الآية ٤٥ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٤٥ من سورة الروم

لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 52 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال تعالى "من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله" أي يجازيهم مجازاة الفضل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله "إنه لا يحب الكافرين" ومع هذا هو العادل فيهم الذي لا يجور.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) يقول تعالى ذكره: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ...

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يقول: وعملوا بما أمرهم الله (مِنْ فَضْلِهِ) الذي وعد من أطاعه في الدنيا أن يجزيه يوم القيامة (إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ) يقول تعالى ذكره: إنما خصّ بجزائه من فضله الذين آمنوا وعملوا الصالحات دون من كفر بالله، إنه لا يحبّ أهل الكفر به.

واستأنف الخبر بقوله: (إنَّه لا يُحِبُّ الكافِرِينَ) وفيه المعنى الذي وصفت.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين .قوله تعالى : ليجزي الذين آمنوا أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله .

وقيل يصدعون ليجزيهم الله ; أي ليتميز الكافر من المسلم .

إنه لا يحب الكافرين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

جزاؤهم ليس مقصورا على أعمالهم بل يجزيهم اللّه من فضله الممدود وكرمه غير المحدود ما لا تبلغه أعمالهم.

وذلك لأنه أحبهم وإذا أحب اللّه عبدا صب عليه الإحسان صبا، وأجزل له العطايا الفاخرة وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة.وهذا بخلاف الكافرين فإن اللّه لما أبغضهم ومقتهم عاقبهم وعذبهم ولم يزدهم كما زاد من قبلهم فلهذا قال: { إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم ( إنه لا يحب الكافرين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليجزي» متعلق بيصدعون «الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله» يثيبهم «إنه لا يحب الكافرين» أي يعاقبهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليجزي الله الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات من فضله وإحسانه.

إنه لا يحب الكافرين لسخطه وغضبه عليهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما اقتضته حكمته وعدالته فقال : ( لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين ) .أى : فعل ما فعل - سبحانه - من تقسيم الناس إلى فريقين ، ليجزى الذين آمنوا عملوا الأعمال الصالحات ، الجزاء الحسن الذى يستحقونه ، وليعطيهم العطاء الجزيل من فضله ، لأنه بحبهم ، أما الكافرون ، فإنه - سبحانه - لا يحبهم ولا يرضى عنهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ذكر زيادة تفصيل لما يمهده المؤمن لفعله الخير وعمله الصالح، وهو الجزاء الذي يجازيه به الله والملك إذا كان كبيراً كريماً، ووعد عبداً من عباده بأني أجازيك يصل إليه منه أكثر مما يتوقعه ثم أكده بقوله: ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني أنا المجازي فكيف يكون الجزاء، ثم إني لا أجازيك من العدل وإنما أجازيك من الفضل فيزداد الرجاء، ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين ﴾ أوعدهم بوعيد ولم يفصله لما بينا وإن كان عند المحقق هذا الإجمال فيه كالتفصيل، فإن عدم المحبة من الله غاية العذاب، وأفهم ذلك ممن يكون له معشوق فإنه إذا أخبر العاشق بأنه وعدك بالدراهم والدنانير كيف تكون مسرته، وإذا قيل له إنه قال إني أحب فلاناً كيف يكون سروره.

وفيه لطيفة وهي أن الله عندما أسند الكفر والإيمان إلى العبد قدم الكافر فقال: ﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ  ﴾ وعندما أسند الجزاء إلى نفسه قدم المؤمن فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين ﴾ لأن قوله: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ في الحقيقة لمنع الكافر عن الكفر بالوعيد ونهيه عن فعله بالتهديد وقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا ﴾ لتحريض المؤمن فالنهي كالإيعاد والتحريض للتقرير والإيعاد مقدم عند الحكيم الرحيم، وأما عندما ذكر الجزاء بدأ بالإحسان إظهاراً للكرم والرحمة، فإن قال قائل هذا إنما يصح أن لو كان الذكر في كل موضع كذلك وليس كذلك فإن الله كثير من المواضع قدم إيمان المؤمن على كفر الكافر وقدم التعذيب على الإثابة، فنقول إن كان الله يوفقنا لبيان ذلك نبين ما اقتضى تقديمه، ونحن نقول بأن كل كلمة وردت في القرآن فهي لمعنى وكل ترتيب وجد فهو لحكمة، وما ذكر على خلافه لا يكون في درجة ما ورد به القرآن فلنبين من جملته مثالاً وهو قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ  فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ  ﴾ قدم المؤمن على الكافر، وهاهنا ذكر مثل ذلك المعنى في قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ  ﴾ أي يتفرقون فقدم الكافر على المؤمن فنقول هناك أيضاً قدم الكافر في الذكر لأنه قال من قبل: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون  ﴾ فذكر الكافر وإبلاسه، ثم قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ  ﴾ فكان ذكر المؤمن وحده لابد منه ليبين كيفية التفرق بمجموع قوله: ﴿ يُبْلِسُ المجرمون ﴾ وقوله في حق المؤمن: ﴿ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ لكن الله تعالى أعاد ذكر المجرمين مرة أخرى للتفصيل فقال: ﴿ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ كلمة جامعة لما لا غاية وراءه من المضارّ.

لأنّ من كان ضاره كفره؛ فقد أحاطت به كلّ مضرّة ﴿ فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ أي يسوّون لأنفسهم ما يسوّيه لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه، لئلا يصيبه في مضجعه ما ينبيه عليه وينغص عليه مرقده: من نتوء أو قضض أو بعض ما يؤذي الراقد.

ويجوز أن يريد: فعلى أنفسهم يشفقون، من قولهم في المشفق: أمّ فرشت فأنامت.

وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على أنّ ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر لا يتعدّاه.

ومنفعة الإيمان والعمل الصالح: ترجع إلى المؤمن لا تتجاوزه ﴿ لِيَجْزِىَ ﴾ متعلق بيمهدون تعليل له ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ مما يتفضل عليهم بعد توفية الواجب من الثواب؛ وهذا يشبه الكناية، لأن الفضل تبع للثواب، فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له: أو أراد من عطائه وهو ثوابه؛ لأن الفضول والفواضل هي الأعطية عند العرب.

وتكرير ﴿ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين ﴾ تقرير بعده تقرير، على الطرد والعكس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ أيْ وبالُهُ وهو النّارُ المُؤَبَّدَةُ.

﴿ وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ يُسَوُّونَ مَنزِلًا في الجَنَّةِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ.

﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ ﴾ عِلَّةٌ لِـ ( يَمْهَدُونَ ) أوْ لِـ ( يَصَّدَّعُونَ )، والِاقْتِصارُ عَلى جَزاءِ المُؤْمِنِينَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ والِاكْتِفاءِ عَلى فَحْوى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ فَإنَّ فِيهِ إثْباتَ البُغْضِ لَهم والمَحَبَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَأْكِيدُ اخْتِصاصِ الصَّلاحِ المَفْهُومِ مِن تَرْكِ ضَمِيرِهِمْ إلى التَّصْرِيحِ بِهِمْ تَعْلِيلٌ لَهُ ومِن فَضْلِهِ دالٌّ عَلى أنَّ الإثابَةَ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ، وتَأْوِيلُهُ بِالعَطاءِ أوِ الزِّيادَةِ عَلى الثَّوابِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ليجزي} متعلق ببمهدون تعليل له وتكرير {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وترك الضمير إلى الصريح لتقدير أنه لا يفلخ عنده إلا المؤمن {مِن فَضْلِهِ} أي عطائه وقوله {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين} تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ ﴾ فَإنَّهُ عِلَّةٌ (لِيَمْهَدُونَ)، وأُقِيمَ فِيهِ المَوْصُولُ مَقامَ الضَّمِيرِ تَعْلِيلًا لِلْجَزاءِ لِما أنَّ المَوْصُولَ في مَعْنى المُشْتَقِّ، والتَّعْلِيقُ بِهِ يُفِيدُ عِلِّيَّةِ مَبْدَإ الِاشْتِقاقِ، وذُكِرَ ( مِن فَضْلِهِ ) لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الإثابَةَ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ وتَأْوِيلُهُ بِالعَطاءِ أوِ الزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّ مِنَ الثَّوابِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِلَّةً (لِيَصَّدَّعُونَ)، والِاقْتِصارُ عَلى جَزاءِ المُؤْمِنِينَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ، والِاكْتِفاءِ بِفَحْوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ فَإنَّ عَدَمَ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ في العُرْفِ.

وهو يَقْتَضِي الجَزاءَ بِمُوجَبِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولِيُعاقِبَ الكافِرِينَ.

وفي الكَشّافِ: أنَّ تَكْرِيرَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وتَرْكَ الضَّمِيرِ إلى الصَّرِيحِ لِتَقْرِيرِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ تَعالى إلّا المُؤْمِنُ الصّالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّهُ ) إلَخْ، تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ، عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ، ويَعْنِي بِذَلِكَ كُلَّ كَلامَيْنِ يُقَرِّرُ الأوَّلُ الثّانِيَ وبِالعَكْسِ، سَواءٌ كانَ صَرِيحًا، وإشارَةً، أوْ مَفْهُومًا، ومَنطُوقًا، وذَلِكَ كَقَوْلِ ابْنِ هانِئٍ: فَما جازَهُ جُودٌ ولا حَلَّ دُونَهُ ولَكِنْ يَصِيرُ الجُودُ حَيْثُ يَصِيرُ وبَيانُهُ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى ما قُرِّرَ عَلى اخْتِصاصِهِمْ بِالجَزاءِ التَّكْرِيمِيِّ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّهم أهْلُ الوِلايَةِ والزُّلْفى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ لِتَعْلِيلِ الِاخْتِصاصِ يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى أنَّ عَدَمَ المَحَبَّةِ يَقْتَضِي حِرْمانَهُمْ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ الجَزاءَ لِأضْدادِهِمْ مُوَفَّرٌ، فَهو جَلَّ وعَلا مُحِبٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ ﴾ الآيَةَ بِتَمامِها، كالمُورِدِ لِلسُّؤالِ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ الآيَةَ، وارِدٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ مُنْطَوٍ عَلى الجَوابِ، فَكَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: أقِيمُوا عَلى الدِّينِ القَيِّمِ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمٍ يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ، فَقِيلَ: ما لِلْمُقِيمِينَ عَلى الدِّينِ، وما عَلى المُنْحَرِفِينَ عَنْهُ، وكَيْفَ يَتَفَرَّقُونَ؟

فَأُجِيبَ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، الآيَةَ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) الآيَةَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْكُلِّ لِيَفْصِلَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى ما لَهم وعَلَيْهِمْ، لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِيَمْهَدُونَ وحْدَهُ لِشِدَّةِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وعَدَمِ الإعْباءِ بِعَمَلِ الكافِرِ، ولِذَلِكَ وضَعَ مَوْضِعَهُ ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ انْتَهى، فَلا تَغْفُلْ، وفي الآيَةِ لَطِيفَةٌ نَبَّهَ عَلَيْها الإمامُ قُدِّسَ سِرُّهُ، وهي أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ ما أسْنَدَ الكُفْرَ والإيمانَ إلى العَبِيدِ قَدَّمَ الكافِرَ، وعِنْدَ ما أسْنَدَ الجَزاءَ إلى نَفْسِهِ قَدَّمَ المُؤْمِنَ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( مَن كَفَرَ ) وعِيدٌ لِلْمُكَلَّفِ لِيَمْتَنِعَ عَمّا يَضُرُّهُ لِيُنْقِذَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الشَّرِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن عَمِلَ صالِحًا ﴾ تَحْرِيضٌ لَهُ، وتَرْغِيبٌ في الخَيْرِ لِيُوصِلَهُ إلى الثَّوابِ، والإنْقاذُ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وأمّا عِنْدَ الجَزاءِ فابْتَدَأ جَلَّ شَأْنُهُ بِالإحْسانِ إظْهارًا لِلْكَرَمِ والرَّحْمَةِ.

هَذا، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ المَعاصِي ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ، ولَمْ يَذْكُرْ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ بِسَبَبِ العَمَلِ الصّالِحِ، لِأنَّ الكَرِيمَ يَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا لِئَلّا يُتَوَهَّمُ مِنهُ الظُّلْمُ، ولا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: قحط المطر، ونقص الثمار للناس والدواب.

يعني: نقص النبات في البر للدواب والوحوش وفي البحر يعني: القرى والأرضين ينقصان الثمار والزرع.

سمى القرى والمدائن بحراً لما يجري فيها من الأنهار.

ويقال: البحر نفسه لأنه إذا لم يكن مطر، فإنه لا يخرج منه اللؤلؤ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ أي: بما عملوا من المعاصي.

ويقال: من أذنب ذنباً فجميع الخلق من الإنس والجن، والدواب والوحوش، والطير والذر، خصماؤه يوم القيامة، لأنه يمنع المطر بالمعصية، فيضرّ بأهل البر والبحر.

وروي عن ثقيف الزاهد أنه قال: من أكل الحرام، فقد خان جميع الناس، حيث لا يستجاب دعاؤه.

ويقال: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: ظهرت المعاصي في البر والبحر بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ يعني: بكسب الناس.

فأول فساد البر كان من قابيل حيث قتل أخاه هابيل، وأول فساد البحر كان من جلندا حيث كان يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً.

وقال عطية العوفي: ظهور الفساد قحوط المطر.

قيل له: هذا فساد البر فما فساد البحر؟

قال: إذا قلّ المطر قلّ الغوص.

وقال قتادة ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: امتلأت الضلالة والظلم في الأرض.

وروي عن أبي العالية أنه قال البر: الأعضاء والبحر: القلوب يعني: ظهر الفساد في الناس في الأعضاء وفي القلوب.

ثم قال: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا يعني: يعذبهم ببعض ذنوبهم في الدنيا، ويّدخر البعض في الآخرة.

والذوق إنما هو كناية عن التعذيب.

فكأنه يقول: يعذبهم بالجوع والقحط في الدنيا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: لكي يرجعوا عن الكفر.

قرأ ابن كثير: لِنُذِيقَهُمْ بالنون أي: لنذيقهم نحن.

وقرأ الباقون: بالياء يعني: ليذيقهم الله عز وجل.

ثمّ خوّفهم فقال عز وجل: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي: سافروا فيها فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ يعني: كيف كان آخر أمر من كان قبلهم كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ فيعتبروا بذلك.

والنظر على وجهين.

يقال: نظر إليه إذا نظر بعينه، ونظر فيه إذا تفكر بقلبه.

وهاهنا قال: فَانْظُرُوا ولم يقل فيه، ولا إليه.

فهو على الأمرين جميعا.

ثم قال عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ يعني: أخلص دينك الإسلام القيم.

يعني: المستقيم.

ويقال: أقبل بوجهك إليه.

ويقال: اثبت عليه.

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يعني: يوم القيامة لا يقدر أحد أن يرد ذلك اليوم من الله.

ويقال: يعني: ذلك اليوم من الله.

ويقال: لا خلف لذلك الوعد من الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ يعني: يتصدعون.

فأدغم التاء في الصاد وشدد.

يعني: يتفرقون فريق فى الجنة، وفريق في السعير.

ثم قال عز وجل: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ يعني: جزاء كفره وعقوبته وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً يعني: وحّده وعمل بالطاعة بعد التوحيد فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ قال مقاتل: أي يقدمون.

وقال مجاهد.

يعني: لأنفسهم يفرشون في القبر.

ويقال: في الجنة.

ويقال: فلأنفسهم يعملون ويستعدون.

قوله عز وجل: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ينصرف إلى قوله يصدعون.

يعني: يتفرقون لكي يجزي الذين آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه.

ويقال: من ثوابه.

ويقال: بفضله إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكافِرِينَ بتوحيد الله عز وجل.

ويقال: لا يرضى دين الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فِطْرَتَ اللَّهِ ...

الآية، إلى الْقَيِّمُ فذكرُ الأبوين إنما هما مثالٌ للعَوارِض التي هي كثيرةُ.

وقال البخاريُّ: فِطْرَةُ اللهِ: هِيَ الإسْلاَمُ «١» ، انتهى.

وقوله تعالى: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يحتمل أنْ يريدَ بها هذه الفطرةَ، ويحتمل أن يريدَ بها الإنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول: أقم وجهَك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإنَّ هؤلاءِ الكفرة قد خلق الله لهم الكفر، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، أي: أنهم لا يفلحون، وقيل غيرُ هذا، وقال البخاري: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي:

لدين الله، وخُلُق الأولين: دينهم.

انتهى.

والْقَيِّمُ بناءُ مبَالَغَةٍ مِنَ القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، ومُنِيبِينَ يحتمل أنْ يكونَ حالاً من قوله فَطَرَ النَّاسَ لا سِيَّمَا عَلى رَأْي مَنْ رَأَى أَنَّ ذلكَ خصوصٌ في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالا من قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ وجمعه: لأن الخطاب بإقامة الوجه هو للنبي/ صلى الله عليه وسلّم ولأمته نظيرها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ٦٦ ب إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] .

والمشركون المشار إليهم في هذه الآية: هم اليهودُ والنصارى قاله قتادة «٢» ، وقيل غير هذا.

فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)

وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ...

الآية، ابتداءُ إنحاءٍ على عَبَدَةِ الأَصْنَام.

قال ع «١» : ويلحق من هذه الألفاظ شيءٌ للمؤمنين إذا جاءهم فَرَجٌ بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين، أو بحذق آرائهم، وغير ذلك لأن فيه قلة شكر للَّه تعالى ويسمى تَشْرَيكاً مجَازاً.

والسلطانُ هنا البرهانُ من رسولٍ أو كتابٍ، ونحوه.

وقوله تعالى: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ معناه فهو يُظْهِر حجتَهم، ويغلبُ مذهبَهم، وينطق بشركهم.

ثم قال تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها ...

الآية، وكل أحد يأخذ من هذه الخُلُقِ بقسطِ، فالمقل والمكثر، إلا من ربطتِ الشريعةُ جأشَه، ونَهَجَتِ السنة سبيلَه، وتأدَّب بآداب الله، فصبر عند الضراء وشكر عند السراء، ولم يَبْطُرْ عند النِّعْمَةِ، ولا قنط عند الابتلاءِ، والقَنَطُ: اليأسُ الصريحُ.

ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم يَيْأْسْ من رَّوْح اللهِ- وهو أنه سبحانه يَخُصُّ من يشاء من عبادهِ بِبَسْطِ الرزق، ويقدر على من يشاء منهم.

فينبغي لكلِ عَبْدٍ أنْ يكونَ راجياً ما عند ربه.

ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أمراً تَدْخُلُ فيه أمته- على جهة الندب- بإيتاء ذي القربى حقَّه من صلة المالِ، وحسنِ المعاشرة ولين القول، قال الحسن «٢» : حقه المواساةُ في اليُسْر، وقولٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ.

قال ع «٣» : ومعظمُ ما قُصِدَ أمر المعونة بالمال.

وقرأ الجمهور: وَما آتَيْتُمْ بمعنى: أعطيتم، وقرأ ابن كثير «١» بغير مد، بمعنى:

وما فعلتم، وأجمعوا على المد في قوله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ والربا: الزيادة.

قال ابن عباس «٢» وغيره: هذه الآية نزلتُ في هباتِ الثَّوابِ.

قال ع «٣» : وما جَرَى مَجْرَاها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسِّلمِ وغيرِه، فهو وإن كانَ لاَ إثْمَ فيه فَلا أجْرَ فيه ولاَ زيادة عند الله تعالى، وما أعْطَى الإنسانُ تَنْمِيَةً لِمالهِ وتطهيراً يريدُ بذلك وَجْهَ اللَّه تعالى فذلك هُو الذي يُجَازَى به أضعَافاً مضَاعَفَةً على ما شاء الله له.

وقرأ جمهور السبعةِ «ليربوا» بإسناد الفِعل إلى الربا، وقرأ «٤» نافعٌ وحدَه «لِتُرْبُوا» وباقي الآية بيِّن.

ثم ذكر تعالى- على جهة العبرة- ما ظهرَ من الفسَادِ بسبب المعَاصي، قال مجاهد: البَرُّ البلاد البعيدة من البحر، والبحرُ السواحلُ والمدنُ التي على ضِفَّة البحرِ «٥» ، وظهورُ الفساد فيهما: هو بارتفاعِ البركاتِ، ووقوعِ الرزايا، وحدوثِ الفتنِ.

وتغلب العدوِّ، وهذه الثلاثةُ توجَد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفسادُ في البحر:

انقطاع صَيْدِه بذَنَوب بني آدم «٦» ، وقلما توجد أمة فاضلةٌ مُطِيعَةٌ مُسْتَقِيمَةُ الأعمال إلا يدفعُ الله عنها هذه الأمور، والأمرُ بالعكس في المعاصي، وبطر النعمة ليذيقهم عاقبة بعض ما عملوا ويعفوا عن كثير.

ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، أي: يتوبون ويراجعونَ بصائَرهم فِي طاعةِ ربهِم ثم حذَّر- تعالى- من يومِ القيامةِ تحذيراً يَعُمُّ العالمَ وإياهُمُ المقصد بقوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ الآية وَلاَ مَرَدَّ لَهُ: معناه:

لَيْسَ فِيه رُجُوعٌ لِعَمَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُريد/ لاَ يَردُّهُ رَادٌّ.

وهذا ظاهر بحسب اللفظ ٦٧ أويَصَّدَّعُونَ: معناه: يَتَفَرَّقُونَ بعد جمعهم إلى الجنةِ وإلى النار.

ثم ذكر تعالى من آياته أشياءَ وهي ما في الرِّيحِ من المنافِع وذلك أنها بشرى بالمطر ويُلَقَّحُ بها الشجر، وغير ذلك،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ ﴿ وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ أيْ: يُوَطِّئُونَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: يُسَوُّونَ المَضاجِعَ في القُبُورِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مَن " يَقَعُ عَلى الواحِدِ والاثْنَيْنِ والجَمْعِ مِنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، ومَجازُها هاهُنا مَجازُ الجَمِيعِ، و " يَمْهَدُ " بِمَعْنى يَكْتَسِبُ ويَعْمَلُ ويَسْتَعِدُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِن الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ اللامُ في "لِيَجْزِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"يَصَّدَّعُونَ"، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ، أو: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما تَقَرَّرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ  ﴾ ﴿ وَمَن عَمِلَ صالِحًا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ لَيْسَ الحُبُّ بِمَعْنى الإرادَةِ، ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ أماراتِ رَحْمَتِهِ، ولا يَرْضاهُ لَهم دِينًا، ونَحْوُ هَذا.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن آياتِهِ أشَياءَ تَقْتَضِي كُلُّ عَقْلٍ بِأنَّهُ لا مُشارَكَةَ لِلْأوثانِ فِيها، وهي ما في الرِيحِ مِنَ المَنافِعِ، وذَلِكَ أنَّها بُشْرى بِالمَطَرِ، ويُذِيقُ اللهُ بِها الرَحْمَةَ، يَعْنِي الغَيْثَ والخِصْبَ، ويُلَقِّحُ بِها الشَجَرَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُجْرِي بِها السُفُنَ في البَحْرِ، ويَبْتَغِي الناسُ بِها فَضْلَ اللهِ تَعالى في التِجاراتِ في البَحْرِ، وفي ذَرْوِ الأطْعِمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ آنَسَ مُحَمَّدًا  بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مِثْلَ مَن أُرْسِلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ وعَدَ تَعالى مُحَمَّدًا  وأمَّتَهُ النَصْرَ؛ إذْ أخْبَرَ أنَّهُ جَعَلَهُ حَقًّا عَلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى، و"حَقًّا" خَبَرُ "كانَ" قَدَّمَهُ اهْتِمامًا، لِأنَّهُ مَوْضِعُ فائِدَةِ الجُمْلَةِ، وبَعْضُ القُرّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ وقَفَ عَلى قَوْلُهُ: "حَقًّا"، وجَعْلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿ عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرْضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة تتنزل منزلة البيان لإجمال الجملة التي قبلها وهي ﴿ فأقم وجهك للدّين القيم ﴾ [الروم: 43]، إذ التثبيت على الدين بعد ذكر ما أصاب المشركين من الفساد بسبب شركهم يتضمن تحقير شأنهم عند الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فبين ذلك بأنهم لا يَضرون بكفرهم إلا أنفسهم، والذي يكشف هذا المعنى تقديم المسند في قوله ﴿ فعليه كفره ﴾ فإنه يفيد تخصيصه بالمسند إليه، أي فكفره عليه لا عليك ولا على المؤمنين، ولهذا ابتدئ بذكر حال من كَفر ثم ذُكر بعدَه ﴿ من عمل صالحاً ﴾ .

واقتضى حرف الاستعلاء أن في الكفر تبعة وشدة وضَرّاً على الكافر، لأن (عَلى) تقتضي ذلك في مثل هذا المقام، كما اقتضى اللام في قوله ﴿ فلأنفسهم يمهدون ﴾ أن لِمجرورها نفعاً وغنماً، ومنه قوله تعالى: ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ [البقرة: 286].

وقال توبة بن الحُمَيِّر: وقد زعمت ليلى بأني فاجر *** لنفسي تُقاها أو عليها فجورها وأفرد ضمير ﴿ كفره ﴾ رعياً للفظ ﴿ مَن ﴾ .

وهذا التركيب من جوامع الكلم لدلالته على ما لا يحصى من المضارّ في الكفر على الكافر وأنه لا يَضُر غيره، مع تمام الإيجاز، وهو وعيد لأنه في معنى: من كفر فجزاؤه عقاب الله، فاكتفي عن التصريح بذلك اكتفاء بدلالة (على) من قوله ﴿ فعليه كفره ﴾ وبمقابلة حالهم بحال من عمل صالحاً بقوله ﴿ ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصالحات من فضله ﴾ .

وأما قوله ﴿ ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ﴾ فهو بيان أيضاً لما في جملة ﴿ فأقم وجهك للدّين القيّم ﴾ [الروم: 43] من الأمر بملازمة التحلّي بالإسلام وما في ذلك من الخير العاجل والآجل مع ما تقتضيه عادة القرآن من تعقيب النذارة بالبشارة والترهيب بالترغيب فهو كالتكملة للبيان.

وإنما قوبل ﴿ من كَفر ﴾ ب ﴿ من عَمِل صَالِحاً ﴾ ولم يقابل ب (مَن ءامن) للتنويه بشأن المؤمنين بأنهم أهل الأعمال الصالحة دون الكافرين.

فاستغني بذكر العمل الصالح عن ذكر الإيمان لأنه يتضمنه، ولتحريض المؤمنين على الأعمال الصالحة لئلا يتّكلوا على الإيمان وحده فتفوتهم النجاة التامة.

وهذا اصطلاح القرآن في الغالب أن يَقرن الإيمان بالعمل الصالح كما في قوله تعالى قبل هذه الآية: ﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يُحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاءِ الآخرة فأولئك في العذاب مُحضَرون ﴾ [الروم: 14 16] حتى توهمت المعتزلة والخوارج أن العمل الصالح شرط في قبول الإيمان.

وتقديم ﴿ فلأنفسهم ﴾ على ﴿ يمهدون ﴾ للاهتمام بهذا الاستحقاق وللرعاية على الفاصلة وليس للاختصاص.

و ﴿ يمهدون ﴾ يجعلون مِهاداً، والمهاد: الفراش.

مثلت حالة المؤمنين في عملهم الصالح بحال من يتطلب راحة رقاده فيوطئ فراشه ويسويه لئلا يتعرض له في مضجعه من النتوء أو اليبس ما يستفز منامه.

وتقديم ﴿ لأنفسهم ﴾ على ﴿ يمهدون ﴾ للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بذكر أنفس المؤمنين لأن قرينة عدم الاختصاص واضحة.

وروعي في جمع ضمير ﴿ يمهدون ﴾ معنى ﴿ مَن ﴾ دون لفظها مع ما تقتضيه الفاصلة من ترجيح تلك المراعاة.

ويتعلق ﴿ ليجزي الذين ءامنوا ﴾ ب ﴿ يمهدون ﴾ أي يمهدون لعلة أن يجزي الله إياهم من فضله.

وعدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله ﴿ الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ﴾ للاهتمام بالتصريح بأنهم أصحاب صلة الإيمان والعمل الصالح وأن جزاء الله إياهم مناسب لذلك لتقرير ذلك في الأذهان، مع التنويه بوصفهم ذلك بتكريره وتقريره كما أنبأ عن ذلك قوله عقبه ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ .

وقد فهم من قوله ﴿ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أن الله يجازيهم أضعافاً لرضاه عنهم ومحبته إياهم كما اقتضاه تعليل ذلك بجملة ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ المقتضي أنه يحب الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فحصل بقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ تقرير بَعد تقرير على الطرد والعكس فإن قوله ﴿ ليجزي الذين ءامنوا ﴾ دل بصريحه على أنهم أهل الجزاء بالفضل، ودل بمفهومه على أنهم أهل الولاية.

وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ يدل بتعليله لما قبله على أن الكافرين محرومون من الفضل، وبمفهومه على أن الجزاء موفور للمؤمنين فضلاً وأن العقاب مُعيّن للكافرين عدلاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أقِمْ وجْهَكَ لِلتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: اسْتَقِمْ لِلدِّينِ المُسْتَقِيمِ بِصاحِبِهِ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ يَتَفَرَّقُونَ قالَ الشّاعِرُ وكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى قِيلَ لَهُ يَتَصَدَّعا أيْ لَنْ يَتَفَرَّقا.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُ ما يُصَدِّعُهم يَوْمَ القِيامَةِ مِن أهْوالٍ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَفَرَّقُونَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَتَفَرَّقُ المُشْرِكُونَ وآلِهَتُهم في النّارِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ: ﴿ فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُسَوُّونَ المَضاجِعَ في القُبُورِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يُوَطِّئُونَ في الدُّنْيا بِالقُرْآنِ وفي الآخِرَةِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأقم وجهك للدين القيم ﴾ قال: الإِسلام ﴿ من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ يومئذ يصدعون ﴾ قال: فريق في الجنة، وفريق في السعير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يومئذ يصدعون ﴾ قال: يتفرقون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يومئذ يصدعون ﴾ يومئذ يتفرقون.

وقرأ ﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون، وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ﴾ قال: هذا حين يصدعون يتفرقون إلى الجنة والنار.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في عذاب القبر عن مجاهد في قوله: ﴿ فلأنفسهم يمهدون ﴾ قال: يسوّون المضاجع في القبر.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ﴾ قال: بالمطر ﴿ وليذيقكم من رحمته ﴾ قال: المطر ﴿ ولتجري الفلك بأمره ﴾ قال: السفن في البحار ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ قال: التجارة في السفن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿ يَمْهَدُونَ ﴾ أي: يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله ﴿ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ قال ابن عباس: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ ﴾ أي لا رجوع له ولابد من وقوعه ﴿ مِنَ الله ﴾ يتعلق بقوله: ﴿ يَأْتِيَ ﴾ أو بقوله لا مردّ له أي لا يرده الله ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ من الصدع وهو الفرقة أي يتفرقون: ﴿ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ﴾ [الشورى: 7] ﴿ فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ أي يوطنون وهو استعارة من تمهيد الفراش ونحوه، والمعنى أنهم يعملون ما ينتفعون به في الآخرة ﴿ لِيَجْزِيَ ﴾ يتعلق بيمهدون أو يصدعون، أو بمحذوف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آتيتم من رباً ﴾ مقصوراً: ابن كثير ﴿ لتربوا ﴾ بضم التاء وسكون الواو على الجمع: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لنذيقهم ﴾ بالنون: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يرسل الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ كسفاً ﴾ بالسكون: يزيد وابن ذكوان ﴿ آثار ﴾ على الجمع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ ضعف ﴾ وما بعده بفتح الضاد: حمزة وعاصم غير للفضل.

الباقون: بالضم وهو اختيار خلف وحفص ﴿ لا ينفع ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم.

والآخرون: بتاء التأنيث ﴿ لا يستخفنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ يشركون ﴾ ه لا وقد يوقف على توهم لام الأمر ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول إلى الخطاب وابتداء أمر التهديد ﴿ فتمتعوا ﴾ قف لاستئناف التهديد ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج ط فصلاً بين النقيضين ﴿ يقنطون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط ﴿ وجه الله ﴾ ز ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج ط لعطف جملتي الشرط ﴿ المضعفون ﴾ ه ﴿ يحييكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يصدّعون ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ج لما مر ﴿ يمهدون ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل اللام للقسم وحذف نون التأكيد ﴿ من فضله ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ أجرموا ﴾ ط وقيل: يوقف على ﴿ حقاً ﴾ أي وكان الانتقام حقاً.

ثم ابتداً علينا أي واجب علينا ﴿ نصر المؤمنين ﴾ ه ﴿ خلاله ﴾ ط ج للشرط مع الفاء ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ لمبلسين ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع العدول عن بيان الإحياء إلى بيان القدرة ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ وشيبة ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ج ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ القدير ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ غير ساعة ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يوم البعث ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ لا تعلمون ﴾ 5 ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ مبطلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ لا يوقنون ﴾ ه.

التفسير: لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس والإذاقة دليل على أن الإِنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء.

وإنما قال ﴿ إذا فريق منهم ﴾ ولم يقل "إذا هم يشركون" كما قال في آخر "العنكبوت"، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وههنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك.

ثم استفهم على سبيل الإِنكار قائلاً ﴿ أم أنزلنا ﴾ كأنه قال: إذا تقررت الحجج المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما يقولون؟

وإسناد التكلم إلى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا.

و"ما" في قوله ﴿ بما كانوا ﴾ مصدرية والضمير في ﴿ به ﴾ لله أو موصولة والضمير لها اي بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه ﴿ يشركون ﴾ وحين ذكر الشرك الظاهر أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا منع وعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ذلك.

وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم معاصيهم ليدل على عدله.

والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون بالمنعم.

والقنوط من رحمة الله أيضاً مذموم كما مر في قوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله غلا القوم الكافرون  ﴾ ثم اشار بقوله ﴿ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في الحالين على الله.

ففي حالة الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال ﴿ إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون ﴾ ولا يخفى أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال ﴿ أولم يروا ﴾ وقال في "الزمر" ﴿ أولم يعلموا  ﴾ مناسبة لما قبله وهو ﴿ أوتيته على علم  ﴾ وقوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ قال جار الله: لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ايديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك قائلاً ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ الآية.

وأقول: لما بين كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلاً ﴿ فآت ﴾ أيها المكلف أو النبي والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله ﴿ فأقم وجهك  ﴾ وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإِنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان.

وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف.

وإنما قال ﴿ ذا القربى ﴾ ولم يقل "القريب" ليكون نصاً في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من ابناء السبيل.

وفي قوله ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ دون أن يقول "فآت هذه الأصناف حقوقهم" تشريف لذوي القرابة حيث جعل الصنفين الآخرين تابعاً لهم على الإطلاق.

فإنه إذا قال الملك: خل فلاناً يدخل وفلاناً أيضاً كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلاناً وفلاناً يدخلان ﴿ ذلك ﴾ الإيتاء ﴿ خير ﴾ في نفسه أو خير من المنع ﴿ للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذاته أو جهة قربته فإن من أنفق ألوفاً رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفاً لوجه الله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ كقوله في أول "البقرة" لأن قوله ﴿ فأقم وجهك  ﴾ إشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله ﴿ وآت ذا القربى ﴾ أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة.

وفي قوله ﴿ يريدون وجه الله ﴾ إشارة إلى الاعتراف بالمعاد.

ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر الربا استطراداً.

فمن قرأ ممدوداً فظاهر، ومن قرأ مقصوراً فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة الأخرى ليزيد في أموالهم ﴿ فلا يربو ﴾ فلا يزكو ولا ينمو ﴿ عند الله ﴾ لأنه يمحق بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة ﴿ يمحق الله الربا ويربى الصدقات  ﴾ قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون.

وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء لأجل عوض زائد، فبين الله  أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان مباحاً.

وفي الحديث "الجانب المستغزر يثاب عن هبته" أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئاً فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه.

قال جار الله: في قوله ﴿ فأولئك ﴾ التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح لهم من أن يقول "فأنتم المضعفون" أي ذوو الإضعاف من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، ولارابط محذوف أي هم المضعفون به.

وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون.

قالت العلماء: أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفاً فإن الله يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه قصراً في الجنة فإن الله  يعطيه عشرة قصور تفضلاً.

ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعدها نظراً إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ قال جار الله: "من" الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم.

قلت: الأولى للتبعيض كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من تلك الأشياء للتوسعة المذكورة أيضاً.

ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شيء.

وفسره ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي الأمصار بحاراً ﴿ لنذيقهم ﴾ وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها في الآخرة إرادة أن يرجعوا عماهم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر والمعاصي في الأرض براً وبحراً بكسب الناس.

وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ لنذيقهم ﴾ لام العاقبة.

ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم كقوم نوح وعاد وثمود ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظاً عليهم.

أو هو كقوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة  ﴾ أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة كالمعطلة والمجسمة ونحوهم.

خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله ﴿ فأقم ﴾ كأنه قال: وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل ﴿ فاقم وجهك للدين ﴾ البليغ الاستقامة ﴿ من قبل أن يأتي ﴾ من الله ﴿ يوم ﴾ لا يرده راد.

ويجوز أن يتعلق قوله ﴿ من الله ﴾ بقوله ﴿ لا مردّ ﴾ أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلاً ﴿ يومئذ يصدّعون ﴾ أي يتصدعون والتصدع التفرق.

ثم بين وجه تفرق الناس بقوله ﴿ من كفر فعليه كفره ﴾ اي وبال كفره عليه لا على غيره ﴿ ومن عمل صالحاً ﴾ أي آمن وعمل صالحاً لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإِيمان، على أن الإِيمان، أيضاً عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ومعنى ﴿ يمهدون ﴾ يوطؤن كما يسوّي الراقد مضجعه وجوز جار الله أن يراد فعلى أنفسهم يشفقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت.

وذلك ان الإشفاق يلزمه التمهيد عرفاً وعادة.

ثم بين غاية التمهيد بقوله ﴿ ليجزي ﴾ وقوله ﴿ من فضله ﴾ عند أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب.

وفي قوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك.

قال جار الله: تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح.

وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس.

قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولاً ثم المؤمن، وفي الآية الثانية قرر أولاً أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر.

أو أراد أن قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ دل بصريحه على ثواب المؤمن وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ دل بصريحه على حرمان الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن.

فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر للآخر.

وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية بقوله ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح ﴾ ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سبباً ويذكر لأضراره سبباً.

ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جداً لا تهب إلا حيناً، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحاً واحداً أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحاً اعتدلت ونفعت.

قوله ﴿ مبشرات ﴾ أي بالمطر كقوله ﴿ بشراً بين يدي رحمته  ﴾ وقيل: أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان.

وقوله ﴿ وليذيقكم ﴾ إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي وليكون كذا وكذا أرسلناها.

وفي قوله ﴿ بأمره ﴾ إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام.

وفي قوله ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ دلالة على أن ركوب البحر لأجل التجارة جائز.

وفي قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ إشارة إلى أن نعم الله  يجب أن تقابل بالشكر.

وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف قوله ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا يرجعون ﴾ تشريفاً لأهل الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع تسلية النبي  بقوله ﴿ ولقد ارسلنا ﴾ واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة المجرمين الذين لم يصدِّقوا رسلهم الإنتقام منهم، وعاقبة الذين صدَّقوهم النصر والظفر على الأعداء.

وفي قوله ﴿ حقاً علينا ﴾ تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء.

ثم أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على الاتصال والمتفرق بعضها كسفاً اي قطعاً.

وقوله ﴿ فترى الودق ﴾ أي المطر يخرج من خلاله قد مر في النور.

ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله وقوله ﴿ من قبله ﴾ مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم.

وقيل: اراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس.

ثم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ .

ثم أكد تزلزل الإنسان وتذبذبه وأنه بأدنى سبب يكفر بنعمة الله فقال ﴿ ولئن أرسلنا ريحاً ﴾ ضارة باردة أو حارة ﴿ فرأوه ﴾ اي رأوا أثر الرحمة وهو النبات.

ومن قرأ آثار فالضمير عائد إلى المعنى لأن آثار الرحمة النبات أيضاً واسم النبات يقع على القليل والكثير، وإنما قال ﴿ مصفراً ﴾ ولم يقل "أصفر" لأن تلك الصفرة حادثة.

وقيل: فرأوا السحاب مصفراً لأنه إذا كان كذلك لم يمطر.

ثم زاد في تسلية رسوله بقوله ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ إلى قوله ﴿ فهم مسلمون ﴾ وقد مر في آخر النمل.

ثم أعاد من دلائل التوحيد دليلاً آخر من الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله وأطواره وتقلبه من ضعف الطفولية إلى قوة الشباب والكهولة ومنها إلى ضعف الهرم.

وفي قوله ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ إشارة إلى أن أساس أمر الإنسان الضعف كقوله ﴿ خلق الإنسان من عجل  ﴾ وقيل: من ضعف اي من نطفة.

وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم القدير.

وقوله ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ كقوله في دليل الآفاق ﴿ فيبسطه في السماء كيف يشاء  ﴾ والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة.

ثم عاد إلى ذكر المعاد وأحوال القيامة، وذكر أن الكفار يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وأن أهل العلم والإيمان وهم الملائكة والأنبياء وغيرهم حالهم بالعكس.

وذلك أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها.

ومعنى ﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون عن الصدق والتحقيق أي هكذا كان أمرهم في الدنيا مبيناً على الظن الكاذب وكانوا يصرون بمثله.

ويحتمل أن يكونوا ناسين أو كاذبين.

ومعنى في كتاب الله في اللوح والمحفوظ أو في علمه وقضائه، أو فيما كتب وأوجب.

وفيه رد قول الكفار وإلاع لهم على مصدوقية الحال.

قال جار الله: في الحديث "ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون" قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون الف سنة.

وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم.

والفاء في قوله ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وبه تبين بطلان قولكم ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ أنه حق.

ثم بين أن ذلك اليوم لا يقبل فيه عذر من أهل الشرك وسائر أنواع الظلم ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ أي لا يطلب منهم الرضا فلا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة، وقد مر في "النحل".

ثم بين أن القرآن مشحون بقصص وأخبار كلها كالمثل في غرابتها وحسن مواقعها، وأن الرسول مهما جاءهم بدليل أنكروه لأن الذي اجترأ على العناد في دليل واحد، والأغلب أن يتجرأ على أمثاله وهذا نتيجة الطبع والخذلان، فلا علاج في مثل هذه القضية إلا بالصبر وتحمل أعباء الرسالة إلى إنجاز وعد الله بالنصرة وإعلاء الدين.

ومعنى ﴿ لا يستخفنك ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق قوم شاكون فأمثال هذه الأفعال والأقوال لا تستبعد من أهل الريب والضلال أمر أن لا يضجر ويشتغل بالدعاء إلى الحق حتى يأتي أوان النصر والظفر والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ .

ولم تكونوا شيئاً، وأنتم تعلمون ذلك.

﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ .

وأنتم تعلمون ذلك أن [لا يقدِّر] الأرزاق لكم غيره.

﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ .

وأنتم تعلمون ألا يملك أحد غيره ذلك؛ فعلى ذلك يملك إحياءكم ولا يملك أحد ممن تعبدون دونه من الأصنام ذلك؛ فكيف تعبدون دونه.

وقوله: ﴿ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: هؤلاء الذين تعبدون شركاؤكم فيما ذكر من الخلق والرزق فكيف تعبدون وتتخذون آلهة دونه؟!

والثاني: هل من شركائكم الذين أشركتموها في عبادة الله وألوهيته تملك ما ذكر، يقول: لا تملك شيئاً مما ذكر، على علم منكم أنها لا تملك ذلك، فيقول: فكيف تشركونها في ألوهيته؟

ثم نزه نفسه وبرأها عن جميع العيوب التي وصفه الملحدون، فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

لأن حرف ﴿ سُبْحَانَ ﴾ حرف تنزيه عن جميع العيوب، والتعالي: هو وصف وتبرئة عن أن يغلبه شيء أو يقهره؛ هو من العلو، متعال عن أن يغلبه شيء أو يقهره.

وقوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ، وهو الشرك والكفر، ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ من الأمور التي كانوا يتعاطون من قطع الطريق، والسرق، والظلم، وأنواع أعمال السوء التي يتعاطونها، ذلك هو سبب شركهم وكفرهم بالله، وبذلك كان شركهم وكفرهم ذلك كان يغطي قلوبهم؛ حتى لا تتجلى قلوبهم للإيمان؛ كقوله: ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ...

﴾ الآية [التوبة: 77] ونحوه؛ فإن كان هذا فهو على حقيقة تقديم الأيدي والكسب.

والثاني: أن يكون ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق، وقوله: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ هو شركهم وكفرهم وتعاطيهم ما لا يحل، أي: ذلك القحط والضيق وقلة الأنزال والشدائد لهم؛ لشركهم وكفرهم وأعمالهم التي اختاروها، ويكون ذكر كسب الأيدي على المجاز لا على الحقيقة؛ ولكن لما باليد يكتسب وباليد يقدم، ذكر اليد؛ كقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ  ﴾ ، ولعله لم يقدم شيئاً، لكنه ذكر أنه ظهر الشرك والكفر بحقيقة كسب الأيدي من أعمال السوء التي ذكرنا، ذلك كان يمنعهم عن الإيمان وكشف الغطاء عن قلوبهم.

وفي التأويل الآخر: الفساد الذي ظهر هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق؛ ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ : هو الشرك والكفر وتعاطي ما لا يحل، لا على حقيقة كسب الأيدي؛ ولكن لما ذكرنا.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ : قال بعضهم: البر: هو المفاوز التي لا ماء فيها، والبحر: القرى والأمصار.

وقال بعضهم: أما البر فأهل العمود، والبحر: هم أهل القرى والريف.

وقال بعضهم: البر: قتل ابن آدم وأخاه، والبحر: ﴿ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً  ﴾ .

وجائز أن يكون لا على حقيقة إرادة البر والبحر؛ ولكن على إرادة الأحوال نفسها، على ما ذكرنا من القحط والضيق وقلة الأنزال؛ بما كسبت أيدي الناس من الشرك والكفر.

﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ ﴾ .

وهو الشرك، هذا أشبه.

وعن الحسن قال: (أفسدهم الله في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة؛ لعلهم يرجع من كان بعدهم ويتعظون بهم).

وقتادة يقول: لعل راجعاً يرجع، لعل تائباً يتوب، لعل مستغيثاً يستغيث، وأصله: لكي يلزمهم الرجوع والتوبة عما عملوا، وينبههم عن ذلك كله.

وقال بعضهم: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ، أي: أجدب البر وانقطعت مادة البحر؛ بذنوب الناس.

قال أبو عوسجة: الربا من الربو مثل ما يصنع أصحاب الربا، ﴿ لِّيَرْبُوَاْ ﴾ ، أي: ليزيد ويكثر؛ يقال: ربا ماله، أي: كثر.

والقتبي: يقول: أي: يزيدكم من أموال الناس من زكاة وصدقة.

وقوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ ﴾ .

قد ذكرنا في غير موضع: أنه ليس على حقيقة الأمر بالسير في الأرض؛ ولكن كأنه يقول: لو سرتم في الأرض ونظرتم لرأيتم عاقبة من كان قبلكم من المشركين، وهكذا في الرسل وما حل بهم؛ فينبهكم ويمنعكم عن تكذيب الرسل والشرك بالله.

أو أن يكون هو على الأمر بالفكر والنظر والاعتبار؛ كأنه يقول: تفكروا واعتبروا فيما سرتم في الأرض، وانظروا إلى ماذا صار عاقبة مكذبي الرسل من قبل؛ فينزل بكم بالتكذيب ما نزل بأولئك؟

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ ﴾ .

قد ذكرناه فيما تقدم في قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم من الله.

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: لا مرد له من الله، أي: لا يردون من ذلك اليوم إلى ابتداء المحنة؛ كقولهم: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ ﴾ الآية [الأنعام: 27]، وقولهم: ﴿ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، ثم أخبر عنهم فقال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ ، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا يردون إلى ما يسألون الرد.

والثاني: ﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا إقالة لهم من الله ولا عفو ولا توبة إذا أتاهم ذلك اليوم؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا...

﴾ الآية [الأنعام: 158].

وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ .

أي: يتفرقون؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ  ﴾ ، هو يوم الافتراق، ويوم الجمع، ويوم الفصل على اختلاف الأحوال والأوقات، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ .

أي: من كفر فعليه كفره وعليه ضرر كفره، ومن آمن وعمل صالحاً، فله ثواب إيمانه، وله منفعة عمله؛ لأنه - عز وجل - إنما امتحنهم بأنواع ما امتحن لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة له، وكذلك قوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ الآية [الإسراء: 7]، وهو ما ذكرنا أنه إنما أمرهم ونهاهم وامتحنهم؛ لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة لنفسه؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَمْهَدُونَ ﴾ ، قال بعضهم: يفترشون.

وقال أبو عوسجة والقتبي: فلأنفسهم يعملون ويوطئون، وهو من المهاد، والمهاد في الأصل: الفراش.

وقوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

هذا يدل أن الثواب والجزاء سبيل وجوبه الفضل في الحكمة؛ لما سبق من الله إليهم نعم ما لم يتهيأ لهم القيام بشكر واحدة منها، فضلا أن يقوموا للكل؛ فإذا كان كذلك صار الثواب والجزاء وجوبه الفضل لا الاستحقاق والاستيجاب وأما العقوبات فوجوبها الاستحقاق؛ إذ في الحكمة وجوبها؛ لذلك افترقا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ أي: يجزيهم في الآخرة بالخيرات التي عملوها في الدنيا، وذلك من فضله به نالوا ذلك وبفضله، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليجزي الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحات التي ترضي ربهم، إنه سبحانه لا يحبّ الكافرين به وبرسله، بل يمقتهم أشدّ المقت، وسيعذبهم يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.G0wzr"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده