الآية ٤٦ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٤٦ من سورة الروم

وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٍۢ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَلِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 60 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكر تعالى نعمه على خلقه في إرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها ولهذا قال تعالى "وليذيقكم من رحمته" أي المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد "ولتجري الفلك بأمره" أي في البحر وإنما سيرها بالريح "ولتبتغوا من فضله" أي في التجارات والمعايش والسير من إقليم إلى إقليم وقطر إلى قطر "ولعلكم تشكرون" أي تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تعد ولا تحصى.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) يقول تعالى ذكره: ومن أدلته على وحدانيته، وحججه عليكم، على أنه إله كلّ شيء (أنْ يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّراتٍ) بالغيث والرحمة (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) يقول: ولينـزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد، ولتجري السفن في البحار بها بأمره إياها(وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) يقول: ولتلتمسوا من أرزاقه ومعايشكم التي قسمها بينكم (وَلَعلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) يقول: ولتشكروا ربكم على ذلك، أرسل هذه الرياح مبشرات.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (الرّياحَ مُبَشِّراتٍ) قال: بالمطر.

وقالوا في قوله: (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) مثل الذي قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) قال: المطر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) : المطر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون .قوله تعالى : ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات أي ومن أعلام كمال قدرته إرسال الرياح مبشرات ؛ أي بالمطر لأنها تتقدمه .

وقد مضى في ( الحجر ) بيانه .

وليذيقكم من رحمته يعني الغيث والخصب .

ولتجري الفلك بأمره أي في البحر عند هبوبها .

وإنما زاد بأمره لأن الرياح قد تهب ولا تكون مواتية ، فلا بد من إرساء السفن والاحتيال بحبسها ، وربما عصفت فأغرقتها بأمره .

ولتبتغوا من فضله يعني الرزق بالتجارة ولعلكم تشكرون هذه النعم بالتوحيد والطاعة .

وقد مضى هذا كله مبينا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ومن الأدلة الدالة على رحمته وبعثه الموتى وأنه الإله المعبود والملك المحمود، { أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ } أمام المطر { مُبَشِّرَاتٍ } بإثارتها للسحاب ثم جمعها فتبشر بذلك النفوس قبل نزوله.{ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ } فينزل عليكم من رحمته مطرا تحيا به البلاد والعباد، وتذوقون من رحمته ما تعرفون أن رحمته هي المنقذة للعباد والجالبة لأرزاقهم، فتشتاقون إلى الإكثار من الأعمال الصالحة الفاتحة لخزائن الرحمة.{ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ } في البحر { بِأَمْرِهِ } القدري { وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } بالتصرف في معايشكم ومصالحكم.

{ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } من سخر لكم الأسباب وسير لكم الأمور.

فهذا المقصود من النعم أن تقابل بشكر اللّه تعالى ليزيدكم اللّه منها ويبقيها عليكم.وأما مقابلة النعم بالكفر والمعاصي فهذه حال من بدَّل نعمة اللّه كفرا ونعمته محنة وهو معرض لها للزوال والانتقال منه إلى غيره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ) تبشر بالمطر ( وليذيقكم من رحمته ) نعمة المطر وهي الخصب ( ولتجري الفلك بأمره ) بهذه الرياح ( بأمره ولتبتغوا من فضله ) لتطلبوا من رزقه بالتجارة في البحر ( ولعلكم تشكرون ) رب هذه النعم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن آياته» تعالى «أن يرسل الرياح مبشرات» بمعنى لتبشركم بالمطر «وليذيقكم» بها «من رحمته» المطر والخصب «ولتجري الفلك» السفن بها «بأمره» بإرادته «ولتبتغوا» تطلبوا «من فضله» الرزق بالتجارة في البحر «ولعلكم تشكرون» هذه النعم يا أهل مكة فتوحدوه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن آيات الله الدالة على أنه الإله الحق وحده لا شريك له وعلى عظيم قدرته إرسال الرياح أمام المطر مبشرات بإثارتها للسحاب، فتستبشر بذلك النفوس؛ وليذيقكم من رحمته بإنزاله المطر الذي تحيا به البلاد والعباد، ولتجري السفن في البحر بأمر الله ومشيئته، ولتبتغوا من فضله بالتجارة وغيرها؛ فعل الله ذلك من أجل أن تشكروا له نعمه وتعبدوه وحده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن آيات الله - تعالى - الدالة على قدرته ، وعن مظاهر فضله على الناس ورحمته بهم ، وعن الموقف الجحودى الذى وقفه بعضهم من هذه النعم .

.

قال - تعالى - : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ .

.

.

.

فَهُمْ مُّسْلِمُونَ ) .قوله - سبحانه - : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ ) بيان لأنواع أخرى من الظواهر الكونية الدالة على قدرته - عز وجل - .أى : ومن الآيات والبراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - ونفاذ قدرته ، أنه - سبحانه - يرسل بمشيئته وإرادته الرياح ، لتكون بشارة بأن من ورائها أمطارا ، فيها الخير الكثير للناس .قال الآلوسى : قوله : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح ) أى : الجنوب ، ومهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا ، والصبا : ومهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش .

والشمال : ومهبها من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر ، فإنها رياح الرحمة .

أما الدبور ومهبها من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل ، فريح العذاب .وقوله : ( وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الفلك بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ .

.

) بيان للفوائد التى تعود على الناس من إرسال الرياح التى تعقبها الأمطار ، وهو متعلق بقوله ( يُرْسِلَ ) .أى : يرسل الرياح مبشرات بالأمطار ويرسلها لمنحكم من رحمته الخصب والنماء لزرعكم ، وللتجرى الفلك عند هبوبها فى البحر بإذنه - تعالى - ولتبتغوا أرزاقكم من فضله - سبحانه - عن طريق الأسفار ، والانتقال من مكان إلى آخر ، ولكى تشكروا الله - تعالى - على هذه النعم : فإنكم إذا شكرتموه - سبحانه - على نعمه زادكم منها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات ﴾ لما ذكر أن ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح، لما ذكرنا غير مرة أن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضاً، ويذكر لأضراره سبباً لئلا يتوهم به الظلم فقال: ﴿ يُرْسِلَ الرياح مبشرات ﴾ قيل بالمطر كما قال تعالى: ﴿ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ  ﴾ أي قبل المطر ويمكن أن يقال مبشرات بصلاح الأهوية والأحوال، فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ ﴾ عطف على ما ذكرنا، أي ليبشركم بصلاح الهواء وصحة الأبدان ﴿ وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ ﴾ بالمطر، وقد ذكرنا أن الإذاقة تقال في القليل، ولما كان أمر الدنيا قليلاً وراحتها نزر قال: ﴿ وَلِيُذِيقَكُمْ ﴾ ، وأما في الآخرة فيرزقهم ويوسع عليهم ويديم لهم ﴿ وَلِتَجْرِىَ الفلك بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ لما أسند الفعل إلى الفلك عقبه بقوله: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ أي الفعل ظاهراً عليه ولكنه بأمر الله، ولذلك لما قال: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ ﴾ مسنداً إلى العباد ذكر بعده ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ أي لا استقلال لشيء بشيء وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الترتيب فنقول في الرياح فوائد، منها إصلاح الهواء، ومنها إثارة السحاب، ومنها جريان الفلك بها فقال: ﴿ مبشرات ﴾ بإصلاح الهواء فإن إصلاح الهواء يوجد من نفس الهبوب ثم الأمطار بعده، ثم جريان الفلك فإنه موقوف على اختبار من الآدمي بإصلاح السفن وإلقائها على البحر ثم ابتغاء الفضل بركوبها.

المسألة الثانية: قال في قوله تعالى: ﴿ ظَهَرَ الفساد...

لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ  ﴾ وقال هاهنا ﴿ وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ ﴾ فخاطب هاهنا تشريفاً ولأن رحمته قريباً من المحسنين فالمحسن قريب فيخاطب والمسيء بعيد فلم يخاطبهم، وأيضاً قال هناك بعض الذي علموا وقال هاهنا ﴿ مّن رَّحْمَتِهِ ﴾ فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته وفيه معنيان: أحدهما: ما ذكرنا أن الكريم لا يذكر لإحسانه ورحمته عوضاً، وإن وجد فلا يقول أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول هذا لك مني.

وأما ما فعلت من الحسنة فجزاؤه بعد عندي وثانيهما: أن ما يكون بسبب فعل العبد قليل، فلو قال أرسلت الرياح بسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة، وأما إذا قال: ﴿ مّن رَّحْمَتِهِ ﴾ كان غاية البشارة، ومعنى ثالث وهو أنه لو قال بما فعلتم لكان ذلك موهماً لنقصان ثوابهم في الآخرة، وأما في حق الكفار فإذا قال بما فعلتم ينبئ عن نقصان عقابهم وهو كذلك.

المسألة الثالثة: قال هناك ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ وقال هاهنا ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ قالوا وإشارة إلى أن توفيقهم للشكر من النعم فعطف على النعم.

المسألة الرابعة: إنما أخر هذه الآية لأن في الآيات التي قد سبق ذكرها قلنا إنه ذكر من كل باب آيتين فذكر من المنذرات ﴿ يُرِيكُمُ البرق ﴾ والحادث في الجو في أكثر الأمر نار وريح فذكر الرياح هاهنا تذكيراً وتقريراً للدلائل، ولما كانت الريح فيها فائدة غير المطر وليس في البرق فائدة إن لم يكن مطر ذكر هناك خوفاً وطمعاً، أي قد يكون وقد لا يكون وذكر هاهنا ﴿ مبشرات ﴾ لأن تعديل الهواء أو تصفيته بالريح أمر لازم، وحكمه به حكم جازم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الرياح ﴾ هي الجنوب والشمال والصبا، وهي رياح الرحمة.

وأما الدبور، فريح العذاب.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» وقد عدد الأغراض في إرسالها، وأنه أرسلها للبشارة بالغيث ولإذاقة الرحمة، وهي نزول المطر وحصول الخصب الذي يتبعه، والروح الذي مع هبوب الريح وزكاء الأرض.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض» وإزالة العفونة من الهواء، وتذرية الحبوب، وغير ذلك ﴿ وَلِتَجْرِىَ الفلك ﴾ في البحر عند هبوبها.

وإنما زاده ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ لأن الريح قد تهب ولا تكون مؤاتية، فلا بد من إرساء السفن والاحتيال لحبسها، وربما عصفت فأغرقتها ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ يريد تجارة البحر؛ ولتشكروا نعمة الله فيها.

فإن قلت: بم يتعلق وليذيقكم؟

قلت: فيه وجهان: أن يكون معطوفاً على مبشرات على المعنى، كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم.

وأن يتعلق بمحذوف تقديره: وليذيقكم، وليكون كذا وكذا: أرسلناها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ ﴾ الشَّمالَ والصَّبا والجَنُوبَ فَإنَّها رِياحُ الرَّحْمَةِ وأمّا الدَّبُّورُ فَرِيحُ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ«اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الرِّيحَ ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

﴿ مُبَشِّراتٍ ﴾ بِالمَطَرِ.

﴿ وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ﴾ يَعْنِي المَنافِعَ التّابِعَةَ لَها، وقِيلَ الخِصْبُ التّابِعُ لِنُزُولِ المَطَرِ المُسَبَّبِ عَنْها أوِ الرُّوحُ الَّذِي هو مَعَ هُبُوبِها والعَطْفُ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ( مُبَشِّراتٍ ) أوْ عَلَيْها بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ عَلى ( يُرْسِلَ ) بِإضْمارِ فِعْلٍ مُعَلِّلٍ دَلَّ عَلَيْهِ.

﴿ وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي تِجارَةَ البَحْرِ.

﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ومن آياته} أي ومن آيات قدرته {أَن يُرْسِلَ الرياح} هي الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة وأما الدبور فريح العذاب ومنه قوله عليه السلام للهم اجعلها رياحا ولا تحعلها ريحا وقد عدد الفوائد فى إرسلها فقال {مبشرات} أي أرسلها للبشارة بالغيث {وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ} ولإذاقة الرحمة وهي نزول المطر وحصول الخصب الذي يتبعه والروح الذي مع هبوب الريح وزكاء الأرض وغير ذلك وليذيقكم معطوف على مبشرات على المعنى كأنه قيل ليبشركم وليذيقكم {وَلِتَجْرِىَ الفلك} في البحر عند هبوبها {بأمره} أى بتدبيره أو تكوينه كقوله إنما أمره إذا اراد شئيا الآية {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يريد تجارة البحر {ولعلكم تشكرون} ولتشكروا

الروم (٥١ - ٤٧)

نعمة الله فيها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ ﴾ الجَنُوبَ ومَهَبُّها مِن مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلى مَطْلَعِ الثُّرَيّا، والصَّبا ومَهَبُّها مِن مَطْلَعِ الثُّرَيّا إلى بَناتِ نَعْشٍ، والشَّمالَ، ومَهَبُّها مِن بَناتِ نَعْشٍ إلى مَسْقَطِ النَّسْرِ الطّائِرِ، فَإنَّها رِياحُ الرَّحْمَةِ، وأمّا الدَّبُورُ، ومَهَبُّها مِن مَسْقَطِ النَّسْرِ الطّائِرِ إلى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ فَرِيحُ العَذابِ، وذُكِرَ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ تُلَقِّحُ السَّحابَ الماطِرَ وتَجْمَعُهُ، فَلِذا كانَتْ رَحْمَةً، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الشَّمالُ عِنْدَ العَرَبِ لِلرَّوْحِ، والجَنُوبُ لِلْأمْطارِ، والأنْداءِ، والصَّبا لِإلْقاحِ الأشْجارِ، والدَّبُورُ لِلْبَلاءِ، وأهْوَنُهُ أنْ تُثِيرَ غُبارًا عاصِفًا يُقْذِي العَيْنَ، وهي أقَلُّهُنَّ هُبُوبًا، ورَوى الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ ما كانَ يَفْعَلُهُ، ويَقُولُهُ  إذا هاجَتْ رِيحٌ: ««اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا»» وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الرِّياحَ لِلرَّحْمَةِ، والرِّيحَ لِلْعَذابِ، وفي النِّهايَةِ العَرَبُ تَقُولُ: لا تُلَقَّحُ السَّحابُ إلّا مِن رِياحٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْها لِقاحًا لِلسَّحابِ، ولا تَجْعَلْها عَذابًا، ثُمَّ قالَ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ مَجِيءُ الجَمْعِ في آياتِ الرَّحْمَةِ، والواحِدِ في قِصَصِ العَذابِ كالرِّيحِ العَقِيمِ، (ورِيحًا صَرْصَرًا)، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذاكَ لِأنَّ الرِّيحَ إذا كانَتْ واحِدَةً جاءَتْ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ فَصَدَمَتْ جِسْمَ الحَيَوانِ والنَّباتِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، فَتُؤَثِّرُ فِيهِ أثَرًا أكْثَرَ مِن حاجَتِهِ، فَتَضُرُّهُ ويَتَضَرَّرُ الجانِبُ المُقابِلُ لِعَكْسِ مَمَرِّها، ويَفُوتُهُ حَظُّهُ مِنَ الهَواءِ، فَيَكُونُ داعِيًا إلى فَسادِهِ، بِخِلافِ ما إذا كانَتْ رِياحًا، فَإنَّها تَعُمُّ جَوانِبَ الجِسْمِ، فَيَأْخُذُ كُلُّ جانِبٍ حَظَّهُ، فَيَحْدُثُ الِاعْتِدالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ تُفْرَدُ الرِّيحُ حَيْثُ لا عَذابَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ  ﴾ ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ  ﴾ ، والحَدِيثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَرَمَزَ السُّيُوطِيُّ لِحُسْنِهِ، وقالَ الحافِظُ الهَيْثَمِيُّ: في سَنَدِهِ حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، وهو مَتْرُوكٌ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ رِجالُ الصَّحِيحِ، ورَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ مِن هَذا الوَجْهِ، وأعَلَّهُ بِحُسَيْنٍ المَذْكُورِ، ونُقِلَ تَضْعِيفُهُ عَنْ أحْمَدَ، والنَّسائِيِّ.

نَعَمْ إنَّ الحافِظَ عَزاهُ في الفَتْحِ لِأبِي يَعْلى وحْدَهُ عَنْ أنَسٍ رَفَعَهُ، وقالَ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ فَلْيُحْفَظْ ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ «الرِّيحَ» مُفْرَدًا عَلى إرادَةِ مَعْنى الجَمْعِ ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ مُبَشِّراتٍ ﴾ أيْ بِالمَطَرِ ﴿ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ﴾ يَعْنِي المَنافِعَ التّابِعَةَ لَها كَتَذْرِيَةِ الحُبُوبِ، وتَخْفِيفِ العُفُونَةِ، وسَقْيِ الأشْجارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ والنِّعَمِ، وقِيلَ: الخِصْبُ التّابِعُ لِنُزُولِ المَطَرِ المُسَبَّبِ عَنْها، أوِ الرَّوْحُ الَّذِي هو مَعَ هُبُوبِها، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ، والواوُ لِلْعَطْفِ، والعَطْفُ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ( مُبَشِّراتٍ )، أيْ لِيُبَشِّرَكُمْ، ولِيُذِيقَكُمْ، أوْ عَلى ( مُبَشِّراتٍ ) بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَإنَّ الحالَ قَدْ يُقْصَدُ بِها التَّعْلِيلُ نَحْوُ: أهِنْ زَيْدًا مُسِيئًا، أيْ لِإساءَتِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِتُبَشِّرَكُمْ، ولِيُذِيقَكُمْ، وكَوْنُهُ مِن عَطْفِ التَّوَهُّمِ تَوَهُّمٌ، أوْ عَلى ( يُرْسِلَ ) بِإضْمارِ فِعْلٍ مُعَلِّلٍ، والتَّقْدِيرُ: ويُرْسِلَها لِيُذِيقَكُمْ، وكَوْنُ التَّقْدِيرِ: ويُجْرِيَ الرِّياحَ لِيُذِيقَكم بَعِيدٌ، قِيلَ: أوْ عَلى جُمْلَةِ (ومِن آياتِهِ) إلَخْ، بِتَقْدِيرِ: ولِيُذِيقَكم أرْسَلَها أوْ فَعَلَ ما فَعَلَ، ولَمْ يَعْتَبِرْهُ بَعْضُهُمْ، لِأنَّ المَقْصُودَ انْدِراجُ الإذاقَةِ في الآياتِ، وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، ﴿ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ ﴾ في البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِها بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما جِيءَ بِهَذا القَيْدِ، لِأنَّ الرِّيحَ قَدْ تَهُبُّ، ولا تَكُونُ مُواتِيَةً، فَلا بُدَّ مِنَ انْضِمامِ إرادَتِهِ تَعالى، وأمْرِهِ سُبْحانَهُ لِلرِّيحِ حَتّى يَتَأتّى المَطْلُوبُ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هُبُوبَها مُواتِيَةً أمْرٌ مِن أُمُورِهِ تَعالى الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ بِتِجارَةِ البَحْرِ، ﴿ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ أيْ ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى فِيما ذَكَرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ يعني: ومن علامات وحدانيته أن يعرفوا توحيده بصنعه، أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّراتٍ بالمطر.

ويقال: يستبشر بها الناس.

ويقال: فإذا كان الاستبشار به ينسب الفعل إليه وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ يعني: ليصيبكم من نعمته وهو المطر وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ يعني: السفن تجري في البحر بالرياح بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني: لتطلبوا في البحر من رزقه كل هذا بالرياح وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رب هذه النعم فتوحّدوه.

لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا محمدسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالأمر والنهي، فكذبوهم كما كذب قومك انْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بالعذاب يعني: من الذين كفروا كانَ حَقًّا عَلَيْنا يعني: واجباً عليناصْرُ الْمُؤْمِنِينَ بالنجاة مع رسولهم.

وإنما هو وجوب الكرم، لا وجوب اللزوم.

ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا، فقال الله عزَّ وَجَلَّ: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً يعني: تدفعه وتهيجه.

يقال: ثار الغبار إذا ارتفع فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ يعني: كيف يشاء الله عز وجل.

إن شاء بسطه مسيرة يوم أو أكثر وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً يعني: قطعاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ يعني: المطر يخرج من خلاله، من وسط السحاب فَإِذا أَصابَ بِهِ يعني: بالمطر مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يعني: يفرحون بنزول المطر عليهم قرأ ابن عامر كِسَفاً بالجزم.

وقرأ الباقون: بالنصب.

ثم قال عز وجل: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ أي: من قبل نزول المطر عليهم.

لَمُبْلِسِينَ يعني: آيسين من المطر.

وقال الأخفش: تكرير قبل للتأكيد.

وقال قطرب: الأول للتنزيل، والثاني للمطر.

ثم قال: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ يعني: ألوان النبات من أثر المطر منه الأخضر، والأحمر، والأصفر.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وابن عامر إلى آثار رحمة الله بلفظ الجماعة.

قرأ الباقون بلفظ الوحدان، لأن الوحدان يغني عن الجمع.

ثم قال: كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها حين لم يكن فيها نبات إِنَّ ذلِكَ يعني: هذا الذي فعل لَمُحْيِ الْمَوْتى في الآخرة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا يعني: الزرع متغيّراً بعد خضرته لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ يعني: لصاروا، وأصله العمل بالنهار.

ويستعمل في موضع صار كقوله أصبح وأمسى يوضع موضع صار مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ أي: من بعد اصفراره يكفرون النعم.

يقول: لو فعلت ذلك لفعلوا هكذا.

ويقال: قوله: فَرَأَوْهُ إشارة إلى النبات، لأن الريح مؤنثة.

وإنما أراد ما ينبت بالمطر.

ويقال: معناه أنهم يستبشرون إذا رأوا الغيث، ويكفرون إذا انقطع عنهم النبات.

ثم ضرب لهم مثلاً آخر فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فِطْرَتَ اللَّهِ ...

الآية، إلى الْقَيِّمُ فذكرُ الأبوين إنما هما مثالٌ للعَوارِض التي هي كثيرةُ.

وقال البخاريُّ: فِطْرَةُ اللهِ: هِيَ الإسْلاَمُ «١» ، انتهى.

وقوله تعالى: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يحتمل أنْ يريدَ بها هذه الفطرةَ، ويحتمل أن يريدَ بها الإنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول: أقم وجهَك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإنَّ هؤلاءِ الكفرة قد خلق الله لهم الكفر، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، أي: أنهم لا يفلحون، وقيل غيرُ هذا، وقال البخاري: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي:

لدين الله، وخُلُق الأولين: دينهم.

انتهى.

والْقَيِّمُ بناءُ مبَالَغَةٍ مِنَ القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، ومُنِيبِينَ يحتمل أنْ يكونَ حالاً من قوله فَطَرَ النَّاسَ لا سِيَّمَا عَلى رَأْي مَنْ رَأَى أَنَّ ذلكَ خصوصٌ في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالا من قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ وجمعه: لأن الخطاب بإقامة الوجه هو للنبي/ صلى الله عليه وسلّم ولأمته نظيرها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ٦٦ ب إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] .

والمشركون المشار إليهم في هذه الآية: هم اليهودُ والنصارى قاله قتادة «٢» ، وقيل غير هذا.

فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)

وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ...

الآية، ابتداءُ إنحاءٍ على عَبَدَةِ الأَصْنَام.

قال ع «١» : ويلحق من هذه الألفاظ شيءٌ للمؤمنين إذا جاءهم فَرَجٌ بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين، أو بحذق آرائهم، وغير ذلك لأن فيه قلة شكر للَّه تعالى ويسمى تَشْرَيكاً مجَازاً.

والسلطانُ هنا البرهانُ من رسولٍ أو كتابٍ، ونحوه.

وقوله تعالى: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ معناه فهو يُظْهِر حجتَهم، ويغلبُ مذهبَهم، وينطق بشركهم.

ثم قال تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها ...

الآية، وكل أحد يأخذ من هذه الخُلُقِ بقسطِ، فالمقل والمكثر، إلا من ربطتِ الشريعةُ جأشَه، ونَهَجَتِ السنة سبيلَه، وتأدَّب بآداب الله، فصبر عند الضراء وشكر عند السراء، ولم يَبْطُرْ عند النِّعْمَةِ، ولا قنط عند الابتلاءِ، والقَنَطُ: اليأسُ الصريحُ.

ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم يَيْأْسْ من رَّوْح اللهِ- وهو أنه سبحانه يَخُصُّ من يشاء من عبادهِ بِبَسْطِ الرزق، ويقدر على من يشاء منهم.

فينبغي لكلِ عَبْدٍ أنْ يكونَ راجياً ما عند ربه.

ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أمراً تَدْخُلُ فيه أمته- على جهة الندب- بإيتاء ذي القربى حقَّه من صلة المالِ، وحسنِ المعاشرة ولين القول، قال الحسن «٢» : حقه المواساةُ في اليُسْر، وقولٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ.

قال ع «٣» : ومعظمُ ما قُصِدَ أمر المعونة بالمال.

وقرأ الجمهور: وَما آتَيْتُمْ بمعنى: أعطيتم، وقرأ ابن كثير «١» بغير مد، بمعنى:

وما فعلتم، وأجمعوا على المد في قوله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ والربا: الزيادة.

قال ابن عباس «٢» وغيره: هذه الآية نزلتُ في هباتِ الثَّوابِ.

قال ع «٣» : وما جَرَى مَجْرَاها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسِّلمِ وغيرِه، فهو وإن كانَ لاَ إثْمَ فيه فَلا أجْرَ فيه ولاَ زيادة عند الله تعالى، وما أعْطَى الإنسانُ تَنْمِيَةً لِمالهِ وتطهيراً يريدُ بذلك وَجْهَ اللَّه تعالى فذلك هُو الذي يُجَازَى به أضعَافاً مضَاعَفَةً على ما شاء الله له.

وقرأ جمهور السبعةِ «ليربوا» بإسناد الفِعل إلى الربا، وقرأ «٤» نافعٌ وحدَه «لِتُرْبُوا» وباقي الآية بيِّن.

ثم ذكر تعالى- على جهة العبرة- ما ظهرَ من الفسَادِ بسبب المعَاصي، قال مجاهد: البَرُّ البلاد البعيدة من البحر، والبحرُ السواحلُ والمدنُ التي على ضِفَّة البحرِ «٥» ، وظهورُ الفساد فيهما: هو بارتفاعِ البركاتِ، ووقوعِ الرزايا، وحدوثِ الفتنِ.

وتغلب العدوِّ، وهذه الثلاثةُ توجَد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفسادُ في البحر:

انقطاع صَيْدِه بذَنَوب بني آدم «٦» ، وقلما توجد أمة فاضلةٌ مُطِيعَةٌ مُسْتَقِيمَةُ الأعمال إلا يدفعُ الله عنها هذه الأمور، والأمرُ بالعكس في المعاصي، وبطر النعمة ليذيقهم عاقبة بعض ما عملوا ويعفوا عن كثير.

ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، أي: يتوبون ويراجعونَ بصائَرهم فِي طاعةِ ربهِم ثم حذَّر- تعالى- من يومِ القيامةِ تحذيراً يَعُمُّ العالمَ وإياهُمُ المقصد بقوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ الآية وَلاَ مَرَدَّ لَهُ: معناه:

لَيْسَ فِيه رُجُوعٌ لِعَمَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُريد/ لاَ يَردُّهُ رَادٌّ.

وهذا ظاهر بحسب اللفظ ٦٧ أويَصَّدَّعُونَ: معناه: يَتَفَرَّقُونَ بعد جمعهم إلى الجنةِ وإلى النار.

ثم ذكر تعالى من آياته أشياءَ وهي ما في الرِّيحِ من المنافِع وذلك أنها بشرى بالمطر ويُلَقَّحُ بها الشجر، وغير ذلك،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ﴾ تُبَشِّرُ بِالمَطَرِ ﴿ وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ﴾ وهو الغَيْثُ والخِصْبُ ﴿ وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ ﴾ في البَحْرِ بِتِلْكَ الرِّياحِ ﴿ بِأمْرِهِ ﴾ ﴿ وَلِتَبْتَغُوا ﴾ بِالتِّجارَةِ في البَحْرِ ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ وهو الرِّزْقُ؛ وكُلُّ هَذا بِالرِّياحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بِالدَّلالاتِ عَلى صِدْقِهِمْ ﴿ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ أيْ: عَذَّبْنا الَّذِينَ كَذَّبُوهم ﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا ﴾ أيْ: واجِبًا هو أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ ﴿ نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ إنْجاؤُهم مَعَ الرُّسُلِ مِن عَذابِ المُكَذِّبِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِن الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ اللامُ في "لِيَجْزِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"يَصَّدَّعُونَ"، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ، أو: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما تَقَرَّرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ  ﴾ ﴿ وَمَن عَمِلَ صالِحًا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ لَيْسَ الحُبُّ بِمَعْنى الإرادَةِ، ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ أماراتِ رَحْمَتِهِ، ولا يَرْضاهُ لَهم دِينًا، ونَحْوُ هَذا.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن آياتِهِ أشَياءَ تَقْتَضِي كُلُّ عَقْلٍ بِأنَّهُ لا مُشارَكَةَ لِلْأوثانِ فِيها، وهي ما في الرِيحِ مِنَ المَنافِعِ، وذَلِكَ أنَّها بُشْرى بِالمَطَرِ، ويُذِيقُ اللهُ بِها الرَحْمَةَ، يَعْنِي الغَيْثَ والخِصْبَ، ويُلَقِّحُ بِها الشَجَرَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُجْرِي بِها السُفُنَ في البَحْرِ، ويَبْتَغِي الناسُ بِها فَضْلَ اللهِ تَعالى في التِجاراتِ في البَحْرِ، وفي ذَرْوِ الأطْعِمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ آنَسَ مُحَمَّدًا  بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مِثْلَ مَن أُرْسِلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ وعَدَ تَعالى مُحَمَّدًا  وأمَّتَهُ النَصْرَ؛ إذْ أخْبَرَ أنَّهُ جَعَلَهُ حَقًّا عَلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى، و"حَقًّا" خَبَرُ "كانَ" قَدَّمَهُ اهْتِمامًا، لِأنَّهُ مَوْضِعُ فائِدَةِ الجُمْلَةِ، وبَعْضُ القُرّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ وقَفَ عَلى قَوْلُهُ: "حَقًّا"، وجَعْلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿ عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرْضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عود إلى تعداد الآيات الدالة على تفرده بالإلهية فهو عطف على جملة ﴿ ومن ءاياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ [الروم: 25] وما تخلل بينهما من أفانين الاستدلال على الوحدانية والبعث ومن طرائق الموعظة كان لتطرية نشاط السامعين لهذه الدلائل الموضّحة المبينة.

والإرسال مستعار لتقدير الوصول، أي يُقدر تكوين الرياح ونظامها الذي يوجهها إلى بلد محتاج إلى المطر.

والمبشرات: المؤذنة بالخير وهو المطر.

وأصل البشارة: الخبر السارّ.

شبهت الرياح برسل موجهة بأخبار المسرّة.

وتقدم ذكر البشارة عند قوله تعالى: ﴿ وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ﴾ في سورة البقرة (25)، وقوله ﴿ وإذا بُشِّر أحدُهم بالأنثى ﴾ في سورة النحل (58)، وذلك أن الرياح تسوق سحاب المطر إلى حيث يمطر.

وتقدم الكلام على الرياح في آيات كثيرة منها قوله تعالى ﴿ وتصريف الرياح ﴾ في سورة البقرة (164) وعلى ﴿ كونها لواقح ﴾ في سورة الحجر (22).

وقوله ﴿ وليذيقكم ﴾ عطف على ﴿ مُبشرات ﴾ لأن ﴿ مبشرات ﴾ في معنى التعليل للإرسال.

وتقدم الكلام على الإذاقة آنفاً.

و ﴿ من رحمته ﴾ صفة لموصوف محذوف دل عليه فعل ﴿ ليذيقكم ﴾ أي: مذوقاً.

و ﴿ مِن ﴾ ابتدائية، ورحمة الله: هي المطر.

وجريان الفلك بالرياح من حكمة خلق الرياح ومن نعمه، وتقدم في آية سورة البقرة (164).

والتقييد بقوله ﴿ بأمره ﴾ تعليم للمؤمنين وتحقيق للمِنة، أي: لولا تقدير الله ذلك وجعله أسباب حصوله لما جرت الفلك، وتحت هذا معان كثيرة يجمعها إلهام الله البشر لصنع الفلك وتهذيب أسباب سيرها.

وخلق نظام الريح والبحر لتسخير سيرها كما دل على ذلك قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ وقد تقدم ذلك في سورة الحج (36)، وتقدم هنالك معنى ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: بِالغَيْثِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: بِخِصْبِ الزَّمانِ وصِحَّةِ الأبْدانِ.

وَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّياحِ فَهو رَحْمَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّيحِ فَهو عَذابٌ.

وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: الرِّيحُ ثَمانِيَةٌ، أرْبَعَةٌ مِنها رَحْمَةٌ وأرْبَعَةٌ مِنها عَذابٌ، فَأمّا الرَّحْمَةُ فالنّاشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والذّارِياتُ، وأمّا العَذابُ فالعَقِيمُ والصَّرْصَرُ وهُما في البَرِّ، والعاصِفُ والقاصِفُ وهُما في البَحْرِ.

﴿ وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بَرْدُها وطِيبُها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: المَطَرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

﴿ وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ.

﴿ بِأمْرِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِقُدْرَتِهِ في تَسْيِيرِها.

الثّانِي: بِرَحْمَتِهِ لِمَن فِيها.

﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ يَعْنِي ما عَدَّدَهُ مِن نِعَمِهِ فَتُطِيعُوهُ لِأنَّ طاعَةَ العَبْدِ لِرَبِّهِ في شُكْرِهِ لِنِعْمَتِهِ إذْ لَيْسَ مَعَ المَعْصِيَةِ شُكْرٌ ولا مَعَ كُفْرِ النِّعْمَةِ طاعَةٌ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَصْرُ الأنْبِياءِ بِإجابَةِ دُعائِهِمْ عَلى المُكَذِّبِينَ لَهم مِن قَوْمِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: نَصْرُ المُؤْمِنِينَ بِإيجابِ الذَّبِّ عَنْ أعْراضِهِمْ، رَوَتْ أُمُّ الدَّرْداءِ، قالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأقم وجهك للدين القيم ﴾ قال: الإِسلام ﴿ من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ يومئذ يصدعون ﴾ قال: فريق في الجنة، وفريق في السعير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يومئذ يصدعون ﴾ قال: يتفرقون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يومئذ يصدعون ﴾ يومئذ يتفرقون.

وقرأ ﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون، وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ﴾ قال: هذا حين يصدعون يتفرقون إلى الجنة والنار.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في عذاب القبر عن مجاهد في قوله: ﴿ فلأنفسهم يمهدون ﴾ قال: يسوّون المضاجع في القبر.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ﴾ قال: بالمطر ﴿ وليذيقكم من رحمته ﴾ قال: المطر ﴿ ولتجري الفلك بأمره ﴾ قال: السفن في البحار ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ قال: التجارة في السفن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ قال ابن عباس: بالمطر (١) ﴿ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ قال: يريد الغيث والخَصْب.

قال صاحب النظم: هو معطوف على تأويل: ﴿ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ على نظم: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ ﴾ ليبشركم وليذيقكم من رحمته، ولتجري الفلك في البحر بتلك الرياح بأمره، ولتبتغوا في البحر من فضله، يعني: الرزق بالتجارة.

قال مقاتل: كل هذا بالرياح ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ هذه النعمة فتوحدونه.

(١) "تنوير المقباس" ص 342، وأخرجه ابن جرير 21/ 53، عن مجاهد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ أي تبشر بالمطر ﴿ وَلِيُذِيقَكُمْ ﴾ عطف على ﴿ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ كأنه قال: ليبشركم وليذيقكم ويحتمل أن يتعلق بمحذوف تقديره: ليذيقكم ﴿ مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ أرسلها ﴿ وَكَانَ حَقّاً ﴾ انتصب حقاً لأنه خبر كان واسمها ﴿ نَصْرُ المؤمنين ﴾ ، وقيل: اسمها مضمر يعود على مصدر انتقمنا: أي كان الانتقام حقاً، فعلى هذا يوقف على ﴿ حَقّ ﴾ ويكون ﴿ نَصْرُ المؤمنين ﴾ مبتدأ وهذا ضعيف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آتيتم من رباً ﴾ مقصوراً: ابن كثير ﴿ لتربوا ﴾ بضم التاء وسكون الواو على الجمع: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لنذيقهم ﴾ بالنون: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يرسل الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ كسفاً ﴾ بالسكون: يزيد وابن ذكوان ﴿ آثار ﴾ على الجمع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ ضعف ﴾ وما بعده بفتح الضاد: حمزة وعاصم غير للفضل.

الباقون: بالضم وهو اختيار خلف وحفص ﴿ لا ينفع ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم.

والآخرون: بتاء التأنيث ﴿ لا يستخفنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ يشركون ﴾ ه لا وقد يوقف على توهم لام الأمر ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول إلى الخطاب وابتداء أمر التهديد ﴿ فتمتعوا ﴾ قف لاستئناف التهديد ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج ط فصلاً بين النقيضين ﴿ يقنطون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط ﴿ وجه الله ﴾ ز ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج ط لعطف جملتي الشرط ﴿ المضعفون ﴾ ه ﴿ يحييكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يصدّعون ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ج لما مر ﴿ يمهدون ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل اللام للقسم وحذف نون التأكيد ﴿ من فضله ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ أجرموا ﴾ ط وقيل: يوقف على ﴿ حقاً ﴾ أي وكان الانتقام حقاً.

ثم ابتداً علينا أي واجب علينا ﴿ نصر المؤمنين ﴾ ه ﴿ خلاله ﴾ ط ج للشرط مع الفاء ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ لمبلسين ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع العدول عن بيان الإحياء إلى بيان القدرة ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ وشيبة ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ج ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ القدير ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ غير ساعة ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يوم البعث ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ لا تعلمون ﴾ 5 ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ مبطلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ لا يوقنون ﴾ ه.

التفسير: لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس والإذاقة دليل على أن الإِنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء.

وإنما قال ﴿ إذا فريق منهم ﴾ ولم يقل "إذا هم يشركون" كما قال في آخر "العنكبوت"، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وههنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك.

ثم استفهم على سبيل الإِنكار قائلاً ﴿ أم أنزلنا ﴾ كأنه قال: إذا تقررت الحجج المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما يقولون؟

وإسناد التكلم إلى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا.

و"ما" في قوله ﴿ بما كانوا ﴾ مصدرية والضمير في ﴿ به ﴾ لله أو موصولة والضمير لها اي بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه ﴿ يشركون ﴾ وحين ذكر الشرك الظاهر أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا منع وعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ذلك.

وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم معاصيهم ليدل على عدله.

والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون بالمنعم.

والقنوط من رحمة الله أيضاً مذموم كما مر في قوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله غلا القوم الكافرون  ﴾ ثم اشار بقوله ﴿ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في الحالين على الله.

ففي حالة الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال ﴿ إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون ﴾ ولا يخفى أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال ﴿ أولم يروا ﴾ وقال في "الزمر" ﴿ أولم يعلموا  ﴾ مناسبة لما قبله وهو ﴿ أوتيته على علم  ﴾ وقوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ قال جار الله: لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ايديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك قائلاً ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ الآية.

وأقول: لما بين كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلاً ﴿ فآت ﴾ أيها المكلف أو النبي والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله ﴿ فأقم وجهك  ﴾ وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإِنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان.

وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف.

وإنما قال ﴿ ذا القربى ﴾ ولم يقل "القريب" ليكون نصاً في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من ابناء السبيل.

وفي قوله ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ دون أن يقول "فآت هذه الأصناف حقوقهم" تشريف لذوي القرابة حيث جعل الصنفين الآخرين تابعاً لهم على الإطلاق.

فإنه إذا قال الملك: خل فلاناً يدخل وفلاناً أيضاً كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلاناً وفلاناً يدخلان ﴿ ذلك ﴾ الإيتاء ﴿ خير ﴾ في نفسه أو خير من المنع ﴿ للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذاته أو جهة قربته فإن من أنفق ألوفاً رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفاً لوجه الله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ كقوله في أول "البقرة" لأن قوله ﴿ فأقم وجهك  ﴾ إشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله ﴿ وآت ذا القربى ﴾ أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة.

وفي قوله ﴿ يريدون وجه الله ﴾ إشارة إلى الاعتراف بالمعاد.

ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر الربا استطراداً.

فمن قرأ ممدوداً فظاهر، ومن قرأ مقصوراً فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة الأخرى ليزيد في أموالهم ﴿ فلا يربو ﴾ فلا يزكو ولا ينمو ﴿ عند الله ﴾ لأنه يمحق بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة ﴿ يمحق الله الربا ويربى الصدقات  ﴾ قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون.

وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء لأجل عوض زائد، فبين الله  أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان مباحاً.

وفي الحديث "الجانب المستغزر يثاب عن هبته" أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئاً فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه.

قال جار الله: في قوله ﴿ فأولئك ﴾ التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح لهم من أن يقول "فأنتم المضعفون" أي ذوو الإضعاف من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، ولارابط محذوف أي هم المضعفون به.

وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون.

قالت العلماء: أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفاً فإن الله يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه قصراً في الجنة فإن الله  يعطيه عشرة قصور تفضلاً.

ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعدها نظراً إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ قال جار الله: "من" الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم.

قلت: الأولى للتبعيض كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من تلك الأشياء للتوسعة المذكورة أيضاً.

ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شيء.

وفسره ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي الأمصار بحاراً ﴿ لنذيقهم ﴾ وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها في الآخرة إرادة أن يرجعوا عماهم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر والمعاصي في الأرض براً وبحراً بكسب الناس.

وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ لنذيقهم ﴾ لام العاقبة.

ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم كقوم نوح وعاد وثمود ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظاً عليهم.

أو هو كقوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة  ﴾ أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة كالمعطلة والمجسمة ونحوهم.

خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله ﴿ فأقم ﴾ كأنه قال: وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل ﴿ فاقم وجهك للدين ﴾ البليغ الاستقامة ﴿ من قبل أن يأتي ﴾ من الله ﴿ يوم ﴾ لا يرده راد.

ويجوز أن يتعلق قوله ﴿ من الله ﴾ بقوله ﴿ لا مردّ ﴾ أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلاً ﴿ يومئذ يصدّعون ﴾ أي يتصدعون والتصدع التفرق.

ثم بين وجه تفرق الناس بقوله ﴿ من كفر فعليه كفره ﴾ اي وبال كفره عليه لا على غيره ﴿ ومن عمل صالحاً ﴾ أي آمن وعمل صالحاً لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإِيمان، على أن الإِيمان، أيضاً عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ومعنى ﴿ يمهدون ﴾ يوطؤن كما يسوّي الراقد مضجعه وجوز جار الله أن يراد فعلى أنفسهم يشفقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت.

وذلك ان الإشفاق يلزمه التمهيد عرفاً وعادة.

ثم بين غاية التمهيد بقوله ﴿ ليجزي ﴾ وقوله ﴿ من فضله ﴾ عند أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب.

وفي قوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك.

قال جار الله: تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح.

وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس.

قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولاً ثم المؤمن، وفي الآية الثانية قرر أولاً أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر.

أو أراد أن قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ دل بصريحه على ثواب المؤمن وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ دل بصريحه على حرمان الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن.

فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر للآخر.

وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية بقوله ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح ﴾ ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سبباً ويذكر لأضراره سبباً.

ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جداً لا تهب إلا حيناً، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحاً واحداً أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحاً اعتدلت ونفعت.

قوله ﴿ مبشرات ﴾ أي بالمطر كقوله ﴿ بشراً بين يدي رحمته  ﴾ وقيل: أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان.

وقوله ﴿ وليذيقكم ﴾ إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي وليكون كذا وكذا أرسلناها.

وفي قوله ﴿ بأمره ﴾ إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام.

وفي قوله ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ دلالة على أن ركوب البحر لأجل التجارة جائز.

وفي قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ إشارة إلى أن نعم الله  يجب أن تقابل بالشكر.

وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف قوله ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا يرجعون ﴾ تشريفاً لأهل الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع تسلية النبي  بقوله ﴿ ولقد ارسلنا ﴾ واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة المجرمين الذين لم يصدِّقوا رسلهم الإنتقام منهم، وعاقبة الذين صدَّقوهم النصر والظفر على الأعداء.

وفي قوله ﴿ حقاً علينا ﴾ تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء.

ثم أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على الاتصال والمتفرق بعضها كسفاً اي قطعاً.

وقوله ﴿ فترى الودق ﴾ أي المطر يخرج من خلاله قد مر في النور.

ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله وقوله ﴿ من قبله ﴾ مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم.

وقيل: اراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس.

ثم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ .

ثم أكد تزلزل الإنسان وتذبذبه وأنه بأدنى سبب يكفر بنعمة الله فقال ﴿ ولئن أرسلنا ريحاً ﴾ ضارة باردة أو حارة ﴿ فرأوه ﴾ اي رأوا أثر الرحمة وهو النبات.

ومن قرأ آثار فالضمير عائد إلى المعنى لأن آثار الرحمة النبات أيضاً واسم النبات يقع على القليل والكثير، وإنما قال ﴿ مصفراً ﴾ ولم يقل "أصفر" لأن تلك الصفرة حادثة.

وقيل: فرأوا السحاب مصفراً لأنه إذا كان كذلك لم يمطر.

ثم زاد في تسلية رسوله بقوله ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ إلى قوله ﴿ فهم مسلمون ﴾ وقد مر في آخر النمل.

ثم أعاد من دلائل التوحيد دليلاً آخر من الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله وأطواره وتقلبه من ضعف الطفولية إلى قوة الشباب والكهولة ومنها إلى ضعف الهرم.

وفي قوله ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ إشارة إلى أن أساس أمر الإنسان الضعف كقوله ﴿ خلق الإنسان من عجل  ﴾ وقيل: من ضعف اي من نطفة.

وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم القدير.

وقوله ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ كقوله في دليل الآفاق ﴿ فيبسطه في السماء كيف يشاء  ﴾ والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة.

ثم عاد إلى ذكر المعاد وأحوال القيامة، وذكر أن الكفار يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وأن أهل العلم والإيمان وهم الملائكة والأنبياء وغيرهم حالهم بالعكس.

وذلك أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها.

ومعنى ﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون عن الصدق والتحقيق أي هكذا كان أمرهم في الدنيا مبيناً على الظن الكاذب وكانوا يصرون بمثله.

ويحتمل أن يكونوا ناسين أو كاذبين.

ومعنى في كتاب الله في اللوح والمحفوظ أو في علمه وقضائه، أو فيما كتب وأوجب.

وفيه رد قول الكفار وإلاع لهم على مصدوقية الحال.

قال جار الله: في الحديث "ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون" قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون الف سنة.

وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم.

والفاء في قوله ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وبه تبين بطلان قولكم ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ أنه حق.

ثم بين أن ذلك اليوم لا يقبل فيه عذر من أهل الشرك وسائر أنواع الظلم ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ أي لا يطلب منهم الرضا فلا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة، وقد مر في "النحل".

ثم بين أن القرآن مشحون بقصص وأخبار كلها كالمثل في غرابتها وحسن مواقعها، وأن الرسول مهما جاءهم بدليل أنكروه لأن الذي اجترأ على العناد في دليل واحد، والأغلب أن يتجرأ على أمثاله وهذا نتيجة الطبع والخذلان، فلا علاج في مثل هذه القضية إلا بالصبر وتحمل أعباء الرسالة إلى إنجاز وعد الله بالنصرة وإعلاء الدين.

ومعنى ﴿ لا يستخفنك ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق قوم شاكون فأمثال هذه الأفعال والأقوال لا تستبعد من أهل الريب والضلال أمر أن لا يضجر ويشتغل بالدعاء إلى الحق حتى يأتي أوان النصر والظفر والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ .

إن في الرياح آيات في نفسها، وفيها بشارات.

أما الآيات: فهي آيات سلطانه وتدبيره من وجوه: أنه أنشأ هذه الرياح في الهواء وفي الأرض وفي الجبال وفي السماء، تصيب الخلائق وتميتهم وتؤذيهم وتصرعهم وتضرهم، من غير أن يروها أو يقع عليها البصر، ومن غير أن يدركوها أو يدركوا كيفيتها، أو ما يتهيأ؛ ليعلم أن من الأجسام ما هي غير مدركة ولا أخذ البصر عليها.

وترى منها طيبة لينة، وخبيثة وشديدة كاسرة عاصفة، يعذب بها قوم، وينصر بها قوم؛ على ما ذكر في الخبر عن رسول الله  أنه قال: "نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهِلكَ عادٌ بالدَّبور" ومن بشارتها: ما تلقح الأشجار والنخيل، وتشق الأرض وينبت النبات منها، وتجمع السحاب وتأتي بالمطر، وتجري بهم السفن والفلك في البحار في الماء الراكد والفلك لولا الريح، فذلك كله من البشارة وأنواع المنافع التي جعل فيها، يعلم كلٌ بالأعلام والآثار أنها نافعة أو ضارة مهلكة؛ ثم سماها: مبشرات؛ ليعلم أن البشارة قد تكون بدون النطق والكلام: من نحو الكتاب والإشارة أو الرسالة؛ إذ ليس للريح نطق ولا كلام، ثم سماها: مبشرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ .

هذا يدل أن هذه البشارة والمنافع التي جعل لهم كان من رحمته وفضلا، لا استيجابا ولا استحقاقا، وسمى ذلك كله: رحمة؛ لأنه برحمته يكون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ ﴾ .

قوله: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ يحتمل بتدبيره، أي: بتدبيره تجري السفن في البحار، على ما ذكرنا.

أو أن يريد بأمره: تكوينه، كقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

هذا يدل على أن ما يصل إليهم من المنافع إنما يصل من فضله ورحمته، لا يصل إليهم بتلك الأسباب والمكاسب؛ لئلا يروا ذلك من تلك الأسباب، ولكن يرون ذلك من فضل الله ورحمته.

وقوله: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

أي: لكي يلزمهم الشكر لله على ذلك كله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ ﴾ .

في هذه الآية يصبر رسول الله على أذى الكفرة؛ حيث قال: ﴿ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

وفيه أيضاً بشارة للمؤمنين، ونذارة لأولئك الكفرة.

أما النذارة لهم فقوله: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ ﴾ ، أخبر أن أولئك لما كذبوا الرسل، وعاملوهم بما تعاملون أنتم يأهل مكة رسول الله؛ فانتقمنا منهم جزاء معاملتهم؛ فعلى ذلك ينتقم منكم كما انتقم من أولئك.

وأما البشارة للمؤمنين فقوله: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ ﴾ ، أخبر أن عاقبة الأمور تكون للمؤمنين.

وفيه أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا من البشر؛ فكيف تنكرون رسالة محمد إذ كان من البشر.

وفيه: [أنه] قد أتى قومه بالبينات كما أتى أولئك الرسل قومهم بالبينات.

وقوله: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ ﴾ .

هو يخرج على وجهين: أحدهما: أي: كان حقّاً علينا جعل العاقبة للمؤمنين، لا أن يكون عليه حقّاً نصر المؤمنين في الدنيا؛ ولكن جعل العاقبة للمؤمنين حقّاً؛ كقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: كان حقّاً علينا نصر المؤمنين بالحجج التي أعطاهم، أي: كان حقا إعطاء الحجج لهم والنصر والمعونة بالحجج، أي: إعطاء الحجج لهم.

وقال بعضهم: نصره إياهم: أنه أنجاهم مع الرسل، وأهلك أولئك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ﴾ .

كأنه يخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث أنشأ الرياح بحيث يجمع السحاب ويفرقه، ويبسطه ويجعله قطعاً: يمطر في مكان، ولا يمطر في مكان، يقول - والله أعلم -: إن من قدر أن يسلط الرياح في جمع السحاب، وتفريقه - يملك تسليط الرياح على تعذيبكم، ويقول: إن المعبود المستحق للعبادة هو الذي يرسل الرياح لما ذكر والأمطار، لا الأصنام التي تعبدون؛ إذ تعلمون أنها لا تملك شيئاً مما ذكر.

أو يذكر نعمه التي عليهم؛ ليتأدى بها شكرها، أو يطمعهم إيمان بعض منهم بعدما كانوا آيسين عن إيمانهم، كما أطمعهم المطر والسعة بعد ما قحطوا وكانوا آيسين عنه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ فَتُثِيرُ سَحَاباً ﴾ ، أي: ترفعه.

وقال أبو عبيدة: تجمعه؛ كما يستثير الرجل العلم فيجمعه.

وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ﴾ .

قال بعضهم: قطعاً قطعاً.

وقال بعضهم: يضم بعضه إلى بعض، ويحمل بعضه على بعض.

وقوله: ﴿ فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ ﴾ .

أي: المطر يخرج من خلال السحاب، أي: من بين السحاب، ويقرأ ﴿ خَللهِ ﴾ ، ومعناه: نقبه.

وقوله: ﴿ لَمُبْلِسِينَ ﴾ آيسين، والإبلاس: الإياس؛ ولذلك سمى إبليس: إبليس لأنه أُويِسَ من رحمة الله.

وقوله: ﴿ فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: المطر، أراد بالرحمة: المطر، سمى المطر: رحمة؛ لأنه يكون برحمته.

أو أن يكون الآثار هو المطر نفسه، جعله من آثار رحمته وأعلامه.

ثم الأمر بالنظر والاعتبار بآثار رحمته يحتمل وجوهاً: أحدها: أمرهم بالنظر إلى ذلك؛ ليعلموا أنه رحيم؛ كي يرغبوا فيما رغبهم ويرجوا فيما أطمعهم ودعاهم إليه؛ إذ قد ظهر آثار رحمته؛ فكل رحيم يرغب فيما رغب وأطمع.

أو أن يكون الأمر بالنظر إلى آثار رحمته؛ إذ ذلك راجع إلى منافع أبدانهم وأنفسهم وما به قوامهم؛ ليتأدى بذلك شكره، وفي ذلك يقع الحاجة إلى من يعرفهم تلك النعم ويعرف شكرها؛ فيكون في ذلك الترغيب في قبول الرسالة وإثباتها.

أو أن يكون سمى المطر: رحمة؛ لما يرجع ذلك إلى منافع أبدانهم وما به قوام أنفسهم؛ ليعرفوا الرحمة هي راجعة إلى منافع دينهم وآخرتهم، وهو رسول الله؛ إذ سماه في غير موضع: رحمة بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ .

أو أن يأمر بالنظر إلى ذلك المطر، وأنه كيف يحيي هذه الأرضين الموات، وينبت فيها من ألوان النبات؟!

وهذه الأشجار اليابسة كيف تخضر بعد يبوستها بهذه الأمطار؟!

ليعرفوا أن من ملك هذا، وقدر على ذلك، وهو خارج عن وسعهم وتقديرهم لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الممات، وإن كان خارجاً عن تقديرهم ووسعهم، وهو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.

قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً ﴾ .

يعني به: الزرع والنبات الذي أخرج من الأرض بالمطر.

قال بعضهم: رأوه يابساً إذا أصابته الريح الباردة.

﴿ لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ .

أي: لأقاموا على كفرهم إذا أصابهم ما ذكر، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ أي: يقنطون من رحمته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ .

جائز أن يكون ﴿ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ ، يريد بالموتى: أنفسهم، ﴿ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ ﴾ الصم: أنفسهم أيضاً، يقول: لا تسمع الكفار والضلال إذا ولوا مدبرين.

أو أن يكون قوله: ﴿ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ كناية عن الكفار، وكذلك الصم والعمي، وقد سمى الله الكفار: موتى وصما وعميا في غير موضع من القرآن.

ثم في قوله: ﴿ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ حكمة، وهو ألا يقدر أن يسمع الأصم الدعاء إذا ولى مدبرا، ولكن يقدر أن يفهم الأصم إذا أقبل، وأما إذا أدبر فلا يقدر أن يسمعه، وكذلك الحكمة في قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ ﴾ .

أي: لا تقدر أن تهدي العمي عن ضلالتهم، وهو الذي يعمى عن ضلالته ويظن أنه على الهدى وغيره على الضلال، فأما من كان مقرّاً بالضلال فإنك تقدر أن تهديه، يخبر عن شدة سفههم وتعنتهم وعماهم في ضلالتهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ﴾ .

أي: ما تسمع إلا من يؤمن بآياتنا، هذا يدل على أن قوله: ﴿ فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ ﴾ هي المواعظ لا نفس الهدى؛ حيث قال: ﴿ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ﴾ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ ، أي: إنما ينتفع بإنذارك من اتبع الهدى.

أو أن الذي يقبل النذارة من اتبع الهدى، فأما من لم يتبع الهدى فلا ينتفع؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ﴾ ، أي: ما ينتفع أو لا يسمع المواعظ إلا من يؤمن بذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ﴾ ، أي: من النطفة، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ  ﴾ ، أي: ضعيف.

ثم قوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ﴾ ، أي: إنساناً يقوى على أمور وعلى أشياء.

﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾ أي: شيخاً فانياً؛ كقوله -  -: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ﴾ ، أي: أطفالا على الخلقة التي أنتم عليها اليوم، ضعفاء لا تقوون على أشياء وأمور، ولا يقوى شيء منكم على شيء، ثم جعلكم من بعد ذلك الضعف أقوياء تقوون على أشياء وأمور، ثم يجعلكم من بعد تلك القوة والقدرة ضعفاء شيوخاً لا تقدرون على شيء، على ما يكون؛ يحتمل هذين الوجهين.

ثم فيه وجهان من الدلالة: أحدهما: على البعث؛ والثاني: على القدرة على إنشاء الخلق والأشياء لا من أصول.

أما الدلالة على البعث؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث وإنشاء الشيء لا من أصل؛ لخروج ذلك عن قواهم وتقديرهم؛ فيخبر أن النطفة تصير علقة، وليس فيها من العلقة ولا من آثارها شيء، وكذلك العلقة تصير مضغة، وليس فيها من آثار المضغة شيء؛ وكذلك المضغة تصير إنسانا فيه عظم وجلد وشعر ولحم، وليس شيء من ذلك فيها؛ فمن قدر على ما ذكر لقادر على خلق الشيء لا من أصل، وقادر على البعث؛ إذ كل ما ذكر أقروا به، وهو خارج عن قواهم وعن تقديرهم؛ فلزمهم الإقرار بالبعث والإنشاء لا عن أصل وألا يقدروا قدرتهم وقواهم بقدرة الله وقوته، على ما شاهدوا أشياء خارجة عن قواهم وعن تقديرهم، بقوته وقدرته.

والثاني: أن ما ذكر من تحويل النطفة إلى العلقة، والعلقة إلى المضغة، والمضغة إلى الصورة والإنسان - لم يخلقهم ولم ينقلهم؛ ليكون كما ذكر بلا عاقبة تكون لهم ولا بعث؛ فلو لم يكن بعث لكان ما ذكر من تحويل حال إلى حال عبثاً باطلا، على ما ذكر، وكذلك فيما أحدث في الأطفال من القوة والقدرة، بعد ما كانوا ضعفاء لا يقوون ولا يقدرون على شيء أنه إنما أحدث ذلك فيهم؛ ليمتحنوا، ويجعل لهم [ما] يثابون ويعاقبون، إذ لو لم يكن بعث ولا عاقبة لكان فعل ذلك عبثاً باطلا.

وفيه القدرة على إنشاء الشيء وإحداثه لا من شيء؛ إذ كان التركيب موجودا على التمام ولا قوة بهم، ثم حدث القوة ولا أصل لها ولا أثر من آثارها؛ دل أن تقدير قوى الخلق وقدرتهم، بقوى الله وقدرته محال، والله الموفق.

وقوله: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ ﴾ .

بأحوالهم، والقدير على إنشاء الأشياء لا من أشياء، وعلى البعث بعد الموت، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته: أن يبعث الرياح تبشر العباد بقرب نزول المطر، وليذيقكم -أيها الناس- من رحمته بما يحصل بعد المطر من خَصْب ورخاء، ولتجري السفن في البحر بمشيئته، ولتطلبوا من فضله بالتجارة في البحر، ولعلكم تشكرون نعم الله عليكم فيزيدكم منها.

<div class="verse-tafsir" id="91.PxbNJ"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 98%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل