الآية ٦٥ من سورة ص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٦٥ من سورة ص

قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌۭ ۖ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٥ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٥ من سورة ص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله : إنما أنا منذر لست كما تزعمون ( وما من إله إلا الله الواحد القهار ) أي : هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( قُلْ ) يا محمد لمشركي قومك.( إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ ) لكم يا معشر قريش بين يدي عذاب شديد, أنذركم عذاب الله وسخطه أن يحلّ بكم على كفركم به, فاحذروه وبادروا حلوله بكم بالتوبة ( وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) يقول: وما من معبود تصلح له العبادة, وتنبغي له الربوبية, إلا الله الذي يدين له كل شيء, ويعبدُه كلّ خلق, الواحد الذي لا ينبغي أن يكون له في ملكه شريك, ولا ينبغي أن تكون له صاحبة, القهار لكلّ ما دونه بقدرته, ربّ السموات والأرض, يقول: مالك السموات والأرض وما بينهما من الخلق; يقول: فهذا الذي هذه صفته, هو الإله الذي لا إله سواه, لا الذي لا يملك شيئا, ولا يضرّ, ولا ينفع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل إنما أنا منذر أي مخوف عقاب الله لمن عصاه وقد تقدم ." وما من إله " أي معبود " إلا الله الواحد القهار " الذي لا شريك له "

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلْ } يا أيها الرسول لهؤلاء المكذبين، إن طلبوا منك ما ليس لك ولا بيدك: { إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ } هذا نهاية ما عندي، وأما الأمر فلله تعالى، ولكني آمركم، وأنهاكم، وأحثكم على الخير وأزجركم عن الشر فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَعَلَيْهَا { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ } أي: ما أحد يؤله ويعبد بحق إلا اللّه { الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تعالى، وقهره لكل شيء، فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهارين متساويين في قهرهما أبدا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل ) يا محمد لمشركي مكة ، ( إنما أنا منذر ) مخوف ( وما من إله إلا الله الواحد القهار ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» يا محمد لكفار مكة «إنما أنا منذر» مخوّف بالنار «وما من إله إلا الله الواحد القهار» لخلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لقومك: إنما أنا منذر لكم من عذاب الله أن يحل بكم؛ بسبب كفركم به، ليس هناك إله مستحق للعبادة إلا الله وحده، فهو المتفردُ بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله، القهَّارُ الذي قهر كل شيء وغلبه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بتلقين رسوله صلى الله عليه وسلم الرد الذى يرد به على المشركين المعترضين على دعوته ، وببيان موقف إبليس من أمر الله - تعالى - له بالسجود لآدم ، وببيان ما أعده - سبحانه - لإبليس وجنده من عذاب .

فقال - تعالى - :( قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ وَمَا .

.

.

) .المعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين : إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد ، إذا بقيتم على كفركم ، وأعرضتم عن دعوتى .واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم ، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر ، وأخرى بأنه كاهن .

.

إلخ .وقوله - سبحانه - : ( وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار .

رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا العزيز الغفار ) نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته ، أو صفاته ، أو فى خلقه لهذا الكون .

أى : ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون ، وهو - سبحانه - الواحد الأحد ، القاهر فوق عباده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى في أول السورة أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما دعا الناس إلى أنه لا إله إلا الله واحد، وإلى أنه رسول مبين من عند الله، وإلى أن القول بالقيامة حق، فأولئك الكفار أظهروا السفاهة وقالوا إنه ساحر كذاب واستهزؤا بقوله، ثم إنه تعالى ذكر قصص الأنبياء لوجهين: الأول: ليصير ذلك حاملاً لمحمد صلى الله عليه وسلم على التأسي بالأنبياء عليهم السلام في الصبر على سفاهة القوم والثاني: ليصير ذلك رادعاً للكفار على الإصرار على الكفر والسفاهة وداعياً إلى قبول الإيمان، ولما تمم الله تعالى هذه البيانات عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أول السورة وهي تقدير التوحيد والنبوة والبعث، فقال قل يا محمد إنما أنا منذر ولا بد من الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار، فإن الترتيب الصحيح أن تذكر شبهات الخصوم أولاً ويجاب عنها ثم نذكر عقيبها الدلائل الدالة على صحة المطلوب، فكذا هاهنا أجاب الله تعالى عن شبهتهم ونبه على فساد كلماتهم، ثم ذكر عقيبه ما يدل على صحة هذه المطالب، لأن إزالة ما لا ينبغي مقدمة على إثبات ما ينبغي، وغسل اللوح من النقوش الفاسدة مقدم على كتب النقوش الصحيحة فيه، ومن نظر في هذا الترتيب اعترف بأن الكلام من أول السورة إلى آخرها قد جاء على أحسن وجوه الترتيب والنظم.

أما قوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ ﴾ يعني أبلغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد، وأحوال ثواب من أقربها، وكما بدأ في أول السورة بأدلة التوحيد حيث حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا  ﴾ فكذلك بدأ هاهنا بتقرير التوحيد فقال: ﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار ﴾ وفي هذه الكلمة إشارة إلى الدليل الدال على كونه منزهاً عن الشريك والنظير، وبيانه أن الذي يجعل شريكاً له في الإلهية، إما أن يكون موجوداً قادراً على الإطلاق على التصرف في العالم أو لا يكون كذلك، بل يكون جماداً عاجزاً والأول: باطل لأنه لو كان شريكه قادراً على الإطلاق لم يكن هو قادراً قاهراً، لأن بتقدير أن يريد هو شيئاً ويريد شريكه ضد ذلك الشيء لم يكن حصول أحد الأمرين أولى من الآخر، فيفضي إلى اندفاع كل واحد منهما بالآخر، وحينئذ لا يكون قادراً قاهراً بل كان عاجزاً ضعيفاً، والعاجز لا يصلح للإلهية، فقوله: ﴿ إلا الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى أن كونه قهاراً يدل على كونه واحداً وأما الثاني: وهو أن يقال إن الذي جعل شريكاً له لا يقدر على شيء ألبتة مثل هذه الأوثان، فهذا أيضاً فاسد لأن صريح العقل يحكم بأن عبادة الإله القادر القاهر أولى من عبادة الجماد الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً فقوله: ﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار ﴾ يدل على هذه الدلائل، واعلم أن كونه سبحانه قهاراً مشعر بالترهيب والتخويف، فلما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال: ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا العزيز الغفار ﴾ فكونه رباً مشعر بالتربية والإحسان والكرم والجود، وكونه غفاراً مشعر بالترغيب، وهذا الموجود هو الذي تجب عبادته، لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى فضله وثوابه.

ونذكر طريقة أخرى في تفسير هذه الآيات، فنقول إنه تعالى ذكر من صفاته في هذا الموضع خمسة الواحد والقهار والرب والعزيز والغفار، أما كونه واحداً فهو الذي وقع الخلاف فيه بين أهل الحق وبين المشركين واستدل تعالى على كونه واحداً بكونه قهاراً وقد بينا وجه هذه الدلالة إلا أن كونه قهاراً وإن دل على إثبات الوحدانية إلا أنه يوجب الخوف الشديد فأردفه تعالى بذكر صفات ثلاثة دالة على الرحمة والفضل والكرم أولها: كونه رباً للسموات والأرض وما بينهما وهذا إنما تتم معرفته بالنظر في آثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة، وذلك بحر لا ساحل له فإذا تأملت في آثار حكمته ورحمته في خلق هذه الأشياء عرفت حينئذ تربيته للكل وذلك يفيد الرجاء العظيم.

وثانيها: كونه عزيزاً والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومربي وكريم إلا أنه غير قادر على كل المقدورات، فأجاب عنه بأنه عزيز أي قادر على كل الممكنات فهو يغلب الكل ولا يغلبه شيء.

وثالثها: كونه غفاراً والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومحسن ولكنه يكون كذلك في حق المطيعين المخلصين في العبادة، فأجاب عنه بأن من بقي على الكفر سبعين سنة ثم تاب فإني أزيل اسمه عن ديوان المذنبين وأستر عليه بفضلي ورحمتي جميع ذنوبه وأوصله إلى درجات الأبرار، واعلم أنه تعالى لما بين ذلك قال: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ وهذا النبأ العظيم يحتمل وجوهاً فيمكن أن يكون المراد أن القول بأن الإله واحد نبأ عظيم، ويمكن أن يقال المراد أن القول بالنبوة نبأ عظيم، ويمكن أن يقال المراد أن القول بإثبات الحشر والنشر والقيامة نبأ عظيم، وذلك لأن هذه المطالب الثلاثة كانت مذكورة في أول السورة ولأجلها أنجز الكلام إلى كل ما سبق ذكره، ويمكن أيضاً أن يكون المراد كون القرآن معجزاً لأن هذا أيضاً قد تقدم ذكره في قوله: ﴿ كتاب أنزلناه إِلَيْكَ مبارك لّيَدَّبَّرُواْ ءاياته  ﴾ وهؤلاء الأقوام أعرضوا عنه على ما قال: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ترغيب في النظر والاستدلال ومنع من التقليد، لأن هذه المطالب مطالب شريفة عالية، فإن بتقدير أن يكون الإنسان فيها على الحق يفوز بأعظم أبواب السعادة، وبتقدير أن يكون الإنسان فيها على الباطل وقع في أعظم أبواب الشقاوة فكانت هذه المباحث أنباء عظيمة ومطالب عالية بهية، وصريح العقل يوجب على الإنسان أن يأتي فيها بالاحتياط التام وأن لا يكتفي بالمساهلة والمسامحة.

أما قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ فاعلم أنه تعالى رغب المكلفين في الاحتياط في هذه المسائل الأربعة، وبالغ في ذلك الترغيب من وجوه: الأول: أن كل واحد منها نبأ عظيم، والنبأ العظيم يجب الاحتياط فيه الثاني: أن الملأ الأعلى اختصموا وأحسن ما قيل فيه أنه تعالى لما قال: ﴿ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ والمعنى أنهم قالوا أي فائدة في خلق البشر مع أنهم يشتغلون بقضاء الشهوة وهو المراد من قوله: ﴿ مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ وبإمضاء الغضب وهو المراد من قوله: ﴿ وَيَسْفِكُ الدماء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وتقرير هذا الجواب، والله أعلم، أن يقال إن المخلوقات بحسب القسمة العقلية على أقسام أربعة: أحدها: الذين حصل لهم العقل والحكمة، ولم تحصل لهم النفس والشهوة وهم الملائكة فقط ثانيها: الذين حصل لهم النفس والشهوة، ولم يحصل لهم العلم والحكمة وهي البهائم.

وثالثها: الأشياء الخالية عن القسمين، وهي الجمادات وبقي في التقسيم قسم رابع: وهو الذي حصل فيه الأمران وهو الإنسان والمقصود من تخليق الإنسان ليس هو الجهل والتقليد والتكبر والتمرد فإن كل ذلك صفات البهائم والسباع بل المقصود من تخليقه ظهور العلم والحكمة والطاعة، فقوله: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ يعني أن هذا النوع من المخلوقات، وإن حصلت فيه الشهوة الداعية إلى الفساد والغضب الحامل له على سفك الدماء، لكن حصل فيه العقل الذي يدعوه إلى المعرفة والمحبة والطاعة والخدمة، وإذا ثبت أنه تعالى إنما أجاب الملائكة بهذا الجواب وجب على الإنسان أن يسعى في تحصيل هذه الصفات، وأن يجتهد في اكتسابها، وأن يحترز عن طريقة الجهل والتقليد والإصرار والتكبر، وإذا كان كذلك فكل من وقف على كيفية هذه الواقعة صار وقوفه عليها داعياً له إلى الجد والاجتهاد في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة زاجراً له عن أضدادها ومقابلاتها، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذا الكلام في هذا المقام.

فإن قيل الملائكة لا يجوز أن يقال إنهم اختصموا بسبب قولهم: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء  ﴾ فإن المخاصمة مع الله كفر، قلنا لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب، وذلك يشابه المخاصمة والمناظرة والمشابهة علة لجواز المجاز، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه، ولما أمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذا الكلام على سبيل الرمز أمره أن يقول: ﴿ إِن يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعني أنا ما عرفت هذه المخاصمة إلا بالوحي، وإنما أوحى الله إليّ هذه القصة لأنذركم بها ولتصير هذه القصة حاملة لكم على الإخلاص في الطاعة والاحتراز عن الجهل والتقليد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُلْ ﴾ يا محمد لمشركي مكة: ما أنا إلا رسول ﴿ مُنذِرُ ﴾ أنذركم عذاب الله للمشركين، وأقول لكم: إنّ دين الحق، توحيد الله وأن يعتقد أن لا إله إلا الله ﴿ الواحد ﴾ بلا ندّ ولا شريك ﴿ القهار ﴾ لكل شيء، وأنّ الملك والربوبية له في العالم كله وهو ﴿ العزيز ﴾ الذي لا يغلب إذا عاقب العصاة، وهو مع ذلك ﴿ الغفار ﴾ لذنوب من التجأ إليه.

أو قل لهم ما أنا إلا منذر لكم ما أعلم، وأنا أنذركم عقوبة من هذه صفته، فإن مثله حقيق بأن يخاف عقابه كما هو حقيق بأن يرجى ثوابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ.

﴿ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ﴾ أُنْذِرُكم عَذابَ اللَّهِ.

﴿ وَما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ الواحِدُ ﴾ الَّذِي لا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ والكَثْرَةَ في ذاتِهِ.

﴿ القَهّارُ ﴾ لِكُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُ قَهْرَهُ.

﴿ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ مِنهُ خَلْقُها وإلَيْهِ أمْرُها.

﴿ العَزِيزُ ﴾ الَّذِي لا يُغْلَبُ إذا عاقَبَ.

﴿ الغَفّارُ ﴾ الَّذِي يَغْفِرُ ما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ لِمَن يَشاءُ، وفي هَذِهِ الأوْصافِ تَقْرِيرٌ لِلتَّوْحِيدِ ووَعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُوَحِّدِينَ والمُشْرِكِينَ، وتَثْنِيَةُ ما يُشْعِرُ بِالوَعِيدِ وتَقْدِيمُهُ لِأنَّ المَدْعُوَّ بِهِ هو الإنْذارُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ} يا محمد لمشركي مكة {إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ} ما أنا إلا رسول منذر أنذركم عذاب الله تعالى {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله} وأقول لكم إن دين الحق توحيد الله وأن تعتقدوا أن لا إله إلا الله {الواحد} بلا ند ولاشريك {القهار} لكل شيء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ ، يا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ﴾ أنْذَرْتُكم عَذابَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُشْرِكِينَ، والكَلامُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ، فَإنَّ الإنْذارَ يُنافِي السِّحْرَ والكَذِبَ.

وقَدْ يُقالُ: المُرادُ إنَّما أنا رَسُولٌ مُنْذِرٌ لا ساحِرٌ كَذّابٌ، وفِيهِ مِنَ الحُسْنِ ما فِيهِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن وصْفَيِ الرِّسالَةِ والإنْذارِ يُنافِي كُلَّ واحِدٍ مِن وصْفَيِ السِّحْرِ والكَذِبِ، لَكِنْ مُنافاةُ الرِّسالَةِ لِلسِّحْرِ أظْهَرُ وبَيْنَهُما طِباقٌ، فَكَذَلِكَ الإنْذارُ لِلْكَذِبِ، وضُمَّ إلى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ ﴾ لِإفادَةِ أنَّ لَهُ  صِفَةَ الدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أيْضًا، فالأمْرانِ مُسْتَقِلّانِ بِالإفادَةِ.

”ومن“ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ ما إلَهٌ أصْلًا إلّا اللَّهُ ﴿ الواحِدُ ﴾ أيِ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الكَثْرَةَ في ذاتِهِ بِحَسَبِ الجُزْئِيّاتِ بِأنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ ماهِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ، ولا بِحَسَبِ الأجْزاءِ ﴿ القَهّارُ ﴾ لِكُلِّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ يا محمد إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ يعني: رسول أخوفكم عذاب الله تعالى، وأبيّن لكم، أن الله تعالى واحد وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يعني: قاهر لخلقه رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ بالنقمة الْغَفَّارُ للمؤمنين.

قوله عز وجل: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ يعني: القرآن حديث عظيم، لأنه كلام رب العالمين أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ يعني: تاركون، فلا تؤمنون به.

وقال الزجاج: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ يعني: قل إن النبأ الذي أنبأتكم عن الله عز وجل: نَبَأٌ عَظِيمٌ فيه دليل نبوتي مما ذكر فيه من قصة آدم-  -، فإن ذلك لا يعرف إلا بوحي، أو بقراءة كتب، ولم يكن قرأ الكتب.

ثم قال: مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى يعني: الملائكة- عليهم السلام- إِذْ يَخْتَصِمُونَ يعني: يتكلمون حين قالوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: 30] وإنما عرفت ذلك بالوحي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مُقْتَحِمٌ أَيْ دَاخِلٌ بِشِدَّه ...

مُجَاوَزٌ لِمَا اقتحم بالشَّدَّهْ

انتهى.

وقوله تعالى: قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا ...

الآية، هو حكايةٌ لقول الأتباعِ أيضاً دَعَوْا على رؤسائِهم بأن يكونَ عذابهم مضاعفا.

وقوله تعالى: وَقالُوا مَا لَنا لاَ نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ...

الآية:

الضميرُ في قالُوا لأشْرَافِ الكفارِ ورؤسائِهم، وهذا مطَّرِدٌ في كل أمة، ورُوِيَ أن قائِلي هذه المقالةِ أهْلُ القَلِيبِ كأبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ وعُتْبَةَ بن رَبيعةِ، ومَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وأنَّ الرجالَ الذين يشيرون إليهم هم كَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وبِلاَلٍ وصُهَيْبٍ، ومَنْ جرى مجراهم، قاله مجاهد»

وغيره، والمعنى: كنا في الدنيا نَعُدُّهم أشْرَاراً، وقرأ حمزةُ والكسائي وأبو عمرو «اتخذناهم» بِصِلَةِ الألِف «٢» ، على أن يكونَ ذلك في موضِع الصفةِ لرجال، وقرأ الباقونَ «أَتَّخَذْنَاهُمْ» بهمزةِ الاسْتِفْهَامِ، ومعناها: تقريرُ أنفسِهِم على هذا على جهة التوبيخ لها والأسفِ، أي: اتخذناهم سِخْرِيًّا ولم يكونوا كذلك، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «سُخْرِيًّا» - بضم السين- من السُّخْرةِ، والاستخدامِ، وقرأ الباقون: «سِخْرِيًّا» - بكسر السين «٣» -، ومعناها المشهورُ من السَّخْرِ الذي هو بمعنى الهُزْءِ، وقولُهُمْ: أَمْ زاغَتْ معادلةٌ لما في قولِهِمْ: مَا لَنا لاَ نَرى والتقديرُ في هذه الآيةِ: أمَفْقُودُونَ هم أَمْ هُمْ معنا، ولكن زاغَتْ عنهم أبصارنا، فلا نراهم، والزَّيْغُ: المَيْلُ.

ثم أخْبَرَ تعالى نبيَّه بقوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ والإشارة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ﴾ المَعْنى: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ ﴿ وَإنَّ لِلطّاغِينَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ والمِهادُ: الفِراشُ.

﴿ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الحَمِيمَ مُسْتَأْنِفًا، كَأنَّكَ قُلْتَ: هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ قُلْتَ: مِنهُ حَمِيمٌ، ومِنهُ غَسّاقٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ فَأمّا الحَمِيمُ، فَهو الماءُ الحارُّ.

وأمّا الغَساقُ، فَفِيهِ لُغَتانِ، قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَخَلْفٌ، وحَفْصٌ: بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ في [عَمَّ يَتَساءَلُونَ: ٢٥]، تابَعَهُمُ المُفَضَّلُ في ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وفي الغَساقِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: الزَّمْهَرِيرُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: الغَساقُ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَذُوقُوهُ مِن بَرْدِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطِيَّةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الغَساقَ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها حُمَّةُ كُلِّ ذاتِ حُمَّةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِها، فَيَسْتَنْقِعُ، فَيُؤْتى بِالآَدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيها غَمْسَةً، فَيَخْرُجُ وقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ ولَحْمُهُ عَنِ العِظامِ، ويَجُرُّ لَحْمَهُ جَرَّ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ، قالَهُ كَعْبٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغَساقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ أبُو عُبَيْدَةَ [يَذْهَبُ] إلى أنَّ في القُرْآَنِ شَيْئًا مِن غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ، وكانَ يَقُولُ: هو اتِّفاقٌ يَقَعُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، وكانَ [غَيْرُهُ] يَزْعُمُ أنَّ الغَساقَ: البارِدُ المُنْتِنُ بِلِسانِ التُّرْكِ.

وقِيلَ: فَعّالٌ، مِن غَسَقَ يَغْسِقُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ عَرَبِيًّا.

وقِيلَ في مَعْناهُ: إنَّهُ الشَّدِيدُ البَرْدِ، يَحْرِقُ مِن بَرْدِهِ، وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ مِنَ الصَّدِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخَرُ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، والمُفَضَّلُ: "وَأُخَرُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فَجَمَعا لِأجْلِ نَعْتِهِ بِالأزْواجِ، وهي جَمْعٌ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ ومَدِّهِ عَلى التَّوْحِيدِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ العَرَبَ تَنْعِتُ الِاسْمَ إذا كانَ فِعْلًا بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ؛ قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ: عَذابُ فُلانٍ ضُرُوبٌ شَتّى، وضَرْبانِ مُخْتَلِفانِ؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتِ الأزْواجَ نَعْتًا لِلْحَمِيمِ والغَسّاقِ والآَخِرِ، فَهُنَّ ثَلاثَةٌ، والأشْبَهُ أنْ تَجْعَلَهُ صِفَةٌ لِواحِدٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "وَآَخَرُ" بِالمَدِّ، فالمَعْنى: وعَذابٌ آَخَرُ ﴿ مِن شَكْلِهِ ﴾ أيْ: مِثْلُ الأوَّلِ.

ومَن قَرَأ: "وَأُخَرُ"، فالمَعْنى: وأنْواعٌ أُخَرُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أزْواجٌ ﴾ بِمَعْنى أنْواعٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "مِن شَكْلِهِ" أيْ: مِن نَحْوِهِ، "أزْواجٌ" أيْ: أصْنافٌ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: "مِن شَكْلِهِ" أيْ: مِن نَحْوِ الحَمِيمِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: "وَآَخَرُ مَن شَكْلِهِ": هو الزَّمْهَرِيرُ.

وقالَ الحَسَنُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى العَذابَ الَّذِي يَكُونُ في الدُّنْيا، قالَ: "وَآَخَرُ مِن شَكْلِهِ" أيْ: وآَخَرُ لَمْ يُرَ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا فَوْجٌ ﴾ هَذا قَوْلُ الزَّبانِيَةِ لِلْقادَةِ المُتَقَدِّمِينَ في الكُفْرِ إذا جاؤُوهم بِالأتْباعِ.

وقِيلَ: بَلْ هو قَوْلُ المَلائِكَةِ لِأهْلِ النّارِ كُلَّما جاؤُوهم بِأُمَّةٍ بَعْدَ أُمَّةٍ.

والفَوْجُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وجَمْعُهُ: أفْواجٌ.

والمُقْتَحِمُ: الدّاخِلُ في الشَّيْءِ رَمْيًا بِنَفْسِهِ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّهم يُضْرَبُونَ بِالمَقامِعِ، فَيُلْقُونَ أنْفُسَهم في النّارِ ويَثِبُونَ فِيها خَوْفًا مِن تِلْكَ المَقامِعِ.

فَلَمّا قالَتْ المَلائِكَةُ ذَلِكَ لِأهْلِ النّارِ، قالُوا: لا مَرْحَبًا بِهِمْ، فاتَّصَلَ الكَلامُ كَأنَّهُ قَوْلٌ واحِدٌ، وإنَّما الأوَّلُ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، والثّانِي مِن قَوْلِ أهْلِ النّارِ؛ وقَدْ بَيَّنّا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ  ﴾ .

والرَّحْبُ والرُّحْبُ: السِّعَةُ.

والمَعْنى: لا اتَّسَعَتْ بِهِمْ مَساكِنُهم.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ لِلرَّجُلِ: لا مَرْحَبًا [بِكَ] أيْ: لا رَحُبَتْ عَلَيْكَ الأرْضُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: "مَرْحَبًا وأهْلًا" أيْ: أتَيْتَ رُحْبًا، أيْ: سِعَةً، وأهْلًا، أيْ: أتَيْتَ أهْلًا لا غُرَباءَ، فائْنَسْ ولا تَسْتَوْحِشْ، وسَهْلًا، أيْ: أتَيْتَ سَهْلًا لا حُزْنًا، وهو في مَذْهَبِ الدُّعاءِ، كَما تَقُولُ، لَقِيتُ خَيْرًا.

قالَ الزَّجّاجُ: و "مَرْحَبًا" مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: رَحُّبَتْ بِلادُكَ مَرْحَبًا، وصادَفْتَ مَرْحَبًا، فَأُدْخِلَتْ "لا" عَلى ذَلِكَ المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى" ﴿ إنَّهم صالُو النّارِ ﴾ أيْ: داخِلُوها كَما دَخَلْناها، ومُقاسُونَ حَرَّها.

فَأجابَهُمُ القَوْمُ، فَـ ﴿ قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا ﴾ .

إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، فالمَعْنى: أنْتُمْ زَيَّنْتُمْ لَنا الكُفْرَ؛ [وَإنْ قُلْنا: إنَّهُ قَوْلُ الأُمَّةِ المُتَأخِّرَةِ لِلْأُمَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، فالمَعْنى: أنْتُمْ شَرَّعْتُمْ لَنا الكُفْرَ] وبَدَأْتُمْ بِهِ قَبْلَنا، فَدَخَلْتُمُ النّارَ قَبْلَنا ﴿ فَبِئْسَ القَرارُ ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَنزِلُ.

﴿ قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا ﴾ أيْ: مَنَّ سَنَّهُ وشَرَعَهُ ﴿ فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [الأعْرافِ: ٣٨] .

وفي القائِلِينَ لِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: قَوْلُ الأتْباعِ.

قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ﴾ يَعْنِي أهْلَ النّارِ ﴿ ما لَنا لا نَرى رِجالا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا دَخَلُوا النّارَ، نَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا مَن كانَ يُخالِفُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ.

قالَ مُجاهِدٌ: يَقُولُ أبُو جَهْلٍ في النّارِ: أيْنَ صُهَيْبٌ، أيْنَ عَمّارُ، أيْنَ خَبّابُ، أيْنَ بِلالُ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهُمْ" بِالوَصْلِ عَلى الخَبَرِ؛ أيْ: [إنّا] اتَّخَذْناهُمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِقَطْعِ الألْفِ وفَتْحِها عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

وقالَ الفَرّاءُ: وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى أنَّهم يُوَبِّخُونَ أنْفُسَهم عَلى ما صَنَعُوا بِالمُؤْمِنِينَ.

و "سُخْرِيًّا" يُقْرَأُ بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها.

وقَدْ شَرَحْناها في آَخِرِ سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ١١٠] ﴿ أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ ﴾ أيْ: وهم مَعَنا في النّارِ ولا نَراهُمْ؟!

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أمْ" هاهُنا بِمَعْنى "بَلْ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: [أيْ]: إنَّ الَّذِي وصَفْناهُ عَنْهم لَحَقٌّ.

ثُمَّ بَيَّنَ ما هُوَ، فَقالَ: هو ﴿ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ ﴾ وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَخاصُمُ" بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ المِيمِ، وكَسْرِ اللّامِ مِن "أهْلِ" وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "تُخاصَمَ أهْلُ" بِفَتْحِ الصّادِ والمِيمِ ورَفْعِ اللّامِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ ﴾ ﴿ أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عنهُمُ الأبْصارُ ﴾ ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النارِ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلا اللهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ ﴿ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِأشْرافِ الكُفّارِ ورُؤَسائِهِمْ، أخْبَرَ اللهُ عنهم أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ - إذا دَخَلُوا النارَ - لِقَوْمٍ مِن مُسْتَضْعَفِي المُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ، وهَذا مُطَّرِدٌ في كُلِّ أُمَّةٍ جاءَها رَسُولٌ، ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ النَبِيِّ  هُمْ: أبُو جَهْلٍ بْنُ هِشامٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأهْلُ القَلِيبِ، ومَن جَرى مَجْراهُمْ، وأنَّ الرِجالَ الَّذِينَ يُشِيرُونَ إلى ذِكْرِهِمْ هم عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وصُهَيْبٌ ومِثْلُهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

والمَعْنى: كُنّا في الدُنْيا نَعُدُّهم أشْرارًا لا خَلاقَ لَهم.

وأمالَ الراءَ مِنَ "الأشْرارِ": أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأشَمَّ نافِعٌ، وحَمْزَةُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "اتَّخَذْناهُمْ" بِألِفِ وصْلٍ، ومَعْناها عَلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ"رِجالٍ"، وقَرَأ الباقُونَ بِألِفِ قَطْعٍ لِلِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها تَقْرِيرُ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيْ: أتَّخَذْناهم سُخْرِيًّا ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، واسْتَبْعَدَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُخْرِيًّا" بِضَمِّ السِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، والضَحّاكِ، ومَعْناها مِنَ السُخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ السِينِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ومَعْناهُ المَشْهُورُ مِنَ السَخَرِ الَّذِي هو الهُزْءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَكُونُ كَسْرُ السِينِ مِنَ التَسْخِيرِ.

و"أمْ" في قَوْلِهِمْ: ﴿ أمْ زاغَتْ ﴾ مُعادِلَةٌ لِـ"ما" في قَوْلِهِمْ: ﴿ ما لَنا لا نَرى ﴾ ، وذَلِكَ أنَّها قَدْ تُعادِلَ ما يُعادِلُ "مَن"، وأنْكَرَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ هَذا وقالَ: إنَّها لا تَعادِلُ إلّا الألِفَ فَقَطْ، والتَقْدِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمَفْقُودُونَ هم أمْ زاغَتْ؟

ومَعْنى هَذا الكَلامِ: ألَيْسُوا مَعَنا أمْ هم مَعَنا؟

ولَكِنَّ أبْصارَنا تَمِيلُ عنهم فَلا نَراهُمْ؟

و"الزَيْغُ": المَيْلُ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النارِ ﴾ ، و"تَخاصُمُ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "لَحَقٌّ".

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَخاصُمَ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَخاصُمٌ" بِالتَنْوِينِ ﴿ أهْلِ النارِ ﴾ بِرَفْعِ اللامِ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِأنْ يَتَجَرَّدَ لِلْكُفّارِ مِن جَمِيعِ الأغْراضِ إلّا أنَّهُ مُنْذِرٌ لَهُمْ، وهَذا تَوَعَّدٌ بَلِيغٌ مُحَرِّكٌ لِلنُّفُوسِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا راجع إلى قوله: ﴿ وقال الكافرونَ هذا ساحِرٌ كذَّابٌ ﴾ [ص: 4] إلى قوله: ﴿ أءُنزِلَ عليهِ الذكرُ من بيننا ﴾ [ص: 8]، فلما ابتدرهم الجواب عن ذلك التكذيب بأن نظَّر حالهم بحال الأمم المكذبة من قبلهم ولتنظير حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال الأنبياء الذين صبروا، واستوعب ذلك بما فيه مقنع عاد الكلام إلى تحقيق مقام الرسول صلى الله عليه وسلم من قومه فأمره الله أن يقول: ﴿ إنمَّا أنا مُنذِرٌ ﴾ مقابل قولهم: ﴿ هذا ساحِرٌ كذَّابٌ ﴾ ، وأن يقول: ﴿ ما من إله إلا الله ﴾ مقابل إنكارهم التوحيد كقولهم: ﴿ أجَعَلَ الآلهة إلها واحداً ﴾ [ص: 5] فالجملة استئناف ابتدائي.

وذكر صفة الواحد تأكيد لمدلول ﴿ ما من إله إلا الله ﴾ إماء إلى رد إنكارهم.

وذكر صفة ﴿ القهّار ﴾ تعريض بتهديد المشركين بأن الله قادر على قهرهم، أي غلبهم.

وتقدم الكلام على القهر عند قوله تعالى: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ في سورة [الأنعام: 18].

(وإتباع ذلك بصفة رَبُّ السمواتتِ والأرضِ وما بينهما } تصريح بعموم ربوبيته وأنه لا شريك له في شيء منها.

ووصف ﴿ العزيزُ ﴾ تمهيد للوصف ب ﴿ الغَفَّارُ ﴾ ، أي الغفّار عن عزّة ومقدرة لا عن عجز وملق أو مراعاة جانب مساو.

والمقصود من وصف ﴿ الغفَّارُ ﴾ هنا استدعاء المشركين إلى التوحيد بعد تهديدهم بمفاد وصف ﴿ القهَّارُ ﴾ لكي لا ييأسوا من قبول التوبة بسبب كثرة ما سيق إليهم من الوعيد جرياً على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القِيامَةُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْبَأنا بِها في كُتُبِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: هو القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ.

﴿ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ أنْتُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ.

قالَ السُّدِّيُّ: يُرِيدُ بِهِ المُشْرِكِينَ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ نَبَأً وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ أنْبَأ بِهِ فَعَرَفْناهُ.

الثّانِي: لِأنَّ فِيهِ أنْباءَ الأوَّلِينَ.

وَفي وصْفِهِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِعِظَمِ قَدْرِهِ وكَثْرَةِ مَنفَعَتِهِ.

الثّانِي: لِعَظِيمِ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الزَّواجِرِ والأوامِرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي المَلائِكَةَ.

﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في قَوْلِهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةَ.

فَهَذِهِ الخُصُومَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ما رَواهُ أبُو الأشْهَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (سَألَنِي رَبِّي فَقالَ يا مُحَمَّدُ فِيمَ اخْتَصَمَ المَلَأُ الأعْلى؟

قُلْتُ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، قالَ وما الكَفّاراتُ؟

قُلْتُ المَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، والتَّعْقِيبُ في المَساجِدِ انْتِظارَ الصَّلَواتِ بَعْدَ الصَّلَواتِ.

قالَ وما الدَّرَجاتُ؟

قُلْتُ إفْشاءُ السَّلامِ وإطْعامُ الطَّعامِ والصَّلاةُ بِلَيْلٍ والنّاسُ نِيامٌ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج النسائي ومحمد بن نصر والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ ﴾ الإشرة إلى ما تقدم من حكاية أقوال أهل النار ثم فسره بقوله: ﴿ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار ﴾ وإعراب تخاصم بدل من حق أو خبر مبتدأ مضمر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مسني الشيطان ﴾ بسكون الياء: حمزة.

بنصب بضمتين: يزيد،وقرأ يعقوب بفتحتين، وقرأ هبيرة بالفتح والسكون.

والباقون: باضم والسكون ﴿ بخالصة ذكري ﴾ على الإضافة: أبو جعفر ونافع وهشام ﴿ عبدنا إبراهيم ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعلى هذا يكون إبراهيم وحده عطف بيان ﴿ ما يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وغساق ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعليّ وخلف وحفص ﴿ أخر ﴾ بضم الهمزة على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل.

والباقون: بالمد على التوحيد.

﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة والتفخيم مثل ﴿ الأبرار ﴾ غير ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة ﴿ اتخذناهم ﴾ موصولة والابتداء بكسر الألف: ابو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

والآخرون: بفتح الهمزة على الاستفهام ﴿ ما كان لي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ إلا إنما ﴾ بكسر الهمزة على الحكاية: يزيد ﴿ لعنتي إلى ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع ﴿ فالحق ﴾ بالرفع: حمزة وخلف وعاصم غير المفضل وهبيرة ويعقوب غير رويس.

الوقوف: ﴿ أيوب ﴾ م لا إذا جعل "إذ" بدلاً ﴿ وعذاب ﴾ ه ط لتقدير القول أي فأرسلنا إليه جبريل فقال له اركض ﴿ برجلك ﴾ ج لأن هذا مبتدأ مع أه من تمام القول ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ولا تحنث ﴾ ط ﴿ صابراً ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والأبصار ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ الأخيار ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ من الأخيار ﴾ ه ﴿ ذكر ﴾ ه ط ﴿ مآب ﴾ ه لا لأن ﴿ جنات ﴾ بدل أو عطف بيان.

﴿ الأبواب ﴾ ه ج لاحتمال أن عامل ﴿ متكئين ﴾ محذوف أي يتنعمون متكئين وإن جعل حالاً من ﴿ مفتحة ﴾ فهي مقدّرة لأن الاتكاء لا يكون في حال فتح الأبواب ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ أتراب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ من نفاد ﴾ ه ج ﴿ هذا ﴾ ط أي هذا بيان جزاء المتقين أو الأمر هذا ﴿ مآب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ لا لأن خبره ﴿ حميم ﴾ فقوله ﴿ فليذوقوه ﴾ اعتراض ﴿ وغساق ﴾ ه لا للعطف ﴿ أزواج ﴾ ه ط ﴿ معكم ﴾ ج لاتصال المعنى مع الابتداء بما في معنى الدعاء ﴿ بهم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ج ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأشرار ﴾ ه ط لمن قرأ بكسر الهمزة لاحتمال إضمار همزة الاستفهام واحتمال كونها خبرية صفة أو حالاً ومن صرح بالاستفهام فوقفه مطلق ﴿ الأبصار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح بدلاً وخبراً لمحذوف أي هو الغفار ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ الكافروين ﴾ ه ﴿ بيديّ ﴾ ط للاستفهام ﴿ العالين ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط لأن ما بعده جواب سؤال كأنه علل الخيرية ﴿ طين ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ج والوصل أولى لاتصال لعنتي به ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه لا لتعلق إلى ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه للاستثناء ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ فالحق ﴾ ز على قراءة الرفع أي فهذا الحق مع اتحاد المقول ﴿ أقول ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده قسم مستأنف أو بدل من قوله ﴿ والحق ﴾ .

﴿ أجمعين ﴾ ه ج ﴿ المتكلفين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: وجه النظم كأنه  يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر مالاً أو جاهاً من داود وسليمان، ولم يكن أكثر بلاء ومحنة من أيوب، ومع ذلك لم يبق حالهما وحاله على نسق واحد، فالصبر مفتاح الفرج.

﴿ وأيوب ﴾ عطف بيان و "إذ" معمول فعل آخر أو بدل اشتمال من أيوب أي زمان بلائه وكان معاصراً ليعقوب، وامرأته ليا بنت يعقوب، ونداؤه دعاؤه والجار محذوف أي دعاه بأني مسني على الحكاية وإلا لقال بأنه مسه والنصب والنصيب كالرشد والرشد، والنصب بالفتح والسكون على أصل المصدر، وضمة الصاد لا تباع النون كقفل وقفل.

ومعنى الكل التعب والمشقة.

قيل: الضر في البدن والعذاب في ذهاب المال والأهل وللناس في بلائه قولان: الأول أن الذي نزل به كان من الشيطان وقد مرّ تقريره في "الأنبياء" ومجمله ما روي أن إبليس سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟

فقال: نعم، عبدي أيوب.

قال: فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول: هلك من مالك كذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله.

فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده.

فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية فجاء وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال: يا رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه، فنفخ في جلد ايوب وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سبع سنين أو ثمان عشرة، وصار بحيث استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته وقال: إن استعاذ بي زوجك خلصته من هذا البلاء فاشارت غلى أيوب بذلك فغضب لذلك - أو لوجوه أخر سبق ذكرها في سورة الأنبياء - وحلف إن عافه الله ليجلدنها مائة جلدة وعند ذلك دعا ربه شاكياً إليه لا منه كقول يعقوب ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله  ﴾ فأجاب دعاءه وأوحى إليه ﴿ اركض ﴾ أي اضرب ﴿ برجلك ﴾ الأرض.

عن قتادة: هي أرض الجابية من قرى الشام.

فأظهر الله  من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه وردّ عليه أهله وماله.

القول الثاني: إن الشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآفات وإلا لوقع في العالم مفاسد ولم يدع صالحاً إلا نكبه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة.

فالمراد بمس الشيطان هو الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب وساوسه من تعظيم ما نزل به من البلاء وإغرائه على الجزع والقنوط من روح الله إلى غير ذلك مما مر ذكره في سورة الأنبياء.

ولناصر القول الأول أن يقول: سلمنا أن الشيطان باستقلاله لا يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر بعد الالتماس والتسليط؟.

ولنعد إلى تفسير ما يختص بالمقام.

قوله ﴿ مغتسل بارد ﴾ أي هذا مكان يغتسل فيه أي بمائة ويشرب منه، والظاهر أنها كانت عيناً واحدة عذبة باردة، وروى بعضهم أنه نبعت عينان ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها فبرأ ظاهره، وضرب رجله اليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها فزال ما في بطنه من القروح.

وزعم أن تقدير الكلام هذا مغتسل وشراب بارد.

وقوله ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ قيل: أحياهم الله بأعيانهم وزاد مثلهم من أولاده.

وقيل: من أولاد أولاده.

وقيل: كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمع الله شملهم.

وقيل: كانوا مرضى فشفاهم الله والأول أصح.

وقوله ﴿ رحمة منا وذكرى ﴾ مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيراً لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز.

وإنما لم يقل ههنا ﴿ رحمة من عندنا  ﴾ مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله ﴿ وذكرى لأولي الألباب ﴾ مع قوله في "الأنبياء" ﴿ وذكرى للعابدين  ﴾ إشارة إلى أن ذا اللب هو الذي يعبد الله.

وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة قوله ﴿ وخذ ﴾ معطوف على ﴿ اركض ﴾ والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة.

قال مجاهد: هو لأيوب خاصة.

وعن قتادة: هو عام في هذه الأمة.

والصحيح أنه باق في المريض والمعذور لما روي أن النبي  أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل الله يمين أيوب بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها.

ومعنى ﴿ وجدناه صابراً ﴾ علمنا منه الصبر.

وههنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان ﴿ نعم العبد ﴾ تارة وفي حق أيوب أخرى، اغتم أمة محمد  وقالوا: هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر عليه، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه، فكيف السبيل إلى تحصيله؟

فأنزل الله  قوله ﴿ فنعم المولى ونعم النصير  ﴾ والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى، فإن كان منك الفضول فمني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق.

قلت: وصف أنبياء سائر الأمم بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ ووصف هذه الأمة بقوله ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء.

ومعنى ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال، والبصر آلة لأقوى الإِدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وفيه تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول والرعفان فهم في حكم الزمنى والعميان، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن الأيدي جمع اليد النعمة.

قوله ﴿ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ الخالصة صفة أو مصدر كالعاقبة، والدار ظرف فهي الدنيا، أو مفعول به فهي الآخرة.

والمعنى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، أو بسبب خلوص ذكرى الجنة، أو بما خلص من ذكراها، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم.

و ﴿ المصطفين ﴾ جمع مصطفى وأصله مصطفين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء المتحركة ألفاً ثم حذفت، أراد اخترناهم من بين أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في ميت أو موت ﴿ إسماعيل واليسع وذا الكفل ﴾ وقد مر ذكرهم في سورة الأنبياء.

وحين تمم ذكر الصالحين وما لقي كل منهم من أنواع الابتلاء تثبيتاً لنبيه  وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواع القرآن، أراد أن يذكر على عقيبه باباً آخر وهو ذكر جزاء المتقين والطاغين قال ﴿ هذا ذكر ﴾ ثم قال ﴿ وإن للمتقين ﴾ كما يقول المصنف: إذا فرغ من فصل من كتابه هذا باب ثم يشرع في باب آخر.

ويحتمل أن يكون من تتمة صفات الأنبياء أي هذا الذي قصصنا عليك من أحوال هؤلاء الأنبياء شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً.

قوله ﴿ مفتحة ﴾ حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل.

قال الزجاج ﴿ الأبواب ﴾ فاعل ﴿ مفتحة ﴾ والعائد محذوف أي الأبواب منها.

وقال غيره.

في ﴿ مفتحة ﴾ ضمير الجنات ﴿ والأبواب ﴾ بدل الاشتمال من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب نظيره في بدل البعض "ضرب زيد اليد والرجل" فكان اللام عوضاً من الضمير الراجع.

والمعنى أن الملائكة الموكلين بالجنات إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام فلا يحتاجون إلى تحصيل مفاتيح ومعاناة الفتح.

وقيل: أراد به وصف تلك المساكين بالسعة وجولان الطرف فيها من غير حائل.

وقوله ﴿ متكئين ﴾ حال مقدرة متداخلة كما مر أو حال بعد حال أو عامله مؤخر وهو ﴿ يدعون ﴾ أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم.

وقيل: يتمنون وقيل: يسألون.

قال المفسرون: أراد وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول.

وحين بين أمر المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح.

وقاصرات الطرف قد مر في "الصافات" أنهن اللواتي قصرن الطرف عن الإلتفات إلى غير أزواجهن.

والأتراب جمع ترب وهي اللدة.

واشتقاقها قيل من اللعب بالتراب، وقيل لأن التراب مسهن في وقت واحد.

والسبب في اعتبار هذا الوصف أن التحاب بين الأقران أثبت.

وقيل: هن وأزواجهن واحدة في الأسنان.

وقيل: أراد أنهن شواب لا عجوز ولا صبية.

ويروى أنهن بنات ثلاث وثلاثين.

ومعنى ﴿ ليوم الحساب ﴾ قيل: لأجل الحساب لأن الحساب على الوصول إلى جزاء العمل.

والظاهر أن اللام للوقت أي ما وعدتم تعطونه في يوم الحساب.

﴿ إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ﴾ انقطاع ونهاية ولا مزيد فوق ذلك فتمام النعم بدوامها.

ثم بين أن حال الطاغين مضادّة لحال المتقين وأكثر المفسرين حملوا الطغيان ههنا على الكفر لأنه  يحكي عنهم أنهم قالوا اتخذناهم سخرياً، والفاسق لا يتخذ المؤمن هزواً لأن الطاغي اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل والكامل في الطغيان هو الكافر، ويؤيده قول ابن عباس: المعنى إن الذين طغوا عليّ وكذبوا رسلي لهم شر مصير.

وحمله الجبائي على أصحاب الكبائر من أهل الإيمان وغيرهم لأن كل من تجاوز عن تكاليف الله فقد طغا، ومنه قوله  ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى  ﴾ والمهاد الفراش وقد مر مراراً.

وقوله ﴿ هذا ﴾ قد مر بعض إعرابه في الوقوف، ويحتمل أن يراد العذاب هذا ثم ابتدأ فقال هو حميم أو منه ﴿ حميم ﴾ ومنه ﴿ غساق ﴾ أو ﴿ هذا فليذوقوه ﴾ معناه ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله ﴿ فإِياي فارهبون  ﴾ وقيل: ﴿ حميم ﴾ مبتدأ و ﴿ هذا ﴾ خبره.

والغساق بالتخفيف والتشديد ما يغسق من صديد أهل النار.

يقال: غسقت العين إذا سال دمعها.

وذكر الأزهري أن الغاسق البارد ولهذا قيل الليل الغاسق لأنه أبرد من النهار.

فالحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده.

وقال الزجاج: إنه المنتن لو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق يؤيده قول ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه.

وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي سم من عقرب وحية.

وعن الحسن: هو عذاب لا يعلمه إلا الله.

إن الناس أخفوا الله طاعة فأخفى لهم ثواباً في قوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة: ﴿ وآخر من شكله ﴾ أي ومذوقات أخر أو عذاب أو مذوق آخر من جنس هذا المذوق.

و ﴿ أزواج ﴾ أي أجناس أو مقترنات صفة الآخر لأنه جاز أن يكن مختلفات أو صفة للثلاثة المذكورة وهي حميم وغساق وشيء آخر من شكله، والمجموع خبر هذا أو خبر هو.

وحين وصف مسكن الطاغين ومأكولهم ومشروبهم حكى أحوالهم مع الذين كانوا يعدونهم أحباءهم في الدنيا ثم مع الذين كانوا يعدونهم أعداءهم.

أما الأوّل فقوله ﴿ هذا ﴾ اي يقول الطاغون بعضهم مع بعض وذلك إذا دخلت أمة ثم دخل آخرون.

والفوج الأوّل الرؤساء والثاني الأتباع.

وقيل: الأول إبليس وبنوه والثاني أبناء آدم هذا ﴿ فوج ﴾ اي جمع كثيف دخل النار في صحبتكم.

والاقتحام الدخول في الشدة أرادوا أن أتباعهم اقتحموا معهم العذاب كما اقتحموا معهم الضلال.

وقوله ﴿ لا مرحباً بهم ﴾ دعاء منهم على أتباعهم و ﴿ مرحباً ﴾ نصب على أنه مفعول به أو مصدر أي أتيت رحباً لا ضيقاً، أو رحبت بلادك رحباً فإذا دخل عليه لا صار دعاء السوء وبهم بيان للمدعو عيلهم.

وقوله ﴿ إنهم صالوا النار ﴾ تعليل لاستيجابهم اللعن.

قيل: إنما قالوا ذلك ولم يصدر من الأتباع ذنب في حق من قبلهم لأن النار تكون مملوءة منهم، أو لأن عذابهم يضاعف بسببهم.

وقيل: هو إخبار لا دعاء أي وقد وردوا مورداً لا رحب فيه ولا سعة.

وقيل ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة فما بين أتباعهم.

وقيل: هذا كله كلام الخزنة ﴿ قالوا ﴾ أي الأتباع.

﴿ بل أنتم لا مرحباً بكم ﴾ أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم ﴿ أنتم قدمتموه لنا ﴾ والضمير لما هم فيه من العذاب أو الصلي أي كنتم السبب في العمل الذي هو جزاؤه فجمعوا بين مجازين، لأن الأتباع هم الذين عملوا عمل السوء لا رَؤساؤهم والعمل هو المقدّم لا جزاؤه.

ومن جعل قوله ﴿ لا مرحباً ﴾ بهم من كلام الخزنة، زعم أن تقدير الكلام هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم لما نحن فيه.

﴿ فبئس القرار ﴾ أي المستقر النار ﴿ قالوا ﴾ أي الفوج وهو كالبدل من ﴿ قالوا ﴾ الأوّل والضعف المضاعف كما مر في "الأعراف" وأما الثاني فقوله ﴿ ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار ﴾ أي في اعتقادنا لأن دينهم على خلاف ديننا، أو أرادوا أنهم أراذل لا خير فيهم يعنون فقراء المسلمين.

وعن بعضهم أن القائلين صناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وبلال وصهيب وأمثالهم.

من قرأ ﴿ أتخذناهم ﴾ بفتح الهمزة فعلى أنه إنكار منهم على أنفسهم وتأنيب لها بالاستسخار منهم، وكذا فيمن قرأ ﴿ اتخذناهم ﴾ بكسر الهمزة ويقدر همزة الاستفهام محذوفة، ومن جعلها صفة أو حالاً فلا إشكال وحينئذ يتصل ﴿ أم زاغت ﴾ بقوله ﴿ ما لنا لا نرى ﴾ أي الرجال الموصوفين في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا وخفي علينا مكانهم فلا نراهم وهم فيها.

فأم منقطعة وكذا إن اتصل بقوله ﴿ اتخذناهم ﴾ على الاستفهام لأن الأول للإِنكار، والثاني للاستخبار.

ويجوز أن يكون "أم" متصلة وكلاهما للإِنكار.

ومعنى زيغ الأبصار ازدراؤهم وتحقيرهم يؤيده قول الحسن، كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخرياً وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم واللام في الأبصار عوض من الضمير أي أبصارنا ﴿ إن ذلك ﴾ الذي حكينا عنهم ﴿ لحق ﴾ لا بد لهم من وقوعه لأنهم مالوا إلى عالم التضاد فيحشرون كذلك.

ثم بين ما هو فقال هو ﴿ تخاصم أهل النار ﴾ لأن التلاعن والتشاتم نوع من أنواع الخصومة.

واعلم أنه  لما بدأ في أول السورة بأن محمداً يدعو إلى التوحيد وأن الكفار يستهزؤن منه وينسبونه إلى السخرية تارة وإلى الكذب أخرى.

ثم ذكر طرفاً من قصص الأنبياء عليهم السلام ليعلم أن الدنيا دار تكليف وبلاء لا دار إقامة وبقاء.

ثم عقبه بشرح نعيم الأبرار وعقاب الأشرار، عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أوّل السورة وهي صحة نبوّة محمد  وصدق ما يدعو إليه من التوحيد والإخلاص فقال ﴿ قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد ﴾ من جميع الوجوه ﴿ القهار ﴾ لما دونه ثم أردف القهر باللطف والتربية قائلاً ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ﴾ ثم أكد صفتي القهر واللطف بقوله ﴿ العزيز الغفار ﴾ فمن عزته أدخل أهل الاستكبار النار ولمغفرته أعدّ الجنة لأهل الاستغفار.

قوله ﴿ قل هو نبأ عظيم ﴾ أي القول بأن الله واحد نبأ عظيم أو القول بالنبوّة أو بإثبات الحشر والقيامة، وذلك لأن هذه المطالب كانت مذكورة في أوّل السورة ولأجلها سيق الكلام منجراً إلى ههنا.

ويحتمل أن يراد ﴿ كتاب أنزلناه ﴾ فيه نبأ عظيم وهؤلاء الأقوام أعرضوا عن كل من هذه الأمور.

ثم بين أنه حاصل من قبل الوحي بقوله ﴿ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى ﴾ وهم الملائكة ﴿ إذ يختصمون ﴾ أي يتقاولون فيما بينهم بالوحي.

والظرف متعلق بمحذوف أي بكلامهم وقت اختصامهم، شبه التقاول بالتخاصم من حيث إن في كل منهما سؤالاً وجواباً والمشابهة علة لجواز المجاز.

ثم صرح بما عليه مدار الوحي قائلاً ﴿ إن يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين ﴾ أي ما يوحى إليّ إلا هذا وهو إني نذير كامل في باب التبليغ، ويؤيده قراءة كسر ﴿ إنما ﴾ .

وقيل: إن الجار محذوف أي لم يوح إليّ إلا لأن أنذر ولا أقصر.

روى ابن عباس عن النبي  "أتاني الليل آت من ربي وفي رواية ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد.

قلت: لبيك ربي وسعديك.

قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: لا أعلم.

قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض.

قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: نعم، في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات المكروهات أي في البرد الشديد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث.

قال: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام.

واعلم أن أشراف قريش إنما نازعوا محمداً  بسبب الحسد والكبر فختم الله  السورة بذكر قصة آدم وما وقع فيه إبليس من الرجم واللعن حين حسد آدم واستكبر ليصير سماع القصة زاجراً للمكلفين عن هاتين الخصلتين، فعلى هذا يكون ﴿ إذ قال ﴾ معمولاً لمحذوف اي اذكر وقت قول ربك للملائكة.

وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد.

وعلى هذا فالضمير عائد إلى ما ذكره عما قريب.

والمعنى ما أحكيه خبر له شأن لأنه مستفاد من الوحي.

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إذ يختصمون ﴾ والملأ الأعلى اصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ كأنهم قالوا: هؤلاء فيما بينهم.

ثم خاطبوا بها الله  فلا يلزم أن يكون الله  من الملأ الأعلى ويثبت له مكان.

أو نقول: المراد علو الرتبة والشرف فيشمل تقاول الله وملائكته.

وقال جار الله: كانت مقاولة الله  بواسطة ملك فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط.

وقصة آدم مذكورة في "البقرة" وفي غيرها مشروحة.

والتي في هذه السورة يوافق أكثرها ما في الحجر فلا فائدة في إعادتها فلنذكر ما يختص بالمقام قوله ﴿ خلقت بيديّ ﴾ كلام المجسمة فيه ظاهر وغيرهم حملوه على وجوه منها: أن اليد عبارة عن القدرة يقال ما لي بهذا الأمر يد أي قوّة وطاقة.

ومنها أنها النعمة.

ومنها أنها للتأكيد وليدل على عدم الواسطة كما مر في قوله ﴿ مما عملت أيدينا  ﴾ وقد يقال في حق من جنى بلسانه وإن لم يكن له هذا مما كسبت يداك.

والحق فيه أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيديه إلا إذا كانت عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فحيث كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنها.

ومنها قول أرباب التأويل إنه إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وهما يشملان جميع الصفات فلا مخلوق إلا وهو مظهر لإِحدى الصفتين، كالملك فإنه مظهر اللطف، وكالشيطان فإِنه مظهر القهر إلا الإنسان فإِنه مظهر لكلتيهما وبذلك استحق الخلافة ومسجودية الملائكة ولهذا جاء في الأحاديث القدسية "لا أجعل ذرّية من خلقت بيديّ كمن قلت له كن فكان" قوله ﴿ استكبرت أم كنت من العالين ﴾ أي أطلبت الكبر من غير استحقاق أم كنت ممن علوت وقفت؟

فأجاب بأنه من العالين حيث ﴿ قال أنا خير منه ﴾ وقيل: استكبرت الآن أو لم تزل منذ كنت من المتكبرين.

ومعنى الهمزة التقرير.

قوله ﴿ فالحق ﴾ من قرأ بالرفع فعلى أنه خبر لما مر أو مبتدأ محذوف الخبر مثل ﴿ لعمرك  ﴾ أي فالحق قسمي لأملأن والحق أقوله وهو اعتراض.

ومن نصبهما فعلى أن الثاني تأكيد للأوّل، أو على أن الأوّل للإغراء أي اتبعوا الحق وهو الله  ، أو الحق الذي هو نقيض الباطل.

وقوله ﴿ منك ﴾ أي من جنسك وهم الشياطين ﴿ وممن تبعك منهم ﴾ أي من ذرّية آدم.

و ﴿ أجمعين ﴾ تأكيد للتابعين والمتبوعين.

ثم ختم السورة بما يدل على الاحتياط والاجتهاد في طلب هذا الدين لأن النظر إما إلى الداعي أو إلى المدعو إليه.

أما الداعي فلا يسأل أجراً على ما يدعو إليه وهو القرآن أو الوحي أو النبأ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة.

وأما المدعو إليه فقوله ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ الذين ينتحلون ما ليس عندهم ولا دليل لهم على وجوده، بل العقل الصريح يشهد بصحته فإني أدعوكم إلى الإقرار بالله أوّلاً ثم إلى تنزيهه عما لا يليق به ثانياً، ثم إلى وصفه بنعوت الجمال والجلال ثالثاً ومن جملة ذلك التوحيد ونفي الأنداد والأضداد، ثم أدعو إلى تعظيم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة والأنبياء رابعاً، ثم إلى الشفقة على خلق الله خامساً، ثم أدعو إلى الإقرار بالبعث والقيامة سادساً ﴿ ليجزي الذين أَسَاءُواْ بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى  ﴾ فهذه أصول معتبرة في دين الإسلام يشهد بحسنها بداية العقول ويحكم ببعدها عن الباطل كل من يرجع إلى محصول وهو المراد بقوله ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ عن النبي  "للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول مالا يعلم" ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ أي خبر حقيقة القرآن وما أدعو إليه بعد حين هو الموت لأن الناس نيام فإِذا ماتوا انتبهوا.

وقيل: هو القيامة.

وقيل: هو حين ظهور الإسلام ولا يخفى ما فيه من التهديد.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ ﴾ .

ليس عليَّ مما حملتم شيء، إنما ذلك عليكم إنما عليَّ الإنذار لكم فقط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ما من إله عندي دونه بإله، إنما الإله هو الواحد القهار الذي تفرد وتوحد بربوبيته وألوهيته، قهر الخلائق كلهم بقدرته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .

يخبر عن غنائه وسلطانه يقول - والله أعلم -: تعلمون أنه رب السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما بينهما، فلا يحتمل أن ما يأمركم به وينهاكم عنه، إنما يأمركم لحاجة نفسه أو لمنفعة له، ولكن إنما يأمر وينهى لمنفعة أنفسكم ولحاجتكم.

أو يقول: تعلمون أنه هو ربكم ورب ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما، فكيف تعبدون من تعلمون أنه ليس بربكم ولا إله، وإنما الإله ما ذكر فتتركون عبادته وطاعته؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .

أي: لا يلحقه الذل بذل أوليائه وخدمه؛ لأنه عزيز بذاته لا بأحد ليس كملوك الأرض يذلون إذا ذل أولياؤهم وأتباعهم؛ لأن عزهم بأوليائهم وأتباعهم فإذا ذلوا ذل من كان عزه بهم، فأما الله -  وتعالى - فعزيز بذاته لا يلحقه الذل بذل أوليائه ولا هلاكهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أن هذا القرآن الذي أنزل على رسول الله  نبأ عظيم أنتم عن التفكر فيه والنظر معرضون؛ لأن فيه ذكر ما نزل بالمكذبين بالتكذيب والعناد، وفيه ذكر من نجا منهم بم نجا؟

وفيه ذكر ما يؤتى وما يتقى، وفيه ذكر البعث وذكر الجنة والنار ونحوه، وذكر ما لهم وما عليهم، فهم عن التفكر فيه والنظر معرضون ما لو تفكروا فيه وتأملوا، لأدركوا كله ووصلوا إلى معرفة كل ما فيه مما ذكرنا، والله أعلم.

والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ أي: البعث والحشر هو نبأ عظيم أنتم عن السعي والعمل لذلك معرضون تاركون.

فمن جعل تأويله على البعث والحشر يجعل الإعراض عن السعي له والعمل لذلك اليوم، ومن حمل تأويله على القرآن يجعل الإعراض عن التفكر فيه والنظر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ...

﴾ الآية.

اختلف في الملأ الأعلى: قال عامة أهل التأويل: الملأ الأعلى هم الملائكة الذين تكلموا في آدم -  - حين قال لهم الرب - عز وجل -: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ ، فقالوا عند ذلك: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...

﴾ الآية [البقرة: 30].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ليس على حقيقة الخصومة، ولكن على التكلم في ذلك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا  ﴾ كأنها ليس على التنازع المعروف عند الناس والخصومة، ولكن على اختلاف الأيدي فعلى ذلك ما ذكر من اختصامهم، والله أعلم.

ومعناه: ما كان [لي] من علم من اختصام الملأ الأعلى وما كان منهم من التكلم إلا أن أوحي إليَّ فعلمت وإنما أنا نذير مبين.

وقال بعضهم: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ وما كان اختصامهم في الكفارات وفي الدرجات وفي المنجيات والموثقات حتى علمني الله ذلك بالوحي إليّ وأعلمني ذلك، ويذكرون أن الكفارات هو إسباغ الوضوء في المكروهات وبذل الطعام عند الضيق والشدائد ونحوها مما يطول ذكره، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ أي: بالجمع الأعلى وهو جمع يوم القيامة، سماه: الجمع الأعلى؛ لأنه جمع الأولين والآخرين من الفرق جميعاً، أي: ما كان لي من علم بذلك الجمع حتى علمت بالوحي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ .

في ذلك اليوم تقع الخصومات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ وهو على حقيقة الخصومة.

وجائز أن يكون الملأ الأعلى هم الأشراف من أولئك الكفرة والقادة، منهم الذين أهلكوا بالتكذيب ومن نجا منهم بالتصديق؛ يقول: ما كان لي من علم بهم وما نزل بهم أوحي إليّ فعلمت بالوحي، كأنهم سألوه عن ذلك فأخبر؛ أي: كنت كواحد منكم في ذلك حتى علمت ذلك بالوحي، ألا إنما أنا نذير مبين أمرني ربي وأوحى إليّ أن أنذركم بذلك حين أعلم بالوحي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ ﴾ .

ظاهر هذا أن يكون لا على القول منه لهم، ولكن على الخبر أنه كان ما ذكر، والله أعلم.

ثم ذكر الذي خلق منه آدم على أوصاف مختلفة: مرة ذكر أنه خلق من طين، ومرة من تراب، ومرة من حمأ مسنون، ومرة كالصلصال، ومرة كالفخار، ومرة لازب وغيره على اختلاف ما ذكر؛ فجائز أن يكون كل وصف من ذلك قد كان وصف عن حال، كان تراباً، ثم صار طيناً ثم ما ذكر [و]وصف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ .

إضافة الروح إلى نفسه كإضافة خلق من خلائقه إليه؛ إذ الروح خلق من خلائقه كسائر الخلائق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ .

لولا صرف أهل التأويل سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود وإلا كنا نصرفه لآخر: إلى الخضوع له والاستسلام، كما أحوج الملائكة إلى معرفة هذه الأسماء إلى آدم وبه عرفوها حيث قال - عز وجل -: ﴿ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ  ﴾ ، لكن صرف أهل التأويل سجود الملائكة إلى حقيقة السجود له جائز؛ لأنهم ممتحنون بالأمر والنهي وقد بينا ذلك فيما تقدم.

ثم استثنى إبليس من الملائكة وأخبر أنه استكبر وأبي أن يسجد له حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

على قول من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، فلما أبي السجود، خذله ووكله إلى نفسه صار كافراً؛ ليعلم أن كل أحد وإن عظم قدره وجلت منزلته يحتمل خلاف ما هو [عليه] وضده، وأنه متى امتحنه بأمر فترك أمره؛ تكبراً أو استخفافاً - خذله ووكله إلى أمره ونفسه فصار كافراً مخذولاً حقيراً، ليكونوا أبداً على حذر وفزع إلى الله - عز وجل - على ما أخبر من عظم قدر الملائكة عند الله وجليل منزلتهم عنده إذا خذلهم ووكلهم إلى أنفسهم صاروا كما صار إبليس، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: كان في علم الله أنه يكفر.

أو كان بمعنى صار من الكافرين إذ أبي السجود واستكبر؛ كقوله - عز وجل - لآدم: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ أي: تصيرا من الظالمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع أن تخصيص إضافة الشيء الواحد إلى الله - عز وجل - يخرج مخرج تعظيم ذلك الواحد وذلك الفرد؛ كقوله: بيت الله ومساجد الله ورسول الله وولي الله وأشباه ذلك، وخص هذه الأشياء بالإضافة إليه وإن كانت البقاع كلها والخلق كله له على التعظيم لذلك؛ فعلى ذلك يخرج إضافة خلق آدم إلى نفسه مخرج تعظيم آدم حيث قال: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ وإن كان جميع الخلائق هو خلقهم، ويخرج إضافة كلية الأشياء إلى الله وكلية الخلائق إليه مخرج تعظيم الربّ والمدح له؛ نحو قوله - عز وجل -: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ورزاق، يخلق منشأ العالم ومبدأه، وهو على كل شيء قدير، مالك الملك، وغير ذلك على ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ بِيَدَيَّ ﴾ .

قد تكلف أهل الكلام والتأويل في تأويل إضافة اليد إلى الله - عز وجل -: منهم من قال: القوة، ومنهم من قال: كذا، لكن التكلف في ذلك فضل مع ما قد يضاف اليد إلى من لا يد له ولا جارحة ولا عضو، نحو [ما] قال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ لم يفهم أحد بذكر اليد له ولا الخلف ما يفهم من الخلق ولا ذهابهم، وكذلك ما ذكر من مجيء البرهان حيث قال - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ و ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ وأمثال ذلك مما يكثر عده وإحصاؤه، لم يفهم أحد من الخلائق من مجيء هذه الأشياء التي ذكرنا مجيء الخلق ولا فهم من ذكر اليد - لما ذكرنا من الأشياء - جارحة ولا عضو، فكيف يفهم من ذكر اليد ما فهم من الخلق إلا لفساد اعتقادهم لربهم والجهل بتعاليه عن معنى الغير، وإلا لم يخطر بباله بذكر ذلك لله أو إضافته إليه ما يخطر بباله من الخلق ومعنى الخلق.

أو أن يكون ذكر ذلك لنفسه وإضافته إليه من اليد وما ذكر؛ لِمَا باليد يكون في الشاهد لو احتمل كون ذلك من الخلق، نحو ما قال: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ وما كسبت يداك، ونحو ذلك مما يعلم في الحقيقة أن ذلك لم يكن يكسب به حقيقة ولا عمله من نحو الكفر وغير ذلك من الأشياء، لكنه ذكر لما باليد يكتسب في الشاهد وبها يعمل أكثر الأعمال والأفعال.

أو أضاف ذلك إليها لما ذكرنا وإن لم يكن منها عمل حقيقة؛ فعلى ذلك إضافة اليد إلى الله فيما أضاف على ما كان ذلك من الخلق إنما كان باليد؛ على ذلك يخرج ما ذكر من استوائه على العرش بعد أن ذكرنا فيه ما يليق به ونفينا عنه ما لا يليق، وأصل ذلك أنا عرفنا الله - عز وجل - متعاليا عن جميع معاني الغير [و] عن كل صفات يوصف بها الغير، على ما ذكر في كتابه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ فإذا كان كذلك فلا حاجة لنا إلى تأويل اليد وما ذكروا أنه ما أراد بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ﴾ .

معناه - والله أعلم -: أستكبرت للحال عندما أبيت السجود له، أم كنت في اعتقادك من العالين أي المستكبرين؟

ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ كُنتَ ﴾ : أم صرت من العالين، أي: استكبرت وصرت من العالين على ما في قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، أي: صار من الكافرين.

ثم حرف الشك والاستفهام من الله قد ذكرنا أنه على الإيجاب والقطع كأنه قال: بلى كنت في [علم] الله أنك تكفر.

أو يقول: صرت من العالين، أي: ممن يطلب العلو؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .

ظن إبليس - عليه لعنة الله - أن النار لما كان من طبعها الارتفاع والعلو ومن طبع الطين التسفل والانحدار أن الذي طبعه الارتفاع والعلو خير من الذي طبعه التسفل والانحدار؛ لذلك قال - والله أعلم -: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .

أو لما رأى أن إصلاح الأشياء كلها ونضجها بالنار فقال [هذا] عند ذلك.

لكن لو نظر الملعون وحقق النظر، لعلم أن الطين خير من النار؛ لأنه من الأرض، والأرض كالأصل والأم لغيرها؛ لأن الأشياء يكون صلاحها ونضجها بالنار [و] أول بدئها من الأرض، كالابن من الأم الوالدة على ما ذكرنا، والله الموفق.

ثم كفره بإبائه السجود له لما لم ير أمر الله له بسجود من هو خير وأعلى لمن دونه حكمة وحقّاً، فكفر لما رأى أنه وضع الأمر في غير موضع الأمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ .

قال بعضهم: أي: اخرج من الجنة.

وقال بعضهم: اخرج من السماء إلى الأرض.

وقال بعضهم: أي: اخرج من الأرض إلى جزيرة البحر، والله أعلم بذلك، وليس لنا أن نتكلف القطع على القول فيه: أن أمره بالخروج من كذا، وقد عرف اللعين أنه بماذا أمره بالخروج منها.

ثم ذكر مرة ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ ، ومرة قال: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا  ﴾ ونحو ذلك من الألفاظ المختلفة؛ وكذلك ما ذكر مرة قال: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ  ﴾ ، وقال في موضع: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ و ﴿ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ  ﴾ ونحو ذلك على الألفاظ المختلفة، فذلك كله يدل على أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف، وكذلك ما ذكر في القصص على اختلاف الألفاظ مكررة معادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .

أي: لعين، كأنه قال: فإنّك لعين على ألسن الناس، ليس يذكره أحد من أعدائه وأتباعه وأوليائه إلا وقد لعنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .

كانت اللعنة عليه إلى يوم الدين هي خذلانه وطرده عن رحمته ودينه؛ لما علم أنه لا يعود إلى اختيار توحيده وطاعته أبداً، وإلا كان عليه لعنته في الدنيا والآخرة: فأما في الدنيا ما ذكرنا من خذلانه وتركه في العمر، وأما في الآخرة مطرود عن جنته، والله أعلم.

ثم سأل ربه أن ينظره إلى يوم يبعثون فأجاب حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ﴾ وإنما أنظره - والله أعلم - لأنه يختار الكفر والخلاف له أبداً.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .

هو يوم اختلف فيه: [قال بعضهم:] ﴿ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ : هو يوم البعث، إلى ذلك أنظره على ما سبق منه السؤال على النظرة إلى يوم البعث حيث قال: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ : هو النفخة الأولى.

وقال بعضهم: لم يبين له ذلك الوقت؛ ولذلك ذكر منه الخوف، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، ولو كان بين له الوقت المعلوم لكان لا يخاف دون ذلك الوقت، ولكنه يأمن فدل خوفه أنه لم يبين له ذلك وهو معلوم عند الله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

وقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ كأنه يقول - والله أعلم -: إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان أن تغويهم إلا من كان في علمه أنه يختار الغواية ويؤثر اتباعه؛ فيكون له عليهم سلطان الإغواء، فأما من كان في علم الله أنه يختار الإيمان والتوحيد، فلا سبيل لك عليهم، والله أعلم.

ثم قال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ للتوحيد، فإن كان ذلك فيكون قوله  : ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ يكون كفرا.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ من الهلاك، فإن كان ذلك فيكون قوله: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ ، أي: لأهلكنهم.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ من كل ذنب وكل معصية، لكن الوجهين الأولين أشبه وأقرب، والله [أعلم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ﴾ .

قرئ بنصبهما جميعاً: ﴿ فالحقَّ والحق أقول ﴾ ، وقد قرئ أيضاً برفع الأول ونصب الثاني: ﴿ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ ﴾ .

فمن قرأه بالرفع فيكون معناه - والله أعلم - ﴿ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ﴾ أي: مني يكون الحق على هذا.

ومن قرأه على النصب فهو على التأكيد؛ تأكيداً على ما ذكر على أثره كأنه يقول: أقول الحق الحق، وهو يقول: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

ثم جائز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة فيقال لهم: أراد الله  أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره الذي أخبر أنه كان يكون، أو لم يرد أن ينجز ما وعد وألا يخرج خبره على الصدق.

فإن قالوا: لم يرد، أعظموا القول؛ لأنهم زعموا أنه أراد أن يخلف ما وعد، وأن يكذب في خبره، فذلك عظيم القول حيث وصفوا ربهم بالسفه؛ لأن من أراد أن يخلف وعده وأن يكذب في خبره، فهو سفيه على زعم من قال ذلك.

وإن قالوا: أراد أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره، فيقال لهم: أراد أن يتبعوا إبليس، أو أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوه؟

فإن قالوا: أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوا إبليس، فيقال: أراد أن يجور ويظلم على زعمكم، لأنه أراد أن يملأ جهنم ولم يرد ما يستوجبون ذلك؛ فدل على أن الله  علم أنه يكون منهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -يا محمد- للكفار من قومك: إنما أنا منذر لكم من عذاب الله أن يوقعه عليكم بسبب كفركم به وتكذيبكم لرسله، وليس يوجد إله يستحق العبادة إلا الله سبحانه، فهو المنفرد في عظمته وصفاته وأسمائه، وهو القهار الذي قهر كل شيء، فكل شيء خاضع له.

<div class="verse-tafsir" id="91.d3pWn"

مزيد من التفاسير لسورة ص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد