الآية ٨ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٨ من سورة فاطر

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًۭا ۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ) يعني : كالكفار والفجار ، يعملون أعمالا سيئة ، وهم في ذلك يعتقدون ويحسون أنهم يحسنون صنعا ، أي : أفمن كان هكذا قد أضله الله ، ألك فيه حيلة ؟

لا حيلة لك فيه ، ( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) أي : بقدره كان ذلك ، ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) أي : لا تأسف على ذلك فإن الله حكيم في قدره ، إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي ، لما له في ذلك من الحجة البالغة ، والعلم التام; ولهذا قال : ( إن الله عليم بما يصنعون ) .

وقال ابن أبي حاتم عند هذه الآية : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني - أو : ربيعة - عن عبد الله بن الديلمي قال : أتيت عبد الله بن عمرو ، وهو في حائط بالطائف يقال له : الوهط ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله خلق خلقه في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من نوره يومئذ فقد اهتدى ، ومن أخطأه منه ضل ، فلذلك أقول : جف القلم على ما علم الله عز وجل " .

ثم قال : حدثنا يحيى بن عبدك القزويني ، حدثنا حسان بن حسان البصري ، حدثنا إبراهيم بن بشر حدثنا يحيى بن معين حدثنا إبراهيم القرشي ، عن سعد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " الحمد لله الذي يهدي من الضلالة ، ويلبس الضلالة على من أحب " .

وهذا أيضا حديث غريب جدا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) يقول تعالى ذكره: أفمن حسَّن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به، وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان، فرآه حسنًا فحسب سيئ ذلك حسنًا، وظن أن قبحه جميل، لتزيين الشيطان ذلك له.

ذهبت نفسك عليهم حسرات، وحذف من الكلام: ذهبت نفسك عليهم حسرات اكتفاء بدلالة قوله (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) منه، وقوله (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) يقول: فإن الله يخذل من يشاء عن الإيمان به واتباعك وتصديقك، فيضله عن الرشاد إلى الحق في ذلك، ويهدي من يشاء، يقول: ويوفق من يشاء للإيمان به واتباعك والقبول منك، فتهديه إلى سبيل الرشاد ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) يقول: فلا تهلك نفسك حزنًا على ضلالتهم وكفرهم بالله وتكذيبهم لك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) قال قتادة والحسن: الشيطان زيَّن لهم ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) أي: لا يحزنك ذلك عليهم؛ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) قال: الحسرات الحزن، وقرأ قول الله يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ووقع قوله ( فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) موضع الجواب، وإنما هو منبع الجواب، لأن الجواب هو المتروك الذي ذكرت، فاكتفى به من الجواب لدلالته على الجواب ومعنى الكلام.

واختلفت القراء في قراءة قوله ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) فقرأته قراء الأمصار سوى أَبي جعفر المدني (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ) بفتح التاء من " تذهب " و " نفسك " برفعها.

وقرأ ذلك أَبو جعفر (فَلا تُذْهِبَ) بضم التاء من " تذهب " و " نفسك " بنصبها، بمعنى: لا تذهب أنت يا محمد نفسك.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.

وقوله ( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن الله يا محمد ذو علم بما يصنع هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وهو محصيه عليهم، ومجازيهم به جزاءهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون .قوله تعالى : أفمن زين له سوء عمله ( من ) في موضع رفع بالابتداء ، وخبره محذوف .

قال الكسائي : والذي يدل عليه قوله تعالى : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فالمعنى : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ذهبت نفسك عليهم حسرات .

قال : وهذا كلام عربي طريف لا يعرفه إلا قليل .

وذكره الزمخشري عن الزجاج .

قال النحاس : والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية ، لما ذكره من الدلالة على المحذوف ، والمعنى أن الله جل وعز نهى نبيه عن شدة الاغتمام بهم والحزن عليهم ، كما قال جل وعز : ( فلعلك باخع نفسك ) قال أهل التفسير : قاتل .

قال نصر بن علي : سألت الأصمعي عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في أهل اليمن : هم أرق قلوبا وأبخع طاعة ما معنى أبخع ؟

فقال : أنصح .

فقلت له : إن أهل التفسير مجاهدا وغيره يقولون في قول الله عز وجل : لعلك باخع نفسك : معناه قاتل نفسك .

فقال : هو من ذاك بعينه ، كأنه من شدة النصح لهم قاتل نفسه .

وقال الحسين بن الفضل : فيه تقديم وتأخير ; مجازه : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء .

وقيل : الجواب محذوف ; المعنى أفمن زين له سوء عمله كمن هدي ، ويكون يدل على هذا المحذوف ( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) .

وقرأ يزيد بن القعقاع : ( فلا تذهب نفسك ) ، وفي أفمن زين له سوء عمله [ ص: 292 ] أربعة أقوال ، أحدها : أنهم اليهود والنصارى والمجوس ; قاله أبو قلابة .

ويكون ( سوء عمله ) معاندة الرسول عليه الصلاة والسلام .

الثاني : أنهم الخوارج ; رواه عمر بن القاسم .

فيكون ( سوء عمله ) تحريف التأويل .

الثالث : الشيطان ; قاله الحسن .

ويكون ( سوء عمله الإغواء ) .

الرابع : كفار قريش ; قاله الكلبي .

ويكون ( سوء عمله الشرك ) .

وقال : إنها نزلت في العاص بن وائل السهمي والأسود بن المطلب .

وقال غيره : نزلت في أبي جهل بن هشام .

فرآه حسنا أي صوابا ; قاله الكلبي .

وقال : جميلا .قلت : والقول بأن المراد كفار قريش أظهر الأقوال ; لقوله تعالى : ليس عليك هداهم ، وقوله : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، وقوله : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ، وقوله : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ، وقوله في هذه الآية : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون وهذا ظاهر بين ، أي لا ينفع تأسفك على مقامهم على كفرهم ، فإن الله أضلهم .

وهذه الآية ترد على القدرية قولهم على ما تقدم ; أي أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا تريد أن تهديه ، وإنما ذلك إلى الله لا إليك ، والذي إليك هو التبليغ .

وقرأ أبو جعفر وشيبة وابن محيصن : ( فلا تذهب ) بضم التاء وكسر الهاء ( نفسك ) نصبا على المفعول ، والمعنيان متقاربان .

( حسرات ) منصوب مفعول من أجله ; أي فلا تذهب نفسك للحسرات .

و ( عليهم ) صلة تذهب ، كما تقول : هلك عليه حبا ومات عليه حزنا .

وهو بيان للمتحسر عليه .

ولا يجوز أن يتعلق بالحسرات ; لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته .

ويجوز أن يكون حالا كأن صارت ( حسرات ) لفرط التحسر ; كما قال جرير :مشق الهواجر لحمهن مع السرى حتى ذهبن كلاكلا وصدورايريد : رجعن كلاكلا وصدورا ; أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها .

ومنه قول الآخر :فعلى إثرهم تساقط نفسي حسرات وذكرهم لي سقامأو مصدرا .

إن الله عليم بما يصنعون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ } عمله السيئ، القبيح، زينه له الشيطان، وحسنه في عينه.{ فَرَآهُ حَسَنًا } أي: كمن هداه اللّه إلى الصراط المستقيم والدين القويم، فهل يستوي هذا وهذا؟فالأول: عمل السيئ، ورأى الحق باطلا، والباطل حقا.والثاني: عمل الحسن، ورأى الحق حقا، والباطل باطلا، ولكن الهداية والإضلال بيد اللّه تعالى، { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ } أي: على الضالين الذين زين لهم سوء أعمالهم، وصدهم الشيطان عن الحق { حَسَرَاتٍ } فليس عليك إلا البلاغ، وليس عليك من هداهم شيء، والله هو الذي يجازيهم بأعمالهم.

{ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( أفمن زين له سوء عمله ) قال ابن عباس : نزلت في أبي جهل ومشركي مكة .

وقال سعيد بن جبير : نزلت في أصحاب الأهواء والبدع .

وقال قتادة : منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ، فأما أهل الكبائر فليسوا منهم ، لأنهم لا يستحلون الكبائر .

( أفمن زين ) شبه وموه عليه وحسن ( له سوء عمله ) أي : قبيح عمله ( فرآه حسنا ) زين له الشيطان ذلك بالوسواس .

وفي الآية حذف مجازه : أفمن زين له سوء عمله فرأى الباطل حقا كمن هداه الله فرأى الحق حقا والباطل باطلا ؟

( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) وقيل : جوابه تحت قوله ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) فيكون معناه : أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة ، أي : تتحسر عليه فلا تذهب نفسك عليهم حسرات .

وقال الحسين بن الفضل : فيه تقديم وتأخير مجازه : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر ، ومعنى الآية : لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا .

وقرأ أبو جعفر : " فلا تذهب " بضم التاء وكسر الهاء " نفسك " نصب ( إن الله عليم بما يصنعون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل في أبي جهل وغيره «أفمن زينَ له سوء عمله» بالتمويه «فرآه حسنا» من مبتدأ خبره كمن هداه الله؟

لا، دل عليه «فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم» على المزيَّن لهم «حسرات» باغتمامك ألا يؤمنوا «إن الله عليم بما يصنعون» فيجازيهم عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفمن حسَّن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان فرآه حسنًا جميلا كمَن هداه الله تعالى، فرأى الحسن حسنًا والسيئ سيئًا؟

فإن الله يضل من يشاء من عباده، ويهدي من يشاء، فلا تُهْلك نفسك حزنًا على كفر هؤلاء الضالين، إن الله عليم بقبائحهم وسيجازيهم عليها أسوأ الجزاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر ، والمطيع ، والعاصى ، فقال : ( أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً .

.

.

) .والاستفهام للإِنكار .

و " من " موصولة فى مضوع رفع على الابتداء .

والجملة بعدها صلنها ، والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه ، و ( زُيِّنَ ) من التزيين بمعنى التحسين .

وقوله ( سواء عَمَلِهِ ) أى : عمله السيئ .

فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف .والمعنى : أفمن زين له الشيطان عمله السيئ ، فرآه حسنا ، كمن ليس كذلك؟

كلا إنهما لا يستويان فى عرف أى عاقل ، فإن الشخص الذى ارتكب الأفعال القبيحة التى زينها له الشيطان ، أو نفسه الأمارة بالسوء ، أو هواه .

.

.

مصيره إلى الشقاء والتعاسة .أما الشخص الذى خالف الشيطان ، والنفس الأمارة بالسوء ، والهوى المردى .

.

فمصيره إلى السعادة والفلاح .وقد صرح - سبحانه - بالأمرين فى آيات منها قوله - تعالى - ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ ) وجملة ( فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ) تعليل لسببية التزيين لرؤية القبيح حسنا .

.أى : هؤلاء الذين يعملون الأعمال السيئة ، وهم يحسبون أنهم يسحنون صنعا ، لا قدرة لك على هدايتهم - أيها الرسول الكريم - فإن الله - تعالى - وحده ، هو الذى يضل من يشاء إضلاله ، ويهدى من يشاء هدايته .والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) لتفريع .

والحسرات جمعه حسرة ، وهى أشد ما يعترى الإِنسان من ندم على أمر قد مضى وانتهى والجار والمجرور " عليهم " متعلق بقوله " حسرات " .أى : إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول الكريم - فامض فى طريقك وبلغ رسالة ربك ، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ولا تهلك نفسك هما وغما وحزنا من اجل هؤلاء الذين أعرضوا عن الحق ، واعتنقوا الباطل ، وظنوا أنهم بذلك يحسنون صنعا .

.ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : ( إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) .أى : إن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ مما يفعله هؤلاء الجاهلون من أفعاله قبيحة ، وسيجازيهم يوم القيامة بما يستحقونه من عقاب .وشبيه هذه الآية قوله - تعالى - : ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) وقوله - سبحانه - : ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً ) وبعد هذه التسلية من الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم وبعد هذا التحذير من وسوسة اشليطان ومن خداعه ، وبعد هذا البيان لسوء عاقبة الكافرين ، وحسن عاقبة المؤمنين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يعني ليس من عمل سيئاً كالذي عمل صالحاً، كما قال بعد هذا بآيات ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور  ﴾ وله تعلق بما قبله وذلك من حيث إنه تعالى لما بين حال المسيء الكافر والمحسن المؤمن، وما من أحد يعترف بأنه يعمل سيئاً إلا قليل، فكان الكافر يقول الذي له العذاب الشديد هو الذي يتبع الشيطان وهو محمد وقومه الذين استهوتهم الجن فاتبعوها، والذي له الأجر العظيم نحن الذين دمنا على ما كان عليه آباؤنا فقال الله تعالى لستم أنتم بذلك فإن المحسن غير، ومن زين له العمل السيء فرآه حسناً غير، بل الذين زين لهم السيء دون من أساء وعلم أنه مسيء فإن الجاهل الذي يعلم جهله والمسيء الذي يعمل سوء عمله يرجع ويتوب والذي لا يعلم يصر على الذنوب والمسيء العالم له صفة ذم بالإساءة وصفة مدح بالعلم.

والمسيء الذي يرى الإساءة إحساناً له صفتا ذم الإساءة والجهل، ثم بين أن الكل بمشيئة الله، وقال: ﴿ فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾ وذلك لأن الناس أشخاصهم متساوية في الحقيقة والإساءة والإحسان، والسيئة والحسنة يمتاز بعضها عن بعض فإذا عرفها البعض دون البعض لا يكون ذلك باستقلال منهم، فلابد من الاستناد إلى إرادة الله.

ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حزن من إصرارهم بعد إتيانه بكل آية ظاهرة وحجة باهرة فقال: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات ﴾ كما قال تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم  ﴾ .

ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد إيمانهم وإحسانهم لصدهم عن الضلال وردهم عن الإضلال، وإن كان لما به منهم من الإيذاء فالله عالم بفعلهم يجازيهم على ما يصنعون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما ذكر الفريقين الذين كفروا والذين آمنوا، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً ﴾ يعني: أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين، كمن لم يزين له، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا) فقال: ﴿ فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات ﴾ ومعنى تزيين العمل والإضلال واحد، وهو أن يكون العاصي على صفة لا تجدي عليه المصالح، حتى يستوجب بذلك خذلان الله تعالى وتخليته وشأنه، فعند ذلك يهيم في الضلال ويطلق آمر النهي، ويعتنق طاعة الهوى، حتى يرى القبيح حسناً والحسن قبيحاً، كأنما غلب على عقله وسلب تمييزه، ويقعد تحت قول أبي نواس: اْقِنِي حَتَّى تَرَانِي ** حَسَناً عِنْدِي الْقَبِيحُ وإذا خذل الله المصممين على الكفر وخلاهم وشأنهم، فإن على الرسول أن لا يهتم بأمرهم ولا يلقي بالاً إلى ذكرهم، ولا يحزن ولا يتحسر عليهم: اقتداء بسنة الله تعالى في خذلانهم وتخليتهم.

وذكر الزجاج أنّ المعنى: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة، فحذف الجواب لدلالة فلا تذهب نفسك عليه: أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لدلالة ﴿ فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ﴾ عليه حسرات: مفعول له يعني: فلا تهلك نفسك للحسرات.

وعليهم صلة تذهب، كما تقول: هلك عليه حباً، ومات عليه حزناً.

أو هو بيان للمتحسر عليه.

ولا يجوز أن يتعلق بحسرات، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته، ويجوز أن يكون حالاً كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر، كما قال جرير: مَشَقَ الْهَوَاجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرَى ** حَتَّى ذَهَبْنَ كَلاَكِلاً وَصُدُورَاً يريد: رجعن كلاكلاً وصدوراً، أي: لم يبق إلا كلاكلها وصدورها.

ومنه قوله: فَعَلَى إثْرِهِمْ تَسَاقَطُ نَفْسِي ** حَسَرَاتٍ وَذِكْرُهُمْ لِي سَقَامُ وقرئ: ﴿ فلا تذهب نفسك ﴾ ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ وعِيدٌ لِمَن أجابَ دُعاءَهُ ووَعْدٌ لِمَن خالَفَهُ وقِطْعٌ لِلْأمانِي الفارِغَةِ، وبِناءٌ لِلْأمْرِ كُلِّهِ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وقَوْلُهُ: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ أيْ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ بِأنْ غَلَبَ وهْمُهُ وهَواهُ عَلى عَقْلِهِ حَتّى انْتَكَسَ رَأْيُهُ فَرَأى الباطِلَ حَقًّا والقَبِيحَ حُسْنًا، كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ بَلْ وُفِّقَ حَتّى عَرَفَ الحَقَّ واسْتَحْسَنَ الأعْمالَ واسْتَقْبَحَها عَلى ما هي عَلَيْهِ، فَحُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ وقِيلَ تَقْدِيرُهُ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، فَحُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ: ﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ﴾ عَلَيْهِ ومَعْناهُ فَلا تُهْلِكْ نَفْسَكَ عَلَيْهِمْ لِلْحَسَراتِ عَلى غَيِّهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ، والفاءاتُ الثَّلاثُ لِلسَّبَبِيَّةِ غَيْرَ أنَّ الأوَّلِيَّيْنِ دَخَلَتا عَلى السَّبَبِ والثّالِثَةُ دَخَلَتْ عَلى المُسَبَّبِ، وجَمْعُ الحَسَراتِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضاعُفِ اغْتِمامِهِ عَلى أحْوالِهِمْ أوْ كَثْرَةِ مَساوِي أفْعالِهِمُ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّأسُّفِ، وعَلَيْهِمْ لَيْسَ صِلَةً لَها لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُهُ بَلْ صِلَةُ تَذْهَبْ أوْ بَيانٌ لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أفمن زين له سوء عمله فرآه حَسَناً} بتزيين الشيطان كمن لم يزين له فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا فقال {فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات} وذكر الزجاج أن المعنى أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليه حسرة فحرف الجواب لدلالة فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عليه أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله فحذف لدلالة فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء عليه فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ يزيد أى لاتهلكها حسرات مفعول له يعنى

فاطر (١٠ - ٨)

فلا تهلك نفسك للحسرات وعليهم صلة تَذْهَبْ كما تقول هلك عليه حباً ومات عليه حزناً ولا يجوز أن يتعلق بحسرات لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته {إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ أيْ حَسَنُ لَهُ عَمَلُهُ السَّيِّئُ ﴿ فَرَآهُ ﴾ فاعْتَقَدَهُ بِسَبَبِ التَّزْيِينِ ﴿ حَسَنًا ﴾ فَهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، و( مَن ) مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَتُها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، فَإنْ كانَتْ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ في نَظِيرِ ذَلِكَ فالمُرادُ تَفْرِيعُ إنْكارِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ، أيْ إذا كانَتْ عاقِبَةُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ما ذُكِرَ فَلَيْسَ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ الشَّيْطانِ فاعْتَقَدَهُ حَسَنًا وانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، وإنْ كانَتْ في مَحَلِّها الأصْلِيِّ وكانَ العَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ تَكُونُ هي داخِلَةٌ إلَيْهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ، فالمُرادُ ما في حَيِّزِها، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أهُما أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا واَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مُتَساوِيانِ فاَلَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ الشَّيْطانِ فاعْتَقَدَهُ حَسَنًا وانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، أيْ ما هُما مُتَساوِيانِ لِيَكُونَ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ، وحُذِفَ هَذا الخَبَرُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ واقْتِضاءِ النَّظْمِ الجَلِيلِ إيّاهُ، وقَدْ صَرَّحَ بِالجُزْءَيْنِ في نَظِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ  ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى  ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ  ﴾ وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الكافِرِ بِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا إشارَةٌ إلى غايَةِ ضَلالِهِ حَتّى كَأنَّهُ غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ وسَلَبَ تَمْيِيزَهُ فَشَأْنُ المَغْلُوبِ عَلى عَقْلِهِ ذَلِكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ أبِي نُواسٍ: اِسْقِنِي حَتّى تَرانِي حَسَنًا عِنْدِي القَبِيحُ وظاهِرُ كَلامِ الزَّجّاجِ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ حَيْثُ قالَ: الجَوابُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ ﴾ إلخ ويَكُونُ المَعْنى أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَأضَلَّهُ اللَّهُ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، وثانِيهِما: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ ﴾ إلخ ويَكُونُ المَعْنى أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كَمَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ اِبْنُ مالِكٍ أيْضًا، واعْتَرَضَ اِبْنُ هِشامٍ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي بِأنَّ الظَّرْفَ لا يَكُونُ جَوابًا وإنْ قُلْنا إنَّهُ جُمْلَةٌ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّضِيَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا في غَيْرِ الخَبَرِ والصِّفَةِ والصِّلَةِ والحالِ ولَمْ يُذْكَرِ الجَوابُ لا أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الفاءِ، وتَقْدِيرُها داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ يَكُونُ الظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بِتَمامِها جَزاءٌ غَيْرُ جائِزٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ كَما قِيلَ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الزَّجّاجُ قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ وأُطْلِقَ عَلى خَبَرِها الجَوابُ لِشَبَهِهِ بِهِ في المَعْنى، ألا تَراهم يُدْخِلُونَ الفاءَ في خَبَرِ المَوْصُولِ الَّذِي صِلَتُهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ كَما يُدْخِلُونَها في جَوابِ الشَّرْطِ فَيَقُولُونَ الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ولا قَرِينَةَ عَلى إرادَتِهِ سِوى عَدَمِ صِحَّةِ الجَزائِيَّةِ، وضُعِّفَ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ بِالفَصْلِ بَيْنَ ما فِيهِ الحَذْفُ ودَلِيلِ المَحْذُوفِ مَعَ خَفاءِ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَن شَرْطِيَّةً جَوابُها فَرَآهُ لِما في ذَلِكَ مِنَ الرَّكاكَةِ الصِّناعِيَّةِ، فَإنَّ الماضِيَ في الجَوابِ لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ بِدُونِ قَدْ مَعَ خَفاءِ أمْرِ إنْكارِ رُؤْيَةِ سُوءِ العَمَلِ حَسَنًا بَعْدَ التَّزْيِينِ وتَفْرِيعِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الحُكْمَيْنِ، وكَوْنُ الإنْكارِ لِما أنَّ المُزَيِّنَ هو الشَّيْطانُ العَدُوُّ، والتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ لا يَخْفى حالُهُ فالوَجْهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ جُعِلَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ تَعْلِيلًا لِسَبَبِيَّةِ التَّزْيِينِ لِرُؤْيَةِ القَبِيحِ حَسَنًا، وفِيهِ دَفْعُ اِسْتِبْعادِ أنْ يَرى الشَّخْصُ القَبِيحَ حَسَنًا بِتَزْيِينِ العَدُوِّ إيّاهُ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وإيذانٌ بِأنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ عَمَلِهِمْ فَرَأوْهُ حَسَنًا مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ضَلالَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ﴾ تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ، أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ الخ، وذَكَرَ المَوْلى سِعْدِيُّ جَلَبِيٍّ أنَّ الهَمْزَةَ في ﴿ أفَمَن ﴾ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ نُقِلا عَنِ الزَّجّاجِ لِإنْكارِ ذَهابِ نَفْسِهِ  عَلَيْهِ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ ﴾ إلخ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهِمُهُ النَّظْمُ الجَلِيلُ مِن أنَّهُ لا جَدْوى لِلتَّحَسُّرِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ كَفَرُوا واَلَّذِينَ آمَنُوا قالَ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ  ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ يَعْنِي أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَكَأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ لا فَقالَ تَعالى ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ﴾ ويُفْهَمْ مِن كَلامِ الطِّيبِيِّ أنَّ فاءَ ﴿ فَلا تَذْهَبْ ﴾ جَزائِيَّةٌ وفاءَ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّ الجُمْلَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، فَقَدْ قالَ: إنَّهُ  كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ القَوْمِ وأنْ يَسْلُكَ الضّالِّينَ في زُمْرَةِ المُهْتَدِي، فَقِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ لِذَلِكَ: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُقِرَّ  بِالنَّفْيِ ويَقُولُ لا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَقَدَّمَ وأخَّرَ اِنْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ، وفي الآياتِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَفٌّ ونَشْرٌ وبِذَلِكَ صَرَّحَ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قالَ: الأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ الآياتُ مِنَ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا في حُكْمِ نِداءِ النّاسِ وجَمَعَ ما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ في حُكْمِ الوَعْدِ، وحَذَّرَهُما مَعًا عَنِ الغُرُورِ بِالدُّنْيا والشَّيْطانِ، وأمّا التَّقْسِيمُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ وأمّا التَّفْرِيقُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ لِأنَّهُ فَرَّقَ فِيهِ وبَيَّنَ التَّفاوُتَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ ظُهُورَ أنَّ الفاءَ في ﴿ أفَمَن ﴾ لِلتَّعْقِيبِ والهَمْزَةَ الدّاخِلَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِإنْكارِ المُساواةِ وتَقْرِيرِ البَوْنِ العَظِيمِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وأنَّ المُخْتارَ مِن أوْجُهٍ ذَكَرَها السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ تَقْدِيرُ كَمَن هَدّاهُ اللَّهُ تَعالى، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ ولَهم في نَظْمِ الآياتِ الكَرِيمَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ، مَن أرادَهُ فَلْيَتْبَعْ كُتُبَ التَّفاسِيرِ والعَرَبِيَّةِ، ولَعَلَّ فِيما ذَكَرْناهُ مَقْنَعًا لِمَن أُوتِيَ ذِهْنًا سَلِيمًا وفَهْمًا مُسْتَقِيمًا.

والحَسَراتُ جَمْعُ حَسْرَةٍ وهي الغَمُّ عَلى ما فاتَهُ والنَّدَمُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ اِنْحَسَرَ عَنْهُ ما حَمَلَهُ عَلى ما اِرْتَكَبَهُ أوِ اِنْحَسَرَ قُواهُ مِن فَرْطِ غَمٍّ أوْ أدْرَكَهُ إعْياءٌ عَنْ تَدارُكِ ما فَرَطَ مِنهُ، وانْتَصَبَتْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ أيْ فَلا تَهْلِكْ نَفْسُكَ لِلْحَسَراتِ، والجَمْعُ مَعَ أنَّ الحَسْرَةَ في الأصْلِ مَصْدَرٌ صادِقٌ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضاعُفِ اِغْتِمامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحْوالِهِمْ أوْ عَلى كَثْرَةِ قَبائِحِ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلتَّأسُّفِ والتَّحَسُّرِ، ﴿ وعَلَيْهِمْ ﴾ صِلَةُ ﴿ تَذْهَبْ ﴾ كَما يُقالُ هَلَكَ عَلَيْهِ حُبًّا وماتَ عَلَيْهِ حُزْنًا، أوْ هو بَيانٌ لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا ومُتَعَلِّقُهُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى مَن تَذْهَبُ؟

فَقِيلَ: عَلَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِحَسَراتٍ بِناءً عَلى أنَّهُ يُغْتَفَرُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ إذا كانَ ظَرْفًا وهو الَّذِي أخْتارُهُ، واَلزَّمَخْشَرِيُّ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حَسَراتٌ حالًا مِن ﴿ نَفْسُكَ ﴾ كَأنَّ كُلَّها صارَتْ حَسَراتٍ لِفَرْطِ التَّحَسُّرِ كَما قالَ جَرِيرٌ: مَشَقَ الهَواجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرى ∗∗∗ حَتّى ذَهَبْنَ كَلاكِلًا وصُدُورا يُرِيدُ رَجَعْنَ كَلاكِلًا وصُدُورًا، أيْ لَمْ يَبْقَ إلّا كَلاكِلُها وصُدُورُها، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ في البَيْتِ، وقالَ المُبَرِّدُ: كَلاكِلًا وصُدُورًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، أيْ حَتّى ذَهَبَ كَلاكِلُها وصُدُورُها، ومِن هَذا قَوْلُهُ: فَعَلى إثْرِهِمْ تَساقَطُ نَفْسِي ∗∗∗ حَسَراتٍ وذِكْرُهم لِي سَقامُ وفِيهِ مُبالَغاتٌ ثَلاثٌ، وقَرَأ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ «زَيَّنَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ونَصَبَ «سُوأ» وعَنْهُ أيْضًا «أسْوَأ» عَلى وزْنِ أفْعَلَ وأُرِيدَ بِأسْوَأ عَمَلُهُ الشِّرْكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ «أمَن» بِغَيْرِ فاءٍ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِخْبارِ والتَّقْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلنِّداءِ وحُذِفَ ما نُودِيَ لِأجْلِهِ، أيْ تَفَكَّرْ وارْجِعْ إلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ الخ، والظّاهِرُ أنَّها لِلْإنْكارِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وقَتادَةُ وعِيسى والأشْهَبُ وشَيْبَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «تُذْهِبُ» مِن أذْهَبُ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ «نَفْسَكَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ أيْ إنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ القَبائِحِ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، والآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ إلى هُنا نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في أبِي جَهْلٍ ومُشْرِكِي مَكَّةَ، وأخْرَجَ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ حَيْثُ هَدى اللَّهُ تَعالى عُمَرَ وأضَلَّ أبا جَهْلٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا نعمة الله.

ثم ذكر النعمة فقال: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني: النبات والمطر.

قرأ حمزة والكسائي غَيْرُ اللَّهِ بكسر الراء.

وقرأ الباقون بالضم مثل ما في سورة الأعراف.

والاستثناء إذا كان بحرف إلا.

فإن الإعراب يكون على ما بعده.

وإذا كان الاستثناء بحرف غير، فإن الإعراب يقع على نفس الغير.

فمن قرأ بالكسر، صار كسراً على البدل.

ومن قرأ بالرفع فمعناه: هل خالق غير الله، لأن من موكدة.

ولفظ الآية لفظ الاستفهام.

والمراد به النفس يعني: أنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه، ولا يرزقكم أحد سواه.

ثم وحّد نفسه فقال: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يفعل بكم ذلك فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يعني: من أين تكذبون، وأنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه.

ثم قال عز وجل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ كما كذبك قومك، وهذا تعزية يعزي بها نبيه  ليصبر على أذاهم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يعني: إليه ترجع عواقب الأمور بالبعث.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: البعث بعد الموت حق كائن فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يعني: حياتكم في الدنيا، والدنيا في الأصل هي القربى.

سميت بهذا لأن حياتهم هذه أقرب إليهم.

ويقال: هي فعلى من الأدون يعني: حياة الأدون وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني: الباطل وهو الشيطان.

قال: حدّثنا أبو الليث رحمه الله.

قال: حدّثني أبي.

قال: حدّثنا أبو الحسن الفراء الفقيه السمرقندي.

قال: حدّثنا أبو بكر الجرجاني الإمام بسمرقند ذكر بإسناده عن العلاء بن زيادة.

قال: رأيت الدنيا في النوم امرأة قبيحة عمشاء، ضعيفة، عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينةٍ فقلت: من أنت.

أعوذ بالله منك؟

فقالت: أنا الدُّنيا.

فإن يسرك أن يعيذك الله مني، فأبغض الدراهم يعني: لا تمسكها عن النفقة في موضع الحق.

ثم قال عز وجل: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ يعني: حين يأمركم بالكفر، ومن عداوته مع أبيكم ترك طاعة الله فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا يعني: فعادوه بطاعة الله.

ومعناه: أطيعوا الله عز وجل لأنك إذا أطعت الله فقد عاديت الشيطان إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ يعني: شيعته إلى الكفر لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: من أهل النار.

ثم بيّن مصير من أطاع الشيطان، ومصير من عصاه فقال الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله عز وجل: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: صدقوا بوحدانية الله، وعملوا الطاعات، واتخذوا الشيطان عدواً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ في الدنيا لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يعني: ثواباً حسناً في الجنة.

قوله عز وجل: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ يعني: قبيح عمله كمن لم يزين له ذلك فَرَآهُ حَسَناً يعني: فظنه حقاً.

والجواب فيه مضمرا فمن زيّن له سوء عمله كمن لم يزين له ذلك.

وقال الزجاج: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ يعني: أبا جهل وأصحابه، وأضله الله كمن لم يزين له ذلك وهداه الله تعالى.

ثم قال: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ عن دينه وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ لدينه فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ قال القتبي: هذا من الإضمار.

يعني: ذهبت نفسك حسرة عليهم، ولا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات بتركهم الإيمان.

وقرئ في الشاذ: فَلا تَذْهَبْ بضم التاء وكسر الهاء نَفْسُكَ بنصب السين.

من أذهب يذهب يعني: لا تقتل نفسك وقراءة العامة فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ بنصب التاء والهاء وضم السين أي: لا تحزن نفسك إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ من الخير والشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَقَوْلُهُ تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً تَوْقِيفٌ وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير وأحسن التَّقْدِيرِ مَا دَلَّ اللَّفْظُ بَعْدُ عَلَيْهِ «١» وقَرَأَ الجُمْهُورُ: فَلا تَذْهَبْ- بِفَتْحِ التَّاءِ والهَاءِ-: نَفْسُكَ- بالرَّفْعِ-، وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ «٢» «تُذْهِبْ» - بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الهَاءِ- «نَفْسَكَ» - بِالنَّصْبِ- وَرُوِيَتْ عَنْ نَافِعٍ «٣» ، وَالْحَسْرَةُ هَمُّ النَّفْسِ عَلَى فَوَاتِ أَمْرِ، وَهَذِهِ الآية تسلية للنّبيّ صلى الله عليه وسلّم عَنْ كُفْرِ قَوْمِه، وَوَجَبَ التَسْلِيمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إضْلاَلِ مَنْ شَاءَ وَهِدَايَةِ مَنْ شَاءَ.

وَقَوْلهُ سبحانه: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ هَذهِ آيَةُ احْتِجَاجِ عَلَى الكَفَرَةِ فِي إنْكَارِهِمْ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ.

وَقَوْلهُ تَعَالَى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِمُغَالَبَةٍ فَلِلَّهِ العِزَّةُ: أي: لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وَلاَ تَتِمُّ إلاَّ بِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ» .

قال ع «٥» : وَهَذَا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم: ٨١] .

وَيُحْتَمَلُ/ أَنْ يُرِيدَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وَطَرِيقَهَا القَوِيمَ وَيُحِبُّ نيلها على وجهها فلله ٨٢ ب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ ومُشْرِكِي مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في أصْحابِ الأهْواءِ والمِلَلِ الَّتِي خالَفَتِ الهُدى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ أبُو قُلابَةَ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ ﴾ ؟

.

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ؛ والمَعْنى: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءِ عَمَلِهِ كَمَن هَداهُ اللَّهُ؟!

ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَأضَلَّهُ اللَّهُ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ؟!

ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ﴾ .

وَقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " فَلا تُذْهِبْ " بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الهاءِ " نَفْسَكَ " بِنَصْبِ السِّينِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَغْتَمَّ ولا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حَسْرَةً عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن مَكانِهِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَجْمَعُهُ وتَجِيءُ بِهِ، و ﴿ سُقْناهُ ﴾ بِمَعْنى " نَسُوقُهُ "؛ والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ " فَعَلْنا " في مَوْضِعِ " نَفْعَلُ " وأنْشَدُوا: إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا مِنِّي وما سَمِعُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا المَعْنى: يَطِيرُوا ويَدْفِنُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ وهو الحَياةُ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كَما أحْيا اللَّهُ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يُحْيِي المَوْتى يَوْمَ البَعْثِ.

«رَوى أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى؟

وما آيَةُ ذَلِكَ في خَلْقِهِ؟

فَقالَ: " هَلْ مَرَرْتَ بِوادِي أهْلِكَ مَحْلًا، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟

" قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: " فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى، وتِلْكَ آيَتُهُ في خَلْقِهِ "» .

والثّانِي: كَما أحْيا اللَّهُ الأرْضَ المَيْتَةَ بِالماءِ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى بِالماءِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى ماءً مِن تَحْتِ العَرْشِ كَمَنِيِّ الرِّجالِ، قالَ: فَتَنْبُتُ لُحْمانُهم وجُسْمانُهم مِن ذَلِكَ الماءِ، كَما تَنْبُتُ الأرْضُ مِنَ الثَّرى، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

وقَدْ ذَكَرْنا في (الأعْرافِ: ٥٧) نَحْوَ هَذا الشَّرْحِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الشَيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الشَيْطانَ ﴾ الآيَةُ...

يُقَوِّي قِراءَةَ مَن قَرَأ: "الغَرُورُ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ أيْ: بِالمُبايَنَةِ والمُقاطَعَةِ والمُخالَفَةِ لَهُ بِاتِّباعِ الشَرْعِ.

و"الحِزْبُ": الحاشِيَةُ والصاغِيَةُ، واللامُ في "لِيَكُونُوا" لامُ الصَيْرُورَةِ: لِأنَّهُ لَمْ يَدْعُهم إلى السَعِيرِ، وإنَّما اتَّفَقَ أنْ صارَ أمْرُهم عن دُعائِهِ إلى ذَلِكَ، و"السَعِيرُ" طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وهي سَبْعُ طَبَقاتٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهَذا هو الحَسَنُ لِعَطْفِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُما جُمْلَتانِ تَعادَلَتا، وجَوَّزَ بَعْضُ الناسِ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَكُونُوا"، وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن "أصْحابِ"، وهَذا مُحْتَمَلٌ، غَيْرَ أنَّ الِابْتِداءَ أرْجَحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ ﴾ الآيَةُ...

تَوْقِيفٌ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَ الكِسائِيِّ: تَذْهَبُ نَفْسُكَ حَسَراتٍ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَتَقَدَّرَ: كَمَنِ اهْتَدى، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، وأحْسَنُها ما دَلَّ اللَفْظُ بَعْدُ عَلَيْهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أمَّنْ" بِغَيْرِ فاءٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن كُفْرِ قَوْمِهِ، ووَجَبَ التَسْلِيمُ لِلَّهِ تَعالى في إضْلالِ مَن شاءَ وهِدايَةِ مَن شاءَ، وأمَرَ نَبِيَّهُ  بِالإعْراضِ عن أمْرِهِمْ، وألّا يَبْخَعَ نَفْسَهُ أسَفًا عَلَيْهِمْ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْهَبَ" بِفَتْحِ التاءِ والهاءِ "نَفْسُكَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وعِيسى، والأشْهَبُ: "تُذْهِبْ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ "نَفْسَكَ" نَصْبًا، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ.

و"الحَسْرَةُ": هَمُّ النَفْسِ عَلى فَواتِ أمْرٍ، واسْتَشْهَدَ ابْنُ زَيْدٍ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ  ﴾ ، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكَفَرَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما جرى تحذير الناس من غرور الشيطان وإيقاظهم إلى عداوته للنوع الإِنساني، وتقسيم الناس إلى فريقين: فريق انطلت عليه مكائد الشيطان واغتروا بغروره ولم يناصبوه العداء، وفريق أخذوا حذرهم منه واحترسوا من كيده وتجنبوا السير في مسالكه، ثم تقسيمُهم إلى كافر معذب ومؤمن صالح مُنعم عليه، أعقب ذلك بالإِيماء إلى استحقاق حزب الشيطان عذاب السعير، وبتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على من لم يَخلُصوا من حبائل الشيطان من أمة دعوته بأسلوب الملاطفة في التسلية ففُرع على جميع ما تقدم قولُه: ﴿ أفمن زين له سوء عمله فراءه حسناً ﴾ إلى قوله: ﴿ بما يصنعون ﴾ فابتداؤه بفاء التفريع ربط له بما تقدم ليعود الذهن إلى ما حكي من أحوالهم، فالتفريع على قوله: ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ﴾ [فاطر: 6]، ثم بإبراز الكلام المفرّع في صورة الاستفهام الإِنكاري، واجتلاب الموصول الذي تومئ صلته إلى علة الخَبَر المقصود، فأشير إلى أن وقوعه في هذه الحالة ناشئ من تزيين الشيطان له سوء عمله، فالمزيِّن للأعمال السيئة هو الشيطان قال تعالى: ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ [النمل: 24] فرأوا أعمالهم السيئة حسنة فعكفوا عليها ولم يقبلوا فيها نصيحة ناصح، ولا رسالة مرسَل.

و ﴿ مَنْ ﴾ موصولة صادقة على جمع من الناس كما دل عليه قوله في آخر الكلام ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ بل ودل عليه تفريع هذا على قوله ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ﴾ [فاطر: 6] و ﴿ مَن ﴾ في موضع رفع الابتداء والخبر عنه محذوف إيجازاً لدلالة ما قبله عليه وهو قوله: ﴿ الذين كفروا لهم عذاب شديد ﴾ [فاطر: 7] عَقِب قوله: وتقديره بالنسبة إلى تسلية النبي: لا يحزنك مصيره فإن الله مطلع عليه.

وفرع عليه: فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء } .

وفرع على هذا قوله: ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ أي فلا تفعل ذلك، أي لا ينبغي لك ذلك فإنهم أوقعوا أنفسهم في تلك الحالة بتزيين الشيطان لهم ورؤيتهم ذلك حسناً وهو من فعل أنفسهم فلماذا تتحسر عليهم.

وهذا الخبر مما دلت عليه المقابلة في قوله: ﴿ الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ [فاطر: 7] فقد دل ذلك على أن الكفر سوء وأن الإِيمان حسن، فيكون «من زين له سوء عمله» هو الكافر، ويكون ضده هو المؤمن، ونظير هذا التركيب قوله تعالى: ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ﴾ في سورة الزمر (19)، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ في سورة الرعد (33).

والتزيين: تحسين ما ليس بحسن بعضه أو كله.

وقد صرح هنا بضده في قوله: سوء عمله}، أي صورت لهم أعمالهم السيِئة بصورة حسنة ليُقْدِموا عليها بشرَه وتقدم في أوائل سورة النمل.

وجملة ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ مفرّعة، وهي تقرير للتسلية وتأييس من اهتداء من لم يخلق الله فيه أسباب الاهتداء إلى الحق من صحيح النظر وإنصاف المجادلة.

وإسناد الإِضلال والهداية إلى الله إسناد بواسطة أنه خالق أسباب الضلال والاهتداء، وذلك من تصرفه تعالى بالخلق وهو سر من الحكمة عظيم لا يدرك غوره وله أصول وضوابط سأبينها في «رسالة القضاء والقدر» إن شاء الله تعالى.

وجملة ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ مفرعة على المفرع على جملة ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ الخ فتؤول إلى التفريع على الجملتين فيؤول إلى أن يكون النظم هكذا: أفتتحسر على من زُيّن لهم سوء أعمالهم فرأوها حسناتتٍ واختاروا لأنفسهم طريق الضلال فإن الله أضلهم باختيارهم وهو قد تصرف بمشيئته فهو أضلهم وهدى غيرهم بمشيئته وإرادته التي شاء بها إيجاد الموجودات لا بأمره ورضاه الذي دعا به الناس إلى الرشاد، فلا تذهبْ نفسك عليهم حسرات وإنما حسرتهم على أنفسهم إذ رضوا لها باتباع الشيطان ونبذوا اتباع إرشاد الله كما دلّ على ذلك قوله: ﴿ إن الله عليم بما يصنعون ﴾ تسجيلاً عليهم أنهم ورطوا أنفسهم فيما أوقعوها فيه بصنعهم.

فالله أرشدهم بإرسال رسوله ليهديهم إلى ما يرضيه، والله أضلهم بتكوين نفوسهم نافرة عن الهدى تكويناً متسلسلاً من كائنات جمّة لا يحيط بها إلا علمه وكلها من مظاهر حكمته ولو شاء لجعل سلاسل الكائنات على غير هذا النظام فلهَدَى الناس جميعاً، وكلّهم ميسّر بتيْسيره إلى ما يعلم منهم فعدل عن النظم المألوف إلى هذا النظم العجيب.

وصيغ بالاستفهام الإِنكاري والنهي التثبيتي، ونظير هذه الآية في هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ﴾ في سورة الزمر (19)، فإن أصل نظمها: أفمن حق عليه كلمة العذاب أنت تنقذه من النار، أفأنت تنقذ الذين في النار.

إلا أن هذه الآية زادت بالاعتراض وكان المفرع الأخير فيها نهياً والأخرى عَريت عن الاعتراض وكان المفرع الأخير فيها استفهاماً إنكارياً.

والنهي موجه إلى نفس الرسول أن تذهب حسرات على الضالّين ولم يوجه إليه بأن يقال: فلا تذهب عليهم حسرات، والرسول ونفسه متحدان فتوجيه النهي إلى نفسه دون أن يقال فلا تذهب عليهم حسرات للإِشارة إلى أن الذهاب مستعار إلى التلف والانعدام كما يقال: طارت نفسه شعاعاً، ومثله في كلامهم كثير كقول الأعرابي من شعراء الحماسة: أقول للنفس تأْساءٍ وتعْزية *** إحدى يديّ أصابتْني ولم تُرِد لتحصل فائدة توزيع النهي والخطاب على شيئين في ظاهر الأمر فهو تكرير الخطاب والنهي لكليهما.

وهي طريقة التجريد المعدود في المحسنات، وفائدة التكرير الموجب تقرير الجملة في النفس.

وقد تقدم قريب من هذا عند قوله تعالى: ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ في سورة البقرة (9).

والحسرة تقدمت في قوله تعالى: ﴿ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر ﴾ من سورة مريم (39).

وانتصب حسرات } على المفعول لأجله، أي لا تَتْلِفْ نفسك لأجل الحسرة عليهم، وهو كقوله: ﴿ لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين ﴾ [الشعراء: 3]، وقوله: ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ [يوسف: 84] أي من حُزن نفسه لا من حزن العينين.

وجُمعت الحسرات مع أن اسم الجنس صالح للدلالة على تكرار الأفراد قصداً للتنبيه على إرادة أفراد كثيرة من جنس الحسرة لأن تلف النفس يكون عند تعاقب الحسرات الواحدة تلوَ الأخرى لدوام المتحسّر منه فكل تحسر يترك حزازة وكمداً في النفس حتى يبلغ إلى الحد الذي لا تطيقه النفس فينفطر له القلب فإنه قد علم في الطب أن الموت من شدة الألم كالضرب المبرح وقطع الأعضاء سببه اختلال حركة القلب من توارد الآلام عليه.

وقرأ الجمهور ﴿ فلا تذهب نفسك ﴾ بفتح الفوقية والهاء ورفع ﴿ نفسك ﴾ على أنه نهي لنفسه وهو كناية ظاهرة عن نهيه.

وقرأه أبو جعفر بضم الفوقية وكسر الهاء ونصب ﴿ نفسَك ﴾ على أنه نهي الرسول أن يذهب نفسَه.

وقد اشتملت هذه الآية على فاآت أربع كلها للسببية والتفريع وهي التي بلغ بها نظم الآية إلى هذا الإِيجاز البالغ حد الإِعجاز وفي اجتماعها محسن جمع النظائر.

وجملة ﴿ إن الله عليم بما يصنعون ﴾ تصلح لإفادة التصبر والتحلم، أي أن الله عليم بصنعهم في المخالفة عن أمره فكما أنه لحلمه لم يعجل بمؤاخذتهم فكن أنت مؤتسياً بالله ومتخلقاً بما تستطيعه من صفاته وفي ضمن هذا كناية عن عدم إفلاتهم من العذاب على سوء عملهم، وليس في هذه الجملة معنى التعليل لِجملة ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ لأن كَمَد نفس الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لأجل تأخير عقابهم ولكن لأجل عدم اهتدائهم.

وتأكيد الخبر ب ﴿ إنَّ ﴾ إما تمثيل لحال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال من أغفله التحسر عليهم عن التأمل في إمهال الله إياهم فأكد له الخبر ب ﴿ إن الله عليم بما يصنعون ﴾ ، وإمّا لجعل التأكيد لمجرد الاهتمام بالخبر لتكون ﴿ إنّ ﴾ مغنية غناء فاء التفريع فتتمخض الجملة لتقرير التسلية والتعريض بالجزاء عن ذلك.

وعبر ب ﴿ يصنعون ﴾ دون: يعملون، للإِشارة إلى أنهم يدبرون مكائد للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين فيكون هذا الكلام إيذاناً بوجود باعث آخر على النزع عن الحسرة عليهم.

وعن ابن عباس: أن المراد به أبو جهل وحزبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ، ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِ مُعانَدَةَ الرَّسُولِ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الخَوارِجُ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ القاسِمِ، ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِ تَحْرِيفَ التَّأْوِيلِ.

الثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ الحَسَنُ ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِ الإغْواءَ.

الرّابِعُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِمُ الشِّرْكَ.

وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ والأُسُودِ بْنِ المُطَّلِبِ، وقالَ غَيْرُهُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.

في قَوْلِهِ: ﴿ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَوابًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: جَمِيلًا.

وَفِي الكَلامِ مَحْذُوفٌ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ: فَإنَّهُ يُتَحَسَّرُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ: كَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا لا يَسْتَوِيانِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: أنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ: كَمَن عَمِلَ الحُسْنَ والقُبْحَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي قلابة أنه سئل عن هذه الآية ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ﴾ أهم عمالنا هؤلاء الذين يصنعون؟

قال: ليس هم.

إن هؤلاء ليس أحدهم يأتي شيئاً مما لا يحل له إلا قد عرف أن ذلك حرام عليه.

إن أتى الزنا فهو حرام، أو قتل النفس فهو حرام، إنما أولئك أهل الملل.

اليهود، والنصارى، والمجوس، وأظن الخوارج منهم، لأن الخارجي يخرج بسيفه على جميع أهل البصرة، وقد عرف أنه ليس ينال حاجته منهم، وأنهم سوف يقتلونه، ولولا أنه من دينه ما فعل ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ قال: الشيطان زين لهم- والله- الضلالات ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ أي لا تحزن عليهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ﴾ قال: هذا المشرك ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ كقوله: ﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ [ الكهف: 6] .

وأخرج ابن جرير من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه قال: أنزلت هذه الآية ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ﴾ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعِزَّ دينَكَ بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام، فهدى الله عمر رضي الله عنه، وأضل أبا جهل.

ففيهما أنزلت» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ ﴾ توقيف وجوابه محذوف تقديره: أفمن زين له سوء عمله كمن لم يزين له؟

ثم بنى على ذلك ما بعده، فالذي زين له سوء عمله هو الذي أضله الله، ومن لم يزين له سوء عمله هو الذي هداه الله ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن حزنه لعدم إيمانهم، لأن ذلك بيد الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.

الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.

الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.

الباقون: بالعكس.

﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.

الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.

﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون  ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.

وعن رسول الله  أنه رأى جبرائيل  ليلة المعراج وله ستمائة جناح.

وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله  وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.

ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.

قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا  ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.

ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.

ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.

وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.

ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.

وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.

وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.

وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.

ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟

قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.

وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.

وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.

﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.

وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.

والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.

ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.

وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.

ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.

ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.

ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.

ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.

وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.

وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.

ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.

ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.

وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.

ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.

وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.

وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.

ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.

وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.

عن النبي  "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .

وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.

ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.

وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك  ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.

ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.

ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.

ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.

وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.

وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.

وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي  أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .

ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".

وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.

وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.

وذلك في علم الله.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .

ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.

على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.

ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم  ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله  ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.

وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.

قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه  فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله  أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.

قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله  صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.

وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.

قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟

وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.

والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.

مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.

تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.

ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.

والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.

وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله  .

ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.

وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.

ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.

ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".

وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.

ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم  ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.

ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.

ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.

ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.

ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.

ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.

قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.

وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.

وههنا مسائل.

الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.

الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.

الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.

والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد  ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.

ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.

ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.

والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.

الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.

وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.

وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.

الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.

ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.

فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.

والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.

ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".

وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: ﴿ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ أي: البعث أنه كائن لا محالة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ فيما وعد من الثواب على الطاعات، ووعده حق فيما أوعد من العقاب على السيئات أنه يكون، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

معنى قوله: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ - والله أعلم - أي: لا تشغلنكم الحياة الدنيا عن ذكر الحياة الآخرة، ولا تنسينكم الحياة الدنيا عن حياة الآخرة، وإلا الدنيا لا تغر أحدا في الحقيقة، وكذلك هي [ليست] بلعب ولا لهو، ولا هي غارة، ولكن يغر أهلها بها لما غفلوا عما جعلت هي وأنشئت، وهو ما ذكرنا: أنها جعلت زادا للآخرة وبلغة إليها، فمن لم يجعلها زاداً للآخرة ولا بلغة إلى الوصول إلى الآخرة، ولكن جعلها في غير ما جعلت هي وأنشئت وهي الحياة فيها والمقام بها - صارت لعباً ولهواً، وصارت غروراً؛ إذ صيروها كالمنشأة لنفسها لا للآخرة، وهذا كما قال: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ أخبر أن السورة كانت تزيد لأهل الإيمان إيماناً، ولأهل الكفر والنفاق رجساً وعمى، والسورة لا تزيد رجساً ولا عمى في الحقيقة؛ لأنه وصف القرآن بأنه نور وأنه هدى ورحمة وبرهان، ولكن صار عمى [و]رجساً لمن أعرض عنه وكذب ورده، وأما من تلقاه بالقبول وأقبل عليه، ونظر إليه بالتعظيم والإجلال له والخضوع - فهو له نور وهدى ورحمة؛ فعلى ذلك الدنيا وما فيها من النعم واللذات، إذا جعلها غير ما جعلت هي وأنشئت صارت لعباً ولهواً وغروراً، بل لو حمدت هي على ما أنشئت مكان ما ذمت لكان حقّاً وصدقاً؛ لأنها سمي نعيمها: حسنة وخيراً وصلاحاً ونحوه؛ فلا جائز أن يذم الحسنة والخير، بل حق الذم على أهلها حيث غروا بها وصيروها في غير ما صيرت وجعلت لغفلتهم عما جعلت هي، وصرفهم إياها إلى غير الذي صرفت، وجهلهم بها؛ وعلى ذلك لا يجوز ذم الغناء والسعة والصحة والسلامة؛ لأن ذلك كله نعم من الله أنعمها على الناس؛ فيجب أن ينظروا إلى ما عليهم لله من الشكر في ذلك فيؤدوه؛ وكذلك العز والثناء الحسن ونحوه لا يجب أن يذم شيء من ذلك، بل يذم من لم يعرف أن العز فيم؟

إنما العز في طاعة الله والعبادة له لا في معاصيه، فهؤلاء سموا معصية الله: عزّاً؛ لجهلهم في العز؛ وكذلك الثناء الحسن يجب أن يحمد ربه ويشكر له فيما يستر على الخلق فضائحه ومساوئه، حتى أثنوا عليه ما لو بدا ذلك منه وأظهر لهربوا منه فضلا أن يثنوا عليه ويحمدوه؛ فيجب أن يشكر ربه ويثني عليه على ستر معاصيه وفضائحه، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ .

الغرور - بفتح الغين - هو الشيطان؛ يقول: لا يغرنكم بالله الشيطان.

ثم يحتمل قوله: ﴿ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ وجوهاً: أحدها: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: بكرمه وجوده، يقول: إنه كريم وجواد غفور يتجاوز عنكم ويعفو عنكم معاصيكم [و] مساوئكم.

والثاني: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ أي: بغناه؛ يقول: إنه غني ما به حاجة إلى عبادتكم إياه، فيما أمركم به ونهاكم عنه.

والثالث: أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: لا يغرنكم عن طاعة الله وعبادته فتعصوه، وذلك جائز في اللغة "الباء" مكان "عن"؛ كقوله: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ  ﴾ أي: عنها؛ إذ لا يشرب بالعين وإنما يشرب عنها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾ .

يذكر هذا - والله أعلم - لأن ما يدعو الشيطان الخلق إليه في الظاهر يخرج مخرج الشفقة لهم والنصيحة كما يدعو الأولياء؛ لأنه يدعوهم إلى قضاء شهواتهم ولذاتهم وما تهوى به أنفسهم، وإن كان يضمر ويقصد به هلاكهم؛ ألا ترى أنه كيف أظهر لآدم وحواء من الشفقة لهم والنصيحة حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ  ﴾ ونحوه، وكان قصده بذلك ما ذكر: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ...

 ﴾ الآية، هذا كان يضمر ويقصد في دعائه إياهما إلى التناول من تلك الشجرة التي نهاهما ربهما [عنها]؛ فعلى ذلك فيما يدعو الناس به إلى قضاء شهواتهم وحاجاتهم في الظاهر، فهو يقصد بذلك هلاكهم لمخالفتهم المولى لا ما يظهر ويبدي لهم؛ لذلك قال: إنه عدو لكم ليس بولي، ﴿ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾ ، أي: كونوا من دعائه وأمره على حذر، كما يحذر المرء دعاء عدوه.

﴿ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ ﴾ .

قال بعضهم: أهل طاعته.

وقال القتبي و[أبو] عوسجة: حزبه: أنصاره، والحزب: الأنصار.

وقال بعضهم: جنده.

وقال بعضهم: حزبه: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه؛ وكله واحد.

ثم يقول: ﴿ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ ﴾ لكنه خصّ حزبه بالدعاء لهم؛ لما أن حزبه هم بالمجيبون له والمطيعون، فأما غير حزبه فلا يجيبونه؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ ، وكان ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع الذكر، لكن خص بإنذار من اتبع الذكر؛ لما أن متبع الذكر هو المنتفع به دون من لم يتبع؛ لذلك خص - والله أعلم - فعلى ذلك ما خصّ بدعائه حزبه؛ لأن حزبه هم المجيبون له والمطيعون.

وقوله: ﴿ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

قصد بدعائه إلى ما يدعوهم، ليكونوا من أصحاب السعير، وإلا لو كان أظهر لهم الدعاء إلى أصحاب السعير ما أجابوه ولا أطاعوه، ولكن دعاهم إلى أعمال توجب لهم السعير، أو ليكون لهم عذاب السعير.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ : وهو ظاهر.

﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ .

قوله: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ لما عملوا من غير الصالحات بعد إيمانهم، أو مغفرة لذنوبهم في الإيمان، ﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ لإيمانهم وأعمالهم الصالحات.

وقوله: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ﴾ .

ليس لهذا الحرف في ذا الموضع جواب، فجائز أن يكون جوابه في قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ على التقديم له، كأنه يقول - والله أعلم -: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ ﴾ فلزمه كمن قبح له؛ فانتهى عنه، ليسا بسواء، كقوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ  ﴾ ذكر أن قوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ  ﴾ نزل في عمر بن الخطاب، وقوله: ﴿ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ  ﴾ في أبي جهل؛ فعلى ذلك الأول، وأن يكون ما ذكر بدءاً على التقديم والتأخير.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ : من الضلالة إلى الهدى، يضل من علم منه أنه يختار الضلال، ويهدي من علم منه أنه يختار الهدى.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ أي: لا تضل ولا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ إشفاقاً على ما ينزل بهم بتركهم الإيمان؛ لأن رسول الله كاد أن يهلك نفسه إشفاقاً عليهم فنهاه عن ذلك.

والثاني: على تخفيف الحزن عليه ودفعه عنه وتسليته إياه؛ لأنه يشتد به الحزن، لمكان كفرهم وتكذيبهم إياه وتركهم الإيمان به ليس على النهي؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ  ﴾ وقد ذكرنا معناه فيما تقدم مقدار ما حفظنا فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله  على علم بصنيعهم أنشأهم، لا عن جهل بما يكون منهم.

والثاني: عليم بما يصنعون؛ فلا تكافئهم ولا تشغلن بشيء مما يكون منهم، ولكن فوض ذلك إلى الله وأسلم إليه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن من حسّن له الشيطان عمله السيّئ فاعتقده هم حسنًا، ليس كمن زين له الله الحق فاعتقده حقًّا، فإن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لا مكره له، فلا تُهْلِك -أيها الرسول- نفسك حزنًا على ضلال الضالين، إن الله سبحانه عليم بما يصنعون، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.d342Y"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله