الآية ٧٥ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٧٥ من سورة آل عمران

۞ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍۢ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌۭ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 127 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٥ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة ، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم ، فإن منهم ( من إن تأمنه بقنطار ) أي : من المال ( يؤده إليك ) أي : وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ) أي : بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك ، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى ألا يؤديه .

وقد تقدم الكلام على القنطار في أول السورة ، وأما الدينار فمعروف .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا سعيد بن عمرو السكوني ، حدثنا بقية ، عن زياد بن الهيثم ، حدثني مالك بن دينار قال : إنما سمي الدينار لأنه دين ونار .

وقال : معناه : أنه من أخذه بحقه فهو دينه ، ومن أخذه بغير حقه فله النار .

ومناسب أن يكون هاهنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من صحيحه ، ومن أحسنها سياقه في كتاب الكفالة حيث قال : وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل [ بعض ] بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فقال : ائتني بالشهداء أشهدهم .

فقال : كفى بالله شهيدا .

قال : ائتني بالكفيل .

قال : كفى بالله كفيلا .

قال : صدقت .

فدفعها إليه إلى أجل مسمى ، فخرج في البحر فقضى حاجته ، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله ، فلم يجد مركبا ، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار ، وصحيفة منه إلى صاحبه ، ثم زجج موضعها ، ثم أتى بها إلى البحر ، فقال : اللهم إنك تعلم أني استسلفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت : كفى بالله كفيلا ، فرضي بك .

وسألني شهيدا ، فقلت : كفى بالله شهيدا ، فرضي بك ، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر ، وإني استودعتكها .

فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده ، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا يجيئه بماله ، فإذا بالخشبة التي فيها المال ، فأخذها لأهله حطبا ، فلما كسرها وجد المال والصحيفة ، ثم قدم الذي كان تسلف منه ، فأتاه بألف دينار ، وقال : والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك ، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه .

قال : هل كنت بعثت إلي بشيء ؟

قال : ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا ؟

قال : فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة ، فانصرف بألف دينار راشدا .

هكذا رواه البخاري في موضعه معلقا بصيغة الجزم ، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه .

ورواه الإمام أحمد في مسنده هكذا مطولا عن يونس بن محمد المؤدب ، عن الليث به ، ورواه البزار في مسنده ، عن الحسن بن مدرك ، عن يحيى بن حماد ، عن أبي عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، ثم قال : لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد .

كذا قال ، وهو خطأ ، لما تقدم .

وقوله : ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) أي : إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون : ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين ، وهم العرب ، فإن الله قد أحلها لنا .

قال الله تعالى : ( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) أي : وقد اختلقوا هذه المقالة ، وائتفكوا بهذه الضلالة ، فإن الله حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها ، وإنما هم قوم بهت .

قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن [ أبي ] صعصعة بن يزيد ، أن رجلا سأل ابن عباس ، قال : إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ؟

قال ابن عباس : فتقولون ماذا ؟

قال : نقول ليس علينا بذلك بأس .

قال : هذا كما قال أهل الكتاب : ( ليس علينا في الأميين سبيل ) إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم .

وكذا رواه الثوري ، عن أبي إسحاق بنحوه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن يحيى ، أخبرنا أبو الربيع الزهراني حدثنا يعقوب ، حدثنا جعفر ، عن سعيد بن جبير قال : لما قال أهل الكتاب : ( ليس علينا في الأميين سبيل ) قال نبي الله [ صلى الله عليه وسلم ] كذب أعداء الله ، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة ، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل: أنّ من أهل الكتاب - وهم اليهود من بني إسرائيل - أهلَ أمانة يؤدُّونها ولا يخونونها، ومنهم الخائن أمانته، الفاجرُ في يمينه المستحِلُّ.

(28) * * * فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله عز وجل بذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وقد علمتَ أنّ الناس لم يزالوا كذلك: منهم المؤدِّي أمانته والخائنُها؟

قيل: إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرَهم - على ما بينه في كتابه بهذه الآيات - تحذيرَهم أن يأتمنوهم على أموالهم، (29) وتخويفهم الاغترارَ بهم، لاستحلال كثير منهم أموالَ المؤمنين.

* * * فتأويل الكلام: ومن أهل الكتاب الذي إنْ تأمنه، يا محمد، على عظيم من المال كثير، يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيه، ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنْك فيه فلا يؤدِّه إليك، إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة.

* * * &; 6-520 &; و " الباء " في قوله: " بدينار " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع، كما يقال: " مررت به، ومررت عليه ".

(30) * * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا ".

فقال بعضهم: " إلا ما دمت له متقاضيًا ".

ذكر من قال ذلك: 7261 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، إلا ما طلبته واتبعته.

7262 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، قال: تقتضيه إياه.

7263 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، قال: مواظبًا.

7264 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: " إلا ما دمتَ قائمًا على رأسه ".

(31) ذكر من قال ذلك: 7265 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، يقول: يعترف &; 6-521 &; بأمانته ما دمت قائمًا على رأسه، فإذا قمتَ ثم جئت تطلبهُ كافرك = (32) الذي يؤدِّي، والذي يجحد.

(33) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: " معنى ذلك: إلا ما دمت عليه قائمًا بالمطالبة والاقتضاء ".

من قولهم: " قام فلان بحقي على فلان حتى استخرجه لي"، أي عمل في تخليصه، وسَعى في استخراجه منه حتى استخرجه.

لأن الله عز وجل إنما وصفهم باستحلالهم أموال الأميين، وأنّ منهم من لا يقضي ما عليه إلا بالاقتضاء الشديد والمطالبة.

وليس القيام على رأس الذي عليه الدين، بموجب له النقلة عما هو عليه من استحلال ما هو له مستحلّ، ولكن قد يكون - مع استحلاله الذهابَ بما عليه لربّ الحقّ - إلى استخراجه السبيلُ بالاقتضاء والمحاكمة والمخاصمة.

(34) فذلك الاقتضاء، هو قيام ربِّ المال باستخراج حقه ممن هو عليه.

* * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنّ من استحلّ الخيانةَ من اليهود، وجحودَ حقوق العربيّ التي هي له عليه، فلم يؤدّ ما ائتمنه العربيُّ عليه إلا ما دامَ له متقاضيًا مطالبًا = من أجل أنه يقول: لا حرَج علينا فيما أصبنا من أموال العرب &; 6-522 &; ولا إثم، لأنهم على غير الحق، وأنهم مشركون.

(35) * * * واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم نحو قولنا فيه.

ذكر من قال ذلك: 7266 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل " الآية، قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيلٌ.

7267 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ليس علينا في الأميين سبيل "، قال: ليس علينا في المشركين سبيل = يعنون من ليس من أهل الكتاب.

7268 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل "، قال: يقال له: ما بالك لا تؤدِّي أمانتك؟

فيقول: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلَّها الله لنا!

!

7269 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: لما نـزلت " وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذبَ أعداءُ الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ، إلا الأمانة، فإنها مؤدّاةٌ إلى البر والفاجر.

(36) &; 6-523 &; 7270- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام بن عبيد الله، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما قالت اليهود: " ليس علينا في الأميين سبيل "، يعنون أخذَ أموالهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه = إلا أنه قال: إلا وهو تحت قدميّ هاتين، إلا الأمانة، فإنها مؤدّاةٌ = ولم يزد على ذلك.

7271 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"، وذلك أن أهل الكتاب كانوا يقولون: ليس علينا جناح فيما أصبنا من هؤلاء، لأنهم أمِّيُّون.

فذلك قوله: (ليس علينا في الأميين سبيل)، إلى آخر الآية.

* * * وقال آخرون في ذلك، ما:- 7272 - حدثنا به القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل "، قال: بايع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم ثمنَ بُيوعهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانةٌ، ولا قضاءَ لكم عندنا، لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه!

قال: وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، (37) فقال الله عز وجل: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .

7273 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صعصعة قال: قلت لابن عباس: إنا نغزو أهلَ الكتاب فنصيبُ من ثمارهم؟

قال: وتقولون كما قال أهلُ الكتاب: " ليس علينا في الأميين سبيل!!

(38) &; 6-524 &; 7274 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن صعصعة: أن رجلا سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزْو = أو: [العذق]، الشك من الحسن = من أموال أهل الذمة الدجاجةَ والشاة، فقال ابن عباس: فتقولون ماذا؟

قال نقول: ليس علينا بذلك بأس!

قال: هذا كما قال أهل الكتاب: " ليس علينا في الأميين سبيل "!

إنهم إذا أدّوا الجزية لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيِب أنفسهم.

(39) * * * &; 6-525 &; القول في تأويل قوله : وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن القائلين منهم: " ليس علينا في أموال الأميين من العرب حَرَجٌ أن نختانهم إياه "، يقولون = بقيلهم إنّ الله أحل لنا ذلك، فلا حرجَ علينا في خيانتهم إياه، وترك قضائهم = (40) الكذبَ على الله عامدين الإثمَ بقيل الكذب على الله، إنه أحلّ ذلك لهم.

وذلك قوله عز وجل: " وهم يعلمون "، كما:- 7275 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: فيقول على الله الكذب وهو يعلم = يعني الذي يقول منهم - إذا قيل له: ما لك لا تؤدي أمانتك؟

-: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلها الله لنا!

7276 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون "، يعني: ادّعاءهم أنهم وجدُوا في كتابهم قولهم: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ .

------------------- الهوامش : (28) لعل في المخطوطة سقطًا ، صوابه: "المستحل أموال الأميين من العرب" أو "المستحل أموال المؤمنين" ، كما يتبين من بقية تفسير الآية.

(29) في المخطوطة: "أن نهوهم على أموالهم" غير منقوطة ، والذي قرأه الناشر الأول جيد وهو الصواب.

(30) انظر ذلك فيما سلف 1: 313.

(31) في المطبوعة: "إلا ما دمت عليه قائمًا" بزيادة"عليه" ، وهي فساد ، والصواب من المخطوطة.

(32) كافره حقه: جحده حقه.

(33) قوله: "الذي يؤدي ، والذي يجحد" بيان عن ذكر الفريقين اللذين ذكرا في الآية ، أي: هذا الذي يؤدي ، وهذا الذي يجحد.

(34) سياق العبارة: "قد يكون...

إلى استخراجه السبيل بالاقتضاء..." ، وما بينهما فصل.

(35) انظر تفسير"الأمي" فيما سلف 2: 257- 259 / ثم 5: 442 في كلام الطبري نفسه / ثم 6: 281 / ثم الآثار رقم: 5827 ، 6774 ، 6775.

(36) الأثر: 7269-"يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي" ، و"جعفر" هو: "جعفر ابن أبي المغيرة الخزاعي القمي" ، مضيا في رقم: 617.

قال أخي السيد أحمد في مثل هذا الإسناد سالفًا: "هو حديث مرفوع ، ولكنه مرسل ، لأن سعيد بن جبير تابعي ، وإسناده إليه إسناد جيد".

وخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 169 ، 170 من تفسير ابن أبي حاتم ، وخرجه في الدر المنثور 2: 44 ، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد ، وابن المنذر.

(37) في المطبوعة: "وادعوا..." ، أسقط"قال" ، وأثبتها من المخطوطة.

(38) الأثر: 7273-"أبو إسحاق الهمداني" كما بين في الأثر التالي.

و"صعصعة بن يزيد" ، ويقال"صعصعة بن زيد" ، وذكر البخاري الاختلاف في اسمه ، وأشار إلى رواية هذا الخبر.

في الكبير 2 / 2 / 321 ، 322 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 446.

وانظر التعليق على الأثر التالي.

(39) الأثر: 7274- هذا طريق آخر للأثر السالف ، وبلفظ غيره.

ورواه أبو عبيد القاسم ابن سلام في كتاب الأموال (ص 149 ، رقم: 415) من طريق عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن صعصعة ، بلفظ آخر.

ورواه البيهقي في السنن 9: 198 من طريق"شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن صعصعة ، قال قلت لابن عباس" ، بلفظ آخر غير كل ما سلف.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 169 من تفسير عبد الرزاق وفيه"عن أبي صعصعة بن يزيد" وهو خطأ صوابه"صعصعة".

وقال: "وكذا رواه الثوري عن أبي إسحاق بنحوه".

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 4 ، ونسبه لابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.

وساقه الزمخشري في تفسير الآية ، بنص أبي جعفر ، والقرطبي 4: 118 ، 119 ، وأبو حيان في تفسيره من تفسير عبد الرزاق أيضًا 2: 501 ، وفي جميعها"إنا نصيب في الغزو" إلا القرطبي فإن فيه: "إنما نصيب في العمد" ، وأما البيهقي ففيه: "إنا نأتي القرية بالسواد فنستفتح الباب..." ، وفي الأموال: "إنا نسير في أرض أهل الذمة فنصيب منهم".

وكان في أصل المخطوطة والمطبوعة من الطبري: "إنا نصيب في العرف ، أو العذق ، الشك من الحسن" ، ولم أجد ذلك في مكان ، وهو لا معنى له أيضًا.

وقد أطبق كل من ذكرنا ممن نقل من تفسير عبد الرزاق بهذا الإسناد نفسه ، على عبارة واحدة هي"إنا نصيب في الغزو" ، فأثبتها كذلك ، أما ما شك فيه الحسن بن يحيى فقد وضعته بين قوسين ، وهو لا معنى له.

وأرجح الظن عندي أنها"أو: الغزوة -الشك من الحسن" ، أو تكون: "أو: القرية- الشك من الحسن".

(40) قوله: "الكذب" مفعول"يقولون" ، وما بينهما فصل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمونفيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى : ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك مثل عبد الله بن سلام .

ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك وهو فنحاص بن عازوراء [ ص: 109 ] اليهودي أودعه رجل دينارا فخانه .

وقيل : كعب بن الأشرف وأصحابه .

وقرأ ابن وثاب والأشهب العقيلي " من إن تيمنه " على لغة من قرأ " نستعين " وهي لغة بكر وتميم .

وفي حرف عبد الله " ما لك لا تيمنا على يوسف " والباقون بالألف .

وقرأ نافع والكسائي ( يؤد هي ) بياء في الإدراج .

قال أبو عبيد : واتفق أبو عمرو والأعمش وعاصم وحمزة في رواية أبي بكر على وقف الهاء ، فقرءوا ( يؤده إليك ) .

قال النحاس : بإسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين ، وبعضهم لا يجيزه ألبتة ويرى أنه غلط ممن قرأ به ، وإنه توهم أن الجزم يقع على الهاء ، وأبو عمرو أجل من أن يجوز عليه مثل هذا .

والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء ; وهي قراءة يزيد بن القعقاع .

وقال الفراء : مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرك ما قبلها ، يقولون : ضربته ضربا شديدا ; كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع ; كما قال الشاعر :لما رأى ألا دعه ولا شبع مال إلى أرطاة حقف فاضطجعوقيل : إنما جاز إسكان الهاء في هذا الموضع لأنها وقعت في موضع الجزم وهي الياء الذاهبة .

وقرأ أبو المنذر سلام والزهري " يؤده " بضم الهاء بغير واو .

وقرأ قتادة وحميد ومجاهد " يؤدهو " بواو في الإدراج ، اختير لها الواو لأن الواو من الشفة والهاء بعيدة المخرج .

قال سيبويه : الواو في المذكر بمنزلة الألف في المؤنث ويبدل منها ياء لأن الياء أخف إذا كان قبلها كسرة أو ياء ، وتحذف الياء وتبقى الكسرة لأن الياء قد كانت تحذف والفعل مرفوع فأثبتت بحالها .الثانية : أخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين ، والمؤمنون لا يميزون ذلك ، فينبغي اجتناب جميعهم .

وخص أهل الكتاب بالذكر وإن كان المؤمنون كذلك ; لأن الخيانة فيهم أكثر ، فخرج الكلام على الغالب ، والله أعلم .

وقد مضى تفسير القنطار .

وأما الدينار فأربعة وعشرون قيراطا والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير ، فمجموعه اثنتان وسبعون حبة ، وهو مجمع عليه .

ومن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى ، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر .

وهذا أدل دليل على القول بمفهوم الخطاب .

وفيه بين العلماء خلاف كثير مذكور في أصول الفقه .

وذكر تعالى قسمين : من يؤدي ومن لا يؤدي إلا بالملازمة عليه ; وقد يكون من الناس من لا يؤدي وإن دمت عليه قائما .

فذكر تعالى القسمين لأنه الغالب والمعتاد والثالث نادر ; فخرج الكلام على الغالب .

وقرأ طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهما [ ص: 110 ] ( دمت ) بكسر الدال وهما لغتان ، والكسر لغة أزد السراة ; من " دمت تدام " مثل خفت تخاف .

وحكى الأخفش دمت تدوم ، شاذا .الثالثة : استدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم بقوله تعالى : إلا ما دمت عليه قائما وأباه سائر العلماء ، وقد تقدم في البقرة .

وقد استدل بعض البغداديين من علمائنا على حبس المديان بقوله تعالى : ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما فإذا كان له ملازمته ومنعه من التصرف ، جاز حبسه .

وقيل : إن معنى إلا ما دمت عليه قائما أي بوجهك فيهابك ويستحي منك ، فإن الحياء في العينين ; ألا ترى إلى قول ابن عباس - رضي الله عنه - : لا تطلبوا من الأعمى حاجة فإن الحياء في العينين .

وإذا طلبت من أخيك حاجة فانظر إليه بوجهك حتى يستحي فيقضيها .

ويقال : قائما أي ملازما له ; فإن أنظرته أنكرك .

وقيل : أراد بالقيام إدامة المطالبة لا عين القيام .

والدينار أصله دنار فعوضت من إحدى النونين ياء طلبا للتخفيف لكثرة استعماله .

يدل عليه أنه يجمع دنانير ويصغر دنينير .الرابعة : الأمانة عظيمة القدر في الدين ، ومن عظم قدرها أنها تقوم هي والرحم على جنبتي الصراط ; كما في صحيح مسلم .

فلا يمكن من الجواز إلا من حفظهما .

وروى مسلم عن حذيفة قال : حدثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رفع الأمانة ، قال : ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه الحديث .

وقد تقدم بكماله أول البقرة .

وروى ابن ماجه حدثنا محمد بن المصفى حدثنا محمد بن حرب عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة كثير بن مرة عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة فإذا نزعت منه [ ص: 111 ] الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام .

وقد مضى في البقرة معنى قوله عليه السلام : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ، والله أعلم .الخامسة : ليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم خلافا لمن ذهب إلى ذلك ; لأن فساق المسلمين يوجد فيهم من يؤدي الأمانة ويؤمن على المال الكثير ولا يكونون بذلك عدولا .

فطريق العدالة والشهادة ليس يجزئ فيه أداء الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة ; ألا ترى قولهم : ليس علينا في الأميين سبيل فكيف يعدل من يعتقد استباحة أموالنا وحريمنا بغير حرج عليه ; ولو كان ذلك كافيا في تعديلهم لسمعت شهادتهم على المسلمين .السادسة : قوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا يعني اليهود ليس علينا في الأميين سبيل قيل : إن اليهود كانوا إذا بايعوا المسلمين يقولون : ليس علينا في الأميين سبيل - أي حرج في ظلمهم - لمخالفتهم إيانا .

وادعوا أن ذلك في كتابهم ; فأكذبهم الله عز وجل ورد عليهم فقال : " بلى " أي بلى عليهم سبيل العذاب بكذبهم واستحلالهم أموال العرب .

قال أبو إسحاق الزجاج : وتم الكلام .

ثم قال : من أوفى بعهده واتقى ويقال : إن اليهود كانوا قد استدانوا من الأعراب أموالا فلما أسلم أرباب الحقوق قالت اليهود : ليس لكم علينا شيء ، لأنكم تركتم دينكم فسقط عنا دينكم .

وادعوا أنه حكم التوراة فقال الله تعالى : بلى ردا لقولهم ليس علينا في الأميين سبيل .

أي ليس كما تقولون ، ثم استأنف فقال : من أوفى بعهده واتقى الشرك فليس من الكاذبين بل يحبه الله ورسوله .السابعة : قال رجل لابن عباس : إنا نصيب في العمد من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ونقول : ليس علينا في ذلك بأس .

فقال له : هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم ; ذكره عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن صعصعة أن رجلا قال لابن عباس ; فذكره .[ ص: 112 ] الثامنة : قوله تعالى : ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون يدل على أن الكافر لا يجعل أهلا لقبول شهادته ; لأن الله تعالى وصفه بأنه كذاب .

وفيه رد على الكفرة الذين يحرمون ويحللون غير تحريم الله وتحليله ويجعلون ذلك من الشرع .

قال ابن العربي : ومن هذا يخرج الرد على من يحكم بالاستحسان من غير دليل ، ولست أعلم أحدا من أهل القبلة قاله .

وفي الخبر : لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب في الوفاء والخيانة في الأموال، لما ذكر خيانتهم في الدين ومكرهم وكتمهم الحق، فأخبر أن منهم الخائن والأمين، وأن منهم { من إن تأمنه بقنطار } وهو المال الكثير { يؤده } وهو على أداء ما دونه من باب أولى، ومنهم { من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } وهو على عدم أداء ما فوقه من باب أولى وأحرى، والذي أوجب لهم الخيانة وعدم الوفاء إليكم بأنهم زعموا أنه { ليس } عليهم { في الأميين سبيل } أي: ليس عليهم إثم في عدم أداء أموالهم إليهم، لأنهم بزعمهم الفاسد ورأيهم الكاسد قد احتقروهم غاية الاحتقار، ورأوا أنفسهم في غاية العظمة، وهم الأذلاء الأحقرون، فلم يجعلوا للأميين حرمة، وأجازوا ذلك، فجمعوا بين أكل الحرام واعتقاد حله وكان هذا كذبا على الله، لأن العالم الذي يحلل الأشياء المحرمة قد كان عند الناس معلوم أنه يخبر عن حكم الله ليس يخبر عن نفسه، وذلك هو الكذب، فلهذا قال { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } وهذا أعظم إثما من القول على الله بلا علم، ثم رد عليهم زعمهم الفاسد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) الآية نزلت في اليهود أخبر الله تعالى أن فيهم أمانة وخيانة ، والقنطار عبارة عن المال الكثير ، والدينار عبارة عن المال القليل ، يقول : منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرت ، ومنهم من لا يؤديها وإن قلت قال مقاتل : ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) هم مؤمنوا أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام وأصحابه ، ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) يعني : كفار اليهود ، ككعب بن الأشرف وأصحابه ، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عز وجل ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) يعني : عبد الله بن سلام ، أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداها إليه ، ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) يعني : فنحاص بن عازوراء استودعه رجل من قريش دينارا فخانه ، قوله ( يؤده إليك ) قرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة ( يؤده ) ( لا يؤده ) و ( نصله ) و ( نؤته ) و ( نوله ) ساكنة الهاء وقرأ أبو جعفر وقالون ويعقوب بالاختلاس كسرا ، والباقون بالإشباع كسرا ، فمن سكن الهاء قال لأنها وضعت في موضع الجزم وهو الياء الذاهبة ، ومن اختلس فاكتفى بالكسرة عن الياء ، ومن أشبع فعلى الأصل ، لأن الأصل في الهاء الإشباع ، ( إلا ما دمت عليه قائما ) قال ابن عباس ملحا يريد يقوم عليه يطالبه بالإلحاح ، وقال الضحاك : مواظبا أي تواظب عليه بالاقتضاء ، وقيل : أراد أودعته ثم استرجعته وأنت قائم على رأسه ولم تفارقه رده إليك ، فإن فارقته وأخرته أنكره ولم يؤده ( ذلك ) أي : ذلك الاستحلال والخيانة ، ( بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) أي : في مال العرب إثم وحرج كقوله تعالى : ( ما على المحسنين من سبيل ) وذلك أن اليهود قالوا : أموال العرب حلال لنا ، لأنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة لهم في كتابنا ، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم وقال الكلبي : قالت اليهود إن الأموال كلها كانت لنا فما في يد العرب منها فهو لنا وإنما ظلمونا وغصبونا فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم وقال الحسن وابن جريج ومقاتل : بايع اليهود رجالا من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا : ليس لكم علينا حق ، ولا عندنا قضاء لأنكم تركتم دينكم ، وانقطع العهد بيننا وبينكم وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتبهم فكذبهم الله عز وجل وقال عز من قائل : ( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) ثم قال ردا عليهم :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار» أي بمال كثير «يؤدَّه إليك» لأمانته كعبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأعادها إليه «ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك» لخيانته «إلا ما دمت عليه قائما» لا تفارقه فمتى فارقته أنكره ككعب بن الأشرف استودعه قرشي دينارا فجحده «ذلك» أي ترك الأداء «بأنهم قالوا» بسبب قولهم «ليس علينا في الأميين» أي العرب «سبيل» أي إثم لاستحلالهم ظلم من خالف دينهم ونسبوه إليه تعالى، قال تعالى «ويقولون على الله الكذب» في نسبة ذلك إليه «وهم يعلمون» أنهم كاذبون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن أهل الكتاب من اليهود مَن إنْ تأمنه على كثير من المال يؤدِّه إليك من غير خيانة، ومنهم مَن إنْ تأمنه على دينار واحد لا يؤدِّه اليك، إلا إذا بذلت غاية الجهد في مطالبته.

وسبب ذلك عقيدة فاسدة تجعلهم يستحلُّون أموال العرب بالباطل، ويقولون: ليس علينا في أكل أموالهم إثم ولا حرج؛ لأن الله أحلَّها لنا.

وهذا كذب على الله، يقولونه بألسنتهم، وهم يعلمون أنهم كاذبون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الإمام الرازى : اعلم أن تعلق هذه الآية - وهى قوله - ومن أهل الكتاب .

.

.

بما قبلها من وجهين :الأول : أنه - تعالى - حكى عنهم فى الآية المتقدمة أنهم أدعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية ما لم يؤت أحد غيرهم مثله ، ثم إنه - تعالى - بين أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان وهم مصرون عليها فدل هذا على كذبهم .والثاني : أنه - تعالى - لما حكى عنهم فى الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا { لاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } حكى فى هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس ، وهو إصرارهم على الخياننة والظلم وأخذ أموال الناس فى القليل والكثير .قال ابن عباس : أودع رجل عند عبد الله بن سلام ألفا ومائتى أوقية من ذهب فأداها إليه .

وأودع رجل آخر عند فنحاص بن عازوراء اليهودى دينارا فخانه فنزلت الآية .والمعنى : إن من أهل الكتاب فريقاً أن تأتمنه على الكثير والنفيس من الأموال يؤده إليك عند طلبه كاملا غير منقوص ، وإن منهم فريقاً آخر إن تأتمنه على القليل والحقير من حطام الدنيا يستحله ويجحده ولا يؤديه إليك إلا إذا داوم صاحب الحق على المطالبة بحقه واستعمل كل الوسائل فى الحصول عليه .فالآية الكريمة قد مدحت من يستحق المدح من أهل الكتاب وهو الفريق الذى استجاب للحق وآمن بالنبى صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأمثاله من مؤمنى أهل الكتاب .

وذمت من يستحق الذم منهم وهو الفريق الذى لا يؤدى الأمانة ، ولم يستجب للحق ، بل استمر على كفره وجحوده ، وهذا القسم يمثل أكثرية أهل الكتاب .والمراد من ذكر القنطار والدينار هنا العدد الكثير والعدد القليل .

أى أن منهم من هو فى غاية الأمانة حتى أنه لو اؤتمن على الأموال الكثيرة لأداها ، ومنهم من هو فى غاية الخيانة حتى أنه لو اؤتمن على الشىء القليل لجحده .وقوله { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً } استثناء من أعم الأحوال أو الأوقات .

أى لا يؤده إليك فى حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلا في حال أو فى وقت مداومتك على طلبه ، والإلحاح فى ذلك ، واستعمال كل الوسائل للوصول إلى حقك .قال الجمل : و " دمت " هذه هى الناقصة ، ترفع وتنصب ، وشرط أعمالها أن يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية : إذ التقدير إلا مدة دوامك .

وأصل هذه المادة للدلالة على الثبوت والسكون .

يقال : دام الماء ، أى سكن .

وفى الحديث : " لا يبولن أحدكم فىالماء الدائم " أى الذى لا يجرى .

.

.

ومنه دام الشىء إذا امتد عليه زمان .ودامت الشمس إذا وقفت فى كبد السماء وقوله { عَلَيْهِ } متعلق بقوله { قَآئِماً } والمراد بالقيام الملازمة ، لأن الأغلب أن المطالب يقوم على رأس المطالب ، ثم جعل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قيام .قال ابن جرير : فإن قال قائل : وما وجه إخبار الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم وقد علمت أن الناس لم يزالوا كذلك ، منهم المؤدى أمانته ومنهم الخائن لها؟

قيل : إنما أراد - عز وجل - بإخباره المؤمنين خبرهم على ما بينه فى كتابه بهذه الآية ، تحذير المؤمنين من أن يأتمنوهم على أموالهم ، وتخويفهم من الاغترار بهم ، لاستحلال كثير منهم أموال المؤمنين .ثم حكى - سبحانه - بعض الأسباب التى جعلتهم يبررون خيانتهم وجحودهم لحقوق غيرهم فقال - تعالى - : { ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ } .وقوله { ذلك } إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله - سبحانه - { لاَّ يُؤَدِّهِ } .والمراد بالأميين : العرب ، خصوصا من آمن منهم ، وسمى العرب بالأميين نسبة إلى الأم ، وذلك لغلبة الأمية عليهم لكأن الواحد منهم قد بقى على الحالة التى ولدتهم عليها أمهاتهم من عدم القراءة والكتابة .والسبيل : المراد به ، الحجة الملزمة والحرج .

وأصله الطريق ، ثم أطلق على الحجة باعتبارها طريقا ووسيلة للإلزام وتحمل التبعات .أى : ذلك الامتناع عن الوفاء بالعهود ، وجحود الأمانات والحقوق من الفريق الخائن .

سببه زعمهم الباطل أنهم ليس عليهم حرج أو إثم أو تبعة فى استحلال أموال العرب الأميين واستلابها منهم بأية طريقة ، لأن الأميين ليسوا على ملتهم .واليهود يزعمون أن كتابهم يحل لهم قتل من خالفهم ، كما يحل لهم أخذ ما له بأى وسيلة .

وهذا الخلق الذميم معرق فى اليهود ، لأن أنانيتهم جعلتهم يحرفون كتبهم على حسب ما تهوى نفوسهم ، فقد كانت التوراة تحرم الربا تحريما مطلقا فتقول : " لا تأخذ ربا من أخيك إذا أقرضته " فحرف اليهود هذا النص : إذا زادوا فيه كلمة الإسرائيلي فأصبح النص هكذا " لا تأخذ ربا من أخيك الإسرائيلي إذا أقرضته " وبذلك أصبحوا يحرمون الربا عند تعاملهم مع أنفسهم ويحلونه عند تعاملهم مع غيرهم ، لأنهم لا يشعرون بالأخوة الإنسانية العامة .قال الآلوسى : أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : بايع اليهود رجال من المسلمين فى الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم عن بيوعهم فقال اليهود : ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا ، لأنكم تركتم دينكم الذى كنتم عليه ، وادعوا أنهم وجدوا ذلك فى كتابهم .وقال الكلبى : قالت اليهود : " الأموال كلها كانت لنا ، فما فى أيدى العرب منها فهو لنا ، وأنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا فى أخذ أموالنا منهم " .وقوله - تعالى - { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } رد عليهم فيما قالوه من أنهم ليس عليهم فى الأميين سبيل ، وتكذيب لهم فيما زعموه ، لأن قولهم هذا ما أنزل الله به من سلطان ، ولا يؤيده عقل سليم ، إذ المبادئ الخلقية الفاضلة يجب أن تطبق على جميع الناس بدون تفرقة بينهم .والمعنى : أن هؤلاء اليهود الذين يجحدون الأمانات متذرعين بقولهم { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ } ، يفترون على الله الكذب فى قولهم هذا ، وهم يعلمون أنه كاذبون ، لأنهم ليس عندهم فى كتبهم نص يبيح لهم استحلال أموال العرب وخيانتهم ، وإنما الذى تأمرهم به كتبهم هو أداء الأمانة لمستحقيها بالمعروف .وقوله { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } جملة حالية من الضمير في { وَيَقُولُونَ } ومفعول العلم محذوف اقتصارا ، أى وهم من ذوى العلم .

أو اختصارا ، أى يعلمون كذبهم وافتراءهم .ولقد بين النبى صلى الله عليه وسلم فى أحاديث متعددة أن الأمانة يجب أن تؤدى إلى البار والفاجر ، ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قال : لما نزلت : { وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ } الآية .

قال النبى صلى الله عليه وسلم : " كذب أعداء الله!!

ما من شىء كان فى الجاهلية إلا وهو تحت قدمى ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البار والفاجر " .ولقد سار أتباع النبى صلى الله عليه وسلم على مبدأ أداء الأمانة ، وعدم أخذ شىء من أموال الغير إلا بوجه مشروع .قال ابن كثير : " قال عبد الرازق : أنبأنا معمر عن أبى إسحاق الهمدانى عن أبي صعصعة بن يزيد .

أن رجلا سأل ابن عباس : إنا نصيب فى الغزو من أموال أهل الذمة : الدجاجة والشاة .

قال ابن عباس : فتقولون ماذا؟

قال نقول : ليس علينا بذلك بأس .

قال ابن عباس : هذا كما قال أهل الكتاب { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ } إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين: الأول: أنه- تعالى- حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية، ما لم يؤتَ أحد غيرُهم مثلَه، ثم إنه تعالى بيّن أن الخِيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان، وهم مصرون عليها، فدل هذا على كذبهم والثاني: أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا: ﴿ لاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ  ﴾ حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على انقسامهم إلى قسمين: بعضهم أهل الأمانة، وبعضهم أهل الخيانة وفيه أقوال الأول: أن أهل الأمانة منهم هم الذين أسلموا، أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين وأخذ أموالهم ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ  ﴾ مع قوله: ﴿ مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون  ﴾ الثاني: أن أهل الأمانة هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهود، والدليل عليه ما ذكرنا، أن مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان الثالث: قال ابن عباس: أودع رجل عبد الله بن سلاّم ألفاً ومائتي أوقية من ذهب فأدى إليه، وأودع آخر فنحاص بن عازوراء ديناراً فخانه فنزلت الآية.

المسألة الثانية: يقال أمنته بكذا وعلى كذا، كما يقال مررت به وعليه، فمعنى الباء إلصاق الأمانة، ومعنى: على استعلاء الأمانة، فمن اؤتمن على شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به لقربه منه، واتصاله بحفظه وحياطته، وأيضاً صار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة والمستولي عليها، فلهذا حسن التعبير عن هذا المعنى بكلتا العبارتين، وقيل إن معنى قولك أمنتك بدينار أي وثقت بك فيه، وقولك أمنتك عليه، أي جعلتك أميناً عليه وحافظاً له.

المسألة الثالثة: المراد من ذكر القنطار والدينار هاهنا العدد الكثير والعدد القليل، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشيء القليل، فإنه يجوز فيه الخيانة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً  ﴾ وعلى هذا الوجه، فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار وذكروا فيه وجوهاً الأول: إن القنطار ألف ومائتا أوقية قالوا: لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلاّم حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب فرده ولم يخن فيه، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار الثاني: روي عن ابن عباس أنه ملء جلد ثور من المال الثالث: قيل القنطار هو ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم، وقد تقدم القول في تفسير القنطار.

المسألةالرابعة: قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر ﴿ يُؤَدّهِ ﴾ بسكون الهاء، وروي ذلك عن أبي عمرو، وقال الزجاج: هذا غلط من الراوي عن أبي عمرو كما غلط في ﴿ بَارِئِكُمْ ﴾ بإسكان الهمزة وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة، واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة بأن قال: الجزاء ليس في الهاء وإنما هو فيما قبل الهاء والهاء اسم المكنى والأسماء لا تجزم في الوصل، وقال الفراء: من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها.

فيقول: ضربته ضرباً شديداً كما يسكنون (ميم) أنتم وقمتم وأصلها الرفع، وأنشد: لما رأى أن لا دعه ولا شبع *** وقرئ أيضاً باختلاس حركة الهاء اكتفاء بالكسرة من الياء، وقرئ بإشباع الكسرة في الهاء وهو الأصل.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في لفظ (القائم) وجهان: منهم من حمله على حقيقته، قال السدي: يعني إلا ما دمت قائماً على رأسه بالاجتماع معه والملازمة له، والمعنى: أنه إنما يكون معترفاً بما دفعت إليه ما دمت قائماً على رأسه، فإن أنظرت وأخرت أنكر، ومنهم من حمل لفظ (القائم) على مجازه ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس المراد من هذا القيام الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة، قال ابن قتيبة: أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه والتارك له يقعد عنه، دليل قوله تعالى: ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ  ﴾ أي عامله بأمر الله غير تاركه، ثم قيل: لكل من واظب على مطالبة أمر أنه قام به وإن لم يكن ثم قيام الثاني: قال أبو علي الفارسي: القيام في اللغة بمعنى الدوام والثبات، وذكرنا ذلك في قوله تعالى: ﴿ يُقِيمُونَ الصلاة  ﴾ ومنه قوله: ﴿ دِينًا قِيَمًا  ﴾ أي دائماً ثابتاً لا ينسخ فمعنى قوله: ﴿ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ أي دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.

المسألة الثانية: يدخل تحت قوله: ﴿ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ ﴾ و ﴿ بِدِينَارٍ ﴾ العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة وليس في الآية ما يدل على التعيين والمنقول عن ابن عباس أنه حمله على المبايعة، فقال منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك ونقلنا أيضاً أن الآية نزلت في أن رجلاً أودع مالاً كثيراً عند عبد الله بن سلام، ومالاً قليلاً عند فنحاص بن عازوراء، فخان هذا اليهودي في القليل، وعبد الله بن سلام أدى الأمانة، فثبت أن اللفظ محتمل لكل الأقسام.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ ﴾ والمعنى إن ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل.

وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوهاً الأول: أنهم مبالغون في التعصب لدينهم، فلا جرم يقولون: يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام: «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البرِّ والفاجر».

الثاني: أن اليهود قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا.

الثالث: أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقاً لكل من خالفهم، بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، روي أن اليهود بايعوا رجالاً في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا: ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم، وأقول: من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة.

المسألة الثانية: نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة والإلزام.

قال تعالى: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً  ﴾ وقال: ﴿ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ  إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ .

المسألة الثالثة: ﴿ الامى ﴾ منسوب إلى الأم، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم أُمياً قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب، وقيل: نسب إلى مكة وهي أم القرى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنهم قالوا: إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش الثاني: أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة الثالث: أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم.

ثم قال تعالى: ﴿ بلى مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ .

اعلم أن في ﴿ بلى ﴾ وجهين: أحدهما: أنه لمجرد نفي ما قبله، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ ﴾ فقال الله تعالى راداً عليهم ﴿ بلى ﴾ عليهم سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج، قال: وعندي وقف التمام على ﴿ بلى ﴾ وبعده استئناف والثاني: أن كلمة ﴿ بلى ﴾ كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعده، وذلك لأن قولهم: ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم: نحن أحباء الله تعالى، فذكر الله تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم، وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على ﴿ بلى ﴾ وقوله: ﴿ مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ ﴾ مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد والضمير في ﴿ بِعَهْدِهِ ﴾ يجوز أن يعود على اسم ﴿ الله ﴾ في قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب ﴾ ويجوز أن يعود على ﴿ مِنْ ﴾ لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول وإلى الفاعل وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: بتقدير ﴿ أن ﴾ يكون الضمير عائداً إلى الفاعل وهو ﴿ مِنْ ﴾ فإنه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة، فإنهم يكتسبون محبة الله تعالى.

الجواب: الأمر كذلك، فإنهم إذا أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة، لاتقوه في ترك الكذب على الله، وفي ترك تحريف التوراة.

السؤال الثاني: أين الضمير الراجع من الجزاء إلى ﴿ مِنْ ﴾ ؟.

الجواب: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير.

واعلم أن هذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد، وذلك لأن الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معاً، لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق، فهو شفقة على خلق الله، ولما أمر الله به، كان الوفاء به تعظيماً لأمر الله، فثبت أن العبارة مشتملة على جميع أنواع الطاعات والوفاء بالعهد، كما يمكن في حق الغير يمكن أيضاً في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات، لأن عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن عباس ﴿ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ ﴾ هو عبد الله بن سلام، استودعه رجل من قريشٍ ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأدّاه إليه.

و ﴿ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ ﴾ فنحاص بن عازوراء استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه.

وقيل: المأمونون على الكثير النصارى، لغلبة الأمانة عليهم.

والخائنون في القليل اليهود، لغلبة الخيانة عليهم ﴿ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ إلا مدّة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه متوكلاً عليه بالمطالبة والتعنيف، أو بالرفع إلى الحاكم وإقامة البينة عليه.

وقرئ: ﴿ يؤده ﴾ بكسر الهاء والوصل، وبكسرها بغير وصل، وبسكونها.

وقرأ يحيى بن وثاب: ﴿ تئمنه ﴾ ، بكسر التاء.

ودمت بكسر الدال من دام يدام ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ترك الأداء الذي دلّ عليه لم يؤدّه، أي تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاميين سَبِيلٌ ﴾ أي لا يتطرّق علينا عتاب وذم في شأن الأمييين، يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم، لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم ويقولون: لم يجعل لهم في كتابنا حرمة.

وقيل: بايع اليهود رجالاً من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولها: «كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميَّ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البرّ والفاجر» وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.

قال: فتقولون ماذا؟

قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس.

قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل.

إنهم إذا أدّوا الجزية لم يحلّ لكم أكل أموالهم إلا بطيبة أنفسهم.

﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب ﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم كاذبون ﴿ بلى ﴾ إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم سبيل فيهم.

وقوله: ﴿ مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ ﴾ جملة مستأنفة مقرّرة للجملة التي سدّت بلى مسدّها، والضمير في بعهده راجع إلى من أوفى، على أنّ كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإنّ الله يحبه.

فإن قلت، فهذا عام يخيل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله.

قلت: أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود وفوا أول شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمه.

ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، على أن كل من وفى بعهد الله واتقاه فإنّ الله يحبه، ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء.

فإن قلت: فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى من؟

قلت: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير.

وعن ابن عباس: نزلت في عبد الله بن سلام وبحيرا الراهب ونظرائهما من مسلمة أهل الكتاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ اسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا فَأدّاهُ إلَيْهِ، ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ كَفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ اسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ آخَرُ دِينارًا فَجَحَدَهُ.

وقِيلَ المَأْمُونُونَ عَلى الكَثِيرِ النَّصارى إذِ الغالِبُ فِيهِمُ الأمانَةُ، والخائِنُونَ في القَلِيلِ اليَهُودُ إذِ الغالِبُ عَلَيْهِمُ الخِيانَةُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ولا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ بِإسْكانِ الهاءِ وقالُونَ بِاخْتِلاسِ كَسْرَةِ الهاءِ وكَذا رُوِيَ عَنْ حَفْصٍ والباقُونَ بِإشْباعِ الكَسْرَةِ.

﴿ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ إلّا مُدَّةَ دَوامِكَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ مُبالِغًا في مُطالَبَتِهِ بِالتَّقاضِي والتَّرافُعِ وإقامَةِ البَيِّنَةِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ الأداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لا يُؤَدِّهِ.

﴿ بِأنَّهم قالُوا ﴾ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ.

﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْنا في شَأْنِ مَن لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُونُوا عَلى دِينِنا، عِتابٌ وذَمٌّ.

﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ بِادِّعائِهِمْ ذَلِكَ ﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَحَلُّوا ظُلْمَ مَن خالَفَهم وقالُوا: لَمْ يُجْعَلْ لَهم في التَّوْراةِ حُرْمَةٌ.

وقِيلَ عامَلَ اليَهُودُ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ فَلَمّا أسْلَمُوا تَقاضُوهم فَقالُوا سَقَطَ حَقُّكم حَيْثُ تَرَكْتُمْ دِينَكم وزَعَمُوا أنَّهُ كَذَلِكَ في كِتابِهِمْ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ عِنْدَ نُزُولِها «كَذِبَ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمِي إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ».» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)

{وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ} هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} هو فنحاص بن عازوراء استودعه رجل من قريش دينار فجحده وخانه وقيل المأمونون على الكثير النصارى لغلبة الأمانة عليهم والخائنون في القليل اليهود لغلبة الخيانة عليهم {إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه ملازما له يؤده ولا يؤده بكسر الهاء مشبعة مكي وشامي ونافع وعلي وحفص واختلس أبو عمرو في رواية غيرهم بسكون الهاء {ذلك} إشارة إلى ترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأميين سَبِيلٌ} أي تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم ليس علينا فى الأميين سبيل أي لا يتطرق علينا إثم وذم في شأن الأميين يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم لأنهم ليسوا على ديننا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم وكانوا يقولون لم يجعل لهم في كتابنا حرمة وقيل بايع اليهود رجالاً من قريش فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم وادعوا أنهم وجدوا ذلك في

كتابهم {وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب} بادعائهم أن ذلك في كتابهم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ نَوْعٍ آخَرَ مِن مَعايِبِهِمْ، و ﴿ تَأْمَنهُ ﴾ مِن أمِنتُهُ بِمَعْنى اِئْتَمَنتُهُ، والباءُ قِيلَ: بِمَعْنى عَلى، وقِيلَ: بِمَعْنى فِي، أيْ في حِفْظِ قِنْطارٍ والقِنْطارُ تَقَدَّمَ قِنْطارٌ مِنَ الكَلامِ فِيهِ يُرْوى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ اِسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا فَأدّاهُ إلَيْهِ، ﴿ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ﴾ كَفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ اِسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ آخَرُ دِينارًا فَجَحَدَهُ، وقِيلَ: المَأْمُونُ عَلى الكَثِيرِ النَّصارى إذِ الغالِبُ فِيهِمُ الأمانَةُ، والخائِنُونَ في القَلِيلِ اليَهُودُ إذِ الغالِبُ عَلَيْهِمُ الخِيانَةُ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِكْرِمَةَ.

والدِّينارُ لَفْظٌ أعْجَمِيٌّ وياؤُهُ بَدَلٌ عَنْ نُونٍ وأصْلُهُ دِنّارٌ فَأُبْدِلَ أوَّلُ المِثْلَيْنِ ياءً لِوُقُوعِهِ بَعْدَ كَسْرَةٍ، ويَدُلُّ عَلى الأصْلِ جَمْعُهُ عَلى دَنانِيرَ فَإنَّ الجَمْعَ يَرُدُّ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهو في المَشْهُورِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا والقِيراطُ ثَلاثُ حَبّاتٍ مِن وسَطِ الشَّعِيرِ فَمَجْمُوعُهُ اِثْنَتانِ وسَبْعُونَ حَبَّةً، قالُوا: ولَمْ يَخْتَلِفْ جاهِلِيَّةً ولا إسْلامًا، ومِنَ الغَرِيبِ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ الدِّينارُ دِينارًا لِأنَّهُ دِينٌ ونارٌ، ومَعْناهُ أنَّ مَن أخَذَهُ بِحَقِّهِ فَهو دِينُهُ، ومَن أخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَلَهُ النّارُ، ولَعَلَّهُ إبْداءُ إشارَةٍ مِن هَذا اللَّفْظِ لا أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى مالِكِ دِرْهَمٍ مِن عَقْلٍ فَضْلًا عَنْ مالِكِ دِينارٍ، وقُرِئَ (يُؤَدِّهِ) بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ وصْلِها بِياءٍ في اللَّفْظِ وبِالكَسْرِ مِن غَيْرِ ياءٍ، وبِالإسْكانِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وبِضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ في اللَّفْظِ وبِضَمِّها مِن غَيْرِ واوٍ.

﴿ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ اِسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوِ الأوْقاتِ، أيْ: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا في حالِ دَوامِ قِيامِكَ، أوْ في وقْتِ دَوامِ قِيامِكَ، والقِيامُ مَجازٌ عَنِ المُبالَغَةِ في المُطالَبَةِ، وفَسَّرَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالإلْحاحِ، والسُّدِّيُّ بِالمُلازَمَةِ والِاجْتِماعِ مَعَهُ، والحَسَنُ بِالمُلازَمَةِ والتَّقاضِي، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ دالِ (دُمْتَ) فَهو عِنْدُهم كَ (قُلْتَ)، وقُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ فَهو حِينَئِذٍ عَلى وزانِ (خِفْتَ) وهو لُغَةٌ، والمُضارِعُ عَلى اللُّغَةِ الأُولى: (يَدُومُ) كَ (يَقُومُ)، وعَلى الثّانِيَةِ: (يَدامُ) كَ (يَخافُ) .

(ذَلِكَ) أيْ تَرْكُ الأداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ لا يُؤَدِّهِ ﴾ ، ﴿ بِأنَّهم قالُوا ﴾ ضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى (مَن) في ﴿ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ ﴾ وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ ﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْنا فِيما أصَبْناهُ مِن أمْوالِ العَرَبِ عِتابٌ وذَمٌّ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بايَعَ اليَهُودُ رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا أسْلَمُوا تَقاضَوْهم عَنْ بَيُوعِهِمْ، فَقالُوا: لَيْسَ عَلَيْنا أمانَةٌ ولا قَضاءٌ لَكم عِنْدَنا لِأنَّكم تَرَكْتُمْ دِينَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ وادَّعَوْا أنَّهم وجَدُوا ذَلِكَ في كِتابِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ  ﴾ أيْ أنَّهم كاذِبُونَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: الأمْوالُ كُلُّها كانَتْ لَنا فَما في أيْدِي العَرَبِ مِنها فَهو لَنا وأنَّهم ظَلَمُونا وغَصَبُونا فَلا إثْمَ عَلَيْنا في أخْذِ أمْوالِنا مِنهُمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ومِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ قالَ النَّبِيُّ  : ”كَذِبُ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ، إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ“،» والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَقُولُونَ، والمُرادُ يَفْتَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿ الكَذِبَ ﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِهِ لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ، وأجازَهُ غَيْرُهُ لِأنَّهُ كالظَّرْفِ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ قرأ أبو عمرو وحمزة يُؤَدِّهْ بجزم الهاء، وهي لغة لبعض العرب، واللغة المعروفة هي بإظهار الكسرة.

قال مقاتل: يعني عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح إن الله تعالى ذكر أن أهل الكتاب فيهم أمانة، وفيهم خيانة وقال الضحاك: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يعني به عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقيّة من الذهب، فأداها إليه، فمدحه الله تعالى ويقال: إن نعت محمد  أمانة، فمن كتمه، دخل تحت قوله لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، ومن لم يكتمه دخل تحت قوله يُؤَدِّهِ، ثم قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وهو فنْخاص بن عازورا اليهودي، أودعه رجل ديناراً، فخانه.

ويقال: يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، يعني النصارى كانوا أَلْيَنَ قُلوباً، يؤدون الأمانة، واليهود لا يؤدون الأمانة، فكانوا إذا أخذوا أمانات الناس، أو مال اليتامى، فكانوا يغتنمون ذلك، كما يفعل بعض أهل الإسلام إذا وقع في يده شيء من أموال المسلمين جعله كالغنيمة.

ثم قال تعالى: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً أي ملحّا متقاضيا وذلِكَ يعني الاستحلال بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ يعني يقولون ليس علينا في مال العرب مأثم.

ويقال: من لم يكن على ديننا، فَمَالُه لنا حلال، بمنزلة مذهب الخوارج أنهم يستحلون مال من كان على خلاف مذهبهم وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وهم يعلمون، لأنهم كانوا يقولون إن ذلك حلال في التوراة، فأخبر الله تعالى أنهم كاذبون على الله وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن الله أمرهم بأداء الأمانة، وأخذ على ذلك ميثاقهم، فهذا قوله تعالى: بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ أي بعهد الله الذي أخذ عليهم بأداء الأمانة، وهي نعت محمد  وَاتَّقى محارمه، هذا قول مقاتل وقال الكلبي: واتقى ظلم الناس فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ عن نقض العهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ويحتملُ أنْ يكون قوله: أَنْ يُؤْتى بدلاً من قوله: هُدَى اللَّهِ.

قلْتُ: وقد أطالوا الكلامَ هنا، وفيما ذكرناه كفايةٌ.

وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ في الآية تكذيبٌ لليهود في قولهم: لَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحداً مِثْلَ ما أتى بني إسرائيل من النبوَّة والشَّرف، وباقي الآية تقدَّم تفسير نظيره.

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)

وقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ...

الآية: أخبر تعالى عن أهْل الكتاب أنهم قسْمَانِ في الأمانةِ، ومَقْصِدُ الآية ذمُّ الخَوَنَةِ منْهم، والتفنيدُ لرأيهم وكَذِبِهِمْ على اللَّه في استحلالهم أموالَ العَرَبِ.

قال الفَخْرَ «٢» وفي الآية ثلاثةُ أقوال:

الأول: أنَّ أهل الأمانةِ منهم الَّذين أسْلَمُوا، أمَّا الذين بَقُوا عَلَى اليهوديَّة، فهم مصرُّون عَلَى الخيَانَة لأن مذهبهم أنَّه يحلُّ لهم قَتْلُ كلِّ من خالفهم في الدِّينِ، وأَخْذُ ماله.

الثَّاني: أنَّ أهل الأمانة منهم هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهودُ.

الثالث: قال ابنُ عَبَّاس: أوْدَعَ رجلٌ عبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ أَلْفاً ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأدَّى إلَيْه، وأودَعَ آخَرُ فِنْحَاصاً اليهوديَّ ديناراً، فخانه، فنزلَتِ الآية.

اهـ «٣» .

قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامِهِ» «٤» : قال الطبريُّ «٥» : وفائدةُ هذه الآية النهي عن ائتمانهم

على مالٍ، وقالَ شيْخُنا أبو عبدِ اللَّهِ المغربيُّ: فائدتُها ألاَّ يؤُتَمَنُوا على دِينٍ يدُلُّ عليه ما بعده في قوله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ...

الآية، والصحيحُ عندي:

أنها في المالِ نصٌّ، وفي الدِّينِ تنبيهٌ، فأفادَتِ المعنيين بهذَيْنِ الوجهَيْنِ.

قال ابنُ العربيِّ:

فالأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّينِ، ومن عظيمِ قَدْرها أنها تقفُ على جَنَبَتَيِ الصِّراطِ لا يُمَكَّنُ من الجواز إلا مَنْ حفظها، ولهذا وجَبَ علَيْكَ أن تؤدِّيها إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانك، فتقابل المعْصِيَةَ بالمَعْصية وكذلك لا يجوزُ أنْ تَغْدُرَ مَنْ غَدَرَكِ.

قال البخاريُّ:

باب إثْمِ الغَادِرِ للْبَرِّ والفَاجِرِ.

اهـ.

والقِنْطَارُ في هذه الآية: مثالٌ للمالِ الكَثيرِ، يَدْخُلُ فيه أكثر من القِنْطَارِ وأقلُّ، وأَمَّا الدينار، فيحتملُ أنْ يكون كذلك مثالاً لما قَلَّ، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ منهم طبقةً لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يُعْنَ/ لذكْرِ الخائنَين في أقَلَّ إذ هم طَغَامٌ حُثَالَةٌ، ودَامَ: معناه:

ثبت.

وقوله: قائِماً: يحتملُ معنيين: قال قتادة، ومجاهد، والزَّجَّاج «١» : معناه: قَائِماً على اقتضاءِ حَقِّك «٢» ، يريدون بأنواع الاقتضاءِ من الحَفْزِ والمُرَافَعَةِ إلى الحاكِمِ مِنْ غَيْر مراعاة لهيئة هذا الدِّائِم.

وقال السُّدِّيُّ وغيره: معنى قَائِماً: على رأسه «٣» .

وقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ...

الآية: الإشارة ب «ذَلِكَ» إلى كونهم لا يؤدُّون الأمانة، أي: يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أُمِّيُّونَ أَصْحَابُ أوثانٍ، فأموالهم لنا حلالٌ، متى قَدَرْنا على شيْءٍ منها، لا حُجَّة عَلَيْنَا في ذلك، ولا سبيلَ لمعترضٍ.

وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذمٌّ لبني إسرائيل بأنهم يَكْذِبُونَ علَى اللَّه سبحانه في غير مَا شَيْءٍ، وهم عالمون بمواضع الصّدق.

قال ص: وَهُمْ يَعْلَمُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ.

اهـ.

ثم ردَّ اللَّه تعالى في صَدْر قولهم: لَيْسَ عَلَيْنا بقوله: بَلى أي: عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر على جهة الشرط أنَّ مَنْ أوفى بالعَهْد، واتقى عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...

الآية: آية وعيدٍ لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ وخَتْرِ «١» المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها بحَسَب جريمتِهِ.

قال ابنُ العربِيِّ في «أحكامه» «٢» : وقد اختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك: أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ:

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ...

الآية، قال: فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليهود أرض، فجحدني، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ» ، قُلْتُ: إذَن يَحْلِفَ، يَا رسول الله، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذَكَرَ الحديث «٣» .

اهـ.

وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ...

الآية: يَلْوُونَ: معناه:

يحرِّفون ويتحيَّلون لتبديل المعانِي من جهة اشتباه الألفاظ، واشتراكها، وتشعّب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْدَعَ رَجُلٌ ألْفًا ومِئَتَيْ أوُقِيَّةٍ مِن ذَهَبٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَأدّاهُما إلَيْهِ، فَمَدَحَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآَيَةِ، وأوْدَعَ رَجُلٌ فَنُحاصَ بْنَ عازُوراءَ دِينارًا، فَخانَهُ.

وأهْلُ الكِتابِ: اليَهُودُ.

وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في القِنْطارِ.

وقِيلَ: إنَّ "الباءَ" في قَوْلِهِ: "بِقِنْطارٍ" بِمَعْنى "عَلى" فَأمّا الدِّينارُ، فَقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: الدِّينارُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ: دِنّارٌ، وهو وإنْ كانَ مُعَرَّبًا، فَلَيْسَ تَعْرِفُ لَهُ العَرَبُ اسْمًا غَيْرَ الدِّينارِ، فَقَدْ صارَ كالعَرَبِيِّ، ولِذَلِكَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، لِأنَّهُ خاطَبَهم بِما عَرَفُوا.

واشْتَقُّوا مِنهُ فِعْلًا، فَقالُوا: رَجُلٌ مُدَنَّرٌ: كَثِيرُ الدَّنانِيرِ.

وبِرْذَوْنَ مُدَنَّرٌ: أشْهَبُ مُسْتَدِيرُ النَّقْشِ بِبَياضٍ وسَوادٍ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُصَّ أهْلُ الكِتابِ بِأنَّ فِيهِمْ خائِنًا وأمِينًا والخَلْقُ عَلى ذَلِكَ، فالجَوابُ: أنَّهم يَخُونُونَ المُسْلِمِينَ اسْتِحْلالًا لِذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ فَحَذَّرَ مِنهم.

وقالَ مُقاتِلٌ: الأمانَةُ تَرْجِعُ إلى مَن أسْلَمَ مِنهم، والخِيانَةُ إلى مَن لَمْ يُسْلِمْ.

وقِيلَ: إنَّ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الأمانَةَ: النَّصارى، والَّذِينَ لا يُؤَدُّونَها: اليَهُودُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: دُمْتُ ودُمْتُمْ، ومُتُّ ومُتُّمْ.

وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: مِتُّ ودِمْتُ بِالكَسْرِ، ويَجْتَمِعُونَ في "يَفْعَلُ" يَدُومُ ويَمُوتُ.

وفي هَذا القِيامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ التَّقاضِي، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: ما دُمْتُ مُواظِبًا بِالاقْتِضاءِ لَهُ والمُطالَبَةِ.

وأصْلُ هَذا أنَّ المُطالِبَ بِالشَّيْءِ يَقُومُ فِيهِ، ويَتَصَرَّفُ.

والتّارِكُ لَهُ يَقْعُدُ عَنْهُ.

[قالَ الأعْشى: يَقُومُ عَلى الرَّغْمِ في قَوْمِهِ فَيَعْفُوا إذا شاءَ أوْ يَنْتَقِمُ أيْ: يُطالِبُ بالذَّحْلِ ولا يَقْعُدُ عَنْهُ.

قالَ تَعالى: ﴿ (لَيْسُوا سَواءً) ] مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [ آَلِ عِمْرانَ: ١١٣ ] .

أيْ: عَلامَةٌ غَيْرُ تارِكِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ  ﴾ .

أيْ: آَخِذٌ لَها بِما كَسَبَتْ.

والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ حَقِيقَةً، فَتَقْدِيرُهُ: إلّا ما دُمْتَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، فَإنَّهُ يَعْتَرِفُ بِأمانَتِهِ، فَإذا ذَهَبْتَ، ثُمَّ جِئْتَ، جَحَدَكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: الخِيانَةُ.

والسَّبِيلُ: الإثْمُ والحَرَجُ، ونَظِيرُهُ ﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ  ﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّما اسْتَحَلَّ اليَهُودُ أمْوالَ المُسْلِمِينَ، لِأنَّهم عِنْدَهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُونَ: قَدْ أحَلَّ اللَّهُ لَنا أمْوالَ العَرَبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ في التَّوْراةِ الوَفاءَ، وأداءَ الأمانَةِ.

والثّانِي: يَقُولُونَ الكَذِبَ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذِبٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ  ﴾ ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ  ﴾ إلى قَوْلِهِ: "العَظِيمِ" تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ في قَوْلِهِمْ: "نُبُوءَةُ مُوسى مُؤَبَّدَةٌ، ولَنْ يُؤْتِيَ اللهُ أحَدًا مِثْلَ ما آتى بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ النُبُوَّةِ والشَرَفِ"، وسائِرُ ما في الآيَةِ مِن لَفْظَةِ "واسِعٌ" وغَيْرِ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أهْلِ الكِتابِ أنَّهم قِسْمانِ في الأمانَةِ، ومَقْصِدُ الآيَةِ ذَمُّ الخَوَنَةِ مِنهُمْ، والتَفْنِيدُ لِرَأْيِهِمْ وكَذِبِهِمْ عَلى اللهِ في اسْتِحْلالِهِمْ أمْوالَ العَرَبِ.

وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "تِيمَنهُ" بِتاءٍ وياءٍ في الحَرْفَيْنِ وكَذَلِكَ: "تِيمَنّا" في يُوسُفَ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أراهُ إلّا لُغَةً قُرَشِيَّةً، وهي كَسْرُ نُونِ الجَماعَةِ كَنِسْتَعِينَ، وألِفِ المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لا إخالُهُ، وتاءِ المُخاطَبِ كَهَذِهِ الآيَةِ، ولا يَكْسِرُونَ الياءَ في الغائِبِ وبِها قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في "تِيمَنّا" وابْنُ مَسْعُودٍ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ وابْنُ وثّابٍ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في القِنْطارِ في صَدْرِ السُورَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، "يُؤَدِّهِ إلَيْكَ" بِكَسْرِ الهاءِ الَّتِي هي ضَمِيرُ القِنْطارِ، وكَذَلِكَ فِي الأُخْرى الَّتِي هي ضَمِيرُ الدِينارِ، واتَّفَقَ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعاصِمٌ والأعْمَشُ عَلى إسْكانِ الهاءِ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما أشْبَهَهُ في القُرْآنِ، نَحْوُ: "نُصْلِهْ جَهَنَّمَ" و"نُؤْتِهْ" و"نُوَلِّهْ" إلّا حَرْفًا حُكِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كَسَرَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَألْقِهْ إلَيْهِمْ  ﴾ .

قالَ أبُو إسْحاقَ: وهَذا الإسْكانُ الَّذِي رُوِيَ عن هَؤُلاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأنَّ الهاءَ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْزَمَ، وإذا لَمْ تُجْزَمْ فَلا يَجُوزُ أنْ تُسَكَّنَ في الوَصْلِ.

وأمّا أبُو عَمْرٍو فَأراهُ كانَ يَخْتَلِسُ الكَسْرَةَ فَغَلِطَ عَلَيْهِ، كَما غَلِطَ عَلَيْهِ في "بارِئِكُمْ" وقَدْ حَكى عنهُ سِيبَوَيْهِ -وَهُوَ ضابِطٌ لِمِثْلِ هَذا- أنَّهُ يَكْسِرُ كَسْرًا خَفِيفًا.

والقِنْطارُ في هَذِهِ الآيَةِ: مِثالٌ لِلْمالِ الكَثِيرِ يَدْخُلُ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ القِنْطارِ وأقَلُّ، وأمّا الدِينارُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، مِثالًا لِما قَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ طَبَقَةً لا تَخُونُ إلّا في دِينارٍ فَما زادَ، ولَمْ يُعْنَ لِذِكْرِ الخائِنِينَ في أقَلَّ إذْ هم طَغامٌ حُثالَةٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "دُمْتَ" بِضَمِّ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ وغَيْرُهُمْ: "دِمْتَ" "وَدِمْتُمْ" بِكَسْرِ الدالِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: مِن قَوْلِهِمْ: دِمْتَ، تَدامُ مِثْلُ نِمْتَ، تَنامُ، وهي لُغَةٌ.

ودامَ مَعْناهُ: ثَبَتَ عَلى حالٍ ما، والتَدْوِيمُ عَلى الشَيْءِ الِاسْتِدارَةُ حَوْلَ الشَيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ.

..........................

والشَمْسُ حَيْرى لَها في الجَوِّ تَدْوِيمُ.

والدُوامُ: الدُوارُ يَأْخُذُ في رَأْسِ الإنْسانِ فَيَرى الأشْياءَ تَدُورُ لَهُ، وتَدَوُّرُ الطائِرِ في السَماءِ، وهو ثُبُوتُهُ إذا صَفَّ واسْتَدارَ، والماءُ الدائِمُ وغَيْرُهُ هو الَّذِي كَأنَّهُ يَسْتَدِيرُ حَوْلَ مَرْكَزِهِ.

وقَوْلُهُ: "قائِمًا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، قالَ الزَجّاجُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: قائِمًا عَلى اقْتِضاءِ دَيْنِكَ؛.

يُرِيدُونَ بِأنْواعِ الِاقْتِضاءِ مِنَ الحَفْزِ والمُرافَعَةِ إلى الحُكّامِ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا تُراعى هَيْئَةُ هَذا الدائِمِ، بَلِ اللَفْظَةُ مِن قِيامِ المَرْءِ عَلى أشْغالِهِ، أيِ اجْتِهادُهُ فِيها.

وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: "قائِمًا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، عَلى الهَيْئَةِ المَعْرُوفَةِ، وتِلْكَ نِهايَةُ الحَفْزِ، لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ في صَدْرِ شُغْلٍ آخَرَ يُرِيدُ أنْ يَسْتَقْبِلَهُ.

وذَهَبَ إلى هَذا التَأْوِيلِ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ وانْتَزَعُوا مِنَ الآياتِ جَوازَ السَجْنِ، لِأنَّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ غَرِيمُهُ فَهو يَمْنَعُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ في غَيْرِ القَضاءِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ المَنعِ مِنَ التَصَرُّفاتِ وبَيْنَ السَجْنِ.

وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها نَزَلَتْ فِيما رُوِيَ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِنَ العَرَبِ كانَتْ لَهم دُيُونٌ في ذِمَمِ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَلَمّا أسْلَمَ أُولَئِكَ العَرَبُ قالَتْ لَهُمُ اليَهُودُ: نَحْنُ لا نُؤَدِّي إلَيْكم شَيْئًا حِينَ فارَقْتُمْ دِينَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحْلالَ أمْوالِ العَرَبِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ أوثانٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمَ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ، بَقِيَ اليَهُودُ فِيهِمْ عَلى ذَلِكَ المُعْتَقَدِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ حامِيَةً مِن ذَلِكَ.

وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "ألا كُلُّ شَيْءٍ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ فَهو تَحْتَ قَدَمِي، إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ"».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب ﴾ [آل عمران: 72] أو على قوله: ﴿ ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم ﴾ [آل عمران: 69] عطف القصة على القصة والمناسبة بيان دخائل أحوال اليهود في معاملة المسلمين الناشئة عن حسدهم وفي انحرافهم عن ملة إبراهيم مع ادّعائهم أنهم أولَى الناس به، فقد حكى في هذه الآية خيانة فريق منهم.

وقد ذكر الله هنا أنّ في أهل الكتاب فريقين: فريقاً يؤدّي الأمانة تعففاً عن الخيانة وفريقاً لا يؤدّي الأمانة متعلّلين لإباحة الخيانة في دينهم، قيل: ومن الفريق الأول عبد الله بن سلام، ومن الفريق الثاني فِنْحَاص بن عازوراء وكلاهما من يهود يثرب والمقصود من الآية ذمّ الفريق الثاني إذ كان من دينهم في زعمهم إباحة الخَون قال: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمين سبيل ﴾ فلذلك كان المقصود هو قوله: ﴿ ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ﴾ إلخ ولذلك طُوِّل الكلام فيه.

وإنما قدّم عليه قوله: ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار ﴾ إنصافاً لحقّ هذا الفريق، لأنّ الإنصاف مما اشتهر به الإسلام، وإذ كان في زعمهم أنّ دينهم يبيح لهم خيانة غيرهم، فقد صار النعيُ عليهم، والتعبيرُ بهذا القول لازمَاً لجميعهم أمينهم وخائنهم، لأنّ الأمين حينئذ لا مزية له إلاّ في أنّه ترك حقاً يبيح له دينُه أخذه، فترفّع عن ذلك كما يترفع المتغالي في المروءة عن بعض المباحات.

وتقديم المسند في قوله: ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ في الموضعين للتعجيب من مضمون صلة المسند إليهما: ففي الأول للتعجيب من قوة الأمانة، مع إمكان الخيانة ووجود العذر له في عادة أهل دينه، وفي الثاني للتعجيب من أن يكون الخوْن خُلْقاً لمتبع كتاب من كتب الله، ثم يزيد التعجيبُ عند قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ﴾ فيكسب المسند إليهما زيادة عجَب حاللٍ.

وعُدّي ﴿ تأمنه ﴾ بالباء مع أنّ مثله يتعدّى بعلي كقوله: ﴿ هل آمنكم عليه ﴾ [يوسف: 64]، لتضمينه معنى تُعامله بقنطار ليشمل الأمانة بالوديعة، والأمانةَ بالمعاملة على الاستيمان، وقيل الباء فيه بمعنى على كقول أبي ذرّ أو عباسسٍ بن مِرداس: أربٌّ يَبولُ الثعْلُبَان بِرَأسه *** وهو محمل بعيد، لأنّ الباء في البيت للظرفية كقوله تعالى: ﴿ ببطن مكة ﴾ [الفتح: 24].

وقرأ الجمهور ﴿ يؤدّهِ ﴾ إليك بكسر الهاء من يؤدّهِ على الأصل في الضمائر.

وقرأه أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم، وأبُو جعفر: بإسكان هاء الضمير في يؤدّه، فقال الزجاج: هذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بيِّن لأنّ الهاء لا ينبغي أن تجزم وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تكسر في الوصل (هكذا نقله ابن عطية ومعناه أنّ جزم الجواب لا يظهر على هاء الضمير بل على آخر حرف من الفعل ولا يجوز تسكينها في الوصل كما في أكثر الآيات التي سكنوا فيها الهاء).

وقيل هو إجرَاء للوصل مُجرى الوقف وهو قليل، قال الزجاج: وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسر فغلط عليه من نقله وكلام الزجاج مردود لأنه راعى فيه المشهور من الاستعمال المقيس، واللغة أوسع من ذلك، والقراءة حجة.

وقرأه هشام عن ابن عامر، ويعقوب باختلاس الكسر.

وحكى القرطبي عن الفرّاء: أنّ مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرّك ما قبلها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصله الرفع وهذا كما قال الراجز: لَما رَأى ألاّ دَعَهْ ولاَ شِبَع *** مَالَ إلى أرْطَاةِ حقف فاضطجع والقِنطار تقدم آنفاً في قوله تعالى: ﴿ والقَناطير المقنطرة من الذهب والفضة ﴾ [آل عمران: 14] والدينار اسم للمسكوك من الذهب الذي وزنه اثنتان وسبعون حبة من الشعير المتوسط وهو معرّب دِنَّار من الرومية.

وقد جعل القنطار والدينار مَثَلين للكثرة والقلة، والمقصود ما يفيده الفحوى من أداء الأمانة فيما هو دون القنطار، ووقوع الخيانة فيما هو فوق الدينار.

وقوله: ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ أطلق القيام هنا على الحرص والمواظبة: كقوله: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ [آل عمران: 18] أي لا يفعل إلاّ العدل.

وعديّ «قائماً» بحرف (على) لأنّ القيام مجاز على الإلحاح والترداد فتعديته بحرف الاستعلاء قرينة وتجريد للاستعارة.

و (ما) من قوله: ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ حرف مصدري يصير الفعل بعده في تأويل مصدر، ويكثر أن يقدر معها اسم زمان ملتزَمٌ حذفه يدل عليه سياق الكلام فحينئذ يقال ما ظرفية مصدرية.

وليست الظرفية مدلولها بالأصالة ولا هي نائبة عن الظرف، ولكنها مستفادة من موقع (مَا) في سياق كلام يؤذن بالزمان، ويكثر ذلك في دخول (ما) على الفعل المتصرّف من مادة دَام ومرادفها.

و (ما) في هذه الآية كذلك فالمعنى: لا يؤدّه إليك إلاّ في مدة دوام قيامك عليه أي إلحاحك عليه.

والدوام حقيقته استمرار الفعل وهو هنا مجاز في طول المدة، لتعذر المعنى الحقيقي مع وجود أداة الاستثناء، لأنه إذا انتهى العمر لم يحصل الإلحاح بعدَ الموت.

والاستثناء من قوله: ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ يجوز أن يكون استثناء مفرّغاً من أوقات يدل عليها موقع (مَا) والتقدير لا يؤدّه إليك في جميع الأزمان إلاّ زماناً تدوم عليه فيه قائماً فيكون ما بعد (إلاّ) نصباً على الظرففِ، ويجوز أن يكون مفرّغاً من مصادر يَدل عليها معنى (ما) المصدرية، فيكون ما بعده منصوباً على الحال لأنّ المصدر يقع حالاً.

وقدّم المجرور على متعلقه في قوله: ﴿ عليه قائماً ﴾ للاهتمام بمعنى المجرور، ففي تقديمه معنى الإلحاح، أي إذا لم يكن قيامُك عليه لا يُرجعُ لك أمانتك.

والإشارة في قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ﴾ إلى الحكم المذكور وهو ﴿ إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ﴾ وإنما أشير إليه لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الشأن العجيب.

والباء للسبب أي ذلك مُسَببٌ عن أقوال اختلقوها، وعبّر عن ذلك بالقول، لأنّ القول يصدر عن الاعتقاد، فلذا ناب منابه فأطلق على الظنّ في مواضع من كلام العرب.

وأرادوا بالأميين من ليسوا من أهل الكتاب في القديم، وقد تقدم بيان معنى الأمي في سورة البقرة.

وحرف (في) هنا للتعليل.

وإذ قد كان التعليل لا يتعلق بالذوات، تعيَّن تقدير مضاف مجرور بحرف (في) والتقدير في معاملة الأمّيّين.

ومعنى ليس علينا في الأميين سبيل ليس علينا في أكل حقوقهم حرج ولا إثم، فتعليق الحكم بالأميين أي ذواتِهم مراد منه أعلق أحوالهم بالغرض الذي سبق له الكلام.

فالسبيل هنا طريق المؤاخذة، ثم أطلق السبيل في كلام العرب مجازاً مشهوراً على المؤاخذة قال تعالى: ﴿ مَا على المحسنين من سبيل ﴾ [التوبة: 91] وقال: ﴿ إنما السبيل على الذين يستأذنوك ﴾ [التوبة: 93] وربما عبّر عنه العرب بالطريق قال حُميد بن ثور: وهل أنا إن علّلتُ نفسي بسَرحة *** من السرْح موجود عليَّ طريق وقصدهم بذلك أن يحقروا المسلمين، ويتطاولوا بما أوتوه من معرفة القراءة والكتابة مِنْ قبلهم.

أو أرادوا الأميين بمعرفة التوراة، أي الجاهلين: كناية عن كونهم ليسوا من أتباع دِين موسى عليه السلام.

وأيَّاماً كان فقد أنْبَأ هذا عن خلق عجيب فيهم، وهو استخفافهم بحقوق المخالفين لهم في الدين، واستباحةُ ظلمهم مع اعتقادهم أنّ الجاهل أو الأمّي جدير بأن يدحَضُ حقُه.

والظاهر أنّ الذي جرّأهم علَى هذا سوء فهمهم في التوراة، فإنّ التوراة ذكرت أحكاماً فرّقت فيها بين الإسرائيلي وغيره في الحقوق، غير أنّ ذلك فيما يرجع إلى المؤاساة والمخالطة بين الأمة، فقد جاء في سفر التثنية الإصحاح الخامس عشر: «في آخر سبع سنين تعمل إبراء يبرئ كلُ صاحب دين يدَه ممّا أقرض صاحبه.

الأجنبيَّ تُطالِب، وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئة» وجاء في «الإصحاح» 23 منه: «لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام وللأجنبي تُقرض بربا» ولكن شَتان بين الحقوق وبين المؤاساة فإنّ تحريم الربا إنما كان لقصد المؤاساة، والمؤاساة غير مفروضة مع غير أهل الملّة الواحدة.

وعن ابن الكلبي قالت اليهود: الأموال كلّها كانت لنا، فما في أيدي العرب منها فهو لنا، وإنهم ظلمونا وغصَبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم.

وهذا الخلقان الذميمان اللذان حكاهما الله عن اليهود قد اتصف بهما كثير من المسلمين، فاستحلّ بعضهم حقوق أهل الذمة، وتأوّلوها بأنهم صاروا أهل حرب، في حين لا حرب ولا ضرب.

وقد كذّبهم الله تعالى في هذا الزعم فقال: ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ قال المفسرون: إنهم ادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم.

وروى عن سعيد بن جبير أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ﴾ إلى قوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلاّ وهو تحت قدميّ هاتين إلاّ الأمانة فإنها مؤدّاة إلى البرّ والفاجر.

وقوله وهم يعلمون حال أي يعتمدون الكذب: إما لأنهم علموا أنّ ما قاسوه على ما في كتابهم ليس القياس فيه بصحيح، وإما لأنّ التأويل الباطل بمنزلة العلم بالكذب، إذ الشبهة الضعيفة كالعهد.

و (بَلى) حرف جواب وهو مختص بإبطال النفي فهو هنا لإبطال قولهم: ﴿ ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ [آل عمران: 75].

و (بلى) غير مختصّة بجواب الاستفهام المنفي بل يجاب بها عند قصد الإبطال، وأكثر مواقعها في جواب الاستفهام المنفي، وجيء في الجواب بحكم عام ليشمل المقصود وغيره: توفيراً للمعنى، وقصْداً في اللفظ، فقال: ﴿ من أوفى بعهده ﴾ أي لم يخن، لأنّ الأمانة عهد، ﴿ واتقى ﴾ » ربه فلم يدحَض حق غيره ﴿ إنّ الله يحبّ المحسنين ﴾ [المائدة: 13] أي الموصوفين بالتقوى، والمقصود نفي محبة الله عن ضدّ المذكور بقرينة المقام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ﴾ اخْتَلَفُوا في دُخُولِ الباءِ عَلى القِنْطارِ والدِّينارِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها دَخَلَتْ لِإلْصاقِ الأمانَةِ كَما دَخَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى (عَلى) وتَقْدِيرُهُ: ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ عَلى قِنْطارٍ.

﴿ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا بِالمُطالَبَةِ والِاقْتِضاءِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: بِالمُلازَمَةِ.

والثّالِثُ: قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ يَعْنِي في أمْوالِ العَرَبِ، وفي سَبَبِ اسْتِباحَتِهِمْ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهم مُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: لِأنَّهم تَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمُ الَّذِي عامَلْناهم عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ جُرَيْجٍ، وقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (كَذَّبَ اللَّهُ أعْداءَ اللَّهِ، ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ)» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ﴾ قال: هذا من النصارى ﴿ ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك ﴾ قال: هذا من اليهود ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ قال: إلا ما طلبته واتبعته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك ﴾ قال: كانت تكون ديون لأصحاب محمد عليهم فقالوا: ليس علينا سبيل في أموال أصحاب محمد إن أمسكناها.

وهم أهل الكتاب أمروا أن يؤدوا إلى كل مسلم عهده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك ين دينار قال: إنما سمي الدينار لأنه دين، ونار، قال: معناه أن من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذ بغير حقه فله النار.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن الدرهم لمَ سمي درهماً، وعن الدينار لمَ سمي ديناراً؟

قال: أما الدرهم فكان يسمى دارهم، وإما الدينار فضربته المجوس فسمي ديناراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم مجاهد ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ قال: مواظباً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ يقول: يعترف بأمانته ما دمت عليه قائماً على رأسه، فإذا قمت ثم جئت تطلبه كافرك الذي يؤدي والذي يجحد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ قال قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: يقال له ما بالك لا يؤدي أمانتك؟؟

فيقول: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلَّها الله لنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابي أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: «لما نزلت ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤدَّاة إلى البر والفاجر» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن صعصعة.

أنه سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.

قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟

قال: نقول ليس علينا في ذلك من بأس.

قال: هذا كما قال أهل الكتاب ﴿ ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ إنهم أدُّوا الجزية لم تحلَّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في الآية قال: بايع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم ثمن بيوعهم فقالوا: ليس علينا أمانة، ولا قضاء لكم عندنا لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فقال الله: ﴿ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس ﴿ بلى من أوفى بعهده واتقى ﴾ يقول: اتقى الشرك ﴿ فإن الله يحب المتقين ﴾ يقول الذين يتقون الشرك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ﴾ الآية.

قال عُظْمُ (١) (٢) قال (٣) (٤) وقال ابن عباس في رواية الضحاك (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ ﴾ .

يقال: (أمنتهُ بكذا، وعلى كذا)، كما يقال: (مررت به، وعليه) (٨) (٩) (١٠) (١١) وفي قوله: ﴿ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ وجوه من القراءة: تسكين الهاء (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقال الفراء (١٨) لمَّا رَأَى أَنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ (١٩) (٢٠) (٢١) أنا ابنُ كلابٍ (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ .

أي: بالإلحاح (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال ابن قتيبة (٢٩) (٣٠) ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ  ﴾ ؛ أي: عاملة بأمر الله، غير تاركة.

ثم قيل لكل من واظب على مطالبة أمر: (قامَ به)، وإن لم يكن ثَمَّ (٣١) (٣٢) (٣٣) يقومُ (٣٤) (٣٥) أراد: يحققه ويتمسك بالمطالبة به، وليس ثَمَّ قيامٌ على الرِّجْل.

وقال أبو علي الفارسي (٣٦) ﴿ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ  ﴾ .

ومِنْ هذا قولُه: ﴿ دِينًا قِيَمًا ﴾ (٣٧) ﴿ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ ؛ أي: دائمًا ثابتًا في اقتضائك له، ومطالبتك إياه.

ومن المفسرين من يجعل القيام ههنا حقيقةً.

قال السدِّي (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) وقوله (٤٥) ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ أي: ذلك الاستحلال والخيانة، بأنهم يقولون: ليس علينا فيما اؤتُمِنَّا (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) وكانت اليهود تستحل ظلم من خالفهم في دينهم، وتقول (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) و (٥٥) (٥٦)  : " [كذَّب اللهُ أعداءَ اللهِ] (٥٧) (٥٨) (٥٩) وقال ابن عباس في رواية عطاء (٦٠)  ، والمسلمون.

وهو قول: الحسن (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أنهم يكذبون.

(١) (عُظْمُ الشيء، ومُعْظمهُ): جُلُهُ وأكثرُه.

انظر: "اللسان" 5/ 304 (عظم).

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 317.

(٣) في (ج): (وقال).

(٤) في "تفسيره" 1/ 285 نقله عنه بالمعنى.

(٥) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.

وقد وردت في "تفسير البغوي" 2/ 56، "زاد المسير" 1/ 408، "الخازن" 1/ 309.

(٦) في (ب): (فيحاص).

(٧) وردت في المصادر التي رجعت إليها: (عازوراء) بمد وهمز.

انظر: "تفسير البغوي" 2/ 56، "زاد المسير" 1/ 408، "تفسير القرطبي" 4/ 115.

وفنحاص، سَيِّد بني قَيْنُقاع اليهود، ومن أحبارهم، وعلمائهم.

انظر: "سيرة ابن هشام" 137، 187، 201، "تفسير الطبري" 7/ 455.

(٨) انظر: "تفسير الطبري" (520).

(٩) انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 123، "مغني اللبيب" 137.

(١٠) انظر: كتاب "معاني الحروف" للرماني: 108، "مغني اللبيب" 190.

(١١) في (ج): (متعاقبان).

(١٢) وهي قراءة أبي عمرو من رواية عبد الوارث واليزيدي عنه، وقراعة حمزة، وعاصم من رواية أبي بكر عنه.

انظر: "السبعة" 207 - 212، "التبصرة" 461، "اتحاف فضلاء البشر" ص 176.

والخلاف هنا في حال الوصل، أما في حال الوقف فلا خلاف على الإسكان.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" له: 1/ 234.

(١٤) في (ج): (الحرفر).

(١٥) في (ج): (الاسم).

(١٦) (المكني): ساقطة من: (ج).

(١٧) ما ذكره المؤلف من كون هذه القراءة غير مرضية عند أهل النحو، وخطَّأوها، فإنه لا يؤثر في صحة هذه القراءة، لأن القراءات المعتمدة قرآنٌ، فهي حجة على النحو واللغة، وليس النحو واللغة حجة عليها.

وما النحو واللغة إلا أدوات خادمة لكتاب الله تعالى.

يقول أبو عمرو الداني: (وأئمة القرَّاء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل.

والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياسُ عربية ولا فشوُّ لغة؛ لأن القراءة سنَّة متَّبعة، يلزم قبولها والمصير إليها).

"النشر" 1/ 10 - 11.

ويقول الفرَّاء: (والقُّرَّاء لا تقرأ بكل ما يجوز في العربية، فلا يقبحنَّ عندك تشنيعُ مشَنِّع مما لم يقرأه القراء مما يجوز).

"معاني القرآن" 1/ 245.

فالقراءات (ما دام سندها الرواية، ودعامتها السماع، فهي من أجل هذا أقوى من المصادر الأخرى كالشعر وغيره؛ لأن رواة القراءات يتحرجُّون من عدم الدقة فيها، على حين لا يبالون بالحرج في غيرها؛ حينما تخون الحافظة، أو يستبد النسيان، أو يقع على الألسنة التحريف).

"أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية" 58.

أما ما يتعلق بهذه القراءة، وتخطئة الزجاج لها، فقد دفع هذا أبو حيَّان، فقال: (وما ذهب إليه أبو إسحاق من أن الإسكان غلط، ليس بشيءٍ؛ إذ هي قراءة في "السبعة" وهي متواترة.

وكفى أنها منقولة عن إمام البصريين أبي عمرو بن العلاء، فإنه عربي صريح، وسامع لغة، وإمام في النحو، ولم يكن ليذهب عنه جوازُ مثل هذا، وقد أجاز ذلك الفرَّاء، وهو إمام في النحو واللغة، وحكى ذلك لغةً لبعض العرب، تجزِمُ في الوصل والقطع.

وقد روى الكسائي أن لغة عقيل وكلاب أنهم == يختلسون الحركة في هذه الهاء، إذا كانت بعد متحرك، وأنهم يسكنون أيضًا ..).

"البحر المحيط" 2/ 499، وانظر: "الكشف" 1/ 349.

وانظر ما سبق بيانه عند التعليق على توجيه المؤلف لقراءة نافع الواردة في قوله تعالى: ﴿ فيكون طائرًا بإذن الله ﴾ من آية: 49، وعن تعليقي على توجيه المؤلف لقراءة ابن كثير لقوله تعالى: ﴿ آن يؤتى ﴾ من آية: 73، والتعليق على كلام المؤلف حول القراءة الواردة بتسكين الهاء في قوله: ﴿ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ من آية: 75.

(١٨) في "معاني القرآن" له: 1/ 223، نقله عنه بتصرف.

وليس في هذا الموضع من كتابه بيتُ الشعر الآتي، وإنما ذكره الفراء في 1/ 388 عند قوله: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ .

الأعراف: 111.

(١٩) صدر بيت من الرجز لمنظور بن حبة الأسدي، وقبله: يا رُبَّ أبَّازٍ مِنَ العُفْرِ صَدَعْ ...

تقَبَّضَ الذِئبُ إليهِ فاجتَمعْ.

لما رأى أنْ لا دعه ولا شبع ...

مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضطجعْ.

وقد ورد في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 388، "إصلاح المنطق" 95، "المحتسب" 1/ 107، "الخصائص" 1/ 63، 263، 3/ 163، "المنصف" 2/ 329، والمخصص: 8/ 24، "شرح المفصل" 9/ 82، 10/ 46، "اللسان" 1/ 6 (أبز)، 1/ 63 (أرط)، 5/ 2554 (ضجع)، 3/ 1664 (رطا)، "أوضح المسالك" 3/ 313، "المقاصد النحوية" 4/ 854، "التصريح" 2/ 367، "منهج السالك" 4/ 280، 332، "الأشباه والنظائر" للسيوطي: 2/ 340، و"شرح شواهد الشافية"، للبغدادي (مطبوع في آخر "شرح الشافية"): 4/ 274.

والأبَّاز: القفَّاز، مِنَ (القَفْزِ).

و (العُفر)، جمع: (عفْراء) أو (أعْفَر)، وهي مِن الظباء: التي يعلو بياضها حُمرة.

و (الصَّدَعُ): الوسط من الوعول، ليس بالعظيم ولا الصغير.

وقيل: هو الشيء بين == الشيئين من أي نوع كان.

يصف الذئب بأنَّهُ تقَبَّضَ؛ أي: جمع قوائمه ليثب على الظبي.

فلمَّا رأى الذئبُ أن لا مجال لإدراك الظبي والشبع منه ولا مجال للدَّعةِ -وهي الخفض ولين العيش-، فحينها مال إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضطجع.

و (الأرطاة): شجر ينبت في الرمل وجمعها: (أرْطَى).

و (الحِقْف) بكسر الحاء وسكون القاف، وهو: المعوجُّ من الرمل، وجمعه: (أحقاف)، و (حُقوف)، و (حِقاف)، و (حِقَفَة).

انظر: "اللسان" 1/ 6 (أبز)، 4/ 2414 (صدع)، 2/ 939 (حقف)، "شرح شواهد الشافية" 4/ 275 - 276.

والشاهد فيه هنا: إبدال تاء التأنيث في (دعه) هاءً، ومعاملة الكلمة في الوصل كما تعامل في الوقف.

واعترض السمين الحلبي على الفراء في إيراده هذا البيت شاهدًا في هذا الموضع؛ لأن الهاء في البيت هي هاء التأنيث، والكلام هنا عن هاء الضمير، وهاء التأنيث لاحظ لها من الحركة البتةَ.

انظر: "الدر المصون" 3/ 264.

(٢٠) اختلاس الحركة: الإسراع بها إسراعًا يحكم السامع له أن الحركة قد ذهبت، وهي كاملة في الوزن.

انظر: "التمهيد" لابن الجزري: 59.

فالقارئ لا يكمل الحركة، بل يأتي بثلثيها فقط.

(٢١) وهي قراءة نافع برواية الحلواني عن قالون عنه، وقراءة يعقوب وأبي جعفر من العشرة.

انظر: "المبسوط" لابن مهران: 145، "حجة القراءات" 167، "إتحاف فضلاء البشر" ص 176.

(٢٢) جاءت في (أ)، (ب)، (ج): (حلاب).

والمثبت من مصادر البيت.

(٢٣) لم أقف على قائله، وقد ورد في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 223، "تهذيب اللغة" 3/ 2678 (غطى)، "الصحاح" 2447 (غطا)، "الإنصاف" 407، "اللسان" == 6/ 3273 (غطى)، "الدر المصون" 3/ 264.

وقوله: (لمجتلي) وردت في "الإنصاف"، "اللسان": (مجتَلى)، وفي "معاني القرآن": (لمجتلَى) بفتح اللام وفي "الإنصاف" "اللسان" لم تضبط اللام وما بعدها بالشكل.

وما في المخطوط موافق لما في "التهذيب"، "الصحاح"، "الدر المصون".

وقوله: (مَغْطِيًا)؛ من: (غَطَيتُ الشيءَ): سترته، (أغْطِيهِ غَطْيًا)، فـ (هو مُغْطِيٌّ)، وهي بمعنى: (غطَّى يُغَطِّي).

ويقال: (فلانٌ مَغْطيُّ القِناعِ): إذا كان خامل الذِّكرِ.

وقوله: (مُجتلي)؛ أي: نابه الذكْرِ محمود الأثر.

انظر: "اللسان" 6/ 3273 (غِطى).

والشاهد في البيت: اختلاس ضمةِ الهاء في (قناعُهُ)، وعدم إشباعها حتى تنشأ عنها واو.

(٢٤) وهي قراءة عاصم برواية حفص، وقراءة ابن كثير، والكسائي، ونافع من رواية ورش عنه، ورواية الكسائي عن إسماعيل بن جعفر عنه، وقراءة ابن عامر.

انظر: "السبعة" 207 - 212، "المبسوط" لابن مهران: 145.

(٢٥) في (ج): (باالالجاج).

(٢٦) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ورد في "تفسير البغوي" 2/ 92.

(٢٧) قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 123، "الطبري" 3/ 317، "ابن أبي حاتم" 2/ 683، "زاد المسير" 1/ 409.

(٢٨) قوله في "تفسيره" 129، "تفسير الطبري" 3/ 317، "ابن أبي حاتم" 2/ 683، "زاد المسير" 1/ 409.

(٢٩) في "تأويل مشكل القرآن" 181.

نقله عنه بتصرف واختصار.

(٣٠) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).

(٣١) في (ج): (تم).

(٣٢) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٣) قد يكون الضمير في (أنشد) يعود على ابن الأنباري.

لأنه أقرب متَحَدَّث عنه، وقد يرجع إلى ابن قيبة؛ لأن المؤلف هنا ينقل كلامه، وابن قتيبة قد أنشد هذا البيت في هذا الموضع استدلالًا على المعنى الذي ذهب إليه، وحينها يكون قول المؤلف: (ومثله قال ابن الأنباري) جملةً معترِضَةً، وهو الذي أرَجِّحه.

(٣٤) في (ج): (نقوم).

(٣٥) البيت في ديوانه: 198، "تأويل مشكل القرآن" 181، "النكت والعيون" 2/ 859.

وقد ورد في "النكت": (على الرَّغْمِ).

والشاعر يمدح قيس بن معد يكرب.

و (الوَغْم): الحقد الثابت في الصدر، والثأر، والقهر.

انظر (وغم) في "العين" 4/ 456، "اللسان" 8/ 4880، "القاموس" (1167).

ومعناه: يقوم مطالبًا بالثأر لقومه، ولا يقعد ولا يتوانى عن ذلك.

(٣٦) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٧) سورة الأنعام: 61.

فُسِّر (قِيَما)، بمعنى: مستقيمًا.

ولا منافاة بين التفسيرين.

قال الآلوسي: (ولا فرق بين (القيم) و (المستقيم) في أصل المعنى، عند الكثير.

وفسروا (القِيَم) بالثابت المقوم لأمر المعاش والمعاد، وجعلوا المستقيم) من:== استقام الأمر؛ بمعنى: ثبت ..

وقيل: (المستقيم) مقابل (المعوج).

والقِيَم: الثابت الذي لا ينسخ).

"روح المعاني" 8/ 70.

وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 111، "تهذيب اللغة" 3/ 2862 (قام).

(٣٨) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 117، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 683.

(٣٩) في (ب): (على مطالبته).

(٤٠) لم أقف على مصدر قوله.

(٤١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

وفي (ب): (بعته ما).

والمثبت من (ج).

(٤٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

وساقط من (ب).

والمثبت من (ج).

(٤٣) انظر: "معاني القرآن" له 1/ 224.

(٤٤) انظر: "معاني القرآن" له 1/ 433.

(٤٥) في (ب): (قوله).

(٤٦) في (ج): (أصبنا).

(٤٧) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ).

وساقط من: (ب).

والمثبت من: (ج).

(٤٨) في (ب): (وهذا).

(٤٩) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 117، و"ابن أبي حاتم" 2/ 683، "الدر المنثور" 2/ 77 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.

(٥٠) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 117، "ابن أبي حاتم" 2/ 683.

(٥١) في (ب): (فتقول).

(٥٢) في (ب): (أخذ).

(٥٣) قد: ساقطة من (ب).

(٥٤) في (ب): (دين).

(٥٥) في (ب): (لما).

(٥٦) (أنه): ساقطة من: (ج).

(٥٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وبياض في (ب).

والمثبت من (ج).

إلا أن الحديث في كل مصادره التالية، ورد بلفظ: (كذب أعداء الله).

(٥٨) ما بين المعقوفين: غير مقروء تمامًا في (أ)، وبياض في (ب)، والمثبت من: (ج) ومصادر الخبر.

(٥٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 117، وابن أبي حاتم 2/ 683، والثعلبي 3/ 60 ب، وابن كثير 1/ 401، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 77 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

وقد أخرجه كلهم عن سعيد بن جبير مرسلا.

وقال الشيخ أحمد شاكر عن إسناده إلى سعيد بن جبير: (وإسناده إليه إسناد جيد).

هامش "تفسير الطبري" 1/ 473.

(٦٠) لم أقف على مصدر هذه الرواية.

(٦١) قوله في "النكت والعيون" 1/ 403، "تفسير البغوي" 2/ 56.

(٦٢) قوله في "تفسيره" 1/ 285.

(٦٣) قوله في "الطبري" 3/ 117، "ابن أبي حاتم" 2/ 683، "النكت والعيون" 1/ 403.

(٦٤) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).

(٦٥) في (ب): (نقضوهم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ الآية: إخبار أن أهل الكتب على قسمين: أمين، وخائن.

وذكر القنطار مثالاً للكثير؛ فمن أدّاه: أدّى ما دونه، وذكر الدينار مثالاً للقليل، فمن منعه منع ما فوقه بطريق الأولى ﴿ قَآئِماً ﴾ يحتمل أن يكون من القيام الحقيقي بالجسد، أو من القيام بالأمر، وهو العزيمة عليه ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ ﴾ الإشارة إلى خيانتهم والباء للتعليل ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا ﴾ زعموا: بأنّ أموال الأمّيين وهو العرب حلال لهم ﴿ الكذب ﴾ هنا قولهم، إنّ الله أحلها عليهم في التوراة، أو كذبهم على الإطلاق ﴿ بلى ﴾ عليهم سبيل وتباعة ضمان في أموال الأمّيين ﴿ بِعَهْدِهِ ﴾ الضمير يعود على من أو على الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آن يؤتى ﴾ بهمزتين وتليين الثانية: ابن كثير.

الباقون بهمزة واحدة ﴿ يؤدهى ولا يؤدهى ﴾ ابن كثير ونافع غير قالون وابن عامر وعلي وخلف وحفص والمفضل وعباس وسهل وزيد عن يعقوب، وقرأه أبو جعفر وقالون يعقوب غير زيد وأبو عمرو في رواية الزيدي طريق أبي أيوب الهاشمي بالاختلاس.

الباقون ساكنة الهاء.

﴿ تعلمون ﴾ بالتشديد.

عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.

فحذف المفعول الأول للعلم به وهو الناس.

الباقون ﴿ تعلمون ﴾ بالتخفيف من العلم.

﴿ ولا يأمركم ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي والأعشى والبرجمي وأبو زيد غير المفضل، وقرأ أبو عمرو بالاختلاس.

الباقون بالنصب.

/ الوقوف: ﴿ يرجعون ﴾ ج للعطف ﴿ دينكم ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ (لا) لأن التقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أويتم إلا لمن تبع دينكم.

وقوله: "قل" مع مقوله معترض.

ومن قرأ ﴿ آن يؤتى ﴾ مستفهماً وقف عليها.

﴿ عند ربكم ﴾ ط ﴿ بيد الله ﴾ ج ط لأن ﴿ يؤتيه ﴾ لا يتعلق بما قبله مع أن ضمير فاعله عائد إلى الله.

﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط ج لاحتمال الاستئناف والصفة.

﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ الأولى ج لتضاد الجملتين معنى مع اتفاقهما لفظاً.

﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ج لأن الواو للاستئناف مع اتساق معنى الكلام ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ يزكيهم ﴾ ص ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وما هو من الكتاب ﴾ ج لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ وما هو عند الله ﴾ ج ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ تدرسون ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويأمركم ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يؤتيه ﴾ ﴿ أرباباً ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه.

التفسير: هذا نوع آخر من تلبيساتهم.

وقوله ﴿ بالذي أنزل ﴾ يحتمل أن يراد كل ما أنزل الله عليهم، ويحتمل أن يراد بعض ما أنزل.

أما الاحتمال الأول فقول الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان دون الاعتقاد ﴿ وجه النهار ﴾ أي أوله.

والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ومنه وجه الثوب لأول ما يبدو منه.

روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وشباب نهار.

وأنشد الربيع بن زياد: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه *** قد قمن قبل تبلج الأسحار وذلك أنه كان من عادتهم أن لا يظهروا الجزع على المقتول إلى أن يدركوا الثأر.

فمعنى البيت من كان مسروراً فليرَ أثر تشفي الغيظ ودرك الثأر قبل أن يمضي على المقتول تمام يوم وليلة.

واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، فإن أصحابه متى شاهدوا هذا غلب على ظنونهم أن هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإنما ذلك الأمر لأجل أنهم أهل كتاب وقد تفكروا في أمره وفي دلائل نبوته، فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الشافي أنه كذاب فيكون في هذا الطريق تشكيك لضعفة المسلمين فربما يرجعون عن دينهم.

وقال أبو مسلم: معنى وجه النهار وآخره أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم / فيرجعوا إلى دينكم، فتكون هذه الآية كقوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ﴾ .

وقال الأصمْ: معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين، وذلك أنه قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيراً مما جاء به حق، ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن دين الإسلام والرغبة فيه.

وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في شأن القبلة ثم اختلفوا.

فعن ابن عباس: وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، وآخره صلاة الظهر.

وتقريره "أنه  كان يصلي إلى بيت المقدس ففرح اليهود بذلك، فلما حوّله الله إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره: آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق" .

وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم فقالوا: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم يقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين.

ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ويصير ذلك وازعاً لهم.

وفيه أيضاً أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.

ثم قال  : ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ اتفق المفسرون على أنه من بقية حكاية كلام أهل الكتاب.

واتفقوا على أن قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وكذا قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ إلى آخرها كلام الله إلا أنهم اختلفوا في أن قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ من جملة كلام الله، أو من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فهذان احتمالان ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى تقدير وإضمار، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة.

أما الاحتمال الأول فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر.

وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر.

والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم تنكرون اتباعه؟

فحذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير.

ويقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه: أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟

والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك؟

ونظيره قوله: ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه  ﴾ ومعنى قول حكاية عنهم ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على هذا الوجه لا تصدقوا إلا نبياً / يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم.

واللام زائدة مثل ﴿ ردف لكم  ﴾ فإنه يقال: صدقت فلاناً ولا يقال صدقت لفلان.

فأمر الله نبيه أن يقول لهم في الجواب إن الدين دين الله، فكل ما رضيه ديناً فهو الدين الذي يجب متابعته كقوله في جواب قولهم: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب  ﴾ ثم وبخهم بالاستفهام المذكور.

ويحتمل أن يكون المعنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم.

فقيل للنبي  ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وقد جئتكم به فلن ينفعكم هذا الكيد الضعيف.

ثم استفهم فقال: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتم لا لشيء آخر؟

يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم؟

ثم قال: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ يعني دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل بالإيتاء عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم لأن ما أوتوا مثل ما أوتيتم، فحين لم تؤمنوا به ثبت لهم حجة عليكم.

وأما إن لم تقدر همزة الاستفهام فالتقدير إما كما سبق.

أو يقال: ﴿ الهدى ﴾ اسم "إن" و ﴿ هدى الله ﴾ بدل منه.

والتقدير: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.

ويكون "أو" بمعنى "حتى" ويتم الكلام بمحذوف أي حتى يحاجوكم عند ربكم فيقضي لهم عليكم ويدحض حجتكم، أو يقال: ﴿ أن يؤتى ﴾ مفعول فعل محذوف هو لا تنكروا لأنه لما كان الهدى هدى الله كان له أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار فصح أن يقال: لا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم من الهدى ما أوتيتموه أو يحاجوكم - يعني هؤلاء المسلمين - بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم.

أو يقال ﴿ الهدى ﴾ اسم للبيان و ﴿ هدى الله ﴾ بدل ويضمر لا بعد "إن" مثل ﴿ أن تضلوا  ﴾ أي لا تضلوا.

والتقدير: قل يا محمد لأمتك إن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، وأن لا يحاجوكم - يعني هؤلاء اليهود - عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم مهتدون وأنهم ضالون.

وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ من تتمة كلام اليهود، وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ جملة معترضة.

فمعناه لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أو لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم.

فحذف حرف الجر من "أن" على القياس.

قال في الكشاف: أراد أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا / تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام.

وقوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ عطف على ﴿ أن يؤتى ﴾ والضمير في ﴿ يحاجوكم ﴾ لـ ﴿ أحد ﴾ لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة.

قال: ومعنى الاعتراض، أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين.

وكذلك قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ مؤكد للاعتراض الأول، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد تمام الكلام كقوله: ﴿ وكذلك يفعلون  ﴾ بعد قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها  ﴾ فإن قيل: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد  كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار؟

ربما يدل على صحة دين محمد  عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب.

فالجواب: ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم، بل المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم.

على أنه يحتمل أن يكون شائعاً ولكن البغي والحسد كان يحملهم على الكتمان من غيرهم.

فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ فيما بين جزأي كلام واحد؟

وهذا لا يليق بكلام الفصحاء؟

قلت: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا كلاماً أمر الله نبيه أن يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد.

كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله  بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله، أو  الله، ثم يعود إلى تلك الحكاية.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيده.

واعلم أنه  حكى عن اليهود أمرين: أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام فأجاب بقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .

وذلك أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر.

وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ا أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ والمراد بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان.

والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير.

ومعنى قوله ﴿ بيد الله ﴾ أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله ﴿ يؤتيه من يشاء ﴾ .

وفيه دليل / على النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز ﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة ﴿ عليم ﴾ بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والحاصل أنه بين بقوله: ﴿ إن الفضل بيد الله ﴾ أنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه.

ثم قال: ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والرحمة المضافة إليه  أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون أشرف وأعظم.

﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فمن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة وعلى أشخاص معينين كان جاهلاً بكمال الله  في قدرته وحكمته.

ثم إنه  كذبهم في دعواهم الاختصاص بالمناصب العالية فإن فيهم الخيانة المستقبحة في جميع الأديان ونقص العهد والكذب على الله إلى غير ذلك من القبائح فقال: ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ الآية.

فيها دلالة على انقسامهم إلى قسمين: أهل للأمانة وأهل للخيانة.

فقيل: إن أهل الأمانة هم الذي أسلموا، أما الذي بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من يخالفهم في الدين وأخذ أموالهم.

وقيل: إن أصحاب الأمانة هم النصارى لغلبة الأمانة عليهم، وأهل الخيانة اليهود لكثرة ذلك فيهم.

وقال ابن عباس: ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤده ﴾ هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه و ﴿ من إن تأمنه بدينار لا يؤده ﴾ هو فنحاص بن عازورا استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه.

وقال أهل الحقيقة: هي فيمن يؤتى كثيراً من الدنيا فيخرج عن عهدته بعدم الالتفات إليه وقطع النظر عنه ثقة بالله وتوكلاً عليه واكتفاء به، وفيمن يمتحن بالدنيا فيكون همه مقصوراً عليها معرضاً عما سواها غير مؤد حقوقها.

ويقال: أمنته بكذا وعلى كذا، فمعنى الباء إلصاق الأمانة بحفظها وحياطتها، ومعنى "على" استعلاؤها والاستيلاء عليها.

والمراد بالقنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل فلا حاجة إلى تعيينه.

وأما الأقوال فيه فقد مرت في أوائل السورة.

وقد يستدل بما روينا عن ابن عباس أن القنطار ألف ومائتا أوقية.

ويدخل تحت القنطار والدينار العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين لكنه نقل عن ابن عباس أنه محمول على المبايعة فقال: منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك.

ونقلنا عنه أيضا أنها نزلت في الوديعة.

وأما قوله ﴿ إلا ما دامت عليه قائماً ﴾ فمنهم من حمله على حقيقته.

قال السدي: يعني إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه مجتمعاً معه ملازماً إياه، فإن / أنظرت وأخرت أنكر.

ومنهم من يحمله على الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة.

قال ابن قتيبة: أصله أن الطالب للشيء يقوم به والتارك له يقعد عنه ومنه قوله  : ﴿ أمة قائمة  ﴾ أي عاملة بأمر الله غير تاركة له.

وقال أبو علي الفارسي: إنه في اللغة الدوام والثبات ومنه قوله: ﴿ ديناً قيماً  ﴾ أي ثابتاً لا ينسخ.

فمعنى الآية إلا دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.

﴿ ذلك ﴾ الاستحلال وترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده بسبب أنهم يقولون ليس علينا في ما أصبنا من أموال العرب سبيل بالخطاب والعتاب.

إما لأنهم يبالغون في التعصب لدينهم حتى استحلوا قتل المخالف وأخذ ماله بأي طريق كان، وإما لأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا في الإسلام أنه كفر فيحكمون على المسلمين بالردة فيستحلون دماءهم وأموالهم.

روي أن اليهود عاملوا رجالاً في الجاهلية من قريش.

فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فلا جرم قال  : ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم كاذبون، وهذه غاية الجرأة والجهالة.

أو يعلمون حرمة الخيانة، أو يعلمون ما على الخائن من الإثم.

عن النبي  أنه قال عند نزولها: " "كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" .

وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.

قال: فتقولون ماذا؟

قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس.

قال: هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل.

إنهم إذا أدوا الجزية لم يحل أكل أموالهم إلا بطيب أنفسهم، ﴿ بلى ﴾ قال الزجاج: عندي وقف التمام ههنا لأنه لمجرد نفي ما قبله أي بلى عليهم سبيل في ذلك وما بعده استئناف، وقال غيره: إنه يذكر في ابتداء كلام يقع جواباً عن المنفي قبله.

فقولهم: ﴿ ليس علينا جناح ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ نحن أحباء الله ﴾  فقيل لهم: إن أهل الوفاء بالعهد وأهل التقى هم الذين يحبهم الله.

وعلى هذا فلا وقف على "بلى".

وفيه أن اليهود ليسوا من الوفاء والتقى في شيء، ولو أنهم أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الذي أخذه الله  في كتابهم من الإيمان بنبي آخر الزمان وهو محمد  .

ولو أنهم اتقوا الله لم يكذبوا عليه ولم يحرفوا كتابه.

وعموم لفظ المتقين قائم مقام الضمير العائد إلى المبتدأ والضمير في ﴿ بعهده ﴾ يجوز أن يرجع إلى ﴿ من ﴾ ويجوز أن يرجع إلى اسم الله كقوله في الآية التالية ﴿ بعهد الله ﴾ .

واعلم أن الوفاء والتقى أصلان لجميع مكارم الأخلاق.

فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق وعهد الله  بالتزام التكاليف الخاصة / والعامة، والتقوى تتممها وتزينها حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير شائبة الاختلال.

فكل متقٍ موفٍ بالعهد ولا يلزم العكس، فلهذا اقتصر على قوله: ﴿ يحب المتقين ﴾ دون أن يقول يحب الموفين أو الموفين والمتقين فافهم.

ثم إنه  لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس - والخيانة فيها لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة غالباً - لا جرم أردفها بالوعيد عليها.

وأيضاً الخيانة في العهود وفي تعظيم أسماء الله تناسب الخيانة في الأموال، فلا جرم قال: ﴿ إن الذين يشترون ﴾ الآية.

واختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها باليهود لأن الآيات السابقة فيهم وكذا اللاحقة، ومنهم من خصها بغيرهم والروايات هذه.

قال عكرمة: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود.

كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد  وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله كيلا يفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم.

وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود أولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة، فسألهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟

قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟

قال: لا.

قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله.

قال كعب: لقد حرمكم الله خيراً كثيراً.

لقد قدمتم عليّ وأنا أريد أن أميركم وأكسوا عيالكم فحرمكم الله وحرم عيالكم.

فقالوا: فإنه شبه لنا فرويداً حتى نلقاه.

فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ثم انتهوا إلى رسول الله فكلموه وسألوه ثم رجعوا فقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول الله فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفاً للذي عندنا.

وأخرجوا الذين كتبوا فنظر إليه كعب ففرح وأمارهم وأنفق عليهم فنزلت.

وعن الأشعث بن قيس: "خاصمت رجلاً في بئر فاختصمنا إلى رسول الله  فقال: شاهداك أو يمينه.

فقلت: إذاً يحلف ولا يبالي.

فقال  : من حلف عليّ يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان" ونزلت الآية على وفقه.

وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه.

ومعنى يشترون يستبدلون، وعهود الله مواثيقه، واليمين هي التي يؤكد الإنسان بها خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إقرار بذكر اسم الله  أو صفة من صفاته أو ما يجري مجراه.

والثمن القليل متاع الدنيا من المال والجاه ونحوهما.

ثم إنه  رتب على الشراء بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلاً خمسة أنواع من الجزاء فقوله: ﴿ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ﴾ إشارة إلى أنه لا نصيب لهم في منافعها ونعيمها.

وقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ﴾ إشارة إلى حرمانهم عما عند الله من الكرامات والقرب.

وقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ إشارة إلى ما يحصل لهم هنالك من صنوف الآلام وضروب / الأهوال.

قال المحققون ومنهم القفال: المقصود من هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه ويقول: لا أكلمك ولا أرى وجهك.

وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل.

قال في الكشاف: لا ينظر إليهم مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم.

تقول: فلان لا ينظر إلى فلان تريد نفي اعتداده به.

وأصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر.

ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.

قلت: لعله أراد بهذا المجاز الاستعارة كأنه شبه هذا النظر بذاك النظر، ثم حذف المشبه وأداة التشبيه فبقي استعارة.

وفي التفسير الكبير: لا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية لأنه  يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام وهو  منزه عن ذلك، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف "إلى" ليس بمعنى الرؤية وإلا لزم من هذه الآية أن لا يكون الله رائياً وذلك باطل.

قلت: يجوز أن يراد بهذا النظر النظر المعهود وهو الذي سيخص الله  به أولياءه من أنه ينظر إليهم وينظرون إليه ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ وعلى هذا جاز أن يكون النظر بمعنى الرؤية لأنه لا يلزم من نفي رؤية يراه العباد أيضاً وقتئذٍ نفي رؤية لا يرونه حينئذٍ ﴿ وإن منهم لفريقاً ﴾ عن ابن عباس هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله  فأخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب ﴾ قال القفال: معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفوها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى.

فإن الليَّ عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية.

وإنما كانوا يفعلون مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد  وفي غيرها بحسب أغراضهم الفاسدة.

وفي الكشاف: أي يقتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف.

أقول: وذلك أن لي اللسان أشبه بالتشدق والتنطع والتكلف مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بليّ اللسان ذماً لهم وتقريعاً، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ﴿ لتحسبوه ﴾ أي المحرف الذي دل عليه ﴿ يلوون ﴾ ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب ﴿ وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ نفى أوّلاً كونه من الكتاب، ثم عطف عليه النفي العام / ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس.

فإن كل هذا يصدق عليه أنه من عند الله بمعنى كونه حكماً من أحكامه المستنبطة من الأصول.

ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم: ﴿ هو من عند الله ﴾ أنه موجود في كتاب سائر الأنبياء.

وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى الله كانوا متحيرين خابطين.

فإن وجدوا قوماً من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا: إنه من التوراة.

وإن وجدوا قوماً عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء.

واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد  بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب الله  لم يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه.

احتج الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله  وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند الله، لكن الله كذبهم.

والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو هو حكم من أحكامه فتوجه التكذيب تكذيب الله إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا، فلم يبق لهما في الآية استدلال.

ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عز من قائل: ﴿ ما كان لبشر ﴾ الآية.

وقيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله  : أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟

فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت.

وقيل: "إن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟

قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله" .

وقيل: زعمت اليهود أن أحداً لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم الله: إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ قال الأصم: لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الله منه نظيره ﴿ ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  ﴾ ﴿ لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات  ﴾ وقيل: معناه أنه  لا يشرف عبداً بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام.

وقيل: إن الرسول يدعي تبليغ الأحكام عن الله  ويحتج / على صدقه بالمعجزة.

فلو أمرهم بعبادة نفسه بطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً.

والتحقيق أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها هذا الادعاء، لأن النفس ما لم تكن كاملة بحسب قوتها النظرية والعملية لم تكن مستعدة لقبول نزول الكتاب السماوي عليه وللحكم وهو فهم ذلك الكتاب وبيانه.

وقد يعبر عنه بالسنة والنبوة وهو كونه مأموراً بتبليغ ما فهم إلى الخلق، وما أحسن هذا الترتيب، وإذا كانت كاملة بحسب القوتين وما يتبعهما امتنع من مثله مثل هذا القول والاعتقاد، لأن غاية جهد النبي وقصارى أمره صرف القلوب والأرواح من الخلق إلى الحق، فكيف يعقل منه ضده؟

فتبين أنه ليس المراد من قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ إلى قوله: ﴿ كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق.

ولو كان المراد منه التحريم لم يكن فيه تكذيب للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلاناً لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن مكذباً له فيما ادعاه عليه.

ومثله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد  ﴾ على سبيل النفي لذلك عن نفسه لا على وجه التحريم والحظر.

وكذا قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يغل  ﴾ ومعناه النفي لا النهي.

ومعنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم يقول ﴾ تبعيد هذا القول عن مثل ذلك البشر ﴿ ولكن كونوا ﴾ ولكن يقول كونوا ﴿ ربانيين ﴾ قال سيبويه: الرباني منسوب إلى الرب بمعنى كونه عالماً به ومواظباً على طاعته كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته.

وزيادة الألف والنون في النسبة فقط للدلالة على كمال هذه الصفة كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني للموصوف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة.

وقال المبرد: والربانيون أرباب العلم واحدها ربان وهو الذي يرب العلم ويرب الناس بتعليمهم وإصلاحهم والقيام بأمرهم.

والألف والنون كما في ريان وعطشان لا يختص بحال النسبة.

والربانيون بهذا التفسير يشمل الولاة أيضاً.

قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي يسمى ربانياً لأن يطاع كالرب  فينسب إليه.

فمعنى الآية: ولكن يدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله  ومواظبتكم على طاعته.

وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية.

وسواء كانت عربية أو عبرية تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ثم اشتغل بتعليم طرق الخير.

عن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة.

والباء في قوله: ﴿ بما كنتم ﴾ للسببية و"ما" مصدرية و ﴿ تعلمون ﴾ من التعليم أو العلم على القراءتين فيعلم منه أن التعليم أو العلم أو الدراسة وهي القراءة توجب على صاحبها كونه ربانياً، والسبب لا محالة مغاير للمسبب فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً أمراً مغايراً لكونه عالماً ومعلماً ومواظباً على / قراءة العلم، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه لله وتعليمه لله ودراسته لله.

فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب بينه وبين ربه منقطعاً وكان مثله كمن غرس شجرة تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ولهذا قال  : " نعوذ بالله من قلب لا يشخع ومن علم لا ينفع " وفي الآية دليل على صحة قوله  : " "العلماء ورثة الأنبياء " تأمل تفهم بإذن الله.

﴿ ولا يأمركم ﴾ من قرأ بالنصب فوجهان: أحدهما أن تجعل "لا" مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه الله منصب الدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم ﴿ أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ كما نقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي.

والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسل كان ينهي قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له: أنتخذك رباً؟

قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء، فيكون عدم الأمر في معنى النهي.

ويراد بالنبيين غيره  كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء.

ومن قرأ بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ولن يأمركم ﴾ والضمير فيه على قراءة الرفع - قال الزجاج - لله.

وقال ابن جريج لمحمد  ، وقيل: لعيسى.

وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح.

﴿ أيأمركم ﴾ أي البشر وقيل: الله ﴿ بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ ومعنى الاستفهام الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك.

قيل: وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا رسول الله  أن يسجدوا له.

قلت: وضع الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا يعقل أن يأمر النبي  أمته بعبادة نفسه أول ما استنبىء، فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى والإيمان بالله؟

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ : والقنطار ما تقدم ذكره، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ : وصف - جلّ وعز - أهل الكتاب بعضهم بأداء الأمانة، وبعضهم بالخيانة، وليس المراد من الآية - والله أعلم - القنطار نفسه أو الدينار، ولكن وصفهم بأن فيهم أمانة وخيانة، قلّت الخيانة أو عظمت، وكذلك الأمانة؛ ألا ترى أنه يستحق الذم بدون القنطار والدينار إذا خان، وكذلك يستحق الحمد إذا أدى بدون ذلك؟!

دلّ أنه لم يرد به التقدير، ولكن على التمثيل، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  ﴾ ليس على إرادة الذرّة؛ ولكن على التمثيل أن لعمل الخير والشر جزاء وإن قل؛ فكذلك الأول.

وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد، ولما ذكر أنه لم يرد القدر الذي ذكره؛ ولكن لمعنى فيه: بالاجتهاد يعرف لا بالنصوص، وعن الشافعي -  -: أن الدينار عنده مستكثر يحلف [عليه] مدّعيه عند المنبر، والله -  - جعله مستقلاًّ.

وفيه دلالة - أيضاً - جواز شهادة بعضهم لبعض وعلى بعض، إن كانت فيهم نزلت، على ما قاله بعض أهل التأويل؛ لأنه وصف - عز وجلّ - بعضهم بالأمانة في المال، وإن كانت الأمانة لهم في الدّين والشهادة أمان، والله أعلم.

ويحتمل: أن تكون الآية فيمن أسلم منهم وصف بالأمانة، ومن لم يسلم وصفهم بالخيانة؛ على ما ذكر - عز وجل - مثله في آية أخرى: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ  ﴾ : وصف - عز وجل - من آمن منهم بالعدالة والهدى، ووصف الكفار بالخيانة في غير أي من القرآن.

ويحتمل أن تكون الآية فيا ائتُمِنوا، أو فيما جرى بينهم وبين المسلمين من المداينة من غير رهن ولا كفالة؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ  ﴾ : أمرهم بأداء الأمانة فيما ائتمنوا.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ﴾ : قيل: ملازماً مواظباً، ملحاً، دائماً، متقاضياً.

ومن عامل من المسلمين الناس هذه المعاملة يُخافُ دخوله في هذ النهي والوعيد.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ .

قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا يستحلون أموال المسلمين ظلماً، يقولون : لم يُجعل علينا في كتابنا لأموالهم حرمةُ أموالنا علينا؛ يقولون: نحن أبناء الله وأحبّاؤه، وأرادوا بالأمّيين: العرب؛ إذ ليس لهم كتاب.

وقيل: ذلك الاستحلال بأن قالوا: ليس علينا الله فيهم سبيل، وأرادوا بالأميين: المسلمين؛ على ما روي عن رسول الله  قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمَّيَّةٌ، لاَ نَحْسُبُ وَلاَ نَكْتُبُ" وقيل: قالوا: لا حرج علينا في حبس أموالهم في التوراة؛ فأكذبهم الله - عزّ وجلّ - بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .

بأنْ ليس في كتابهم حرمة أموالهم، ولا لهم عليهم سبيل، وهم يعلمون أنهم يكذبون على الله، عز وجل.

وقوله: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ ﴾ : يحتمل قوله: "بلى"؛ ردّاً على قولهم: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ ؛ بل عليكم سبيل فيهم، ثم ابتدأ الكلام فقال: ﴿ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ ، أي: هؤلاء الّذين يحبّهم الله لا أنتم.

ويحتمل قوله: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ ﴾ : الذي عليه في التوراة أمر بأداء الأمانة، وإظهار نعته  وصفته التي فيها، واتقاء محارمه وظلم الناس في ترك الوفاء، وفي نقض العهد، وصدق الله ورسوله، ولم يكتم نعته وصفته - فإن الله يحبّهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن أهل الكتاب مَنْ إن تأمنه على مال كثير يؤدِّ إليك ما ائتمنته عليه، ومنهم من إن تَسْتأمِنه على مال قليل لا يؤدِّ إليك ما ائتمنته عليه إلا إن ظللت تُلحُّ عليه بالمطالبة والتقاضي، ذلك من أجل قولهم وظنهم الفاسد: ليس علينا في العرب وأكل أموالهم إثم؛ لأن الله أباحها لنا، يقولون هذا الكذب وهم يعلمون افتراءهم على الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.58g9X"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ  ﴾ إلخ هذه الآية جاءت ببعض التفصيل لما أجمل في الآيات السابقة من غرور أهل الكتاب وزعمهم أنهم شعب الله الخاص، وأن الدين والحق من خصائصهم.

وابتداؤها بالعطف يشعر بمعطوف محذوف حذف إيجازًا لأن السياق لا يقتضي ذكره وهو مبين في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ  ﴾ إلخ فكأنه ههنا يعطف على ما هنالك أي منهم كذا ومنهم كذا.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ  ﴾ : كأنهم يقولون إن كل من ليس من شعب الله الخاص وليس من أهل دينه فهو ساقط من نظر الله ومبغوض عنده فلا حقوق له ولا حرمة لماله فيحل أكله متى أمكن.

وقد رد الله عليهم هذه المزاعم بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ أن ذلك كذب عليه لأن ما كان منه فهو ما جاء في كتابه وليس في التوراة التي عندهم إباحة خيانة الأميين وأكل أموالهم بالباطل وهم يعلمون أن ذلك ليس فيها ولكنهم لا يأخذون الدين من الكتاب وإنما لجأوا إلى التقليد فعدوا كلام أحبارهم دينًا ينسبونه إلى الله وهؤلاء يقولون في الدين بآرائهم ويحرفون الكلام عن مواضعه ليؤيدوا بذلك أقوالهم، فكل هذه الدواهي جاءتهم من هذه الناحية، ناحية التقليد والأخذ بكلام العلماء في الحلال والحرام، وهو مما لا يؤخذ فيه إلا بكتاب الله ووحيه.

وانظر كيف أنصفهم الكتاب فبيّن أن منهم الوفي والخائن ولا يكون أفراد جميع الأمة خائنين وناهيك بأمة منها السموءل.

﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ  ﴾ : إن ورود الجواب بهذه العبارة أفادنا قاعدة عامة من قواعد الدين وهي أن الوفاء بالعهود واتقاء الإخلاف وسائر المعاصي والخطايا هو الذي يقرب العبد من ربه ويجعله أهلًا لمحبته لا كونه من شعب كذا.

ومن هذه القاعدة يعلم خطأ اليهود في زعمهم أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، وفيه التعريض بأن أصحاب هذا الرأي ليسوا من أهل التقوى التي هي الركن الركين لكل دين قويم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله