الآية ٨ من سورة ص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٨ من سورة ص

أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن ذِكْرِى ۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة ص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقولهم : ( أؤنزل عليه الذكر من بيننا ) يعني : أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم كما قالوا في الآية الأخرى : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) [ الزخرف : 31 ] قال الله تعالى : ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) [ الزخرف : 32 ] ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم ، قال الله تعالى : ( بل لما يذوقوا عذاب ) أي : إنما يقولون هذا ؛ لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله ونقمته سيعلمون غب ما قالوا ، وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين من قريش: أأنـزل على محمد الذكر من بيننا فخصّ به, وليس بأشرف منا حسبا.

وقوله ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ) يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين أن لا يكونوا أهل علم بأن محمدا صادق, ولكنهم في شك من وحينا إليه, وفي هذا القرآن الذي أنـزلناه إليه أنه من عندنا( بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ) يقول: بل لم ينـزل بهم بأسنا, فيذوقوا وبال تكذيبهم محمدا, وشكهم في تنـزيلنا هذا القرآن عليه, ولو ذاقوا العذاب على ذلك علموا وأيقنوا حقيقة ما هم به مكذِّبون, حين لا ينفعهم علمهم

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أأنزل عليه الذكر من بيننا هو استفهام إنكار ، والذكر هاهنا القرآن .

أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم .

فقال الله تعالى : بل هم في شك من ذكري أي : من وحيي وهو القرآن .

أي : قد علموا أنك لم تزل صدوقا فيما بينهم ، وإنما شكوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا .بل لما يذوقوا عذاب أي إنما اغتروا بطول الإمهال ، ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك ، ولما قالوا ذلك ، ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ .

و " لما " بمعنى لم ، وما زائدة كقوله : عما قليل و فبما نقضهم ميثاقهم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا } أي: ما الذي فضله علينا، حتى ينزل الذكر عليه من دوننا، ويخصه اللّه به؟

وهذه أيضا شبهة، أين البرهان فيها على رد ما قاله؟

وهل جميع الرسل إلا بهذا الوصف، يَمُنُّ اللّه عليهم برسالته، ويأمرهم بدعوة الخلق إلى اللّه، ولهذا، لما كانت هذه الأقوال الصادرة منهم لا يصلح شيء منها لرد ما جاء به الرسول، أخبر تعالى من أين صدرت، وأنهم { فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي } ليس عندهم علم ولا بينة.فلما وقعوا في الشك وارتضوا به، وجاءهم الحق الواضح، وكانوا جازمين بإقامتهم على شكهم، قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحق، لا عن بينة من أمرهم، وإنما ذلك من باب الائتفاك منهم.ومن المعلوم، أن من هو بهذه الصفة يتكلم عن شك وعناد، إن قوله غير مقبول، ولا قادح أدنى قدح في الحق، وأنه يتوجه عليه الذم واللوم بمجرد كلامه، ولهذا توعدهم بالعذاب فقال: { بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } أي: قالوا هذه الأقوال، وتجرأوا عليها، حيث كانوا ممتعين في الدنيا، لم يصبهم من عذاب اللّه شيء، فلو ذاقوا عذابه، لم يتجرأوا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أؤنزل عليه الذكر ) القرآن ) ( من بيننا ) وليس بأكبرنا ولا أشرفنا ، يقوله أهل مكة .

قال الله عز وجل : ( بل هم في شك من ذكري ) أي وحيي وما أنزلت ، ( بل لما يذوقوا عذاب ) ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أَأُنزل» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه «عليه» على محمد «الذكر» أي القرآن «من بيننا» وليس بأكبرنا ولا أشرفنا: أي لم ينزل عليه، قال تعالى: «بل هم في شك من ذكري» وحْيي أي القرآن حيث كذبوا الجائي به «بل لما» لم «يذوقوا عذاب» ولو ذاقوه لصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ولا ينفعهم التصديق حينئذ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أخُص محمد بنزول القرآن عليه من دوننا؟

بل هم في ريب من وحيي إليك -أيها الرسول- وإرسالي لك، بل قالوا ذلك؛ لأنهم لم يذوقوا عذاب الله، فلو ذاقوا عذابه لما تجرؤوا على ما قالوا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صرحوا فى نهاية المطالف بالسبب الحقيقى الذى حال بينهم وبين الإِيمان ، ألا وهو الحقد والحسد ، وإنكار أن يختص الله تعالى رسوله من بينهم بالرسالة ، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : ( أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا؟

.

.

.

) .والاستفهام للإِنكار والنفى .

أى : يف يدعى محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد نزل عليه القرآن من بيننا ، ونحن السادة الأغنياء العظماء ، وهو دوننا فى ذلك؟

إننا ننكر وننفى دعواه النبوة من بيننا .قال صاحب الكشاف : أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه الكتاب من بينهم ، كما قالوا : ( وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ ) وهذا الإِنكار ترجمة عما كانت تغلى به صدورهم من الحسد على ما أوتى من شرف النبوة من بينهم .ولقد حكى القرآن أحقادهم هذه على النبى صلى الله عليه وسلم فى آيات كثيرة ورد عليها بما يبطلها ومن ذلك قوله - تعالى - :( وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ الله الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ .

.

.

) ولقد صرح أبو جهل بهذا الحسد للنبى صلى الله عليه وسلم فعندما سأله سائل ، أتظن محمدا على حق أم على باطل؟

كان جوابه : إن محمد لعلى حق ولكن متى كنا لبنى هاشم تبعا .

أى : متى كانت أسرتنا تابعة لبنى هاشم!!وفى رواية أنه قال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب ، وكنا كفرسى رهان ، قالوا : منا نبى يأتيه الوحى من السماء ، فمتى ندرك هذه؟

والله لا نؤمن به أبدا ولا نصرفه .وقوله - سبحانه - : ( بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ) إضراب عن كلام يفهم من السياق .

وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى .أى : هؤلاء الجاحدون الحاقدون لم يقطعوا برأى فى شأنك - أيها الرسول الكريم - وفى شأن ما جئتهم به ، ولم يستندوا فى أقوالهم إلى دليل أو ما يشبه الدليل ، وإنما هم فى شك من هذا القرآن الذى أيدناك به ، بدليل أنك تراهم يصفونك تارة بالسحر ، وتارة بالكهانة ، وتارة بالشعر ، ولو عقلوا وأنصفوا لآمنوا بك وصدقوك .وقوله - سبحانه - : ( بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ) إضراب عن مجموع الكلامين السابقين المشتملين على الحسد والشك .أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - من مسالكهم الخبيثة ، وأقوالهم الفاسدة .

فإنهم ما فعلوا ذلك إلا أنهم لم يذوقوا عذابى بعد ، فإذا ذاقوه زال حسدهم وشكهم ، وتيقنوا بأنك على الحق المبين ، وهم على الباطل الذى لا يحوم حوله حق .وفى التعبير بقوله ( لما ) إشارة إلى أن نزول العذاب هبم وتذويقهم له ، قريب للحصول .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لأولئك الكفار وهي الشبهة المتعلقة بالنبوات وهي قولهم إن محمداً لما كان مساوياً لغيره في الذات والصفات والخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنة فكيف يعقل أن يختص هو بهذه الدرجة العالية والمنزلة الشريفة؟

وهو المراد من قولهم: ﴿ أأنزل عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا ﴾ فإنه استفهام على سبيل الإنكار، وحكى الله تعالى عن قوم صالح أنهم قالوا مثل هذا القول فقالوا: ﴿ أألقي الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِر  ﴾ وحكى الله تعالى عن قوم محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً أنهم قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ  ﴾ وتمام الكلام في تقرير هذه الشبهة: أنهم قالوا النبوة أشرف المراتب، فوجب أن لا تحصل إلا لأشرف الناس ومحمد ليس أشرف الناس، فوجب أن لا تحصل له والنبوة، والمقدمتان الأوليان حقيتان لكن الثالثة كاذبة وسبب رواج هذا التغليط عليهم أنهم ظنوا أن الشرف لا يحصل إلا بالمال والأعوان وذلك باطل، فإن مراتب السعادة ثلاثة أعلاها هي النفسانية وأوسطها هي البدنية وأدونها هي الخارجية وهي المال والجاه، فالقوم عكسوا القضية وظنوا بأخس المراتب أشرافها فلما وجدوا المال والجاه عند غيره أكثر ظنوا أن غيره أشرف منه، فحينئذ انعقد هذا القياس الفاسد في أفكارهم، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْري بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أن قوله: ﴿ بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِي ﴾ أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم وذلك لأن كل ما ذكروه من الشبهات فهي كلمات ضعيفة وأما الدلائل التي تدل بنفسها على صحة نبوته، فهي دلائل قاطعة فلو تأملوا حق التأمل في الكلام لوقفوا على ضعف الشبهات التي تمسكوا بها في إبطال النبوة، ولعرفوا صحة الدلائل الدالة على صحة نبوته، فحيث لم يعرفوا ذلك كان لأجل أنهم تركوا النظر والاستدلال، فأما قوله تعالى: ﴿ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ فموقعه من هذا الكلام أنه تعالى يقول هؤلاء إنما تركوا النظر والاستدلال لأني لم أذقهم عذابي، ولو ذاقوه لم يقع منهم إلا الإقبال على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات.

وثانيها: أن يكون المراد من قوله: ﴿ بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِى ﴾ هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر، ثم إنهم أصروا على الكفر، ولم ينزل عليهم العذاب، فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه، وقالوا: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء  ﴾ فقال: ﴿ بَلْ هُمْ في شَكّ مّن ذِكْرِي ﴾ معناه ما ذكرناه، وقوله تعالى: ﴿ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ معناه أن ذلك الشك إنما حصل بسبب عدم نزول العذاب والوجه الثاني: من الوجوه التي ذكرها الله تعالى في الجواب عن تلك الشبهة قوله تعالى: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ العزيز الوهاب ﴾ وتقرير هذا الجواب أن منصب النبوة منصب عظيم ودرجة عالية والقادر على هبتها يجب أن يكون عزيزاً أي كامل القدرة ووهاباً أي عظيم الجود وذلك هو الله سبحانه وتعالى، وإذا كان هو تعالى كامل القدرة وكامل الجود، لم يتوقف كونه واهباً لهذه النعمة على كون الموهوب منه غنياً أو فقيراً، ولم يختلف ذلك أيضاً بسبب أن أعداءه يحبونه أو يكرهونه والوجه الثالث: في الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السموات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأسباب ﴾ واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الكلام مغايراً للمراد من قوله: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ ﴾ والفرق أن خزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ ومن جملة تلك الخزائن هو هذه السموات والأرض، فلما ذكرنا الخزائن أولاً على عمومها أردفها بذكر ﴿ مُلْكُ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله، فإذا كنتم عاجزين عن هذا القسم، فبأن تكونوا عاجزين عن كل خزائن الله كان أولى، فهذا ما أمكنني ذكره في الفرق بين الكلامين، أما قوله تعالى: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأسباب ﴾ فالمعنى أنهم أن ادعوا أن لهم ملك السموات والأرض فعند هذا يقال لهم ارتقوا في الأسباب واصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يرتقوا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله وينزلوا الوحي على من يختارون، واعلم أن حكماء الإسلام استدلوا بقوله: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأسباب ﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً وذلك يدل على ما قلناه، والله أعلم، أما قوله تعالى: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن الأحزاب ﴾ ففيه مقامان من البحث أحدهما: في تفسير هذه الألفاظ والثاني: في كيفية تعلقها بما قبلها أما المقام الأول: فقوله: ﴿ جُندٌ ﴾ مبتدأ وما للإيهام كقوله جئت لأمر ما، وعندي طعام ما، و ﴿ مّن الأحزاب ﴾ صفة لجند و ﴿ مَهْزُومٌ ﴾ خبر المبتدأ وأما قوله: ﴿ هُنَالِكَ ﴾ فيجوز أن يكون صفة لجند أي جند ثابت هنالك، ويجوز أن يكون متعلقاً بمهزوم معناه أن الجند من الأحزاب مهزوم هنالك، أي في ذلك الموضع الذي كانوا يذكرون فيه هذه الكلمات الطاعنة في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأما المقام الثاني: فهو أنه تعالى لما قال إن كانوا يملكون السموات والأرض فليرتقوا في الأسباب، ذكر عقيبه أنهم جند من الأحزاب منهزمون ضعيفون، فكيف يكونون مالكي السموات والأرض وما بينهما، قال قتادة هنالك إشارة إلى يوم بدر فأخبر الله تعالى بمكة أنه سيهزم جند المشركين فجاء تأويلها يوم بدر، وقيل يوم الخندق، والأصوب عندي حمله على يوم فتح مكة، وذلك لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات وذلك الموضع هو مكة، فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤوسائهم وينزل عليه الكتاب من بينهم كما قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ [الزخرف: 31] وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوّة من بينهم ﴿ بَلْ هُمْ فَى شَكٍّ ﴾ من القرآن، يقولون في أنفسهم: إما وإما.

وقولهم: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق ﴾ كلام مخالف لاعتقادهم فيه يقولونه على سبيل الحسد ﴿ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ بعد فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد حينئذ، يعني: أنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب مضطرين إلى تصديقه ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴾ يعني: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا، ويتخيروا للنبوّة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد عليه الصلاة والسلام.

وإنما الذي يملك الرحمة وخزائنها: العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب المصيب بها مواقعها، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته وعدله، كما قال: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا ﴾ [الزخرف: 32] ثم رشح هذا المعنى فقال: ﴿ أَمْ لَهُم مُّلْكُ السماوات والأرض ﴾ حتى يتكلموا في الأمور الربانية والتدابير الإلهية التي يختص بها ربّ العزّة والكبرياء، ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: وإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة، وكانت عندهم الحكمة التي يميزون بها بين من هو حقيق بإيتاء النبوّة دون من لا تحق له ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأسباب ﴾ فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى العرش، حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله، وينزلوا الوحي إلى من يختارون ويستصوبون، ثم خسأهم خساءة عن ذلك بقوله: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن الأحزاب ﴾ يريد: ما هم إلا جيش من الكفار المتحزبين على رسل الله، مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث لما به يهذون.

و(ما) مزيدة، وفيها معنى الاستعظام، كما في قول امرئ القيس: وَحَدِيثٌ مَا عَلَى قِصَرِهْ إلا أنه على سبيل الهزء و ﴿ هُنَالِكَ ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله: لست هنالك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا ﴾ إنْكارٌ لِاخْتِصاصِهِ بِالوَحْيِ وهو مِثْلُهم أوْ أدْوَنُ مِنهم في الشَّرَفِ والرِّئاسَةِ كَقَوْلِهِمْ ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ وأمْثالُ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَبْدَأ تَكْذِيبِهِمْ لَمْ يَكُنْ إلّا الحَسَدَ وقُصُورَ النَّظَرِ عَلى الحُطامِ الدُّنْيَوِيِّ.

﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي ﴾ مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِمَيْلِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلِيلِ، ولَيْسَ في عَقِيدَتِهِمْ ما يَبُتُّونَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ ﴾ ﴿ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ ﴾ .

﴿ بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ ﴾ بَلْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي بَعْدُ فَإذا ذاقُوهُ زالَ شَكُّهُمْ، والمَعْنى أنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِهِ حَتّى يَمَسَّهُمُ العَذابُ فَيُلْجِئَهم إلى تَصْدِيقِهِ.

﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ ﴾ بَلْ أعِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَتِهِ وفي تَصَرُّفِهِمْ حَتّى يُصِيبُوا بِها مِن شاؤُوا ويَصْرِفُوها عَمَّنْ شاؤُوا فَيَتَخَيَّرَ لِلنُّبُوَّةِ بَعْضَ صَنادِيدِهِمْ، والمَعْنى أنَّ النُّبُوَّةَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ يَتَفَضَّلُ بِها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لا مانِعَ لَهُ فَإنَّهُ العَزِيزُ أيِ الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، الوَهّابُ الَّذِي لَهُ أنْ يَهَبَ كُلَّ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، ثُمَّ رَشَّحَ ذَلِكَ فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أأنزل عَلَيْهِ الذكر} القرآن {مِّن بَيْنِنَا} أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم وينزل عليه الكتاب من بينهم حسداً {بْل هُمْ فَى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى} من القرآن {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} بل لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال عنهم مابهم من الشك والحسد حينئذ أي أنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب فيصدقون حينئذ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ أيِ القُرْآنُ، ﴿ مِن بَيْنِنا ﴾ ونَحْنُ رُؤَساءُ النّاسِ وأشْرافُهُمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ومُرادُهم إنْكارُ كَوْنِهِ ذِكْرًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ ، وأمْثالُ هَذِهِ المَقالاتِ الباطِلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَناطَ تَكْذِيبِهِمْ لَيْسَ إلّا الحَسَدُ وقِصَرُ النَّظَرِ عَلى الحُطامِ الدُّنْيَوِيِّ، ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي ﴾ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي أنْزَلْتُهُ عَلى رَسُولِي المَشْحُونِ بِالتَّوْحِيدِ لِمَيْلِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ المُؤَدِّيَةِ إلى العِلْمِ بِحَقِّيَّتِهِ، ولَيْسَ في عَقِيدَتِهِمْ ما يَقْطَعُونَ بِهِ، فَلِذا تَراهم يَنْسُبُونَهُ إلى السِّحْرِ تارَةً، وإلى الِاخْتِلاقِ أُخْرى، قِيلَ: لِلْإضْرابِ عَنْ جَمِيعِ ما قَبْلَهُ، وبَلْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ ﴾ إضْرابٌ عَنْ مَجْمُوعِ الكَلامَيْنِ السّابِقَيْنِ حَدِيثِ الحَسَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: أأنزل إلَخْ، وحَدِيثِ الشَّكِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ ﴾ أيْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي بَعْدُ، فَإذا ذاقُوهُ زالَ عَنْهم ما بِهِمْ مِنَ الحَسَدِ والشَّكِّ حِينَئِذٍ، يَعْنِي أنَّهم لا يُصَدِّقُونَ إلّا أنْ يَمَسَّهُمُ العَذابُ فَيَضْطَرُّوا إلى التَّصْدِيقِ، أوْ إضْرابٌ عَنِ الإضْرابِ قَبْلَهُ، أيْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي بَعْدُ، فَإذا ذاقُوهُ زالَ شَكُّهم واضْطُرُّوا إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِي، والأوَّلُ عَلى ما في الكَشْفِ هو الوَجْهُ السَّدِيدُ، ويَنْطَبِقُ عَلَيْهِ ما بَعْدُ مِنَ الآياتِ، وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي المَوْعُودَ في القُرْآنِ، ولِذَلِكَ شَكُّوا فِيهِ، وهو كَما تَرى، وفي التَّعْبِيرِ (بِـلَمّا) دِلالَةٌ عَلى أنَّ ذَوْقَهُمُ العَذابَ عَلى شَرَفِ الوُقُوعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعني: مخوف منهم، ورسول منهم يعني: من العرب وهو محمد  وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ يكذب على الله تعالى أنه رسوله أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً يعني: كيف يتسع لحاجتنا إله واحد إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ يعني: لأمر عجيب.

والعرب تحول فعيلاً إلى فعال.

وهاهنا أصله شيء عجيب.

كما قال في سورة ق عَجِيبٌ [هود: 72، ق: 2] وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أخبرنا الثقة بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب، دخل عليه نفر من قريش، فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويقول ويقول، ويفعل ويفعل، فأرسل إليه، فانهه عن ذلك، فأرسل إليه أبو طالب، وكان إلى جنب أبي طالب موضع رجل، فخشي أبو جهل إن جاء النبيّ  يجلس إلى جنب عمه، أن يكون أرق له عليه.

فوثب أبو جهل، فجلس في ذلك المجلس، فلما جاء النبيّ  لم يجد مجلساً إلا عند الباب.

فلما دخل، قال له أبو طالب: يا ابن أخي إن قومك يشكونك، ويزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول، وتفعل وتفعل.

فقال: «يَا عَمُّ إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، تُدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وَتُؤَدِي إليهِم بِهَا العَرَبُ والعَجَمُ الجِزْيَةَ» .

فقالوا: وما هي فقال النبيّ  : «لا إله إلا الله» فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، ويقولون: جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ يعني: الأشراف من قريش أَنِ امْشُوا يعني: امكثوا وَاصْبِرُوا يعني: اثبتوا عَلى آلِهَتِكُمْ يعني: على عبادة آلهتكم إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ يعني: لأمر يراد كونه بأهل الأرض.

ويقال: إن هذا لشىء يراد.

يعني: لا يكون ولا يتم له مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ يعني: في اليهود والنصارى إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ يعني: يختلقه من قبل نفسه.

ويقال: في قوله: إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ يعني: أراد أن يكون.

ثم قال عز وجل: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا يعني: أخصّ بالنبوة من بيننا.

يقول الله عز وجل: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي يعني: في ريب من القرآن والتوحيد بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ أي: لم يذوقوا عذابي كقوله: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14] أي: لم يدخل فهذا تهديد لهم، أي: سيذوقوا عذابي.

ثم قال: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ يعني: مفاتيح رحمة ربك.

يعني: مفاتيح النبوة بأيديهم، ليس ذلك بأيديهم، وإنما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ يعني: بيد الله الْعَزِيزِ في ملكه الْوَهَّابِ لمن يشاء.

بل الله يختار من يشاء للوحي، فيوحي الله عز وجل وهي الرسالة لمن يشاء وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ يعني: إن لم يرضوا بما فعل الله تعالى، فليتكلفوا الصعود إلى السماء.

وقال القتبي: أسباب السماء أي: أبواب السماء، كما قال القائل.

ولو نال أسباب السماء بسلم.

قال: ويكون أيضاً فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ يعني: في الجبال إلى السماء كما سألوك أن ترقى إلى السماء، فتأتيهم بآية، وهذا كله تهديد، وتوبيخ بالعجز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ/ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ...

الآية، رُوِيَ فِي قَصَصِ هذهِ الآيةِ، أنَّ أشْرَافَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا عِنْدَ مَرَضِ أبي طالبٍ، وقالوا: إن مِنَ القبيحِ علينا أن يموتَ أبو طالب، ونُؤْذِيَ محمَّداً بَعْدَهُ، فتقولُ العربُ: تركُوهُ مُدَّةَ عَمِّهِ، فَلَمَّا مَاتَ آذَوْهُ، ولكن لِنذهبْ إلى أبي طالب فَيُنْصِفَنَا مِنْهُ ويَرْبِطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ رَبْطاً، فَنَهَضُوا إليه، فقالوا: يا أبا طالب: إن محمداً يَسُبُّ آلهتَنا، ويُسَفِّهُ آراءنا، ونحنُ لا نُقَارُّهُ على ذلك، ولكن افْصِلْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ في حياتِكَ بأن يُقِيمَ في منزلهِ يَعْبُدُ ربَّهُ الذي يَزْعُمُ ويدعُ آلهتنا وسَبَّها، ولا يَعْرِضُ لأحَدٍ منا بشيْءٍ من هذا، فبعث أبو طالب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال:

يا محمَّدُ، إن قومَكَ قَد دَعَوْكَ إلى النَّصَفَةِ، وهِيَ أن تَدَعَهُمْ وتَعْبُدَ رَبَّكَ وَحْدَكَ، فَقال: أوَ غَيْرَ ذلكَ يا عَمُّ؟

قال: وما هو؟

قال: يُعْطُونَنِي كَلِمَةً تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وَتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ بِهَا العَجَمُ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟!

فَإنَّا نُبَادِرُ إلَيْهَا!

قَالَ: «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» فَنَفَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا يُرْضِيكَ مِنَّا غَيْرُ هذا؟

قال: «واللَّهِ، لَوْ أَعْطَيْتُمُونِي الأَرْضَ ذَهَبَاً وَمَالاً» «١» وفي روايةِ «لَوْ جَعَلْتُمُ الشَّمْسَ فِي يَمِينِي والقَمَرَ فِي شِمَالِي مَا أرضى مِنْكُمْ غَيْرُهَا» فَقَامُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ، ويُرَدِّدُونَ هذا المعنى، وعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ يقول: امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، فقوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ عبارةٌ عن خروجِهم عَن أبي طالبٍ وانطلاقِهِمْ من ذلكَ الجَمْعِ، هذا قولُ جماعةٍ من المفسرين.

وقوله تعالى: أَنِ امْشُوا نَقَلَ الإمامُ الفخرُ «٢» أَنَّ «أنْ» بمعنى: «أي» ، انتهى، وقولهم:

إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ يريدون ظهورَ محمَّدٍ وعلوَّه، أي: يُرادُ مِنَّا الانقيادُ لَه، وأنْ نكونَ له أتْبَاعاً، ويريدونَ بِالمِلَّةِ الآخرةِ مِلَّةَ عيسى، قاله ابنُ عبَّاس، وغيره «٣» وذلك أنها ملَّةٌ شُهِرَ فيها التثليث.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَجِبُوا ﴾ يَعْنِي الكُفّارُ ﴿ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهُمُ النّارَ.

﴿ أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا ﴾ لِأنَّهُ دَعاهم إلى اللَّهِ وحْدَهُ وأبْطَلَ عِبادَةَ آَلِهَتِهِمْ؛ وهَذا قَوْلُهم لَمّا اجْتَمَعُوا عِنْدَ أبِي طالِبٍ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: "أتُعْطُونِي كَلِمَةً تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكم بِها العَجَمُ، وهي "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، فَقامُوا يَقُولُونَ: "أجَعَلَ الآَلِهَةَ إلَهًا واحِدًا"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ فِيهِمْ.

﴿ إنَّ هَذا ﴾ \[الَّذِي\] يَقُولُ مُحَمَّدٌ مِن أنَّ الآَلِهَةَ إلَهًا واحِدًا ﴿ لَشَيْءٌ عُجابٌ ﴾ أيْ: لَأمْرٌ عَجَبٌ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو العالِيَةَ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "عُجّابٌ" بِتَشْدِيدِ الجِيمِ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: العُجابُ والعُجابُ والعَجِيبُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما تَقُولُ: كَبِيرٌ وكِبارٌ وكُبّارٌ، وكَرِيمٌ وكِرامٌ وكُرّامٌ، وطَوِيلٌ وطِوالٌ وطُوّالٌ؛ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: جاؤُوا بِصَيْدٍ عَجَبٍ مِنَ العَجَبِ أُزَيْرِقِ العَيْنَيْنِ طُوّالِ الذَّنْبِ قالَ قَتادَةُ: عَجِبَ المُشْرِكُونَ أنْ دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ، وقالُوا: أيَسْمَعُ لِحاجَتِنا جَمِيعًا إلَهٌ واحِدٌ؟!

وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا اجْتَمَعَ أشْرافُ قُرَيْشٍ عِنْدَ أبِي طالِبٍ وشَكَوا إلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ  عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ، نَفَرُوا مِن قَوْلِ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، وخَرَجُوا مِن عِنْدِ أبِي طالِبٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ "وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ" .

﴾ الِانْطِلاقُ: الذَّهابُ بِسُهُولَةٍ، ومِنهُ طَلاقَةُ الوَجْهِ.

والمَلَأُ: أشْرافُ قُرَيْشٍ.

فَخَرَجُوا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ امْشُوا ﴾ .

و " أنْ " بِمَعْنى "أيْ"؛ فالمَعْنى: أيِ: امْشُوا.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: انْطَلِقُوا بِأنِ امْشُوا، أيِ: انْطَلِقُوا بِهَذا القَوْلِ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: انْطَلِقُوا يَقُولُونَ: امْشُوا إلى أبِي طالِبٍ فاشْكُوا إلَيْهِ ابْنَ أخِيهِ، ﴿ واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها ﴿ إنَّ هَذا ﴾ الَّذِي نَراهُ مِن زِيادَةِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﴿ لَشَيْءٌ يُرادُ ﴾ أيْ: لَأمْرٌ يُرادُ بِنا.

﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿ فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: النَّصْرانِيَّةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ بْنُ المُهاجِرِ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها مِلَّةُ قُرَيْشٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ؛ والمَعْنى أنَّ اليَهُودَ أشْرَكَتْ بِعُزَيْرٍ، والنَّصارى قالَتْ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَلِهَذا أنْكَرَتِ التَّوْحِيدَ.

﴿ إنْ هَذا ﴾ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  ﴿ إلا اخْتِلاقٌ ﴾ أيْ: كَذِبَ.

﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ يَعْنُونَ القُرْآَنَ.

"عَلَيْهِ" يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ  ، ﴿ مِن بَيْنِنا ﴾ أيْ: كَيْفَ خُصَّ بِهَذا دُونَنا ولَيْسَ بِأعْلانا نَسَبًا ولا أعْظَمَنا شَرَفًا؟!

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآَنِ؛ والمَعْنى أنَّهم لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِمّا يَقُولُونَ، إنَّما هم شاكُّونَ ﴿ بَلْ لَمّا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: "لَمًّا" بِمَعْنى "لَمْ" كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ  ﴾ .

وقالَ غَيْرُهُ: هَذا تَهْدِيدٌ لَهُمْ؛ والمَعْنى أنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ، عَلِمُوا أنَّ ما قالَهُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ.

وأثْبَتَ ياءَ " عَذابِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ولَمّا دَلَّ قَوْلُهُمْ: ﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ عَلى حَسَدِهِمْ لَهُ، أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ المُلْكَ والرِّسالَةَ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴾ ؟!

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآَيَةِ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ النُّبُوَّةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاؤُوا؟!

والمَعْنى: لَيْسَتْ بِأيْدِيهِمْ، ولا مُلْكُ السَّمَواتِ والأرْضِ لَهُمْ، فَإنِ ادَّعَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿ فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أيْ في أبْوابِ السَّماءِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوَصِّلُهم إلى السَّماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جُنْدٌ ﴾ أيْ: هم جُنْدٌ.

والجُنْدُ: الأتْباعُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: هم أتْباعٌ مُقَلِّدُونَ لَيْسَ فِيهِمْ عالِمٌ راشِدٌ.

و ﴿ ما ﴾ زائِدَةٌ، و ﴿ هُنالِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى بَدْرٍ.

والأحْزابُ: جَمِيعُ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ.

قالَ قَتادَةُ: أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وهو بِمَكَّةَ أنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْدَ المُشْرِكِينَ، فَجاءَ تَأْوِيلُها يَوْمَ بَدْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ﴾ ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ ﴾ ﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ ﴾ ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ ﴾ رُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ أشْرافَ قُرَيْشٍ وجَماعَتِهِمُ اجْتَمَعُوا عِنْدَ مَرَضِ أبِي طالِبٍ عَمِّ النَبِيِّ  ، فَقالُوا: إنَّ مِنَ القَبِيحِ عَلَيْنا أنْ يَمُوتَ أبُو طالِبٍ ونُؤْذِي مُحَمَّدًا بَعْدَهُ فَتَقُولُ العَرَبُ: تَرَكُوهُ مُدَّةَ عَمِّهِ فَلَمّا ماتَ آذَوْهُ، ولَكِنْ لِنَذْهَبْ إلى أبِي طالِبٍ فَلْيُنْصِفْنا مِنهُ، ولِيَرْبِطَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ رَبْطًا، فَنَهَضُوا إلَيْهِ، فَقالُوا: يا أبا طالِبٍ، إنَّ مُحَمَّدًا يَسُبُّ ويُسَفِّهُ آراءَنا وآراءَ آبائِنا، ونَحْنُ لا نُقارُّهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنِ افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهُ في حَياتِكَ، بِأنْ يُقِيمَ في مَنزِلِهِ يَعْبُدُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ، ويَدَعُ آلِهَتَنا وسَبَّها، ولا يَعْرِضُ لِأحَدٍ مِنّا بِشَيْءٍ مِن هَذا، فَبَعَثَ أبُو طالِبٍ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ قَوْمَكَ قَدْ دَعَوْكَ إلى النَصَفَةِ، وهي أنْ تَدَعَهم وتَعْبُدَ رَبَّكَ وحْدَكَ، فَقالَ: أوَ غَيْرَ ذَلِكَ يا عَمِّ؟

قالَ وما هُوَ؟

قالَ: يُعْطُونَنِي كَلِمَةً تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الجِزْيَةَ بِها العَجَمُ، قالُوا: وما هي فَإنَّنا نُبادِرُ إلَيْها؟

قالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَنَفَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالُوا: ما يُرْضِيكَ مِنّا غَيْرُ هَذا؟

قالَ: واللهُ لَوْ أعْطَيْتُمُونِي الأرْضَ ذَهَبًا ومالًا،» وفي رِوايَةٍ: «لَوْ جَعَلْتُمُ الشَمْسَ في يَمِينِي، والقَمَرَ في شِمالِي ما أرْضانِي مِنكم غَيْرُها، فَقامُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وبَعْضُهم يَقُولُ: "أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ"» ويُرَدِّدُونَ هَذا المَعْنى، وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ يَقُولُ: ﴿ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ﴾ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وجَلَبْتُ هَذا الخَبَرَ تامَّ المَعْنى، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ ونُقْصانٌ، والغَرَضُ مُتَقارِبٌ.

«وَلَمّا ذَهَبُوا قالَ رَسُولُ اللهِ  : يا عَمِّ، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ، فَقالَ: واللهِ لَوْلا أنْ تَكُونَ سُبَّةً في بَنِيَّ بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، وماتَ وهو يَقُولُ: عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَنَزَلَتْ في ذَلِكَ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ  ﴾ .» فَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ ﴾ عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِمْ عن أبِي طالِبٍ، وانْطِلاقِهِمْ مِن ذَلِكَ الجَمْعِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عِبارَةٌ عن إذاعَتِهِمْ لِهَذِهِ الأقاوِيلِ، فَكَأنَّهُ كَما يَقُولُ الناسُ: انْطَلَقَ الناسُ بِالدُعاءِ لِلْأمِيرِ، ونَحْوَهُ، أيِ: اسْتَفاضَ كَلامُهم بِذَلِكَ، و"المَلَأُ": الأشْرافُ والرُؤُوسُ الَّذِينَ يَسُدُّونَ مَسَدَّ الجَمِيعِ في الآراءِ ونَحْوِهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنِ امْشُوا ﴾ ، "أنِ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنْ، فَهي بِتَقْدِيرِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم بِقَوْلِهِمُ: امْشُوا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: امْشُوا واصْبِرُوا عَلى كُلِّ أمْرِ آلِهَتِكم.

وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ قَوْلَهُمُ: ﴿ "امْشُوا" ﴾ هو دُعاءٌ بِكَسْبِ الماشِيَةِ، وفي هَذا ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الألِفُ مَقْطُوعَةً؛ لِأنَّهُ يُقالُ: "أمْشى الرَجُلُ" إذا صارَ صاحِبَ ماشِيَةٍ، وأيْضًا فَهَذا المَعْنى غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ في الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى: سِيرُوا عَلى طَرِيقَتِكم ودُومُوا عَلى سَيْرِكُمْ، أو يَكُونُ المَعْنى أمْرًا مِن نَقْلِ الأقْدامِ، قالُوهُ عِنْدَ انْطِلاقِهِمْ، وهو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا".

وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ﴾ يُرِيدُونَ ظُهُورَ مُحَمَّدٍ  وعُلُوَّهُ بِالنُبُوَّةِ، أيْ: يُرادُ مِنّا الِانْقِيادُ لَهُ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ يُرِيدُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ ﴾ ، فَقالَ مُجاهِدٌ: أرادُوا مِلَّتَهم ونِحْلَتَهُمُ الَّتِي العَرَبُ عَلَيْها، ويُقالُ لِكُلِّ ما تَتَّبِعُهُ أُمَّةٌ: مِلَّةٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ: أرادَ مِلَّةَ النَصارى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وذَلِكَ مُتَّجِهٌ لِأنَّها مِلَّةٌ شَهِيرٌ فِيها التَثْلِيثُ، وأنَّ الإلَهَ لَيْسَ بِواحِدٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ ما سَمِعْنا ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا أنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ هَذا، ولا أنَّهُ يُقالُ في المِلَّةِ الآخِرَةِ الَّتِي كُنّا نَسْمَعُ أنَّها تَكُونُ في آخِرِ الزَمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وذَلِكَ أنَّهُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ الناسُ يَسْتَشْعِرُونَ خُرُوجَ نَبِيٍّ وحُدُوثَ مِلَّةٍ ودِينٍ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ مِن قَوْلِ الأحْبارِ أُولِي الصَوامِعِ، وما رُوِيَ عن شِقٍّ وسَطِيحٍ، وما كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَعْتَقِدُ مِن أنَّهُ يَكُونُ مِنهم.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما يُخْبِرُ بِهِ مُحَمَّدٌ  عَنِ اللهِ تَعالى.

ثُمَّ قالُوا: عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ومُضَمَّنٌ ذَلِكَ الإنْكارُ، ﴿ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ ﴾ .

بِمَعْنى: نَحْنُ الأشْرافُ الأعْلامُ، فَلِمَ خُصَّ هَذا؟

وكَيْفَ يَصِحُّ هَذا؟

فَرَدَّ اللهُ تَعالى قَوْلَهم بِما تَقْتَضِيهِ "بَلْ"؛ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ تَخْصِيصُ اللهِ وإنْعامُهُ جارِيًا عَلى شَهَواتِهِمْ، ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي ﴾ ، أيْ في رَيْبٍ أنَّ هَذا التَذْكِيرَ بِاللهِ حَقٌّ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ ﴾ ، أيْ: لَوْ ذاقُوهُ لَتَحَقَّقُوا أنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ حَقٌّ، أيْ هم لِجَهالَتِهِمْ لا يُبَيِّنُ لَهُمُ النَظَرُ، وإنَّما يُبَيِّنُ لَهم مُباشَرَةُ العَذابِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْ أُنْزِلَ" بِمِيمٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ.

ثُمَّ وقَّفَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، أعِنْدَهم رَحْمَةُ اللهِ وخَزائِنُها الَّتِي فِيها الهُدى والنُبُوءَةُ وكُلُّ فَضْلٍ، فَيَكُونُ لَهم تَحَكُّمٌ في الرِسالَةِ وغَيْرِها مِن نِعَمِ اللهِ؟

و"أمْ" هُنا، لَمْ تُعادِلْها ألِفٌ، فَهي المَقْطُوعَةُ الَّتِي مَعْناها إضْرابٌ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ واسْتِفْهامٌ، وقَدَّرَها سِيبَوَيْهِ بـِ "بَلْ والألِفِ"، كَقَوْلِ العَرَبِ: "إنَّها لِإبِلٌ أمْ شاءٌ".

والخَزائِنُ لِلرَّحْمَةِ مُسْتَعارَةٌ، كَأنَّ المَعْنى: مَوْضِعُ جَمْعِها وحِفْظِها، مِن حَيْثُ كانَتْ ذَخائِرُ البَشَرِ تَحْتاجُ إلى ذَلِكَ خُوطِبَ في الرَحْمَةِ بِما يَنْحُو إلى ذَلِكَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِي بِالخَزائِنِ المَفاتِيحَ.

واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَءَنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا ﴾ .

يجوز أن يكون ﴿ أءُنزِلَ عليه الذكر من بيننا ﴾ من كلام عموم الكافرين المحكي بقوله: ﴿ وقال الكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كذَّابٌ ﴾ [ص: 4] فيكون متصلاً بقوله: ﴿ أجعَلَ الآلِهة إلها واحداً ﴾ [ص: 5] ويكون قوله ﴿ أءُنزلَ عليه الذكرُ ﴾ بياناً لجملة ﴿ كَذَّابٌ ﴾ [ص: 4]، لأن تقديره: هذا كذّاب إذ هو خبر ثان ل (كان)، ولكونه بياناً للذي قبله لم يعطف عليه ويكون ما بينهما من قوله: ﴿ وانطلق الملأُ منهم ﴾ [ص: 6] إلى قوله: ﴿ إن هذا إلا اختلاقٌ ﴾ [ص: 7] اعتراضاً بين جملتي البيان.

ويجوز أن يكون من تمام كلام الملأ واستغني به عن بيان جملة ﴿ كَذَّابٌ ﴾ لأن نطق الملأ به كاففٍ في قول الآخرين بموجَبه فاستغنوا عن بيان جملة ﴿ كذابٌ ﴾ .

والاستفهام إنكاري، ومناط الإِنكار هو الظرف ﴿ من بيننا ﴾ وهو في موضع حال من ضمير ﴿ عليه ﴾ ، فأنكروا أن يُخص محمد صلى الله عليه وسلم بالإِرسال وإنزاللِ القرآن دون غيره منهم، وهذا هو المحكي في قوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] أي من مكة أو الطائف ولم يريدوا بهذا الإِنكار تجويز أصل الرسالة عن الله وإنما مرادهم استقصاء الاستبعاد فإنهم أنكروا أصل الرسالة كما اقتضاه قوله تعالى: ﴿ وعَجِبوا أن جاءَهم مُنذرٌ منهم ﴾ [ص: 4] وغيره من الآيات، وهذا الأصل الثاني من أصول كفرهم التي تقدم ذكرها عند قوله تعالى: ﴿ أجعل الآلهة إلها واحداً ﴾ [ص: 5] وهو أصل إنكار بعثه رسول منهم ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِ ﴾ يجوز أن يكون هذا جواباً عن قولهم: ﴿ أءُنزِلَ عليه الذكر من بيننا ﴾ أي ليس قصدهم الطعن في اختصاصك بالرسالة ولكنهم شاكُّون في أصل إنزاله، فتكون ﴿ بل ﴾ إضراباً إبطالياً تكذيباً لما يظهر من إنكارهم إنزال الذكر عليه من بينهم على ما تقدم، أي إنما قصدهم الشك في أن الله يوحي إلى أحد بالرسالة، فيكون معنى ﴿ في شَكّ من ذِكري ﴾ شكّاً من وقوعه.

والشك يطلق على اليقين مجازاً مرسلاً بعلاقة الإِطلاق والتقييد فيكون كمعنى قوله تعالى: ﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات اللَّه يجحدون ﴾ [الأنعام: 33].

ويجوز أن يكون انتقالاً من خبر عنهم إلى خبر آخر فيكون استئنافاً وتكون ﴿ بل ﴾ للإِضراب الانتقالي، والمعنى: وهم في شك من ذكري، أي في شك من كنه القرآن، فمرة يقولون: افتراه، ومرة يقولون: شعر، ومرة: سحر، ومرة: أساطير الأولين، ومرة: قول كاهن.

فالمراد بالشك حقيقتهُ أي التردد في العلم.

وإضافة الذكر إلى ضمير المتكلم وهو الله تعالى إضافة تشريف ولتحقيق كونه من عند الله.

والذكر على هذا الوجه هو عين المراد من قوله: ﴿ أءُنزل عليه الذكر ﴾ وإنما وقع التعبير عنه بالظاهر دون الضمير توصلاً إلى التنويه به بأنه من عند الله.

و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية، جُعلت ملابسة الشك إياهم بمنزلة الظرف المحيط بمحويه في أنه لا يخلو منه جانب من جوانبه.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ مِن ذِكري ﴾ ابتدائية لكون الشك صفة لهم، أي نشأ لهم الشك من شأن ذكري، أي من جانب نفي وقوعه، أو في جانب ما يصفونه به.

﴿ ذِكْرِى بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ ﴾ .

أتبع ذلك الإِضراب بإضراب آخر يبين أن الذي جرّأهم على هذا الشقاق أنهم لما تأخر حلول العذاب بهم ظنوا وعيده كاذباً فأخذوا في البذاءة والاستهزاء ولو ذاقوا العذاب لألقمت أفواههم الحجر.

و ﴿ لمّا ﴾ حرف نفي بمعنى (لم) إلاّ أن في ﴿ لمّا ﴾ خصوصية، وهي أنها تدلّ على المنفي بها متصل الانتفاء إلى وقت التكلم بخلاف (لم) فلذلك كان النفي ب ﴿ لمّا ﴾ قد يُفهم منه ترقب حصول المنفي بعد ذلك قال صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ في سورة الحجرات } (14) ما في وإضافة عذاب} إلى ياء المتكلم لاختصاصه بالله لأنه مُقدِّره وقاض به عليهم ولوقوعه على حالة غير جارية على المعتاد إذ الشأن أن يستأصل الجيش القوي الجيشَ القليل.

وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً للفاصلة، وأبقيت الكسرة دليلاً عليها وهو حذف كثير في الفواصل والشعر على نحو حذفها من المنادَى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ﴾ أمَرَهم أنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أيَسَعُ لِحاجاتِنا جَمِيعًا إلَهٌ واحِدٌ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ بِمَعْنى عَجِيبٍ كَما يُقالُ رَجُلٌ طُوالٌ وطَوِيلٌ، وكانَ الخَلِيلُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما في المَعْنى فَيَقُولُ العَجِيبُ هو الَّذِي قَدْ يَكُونُ مِثْلُهُ والعُجابُ هو الذِي لا يَكُونُ مِثْلُهُ، وكَذَلِكَ الطَّوِيلُ والطُّوالُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ ﴾ والِانْطِلاقُ الذَّهابُ بِسُهُولَةٍ ومِنهُ طَلاقَةُ الوَجْهِ وفي المَلَأِ مِنهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عُقْبَةُ بْنُ مَعِيطٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ أتى أبا طالِبٍ في مَرَضِهِ شاكِيًا مِن رَسُولِ اللَّهِ  ثُمَّ انْطَلَقَ مِن عِنْدِهِ حِينَ يَئِسَ مِن كَفِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اتْرُكُوهُ واعْبُدُوا آلِهَتَكم.

الثّانِي: امْضُوا عَلى أمْرِكم في المُعانَدَةِ واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم في العِبادَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ: امْشِ عَلى هَذا الأمْرِ، أيِ امْضِ عَلَيْهِ والزَمْهُ.

﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا أسْلَمَ وقَوِيَ بِهِ الإسْلامُ شَقَّ عَلى قُرَيْشٍ فَقالُوا إنَّ إسْلامَ عُمَرَ فِيهِ قُوَّةٌ لِلْإسْلامِ وشَيْءٌ يُرادُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّ خِلافَ مُحَمَّدٍ لَنا ومُفارَقَتَهُ لِدِينِنا إنَّما يُرِيدُ بِهِ الرِّياسَةَ عَلَيْنا والتَّمَلُّكَ لَنا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في النَّصْرانِيَّةِ لِأنَّها كانَتْ آخِرَ المِلَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: فِيما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الحَكَمُ.

الثّالِثُ: في مِلَّةِ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّنا ما سَمِعْنا أنَّهُ يَخْرُجُ ذَلِكَ في زَمانِنا، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ ﴾ أيْ كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ  .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: مَفاتِيحُ النُّبُوَّةِ فَيُعْطُونَها مَن شاؤُوا ويَمْنَعُونَها مَن شاءُوا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: في السَّماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: في الفَضْلِ والدِّينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: في طُرُقِ السَّماءِ وأبْوابِها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ فَلْيَعْلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هم مُشْرِكُو مَكَّةَ و ﴿ ما ﴾ صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، تَقُولُ: جِئْتُكَ لِأمْرٍ ما.

قالَ الأعْشى: فاذْهَبِي ما إلَيْكِ أدْرَكَنِي الحِلْمُ عَدّانِي عَنْ هَيْجِكم أشْغالِي وَمَعْنى قَوْلِهِ جُنْدٌ أيْ أتْباعٌ مُقَلِّدُونَ لَيْسَ فِيهِمْ عالِمٌ مُرْشِدٌ.

﴿ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أنَّهم أحْزابُ إبْلِيسَ وأتْباعِهِ وقِيلَ لِأنَّهم تَحازَبُوا عَلى الجُحُودِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ  .

قالَ قَتادَةُ: فَبَشَّرَهُ بِهَزِيمَتِهِمْ وهو بِمَكَّةَ فَكانَ تَأْوِيلُها يَوْمَ بَدْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ فقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ﴾ قال: عجب المشركون أن دعوا إلى الله وحده، وقالوا: إنه لا يسع حاجتنا جميعاً إله واحد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مجلز قال: قال رجل يوم بدر ما هم إلا النساء.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل هم الملأ وتلا ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وانطلق الملأ منهم..

﴾ قال: نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب يكلموه في النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ قال: أبو جهل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا ﴾ قال: هو عقبة بن أبي معيط.

وفي قوله: ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ قال: النصرانية قالوا: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرتنا به النصارى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ قال: ملة عيسى عليه السلام.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ قال: النصرانية.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ قال: النصرانية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ أي في ديننا هذا، ولا في زماننا هذا ﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ قال: قالوا إن هذا إلا شيء يخلقه.

وفي قوله: ﴿ أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ﴾ قال: لا والله ما عندهم منها شيء، ولكن الله يختص برحمته من يشاء ﴿ أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب ﴾ قال: في السماء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فليرتقوا في الأسباب ﴾ قال: في السماء.

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: ﴿ الأسباب ﴾ أدق من الشعر، وأحدّ من الحديد، وهو بكل مكان، غير أنه لا يرى.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فليرتقوا في الأسباب ﴾ قال: طرق السماء أبوابها.

وفي قوله: ﴿ جند ما هنالك ﴾ قال: قريش ﴿ من الأحزاب ﴾ قال: القرون الماضية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ﴾ قال: وعده الله وهو بمكة أنه سيهزم له جند المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر.

وفي قوله: ﴿ وفرعون ذو الأوتاد ﴾ قال: كانت له أوتاد، وارسان، وملاعب يلعب له عليها.

وفي قوله: ﴿ إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ﴾ قال: هؤلاء كلهم قد كذبوا الرسل فحق عليهم عقاب ﴿ وما ينظر هؤلاء ﴾ يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ يعني الساعة ﴿ ما لها من فواق ﴾ يعني ما لها من رجوع، ولا مثوبة، ولا ارتداد ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ﴾ أي نصيبنا حظنا من العذاب ﴿ قبل يوم ﴾ القيامة قد كان قال ذلك أبو جهل: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً ﴿ فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم ﴾ [ الأنفال: 32] .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما لها من فواق ﴾ قال: رجوع ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال: عذابنا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما لها من فواق ﴾ قال: من رجعة ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال: سألوا الله أن يعجل لهم.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ عجل لنا قطنا ﴾ قال: القط الجزاء.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الأعشى وهو يقول: ولا الملك النعمان يوم لقيته ** بنعمة يعطيني القطوط ويطلق وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ عجل لنا قطنا ﴾ قال: عقوبتنا.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ عجل لنا قطنا ﴾ قال: كتابنا.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ عجل لنا قطنا ﴾ قال: حظنا.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال: هو النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة أخو بني عبد الدار، وهو الذي قال: ﴿ سأل سائل بعذاب واقع ﴾ [ المعارج: 1] قال: سأل بعذاب هو واقع به، فكان الذي سأل أن قال: ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [ الأنفال: 32] قال عطاء رضي الله عنه: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الزبير بن عدي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عجل لنا قطنا ﴾ قال: نصيبنا من الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا ﴾ الهمزة للإنكار، والمعنى أنهم أنكروا أن يخص الله محمداً صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن عليه دونهم ﴿ بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ﴾ هذا ردّ عليهم، والمعنى أنهم ليست لهم حجة ولا برهان، بل هم في شك من معرفة الله وتوحيده، فلذلك كفروا، ويحتمل أن يريد بالذكر القرآن ﴿ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ هذا وعيد لهم وتهديد، والمعنى أنهم إنما حملهم على الكفر كونهم لم يذوقوا العذاب، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك وأذعنوا للحق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أو أنزل ﴾ بالواو مثل ﴿ أونبئكم  ﴾ في آل عمران ﴿ عذابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرندي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ أيكة ﴾ مذكور في "الشعراء" ﴿ من فواق ﴾ بضم الفاء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالفتح ﴿ ولي نعجة ﴾ بفتح الياء: حفص والأعشى والبرجمي ﴿ فتناه ﴾ بتخفيف النون على أنه مثنى والضمير للخصمين: عباس ﴿ لتدبروا ﴾ بحذف إحدى التاءين على أنه خطاب: يزيد والأعشى والبرجمي.

الباقون: على الغيبة وإدغام تاء التفعل في الدال ﴿ إني أحببت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو من بعدي بالفتح ابو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ والرياح ﴾ مجموعة: يزيد.

الوقوف: ﴿ ذي الذكر ﴾ ط ﴿ وشقاق ﴾ ه ﴿ مناص ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ز لتصريح ذكر الكافرين مع إمكان الاكتفاء بالضمير وقد اتفقت الجملتان ﴿ كذاب ﴾ ج للاستفهام واتحاد العامل ﴿ واحداً ﴾ ج لمثل ما مر ﴿ عجاب ﴾ ه ﴿ آلهتكم ﴾ ج لما مر ﴿ يراد ﴾ ج ه لذلك ﴿ الآخرة ﴾ ج لذلك ﴿ اختلاق ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ من ذكري ﴾ ه لعطف الجملتين المختلفتين والابتداء بالتهديد ﴿ عذاب ﴾ ه لأن "أم" بمعنى ألف استفهام إنكار ﴿ الوهاب ﴾ ه ج "أم" تصلح ابتداء إنكار ﴿ الأسباب ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ الأوتاد ﴾ ه لا ﴿ الأيكة ﴾ ط ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ فواق ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الأيد ﴾ ج للابتداء بإِن ولاحتمال التعليل ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والإشراق ﴾ ه ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ الخطاب ﴾ ه ﴿ الخصم ﴾ م لأن "إذ" ليس بظرف للإتيان ولتناهي الاستفهام إلى الأمر أي اذكر إذ تسوّروا ﴿ المحراب ﴾ ه لا لأن "إذ" بدل من الأولى ﴿ لا تخف ﴾ ج لحق الحذف أي نحن خصمان مع اتحاد المقول ﴿ الصراط ﴾ ه ﴿ في الخطاب ﴾ ه ﴿ نعاجه ﴾ ج ﴿ ما هم ﴾ ط ﴿ وأناب ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ الأولى ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ باطلاً ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع فاء التعقيب ﴿ النار ﴾ ه ج لأن "أم" لاستفهام إنكار.

﴿ كالفجار ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ سليمان ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه لا والأصح الوقف والتقدير: اذكر إذ فإِن أوْبَهُ غير مقيد بل مطلق الجياد ه لا للعطف ﴿ ربي ﴾ ج لاحتمال أن "حتى" للابتداء وأن تكون لانتهاء الحب أي آثرت حب الخير حتى توارت ﴿ بالحجاب ﴾ 5 لحق الحذف تقديره: قال ردّوها عليّ فطفق.

﴿ والأعناق ﴾ ه ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بعدي ﴾ لا لاحتمال أن يكون التقدير فإنك ﴿ الوهاب ﴾ ه ﴿ اصاب ﴾ ه ﴿ وغوّاص ﴾ ه ﴿ الأصفاد ﴾ ه ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.

التفسير:عن ابن عباس أن ﴿ ص ﴾ بحر عليه عرش الرحمن.

وعن سعيد بن جبير: بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين.

وقيل: صدق محمد  في كل ما أخبر به عن الله.

وقيل: صدّ الكفار عن قبول هذا الدين.

وقيل: صدّ محمد  قلوب العباد.

وقيل: هو من المصاداة المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الجبال يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ص ﴾ بالكسر، معناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوارمه وانته عن نواهيه.

والذكر الشرف والشهرة أو الموعظة، وجواب القسم محذوف كأنه قيل: إنه المعجز وإن إلهكم لواحد.

ويجوز إن كان ﴿ ص ﴾ اسم السورة أن يراد هذه ص، والقرآن يعني هذه السورة هي التي أعجزت العرب بحق القرآن كما تخبر عن هذا حاتم والله، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله.

ثم بين أن الكفار في استكبار عن الإذعان للحق وفي مخالفة الله ورسوله.

ومعنى "بل" ترك كلام والأخذ في كلام آخر.

ولئن سلم أنه للمغايرة الكلية فالكلام الأول هو كون محمد  صادقاً في تبليغ الرسالة، أو كون القرآن، أو هذه السورة معجزاً، والحكم المذكور بد "بل" هو المعازة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب.

ثم خوف الكفار بقوله ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات ﴾ أي رفعوا اصواتهم بالدعاء والاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب لا يكون إلا كذلك.

وعن الحسن: فنادوا بالتوبة كقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ﴾ ولهذا قال ﴿ ولات حين مناص ﴾ أي لم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب أو حين نداء ينجي.

قال سيبويه والخليل: التاء في "لات" زائدة مثلها في "ربت" و"ثمت" وهي المشبهة بليس، وقد تغير حكمها بزيادة التاء حيث لا تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا اسمها أو خبرها وتقدير الآية: ليس الحين حين مناص.

ولو رفع لكان تقديره وليس حين مناص حاصلاً لهم.

وقال الأخفش: إنها "لا" النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان كأنه قيل: اصل "لات" ليس قلبت الياء ألفاً والسين تاء.

وقيل: التاء قد تلحق بحين كقوله: العاطفون تحين ما من عاطف *** والمطعمون زمان ما من مطعم وإلى هذا ذهب أبو عبيدة.

وتأكد هذا الرأي عنده حين رأى التاء في المصحف متصلاً بحين.

وضعف بعد تسليم أنه في الإمام كذلك بأن خط المصحف غير مقيس عليه.

أما الوقف على ﴿ لات ﴾ فعند الكوفيين بالهاء قياساً على الأسماء، وعند البصريين بالتاء قياساً على الأفعال.

والمناص مصدر ناص ينوص إذا هرب ونجا أو فات.

قال ابن عباس: لما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص أي اهربوا وخذوا حذركم فأنزل الله ﴿ ولات حين مناص ﴾ .

ثم حكى شر صنيعهم وسوء مقالتهم في حق النبي  قائلاً ﴿ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ﴾ أي من جنس البشر.

ثم سجل عليهم بالكفر بوضع الظاهر موضع المضمر قائلاً ﴿ وقال الكافرون هذا ساحر ﴾ في إظهار خوارق العادات ﴿ كذاب ﴾ على الله.

وإنما قيل في سورة ق ﴿ فقال الكافرون  ﴾ بالفاء لأن القول هناك شيء عجيب وهو نتيجة العجب فاتصل الكلامان لفظاً ومعنى: وأما ههنا فلم يتصل إلا معنى ﴿ أجعل الآلهة ﴾ أي صيرها وحكم عليها بالوحدة ﴿ إن هذا لشيء عجاب ﴾ بليغ في العجب.

يروى أنه لما أسلم عمر بن الخطاب شق ذلك على قريش وفرح المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الأشراف والرؤساء: امشوا إلى أبي طالب فأتوه وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك.

فدعا أبو طالب النبي  وقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألون السواء فلا تمل كل الميل على قومك.

فقال: ماذا يسألونني؟

فقالوا: ارفضنا وارفض آلهتنا وندعك وإلهك.

فقال  : أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال له أبو جهل: والله لنعطينكها وعشر أمثالها.

فقال  : قولوا لا إله إلا الله.

فنفروا من ذلك وقالوا: ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد فأنزل الله هذه الآيات.

يعني من أول السورة إلى قوله ﴿ كذبت قبلهم ﴾ ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ أي نهضوا من ذلك المجلس و ﴿ أن ﴾ مفسرة أي ﴿ امشوا ﴾ من غير أن يتلفظوا به ﴿ واصبروا على ﴾ عبادة ﴿ آلهتكم ﴾ .

قال النحويون: الانطلاق ههنا مضمن معنى القول لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم.

وقيل: وانطلق الملأ منهم وقالوا لغيرهم امشوا.

وقيل: انطلقوا بأن امشوا أي بهذا القول.

وليس المراد بالمشي السير إنما المراد المضيّ على الأمر.

وقيل: امشوا واتركوا محمداً  .

وقيل: هي من مشت الماشية إذا كثر نسلها مشاء ومنه الماشية للتفاؤل.

وفي تهذيب اللغة عن الأزهري: مشى الرجل إذا استغنى فيكون هذا دعاء لهم بالبركة ﴿ إن هذا ﴾ الأمر وهو استعلاء محمد  ﴿ لشيء يراد ﴾ أي حكم الله به فلا حيلة في دفعه ولا ينفع إلا الصبر أو إنه لشيء من نوائب الدهر اريد بنا فلا انفكاك لنا منه، أو إن دينكم لشيء يراد أن يؤخذ منكم.

وقيل: إن عبادة الأصنام لشيء نريده ونحتاج إليه.

وقيل: إن هذا الاستعلاء والترفع لشيء يريده كل أحد وكل ذي همة وقريب منه قول القفال: إن هذه كلمة تذكر للتحذير والتخويف معناها إنه ليس غرض محمد  من هذا القول تقرير الدين ولكن غرضه أن يستولي علينا ويحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد.

﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي بقول محمد  ﴿ في الملة الآخرة ﴾ فيما أدركنا عليه آباءنا أو في ملة عيسى التي هي آخر الملل، لأن النصارى مثلثة غير موحدة.

قال جار الله: يجوز أن يكون التقدير ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة فيكون الظرف حالاً من هذا لا متعلقاً بـ ﴿ سمعنا ﴾ والمعنى أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله.

﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ كذب اختلقه من عنده.

ثم أظهروا الحسد وما كان يغلي به صدورهم قائلين ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ وذلك أنهم ظنوا أن الشرف بالمال والجاه فقط نظيره في القمر ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا  ﴾ إلا أنه استعمل هناك الإلقاء لأن أذكارهم كانت صحفاً مكتوبة وألواحاً مسطورة.

وقدم الظرف ههنا لشدّة العناية ولزيادة غيظهم وحمقهم فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ بل هم في شك من ذكري ﴾ اي من دلائلي التي لو نظروا فيها لزال الشك عنهم، فالقاطع لا يساوي المشكوك.

وقيل: أراد أنهم لا يكذبونك ولكنهم جحدوا آياتي.

ثم قال ﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ أي لو ذاقوا لأقبلوا على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات.

وقيل: أراد أن النبي  كان يخوّفهم بالعذاب لو أصروا على الكفر.

ثم إنهم أصروا ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه  فلا جرم لا يزول ذلك الشك إلا بنزول العذاب.

ثم أجاب عن شبهتهم بوجه آخر وهو قوله ﴿ أم عندهم خزائن رحمة ربك ﴾ والمراد أن النبوة من جملة النعمة المخزونة عنده يعطيها من يشاء من عباده.

ثم خصص بعد التعميم قائلاً ﴿ أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما ﴾ ولا ريب أن هذه الأشياء بعض خزائن الله وإذا كانوا عاجزين عن البعض فعن الكل أولى.

ثم تهكم بهم بقوله ﴿ فليرتقوا ﴾ اي فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق وقسمة الرحمة فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوسل بها إلى المقصود.

وقيل: أسباب السموات أبوابها والمعنى إن ادّعوا ملك السموات وأنهم يعلمون ما يجري فيها فليرتقوا إليها.

قال بعض حكماء الإسلام: في الأسباب إشارة إلى أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب حوادث العالم السفلي.

ثم حقر أمرهم بقوله ﴿ جند مّا ﴾ وهو خبر مبتدأ محذوف و"ما" مزيدة للاستعظام جارية مجرى الصفة أي هم جند من الجنود.

ثم خصص الوصف بقوله ﴿ من الأحزاب ﴾ أي ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بهم.

قال قتادة ﴿ هنالك ﴾ إشارة إلى يوم بدر.

وقيل: يوم الخندق.

وقيل: فتح مكة فإن مكة هي الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات.

وقال أهل البيان: هي إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم كقولك لمن ينتدب لأمر "ليس من أهله" "لست هنالك".

ثم مثل حالهم بحال من قبلهم من الأمم المكذبة وقصصهم مذكورة مراراً.

والذي يختص بالمقام هو أنه وصف فرعون بذي الأوتاد فعن قتادة أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب بها عنده.

وقال المبرد: بنى أبنية طويلة صارت كالأوتاد لبقائها.

وقيل: هي أوتاد أربعة كان يعذب الناس بها على الأرض أو على رؤوس أخشاب أربعة.

وقيل: اراد كثرة أوتاد خيام معسكره.

وقيل: أراد ذو جموع كثيرة فبالجمعية يشتد الملك كما يشتد البناء بالأوتاد وهذا قريب.

وقول أهل البيان إن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاد، ثم استعير لثبات العز والملك والمقصود على الوجود كلها.

وصف فرعون بالشدة والقوة ونفاذ الأمر ليعلم أنه تتعالى أهلك من كان هذه صفته فكيف بمن هو دونه.

قال أبو البقاء: قوله ﴿ أولئك الأحزاب ﴾ مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون خبراً والمبتدأ من قوله وعاد أو من ثمود أو من قوم لوط، قلت: ويحتمل أن يكون ﴿ الأحزاب ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ بدلاً من مجموع المعطوفات والمعطوف عليه.

قال جار الله: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن هذه الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم وآباؤهم الذين وجد منهم التكذيب.

لقد ذكر تكذيبهم أوّلاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية أعني قوله ﴿ إن كل إلا كذب الرسل ﴾ فبين أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم ﴿ فحق ﴾ أي ثبت أو وجب لذلك عقابى إياهم في الدنيا ثم في الآخرة وذلك قوله ﴿ وما ينظر هؤلاء ﴾ المذكورون.

وقيل: أهل مكة: ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ وهي النفخة الأولى ﴿ ما لها من ﴾ توقف مقدار ﴿ فواق ﴾ وهو بالفتح والضم زمان ما بين حلبتي الحالب.

عن النبي  "العيادة قدر فواق الناقة" ومعنى الآية إذا جاء وقتها لم يمهل هذا القدر.

وقيل: الفواق بالفتح الإفاقة أي ما لها من رجوع وترداد لأن الواحدة تكفي أمرهم وما لها رجوع إلى الحالة الأولى بل تبقى ممتدة إلى أن يهلك كلهم واعلم أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاث وقعت لهم: أولاها في الإلهيات وهو قولهم ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ والثانية في النبوات وهي قولهم ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ والثالثة تتعلق بالمعاد وهي قولهم ﴿ ربنا عجل لنا قطناً ﴾ وهو القطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطة إذا قطعه.

والقط أيضاً صحيفة الجائزة ونحوها لأنها قطعة من القرطاس استعجلوا نصيبهم من العذاب الموعود، أو من اللذات العاجلة، أو من صحيفة الأعمال، كل ذلك استهزاء منهم فلذلك أمره بالصبر على ما يقولون.

قال جار الله: أراد اصبر على أذاهم وصن نفسك أن تزل فيما كلفت من مخابراتهم.

﴿ واذكر ﴾ أخاك ﴿ داود ﴾ كيف زل تلك الزلة اليسيرة فعوتب عليها ونسب إلى البغي، أو اصبر وعظم أثر أمر معصية الله في أعينهمم بذكر قصة داود وما أورثته زلته من البكاء الدائم والحزن الواصب.

وقال غيره: اصبر على اذى قومك فإنك مبتلى بذلك كما صبر سائر الأنبياء على ما ابتلاهم به.

ثم عدّهم وبدأ بداود وذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب فأوحى الله إليه أنهم وجدوها بالصبر على البلايا فسأل الابتلاء.

ثم إن الدنيا لا تنفك من الهموم والأحزان واستحقاق الدرجات بقدر الصبر على البليات.

ثم إن مجامع ما ذكر الله  في قصة داود ثلاثة أنواع من الكلام: الأول: تفصيل ما آتاه الله  من الفضائل.

الثاني: شرح الواقعة التي وقعت له.

والثالث: استخلاف الله  إياه بعد ذلك.

والأول عشرة أصناف: أحدها ذكر نبينا  إياه ليقتدي به في الصبر وسائر اصول الأخلاق.

وثانيها تسميته بالعبد مضافاً إلى صيغة جمع التكلم للتعظيم والعبودية الصحيحة الجامعة لكمالات الممكنات كما سبق مراراً.

ويمكن أن يكون التلفظ بذكر اسمه العلم أيضاً تشريفاً له.

وثالثها قوله ﴿ ذا الأيد ﴾ ذا القوة في الحروب وعلى الطاعات وعن المعاصي وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل.

ويحتمل أن يكون الياء محذوفاً اكتفاء بالكسر فيكون جميع اليد بمعنى النعمة لأن الله  أنعم عليه ما لم ينعم على غيره.

رابعها قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ أي رجاع ي الأمور كلها إلى طاعة الله ومرضاته من آب يؤب.

خامسها تسبيح الجبال معه وقوله ﴿ يسبحن ﴾ حال والإشراق وقت إضاءة الشمس وهو بعد شروقها عند الضحى.

يقال شرقت الشمس ولما تشرق.

واستدل به ابن عباس على وجود صلاة الضحى في القرآن لما روى عن أم هانئ: دخل علينا رسول الله  فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق.

قال ابن عباس: وكانت صلاة يصليها داود  ويحتمل أن يكون معنى الإشراق الدخول في وقت الشروق فيراد وقت صلاة الفجر لانتهائه بالشروق قاله جار الله.

سادسها قوله ﴿ والطير محشورة ﴾ أي وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية.

قال ابن عباس: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها وقد مر ذكر هذه المعجزة في "الأنبياء" وفي "سبأ".

قال أهل البيان: قوله ﴿ محشورة ﴾ في مقابلة قوله ﴿ يسبحن ﴾ ولكنه اختير الفعل في أحد الموضعين والاسم في الآخر لأنه أريد في الأول الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال حتى كأن السامع يتصوّرها بتلك الحالة، وأما الحاشر فهو الله وحشر الطيور جملة واحدة أدل على القدرة له  .

سابعها قوله ﴿ كلّ له أوّاب ﴾ أي كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود مسبح مرجع للتسبيح.

وقيل: الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله مسبح رجاع إلى فعله مرة بعد مرة، وهذا الوصف كالتأكيد للوصف الذي يتقدّمه وهذا أخص لأنه أدل على الواقعة.

ثامنها قوله ﴿ وشددنا ملكه ﴾ أي قوّيناه بالجنود والأعوان وبسائر الأسباب فكان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف حرس، وزاد بعضهم فقال أربعون الفاً.

وقيل: نصرناه بالهيبة، وسببه أن غلاماً ادّعى على رجل بقرة فأنكر المدّعى عليه ولطم الغلام لطمة فسأل داود من الغلام البينة فعجز فرأى داود في المنام أن الله  يأمره أن يقتل المدعى عليه ويسلم البقرة إلى الغلام.

فقال داود: هذا منام فـأتاه الوحي بذلك في اليقظة فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعوا وقالوا: أتقتل رجلاً بلطمة؟

فقال داود: هذا أمر الله فسكتوا.

ثم أحضر الرجل وأخبره إن الله أمره بقتله فقال الرجل: صدقت يا نبيّ الله إني قتلت أباه غيلة وأخذت البقرة، فقتله داود وعظمت هيبته واشتدّ ملكه وقالوا: إنه يقضي بالوحي من السماء.

تاسعها قوله ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ وقد مر معناها مراراً وأنها منحصرة في قسمين: الأول العلم بالتصوّرات الحقيقية والتصديقات اليقينية بمقتضى الطاقة البشرية، والثاني العمل بالأخلاق الفاضلة المفضية إلى السعادة الباقية.

وخصصها بعضهم بالعلم بالنبوّة والفهم أو بالزبور والشرائع.

عاشرها فصل الخطاب وهو القدرة على ضبط المعاني والتعبير عنها بأقصى الغايات حتى يكون كاملاً مكملاً فهماً مفهماً.

قال جار الله: الفصل بمعنى المفصول ومعناه البين من الكلام الملخص الذي لا يلتبس ولا يختلك بغيره.

قلت: ومن ذلك أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل كما تذكره في الوقوف.

وعن عليّ  أنه قال: البينة على المدّعي واليمين على من أنكر.

فالفصل بمعنى الفاصل كالصوم والصحب ويندرج فيه جميع كلامه في الأقضية والحكومات وتدابير الملك والمشورات.

يروى أنه  علق لأجله سلسلة من السماء وأمره أن يقضي بها بين الناس، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان على الباطل لا يقدر على أخذها.

ثم إن رجلاً غصب من آخر لؤلؤه وجعلها في جوف عصاً له ثم خاصمه المدّعي إلى داود فقال المدعي: إن هذا أخذ مني لؤلؤة ولم يردّها عليّ وإني صادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة فتحير داود في ذلك فرفعت السلسلة وأمره أن يقضي بالبينة واليمين وهو فصل الخطب.

وقيل: هو قوله "أما بعد" وهو أوّل من تكلم به.

وقيل: هو أنه إذا تكلم في الحكم فصل وكل هذه الأقوال تخصيصات من غير دليل والأقوى ما قدمناه.

ثم إنه  لما مدحه بالوجوه العشرة أردفه بذكر واقعته قائلاً ﴿ وهل أتاك ﴾ يا محمد ﴿ نبأ الخصم ﴾ أي ما أتاك خبرهم وقد أتاك الآن.

وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها ليكون أدعى إلى الإصغاء لها.

وللناس في هذه الواقعة ثلاثة آقوال أقواها تقريرها على وجه لا يدل على صدور ذنب عن نبيّ الله، وثانيها التقرير على وجه يدل على صدور الصغيرة عن نبيّ الله، وثالثها التقرير على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه، وأضعفها التقرير على وجه يدل على الكبيرة.

ويختلف تفسير بعض الألفاظ بحسب اختلاف بعض المذاهب فلنفسر كلاً منها على حدة.

وأما المشترك بين الأقوال فلا نفسره إلا مرة.

القول الأوّل: يروى أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبيّ الله داود - وكان له يوم يخلو بنفسه ويشتغل بطاعة ربه - فانتهضوا الفرصة في ذلك وتسوّروا المحراب أي تصعدوا غرفته من سوره.

وفي قوله ﴿ إذ دخلوا عليه ﴾ إشارة إلى أنهم بعد التسوّر نزلوا عليه.

قال الفراء: قد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد كقولك "ضربتك إذ دخلت عليّ إذ اجترأت عليّ" مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً.

وحين رآهما قد دخلا عليه لا من الطريق المعتاد علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر.

﴿ ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان ﴾ أي نحن خصمان والخصم في الأصل مصدر فلهذا لم يجمعه أوّلاً نظراً إلى أصله، وثناه ثانياً بتأويل شخصان أو فريقان خصمان، وجمع المائر في قوله ﴿ إذ تسوّروا ﴾ ﴿ إذ دخلوا ﴾ ﴿ ففزع منهم ﴾ ﴿ قالوا لا تخف ﴾ بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو على أن صحب كل منهما من جملتهما.

والأوّل أظهر لأن القائلين كانا اثنين بالاتفاق ﴿ بغى بعضنا على بعض ﴾ أي بغى أحدنا على الآخر وتعدّى حدّ العدالة.

ثم قرروا مقصودهم بثلاث عبارات متلازمة إحداها ﴿ فاحكم بيننا بالحق ﴾ أي بالعدل الذي هو حكم الله فينا.

والثانية ﴿ ولا تشطط ﴾ وهو نهي عن الباطل بإلزام الحق والشط البعد.

شط وأشط لغتان، أرادوا لا تجر فالجور البعد عن الحق.

والثالثة ﴿ واهدنا إلى سواء الصراط ﴾ أي وسطه وهو مثل لمحض الحق وصدقه.

وحين اخبروا عن وقوع الخصومة مجملاً شرعوا في التفصيل فقال أحدهما مشيراً إلى الآخر ﴿ إن هذا ﴾ وقوله ﴿ أخي ﴾ أي في الدين أو الخلطة أو النسب خبر أو بدل والخبر ﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ وهي أنثى من الضأن ﴿ ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ﴾ أي ملكنيها فأكفلها كما أكفل ما تحت يدي ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ أي غلبني في المخاطبة فكان تكلمه أبين وبطشه اشدّ ﴿ قال ﴾ داود ﴿ لقد ظلمك بسؤال نعجتك ﴾ أضاف المصدر إلى المفعول الثاني وحذف الفاعل والمفعول الأوّل أي بسؤاله إياك نعجتك.

وليس السؤال ههنا سؤال خضوع وتفضل وإنما هو سؤال مطالبة ومعازة.

و ﴿ إلى ﴾ متعلقة بفعل دل عليه السؤال تقديره بسؤال أي ليضمها إلى نعاجه، أو ضمن السؤال معنى الإضافة كأنه قيل: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب ﴿ وإن كثيراً من الخلطاء ﴾ الشركاء الذين خلطوا أموالهم واطلع بسبب ذلك بعضهم على أحوال البعض ﴿ ليبغي بعضهم على بعض ﴾ وقد تغلب الخلطة في الماشية.

والشافعي يعتبرها في باب الزكاة إذا ااتحد الفحل والراعي والمراح والمسقى وموضع الحلب، فإن كانت للخليطين أرعبون شاة فعليهما شاة.

وعند أبي حنيفة لا شي عليهما وإن كانت لأحدهما واحدة وللآخر تسع وتسعون فعلى الأوّل أداء جزء من مائة جزء من شاة واحدة وعلى الآخر الباقي.

هذا عند الشافعي، وعند أبي حنيفة لا شيء على ذي النعجة.

ثم بين أن أكثر الخلطاء موسوم بسمة الظلم إلا المؤمنين وإنهم لقليل.

"وما" في قوله ﴿ وقليل ما هم ﴾ مزيدة للإبهام، وفيه تعجيب من قلتهم.

وقال ابن عيسى: هي موصولة أي وقليل الذين هم كذلك.

قصد نبيّ الله بذكر حال الخطاء في هذا المقام الموعظة الحسنة والترغيب في اختيار عادة الخلطاء الصلحاء لا التي عليها أكثرهم من الظلم والاعتداء، وفيه تسلية للمظلوم عما جرى عليه من خليطه وإن له في أكثر الخلطاء اسوة ﴿ وظن داود إنما فتناه ﴾ اي ابتليناه وذلك أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديد القوّة وقد فزع منهم.

ثم إنه مع ذلك عفا عنهم دخل قلبه شيء من العجب فحمله على الابتلاء ﴿ فاستغفر ربه ﴾ من تلك الحالة ﴿ وأناب ﴾ إلى الله واعترف بأن إقدامه على تلك الخلة لم يكن إلا بتوفيق الله.

﴿ فغفرنا له ذلك ﴾ الخاطر أو لعله هم بإيذاء القوم.

ثم تذكر أنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم، ثم استغفر من تلك الهمة.

أو لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم فاستغفر لأجلهم متضرعاً إلى الله فغفر ذنبهم بسبب شفاعته ودعائه.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ خرّ راكعاً ﴾ سقط ساجداً.

قال الحسن: لأنه لا يكون ساجداً حتى يركع، أو المراد أن خرّ للسجود مصلياً لأن الركوع قد يعبر به عن الصلاة.

ومذهب الشافعي أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة لأنه توبة نبيّ فلا توجب على غيره سجدة التلاوة ولا تستحب أيضاً.

ومذهب أبي حنيفة بخلافه.

وجوز مع ذلك أن يكون الركوع بدل السجود هذا تمام تقرير القول الأوّل.

ولا يرد عليه إلا أن داود كان أرفع منزلة من أن يتسور عليه بعض آحاد الرعية في حال تعبده أو يتجاسر عليه بقوله ﴿ لا تخف ﴾ ﴿ ولا تشطط ﴾ وأنه كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين على ظلم الآخر قبل استماع كلامه والأول استبعاد محض؟

وأجيب عن الثاني بأنه ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه لكنه لم يذكر في القرآن، ومما يؤيد هذا القول ختم ذكر الواقعة بقوله: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ والزلفى القربة، والمآب الحسن الجنة.

قال مالك بن دينار: إذا كان يوم القيامة يؤتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة يقال: يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا - وحاصل التفسير على هذا القول إن الخصمين كانا من الإنس وكانت الخصومة بينهما على الحقيقة، وكانا خليطين في الغنم، أو كان الخلطة خلطة الصدقة، أو الجوار وكان أحدهما موسراً وله نسوان كثيرة من الحرائر والسرائر.

والعرب تشبه المرأة بالنعجة والظبية، والثاني معسراً ما له إلا امرأة واحدة واستنزله عنها، وكانت الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك كما كانوا يقاسمونهم أموالهم ومنازلهم وما كان ذنب داود إلا خطرة أو همة.

القول الثاني: إن أهل زمان داود كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته فاتفق أن نظر داود وقع على امرأة رجل يقال له أوريا فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا ففعل فتزوجها وهي أم سليمان.

فقيل له: إن مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكثرة نسائك لم يكن لك أن تسأل رجلاً ليس له امرأة واحدة النزول لك، كان الواجب عليك مغالبة هواك والصبر على ما امتحنت به.

وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها وكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه، وعلى هذا يجوز أن يكون الخطاب في قوله ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ من الخطبة أي غالبني في خطبتها حيث زوّجها دوني.

وعلى هذا القول يجوز أن يكون الخصمان من الإنس كما مر.

وحين وافق حالهما حال داود تنبه فاستغفر.

وأن يكونا ملكين بعثهما الله ليتنبه على خطئه فيتداركه بالاستغفار ويرد على هذا أن الملكين لو قالا نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فكذب والملائكة لا يكذبون ولا يأمرهم الله بالكذب.

والجواب أن التقدير ما تقول خصمان قالا بغى بعضنا على بعض.

أو أرادوا: ارأيت لو كنا خصمين بغى بعضنا على بعض ألست تحكم بيننا، ثم صوروا المسألة ومثلوا قصته بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة المائة وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده.

وعن الحسن: لم يكن لداود تسع وتسعون امرأة وإنما هذا مثل.

القول الثالث: وهو المشهور عند الجمهور أن داود  جزأ زمانه أربعة أجزاء: يوماً للعبادة، ويوماً للاشتغال بخواص أموره، ويوماً يجمع بني إسرائيل للوعظ والتذكير فجاءه الشيطان يوم العبادة والباب مغلق في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت إلى قريب منه، وهكذا مرة ثانية وثالثة إلى أن وقعت في كوة فتبعها فوقع بصره على امرأة جميلة تغتسل فنقضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة، فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها، فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟

فأخبرته فقال لها: هل لك زوج؟

فقالت: نعم.

قال: أين هو؟

قالت: في جند كذا فرجع وكتب إلى أمير جيشه إذا جاءك كتابي هذا فقدم فلاناً في أول التابوت وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد ففتح الله على يده وسلم.

فأمر برده مرة ثانية وثالثة حتى قتل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء، وتزوّج امرأته فبعث الله إليه ملكين في صورة إنسانين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته ومنعهما الحرس فتسوّرا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ففزع منهما، وحين وجد قصتهما مطابقة لحاله علم أنه مبتلى من الله.

يروى أنهما قالا حينئذ حكم على نفسه.

وقيل: ضحكا وغابا فعلم أن الله ابتلاه بذنبه.

ولا يخفى أن ذنبه بهذا التفسير والتقرير كبيرة لأنه يدل على الإفراط في العشق وعلى السعي في قتل النفس المسلمة بغير حق.

فيروى أنه سجد أربعين ليلة لم يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك.

ويروى أن جبرائيل قال له اذهب إلى أوريا وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته موضع كذا، فأتاه، واستحل منه فقال: أنت في حل.

قال: فلما رجع قال له جبرائيل: هل أخبرته بجرمك؟

فقال: لا قال: فإنك لم تعمل شيئاً فارجع وأخبره بالذي صنعت.

فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتماً وبكى أربعين يوماً.

فأتاه جبريل وقال: إن الله  يقول: أنا أستوهبك من عبدي فيهبك لي وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرى عنه وكان حزيناً في عمره باكياً على خطيئته.

وروي أنه نقش خطيئته على كفه حتى لا ينساها.

والمحققون كعلي  وابن عباس وابن مسعود وغيرهم ينكرون القصة على هذا الوجه.

روى سعيد بن المسيب والحرث بن الأعور أن علي بن أبي طالب  قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء.

قلت: لا يخفى أن الأحوط السكوت عما لا يرجع إلى طائل، بل يحتمل أن يعود إلى قائله لوم عاجل وعقاب آجل.

ومن الدلائل القوية التي اعتمد عليها فخر الدين الرازي في ضعف هذه الرواية قوله  عقيب ذكر الواقعة ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ فمن البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دم أخيه المسلم بغير حق وبانتزاع زوجته منه ثم يقال: إنا فوضنا الخلافة إليه.

وعندي أن ذلك عليه لا له لقوله  ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ﴾ الخ فكأنه قيل له: إنا جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله وفي سياسة المدن، أو تخلفنا كما يقال "السلطان ظل الله في الأرض" فاللائق بهذا المنصب السعي لإصلاح حال المسلمين وحفظ فروجهم ودمائهم وأموالهم لا السعي في تحصيل هوى النفس بأي وجه يمكن، فإن صاحبه المصر عليه ضال معرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد.

يحكى عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو الزهري: هل سمعت ما بلغنا؟

قال: وما هو؟

قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية.

فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء ثم تلا هذه الآية.

وحين تمم واقعة داود ونصحه وما فرض عليه في شأن الاستخلاف أشار إلى أن الأمور الدنيوية التابعة للحركات السماوية ليست واقعة على الجزاف، وبمقتضى الطبائع، ولكن لها غاية صحيحة فأجمل هذا المعنى أوّلاً بقوله ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق هذه الأشياء بلا غاية ﴿ ظن الذين كفروا ﴾ لأنهم بإنكارهم البعث جحدوا الجزاء الذي هو غاية التكليف ﴿ فويل للذين كفروا من النار ﴾ لأنهم بهذه العقيدة وقعوا في نار البعد والقطيعة فلم يستدلوا بالآفاق والأنفس على الصانع نظيره ما مر في آخر "آل عمران" ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار  ﴾ ثم صرح بالغاية قائلاً ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

"وأم" منقطعة بمعنى بل والهمزة للإنكار والمراد أنه لم بطل الجزاء كما زعموا لاستوت حال الطائفتين المتقي المصلح للأرض بتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة المدنية على وفق العقل والشرع، والفاجر المفسد في الأرض بهدم النواميس وتتبع الشهوات وهتك الحرمات، ومن سوى بينهم كان إلى السفه أقرب منه إلى الحكمة، ولا ينافي هذا إمكان التسوية من حيث المالكية.

وحين ذكر هذه المعاني اللطيفة والقواعد الشريفة منّ على رسوله بقوله ﴿ كتاب ﴾ اي هذا كتاب ﴿ أنزلناه إليك مبارك ﴾ كثير المنافع والفوائد ﴿ ليدّبروا آياته ﴾ ليتأملوا فيها ويستنبطوا الأسرار والحقائق منها فمن حفظ حروفه وضيع حدوده كان مثله كمثل معلق اللؤلؤ والجواهر على الخنازير.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : يقال في وجه النظم إن العقلاء قالوا: من ابتلى بخصم جاهل مصر متعصب وجب عليه أن يقطع الكلام معه ويخوض في كلام آخر أجنبي حتى إذا اشتغل خاطره بالكلام الأجنبي أدرج في أثنائه مقدمة مناسبة للمطلوب الأول، فإن ذلك المتعصب قد يسلم هذه المقدمة فإذا سلمها فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول فيصير الخصم ساكتاً مفحماً.

وإذ قد عرفت هذا فنقول: إن الكفار قد بلغوا في إنكار الحشر إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ ربنا عجل لنا قطعنا قبل يوم الحساب ﴾ فقال تعالى: يا محمد ﴿ اصبر على ما يقولون ﴾ واقطع الكلام معهم في هذه المسألة واشرع في كلام آخر أجنبي في الظاهر وهو قصة داود إلى قوله ﴿ إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ﴾ فكل من سمع هذا قال: نعم ما فعل حيث أمره بالحكم الحق كأنه قال: أيها المكلف إني لا آمرك مع أني رب العالمين إلا بالحق فههنا الخصم يقول: نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق، فعند هذا يلتزم صحة القول بالحشر وإلاّ لزم التسوية بين من أصلح واتقى ومن افسد وفجر وذلك ضدّ الحكمة.

وحين ذكر هذه الطريقة الدقيقة في إلزام المنكرين وإفحامهم وصف القرآن بالبركة والإفادة والإرشاد، لأن هذه اللطائف لا تستفاد إلا منه.

وبعد تتميم قصة داود شرع في قصة ابنه سليمان ومدحه بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ أي هو فحذف المخصوص للعلم به.

وفي قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ كما مر في قصة داود إشارة إلى أنه كان شبيهاً بالأب في الفضيلة والكمال فلذلك استويا في جهة المدح.

وفي القصة واقعتان يمكن تقرير كل منهما كما في واقعة أبيه على وجه لا يقدح في الصعمة وهو المختار عند المحققين، وعلى وجه دون ذلك وهو الأشهر فلنفسر كلاً منهما بالوجهين بتوفيق الله  .

أما الأوّل من الواقعة الأولى فقوله ﴿ إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ﴾ وهي جمع صافن وهو الذي يقوم على ثلاث قوائم وعلى طرف الرابعة وهو نعت جيد للخيل.

قيل: الصافن الذي يجمع بين يديه.

وفي الحديث "من سرّه أن يقوم الناس له صفوفاً فليتبوّأ مقعده من النار" أي واقفين مثل خدم الجبابرة.

و ﴿ الجياد ﴾ جمع جواد وهو جيد الجري يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة من مواقفها على أحسن الأشكال.

وإذا أجريت كانت سراعاً في جريها، فإذا طلبت لحقت، وإذا طلبت لم تلحق.

يروى أن رباط الخيل كان مندوباً في شرعهم كما في شرعنا.

ثم إن سليمان سلام الله عليه احتاج إلى الغزو فجلس بعد صلاة الظهر على كرسيه وأمر بإحضار الخيل، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا وحظ النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله ﴿ إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ﴾ سمى الخيل خيراً لتعلق الخير بها كما جاء في الحديث "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" أي آثرت حب الخير ولزمته لأن ربي أمرني بارتباطها ولم يصدر حب هذه المحبة الشديدة إلا عن ذكر الله وأمره.

والضمير في قوله ﴿ حتى توارت ﴾ للخيل أي ما زالت تعرض عليه ويأمر بإعدائها وسيرها إلى أن غابت عن بصره، ثم قال ﴿ ردّوها عليّ ﴾ أي أمر الرائضين بان يردوا الخيل عليه، فلما عادت عليه طفق يمسح مسحاً بوسقها وأعناقها تشريفاً لها وإظهاراً لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدوّ، أو لأنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، أو أراد إظهار أنه بلغ في اختبار أمور المملكة إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.

وقيل: مسح الغبار عن أعناقها وسوقها بيده.

وقيل: وسم أعناقهن وارجلهن فجعلهن في سبيل الله.

وأما الوجه الآخر في هذه الواقعة فما روي أن سليمان غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس.

وقيل: ورثها من ابيه وكان أبوه اصابها من العمالقة.

وقيل: أخرجها الشياطين من مرج من المروج أو من البحر وكانت ذوات أجنحة.

فقعد يوماً بعد الظهر واستعرضها فلم يزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وذلك قوله ﴿ حتى توارت ﴾ أي الشمس بدليل ذكر العشي ﴿ بالحجاب ﴾ حجاب الأفق.

وقيل: حتى توارت الخيل بحجاب الليل وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي فقال ﴿ إني أحببت حب الخير ﴾ وهو متضمن معنى فعل يتعدى بعن أي أنبت حب الخير عن ذكر ربي وجعلت حبها مغنياً عن ذكر ربي فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقرباً لله وذلك قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ قال جار الله: أي يمسح بالسيف سوقها وأعناقها فقلب لأمن الإلباس كقولهم "عرضت الناقة على الحوض" قال الراوي: قربها إلا مائة فما في ايدي الناس من الجياد فمن نسلها، وحين عقرها أبدله الله خيراً منها وهي الريح تجري بأمره.

وقيل: الضمير في ﴿ ردّوها ﴾ للشمس والخطاب للملائكة تضرع إلى الله فرد الله عليه الشمس فصلى العصر.

ومحل القدح في هذه الرواية هو نسبة سليمان إلى حب الدنيا حتى غفل عن الصلاة وضم بعضهم إلى ذلك أن قطع أعناق الخيل وعرقبة أرجلها منهي عنه.

وقد روي عن النبي  أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله.

وأجيب بأنه فعل ذلك لأنها منعته عن الصلاة أو لأنه ذبحها للفقراء والمساكين، قال الزجاج: لم يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له وما أباح الله فليس بمنهي.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إن الكفار لما بلغوا في الإيذاء والسفاهة إلى حيث قالوا ﴿ ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال لنبيه: اصبر يا محمد على ما يقولون وذاكر عبدنا داود.

ثم ذكر عقيبه قصة سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً لو قلنا إن سليمان أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله وأعرض عن الشهوات، فأما لو كان المقصود أنه أقدم على الكبيرة لم يكن ذكره مناسباً.

هذا تمام الكلام في الواقعة الأولى.

وأما الثانية وإليها الإشارة بقوله.

﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ فالمحققون يروونه على وجوه: أحدها: أن سليمان ولد له ابن بعد أن ملك عشرين سنة فقالت الشياطين: إن عاش لم نتخلص من البلاء والتسخير فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب أن يحفظه ويغذوه خوفاً من مضرة الشياطين، فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتاً فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه فاستغفر ربه وأناب.

وثانيها روي عن النبي  "أن سليمان قال ذات ليلة: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة.

وفي رواية على مائة وفي رواية على ألف- كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل: إن شاء الله.

فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل.

والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين فذلك قوله {ولقد فتنا سليمان" .

وثالثها قال أبو مسلم: مرض سليمان مرضاً شديداً امتحنه الله به حتى صار جسداً على كرسيه ملقي كما جاء في الحديث "لحم على وضم وجسد بلا روح" لأن الجسد يطلق في الأكثر على ما لا روح له.

﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع إلى حالة الصحة.

والمشهور عند الجمهور أن الجسد الملقى على كرسيه كان شيطاناً جلس على سرير ملكه اربعين يوماً، وذلك أن ملكه كان في خاتمة فأخذ شيطاناً يقال له آصف وقال: كيف تفتنون الناس؟

قال: أرني خاتمك أخبرك.

فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه.

وعن علي  أنه قال: بينما سليمان جالس على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه إذ سقط في البحر.

وقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه.

وقال في الكشاف: وغيره حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في بعض الجزائر وأن بها ملكاً عظيم الشأن.

فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها جنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها.

فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة ابيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون لها كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، فوضعه عندها يوماً فأتاها الشيطان صاحب البحر وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس.

واسمه صخر - على صورة سليمان فقال: يا أمينة أعطيني خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس.

وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال: أنا سليمان.

حثوا عليه التراب وسبوه فمكث على ذلك أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته.

وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه.

وقيل: من جميع ملكه ونسائه وما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل من جنابة، فلما أراد الله أن يرد الملك إليه أنكر علماء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا التوراة، فلما قرؤها فرّ الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فصادها صائد ووهبها لسليمان وأعطاها على أجره عمله يوماً فأخرج من بطنها الخاتم ﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع على ملكه أو ثاب ووقع ساجداً.

ثم إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تابوت وسده بالنحاس وألقاه في البحر.

والعلماء المتقنون أبوا قبول هذه الرواية وقالوا: إنها من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل وإلا ارتفع الأمان عن الشرائع والأديان، وكيف يسلطهم الله على آحاد عباده فضلاً عن أنبيائه حتى يغيروا أحكامهم ويفجروا بنسائهم.

وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع والسجود للصورة إذا كان بغير إذنه فلا عتب عليه.

وحكى الثعلبي هذه القصة بوجه أقرب إلى القبول وهو أن سليمان لما افتتن بأخذ التمثال في بيته سقط الخاتم من يده فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط، فلما رآه لا يثبت في اليد أيقن بالفتنة فقال له آصف: إنك لمفتون فتب إلى الله واشتغل بالعبادة وأنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك.

فقام آصف في ملكه أربعة عشر يوماً وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، فردّ الله إليه ملكه وأثبت الخاتم في يده.

وعن سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله إليه: يا سليمان احتجبت عن عبادي وما أنصفت مظلوماً عن ظالم، ثم ذكر القصة وأخذ الشيطان الخاتم ورجوعه إليه.

ثم حكى الله  أن سليمان قال ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً ﴾ قدم المغفرة على طلب الملك كما هو دأب الصالحين تقديماً لأمر الدين على أمر الدنيا، ولأن الاستغفار يجر الرزق فإن الإنسان قلما ينفك عن ترك الأولى فإذا زال عنه شؤم ذلك ببركة الاستغفار انفتح عليه أبواب الخيرات.

والذين حملوا الفتنة على صدور الذنب عنه فوجوب الاستغفار عندهم واضح وحملوا قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ على أنه سأل ملكاً لا يقدر الشيطان على أن تقوم مقامه.

والأوّلون ذهبوا إلى أنه لم يقل ذلك حسداً وإنما قصد به أن يكون معجزة له، ومن شرط المعجز أن لا يقدر غيره على معارضته ولا سيما أمته الذين بعث إليهم ولهذا قال بعضهم: أراد غيري ممن بعثت إليهم ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة.

وحقيقة لا ينبغي لا ينفعل من بغيت الشيء طلبته أي لا يصير مطلوباً لأنه سماوي فوق طوق البشر، أو قصد أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق فإذا كان ملكه آية كان ثوابه على الصبر عنه غاية ونهاية، أو أراد أن يظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى، وأن ملك سليمان إذا كان عرضة للفناء فالأولى بالعاقل أن يشتغل بالعبودية ولا يلتفت إلى الدنيا وما فيها.

وقيل: إنه لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا زائلة منتقلة إلى الغير بإرث ونحوه فطلب ملكاً لا يتصور انتقاله إلى الغير وهو ملك الدين والحكمة.

وقال أهل البيان: لم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته كما تقول لفلان: ما ليس لأحد من الفضل والمال.

وربما كان للناس أمثال ذلك.

والأقوى هو الأوّل بدليل قوله عقيبه ﴿ فسخرنا له الريح ﴾ ﴿ والشياطين ﴾ .

ولا ريب أن هذا معجزة وملك عجيب دال على نبوّته ويؤيده ما جاء في الحديث "أردت أن أربطه - يعني الشيطان - على سارية من سواري المسجد إلا أني تذكرت دعوة أخي سليمان" والضمير في ﴿ بأمره ﴾ لسليمان.

وقيل: لله.

والرخاء الرخوة اللينة ولا ينافي هذا وصفها بالعصوف في الأنبياء فلعلها تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، أو هي طيبة في نفسها ولكنها عاصفة بالإضافة إلى الرياح المعهودة.

ومعنى أصاب قصد واراد من إصابة السهم.

وقوله ﴿ والشياطين ﴾ معطوف على ﴿ الريح ﴾ وقوله ﴿ كل بناء وغواص ﴾ بدل الكل من الشياطين.

كانوا يبنون لأجله الأبنية الرفيعة ويستخرجون اللؤلؤ من البحر وهو أوّل من استخراج الدر من البحر ﴿ وآخرين ﴾ عطف على الشياطين أو على كل داخل في حكم البدل، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد.

والصفد القيد والعطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ومنه قول عليّ  : من برك فقد أسرك *** ومن جفاك فقد أطلقك وقيل: حقيقته التفويض على الخير والشر.

قال الجبائي: إن الشيطان كان كثيف الجسم في زمن سليمان ويشاهده الناس.

ثم إنه لما توفي سليمان أمات الله ذلك الجنس وخلق نوعاً آخر لطيف الجسم بحيث لا يرى ولا يقوى على الأعمال الشاقة.

قلت: هذا إخبار بالغيب إلا أن تكون رواية صحيحة.

ولم لا يجوز أن تكون أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التمزق والتفرق.

﴿ هذا عطاؤنا ﴾ أي قلنا لسيلمان هذا الملك عطاؤنا والإضافة للتعظيم.

وقوله: ﴿ بغير حساب ﴾ يتعلق بالعطاء يعني أنه جم كثير لا يدخل تحت الضبط والحصر فأعط منه ما شئت أو أمسك مفوّضاً إليك زمام التصرف فيه.

ويجوز أن يتعلق بالأمرين أي ليس عليك في ذلك حرج ولا تحاسب على ما تعطي وتمنع يوم القيامة.

عن الحسن: أن الله لم يعط أحداً عطية إلا جعل عليه فيها حساباً سوى سليمان فإنه أعطاه عطية هنيئة إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة.

ويحتمل أن يراد هذا التسخير تسخير الشياطين عطاؤنا فامنن على من شئت منهم الإطلاق، أو أمسك منشئت منهم بالوثاق، فأنت في سعة من ذلك لا تحاسب في إطلاق من أطلقت وحبس من حبست وحين فرغ من تعداد النعم الدنيوية أردفه بما أنعم به عليه في الآخرة قائلاً: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ كما في قصة داود وفيه أن ثوابه كفء ثواب أبيه كما أن سيرته سيرة أبيه.

التأويل بصاد صمديته في الأزل وصانعيته في الوسط وصبوريته إلى الأبد.

أقسم بالقرآن ذي الذكر لأن القرآن قانون معالجات القلوب وأعظم مرض القلب من نسيان الله فأعظم علاجه ذكر الله.

ثم أشار غلى انحراف مزاج الكفار بمرض نسيان الله من اللين والسلامة إلىالغلظ والقساوة، ومن التواضع إلى التكبر، ومن الوفاق إلى الخلاف، ومن التصديق إلى التكذيب، ومن التوحيد غلى تكثير الآلهة.

وفي قوله ﴿ واصبروا على آلهتكم ﴾ إشارة إلى أن الكفار إذا تواصوا فيما بينهم بالصير والثبات فالمؤمنون أولى بالثبات على قدم الصدق في طلب المحبوب الحقيقي ﴿ إن هذا لشيء يراد ﴾ في الأزل من المقبول والمردود.

﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ لأنهم في النوم فإذا ماتوا انتبهوا وأحسوا بالألم فعاينوا الأمر حين لا ينفع العيان، ويزول الشك في يوم لا يجدي البرهان.

﴿ عجل لنا قطنا ﴾ النفوس الخبيثة تميل بطبعها إلى السفليات العاجلة كما أن النفوس الكريمة تميل بطبعها إلى العلويات الباقية، ولكل من الصنفين جذبة بالخاصية إلى شكله كجذب المغناطيس الحديد.

﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ هن آثار فيوض الصفات الربانية بحسب الأسماء التسعة والتسعين، فلكل منها مظهر في عالم الملك والخلق ﴿ ولي نعجة واحدة ﴾ هو ذات الله وحده ﴿ فقال أكفلنيها ﴾ أي صيرني أجمع بين الله وبين ما سواه.

ثم ههنا أسار كثيرة تفهمها إن شاء الله.

﴿ وظن داود أنما فتناه ﴾ امتحناه بالجمع بين الدين والدنيا ﴿ فاستغفر ﴾ للحق ﴿ ربه ﴾ ﴿ راكعاً وأناب ﴾ إلى الله معرضاً عما سواه.

وهذا التأويل مما خطر ببالي أرجو أن يكون مضاهياً للحق: ﴿ إنا جعلناك خليفة ﴾ فيه أن الخلافة عطاء من الله وأنها مخصوصة بالإنسان خلق مستعدّاً لها بالقوة، وفيه أن الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم الصورة.

﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ووجه الخلافة هو أن الروح الإنساني أوّل فيض بذاته وصفاته فذاته من ذات الله بلا واسطة، وصفاته من صفاته بلا واسطة فخلق لخليفة منزلاً صالحاً وهو قالبه، وأعد له عرشاً هو القلب ليكون محل استوائه، ونصب له خادماً وهو النفس، فلو بقي الإنسان على فطرة الله لكان روحه مستفيضاً من الله  فائضاً لخلافة الحق على عرش القلب، والقلب فائض لخلافة الروح على خادمه النفس، والنفس فائضه لخلافة القلب على القالب، والقالب فائض لخلافة النفس على الدنيا، وهي أرض الله فلا يجري شيء من الأمور إلا على نهج الحق.

﴿ ووهبنا لداود ﴾ الروح ﴿ سليمان ﴾ اقلب ﴿ إذ عرض عليه بالعشي ﴾ وهو بعد زوال شمس التجلي ﴿ الصافنات الجياد ﴾ وهي مركب الصفات البشرية.

وفي قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ إشارة إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عنه لحظة يلزمك أن تقتله بسيف "لا إله إلا الله" وإليه الإشارة بقوله ثانياً ﴿ ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه ﴾ صدره شيئاً من الشهوات الجسدانية فافتتن به فتاب ورجع إلى الحضرة.

فإن قيل: قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ هل يتناول نبينا  ؟

قلنا: يتناوله بالصورة لا بالمعنى: فإن الذي كان مطلوب سليمان من تزكية النفس عن محبة الدنيا مع القدرة عليها، ومن تحلية القلوب بعلوّ الهمة وبذل المال والجاه وإفشاء العدل والنصفة وغير ذلك كان حاصلاً للنبي  من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتنان به عزة ودلالاً ولهذا قال في حديث تسلطه على الشيطان "ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته" وكان يعرض عليه مقاليد الخزائن فيقول: "الفقر فخري" على أن صورة الملك أيضاً مما سيحصل لبعض أمته كما قال "وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ صۤ ﴾ لنا هو اسم تلك السورة التي ذكر، وكذلك قوله: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ  ﴾ وكذلك جميع الحروف المقطعات، ولله أن يسمي ما شاء بما شاء وبأي اسم شاء.

وقال بعضهم لنا: هو أسماء الرب، تبارك وتعالى.

وقال بعضهم لنا: هو فواتح السورة، وقد ذكرنا أنه يفسره ما ذكر على أثره، وقد ذكرنا في غير موضع ما قيل في الحروف المقطعة.

وقال بعضهم: صاد، أي: عارض بالقرآن.

قال أبو عبيدة: صاد: من المصاداة.

وقال الزجاج: صاد بالقرآن، أي: قاتل به، وحارب بالقرآن.

وقال بعضهم: صاد بالقرآن، أي: ناد بالقرآن.

وقيل: أقبل بالقرآن ونحوه، والله أعلم.

وقال بعضهم: هو قسم أقسم بقوله: ﴿ وَٱلْقُرْآنِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ .

يحتمل ذي الشرف، سماه ذكرا؛ لأن كل شريف يذكر في كل ملأ من الخلق، أو سماه: ذكراً؛ لما يذكرهم كل ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يذر، والله أعلم.

وقال بعضهم: ذي البيان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ .

"ذكر أن أبا طالب كان مريضاً فجاءه النبي  يعوده وعند رأسه مقعد رجل، فقال أبو جهل، فجلس فيه وعنده ملأ من قريش، فشكوا النبي  إلى أبي طالب، فقالوا: إنه يقع في آلهتنا، قال: يا بن أخي، ما تريد منهم؟

قال: يا عم، إني أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب ويؤدي إليهم بها العجم الجزية، قال: وما هي؟

قال: لا إله إلا الله، فقال أبو جهل: أجعل الآلهة إلهاً واحداً" ، بذلك أخبرهم "العزة" التي ذكر حيث قال: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ فِي عِزَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: منعة معاندين ممتنعين.

وقال بعضهم: ﴿ فِي عِزَّةٍ ﴾ في حمية واعتزاز، والحمية هي التي تحمل على الخلاف والمعصية، والله أعلم.

ثم اختلف في موضع القسم هاهنا: قال بعضهم: القسم في قوله: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ قيل: في قوله: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ بوجهين: أحدهما: أن هذا في كل كافر ومشرك ينادي عند موته وهلاكه، ويسأل ربه الرجوع والعود إلى الدنيا ليؤمن؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا...

﴾ \[المؤمنون: 99-100\] ﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ الآية [المنافقون: 10] ونحوه، لكن لم ينفع ذلك النداء والغوث والسؤال التأخير على ما أخبر أنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.

ومنهم من يقول: هذا في الجملة في الأمم التي أهلكت من قبل واستؤصلت بالتكذيب والعناد، كانوا ينادون عند نزول ذلك بهم ووقوعه عليهم، ويسألون الغوث ويظهرون الإيمان؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت على ما أخبر الله - عز وجل - لأنه إيمان دفع العذاب واضطرار لا إيمان اختيار، يخوف بهذا أهل مكة أن ينزل بهم ما نزل بأولئك ويندمون على صنيعهم كما ندم أولئك، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ هو في الأصل (ولاه)، فإذا وصل بـ (حين) صارت (ولات) كأنه يمين، أي: والله، وهو قول الكسائي.

وقال بعضهم: هو (ولا) وليس هنالك تاء وإنما التاء في (حين)، أي: (تحين)، وربما يزاد التاء في (حين) و(لا).

وقال بعضهم: (ولات) بالتاء، وقد قرئ بالتاء والوقف عليها.

[و] قوله: ﴿ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ ابن عباس -  - يقول: "ليس بحين تزور ولا فرار".

وقال بعضهم: ليس بحين مغاث.

وقيل: ليس بحين جزع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ  ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ﴿ وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ ﴾ أي: من بشر مثلهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 33\]، وقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ كانوا ينكرون الرسالة في البشر ويقولون: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ  ﴾ .

والثاني: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ  ﴾ أي: من دونهم في أمر الدنيا، لما رأوا أنفسهم قد فضلوا في أمر الدنيا دونه، فقالوا: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ ، وقالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ لم يروا من دونهم في أمر الدنيا [أهلاً لذلك] على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ .

دل هذا القول منهم: أنه قد كان من رسول الله  أنه معجزة أتى بها حتى قالوا: ﴿ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ ، علموا أنه رسول الله، لكنهم عاندوا وأرادوا بقولهم: ﴿ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ أن يغووا أتباعهم عليه، كما أغوى فرعون قومه على موسى -  - حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ وهو -  - لم يرد أن يخرجهم من أرضهم، إنما يريد الإسلام منهم؛ فعلى ذلك هؤلاء الرؤساء عرفوا أنه ليس بساحر ولكنه رسول الله  ، ولكن أرادوا أن يغووا قومهم وأتباعهم عليه ولبسوا أمره عليهم؛ لئلا يتبعوه، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ هذا القول من الرؤساء والمتبوعين منهم إغواء عليه لما عرفوا من خبر عبادة الأصنام والأوثان في قلوبهم، فقالوا: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ قال بعضهم: إن الملأ منهم والأتباع، أتوا أبا طالب يشكون رسول الله  فيما يذكر آلهتهم بسوء، فلما كلموه في ذلك لم يلتئم أمرهم فيما طمعوا منه ولم يجبهم إلى ما دعوه إليه وسألوه، فقال الملأ وهو أشرافهم للأتباع: امشوا من عنده واصبروا على عبادة آلهتكم.

أو أن يقال: أن قال الملأ للأتباع: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ إلى آلهتكم ﴿ وَاْصْبِرُواْ ﴾ على عبادتها.

أو أن يكون قولهم لهم: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ إلى أبي طالب وقولوا له كذا ﴿ وَاْصْبِرُواْ ﴾ على كذا.

أو يقولون: امشوا إلى رسول الله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ .

لسنا ندري ما أرادوا بقولهم: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ ، فجائز أن يكونوا أرادوا بذلك أن محمداً  وإن دعاكم إلى ترك عبادة الأصنام لا يترككم كذلك، ولكن يدعوكم إلى عبادة غيرها، أو يطلب منكم أشياء أحوالا، أو أشياء أرادوا لسنا نعرف ما أرادوا بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

قال بعضهم: الملة الآخرة: هي ملة عيسى -  - قالوا ذلك؛ لأن النصارى اختلفوا في عيسى -  - منهم من اتخذه إلهاً، ومنهم من اتخذه ولداً لله - عز وجل - فيقولون: عبادة الواحد الذي يدعو إليه محمد  في الملة الآخرة وهي النصرانية إذ من صيره إلها عنده ومن قال: إنه صيره بحيث يحتمل الشريك؟!

فيقولون: ظهرت عبادة العدد من الملة الآخرة فكيف يمنعنا محمد - عليه الصلاة والسلام - عن عبادة العدد ويدعونا إلى عبادة الواحد؟!

وقال بعضهم في قوله: ﴿ فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ : هي الحال التي كانوا عليها يقولون: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ التي نحن عليها وكان آباؤنا عليها لا على عبادة الواحد، يقولون: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ من عند محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ .

يدل على أنهم قد رأوا أن من أنزل عليه الذكر من السماء إنما ينزل لفضل وخصوصية، لكن إنما رأوا الفضل والخصوصية لأنفسهم؛ لما لهم الفضل في الدنيا؛ فلم يروا ذلك لرسول الله  ؛ لذلك أنكروا إنزال الذكر عليه دونهم؛ ولذلك قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ .

ثم أخبر - عز وجل - أنهم شاكون في ذكره، حيث قال: ﴿ بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ﴾ .

وتأويل هذا - والله أعلم -: أن الشك هو الذي لا يوجب القطع على شيء بل يوجب الوقف فبطل القطع على شيء، فكيف قطعتم علي الرد والإنكار دون أن تقفوا فيه؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ .

ثم يحتمل أن يكون هذا على الإخبار عن الإياس من إيمانهم أنهم لا [يؤمنون حتى] يذوقوا العذاب؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ  وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ  ﴾ .

وقال مقاتل: اللام زائدة كأنه قال: ﴿ بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ يذكر سفههم في ردهم الذكر وتكذيبهم إياه على الشك منهم، والشك يوجب الوقف في الشيء لا القطع في الرد والتكذيب له.

ثم فيه الدلالة على أن الحجج والبراهين قد تلزم من جهلها ولم تتحقق عنده إذا كانت يسهل التحقق منها والوقوف عليها بالتأمل والنظر فيها وإن كانت لم تتحقق عنده بالبديهة وعند قرعها سمعه؛ فهو حجة لقول علمائنا: إن من أسلم في دار الإسلام ولم يعلم أن عليه الشرائع والأحكام كان مأخوذاً بها غير معذور في جهله فيها؛ لأنها يسهل ما يوصل إليها بالسؤال والبحث عنها والفحص منها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أيصح أن ينزل عليه القرآن من بيننا، ويخص به، ولا ينزل علينا ونحن السادة الكبراء، بل هؤلاء المشركون في شك مما ينزل عليك من الوحي، ولمَّا يذوقوا عذاب الله، فاغتروا بإمهالهم، ولو ذاقوه لما تجاسروا على الكفر والشرك بالله والشك فيما يوحى إليك.

<div class="verse-tafsir" id="91.xpD90"

مزيد من التفاسير لسورة ص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله