُ إلى الكَعْبَةِ عِنْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ، فَقالَ قَوْمٌ مِن عُلَماءِ اليَهُودَ: ﴿ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ ﴾ يَقُولُونَ: آَمِنُوا بِالقِبْلَةِ الَّتِي صَلُّوا إلَيْها الصُّبْحَ، واكْفُرُوا بِالَّتِي صَلُّوا إلَيْها آَخِرَ النَّهارِ، لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى قِبْلَتِكم،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ: وجْهُ النَّهارِ: أوَّلُهُ.

وَأنَشَدَ الزَّجّاجُ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارٍ ؎ يَجِدِ النِّساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم.

﴾ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ مِن أحْبارِهِمْ ذَهَبَتْ إلى خَدِيعَةِ المُسْلِمِينَ بِهَذا المَنزَعِ، قالَ الحَسَنُ: قالَتْ ذَلِكَ يَهُودُ خَيْبَرَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ، قالَ قَتادَةُ وأبُو مالِكٍ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ: قالَ بَعْضُ الأحْبارِ: لِنُظْهِرِ الإيمانَ لِمُحَمَّدٍ صَدْرَ النَهارِ ثُمَّ لْنَكْفُرْ بِهِ آخِرَ النَهارِ، فَسَيَقُولُ المُسْلِمُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: ما بالُ هَؤُلاءِ كانُوا مَعَنا ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنّا؟

ما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُمُ انْكَشَفَتْ لَهم حَقِيقَةٌ في الأمْرِ فَيَشُكُّونَ، ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  .

ولَمّا كانَتِ الأحْبارُ يُظَنُّ بِهِمُ العِلْمُ وجَوْدَةُ النَظَرِ والِاطِّلاعُ عَلى الكِتابِ القَدِيمِ، طَمِعُوا أنْ تَنْخَدِعَ العَرَبُ بِهَذِهِ النَزْعَةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ: جاؤُوا إلى النَبِيِّ  بُكْرَةً فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أنْتَ هو المَوْصُوفُ في كِتابِنا، ولَكِنْ أمْهِلْنا إلى العَشِيِّ حَتّى نَنْظُرَ في أمْرِنا، ثُمَّ رَجَعُوا بِالعَشِيِّ، فَقالُوا: قَدْ نَظَرْنا ولَسْتَ بِهِ.

"وَجْهَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: "آمِنُوا" والمَعْنى: أظْهِرُوا الإيمانَ في وجْهِ النَهارِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "آخِرَهُ" عائِدٌ عَلى النَهارِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ، لِأنَّ اليَهُودَ ذَهَبَتْ إلى المَكْرِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَصَلُّوا مَعَ النَبِيِّ  صَلاةَ الصُبْحِ، ثُمَّ رَجَعُوا آخِرَ النَهارِ، فَصَلُّوا صَلاتَهم لِيَرى الناسُ أنَّهم بَدَتْ لَهم مِنهُ ضَلالَةٌ بَعْدَ أنْ كانُوا اتَّبَعُوهُ.

وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ.

وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أمْرِ القِبْلَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  صَلّى صَلاةَ الصُبْحِ إلى الشامِ كَما كانَ يُصَلِّي، ثُمَّ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ فَصَلّى الظُهْرَ - وقِيلَ العَصْرُ- إلى مَكَّةَ، فَقالَتِ الأحْبارُ لِتُبّاعِهِمْ ولِلْعَرَبِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ في أوَّلِ النَهارِ واكْفُرُوا بِهَذِهِ القِبْلَةِ الأخِيرَةِ.

والعامِلُ في قَوْلِهِ "وَجْهَ النَهارِ"- عَلى هَذا التَأْوِيلِ- قَوْلُهُ: "أُنْزِلَ" والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "آخِرَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَهارِ أو يَعُودَ عَلى "الَّذِي أُنْزِلَ".

"وَيَرْجِعُونَ" - في هَذا التَأْوِيلِ- مَعْناهُ: عن مَكَّةَ إلى قِبْلَتِنا الَّتِي هي الشامُ، كَذَلِكَ قالَ قائِلُ هَذا التَأْوِيلِ.

و"وَجْهَ النَهارِ" أوَّلُهُ الَّذِي يُواجَهُ مِنهُ، تَشْبِيهًا بِوَجْهِ الإنْسانِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: صَدْرُ النَهارِ وغُرَّةُ العامِ والشَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ « "أقَتَلْتَهُ في غُرَّةِ الإسْلامِ"؟» ومِن هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ العَبْسِيِّ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ يَجِدِ النِساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ يَقُولُ هَذا في مالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُذَيْمَةَ العَبْسِيِّ وكانُوا قَدْ أخَذُوا بِثَأْرِهِ، وكانَ القَتِيلُ عِنْدَهم لا يُناحُ عَلَيْهِ ولا يُنْدَبُ إلّا بَعْدَ أخْذِ ثَأْرِهِ.

فالمَعْنى: مَن سَرَّهُ مُصابُنا فِيهِ فَلْيَنْظُرْ إلى ما يَدُلُّهُ عَلى أنّا قَدْ أدْرَكْنا ثَأْرَهُ، فَيُكْمَدْ لِذَلِكَ ويَغْتَمَّ، ومِنِ اسْتِعارَةِ الوَجْهِ قَوْلُهُمْ: فَعَلْتُ كَذا عَلى وجْهِ الدَهْرِ، أيْ في القَدِيمِ.

وذَكَرَ اللهُ تَعالى عن هَذِهِ الطائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، أنَّهم قالُوا: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ التَأْوِيلِ أنَّ هَذا القَوْلَ هو مِن كَلامِ الطائِفَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكُمْ ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ لِأتْباعِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والكَلامُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ أحَدُها: ولا تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا وتُؤْمِنُوا إلّا لِمَن جاءَ بِمِثْلِ دِينِكم كَراهَةً أو مَخافَةً أو حِذارًا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِنَ النُبُوَّةِ والكَرامَةِ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وحَذَرًا أنْ يُحاجُّوكم بِتَصْدِيقِكم إيّاهم عِنْدَ رَبِّكم إذا لَمْ تَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ.

وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ الحَسَدِ والكُفْرِ، مَعَ المَعْرِفَةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  .

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ، أنْ "لا يُؤْتى" فَحُذِفَتْ "لا" لِدَلالَةِ الكَلامِ، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولا تُصَدِّقُوا وتُؤْمِنُوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم وجاءَ بِمِثْلِهِ وعاضِدًا لَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُؤْتاهُ غَيْرُكُمْ، ﴿ أو يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكُمْ، كَما تَقُولُ: أنا لا أتْرُكُكَ أو تَقْتَضِينِي حَقِّي.

وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ التَكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ  عَلى اعْتِقادٍ مِنهم أنَّ النُبُوَّةَ لا تَكُونُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ.

ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولا تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ وتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ إذْ قَدْ عَلِمْتُمْ صِحَّتَها إلّا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ هم مِنكُمْ، و ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ صِفَةٌ لِحالِ مُحَمَّدٍ، فالمَعْنى: تَسَتَّرُوا بِإقْرارِكم أنْ قَدْ أُوتِيَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أو فَإنَّهم -يَعْنُونَ العَرَبَ - يُحاجُّوكم بِالإقْرارِ عِنْدَ رَبِّكم.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"تُؤْمِنُوا" تَعَدّى بِالباءِ المُقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتى" كَما تَعَدّى أوَّلَ الآيَةِ في قَوْلِهِ: "بِالَّذِي أُنْزِلَ".

واللامُ في قَوْلِهِ: "لِمَن تَبِعَ" لا يَسْهُلُ أنْ تُعَلَّقَ بِـ "تُؤْمِنُوا" وأنْتَ قَدْ أوصَلْتَهُ بِالباءِ فَتُعَلِّقَ بِالفِعْلِ جارَّيْنِ، كَما لا يَسْتَقِيمُ أنْ تُعَدِّيَهُ إلى مَفْعُولَيْنِ إذا كانَ لا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ.

وإنَّما يُحْمَلُ أمْرُ هَذِهِ اللامِ عَلى المَعْنى، والمَعْنى: لا تُقِرُّوا بِأنَّ اللهَ يُؤْتِي أحَدًا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن، فَهَذا كَما تَقُولُ: أقْرَرْتُ لِزَيْدٍ بِألْفٍ، فَتَكُونُ اللامُ مُتَعَلِّقَةً بِالمَعْنى ولا تَكُونُ زائِدَةً عَلى حَدِّ ﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ  ﴾ ولا تَتَعَلَّقُ عَلى حَدِّ المَفْعُولِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تَعَدّى "آمَنَ" بِاللامِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ  ﴾ وقَوْلِهِ: "آمَنتُمْ لَهُ" وقَوْلِهِ: ﴿ يُؤْمِنُ بِاللهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

و"أحَدٌ" إنَّما دَخَلَ في هَذا الكَلامِ بِسَبَبِ النَفْيِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: "وَلا تُؤْمِنُوا" كَما دَخَلَتْ "مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ  ﴾ فَكَما دَخَلَتْ "مِن" في صِلَةِ "أنْ يُنَزَّلَ" لِأنَّهُ مَفْعُولُ النَفْيِ اللاحِقِ لِأوَّلِ الكَلامِ، فَكَذَلِكَ دَخَلَ "أحَدٌ" في صِلَةِ "أنْ" في قَوْلِهِ ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ ﴾ لِدُخُولِ النَفْيِ في أوَّلِ الكَلامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لِأنَّ أحَدًا الَّذِي فِيهِ الشِياعُ لا يَجِيءُ في واجِبٍ مِنَ الكَلامِ، لِأنَّهُ لا يُفِيدُ مَعْنىً.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بَيْنَ السَبْعَةِ: "آنْ يُؤْتى" بِالمَدِّ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو تَقْرِيرٌ.

وفَسَّرَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّ الكَلامَ كُلَّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ، إلّا الِاعْتِراضَ الَّذِي هُوَ: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ فَإنَّهُ لا يُخْتَلَفُ أنَّهُ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  قالَ: فَلا يَجُوزُ مَعَ الِاسْتِفْهامِ أنْ يُحْمَلَ: "أنْ يُؤْتى" عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قاطِعٌ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُصَدِّقُونَ بِهِ أو تَعْتَرِفُونَ أو تَذْكُرُونَهُ لِغَيْرِكُمْ، ونَحْوُ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، ويَكُونَ "يُحاجُّوكُمْ"- عَلى هَذا- مَعْطُوفًا عَلى "أنْ يُؤْتى" قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "أنْ" مَنصُوبًا، فَيَكُونَ المَعْنى: أتُشِيعُونَ أو أتَذْكُرُونَ ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ ويَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى عنهُمْ: ﴿ أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ  ﴾ فَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مَعْنى الآيَةِ تَوْبِيخٌ مِنَ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ عَلى تَصْدِيقِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" في تَأْوِيلِ نَصْبِ "أنْ" أيْ: أو تُرِيدُونَ أنْ يُحاجُّوكُمْ؟

قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"أحَدٌ" عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وقَدْ مَنَعَ الِاسْتِفْهامُ القاطِعُ مِن أنْ يَشْفَعَ لِدُخُولِهِ النَفْيُ الَّذِي في أوَّلِ الكَلامِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّ "أحَدٌ" الَّذِي في قَوْلِكَ: "أحَدٌ وعِشْرُونَ"، وهو يَقَعُ في الإيجابِ لِأنَّهُ بِمَعْنى واحِدٍ، وجَمَعَ ضَمِيرَهُ في قَوْلِهِ: "أو يُحاجُّوكُمْ" جَمْعًا عَلى المَعْنى، إذْ لِـ "أحَدٌ" المُرادِ بِمِثْلِ النُبُوَّةِ أتْباعٌ، فَهو في مَعْنى الكَثْرَةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أنْ تُرَجَّحَ فِيهِ قِراءَةُ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، لِأنَّ الأسْماءَ المُفْرَدَةَ لَيْسَ بِالمُسْتَمِرِّ أنْ تَدُلَّ عَلى الكَثْرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إلّا أنَّ "أحَدًا" في مِثْلِ النُبُوَّةِ يَدُلُّ عَلَيْها مِن حَيْثُ يَقْتَضِي الأتْباعَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إنْ يُؤْتى" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الكَرامَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ خِطابًا مِنَ الطائِفَةِ القائِلَةِ، ويَكُونَ قَوْلُها: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى: أو فَلْيُحاجُّوكم.

وهَذا عَلى التَصْمِيمِ عَلى أنَّهُ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكُمْ، وهَذا عَلى تَجْوِيزِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ ذَلِكَ إذا قامَتِ الحُجَّةُ لَهُ، فَهَذا تَرْتِيبُ التَفْسِيرِ والقِراءاتِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ.

وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ ...

إلى آخِرِ الآيَةِ، هو مِمّا أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لِأُمَّتِهِ.

وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ أنَّ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هو هَذا الهُدى، لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ.

وحُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّ المَعْنى: أنْ لا يُؤْتِي أحَدًا، وحُذِفَتْ "لا" لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا  ﴾ أيْ أنْ لا تَضِلُّوا.

وحُكِيَ عن أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ: لا تُحْذَفُ "لا" وإنَّما المَعْنى كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، وكَذَلِكَ هُنا: كَراهَةَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أيْ مِمَّنْ خالَفَ دِينَ الإسْلامِ، لِأنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللهِ بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَبْعُدُ مِن هَذا القَوْلِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالِاسْتِفْهامِ والمَدِّ، وتُحْمَلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ الأعْمَشِ وابْنِ أبِي حَمْزَةَ: "إنْ يُؤْتى" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ يُخْبِرُ أُمَّتَهُ أنَّ اللهَ لا يُعْطِي أحَدًا ولا أعْطى فِيما سَلَفَ مِثْلَ ما أعْطى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ لِكَوْنِها وسَطًا ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" -عَلى هَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَرَتَّبَتْ في قَوْلِ السُدِّيِّ- يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: أو فَلْيُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، يَعْنِي اليَهُودَ، فالمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ حَظِّكم وإلّا فَلْيُحاجُّوكم مَنِ ادَّعى سِوى ذَلِكَ.

والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى التَقْرِيرِ والإزْراءِ بِاليَهُودِ، كَأنَّهُ قالَ: أو هَلْ لَهم أنْ يُحاجُّوكم أو يُخاصِمُوكم فِيما وهَبَكُمُ اللهُ وفَضَّلَكم بِهِ؟

وقَوْلُهُ: "هُدى اللهِ" عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ خَبَرُ"إنَّ"؛ وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ: الكَلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، هو مِمّا أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لِلطّائِفَةِ الَّتِي قالَتْ: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ وتَتَّفِقُ مَعَ هَذا القَوْلِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالِاسْتِفْهامِ والمَدِّ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ المَحْذُوفِ "أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ": "حَسَدْتُمْ وكَفَرْتُمْ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: أتَحْسُدُونَ أو تَكْفُرُونَ لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ؟

أو يُحاجُّوكم عَلى ما أُوتُوهُ فَإنَّهُ يَغْلِبُونَكم بِالحُجَّةِ.

وأمّا عَلى قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ بِغَيْرِ المَدِّ فَيَحْتَمِلُ "ذَلِكَ"أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَقْرِيرِ بِغَيْرِ حَرْفِ اسْتِفْهامٍ، وذَلِكَ هو الظاهِرُ مِن لَفْظِ قَتادَةَ فَإنَّهُ قالَ: يَقُولُ لَمّا أنْزَلَ اللهُ كِتابًا مِثْلَ كِتابِكم وبَعَثَ نَبِيًّا مِثْلَ نَبِيِّكم حَسَدْتُمُوهم عَلى ذَلِكَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أنْ يُؤْتى" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "هُدى اللهِ" ويَكُونَ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ، وهو أنْ يُؤْتى أحَدٌ كالَّذِي جاءَنا نَحْنُ.

ويَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى: أو فَلْيُحاجُّوكُمْ، فَإنَّهُ يَغْلِبُونَكم.

ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: "أنْ يُؤْتى" خَبَرَ "إنَّ" ويَكُونُ قَوْلُهُ: "هُدى اللهِ" بَدَلًا مِنَ "الهُدى"، وهَذا في المَعْنى قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ تَعالى: "أنْ يُؤْتى" هو مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ  لِلْيَهُودِ، وتَمَّ الكَلامُ في قَوْلِهِ: "أُوتِيتُمْ" وقَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ الطائِفَةِ: "وَلا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ"، وهَذا القَوْلُ يُفَسِّرُ مَعانِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ التَقْسِيمِ واللهُ المُسْتَعانُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ يُحاجُّوكُمْ" بَدَلَ "أو" وهَذِهِ القِراءَةُ تَلْتَئِمُ مَعَ بَعْضِ المَعانِي الَّتِي تَقَدَّمَتْ، ولا تَلْتَئِمُ مَعَ بَعْضِها.

وَقَوْلُهُ "عِنْدَ رَبِّكُمْ" يَجِيءُ في بَعْضِ المَعانِي عَلى مَعْنى "عِنْدَ رَبِّكم في الآخِرَةِ"، ويَجِيءُ في بَعْضِها عَلى مَعْنى "عِنْدَ كُتُبِ رَبِّكم والعِلْمِ الَّذِي جَعَلَ في العِبادِ"، فَأضافَ ذَلِكَ إلى الرَبِّ تَشْرِيفًا، وكَأنَّ المَعْنى: أو يُحاجُّوكم عِنْدَ الحَقِّ.

وقَرَأ الحَسَنُ "إنْ يُؤْتِي أحَدٌ"، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتاءِ، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "أحَدٌ" والمَعْنى: أنَّ إنْعامَ اللهِ لا يُشْبِهُهُ إنْعامُ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ.

وأظْهَرُ ما في القِراءَةِ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ لِأُمَّتِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ.

إنْ يُؤْتِي أحَدٌ أحَدًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ ودت طائفة ﴾ [آل عمران: 69].

فالطائفة الأولى حاوَلت الإضلال بالمجاهرة، وهذه الطائفة حاولتْه بالمخادعة: قيل أشير إلى طائفة من اليهود منهم كَعْب بن الأشْرَف، ومالك بن الصيف، وغيرهما من يهود خيبر، أغواهم العجب بدينهم فتوهموا أنهم قدوة للناس فلما أعيتهم المجاهرة بالمكابرة دبروا للكيد مكيدة أخرى، فقالوا لطائفة من أتباعهم: «آمِنوا بمحمد أولَ النهار مظهرين أنكم صدّقتموه ثم اكفُروا آخر النهار ليظهر أنكم كفرتم به عن بصيرة وتجربة فيقول المسلمون مَا صرف هؤلاء عنا إلاّ ما انكشف لهم من حقيقة أمر هذا الدين، وأنّه ليس هو الدين المبشر به في الكتب السالفة» ففعلوا ذلك.

وقوله: ﴿ على الذين آمنوا ﴾ يحتمل أنه من لفظ الحكاية بأن يكون اليهود قالوا آمِنوا بالذي أنزل على أتباع محمد فحوّله الله تعالى فقال على الذين آمنوا تنويهاً بصدق إيمانهم.

ويحتمل أنه من المحكيّ بأن يكون اليهود أطلقوا هذه الصلة على أتباع محمد إذ صارت علماً بالغلبة عليهم.

ووجهُ النهار أوله وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ وجيهاً في الدنيا والآخرة ﴾ [آل عمران: 45].

وقوله: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ من كلام الطائفة من أهل الكتاب قصدوا به الاحتراس ألا يظنوا من قولهم آمِنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجهَ النهار أنه إيمان حَقُّ، فالمعنى ولا تؤمنوا إيماناً حقاً إلاّ لمن تَبع دينكم، فأما محمد فلا تؤمنوا به لأنه لم يتبِع دينكم فهذا تعليل للنهي.

وهذا اعتذار عن إلزامهم بأنّ كتبهم بشرت بمجيء رسول مقفّ فتوهموا أنه لا يجيء إلاّ بشريعة التوراة، وضلوا عن عدم الفائدة في مَجيئه بما في التوراة لأنه من تحصيل الحاصل، فينزّه فعلُ الله عنه، فالرسول الذي يجيء بعد موسى لا يكون إلاّ ناسخاً لبعض شريعة التوراة فجمعُهم بين مقالة: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ﴾ وبين مقالة: ﴿ ولا تؤمنوا ﴾ مثل ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ [الأنفال: 17].

وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ كلام معترض، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوله لهم.

كنايةً عن استبعاد حصول اهتدائهم، وأنّ الله لم يهدهم، لأنّ هدى غيره أي محاولته هدى الناس لا يحصل منه المطلوب، إذا لم يقدّره الله.

فالقصر حقيقي: لأنّ ما لم يقدّره الله فهو صورة الهدى وليس بهُدى وهو مقابل قولهم: آمنوا بالذي أنزل ولا تؤمنوا إلاَّ لمن تبع دينكم، إذْ أرادوا صورة الإيمان، وما هو بإيمان، وفي هذا الجواب إظهار الاستغناء عن متابعتهم.

﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ .

أشكل موقعُ هذه الآية بعد سابقتها وصفَ نظمها، ومصرَف معناها: إلى أي فريق.

وقال القرطبي: إنها أشكَلُ آية في هذه السورة.

وذكر ابن عطية وجوها ثمانية.

ترجع إلى احتمالين أصليين.

الاحتمال الأول أنها تكملة لمحاورة الطائفةِ من أهل الكتاب بعضهم بعضاً، وأن جملة ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ معترضة في أثناء ذلك الحِوار، وعلى هذا الاحتمال تأتي وجوه نقتصر منها على وجهين واضحين: أحدهما: أنهم أرادوا تعليل قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على أن سياق الكلام يقتضي إرادتهم استحالة نسخ شريعة التوراة، واستحالة بعثة رسول بعد موسى، وأنه يُقدّر لام تعليل محذوف قبل (أنْ) المصدرية وهو حذف شائع مثلُه.

ثم إما أن يقدر حرف نفي بعد (أنْ) يدل عليه هذا السياق ويَقتضيه لفظ (أحد) المرادِ منه شمول كلّ أحد: لأنّ ذلك اللفظَ لا يستعمل مراداً منه الشمول إلاّ في سياق النفي، ومَا في معنيّ النفي مثللِ استفهام الإنكار، فأما إذا استعمل (أحَد) في الكلام الموجَب فإنه يكون بمعنى الوصف بالوحْدة، وليس ذلك بمناسب في هذه الآية.

فتقدير الكلام لأن لا يوتى أحد مثل ما أوتيتم وحذفُ حرف النفي بعد لام التعليل، ظاهرةً ومقدّرةً، كثيرٌ في الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿ يُبين اللَّه لكم أن تضلوا ﴾ [النساء: 176]، أي لئلاّ تضلوا.

والمعنى: أنّ قصدهم من هذا الكلام تثبيتُ أنفسهم على ملازمة دين اليهودية، لأن اليهود لا يجوِّزون نسخَ أحكام الله، ويتوهمون أنّ النسخ يقتضي البَدَاء.

الوجه الثاني: أنهم أرادوا إنكار أن يوتَى أحد النبوءة كما أوتيها أنبياءُ بني إسرائيل فيكون الكلام استفهاماً إنكارياً حذفت منه أداة الاستفهام لدلالة السياق؛ ويؤيده قراءةُ ابن كثير قوله: ﴿ أن يؤتى أحد ﴾ بهمزتين.

وأما قوله: أو يحَاجوكم عندَ ربكم فحَرْف (أو) فيه للتقسيم مثل ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ﴾ [الإنسان: 24] (أو) معطوف على النفي، أو على الاستفهام الإنكاري: على اختلاف التقديرين، والمعنى: ولا يحاجوكم عند ربكم أو وكيف يحاجونكم عند ربكم، أي لا حجة لهم عليكم عند الله.

وواو الجمع في ﴿ يحاجوكم ﴾ ضمير عائد إلى (أحد) لدلالته على العموم في سياق النفي أو الإنكار.

وفائدة الاعتراض في أثناء كلامهم المبادرة بما يفيد ضلالهم لأنّ الله حرمهم التوفيق.

الاحتمال الثاني أن تكون الجملة مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم بقيةً لقوله: «إنّ الهُدى هُدى الله».

والكلام على هذا ردّ على قولهم: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ﴾ وقولهم ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على طريقة اللفّ والنشر المعكوس، فقوله: ﴿ أن يأتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ إبطال لقولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ أي قلتم ذلك حسَداً من أنْ يؤتي أحدٌ مثلَ ما أوتيتم وقوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ ردّ لقولهم: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ﴾ على طريقة التهكم، أي مرادكم التنصّل من أن يحاجوكم أي الذين آمنوا عند الله يوم القيامة، فجمعتم بين الإيمان بما آمن به المسلمون، حتى إذا كان لهم الفوز يوم القيامة لا يحاجونكم عند الله بأنكم كافرون، وإذا كان الفوز لكم كنتم قد أخذتم بالحَزم إذ لم تبطلوا دين اليهودية، وعلى هذا فواو الجماعة في قوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ عائد إلى الذين آمنوا.

وهذا الاحتمال أنسب نظماً بقوله تعالى: ﴿ قل إن الفضل بيد اللَّه ﴾ ، ليكون لِكلّ كلام حُكي عنهم تلقينُ جواببٍ عنه: فجواب قولهم: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ﴾ الآية، قولُه: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .

وجواب قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا ﴾ إلخ قولُه: قل إنّ الفضل بيد الله إلخ.

فهذا مِلاك الوجوه، ولا نطيل باستيعابها إذْ ليس من غرضنا في هذا التفسير.

وكلمة ﴿ أحد ﴾ اسم نكرة غلب استعمالها في سياق النفي ومعناها شخص أو إنسان وهو معدود من الأسماء التي لا تقع إلاّ في حيّز النفي فيفيد العموم مثل عَرِيب ودَيَّار ونحوهما وندر وقوعه في حيّز الإيجاب، وهمزته مبدلة من الواو وأصلَه وَحَد بمعنى واحد ويرد وصفاً بمعنى واحد.

[ وقرأ الجمهور ﴿ أن يُؤتَى أحد ﴾ بهمزة واحدة هي جزء من حرف (أنْ).

وقرأه ابن كثير بهمزتين مفتوحتين أولاهما همزة استفهام والثانية جزء من حرف (أنْ) وسهل الهمزة الثانية.

﴿ قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله واسع عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ .

زيادة تذكير لهم وإبطال لإحالتهم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً من الله، وتذكير لهم على طرح الحسد على نعم الله تعالى أي كما أعطى الله الرسالة موسى كذلك أعطاها محمداً، وهذا كقوله تعالى: ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللَّه من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ [النساء: 54].

وتأكيد الكلام ب (إنّ) لتنزيلهم منزلة من ينكر أنّ الفضل بيد الله ومن يحسب أنّ الفضل تبع لشهواتهم وجملة ﴿ والله واسع عليم ﴾ عطف على جملة أنّ الفضل بيد الله إلخ أي أنّ الفضل بيد الله وهو لاَ يخفى عليه من هو أهل لنوال فضله.

و ﴿ واسع ﴾ اسم فاعل الموصوف بالسعة.

وحقيقة السعة امتداد فضاء الحَيِّز من مكاننٍ أو ظرففٍ امتداداً يكفي لإيواء ما يحويه ذلك الحيز بدون تزاحم ولا تداخل بين أجزاء المحويّ، يقال أرض واسعة وإناء واسع وثوب واسع، ويطلق الاتساع وما يشتقّ منه على وفاء شيء بالعمل الذي يعملَه نوعُه دون مشقة يقال: فلان واسع البال، وواسع الصدر، وواسع العطاء.

وواسععِ الخُلُق، فتدلّ على شدّةِ أو كثرةِ ما يسند إليه أو يوصف به أو يعلق به من أشياء ومعاننٍ، وشاع ذلك حتى صار معنى ثانياً.

و ﴿ وَاسع ﴾ من صفات الله وأسمائِه الحسنى وهو بالمعنى المجازي لا محالة لاستحالة المعنى الحقيقي في شأنه تعالى، ومعنى هذا الاسم عدمُ تناهي التعلقات لصفاته ذاتتِ التعلق فهو واسع العلم، واسع الرحمة، واسع العطاء، فسعة صفاته تعالى أنها لا حدّ لتعلقاتها، فهو أحقّ الموجودات بوصف واسع، لأنه الواسع المطلق.

وإسناد وصف واسع إلى اسمه تعالى إسناد مجازي أيضاً لأنّ الواسع صفاتُه ولذلك يُؤتَى بعد هذا الوصف أو ما في معناه من فعل السعة بما يميز جهة السعة من تمييز نحو: وَسِع كل شيء علماً، ربنا وسعت كلّ شيء رحمةً وعلماً.

فوصفه في هذه الآية بأنه واسع هو سعة الفضل لأنه وقع تذييلاً لقوله: ذلكَ فضل الله يؤتيه من يشاء.

وأحسب أنّ وصف الله بصفة واسع في العربية من مبتكرات القرآن.

وقوله: ﴿ عليم ﴾ صفة ثانية بقوة علمه أي كثرة متعلّقات صفة علمه تعالى.

ووصفه بأنه عليم هنا لإفادة أنه عليم بمن يستأهل أن يؤتيه فضلَه ويدل على علمه بذلك ما يظهر من آثار إرادته وقدرته الجارية على وفق علمه متى ظهر للناس ما أودعه الله من فضائل في بعض خلقه، قال تعالى: ﴿ اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ [الأنعام: 124].

وجملة ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ بدل بعض من كل لجملة ﴿ إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ فإنّ رحمته بعض مما هو فضله.

وجملة ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ تذييل وتقدم تفسير نظيره عند قوله تعالى: ﴿ واللَّه يختص برحمته من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم ﴾ في سورة [البقرة: 105].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها مِن كِتابِكُمُ الَّذِي فِيهِ البِشارَةُ بِها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِمِثْلِها مِن آياتِ الأنْبِياءِ الَّتِي تُقِرُّونَ بِها.

والثّالِثُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِما عَلَيْكم فِيهِ الحُجَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَحْرِيفُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: الدُّعاءُ إلى إظْهارِ الإسْلامِ في أوَّلِ النَّهارِ والرُّجُوعُ عَنْهُ في آخِرِهِ قَصْدًا لِتَشْكِيكِ النّاسِ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: الإيمانُ بِمُوسى وعِيسى والكُفْرُ بِمُحَمَّدٍ  .

﴿ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ ﴾ يَعْنِي ما وجَدُوهُ عِنْدَهم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ  ، والبِشارَةِ بِهِ في كُتُبِهِمْ عِنادًا مِن عُلَمائِهِمْ.

﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي الحَقَّ بِما عَرَفْتُمُوهُ مِن كُتُبِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تُصَدِّقُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم.

والثّانِي: لا تَعْتَرِفُوا بِالحَقِّ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم.

واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم كافَّةُ اليَهُودِ، قالَ ذَلِكَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهم يَهُودُ خَيْبَرَ قالُوا ذَلِكَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ نَهْيِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ طَرِيقًا لِعَبَدَةِ الأوْثانِ إلى تَصْدِيقِهِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّهم نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَعْتَرِفُوا بِهِ فَيَلْزَمَهُمُ العَمَلُ بِدِينِهِ لِإقْرارِهِمْ بِصِحَّتِهِ.

﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، وتَقْدِيرُهُ: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ألّا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أيُّها المُسْلِمُونَ، ثُمَّ حَذَفَ (لا) مِنَ الكَلامِ لِدَلِيلِ الخِطابِ عَلَيْها مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا  ﴾ أيْ لا تَضِلُّوا، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ فَلا تَجْحَدُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ.

﴿ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ولا تُؤْمِنُوا أنْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: إنَّ مَعْناهُ حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ، كَما يُقالُ: لا تَلْقاهُ أوْ تَقُومُ السّاعَةُ، وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والفَرّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النُّبُوَّةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: القُرْآنُ والإسْلامُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

واخْتَلَفُوا في النُّبُوَّةِ هَلْ تَكُونُ جَزاءً عَلى عَمَلٍ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها جَزاءٌ عَنِ اسْتِحْقاقٍ.

والثّانِي: أنَّها تَفْضُلُ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان قال: كل شيء في آل عمران من ذكر اهل الكتاب فهو في النصارى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ﴾ قال: تشهدون أن نعت نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم في كتابكم ثم تكفرون به، وتنكرونه، ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل.

النبي الأمي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله ﴾ قال: محمد ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ قال: تشهدون أنه الحق تجدونه مكتوباً عندكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ لم تكفرون بآيات الله ﴾ قال: بالحجج ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ ان القرآن حق، وأن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ لمَ تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ﴾ على أن الدين عند الله الإسلام، ليس لله دين غيره.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ لمَ تلبسون الحق بالباطل ﴾ يقول: لمَ تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام ﴿ وتكتمون الحق ﴾ يقول: تكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.

مثله.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عبدالله بن الضيف، وعدي بن زيد، والحرث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم.

فأنزل الله فيهم ﴿ يا أهل الكتاب لمَ تلبسون الحق بالباطل ﴾ إلى قوله: ﴿ والله واسع عليم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك قال: قالت اليهود بعضهم لبعض: آمنوا معهم بما يقولون أول النهار وارتدوا آخره لعلهم يرجعون معكم.

فاطلع الله على سرهم، فأنزل الله تعالى ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب ﴾ الآية.

قال: كان أحبار قرى عربية إثنى عشر حبراً فقالوا لبعضهم: أدخلوا في دين محمد أول النهار وقولوا: نشهد أن محمداً حق صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا، وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم فحدثونا: أن محمداً كاذب، وإنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم لعلهم يشكون فيقولون: هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم!

فأخبر الله رسوله بذلك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عت ابن عباس في قوله: ﴿ وقالت طائفة...

﴾ الآية.

قال: أن طائفة من اليهود قالت: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا لعلهم ينقلبون عن دينهم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقالت طائفة...

﴾ الآية.

قال: كانوا يكونون معهم أول النهار ويجالسونهم ويكلمونهم، فإذا أمسوا وحضرت الصلاة كفروا به وتركوه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ﴾ يهود تقوله، صلت مع محمد صلاة الفجر، وكفروا آخر النهار مكراً منهم ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد إذ كانوا اتبعوه.

وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله: ﴿ وجه النهار ﴾ قالا: أول النهار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ قال: هذا قول بعضهم لبعض.

وأخرج ابن جرير عن الربيع.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ قال: لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كانت اليهود تقول أحبارها للذين من دينهم: ائتوا محمداً وأصحابه أول النهار فقولوا نحن على دينكم، فإذا كان بالعشي فأتوهم فقولوا لهم: إنا كفرنا بدينكم ونحن على ديننا الأول، إنا قد سألنا علماءنا فأخبرونا أنكم لستم على شيء.

وقالوا لعل المسلمين يرجعون إلى دينكم فيكفرون بمحمد ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فأنزل الله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ حسداً من يهود أن تكون النبوّة في غيرهم، وإرادة أن يتابعوا على دينهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك وسعيد بن جبير ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ قالا: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال الله لمحمد ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: قال الله لمحمد ﴿ قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ يا أمة محمد ﴿ أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ يقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة حتى أنزل علينا المن والسلوى، فإن الذي أعطاكم أفضل فقولوا ﴿ إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ يقول: لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم، وبعث نبياً كنبيكم حسدتموه على ذلك ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الربيع.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ يقول: هذا الأمر الذي أنتم عليه مثل ما أوتيتم ﴿ أو يحاجُّوكم عند ربكم ﴾ قال: قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بينَّ الله لكم في كتابه ﴿ ليحاجُّوكم ﴾ قال: ليخاصموكم به ربكم، فتكون لهم حجة عليكم ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ قال: الإسلام ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ قال: القرآن والإسلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ قال: النبوّة يختص بها من يشاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ قال: رحمته الإسلام.

يختص بها من يشاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ذو الفضل العظيم ﴾ يعني الوافر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ الآية، قال الحسنُ (١) (٢)  ، في أول النهار، وارجعوا عنه في آخر النهار؛ فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه؛ إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدًا ليس بذاك، وقال مجاهد (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَجْهَ النَّهَارِ ﴾ قال ابن عباس (٩) (١٠) روى (١١) (١٢) مَنْ كان مسرورًا بِمَقتَلِ مالِكٍ ...

فَلْيَأتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نهارِ (١٣) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي: عن دينهم (١٤) (١٥) (١) قوله في "تفسير البغوي" 2/ 53، "زاد المسير" 1/ 405 "البحر المحيط" 1/ 493.

(٢) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 311، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 678، "تفسير البغوي" 2/ 53، "زاد المسير" 1/ 405، "البحر المحيط" 1/ 493.

(٣) قوله في "تفسير الطبري" 2/ 313، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 679، "تفسير البغوي" 2/ 53، "البحر المحيط" 1/ 493، "الدر المنثور" 2/ 75 وزاد انسبة إخراجه لعبد بن حميد وابن المنذر.

(٤) قوله في "تفسيره" 1/ 284، ولكن ليس فيه أن مرادهم بفعلهم هذا: التشكيك في أمر القبلة، بل جعله للتشكيك في نعت النبي  في التوراة، فقال: (وإذا كان العشى: قولوا لهم: نظرنا في التوراة فإذا النعت الذي في التوراة ليس بنعت محمد  ..).

وفي "تفسير البغوي" 2/ 54، "البحر المحيط" 1/ 493 بنحو الذي عند المؤلف.

(٥) أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 123عن قتادة والكلبي، أنهما قالا: (قال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أول النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدقوكم ويعلموا أن قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم).

فليس في هذا الأثر ما يتعلق بأمر القبلة، وفي "تفسير البغوي" 2/ 54، "البحر المحيط" 1/ 493، بنحو الذي عند المؤلف.

(٦) في (ب): (الذي).

(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

والمثبت من: (ب، ج).

(٨) (ثم اكفروا به آخر النهار): ساقطة من: (ج).

(٩) أخرج قوله ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 679 بمعناه، ولفظه عنده: (قال: يكونون معهم أول النهار يمارونهم ويكلمونهم).

وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 76 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر، وابن مردويه، والضياء في "المختارة".

وكذا ورد عنه في حديث آخر أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 312 حيث ورد ضمنًا تفسيره لـ (وجه النهار): بأوله، وقد فسره بذلك قتادة، والربيع، ومجاهد.

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3842 (وجه).

(١١) في (ج): (وروي).

ومن قوله: (روي ..) إلى نهاية بيت الشعر: نقله باختصار وتصرف عن "تهذيب اللغة" 4/ 3842 (وجه).

(١٢) هو: الربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان العَبْسي، شاعر جاهلي، وفارسٌ، وسيد من سادات قومه، يقال له الكامل، مات سنة (30) قبل الهجرة.

انظر: "العمدة" لابن رشيق: 1/ 128، 2/ 881، 891، "الأعلام" 3/ 14.

(١٣) ورد البيت منسوبًا له في "مجاز القرآن" 1/ 97، "الحماسة" لأبي تمام: 1/ 494، "الفاخر" للمفضل الضبي: 223، "الطبري" 3/ 312، "الدر المصون" 3/ 248، "خزانة الأدب" 8/ 369.

وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 249، "مجالس العلماء" 234، "تهذيب اللغة" 4/ 3842 (وجه)، "الموضح في التفسير" 38، "تذكرة النحاة" 139، "اللسان" 13/ 556 (وجه)، "التاج" 9/ 418 (وجه).

والبيت ضمن أبيات قالها في مالك بن زهير العبسي الذي قتلته بنو فزارة، وبعده: يَجِدِ النساءَ حواسِرًا يندُبُنَه ...

يَلْطمْنَ أوجُهَهُنَّ بالأسحارِ.

ومعناه: إن من سرَّه قتل مالك، فلْيأت لنا في أول النهار، ليَجدنا قد أخذنا بثأره مباشرة، وعلامة ذلك أن يجد النساء حواسرًا يندُبنه ويلطمن وجوههن بالأسحار، وذلك أن العرب لا تندب قتلاها إلا بعد أن تأخذ ثأرها.

(١٤) وهو قول قتادة، والربيع، وابن عباس ومجاهد، وغيرهم.

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 313، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 680.

(١٥) لم أقف على مصدره.

وقد ورد في "البغوي" 2/ 54، "البحر المحيط" 1/ 493.

والذي في "تفسير عبد الرزاق": 1/ 123 عنه وعن قتادة قالا: (..

وهو أن يرجعوا عن دينهم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ ﴾ هم اليهود، دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي لا يعود وبال الإضلال إلا عليهم ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ أي تعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي ﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ الحق ﴾ أي تخلطون: والحق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والباطل الكفر به ﴿ آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ ﴾ كان قوم من اليهود لعنهم الله أظهروا الإسلام أول النهار، ثم كفروا آخره ليخدعوا المسلمين فيقولوا: ما رجع هؤلاء إلاّ عن علم، وقال السهيلي: إنّ هذه الطائفة هم عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ يحتمل أن يكون من تمام الكلام؛ الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله متصلاً بقوله: إن الهدى هدى الله وأن يكون من كلام أهل الكتاب فيكون متصلاً بقولهم: ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم، ويكون إنّ الهدى اعتراضاً بين الكلامين، فعلى الأول يكون المعنى: كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وقلتم ما قلتم، ودبرتم ما دبرتم من الخداع، فموضع أن يؤتى مفعول من أجله، أو منصوب بفعل مضمر تقديره: فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة، وعلى الثاني فيكون المعنى: لا تؤمنوا، أي لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴿ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ واكتموا ذلك على من لم يتبع دينكم لئلا يدعوهم إلى الإسلام، فموضع أن يؤتى مفعول بتؤمنوا المضمن معنى تقروا، ويمكن أن يكون في موضع المفعول من أجله: أي لا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴿ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ ﴾ عطف على أن يؤتى، وضمير الفاعل للمسلمين، وضمير المفعول لليهود ﴿ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله ﴾ ردّ على اليهود في قولهم: لم يؤت أحداً مثل ما أوتي بنو إسرائيل من النبوة والشرف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آن يؤتى ﴾ بهمزتين وتليين الثانية: ابن كثير.

الباقون بهمزة واحدة ﴿ يؤدهى ولا يؤدهى ﴾ ابن كثير ونافع غير قالون وابن عامر وعلي وخلف وحفص والمفضل وعباس وسهل وزيد عن يعقوب، وقرأه أبو جعفر وقالون يعقوب غير زيد وأبو عمرو في رواية الزيدي طريق أبي أيوب الهاشمي بالاختلاس.

الباقون ساكنة الهاء.

﴿ تعلمون ﴾ بالتشديد.

عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.

فحذف المفعول الأول للعلم به وهو الناس.

الباقون ﴿ تعلمون ﴾ بالتخفيف من العلم.

﴿ ولا يأمركم ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي والأعشى والبرجمي وأبو زيد غير المفضل، وقرأ أبو عمرو بالاختلاس.

الباقون بالنصب.

/ الوقوف: ﴿ يرجعون ﴾ ج للعطف ﴿ دينكم ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ (لا) لأن التقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أويتم إلا لمن تبع دينكم.

وقوله: "قل" مع مقوله معترض.

ومن قرأ ﴿ آن يؤتى ﴾ مستفهماً وقف عليها.

﴿ عند ربكم ﴾ ط ﴿ بيد الله ﴾ ج ط لأن ﴿ يؤتيه ﴾ لا يتعلق بما قبله مع أن ضمير فاعله عائد إلى الله.

﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط ج لاحتمال الاستئناف والصفة.

﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ الأولى ج لتضاد الجملتين معنى مع اتفاقهما لفظاً.

﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ج لأن الواو للاستئناف مع اتساق معنى الكلام ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ يزكيهم ﴾ ص ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وما هو من الكتاب ﴾ ج لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ وما هو عند الله ﴾ ج ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ تدرسون ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويأمركم ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يؤتيه ﴾ ﴿ أرباباً ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه.

التفسير: هذا نوع آخر من تلبيساتهم.

وقوله ﴿ بالذي أنزل ﴾ يحتمل أن يراد كل ما أنزل الله عليهم، ويحتمل أن يراد بعض ما أنزل.

أما الاحتمال الأول فقول الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان دون الاعتقاد ﴿ وجه النهار ﴾ أي أوله.

والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ومنه وجه الثوب لأول ما يبدو منه.

روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وشباب نهار.

وأنشد الربيع بن زياد: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه *** قد قمن قبل تبلج الأسحار وذلك أنه كان من عادتهم أن لا يظهروا الجزع على المقتول إلى أن يدركوا الثأر.

فمعنى البيت من كان مسروراً فليرَ أثر تشفي الغيظ ودرك الثأر قبل أن يمضي على المقتول تمام يوم وليلة.

واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، فإن أصحابه متى شاهدوا هذا غلب على ظنونهم أن هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإنما ذلك الأمر لأجل أنهم أهل كتاب وقد تفكروا في أمره وفي دلائل نبوته، فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الشافي أنه كذاب فيكون في هذا الطريق تشكيك لضعفة المسلمين فربما يرجعون عن دينهم.

وقال أبو مسلم: معنى وجه النهار وآخره أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم / فيرجعوا إلى دينكم، فتكون هذه الآية كقوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ﴾ .

وقال الأصمْ: معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين، وذلك أنه قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيراً مما جاء به حق، ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن دين الإسلام والرغبة فيه.

وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في شأن القبلة ثم اختلفوا.

فعن ابن عباس: وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، وآخره صلاة الظهر.

وتقريره "أنه  كان يصلي إلى بيت المقدس ففرح اليهود بذلك، فلما حوّله الله إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره: آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق" .

وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم فقالوا: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم يقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين.

ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ويصير ذلك وازعاً لهم.

وفيه أيضاً أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.

ثم قال  : ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ اتفق المفسرون على أنه من بقية حكاية كلام أهل الكتاب.

واتفقوا على أن قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وكذا قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ إلى آخرها كلام الله إلا أنهم اختلفوا في أن قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ من جملة كلام الله، أو من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فهذان احتمالان ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى تقدير وإضمار، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة.

أما الاحتمال الأول فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر.

وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر.

والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم تنكرون اتباعه؟

فحذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير.

ويقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه: أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟

والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك؟

ونظيره قوله: ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه  ﴾ ومعنى قول حكاية عنهم ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على هذا الوجه لا تصدقوا إلا نبياً / يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم.

واللام زائدة مثل ﴿ ردف لكم  ﴾ فإنه يقال: صدقت فلاناً ولا يقال صدقت لفلان.

فأمر الله نبيه أن يقول لهم في الجواب إن الدين دين الله، فكل ما رضيه ديناً فهو الدين الذي يجب متابعته كقوله في جواب قولهم: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب  ﴾ ثم وبخهم بالاستفهام المذكور.

ويحتمل أن يكون المعنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم.

فقيل للنبي  ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وقد جئتكم به فلن ينفعكم هذا الكيد الضعيف.

ثم استفهم فقال: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتم لا لشيء آخر؟

يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم؟

ثم قال: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ يعني دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل بالإيتاء عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم لأن ما أوتوا مثل ما أوتيتم، فحين لم تؤمنوا به ثبت لهم حجة عليكم.

وأما إن لم تقدر همزة الاستفهام فالتقدير إما كما سبق.

أو يقال: ﴿ الهدى ﴾ اسم "إن" و ﴿ هدى الله ﴾ بدل منه.

والتقدير: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.

ويكون "أو" بمعنى "حتى" ويتم الكلام بمحذوف أي حتى يحاجوكم عند ربكم فيقضي لهم عليكم ويدحض حجتكم، أو يقال: ﴿ أن يؤتى ﴾ مفعول فعل محذوف هو لا تنكروا لأنه لما كان الهدى هدى الله كان له أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار فصح أن يقال: لا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم من الهدى ما أوتيتموه أو يحاجوكم - يعني هؤلاء المسلمين - بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم.

أو يقال ﴿ الهدى ﴾ اسم للبيان و ﴿ هدى الله ﴾ بدل ويضمر لا بعد "إن" مثل ﴿ أن تضلوا  ﴾ أي لا تضلوا.

والتقدير: قل يا محمد لأمتك إن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، وأن لا يحاجوكم - يعني هؤلاء اليهود - عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم مهتدون وأنهم ضالون.

وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ من تتمة كلام اليهود، وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ جملة معترضة.

فمعناه لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أو لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم.

فحذف حرف الجر من "أن" على القياس.

قال في الكشاف: أراد أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا / تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام.

وقوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ عطف على ﴿ أن يؤتى ﴾ والضمير في ﴿ يحاجوكم ﴾ لـ ﴿ أحد ﴾ لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة.

قال: ومعنى الاعتراض، أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين.

وكذلك قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ مؤكد للاعتراض الأول، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد تمام الكلام كقوله: ﴿ وكذلك يفعلون  ﴾ بعد قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها  ﴾ فإن قيل: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد  كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار؟

ربما يدل على صحة دين محمد  عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب.

فالجواب: ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم، بل المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم.

على أنه يحتمل أن يكون شائعاً ولكن البغي والحسد كان يحملهم على الكتمان من غيرهم.

فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ فيما بين جزأي كلام واحد؟

وهذا لا يليق بكلام الفصحاء؟

قلت: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا كلاماً أمر الله نبيه أن يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد.

كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله  بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله، أو  الله، ثم يعود إلى تلك الحكاية.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيده.

واعلم أنه  حكى عن اليهود أمرين: أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام فأجاب بقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .

وذلك أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر.

وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ا أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ والمراد بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان.

والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير.

ومعنى قوله ﴿ بيد الله ﴾ أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله ﴿ يؤتيه من يشاء ﴾ .

وفيه دليل / على النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز ﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة ﴿ عليم ﴾ بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والحاصل أنه بين بقوله: ﴿ إن الفضل بيد الله ﴾ أنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه.

ثم قال: ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والرحمة المضافة إليه  أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون أشرف وأعظم.

﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فمن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة وعلى أشخاص معينين كان جاهلاً بكمال الله  في قدرته وحكمته.

ثم إنه  كذبهم في دعواهم الاختصاص بالمناصب العالية فإن فيهم الخيانة المستقبحة في جميع الأديان ونقص العهد والكذب على الله إلى غير ذلك من القبائح فقال: ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ الآية.

فيها دلالة على انقسامهم إلى قسمين: أهل للأمانة وأهل للخيانة.

فقيل: إن أهل الأمانة هم الذي أسلموا، أما الذي بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من يخالفهم في الدين وأخذ أموالهم.

وقيل: إن أصحاب الأمانة هم النصارى لغلبة الأمانة عليهم، وأهل الخيانة اليهود لكثرة ذلك فيهم.

وقال ابن عباس: ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤده ﴾ هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه و ﴿ من إن تأمنه بدينار لا يؤده ﴾ هو فنحاص بن عازورا استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه.

وقال أهل الحقيقة: هي فيمن يؤتى كثيراً من الدنيا فيخرج عن عهدته بعدم الالتفات إليه وقطع النظر عنه ثقة بالله وتوكلاً عليه واكتفاء به، وفيمن يمتحن بالدنيا فيكون همه مقصوراً عليها معرضاً عما سواها غير مؤد حقوقها.

ويقال: أمنته بكذا وعلى كذا، فمعنى الباء إلصاق الأمانة بحفظها وحياطتها، ومعنى "على" استعلاؤها والاستيلاء عليها.

والمراد بالقنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل فلا حاجة إلى تعيينه.

وأما الأقوال فيه فقد مرت في أوائل السورة.

وقد يستدل بما روينا عن ابن عباس أن القنطار ألف ومائتا أوقية.

ويدخل تحت القنطار والدينار العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين لكنه نقل عن ابن عباس أنه محمول على المبايعة فقال: منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك.

ونقلنا عنه أيضا أنها نزلت في الوديعة.

وأما قوله ﴿ إلا ما دامت عليه قائماً ﴾ فمنهم من حمله على حقيقته.

قال السدي: يعني إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه مجتمعاً معه ملازماً إياه، فإن / أنظرت وأخرت أنكر.

ومنهم من يحمله على الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة.

قال ابن قتيبة: أصله أن الطالب للشيء يقوم به والتارك له يقعد عنه ومنه قوله  : ﴿ أمة قائمة  ﴾ أي عاملة بأمر الله غير تاركة له.

وقال أبو علي الفارسي: إنه في اللغة الدوام والثبات ومنه قوله: ﴿ ديناً قيماً  ﴾ أي ثابتاً لا ينسخ.

فمعنى الآية إلا دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.

﴿ ذلك ﴾ الاستحلال وترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده بسبب أنهم يقولون ليس علينا في ما أصبنا من أموال العرب سبيل بالخطاب والعتاب.

إما لأنهم يبالغون في التعصب لدينهم حتى استحلوا قتل المخالف وأخذ ماله بأي طريق كان، وإما لأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا في الإسلام أنه كفر فيحكمون على المسلمين بالردة فيستحلون دماءهم وأموالهم.

روي أن اليهود عاملوا رجالاً في الجاهلية من قريش.

فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فلا جرم قال  : ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم كاذبون، وهذه غاية الجرأة والجهالة.

أو يعلمون حرمة الخيانة، أو يعلمون ما على الخائن من الإثم.

عن النبي  أنه قال عند نزولها: " "كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" .

وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.

قال: فتقولون ماذا؟

قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس.

قال: هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل.

إنهم إذا أدوا الجزية لم يحل أكل أموالهم إلا بطيب أنفسهم، ﴿ بلى ﴾ قال الزجاج: عندي وقف التمام ههنا لأنه لمجرد نفي ما قبله أي بلى عليهم سبيل في ذلك وما بعده استئناف، وقال غيره: إنه يذكر في ابتداء كلام يقع جواباً عن المنفي قبله.

فقولهم: ﴿ ليس علينا جناح ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ نحن أحباء الله ﴾  فقيل لهم: إن أهل الوفاء بالعهد وأهل التقى هم الذين يحبهم الله.

وعلى هذا فلا وقف على "بلى".

وفيه أن اليهود ليسوا من الوفاء والتقى في شيء، ولو أنهم أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الذي أخذه الله  في كتابهم من الإيمان بنبي آخر الزمان وهو محمد  .

ولو أنهم اتقوا الله لم يكذبوا عليه ولم يحرفوا كتابه.

وعموم لفظ المتقين قائم مقام الضمير العائد إلى المبتدأ والضمير في ﴿ بعهده ﴾ يجوز أن يرجع إلى ﴿ من ﴾ ويجوز أن يرجع إلى اسم الله كقوله في الآية التالية ﴿ بعهد الله ﴾ .

واعلم أن الوفاء والتقى أصلان لجميع مكارم الأخلاق.

فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق وعهد الله  بالتزام التكاليف الخاصة / والعامة، والتقوى تتممها وتزينها حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير شائبة الاختلال.

فكل متقٍ موفٍ بالعهد ولا يلزم العكس، فلهذا اقتصر على قوله: ﴿ يحب المتقين ﴾ دون أن يقول يحب الموفين أو الموفين والمتقين فافهم.

ثم إنه  لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس - والخيانة فيها لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة غالباً - لا جرم أردفها بالوعيد عليها.

وأيضاً الخيانة في العهود وفي تعظيم أسماء الله تناسب الخيانة في الأموال، فلا جرم قال: ﴿ إن الذين يشترون ﴾ الآية.

واختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها باليهود لأن الآيات السابقة فيهم وكذا اللاحقة، ومنهم من خصها بغيرهم والروايات هذه.

قال عكرمة: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود.

كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد  وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله كيلا يفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم.

وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود أولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة، فسألهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟

قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟

قال: لا.

قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله.

قال كعب: لقد حرمكم الله خيراً كثيراً.

لقد قدمتم عليّ وأنا أريد أن أميركم وأكسوا عيالكم فحرمكم الله وحرم عيالكم.

فقالوا: فإنه شبه لنا فرويداً حتى نلقاه.

فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ثم انتهوا إلى رسول الله فكلموه وسألوه ثم رجعوا فقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول الله فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفاً للذي عندنا.

وأخرجوا الذين كتبوا فنظر إليه كعب ففرح وأمارهم وأنفق عليهم فنزلت.

وعن الأشعث بن قيس: "خاصمت رجلاً في بئر فاختصمنا إلى رسول الله  فقال: شاهداك أو يمينه.

فقلت: إذاً يحلف ولا يبالي.

فقال  : من حلف عليّ يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان" ونزلت الآية على وفقه.

وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه.

ومعنى يشترون يستبدلون، وعهود الله مواثيقه، واليمين هي التي يؤكد الإنسان بها خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إقرار بذكر اسم الله  أو صفة من صفاته أو ما يجري مجراه.

والثمن القليل متاع الدنيا من المال والجاه ونحوهما.

ثم إنه  رتب على الشراء بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلاً خمسة أنواع من الجزاء فقوله: ﴿ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ﴾ إشارة إلى أنه لا نصيب لهم في منافعها ونعيمها.

وقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ﴾ إشارة إلى حرمانهم عما عند الله من الكرامات والقرب.

وقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ إشارة إلى ما يحصل لهم هنالك من صنوف الآلام وضروب / الأهوال.

قال المحققون ومنهم القفال: المقصود من هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه ويقول: لا أكلمك ولا أرى وجهك.

وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل.

قال في الكشاف: لا ينظر إليهم مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم.

تقول: فلان لا ينظر إلى فلان تريد نفي اعتداده به.

وأصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر.

ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.

قلت: لعله أراد بهذا المجاز الاستعارة كأنه شبه هذا النظر بذاك النظر، ثم حذف المشبه وأداة التشبيه فبقي استعارة.

وفي التفسير الكبير: لا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية لأنه  يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام وهو  منزه عن ذلك، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف "إلى" ليس بمعنى الرؤية وإلا لزم من هذه الآية أن لا يكون الله رائياً وذلك باطل.

قلت: يجوز أن يراد بهذا النظر النظر المعهود وهو الذي سيخص الله  به أولياءه من أنه ينظر إليهم وينظرون إليه ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ وعلى هذا جاز أن يكون النظر بمعنى الرؤية لأنه لا يلزم من نفي رؤية يراه العباد أيضاً وقتئذٍ نفي رؤية لا يرونه حينئذٍ ﴿ وإن منهم لفريقاً ﴾ عن ابن عباس هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله  فأخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب ﴾ قال القفال: معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفوها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى.

فإن الليَّ عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية.

وإنما كانوا يفعلون مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد  وفي غيرها بحسب أغراضهم الفاسدة.

وفي الكشاف: أي يقتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف.

أقول: وذلك أن لي اللسان أشبه بالتشدق والتنطع والتكلف مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بليّ اللسان ذماً لهم وتقريعاً، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ﴿ لتحسبوه ﴾ أي المحرف الذي دل عليه ﴿ يلوون ﴾ ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب ﴿ وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ نفى أوّلاً كونه من الكتاب، ثم عطف عليه النفي العام / ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس.

فإن كل هذا يصدق عليه أنه من عند الله بمعنى كونه حكماً من أحكامه المستنبطة من الأصول.

ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم: ﴿ هو من عند الله ﴾ أنه موجود في كتاب سائر الأنبياء.

وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى الله كانوا متحيرين خابطين.

فإن وجدوا قوماً من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا: إنه من التوراة.

وإن وجدوا قوماً عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء.

واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد  بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب الله  لم يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه.

احتج الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله  وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند الله، لكن الله كذبهم.

والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو هو حكم من أحكامه فتوجه التكذيب تكذيب الله إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا، فلم يبق لهما في الآية استدلال.

ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عز من قائل: ﴿ ما كان لبشر ﴾ الآية.

وقيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله  : أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟

فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت.

وقيل: "إن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟

قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله" .

وقيل: زعمت اليهود أن أحداً لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم الله: إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ قال الأصم: لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الله منه نظيره ﴿ ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  ﴾ ﴿ لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات  ﴾ وقيل: معناه أنه  لا يشرف عبداً بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام.

وقيل: إن الرسول يدعي تبليغ الأحكام عن الله  ويحتج / على صدقه بالمعجزة.

فلو أمرهم بعبادة نفسه بطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً.

والتحقيق أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها هذا الادعاء، لأن النفس ما لم تكن كاملة بحسب قوتها النظرية والعملية لم تكن مستعدة لقبول نزول الكتاب السماوي عليه وللحكم وهو فهم ذلك الكتاب وبيانه.

وقد يعبر عنه بالسنة والنبوة وهو كونه مأموراً بتبليغ ما فهم إلى الخلق، وما أحسن هذا الترتيب، وإذا كانت كاملة بحسب القوتين وما يتبعهما امتنع من مثله مثل هذا القول والاعتقاد، لأن غاية جهد النبي وقصارى أمره صرف القلوب والأرواح من الخلق إلى الحق، فكيف يعقل منه ضده؟

فتبين أنه ليس المراد من قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ إلى قوله: ﴿ كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق.

ولو كان المراد منه التحريم لم يكن فيه تكذيب للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلاناً لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن مكذباً له فيما ادعاه عليه.

ومثله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد  ﴾ على سبيل النفي لذلك عن نفسه لا على وجه التحريم والحظر.

وكذا قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يغل  ﴾ ومعناه النفي لا النهي.

ومعنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم يقول ﴾ تبعيد هذا القول عن مثل ذلك البشر ﴿ ولكن كونوا ﴾ ولكن يقول كونوا ﴿ ربانيين ﴾ قال سيبويه: الرباني منسوب إلى الرب بمعنى كونه عالماً به ومواظباً على طاعته كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته.

وزيادة الألف والنون في النسبة فقط للدلالة على كمال هذه الصفة كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني للموصوف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة.

وقال المبرد: والربانيون أرباب العلم واحدها ربان وهو الذي يرب العلم ويرب الناس بتعليمهم وإصلاحهم والقيام بأمرهم.

والألف والنون كما في ريان وعطشان لا يختص بحال النسبة.

والربانيون بهذا التفسير يشمل الولاة أيضاً.

قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي يسمى ربانياً لأن يطاع كالرب  فينسب إليه.

فمعنى الآية: ولكن يدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله  ومواظبتكم على طاعته.

وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية.

وسواء كانت عربية أو عبرية تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ثم اشتغل بتعليم طرق الخير.

عن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة.

والباء في قوله: ﴿ بما كنتم ﴾ للسببية و"ما" مصدرية و ﴿ تعلمون ﴾ من التعليم أو العلم على القراءتين فيعلم منه أن التعليم أو العلم أو الدراسة وهي القراءة توجب على صاحبها كونه ربانياً، والسبب لا محالة مغاير للمسبب فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً أمراً مغايراً لكونه عالماً ومعلماً ومواظباً على / قراءة العلم، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه لله وتعليمه لله ودراسته لله.

فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب بينه وبين ربه منقطعاً وكان مثله كمن غرس شجرة تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ولهذا قال  : " نعوذ بالله من قلب لا يشخع ومن علم لا ينفع " وفي الآية دليل على صحة قوله  : " "العلماء ورثة الأنبياء " تأمل تفهم بإذن الله.

﴿ ولا يأمركم ﴾ من قرأ بالنصب فوجهان: أحدهما أن تجعل "لا" مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه الله منصب الدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم ﴿ أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ كما نقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي.

والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسل كان ينهي قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له: أنتخذك رباً؟

قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء، فيكون عدم الأمر في معنى النهي.

ويراد بالنبيين غيره  كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء.

ومن قرأ بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ولن يأمركم ﴾ والضمير فيه على قراءة الرفع - قال الزجاج - لله.

وقال ابن جريج لمحمد  ، وقيل: لعيسى.

وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح.

﴿ أيأمركم ﴾ أي البشر وقيل: الله ﴿ بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ ومعنى الاستفهام الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك.

قيل: وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا رسول الله  أن يسجدوا له.

قلت: وضع الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا يعقل أن يأمر النبي  أمته بعبادة نفسه أول ما استنبىء، فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى والإيمان بالله؟

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ قيل: فيه بوجوه، قيل: قوله: ﴿ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ ، يعني: بأول أمر محمد  لا النهارَ نفسه، وذلك ما روي في القصّة أن بعضهم كان يقول لبعض: إن محمداً كان على قبلتنا وقبلته بيت المقدس، ويصلي إليها، فآمنوا أنتم به، ﴿ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ ، يعني: آخر أمره، يعنون قبلة: البيت الحرام الكعبة، أي: اكفروا بقبلته التي يصلي إليها الآن، وهي الكعبة.

وقيل: إن بعضهم يقول لبعض: آمنوا بمحمد في أول أمره؛ حتى يؤمن به جميع العرب، ثمّ اكفروا به في آخر أمره؛ فيقولون لنا: لم كفرتم به ورجعتم عن دينه؟

فنقول لهم: إنا وجدنا في التوراة نعت نبي وصفته، فحسبنا أنه هذا؛ فآمنا به، ثم نظرنا فإذا ذلك لم يكن نعته ولا صفته؛ فرجعنا عن دينه وكفرنا به؛ حتى يرجعوا جميعاً عن دينه؛ فذلك قوله: ﴿ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ .

وقيل - أيضاً -: إن رءوس اليهود قالوا للسِّفْلة: صدقوا بالقرآن وبمحمد  وجه النهار، يعني: أول النهار، يعني صلاة الغداة، فإذا كان صلاة العصر اكفروا به، فقولوا لهم: إن قبلة بيت المقدس كانت حقّاً؛ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!

ليرجعوا عن دينهم.

فلا ندري كيف كانت القصة؟

ولكن فيه دلالة رسالة محمد  ؛ لما ذكرنا أنه كان يخبرهم بما يضمرون في أنفسهم ويسرون، فذلك من إطلاع الله إياه.

ويحتمل قوله: ﴿ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ ﴾ ، أي: أظهروا لهم الإسلام والموافقة، ولا تؤمنوا به [في] الحقيقة؛ يدل على ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ في الحقيقة، أي: آمنوا به ظاهراً، وأمّا في الحقيقة فلا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم.

وقال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية -: يحتمل وجهين: أحدهما: حقيقة النهار، ثم يتوجه وجهين: أحدهما: أمر القبلة خاصّة، فيريدون بذلك المحاجة بالموافقة في أحد الوقتين عليهم فيما خالفوا في ذلك، وإن علموا أن ذلك حق؛ ليشبهوا على الضعفة أنه لا تزال تنتقل من دين إلى دين، ومذهب إلى مذهب، وأن من لزم الدين الأول والمذهب الأول أحق للموافقة فيه مرة، ولما لا يؤمن البقاء على الثاني، وهو كقوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا  ﴾ ؛ وعلى ذلك أنكروا جواز نسخ الشرائع سفهاً منهم، إذ ليس معنى التناسخ إلا اختلاف العبادات، لا اختلاف الأوقات، وذلك المعنى قائم، وما التناسخ إلا ما عليه تناسخ الأحوال في كل؛ على أن العبادات فيها المصلحة، ومن تعبَّدَهم عالم بالذي به الأصلح في كل وقت، فله ذلك.

والثاني: أن يكون الذي أوَّل النهار لعله أنزل بما فيه وصف رسلهم وكتبهم من الهدى والبيان، أو وصف أوائلهم في رعاية الحق، وتعاهد الدين؛ فأمروا بالإيمان بذلك؛ ليروا قومهم أن قد ثبت وصف من تقدم بما ذُكر، وأنهم على ذلك، ومنه جاء فيما أخبر من تبديل من بدّل من أوائلهم وتحريفهم، إلا إن كانوا كذلك؛ ليُلزموهم التقليد في الأمرين، والله أعلم.

وحقه أنه إذا عرف حال الأوائل لا يهم؛ فعلى ذلك أمر الآخر ومن به المعرفة ألزمهم التصديق في الأمرين جميعاً، ومع ما أن في القرآن وصفاً بتصديق كتبهم، فحقهم فيما هووا مقابلة كتب أنبيائهم؛ لتكون هي القاضية والمثبتة للحق أنه على ما ادعوا أو أدُّعي عليهم.

وقد ظهر تعنتهم بمظاهرتهم للمنكرين لكتبهم، المذكبين برسلهم على رسول الله  بعد تصديقه إياهم وشهادة كتابه بذلك؛ ليعلم المتأمل عنادهم بغياً وحسداً، كما أخبر الله -  - عنهم.

والوجه الآخر من تأويل الآية: أن يراد بما أخبر عنهم أول أمره وآخره، لا حقيقة بياض النهار.

ثم ذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون دُعاه في أول الأمر إلى التوحيد، والإيمان بالكتب المتقدمة، وهم يدعون إلى ذلك؛ وعلى ذلك كانوا قبل ظهور رسول الله  ، وآخر ذلك بما تبين من تحريفهم وتعنتهم، ولما أخذهم البغي وغلبهم الحسد، وخافوا على رياستهم، وأشفقوا على ملكهم، وجزاء الشح، وإظهار كثير مما قد كتم أوائلهم؛ فكذبوه في هذا، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ذلك من أئمتهم اصطلاح على الإيمان بذلك؛ حتى يعلم محلهم وحرصهم على قبول الحق، ثم يكفرون به؛ ليكن الأوّل ذريعة لهم في الثاني؛ أنهم إذ ظنوا أنه على الحق أذعنوا له؛ فلما تبين لهم باطله رجعوا عن ذلك، فأطلع الله نبيه -  - على ما أسرّوا؛ ليصير ما ظنّوا أنه حجة لهم حجةً عليهم، وجملة ذلك: أنا لا ندري ما السبب الذي كان منهم القول وفيما كان، ولكنه قد بان أن ذلك كان منهم إسراراً أطلع الله نبيّه  [عليه]؛ ليكون حجة له، وزجراً لهم عن كل أنواع التبديل في شأن رسوله - عليه أفضل الصلوات - بما يهتك عليهم؛ فيفتضحون عند من راموا ستر أمرهم، وتسقط رياستهم، والله الموفق.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ : اختلف فيه، قيل: هو على التقديم والتأخير؛ قوله: ﴿ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ - كان على أثر قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ : يقول بعضهم لبعض: ما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم، ولا بعث نبيّاً مثل نبيّكم؛ قالوا ذلك حسداً منهم.

وقيل: إن هذا قول رسول الله  للمسلمين: لما نزل قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ﴾ - قال لهم: ﴿ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ ، يقول: دين الله الإسلام هو الدّين ﴿ أَن يُؤْتَىۤ ﴾ ، يقول: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من دين الإسلام، والكتاب الذي فيه الحلال الحرام، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قال: لن يؤتى أحد من الأنبياء قبلي من الآيات مثل ما أوتيت أنا؛ لأن آياتهم كانت كلها حسّية يفهمها كل أحد، وآيات رسول الله كانت حسّية وعقلية لا يفهمها إلا الخواصُّ من الناس وخيرتُهم.

وقوله: ﴿ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ : راجع إلى قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ فـ ﴿ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ أنهم قد آمنوا به مرة وأقروا له؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ  ﴾ : أنهم كانوا يظهرون لهم الإسلام والإيمان، ثم إذا خلوا قالوا: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  ﴾ ؛ فقال بعضهم لبعض: لا تظهروا لهم الإسلام؛ فيحاجوكم عند ربكم في الآخرة؟!.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ هذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الفضل ليس بيد الله؛ وكذلك الاختصاص؛ إنما ذلك بيد الخلق؛ لأن من قولهم: إنه ليس على الله أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدين، ليس له أن يؤتي أحداً فضلاً، ولا له أن يختص أحداً برسالة، إلا من هو مستحق لذلك مستوجب له؛ فلذلك الفضل والاختصاص إنما استوجبوا بأنفسهم لا بالله، على قلوبهم، ففي الحقيقة الفضل عندهم كان بيدهم لا بيد الله، فأكذبهم الله بذلك؛ إذ الفضل عند الخلق هو فعل ما ليس عليه لا ما عليه؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والزيغ عن الرشد.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ -: يحتمل أن يكون في السرّ، وإن أعطيتم لهم الظاهر.

ويحتمل: أن يكون بعد ما أظهرتم اكفروا آخره.

ويحتمل: لا تؤمنوا بما جاء به، إلا لأجل من تبع دينكم؛ فيكون عندهم قدوة، يتقرر عندهم - بالذي فعلتم - أنكم أهل الحق؛ فيتبعكم كيفما تصيرون إليه.

ويحتمل: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ ﴾ : لا تصدّقوا فيما يخبركم عن أوائلكم، ﴿ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ على المنع عن تصديق الرسول فيما يخبرهم من التحريف والتبديل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: البيان هو ما بين الله؛ إذ هو الحق، وكل ما فيه الصرف عنه فهو تلبيس وتمويه.

ويحتمل: أن يكون الدين هو الذي دعا إليه بما أوضحه وأنار برهانه، لا الدين الذي دعا إليه أولئك المنحرفون.

﴿ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ ، أي: لن يؤتي - والله أعلم - من الكتاب والحجج.

ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ﴾ ، وهو دينه، أو ما دعا إليه، ثم يقول: ﴿ أَن يُؤْتَىۤ ﴾ بمعنى: لن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أهل الإسلام من الحجج والبينات، التي توضح أن الحق في أيديكم.

وقوله: ﴿ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ : فإن كان هو صلة الأوّل، فـ"أَو" بمعنى: "ليحاجوكم"، أو: "حتى يحاجوكم" إذا آمنتم بما دعوا إليه؛ فيحاجوكم بذلك عند ربكم، أي: إنما آمنتم بالذي جاء لكم من عند ربكم؛ فيصير ذلك لهم حجة عليكم.

وإن كان صلة الثاني، فهو على أنهم لا يؤتون مثل ما أوتيتم من الحجج؛ ليحاجوكم بها عند ربّكم في أن الذي هو عليه حق؛ لما قد ظهر تعنتهم وتحريفهم - والله أعلم - ثم بين السبب الذي هو نيل كل خير وفضل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ  ﴾ : ينقض على المعتزلة قولهم بوجهين: أحدهما: أنهم لا يرون لله أن يختص أحداً - بشيء فيه صلاح - غيره صرفَهُ عن ذلك الغير، بل إن فعل ذلك كان محابياً عندهم بخيلاً، بل في الابتداء لم يكن له ذلك؛ وإنما يعطي بالاستحقاق، وذلك حق يلزمه وقد ذكر بحرف الامتنان.

وعندهم - أيضاً -: ليس له ألا يشاء أو لا يعطي؛ فلا معنى لذكره الذي ذكر مع ما صار ذلك، بيد غيره إذ يلزم ذلك، والله أعلم.

والثاني: أن الذي يحق عليه - أن يبذل كُلا الأصلح في الدين، وأنه إن قَصَرَ أحداً عن ذلك كان جائزاً، ثم الأفضل للعبد شيء مما أعطى حتى يعطيه فيما أمره؛ فيكون الفضل في الحقيقة في يد العبد: يؤتي نفسه إن شاء ويمنع إن شاء، والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقالت جماعة من علماء اليهود: آمِنوا في الظاهر بالقرآن الذي أُنزِل على المؤمنين أول النهار، واكفروا به آخره، لعلهم يشُكُّون في دينهم بسبب كفركم به بعد إيمانكم فيرجعون عنه قائلين: هم أعلم منا بكتب الله وقد رجعوا عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.ywD39"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ معناه إنهم بتوجههم إلى الإضلال واشتغالهم به ينصرفون عن النظر في طرق الهداية وما أوتيه النبي  من الآيات البينات على كونه نبيًا هاديًا، فهم يعبثون بعقولهم ويفسدون فطرتهم باختيارهم.

ولا وجه لمن قال: إن معنى إضلال أنفسهم هو كون عاقبته شرًا عليهم ووبالًا في الآخرة لأنهم يعذبون عليه.

فإن الكلام في المحاجة وبيان اعوجاج طريقة المضلين، وأما العقاب في الآخرة على الإضلال فهو مبين في مواضع من الكتاب وليس هذا محله وهو لا يفيد هنا في الاحتجاج لأنه إنذار لغير مؤمن بالنذير، ولكل مقام مقال.

﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  ﴾ : هذا النوع الذي تحكيه الآية من صد اليهود عن الإسلام مبني على قاعدة طبيعية في البشر وهي أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه، وقد فقه هذا "هرقل" صاحب الروم فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شؤون النبي  عندما دعاه إلى الإسلام هل يرجع عنه من دخل في دينه؟

فقال أبو سفيان: لا.

وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، واطلعوا على باطنه وخوافيه، إذ لا يعقل أن يترك الانسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب.

فإن قيل إن بعض الناس قد ارتدوا عن الإسلام بعد الدخول فيه رغبة لا حيلة ومكيدة كما كاد هؤلاء فماذا تقول في هؤلاء؟

والجواب عن هذا يرجع إلى قاعدة أخرى وهي أن بعض الناس قد يدخل في الشيء رغبة فيه لاعتقاده أن فيه منفعة له لا لاعتقاده أنه حق في نفسه فإذا بدا له في ذلك ما لم يكن يحتسب وخاب ظنه في المنفعة فإنه يترك ذلك الشيء.

ويظهر لي أن النبي  ما أمر بقتل المرتد إلا لتخويف أولئك الذين كانوا يدبرون المكايد لإرجاع الناس عن الإسلام بالتشكيك فيه لأن مثل هذه المكايد إذا لم يكن لها أثر في نفوس الأقوياء من الصحابة الذين عرفوا الحق ووصلوا فيه إلى عين اليقين فإنها قد تخدع الضعفاء الذين يدخلون في الإسلام لتفضيله على الوثنية في الجملة قبل أن تطمئن قلوبهم بالإيمان كالذين كانوا يعرفون بالمؤلفة قلوبهم.

وبهذا يتفق الحديث الآمر بذلك مع الآيات النافية للإكراه في الدين والمنكرة فيما رأى، وقد أفتيت بذلك كما ظهر لي.

والله أعلم.

﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ  ﴾ هذا من قول الكائدين من أهل الكتاب.

وآمن له صدقه وسلم له ما يقول قال تعالى: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ  ﴾ وقال حكاية عن إخوة يوسف: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا  ﴾ .

الإيمان يتعدى باللام إذا أريد بالتصديق الثقة والركون كقوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي فيكون تصديقًا خاصًا تضمن معنى زائدًا، وذلك أن اليهود حصروا الثقة بأنفسهم لزعمهم أن النبوة لا تكون إلا فيهم، بل غلوا في التعصب والغرور حتى حقروا جميع الناس، فجعلوا كل ما يكون من أنفسهم حسنًا وما يكون من غيرهم قبيحًا، وهذا من الانتكاس الذي يحول بين أهله وبين كل خير، وإننا نرى من الناس اليوم من يحاول تغرير قومه بحملهم على أن يكونوا كذلك يحقرون كل ما لم يأت منهم وإن كان حسنًا، فنعوذ بالله من الخذلان، وعسى أن يعتبر هؤلاء بما رد الله به على أهل الكتاب إذ قال لنبيه: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ  ﴾ لا هدى شعب معين هو لازم من لوازم ذاته فهو سبحانه يبين هداه على لسان من شاء من عباده لا تتقيد مشيئته بأحد ولا بشعب.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر