الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٧ من سورة فاطر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 46 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكرالله تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلىعذاب السعير ، ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب شديد ; لأنهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن ، وأن الذين آمنوا بالله ورسله ) وعملوا الصالحات لهم مغفرة ) أي : لما كان منهم من ذنب ، ( وأجر كبير ) على ما عملوه من خير .
القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) يقول تعالى ذكره: (الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله ورسوله (لَهُمْ عَذَابٌ) من الله (شَدِيدٌ) وذلك عذاب النار.
وقوله (وَالَّذِينَ آمَنُوا) يقول: والذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله وانتهوا عما نهاهم عنه (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) من الله لذنوبهم (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) وذلك الجنة.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) وهي الجنة.
الذين كفروا لهم عذاب شديد يكون ( الذين ) بدلا من ( أصحاب ) فيكون في موضع خفض ، أو يكون بدلا من حزبه فيكون في موضع نصب ، أو يكون بدلا من الواو فيكون في موضع رفع وقول رابع وهو أحسنها يكون في موضع رفع بالابتداء ويكون خبره لهم عذاب شديد ; وكأنه سبحانه بين حال موافقته ومخالفته ، ويكون الكلام قد تم في قوله : [ ص: 291 ] من أصحاب السعير ثم ابتدأ فقال الذين كفروا لهم عذاب شديد .
والذين آمنوا وعملوا الصالحات في موضع رفع بالابتداء أيضا ، وخبره لهم مغفرة أي لذنوبهم .
وأجر كبير وهو الجنة .
ثم ذكر أن الناس انقسموا بحسب طاعة الشيطان وعدمها إلى قسمين، وذكر جزاء كل منهما، فقال: { الَّذِينَ كَفَرُوا } أي: جحدوا ما جاءت به الرسل، ودلت عليه الكتب { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في نار جهنم، شديد في ذاته ووصفه، وأنهم خالدون فيها أبدا.{ وَالَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم، بما دعا اللّه إلى الإيمان به { وَعَمِلُوا } بمقتضى ذلك الإيمان، بجوارحهم، الأعمال { الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } لذنوبهم، يزول بها عنهم الشر والمكروه { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } يحصل به المطلوب.
( الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير )
«الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير» هذا بيان ما لموافقي الشيطان وما لمخالفيه.
الذين جحدوا أن الله هو وحده الإله الحق وجحدوا ما جاءت به رسله لهم عذاب شديد في الآخرة، والذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات لهم عفو من ربهم وتجاوز عن ذنوبهم بعد سترها عليهم، ولهم أجر كبير، وهو الجنة.
ثم بين - سبحانه - أقسام الناس يوم القيامة فقال : ( الذين كَفَرُواْ ) بكل ما يجب الإِيمان به ( لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) بسبب كفرهم وفسوقهم عن امر خالقهم - عز وجل - واتباعهم للشيطان .
.( والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ) الأعمال ( الصالحات لَهُم ) من ربهم ( مَّغْفِرَةٌ ) عظيمة ( وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - .
ثم بين الله تعالى حال حزبه وحال حزب الله.
فقال: ﴿ الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ فالمعادي للشيطان وإن كان في الحال في عذاب ظاهر وليس بشديد، والإنسان إذا كان عاقلاً يختار العذاب المنقطع اليسير دفعاً للعذاب الشديد المؤبد ألا ترى أن الإنسان إذ عرض في طريقه شوك ونار ولا يكون له بد من أحدهما يتخطى الشوك ولا يدخل النار ونسبة النار التي في الدنيا إلى النار التي في الآخرة دون نسبة الشوك إلى النار العاجلة.
وقال تعالى: ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ قد ذكر تفسيره مراراً، وبين فيه أن الإيمان في مقابلته المغفرة فلا يؤبد مؤمن في النار، والعمل الصالح في مقابلته الأجر الكبير.
<div class="verse-tafsir"
وعد الله الجزاء بالثواب والعقاب ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ﴾ فلا تخدعنكم ﴿ الدنيا ﴾ ولا يذهلنكم التمتع بها والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور ﴾ لا يقولن لكم اعملوا ما شئتم فإن الله غفور يغفر كل كبيرة ويعفو عن كل خطيئة.
والغرور الشيطان لأن ذلك ديدنه.
وقرئ بالضم وهو مصدر غره كاللزوم والنهوك أو جمع غارّ كقاعد وقعود أخبرنا الله عزّ وجلّ أن الشيطان لنا عدوّ مبين، واقتص علينا قصته وما فعل بأبينا آدم عليه السلام، وكيف انتدب لعداوة جنسنا من قبل وجوده وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا، فوعظنا عزّ وجلّ بأنه كما علمتم عدوّكم الذي لا عدوّ أعرق في العداوة منه، وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بحاله ﴿ فاتخذوه عَدُوّاً ﴾ في عقائدكم وأفعالكم.
ولا يوجدن منكم إلاّ ما يدلّ على معاداته ومناصبته في سركم وجهركم.
ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه بأنّ غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته ومتبعي خطواته: هو أن يوردهم مورد الشقوة والهلاك، وأن يكونوا من أصحاب السعير.
ثم كشف الغطاء وقشر اللحاء، ليقطع الأطماع الفارغة والأماني الكاذبة، فبنى الأمر كله على الإيمان والعمل وتركهما.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ وعِيدٌ لِمَن أجابَ دُعاءَهُ ووَعْدٌ لِمَن خالَفَهُ وقِطْعٌ لِلْأمانِي الفارِغَةِ، وبِناءٌ لِلْأمْرِ كُلِّهِ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وقَوْلُهُ: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ أيْ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ بِأنْ غَلَبَ وهْمُهُ وهَواهُ عَلى عَقْلِهِ حَتّى انْتَكَسَ رَأْيُهُ فَرَأى الباطِلَ حَقًّا والقَبِيحَ حُسْنًا، كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ بَلْ وُفِّقَ حَتّى عَرَفَ الحَقَّ واسْتَحْسَنَ الأعْمالَ واسْتَقْبَحَها عَلى ما هي عَلَيْهِ، فَحُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ وقِيلَ تَقْدِيرُهُ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، فَحُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ: ﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ﴾ عَلَيْهِ ومَعْناهُ فَلا تُهْلِكْ نَفْسَكَ عَلَيْهِمْ لِلْحَسَراتِ عَلى غَيِّهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ، والفاءاتُ الثَّلاثُ لِلسَّبَبِيَّةِ غَيْرَ أنَّ الأوَّلِيَّيْنِ دَخَلَتا عَلى السَّبَبِ والثّالِثَةُ دَخَلَتْ عَلى المُسَبَّبِ، وجَمْعُ الحَسَراتِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضاعُفِ اغْتِمامِهِ عَلى أحْوالِهِمْ أوْ كَثْرَةِ مَساوِي أفْعالِهِمُ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّأسُّفِ، وعَلَيْهِمْ لَيْسَ صِلَةً لَها لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُهُ بَلْ صِلَةُ تَذْهَبْ أوْ بَيانٌ لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي فمن أجابه حين دعاه فله عذاب شديد لأنه صار من حزبه
أى اتباعه {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يجيبوه ولم يصيروا من حزبه بل عادوه {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} لكبر جهادهم ولما ذكر الفريقين قال لنبيه عليه السلام
﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإجابَتِهِمْ لِدَعْوَةِ الشَّيْطانِ واتِّباعِهِمْ لِخُطُواتِهِ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ عَذابٍ لِتَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ المُدَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهم عَذابٌ دائِمٌ شَدِيدٌ.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ لا غايَةَ لَهُما بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
( والَّذِينَ كَفَرُوا ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ وكَذا ( الَّذِينَ آمَنُوا ) و ﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ الخ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن ﴿ أصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِن ﴿ حِزْبَهُ ﴾ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ( لِيَكُونُوا ) والكُلُّ مُفَوَّتٌ لِجَزالَةِ التَّرْكِيبِ كَما لا يَخْفى عَلى الأرِيبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا نعمة الله.
ثم ذكر النعمة فقال: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني: النبات والمطر.
قرأ حمزة والكسائي غَيْرُ اللَّهِ بكسر الراء.
وقرأ الباقون بالضم مثل ما في سورة الأعراف.
والاستثناء إذا كان بحرف إلا.
فإن الإعراب يكون على ما بعده.
وإذا كان الاستثناء بحرف غير، فإن الإعراب يقع على نفس الغير.
فمن قرأ بالكسر، صار كسراً على البدل.
ومن قرأ بالرفع فمعناه: هل خالق غير الله، لأن من موكدة.
ولفظ الآية لفظ الاستفهام.
والمراد به النفس يعني: أنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه، ولا يرزقكم أحد سواه.
ثم وحّد نفسه فقال: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يفعل بكم ذلك فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يعني: من أين تكذبون، وأنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه.
ثم قال عز وجل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ كما كذبك قومك، وهذا تعزية يعزي بها نبيه ليصبر على أذاهم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يعني: إليه ترجع عواقب الأمور بالبعث.
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: البعث بعد الموت حق كائن فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يعني: حياتكم في الدنيا، والدنيا في الأصل هي القربى.
سميت بهذا لأن حياتهم هذه أقرب إليهم.
ويقال: هي فعلى من الأدون يعني: حياة الأدون وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني: الباطل وهو الشيطان.
قال: حدّثنا أبو الليث رحمه الله.
قال: حدّثني أبي.
قال: حدّثنا أبو الحسن الفراء الفقيه السمرقندي.
قال: حدّثنا أبو بكر الجرجاني الإمام بسمرقند ذكر بإسناده عن العلاء بن زيادة.
قال: رأيت الدنيا في النوم امرأة قبيحة عمشاء، ضعيفة، عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينةٍ فقلت: من أنت.
أعوذ بالله منك؟
فقالت: أنا الدُّنيا.
فإن يسرك أن يعيذك الله مني، فأبغض الدراهم يعني: لا تمسكها عن النفقة في موضع الحق.
ثم قال عز وجل: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ يعني: حين يأمركم بالكفر، ومن عداوته مع أبيكم ترك طاعة الله فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا يعني: فعادوه بطاعة الله.
ومعناه: أطيعوا الله عز وجل لأنك إذا أطعت الله فقد عاديت الشيطان إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ يعني: شيعته إلى الكفر لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: من أهل النار.
ثم بيّن مصير من أطاع الشيطان، ومصير من عصاه فقال الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله عز وجل: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: صدقوا بوحدانية الله، وعملوا الطاعات، واتخذوا الشيطان عدواً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ في الدنيا لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يعني: ثواباً حسناً في الجنة.
قوله عز وجل: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ يعني: قبيح عمله كمن لم يزين له ذلك فَرَآهُ حَسَناً يعني: فظنه حقاً.
والجواب فيه مضمرا فمن زيّن له سوء عمله كمن لم يزين له ذلك.
وقال الزجاج: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ يعني: أبا جهل وأصحابه، وأضله الله كمن لم يزين له ذلك وهداه الله تعالى.
ثم قال: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ عن دينه وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ لدينه فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ قال القتبي: هذا من الإضمار.
يعني: ذهبت نفسك حسرة عليهم، ولا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات بتركهم الإيمان.
وقرئ في الشاذ: فَلا تَذْهَبْ بضم التاء وكسر الهاء نَفْسُكَ بنصب السين.
من أذهب يذهب يعني: لا تقتل نفسك وقراءة العامة فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ بنصب التاء والهاء وضم السين أي: لا تحزن نفسك إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ من الخير والشر.
<div class="verse-tafsir"
قال الهيثم الفارسي: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي: أَنْتَ الهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ القُرْآنَ بِصَوْتِكَ جَزَاكَ اللهُ خَيْراً.
وَقِيلَ مِنَ الأَقْوَالِ فِي الزِّيَادَةِ غَيْرَ هَذَا وَذَلِكَ عَلَى جِهَة المِثَالِ لاَ أَنَّ المَقْصِدَ هِيَ فَقَطْ.
وَقَوْلهُ تَعَالَى: مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ ما شرط ويَفْتَحِ مَجْزُومٌ بِالشَّرْطِ.
وقوله: مِنْ رَحْمَةٍ عَامٌ فِي كُلِّ خَيْرٍ يُعْطِيهِ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ.
وَقَوْلُه: مِنْ بَعْدِهِ فيه حَذْفٌ مُضَافٍ، أي: مِنْ بَعْدِ إمْسَاكِهِ وَمِنْ هَذِهِ الآيةِ سَمَّتِ الصُّوفِيَّةُ مَا تُعْطَاهُ مِنَ الأَمْوَالِ وَالمَطَاعِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ «الفتوحات» .
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابُ لِقُرَيْشٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ لِكُلِّ كَافِرٍ.
وَقَوْلهُ سُبْحَانَه: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا.
ت: هذهِ الآيةُ مَعَنَاهَا بَيِّنٌ، قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللهِ: يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُقَلِّلَ الدُّخُولَ فِي أسباب الدّنيا فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ قَلِيلَ الدُّنْيَا يُلْهَي عَنْ كَثِيرِ الآخِرَةِ» وقال صلى الله عليه وسلّم: «مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ إلاَّ وَبِجَنْبَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: يا أيّها النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإنَّ ما قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى» «١» .
انتهى مِنْ «لَطَائِف المِنَنِ» .
وَقَرَأَ جُمْهُورُ النَّاسِ: «الغرور» - بِفَتْحِ الغَيْنِ- وَهُوَ الشَّيْطَانُ.
قَالَهُ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» .
وَقَوْلهُ: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ الآية: يُقَوِّي قِرَاءَةُ الجُمْهُورِ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا.
أي: بالمبَايَنَةِ والمقَاطَعَةِ والمخَالَفَةِ باتّباع الشرع.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، و ﴿ اذْكُرُوا ﴾ بِمَعْنى " احْفَظُوا " ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إسْكانُهُمُ الحَرَمَ ومَنعُ الغاراتِ عَنْهم.
﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: " غَيْرِ اللَّهِ " بِخَفْضِ الرّاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلاهُ صِفَةً عَلى اللَّفْظِ، وذَلِكَ حَسَنٌ لِإتْباعِ الجَرِّ.
وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ؛ والمَعْنى: لا خالِقَ سِواهُ ﴿ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ ﴾ المَطَرَ و مِنَ (الأرْضِ) النَّباتَ، وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ٩٥ آلِ عِمْرانَ: ١٨٤، البَقَرَةِ: ٢١٠، لُقْمانَ: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ ﴾ أيْ: إنَّهُ يُرِيدُ هَلاكَكم ﴿ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ أيْ: أنْزِلُوهُ مِن أنْفُسِكم مَنزِلَةَ الأعْداءِ، وتَجَنَّبُوا طاعَتَهُ ﴿ إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ ﴾ أيْ: شِيعَتَهُ إلى الكُفْرِ ﴿ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الشَيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الشَيْطانَ ﴾ الآيَةُ...
يُقَوِّي قِراءَةَ مَن قَرَأ: "الغَرُورُ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ أيْ: بِالمُبايَنَةِ والمُقاطَعَةِ والمُخالَفَةِ لَهُ بِاتِّباعِ الشَرْعِ.
و"الحِزْبُ": الحاشِيَةُ والصاغِيَةُ، واللامُ في "لِيَكُونُوا" لامُ الصَيْرُورَةِ: لِأنَّهُ لَمْ يَدْعُهم إلى السَعِيرِ، وإنَّما اتَّفَقَ أنْ صارَ أمْرُهم عن دُعائِهِ إلى ذَلِكَ، و"السَعِيرُ" طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وهي سَبْعُ طَبَقاتٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهَذا هو الحَسَنُ لِعَطْفِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُما جُمْلَتانِ تَعادَلَتا، وجَوَّزَ بَعْضُ الناسِ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَكُونُوا"، وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن "أصْحابِ"، وهَذا مُحْتَمَلٌ، غَيْرَ أنَّ الِابْتِداءَ أرْجَحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ ﴾ الآيَةُ...
تَوْقِيفٌ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَ الكِسائِيِّ: تَذْهَبُ نَفْسُكَ حَسَراتٍ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَتَقَدَّرَ: كَمَنِ اهْتَدى، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، وأحْسَنُها ما دَلَّ اللَفْظُ بَعْدُ عَلَيْهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أمَّنْ" بِغَيْرِ فاءٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن كُفْرِ قَوْمِهِ، ووَجَبَ التَسْلِيمُ لِلَّهِ تَعالى في إضْلالِ مَن شاءَ وهِدايَةِ مَن شاءَ، وأمَرَ نَبِيَّهُ بِالإعْراضِ عن أمْرِهِمْ، وألّا يَبْخَعَ نَفْسَهُ أسَفًا عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْهَبَ" بِفَتْحِ التاءِ والهاءِ "نَفْسُكَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وعِيسى، والأشْهَبُ: "تُذْهِبْ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ "نَفْسَكَ" نَصْبًا، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ.
و"الحَسْرَةُ": هَمُّ النَفْسِ عَلى فَواتِ أمْرٍ، واسْتَشْهَدَ ابْنُ زَيْدٍ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ ﴾ ، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكَفَرَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي يفيد مفاد الفذلكة والاستنتاج مما تقدم.
وهذا الاستئناف يومئ إلى أن الذين كفروا هم حزب الشيطان لأنه لما ذكر أن حزبه من أصحاب السعير وحكم هنا بأن الذين كفروا لهم عذاب شديد علم أن الذين كفروا من أصحاب السعير إذ هو العذاب الشديد فعلم أنهم حزب الشيطان بطريقة قياس مطويّ، فالذين كفروا هم حزب الشيطان لعكوفهم على متابعته وإن لم يُعلنوا ذلك لاقتناعه منهم بملازمة ما يمليه عليهم.
وأما المؤمنون العصاة فليسوا من حزبه لأنهم يعلمون كيده ولكنهم يتبعون بعض وسوسته بدافع الشهوات وهم مع ذلك يلعنونه ويتبرأون منه.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع «إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي منكم بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم».
وذكر ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ تتميم بأن الذين لم يكونوا من حزبه قد فازوا بالخيرات.
وقد أشارت الآية إلى طرفين في الضلال والاهتداء وطوت ما بين ذينك من المراتب ليُعلم أن ما بين ذلك ينالهم نصيبهم من أشبه أحوالهم بأحوال أحد الفريقين على عادة القرآن في وضع المسلم بين الخوف والرجاء، والأمل والرهبة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ، ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِ مُعانَدَةَ الرَّسُولِ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الخَوارِجُ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ القاسِمِ، ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِ تَحْرِيفَ التَّأْوِيلِ.
الثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ الحَسَنُ ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِ الإغْواءَ.
الرّابِعُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ويَكُونُ سُوءُ عَمَلِهِمُ الشِّرْكَ.
وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ والأُسُودِ بْنِ المُطَّلِبِ، وقالَ غَيْرُهُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
في قَوْلِهِ: ﴿ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَوابًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: جَمِيلًا.
وَفِي الكَلامِ مَحْذُوفٌ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ: فَإنَّهُ يُتَحَسَّرُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ: كَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا لا يَسْتَوِيانِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: أنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ: كَمَن عَمِلَ الحُسْنَ والقُبْحَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: الغرة في الحياة الدنيا أن يغتر بها، وتشغله عن الآخرة؛ أن يمهد لها، ويعمل لها كقول العبد إذا أفضى إلى الآخرة ﴿ يا ليتني قدمت لحياتي ﴾ [ الفجر: 24] والغرة بالله: أن يكون العبد في معصية الله، ويتمنى على الله المغفرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدواً ﴾ قال: عادوه فإنه يحق على كل مسلم عداوته، وعداوته أن يعاديه بطاعة الله.
وفي قوله: ﴿ إنما يدعو حزبه ﴾ قال: أولياءه ﴿ ليكونوا من أصحاب السعير ﴾ أي ليسوقهم إلى النار، فهذه عداوته.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما يدعو حزبه...
﴾ الآية.
قال يدعو حزبه إلى معاصي الله، وأصحاب معاصي الله أصحاب السعير، وهؤلاء حزبه من الإِنس ألا تراه يقول: ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ [ المجادلة: 19] قال: والحزب ولاية الذين يتولاهم ويتولونه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ قال: كل شيء في القرآن ﴿ لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ ورزق كريم فهو الجنة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ الغرور ﴾ الشيطان، وقيل: التسويف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.
الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.
الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.
الباقون: بالعكس.
﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.
الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.
﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.
و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.
وعن رسول الله أنه رأى جبرائيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح.
وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.
ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.
قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾ ﴿ علمه شديد القوى ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.
ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.
وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.
ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.
وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.
وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.
وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.
ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟
قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.
وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.
وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.
﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.
وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.
والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.
ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.
وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.
ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.
ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.
ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.
ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.
وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.
وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.
ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.
ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.
وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.
ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.
وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.
وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.
ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.
وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.
عن النبي "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .
وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.
ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.
وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.
ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.
ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.
ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.
وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.
وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.
وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .
ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".
وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.
وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.
وذلك في علم الله.
﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .
ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.
على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.
ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.
قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.
وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.
قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.
قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.
وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.
قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟
وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.
والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.
مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.
تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.
ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.
والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.
وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله .
ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.
وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.
ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.
ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".
وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.
ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.
ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.
ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.
ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.
ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.
ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.
ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.
ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.
قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.
وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.
وههنا مسائل.
الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.
الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.
الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.
والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.
ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.
ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.
والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.
الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.
وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.
وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.
الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.
ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.
فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.
والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.
ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".
وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: ﴿ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ أي: البعث أنه كائن لا محالة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ فيما وعد من الثواب على الطاعات، ووعده حق فيما أوعد من العقاب على السيئات أنه يكون، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
معنى قوله: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ - والله أعلم - أي: لا تشغلنكم الحياة الدنيا عن ذكر الحياة الآخرة، ولا تنسينكم الحياة الدنيا عن حياة الآخرة، وإلا الدنيا لا تغر أحدا في الحقيقة، وكذلك هي [ليست] بلعب ولا لهو، ولا هي غارة، ولكن يغر أهلها بها لما غفلوا عما جعلت هي وأنشئت، وهو ما ذكرنا: أنها جعلت زادا للآخرة وبلغة إليها، فمن لم يجعلها زاداً للآخرة ولا بلغة إلى الوصول إلى الآخرة، ولكن جعلها في غير ما جعلت هي وأنشئت وهي الحياة فيها والمقام بها - صارت لعباً ولهواً، وصارت غروراً؛ إذ صيروها كالمنشأة لنفسها لا للآخرة، وهذا كما قال: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ أخبر أن السورة كانت تزيد لأهل الإيمان إيماناً، ولأهل الكفر والنفاق رجساً وعمى، والسورة لا تزيد رجساً ولا عمى في الحقيقة؛ لأنه وصف القرآن بأنه نور وأنه هدى ورحمة وبرهان، ولكن صار عمى [و]رجساً لمن أعرض عنه وكذب ورده، وأما من تلقاه بالقبول وأقبل عليه، ونظر إليه بالتعظيم والإجلال له والخضوع - فهو له نور وهدى ورحمة؛ فعلى ذلك الدنيا وما فيها من النعم واللذات، إذا جعلها غير ما جعلت هي وأنشئت صارت لعباً ولهواً وغروراً، بل لو حمدت هي على ما أنشئت مكان ما ذمت لكان حقّاً وصدقاً؛ لأنها سمي نعيمها: حسنة وخيراً وصلاحاً ونحوه؛ فلا جائز أن يذم الحسنة والخير، بل حق الذم على أهلها حيث غروا بها وصيروها في غير ما صيرت وجعلت لغفلتهم عما جعلت هي، وصرفهم إياها إلى غير الذي صرفت، وجهلهم بها؛ وعلى ذلك لا يجوز ذم الغناء والسعة والصحة والسلامة؛ لأن ذلك كله نعم من الله أنعمها على الناس؛ فيجب أن ينظروا إلى ما عليهم لله من الشكر في ذلك فيؤدوه؛ وكذلك العز والثناء الحسن ونحوه لا يجب أن يذم شيء من ذلك، بل يذم من لم يعرف أن العز فيم؟
إنما العز في طاعة الله والعبادة له لا في معاصيه، فهؤلاء سموا معصية الله: عزّاً؛ لجهلهم في العز؛ وكذلك الثناء الحسن يجب أن يحمد ربه ويشكر له فيما يستر على الخلق فضائحه ومساوئه، حتى أثنوا عليه ما لو بدا ذلك منه وأظهر لهربوا منه فضلا أن يثنوا عليه ويحمدوه؛ فيجب أن يشكر ربه ويثني عليه على ستر معاصيه وفضائحه، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ .
الغرور - بفتح الغين - هو الشيطان؛ يقول: لا يغرنكم بالله الشيطان.
ثم يحتمل قوله: ﴿ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ وجوهاً: أحدها: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: بكرمه وجوده، يقول: إنه كريم وجواد غفور يتجاوز عنكم ويعفو عنكم معاصيكم [و] مساوئكم.
والثاني: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ أي: بغناه؛ يقول: إنه غني ما به حاجة إلى عبادتكم إياه، فيما أمركم به ونهاكم عنه.
والثالث: أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: لا يغرنكم عن طاعة الله وعبادته فتعصوه، وذلك جائز في اللغة "الباء" مكان "عن"؛ كقوله: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ ﴾ أي: عنها؛ إذ لا يشرب بالعين وإنما يشرب عنها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾ .
يذكر هذا - والله أعلم - لأن ما يدعو الشيطان الخلق إليه في الظاهر يخرج مخرج الشفقة لهم والنصيحة كما يدعو الأولياء؛ لأنه يدعوهم إلى قضاء شهواتهم ولذاتهم وما تهوى به أنفسهم، وإن كان يضمر ويقصد به هلاكهم؛ ألا ترى أنه كيف أظهر لآدم وحواء من الشفقة لهم والنصيحة حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ ﴾ ونحوه، وكان قصده بذلك ما ذكر: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ...
﴾ الآية، هذا كان يضمر ويقصد في دعائه إياهما إلى التناول من تلك الشجرة التي نهاهما ربهما [عنها]؛ فعلى ذلك فيما يدعو الناس به إلى قضاء شهواتهم وحاجاتهم في الظاهر، فهو يقصد بذلك هلاكهم لمخالفتهم المولى لا ما يظهر ويبدي لهم؛ لذلك قال: إنه عدو لكم ليس بولي، ﴿ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾ ، أي: كونوا من دعائه وأمره على حذر، كما يحذر المرء دعاء عدوه.
﴿ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ ﴾ .
قال بعضهم: أهل طاعته.
وقال القتبي و[أبو] عوسجة: حزبه: أنصاره، والحزب: الأنصار.
وقال بعضهم: جنده.
وقال بعضهم: حزبه: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه؛ وكله واحد.
ثم يقول: ﴿ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ ﴾ لكنه خصّ حزبه بالدعاء لهم؛ لما أن حزبه هم بالمجيبون له والمطيعون، فأما غير حزبه فلا يجيبونه؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، وكان ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع الذكر، لكن خص بإنذار من اتبع الذكر؛ لما أن متبع الذكر هو المنتفع به دون من لم يتبع؛ لذلك خص - والله أعلم - فعلى ذلك ما خصّ بدعائه حزبه؛ لأن حزبه هم المجيبون له والمطيعون.
وقوله: ﴿ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
قصد بدعائه إلى ما يدعوهم، ليكونوا من أصحاب السعير، وإلا لو كان أظهر لهم الدعاء إلى أصحاب السعير ما أجابوه ولا أطاعوه، ولكن دعاهم إلى أعمال توجب لهم السعير، أو ليكون لهم عذاب السعير.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ : وهو ظاهر.
﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ .
قوله: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ لما عملوا من غير الصالحات بعد إيمانهم، أو مغفرة لذنوبهم في الإيمان، ﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ لإيمانهم وأعمالهم الصالحات.
وقوله: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ﴾ .
ليس لهذا الحرف في ذا الموضع جواب، فجائز أن يكون جوابه في قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ على التقديم له، كأنه يقول - والله أعلم -: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ ﴾ فلزمه كمن قبح له؛ فانتهى عنه، ليسا بسواء، كقوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ ﴾ ذكر أن قوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ ﴾ نزل في عمر بن الخطاب، وقوله: ﴿ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ ﴾ في أبي جهل؛ فعلى ذلك الأول، وأن يكون ما ذكر بدءاً على التقديم والتأخير.
وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ : من الضلالة إلى الهدى، يضل من علم منه أنه يختار الضلال، ويهدي من علم منه أنه يختار الهدى.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ أي: لا تضل ولا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ إشفاقاً على ما ينزل بهم بتركهم الإيمان؛ لأن رسول الله كاد أن يهلك نفسه إشفاقاً عليهم فنهاه عن ذلك.
والثاني: على تخفيف الحزن عليه ودفعه عنه وتسليته إياه؛ لأنه يشتد به الحزن، لمكان كفرهم وتكذيبهم إياه وتركهم الإيمان به ليس على النهي؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ وقد ذكرنا معناه فيما تقدم مقدار ما حفظنا فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله على علم بصنيعهم أنشأهم، لا عن جهل بما يكون منهم.
والثاني: عليم بما يصنعون؛ فلا تكافئهم ولا تشغلن بشيء مما يكون منهم، ولكن فوض ذلك إلى الله وأسلم إليه.
<div class="verse-tafsir"
الذين كفروا بالله اتباعًا للشيطان، لهم عذاب قوي، والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات لهم مغفرة من الله لذنوبهم، ولهم أجر عظيم منه وهو الجنة.
<div class="verse-tafsir" id="91.n9P8Q"