الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٨٢ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فمن تولى بعد ذلك ) أي : عن هذا العهد والميثاق ، ( فأولئك هم الفاسقون ) قال علي بن أبي طالب وابن عمه عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما : ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق ، لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته : لئن بعث محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه .
وقال طاوس ، والحسن البصري ، وقتادة : أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا .
وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس ولا ينفيه ، بل يستلزمه ويقتضيه .
ولهذا رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه مثل قول علي وابن عباس .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا سفيان ، عن جابر ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن ثابت قال : جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني مررت بأخ لي من قريظة ، فكتب لي جوامع من التوراة ، ألا أعرضها عليك ؟
قال : فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال عبد الله بن ثابت : قلت له : ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقال عمر : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا - قال : فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى عليه السلام ، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ، إنكم حظي من الأمم ، وأنا حظكم من النبيين " .
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر حدثنا إسحاق ، حدثنا حماد ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق ، وإنه - والله - لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني " .
وفي بعض الأحاديث [ له ] : " لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي " .
فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه ، دائما إلى يوم الدين ، وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم ، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس ، وكذلك هو الشفيع في يوم الحشر في إتيان الرب لفصل القضاء ، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له ، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين ، حتى تنتهي النوبة إليه ، فيكون هو المخصوص به .
القول في تأويل قوله : فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فمن أعرَض عن الإيمان برسلي الذين أرسلتهم بتصديق ما كان مع أنبيائي من الكتب والحكمة، وعن نصرتهم، فأدبر ولم يؤمن بذلك، ولم ينصر، ونكث عهدَه وميثاقه =" بعد ذلك "، يعني بعد العهد والميثاق الذي أخذَه الله عليه =" فأولئك هم الفاسقون "، يعني بذلك: أن المتولين عن الإيمان بالرسل الذين وصف أمرَهم، ونُصرتهم بعد العهد والميثاق اللذين أخذَا عليهم بذلك =" هم الفاسقون "، يعني بذلك: الخارجون من دين الله وطاعة ربهم، (51) كما:- 7339 - حدثنا المثنى قال حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي بن أبي طالب: فمن تولى عنك، يا محمد، بعد هذا العهد من جميع الأمم =" فأولئك هم الفاسقون "، هم العاصون في الكفر.
7340 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه = قال أبو جعفر: يعني الرازي = (52) " فمن تولى بعد ذلك " يقول: بعد العهد والميثاق الذي أخذَ عليهم =" فأولئك هم الفاسقون ".
&; 6-563 &; 7341 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، [عن أبيه]، عن الربيع مثله.
(53) * * * قال أبو جعفر: وهاتان الآيتان، وإن كان مَخرَج الخبر فيهما من الله عز وجل بما أخبر أنه أشهدَ وأخذَ به ميثاقَ منْ أخذَ ميثاقه به، عن أنبيائه ورسله، (54) فإنه مقصودٌ به إخبارُ من كان حوالَي مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل أيام حياته صلى الله عليه وسلم، عَمَّا لله عليهم من العهد في الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم = (55) ومعنيٌّ [به] تذكيرُهم ما كان الله آخذًا على آبائهم وأسلافهم من المواثيق والعهود، وما كانت أنبياءُ الله عرَّفتهم وتقدّمت إليهم في تصديقه واتباعه ونُصرته على من خالفه وكذبه = وتعريفهم ما في كتب الله، التي أنـزلها إلى أنبيائه التي ابتعثها إليهم، من صفته وعلامته.
----------- الهوامش : (51) انظر تفسير"تولى" و"الفاسقون" فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) و (فسق).
(52) قوله: "قال أبو جعفر" فيما بين الخطين ، هو أبو جعفر الطبري صاحب هذا التفسير.
وقوله"يعني الرازي" ، يعني"أبا جعفر الرازي" الذي قال في الإسناد"حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه".
وبيان الطبري في هذا الموضع عن"أبي جعفر الرازي" بعد أن مضى مئات من المرات في هذا الإسناد وغيره من الأسانيد ، دليل على أن أبا جعفر الطبري ، قد كتب تفسيره هذا على فترات متباعدة = أو لعل أحدًا سأله وهو يملي تفسيره ، فبين له ، وأثبته الذين سمعوه منه كما قاله في مجلسه ذاك.
وقد مضى"ذكر أبي جعفر الرازي" في التعليق على الأثر رقم: 164.
(53) الأثر: 7341- هذا إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم: 7234 ، أسقط منه الناسخ"عن أبيه" ، فوضعتها بين القوسين في مكانها.
(54) السياق: وإن كان مخرج الخبر...
عن أنبيائه ورسله ، فإن مقصود به...
(55) في المطبوعة والمخطوطة: "ومعنى تذكيرهم..." ، والصواب الراجح زيادة ما زدت بين القوسين.
وسياق هذه الجملة وما بعدها: فإنه مقصود به إخبار من كان حوالي مهاجر رسول الله...
ومعنى به تذكيرهم...
وتعريفهم ما في كتب الله...
من صفته وعلامته".
فصلتها لتسهل قراءتها وتتبعها.
قوله تعالى : فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " من " شرط .
فمن تولى من أمم الأنبياء عن الإيمان بعد أخذ الميثاق فأولئك هم الفاسقون أي الخارجون عن الإيمان .
والفاسق الخارج .
وقد تقدم .
فمن تولى بعد ذلك} العهد والميثاق المؤكد بالشهادة من الله ومن رسله{ فأولئك هم الفاسقون } فعلى هذا كل من ادعى أنه من أتباع الأنبياء كاليهود والنصارى ومن تبعهم، فقد تولوا عن هذا الميثاق الغليظ، واستحقوا الفسق الموجب للخلود في النار إن لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
( فمن تولى بعد ذلك ) الإقرار ، ( فأولئك هم الفاسقون ) العاصون الخارجون عن الإيمان .
«فمن تولَّى» أعرض «بعد ذلك» الميثاق «فأولئك هم الفاسقون».
فمن أعرض عن دعوة الإسلام بعد هذا البيان وهذا العهد الذي أخذه الله على أنبيائه، فأولئك هم الخارجون عن دين الله وطاعة ربهم.
ثم بين - سبحانه - عاقبة الناكثين لعودهم فقال : { فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون }أى فمن أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن نصرته ، بعد أخذ الميثاق المؤكد عليه ، فأولئك المعرضون " هم الفاسقون " أى الخارجون عن الإيمان إلى أفحش دركات الكفر والخيانة .والفاء فى قوله { فَمَنْ تولى } للتفريع ، و { مَنْ } يجوز أن تكون شرطية ويكون قوله { فأولئك هُمُ الفاسقون } جوابها .ويجوز أن تكون موصولة ، ويكون قوله { فأولئك هُمُ الفاسقون } هو الخبر .والضمير في قوله { تولى } يعود على " من " بالإفراد باعتبار لفظها ، ويعود عليها بصيغة الجمع فى قوله " فأولئك " باعتبار معناها .وبعد أن بين - سبحانه - أن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حق لا ريب فيه ، وأنه واجب على جميع من مضى من الأنبياء والأمم ، عقب ذلك ببيان أن كل من كره الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يكون بعيدا عن الدين الحق ، مستحقا للعقاب الأليم فقال - تعالى -
اعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم قطعاً لعذرهم وإظهاراً لعنادهم ومن جملتها ما ذكره الله تعالى في هذه الآية وهو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم الكتاب والحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه، وأخبر أنهم قبلوا ذلك وحكم تعالى بأن من رجع عن ذلك كان من الفاسقين، فهذا هو المقصود من الآية فحصل الكلام أنه تعالى أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقاً لما معهم إلا أن هذه المقدمة الواحدة لا تكفي في إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ما لم يضم إليها مقدمة أخرى، وهي أن محمداً رسول الله جاء مصدقاً لما معهم، وعند هذا لقائل أن يقول: هذا إثبات للشيء بنفسه، لأنه إثبات لكونه رسولاً بكونه رسولاً.
والجواب: أن المراد من كونه رسولاً ظهور المعجز عليه، وحينئذ يسقط هذا السؤال والله أعلم، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ: أما قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ﴾ فقال ابن جرير الطبري: معناه واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيّين، وقال الزجاج: واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله ميثاق النبيّين.
أما قوله: ﴿ ميثاق النبيين ﴾ فاعلم أن المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل وإلى المفعول، فيحتمل أن يكون الميثاق مأخوذاً منهم، ويحتمل أن يكون مأخوذاً لهم من غيرهم، فلهذا السبب اختلفوا في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين.
أما الاحتمال الأول: وهو أنه تعالى أخذ الميثاق منهم في أن يصدق بعضهم بعضاً، وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس رحمهم الله، وقيل: إن الميثاق هذا مختص بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو مروي عن علي وابن عباس وقتادة والسدي رضوان الله عليهم، واحتج أصحاب هذا القول على صحته من وجوه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ﴾ يشعر بأن آخذ الميثاق هو الله تعالى، والمأخوذ منهم هم النبيون، فليس في الآية ذكر الأمة، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة، ويمكن أن يجاب عنه من وجوه: الأول: أن على الوجوه الذي قلتم يكون الميثاق مضافاً إلى الموثق عليه، وعلى الوجه الذي قلنا يكون إضافته إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل، وهو الموثق له، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل أقوى من إضافته إلى المفعول، فإن لم يكن فلا أقل من المساواة، وهو كما يقال ميثاق الله وعهده، فيكون التقدير: وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الله للأنبياء على أممهم الثاني: أن يراد ميثاق أولاد النبيّين، وهو بنو إسرائيل على حذف المضاف وهو كما يقال: فعل بكر بن وائل كذا، وفعل معد بن عدنان كذا، والمراد أولادهم وقومهم، فكذا هاهنا الثالث: أن يكون المراد من لفظ ﴿ النبيين ﴾ أهل الكتاب وأطلق هذا اللفظ عليهم تهكماً بهم على زعمهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوّة من محمد عليه الصلاة والسلام لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون الرابع: أنه كثيراً ورد في القرآن لفظ النبي والمراد منه أمته قال تعالى: ﴿ يا أيها النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ .
الحجة الثانية: لأصحاب هذا القول: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي.
الحجة الثالثة: ما نقل عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الله تعالى ما بعث آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد عليه الصلاة والسلام وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، فهذا يمكن نصرة هذا القول به والله أعلم.
الاحتمال الثاني: إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه، وهذا قول كثير من العلماء، وقد بينا أن اللفظ محتمل له وقد احتجوا على صحته بوجوه: الأول: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني فقال: ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم من زمرة الأموات، والميت لا يكون مكلفاً فلما كان الذين أخذ الميثاق عليهم يجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه ولا يمكن إيجاب الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام، علمنا أن الذين أخذ الميثاق عليهم ليسوا هم النبيّين بل هم أمم النبيّين قال: ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما يليق بالأمم، أجاب القفال رحمه الله فقال لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك قط ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض فكذا هاهنا، وقال: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ وقال في صفة الملائكة ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظالمين ﴾ مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يسبقونه بالقول وبأنهم يخافون ربهم من فوقهم، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير فكذا هاهنا، ونقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم الشرك، وقد ذكر تعالى ذلك على سبيل الفرض والتقدير في قوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ فكذا هاهنا.
الحجة الثانية: أن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على الأنبياء عليهم السلام، وقد أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام، أعلى وأشرف من درجات الأمم، فإذا دلت هذه الآية على أن الله تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجباً على أممهم لو كان ذلك أولى، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المطلوب من هذا الوجه.
الحجة الثالثة: ما روي عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبد الله يقرؤن ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ ونحن نقرأ ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما أخذ الله ميثاق النبيّين على قومهم.
الحجة الرابعة: أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ وبقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ فهذا جملة ما قيل في هذا الموضوع، والله أعلم بمراده.
وأما قوله تعالى: ﴿ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الجمهور ﴿ لَّمّاً ﴾ بفتح اللام وقرأ حمزة بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير ﴿ لَّمّاً ﴾ مشددة، أما القراءة بالفتح فلها وجهان الأول: أن ﴿ مَا ﴾ اسم موصول والذي بعده صلة له وخبره قوله: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ والتقدير: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، وعلى هذا التقدير (مَا) رفع بالابتداء والراجع إلى لفظة (مَا) وموصولتها محذوف والتقدير: لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله: ﴿ أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً ﴾ وعليه سؤالان: السؤال الأول: إذا كانت (مَا) موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة على الصلة ذكر إلى الموصول وإلا لم يجز، ألا ترى أنك لو قلت: الذي قام أبوه ثم انطلق زيد لم يجز.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ ليس فيه راجع إلى الموصول، قلنا: يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ﴾ ولم يقل: فإن الله لا يضيع أجره، وقال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ ولم يقل: إنا لا نضيع أجرهم وذلك لأن المظهر المذكور قائم مقام المضمر فكذا هاهنا.
السؤال الثاني: ما فائدة اللام في قوله: ﴿ لَّمّاً ﴾ قلنا: هذه اللام هي لام الابتداء بمنزلة قولك: لزيد أفضل من عمرو، ويحسن إدخالها على ما يجري مجرى المقسم عليه لأن قوله: ﴿ إِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ﴾ بمنزلة القسم والمعنى استحلفهم، وهذه اللام المتلقية للقسم، فهذا تقرير هذا الكلام.
الوجه الثاني: وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج أن (مَا) هاهنا هي المتضمنة لمعنى الشرط والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، فاللام في قوله: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ هي المتلقية للقسم، أما اللام في ﴿ لَّمّاً ﴾ هي لام تحذف تارة، وتذكر أخرى، ولا يتفاوت المعنى ونظيره قولك: والله لو أن فعلت، فعلت فلفظة (أن) لا يتفاوت الحال بين ذكرها وحذفها فكذا هاهنا، وعلى هذا التقدير كانت (ما) في موضع نصب بآتيتكم ﴿ وَجَاءكُمُ ﴾ جزم بالعطف على ﴿ ءاتَيْتُكُم ﴾ و ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ هو الجزاء، وإنما لم يرض سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر، وأما الوجه في قراءة ﴿ لَّمّاً ﴾ بكسر اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل: أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل (وَمَا) على هذه القراءة تكون موصولة، وتمام البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول، وأما قراءة ﴿ لَّمّاً ﴾ بالتشديد فذكر صاحب الكشاف فيه وجهين: الأول: أن المعنى: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق له، وجب عليكم الإيمان به ونصرته والثاني: أن أصل ﴿ لَّمّاً ﴾ لمن ما فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات، وهي الميمان والنون المنقلبة ميماً بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها فصارت ﴿ لَّمّاً ﴾ ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا قريب من قراءة حمزة في المعنى.
المسألة الثانية: قرأ نافع ﴿ ءاتيناكم ﴾ بالنون على التفخيم، والباقون بالتاء على التوحيد، حجة نافع قوله: ﴿ وَءَاتَيْنَا دَاوُود زَبُوراً ﴾ ﴿ وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً ﴾ ﴿ وءاتيناهما الكتاب المستبين ﴾ ولأن هذا أدل على العظمة فكان أكثر هيبة في قلب السامع، وهذا الموضع يليق به هذا المعنى، وحجة الجمهور قوله: ﴿ هُوَ الذي يُنَزّلُ على عَبْدِهِ ءايات بينات ﴾ و ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ وأيضاً هذه القراءة أشبه بما قبل هذه الآية وبما بعدها لأنه تعالى قال قبل هذه الآية ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ﴾ وقال بعدها ﴿ إِصْرِى ﴾ وأجاب نافع عنه بأن أحد أبواب الفصاحة تغيير العبارة من الواحد إلى الجمع ومن الجمع إلى الواحد قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسراءيل أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى ﴾ ولم يقل من دوننا كما قال: ﴿ وجعلناه ﴾ ، والله أعلم.
المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر النبيّين على سبيل المغايبة ثم قال: ﴿ ءَاتَيْتُكُم ﴾ وهو مخاطبة إضمار والتقدير: وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم من كتاب وحكمة، والإضمار باب واسع في القرآن، ومن العلماء من التزم في هذه الآية إضماراً آخر وأراح نفسه عن تلك التكلفات التي حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية: وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصاراً ثم قال تعالى بعده ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ﴾ وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ولا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات، وإذا كان لابد من التزام الإضمار فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظماً بيناً جلياً أولى من تلك التكلفات.
المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كتاب ﴾ إشكال، وهو أن هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب، وإنما أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم، فالإشكال أظهر، والجواب عنه من وجهين: الأول: أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب، بمعنى كونه مهتدياً به داعياً إلى العمل به، وإن لم ينزل عليه والثاني: أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب، فوصف الكل بوصف أشرف الأنواع.
المسألة الخامسة: الكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها.
المسألة السادسة: كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِن كتاب ﴾ دخلت تبييناً لما كقولك: ما عندي من الورق دانقان.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: ما وجه قوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ ﴾ والرسول لا يجيء إلى النبيّين وإنما يجيء إلى الأمم؟.
والجواب: إن حملنا قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ﴾ على أخذ ميثاق أممهم فقد زال السؤال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيّين أنفسهم كان قوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ ﴾ أي جاء في زمانكم.
السؤال الثاني: كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم، قلنا: المراد به حصول الموافقة في التوحيد، والنبوات، وأصول الشرائع، فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا شرعه، فهذا وإن كان يوهم الخلاف، إلا أنه في الحقيقة وفاق، وأيضاً فالمراد من قوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بكونه مصدقاً لما معهم هو أن وصفه وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكوراً في تلك الكتب، كان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم، فهذا هو المراد بكونه مصدقاً لما معهم.
السؤال الثالث: حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم فما معنى ذلك الميثاق.
والجواب: يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية المتقدمة وجب الانقياد له، فقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ يدل على هذين الوجهين، أما على الوجه الأول، فقوله: ﴿ رَّسُول ﴾ وأما على الوجه الثاني، فقوله: ﴿ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ .
أما قوله: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ﴾ فالمعنى ظاهر، وذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به أولاً، ثم الاشتغال بنصرته ثانياً، واللام في ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ لام القسم، كأنه قيل: والله لتؤمنن به.
ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن فسرنا قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ﴾ بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى: ﴿ أأقررتم ﴾ معناه: قال الله تعالى للنبيّين أأقرتم بالإيمان به والنصرة له وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله: ﴿ قَالَ أأقررتم ﴾ أي قال كل نبي لأمته أأقررتم، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم، بل طالبوهم بالإقرار بالقول، وأكدوا ذلك بالإشهاد.
المسألة الثانية: الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر، إذا ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته.
أما قوله تعالى: ﴿ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى ﴾ أي قبلتم عهدي، والأخذ بمعنى القبول كثير في الكلام قال تعالى: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ أي يقبل منها فدية وقال: ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ أي يقبلها والإصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ﴾ فسمى العهد إصراً لهذا المعنى، قال صاحب الكشاف: سمى العهد إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد، ومنه الإصار الذي يعقد به وقرئ ﴿ إِصْرِى ﴾ ويجوز أن يكون لغة في إصر.
ثم قال تعالى: ﴿ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين ﴾ وفي تفسير قوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ وجوه: الأول: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضاً ﴿ مّنَ الشاهدين ﴾ وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض الثاني: أن قوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ خطاب للملائكة الثالث: أن قوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ أي ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه ونظيره قوله: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا ﴾ على أنفسنا وهذا من باب المبالغة الرابع: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ أي بينوا هذا الميثاق للخاص والعام، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به، وأصله أن الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى الخامس: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له السادس: إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من الأمم فقوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا شاهدين عليهم.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين ﴾ فهو للتأكيد وتقوية الإلزام، وفيه فائدة أخرى وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره، فليس محتاجاً إلى ذلك الإشهاد، لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية لكن لضرب من المصلحة لأنه سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيداً آخر فقال: ﴿ فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوم، وقوله: ﴿ فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك ﴾ هذا شرط، والفعل الماضي ينقلب مستقبلاً في الشرط والجزاء، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ميثاق النبيين ﴾ فيه غير وجه: أحدها أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك.
والثاني أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق عليه، كما تقول ميثاق الله وعهد الله، كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، والثالث: أن يراد ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف.
والرابع: أن يراد أهل الكتاب وأن يرد على زعمهم تهكماً بهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون.
وتدل عليه قراءة أبيّ وابن مسعود: ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ واللام في ﴿ لَمَا ءاتَيْتُكُم ﴾ لام التوطئة لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف وفي لتؤمنن لام جواب القسم، و (ما) يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، ولتؤمنن سادّ مسدّجواب القسم والشرط جميعاً وأن تكون موصولة بمعنى: للذي آتيتكموه لتؤمنن به.
وقريء: ﴿ لما آتيناكم ﴾ وقرأ حمزة: ﴿ لما آتيتكم ﴾ .
بكسر اللام ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة؛ ثم لمجيء رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به.
على أن (ما) مصدرية، والفعلان معها أعني ﴿ آتيتكم ﴾ و ﴿ جاءكم ﴾ في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل على معنى: أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه، لأجل أني آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف.
ويجوز أن تكون (ما) موصولة.
فإن قلت: كيف يجوز ذلك والعطف على آتيتكم وهو قوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ ﴾ لا يجوز أن يدخل تحت حكم الصفة، لأنك لا تقول: للذي جاءكم رسول مصدق لما معكم؟
قلت: بلى لأنّ ما معكم في معنى ما آتيتكم، فكأنه قيل: للذي آتيكموه وجاءكم رسول مصدق له.
وقرأ سعيد بن جبير ﴿ لما ﴾ بالتشديد، بمعنى حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة.
ثم جاءكم رسول مصدق له وجب عليكم الإيمان به ونصرته.
وقيل: أصله لمن ما، قاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات وهي الميمان والنون المنقلبة ميما بإدغامها في الميم، فحذفوا إحداها فصارت لما.
ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى ﴿ إِصْرِى ﴾ عهدي.
وقرئ: ﴿ أصرى ﴾ بالضم.
وسمي إصراً، لأنه مما يؤصر، أي يشدّ ويعقد.
ومنه الإصار، الذي يعقد به.
ويجوز أن يكون المضموم لغة في أصر، كعبر وعبر، وأن يكون جمع إصار ﴿ فاشهدوا ﴾ فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ﴿ وَأَنَاْ على ذلكم ﴾ من إقراركم وتشاهدكم ﴿ مّنَ الشاهدين ﴾ وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرُّجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.
وقيل: الخطاب للملائكة ﴿ فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك ﴾ الميثاق والتوكيد ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ أي المتمردون من الكفار دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة.
والمعنى: فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة بينهما.
ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره ﴿ أ ﴾ يتولون ﴿ فَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ ﴾ وقدم المفعول الذي هو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث أنّ الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل.
وروي: أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام؛ وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به، فقال صلى الله عليه وسلم: «كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم» فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك.
فنزلت: وقرئ: ﴿ يبغون ﴾ ، بالياء: ﴿ وترجعون ﴾ بالتاء وهي قراءة أبي عمرو، لأنّ الباغين هم المتولون، والراجعون جميع الناس.
وقرئا بالياء معاً، وبالتاء معاً ﴿ طَوْعاً ﴾ بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه ﴿ وَكَرْهًا ﴾ بالسَّيف، أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإدراك الغرق فرعون، والإشفاء على الموت ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءامَنَّا بالله وَحْدَهُ ﴾ [غافر: 84] وانتصب طوعاً وكرها على الحال، بمعنى طائعين ومكرهين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بَعْدَ المِيثاقِ والتَّوْكِيدِ بِالإقْرارِ والشَّهادَةِ.
﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ.
﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ والهَمْزَةُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُما لِلْإنْكارِ، أوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ والفِعْلُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ عِنْدَ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ ويَعْقُوبَ، وبِالتّاءِ عِنْدَ الباقِينَ عَلى تَقْدِيرِ وقُلْ لَهُ.
﴿ وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ أيْ طائِعِينَ بِالنَّظَرِ واتِّباعِ الحُجَّةِ، وكارِهِينَ بِالسَّيْفِ ومُعايِنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ كَنَتْقِ الجَبَلِ وإدْراكِ الغَرَقِ، والإشْرافِ عَلى المَوْتِ.
أوْ مُخْتارِينَ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ ومُسَخَّرِينَ كالكَفَرَةِ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَمْتَنِعُوا عَمّا قَضى عَلَيْهِمْ ﴿ وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِمَن.
<div class="verse-tafsir"
{فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك} الميثاق والتوكيد ونقض العهد بعد قبوله وأعرض عن الإيمان بالنبيّ الجائي {فأولئك هُمُ الفاسقون} المتمردون من الكفار
﴿ فَمَن تَوَلّى ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ونُصْرَتِهِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيِ المِيثاقِ والإقْرارِ والتَّوْكِيدِ بِالشَّهادَةِ ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) مُراعًى مَعْناهُ كَما رُوعِيَ مِن قَبْلُ لَفْظُها ﴿ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ أيِ الخارِجُونَ في الكُفْرِ إلى أفْحَشِ مَراتِبِهِ، والمَشْهُورُ عَدَمُ دُخُولِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ، أوْ ما هي في حُكْمِها لِأنَّهم أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ يُتَصَوَّرَ في حَقِّهِمْ ثُبُوتُ المُقَدَّمِ لِيَتَّصِفُوا، وحاشاهم بِما تَضَمَّنَهُ التّالِي بَلْ هَذا الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى أتْباعِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ العُمُومَ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ: ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ أي أعرض عن الإيمان، وعن البيان بعد ذلك الإقرار والعهد قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الناقضون للعهد، ويقال: هم العاصون، وأصل الفسق الخروج من الطاعة كقوله تعالى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [سورة الكهف: 59] أي خرج عن طاعة ربه وقوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ قال الكلبي: وذلك أن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبيّ .
فقالوا: أينا أحق بدين إبراهيم؟
فقال النبيّ : «كِلاَ الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِهِ» فقالوا: ما نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فنزل قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ أي يطلبون، قرأ عاصم في رواية حفص يَبْغُونَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ كلاهما بالياء.
وقرأ أبو عمرو يبغون بالياء، وإليه ترجعون بالتاء، وقرأ الباقون كلاهما بالتاء على معنى المخاطبة، فمن قرأ بالياء، يعني أفغير دين الله يطلبون من عندك، ومن قرأ بالتاء يعني أفغير دين الله تطلبون، وَلَهُ أَسْلَمَ، أي أخلص وخضع مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً.
قال الكلبي: أما أهل السموات، فأسلموا لله طائعين، وأما أهل الأرض، فمن ولد في الإسلام أسلم طوعاً، ومن أبى قُوتِل حتى دخل في الإسلام كرهاً، وما أفاء الله عليهم مما يسبون، فيجاء بهم في السلاسل، فيكرهون على الإسلام.
وقال مجاهد: يسجد ظل المسلم ووجهه طائع، ويسجد ظل الكافر، وهو كاره.
وقال مقاتل: وله أسلم من في السموات، يعني الملائكة والأرض، يعني المؤمنين طوعاً وكرهاً، يعني أهل الأديان يقولون الله ربكم وخالقكم، فذلك إسلامهم، وهم مشركون معنى قوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني خضعوا من جهة ما فطرهم عليه ودبرهم، لا يمتنع ممتنع من جبلة ما جبل عليها، ولا يقدر على تغيير ما خلق عليها طوعاً وكرهاً.
ثم قال: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ كما خلقكم، أي كما بدأكم فلا تقدرون على الامتناع، كذلك يبعثكم كما بدأكم.
قرأ عاصم في رواية حفص يرجعون، وقرأ الباقون بالتاء.
<div class="verse-tafsir"
وقرأ جمهورُ النَّاس: «تَدْرُسُونَ» بضم الرَّاء: من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره.
وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ» برفع الراء: على القَطْع «١» قال سِيبَوَيْهِ: المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره: المعنى: ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٢» ، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله:
أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ، المعنى: ولا له أنْ يأمركم قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره «٣» ، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ «٤» من أنَّها عطْفٌ على قوله: ثُمَّ/ يَقُولَ، والأربابُ في هذه الآية:
بمعنى الآلهة.
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)
وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ: المعنى: واذكر يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَماً، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ على كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنى: إنَّ اللَّه تعالى أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أتى بعده من الرُّسُل، والنّصر له، وقال ابن عبّاس: إنما
أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين على قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع «١» ، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ (رضي اللَّه عنه) : لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمّد صلّى الله عليه وسلّم: لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه «٢» ، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ «٣» .
وقرأ حمزةُ: «لِمَا» بكسر اللام «٤» ، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم إذْ أنتم القادَةُ والرءوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، و «ما» في هذه القراءةِ بمعنَى «الَّذِي» ، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره: آتيناكموه، و «مِنْ» : لبيان الجنس، وثُمَّ جاءَكُمْ ...
الآية: جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولا بُدَّ في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف تخفيفاً لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه: رَسُولٌ بِهِ مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ، واللامُ فِي: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة «لَمَا» بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين:
أَحدهما: أنْ تكون «مَا» موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم من قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ: لَتُؤْمِنُنَّ، ولَتُؤْمِنُنَّ: متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ، فالمعنى: واللَّهِ، لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ «٥» وهو متَّجِه بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين.
والوجْهُ الثاني: أنْ تكونَ «ما» للجزاءِ شرْطاً، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي
بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و «جَاءَكُمْ» : معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ على «مَا» ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ [الأحزاب: ٦٠] لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [الأحزاب: ٦٠] وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله:
«لَتُؤْمِنُنَّ» .
وقرأ نافعٌ وحْده: «آتَيْنَاكُمْ» ، بالنُّون، وقرأ الباقون: «آتَيْتُكُمْ» بالتاء «١» ، ورَسُول في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفسرين هو نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله تعالى: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ...
هذه الآية: هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء- عليهم السلام- على إِقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وَأَخَذْتُمْ في هذه الآية: عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ «٢» : أَخَذْتُمْ في هذه الآية: معناه: قَبِلْتُمْ، والإصْر: العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ «٣» .
وقوله تعالى: فَاشْهَدُوا يحتملُ معنَيَيْنِ:
أحدهما: فاشهدوا/ على أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بالتزام هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة «٤» .
والمعنى الثاني: بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، واشهدوا به، وشهادةُ اللَّهِ على هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نبوّاتهم، هذا قول الزّجّاج وغيره «٥» .
وقال ع «١» : فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ واستحفاظها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ تعالى بالفِسْقِ على مَنْ تولى مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره «٢» ، وقرأ أبو عَمرٍو: «يَبْغُونَ» بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة «٣» ، و «تَرْجِعُونَ» بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفى بأدنى تأمُّل.
وتبغون: معناه: تَطْلُبُونَ.
قال النوويِّ: ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور «٤» أنه قَالَ: لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى.
وروِّينَا في كتاب ابن السّنّيّ، عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فلاة، فليناد: يا عباد الله، احبسوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، فَإنَّ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا «٥» .
قال النَّوويُّ «٦» : حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا أَنَّهُ انفلتت لَهُ دابّة أظنّها بغلة، وكان يعرف
هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ.
اهـ.
وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، عند الجمهور.
واختلفوا في معنى قوله: طَوْعاً وَكَرْهاً، فقال مجاهد: هذه الآيةُ كقوله تعالى:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥] فالمعنى: أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ هو إسلامٌ كرهاً «١» ، ونحوه لأبي العالية، وعبارته: كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ على نفسه بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهاً، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعاً «٢» .
قال ع «٣» : والمعنى في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض.
وقوله سبحانه: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ: توقيفٌ لمعاصرِي نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من الأحبار والكفّار.
قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ...
الآية: المعنى قل يا محمّد، أنت وأمّتك: آمَنَّا بِاللَّهِ ...
الآية، وقد تقدَّم بيانها في «البقرة» ، ثم حكم تعالى في قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ ...
الآيةَ بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء- عليهم السلام-، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين: إن مَنْ يَبْتَغِ ...
الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ «٤» ، قُلْتُ: وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها من سواه إلى يوم القيامة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَبْغُونَ بِالياءِ مَفْتُوحَةُ.
(وَإلَيْهِ تَرْجِعُونَ) بِالتّاءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأها الباقُونَ بِالياءِ في الحَرْفَيْنِ.
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يَبْغُونَ" و"يَرْجِعُونَ" بِالياءِ فِيهِما، وفَتْحِ الياءِ وكَسَرَ الجِيمَ يَعْقُوبُ عَلى أصْلِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابَيْنِ، فَزَعَمَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أنَّها أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَقالَ النَّبِيُّ : "كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ" .
فَغَضِبُوا، وقالُوا: واللَّهِ لا نَرْضى بِقَضائِكَ، ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» والمُرادُ بِدِينِ اللَّهِ، دِينُ مُحَمَّدٍ .
﴿ وَلَهُ أسْلَمَ ﴾ انْقادَ، وخَضَعَ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ الطَّوْعُ: الِانْقِيادُ بِسُهُولَةٍ، والكُرْهُ: الِانْقِيادُ بِمَشَقَّةٍ وإباءٍ مِنَ النَّفْسِ.
وَفِي مَعْنى الطَّوْعِ والكُرْهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ إسْلامَ الكُلِّ كانَ يَوْمَ المِيثاقِ طَوْعًا وكُرْهًا، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنَ يَسْجُدُ طائِعًا، والكافِرُ يَسْجُدُ ظِلُّهُ وهو كارِهٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الكُلَّ أقَرُّوا لَهُ بِأنَّهُ الخالِقُ، وإنَّ أشْرَكَ بَعْضُهم، فَإقْرارُهُ بِذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ في إشْراكِهِ، هَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، ورَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: أنَّ المُؤْمِنَ أسْلَمَ طائِعًا، والكافِرَ أسْلَمَ مَخافَةَ السَّيْفِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والخامِسُ: أنَّ المُؤْمِنَ أسْلَمَ طائِعًا، والكافِرُ أسْلَمَ حِينَ رَأى بِأْسَ اللَّهِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ في ذَلِكَ الوَقْتُ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والسّادِسُ: أنَّ إسْلامَ الكُلِّ خُضُوعُهم لِنَفاذِ أمْرِهِ في جِبِلَّتِهِمْ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنَّ يَمْتَنِعَ مِن جِبِلَّةٍ جَبَلَهُ عَلَيْها، ولا عَلى تَغْيِيرِها، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ: انْقادَ كُلُّهم لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ ﴿ فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ هي وصْفُ تَوْقِيفِ الأنْبِياءِ عَلى إقْرارِهِمْ بِهَذا المِيثاقِ والتِزامِهِمْ لَهُ وأخْذِ عَهْدِ اللهِ فِيهِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَوْطِنَ القَسَمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ العِبارَةِ الجامِعَةِ وصْفُ ما فَعَلَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ.
"وَأخَذْتُمْ" في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عَمّا تَحَصَّلَ لَهم مِن إيتاءِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، فَمِن حَيْثُ أُخِذَ عَلَيْهِمْ أخَذُوا هم أيْضًا؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: أخَذْتُمْ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: قَبِلْتُمْ، والإصْرُ: العَهْدُ، لا تَفْسِيرَ لَهُ في هَذا المَوْضِعِ إلّا لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فاشْهَدُوا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فاشْهَدُوا عَلى أُمَمِكُمُ المُؤْمِنِينَ بِكُمْ، وعَلى أنْفُسِكم بِالتِزامِ هَذا العَهْدِ، هَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ وجَماعَةٍ، والمَعْنى الثانِي: بَيِّنُوا الأمْرَ عِنْدَ أُمَمِكم واشْهَدُوا بِهِ، وشَهادَةُ اللهِ تَعالى عَلى هَذا التَأْوِيلِ وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ هي إعْطاءُ المُعْجِزاتِ وإقْرارُ نُبُوءاتِهِمْ، هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ، فَتَأمَّلِ.
القَوْلُ الأوَّلُ هو إيداعُ الشَهادَةِ واسْتِحْفاظُها، والقَوْلُ الثانِي هو الأمْرُ بِأدائِها.
وحَكَمَ اللهُ تَعالى بِالفِسْقِ عَلى مَن تَوَلّى مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ هَذا المِيثاقِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بَعْدَ الشَهادَةِ عِنْدَ الأُمَمِ بِهَذا المِيثاقِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: "فاشْهَدُوا" أمْرٌ بِالأداءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَبْغُونَ" بِالياءِ مَفْتُوحَةً، "وَتَرْجِعُونَ" بِالتاءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ عاصِمٌ "يَبْغُونَ" و"يَرْجِعُونَ" بِالياءِ مُعْجَمَةً مِن تَحْتٍ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ فِيهِما.
ووُجُوهُ هَذِهِ القِراءاتِ لا تَخْفى بِأدْنى تَأمُّلٍ.
و"تَبْغُونَ" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ.
و"أسْلَمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: اسْتَسْلَمَ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والثَقَلَيْنِ.
واخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ "طَوْعًا وكَرْهًا" - فَقالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ﴾ ، فالمَعْنى أنَّ إقْرارَ كُلِّ كافِرٍ بِالصانِعِ هو إسْلامٌ كَرْهًا.
فَهَذا عُمُومٌ في لَفْظِ الآيَةِ، لِأنَّهُ لا يَبْقى مَن لا يُسْلِمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، و"أسْلَمَ" فِيهِ بِمَعْنى اسْتَسْلَمَ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ، وعِبارَتُهُ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ آدَمِيٍّ فَقَدْ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّ اللهَ حَيٌّ وأنا أعْبُدُهُ، فَمَن أشْرَكَ في عِبادَتِهِ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ كَرْهًا، ومَن أخْلَصَ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ طَوْعًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ إسْلامُ الكارِهِ مِنهم كانَ حِينَ أخَذَ المِيثاقَ.
ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الكَرْهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِسُجُودِ ظِلِّ الكافِرِ، فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُ طَوْعًا ويَسْجُدُ ظِلُّ الكافِرِ وهو كارِهٌ.
وقالالشَعْبِيُّ: الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِقادَةِ جَمِيعِ البَشَرِ لِلَّهِ وإذْعانِهِمْ لِقُدْرَتِهِ وإنْ نَسَبَ بَعْضُهُمُ الأُلُوهِيَّةَ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي يَسْجُدُ كَرْهًا؛.
وهَذا هو قَوْلُ مُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ المُتَقَدِّمُ وإنِ اخْتَلَفَتِ العِباراتُ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ أسْلَمَ قَوْمٌ طَوْعًا، وأسْلَمَ قَوْمٌ خَوْفَ السَيْفِ.
وقالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: أسْلَمَتِ المَلائِكَةُ طَوْعًا، وكَذَلِكَ الأنْصارُ وبَنُو سَلِيمٍ وعَبْدِ القَيْسِ، وأسْلَمَ سائِرُ الناسِ كَرْهًا حَذَرَ القِتالِ والسَيْفِ.
وهَذا قَوْلٌ الإسْلامُ فِيهِ هو الَّذِي في ضِمْنِهِ الإيمانُ، والآيَةُ ظاهِرُها العُمُومُ ومَعْناها الخُصُوصُ، إذْ مِن أهْلِ الأرْضِ مَن لَمْ يُسْلِمْ طَوْعًا ولا كَرْهًا عَلى هَذا الحَدِّ.
وقالَ قَتادَةُ: الإسْلامُ كَرْهًا هو إسْلامُ الكافِرِ عِنْدَ المَوْتِ والمُعايَنَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ.
ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّ كُلَّ كافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ إلّا في أفْرادٍ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ يَفْهَمُ كُلُّ ناظِرٍ أنَّ هَذا القَسَمَ الَّذِي هو الكَرْهُ إنَّما هو في أهْلِ الأرْضِ خاصَّةً، والتَوْقِيفُ بِقَوْلِهِ "أفَغَيْرَ" إنَّما هو لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ مِنَ الأحْبارِ والكُفّارِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، "أُصْرِي" بِضَمِّ الألِفِ وهي لُغَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
عطف ﴿ وإذْ أخذ الله ﴾ على ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ﴾ [آل عمران: 80] أي ما أمركم الأنبياء بشيء مما تقوّلتم عليهم وقد أمروكم بغير ذلك فأضعتموه حين أخذ الله ميثاقهم لِيُبَلِّغوه إليكم، فالمعطوف هو ظرف (إذْ) وما تعلق به.
ويجوز أن يتعلق (إذ) بقوله: ﴿ أأقررتم ﴾ مقدماً عليه.
ويصح أن تجعل (إذ) بمعنى زمان غير ظرف والتقدير: واذْكر إذْ أخذ الله ميثاق النبيين، فالمقصود الحكاية عن ذلك الزمان وما معه فيكون ﴿ قال أقررتم ﴾ معطوفاً بحذف العاطف.
كما هو الشأن في جمل المحاورة وكذلك قوله: ﴿ قالوا أقررنا ﴾ .
ويصح أن تكون جملة ﴿ قال أأقررتم ﴾ وما بعدها بياناً لجملة ﴿ أخذ اللَّه ميثاق النبيين ﴾ باعتبار ما يقتضيه فعل أخذ الله ميثاقَ النبيين: من أنّ النبيين أعْطَوْا ميثاقاً لله فقال: أأقررتم قالوا: أقررنا إلخ.
ويكون قوله: ﴿ لما آتينااكم ﴾ إلى قوله ﴿ ولتنصرنه ﴾ هو صيغة الميثاق.
وهذا الميثاق أخذه الله على جميع الأنبياء، يؤذنهم فيه بأنّ رسولاً يجيء مصدّقاً لما معهم، ويأمُرُهم بالإيمان به وبنصره، والمقصود من ذلك إعلام أممهم بذلك ليَكون هذا الميثاق محفوظاً لدى سائر الأجيال، بدليل قوله: ﴿ فمن تولّى بعد ذلك ﴾ إلخ إذ لا يجوز على الأنبياء التولّي والفسق ولكنّ المقصود أممهم كقوله: ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ .
وبدليل قوله قال: ﴿ فاشهدوا ﴾ أي على أممكم.
وإلى هذا يرجع ما ورد في القرآن من دعوة إبراهيم عليه السلام: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ [البقرة: 129]، وقد جاء في سفر التثنية قول موسى عليه السلام: «قال لي الربّ أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم مثلَك وأجْعَلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكلّ ما أوصيه به».
وإخوَةُ بني إسرائيل هم بنو إسماعيل، ولو كان المراد نبيئاً إسرائيلياً لقال أقيم لهم نبيئاً منهم على ما في ترجمة التوراة من غموض ولعلّ النص الأصلي أصرح من هذا المترجم.
والبشارات في كتب أنبياء بني إسرائيل وفي الأناجيل كثيرة ففي متى قول المسيح «وتقوم أنبياء كذَبة كثيرون ويضلون كثيرين ولكنّ الذي يصبر أي يبقى أخيراً إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم ثم يَأتي المنتهَى» وفي إنجيل يوحنا قول المسيح «وأنا أطلب من الأب فيعطيكم مُعَزِّياً آخر ليَمكث معكم إلى الأبد وأما المُعَزِّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلتُه لكم ومتى جاء المعزِّي روحُ الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي» إلى غير ذلك.
وفي أخذ العهد على الأنبياء زيادة تنويه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى هو ظاهر الآية، وبه فسر محققو المفسرين من السلف والخلف منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، وطاووس، والسدي.
ومن العلماء من استبعد أن يكون أخذ العهد على الأنبياء حقيقة نظراً إلى قوله: ﴿ فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ (توهموه متعيناً لأن يكون المراد بمن تولّى من النبيين المخاطبين، وستعلم أنه ليس كذلك) فتأوّلوا الآية بأنّ المراد أخذ العهد على أممهم، وسلكوا مسالك مختلفة من التأويل فمنهم من جعل إضافة الميثاق للنبيين إضافة تشبه إضافة المصدر إلى فاعله أي أخذ الله على الأمم ميثاق أنبيائهم منهم.
ومنهم من قدَّر حذف المضاف أي أمم النبيئين أو أولاد النبيئين وإليه مال قول مجاهد والربيع، واحتجوا بقراءة أبي، وابن مسعود، هذه الآية: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيناكم من كتاب، ولم يقرأ ميثاق النبيئين، وزاد مجاهد فقال: إن قراءة أبي هي القرآن، وإنّ لفظ النبيئين غلط من الكتَّاب، وردّه ابن عطية وغيره بإجماع الصحابة والأمة على مصحف عثمان.
وقوله: ﴿ لما آتيناكم ﴾ قرأ الجمهور «لَمَا» بفتح اللام وتخفيف الميم فاللام موطئة للقسم، لأنّ أخذ الميثاق في معنى اليمين وما موصوله مبتدأ ﴿ وآتيناكم ﴾ صلته وحذف العائد المنصوب جرى على الغالب في مثله ومِن كتاب بيان للموصول وصلتِه، وعُطف ﴿ ثم جاءكم ﴾ على ﴿ آتيْناكم ﴾ أي الذي آتيناكموه وجاءكم بعده رسول.
ولتؤمننّ اللام فيه لام جواب القسم والجواب سدّ مسد خبر المبتدأ كما هو المعروف وضمير به عائد على المذكور أي لتؤمنّن بما آتيناكم وبالرسول، أو هو عائد على الرسول وحذف ما يعود على ما آتيناكم لظهوره.
وقرأه حمزة: بكسر لام لما فتكون اللام للتعليل متعلق بقوله: ﴿ لتؤمننّ به ﴾ أي شكراً على ما آتيتُكم وعلى أن بعثت إليكم رسولاً مصدّقاً لما كنتم عليه من الدين ولا يضرّ عمل مَا بعد لام القسم فيما قبلها فأخْذ الميثاق عليهم مطلقاً ثم علّل جواب القسم بأنه من شكر نعمة الإيتاء والتصديق، ولا يصح من جهة المعنى تعليق ﴿ لما آتيتكم ﴾ بفعل القسم المحذوف، لأنّ الشكر علة للجواب، لا لأخْذ العهد.
ولام ﴿ لتؤمِننّ ﴾ لام جواب القسم، على الوجه الأول، وموطئة للقسم على الوجه الثاني.
وقرأ نافع، وأبو جعفر: آتيناكم بنون العظمة وقرأه الباقون ﴿ آتيتكم ﴾ بتاء المتكلم.
وجملة قال: ﴿ أأقررتم ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ .
والإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق.
والإصر: بكسر الهمزة، العهد المؤكد الموثق واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو ما يعقد ويسدّ به، وقد تقدم الكلام على حقيقته ومجازه في قوله تعالى: ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً ﴾ في سورة [البقرة: 286].
(وقوله: ﴿ فاشهدوا ﴾ إن كان شهادة على أنفسهم فهي بمعنى التوثق والتحقيق وكذلك قوله: ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾ كقوله: ﴿ شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو ﴾ [آل عمران: 18] وإن كانت شهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك، والله شاهد على الجميع كما شهد النبيئون على الأمم.
وقوله: ﴿ فمن تولى بعد ذلك ﴾ أي من تولّى مِمن شهدتم عليهم، وهم الأمم، ولذلك لم يقل فمن تولّى بعد ذلك منكم كما قال في الآية التي خوطب فيها بنو إسرائيل في سورة [المائدة: 12]: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل ﴾ ووجه الحَصر في قوله: فأولئك هم الفاسقون} أنه للمبالغة لأنّ فسقهم في هذه الحالة أشد فسق فجعل غيره من الفسق كالعدَم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ﴾ في المِيثاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أنْ يَأْخُذُوا عَلى قَوْمِهِمْ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ أخَذَ مِيثاقَهم لَيُؤْمِنُنَّ بِالآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ.
﴿ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا .
﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ.
﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي ﴾ والإصْرُ: العَهْدُ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: قَبِلْتُمْ عَلى ذَلِكَ عَهْدِي.
والثّانِي: أخَذْتُمْ عَلى المُتَّبِعِينَ لَكم عَهْدِي.
﴿ قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا ﴾ يَعْنِي عَلى أُمَمِكم بِذَلِكَ.
﴿ وَأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ عَلَيْكم، وعَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ﴾ قال: هي خطأ من الكتاب.
وهي قراءة ابن مسعود ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ .
وأخرج ابن جرير عي الربيع أنه قرأ ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: وكذلك كان يقرؤها أبي بن كعب.
قال الربيع: ألا ترى أنه يقول ﴿ ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ﴾ يقول: لتؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولتنصرنه.
قال: هم أهل الكتاب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرؤون ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيتكم من كتاب وحكمة ﴾ ونحن نقرأ ﴿ ميثاق النبيين ﴾ فقال ابن عباس: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس في الآية قال: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن طاوس في الآية قال: أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء ليصدقن، وليؤمنن بما جاء به الآخر منهم.
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لم يبعث الله نبياً؛ آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد، لئن بعث وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه.
ويأمره فيأخذ العهد على قومه.
ثم تلا ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابي جرير عن قتادة في الآية قال: هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وأن يبلِّغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم فيما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويصدقوه، وينصروه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: لم يبعث الله نبياً قط من لدن نوح إلا أخذ الله ميثاقه؛ ليؤمنن بمحمد، ولينصرنه إن خرج وهو حي، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن خرج وهم أحياء.
وأخرج ابن جريج عن الحسن في الآية قال: أخذ الله ميثاق النبيين ليبلغن آخركم أوّلكم، ولا تختلفوا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: ثم ذكر ما أخذ عليهم يعني على أهل الكتاب وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه يعني بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم، وإقرارهم به على أنفسهم.
وأخرج أحمد عن عبد الله بن ثابت قال: «جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟
فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً.
فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم.
إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين» .
وأخرج أبو يعلى عن جابر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا.
إنكم أما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وأنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ ﴿ لما آتيتكم ﴾ ثقل لما.
وأخرج عن عاصم أنه قرأ ﴿ لما ﴾ مخففة ﴿ آتيتكم ﴾ بالتاء على واحدة يعني أعطيتكم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إصري ﴾ قال: عهدي.
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ قال فاشهدوا ﴾ يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾ عليكم وعليهم ﴿ فمن تولى ﴾ عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الأمم ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ هم العاصون في الكفر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ هذا شرط (١) (٢) قال ابن عباس (٣) وقال الزجاج (٤) .
وقوله تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ دخلت الفاء في (أولئك)؛ لأنه جواب الشرط؛ وإنما تدخل (٥) و ﴿ أُولَئِكَ ﴾ : ابتداء؛ و (٦) ﴿ هُمُ ﴾ : ابتداءً ثانٍ، و ﴿ الْفَاسِقُونَ ﴾ : خبره، و ﴿ هُمُ ﴾ (٧) ﴿ أُولَئِكَ ﴾ ، ويصلح أن يكون ﴿ أُولَئِكَ ﴾ : ابتداء؛ و ﴿ الْفَاسِقُونَ ﴾ : خبرَهُ، و ﴿ هُمُ ﴾ : عِمَاد وفَصْلٌ؛ لا موضع له.
ومعنى (الفاسقين) ههنا؛ أي: الذين خرجوا عن القصد، وعن جملة الإيمان.
قاله الزجاج (٨) (١) ويجوز أن تكون ﴿ مَنْ ﴾ موصولة، وتكون ﴿ تَوَلَّى ﴾ : صلة، لا محل لها.
ويكون ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ -في هذه الحالة-: في محل رفع؛ لوقوعها خبرًا.
انظر: "الدار المصون" 3/ 395.
(٢) في (ج): (حروف).
(٣) لم أقف على مصدر قوله.
(٤) في "معاني القرآن" له 1/ 438.
نقله عنه بتصرف (٥) في (ج): (يدخل).
(٦) (الوا) و: زيادة من (ج).
(٧) من قوله: (وهم ..) إلى (والفاسقون خبره): ساقط من (ج).
(٨) في "معاني القرآن" له: 1/ 438.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين ﴾ معنى الآية؛ أن الله أخذ العهد والميثاق، على كل نبيّ أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصره إن أدركه، وتضمن ذلك أخذ الميثاق على أمم الأنبياء، واللام في قوله: ﴿ لَمَآ آتَيْتُكُم ﴾ لام التوطئة، لأنّ أخذ الميثاق في معنى الاستخلاف، واللام في لتؤمنن جواب القسم، وما يحتمل أن تكون شرطية، ولتؤمنن سدّ مسدَّ جواب القسم والشرط.
وأن تكون موصولة بمعنى الذي آتيناكموه ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ والضمير في به ﴿ وَلَتَنصُرُنَّهُ ﴾ عائد على الرسول ﴿ أَأَقْرَرْتُمْ ﴾ أي اعترفتم ﴿ إِصْرِي ﴾ عهدي ﴿ فاشهدوا ﴾ أي على أنفسكم وعلى أممكم بالتزام هذا العهد ﴿ وَأَنَاْ مَعَكُمْ ﴾ تأكيد للعهد بشهادة رب العزة جلّ جلاله ﴿ بَعْدَ ذلك ﴾ أي من تولى عن الإيمان بهذا النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الميثاق؛ فهو فاسق مرتد متمرد في كفره.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لما ﴾ بكسر اللام حمزة الخزا.
الباقون بفتحها.
﴿ آتيناكم ﴾ على صيغة جمع المتكلم: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ آتيتكم ﴾ على الوحدة ﴿ يبغون ﴾ بياء الغيبة و ﴿ ترجعون ﴾ بتاء الخطاب مبنياً للمفعول: أبو عمرو غير عباس.
وقرأ عباس وسهل وحفص بالياء التحتانية فيهما وقرأ يعقوب ﴿ يبغون ﴾ بالياء التحتانية ﴿ يرجعون ﴾ بالتحتانية مبنياً للفاعل.
الباقون بتاء الخطاب فيهما ﴿ ملء ﴾ بالهمزة ﴿ الأرض ﴾ بغير الهمز.
روى النجاري عن ورش وروى الأصفهاني عنه بغير همز فيهما.
الباقون بالهمز فيهما.
الوقوف: ﴿ ولتنصرنه ﴾ ط ﴿ إصري ﴾ ط ﴿ أقررنا ﴾ ط ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ص ﴿ منهم ﴾ ج ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ اجمعين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج (لا) ﴿ ينظرون ﴾ ه (لا) للاستثناء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ توبتهم ﴾ ج ﴿ الضالون ﴾ ه، ﴿ افتدى به ﴾ ط ﴿ ناصرين ﴾ ه.
التفسير: الغرض من هذه الآيات تعديد الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد قطعاً لأعذارهم وإظهاراً لعنادهم من جملتها أخذ ميثاق النبيين.
قال الزجاج: تقديره واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله.
وقيل: واذكروا يا أهل الكتاب.
وإضافة الميثاق إلى النبيين إما أن تكون من إضافة العهد إلى المعاهد منه، أو من إضافة / العهد إلى المعاهد كما تقول: ميثاق الله وعهد الله.
أما الاحتمال الأول فيؤيده ما يشعر به ظاهر اللفظ من أن آخذ الميثاق هو الله والمأخوذ منهم النبيون وهو قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس.
ثم على هذا القول ما نقل عن علي أنه ما بعث آدم ومن بعده من الأنبياء إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه , والذي يدل على صحته ما روي أنه قال: " لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي" فهذا على سبيل الفرض والتقدير، وهو أنهم لو كانوا أحياء لوجب عليهم الإيمان بمحمد وإلا فالميت لا يكون مكلفاً.
وقيل: المراد أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف، أو أمة النبيين فقد ورد كثيراً في القرآن لفظ النبي ويراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ وقيل: النبيون أهل الكتاب وقد ورد على زعمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون.
ويؤكده قراءة أبي وابن مسعود ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ وأما الاحتمال الثاني فالمعنى أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به، ويؤكده أنه حكم بأنهم إن تولوا كانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء وإنما يليق بالأمم.
وروي عن ابن عباس أنه قيل له: إن أصحاب عبد الله يقرأون ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ ونحن نقرأ ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فقال: إنما أخذ الله ميثاق النيبين على قومهم ﴿ لما آتيتكم ﴾ من قرأ بفتح اللام ففيه وجهان: أحدهما: أن " ما " تكون موصولة واللام للابتداء وخبره ﴿ لتؤمنن ﴾ واللام فيه جواب القسم المقدر.
والعائد على الموصول في ﴿ آتيتكم ﴾ محذوف وفي ﴿ جاءكم ﴾ ما يدل عليه ﴿ لما معكم ﴾ لأنه في معنى "ما آتيتكم" والتقدير للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له والله لتؤمنن به - وثانيهما - واختاره سيبويه وغيره - كيلا يفتقر إلى تكلف الرابط أن يقال: أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف.
و " ما " هي المتضمنة لمعنى الشرط وحينئذٍ يحتاج القسم إلى الجواب والشرط إلى الجزاء، وليس ههنا ما يصلح لكل منهما إلا الإيمان والنصرة.
فالأصح في هذا المقام أن يجعل المذكور جواباً للقسم ظاهراً، ولهذا أدخل اللام والنون المؤكدة في " لتؤمنن " و " لتنصرن " وأدخل اللام في الشرط وتسمى موطئة لأنها تعين من أول الأمر وتمهد أن المذكور هو جواب القسم لا الشرط.
ثم إن جواب الشرط يكون مستغنى عنه لأن جواب القسم يسد مسدّه.
ومن قرأ بكسر اللام للتعليل ففيه أيضاً وجهان: أحدهما أن تكون " ما " / مصدرية أي أخذ الله ميثاقهم لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول الله موافقاً لكم في الأصول لتؤمنن به، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء، والثاني أن تكون " ما " موصولة وبيان الرابط كما مر.
وعن سعيد بن جبير ﴿ لما ﴾ بالتشديد بمعنى " حين ".
وقيل: أصله " لمن ما" أي لمن أجل ما آتيتكم.
أدغمت النون في الميم فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفوا إحداها للتخفيف فيؤل المعنى إلى قراءة حمزة.
وفي جميع القراآت قيل: لا بد من إضمار بأن يقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم.
قلت: هذا من باب الالتفات فلا حاجة إلى الإضمار فكأنه قيل: وإذ أخذت أو أخذنا.
ولما في أخذ الميثاق من معنى القول.
ومن العلماء من قدر الإضمار بنوع آخر واستحسنه في التفسير الكبير مع أنه متكلف فقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.
والنبيون عام وليس كلهم أصحاب كتاب ولكنه وصف الكل بوصف أشرفهم، أو الكتاب لذوي الكتب والحكمة لغيرهم، أو جعل الداعي إلى الكتاب وإلى العمل به كالذي أنزل عليه.
و "من " للبيان أو للتبعيض.
وقوله: ﴿ ثم جاءكم ﴾ والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء إلى الأمم معناه أي في زمانكم وإن كان المراد من النبيين أولادهم أو أممهم فلا إشكال.
والمراد بتصديقه لما معهم موافقته في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع.
فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف لأن جميع الأنبياء متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد ليس الاشرعه .
ولو قلنا: إن المراد بالرسول هو محمد فالمراد إما ما ذكرنا أو أن نعته وصفته وأحواله مذكورة في الكتب المتقدمة، فكان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم.
الظاهر أن المراد بهذا الميثاق هو التوصية بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم.وقيل: يحتمل أن يكون الميثاق إشارة إلى ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه.
وقيل: المراد بأخذ الميثاق أنه شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية وجب الانقياد له ، وهذا إنما يصح لو كان المراد بالنيين أولادهم أو أممهم أو ميثاق النبيين من الأمم أو ميثاق الله من النبيين على تقدير كونهم أحياء.
أقول والله أعلم: يحتمل أن يراد بقوله ﴿ ثم جاءكم ﴾ / المجيء في الزمان الماضي، فيكون معنى الآية أن الله أخذ ميثاقه من كل نبي أوتي كتاباً وحكمة أن يؤمن بكل رسول كان قد جاء قبله موافقاً لما معه وينصر دينه بأن يظهر حقيته في وقته وأنه من عند الله وأنه موافق له في أصول العقائد وفي قواعد مكارم الأخلاق، فتكون هذه الآية تمهيداً لما يجيء بعد من قوله: ﴿ قل آمنا بالله ﴾ الآية.
﴿ قال ﴾ الله أو كل نبي لأمته مستفهماً بمعنى الأمر ﴿ أأقررتم ﴾ بالإيمان به والنصرة؟
والإقرار في الشرع إخبار عن ثبوت حق سابق.
وفي اللغة منقول بهمزة التعدية من قر الشيء يقر إذا ثبت ولزم مكانه ﴿ وأخذتم ﴾ أي قبلتم ﴿ على ذلكم أصري ﴾ عهدي.والأخذ بمعنى القبول كثير قال : ﴿ لا يؤخذ منها عدل ﴾ أي لا يقبل.
ويأخذ الصدقات أي يقبلها.
سمي العهد أصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد.
ثم بعد المطالبة بالإقرار أكد ذلك بالإشهاد وقال: ﴿ فاشهدوا ﴾ أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار.
وفي قوله: ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾ وأنه لا يخفى عليه خافية، تذكير لهم وتوكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.
وقيل: فاشهدوا خطاب للملائكة.
وقيل: معناه ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه كقوله: ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ﴾ وقيل: بينوا هذا الميثاق للخاص والعام حتى لا يبقى لأحد عذر في الجهل به.
وأصله أن الشاهد هو الذي يبين تصديق الدعوى.
وقيل: استيقنوا وكونوا كالمشاهد للشيء المعاين له، أو يكون خطاباً للأنبياء بأن يكونوا شاهدين على الأمم.
ثم ضم إلى توكيد الوعيد بقوله: ﴿ فمن تولى بعد ذلك ﴾ الميثاق وصنوف التوكيد فلم يؤمن ولم ينصر ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ الخارجون عن دين الله وطاعته، ووعيد الفساق المردة معلوم.
ثم وبخ من خرج من دين الله إلى غيره بإدخال همزة الاستفهام على الفاء العاطفة فقال: ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ ويحتمل أن يراد أيتولون فغير دين الله يبغون ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فيهما فلأن ما قبله خطاب في " أقررتم " و " أخذتم " أو للالتفات بعد قوله ﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ ومن قرأ بياء الغيبة فلرجوع الضمير في الأول إلى الفاسقين، وفي الثاني إلى جميع المكلفين.
والأصل أفتبتغون غير دين الله؟
لأن الاستفهام إنما يكون عن الحوادث إلا أنه قدم المفعول لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو فائدة الهمزة ههنا متوجه إلى الدين الباطل.
وعن ابن عباس "أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم، فكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به فقال : كل الفريقين بريء من دين إبراهيم.
فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت" .
وعلى هذا تكون الآية كالمنقطعة عما قبلها، ولكن / الاستفهام على سبيل الإإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم ولم يكن لكفرهم سبب إلا مجرد البغي والعناد، كانوا طالبين ديناً غير دين الله، فاستنكر أن يفعلوا ذلك أو قرر أنهم يفعلون.
ثم بيّن أن الإعراض عن دين الله خارج عن قضية العقل، وكيف لا وقد أخلص له الانقياد وخصص له الخضوع كل من سواه، لأن ما عداه كل ممكن وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه، فهو ذليل بين يدي قدرته، خاضع لجلال قدره في طرفي وجوده وعدمه عقلاً كان أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً.
ونظير الآية ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فلا سبيل لأحد إلى الامتناع عن مراده ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ وهما مصدران وقعا موقع الحال لأنهما من جنس الفعل أي طائعين وكارهين كقولك: أتاني راكضاً.
ولو قلت أتاني كلاماً أي متكلماً لم يجز لأن الكلام ليس من جنس الإتيات.
فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين وكرهاً في غيره من الآلام والمكاره التي تخالف طباعهم، لأنهم لا يمكنهم دفع قضائه وقدره.
وأما الكافرون فينقادون في الدين كرهاً أي خوفاً من السيف أو عند الموت أو نزول العذاب.
وعن الحسن: الطوع لأهل السموات، والكره لأهل الأرض.
أقول: وذلك لأن السفلي ينجذب بالطبع إلى السفل فحمله نفسه على ما يخالف طبعه هو الكره.
وبلسان الصوفية من شاهد الجمال أسلم طوعاً، ومن شاهد الجلال أسلم كرهاً.
فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ظاهراً وباطناً، وفيه وعيد شديد لمن خالف الدين الحق إلى غيره.
ثم إنه لما بين أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق كل رسول كان قبله، أمر النبي بذلك ليعرف منه غاية إذعانه ونهاية استسلامه.
أما وجه التوحيد في ﴿ قل ﴾ فظاهر، بناء على ما قلنا، وأما وجه الجمع في ﴿ آمنا ﴾ فلتشريف أمته بانضمامهم معه في سلك الإخبار عن الإيمان، أو ليعلم أن هذا التكليف ليس من خواصه وإنما هو لازم لجميع المؤمنين كقوله: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ﴾ أو لإجلال قدر نبيه حيث أمر أن يتكلم عن نفسه كما يتكلم العظماء والملوك.
وقدم الإيمان بالله لأنه أصل جميع العقائد، ثم ذكر الإيمان بما أنزل الله إلأيه لأن كتب سائر الأنبياء محرفة لا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بالفرقان المنزل على محمد ، ثم ذكر الإيمان بما أنزل على مشاهير الأنبياء إذ لا سبيل إلى حصر الكل، وفي ذلك تنبيه على سوء عقيدة أهل الكتاب حيث فرقوا بين الأنبياء فصدقوا بعضاً وكذبوا بعضاً، ورمز إلى أنهم ليسوا من الدين في شيء حيث خالفوا مقتضى الميثاق.
ثم إن قلنا إنه تعالى أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بكل رسول جاء بعده كما ذهب إليه الجمهور في / تفسير قوله: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فههنا قد أخذ الميثاق على محمد بأن يؤمن بكل رسول كان قبله ولم يؤخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده فيكون في الآية دليل على أنه لا نبي بعده.
واعلم أن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فيجوز أن يعدّى أنزل بـ " على " تارة كما في هذه الآية، وبحرف الانتهاء أخرى كما في البقرة.
فنطق القرآن بالاعتبارين جميعاً.
وقيل: عُدي هناك بـ "إلى" لمكان ﴿ قولوا ﴾ فإن الوحي يأتي الأمة بطريق الانتهاء، وعدي ههنا بـ "على" لمكان ﴿ قل ﴾ فإن الرسول يأتيه الوحي بطريق الاستقلال وزيفه في الكشاف بقوله : ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب ﴾ وبقوله: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ﴾ والإنصاف أن هذا القائل لم يدع أن هذه المناسبة يجب اعتبارها في كل موضع وإنما ادعى اعتبارها في الموضعين فيصلح حجة للتخصيص والله أعلم.
﴿ ونحن له مسلمون ﴾ فائدة تقديم الجار أن يعلم أن هذا الإذعان والإيمان والاستسلام لا غرض فيه إلا وجه الله دون شيء آخر من طلب المال والجاه، بخلاف أحبار اليهود الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً فليسوا من الإسلام في شيء ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ﴾ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
﴿ وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ حيث فاته الثواب وحصل مكانه العقاب.
والخاسرون ههنا هم الكافرون فقط عند أهل السنة، ومع أصحاب الكبائر عند المعتزلة.
وقد يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد إذ لو كان الإيمان غير الإسلام كان غير مقبول، لأن كل ما هو غير الإسلام ليس بمقبول عند الله للآية.
وقد ذكرنا مراراً أن النزاع لفظي لأن الإسلام إن أريد به الانقياد الكلي فلا فرق بينه وبين الإيمان كما في هذه الآية، وإن أريد به الإقرار باللسان فالفرق بناء على أن الاعتقاد القلبي داخل في مفهوم الإيمان، وعلى الفرق ورد قوله : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ ثم بيّن وعيد من ترك الإسلام فقال: ﴿ كيف يهدي الله ﴾ واختلف في سبب النزول، ففي رواية عن ابن عباس نزلت في يهود قريضة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بالنبي بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه وكانوا يشهدون له بالنبوة فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا به بغياً وحسداً وعناداً ولدداً.
وفي رواية أخرى عنه: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة، ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب بقوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ وعن مجاهد قال: كان الحرث بن سويد قد أسلم وكان مع رسول الله ثم لحق بقومه وكفر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ فحملهن إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فقال الحرث: والله إنك لصدوق وإن رسول الله / لأصدق منك وإن الله أصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلاماً حسناً.
قالت المعتزلة في الآية: إن أصولنا تشهد بأنه هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ووضع الدلائل وإلا كان الكافر معذوراً ولا يحسن ذمه على الكفر.
ثم إنه حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار فلا بد من تفسير الآية بشيء أخر سوى نصب الدلائل.قالوا: فالمراد بهذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ وقال: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ أو المعنى لا يهديهم إلى الجنة كقوله: ﴿ ولا يهديهم طريقاً إلا طريق جهنم ﴾ وقوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وقال أهل السنة: المراد بالهداية خلق المعرفة.
وقد جرت سنة الله في باب التكليف وفي دار العمل أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإنه الله يخلقه عقيب قصد العبد فكأنه قال: كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه.؟
وقال أهل التحقيق: كيف يهدي الله إليه قوماً احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية عن الأخلاق الربانية.
وقوله: ﴿ وشهدوا ﴾ عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل إذ هو في تقدير أن آمنوا كقوله : ﴿ فأصدق وأكن ﴾ ويجوز أن يكون الواو للحال بإضمار "قد" أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق.
وكيفما كان فمعنى الآية يؤل إلى أنه لا يهدي قوماً كفروا بعد الإيمان وبعد الشهادة بأن الرسول حق في نفسه غير باطل ولا مما يسوغ إنكاره بعد أن جاءتهم الشواهد الدالة على صدقه من القرآن وغيره، لكن الشهادة هي الإقرار باللسان، فيكون المراد من الإيمان هو التصديق بالقلب ليكون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه.
﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الواضعين للشيء في غير موضعه وذلك أن الخصال الثلاث - أعني الإيمان والشهادة ومشاهدة المعجزات - توجب مزيد الإيمان بالنبي المبعوث في آخر الزمان لا الكفر والعناد.
وفيه دليل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل ولهذا صرح في آخر الآية بأنه لا يهديهم بعد أن عرض بذلك في أول الآية، ثم أردفه بغاية الوعيد قائلاً ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ وقد مر مثله في البقرة.
وهذا تحقيق قول المتكلمين بأن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة.
﴿ إلا الذين تابوا من بعد ذلك ﴾ الكفر العظيم.
ولا يكفي التوبة وحدها حتى يضاف إليها العمل الصالح فلهذا قال: ﴿ وأصلحوا ﴾ أي باطنهم مع الحق بالمراجعات، وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وأظهروا إنا كنا على الباطل حتى لو اغتر بطريقتهم المنحرفة مغتر رجع عنها.
﴿ فإن الله غفور ﴾ في الدنيا بالستر ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة بالعفو.
أو غفور بإزالة العقاب، / رحيم بإعطاء الثواب.
قوله ﴿ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً ﴾ ازدياد الكفر قد يراد به الإصرار على الكفر، وقد يراد به ضم كفر إلى كفره وهو المراد في الآية باتفاق عامة المفسرين.
ثم اختلفوا فقيل: إنهم أهل الكتاب آمنوا بمحمد قبل مبعثه ثم كفروا به عند المبعث ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه كل وقت، وإنكارهم لكل معجز يظهر عليه إلى غير ذلك من تخليطاتهم وتغليطاتهم.
وقيل: إن اليهود كانوا مؤمنين بموسى ثم كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن.
وهذا قول الحسن وقتادة وعطاء، وقيل: نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة، وازديادهم الكفر أنهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون.
وقيل: عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق فسمى الله ذلك النفاق زيادة في الكفر, ثم إنه حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، وحكم تعالى في هذه الآية بعدم قبولها، وهذا يوهم التناقض.
وأيضاً ثبت بالدليل أن التوبة بشروطها مقبولة فما معنى قوله ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ قال الحسن وقتادة وعطاء: المراد بازدياد الكفر إصرارهم عليه فلا يتوبون إلا عند حضور الموت، والتوبة حينئذٍ لا تقبل لقوله : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ وقيل: هي محمولة على ما إذا تابوا باللسان لا عن الإخلاص.
وقال القاضي والقفال وابن الأنباري: هي من تتمة قوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ يريد أنه لو كفر بعد التوبة الأولى فإن التوبة الأولى لا تكون مقبولة.
وقيل: لعل المراد أن التوبة من تلك الزيادة لا تكون مقبولة ما لم يتب عن الأصل المزيد عليه.
أقول: ويحتمل أن يكون لن تقبل توبتهم جعل كناية الموت على الكفر كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين المصرين على الكفر ما يتوبون عن الكفر لما في فعلهم من قساوة القلوب والإفضاء إلى الرين وانجراره إلى الموت على حالة الكفر.
وفائدة هذه الكناية تصير كونهم آيسين من الرحمة، هذا إذا خصصنا اليهود والمرتدين بالمصرين، أما على تقدير التعميم فنقول: إنما يجعل الموت على الكفر لازماً لازدياد كفرهم لأن القضية حينئذٍ لا تكون كلية، فكم من مرتد أو يهودي مزداد للكفر لا بمعنى الإصرار يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر.
فاكتفى بذكر لازم الموت على الكفر وهو عدم قبول التوبة حتى برز الكلام في معرض الكناية.
ومن المعلوم أنها ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وأنه لا بد للعدول من فائدة، فصح أن نبين فائدة العدول على وجه يصير القضية كلية وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها، ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف لأجل اليأس من الرحمة، وهذا هو الذي عول عليه في الكشاف.
والحاصل أنه / كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا من حقهم أن لا تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون الكاملون في الضلال، ضلوا في تيه الأوصاف البهيمة والأخلاق السبعية فلم يكادوا يخرجون منها بقدم الإنابة.
واعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام: أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي سيق لأجله الآية التي ردفها الاستثناء، وثانيها الذي يتوب توبة فاسدة وهو المذكور في قوله: ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ على وجه.
وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة فذكره في الآية الأخيرة.
وملْ الشيء قدر ما يملؤه و ﴿ ذهباً ﴾ نصب على التمييز.
وربما يقال على التفسير، ومعناه أن يكون الكلام تاماً إلا أنه يكون مبهماً كقولك "عندي عشرون" فالعدد معلوم والمعدود مبهم.
فإذا قلت "درهماً" فسرت العدد.
ومعنى الفاء في ﴿ فلن يقبل ﴾ أن يعلم أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وإذا ترك كما في الآية الأولى فلعدم قصد التسبيب والاكتفاء بمجرد الحمل والوضع.
هذا ما قاله النحويون ومنهم صاحب الكشاف.
وليت شعري أنهم لو سئلوا عن تخصيص كل موضع بما خصص به فبماذا يجيبون؟
ولعل عقيدتهم في أمثال هذه المواضع أنها من الأسئلة المتقلبة وهو وهم.
والسر في التخصيص هو أنه لما قيد في الجملة الثانية أنهم قد ماتوا على الكفر زيدت فاء السببية الجزائية تأكيداً للزوم وتغليظاً في الوعيد والله أعلم.
أما الواو في قوله ﴿ ولو افتدى به ﴾ فإنها تشبه عطف الشيء على نفسه لأنه كالمكرر، فلهذا كثر أقاويل العلماء فيه فقال الزجاج وابن الأنباري: إنها للعطف والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم يمنعه ذلك مع كفره ولو افتدى به أيضاً لم يقبل منه.
وقيل: إنها لبيان التفصيل بعد الإجمال فإن إعطاء ملء الأرض ذهباً يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية.
وقيل: إن الملوك قد لا يقبلون الهدية ويقبلون الفدية، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ونهاية السخط، فعبر بنفي قبول الفداء عن شدة الغضب.
وقيل: إنه محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً.
وقيل: يجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله: ﴿ ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به ﴾ والمثل يحذف كثيراً في كلامهم مثل: ضربت ضرب زيد.
أي مثل ضربه.
و" أبو يوسف وأبو حنيفة " تريد مثله.
كما أنه يراد به في نحو قولهم "مثلك لا يفعل" كذا أي أنت.
وذلك أن المثلين يقوم أحدهما مقام الآخر في أغلب الأمور فكانا في حكم شيء واحد، فإن قيل: من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة شيئا، وبتقدير أن يملك فلا نفع في الذهب هناك، فما فائدة هذا الكلام؟
فالجواب أنه على سبيل الفرض والتقدير، والذهب / كناية عن أعزالأشياء.
والمراد أنه لو قدر على أعز الأشياء وفرض أن في بذله نفعاً للآخذ وأن المبذول في غاية الكثرة لعجز أن يتوصل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب ربه.
ثم صرح بعقابهم ونفى من يشفع لهم فقال: ﴿ أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ﴾ قال أهل التحقيق: وماتوا أي ماتت قلوبهم ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ بموت القلب وفقد المعرفة ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ على إحياء القلب بنور المعرفة حسبي الله ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ الآية.
قال مجاهد: هذا خطأ من الكاتب، وهي في قراءة ابن مسعود - - "ميثاق الذين أوتوا الكتاب"؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ لأن الميثاق لا يؤخذ على النبيين أن يصدّقوا، لكنه يجوز هذا.
ثم اختلف فيه، قيل: ميثاق الأوّل من الأنبياء - ليصدّقنّ بما جاء به الآخر منهم، لو أدرك.
وقيل: أخذ الله ميثاقاً على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى قومهم؛ ففعلوا، ثم أخذوا مواثيق قومهم أن يؤمنوا بمحمّد ويصدقوه وينصروه.
وقيل: أخذ الله على النبيين ميثاقاً على أن يبلغوا الرسالة إلى قومهم، ويدعوا الناس إلى دين الله.
قال الكسائي فيه بوجهين: أحدهما: يقول: ميثاق الذين منهم النبيّون وهم بنو إسرائيل، وكل ميثاق ذكره الله - - في القرآن في أهل الكتاب، فإنما يراد به بنو إسرائيل.
والثاني: ذكره كما ذكرنا من تصديق بعضهم بعضاً، وتبليغ كتب الله إلى قومهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .
أخذ عليهم الميثاق؛ ليأخذوا على قومهم المواثيق أن يؤمنوا بمحمّد إذا خرج وينصروه.
وقوله: ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ ﴾ : قال الله - - للأنبياء: ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي ﴾ ، قيل: هو عهدي.
والإصر: قيل: هو العهد.
﴿ قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا ﴾ .
بالعهد لنؤمنن به ولننصرنه، وأخذنا على قومنا ليؤمنن به ولينصرنه، وقال الله - -: ﴿ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ .
يقول الله - -: وأنا على إقراركم بمحمّد من الشاهدين.
وقيل: قال الله: فاشهدوا أني قد أخذت عليكم بالعهد، وأنا معكم من الشاهدين أنكم قد أقررتم بالعهد.
يقول الله - -: ﴿ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ .
العهد بالإقرار بنقض العهد، والرجوع عن الإقرار.
﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ : الدين كأنه يتوجه إلى وجوه يرجع إلى اعتقاد المذهب في الأصل، ويرجع إلى الحكم والخضوع، كقوله - -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ ، ويرجع إلى الجزاء.
ثم قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ : كأن كلا منهم يبغي ديناً هو دين الله، ويدعي أن الدين الذي هو عليه دين الله، لكن هذا - والله أعلم - كل منهم في الابتداء يبغي دين الله في نفسه، لكن بَانَ له من بعد وظهر بالآيات والحجج أنه ليس على دين الله، وأن دين الله هو الإسلام، فلم يرجع إليه ولا اعتقده، ولزم غيره بالاعتناد والمكابرة؛ فهو باغٍ غيرَ دين الله، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ ، أي: أفغير ما في دين الله من الأحكام والتوحيد.
ويحتمل: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ ﴾ : يدينون، وليس على الاستفهام؛ ولكن على الإيجاب أنهم في صنيعهم يبغون غير الذي هو دين الله، كقوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ : يحتمل: وجوهاً: يحتمل: أسلم، أي: استسلم، وخضع له بالخلقة؛ إذ في خلقة كُلٍّ دلالاتُ وَحدانيته.
ويحتمل: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ ، يعني: الملائكة، ﴿ وَٱلأَرْضِ ﴾ المؤمنين الذين أسلموا طوعاً وكرهاً، يعني: أهل الأديان يقرون أن الله ربهم وهو خلقهم؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ فذلك إسلامهم، وهم في ذلك مشركون.
عن ابن عباس - - قال]: "مَنْ فِى السَّمَوَاتِ أَسْلَمُوا طَوْعاً، ,َأَمَّا أهْلُ الأرْضِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ طَوْعاً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ كَرْهاً؛ مَخَافَةَ السَّيْفِ".
وعن ابن عباس - أيضاً - قال: "طَوْعاً مَنْ وُلِدَ فِى الإِسْلاَمِ، وَكُلُّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُولَدْ فِى الإسْلاَم فَهُوَ كُرْهٌ".
وقيل: منهم من أسلم طوعاً، ومنهم من جبروا عليه، والإسلام: هو تسليم النفس لله خالصاً لا يشرك فيها غيره؛ كقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ ﴾ الآية [الزمر: 29].
دلّت الآية أنه ما ذكرنا، والله أعلم.
والإسلام: هو اسم الخضوع، وكل منهم قد خضعوا، ولم يجترئ أحد أن يخرج عليه.
<div class="verse-tafsir"
فمن أعرض بعد هذا العهد المؤكد بالشهادة من الله ورسله؛ فأولئك هم الخارجون عن دين الله وطاعته.
<div class="verse-tafsir" id="91.kNlWq"
هذا رجوع إلى أصل الموضوع الذي افتتحت السورة بتقريره وهو التنزيل وكون الدين عند الله واحدًا وهو ما كان عليه إبراهيم وسائر النبيين وكون الله تعالى مختارًا فيما يختص به بعض خلقه من مزية أو نبوة.
وقد سيقت تلك المسائل لإثبات نبوة محمد وإزالة شبهات من أنكر من أهل الكتاب بعثة نبي من العرب واستتبع ذلك محاجتهم وبيان خطئهم في ذلك وفي غيره من أمر دينهم.
وهذه المسألة التي تقررها هذه الآية من الحجج الموجهة إليهم لدحض مزاعمهم وهي أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع النبيين وعلى أتباعهم بالتبع لهم بأن ما يعطونه من كتاب وحكمة وإن عظم أمره فالواجب عليهم أن يؤمنوا بمن يرسل من بعدهم مصدقًا لما معهم منه وأن ينصروه.
أما أخذ الميثاق من المرء وهو العهد الموثق المؤكد فهو عبارة عن كون المأخوذ منه وهو المعاهد (بكسر الهاء) يلتزم للآخذ وهو المعاهد (بفتح الهاء) أن يفعل كذا مؤكدًا ذلك باليمين أو بلفظ من المعاهدة أو المواثقة.
وفي قوله "ميثاق النبيين" وجهان: أحدهما: أن معناه الميثاق من النبيين فالنبيون هم المأخوذ عليهم.
وعلى هذا يكون حكمه ساريًا على أتباعهم بالأولى.
وثانيهما: أن إضافة ميثاق إلى النبيين على أنهم أصحابه فهو مضاف إلى الموثق لا إلى الموثق عليه كما تقول عهد الله وميثاق الله.
وحينئذ يكون المأخوذ عليه مسكوتًا عنه للعلم به وتقديره: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على أممهم أو الخطاب لأهل الكتاب والمعنى وإذ أخذ الله عليكم ميثاق النبيين الذين أرسلوا إلى قومكم، أو التقدير ميثاق أمم النبيين.
وكل من القولين مروي عن السلف وممن قال بالثاني من آل البيت جعفر الصادق وهو على حد: ﴿ يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ﴾ فالخطاب فيه للنبي والمراد أمته عامة.
فإذا سأل سائل عن إيمان نبي بنبي آخر يبعث في عصره هل يستلزم ذلك نسخ الثاني لشريعة الأول؟
فالجواب لا يستلزم ذلك ولا ينافيه، وإنما المقصود تصديق دعوته ونصره على من يؤذيه ويناوئه، فإن تضمنت شريعة الثاني نسخ شيء مما جاء به الأول وجب التسليم له وإلا صدقه بالأصول التي هي واحدة في كل دين ويؤدي كل واحد مع أمته أعمال عبادتها التفصيلية، ولا يعد ذلك اختلافًا وتفرقًا في الدين فإن مثله يأتي في الشريعة الواحدة كأن يؤدي شخصان كفارة اليمين أو غيرها بغير ما يكفر به الآخر هذا بالصيام وذلك بإطعام المساكين، وسبب ذلك اختلاف حال الشخصين فأدى كل واحد ما سهل عليه.
﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ ﴾ إن هذا الأمر بالشهادة دليل على ترجيح قول جعفر الصادق أن العهد مأخوذ من الأنبياء على أممهم، والمعنى أن الله تعالى أمر الأنبياء بأن يشهدوا على أممهم بذلك وهو سبحانه معهم شهيد.
والعبارة ليست نصًا في أن هذه المحاورة وقعت وهذه الأقوال قيلت، والمختار أن المراد بها تقرير المعنى وتوكيده على طريق التمثيل.
﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي أن مقتضى ذلك الميثاق أن دين الله واحد، وأن دعاته متفقون متحدون، فمن تولى بعد الميثاق على ذلك عن هذه الوحدة واتخذ الدين آلة للتفريق والعدوان ولم يؤمن بالنبي المتأخر المصدق لمن تقدمه، ولم ينصره، كأولئك الذين يجحدون نبوة محمد ويؤذونه فأولئك هم الفاسقون أي الخارجون من ميثاق الله الناقضون لعهده، وليسوا من دين الحق في شيء.
﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهًا ﴾ : إن الذين أسلموا طوعًا هم الذين لهم اختيار في الإسلام وأما الذين أسلموا كرهًا فهم الذين فطروا على معرفة الله كالأنبياء والملائكة وإن كان لفظ الكره يطلق في الغالب على ما يخالف الاختيار ويقهره فإن الله تعالى قد استعمله في غير ذلك كقوله بعد ذكر خلق السماء في الكلام على التكوين ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ فأطلق الكره وأراد به لازمه وهو عدم الاختيار.
<div class="verse-tafsir"