الآية ٩٨ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٩٨ من سورة آل عمران

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ ٩٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٨ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا تعنيف من الله تعالى لكفرة أهل الكتاب ، على عنادهم للحق ، وكفرهم بآيات الله ، وصدهم عن سبيله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله ، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين ، والسادة المرسلين ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وما بشروا به ونوهوا ، من ذكر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] الأمي الهاشمي العربي المكي ، سيد ولد آدم ، وخاتم الأنبياء ، ورسول رب الأرض والسماء .

وقد توعدهم [ الله ] تعالى على ذلك بأنه شهيد على صنيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء ، ومقابلتهم الرسول المبشر بالتكذيب والجحود والعناد ، وأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون ، أي : وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قال أبو جعفر: يعني بذلك: يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر من ينتحل الدِّيانة بما أنـزلَ الله عز وجل من كتبه، ممن كفَر بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحد نبوَّته: =" لم تكفرون بآيات الله "، يقول: لم تجحدونُ حجج الله التي آتاها محمدًا في كتبكم وغيرها، التي قد ثبتت عليكم بصدقه ونبوَّته وحُجته.

(71) وأنتم تعلمون: يقول: لم تجحدون ذلك من أمره، وأنتم تعلمون صدقه؟

(72) فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم متعمِّدون الكفر بالله وبرسوله على علم منهم، ومعرفةٍ من كفرهم، وقد: 7522- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله "، أما "آيات الله "، فمحمد صلى الله عليه وسلم.

7523- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون "، قال: هم اليهودُ والنصارى.

-------------------- الهوامش : (71) هذه العبارة ، هي هي في المخطوطة والمطبوعة ، وأنا في شك منها ، وإن كانت قريبة من الاستقامة على بعض وجه الكلام.

(72) ظاهر أن أبا جعفر وهم ، وترك تفسير بقية هذه الآية ، وفسر مكانها"وأنتم تعلمون" ، وهي ليست من هذه الآية في شيء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لا يوجد تفسير لهذه الأية

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 98 الى 101 :ـ يوبخ تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى على كفرهم بآيات الله التي أنزلها الله على رسله، التي جعلها رحمة لعباده يهتدون بها إليه، ويستدلون بها على جميع المطالب المهمة والعلوم النافعة، فهؤلاء الكفرة جمعوا بين الكفر بها وصد من آمن بالله عنها وتحريفها وتعويجها عما جعلت له، وهم شاهدون بذلك عالمون بأن ما فعلوه أعظم الكفر الموجب لأعظم العقوبة { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } فلهذا توعدهم هنا بقوله: { وما الله بغافل عما تعملون } بل محيط بأعمالكم ونياتكم ومكركم السيء، فمجازيكم عليه أشر الجزاء لما توعدهم ووبخهم عطف برحمته وجوده وإحسانه وحذر عباده المؤمنين منهم لئلا يمكروا بهم من حيث لا يشعرون، فقال: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } وذلك لحسدهم وبغيهم عليكم، وشدة حرصهم على ردكم عن دينكم، كما قال تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } ثم ذكر تعالى السبب الأعظم والموجب الأكبر لثبات المؤمنين على إيمانهم، وعدم تزلزلهم عن إيقانهم، وأن ذلك من أبعد الأشياء، فقال: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } أي: الرسول بين أظهركم يتلو عليكم آيات ربكم كل وقت، وهي الآيات البينات التي توجب القطع بموجبها والجزم بمقتضاها وعدم الشك فيما دلت عليه بوجه من الوجوه، خصوصا والمبين لها أفضل الخلق وأعلمهم وأفصحهم وأنصحهم وأرأفهم بالمؤمنين، الحريص على هداية الخلق وإرشادهم بكل طريق يقدر عليه، فصلوات الله وسلامه عليه، فلقد نصح وبلغ البلاغ المبين، فلم يبق في نفوس القائلين مقالا ولم يترك لجائل في طلب الخير مجالا، ثم أخبر أن من اعتصم به فتوكل عليه وامتنع بقوته ورحمته عن كل شر، واستعان به على كل خير { فقد هدي إلى صراط مستقيم } موصل له إلى غاية المرغوب، لأنه جمع بين اتباع الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله وبين الاعتصام بالله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى :" قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله» القرآن «والله شهيد على ما تعملون» فيجازيكم عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: لِمَ تجحدون حجج الله التي دلَّتْ على أن دين الله هو الإسلام، وتنكرون ما في كتبهم من دلائل وبراهين على ذلك، وأنتم تعلمون؟

والله شهيد على صنيعكم.

وفي ذلك تهديد ووعيد لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال : مر شاس بن قيس - وكان شيخاً قد عسا فى الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم - مر على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج فى مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الذى كان بينهم من العداوة فى الجاهلية .

فقال : قد اجتمع ملأ بنى قيلة بهذه البلاد ، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار .

فأمر شابا من اليهود كان معه فقال له : اعمد إليهم فاجلس معهم ، وذكرهم يوم بعاث ، وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار - وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج - ففعل .

فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب : أوس بن قيظى من الأوس ، وجبار بن صخر من الخزرج .

فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم والله ردناها الآن جذعة ، وغضب الفريقان وقالوا : قد فعلنا ، السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة : الحرة - فخرجوا إليها وتحاور الناس .

فانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض ، على دعواهم التى كانوا عليها في الجاهلية .

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم .

فقال يا معشر المسلمين : الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، وساتنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا ، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين ، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس ، وما صنع .فأنزل الله فى شاس بن قيس وما صنع { قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ } الآية وأنزل فى أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا { ياأيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } .

.

.

إلى قوله { وأولئك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } - فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم - .وقوله - تعالى - : { قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله } أمر من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يوبخ هؤلاء اليهود ومن لف لفهم على مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية وإيذاء أتباعها ومحاولتهم صرف الناس عنها .أى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين كفروا بالحق بعد أن جاءتهم البينات : لم تعاندون الحق وتكفرون بآيات الله السمعية والعقلية الدالة على صدقى فيما أبلغه عن ربى ، والحال أن الله مطلع عليكم وعالم علم المعاين المشاهد أعمالكم الظاهرة والخفية ، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب أليم .فالآية الكر يمة قد تضمنت تأنيبهم على الكفر ، وتهديدهم بالعقاب إذا استمروا فى مسالكهم الأثيمة .ولكى يكون التأنيب أوجع ، أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يناديهم بقوله : { ياأهل الكتاب } لأن علمهم بالكتاب يستلزم منهم الإيمان ، والإذعان للحق ، ولكنهم اتخذوا علمهم وسيلة للشرور والتضليل فكان مسلكهم هذا دليلاً على فساد فطرتهم ، وخبث طويتهم ، وسوء طباعهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في كيفية النظم وجهين: الأول: وهو الأوفق: أنه تعالى لما أورد الدلائل على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام مما ورد في التوراة والإنجيل من البشارة بمقدمه، ثم ذكر عقيب ذلك شبهات القوم.

فالشبهة الأولى: ما يتعلق بإنكار النسخ.

وأجاب عنها بقوله: ﴿ كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ  ﴾ .

والشبهة الثانية: ما يتعلق بالكعبة ووجوب استقبالها في الصلاة ووجوب حجها.

وأجاب عنها بقوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ  ﴾ إلى آخرها، فعند هذا تمت وظيفة الاستدلال وكمل الجواب عن شبهات أرباب الضلال، فعند ذلك خاطبهم بالكلام اللين وقال: ﴿ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله ﴾ بعد ظهور البينات وزوال الشبهات، وهذا هو الغاية القصوى في ترتيب الكلام وحسن نظمه.

الوجه الثاني: وهو أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة ووجوب الحج، والقوم كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق والملة الصحيحة قال لهم: ﴿ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ الله ﴾ بعد أن علمتم كونها حقة صحيحة.

واعلم أن المبطل إما أن يكون ضالاً فقط، وإما أن يكون مع كونه ضالاً يكون مضلاً، والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعاً فبدأ تعالى بالإنكار عليهم في الصفة الأولى على سبيل الرفق واللطف.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَاتِ الله ﴾ واختلفوا فيمن المراد بأهل الكتاب، فقال الحسن: هم علماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوته، واستدل عليه بقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَاء ﴾ وقال بعضهم: بل المراد كل أهل الكتاب لأنهم وإن لم يعلموا فالحجة قائمة عليهم فكأنهم بترك الاستدلال والعدول إلى التقليد بمنزلة من علم ثم أنكر.

فإن قيل: ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟.

قلنا لوجهين: الأول: أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم أجاب عن شبههم في ذلك، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال: ﴿ يا أَهْل الكتاب ﴾ فهذا الترتيب الصحيح الثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوّة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة في قوله تعالى: ﴿ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ الله ﴾ دلالة على أن الكفر من قبلهم حتى يصح هذا التوبيخ وكذلك لا يصح توبيخهم على طولهم وصحتهم ومرضهم.

والجواب عنه: المعارضة بالعلم والداعي.

المسألة الثالثة: المراد ﴿ مِنْ آيات الله ﴾ الآيات التي نصبها الله تعالى على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، والمراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام.

ثم قال: ﴿ والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾ الواو للحال والمعنى: لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، والحال أن الله شهيد على أعمالكم ومجازيكم عليها وهذه الحال توجب أن لا تجترؤا على الكفر بآياته.

ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في إضلالهم لضعفة المسلمين فقال: ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءَامَنَ ﴾ قال الفرّاء: يقال صددته أصده صداً وأصددته إصداداً، وقرأ الحسن ﴿ تَصُدُّونَ ﴾ بضم التاء من أصده، قال المفسرون: وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته صلى الله عليه وسلم في كتابهم.

ثم قال: ﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ العوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى، وهو الدين والقول، فأما الشيء الذي يرى فيقال فيه: عوج بفتح العين كالحائط والقناة والشجرة، قال ابن الأنباري: البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك: بغيت المال والأجر والثواب وأُريد هاهنا: تبغون لها عوجاً، ثم أسقطت اللام كما قالوا: وهبتك درهماً أي وهبت لك درهماً، ومثله صدت لك ظبياً وأنشد: فتولى غلامهم ثم نادى *** أظليما أصيدكم أم حماراً أراد أصيد لكم والهاء في ﴿ تَبْغُونَهَا ﴾ عائدة إلى ﴿ السبيل ﴾ لأن السبيل يؤنث ويذكر و ﴿ العوج ﴾ يعني به الزيغ والتحريف، أي تلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي توردونها على الضعفة نحو قولهم: النسخ يدل على البداء وقولهم: إنه ورد في التوراة أن شريعة موسى عليه السلام باقية إلى الأبد، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون ﴿ عِوَجَا ﴾ في موضع الحال والمعنى: تبغونها ضالين وذلك أنهم كأنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقال الله تعالى: إنكم تبغون سبيل الله ضالين وعلى هذا القول لا يحتاج إلى إضمار اللام في تبغونها.

ثم قال: ﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَاء ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني أنتم شهداء أن في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام الثاني: وأنتم شهداء على ظهور المعجزات على نبوته صلى الله عليه وسلم الثالث: وأنتم شهداء أنه لا يجوز الصد عن سبيل الله الرابع: وأنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم ويعولون على شهادتكم في عظام الأمور وهم الأحبار والمعنى: أن من كان كذلك فكيف يليق به الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال.

ثم قال: ﴿ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ والمراد التهديد، وهو كقول الرجل لعبده، وقد أنكر طريقة لا يخفى على ما أنت عليه ولست غافلاً عن أمرك وإنما ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ وَاللَّه شَهِيدٌ ﴾ وهذه الآية بقوله: ﴿ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وذلك لأنهم كانوا يظهرون الكفر بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما كانوا يظهرون إلقاء الشبه في قلوب المسلمين، بل كانوا يحتالون في ذلك بوجوه الحيل فلا جرم قال فيما أظهروه ﴿ والله شَهِيدٌ ﴾ وفيما أضمروه ﴿ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وإنما كرر في الآيتين قوله: ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب ﴾ لأن المقصود التوبيخ على ألطف الوجوه، وتكرير هذا الخطاب اللطيف أقرب إلى التلطف في صرفهم عن طريقتهم في الضلال والإضلال وأدل على النصح لهم في الدين والإشفاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والله شَهِيدٌ ﴾ الواو للحال.

والمعنى: لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم والحال أن الله شهيد على أعمالكم فمجازيكم عليها، وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته.

قرأ الحسن: ﴿ تصدّون ﴾ ، من أصدّه ﴿ عَن سَبِيلِ الله ﴾ عن دين حق علم أنه سبيل الله التي أمر بسلوكها وهو الإسلام، وكانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون لصدّهم عنه، ويمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم وقيل: أتت اليهود الأوس والخزرج فذكروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله ﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ تطلبون لها اعوجاحاً وميلاً عن القصد والاستقامة.

فإن قلت: كيف تبغونها عوجاً وهو محال؟

قلت فيه معنيان: أحدهما أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أنّ فيها عوجاً بقولكم: إن شريعة موسى لا تنسخ، وبتغييركم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك.

والثاني: أنكم تتعبون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم ﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ﴾ أنها سبيل الله التي لا يصدّ عنها إلا ضال مضلّ، أو وأنتم شهداء بين أهل دينكم، عدول يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم أمورهم، وهم الأحبار ﴿ وَمَا الله بغافل ﴾ وعيد، ومحل تبغونها نصب على الحال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ بِآياتِهِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ  فِيما يَدَّعِيهِ مِن وُجُوبِ الحَجِّ وغَيْرِهِ، وتَخْصِيصُ أهْلِ الكِتابِ بِالخِطابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُفْرَهم أقْبَحُ، لِأنَّ مَعْرِفَتَهم بِالآياتِ أقْوى وأنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَهم كافِرُونَ بِهِما.

﴿ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ﴾ والحالُ أنَّهُ شَهِيدٌ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها لا يَنْفَعُكُمُ التَّحْرِيفُ والِاسْتِسْرارُ.

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ ﴾ كَرَّرَ الخِطابَ والِاسْتِفْهامَ مُبالَغَةً في التَّقْرِيعِ ونَفْيِ العُذْرِ لَهُمْ، وإشْعارًا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ مُسْتَقْبَحٌ في نَفْسِهِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِجْلابِ العَذابِ، وسَبِيلُ اللَّهِ في دِينِهِ الحَقُّ المَأْمُورُ بِسُلُوكِهِ وهو الإسْلامُ.

قِيلَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ ويَحْرِشُونَ بَيْنَهم حَتّى أتَوُا الأوْسَ والخَزْرَجَ فَذَكَّرُوهم ما بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّعادِي والتَّحارُبِ لِيَعُودُوا لِمِثْلِهِ ويَحْتالُونَ لِصَدِّهِمْ عَنْهُ.

﴿ تَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ حالٌ مِنَ الواوِ أيْ باغِينَ طالِبِينَ لَها اعْوِجاجًا بِأنْ تَلْبِسُوا عَلى النّاسِ وتُوهِمُوا أنَّ فِيهِ عِوَجًا عَنِ الحَقِّ، بِمَنعِ النَّسْخِ وتَغْيِيرِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ  ونَحْوِهِما، أوْ بِأنْ تُحَرِّشُوا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لِتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ويَخْتَلَّ أمْرُ دِينِهِمْ.

﴿ وَأنْتُمْ شُهَداءُ ﴾ إنَّها سَبِيلُ اللَّهِ والصَّدُّ عَنْها ضَلالٌ وإضْلالٌ، أوْ أنْتُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أهْلِ مِلَّتِكم يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويَسْتَشْهِدُونَكم في القَضايا.

﴿ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمّا كانَ المُنْكَرُ في الآيَةِ الأُولى كُفْرَهم وهم يَجْهَرُونَ بِهِ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ.

ولَمّا كانَ في هَذِهِ الآيَةِ صَدُّهم لِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ الإسْلامِ وكانُوا يُخْفُونَهُ ويَحْتالُونَ فِيهِ قالَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} الواو للحال والمعنى لم تكفرون بآيات الله الدلالة على صدق محمد عليه السلام والحال أن الله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ خاطَبَهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ وبِما يُصَدِّقُهُ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والإشارَةِ إلى تَعْجِيزِهِمْ عَنْ إقامَةِ العُذْرِ في كُفْرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: هاتُوا عُذْرَكم إنْ أمْكَنَكم.

والمُرادُ مِنَ الآياتِ مُطْلَقُ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصِدْقِ مُدَّعاهُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الحَجُّ وأمْرُهُ بِهِ، وبِهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها، وسَبَبُ نُزُولِها ما أخْرَجَهُ ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «مَرَّ شَمّاسُ بْنُ قَيْسٍ وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الضَّغَنِ عَلى المُسْلِمِينَ شَدِيدَ الحَسَدِ لَهم عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ في مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهم يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، فَغاظَهُ ما رَأى مِن أُلْفَتِهِمْ وجَماعَتِهِمْ وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ عَلى الإسْلامِ بَعْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلادِ واللَّهِ ما لَنا مَعَهم إذا اجْتَمَعَ مَلَؤُهم بِها مِن قَرارٍ، فَأمَرَ فَتًى شابًّا مَعَهُ مِن يَهُودَ فَقالَ: اعْمِدْ إلَيْهِمْ فاجْلِسْ مَعَهم ثُمَّ ذَكِّرْهم يَوْمَ بُعاثَ وما كانَ قَبْلَهُ وأنْشِدْهم بَعْضَ ما كانُوا تَقاوَلُوا فِيهِ مِنَ الأشْعارِ، وكانَ يَوْمُ بُعاثَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ وكانَ الظُّفْرُ فِيهِ لِلْأوْسِ عَلى الخَزْرَجِ، فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ وتَنازَعُوا وتَفاخَرُوا حَتّى تَواثَبَ رَجُلانِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلى الرُّكَبِ - أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أحَدُ بَنِي حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وهَبّارُ بْنُ صَخْرٍ أحَدُ بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ - فَتَقاوَلا ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ واللَّهِ رَدَدْناها الآنَ وغَضِبَ الفَرِيقانِ جَمِيعًا وقالُوا قَدْ فَعَلْنا السِّلاحَ السِّلاحَ مَوْعِدُكُمُ الظّاهِرَةُ - والظّاهِرَةُ الحَرَّةُ - فَخَرَجُوا إلَيْها وانْضَمَّتِ الأوْسُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ والخَزْرَجُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ عَلى دَعْواهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ مِن أصْحابِهِ حَتّى جاءَهم فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ اللَّهَ اللَّهَ أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ إذْ هَداكُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإسْلامِ وأكْرَمَكم بِهِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ واسْتَنْقَذَكم بِهِ مِنَ الكُفْرِ وألَّفَ بِهِ بَيْنَكم تَرْجِعُونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفّارًا، فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وكَيْدٌ لَهم مِن عَدُوِّهِمْ فَألْقَوُا السِّلاحَ مِن أيْدِيهِمْ وبَكَوْا وعانَقَ الرِّجالُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، قَدْ أطْفَأ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَيْدَ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى شَمّاسٍ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِ شَمّاسٍ وما صَنَعَ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ وأنْزَلَ في أوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وهَبّارٍ ومَن كانَ مَعَهُما مِن قَوْمِهِما الَّذِينَ صَنَعُوا ما صَنَعُوا ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا ﴾ الآيَةَ»، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِن أهْلِ الكِتابِ ظاهِرًا اليَهُودُ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ ما يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى.

﴿ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ﴾ ( 98 ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ العامِلُ فِيها تَكْفُرُونَ، وهي مُفِيدَةٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ، والشَّهِيدُ العالِمُ المُطَّلِعُ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ، وجَعْلُ الشَّهِيدِ بِمَعْنى الشّاهِدَ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، و( ما ) إمّا عِبارَةٌ عَنْ كُفْرِهِمْ، وإمّا عَلى عُمُومِها وهو داخِلٌ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ، والحالُ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ جَمِيعُ أعْمالِكم وهو مُجازِيكم عَلَيْها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، ولا مِرْيَةَ في أنَّ هَذا مِمّا يَسُدُّ عَلَيْكم طُرُقَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ويَقْطَعُ أسْبابَ ذَلِكَ أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ يعني اليهود والنصارى لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني لم تكفرون بالحج والقرآن ومحمد  ، وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ من الجحود والكفر قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ يقول: لم تصرفون الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن دين الله الإسلام والحج تَبْغُونَها عِوَجاً أي تطلبونها تغيراً وزيناً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ أن ذلك في التوراة وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من كتمان صفة محمد  ونعته.

ويقال في اللغة ما كان ينتصب انتصاب العود والحائط يقال: عوج بالنصب، وما لم ينتصب مثل الأرض والكلام.

ويقال: عوج كما قال تعالى: لاَّ تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [طه: 107] وقال تعالى: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً [الكهف: 1، 2] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يَخَافُ عُقُوبَتَهُ، ومَنْ حَجَّهُ لاَ يَرْجُو ثَوَابَهُ، فَهُوَ ذَلِكَ» «١» ، وقال بمعنى هذا الحديثِ ابْنُ عبَّاس وغيره، وقال السُّدِّيُّ وجماعة مِنْ أهْل العلْم.

معْنَى الآيةِ: مَنْ كَفَر بأنْ وَجَد ما يَحُجُّ به، ثم لَمْ يَحُجَّ، قال السُّدِّيُّ: مَنْ كان بهذه الحالِ، فهو كافرٌ «٢» ، يعني: كُفْرَ مَعْصية، ولا شكَّ أنَّ مَنْ أنعم اللَّه علَيْه بمالٍ وصحَّة، ولم يَحُجَّ، فقد كَفَر النِّعْمَةَ، وقال ابنُ عُمَر وجماعةٌ: معنى الآيةِ: ومن كَفَر باللَّه واليومِ الآخِرِ، قال الفَخْر «٣» : والأكثرون هم الذين حَمَلُوا الوعيدَ على مَنْ ترك اعتقادَ وُجُوبَ الحجِّ، وقال الضَّحَّاك: لما نَزلَتْ آية الحَجِّ، فأعْلَمِ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بذَلِكَ أَهْلَ المِلَلِ، وقَالَ: «إنَّ اللَّه تعالى كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجُّ، فحُجُّوا» ، فَآمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ وَكَفَرَ غَيْرُهُم «٤» فَنَزَلَتِ الآيةُ، قَالَ الفَخْرُ «٥» : وهذا هو الأقوى، واللَّه أعلم.

اهـ.

ومعنى قوله تعالى: غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ: الوعيدُ لِمَنْ كفر، والقَصْدُ بالكلامِ: فَإنَّ اللَّه غنيٌّ عنهم، ولكن عمَّم اللفظ ليَبْرَعَ المعنى، وتنتبه الفِكَرُ لقدرته سبحانه، وعظيم سلطانه، واستغنائه عن جميعِ خَلْقِهِ لا ربّ سواه.

وقوله عزّ وجلّ: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ.

هذه الآياتُ: توبيخٌ لليهود المعاصرين للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والكتابُ: التوراةُ، وآياتُ اللَّه يحتملُ أنْ يريدَ بها القُرآن، ويحتملُ العلاماتِ الظاهرةَ على يَدَيِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله

سبحانه: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ وعيدٌ محض، قال الطبريّ «١» : هاتان الآيتان:

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وما بعدهما إلى قوله: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥] ، نزلَتْ بسبب رَجْلٍ من اليهودِ، حاول الإغراء بَيْن الأوس والخَزْرَج، قال ابنُ إسْحَاق: حدَّثني الثِّقَةُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم، قال: مَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وكان شَيْخاً قَدْ عَسَا فِي الجَاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْر، شَدِيدَ الضِّغْن على المُسْلمين/، والحَسَدِ لهم على نَفَرٍ من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وَهُمْ في مَجْلِسٍ يتحدَّثُونَ، فغَاظَهُ مَا رآه مِنْ جماعَتِهِمْ وصَلاَحِ بَيْنِهِمْ بَعْدَ مَا كَانَ بينَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ، فَقَالَ:

قَدِ اجتمع مَلأ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلاَدِ، واللَّهِ، مَا لَنَا مَعَهُمْ، إذَا اجتمع مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَر فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: اعمد إلَيْهِمْ، واجلس مَعَهُمْ، وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثَ، وَمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَيَّامِ حَرْبِهِمْ، وَأَنْشِدْهُمْ مَا قَالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَفَاخَرُوا، وَتَنَازَعُوا حتى تَوَاثَبَ رَجُلاَنِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ مِنَ الأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْر مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلاَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ، رَدَدْنَاهَا الآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقَانِ، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا، السِّلاَحَ السِّلاَح!

مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ، يُرِيدُونَ: الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إليها وتحاوز النَّاسُ على دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الجاهليّة، وبلغ ذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ المُهَاجرِينَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللَّه اللَّه، أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ «٢» ، وَوَعَظَهُمْ، فَعَرَفَ القَوْمُ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَلْقُوا السِّلاَحَ، وَبَكَوْا، وَعَانَقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وانصرفوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بْنِ قيسٍ، وما صَنَعَ هذه الآيات.

وقال الحَسَنُ وغيره: نزلَتْ في أحْبَار اليَهُود الَّذِينَ يَصُدُّون المُسْلِمِينَ عَنِ الإسلام، ويَقُولُون: إن محمَّداً ليس بالموصُوفِ في كتابنا «٣» .

قال ع «٤» : ولا شَكَّ في وقوعِ هَذيْن الشيئَيْن، وما شاكَلَهما مِنْ أفعال اليهودِ وأقوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جميعِ ذلك، ومعنى «تَبْغُونَ» أي: تطلبون لها الاعوجاجَ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، فَأمّا آَياتُ اللَّهِ.

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي القُرْآَنُ ومُحَمَّدٌ  .

وأمّا الشَّهِيدُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو بِمَعْنى الشّاهِدِ، وقالَ الخَطّابِيُّ: هو الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، كَأنَّهُ الحاضِرُ الشّاهِدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: دَعَتِ اليَهُودُ حُذَيْفَةَ، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، إلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

وفي المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: اليَهُودُ.

قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: الإسْلامُ، والحَجُّ.

وقالَ قَتادَةُ: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، وعَنِ الإسْلامِ.

قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا سُئِلُوا: هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا في كُتُبِكُمْ؟

قالُوا: لا.

فَصَدُّوا عَنْهُ النّاسَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْغُونَها ﴾ ، قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ السَّبِيلِ، والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.

وأنْشَدُوا: فَلا تَبْعُدْ فَكُلُّ فَتٍى أُناسٍ سَيُصْبِحُ سالِكًا تِلْكَ السَّبِيلا وَمَعْنى "تَبْغُونَها": تَبْغُونَ لَها، تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي خادِمًا، يُرِيدُونَ: ابْتَغِهِ لِي، فَإذا أرادُوا: ابْتَغِ مَعِي، وأعِنِّي عَلى طَلَبِهِ، قالُوا: ابْغِنِي، فَفَتَحُوا الألِفَ، ويَقُولُونَ: وهَبْتُكَ دِرْهَمًا، كَما يَقُولُونَ: وهْبْتُ لَكَ.

قالَ الشّاعِرُ: فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى ∗∗∗ أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارًا أرادَ: أصِيدُ لَكم ومَعْنى الآَيَةِ: يَلْتَمِسُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ، ويُرِيدُونَ رَدَّ الإيمانِ والِاسْتِقامَةِ إلى الكُفْرِ والِاعْوِجاجِ.

ويَطْلُبُونَ العُدُولَ عَنِ القَصْدِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، واللُّغَوِيِّينَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خَرَجَ هَذا الكَلامُ عَلى السَّبِيلِ، والمَعْنى لِأهْلِهِ، كَأنَّ المَعْنى: تَبْغُونَ لِأهْلِ دِينِ اللَّهِ، ولِمَن هو عَلى سَبِيلِ الحَقِّ عِوَجًا.

أيْ: ضَلالًا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ، في الدِّينِ، والكَلامِ، والعَمَلِ، والعَوَجِ بِفَتْحِها، في الحائِطِ والجِذْعِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ: فِيما لا تَرى لَهُ شَخْصًا، وما كانَ لَهُ شَخْصٌ قُلْتَ: عَوَجٌ بِفَتْحِها، تَقُولُ: في أمْرِهِ ودِينِهِ عَوَجٌ، وفي العَصا عَوَجٌ.

ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ ثَعْلَبٍ قالَ: العِوَجُ عِنْدَ العَرَبِ بِكَسْرِ العَيْنِ: في كُلِّ ما لا يُحاطُ بِهِ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ في كُلِّ ما لا يَحْصُلُ، فَيُقالُ: في الأرْضِ عِوَجٌ، وفي الدِّينِ عِوَجٌ، لِأنَّ هَذَيْنَ يَتَّسِعانِ، ولا يُدْرَكانِ.

وفي العَصا عِوَجٌ، وفي السِّنِّ عِوَجٌ.

لِأنَّهُما يُحاطُ بِهِما، ويَبْلُغُ كُنْهُهُما.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: العَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ: في كُلِّ مُنْتَصِبٍ، كالحائِطِ.

والعَوَجُ: ما كانَ في بِساطٍ أوْ أرْضٍ، أوْ دِينٍ، أوْ مَعاشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ شُهَداءُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ، وأنْتُمْ شاهِدُونَ بِصِحَّةِ ما صَدَدْتُمْ عَنْهُ، وبُطْلانِ ما أنْتُمْ فِيهِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ والأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى الشُّهَداءِ هاهُنا: العُقَلاءُ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى في آَخَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ واللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللهِ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ هَذِهِ الآياتُ تَوْبِيخٌ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ  و"الكِتابِ": التَوْراةُ، وجَعَلَهم أهْلَهُ بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ ونَسَبِهِمْ، وإلّا فَأهْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، و"آياتِ اللهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ العَلاماتُ الظاهِرَةُ عَلى يَدَيْمُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ: أيْ يُجازِيكم بِهِ ويُعاقِبُكم.

قالَ الطَبَرِيُّ: هاتانِ الآيَتانِ قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ ﴾ وما بَعْدَهُما، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ  ﴾ ، نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن يَهُودَ حاوَلَ الإغْواءَ بَيْنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي الثِقَةُ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ: «مَرَّ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ، عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الضَغَنِ عَلى المُسْلِمِينَ والحَسَدِ لَهُمْ، عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ  مِنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، وهم في مَجْلِسٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَغاظَهُ ما رَأى مِن جَماعَتِهِمْ، وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، بَعْدَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ فَقالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلادِ، واللهِ ما لَنا مَعَهم إذا اجْتَمَعَ مَلَؤُهم بِها مِن قَرارٍ، فَأمَرَ فَتىً شابًّا مِن يَهُودَ، فَقالَ: اعْمَدْ إلَيْهِمْ واجْلِسْ مَعَهم وذَكِّرْهم يَوْمَ بُعاثٍ، وما كانَ قَبْلَهُ مِن أيّامِ حَرْبِهِمْ، وأنْشِدْهم ما قالُوهُ مِنَ الشِعْرِ في ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفَتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ فَتَفاخَرُوا وتَنازَعُوا، حَتّى تَواثَبَ رَجُلانِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلى الرُكَبِ: أوسُ بْنُ قَيْظِي، أحَدُ بَنِي حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ مِنَ الأوسِ، وجَبّارُ بْنُ صَخْرٍ مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقاوَلا، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ واللهِ رَدَدْناها جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقانِ، وقالُوا: قَدْ فَعَلْنا، السِلاحَ السِلاحَ، مَوْعِدُكُمُ الظاهِرَةُ، يُرِيدُونَ الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إلَيْها، وتَحاوَرَ الناسُ عَلى دَعْواهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ  ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللهَ اللهَ، أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟

ووَعَظَهم فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَيْطانِ، فَألْقَوُا السِلاحَ وبَكَوْا وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، وانْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ  سامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأنْزَلَ اللهُ في شاسِ بْنِ قَيْسٍ وما صَنَعَ هَذِهِ الآياتِ.» وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ، بِأنْ يَقُولُوا لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِالمَوْصُوفِ في كِتابِنا.قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ في وُقُوعِ هَذَيْنَ السَبَبَيْنِ وما شاكَلَهُما مِن أفْعالِ اليَهُودِ وأقْوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جَمِيعِ ذَلِكَ.

وصَدَّ مَعْناهُ: أعْرَضَ عَنِ الشَيْءِ وانْصَرَفَ عنهُ، وهو فِعْلٌ، يَقِفُ ويَتَعَدّى بِلَفْظٍ واحِدٍ، تَقُولُ: صَدَدْتُ عن كَذا، وصَدَدْتُ غَيْرِي عنهُ، فالَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الفِعْلُ المُتَعَدِّي، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تُصِدُّونَ"، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الصادِ، وهَذا هو الفِعْلُ الواقِفُ، نُقِلَ بِالهَمْزَةِ فَعُدِّيَ.

و"سَبِيلِ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، هو الإسْلامُ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى رِضى اللهِ وجَنَّتِهِ، و"مَن" مَفْعُولَةٌ بِـ "تَصُدُّونَ"، والضَمِيرُ في "تَبْغُونَها" عائِدٌ عَلى السَبِيلِ، ومَعْنى "تَبْغُونَ" عَلى ما فَسَّرَ الزَجّاجُ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: تَطْلُبُونَ، فالمَعْنى: تَطْلُبُونَ لَها العِوَجَ، أيِ الاعْوِجاجَ والِانْفِسادَ، تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي كَذا "بِألِفٍ مَوْصُولَةٍ"، بِمَعْنى اطْلُبْهُ لِي، فَإذا أرادُوا أعِنِّي عَلى طَلَبِهِ واطْلُبْهُ مَعِي، قَطَعُوا الألِفَ مَفْتُوحَةً.

وقِيلَ: إنَّ "تَبْغُونَ" هُنا، مِنَ البَغْيِ الَّذِي هو التَعَدِّي، أيْ: تَبْغُونَ عَلَيْها، ويَكُونُ، "عِوَجًا" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- نَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "تَبْغُونَ" أيْ: عِوَجًا مِنكم وعَدَمَ اسْتِقامَةٍ.

والعِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ: ما كانَ في الأُمُورِ والحُجَجِ غَيْرِ الأجْرامِ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ ما كانَ في الأجْرامِ كالجِدارِ والعَصا ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ خاصَّةً مِنَ الأجْرامِ يُقالُ فِيها: عِوَجٌ بِكَسْرِ العَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا  ﴾ .

قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنىً واحِدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأنْتُمْ شُهَداءُ" ﴾ يُرِيدُ جَمْعَ شاهِدٍ، عَلى ما في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ وصِدْقِهِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ابتداء كرم رُجع به إلى مجادلة أهل الكتاب وموعظتهم فهو مرتبط بقوله تعالى: ﴿ قل صدق اللَّه ﴾ الآية.

أمر الرّسول عليه الصلاة والسّلام بالصدع بالإنكار على أهل الكتاب.

بعد أن مهّد بين يدي ذلك دلائل صحَّة هذا الدّين ولذلك افتتح بفعل ﴿ قل ﴾ اهتماماً بالمقول، وافتتح المقولُ بنداء أهل الكتاب تسجيلاً عليهم.

والمراد بآيات الله: إمّا القرآن، وإمّا دلائل صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم والكفر على هذين الوجهين بمعناه الشَّرعي واضح، وإمَّا آيات فضيلة المسجد الحرام على غيره، والكُفر على هذا الوجه بمعناه اللُّغوي والاستفهام إنكار.

وجملة ﴿ والله شهيد على ما تعملون ﴾ في موضع الحال لأنّ أهل الكتاب يوقنون بعموم علم الله تعالى، وأنّه لا يخفى عليه شيء فجحدهم لآياته مع ذلك اليقين أشدّ إنكاراً، ولذلك لم يصحّ جعل ﴿ والله شهيد ﴾ مُجرّد خبر إلاّ إذا نُزّلوا منزلة الجاهل.

وقوله: ﴿ قل يا أهل الكتاب لم تصدون ﴾ توبيخ ثان وإنكار على مجادلتهم لإضلالهم المؤمنين بعد أن أنكر عليهم ضلالهم في نفوسهم، وفُصِل بلا عطف للدلالة على استقلاله بالقصد، ولو عطف لصحّ العطف.

والصدّ يستعمل قاصراً ومتعدّياً: يقال صدّه عن كذا فصدّ عنه.

وقاصرُه بمعنى الإعراض.

فمتعدّيه بمعنى جعل المصدود مُعرضاً أي صَرْفُه، ويقال: أصدّه عن كذا، وهو ظاهر.

وسبيل الله مجاز في الأقوال والأدلّة الموصلة إلى الدّين الحقّ.

والمراد بالصدّ عن سبيل الله إمّا محاولة إرجاع المؤمنين إلى الكفر بإلقاء التشكيك عليهم.

وهذا المعنى يلاقي معنى الكفر في قوله: ﴿ لم تكفرون بآيات الله ﴾ على وجهيه الراجعين للمعنى الشَّرعي.

وإمّا صدّ النّاس عن الحجّ أي صدّ أتباعهم عن حجّ الكعبة، وترغيبهم في حجّ بيت المقدس، بتفضيله على الكعبة، وهذا يلاقي الكفر بمعناه اللُّغوي المتقدّم، ويجوز أن يكون إشارة إلى إنكراهم القبلة في قولهم ﴿ وما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ [البقرة: 142] لأنّ المقصود به صدّ المؤمنين عن استقبال الكعبة.

وقوله: ﴿ تبغونها عوجاً ﴾ أي تبغون السبيل فأنّث ضميره لأنّ السّبيل يذكّر ويؤنث: قال تعالى: ﴿ قل هذه سبيلي ﴾ [يوسف: 108].

والبغي الطلب أي تطلبون.

والعوج بكسر العين وفتح الواو ضدّ الاستقامة وهو اسم مصدر عَوِج كفَرح، ومصدره العَوَج كالفرح.

وقد خصّ الاستعمال غالباً المصدر بالاعوجاج في الأشياء المحسوسة،، كالحائط والقناة.

وخصّ إطلاق اسم المصدر بالاعوجاج الّذي لا يشاهد كاعْوجاج الأرض والسطح، وبالمعنويات كالدِّين.

ومعنى ﴿ تبغونها عوجاً ﴾ يجوز أن يكون عوجاً باقياً على معنى المصدرية، فيكون ﴿ عوجاً ﴾ مفعول ﴿ تبغونها ﴾ ، ويكون ضمير النصب في تبغونها على نزع الخافض كما قالوا: شكرتك وبعتُك كذا: أي شكرت لك وبعتُ لك، والتقدير: وتبغون لها عوجاً، أي تتطلبون نسبة العوج إليها، وتصوّرونها باطلة زائغة.

ويجوز أن يكون عوجاً، وصفاً للسبيل على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة، أي تبْغونها عوجاء شديدة العوج فيكون ضمير النصب في ﴿ تبغونها ﴾ مفعول ﴿ تبغون ﴾ ، ويكون عوجاً حالاً من ضمير النَّصب أي ترومُونها معوجَّة أي تبغون سبيلاً معوجّة وهي سبيل الشرك.

والمعنى: تصدّون عن السَّبيل المستقيم وتريدون السَّبيل المعوجّ ففي ضمير ﴿ تبغونها ﴾ استخدام لأنّ سبيل الله المصدود عنها هي الإسلام، والسّبيل الَّتي يريدونها هي ما هم عليه من الدّين بعد نسخه وتحريفه.

وقوله: ﴿ وأنتم شهداء ﴾ حال أيضاً توازن الحال في قوله قبلها ﴿ والله شهيد على ما تعملون ﴾ ومعناه وأنتم عالمون أنّها سبيل الله.

وقد أحالهم في هذا الكلام على ما في ضمائرهم مِمَّا لا يعلمه إلاّ الله لأنّ ذلك هو المقصود من وخز قلوبهم، وانثنائهم باللائمة على أنفسهم، ولذلك عقّبه بقوله: ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ وهو وعيد وتهديد وتذكير لأنَّهم يعلمون أنّ الله يعلم ما تخفي الصدور وهو بمعنى قوله في موعظتهم السابقة ﴿ والله شهيد على ما تعملون ﴾ إلاّ أنّ هذا أغلظ في التَّوبيخ لما فيه من إبطال اعتقاد غفلته سبحانه، لأنّ حالهم كانت بمنزلة حال من يعتقد ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ صَدَّهم عَنْ سَبِيلِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإغْراءِ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ حَتّى يَتَذَكَّرُوا حُرُوبَ الجاهِلِيَّةِ فَيَتَفَرَّقُوا، وذَلِكَ مِن فِعْلِ اليَهُودِ خاصَّةً، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ تَكْذِيبُهم بِالنَّبِيِّ  وإنْكارُهم ثُبُوتَ صِفَتِهِ في كُتُبِهِمْ، وذَلِكَ مِن فِعْلِ اليَهُودِ والنَّصارى، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ تَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ أيْ تَطْلُبُونَ العِوَجَ وهو بِكَسْرِ العَيْنِ العُدُولُ عَنْ طَرائِقِ الحَقِّ، والعَوَجُ بِالفَتْحِ مَيْلُ مُنْتَصِبٍ مِن حائِطٍ أوْ قَناةٍ.

﴿ وَأنْتُمْ شُهَداءُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عُقَلاءَ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ  ﴾ .

والثّانِي: يَعْنِي شُهُودًا عَلى ما كانَ مِن صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وقِيلَ: مِن عِنادِهِمْ وكَذِبِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: مر شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد.

والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً معه من يهود فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.

وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج.

ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة.

وغضب الفريقان جميعاً وقالوا: قد فعلنا.

السلاح السلاح...

موعدكم الظاهرة، والظاهرة الحرة.

فخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية.

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين الله الله...

أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟!» فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوّهم لهم.

فألقوا السلاح، وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس وما صنع ﴿ قل يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون ﴾ إلى قوله: ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ وأنزل في أوس بن قيظي، وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك لهم عذاب عظيم ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طريق أبي نعيم عن ابن عباس قال: كانت الأوس والخزرج في الجاهلية بينهم شر، فبينما هم يوماً جلوس، ذكروا ما بينهم حتى غضبوا وقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك فركب إليهم.

فنزلت ﴿ وكيف تكفرون ﴾ الآية.

والآيتان بعدها.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: كان بين هذين الحيين من الأوس والخزرج قتال في الجاهلية فلما جاء الإسلام اصطلحوا وألف الله بين قلوبهم فجلس يهودي في مجلس فيه نفر من الأوس والخزرج فأنشد شعراً قاله أحد الحيين في حربهم، فكأنهم دخلهم من ذلك فقال الآخرون: قد قال شاعرنا كذا وكذا...

فاجتمعوا وأخذوا السلاح، واصطفوا للقتال، فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام بين الصفين، فقرأهن ورفع صوته، فلما سمعوا صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن أنصتوا له وجعلوا يستمعون، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً، وجثوا يبكون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان جماع قبائل الأنصار بطنين: الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشنآن منّ الله عليهم بالإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم وألَّف بينهم بالإسلام.

فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكرهما بأيامهم والعداوة التي كانت بينهم حتى استبا ثم اقتتلا، فنادى هذا قومه وهذا قومه، فخرجوا بالسلاح وصفَّ بعضهم لبعض، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وهؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا.

فأنزل الله في ذلك القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: نزلت في ثعلبة بن عنمة الأنصاري وكان بينه وبين أناس من الأنصار كلام، فمشى بينهم يهودي من قينقاع، فحمل بعضهم على بعض حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاح فيقاتلوا.

فأنزل الله: ﴿ إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ يقول: إن حملتم السلاح فاقتتلتم كفرتم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لمَ تصدون عن سبيل الله ﴾ الآية.

قال: كانوا إذا سألهم أحد هل تجدون محمداً؟

قالوا: لا فصدوا الناس عنه وبغوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي جرير عن قتادة في الآية يقول: لم تصدون عن الإسلام وعن نبي الله من آمن بالله وأنتم شهداء فيما تقرأون من كتاب الله: أن محمداً رسول الله، وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة الإنجيل؟.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب لم تصدون ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.

نهاهم أن يصدوا المسلمين عن سبيل الله، ويريدون أن يعدلوا الناس إلى الضلالة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً ﴾ الآية.

قد تقدم الله إليكم فيهم كما تسمعون، وحذركموهم وأنبأكم بضلالتهم، فلا تأتمنوهم على دينكم، ولا تنصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداء الحسدة الضلال.

كيف تأتمنون قوماً كفروا بكتابهم، وقتلوا رسلهم، وتحيروا في دينهم، وعجزوا عن أنفسهم؟

أولئك والله أهل التهمة والعداوة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ﴾ قال: علمان بينان: نبي الله، وكتاب الله، فأما نبي الله فمضى عليه الصلاة والسلام.

وأما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله ونعمة.

فيه حلاله، وحرامه، ومعصيته.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن يعتصم بالله ﴾ قال: يؤمن بالله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: (الاعتصام بالله) الثقة به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله قضى على نفسه أن من آمن به هداه، ومن وثق به أنجاه.

قال الربيع: تصديق لك في كتاب الله ﴿ ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد من طريق الربيع عن أبي العالية قال: إن الله قضى على نفسه؛ أنه من آمن به هداه، ومن توكل عليه كفاه، ومن أقرضه جزاه، ومن وثق به أنجاه، ومن دعا استجاب له بعد أن يستجيب لله.

قال الربيع: وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ [ التغابن: 11] ، ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ﴾ [ الطلاق: 3] ، ﴿ ومن يقرض الله قرضاً حسناً يضاعفه له ﴾ ﴿ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ ، ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ﴾ [ البقرة: 186] .

وأخرج تمام في فوائده عن كعب بن مالك قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوحى الله إلى داود: يا داود ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السموات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف منه نيته إلا قطعت أسباب السماء من بين يديه، وأسخت الهواء من تحت قدميه» .

وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من طلب ما عند الله كانت السماء ظلاله، والأرض فراشه، لم يهتم بشيء من أمر الدنيا، فهو لا يزرع الزرع وهو يأكل الخبز، ولا يغرس الشجر ويأكل الثمار توكلاً على الله وطلب مرضاته، فضمن الله السموات والأرض رزقه، فهم يتعبون فيه، ويأتون به حلالاً، ويستوفي هو رزقه بغير حساب حتى أتاه اليقين» قال الحاكم: صحيح.

قال الذهبي: بل منكراً أو موضوع فيه عمرو بن بكر السكسكي متهم عند ابن حبان وابنه إبراهيم.

قال الدارقطني: متروك.

وأخرج الحاكم وصححه عن معقل بن يسار قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً.

يا ابن أدم لا تباعد مني فأملأ قلبك فقرأ، واملأ يديك شغلا» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن الزهري قال: أوحى الله إلى داود: ما من عبد يعتصم بي دون خلقي وتكيده السموات والأرض إلا جعلت له من ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأسخت الأرض من تحت قدميه.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، ومن تشاعبت به الهموم لم يبالِ الله في أي أودية الدنيا هلك» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾ .

وقال في هذه السورة: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ] (١) (٢) هناك خاطبهم تَلَطُّفًا في استدعائهم (٣) فإن قيل: لم جاز أن يقال لليهود والنصارى (أهل الكتاب)، وهم لا يعملون (٤) (٥) قيل: إن القرآن [اسمٌ] (٦)  ، فأما الكِتاب فيجوز أن يذهب به إلى معنى: يا أهل الكتاب المحرف عن جهته!.

وأيضًا فإنهم نُسبوا إلى الكتاب، احتجاجًا عليهم بالكتاب لإقرارهم به كأنه قيل يا من يُقِرُّ بأنه من أهل الكتاب لم تكفرونَ بآيات الله؟.

وقوله تعالى: ﴿ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ توبيخٌ (٧) (٨) والمراد بـ (الآيات) ههنا: الآياتُ التي أنزلها على نبيه محمد  ، والمعجزات التي كانت له، والعلامات التي وافقت في صفته ما تقدمت البشارة به (٩) ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾ قال ابن عباس (١٠) ومعنى الآية يؤول إلى أن (١١) (١٢) (١٣) (١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٢) (وأنتم تشهدون): ساقطة من (ب).

(٣) في (ب): (اسم تداعيهم).

(٤) في (أ)، (ب): (يعلمون).

والمثبت من (ج).

(٥) في (ج): (نجز).

(٦) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (انتم).

والمثبت من (ج).

(٧) في (ب): (توبيخًا).

(٨) انظر: "تفسير البسيط" آية: 28 من سورة البقرة.

وانظر تفسير الآية: 75 من سورة آل عمران: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ ، والآية: 80 ﴿ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ، والآية: 86 ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ .

(٩) ورد عن ابن عباس، تفسيره لـ (الآيات) بأنها القرآن، ومحمد  .

انظر: "زاد المسير" 1/ 429.

وجعلها ابن عطية محتملة للقرائن وللعلامات الظاهرة على يدي النبي  .

انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 240.

(١٠) لم أقف على مصدر قوله.

(١١) أن: ساقطة من: (ج).

(١٢) في (ج): الكافرين.

(١٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

وفي (ب): (الأخرابية).

والمثبت من: (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فِيهِ آيات بينات ﴾ آيات البيت كثيرة.

منها الحجر الذي هو مقام إبراهيم، وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، فكان كلما طال النباء ارتفع به الحجر في الهواء حتى أكمل البناء، وغرقت قدم إبراهيم في الحجر كأنها في طين، وذلك الأثر باق إلى اليوم، ومنها أن الطيور لا تعلوه، ومنها إهلاك أصحاب الفيل، ورد الجبابرة عنه، ونبع زمزم لهاجر أم إسماعيل بهمز جبريل بعقبه، وحفر عبد المطلب بعد دثورها وأن ماءها ينفع لما شرب به، إلى غير ذلك ﴿ مَّقَامُ إبراهيم ﴾ قيل: إنه بدل من الآيات أو عطف بيان، وإنما جاز بدل الواحد من الجمع لأن المقام يحتوي على آيات كثيرة؛ لدلالته على قدرة الله تعالى، وعلى نبوة إبراهيم وغير ذلك، وقيل: الآيات؛ مقام إبراهيم وأمن من دخله، فعلى هذا يكون قوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ ﴾ عطفاً، وعلى الأول استئنافاً، وقيل: التقدير؛ منهن مقام إبراهيم، فهو على هذا مبتدأ، والمقام هو الحجر المذكور، وقيل: البيت كله، وقيل: مكة كلها ﴿ كَانَ آمِناً ﴾ أي آمناً من العذاب، فإنه كان في الجاهلية إذا فعل أحد جريمة ثم لجأ إلى البيت لا يطلب، ولا يعاقب، فأما في الإسلام فإنّ الحرم لا يمنع من الحدود، ولا من القصاص، وقال ابن عباس وأبو حنيفة: ذلك الحكم باق في الإسلام فإنّ الحرم لا يمنع من الحدود، ولا من القصاص، وقال ابن عباس وأبو حنيفة: ذلك الحكم باق في الإسلام إلاّ أن من وجب عليه حدّ أو قصاص فدخل الحرم لا يطعم ولا يباع منه حتى يخرج، وقيل: آمناً من النار.

﴿ حِجُّ البيت ﴾ بيان لوجوب الحج واختلف هل هو على الفور أو على التراخي؟

وفي الآية ردّ على اليهود لما زعموا أنهم على ملة إبراهيم.

قيل لهم: إن كنتم صادقين فحجوا البيت الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إليه ﴿ مَنِ استطاع ﴾ بدل من الناس، وقيل: فاعل بالمصدر، وهو حج؛ وقيل: شرط مبتدأ؛ أي: من استطاع فعليه الحج؛ والاستطاعة عند مالك هي: القدرة على الوصول إلى مكة بصحة البدن، إما راجلاً وإما راكباً، مع الزاد المبلغ والطريق الآمن.

وقيل: الاستطاعة الزاد والراحلة، وهو مذهب الشافعي وعبد الملك بن حبيب، وروي في ذلك في حديث ضعيف ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ قيل: المعنى من لم يحج، وعبر عنه بالكفر تغليظاً كقوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك الصلاة فقد كفر» ، وقيل: أراد اليهود لأنهم لا يحجّون، وقيل: من زعم أن الحج ليس بواجب ﴿ لِمَ تَكْفُرُونَ ﴾ توبيخ اليهود ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ ﴾ توبيخ أيضاً.

وكانوا يمنعون الناس من الإسلام ويرومون فتنة المسلمين عن دينهم ﴿ سَبِيلِ الله ﴾ هنا الإسلام ﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ الضمير يعود على السبيل، أي تطلبون لها الاعوجاج ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ [آل عمران: 70] أي تشهدون أن الإسلام حق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن تنزل ﴾ خفيفاً:ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد.

﴿ حج البيت ﴾ بكسر الحاء: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ تحبون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تنزل التوراة ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مقام إبراهيم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿ آمنا ﴾ ط ﴿ سبيلا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ط قد قيل: والوده الوصل لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ رسوله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ مستقيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة، علّم المؤمنين كيفية الإنفاق الذين ينتفعون به في الآخرة وهو الإنفاق من أحب الأشياء إليهم.

وههنا لطيفة وهي / أنه  وتعالى سمى جوامع خصال الخير براً في قوله  : ﴿ ولكن البر من آمن بالله  ﴾ الآية.وذكر في هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فالمعنى أنكم وإن أتيتم بكل الخيرات لم تفوزوا بإحراز خصلة البر ولم تبلغوا حقيقتها حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها.

وكان السلف رحمهم الله إذ أحبوا شيئاً جعلوه لله.

يروى أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: "يا رسول الله، حائط لي بالمدينة - يعني بيرحاء - وهو أحب أموالي إليّ صدقة.

فقال  بخ بخ.

ذاك مال رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله.

فقسمها  في أقاربه" .

وروي "أنه  جعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب" .

وروي أن "زيد بن حارثة جاء عند نزول الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فجعله رسول الله  لأسامة بن زيد.

فوجد زيد في نفسه وقال: إنما أردت أن تصدق به.

فقال  : أما إن الله قد قبلها منك" وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما رآها أعجبته فقال: إن الله  يقول: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فأعتقها ولم يصب منها.

ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي: ائتني بخير إبلي.

فجاء بناقة مهزولة فقال: خنتني.

فقال: وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتك إليه.

فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي.

وفي تفسير البر قولان: أحدهما ما به يصيرون أبراراً ليدخلوا في قوله: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ فيكون المراد بالبر ما يصدر منهم من الأعمال المقبولة المذكورة في قوله: ﴿ ولكن البر من آمن  ﴾ وجملتها التقوى لقوله: ﴿ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون  ﴾ والثاني الجنة أي لن تنالوا ثواب البر.

وقيل: المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم من قول الناس "برني فلان بكذا وبر فلان لا ينقطع عني".

وقال  : ﴿ أن تبروا وتتقوا  ﴾ و "من" في قوله: ﴿ مما تحبون ﴾ للتبعيض نحو: أخذت من المال.

ويؤيده قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ بعض ما تحبون ﴾ وفيه أن إنفاق كل المال غير مندوب بل غير جائز لمن يحتاج إليه.

والمراد بما تحبون قال بعضهم: هو نفس المال لقوله  : ﴿ وإنه لحب الخير لشديد  ﴾ وقيل: هو ما يكون محتاجاً إليه كقوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه  ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وقيل: هو أطيب المال وأرفعه كما مر.

وعن ابن عباس أراد به الزكاة أي حتى تخرجوا زكاة أموالكم.

ويريد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، وقال الحسن: هو كل ما أنفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله.

ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي انها منسوخة / بآية الزكاة.

وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله.

و "من" في ﴿ من شيء ﴾ للتبيين يعني من أي شيء كان، طيب أو خبيث ﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم بحسبه أو يعلم الوجه الذي لأجله تنفقون من الإخلاص أو الرياء.

ثم إنه  بعد تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد  ، وبعد توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب، أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه: أحدها أنهم كانوا يعوّلون في إنكار شرع محمد  على إنكار النسخ، فأورد عليهم أن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده وهو النسخ.

ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن آدم ولم يحدث نسخ، فأمر النبي  بأن يطالبهم بإحضار التوراة إلزاماً لهم وتفضيحاً ودلالة على صحة نبوة محمد  ، لأنه كان أمياً فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر من السماء.

وثانيها أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟

فأجيبوا بأن ذلك كان حلالاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب.

إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكروا ذلك فأمروا بالرجوع الى التوراة.

وثالثا لما نزل قوله  : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم  ﴾ وقوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه إنما حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم.

غاظهم ذلك واشمأزوا وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ.

ومن قبل أنه تسجيل عليهم بالبغي والظلم وغير ذلك من مساويهم.

فقالوا: لسنا بأول من حرمت هي عليه وما هو إلا تحريم قديم فنزلت ﴿ كل الطعام ﴾ أي المطعومات كلها لدلالة كل على العموم وإن كان لفظه مفرداً سواء قلنا الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يفيد العموم أولا.

والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل.

وعن بعض أصحاب أبي حنيفة: إنه اسم البر خاصة.

ويرد عليه أن المستثنى في الآية من الطعام كان شيئاً سوى الحنطة وما يتخذ منها.

قال القفال: لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، فيحتمل أن يكون المراد الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت نبينا  أنها كانت محرمة على إبراهيم  .

وعلى هذا يكون اللام في الطعام للعهد لا للاستغراق.

والحل مصدر كالعز والذل ولذا استوى فيه الواحد والجمع.

قال  : ﴿ لا هن حل لهم  ﴾ والوصف بالمصدر يفيد المبالغة، وأما الذي حرم إسرائيل على نفسه فروى ابن عباس عن النبي  أن يعقوب مرض / مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحمان الإبل وألبانها، وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل.

وقيل: كان به عرق النسا فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق.

وجاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر.

وههنا سؤال وهو أن التحريم والتحليل خطاب الله  ، فكيف صار تحريم يعقوب سبباً للحرمة؟

فأجاب المفسرون بأن الأطباء أشاروا إليه باجتنابه ففعل وذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء.

وأيضاً لا يبعد أن يكون تحريم الإنسان سبباً لتحريم الله كالطلاق والعتاق في تحريم المرأة والجارية.

وأيضاً الاجتهاد جائز على الأنبياء لعموم ﴿ فاعتبروا  ﴾ ولقوله في معرض المدح ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم  ﴾ ولأن الاجتهاد طاعة شاقة فيلزم أن يكون للأنبياء منها نصيب أوفر لا سيما ومعارفهم أكثر، وعقولهم أنور، وأذهانهم أصفة، وتوفيق الله وتسديده معهم أوفى.

ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد عن الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته.

والأظهر أن ذلك التحريم ما كان بالنص وإلا لقيل: إلا ما حرمه الله  على إسرائيل.

فلما نسب إلى إسرائيل دل على أنه باجتهاده كما يقال: الشافعي يحلل لحم الخيل، وأبو حنيفة يحرّمه.

وقال الأصم: لعلّ نفسه كانت تتوق إلى هذه الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس كما يفعله الزهاد، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم.

وزعم قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله  أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب.

ومعنى قوله: ﴿ من قبل أن تنزل التوراة ﴾ إن هذا الاستثناء إنما كان قبل نزول التوراة، أما بعده فلم يبق كذلك بل حرم الله عليهم أنواعاً كثيرة بدليل قوله  : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا  ﴾ إلى آخر الآية.

ثم إن القوم نازعوا رسول الله  في إخباره عن الله  فأمروا بالرجوع إلى كتابهم كما سبق تقريره، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فبهتوا فلزمت الحجة عليهم وظهر إعجاز النبي  وصدقه، فلهذا قال: ﴿ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ﴾ الذي ظهر من الحجة الباهرة ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ الواضعون الباطل في موضع الحق، والكذب في مقام الصدق والعناد في محل الإنصاف.

وأيضاً إن تكذيبهم وافتراءهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن يقتدي بهم من أشياعهم ﴿ قل صدق الله ﴾ في جواب الشبه الثلاث وفيه تعريض بكذبهم ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ وهي التي عليه محمد  ومن تبعه حتى تتخلصوا من اليهودية التي فيها فساد دينكم ودنياكم حيث ألجأتكم الى تحريف كتاب الله لأغراضكم الفاسدة / وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلت لإبراهيم ولمن يقتدي به ﴿ وما كان من المشركين ﴾ وفيه تنبيه على أن محمداً  على دين إبراهيم في الفروع لما ثبت أن الذي حكم  بحله حكم إبراهيم بحله.

وفي الأصول لأن محمداً وإبراهيم كليهما صلى الله عليهما وسلم لا يدعوان إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله  ، خلاف اليهود والنصارى، وخلاف عبدة الأوثان والكواكب.

قوله  : ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ قال مجاهد: هو جواب عن شبهة أخرى لليهود وذلك أنهم قالوا: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وأرض المحشر وقبلة الأنبياء.

فكان تحويل القبلة منه إلى الكعبة كالطعن في نبوة محمد  .

وقيل: إن الآية المتقدمة سيقت لجواز النسخ، وإن أعظم الأمور التي أظهر رسول الله  نسخها هو القبلة، فذكر عقيب ذلك ما لأجله حولت القبلة إلى الكعبة.

وقيل: لما انجر الكلام في الآية المتقدمة إلى قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان الحج من أعظم شعائر ملته، أردفها بفضيلة البيت ليفرع عليها إيجاب الحج.

وقيل: زعم كل من اليهود والنصارى أنه على ملة إبراهيم، فبين الله  ما يدل على كذبهم من حيث إن حج البيت كان من ملة إبراهيم وأهل الكتاب لا يحجون.

قالت العلماء: الأول هو الفرد السابق، فلو قال: أول عبد أشتريه فهو حر.

فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق واحد منهما لفقد قيد الفرد.

ولو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق أيضاً لفقدان قيد السابق.

ومعنى كونه موضوعاً للناس أنه جعل متعبدهم وموضع طاعتهم يتوجهون نحوه من جميع الأقطار، وليس كل أول يقتضي أن يكون له ثانٍ فضلاً أن يشاركه في جميع خواصه، فلا يلزم من كونه أول أن يكون بيت المقدس مثلاً ثانياً له ولا مشاركاً في وجوب الحج والاستقبال وغيرهما من الخواص.

ثم إن كونه أول بيت وضع للناس يحتمل أن يكون المراد أنه أول في البناء والوضع، ويحتمل أن يراد أنه أول في الوضع وإن كان متأخراً في البناء، فلا جرم حصل فيه للمفسرين قولان: الأول أنه أول في بنائه ووضعه جميعاً.

روى الواحدي رحمه الله في البسيط بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين.

وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى، وروى أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن آبائه قال: إن الله  بعث ملائكة فقال: ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور.

وأمر الله  من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.

وهذا كان قبل خلق آدم وقد ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر / ومجاهد والسدي أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض من تحته.

وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في كل صفح منها كتاب.

في الصفح الأول: "أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وباركت لأهلها في اللحم واللبن".

وفي الثاني: "أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي.

من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته".

وفي الثالث: "أنا الله ذو بكة خلقت الجن والإنس فطوبى لمن كان الخير على يديه ووبل لمن كان الشر على يديه".

وقد يستدل على صحة هذا القول بما روي أنه  قال يوم فتح مكة: "ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" .

وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجودها ولأنه  سماها أم القرى، وهذا يقتضي سبقها على سائر البقاع، ولأن تكليف الصلاة كان ثابتاً في أديان جميع الأنبياء.

وأيضاً قال  في سورة مريم ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ خروا سجداً  ﴾ والسجدة لا بد لها من قبلة فلو كانت قبلتهم غير الكعبة لم تكن هي أول بيت وضع للناس هذا محال خلف.

القول الثاني: روي أن النبي  سئل عن أول مسجد وضع للناس؟

فقال: " المسجد الحرام ثم بيت المقدس فسئل كم بينهما؟

قال: أربعون سنة" وعن علي أن رجلاً قال له: هو أول بيت؟

قال: لا.

قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً، فيه الهدى والرحمة والبركة.

واعلم أن الغرض الأصلي من ذكر هذه الأوّلية بيان الفضيلة وترجيحه على بيت المقدس.

ولا تأثير لأولية البناء في هذا المقصود، وإن كان الأرجح ثبوت تلك الأولية أيضاً كما روينا آنفاً، وفي سورة البقرة أيضاً من الأخبار والآثار.

فمن فضائل البيت أن الآمر ببنائه الرب الجليل، والمهندس جبرائيل، وبانية إبراهيم الخليل وتلميذة ابنه إسماعيل.

ومنها أنه محل إجابة الدعوات ومهبط الخيرات والبركات، ومصعد الصلوات والطاعات، ومنها مقام إبراهيم كما يجيء، ومنه قلة ما يجتمع من حصى الجمار فيه فإنه منذ ألف سنة يرمي في كل سنة خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير.

وليس الموضع الذي يرمي إليه الجمرات مسيل ماء أو مهب رياح شديدة، وقد جاء في الآثار أن كل من كانت حجته مقبولة رفعت جمراته إلى السماء.

ومنها أن الطيور تترك المرور فوق الكعبة وتنحرف عنها البتة إذا / وصلت إلى محاذاتها.

ومنها أن الحيوانات المتضادة في الطبائع لا يؤذي بعضها بعضاً عنده كالكلاب والظباء، ومنها أمن سكانها فلم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية، وقصة أصحاب الفيل سوف تجيء في موضعها إن شاء العزيز، ومنها أنه  وضعها بواد غير ذي زرع لفوائد منها: أنه قطع بذلك رجاء أهل حرمة وسدنة بيته عمن سواءه حتى لا يتوكلوا إلا على الله.

ومنها أنه مع كونه كذلك يجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة خليلة إبراهيم  وإنه من أعظم الآيات ومنها أن لا يسكنها أحد من الجبابرة لأنهم يميلون إلى طيبات الدنيا، فيبقى ذلك الموضع المنيف والمقام الشريف مطهراً عن لوث وجود أرباب الهمم الدنية.ومنها أن لا يقصدها الناس للتجارة بل يأتون لمحض العبادة والزيارة، ومنها أنه  أظهر بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا فكأنه  يقول: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين لأجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين.

ومنها كأنه قيل: كما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في قلب خال عن محبة الدنيا ﴿ للذي ببكة ﴾ للبيت الذي ببكة قال في الكشاف: وهي علم للبلد الحرام.

ومكة وبكة لغتان كراتب وراتم.

وضربة لازم ولازب مما يعتقب فيه الميم والباء لتقارب مخرجهما.

وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد.

وفي الصحاح بكة اسم لبطن مكة, وأما اشتقاق بكة فمن قولهم بكة إذا زحمه ودفعه، وعن سعيد بن جبير: سميت بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة.

قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي.

فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي ولا بأس بذلك في هذا المكان.

ويؤكد هذا القول من قال: إن بكة موضع المسجد لأن المطاف هناك وفيه الازدحام.

ولا شك أن بكة غير البيت لأن الآية تدل على أن البيت حاصل في بكة، والشيء لا يكون ظرفاً لنفسه، وقيل: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها، لم يقصدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه.

وأما مكة فاشتقاقها من قولك أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتص ما فيه واستقصى، فسميت بذلك لأنها تجذب الناس من كل جانب وقطر أو لقلة مائها كأن أرضها امتصت ماءها.

وقيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحتها، فكأن الأرض كلها تمك من ماء مكة، ثم إنه  وصف البيت بكونه مباركاً وهدى للعالمين، أما انتصابه فعلى الحال عن الضمير المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو والعامل فيه معنى الاستقرار.

/ وأما معناه فالبركة إما النمو والتزايد وكثرة الخير، وإما البقاء والدوام, وكل شي ثبت ودام فقد برك، ومنه برك البعير إذا وضع صدره على الأرض والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وتبارك الله لثبوته لم يزل ولا يزال، والبيت مبارك لما يحصل لمن حجة واعتمره واعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب.

قال  : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وقال  : " "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ولو استحضر العاقل في نفسه أن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات في أقطار الأرض وأكنافها ولعمري إنها غير محصورة كالدوائر المحيطة بالمركز، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية، وأسرارهم نورانية، وضمائرهم ربانية، علم أنه إذا توجهت تلك الأرواح الصافية إلى كعبة المعرفة واستقبلت أجسادهم هذه الكعبة الحسية، اتصلت أنوار أولئك الأرواح بنوره وعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره.

قال القفاز: يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله: ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ فيكون كقوله: ﴿ إلى الأرض  ﴾ المقدسة ﴿ التي باركنا فيها  ﴾ وإن فسرنا البركة بالدوام فلا شك أنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود.

وإذا كانت الأرض كرة وكل آن يفرض فإنه صبح لقوم ظهر لآخرين وعصر لغيرهم أو مغرب أو عشاء، فلا تخلو الكعبة عن توجه قوم إليها البتة.

وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام.

وأما كونه هدى للعالمين فلأنه قبلتهم ومتعبدهم أو لأنه يدل على وجود الصانع وصدق محمد  بما فيه من الآيات والأعاجيب، أو لأنه يهدي إلى الجنة.

ومعنى هدى هادياً أو ذا هدى قاله الزجاج، وجوز أن يكون محله رفعاً أي وهو هدى ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يحتمل أن يراد بها ما عددنا من بعض فضائله، ويكون قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ غير متعلق بما قبله، فكأنه قيل فيه آيات بينات ومع ذلك فهو مقام إبراهيم وموضعه الذي اختاره وعبد الله فيه.

وقال الأكثرون إن الآيات بيانه وتفسيره قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ إما بأن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لأنه معجز رسول وكل معجز ففيه دليل أيضاً على علم الصانع وقدرته وإرادته وحياته وتعاليه عن مشابهة المحدثات، فلقوه هذا الدليل عبر عنه بلفظ الجمع كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ وإما بأن يجعل المقام مشتملاً على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء / آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية وآبقاء هذا الأثر دون آثار سائر الأبنياء آية لإبراهيم خاصة، وحفظة مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوفاً من السنين آية.

قال الزجاج: قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ من تتمة تفسير الآيات.

وهذه الجملة وإن كانت من مبتدأ وخبر أو من شرط وجزاء إلا أنها في تقدير مفرد من حيث المعنى.

فكأنه قيل: فيه آيات بينات وأمن من دخله كما لو قلت: فيه آية بينة من دخله كان آمناً كان معناه فيه آية بينة أمن من دخله.

وهذا التفسير بعد تصحيحه مبني على أن الاثنين جمع كما قال  : " "الاثنان فما فوقهما جماعة " وفي القرآن ﴿ هذان خصمان اختصموا  ﴾ وقيل: ذكر آيتان وطوى ذكر غيرهما.

دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما.

ومنه قوله  : "حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة " ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم وأمن من دخله وإن لله على الناس حجه.

وقال المبرد: مقام مصدر فلم يجمع والمراد مقامات إبراهيم هي ما أقامه من المناسك، فالمراد بالآيات شعائر الحج.

وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة ﴿ آية بينة ﴾ على التوحيد قاله في الكشاف.

وفيه توكيد لكون مقام إبراهيم وحده بياناً.

وأما حديث "أمن من دخله" فقد مر اختلاف العلماء فيه في سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً  ﴾ وقيل: كان آمناً من النار لما روي عن النبي  : " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً " وعنه صلى الله عيله وسلم: " "الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " وهما مقبرتا مكة والمدينة.

وعن ابن مسعود: وقف رسول الله  على ثنية الحجون وليس بها يومئذٍ مقبرة فقال: " "يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر" وعن النبي  : " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام " ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ لما ذكر فضائل البيت أردفه بإيجاب الحج وفيه لغتان: الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، وكلاهما مصدر كالمدح والذم والذكر والعلم.

وقيل: المكسور اسم للعمل، والمفتوح مصدر.

ومحل ﴿ من استطاع ﴾ خفض على البدل ﴿ من الناس ﴾ والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، وقال الفراء: يجوز أن ينوي الاستئناف بمن والخبر، أو الجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه والتقدير: من استطاع إليه سبيلاً فللَّه عليه حج البيت.

وقال ابن الأنباري: يحتمل أن يكون محله رفعاً على البيان / كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟

فقيل:هم من استطاع.

والضمير في ﴿ إليه ﴾ للبيت أو الحج.

واستطاعة السبيل إلى الشيء هي إمكان الوصول إليه واحتج أصحاب الشافعي بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن الناس يعم المؤمن والكفار وعدم الإيمان لا يصلح أن يكون معارضاً ومخصصاً لهذا العموم لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد  مع أن شرط صحة الإيمان بمحمد غير حاصل، والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة ليس بحاصل، واحتج جمهور المعتزلة بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنها لو كانت مع الفعل لكان من لم يحج لم يكن مستطيعاً للحج فلا يتناوله التكليف المذكور وذلك باطل بالاتفاق.

أجاب الأشاعرة بأن هذا أيضاً لازم عليكم لأن القادر إما أن يكون مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل وهو محال لأنه تكليف بما لا يطاق، أو بعد حصوله وحينئذٍ يكون الفعل واجب الحصول فلا يكون في التكليف به فائدة, وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف.

والحق أن وجوب الفعل بالقدرة والإرادة لا ينافي توجيه التكليف إليه.

/ واعلم أن الحج لا يجب بأصل الشرع في العمر إلا مرة واحدة لما روي عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله  : " يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج.

فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟

فقال: لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فتطوع" " وقد يجب أكثر من مرة واحدة لعارض كالنذور والقضاء.

ولصحة الحج على الإطلاق شرط واحد وهو الإسلام، فلا يصح حج الكافر كصومه وصلاته.

ولا يشترط فيه التكليف بل يجوز للولي أن يحرم عن المجنون وعن الصبي الذي لا يميز وحينئذٍ يصح حجمها لما روي عن ابن عباس أن النبي  مر بأمرأة وهي في محفتها، فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت: ألهذا حج؟

فقال رسول الله  : "نعم ولك أجر" .

وعن جابر قال: حججنا مع النبي  ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم.

ولصحة المباشرة شرط زائد على الإسلام وهو التمييز.

فلا تصح مباشرة الحج من المجنون والصبي الذي لا يميز كسائر العبادات، ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج بإذن الولي، ولا يشترط فيها الحرية كسائر العبادات، ولوقوعه عن حجة الإسلام شرطان زائدان: البلوغ والحرية لقوله  : " أيما صبي حج / ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام" والمعنى فيه أن الحج عبادة عمر لا تتكرر فاعتبر وقوعها في حالة الكمال، ولأن التكليف تابع للتمييز فشرط هذا الحكم إذن يعود إلى ثلاثة: الإسلام والتكليف والحرية.

ولو تكلف الفقير الحج وقع حجه عن الفرض كما لو تحمل الغني خطر الطريق وحج، وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة.

ولوجوب حجة الإسلام شرط زائد على الثلاثة المذكورة آنفاً وهو الاستطاعة بالآية.

والاستطاعة نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه واستطاعة تحصيله بغيره.

النوع الأول يتعلق به أمور أربعة: أحدها الراحلة، والناس قسمان: أحدهما من بينه وبين مكة مسافة القصر فلا يلزمه الحج إلا إذا وجد راحلة سواء كان قادراً على المشي أو لم يكن لما روي أنه  فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة.

نعم لو كان قادراً على المشي يستحب له أن لا يترك الحج.

وعند مالك القوي على المشي يلزمه الحج.

ويعتبر مع وجدان الراحلة وجدان المحمل أيضاً إن كان لا يستمسك على الراحلة ويلحقه مشقة شديدة.

ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل.

فإن وجد مؤنة محمل أو شق محمل ووجد شريكاً يجلس في الجانب الآخر لزمه الحج، وإن لم يجد الشريك فلا.

القسم الثاني من ليس بينه وبين مكة مسافة القصر.

فإن كان قوياً على المشي لزمه الحج وإلا فلا يجب إلا مع الراحلة أو معها ومع المحمل كما في حق البعيد.

والمراد بوجود الراحلة أن يقدر على تحصيلها ملكاً أو استئجاراً بثمن المثل أو بأجرة المثل وكذا في المحمل.

المتعلق الثاني: الزاد وأوعيته وما يحتاج إليه في السفر مدة ذهابه وإيابه سواء كان له أهل أو عشيرة يرجع إليهم أو لا فحب الوطن من الإيمان.

وكذا الراحلة للإياب وأجره البذرقة.

كل ذلك بعد قضاء جميع الديون ورد الودائع ونفقة من يلزمه نفقتهم حينئذٍ إلى العود، وبعد مؤن النكاح إن خاف العنت، وبعد مسكنه ودست ثوب يليق به وخادم يحتاج إليه لزمانته أو لمنصبه.

ولو كان له رأس مال يتجر فيه وينفق من ربحه ولو نقص لبطلت تجارته، أو كان له متسغلات يرتفق منها نفقته، فالأصح عند الأئمة أنه يكلف بيعها لأن واحد للزاد والراحلة في الحال ولا عبرة لخوف الفقر في الاستقبال.

المتعلق الثالث: الطريق ويشترط فيه غلبة ظن الأمن على النفس من نحو سبع وعدو، والأمن على المال من عدو أو رصديّ وإن رضي بشيء يسير، والأمن على البضع للمرأة بخروج زوج أو محرم أو نسوة ثقات.

وفي البحر يعتبر غلبة السلامة وفي البر وجود علف الدابة.

المتعلق الرابع: البدن ويشترط فيه أن يقوى على الاستمساك على الراحلة، فإن ضعف عن ذلك لمرض أو غيره فهو غير مستطيع للمباشرة.

ولا بد للأعمى من قائد، وعند أبي حنيفة لا حج عليه.

ويروى أنه يستنيب قال الأئمة: لا بد مع الشرائط من إمكان المسير وهو / أن يبقى من الزمان بعد الاستطاعة ما يمكنه المسير فيه إلى الحج به السير المعهود، فإن احتاج إلى أن يقطع في يوم مرحلتين أو أكثر لم يلزمه الحج.

ولو خرجت الرفقة قبل الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه لم يلزمه الخروج معهم.

ووجوب الحج في العمر كالصلاة في وقتها، فيجوز التراخي لكنه أن دامت الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات عصى على الأظهر وإن كان شاباً.

وقال أحمد ومالك وأبو حنيفة في رواية: إنه على الفور.

حجة الشافعي أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخره النبي  من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر أميراً على الحاج سنة تسع وحج هو سنة عشر وعاش بعدها ثمانين يوماً.

وأما النوع الثاني فهو استطاعة الاستنابة فإنها جائزة في الحج وإن كانت العبادات بعيدة عن الاستنابة، لأن المحجوج عنه قد يكون عاجزاً عن المباشرة بسبب الموت أو الكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله.

وعن ابن عباس أن رجلاً جاء إلى النبي  فقال: " يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحج وماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟

فقال: لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟

قال: نعم قال:فاقضوا حق الله  فهو أحق بالقضاء" " وعنه "أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله  على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟

قال: نعم" .وقد تكون الاستنابة بطريق الاستئجار لأنه عمل يدخله النيابة فيجري فيه الاستئجار كتفريق الزكاة.

وعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز ولكن يرزق عليه.

ولو استأجر كان ثواب النفقة للآمر وسقط عنه الخطاب بالحج ويقع الحج عن الحاج.

والحج بالرزق أن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك.

وهذا أيضاً جائز عند الشافعي كالإجارة.

ولكن لا يجوز أن يقول استأجرتك بالنفقة لأنها مجهولة.

والأجرة لا بد أن تكون معلومة.

فهذا جملة الكلام في الاستطاعة عند الجمهور.

وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع، وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه بل كان ينطلق إليه ولو حبواً، فكذلك يجب عليه الحج.

وفي الآية أنواع من التوكيد والتغليظ منها قوله: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ أي حق واجب له عليهم لكونه إلهاً فيجب عليهم الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أم لم يعرفوا فإن كثيراً من أعمال الحج تعبد محض.

ومنها بناء الكلام على الأبدال ليكون تثنية للمراد / وتفصيلاً بعد الإجمال وإيراد للغرض في صورتين تقريراً له في الأذهان.

ومنه ذكر من كفر مكان من لم يحج وفيه من التغليظ ما فيه ولهذا قال رسول الله  : " من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً" ونظيره قوله  : " من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر" ومنها إظهار الغني وتهويل الخطب بذكر اسم الله دون أن يقول: "فإنه" أو "فإني" فإنه يدل على غاية السخط والخذلان.

ومنه وضع المظهر مقام المضمر حيث قال: ﴿ عن العالمين ﴾ .

ولم يقل "عنه" لأنه  إذا كان غنياً عن كل العالمين فلأن يكون غنياً عن طاعة ذلك الواحد أولى.

ومن العلماء من زعم أن هذا الوعيد عام في حق كل من كفر ولا تعلق له بما قبله، ومنهم من حمله على اعتقاد عدم وجوب الحج ويؤكده ما روي عن سعيد بن المسيب إنها نزلت في اليهود قالوا: إن الحج إلى مكة غير واجب.

وعن الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله  أهل الأديان الستة.

المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين - فخطبهم وقال: إن الله  كتب عليكم الحج فحجوا.

فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه.

فنزلت ﴿ ومن كفر ﴾ .

ومن الأحاديث الواردة في تأكيد أمر الحج قوله  : " "حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة " وروي " "حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه" " أي يتعذر عليكم الذهاب إلى مكة من جانب البر لعدم الأمن أو غيره.

وعن ابن مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت أي هلكت.

وعن عمر: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما نوظروا أي عجل عقوبتهم ويستأصلون.

ثم إنه  لاين أهل الكتاب في الخطاب فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ﴾ التي دلتكم على صدق محمد  بعد ظهور البينات ودحوض الشبهات، أو بعد معرفة فضيلة الكعبة ووجوب الحج؟

﴿ والله شهيد على ما تعملون ﴾ فيجازيكم عليه.

وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته ودلالتها على نبوة محمد  .

ثم إنه  لما أنكر عليهم في ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال: ﴿ لم تصدون عن سبيل الله من آمن ﴾ قال المفسرون: وكان صدّهم عن سبيل الله إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب ضعفة المسلمين، وإنكار أن نعت محمد  في كتابهم، ومنع من أراد الدخول في الإسلام بجهدهم وكدهم، أو بتذكير ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله.

ومحل ﴿ تبغونها عوجاً ﴾ أو اعوجاجاً نصب على الحال أو بدل وهو بكسر العين / الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى كالدين والقول.

وأما الشيء الذي يرى فيقال فيه "عوج" بالفتح كالحائط والقناة، ولهذا قال الزجاج: العوج بالكسر في المعاني وبالفتح في الأعيان.

وتبغون بمعنى تطلبون ويقتصر على مفعول واحد إذا لم يكن معها اللام مثل "بغيت المال والأجر" فإن أريد تعديته إلى مفعولين زيدت اللام.

وفالتقدير تبغون لها عوجاً كما تقول: صدتك ظبياً أي صدت لك ظبياً.

والضمير عائد إلى السبيل فإنها تذكر وتؤنث.

والمعنى إنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها زيفاً كقولكم: إن النسخ يدل على البداء وإن شريعة موسى باقية إلى الأبد وإن محمداً  ليس بذلك المنعوت في كتابنا أو المراد أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم.

ويحتمل أن يكون ﴿ عوجاً ﴾ حالاً بمعنى ذا عوج.

وذلك أنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقيل لهم: إنكم تبغون سبيل الله ضالين ﴿ وأنتم شهداء ﴾ أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل قاله ابن عباس.

أو أنتم تشهدون ظهور المعجزات على نبوة محمد  ، أو أنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يصغون لأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم الأمور يعني الأحبار.

وفيه أن من كان كذلك لا يليق بحاله الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال.

ثم أوعدهم بقوله: ﴿ وما الله بغافل عاما تعملون ﴾ كقول السيد لعبده وقد أنكر طريقته.

لا يخفى عليّ سيرتك ولست بغافل عنك.

وإنما ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ والله شهيد ﴾ وهذه بقوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ لأن ذلك فيما أظهروه من الكفر بنبوة محمد  ، وهذا فيما أضمروه وهو الصد بالاحتيال وإلقاء الشبهة.

وفي تكرير الخطاب في الآيتين بقوله: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ توبيخ لهم على توبيخ بألطف الوجوه وألين المقال لعلهم يتفكرون فينصرفون عن سلوك سبيل الضلال والإضلال.

عن عكرمة ويروى عن زيد بن أسلم وجابر أيضاً "أن شاس بن قيس اليهودي - وكان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين - مر على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار.

فأمر شاباً من اليهود أن جلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج.

ففعل وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.

فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين، أوس بن قيظى أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج- فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئت والله رددتها الآن جذعة.

وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة وهي الحرة.

فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية واصطفوا للقتال فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ الآيات فجاء النبي  حتى قام بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته  وأنصتوا له  وجعلوا يستمعون، فما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً وجثوا يبكون" .

وفي رواية زيد بن أسلم: "خرج إليهم رسول الله فيمن معه من المهاجرين فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟

الله الله.

فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله  سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل الآيات" .

قال جابر بن عبد الله.

"ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله  .

فأومى إلينا بيده وكففنا وأصلح الله ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله  .

فما رأيت يوماً قط أقبح ولا أوحش أوّلاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم" .

﴿ وكيف تكفرون ﴾ استفهام بطريق الإنكار والعجب.

والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله تتلى عليكم على لسان الرسول  في كل واقعة وبين أظهركم رسول الله يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم لكم علة؟

ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر، فعليكم أن لا تلتفتوا إلى قوم المخالف وترجعوا فيما يعنّ لكم إلى الكتاب والنبي  .

قلت: أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر، وأما النبي  فإن كان قد مضى إلى رحمة الله في الظاهر، ولكن نور سره باق بين المؤمنين، فكأنه باقٍ على أن عترته  وورثته يقومون مقامه بحسب الظاهر أيضاً.

ولهذا قال  : " إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي" " وقال: " إن العلماء ورثة الأنبياء " اللَّهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك.

وفي هذا بشارة لهذه الأمة أنهم لا يضلون أبداً إلى يوم القيامة.

ثم بين أن الكل بعصمة الله وتوفيقه فقال: ﴿ ومن يعتصم بالله ﴾ يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في دفع شرور الكفار ﴿ فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في افة.

أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق الله وهدايته بل قالوا: إنه بفعل / العبد، تأوّلوا الآية بأن المراد بالهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، أو المراد بالهداية إلى الجنة.

قال في الكشاف: ﴿ فقد هدي ﴾ أي فقد حصل له الهداية لا محالة كما تقول: إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كأن الهدى قد حصل له، فهو يخبر عنه حاصلاً.

ومعنى التوقع في "قد" ظاهر لأن المعتصم بالله.

متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.

التأويل: ﴿ لن تنالوا البر ﴾ وهو صفة الله ﴿ حتى تنفقوا ﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم.

إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿ كل الطعام كان حلاً ﴾ الخلق ثلاثة أصناف: الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة.

وهذا الصنف على ثلاثة أقسام: منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً  ﴾ ﴿ ومنهم سابق بالخيرات  ﴾ وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿ أولئك هم خير البرية  ﴾ فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  ﴾ فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿ قل صدق الله ﴾ في قوله: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا ﴾ ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿ وما كان من المشركين ﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين.

وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده.

فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ ومن دخله ﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿ كان آمناً ﴾ من نار القطيعة ومن / عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه.

ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسموات بخلوص النيات وصفاء الطويات، ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء.

ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية.

ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات.

ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية.

وقس سائر المناسك على هذا.

﴿ ومن كفر ﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لحذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه.

﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن اتباع الهوى إلا منه  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : [وآيات الله] ما ذكرنا فيما تقدم بمحمّد  بالقرآن والحجج.

﴿ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾ : هو حرف وعيد وتنبيه؛ ينبئهم عن صنيعهم؛ ليكونوا على حذر من ذلك.

وقوله: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ ﴾ من الأتباع الذين كان إيمانهم إيمانَ تقليدٍ، لا إيماناً بالعقل؛ لأن من كان إيمانه إيمانا بالعقل فهو لا يصد، ولا يصرف عنه أبداً؛ لما عرف حسن الإيمان وحقيقته بالعقل، فهو لا يترك أبداً، وأما من كان إيمانه إيمان تقليد: فلم يكن إيمانهُ إيمانَ حقيقة، فمثله يصد عنه، إلا أن من يمن الله عليه فيشرح صدره؛ حتى يكون على نور منه، وذلك أحد وجوه اللطف.

والمقلد غير معذور؛ لما معه [ما] لو استعمله لأوضح له الطريق، وأراه قبح ما آثر من التقليد، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل قوله: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ ﴾ ، أي: لم تقصدون قصد صدهم عن سبيل الله، وهم لا يرجعون إلى دينكم، أيأس منه إياهم عن أن يرجعوا عن دينهم الذي عليه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي  ﴾ فيه إياس الكفرة عن رجوع المسلمين إلى دينهم.

وقيل: كانوا يصرفون المؤمنين عن الحجج.

وقوله: ﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ، والعوج: هو غير طريق الحق، وهو الزيغ والتعوج عن الحق.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ ﴾ ، ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ : واحدٌ، وفي حرف حفصة -  ا -: "وأنتم شهداء على الناس".

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ : هو حرف وعيد وتنبيه؛ لأن من علم أن عليه رقيباً وحافظاً، يكون أحذر وأخوف ممن لم يكن عليه ذلك.

قال الشيخ - رحمه الله -: وفيه أنه لا غفلة بالذي يكون منكم خلقكم، ولكن على علم؛ لتعلموا أنه لا للحاجة خلقكم؛ بل لإظهار الغنى والسلطان، جلّ جلاله، وعم نواله.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية.

الآية تحتمل وجوهاً: أحدها: معلوم أن المؤمنين لا يطيعون الكفار بحال من الكفر، ولكن معناه - والله أعلم - أن يدعوهم إلى شيء لا يعلمون أن في ذلك كفراً، نهاهم أن يطيعوهم، وفي كل ما يدعوكم إليه كفر وأنتم لا تعلمون.

ويحتمل: النهي عن طاعتهم، نهاهم عن أن يطيعوهم، وإن كان يعلم أنهم لا يطيعونهم؛ كما نهي الرسولَ  في غير آي من القرآن، كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ؛ فكذلك هذا.

قال الشيخ - رحمه الله -: ويشبه أن تكون الآية في عرض أمور عظام ترغب فيها النفس ليكفر بها؛ فحذر عن ذلك بما بين من الاعتناد والخسار في آية أخرى؛ ليعلموا أن ذلك تجارة مخسرة، وقد كانت لهم ولأهل كل دين ومذهب هذا الاعتناد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها النبي-: يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى لِمَ تجحدون البراهين على صدق النبي  ، ومنها براهين جاءت بها التوراة والإنجيل؟!

والله مطلع على عملكم هذا شاهد عليه، وسيجازيكم به.

<div class="verse-tafsir" id="91.e4Q6l"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

المعنى وأنتم شهداء على بقايا الكتاب وما يؤثر عن النبيين، فكان من حقكم أن تكونوا أقرب الناس إلى معرفة هذه السبيل، سبيل الحق، والسبق إليها بالإيمان بمحمد  .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد