الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٠٢ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 235 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
صلاة الخوف أنواع كثيرة ، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة ، وتارة يكون في غير صوبها ، والصلاة تارة تكون رباعية ، وتارة ثلاثية كالمغرب ، وتارة ثنائية ، كالصبح وصلاة السفر ، ثم تارة يصلون جماعة ، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة ، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ، ورجالا وركبانا ، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة .
ومن العلماء من قال : يصلون والحالة هذه ركعة واحدة ; لحديث ابن عباس المتقدم ، وبه قال أحمد بن حنبل .
قال المنذري في الحواشي : وبه قال عطاء ، وجابر ، والحسن ، ومجاهد ، والحكم ، وقتادة ، وحماد .
وإليه ذهب طاوس والضحاك .
وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي ; أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف وإليه ذهب ابن حزم أيضا .
وقال إسحاق ابن راهويه : أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة ، تومئ بها إيماء ، فإن لم تقدر فسجدة واحدة ; لأنها ذكر الله .
وقال آخرون : تكفي تكبيرة واحدة .
فلعله أراد ركعة واحدة ، كما قاله أحمد بن حنبل وأصحابه ، ولكن الذين حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة ، كما هو مذهب إسحاق ابن راهويه ، وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي ، حتى قال : فإن لم يقدر على التكبيرة فلا يتركها في نفسه ، يعني بالنية ، رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عياش ، عن شعيب بن دينار ، عنه ، فالله أعلم .
ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة ، كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب صلاة العصر ، قيل : والظهر ، فصلاهما بعد الغروب ، ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء .
وكما قال بعدها - يوم بني قريظة ، حين جهز إليهم الجيش - : " لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة " ، فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق ، فقال منهم قائلون : لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيل المسير ، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها ، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق .
وأخر آخرون منهم العصر ، فصلوها في بني قريظة بعد الغروب ، ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الفريقين وقد تكلمنا على هذا في كتاب السيرة ، وبينا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر ، وإن كان الآخرون معذورين أيضا ، والحجة هاهنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة اليهود .
وأما الجمهور فقالوا : هذا كله منسوخ بصلاة الخوف ، فإنها لم تكن نزلت بعد ، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك ، وهذا بين في حديث أبي سعيد الخدري ، الذي رواه الشافعي وأهل السنن ، ولكن يشكل على هذا ما حكاه البخاري رحمه الله ، في صحيحه ، حيث قال : " باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو " : قال الأوزاعي : إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة ، صلوا إيماء ، كل امرئ لنفسه ، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين .
فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير ، ويؤخرونها حتى يأمنوا .
وبه قال مكحول ، وقال أنس بن مالك : حضرت مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر ، واشتد اشتعال القتال ، فلم يقدروا على الصلاة ، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار ، فصليناها ونحن مع أبي موسى ، ففتح لنا ، قال أنس : وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها .
انتهى ما ذكره ، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب ، ثم بحديث أمره إياهم ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة ، وكأنه كالمختار لذلك ، والله أعلم .
ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنه يشتهر غالبا ، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب ، ولم ينقل أنه أنكر عليهم ، ولا أحد من الصحابة ، والله أعلم .
[ و ] قال هؤلاء : وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق ; لأن ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي .
وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق ، وموسى بن عقبة ، والواقدي ، ومحمد بن سعد كاتبه ، وخليفة بن خياط وغيرهم وقال البخاري وغيره : كانت ذات الرقاع بعد الخندق ، لحديث أبي موسى وما قدم إلا في خيبر ، والله أعلم .
والعجب - كل العجب - أن المزني ، وأبا يوسف القاضي ، وإبراهيم بن إسماعيل بن علية ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره ، عليه السلام ، الصلاة يوم الخندق .
وهذا غريب جدا ، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف ، وحمل تأخير الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب ، والله أعلم .
فقوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) أي : إذا صليت بهم إماما في صلاة الخوف ، وهذه حالة غير الأولى ، فإن تلك قصرها إلى ركعة ، كما دل عليه الحديث ، فرادى ورجالا وركبانا ، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد .
وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة ، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة ، فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك ، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لقوله : ( وإذا كنت فيهم ) فبعده تفوت هذه الصفة ، فإنه استدلال ضعيف ، ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة ، الذين احتجوا بقوله : (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) [ التوبة : 103 ] قالوا : فنحن لا ندفع زكاتنا بعده صلى الله عليه وسلم إلى أحد ، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه ، ولا ندفعها إلى من صلاته ، أي : دعاؤه ، سكن لنا ، ومع هذا رد عليهم الصحابة وأبوا عليهم هذا الاستدلال ، وأجبروهم على أداء الزكاة ، وقاتلوا من منعها منهم .
ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولا قبل ذكر صفتها : قال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا عبد الله بن هاشم ، أنبأنا سيف عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : سأل قوم من بني النجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، إنا نضرب في الأرض ، فكيف نصلي ؟
فأنزل الله عز وجل : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) ثم انقطع الوحي ، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر ، فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم ، هلا شددتم عليهم ؟
فقال قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في إثرها .
قال : فأنزل الله عز وجل بين الصلاتين : ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا [ إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا .
وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ) إلى قوله : ( أعد للكافرين عذابا مهينا ) ] فنزلت صلاة الخوف .
وهذا سياق غريب جدا ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي ، واسمه زيد بن الصامت ، رضي الله عنه ، قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ، فاستقبلنا المشركون ، عليهم خالد بن الوليد ، وهم بيننا وبين القبلة ، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، فقالوا : لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم .
ثم قالوا : تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم .
قال : فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) قال : فحضرت ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح ، [ قال ] فصفنا خلفه صفين ، قال : ثم ركع فركعنا جميعا ، ثم رفع فرفعنا جميعا ، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، ثم ركع فركعوا جميعا ، ثم رفع فرفعوا جميعا ، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه ، والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ، ثم سلم عليهم ، ثم انصرف .
قال : فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين : مرة بعسفان ، ومرة بأرض بني سليم .
ثم رواه أحمد ، عن غندر ، عن شعبة ، عن منصور ، به نحوه .
وهكذا رواه أبو داود ، عن سعيد بن منصور ، عن جرير بن عبد الحميد ، والنسائي من حديث شعبة وعبد العزيز بن عبد الصمد ، كلهم عن منصور ، به .
وهذا إسناد صحيح ، وله شواهد كثيرة ، فمن ذلك ما رواه البخاري حيث قال : حدثنا حيوة بن شريح ، حدثنا محمد بن حرب ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم وقام الناس معه ، فكبر وكبروا معه ، وركع وركع ناس منهم ، ثم سجد وسجدوا معه ، ثم قام الثانية فقام الذين سجدوا ، وحرسوا إخوانهم ، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه ، والناس كلهم في الصلاة ، ولكن يحرس بعضهم بعضا .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن سليمان اليشكري : أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة : أي يوم أنزل ؟
أو : أي يوم هو ؟
فقال جابر : انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشام ، حتى إذا كنا بنخل ، جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد .
قال : " نعم " ، قال : هل تخافني ؟
قال : " لا " .
قال : فما يمنعك مني ؟
قال : " الله يمنعني منك " .
قال : فسل السيف ثم تهدده وأوعده ، ثم نادى بالترحل وأخذ السلاح ، ثم نودي بالصلاة ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم .
فصلى بالذين يلونه ركعتين ، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم فقاموا في مصاف أصحابهم ، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم ، ثم سلم .
فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ، والقوم ركعتين ركعتين ، فيومئذ أنزل الله في إقصار الصلاة وأمر المؤمنين بأخذ السلاح .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سليمان بن قيس اليشكري ، عن جابر بن عبد الله قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة فجاء رجل منهم يقال له : " غورث بن الحارث " حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال : من يمنعك مني ؟
قال : " الله " ، فسقط السيف من يده ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ومن يمنعك مني " ؟
قال : كن خير آخذ .
قال : " أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟
" قال : لا ولكني أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك .
فخلى سبيله ، فأتى قومه فقال : جئتكم من عند خير الناس .
فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ، فكان الناس طائفتين : طائفة بإزاء ، وطائفة صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين ، وانصرفوا ، فكانوا بمكان أولئك الذين بإزاء عدوهم .
وانصرف الذين بإزاء عدوهم فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ، وللقوم ركعتين ركعتين .
تفرد به من هذا الوجه .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم ، حدثنا المسعودي ، عن يزيد الفقير قال : سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر : أقصرهما ؟
قال : الركعتان في السفر تمام ، إنما القصر واحدة عند القتال ، بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال إذ أقيمت الصلاة ، فقام رسول الله صلى فصف طائفة ، وطائفة وجهها قبل العدو ، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم ومكانهم نحو ذا ، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس وسلم ، وسلم الذين خلفه ، وسلم أولئك ، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، وللقوم ركعة ركعة ، ثم قرأ : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن يزيد الفقير ، عن جابر بن عبد الله ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف ، فقام صف بين يديه ، وصف خلفه ، فصلى بالذي خلفه ركعة وسجدتين ، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم ، وجاء أولئك حتى قاموا مقام هؤلاء ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجدتين ، ثم سلم .
فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ولهم ركعة .
ورواه النسائي من حديث شعبة ، ولهذا الحديث طرق عن جابر وهو في صحيح مسلم من وجه آخر بلفظ آخر وقد رواه عن جابر جماعة كثيرون في الصحيح والسنن والمساند .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) قال : هي صلاة الخوف ، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة ، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو ، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى ، ثم سلم بهم ، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت ركعة ركعة .
وقد روى هذا الحديث الجماعة في كتبهم من طريق معمر ، به ولهذا الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة ، وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه ، وكذا ابن جرير ، ولنحرره في كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله ، وبه الثقة .
وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف ، فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الآية ، وهو أحد قولي الشافعي ويدل عليه قوله : ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ) أي : بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة : ( إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا )
وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم القول في تأويل قوله تعالى : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } يعني بذلك جل ثناؤه : وإذا كنت في الضاربين في الأرض من أصحابك يا محمد الخائفين عدوهم أن يفتنهم , { فأقمت لهم الصلاة } يقول : فأقمت لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها , ولم تقصرها القصر الذي أبحت لهم أن يقصروها في حال تلاقيهم وعدوهم وتزاحف بعضهم على بعض , من ترك إقامة حدودها وركوعها وسجودها وسائر فروضها , { فلتقم طائفة منهم معك } يعني : فلتقم فرقة من أصحابك الذين تكون أنت فيهم معك في صلاتك , وليكن سائرهم في وجوه العدو .
وترك ذكر ما ينبغي لسائر الطوائف غير المصلية مع النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعله لدلالة الكلام المذكور على المراد به والاستغناء بما ذكر عما ترك ذكره.
{ وليأخذوا أسلحتهم } اختلف أهل التأويل في الطائفة المأمورة بأخذ السلاح , فقال بعضهم : هي الطائفة التي كانت تصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : ومعنى الكلام : { وليأخذوا } يقول : ولتأخذ الطائفة المصلية معك من طوائفهم { أسلحتهم } , والسلاح الذي أمروا بأخذه عندهم في صلاتهم كالسيف يتقلده أحدهم والسكين والخنجر يشده إلى درعه وثيابه التي هي عليه ونحو ذلك من سلاحه.
وقال آخرون بل الطائفة المأمورة بأخذ السلاح منهم , الطائفة التي كانت بإزاء العدو ودون المصلية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , وذلك قول ابن عباس .
8179 - حدثني بذلك المثنى , قال : ثنا أبو صالح , ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { فإذا سجدوا } يقول : فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتك تصلي بصلاتك , ففرغت من سجودها.
{ فليكونوا من ورائكم } يقول : فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم مصافي العدو في المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تصل معك ولم تدخل معك في صلاتك .
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } فقال بعضهم : تأويله : فإذا صلوا ففرغوا من صلاتهم فليكونوا من ورائكم.
ثم اختلف أهل هذه المقالة , فقال بعضهم : إذا صلت هذه الطائفة مع الإمام ركعة , سلمت وانصرفت من صلاتها حتى تأتي مقام أصحابها بإزاء العدو ولا قضاء عليها , وهم الذين قالوا : عنى الله بقوله : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } : أن تجعلوها إذا خفتم الذين كفروا أن يفتنوكم ركعة .
ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بطائفة صلاة الخوف ركعة ولم يقضوا , وبطائفة أخرى ركعة ولم يقضوا.
وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى وفيما ذكرنا كفاية عن استيعاب ذكر جميع ما فيه .
وقال آخرون منهم : بل الواجب كان على هذه الطائفة التي أمرها الله بالقيام مع نبيها إذا أراد إقامة الصلاة بهم في حال خوف العدو إذا فرغت من ركعتها التي أمرها الله أن تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم على ما أمرها به في كتابه أن تقوم في مقامها الذي صلت فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فتصلي لأنفسها بقية صلاتها وتسلم , وتأتي مصاف أصحابها , وكان على النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت قائما في مقامه حتى تفرغ الطائفة التي صلت معه الركعة الأولى من بقية صلاتها , إذا كانت صلاتها التي صلت معه مما يجوز قصر عددها عن الواجب الذي على المقيمين في أمن , وتذهب إلى مصاف أصحابها , وتأتي الطائفة الأخرى التي كانت مصافة عدوها , فيصلي بها ركعة أخرى من صلاتها .
ثم هم في حكم هذه الطائفة الثانية مختلفون , فقالت فرقة من أهل هذه المقالة : كان على النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من ركعتيه ورفع رأسه من سجوده من ركعته الثانية أن يقعد للتشهد , وعلى الطائفة التي صلت معه الركعة الثانية ولم تدرك معه الركعة الأولى لاشتغالها بعدوها أن تقوم فتقضي ركعتها الفائتة مع النبي صلى الله عليه وسلم , وعلى النبي صلى الله عليه وسلم انتظارها قاعدا في تشهده حتى تفرغ هذه الطائفة من ركعتها الفائتة وتتشهد , ثم يسلم بهم.
وقالت فرقة أخرى منهم : بل كان الواجب على الطائفة التي لم تدرك معه الركعة الأولى إذا قعد النبي صلى الله عليه وسلم للتشهد أن تقعد معه للتشهد فتتشهد بتشهده , فإذا فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من تشهده سلم , ثم قامت الطائفة التي صلت معه الركعة الثانية حينئذ , فقضت ركعتها الفائتة .
وكل قائل من الذين ذكرنا قولهم روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبارا بأنه كما قال فعل.
ذكر من قال : انتظر النبي صلى الله عليه وسلم الطائفتين حتى قضت صلاتهما ولم يخرج من صلاته إلا بعد فراغ الطائفتين من صلاتهما : 8180 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا مالك , عن يزيد بن رومان , عن صالح بن خوات , عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع : أن طائفة صفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة وجاه العدو , فصلى بالذين معه ركعة , ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم , ثم جاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم , ثم ثبت جالسا , فأتموا لأنفسهم , ثم سلم بهم .
8181 - حدثني محمد بن المثنى , قال : ثني عبيد الله بن معاذ , قال : ثنا أبي , قال : ثنا شعبة , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن أبيه , عن صالح بن خوات , عن سهل بن أبي حثمة , قال : صلى النبي بأصحابه في خوف , فجعلهم خلفه صفين , فصلى بالذين يلونه ركعة , ثم قام فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفه ركعة , ثم تقدم وتخلف الذين كانوا قدامهم , فصلى بهم ركعة , ثم جلس حتى صلى الذين تخلفوا ركعة , ثم سلم .
* - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا روح , قال : ثنا شعبة , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن أبيه , عن صالح بن خوات , عن سهل بن أبي حثمة , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صلاة الخوف : " تقوم طائفة بين يدي الإمام وطائفة خلفه , فيصلي بالذين خلفه ركعة وسجدتين ثم يقعد مكانه حتى يقضوا ركعة وسجدتين , ثم يتحولون إلى مكان أصحابهم , ثم يتحول أولئك إلى مكان هؤلاء فيصلي بهم ركعة وسجدتين , ثم يقعد مكانه حتى يصلوا ركعة وسجدتين ثم يسلم " .
ذكر من قال : كانت الطائفة الثانية تقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يفرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته , ثم تقضي ما بقي عليها بعد : 8182 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى بن سعيد , قال : سمعت القاسم , قال : ثني صالح بن خوات بن جبير أن سهل بن أبي حثمة حدثه : أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام إلى القبلة يصلي ومعه طائفة من أصحابه , وطائفة أخرى مواجهة العدو فيصلي , فيركع الإمام بالذين معه , ويسجد ثم يقوم , فإذا استوى قائما ركع الذين وراءه لأنفسهم ركعة وسجدتين , ثم سلموا فانصرفوا والإمام قائم فقاموا إزاء العدو , وأقبل الآخرون فكبروا مكان الإمام , فركع بهم الإمام وسجد ثم سلم , فقاموا فركعوا لأنفسهم ركعة وسجدتين ثم سلموا .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا يحيى بن سعيد , عن القاسم بن محمد أن صالح بن خوات أخبره عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف , ثم ذكر نحوه .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد وسأله , قال : ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري , عن القاسم بن محمد , عن صالح , عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف , قال : يقوم الإمام مستقبل القبلة , وتقوم طائفة منهم معه وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى العدو , فيركع بهم ركعة , ثم يركعون لأنفسهم ويسجدون سجدتين في مكانهم , ويذهبون إلى مقام أولئك ويجيء أولئك فيركع بهم ركعة ويسجد سجدتين ; فهي له ركعتان ولهم واحدة , ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين .
* - قال بندار سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث , فحدثني عن شعبة , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن أبيه , عن صالح بن خوات , عن سهل بن أبي حثمة , عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث يحيى بن سعيد , وقال لي : اكتبه إلى جنبه , فلست أحفظه , ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد .
8183 - حدثنا نصر بن علي , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا عبيد الله , عن القاسم بن معقد بن أبي بكر , عن صالح بن خوات : أن الإمام يقوم فيصف صفين , طائفة مواجهة العدو , وطائفة خلف الإمام , فيصلي الإمام بالذين خلفه ركعة , ثم يقومون فيصلون لأنفسهم ركعة , ثم يسلمون , ثم ينطلقون فيصفون , ويجيء الآخرون فيصلي بهم ركعة , ثم يسلم فيقومون , فيصلون لأنفسهم ركعة .
8184 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا معتمر بن سليمان , قال : سمعت عبيد الله , عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات , عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : صلاة الخوف أن تقوم طائفة من خلف الإمام , وطائفة يلون العدو , فيصلي الإمام بالذين خلفه ركعة , ويقوم قائما فيصلي القوم إليها ركعة أخرى , ثم يسلمون فينطلقون إلى أصحابهم , ويجيء أصحابهم والإمام قائم , فيصلي بهم ركعة فيسلم , ثم يقومون فيصلون إليها ركعة أخرى , ثم ينصرفون .
قال عبيد الله : فما سمعت فيما نذكره في صلاة الخوف شيئا هو أحسن عندي من هذا .
8185 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك } فهذا عند الصلاة في الخوف يقوم الإمام وتقوم معه طائفة منهم , وطائفة يأخذون أسلحتهم , ويقفون بإزاء العدو , فيصلي الإمام بمن معه ركعة , ثم يجلس على هيئته , فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس , ثم ينصرفون حتى يأتوا أصحابهم , فيقفون موقفهم , ثم يقبل الآخرون فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية , ثم يسلم فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية ; فهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بطن نخلة .
وقال آخرون : بل تأويل قوله : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } فإذا سجدت الطائفة التي قامت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل في صلاته , فدخلت معه في صلاته السجدة الثانية من ركعتها الأولى فليكونوا من ورائكم , يعني : من ورائك يا محمد ووراء أصحابك الذين لم يصلوا بإزاء العدو .
قالوا : وكانت هذه الطائفة لا تسلم من ركعتها إذا هي فرغت من سجدتي ركعتها التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم , ولكنها تمضي إلى موقف أصحابها بإزاء العدو وعليها بقية صلاتها .
قالوا : وكانت تأتي الطائفة الأخرى التي كانت بإزاء العدو حتى تدخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في بقية صلاته , فيصلي بهم النبي صلى الله عليه وسلم الركعة التي كانت قد بقيت عليه .
قالوا : وذلك معنى قول الله عز ذكره : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } .
ثم اختلف أهل هذه المقالة في صفة قضاء ما كان يبقى على كل طائفة من هاتين الطائفتين من صلاتها بعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته وسلامه من صلاته على قول قائلي هذه المقالة ومتأولي هذا التأويل ; فقال بعضهم : كانت الطائفة الثانية التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية من صلاتها إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته فقامت فقضت ما فاتها من صلاتها مع النبي صلى الله عليه وسلم في مقامها بعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته , والطائفة التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى بإزاء العدو بعد لم تتم صلاتها , فإذا هي فرغت من بقية صلاتها التي فاتتها مع النبي صلى الله عليه وسلم مضت إلى مصاف أصحابها بإزاء العدو , وجاءت الطائفة الأولى التي صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى إلى مقامها التي كانت صلت فيه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضت بقية صلاتها .
ذكر الرواية بذلك : 8186 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب , قال : ثنا عبد الواحد بن زياد , قال : ثنا خصيف , قال : ثنا أبو عبيدة بن عبد الله , قال : قال عبد الله : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقامت طائفة منا خلفه , وطائفة بإزاء - أو مستقبلي - العدو .
فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالذين خلفه ركعة , ثم نكصوا فذهبوا إلى مقام أصحابهم , وجاء الآخرون فقاموا خلف النبي صلى الله عليه وسلم , فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة , ثم سلم رسول الله , ثم قام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة , ثم ذهبوا فقاموا مقام أصحابهم مستقبلي العدو , ورجع الآخرون إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة.
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن فضيل , قال : ثنا خصيف , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف , فذكر نحوه .
* - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : أخبرنا إسحاق , قال : أخبرنا شريك , عن خصيف , عن أبي عبيدة , عن أبيه , عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه .
وقال آخرون : بل كانت الطائفة الثانية التي صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية لا تقضي بقية صلاتها بعد ما يسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته , ولكنها كانت تمضي قبل أن تقضي بقية صلاتها , فتقف موقف أصحابها الذين صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى , وتجيء الطائفة الأولى إلى موقفها الذي صلت فيه ركعتها الأولى مع رسول الله فتقضي ركعتها التي كانت بقيت عليها من صلاتها , فقال بعضهم : كانت تقضي تلك الركعة بغير قراءة .
وقال آخرون : بل كانت تقضي بقراءة , فإذا قضت ركعتها الباقية عليها هنالك وسلمت مضت إلى مصاف أصحابها بإزاء العدو , وأقبلت الطائفة التي صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية إلى مقامها الذي صلت فيه مع رسول الله الركعة الثانية من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقضت الركعة الثانية صلاتها بقراءة , فإذا فرغت وسلمت انصرفت إلى أصحابها .
ذكر من قال ذلك : 8187 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا سفيان , عن حماد , عن إبراهيم في صلاة الخوف , قال : يصف صفا خلفه وصفا بإزاء العدو في غير مصلاه , فيصلي بالصف الذي خلفه ركعة , ثم يذهبون إلى مصاف أولئك , وجاء أولئك الذين بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة , ثم يسلم عليهم , وقد صلى هو ركعتين , وصلى كل صف ركعة , ثم قام هؤلاء الذين سلم عليهم إلى مصاف أولئك الذين بإزاء العدو , فقاموا مقامهم , وجاءوا فقضوا الركعة , ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك الذين بإزاء العدو , وجاء أولئك فصلوا ركعة .
قال سفيان : فيكون لكل إنسان ركعتان ركعتان.
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , وحدثني علي , قال : ثنا زيد جميعا , عن سفيان , قال : كان إبراهيم يقول في صلاة الخوف , فذكر نحوه .
8188 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن عمر بن الخطاب , مثل ذلك .
وقال آخرون : بل كل طائفة من الطائفتين تقضي صلاتها على ما أمكنها من غير تضييع منهم بعضها.
ذكر من قال ذلك : 8189 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية , عن يونس بن عبيد , عن الحسن : أن أبا موسى الأشعري صلى بأصحابه صلاة الخوف بأصبهان إذ غزاها , قال : فصلى بطائفة من القوم ركعة , وطائفة تحرس , فنكص هؤلاء الذين صلى بهم ركعة وخلفهم الآخرون , فقاموا مقامهم , فصلى بهم ركعة , ثم سلم , فقامت كل طائفة فصلت ركعة .
* - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوارث , قال : حدثنا يونس , عن الحسن , عن أبي موسى , بنحوه.
8190 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا معاذ بن هشام , قال : ثنا أبي , عن قتادة , عن أبي العالية ويونس بن جبير , قالا : صلى أبو موسى الأشعري بأصحابه بأصبهان , وما بهم يومئذ خوف , ولكنه أحب أن يعلمهم صلاتهم , فصفهم صفين , صفا خلفه وصفا مواجهة العدو مقبلين على عدوهم , فصلى بالذين يلونه ركعة , ثم ذهبوا إلى مصاف أصحابهم , وجاء أولئك فصفهم خلفه , فصلى بهم ركعة , ثم سلم فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة , ثم سلم بعضهم على بعض , فكانت للإمام ركعتين في جماعة ولهم ركعة ركعة .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن أبي العالية عن أبي موسى مثله .
8191 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , عن نافع , عن ابن عمر أنه قال في صلاة الخوف : يصلي طائفة من القوم ركعة , وطائفة تحرس , ثم ينطلق هؤلاء الذين صلى بهم ركعة حتى يقوموا مقام أصحابهم , ثم يجيء أولئك فيصلي بهم ركعة , ثم يسلم فتقوم كل طائفة فتصلي ركعة .
* - حدثنا نصر بن علي , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر بنحوه .
* - حدثني عمران بن بكار الكلاعي , قال : ثنا يحيى بن صالح , قال : ثنا أن عياش , قال : ثنا عبيد الله عن نافع , عن ابن عمر , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف , فذكر نحو .
* - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا أبي , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرني الزهري , عن سالم , عن ابن عمر أنه كان يحدث : أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم ذكر نحوه .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : حدثنا ابن عبد الأعلى , عن معمر , عن الزهري , عن سالم , عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحوه .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن عبد الله بن نافع , عن نافع , عن ابن عمر , قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف : " يقوم الأمير وطائفة من الناس فيسجدون سجدة واحدة , وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو " ثم ذكر نحوه .
* - حدثنا محمد بن هارون الحربي , قال : ثنا أبو المغيرة الحمصي , قال : ثنا الأوزاعي , عن أيوب بن موسى , عن نافع , عن ابن عمر , أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة , ثم ذكر نحوه .
8192 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } .
..
إلى قوله : { فليصلوا معك } فإنه كانت تأخذ طائفة منهم السلاح فيقبلون على العدو , والطائفة الأخرى يصلون مع الإمام ركعة ثم يأخذون أسلحتهم , فيستقبلون العدو , ويرجع أصحابهم فيصلون مع الإمام ركعة فيكون للإمام ركعتان ولسائر الناس ركعة واحدة , ثم يقضون ركعة أخرى , وهذا تمام الصلاة .
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في صلاة الخوف , والعدو يومئذ في ظهر القبلة بين المسلمين وبين القبلة , فكانت الصلاة التي صلى بهم يومئذ النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف , إذ كان العدو بين الإمام والقبلة .
ذكر الأخبار المنقولة بذلك : 8193 - حدثنا أبو كريب , قال : ثني يونس بن بكير , عن النضر أبي عمر , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة , فلقي المشركين بعسفان , فلما صلى الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه , قال بعضهم لبعض يومئذ : كان فرصة لكم لو أغرتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم , قال قائل منهم : فإن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهلهم وأموالهم , فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها !
فأنزل الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } .
..
إلى آخر الآية , وأعلمه ما ائتمر به المشركون .
فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر وكانوا قبالته في القبلة فجعل المسلمين خلفه صفين فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعا , ثم ركع وركعوا معه جميعا ; فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه , وقام الصف الذين خلفهم مقبلين على العدو ; فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقام , سجد الصف الثاني , ثم قاموا وتأخر الذين يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم الآخرون , فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما ركع ركعوا معه جميعا , ثم رفع فرفعوا معه , ثم سجد فسجد معه الذين يلونه , وقام الصف الثاني مقبلين على العدو , فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده , وقعد الذين يلونه سجد الصف المؤخر ثم قعدوا , فتشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا , فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليهم جميعا , فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعضهم ينظر إليهم , قالوا : لقد أخبروا بما أردنا !
8194 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الحكم بن بشير , قال : ثنا عمر بن ذر , قال : ثني مجاهد , قال : كان النبي بعسفان , والمشركون بضجنان , بالماء الذي يلي مكة , فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر فرأوه سجد وسجد الناس , قالوا : إذا صلى صلاة بعد هذه أغرنا عليه !
فحذره الله ذلك , فقام النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة , فكبر وكبر الناس معه , فذكر نحوه .
8195 - حدثني عمران بن بكار , قال : ثنا يحيى بن صالح , قال ثنا ابن عياش , قال : أخبرني عبيد الله بن عمر , عن أبي الزبير , عن جابر بن عبد الله , قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلقينا المشركين بنخل , فكانوا بيننا وبين القبلة , فلما حضرت الظهر صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جميع , فلما فرغنا تذامر المشركون فقالوا : لو كنا حملنا عليهم وهم يصلون , فقال بعضهم : فإن لهم صلاة ينتظرونها تأتي الآن هي أحب إليهم من أبنائهم , فإذا صلوا فميلوا عليهم !
قال : فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وعلمه كيف يصلي , فلما حضرت العصر قام نبي الله صلى الله عليه وسلم مما يلي العدو , وقمنا خلفه صفين , فكبر نبي الله وكبرنا معه جميعا , ثم ذكر نحوه .
* - حدثني محمد بن معمر , قال : ثنا حماد بن مسعدة , عن هشام بن أبي عبد الله , عن أبي الزبير , عن جابر , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه .
* - حدثنا مؤمل بن هشام , قال : ثنا إسماعيل بن إبراهيم , عن هشام , عن أبي الزبير , عن جابر , قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكر نحوه .
8196 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد , قال : ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد , عن منصور , عن مجاهد , عن أبي عياش الزرقي , قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان , فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر وعلى المشركين خالد بن الوليد , فقال المشركون : لقد أصبنا منهم غرة !
ولقد أصبنا منهم غفلة !
فأنزل الله صلاة الخوف بين الظهر والعصر , فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر , يعني فرقتين : فرقة تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم , وفرقة تصلي خلفهم يحرسونهم , ثم كبر فكبروا جميعا وركعوا جميعا , ثم سجد بالذين يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم قام فتقدم الآخرون فسجدوا , ثم قام فركع بهم جميعا , ثم سجد بالذين يلونه حتى تأخر هؤلاء فقاموا في مصاف أصحابهم , ثم تقدم الآخرون فسجدوا , ثم سلم عليهم ; فكانت لكلهم ركعتين مع إمامهم .
وصلى مرة أخرى في أرض بني سليم .
قال أبو جعفر : فتأمل الآية على قول هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة , ورووا هذه الرواية : وإذا كنت يا محمد فيهم , يعني في أصحابك خائفا , فأقمت لهم الصلاة , فلتقم طائفة منهم معك ; يعني ممن دخل معك في صلاتك , { فإذا سجدوا } , يقول : فإذا سجدت هذه الطائفة بسجودك , ورفعت رءوسها من سجودها { فليكونوا من ورائكم } يقول : فليصر من خلفك , خلف الطائفة التي حرستك وإياهم إذا سجدت بهم وسجدوا معك .
{ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا } يعني الطائفة الحارسة التي صلت معه غير أنها لم تسجد بسجوده , فمعنى قوله : { لم يصلوا } على مذهب هؤلاء : لم يسجدوا بسجودك : { فليصلوا معك } يقول : فليسجدوا بسجودك إذا سجدت , ويحرسك وإياهم الذين سجدوا بسجودك في الركعة الأولى.
{ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } يعني الحارسة .
وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال معنى ذلك : فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتها , { فليكونوا من ورائكم } يعني من خلفك وخلف من يدخل في صلاتك ممن لم يصل معك الركعة الأولى بإزاء العدو بعد فراغها من بقية صلاتها , { ولتأت طائفة أخرى } وهي الطائفة التي كانت بإزاء العدو لم يصلوا , يقول : لم يصلوا معك الركعة الأولى { فليصلوا معك } يقول : فليصلوا معك الركعة التي بقيت عليك .
{ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } لقتال عدوهم بعد ما يفرغون من صلاتهم ; وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله يوم ذات الرقاع , والخبر الذي روى سهل بن أبي حثمة .
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية , لأن الله عز ذكره قال : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } وقد دللنا على أن إقامتها إتمامها بركوعها وسجودها , ودللنا مع ذلك على أن قوله : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } إنما هو إذن بالقصر من ركوعها وسجودها في حال شدة الخوف .
فإذا صح ذلك كان بينا أن لا وجه لتأويل من تأول ذلك أن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها , لقوله : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } لاحتمال ذلك من المعاني ما ذكرت قبل , ولأنه لا دلالة في الآية على أن القصر الذي ذكر في الآية قبلها عنى به القصر من عدد الركعات .
وإذ كان لا وجه لذلك , فقول من قال : أريد بذلك التقدم والتأخر في الصلاة على نحو صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان أبعد , وذلك أن الله جل ثناؤه يقول : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } وكلتا الطائفتين قد كانت صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعته الأولى في صلاته بعسفان , ومحال أن تكون التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم هي التي لم تصل معه .
فإن ظن ظان أنه أريد بقوله : { لم يصلوا } : لم يسجدوا , فإن ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة , وإنما توجه معاني كلام الله جل ثناؤه إلى الأظهر والأشهر من وجوههما ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له .
وإذ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله عز ذكره للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته , ولا على المسلمين الذين بإزاء العدو في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر , لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى .
غير أن الأمر وإن كان كذلك , فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلاها , فصلاته مجزئة عنه تامة لصحة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأنه من الأمور التي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ثم أباح لهم العمل بأي ذلك شاءوا .ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة وأما قوله : { ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } فإنه يعني : تمنى الذين كفروا بالله , لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم , يقول : لو تشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم التي تقاتلونهم بها , وعن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها .
{ فيميلون عليكم ميلة واحدة } يقول : فيحملون عليكم وأنتم مشاغيل بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم جملة واحدة , فيصيبون منكم غرة بذلك فيقتلونكم , ويستبيحون عسكركم .
يقول جل ثناؤه فلا تفعلوا ذلك بعد هذا , فتشتغلوا جميعكم بصلاتكم إذا حضرتكم صلاتكم وأنتم مواقفو العدو , فتمكنوا عدوكم من أنفسكم وأسلحتكم وأمتعتكم ولكن أقيموا الصلاة على ما بينت لكم , وخذوا من عدوكم حذركم وأسلحتكم .ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم القول في تأويل قوله تعالى : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم } .
يعني جل ثناؤه بقوله : { ولا جناح عليكم } ولا حرج عليكم ولا إثم , { إن كان بكم أذى من مطر } يقول : إن نالكم من مطر تمطرونه وأنتم مواقفو عدوكم .
{ أو كنتم مرضى } يقول : جرحى أو أعلاء .
{ أن تضعوا أسلحتكم } إن ضعفتم عن حملها , ولكن إن وضعتم أسلحتكم من أذى مطر أو مرض , فخذوا من عدوكم حذركم , يقول : احترسوا منهم أن يميلوا عليكم وأنتم عنهم غافلون غارون .
وقد ذكر أن قوله : { أو كنتم مرضى } نزل في عبد الرحمن بن عوف , وكان جريحا .
ذكر من قال ذلك : 8197 - حدثنا العباس بن محمد , قال : ثنا حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني يعلى بن مسلم , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى } عبد الرحمن بن عوف كان جريحا .إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } يعني بذلك : أعد لهم عذابا مذلا يبقون فيه أبدا لا يخرجون منه , وذلك هو عذاب جهنم.
قوله : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا[ ص: 311 ] فيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة روى الدارقطني عن أبي عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ، فاستقبلنا المشركون ، عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة ، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ؛ قال : ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم ؛ قال : فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية بين الظهر والعصر وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة .
وذكر الحديث .
وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى .
وهذا كان سبب إسلام خالد رضي الله عنه .
وقد اتصلت هذه الآية بما سبق من ذكر الجهاد .
وبين الرب تبارك وتعالى أن الصلاة لا تسقط بعذر السفر ولا بعذر الجهاد وقتال العدو ، ولكن فيها رخص على ما تقدم في " البقرة " وهذه السورة ، بيانه من اختلاف العلماء .
وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة ، ومثله قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة هذا قول كافة العلماء .
وشذ أبو يوسف وإسماعيل ابن علية فقالا : لا نصلي صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الخطاب كان خاصا له بقوله تعالى : وإذا كنت فيهم وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره في ذلك ، وكلهم كان يحب أن يأتم به ويصلي خلفه ، وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه ، والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب ؛ فلذلك يصلي الإمام بفريق ويأمر من يصلي بالفريق الآخر ، وأما أن يصلوا بإمام واحد فلا .
وقال الجمهور : إنا قد أمرنا باتباعه والتأسي به في غير ما آية وغير حديث ، فقال تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة وقال صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي .
فلزم اتباعه مطلقا حتى يدل دليل واضح على الخصوص ؛ ولو كان ما ذكروه دليلا على الخصوص للزم قصر الخطابات على من توجهت له ، وحينئذ كان يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها ؛ ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اطرحوا توهم الخصوص في هذه الصلاة وعدوه إلى غير [ ص: 312 ] النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال .
وقد قال تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وهذا خطاب له ، وأمته داخلة فيه ، ومثله كثير .
وقال تعالى : خذ من أموالهم صدقة وذلك لا يوجب الاقتصار عليه وحده ، وأن من بعده يقوم في ذلك مقامه ؛ فكذلك في قوله : وإذا كنت فيهم .
ألا ترى أن أبا بكر الصديق في جماعة الصحابة رضي الله عنهم قاتلوا من تأول في الزكاة مثل ما تأولتموه في صلاة الخوف .
قال أبو عمر : ليس في أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء ما يشبه صلاة من صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلف غيره ؛ لأن أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين ، وليس فيها فضل للمعطى كما في الصلاة فضل للمصلي خلفه .الثانية : قوله تعالى : فلتقم طائفة منهم معك يعني جماعة منهم تقف معك في الصلاة .
وليأخذوا أسلحتهم يعني الذين يصلون معك .
ويقال : وليأخذوا أسلحتهم الذين هم بإزاء العدو ، على ما يأتي بيانه .
ولم يذكر الله تعالى في الآية لكل طائفة إلا ركعة واحدة ، ولكن روي في الأحاديث أنهم أضافوا إليها أخرى ، على ما يأتي .
وحذفت الكسرة من قوله : فلتقم وفليكونوا لثقلها .
وحكى الأخفش والفراء والكسائي أن لام الأمر ولام كي ولام الجحود يفتحن .
وسيبويه يمنع من ذلك لعلة موجبة ، وهي الفرق بين لام الجر ولام التأكيد .
والمراد من هذا الأمر الانقسام ، أي وسائرهم وجاه العدو حذرا من توقع حملته .وقد اختلفت الروايات في هيئة صلاة الخوف ، واختلف العلماء لاختلافها ، فذكر ابن القصار أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواضع .
قال ابن العربي : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة .
وقال الإمام أحمد بن حنبل ، وهو إمام أهل الحديث والمقدم في معرفة علل النقل فيه : لا أعلم أنه روي في صلاة الخوف إلا حديث ثابت .
وهي كلها صحاح ثابتة ، فعلى أي حديث صلى منها المصلي صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله .
وكذلك قال أبو جعفر الطبري .
وأما مالك وسائر أصحابه إلا أشهب فذهبوا في صلاة الخوف إلى حديث سهل بن أبي حثمة ، وهو ما رواه في موطئه عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة حدثه أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه وطائفة مواجهة العدو ، فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم ، فإذا استوى قائما ثبت ، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون وينصرفون والإمام قائم ، فيكونون وجاه العدو ، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة [ ص: 313 ] ويسجد ثم يسلم ، فيقومون ويركعون لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون .
قال ابن القاسم صاحب مالك : والعمل عند مالك على حديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات .
قال ابن القاسم : وقد كان يأخذ بحديث يزيد بن رومان ثم رجع إلى هذا .
قال أبو عمر : حديث القاسم وحديث يزيد بن رومان كلاهما عن صالح بن خوات : إلا أن بينهما فصلا في السلام ، ففي حديث القاسم أن الإمام يسلم بالطائفة الثانية ثم يقومون فيقضون لأنفسهم الركعة ، وفي حديث يزيد بن رومان أنه ينتظرهم ويسلم بهم .
وبه قال الشافعي وإليه ذهب ؛ قال الشافعي : حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات هذا أشبه الأحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب الله ، وبه أقول .
ومن حجة مالك في اختياره حديث القاسم القياس على سائر الصلوات ، في أن الإمام ليس له أن ينتظر أحدا سبقه بشيء منها ، وأن السنة المجتمع عليها أن يقضي المأمومون ما سبقوا به بعد سلام الإمام .
وقول أبي ثور في هذا الباب كقول مالك ، وقال أحمد كقول الشافعي في المختار عنده ، وكان لا يعيب من فعل شيئا من الأوجه المروية في صلاة الخوف .
وذهب أشهب من أصحاب مالك إلى حديث ابن عمر قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو ، ثم انصرفوا وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو ، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة .
وقال ابن عمر : فإذا كان خوف أكثر من ذلك صلى راكبا أو قائما يومئ إيماء ، أخرجه البخاري ومسلم ومالك وغيرهم .
وإلى هذه الصفة ذهب الأوزاعي ، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر ، قال : لأنه أصحها إسنادا ، وقد ورد بنقل أهل المدينة وبهم الحجة على من خالفهم ، ولأنه أشبه بالأصول ، لأن الطائفة الأولى والثانية لم يقضوا الركعة إلا بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة ، وهو المعروف من سنته المجتمع عليها في سائر الصلوات .
وأما الكوفيون : أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف القاضي يعقوب فذهبوا إلى حديث عبد الله بن مسعود ، أخرجه أبو داود والدارقطني قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقاموا صفين ، صفا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصفا مستقبل العدو ، فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم ، واستقبل هؤلاء العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلم ، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلين العدو ، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا .
وهذه الصفة والهيئة هي الهيئة المذكورة في حديث ابن عمر إلا أن بينهما فرقا ؛ وهو أن قضاء أولئك في حديث ابن عمر يظهر أنه في حالة واحدة ويبقى الإمام كالحارس وحده ، وهاهنا قضاؤهم متفرق على صفة صلاتهم .
وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما جاء في حديث ابن مسعود .
وقد ذهب إلى حديث ابن مسعود الثوري - في إحدى [ ص: 314 ] الروايات الثلاث عنه - وأشهب بن عبد العزيز فيما ذكر أبو الحسن اللخمي عنه ، والأول ذكره أبو عمر وابن يونس وابن حبيب عنه .
وروى أبو داود من حديث حذيفة وأبي هريرة وابن عمر أنه عليه السلام صلى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا ، وهو مقتضى حديث ابن عباس " وفي الخوف ركعة " .
وهذا قول إسحاق .
وقد تقدم في " البقرة " الإشارة إلى هذا ، وأن الصلاة أولى بما احتيط لها ، وأن حديث ابن عباس لا تقوم به حجة ، وقوله في حديث حذيفة وغيره : " ولم يقضوا " أي في علم من روى ذلك ، لأنه قد روي أنهم قضوا ركعة في تلك الصلاة بعينها ، وشهادة من زاد أولى .
ويحتمل أن يكون المراد لم يقضوا ، أي لم يقضوا إذا أمنوا ، وتكون فائدة أن الخائف إذا أمن لا يقضي ما صلى على تلك الهيئة من الصلوات في الخوف ، قال جميعه أبو عمر .
وفي صحيح مسلم عن جابر أنه عليه السلام صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا ، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين .
قال : فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان .
وأخرجه أبو داود والدارقطني من حديث الحسن عن أبي بكرة وذكرا فيه أنه سلم من كل ركعتين .
وأخرجه الدارقطني أيضا عن الحسن عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم ركعتين ثم سلم ، ثم صلى بالآخرين ركعتين ثم سلم .
قال أبو داود : وبذلك كان الحسن يفتي ، وروي عن الشافعي .
وبه يحتج كل من أجاز اختلاف نية الإمام والمأموم في الصلاة ، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن علية وأحمد بن حنبل وداود .
وعضدوا هذا بحديث جابر : أن معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم يأتي فيؤم قومه ، الحديث .
وقال الطحاوي : إنما كان هذا في أول الإسلام إذ كان يجوز أن تصلي الفريضة مرتين ثم نسخ ذلك ، والله أعلم .
فهذه أقاويل العلماء في صلاة الخوف .الثالثة : وهذه الصلاة المذكورة في القرآن إنما يحتاج إليها والمسلمون مستدبرون القبلة ووجه العدو القبلة ، وإنما اتفق هذا بذات الرقاع ، فأما بعسفان والموضع الآخر فالمسلمون كانوا في قبالة القبلة .
وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين ، فإن في الحديث بعد قوله : فأقمت لهم الصلاة قال : فحضرت الصلاة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا السلاح وصفنا خلفه صفين ، قال : ثم ركع فركعنا جميعا ، قال : ثم رفع فرفعنا جميعا ، قال : ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه قال : والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ، قال : ثم تقدم هؤلاء في مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، قال : ثم ركع فركعوا جميعا ، ثم رفع فرفعوا جميعا ، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه ، والأخرون قيام ، يحرسونهم فلما جلس الآخرون سجدوا ثم سلم عليهم .
قال : فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين : مرة بعسفان ومرة في أرض بني سليم .
[ ص: 315 ] وأخرجه أبو داود من حديث أبي عياش الزرقي وقال : وهو قول الثوري وهو أحوطها .
وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان ؛ الحديث .
وفيه أنه عليه السلام صدعهم صدعين وصلى بكل طائفة ركعة ، فكانت للقوم ركعة ركعة ، وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان ، قال : حديث حسن صحيح غريب .
وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وجابر وأبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت ، وابن عمر وحذيفة وأبي بكر وسهل بن أبي حثمة .قلت : ولا تعارض بين هذه الروايات ، فلعله صلى بهم صلاة كما جاء في حديث أبي عياش مجتمعين ، وصلى بهم صلاة أخرى متفرقين كما جاء في حديث أبي هريرة ، ويكون فيه حجة لمن يقول صلاة الخوف ركعة .
قال الخطابي : صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة ، يتوخى فيها كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة .الرابعة : واختلفوا في كيفية صلاة المغرب ، فروى الدارقطني عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرفوا ، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات ، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ستا وللقوم ثلاثا ثلاثا ، وبه قال الحسن .
والجمهور في صلاة المغرب على خلاف هذا ، وهو أنه يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة ، وتقضي على اختلاف أصولهم فيه متى يكون ؟
هل قبل سلام الإمام أو بعده .
هذا قول مالك وأبي حنيفة ، لأنه أحفظ لهيئة الصلاة .
وقال الشافعي : يصلى بالأولى ركعة ، لأن عليا رضي الله عنه فعلها ليلة الهرير ، والله تعالى أعلم .الخامسة : واختلفوا في صلاة الخوف عند التحام الحرب وشدة القتال وخيف خروج الوقت فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة العلماء : يصلي كيفما أمكن ، لقول ابن عمر : فإن كان خوف أكثر من ذلك فيصلي راكبا أو قائما يومئ إيماء .
قال في الموطأ : مستقبل القبلة وغير مستقبلها ، وقد تقدم في " البقرة " قول الضحاك وإسحاق .
وقال الأوزاعي : إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه ؛ فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا فيصلوا ركعتين ، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا يجزئهم التكبير ويؤخروها حتى يأمنوا ؛ وبه قال مكحول .قلت : وحكاه الكيا الطبري في " أحكام القرآن " له عن أبي حنيفة وأصحابه ، قال الكيا : وإذا كان الخوف أشد من ذلك وكان التحام القتال فإن المسلمين يصلون على ما أمكنهم مستقبلي القبلة ومستدبريها ، وأبو حنيفة وأصحابه الثلاثة متفقون على أنهم لا يصلون والحالة [ ص: 316 ] هذه بل يؤخرون الصلاة .
وإن قاتلوا في الصلاة قالوا : فسدت الصلاة وحكي عن الشافعي أنه إن تابع الطعن والضرب فسدت صلاته .قلت : وهذا القول يدل على صحة قول أنس : حضرت مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر ، واشتد اشتعال القتال فلم نقدر على الصلاة إلا بعد ارتفاع النهار ؛ فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا .
قال أنس : وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها ، ذكره البخاري وإليه كان يذهب شيخنا الأستاذ أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بأبي حجة ؛ وهو اختيار البخاري فيما يظهر ؛ لأنه أردفه بحديث جابر ، قال : جاء عمر يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول : يا رسول الله ، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغرب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وأنا والله ما صليتها قال : فنزل إلى بطحان فتوضأ وصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى المغرب بعدها .السادسة : واختلفوا في صلاة الطالب والمطلوب ؛ فقال مالك وجماعة من أصحابه هما سواء ، كل واحد منهما يصلي على دابته .
وقال الأوزاعي والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث وابن عبد الحكم : لا يصلي الطالب إلا بالأرض وهو الصحيح ؛ لأن الطلب تطوع ، والصلاة المكتوبة فرضها أن تصلى بالأرض حيثما أمكن ذلك ، ولا يصليها راكب إلا خائف شديد خوفه وليس كذلك الطالب .
والله أعلم .السابعة : واختلفوا أيضا في العسكر إذا رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة الخوف ثم بان لهم أنه غير شيء ؛ فلعلمائنا فيه روايتان : إحداهما يعيدون ، وبه قال أبو حنيفة .
والثانية لا إعادة عليهم ، وهو أظهر قولي الشافعي .
ووجه الأولى أنهم تبين لهم الخطأ فعادوا إلى الصواب كحكم الحاكم .
ووجه الثانية أنهم عملوا على اجتهادهم فجاز لهم كما لو أخطئوا القبلة ؛ وهذا أولى لأنهم فعلوا ما أمروا به .
وقد يقال : يعيدون في الوقت ، فأما بعد خروجه فلا .
والله أعلم .الثامنة : قوله تعالى : وليأخذوا أسلحتهم وقال وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم هذا وصاة بالحذر وأخذ السلاح لئلا ينال العدو أمله ويدرك فرصته .
والسلاح ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب ، قال عنترة :كسوت الجعد بني أبان سلاحي بعد عري وافتضاحيقول : أعرته سلاحي ليمتنع بها بعد عريه من السلاح .
قال ابن عباس : وليأخذوا أسلحتهم يعني الطائفة التي وجاه العدو ، لأن المصلية لا تحارب .
وقال غيره : هي [ ص: 317 ] المصلية أي وليأخذ الذين صلوا أولا أسلحتهم ، ذكره الزجاج .
قال : ويحتمل أن تكون الطائفة الذين هم في الصلاة أمروا بحمل السلاح ؛ أي فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإنه أرهب للعدو .
النحاس : يجوز أن يكون للجميع ؛ لأنه أهيب للعدو .
ويحتمل أن يكون للتي وجاه العدو خاصة .
قال أبو عمر : أكثر أهل العلم يستحبون للمصلي أخذ سلاحه إذا صلى في الخوف ، ويحملون قوله : وليأخذوا أسلحتهم على الندب ؛ لأنه شيء لولا الخوف لم يجب أخذه ؛ فكان الأمر به ندبا .
وقال أهل الظاهر : أخذ السلاح في صلاة الخوف واجب لأمر الله به ، إلا لمن كان به أذى من مطر ، فإن كان ذلك جاز له وضع سلاحه .
قال ابن العربي : إذا صلوا أخذوا سلاحهم عند الخوف ، وبه قال الشافعي وهو نص القرآن .
وقال أبو حنيفة : لا يحملونها ؛ لأنه لو وجب عليهم حملها لبطلت الصلاة بتركها .
قلنا : لم يجب حملها لأجل الصلاة وإنما وجب عليهم قوة لهم ونظرا .التاسعة : قوله تعالى : فإذا سجدوا الضمير في سجدوا للطائفة المصلية فلينصرفوا ؛ هذا على بعض الهيئات المروية .
وقيل : المعنى فإذا سجدوا ركعة القضاء ؛ وهذا على هيئة سهل بن أبي حثمة .
ودلت هذه الآية على أن السجود قد يعبر به عن جميع الصلاة ؛ وهو كقوله عليه السلام : إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين .
أي فليصل ركعتين وهو في السنة .
والضمير في قوله : فليكونوا يحتمل أن يكون للذين سجدوا ، ويحتمل أن يكون للطائفة القائمة أولا بإزاء العدو .العاشرة : قوله تعالى : ود الذين كفروا أي تمنى وأحب الكافرون غفلتكم عن أخذ السلاح ليصلوا إلى مقصودهم ؛ فبين الله تعالى بهذا وجه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح ، وذكر الحذر في الطائفة الثانية دون الأولى ؛ لأنها أولى بأخذ الحذر ، لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة ؛ وأيضا يقول العدو قد أثقلهم السلاح وكلوا .
وفي هذه الآية أدل دليل على تعاطي الأسباب ، واتخاذ كل ما ينجي ذوي الألباب ، ويوصل إلى السلامة ، ويبلغ دار الكرامة .
ومعنى ميلة واحدة مبالغة ، أي مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية .الحادية عشرة : قوله تعالى : ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر الآية .
للعلماء في وجوب حمل السلاح في الصلاة كلام قد أشرنا إليه ، فإن لم يجب فيستحب للاحتياط .
ثم رخص في المطر وضعه ؛ لأنه تبتل المبطنات وتثقل ويصدأ الحديد .
وقيل : [ ص: 318 ] نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم يوم بطن نخلة لما انهزم المشركون وغنم المسلمون ؛ وذلك أنه كان يوما مطيرا وخرج النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته واضعا سلاحه ، فرآه الكفار منقطعا عن أصحابه فقصده غورث بن الحارث فانحدر عليه من الجبل بسيفه ، فقال : من يمنعك مني اليوم ؟
فقال : الله ثم قال : اللهم اكفني الغورث بما شئت .
فأهوى بالسيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه ، فانكب لوجهه لزلقة زلقها .
وذكر الواقدي أن جبريل عليه السلام دفعه في صدره على ما يأتي في المائدة ، وسقط السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : من يمنعك مني يا غورث ؟
فقال : لا أحد .
فقال : تشهد لي بالحق وأعطيك سيفك ؟
قال : لا ؛ ولكن أشهد ألا أقاتلك بعد هذا ولا أعين عليك عدوا ؛ فدفع إليه السيف ونزلت الآية رخصة في وضع السلاح في المطر .
ومرض عبد الرحمن بن عوف من جرح كما في صحيح البخاري ، فرخص الله سبحانه لهم في ترك السلاح والتأهب للعدو بعذر المطر ، ثم أمرهم فقال : خذوا حذركم أي كونوا متيقظين ، وضعتم السلاح أو لم تضعوه .
وهذا يدل على تأكيد التأهب والحذر من العدو في كل الأحوال وترك الاستسلام ؛ فإن الجيش ما جاءه مصاب قط إلا من تفريط في حذر ، وقال الضحاك في قوله تعالى : وخذوا حذركم يعني تقلدوا سيوفكم فإن ذلك هيئة الغزاة .
ولذلك أتى بصفة صلاة الخوف بعدها بقوله: { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ } أي: صليت بهم صلاة تقيمها وتتم ما يجب فيها ويلزم، فعلمهم ما ينبغي لك ولهم فعله.
ثم فسَّر ذلك بقوله: { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ } أي: وطائفة قائمة بإزاء العدو كما يدل على ذلك ما يأتي: { فَإِذَا سَجَدُوا } أي: الذين معك أي: أكملوا صلاتهم وعبر عن الصلاة بالسجود ليدل على فضل السجود، وأنه ركن من أركانها، بل هو أعظم أركانها.
{ فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا } وهم الطائفة الذين قاموا إزاء العدو { فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ } ودل ذلك على أن الإمام يبقى بعد انصراف الطائفة الأولى منتظرا للطائفة الثانية، فإذا حضروا صلى بهم ما بقي من صلاته ثم جلس ينتظرهم حتى يكملوا صلاتهم، ثم يسلم بهم وهذا أحد الوجوه في صلاة الخوف.
فإنها صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة كلها جائزة، وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء وحذر مهاجمتهم، فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن من باب أَوْلَى وأحرى.
والثاني: أن المصلين صلاة الخوف يتركون فيها كثيرا من الشروط واللوازم، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها.
وتدل الآية الكريمة على أن الأولى والأفضل أن يصلوا بإمام واحد.
ولو تضمن ذلك الإخلال بشيء لا يخل به لو صلوها بعدة أئمة، وذلك لأجل اجتماع كلمة المسلمين واتفاقهم وعدم تفرق كلمتهم، وليكون ذلك أوقع هيبة في قلوب أعدائهم، وأمر تعالى بأخذ السلاح والحذر في صلاة الخوف، وهذا وإن كان فيه حركة واشتغال عن بعض أحوال الصلاة فإن فيه مصلحة راجحة وهو الجمع بين الصلاة والجهاد، والحذر من الأعداء الحريصين غاية الحرص على الإيقاع بالمسلمين والميل عليهم وعلى أمتعتهم، ولهذا قال تعالى: { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً } ثم إن الله عذر من له عذر من مرض أو مطر أن يضع سلاحه، ولكن مع أخذ الحذر فقال: { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } ومن العذاب المهين ما أمر الله به حزبه المؤمنين وأنصار دينه الموحدين من قتلهم وقتالهم حيثما ثقفوهم، ويأخذوهم ويحصروهم، ويقعدوا لهم كل مرصد، ويحذروهم في جميع الأحوال، ولا يغفلوا عنهم، خشية أن ينال الكفار بعض مطلوبهم فيهم.
فلله أعظم حمد وثناء على ما مَنَّ به على المؤمنين، وأيَّدَهم بمعونته وتعاليمه التي لو سلكوها على وجه الكمال لم تهزم لهم راية، ولم يظهر عليهم عدو في وقت من الأوقات.
وفي قوله: { فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ } يدل على أن هذه الطائفة تكمل جميع صلاتها قبل ذهابهم إلى موضع الحارسين.
وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يثبت منتظرا للطائفة الأخرى قبل السلام، لأنه أولا ذكر أن الطائفة تقوم معه، فأخبر عن مصاحبتهم له.
ثم أضاف الفعل بعْدُ إليهم دون الرسول، فدل ذلك على ما ذكرناه.
وفي قوله: { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ } دليل على أن الطائفة الأولى قد صلوا، وأن جميع صلاة الطائفة الثانية تكون مع الإمام حقيقة في ركعتهم الأولى، وحكما في ركعتهم الأخيرة، فيستلزم ذلك انتظار الإمام إياهم حتى يكملوا صلاتهم، ثم يسلم بهم، وهذا ظاهر للمتأمل.
قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم أن المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جماعة ندموا أن لو كانوا كبوا عليهم ، فقال بعضهم لبعض : دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم ، يعني صلاة العصر ، فإذا قاموا فيها فشدوا عليهم فاقتلوهم ، فنزل جبريل عليه السلام فقال : يا محمد إنها صلاة الخوف وإن الله عز وجل يقول : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) فعلمه صلاة الخوف .
وجملته : أن العدو إذا كانوا في معسكرهم في غير ناحية القبلة فيجعل الإمام القوم فرقتين فتقف طائفة وجاه العدو تحرسهم ، ويشرع الإمام مع طائفة في الصلاة ، فإذا صلى بهم ركعة قام وثبت قائما حتى أتموا صلاتهم ، ذهبوا إلى وجاه العدو ثم أتت الطائفة الثانية فصلى بهم الركعة الثانية ، وثبت جالسا حتى أتموا لأنفسهم الصلاة ، ثم يسلم بهم ، وهذه رواية سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بذات الرقاع ، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق .
أنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات ، عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف : أن طائفة صفت معه وصفت طائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم .
قال مالك : وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف .
وأخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا مسدد أنا يحيى عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا .
وذهب قوم إلى أن الإمام إذا قام إلى الركعة الثانية تذهب الطائفة الأولى في خلال الصلاة إلى وجاه العدو وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الركعة الثانية ويسلم وهم لا يسلمون بل يذهبون إلى وجاه العدو ، وتعود الطائفة الأولى فتتم صلاتها ، ثم تعود الطائفة الثانية فتتم صلاتها ، وهذه رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك .
وهو قول أصحاب الرأي .
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، أنا أبو عيسى الترمذي ، أنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، أنا يزيد بن زريع ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو ، ثم انصرفوا فقاموا في مقام أولئك وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم بهم ، فقام هؤلاء فصلوا ركعتهم .
وكلتا الروايتين صحيحة ، فذهب قوم إلى أن هذا من الاختلاف المباح ، وذهب الشافعي رضي الله عنه إلى حديث سهل بن أبي حثمة لأنه أشد موافقة لظاهر القرآن وأحوط للصلاة وأبلغ في حراسة العدو ، وذلك لأن الله تعالى قال : ( فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ) أي : إذا صلوا ، ثم قال : ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ) وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلوا ، وقال : ( فليصلوا معك ) فمقتضاه أن يصلوا تمام الصلاة ، فظاهره يدل أن كل طائفة تفارق الإمام بعد تمام الصلاة ، والاحتياط لأمر الصلاة من حيث أنه لا يكثر فيها العمل والذهاب والمجيء والاحتياط لأمر الحرب من حيث أنهم إذا لم يكونوا في الصلاة كان أمكن للحرب والهرب إن احتاجوا إليه .
ولو صلى الإمام أربع ركعات بكل طائفة ركعتين جاز .
أنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفرايني ، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ ، قال أنا الصنعاني ، أنا عفان بن مسلم ، ثنا أبان العطار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة فأخذ سيف نبي الله صلى الله عليه وسلم فاخترطه فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتخافني؟
قال : لا .
قال : فمن يمنعك مني؟
قال : الله يمنعني منك ، قال فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فأغمد السيف وعلقه فنودي بالصلاة ، قال فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين : قال : فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان " .
أخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي أخبرني الثقة ابن علية أو غيره ، عن يونس ، عن الحسن ، عن جابر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخل ، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم ، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم .
وروي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أنه صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا " ورواه زيد بن ثابت وقال : " كانت للقوم ركعة واحدة وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان " .
وتأوله قوم على صلاة شدة الخوف ، وقالوا : الفرض في هذه الحالة ركعة واحدة .
وأكثر أهل العلم على أن الخوف لا ينقص عدد الركعات ، وإن كان العدو في ناحية القبلة في مستوى إن حملوا عليهم رأوهم صلى الإمام بهم جميعا وحرسوا في السجود ، كما أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو نعيم الإسفرايني ، أنا أبو عوانة الحافظ ، أنا عمار ، أنا يزيد بن هارون ، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن جابر رضي الله عنهما قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصففنا خلفه صفين ، والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ، ثم انحدر للسجود والصف الذي يليه ، وقام الصف المؤخر نحر العدو فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود [ ثم قاموا ثم ] تقدم الصف المؤخر ، وتأخر المقدم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا ، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى ، وقام الصف المؤخر في نحر العدو ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا قال جابر رضي الله عنه : كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم .
واعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم .
عند عامة أهل العلم .
ويحكى عن بعضهم عدم الجواز ولا وجه له .
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه : كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز ، روي فيها ستة أوجه أو سبعة أوجه .
وقال مجاهد في سبب نزول هذه الآية عن ابن عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر ، فقال المشركون : لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم ، وهم في الصلاة فنزلت الآية بين الظهر والعصر .
قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم ) أي : شهيدا معهم فأقمت لهم الصلاة ، ( فلتقم طائفة منهم معك ) أي : فلتقف ، كقوله تعالى : " وإذا أظلم عليهم قاموا " ( البقرة - 20 ) أي : وقفوا ، ( وليأخذوا أسلحتهم ) واختلفوا في الذين يأخذون أسلحتهم ، فقال بعضهم : أراد هؤلاء الذين وقفوا مع الإمام يصلون يأخذون الأسلحة في الصلاة ، فعلى هذا إنما يأخذه إذا كان لا يشغله عن الصلاة ، ولا يؤذي من بجنبه [ فإذا شغلته حركته وثقلته عن الصلاة كالجعبة والترس الكبير أو كان يؤذي من جنبه ] كالرمح فلا يأخذه .
وقيل : وليأخذوا أسلحتهم أي : الباقون الذين قاموا في وجه العدو ، ( فإذا سجدوا ) أي : صلوا ، ( فليكونوا من ورائكم ) يريد مكان الذين هم وجاه العدو ، ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ) وهم الذين كانوا في وجه العدو ، ( فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) قيل : هؤلاء الذين أتوا ، وقيل : هم الذين صلوا ، ( ود الذين كفروا ) يتمنى الكفار ، ( لو تغفلون ) أي : لو وجدوكم غافلين ، ( عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة .
( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ) رخص في وضع السلاح في حال المطر والمرض ، لأن السلاح يثقل حمله في هاتين الحالتين ، ( وخذوا حذركم ) أي : راقبوا العدو كيلا يتغفلوكم ، والحذر ما يتقى به من العدو .
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه غزا محاربا وبنى أنمار ، فنزلوا ولا يرون من العدو أحدا ، فوضع الناس أسلحتهم ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش ، فحال الوادي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فقال : قتلني الله إن لم أقتله ، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف فلم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده فقال : يا محمد من يعصمك مني الآن؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله ، ثم قال : اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت ، ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه فأكب لوجهه من زلخة زلخها من بين كتفيه ، وندر سيفه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ثم قال : يا غورث من يمنعك مني الآن؟
قال : لا أحد ، قال تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأعطيك سيفك؟
قال : لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ، فقال غورث : والله لأنت خير مني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أجل أنا أحق بذلك منك ، فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا : ويلك ما منعك منه؟
قال : لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه فوالله ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي ، وذكر حاله قال : وسكن الوادي فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم هذه الآية : ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ) أي : من عدوكم .
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية كان عبد الرحمن بن عوف جريحا .
( إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) يهانون فيه ، والجناح : الإثم ، من جنحت : إذا عدلت عن القصد .
«وإذا كنت» يا محمد حاضرا «فيهم» وأنتم تخافون العدو «فأقمت لهم الصلاة» وهذا جري على عادة القرآن في الخطاب «فلتقم طائفة منهم معك» وتتأخر طائفة «وليأخذوا» أي الطائفة التي قامت معك «أٍسلحتهم» معهم «فإذا سجدوا» أي صلوا «فليكونوا» أي الطائفة الأخرى «من ورائكم» يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة وتذهب هذه الطائفة تحرس «ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم» معهم إلى أن تقضوا الصلاة وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ببطن نخل رواه الشيخان «ودَّ الذين كفروا لو تغفلون» إذا قمتم إلى الصلاة «عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة» بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم وهذا علة الأمر بأخذ السلاح «ولا جُناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم» فلا تحملوها وهذا يقيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد قولين للشافعي والثاني أنه سنة ورجح «وخذوا حذركم» من العدو أي احترزوا منه ما استطعتم «إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا» ذا إهانة.
وإذا كنت -أيها النبي- في ساحة القتال، فأردت أن تصلي بهم، فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم، فإذا سجد هؤلاء فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجهة عدوكم، وتتم الجماعة الأولى ركعتهم الثانية ويُسلِّمون، ثم تأتي الجماعة الأخرى التي لم تبدأ الصلاة فليأتموا بك في ركعتهم الأولى، ثم يكملوا بأنفسهم ركعتهم الثانية، وليحذروا مِن عدوهم وليأخذوا أسلحتهم.
ودَّ الجاحدون لدين الله أن تغفُلوا عن سلاحكم وزادكم؛ ليحملوا عليكم حملة واحلة فيقضوا عليكم، ولا إثم عليكم حيننذ إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم في حال مرض، أن تتركوا أسلحتكم، مع أخذ الحذر.
إن الله تعالى أعدَّ للجاحدين لدينه عذابًا يهينهم، ويخزيهم.
ثم شرع - سبحانه - فى بيان صفة صلاة الخوف فى جماعة فقال - تعالى - ( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ) .والمعنى : وإذا كنت يا محمد فى أصحابك وشهدت معهم القتال ( فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة ) أى : فأردت أن تقيم لهم الصلاة فى جماعة لتزدادوا أجراً ورعاية من الله وأنتم تقاتلون أعداءه ، فعليك فى هذه الحالة أن تقسم أصحابك إلى قسمين ، ثم بعد ذلك ( فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ ) أى فلتقم جماعة من أصحابك معك فى الصلاة ، أما الطائفة الأخرى فلتكن بإزاء العدو ليحرسوكم منهم .والضمير فى قوله ( وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ ) يعود إلى الرجال الذين معه فى الصلاة .
.
أى : ولتأخذ الطائفة القائمة معك فى الصلاة أسلحتها معها وهى فى الصلاة حتى تكون عليى أهبة القتال دائما .وقوله ( فَإِذَا سَجَدُواْ ) أى : الرجال القائمون معك فى الصلاة سجدوا فى الركعة الأولى وأتموا الركعة ( فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ ) أى : فلينصرفوا بعد ذلك من صلاتهم ليكونوا فى مقابلة العدو للحراسة .
فالضمير فى الكل يعود إلى المصلين معه .وقيل المعنى : فإذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة ، فليكن الرجال الآخرون الذين ليسوا فى الصلاة من ورائكم لحماية ظهوركم ، ولمنع نزول الأذى بكم من أعدائكم .
وعليه فيكون الضمير فى قوله ( فَلْيَكُونُواْ ) يعود إلى الطائفة الثانية التى ليست فى الصلاة .وقوله : ( وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ) بيان لما يجب أن تفعله الطائفة الأخرى التى لم تدخل فى الصلاة بعد .
أى : فإذا ما انصرفت الطائفة الأولى للحراسة فلتأت الطائفة التى كانت قبل ذلك فى الحراسة والتى لم تصل بعد ( فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ) الركعة الأوفى وأنت يا محمد فى الركعة الثانية .
وعليهم أيضا أن يكونوا كمن سبقهم حاملين لأسلحتهم التى لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والحنجر وما يشبه ذلك ، حتى إذا ما باغتكم المشركون بالهجوم كنتم دائما على استعداد لمواجهتهم ، وكنتم دائما على يقظة من مكرهم .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أمر المؤمنين بالمحافظة على الصلاة حتى فى حالة الحرب ، وأمرهم فى الوقت ذاته بأن يكونوا يقظين آخذين حذرهم وأسلحتهم من مباغتة أعدائهم لهم حتى لا يتوهم أولئك الأعداء أن الصلاة ستشغل المؤمنين عن الدفاع عن أنفسهم .وقوله ( وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ) استعمل لفظ الأخذ فيه الحقيقة والمجاز .
لأن أخذ الحذر كناية عن شدة اليقظة ودوام الترقب .
وأخذ الأسلحة حقيقة فى حملها للدفاع بها عن النفس .وقدم - سبحانه - الأمر بأخذ الحذر على أخذ الأسلحة؛ لأن أخذ الأسلحة نوع من الحذر ، ولأن الحذر عند انتقال الصفوف وتحركها واجب حتى لا يباغتهم الأعداء وهم يتحولون من مكان إلى مكان ، وهذا أشبه بتغيير الخطط وقت القتال ، وهو أمر له خطورته فوجب أن تشتد يقظة المسلمين حينئذ .وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله : فإن قلت لما ذكر فى أول الآية الأسلحة فقط ، وذكر هنا الحذر والأسلحة؟
قلت : لأن العدو قلما يتنبه للمسلمين فى أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمبن فى المحاربة والمقاتلة .
فإذا قاموا إلى الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين فى الصلاة ، فحينئذ ينتهزون الفرصة فى الإِقدام على المسلمين فلا جرم أن الله - تعالى - أمرهم فى هذا الموضع بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة .وقوله - تعالى - ( وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً ) بيان لما من أجله أمروا بأخذ الحذر والسلام .
والخطاب لجميع المؤمنين .وقوله ( وَدَّ ) من الود وهو محبة الشئ وتمنى حصوله .والأسلحة : جمع سلاح .
وهو اسم جنس لآلات الحرب التى يستعلمها الناس فى حروبهم وقتالهم .والأمتعة .
جمع متاع .
وهو كل ما ينتفع به من عروض وأثاث .
والمراد به هنا : ما يكون مع المحاربين من أشياء لا غنى لهم عنها كبعض ملابسهم وأطعمتهم ومعداتهم .و ( لَوْ ) فى قوله ( لَوْ تَغْفُلُونَ ) مصدرية .
وقوله ( مَّيْلَةً ) منصوب على المفعول المطلق لبيان العدد .والمعنى : كونوا دائماً - أيها المؤمنون - فى أقصى درجات التنبه والتيقظ والحذر ، فإن أعداءكم الكافرين يودون ويحبون غفلتكم وعدم انتباهكم عن أسلحتكم وأمتعتكم التى تستعملونها فى قتالكم لهم ، وفى هذه الحالة يحملون عليكم حملة واحدة قوية شديدة ليقتلوا منكم من يستطعيون قتله .
فعليكم - أيها المؤمنون - أن تجمعوا بين الصلاة والجهاد جمعا مناسبا حكيما بحيث لا يشغلكم أحد الأمرين عن الآخر أو عن حسن الاستعداد لمجابهة أعدئاكم الذين يتربصون بكم الدوائر .فالآية الكريمة من مطلعها إلى هنا تراها تأمر بشدة وتكرار بأخذ الحذر وحمل السلاح لمجابهة أى مباغتة من المشركين .
ومع هذا فقد رخص الله - تعالى - للمؤمنين بوضع السلاح فى أحوال معينة دون أن يرخص لهم فى أخذ الحذر فقال - تعالى -؛ ( وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مرضى أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ) .أى : ولا حرج ولا إثم عليكم - أيها المؤمنون - فى أن تضعوا أسلحتكم فى أغمادها فلا تحملوها ( إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ ) يثقل معه حمل السلاح ( أَوْ كُنتُمْ مرضى ) بحيث يشق عليكم حملها ، ومع كل هذا فلا بد من أخذ الحذر من أعدائكم؛ بأن تكونوا على يقظة تامة من مكرهم ، وعلى أحسن استعداد لدحرهم إذا ما باغتوكم بالهجوم .وقوله ( إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ) تذييل قصد به تشجيع المؤمنين على مقاتلة أعدائهم وأخذ الحذر منهم .أى : إن الله - تعالى - أعد لأعدائكم الكافرين عذابا مذلا لهم فى الدنيا والآخرة .
أما فى الدنيا فبنصركم عليهم وإذهاب صولتهم ودولتهم ، كما قال - تعالى - ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ) وأما فى الآخرة فالبعذاب الذى يهينهم ويذلهم ولا يستطعيون منه نجاة أو مهربا .
وإذا كان الأمر كذلك فباشروا - أيها المؤمنون - الأسباب التى توصلكم إلى النصر عليهم .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :1- قال الآلوسى : تعلق بظاهر قوله - تعالى - ( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ ) .
من خص صلاة الخوف بحضرته صلى الله عليه وسلم كالحسن بن زيد ونسب ذلك أيضا لأبى يوسف ، ونقله عنه الجصاص فى كتاب الأحكام ، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده صلى الله عليه وسلم نوابه ، وقوام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما فى قوله ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ) وقد أخرجه أبو داود والنسائى وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم .
قال : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال : أيكم صلى مع رسول الله صلاة الخوف؟
فقال حذيفة : أنا .
ثم وصف له ذلك فصلوا كما وص ، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد منهم .
وهم الذين لا تأخذهم فى الله لومة لائم ، وهذا يحل محل الإِجماع .2- أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة مشروعية صلاة الخوف وصفتها وأنه يطلب فيها حمل الصلاح إلا لعذر .
وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى وغيرهم عن أبى عياش الزرقى قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد .
وهم بيننا وبين القبلة .
فصلى بنا النبى صلى الله عليه وسلم الظهر فقالوا : قد كانوا على حال لو أصابنا غرتهم ثم قالوا : تأتى عليهم الآن صلاة هى أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم .فنزل جبريل بهذه الآية ( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ ) .
.
الخ بين الظهر والعصر .3- وردت روايات متعددة يؤخذ منها أن النبى صلى الله عليه وسلم قد صلى صلاة الخوف على هيئات مختلفة وفى مواضع متعددة .
ويشهد لهذا قول القرطبى .
وقد اختلفت الروايات فى هيئة صلاة الخوف .
واختلف العلماء لاختلافها .
فذكر ابن القصار أنه صلى الله عليه وسلم صلاها فى عشر مواضع .
وقال ابن العربى : روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة .
وقال الإِمام أحمد بن حنبل - وهو إمام أهل الحديث والمقدم فى معرفة علل النقل فيه - لا أعلم أنه روى فى صلاة الخوف إلا حديث ثابت .
وهى كلها صحاح ثابتة .
فعلى أى حديث صلى منها المصلى صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله .وقال ابن كثير : صلاة الخوف أنواع كثيرة فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة ، وتارة يكون فى غير صوبها ، ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة ، بل يصلون فرادى مستقبل القبلة وغير مستقبليها لعذر القتال كما أخر النبى صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب صلاة الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب ، ثم صلى المغرب والعشاء .
وأما الجمهور فقالوا هذا منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد ، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك .
ونظرا لاختلاف الروايات الواردة فى كيفية صلاة الخوف ، فقد اختلف الفقهاء فى كيفية أدائها تبعا لما فهمه كل فريق من تلك الروايات .
وهاك بعض مذاهبهم :( أ ) ذهب الإِمام أبو حنيفة ومن تابعه إلى أن يكفية صلاة الخوف أن يقسم الإِمام الناس طائفتين : طائفة تكون مع الإِمام والأخرى بإزاء العدو .
فيصلى بالذين مع ركعة ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم ثم تأتى الطائفة الخرى التى كانت بإزاء العدو فيصلى بهم الإِمام الركعة الثانية ويسلم هو .ثم تأتى الطائفة الأولى فتصلى ركعة بغير قراءة ، لأنها فى رأيهم لاحقة .
أى كأنها وراء الإِمام حكما طول الصلاة ، ولا قراءة عندهم وراء الإِمام ثم تتشهد وتسلم .
وتذهب إلى وجه العدو فتأتى الطائفة الثاينة فتقضى ركعة بقراءة ثم تتشهد وتسلم .
وإنما صلت هذه ركعتها بقراءة لأنها عندهم مسبوقة ، فتكون كمن أدرك آخر صلاة الإِمام وفاتته ركعة .
فتكون القراءة واجبة فى حقها .
وهذه الكيفية لصلاة الخوف التى أخذ بها الإِمام أبو حنيفة قد وردت فى روايات عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما عن النبى صلى الله عليه وسلم :( ب ) الإِمام مالك فيرى أن كيفية صلاة الخوف تكون كالآتى : أن يقسم الإِمام الناس إلى طائفتين : طائفة تكون معه وطائفة تكون بإزاء العدو .
ثم يصلى بالطائفة التى معه ركعة ولا يسلم وتتم هى الركعة الثانية وحدها ثم تتشهد وتسلم وتذهب إلى مكان الطائفة الثاينة ، وتأتى الطائفة الثانية فتقف خلف الإِمام فيصلى معها الركعة الثانية ثم يجلسون للتشهد ويسلم الإِمام وحده أماهم فيقومون فيصلون وحدهم الكرعة التى بقيت ثم يتشهدون ويسلمون .وقريب من هذه الكيفية ماذهب إليه الإِمام الشافعى فهو يوافق المالكية فيما ذهبوا إليه إلا أنه قال : لا يسلم الإِمام حتى تتم الطائفة الثانية صلاتها ثم يسلم معهم .ويذهب الإِمام أحمد بن حنبل فى كيفية صلاة الخوف إلى ما ذهب إليه الإِمام مالك .وفى رواية عنه أنه يوافق ما ذهب إليه الشافعية .وهذا كله فيما إذا كانت الصلاة ثنائية فى الأصل كالفجر أو رباعية فإنها تقصر إلى ثنائية .أما إذا كانت صلاة الخوف فى المغرب فيرى جمهور الفقهاء أن الإِمام يصلى بالطائفة الأولى ركعتين ، وبالطائفة الثانية ركعة ثم تتم كل طائفة ما بقى عليها بالطريقة التى سبق ذكرها عند الأئمة ، والتى بسطها العلماء فى كتب الفقه .4- ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية أهمية صلاة الجماعة ، لأن الله - تعالى - أمر المسلمين بأن يؤدوا الصلاة فى جماعة حتى وهم فى حالة الاستعداد للقاء أعدائهم .قال ابن كثير : ما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة .
حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة .
فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك .5- كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية أن الإِسلام دين يأمر أتباعه بأداء الصلاة حتى ولو كانوا فى ساحة المعركة ، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وربه ، ومتى حسنت هذه الصلة بين المجاهد وخالقه ، فإنه - سبحانه - يكلؤه بعين رعايته ، ويمده بنصره وتأييده .
وأن الإِسلام بجانب هذا الاهتمام الشديد بشأن الصلاة فإنه يهتم أيضا بأن يأمر أتابعه بالحذر من مكر أعدائهم ومن مباغتهم لهم ، بأن يكون المؤمنون مستعدين لصدهم وردهم على أعقابهم ، وأن لا يغفلوا عن حمل أسلحتهم حتى ولو كانوا قائمين للصلاة .وبهذا نرى أن الإِسلام يربى أتباعه تربية روحية وعقلية وبدينة من شأنها أن توصلهم - متى حافظوا عليها - إلى ما يعلى كلمتهم فى الدنيا ، ويرفع درجاتهم فى الآخرة .
أعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة حال قصر الصلاة بحسب الكمية في العدد، بيّن في هذه الآية حالها في الكيفية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو يوسف والحسن بن زياد: صلاة الخوف كانت خاصة للرسول صلى الله عليه وسلم ولا تجوز لغيره، وقال المزني: كانت ثابتة ثم نسخت.
واحتج أبو يوسف على قوله بوجهين: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة ﴾ ظاهره يقتضي أن إقامة هذه الصلاة مشروطة بكون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، لأن كلمة إذا تفيد الاشتراط الثاني: أن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل، إلا أنا جوزنا ذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم لتحصل للناس فضيلة الصلاة خلفه، وأما في حق غير الرسول عليه الصلاة والسلام فهذا المعنى غير حاصل، لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول، فلا يحتاج هناك إلى تغيير هيئة الصلاة، وأما سائر الفقهاء فقالوا: لما ثبت هذا الحكم في حق النبي صلى الله عليه وسلم بحكم هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره لقوله تعالى: ﴿ واتبعوه ﴾ ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ ﴾ لم يوجب كون الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً به دون غيره من الأمة بعده، وأما التمسك بإدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة، لأنه لا يجوز أن يكون طلب الفضيلة يوجب ترك الفرض، فاندفع هذا الكلام، والله أعلم.
المسألة الثانية: شرح صلاة الخوف هو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بهم ركعة واحدة، ثم إذا فرغوا من الركعة فكيف يصنعون؟
فيه أقوال: الأول: أن تلك الطائفة يسلمون من الركعة الواحدة ويذهبون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى ويصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم، وهذا مذهب من يرى أن صلاة الخوف للإمام ركعتان، وللقوم ركعة، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد.
الثاني: أن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين، وهذا قول الحسن البصري.
الثالث: أن يصلي الإمام مع الطائفة الأولى ركعة تامة، ثم يبقى الإمام قائماً في الركعة الثانية إلى أن تصلي هذه الطائفة ركعة أخرى، ويتشهدون ويسلمون ويذهبون إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية ويصلون مع الإمام قائماً في الركعة الثانية ركعة، ثم يجلس الإمام في التشهد إلى أن تصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية، ثم يسلم الإمام بهم، وهذا قول سهل بن أبي حثمة ومذهب الشافعي.
الرابع: أن الطائفة الأولى يصلي الإمام بهم ركعة ويعودون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بقراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة، والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة، وهم في حكم من خلف الإمام، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة، والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته، وهذا قول عبد الله بن مسعود، ومذهب أبي حنيفة.
وأعلم أنه وردت الروايات المختلفة بهذه الصلاة، فلعله صلى الله عليه وسلم صلى بهم هذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصلحة، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أي هذه الأقسام، أما الواحدي رحمه الله فقال: الآية مخالفة للروايات التي أخذ بها أبو حنيفة، وبين ذلك من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ ﴾ وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلّت عند إتيان الثانية، وعند أبي حنيفة ليس الأمر كذلك، لأن الطائفة الثانية عنده تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها.
الثاني: أن قوله: ﴿ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ﴾ ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام لأن مطلق قولك: صليت مع الإمام يدل على أنك أدركت جميع الصلاة معه، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك، وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا: الآية مطابقة لقولنا، لأنه تعالى قال: ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ ﴾ وهذا يدل عى أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة، ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة، وأجاب الواحدي عنه فقال: هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة، وليس الأمر كذلك، بل هو لطائفتين السجود للأولى، والكون من ورائكم الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية والله أعلم.
ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ ﴾ أي وإذا كنت أيها النبي مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم ﴿ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طائفة منهم معك ﴾ والمعنى فاجعلهم طائفتين، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم وليأخذوا أسلحتهم، والضمير إما للمصلين وإما لغيرهم، فإن كان للمصلين فقالوا: يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، وذلك لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم، وإن كان لغير المصلين فلا كلام فيه.
ويحتمل أن يكون ذلك أمراً للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط.
ثم قال: ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ ﴾ يعني غير المصلين ﴿ مِن وَرَائِكُمْ ﴾ يحرسونكم، وقد ذكرنا أن أداء الركعة الأولى مع الإمام في صلاة الخوف كهو في صلاة الأمن، إنما التفاوت يقع في أداء الركعة الثانية فيه، وقد ذكرنا مذاهب الناس فيها.
ثم قال: ﴿ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ﴾ وقد بينا أن هذه الآية دالة على صحة قول الشافعي.
ثم قال: ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ والمعنى أنه تعالى جعل الحذر وهو التحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ وجعلا مأخوذين.
قال الواحدي رحمه الله: وفيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة.
فإن قيل: لم ذكر في الآية الأولى ﴿ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ فقط، وذكر في هذه الآية حذرهم وأسلحتهم.
قلنا: لأن في أول الصلاة قلما يتنبه العدو لكون المسلمين في الصلاة، بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة أما في الركعة الثانية فقد ظهر للكفار كونهم في الصلاة، فهاهنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم، فلا جرم خص الله تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير فقال: ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتَهُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة ﴾ أي بالقتال.
عن ابي عباس وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بأصحابه الظهر، ورأى المشركون ذلك، فقالوا بعد ذلك: بئسما صنعنا حيث لم نقدم عليهم، وعزموا على ذلك عند الصلاة الأخرى، فأطلع الله نبيّه صلى الله عليه وسلم على أسرارهم بهذه الآية.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ ﴾ والمعنى أنه إن تعذر حمل السلاح إما لأنه يصيبه بلل المطر فيسود وتفسد حدته، أو لأن من الأسلحة ما يكون مبطناً فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء، أو لأجل أن الرجل كان مريضاً فيشق عليه حمل السلاح، فهاهنا له أن يضع حمل السلاح.
ثم قال: ﴿ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر، لئلا يجترئ العدو عليهم احتيالاً في الميل عليهم واستغناماً منهم لوضع المسلمين أسلحتهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن قوله في أول الآية ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فيقتضي أن يكون أخذ السلاح واجباً ثم تأكد هذا بدليل آخر، وهو أنه قال: ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ﴾ فخص رفع الجناح في وضع السلاح بهاتين الحالتين، وذلك يوجب أن فيما وراء هاتين الحالتين يكون الإثم والجناح حاصلاً بسبب وضع السلاح.
ومنهم من قال: إنه سنة مؤكدة، والأصح ما بيناه ثم الشرط أن لا يحمل سلاحاً نجساً إن أمكنه، ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف، وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد.
المسألة الثانية: قال أبو على الجرجاني (صاحب النظم): قوله تعالى: ﴿ وخذوا حذركم ﴾ يدل على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذراً غير غافل عن كيد العدو.
والذي نزل به القرآن في هذا الموضع هو وجه الحذر، لأن العدو يومئذ بذات الرقاع كان مستقبل القبلة، فالمسلمون كانوا مستدبرين القبلة، ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة مع النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل القبلة، وأما حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان وببطن نخل فإنه لم يفرق أصحابه طائفتين، وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة، والمسلمون كانوا مستقبلين لها، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم، فلما فرغوا من السجود وقاموا تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني، فثبت بما ذكرنا أن قوله تعالى: ﴿ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ يدل على جواز هذه الوجوه؛ والذي يدل على أن المراد من هذه الآية ما ذكرناه أنا لو لم نحملها على هذا الوجه لصار تكراراً محضاً من غير فائدة، ولوقع فعل الرسول بعسفان وببطن نخل على خلاف نص القرآن وإنه غير جائز، والله أعلم.
المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: إن الله تعالى أمر بالحذر، وذلك يدل على كون العبد قادراً على الفعل وعلى الترك وعلى جميع وجوه الحذر، وذلك يدل على أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى، وجوابه ما تقدم من المعارضة بالعلم والداعي، والله أعلم.
المسألة الرابعة: دلت الآية على وجوب الحذر عن العدو، فيدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والعلاج باليد والاحتراز عن الوباء وعن الجلوس تحت الجدار المائل واجباً والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ وفيه سؤال، أنه كيف طابق الأمر بالحذر قوله: ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ وجوابه: أنه تعالى لما أمر بالحذر عن العدو أوهم ذلك قوة العدو وشدتهم، فأزال الله تعالى هذا الوهم بأن أخبر أنه يهينهم ويخذلهم ولا ينصرهم البتة حتى يقوي قلوب المسلمين ويعلموا أن الأمر بالحذر ليس لما لهم من القوة والهيبة، وإنما هو لأجل أن يحصل الخوف في قلب المؤمنين، فحينئذ يكونون متضرعين إلى الله تعالى في أن يمدهم بالنصر والتوفيق، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ ﴾ وفيه قولان: الأول: فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال، فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه.
الثاني: أن المراد بالذكر الصلاة، يعني صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسابقة والمقارعة، وقعوداً حال اشتغالكم بالرمي، وعلى جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض، فإذا اطمأننتم حين تضع الحرب أوزارها فأقيموا الصلاة، فاقضوا ما صليتم في حال المسابقة.
هذا ظاهر على مذهب الشافعي في إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسابقة إذا حضر وقتها، وإذا اطمأنوا فعليهم القضاء إلا أن على هذا القول إشكالاً، وهو أن يصير تقدير الآية: فإذا قضيتم الصلاة فصلوا، وذلك بعيد لأن حمل لفظ الذكر على الصلاة مجاز فلا يصار إليه إلا لضرورة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ﴾ واعلم أن هذه الآية مسبوقة بحكمين: أولهما: بيان القصر وهو صلاة السفر، والثاني: صلاة الخوف، ثم إن قوله: ﴿ فَإِذَا اطمأننتم ﴾ يحتمل نقيض الأمرين، فيحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافراً بل يصير مقيماً، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة، ويحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مضطرب القلب، بل يصير ساكن القلب ساكن النفس بسبب أنه زال الخوف، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي كنتم تعرفونها، ولا تغيروا شيئاً من أحوالها وهيآتها، ثم لما بالغ الله سبحانه وتعالى في شرح أقسام الصلاة فذكر صلاة السفر، ثم ذكر بعد ذلك صلاة الخوف ختم هذه الآية بقوله: ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ أي فرضاً موقتاً، والمراد بالكتاب هاهنا المكتوب كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذف الهاء من الموقوت كما جعل المصدر موضع المفعول والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات موقتة، يقال: وقته ووقته مخففاً، وقريء ﴿ وَإِذَا الرسل وقتت ﴾ بالتخفيف.
واعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدّر بأوقات مخصوصة، إلا أنه تعالى أجمل ذكر الأوقات هاهنا وبينها في سائر الآيات، وهي خمسة: أحدها: قوله تعالى: ﴿ حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ فقوله: ﴿ الصلوات ﴾ يدل على وجوب صلوات ثلاثة، وقوله: ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ يمنع أن يكون أحد تلك الثلاثة وإلا لزم التكرار، فلابد وأن تكون زائدة على الثلاثة ولا يجوز أن يكون الواجب أربعة، وإلا لم يحصل فيها وسطى، فلابد من جعلها خمسة لتحصل الوسطى، وكما دلت هذه الآية على وجوب خمس صلوات دلت على عدم وجوب الوتر، وإلا لصارت الصلوات الواجبة ستة، فحينئذ لا تحصل الوسطى فهذه الآية دلّت على أن الواجب خمس صلوات إلا أنها غير دالة على بيان أوقاتها.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل وَقُرْءانَ الفجر ﴾ فالواجب من الدلوك إلى الغسق هو الظهر والعصر، والواجب من الغسق إلى الفجر هو المغرب والعشاء والواجب في الفجر هو صلاة الصبح، وهذه الآية توهم أن للظهر والعصر وقتاً واحداً وللمغرب والعشاء وقتاً واحداً.
وثالثها: قوله سبحانه: ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ والمراد منه الصلاتان الواقعتان في طرفي النهار وهما المغرب والصبح، ثم قال: ﴿ وَلَهُ الحمد فِي السموات والأرض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ فقوله: ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ المراد منه الصلاة الواقعة في محض الليل وهي صلاة العشاء، وقوله: ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ المراد الصلاة الواقعة في محض النهار، وهي صلاة الظهر كما قدم في قوله: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر، فكذلك قدم في قوله: ﴿ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر، فصارت الصلوات الأربعة مذكورة في هذه الآية، وأما صلاة العصر فقد أفردها الله تعالى بالذكر في قوله: ﴿ والعصر ﴾ تشريفاً لها بالإفراد بالذكر.
ورابعها: قوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ فقوله: ﴿ طَرَفَىِ النهار ﴾ يفيد وجوب صلاة الصبح ووجوب صلاة العصر لأنهما كالواقعتين على الطرفين، وإن كانت صلاة الصبح واقعة قبل حدوث الطرف الأول وصلاة العصر واقعة قبل حدوث الطرف الثاني.
وقوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ يفيد وجوب المغرب والعشاء، وكان بعضهم يستدل بهذه الآية على وجوب الوتر قال: لأن الزلف جمع، وأقله ثلاثة، فلابد وأن يجب ثلاث صلوات في الليل عملاً بقوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ .
وخامسها: قوله تعالى: ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء اليل فَسَبّحْ ﴾ فقوله: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ إشارة إلى الصبح والعصر، وهو كقوله: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ وقوله: ﴿ وَمِنْ ءانَاء اليل ﴾ إشارة إلى المغرب والعشاء، وهو كقوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ وكما احتجوا بقوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ فكذلك احتجوا عليه بقوله: ﴿ وَمِنْ ءانَاء اليل ﴾ لأن قوله آناء الليل جمع وأقله ثلاثة، فهذا مجموع الآيات الدالة على الأوقات الخمسة للصلوات الخمس.
واعلم أن تقدير الصلوات بهذه الأوقات الخمسة في نهاية الحسن والجمال نظراً إلى المعقول، وبيانه أن لكل شيء من أحوال هذا العالم مراتب خمسة: أولها: مرتبة الحدوث والدخول في الوجود، وهو كما يولد الإنسان ويبقى في النشو والنماء إلى مدة معلومة، وهذه المدة تسمى سن النشو والنماء.
والمرتبة الثانية: مدة الوقوف، وهو أن يبقى ذلك الشيء على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان وهذه المدة تسمى سن الشباب.
والمرتبة الثالثة: مدة الكهولة، وهو أن يظهر في الإنسان نقصانات ظاهرة جلية إلى أن يموت ويهلك، وتسمى هذه المدة سن الشيخوخة.
المرتبة الخامسة: أن تبقى آثاره بعد موته مدة، ثم بالآخرة تنمحي تلك الآثار وتبطل وتزول، ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر، فهذه المراتب الخمسة حاصلة لجميع حوادث هذا العالم سواء كان إنساناً أو غيره من الحيوانات أو النباتات، والشمس حصل لها بحسب طلوعها وغروبها هذه الأحوال الخمس، وذلك لأنها حين تطلع من مشرقها يشبه حالها حال المولود عندما يولد، ثم لا يزال يزداد ارتفاعها ويقوى نورها ويشتد حرها إلى أن تبلغ إلى وسط السماء، فتقف هناك ساعة ثم تنحدر ويظهر فيها نقاصانات خفية إلى وقت العصر، ثم من وقت العصر يظهر فيها نقصانات ظاهرة فيضعف ضوؤها ويضعف حرها، ويزداد انحطاطها وقوتها إلى الغروب، ثم إذا غربت يبقى بعض آثارها في أفق المغرب وهو الشفق، ثم تنمحي تلك الآثار وتصير الشمس كأنها ما كانت موجودة في العالم، فلما حصلت هذه الأحوال الخمسة لها وهي أمور عجيبة لا يقدر عليها إلا الله تعالى لا جرم أوجب الله تعالى عند كل واحد من هذه الأحوال الخمسة لها صلاة، فأوجب عند قرب الشمس من الطلوع صلاة الفجر شكراً للنعمة العظيمة الحاصلة بسبب زوال تلك الظلمة وحصول النور، وبسبب زوال النوم الذي هو كالموت وحصول اليقظة التي هي كالحياة، ولما وصلت الشمس إلى غاية الارتفاع ثم ظهر فيها أثر الانحطاط أوجب صلاة الظهر تعظيماً للخالق القادر على قلب أحوال الأجرام العلوية والسفلية من الضد إلى الضد، فجعل الشمس بعد غاية ارتفاعها واستعلائها منحطة عن ذلك العلو وآخذة في سن الكهولة، وهو النقصان الخفي، ثم لما انقضت مدة الكهولة ودخلت في أول زمان الشيخوخة أوجب تعالى صلاة العصر.
ونعم ما قال الشافعي رحمه الله: أن أول العصر هو أن يصير ظل كل شيء مثليه، وذلك لأن من هذا الوقت تظهر النقصانات الظاهرة، ألا ترى أن من أول وقت الظهر إلى وقت العصر على قول الشافعي رحمه الله ما ازداد الظل إلا مثل الشيء، ثم إن في زمان الطيف يصير ظله مثليه، وذلك يدل على أن من الوقت الذي يصير ظل الشيء مثلاً له تأخذ الشمس في النقصانات الظاهرة، ثم إذا غربت الشمس أشبهت هذه الحالة ما إذا مات الإنسان، فلا جرم أوجب الله تعالى عند هذه الحالة صلاة المغرب، ثم لما غرب الشفق فكأنه انمحت آثار الشمس ولم يبق منها في الدنيا خبر ولا أثر، فلا جرم أوجب الله تعالى صلاة العشاء، فثبت أن إيجاب الصلوات الخمس في هذه الأوقات الخمسة مطابق للقوانين العقلية والأصول الحكمية، والله أعلم بأسرار أفعاله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة ﴾ يتعلق بظاهره من لا يرى صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث شرط كونه فيهم: وقال من رآها بعده: إن الأئمة نواب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عصر، قوّام بما كان يقوم به فكان الخطاب له متناولاً لكل إمام يكون حاضر الجماعة في حال الخوف، عليه أن يؤمّهم كما أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجماعات التي كان يحضرها.
والضمير في (فيهم) للخائفين ﴿ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ ﴾ فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ الضمير إمّا للمصلين وإمّا لغيرهم فإن كان للمصلين فقالوا: يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما.
وإن كان لغيرهم فلا كلام فيه ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ ﴾ يعني غير المصلين ﴿ مِن وَرَائِكُمْ ﴾ يحرسونكم وصفة صلاة الخوف عند أبي حنيفة: أن يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة إن كانت الصلاة ركعتين والأخرى بإزاء العدو ثم تقف هذه الطائفة بإزاء العدو وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعة ويتم صلاته.
ثم تقف بإزاء العدوّ، وتأتي الأولى فتؤدي الركعة بغير قراءة وتتم صلاتها ثم تحرس، وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءة وتتم صلاتها.
والسجود على ظاهره عند أبي حنيفة.
وعند مالك بمعنى الصلاة، لأن الإمام يصلي عنده بطائفة ركعة ويقف قائماً حتى تتم صلاتها وتسلم وتذهب، ثم يصلي بالثانية ركعة ويقف قاعداً حتى تتم صلاتها.
ويسلم بهم ويعضده ﴿ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ﴾ .
وقرئ: ﴿ وأمتعاتكم ﴾ : فإن قلت: كيف جمع بين الأسلحة وبين الحذر في الأخذ.
قلت: جعل الحذر وهو التحرّز والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ، وجعلا مأخوذين.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ والذين تَبَوَّءوا الدار والإيمان ﴾ [الحشر: 9] جعل الإيمان مستقراً لهم ومتبوأ لتمكّنهم فيه فلذلك جمع بينه وبين الدار في التبوّء ﴿ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ فيشدون عليكم شدة واحدة.
ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم في مطر أو يضعفهم من مرض، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو.
فإن قلت: كيف طابق الأمر بالحذر قوله: ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ ؟
قلت: الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه.
فنفي عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أنّ الله يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه، لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك، وإنما هو تعبد من الله كما قال: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ [البقرة: 165] ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة ﴾ فإذا صليتم في حال الخوف والقتال ﴿ فاذكروا الله ﴾ فصلوها ﴿ قِيَاماً ﴾ مسايفين ومقارعين ﴿ وَقُعُوداً ﴾ جاثين على الركب مرامين ﴿ وعلى جُنُوبِكُمْ ﴾ مثخنين بالجراح ﴿ فَإِذَا اطمأننتم ﴾ حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم ﴿ إنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كتابا مَّوْقُوتاً ﴾ فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً ﴾ محدوداً بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كنتم، خوف أو أمن.
وهذا ظاهر على مذهب الشافعي رحمه الله في إيجابه الصلاة على المحارب في حالة المسابقة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأن فعليه القضاء.
وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فهو معذور في تركها إلى أن يطمئن.
وقيل: معناه فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع، فإن ما أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجأ إليه ﴿ فَإِذَا اطمأننتم ﴾ فإذا أقمتم ﴿ فَأَقِيمُوا الصلاة ﴾ فأتموها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ تَعَلَّقَ بِمَفْهُومِهِ مَن خَصَّ صَلاةَ الخَوْفِ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ لِفَضْلِ الجَماعَةِ، وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّهُ تَعالى عَلَّمَ الرَّسُولَ كَيْفِيَّتَها لِيَأْتَمَّ بِهِ الأئِمَّةُ بَعْدَهُ فَإنَّهم نُوّابٌ عَنْهُ فَيَكُونُ حُضُورُهم كَحُضُورِهِ.
﴿ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ﴾ فاجْعَلْهم طائِفَتَيْنِ فَلْتَقُمْ إحْداهُما مَعَكَ يُصَلُّونَ وتَقُومُ الطّائِفَةُ الأُخْرى تُجاهَ العَدُوِّ.
﴿ وَلْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ ﴾ أيِ المُصَلُّونَ حَزْمًا.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلطّائِفَةِ الأُخْرى، وذِكْرُ الطّائِفَةِ الأُولى يَدُلُّ عَلَيْهِمْ.
﴿ فَإذا سَجَدُوا ﴾ يَعْنِي المُصَلِّينَ.
﴿ فَلْيَكُونُوا ﴾ أيْ غَيْرُ المُصَلِّينَ.
﴿ مِن ورائِكُمْ ﴾ يَحْرُسُونَكم يَعْنِي النَّبِيَّ ومَن يُصَلِّي مَعَهُ، فَغَلَبَ المُخاطَبُ عَلى الغالِبِ.
﴿ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا ﴾ لِاشْتِغالِهِمْ بِالحِراسَةِ.
﴿ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإمامَ يُصَلِّي مَرَّتَيْنِ بِكُلِّ طائِفَةٍ مَرَّةً كَما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِبَطْنِ نَخْلٍ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ أنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ رَكْعَةٍ إنْ كانَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ فَكَيْفِيَّتُهُ أنْ يُصَلِّيَ بِالأُولى رَكْعَةً ويَنْتَظِرَ قائِمًا حَتّى يُتِمُّوا صَلاتَهم مُنْفَرِدِينَ ويَذْهَبُوا إلى وجْهِ العَدُوِّ، وتَأْتِيَ الأُخْرى فَيُتِمُّ بِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ.
ثُمَّ يَنْتَظِرُ قاعِدًا حَتّى يُتِمُّوا صَلاتَهم ويُسَلِّمُوا بِهِمْ كَما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِذاتِ الرِّقاعِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يُصَلِّي بِالأُولى رَكْعَةً ثُمَّ تَذْهَبُ هَذِهِ وتَقِفُ بِإزاءِ العَدُوِّ وتَأْتِي الأُخْرى فَتُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً، ويُتِمُّ صَلاتَهُ ثُمَّ تَعُودُ إلى وجْهِ العَدُوِّ، وتَأْتِي الأُولى فَتُؤَدِّي الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ بِغَيْرِ قِراءَةٍ وتُتِمُّ صَلاتَها ثُمَّ تَعُودُ وتَأْتِي الأُخْرى فَتُؤَدِّي الرَّكْعَةَ بِقِراءَةٍ وتُتِمُّ صَلاتَها.
﴿ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ ﴾ جُعِلَ الحَذَرُ آلَةً يَتَحَصَّنُ بِها في المَغازِي فَجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأسْلِحَةِ في وُجُوبِ الأخْذِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ ﴾ ، ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ﴾ تَمَنَّوْا أنْ يَنالُوا مِنكم غِرَّةً في صَلاتِكم فَيَشُدُّونَ عَلَيْكم شَدَّةً واحِدَةً، وهو بَيانُ ما لِأجْلِهِ أُمِرُوا بِأخْذِ الحَذَرِ والسِّلاحِ.
﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ ﴾ رُخْصَةً لَهم في وضْعِها إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ أخْذُها بِسَبَبِ مَطَرٍ أوْ مَرَضٍ، وهَذا مِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ الأمْرَ بِالأخْذِ لِلْوُجُوبِ دُونَ الِاسْتِحْبابِ.
﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ أمَرَهم مَعَ ذَلِكَ بِأخْذِ الحَذَرِ كَيْ لا يَهْجُمَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ.
﴿ إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ عَلى الكُفّارِ بَعْدَ الأمْرِ بِالحَزْمِ لِتَقْوى قُلُوبُهم ولِيَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ بِالحَزْمِ لَيْسَ لِضَعْفِهِمْ وغَلَبَةِ عَدُوِّهِمْ، بَلْ لِأنَّ الواجِبَ أنْ يُحافِظُوا في الأُمُورِ عَلى مَراسِمِ التَّيَقُّظِ والتَّدَبُّرِ فَيَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)
{وَإِذَا كُنتَ} يا محمد {فِيهِمْ} في أصحابك {فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة} فأردت أن تقيم الصلاة بهم وبظاهره تعلق أبو يوسف رحمه الله فلا يرى صلاة الخوف بعده عليه السلام وقالا الأئمة نواب عن رسول الله
النساء (١٠٢ _ ١٠٣)
صلى الله عليه وسلم في كل عصر فكان الخطاب له متناولاً لكل إمام كقوله تعالى {خُذْ مِنْ أموالهم صدقة تطهرهم} دليله فعل الصحابة رضى الله عنهم بعده عليه السلام {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ} فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم وتقوم طائفة تجاه العدو {وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ} أي الذين تجاه العدو عن ابن عباس رضى الله عنهما وإن كان المراد به المصلين فقالوا يأخذون من السلاح مالا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما {فَإِذَا سَجَدُواْ} أي قيدوا ركعتهم بسجدتين فالسجود على ظاهره عندنا وعند مالك بمعنى الصلاة {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ} أي إذا صلت هذه الطائفة التي معك ركعة فليرجعوا ليقفوا بإزاء العدو {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ} في موضع رفع صفة لطائفة {فليصلوا معك} أى ولتحضر الطائفة الواقعة بإزاء العدو فليصلوا معك الركعة الثانية {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ} ما يتحرزون به من العدو كالدرع ونحوه {وَأَسْلِحَتَهُمْ} جمع سلاح وهو ما يقاتل به وأخذ السلاح شرط عند الشافعى رحمه الله وعندنا مستحب وكيفية صلاة الخوف معروفة {وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة} فيشدون عليكم شدة واحدة {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ} في أن تضعوا {أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} رخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل
عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر أو يضعفهم من مرض وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو {إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً} أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم عليهم وإنما هو تعبد من الله تعالى
﴿ وإذا كُنْتَ فِيهِمْ ﴾ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ النَّصِّ المُجْمَلِ في مَشْرُوعِيَّةِ القَصْرِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ، وتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ التّامَّةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ، وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ مَن خَصَّ صَلاةَ الخَوْفِ بِحَضْرَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كالحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، ونُسِبَ ذَلِكَ أيْضًا لَأبِي يُوسُفَ، ونَقَلَهُ عَنِ الجَصّاصِ في كِتابِ الأحْكامِ، والنَّوَوِيِّ في المُهَذَّبِ، وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى خِلافِهِ، فَإنَّ الأئِمَّةَ بَعْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُوّابُهُ، وقُوّامٌ بِما كانَ يَقُومُ بِهِ فَيَتَناوَلُهم حُكْمُ الخِطابِ الوارِدِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ العاصِ بِطَبَرِسْتانَ فَقالَ: «أيُّكم صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلاةَ الخَوْفِ؟
فَقالَ حُذَيْفَةُ: أنا، ثُمَّ وصَفَ لَهُ ذَلِكَ، فَصَلُّوا كَما وصَفَ، ولَمْ يَقْضُوا، وكانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - ولَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ مِنهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ» وهَذا يَحِلُّ مَحَلَّ الإجْماعِ، ويَرُدُّ ما زَعَمَهُ المُزَنِيُّ مِن دَعْوى النَّسْخِ أيْضًا.
﴿ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ أيْ: أرَدْتَ أنْ تُقِيمَ بِهِمُ الصَّلاةَ ﴿ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهُمْ ﴾ مَعَكَ بَعْدَ أنْ جَعَلْتَهم طائِفَتَيْنِ، ولْتَقِفِ الطّائِفَةُ الأُخْرى تُجاهَ العَدُوِّ لِلْحِراسَةِ، ولِظُهُورِ ذَلِكَ تُرِكَ ﴿ ولْيَأْخُذُوا ﴾ أيِ: الطّائِفَةُ المَذْكُورَةُ القائِمَةُ مَعَكَ أسْلِحَتَهم مِمّا لا يَشْغَلُ عَنِ الصَّلاةِ كالسَّيْفِ والخِنْجَرِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآخِذَةَ هي الطّائِفَةُ الحارِسَةُ، فَلا يُحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى التَّقْيِيدِ، إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ مِنَ الأخْذِ عَدَمُ الوَضْعِ، وإنَّما عُبِّرَ بِذَلِكَ عَنْهُ لِلْإيذانِ بِالِاعْتِناءِ بِاسْتِصْحابِ الأسْلِحَةِ، حَتّى كَأنَّهم يَأْخُذُونَها ابْتِداءً ﴿ فَإذا سَجَدُوا ﴾ أيِ: القائِمُونَ مَعَكَ، أيْ: إذا فَرَغُوا مِنَ السُّجُودِ وأتَمُّوا الرَّكْعَةَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿ فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ ﴾ أيْ: فَلْيَنْصَرِفُوا لِلْحِراسَةِ مِنَ العَدُوِّ.
﴿ ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا ﴾ بَعْدُ، وهي الَّتِي كانَتْ تَحْرُسُ، ونَكَّرَها لِأنَّها لَمْ تُذْكَرْ مِن قَبْلُ ﴿ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ مِن صَلاتِكَ، والتَّأْنِيثُ والتَّذْكِيرُ مُراعاةً لِلَّفْظِ والمَعْنى، ولَمْ يُبَيَّنْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ حالُ الرَّكْعَةِ الباقِيَةِ لِكُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ.
فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ هي صَلاةُ الخَوْفِ، صَلّى رَسُولُ اللَّهِ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والطّائِفَةُ الأُخْرى مُقْبِلَةٌ عَلى العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ فَقامُوا مَقامَ أُولَئِكَ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى الَّتِي كانَتْ مُقْبِلَةً عَلى العَدُوِّ فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، ثُمَّ قامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ فَصَلُّوا رَكْعَةً رَكْعَةً، فَتَمَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - رَكْعَتانِ، ولِكُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَتانِ، رَكْعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ورَكْعَةٌ بَعْدَ سَلامِهِ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ««أنَّ النَّبِيَّ حِينَ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ صَلّى بِالطّائِفَةِ الأُولى رَكْعَةً، وبِالطّائِفَةِ الأُخْرى رَكْعَةً كَما في الآيَةِ، فَجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُولى وذَهَبَتْ هَذِهِ إلى مُقابَلَةِ العَدُوِّ حَتّى قَضَتِ الأُولى الرَّكْعَةَ الأُخْرى بِلا قِراءَةٍ، وسَلَّمُوا، ثُمَّ جاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى وقَضَوُا الرَّكْعَةَ الأوْلى بِقِراءَةٍ، حَتّى صارَ لِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتانِ»».
وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وإنَّما سَقَطَتِ القِراءَةُ عَنِ الطّائِفَةِ الأُولى في صَلاتِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ بَعْدَ سَلامِ رَسُولِ اللَّهِ لِأنَّهم - وإنْ كانُوا في ثانِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مُقابَلَةِ العَدُوِّ - إلّا أنَّهم في الصَّلاةِ، وفي حُكْمِ المُتابَعَةِ، فَكانَتْ قِراءَةُ الإمامِ قائِمَةً مَقامَ قِراءَتِهِمْ، كَما هو حُكْمُ الِاقْتِداءِ، ولا كَذَلِكَ الطّائِفَةُ الأُخْرى؛ لِأنَّهُمُ اقْتَدَوْا بِالإمامِ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ، وأتَمَّ الإمامُ صَلاتَهُ فَلا بُدَّ لَهم مِنَ القِراءَةِ في رَكْعَتِهِمُ الثّانِيَةِ، إذْ لَمْ يَكُونُوا مُقْتَدِينَ بِالإمامِ حِينَئِذٍ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ هي ما في الآيَةِ رَكْعَةٌ واحِدَةٌ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّحّاسُ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «فَرَضَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّكم في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً»».
وأخْرَجَ الأوَّلانِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ الفَقِيرِ قالَ: ««سَألَتْ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ أقَصْرٌ هُما؟
فَقالَ: الرَّكْعَتانِ في السَّفَرِ تَمامٌ، إنَّما القَصْرُ واحِدَةٌ عِنْدَ القِتالِ، بَيْنا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في قِتالٍ إذْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ فَصَفَّتْ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ وُجُوهُها قِبَلَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا إلى أُولَئِكَ فَقامُوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - جَلَسَ فَسَلَّمَ، وسَلَّمَ الَّذِينَ خَلَفَهُ، وسَلَّمَ الأوَّلُونَ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - رَكْعَتانِ، ولِلْقَوْمِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ»».
وذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى أنَّ كَيْفِيَّةَ صَلاةِ الخَوْفِ أنْ يُصَلِّيَ الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً، فَإذا قامَ لِلثّانِيَةِ فارَقَتْهُ وأتَمَّتْ، وذَهَبَتْ إلى وجْهِ العَدُوِّ، وجاءَ الواقِفُونَ في وجْهِهِ والإمامُ يَنْتَظِرُهُمْ، فاقْتَدَوْا بِهِ، وصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، فَإذا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قامُوا فَأتَمُّوا ثانِيَتَهُمْ، ولَحِقُوهُ وسَلَّمَ بِهِمْ.
وهَذِهِ - كَما رَواهُ الشَّيْخانِ - صَلاةُ النَّبِيِّ بِذاتِ الرِّقاعِ، وهي أحَدُ الأنْواعِ الَّتِي اخْتارَها الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - واسْتُشْكِلَ مِن سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا، ويُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْها، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ السُّجُودِ الصَّلاةُ، والمَعْنى: فَإذا فَرَغُوا مِنَ الصَّلاةِ (فَلْيَكُونُوا) إلَخْ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا قُصُورَ في البَيانِ عَلَيْهِ، وبِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) أنَّ الطّائِفَةَ الأخِيرَةَ تُتِمُّ الصَّلاةَ مَعَ الإمامِ، ولَيْسَ فِيهِ إشْعارٌ بِحِراسَتِها مَرَّةً ثانِيَةً وهي في الصَّلاةِ البَتَّةَ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ - بَلْ قِيلَ: إنَّها ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ - أنَّ الإمامَ يُصَلِّي مَرَّتَيْنِ كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وهي صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ كَما رَواهُ الشَّيْخانِ أيْضًا بِبَطْنِ نَخْلٍ، واحْتِمالُها لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فَعَلَها رَسُولُ اللَّهِ بِعُسْفانَ بَعِيدٌ جِدًّا، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ورَواهُ عَنْهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما - ««صَفَّ النّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا سَجَدُوا وقامُوا جَلَسَ الآخَرُونَ، فَسَجَدُوا في مَكانِهِمْ، ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، وهَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، ثُمَّ رَكَعَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا، ثُمَّ سَجَدَ هو والصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا جَلَسُوا جَلَسَ الآخَرُونَ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» وتَمامُ الكَلامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ».
﴿ ولْيَأْخُذُوا ﴾ أيِ: الطّائِفَةُ الأُخْرى ﴿ حِذْرَهُمْ ﴾ أيِ: احْتِرازَهُمْ، وشَبَّهَهُ بِما يُتَحَصَّنُ بِهِ مِنَ الآلاتِ، ولِذا أثْبَتَ لَهُ الأخْذَ تَخْيِيلًا، وإلّا فَهو أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يَتَّصِفُ بِالأخْذِ ولا يَضُرُّ عَطْفُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأسْلِحَتَهُمْ ﴾ عَلَيْهِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ؛ لِأنَّ التَّجَوُّزَ في التَّخْيِيلِ في الإثْباتِ والنِّسْبَةِ لا في الطَّرَفِ عَلى الصَّحِيحِ، ومِثْلُهُ لا بَأْسَ فِيهِ بِالجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِنَ المُشاكَلَةِ لِما يَلْزَمُ عَلى الكِنايَةِ التَّصْرِيحُ بِطَرَفَيْها، وإنْ دُفِعَ بِأنَّ المُشَبَّهَ بِهِ أعَمُّ مِنَ المَذْكُورِ، وإنْ فُسِّرَ الحَذَرُ بِما يُدْفَعُ بِهِ فَلا كَلامَ، ولَعَلَّ زِيادَةَ الأمْرِ بِالحَذَرِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - في هَذِهِ المَرَّةِ لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِوُقُوفِ الكَفَرَةِ، عَلى كَوْنِ الطّائِفَةِ القائِمَةِ مَعَ النَّبِيِّ في شُغُلٍ شاغِلٍ، وأمّا قَبْلَها فَرُبَّما يَظُنُّونَهم قائِمِينَ لِلْحِرابِ.
﴿ ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ﴾ بَيانٌ لِما لِأجْلِهِ أُمِرُوا بِأخْذِ السِّلاحِ، والخِطابُ لِلْفَرِيقَيْنِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، أيْ: تَمَنَّوْا أنْ يَنالُوا مِنكم غِرَّةً في صَلاتِكم فَيَحْمِلُونَ عَلَيْكم جُمْلَةً واحِدَةً، والمُرادُ بِالأمْتِعَةِ ما يُمَتَّعُ بِهِ في الحَرْبِ لا مُطْلَقًا، وقُرِئَ (أمْتِعاتِكُمْ) والأمْرُ لِلْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ ﴾ حَيْثُ رَخَّصَ لَهم في وضْعِها إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ حَمْلُها واسْتِصْحابُها بِسَبَبِ مَطَرٍ أوْ مَرَضٍ، وأُمِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّيَقُّظِ والِاحْتِياطِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ إلْقاءِ السِّلاحِ لِلْعُذْرِ؛ لِئَلّا يَهْجِمَ عَلَيْكُمُ العَدُوُّ غِيلَةً.
واخْتارَ بَعْضُ أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ، وقَيَّدُوهُ بِما إذا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ بِتَرْكِ الحِمْلِ، أمّا لَوْ خافَ وجَبَ الحَمْلُ عَلى الأوْجُهِ، ولَوْ كانَ السِّلاحُ نَجِسًا ومانِعًا لِلسُّجُودِ، وفي شَرْحِ المِنهاجِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ: ولَوِ انْتَفى خَوْفُ الضَّرَرِ وتَأذّى غَيْرُهُ بِحَمْلِهِ كُرِهَ إنْ خَفَّ الضَّرَرُ بِأنِ احْتُمِلَ عادَةً، وإلّا حَرُمَ، وبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ إطْلاقِ كَراهَتِهِ وإطْلاقِ حُرْمَتِهِ.
والآيَةُ - كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وكانَ جَرِيحًا.
وذَكَرَ أبُو ضَمْرَةَ، ورَواهُ الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ «غَزا مُحارِبًا وبَنِي أنِمارٍ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأحْرَزَهُمُ الذَّرارِيَّ والمالَ، فَنَزَلَ رَسُولٌ والمُسْلِمُونَ ولا يَرَوْنَ مِنَ العَدُوِّ واحِدًا، فَوَضَعُوا أسْلِحَتَهم وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ لِحاجَةٍ لَهُ، وقَدْ وضَعَ سِلاحَهُ، حَتّى قَطَعَ الوادِيَ، والسَّماءُ تَرُشُّ، فَحالَ الوادِي بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ أصْحابِهِ، فَجَلَسَ في ظِلِّ سَمُرَةٍ فَبَصُرَ بِهِ غَوْرَثُ بْنُ الحَرْثِ المُحارِبِيُّ فَقالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ تَعالى إنْ لَمْ أقْتُلْهُ، وانْحَدَرَ مِنَ الجَبَلِ، ومَعَهُ السَّيْفُ، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ إلّا وهو قائِمٌ عَلى رَأْسِهِ ومَعَهُ السَّيْفُ، قَدْ سَلَّهُ مَن غِمْدِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن يَعْصِمُكَ مِنِّي الآنَ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي غَوْرَثَ بْنَ الحَرْثِ بِما شِئْتَ، فانْكَبَّ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى لِوَجْهِهِ، وقامَ رَسُولُ اللَّهِ فَأخَذَ سَيْفَهُ فَقالَ: يا غَوْرَثُ مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي الآنَ؟
فَقالَ لا أحَدَ، قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أتَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ؟
قالَ: لا، ولَكِنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ أنْ لا أُقاتِلَكَ أبَدًا، ولا أُعِينَ عَلَيْكَ عَدُوًّا، فَأعْطاهُ رَسُولُ اللَّهِ - سَيْفَهُ، فَقالَ لَهُ غَوْرَثٌ: لَأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ إنِّي أحَقُّ بِذَلِكَ» فَرَجَعَ غَوْرَثٌ إلى أصْحابِهِ فَقالُوا: يا غَوْرَثُ لَقَدْ رَأيْناكَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ فَما مَنَعَكَ مِنهُ؟
قالَ: اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أهْوَيْتُ لَهُ بِالسَّيْفِ لِأضْرِبَهُ فَما أدْرِي مَن لَزَجَنِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي، وخَرَّ سَيْفِي، وسَبَقَنِي، إلَيْهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -فَأخَذَهُ، وأتَمَّ لَهُمُ القِصَّةَ، فَآمَنَ بَعْضُهُمْ، ولَمْ يَلْبَثِ الوادِي أنْ سَكَنَ، فَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ إلى أصْحابِهِ، فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، وقَرَأ عَلَيْهِمُ الآيَةَ».
﴿ إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ، أيْ: أعَدَّ لَهم عَذابًا مُذِلًّا، وهو عَذابُ المَغْلُوبِيَّةِ لَكم ونُصْرَتِكم عَلَيْهِمْ، فاهْتَمُّوا بِأُمُورِكُمْ، ولا تُهْمِلُوا مُباشَرَةَ الأسْبابِ كَيْ يُعَذِّبَهم بِأيْدِيكُمْ، وقِيلَ: لَمّا كانَ الأمْرُ بِالحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ مُوهِمًا لِغَلَبَتِهِ واعْتِزازِهِ نَفى ذَلِكَ الإيهامَ بِالوَعْدِ بِالنَّصْرِ وخِذْلانِ العَدُوِّ؛ لِتَقْوى قُلُوبُ المَأْمُورَيْنِ، ويَعْلَمُوا أنَّ التَّحَرُّزَ في نَفْسِهِ عُبادَةٌ، كَما أنَّ النَّهْيَ عَنْ إلْقاءِ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ لِذَلِكَ، لا لِلْمَنعِ عَنِ الإقْدامِ عَلى الحَرْبِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ المُهِينِ شَرْعُ صَلاةِ الخَوْفِ فَيَكُونُ لِخَتْمِ الآيَةِ بِهِ مُناسَبَةٌ تامَّةٌ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ يعني بالمؤمنين، ومعناه: إذا كنت بحضرة العدو وحضرت الصلاة فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي جماعة منهم مَعَكَ في الصلاة وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ يعني الذين يصلون معك، ويقال: وليأخذوا أسلحتهم الذين هم بإزاء العدو فَإِذا سَجَدُوا يعني: إذ صلوا الذين خلف الإمام ركعة واحدة فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ أي ينصرفون إلى موضع العدو، ويقفون هناك وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا كانوا بإزاء العدو فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ركعة أخرى، ولم يذكر في الآية لكل طائفة إلا ركعة واحدة ولكن ذكر في الخبر عن عبد الله بن عمر وغيره، أن النبيّ حين صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الأخرى ركعة كما ذكر في الآية ثم جاءت الطائفة الأولى، وذهبت هذه الطائفة إلى موضع العدو، حتى قضت الطائفة الأولى الركعة الأخرى وسلموا، ثم جاءت الطائفة الأخرى، وقضوا الركعة الأولى وسلموا، حتى صارت لكل طائفة ركعتان.
وهذا اختيار أصحابنا في صلاة الخوف ثم قال تعالى: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يقول: تمنى الذين كفروا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ يعني أمتعة الحرب فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً يعني: يحملون عليكم حملة واحدة، وإنما حذرهم لكي يكونوا بالحذر منهم.
ثم قال تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ وذلك أن النبيّ كان في غزوة أنمار، فهزمهم وسبى ذريتهم، فلما رجعوا أصابهم المطر، فنزلوا وادياً تحت الأشجار، فوضع النبيّ سلاحه وذهب إلى الجانب الآخر من الوادي وحده، فجاء السيل فحال بينه وبين أصحابه.
وكان بعض المشركين على ذلك الجبل، فرآه حين حال السيل بينه وبين أصحابه، فجاءه واحد منهم يقال له حويرث بن الحارث، وقال: أنا أقتله، فأتاه وقال: يا محمد من يمنعك مني؟
فقال: «الله عزَّ وَجَلَّ» فسلَّ سيفه وأراد أن يضربه، فدفع النبي الكافر في صدره دفعة، فسقط السيف من يده.
فوثب عليه رسول الله وأخذ سيفه وقال: «مَنْ يُخَلِّصُكَ مِنِّي؟» فقال: لا أحد.
فقال له: «إِنْ أَسْلَمْتَ حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْكَ سَيْفَكَ» فقال: لا أسلم.
ولكن أعاهد الله تعالى ألا أكون لك ولا عليك أبداً، فرد عليه سيفه فقال الرجل: يا محمد أنت خير مني، لأنك قدرت على قتلي فلم تقتلني، فرجع الكافر إلى أصحابه، فأخبرهم بالقصة فآمن بعضهم ثم انقطع السيل.
وجاء النبيّ إلى أصحابه وأخبرهم بالقصة، وقرأ عليهم هذه الآية وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أي أصابتكم الجراحات أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ من العدو يعني كونوا بالحذر منهم.
وقال الضحاك: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ أي تقلدوا سيوفكم، فإنما ذلك هيبة الغزاة.
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ في الآخرة عَذاباً مُهِيناً يهانون فيه.
ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"
جمهورُ المَذْهب وعليه جوابُ «المدوَّنة» بالإعادة في الوَقْت لِمَنْ أتَمَّ في سفرِه.
وقال ابنُ سُحْنُون وغيره: القَصْرُ فَرْضٌ.
وقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ...
الآية، وفي حديثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّة، قال: قُلْتُ لعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: إنَّ اللَّه تعالى يقُولُ: إِنْ خِفْتُمْ وقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فقالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عجبت منه، فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فاقبلوا صَدَقَتَهُ» «١» .
ويَفْتِنَكُمْ: معناه يمتحنَكُمْ بالحَمْلِ عليكم، وإشغال نفوسكم، وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَمَّا صلَّى الظُّهْر بأصحابه، قال المُشْرِكُونَ: قد أَمْكَنَكُمْ محمَّد وأصحابه مِنْ ظُهورِهِمْ، هَلاَّ شَددتُّمْ عَلَيْهم، فقال قائلٌ منهم: أنَّ لَهُمْ أخرى فِي أَثَرِهَا، فأنزل اللَّهُ تعالى بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ:
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا/ إلى آخر صلاة الخوف.
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢)
وقوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ...
الآية: قال جمهورُ الأُمَّة:
الآية خطَابٌ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة، وكذلك جمهورُ العلماء على أنَّ صلاة الخَوْف تصلى في الحَضَر، إذا نزَلَ الخَوْف، قال الطبريُّ «٢» : فَأَقَمْتَ لَهُمُ: معناه: حُدُودَهَا وهَيئَتَهَا.
وقوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ: أمر بالانقسام، أي: وسائرهم وِجَاه العَدُوِّ، ومعظم الرواياتِ والأحاديثِ على أنَّ صلاةَ الخَوْف إنما نزلَتِ الرخْصَةُ فيها في غَزْوة ذاتِ الرِّقَاعِ، واختلف من المأمورُ بأخْذ الأسلحَةِ هنا؟
فقيل: الطائفة المصلِّية، وقيل:
بل الحارسة.
قال ع «١» : ولفظ الآية يتناوَلُ الكلَّ، ولكن سِلاَحُ المصلِّين ما خَفَّ، قُلْتُ:
ومن المعلوم أنه إذا كانَتِ الطائفةُ المصلِّيةُ هي المأمورَةَ بِأخْذِ السِّلاحِ، فالحارسَةُ من باب أحرى.
واختلفت الآثار في هيئة صلاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه صلاةَ الخَوْف وبِحَسَبِ ذلك، اختلف الفقَهَاء، فروى يزيدُ بْنُ رُومَانَ «٢» ، عن صالح «٣» بنِ خَوَّاتٍ، عن سهلِ بْنِ أبي «٤» حَثْمَةَ أنَّهُ صلّى مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صَلاَةَ الخَوْفِ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعَ، فَصُفَّتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وجَاهَ العَدُوِّ، وجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأخرى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلاَتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِساً، وأتَمُّوا لأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ «٥» ، وروى القاسمُ بْنُ محمَّدٍ، عن صالحِ بن
خَوَّاتٍ، عن سَهْلٍ هذا الحديثَ بعينه، إلا أنّه روي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حِينَ صَلَّى بالطائفةِ الأخيرةِ ركْعَةً، سلَّم، ثم قضَتْ بعد سَلاَمِهِ، وبحديثِ «١» القاسمِ بنِ محمَّد، أخَذَ مالكٌ، وإليه رجَعَ بَعْدَ أنْ كان أولاً يميلُ إلى روايةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وروى عبْدُ الرزَّاق عن مجاهدٍ، قال: لَمْ يصلّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلاَةَ الخَوْفِ إلاَّ مرَّتَيْنِ: مرَّةً بذاتِ الرِّقَاعِ مِنْ أرض بني سُلَيْمٍ، ومرةً بعُسْفَانَ، والمشركُونَ بِضُجْنَانَ بينهم وبَيْنَ القِبْلَةِ «٢» .
قال ع «٣» : وظاهرُ اختلاف الرّوايات عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقتضي أنَّه صلى صلاةَ الخَوْف في غير هَذيْن الموطِنَيْنِ، وقد ذكر ابنُ عبَّاس أنه كَانَ في غَزْوة ذِي قَرَدٍ صلاةَ خَوْفٍ «٤» .
وقوله تعالى: فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ...
الآية: المعنى: فإذا سَجَدوا مَعكَ الركعةَ الأولى، فلْيَنْصَرِفُوا هذا على بعض الهيئات المرويَّة، وقيل: المعنى: فإذا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأوُا النَّبِيَّ ، وأصْحابَهُ قَدْ صَلُّوُا الظُّهْرَ، نَدِمُوا إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: دَعُوهم فَإنَّ لَهم صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آَبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، يَعْنُونَ العَصْرَ، فَإذا قامُوا فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا قامُوا إلى صَلاةِ العَصْرِ، نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآَيَةِ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا تَجُوزُ صَلاةُ الخَوْفِ بَعْدَ النَّبِيِّ ، والهاءُ والمِيمُ مِن "فِيهِمْ" تَعُودُ عَلى الضّارِبِينَ في الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ أيِ: ابْتَدَأْتُها، ﴿ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ﴾ أيْ: لِتَقِفَ.
ومِثْلُهُ ﴿ وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ﴾ .
﴿ وَلْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الباقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُصَلُّونَ مَعَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قالَ: وهَذا السِّلاحُ كالسَّيْفِ، يَتَقَلَّدُهُ الإنْسانُ، والخِنْجَرُ يَشُدُّهُ إلى ذِراعِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا سَجَدُوا ﴾ يَعْنِي: المُصَلِّينَ مَعَهُ (فَلْيَكُونُوا) في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم طائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، أمَرَتْ أنْ تَحْرُسَ الطّائِفَةَ المُصَلِّيَةَ، وَهَذا مَعْنى قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُصَلُّونَ مَعَهُ أمَرُوا إذا سَجَدُوا أنْ يَنْصَرِفُوا إلى الحَرَسِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ كَيْفَ يَنْصَرِفُونَ بَعْدَ السُّجُودِ، فَقالَ قَوْمٌ: إذا أتَمُّوا مَعَ الإمامِ رَكْعَةً أتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا، وانْصَرَفُوا، وقَدْ تَمَّتْ صَلاتُهم.
وَقالَ آَخَرُونَ: يَنْصَرِفُونَ عَنْ رَكْعَةٍ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إذا صَلَّوْا مَعَ الإمامِ رَكْعَةً وسَلَّمُوا، فَهي تُجْزِئُهم.
وقالَ آَخَرُونَ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ: بَلْ يَنْصَرِفُونَ عَنْ تِلْكَ الرَّكْعَةِ إلى الحَرَسِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ، فَيَكُونُونَ في وجْهِ العَدُوِّ مَكانَ الطّائِفَةِ الأُخْرى الَّتِي لَمْ تُصَلِّ وتَأْتِي تِلْكَ الطّائِفَةُ.
واخْتَلَفُوا في الطّائِفَةِ الأُخْرى، فَقالَ قَوْمٌ: إذا صَلّى بِهِمُ الإمامُ أطالَ التَّشَهُّدَ حَتّى يَقْضُوا الرَّكْعَةَ الفائِتَةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِها، وقالَ آَخَرُونَ: بَلْ يُسَلِّمُ هو عِنْدَ فَراغِهِ مِنَ الصَّلاةِ بِهِمْ، فَإذا سَلَّمَ قَضَوْا ما فاتَهم.
وقالَ آَخَرُونَ: بَلْ يُصَلِّي بِالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ رَكْعَةً، ويُسَلِّمُ هو، ولا تُسَلِّمُ هي، بَلْ تَرْجِعُ إلى وجْهِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَجِيءُ الأُولى، فَتَقْضِي ما بَقِيَ مِن صَلاتِها وتُسَلِّمُ، وتَمْضِي وتَجِيءُ الأُخْرى، فَتُتِمُّ صَلاتُها، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الَّذِينَ صَلَّوْا أوَّلًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الَّذِينَ وِجاهَ العَدُوِّ، لِأنَّ المُصَلِّيَ غَيْرُ مُقاتِلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَماعَةُ أمَرُوا بِحَمْلِ السِّلاحِ، لِأنَّهُ أرْهِبُ لِلْعَدُوِّ، وأحْرى أنْ لا يُقْدِمُوا عَلَيْهِمْ.
و "الجُناحُ" الإثْمُ، وهو مِن: جَنَحْتُ: إذا عَدَلْتُ عَنِ المَكانِ، وأخَذَتُ جانِبًا عَنِ القَصْدِ.
والمَعْنى: أنَّكم إذا وضَعْتُمْ أسْلِحَتَكم، لَمْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رُخِّصَ لَهم في وضْعِ الأسْلِحَةِ لِثِقَلِها عَلى المَرِيضِ وفي المَطَرِ، وقالَ: خُذُوا حِذْرَكم كَيْ لا يَتَغَفَّلُوكم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ ﴿ وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ ﴾ ﴿ "ضَرَبْتُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: سافَرْتُمْ؛ فَأهْلُ الظاهِرِ يَرَوْنَ القَصْرَ في كُلِّ سَفَرٍ يَخْرُجُ عَنِ الحاضِرَةِ؛ وهي مِن حَيْثُ تُؤْتى الجُمُعَةُ؛ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ المَسافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيها الصَلاةُ؛ فَقالَ مالِكٌ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؛ وابْنُ راهَوَيْهِ: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في أرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ وذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا"؛ وحُجَّتُهم أحادِيثُ رُوِيَتْ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقالَ الحَسَنُ؛ والزُهْرِيُّ: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ"؛ ولَمْ يَذْكُرا أمْيالًا؛ ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن مالِكٍ ؛ ورُوِيَ عنهُ أيْضًا: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ"؛ وهَذِهِ الأقْوال الثَلاثَةُ تَتَقارَبُ في المَعْنى؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ عُمَرَ أنَّ الصَلاةَ تُقْصَرُ في مَسِيرَةِ اليَوْمِ التامِّ؛ وقَصَرَ ابْنُ عُمَرَ في ثَلاثِينَ مِيلًا؛ وعن مالِكٍ ؛ في "اَلْعُتْبِيَّةُ"؛ فِيمَن خَرَجَ إلى ضَيْعَتِهِ عَلى مَسِيرَةِ خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ مِيلًا؛ قالَ: "يَقْصُرُ"؛ وعَنِ ابْنِ القاسِمِ ؛ في "اَلْعُتْبِيَّةُ": "إنْ قَصَرَ في سِتَّةٍ وثَلاثِينَ فَلا إعادَةَ عَلَيْهِ"؛ وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: "يُعِيدُ أبَدًا"؛ وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: "فِي الوَقْتِ"؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وسُفْيانُ ؛ والثَوْرِيُّ ؛ وأبُو حَنِيفَةَ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: "مَن سافَرَ مَسِيرَةَ ثَلاثٍ قَصَرَ"؛ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: "ثَلاثَةِ أيّامٍ ولَيالِيها؛ سَيْرَ الإبِلِ؛ ومَشْيَ الأقْدامِ"؛ ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَصَرَ في خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا؛ قالَ الأوزاعِيُّ: "عامَّةُ العُلَماءِ في القَصْرِ في مَسِيرَةِ اليَوْمِ التامِّ؛ وبِهِ نَأْخُذُ".
واخْتَلَفَ الناسُ في نَوْعِ السَفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَلاةُ؛ فَأجْمَعُ الناسَ عَلى الجِهادِ؛ والحَجِّ؛ والعُمْرَةِ؛ وما ضارَعَها مِن صِلَةِ الرَحِمِ؛ وإحْياءِ نَفْسٍ؛ واخْتَلَفَ الناسُ فِيما سِوى ذَلِكَ؛ فالجُمْهُورُ عَلى جَوازِ القَصْرِ في السَفَرِ المُباحِ؛ كالتِجارَةِ؛ ونَحْوِها؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: "لا تُقْصَرُ الصَلاةُ إلّا في حَجٍّ؛ أو جِهادٍ"؛ وقالَ عَطاءٌ: "لا تُقْصَرُ الصَلاةُ إلّا في سَفَرِ طاعَةٍ؛ وسَبِيلٍ مِن سُبُلِ الخَيْرِ"؛ وقَدْ رُوِيَ عن عَطاءٍ أنَّها تُقْصَرُ في كُلِّ المُباحِ؛ والجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا قَصْرَ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ؛ كالباغِي؛ وقاطِعِ الطَرِيقِ؛ وما في مَعْناهُما؛ ورُوِيَ عَنِ الأوزاعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ إباحَةُ القَصْرِ في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُسافِرَ لا يَقْصُرُ حَتّى يَخْرُجَ مِن بُيُوتِ القَرْيَةِ؛ وحِينَئِذٍ هو ضارِبٌ في الأرْضِ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ وابْنِ حَبِيبٍ وجَماعَةِ المَذْهَبِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ في "اَلْمُدَوَّنَةُ": "وَلَمْ يَحُدَّ لَنا مالِكٌ في القُرْبِ حَدًّا"؛ ورُوِيَ عن مالِكٍ: "إذا كانَتْ قَرْيَةٌ يَجْمَعُ أهْلُها فَلا يَقْصُرْ حَتّى يُجاوِزَها بِثَلاثَةِ أمْيالٍ؛ وإلى ذَلِكَ في الرُجُوعِ؛ وإنْ كانَتْ لا يَجْمَعُ أهْلُها قَصَرَ إذا جاوَزَ بَساتِينَها؛ ورُوِيَ عَنِ الحارِثِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أنَّهُ أرادَ سَفَرًا؛ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ في مَنزِلِهِ؛ وفِيهِمُ الأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ؛ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى؛ ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: "لا يَقْصُرُ المُسافِرُ يَوْمَهُ الأوَّلَ حَتّى اللَيْلِ"؛ وهو شاذٌّ؛ وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ النَبِيَّ - - صَلّى الظَهْرَ بِالمَدِينَةِ أرْبَعًا؛ والعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ؛ ولَيْسَ بَيْنَهُما ثُلُثَ يَوْمٍ.» ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا ﴾ ؛ أنَّ القَصْرَ مُباحٌ؛ أو مُخَيَّرٌ فِيهِ؛ وقَدْ رَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّ المُسافِرَ مُخَيَّرٌ؛ وقالَهُ الأبْهَرِيُّ؛ وعَلَيْهِ حُذّاقُ المَذْهَبِ؛ وقالَ مالِكٌ في "اَلْمَبْسُوطُ": "اَلْقَصْرُ سُنَّةٌ"؛ وهَذا هو جُمْهُورُ المَذْهَبِ؛ وعَلَيْهِ جَوابُ "اَلْمُدَوَّنَةُ" بِالإعادَةِ في الوَقْتِ لِمَن أتَمَّ في سَفَرِهِ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونَ؛ وإسْماعِيلُ القاضِي: "اَلْقَصْرُ فَرَضٌ"؛ وبِهِ قالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "مَن صَلّى في السَفَرِ أرْبَعًا؛ فَهو كَمَن صَلّى في الحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ"؛ وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ «عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: "صَلاةُ السَفَرِ رَكْعَتانِ؛ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ؛ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى"؛» ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: « "فُرِضَتِ الصَلاةُ رَكْعَتَيْنِ في الحَضَرِ والسَفَرِ؛ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَفَرِ؛ وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ".» واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَقْصُرُوا ﴾ ؛ فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ القَصْرُ إلى اثْنَتَيْنِ مِن أرْبَعٍ؛ رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: «سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُجّارِ رَسُولَ اللهِ - -؛ فَقالُوا: إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ؛ فَكَيْفَ نُصَلِّي؟
فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ ﴾ ؛ ثُمَّ انْقَطَعَ الكَلامُ؛ فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَصَلّى الظُهْرَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ؛ فَهَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ؟
فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: إنْ لَهم أُخْرى في أثَرِها؛ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى بَيْنَ الصَلاتَيْنِ: ﴿ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ؛ إلى آخِرِ صَلاةِ الخَوْفِ.» وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في سَرْدِ هَذِهِ المَقالَةِ حَدِيثَ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: «قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنْ خِفْتُمْ ﴾ ؛ وقَدْ أمِنَ الناسُ؛ فَقالَ: "عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ؛ فَسَألْتُ رَسُولَ اللهِ - - عن ذَلِكَ؛ فَقالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِها عَلَيْكُمْ؛ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"؛» قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَإذا كُنْتَ ﴾ ؛ تُؤْذِنُ بِانْقِطاعِ ما بَعْدَها مِمّا قَبْلَها؛ فَلَيْسَ يَتَرَتَّبُ مِن لَفْظِ الآيَةِ إلّا أنَّ القَصْرَ مَشْرُوطٌ بِالخَوْفِ؛ وفي قِراءَةِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا"؛ بِسُقُوطِ "إنْ خِفْتُمْ"؛ وثَبَتَتْ في مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وذَهَبَتْ جَماعَةٌ أُخْرى إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما هي مُبِيحَةٌ القَصْرَ في السَفَرِ لِلْخائِفِ مِنَ العَدُوِّ؛ فَمَن كانَ آمِنًا فَلا قَصْرَ لَهُ؛ ورُوِيَ عن عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - أنَّها كانَتْ تَقُولُ في السَفَرِ: "أتِمُّوا صَلاتَكُمْ"؛ فَقالُوا: إنَّ رَسُولَ اللهِ - - كانَ يَقْصُرُ؛ فَقالَتْ: "إنَّهُ كانَ في حَرْبٍ؛ وكانَ يَخافُ؛ وهَلْ أنْتُمْ تَخافُونَ؟"؛ وقالَ عَطاءٌ: "كانَ يُتِمُّ الصَلاةَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ - - عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ ؛ وأتَمَّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ؛ ولَكِنْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَلٍ غَيْرِ هَذِهِ؛ وكَذَلِكَ عَلَّلَ إتْمامَ عائِشَةَ أيْضًا بِغَيْرِ هَذا".
وَقالَ آخَرُونَ: "اَلْقَصْرُ المُباحُ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو قَصْرُ الرَكْعَتَيْنِ إلى رَكْعَةٍ؛ والرَكْعَتانِ في السَفَرِ إنَّما هي تَمامٌ؛ وقَصْرُها أنْ تَصِيرَ رَكْعَةً؛ قالَ السُدِّيُّ: "إذا صَلَّيْتَ في السَفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَهو تَمامٌ؛ والقَصْرُ لا يَحِلُّ إلّا أنْ يَخافَ؛ فَهَذِهِ الآيَةُ مُبِيحَةٌ أنْ تُصَلِّيَ كُلُّ طائِفَةٍ رَكْعَةً لا تَزِيدُ عَلَيْها شَيْئًا؛ ويَكُونَ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: "رَكْعَتانِ في السَفَرِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ؛ إنَّما القَصْرُ في صَلاةِ المَخافَةِ؛ يُصَلِّي الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يَجِيءُ هَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ؛ وهَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ؛ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً؛ فَتَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ؛ ولَهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ"؛ وقالَ نَحْوَ هَذا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ وكَعْبٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ - -؛ وفَعَلَهُ حُذَيْفَةُ بِطَبَرِسْتانَ؛ وقَدْ سَألَهُ الأمِيرُ سَعِيدُ بْنُ العاصِي ذَلِكَ؛ ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - «أنَّ النَبِيَّ - - صَلّى كَذَلِكَ في غَزْوَةِ ذِي قُرَدٍ رَكْعَةً بِكُلِّ طائِفَةٍ؛ ولَمْ يَقْضُوا؛» وقالَ مُجاهِدٌ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "فَرَضَ اللهُ الصَلاةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم في الحَضَرِ أرْبَعًا؛ وفي السَفَرِ رَكْعَتَيْنِ؛ وفي الخَوْفِ رَكْعَةً"؛» ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «أنَّ النَبِيَّ - - صَلّى كَذَلِكَ بِأصْحابِهِ يَوْمَ حارَبَ خَصَفَةَ؛ وبَنِي ثَعْلَبَةَ؛» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ النَبِيَّ - - صَلّى كَذَلِكَ بَيْنَ ضَجْنانَ وعُسْفانَ.» وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ مُبِيحَةٌ القَصْرَ مِن حُدُودِ الصَلاةِ وهَيْئَتِها عِنْدَ المُسايَفَةِ؛ واشْتِعال الحَرْبِ؛ فَأُبِيحَ لِمَن هَذِهِ حالُهُ أنْ يُصَلِّيَ إيماءً بِرَأْسِهِ؛ ويُصَلِّيَ رَكْعَةً واحِدَةً حَيْثُ تَوَجَّهَ؛ إلى تَكْبِيرَتَيْنِ؛ إلى تَكْبِيرَةٍ؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أقْوالِ العُلَماءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أو رُكْبانًا ﴾ ؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وقالَ: إنَّهُ يُعادِلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَلاةَ ﴾ ؛ أيْ: بِحُدُودِها؛ وهَيْئَتِها الكامِلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَقْصُرُوا"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الصادِ؛ ورَوى الضَبِّيُّ عن أصْحابِهِ: "تَقْصِرُوا"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وسُكُونِ القافِ؛ وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "تُقَصِّرُوا"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الصادِ وشَدِّها.
و"يَفْتِنَكُمُ"؛ مَعْناهُ: "يَمْتَحِنَكم بِالحَمْلِ عَلَيْكُمْ؛ وإشْغالِ نُفُوسِكم في صَلاتِكُمْ"؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ صاحِبِ الحائِطِ: "لَقَدْ أصابَتْنِي في مالِي هَذا فِتْنَةٌ"؛ وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ بِالشَدائِدِ؛ وإلى هَذا المَعْنى تَرْجِعُ كَيْفَ تَصَرَّفَتْ.
و"عَدُوٌّ": وصْفٌ يَجْرِي عَلى الواحِدِ؛ والجَماعَةِ؛ و"مُبِينٌ": "مُفْعِلٌ"؛ مِن "أبانَ"؛ اَلْمَعْنى: "قَدْ جَلِحُوا في عَداوَتِكُمْ؛ ورامُوكم كُلَّ مَرامٍ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: اَلْآيَةُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وهو يَتَناوَلُ الأُمَراءَ بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ؛ وإسْماعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ: "اَلْآيَةُ خُصُوصٌ لِلنَّبِيِّ - -؛ لِأنَّ الصَلاةَ بِإمامَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لا عِوَضَ مِنها؛ وغَيْرَهُ مِنَ الأُمَراءِ مِنهُ العِوَضُ؛ فَيُصَلِّي الناسُ بِإمامَيْنِ؛ طائِفَةً بَعْدَ طائِفَةٍ؛ ولا يُحْتاجُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَكَذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ تُصَلّى في الحَضَرِ؛ إذا نَزَلَ الخَوْفُ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "لا صَلاةُ خَوْفٍ في حَضَرٍ"؛ وقالَهُ في المَذْهَبِ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: ﴿ فَأقَمْتَ لَهُمُ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "حُدُودَها وهَيْئَتَها؛ ولَمْ تَقْصُرْ؛ عَلى ما أُبِيحَ قَبْلُ في حالِ المُسايَفَةِ".
وقَوْلُهُ ﴿ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ﴾ ؛ أمْرٌ بِالِانْقِسامِ؛ أيْ: "وَسائِرُهم وِجاهَ العَدُوِّ؛ حَذَرًا؛ وتَوَقُّعَ حَمْلَتِهِ.
وَأعْظَمُ الرِواياتِ والأحادِيثِ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ إنَّما نَزَلَتِ الرُخْصَةُ فِيها في غَزْوَةِ ذاتِ الرِقاعِ؛ وهي غَزْوَةُ مُحارِبٍ وخَصَفَةَ؛ وفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّها نَزَلَتْ في ناحِيَةِ عُسْفانَ وضَجْنانَ؛ والعَدُوُّ خَيْلُ قُرَيْشٍ؛ عَلَيْها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ ؛ واخْتُلِفَ: مَنِ المَأْمُورِ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ هُنا؟
فَقِيلَ: "اَلطّائِفَةُ المُصَلِّيَةُ"؛ وقِيلَ: "بَلِ الحارِسَةُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَفْظُ الآيَةِ يَتَناوَلُ الكُلَّ؛ ولَكِنَّ سِلاحَ المُصَلِّينَ ما خَفَّ؛ واخْتَلَفَتِ الآثارُ في هَيْئَةِ صَلاةِ النَبِيِّ - - بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ؛ وبِحَسَبِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ؛ فَرَوى يَزِيدُ بْنُ رُومانَ؛ عن صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ؛ «عن سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ أنَّهُ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللهِ - - صَلاةَ الخَوْفِ يَوْمَ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ فَصَفَّتْ طائِفَةٌ مَعَهُ؛ وطائِفَةٌ وِجاهَ العَدُوِّ؛ فَصَلّى بِالَّذِينِ مَعَهُ رَكْعَةً؛ ثُمَّ ثَبَتَ قائِمًا؛ وأتَمُّوا؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجاهَ العَدُوِّ؛ وجاءَتِ الطائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمُ الرَكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِن صَلاتِهِ؛ ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا؛ وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ؛ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ؛» ورَوى القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ؛ عن سَهْلٍ هَذا الحَدِيثَ بِعَيْنِهِ؛ إلّا أنَّهُ رَوى «أنَّ النَبِيَّ - - حِينَ صَلّى بِالطائِفَةِ الأخِيرَةِ رَكْعَةً سَلَّمَ؛ ثُمَّ قَضَتْ هي بَعْدَ سَلامِهِ؛» وبِهَذا الحَدِيثِ أخَذَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - في صَلاةِ الخَوْفِ؛ كانَ أوَّلًا يَمِيلُ إلى رِوايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى رِوايَةِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي بَكْرٍ.
ورَوى مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَيّاشٍ الزُرَّقِيِّ؛ واسْمُهُ زَيْدُ بْنُ الصامِتِ -عَلى خِلافٍ فِيهِ - «أنَّ النَبِيَّ - - صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ بِعُسْفانَ؛ والعَدُوُّ في قِبْلَتِهِ؛ قالَ: فَصَلّى بِنا النَبِيُّ - - الظُهْرَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ أصَبْنا غِرَّتَهُمْ؛ فَقالُوا: تَأْتِي الآنَ عَلَيْهِمْ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ؛ وأنْفُسِهِمْ؛ قالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بَيْنَ الظُهْرِ والعَصْرِ بِهَذِهِ الآياتِ؛ وأخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ؛ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ - - فَصَفَّ العَسْكَرَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ؛ ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَكَعَ؛ فَرَكَعْنا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعْنا جَمِيعًا؛ ثُمَّ سَجَدَ النَبِيُّ - - بِالصَفِّ الَّذِي يَلِيهِ؛ والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ؛ فَلَمّا سَجَدُوا وقامُوا سَجَدَ الآخَرُونَ في مَكانِهِمْ؛ ثُمَّ تَقَدَّمُوا إلى مَصافِّ المُتَقَدِّمِينَ؛ وتَأخَّرَ المُتَقَدِّمُونَ إلى مَصافِّ المُتَأخِّرِينَ؛ ثُمَّ رَكَعَ؛ فَرَكَعُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ سَجَدَ النَبِيُّ - -؛ فَسَجَدَ الصَفُّ الَّذِي يَلِيهِ؛ فَلَمّا رَفَعَ سَجَدَ الآخَرُونَ؛ ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا؛» قالَ عَبْدُ الرَزّاقِ بْنُ هَمّامٍ في مُصَنَّفِهِ؛ ورَوى الثَوْرِيُّ عن هِشامٍ مِثْلَ هَذا؛ إلّا أنَّهُ قالَ: يَنْكِصُ الصَفُّ المُتَقَدِّمُ القَهْقَرى حِينَ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهم مِنَ السُجُودِ؛ ويَتَقَدَّمُ الآخَرُونَ فَيَسْجُدُونَ في مَصافِّ الأوَّلِينَ؛ قالَ عَبْدُ الرَزّاقِ ؛ عن مَعْمَرٍ ؛ عن خَلّادِ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ عن مُجاهِدٍ قالَ: «لَمْ يُصَلِّ النَبِيُّ - - صَلاةَ الخَوْفِ إلّا مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً بِذاتِ الرِقاعِ مِن أرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ؛ ومَرَّةً بِعُسْفانَ؛ والمُشْرِكُونَ بِضَجْنانَ؛ بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْلَةِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وظاهِرُ اخْتِلافِ الرِواياتِ عَنِ النَبِيِّ - - يَقْتَضِي «أنَّهُ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ في غَيْرِ هَذَيْنِ المَوْطِنَيْنِ؛» وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في غَزْوَةِ ذِي قُرُدٍ صَلاةَ خَوْفٍ.
ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «أنَّ النَبِيَّ - - صَلّى بِإحْدى الطائِفَتَيْنِ رَكْعَةً؛ والطائِفَةُ الأُخْرى مُواجِهَةٌ العَدُوَّ؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ.
وَجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمُ النَبِيُّ - - رَكْعَةً؛ ثُمَّ سَلَّمَ؛ ثُمَّ قَضى هَؤُلاءِ رَكْعَةً؛ وهَؤُلاءِ رَكْعَةً؛ في حِينٍ واحِدٍ؛ وبِهَذِهِ الصِفَةِ في صَلاةِ الخَوْفِ أخَذَ أشْهَبُ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ ومَشى عَلى الأصْلِ في ألّا يَقْضِيَ أحَدٌ قَبْلَ زَوالِ حُكْمِ الإمامِ؛ فَكَذَلِكَ لا يَبْنِي؛» ذَكَرَ هَذا عن أشْهَبَ جَماعَةٌ؛ مِنهُمُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ؛ وابْنُ يُونُسَ؛ وغَيْرُهُما؛ وحَكى اللَخْمِيُّ عنهُ أنَّ مَذْهَبَهُ أنْ يُصَلِّيَ الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يَنْصَرِفُوا تِجاهَ العَدُوِّ؛ وتَأْتِيَ الأُخْرى؛ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يُسَلِّمَ؛ وتَقُومَ الَّتِي مَعَهُ تَقْضِيَ؛ فَإذا فَرَغُوا مِنهُ صارُوا تِجاهَ العَدُوِّ؛ وقَضَتِ الأُخْرى؛ وهَذِهِ سُنَّةٌ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ ورَجَّحَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ القَوْلَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ ورُوِيَ أنَّ سَهْلَ بْنَ أبِي حَثْمَةَ قَدْ رُوِيَ عنهُ مِثْلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَواءً؛ ورَوى حُذَيْفَةُ ؛ حِينَ حَكى صَلاةَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في الخَوْفِ؛ «أنَّهُ صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ولَمْ يَقْضِ أحَدٌ مِنَ الطائِفَتَيْنِ شَيْئًا زائِدًا عَلى رَكْعَةٍ؛» وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ؛ وغَيْرُهُ؛ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ النَبِيَّ - - صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ؛ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللهِ - - بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ؛ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللهِ - - أرْبَعٌ؛ ولِكُلِّ رَجُلٍ رَكْعَتانِ؛» وبِهَذِهِ كانَ يُفْتِي الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وهو قَوْلٌ يُجِيزُهُ كُلُّ مَن أجازَ اخْتِلافَ نِيَّةِ الإمامِ والمَأْمُومِ في الصَلاةِ.
وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: إذا كانَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ افْتَتَحَ الإمامُ الصَلاةَ ومَعَهُ طائِفَةٌ؛ وطائِفَةٌ بِإزاءِ العَدُوِّ؛ فَيُصَلِّي بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ؛ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَأْتِي الأُخْرى فَيَدْخُلُونَ مَعَ الإمامِ؛ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يُسَلِّمُ وحْدَهُ؛ ثُمَّ يَقُومُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَأْتِي الطائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ الإمامِ رَكْعَتَيْنِ إلى مَقامِهِمُ الأوَّلِ في الصَلاةِ؛ فَيَقْضُونَ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ وِحْدانًا؛ ويُسَلِّمُونَ؛ ثُمَّ يَجِيئُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَنْصَرِفُ الطائِفَةُ الأُخْرى إلى مَقامِ الصَلاةِ؛ فَيَقْضُونَ رَكْعَتَيْنِ بِقِراءَةٍ وِحْدانًا؛ ويُسَلِّمُونَ؛ وكَمُلَتْ صَلاتُهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا طَرْدُ قَوْلِ أصْحابِ الرَأْيِ في سائِرِ الصَلَواتِ".
«وَسَألَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ أبا هُرَيْرَةَ: "هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - - صَلاةَ الخَوْفِ؟
قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ؛ قالَ مَرْوانُ: مَتى؟
قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: عامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ؛ قامَ رَسُولُ اللهِ - - إلى صَلاةِ العَصْرِ؛ فَقامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ؛ وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ وَظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ؛ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ - -؛ وكَبَّرُوا جَمِيعًا؛ الَّذِينَ مَعَهُ والَّذِينَ بِإزاءِ العَدُوِّ؛ ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللهِ - -؛ ورَكَعَ مَعَهُ الَّذِينَ مَعَهُ؛ وسَجَدُوا كَذَلِكَ؛ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ - - فَصارَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ مَعَهُ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وأقْبَلَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا؛ ورَسُولُ اللهِ - - قائِمٌ كَما هُوَ؛ ثُمَّ قامُوا؛ فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ - - رَكْعَةً أُخْرى؛ ورَكَعُوا مَعَهُ؛ وسَجَدَ؛ فَسَجَدُوا مَعَهُ؛ ثُمَّ أقْبَلَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا؛ ورَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قاعِدٌ؛ ثُمَّ كانَ السَلامُ؛ فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمُوا جَمِيعًا.» وأسْنَدَ أبُو داوُدَ في مُصَنَّفِهِ عن عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - صِفَةً في صَلاةِ النَبِيِّ - - صَلاةَ الخَوْفِ؛ تَقْرُبُ مِمّا رُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ ؛ وتُخالِفُها في أشْياءَ؛ إلّا أنَّها صِفَةٌ في ألْفاظِها تَداعٍ؛ وتَناقُضٌ؛ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها.
ومَجْمُوعُ ما ذَكَرْنا في صَلاةِ الخَوْفِ؛ مِن لَدُنْ قَوْلِ أبِي يُوسُفَ؛ وابْنِ عُلَيَّةَ؛ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا مَعَ صَلاةِ الخَوْفِ؛ لِكَوْنِها خاصَّةً لِلنَّبِيِّ - -؛ وعَشْرُ صِفاتٍ؛ عَلى القَوْلِ الشَهِيرِ بِأنَّها باقِيَةٌ لِلْأُمَراءِ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عن أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أو كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتِكم وخُذُوا حِذْرَكم إنْ اللهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ .
اَلضَّمِيرُ فِي: ﴿ "سَجَدُوا"؛ ﴾ لِلطّائِفَةِ المُصَلِّيَةِ؛ والمَعْنى: "فَإذا سَجَدُوا مَعَكَ الرَكْعَةَ الأُولى فَلْيَنْصَرِفُوا"؛ هَذا عَلى بَعْضِ الهَيْئاتِ المَرْوِيَّةِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "فَإذا سَجَدُوا رَكْعَةَ القَضاءِ"؛ وهَذا عَلى هَيْئَةِ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "فَلْيَكُونُوا"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينِ سَجَدُوا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفَةِ القائِمَةِ أوَّلًا بِإزاءِ العَدُوِّ؛ ويَجِيءُ الكَلامُ وُصاةً في حالِ الحَذِرِ والحَرْبِ.
وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَلِتَقُمْ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ"؛ بِالتاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَلْيَأْتِ"؛ بِالياءِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ عن مُعْتَقَدِ القَوْمِ؛ وتَحْذِيرٌ مِنَ الغَفْلَةِ؛ لِئَلّا يَنالُ العَدُوُّ أمَلَهُ.
و"أسْلِحَةٌ": جَمْعُ "سِلاحٌ"؛ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَيْلَةً واحِدَةً ﴾ ؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: "مُسْتَأْصِلَةً؛ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى ثانِيَةٍ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَرْخِيصٌ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ؛ كانَ مَرِيضًا؛ فَوَضَعَ سِلاحَهُ؛ فَعَنَّفَهُ بَعْضُ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "كَأنَّهم تَلَقَّوُا الأمْرَ بِأخْذِ السِلاحِ عَلى الوُجُوبِ؛ فَرَخَّصَ اللهُ تَعالى في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ؛ ويَنْقاسُ عَلَيْهِما كُلُّ عُذْرٍ يَحْدُثُ في ذَلِكَ الوَقْتِ".
ثُمَّ قَوّى اللهُ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
انتقال إلى تشريع آخر بمناسبة ذكر السفر للخروج من سلطة الكفر، على عادة القرآن في تفنين أغراضه، والتماس مناسباتها.
والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها.
والضرب في الأرض: السفر.
(وإذا) مضمّنة معنى الشرط كما هو غالب استعمالها، فلذلك دخلت الفاء على الفعل الذي هو كجواب الشرط.
(وإذا) منصوبة بفعل الجواب.
وقصر الصلاة: النقص منها، وقد عُلم أنّ أجزاء الصلاة هي الركعات بسجداتها وقراءاتها، فلا جرم أن يعلم أنّ القصر من الصلاة هو نقص الركعات، وقد بيّنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ صيّر الصلاة ذات الأربع الركعات ذات ركعتين.
وأجملت الآية فلم تعيّن الصلوات التي يعتريها القصر، فبيّنته السنّة بأنّها الظهر والعصر والعشاء.
ولم تقصر الصبح لأنّها تصير ركعة واحدة فتكون غير صلاة، ولم تقصر المغرب لئلاّ تصير شفعاً فإنّها وتر النهار، ولئلاّ تصير ركعة واحدة كما قلنا في الصبح.
وهذه الآية أشارت إلى قصر الصلاة الرباعية في السفر، ويظهر من أسلوبها أنّها نزلت في ذلك، وقد قيل: إنّ قصر الصلاة في السفر شُرع في سنة أربع من الهجرة وهو الأصحّ، وقيل: في ربيع الآخر من سنة اثنتين، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوماً.
وقد روى أهل الصحيح قول عائشة رضي الله عنها: فُرِضت الصلاة ركعتين فأقِرّت صلاة السفر وزيدت صلاة الحضر، وهو حديث بيّن واضح.
ومحمل الآية على مقتضاه: أنّ الله تعالى لمّا فرض الصلاة ركعتين فتقرّرت كذلك فلمّا صارت الظهر والعصر والعشاء أربعاً نسخ ما كان من عددها، وكان ذلك في مبدأ الهجرة، وإذ قد كان أمر الناس مقاماً على حالة الحضر وهي الغالب عليهم، بطل إيقاع الصلوات المذكورات ركعتين، فلمّا غزوا خفف الله عنهم فأذنهم أن يصلّوا تلك الصلوات ركعتين ركعتين، فلذلك قال تعالى: ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ وقال: ﴿ أن تقصروا من الصلاة ﴾ وإنّما قالت عائشة «أقرت صلاة السفر» حيث لم تتغيّر عن الحالة الأولى، وهذا يدلّ على أنّهم لم يصلّوها تامّة في السفر بعد الهجرة، فلا تعارض بين قولها وبين الآية.
وقوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ شرط دلّ على تخصيص الإذن بالقصر بحَال الخوف من تمكّن المشركين منهم وإبطالِهم عليهم صلاتهم، وأنّ الله أذن في القصر لتقع الصلاة عن اطمئنان، فالآية هذه خاصّة بقصر الصلاة عند الخوف، وهو القصر الذي له هيئة خاصّة في صلاة الجماعة، وهذا رأي مالك، يدلّ عليه ما أخرجه في «الموطأ»: أنّ رجلاً من آل خالد بن أسِيد سأل عبد الله بن عُمر «إنّا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر»، فقال ابن عمر: «يابن أخي إنّ الله بعث إلينا محمداً ولا نعلم شيئاً فإنّما نفعل كما رأيناه يفعل»، يعني أنّ ابن عمر أقرّ السائل وأشعره بأنّ صلاة السفر ثبتت بالسنّة، وكذلك كانت ترى عائشة وسعد بن أبي وقّاص أنّ هذه الآية خاصّة بالخوف، فكانا يكمّلان الصلاة في السفر.
وهذا التأويل هو البيّن في محمل هذه الآية، فيكون ثبوت القصر في السفر بدون الخوف وقصر الصلاة في الحضر عند الخوف ثابتين بالسنّة، وأحدهما أسبق من الآخر، كما قال ابن عمر.
وعن يعلى بن أمية أنّه قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنّ الله تعالى يقول: ﴿ إن خفتم ﴾ وقد أمِن الناس.
فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه فسألتُ رسول الله عن ذلك فقال " صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقَته ".
ولا شكّ أنّ محمل هذا الخبر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ عمرَ على فهمه تخصيصَ هذه الآية بالقصر لأجل الخوف، فكان القصر لأجل الخوف رخصة لدفع المشقّة، وقوله: له صدقة الخ، معناه أنّ القصر في السفر لغير الخوف صدقة من الله، أي تخفيف، وهو دون الرخصة فلا تردّوا رخصته، فلا حاجة إلى ما تَمَحّلوا به في تأويل القيد الذي في قوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ وتقتصر الآية على صلاة الخوف، ويستغني القائلون بوجوب القصر في السفر مثل ابن عباس، وأبي حنيفة، ومحمد بن سحنون، وإسماعيل بن إسحاق من المالكية؛ والقائلون بتأكيد سنّة القصر مثل مالك بن أنس وعامّة أصحابه، عن تأويل قوله: ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ بما لا يلائم إطلاق مثل هذا اللفظ.
ويكون قوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ إعادة لتشريع رخصة القصر في السفر لقصد التمهيد لقوله: ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ الآيات.
أمّا قصر الصلاة في السفر فقد دلّت عليه السنّة الفعلية، واتَّبعه جمهور الصحابة إلاّ عائشة وسعدَ بن أبي وقاص، حتّى بالغ من قال بوجوبه من أجل حديث عائشة في «الموطأ» و«الصحيحين» لدلالته على أنّ صلاة السفر بقيت على فرضها، فلو صلاّها رباعية لكانت زيادة في الصلاة، ولقول عمر فيما رواه النسائي وابن ماجة: صلاة السفر ركعتان تمامٌ غيرُ قصر.
وإنّما قال مالك بأنّه سنّة لأنّه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر إلاّ القصر، وكذلك الخلفاء من بعده.
وإنّما أتمّ عثمان بن عفّان الصلاة في الحج خشية أن يتوهّم الأعراب أنّ الصلوات كلّها ركعتان.
غير أنّ مالكاً لم يقل بوجوبه من أجل قوله تعالى: ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ لمنافاته لصيغ الوجوب.
ولقد أجاد محامل الأدلّة.
وأخْبِر عن الكافرين وهو جمع بقوله: ﴿ عَدُوّاً ﴾ وهو مفرد.
وقد قدّمنا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فإن كان من قوم عدوَ لكم ﴾ [النساء: 92].
وقوله تعالى: ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ هذه صفة صلاة الخوف في الجماعة لقوله: ﴿ فأقمت لهم الصلاة ﴾ .
واتّفق العلماء على أنّ هذه الآية شرعت صلاة الخوف.
وأكثر الآثار تدلّ على أنّ مشروعيتها كانت في غزوة ذات الرّقَاع بموضع يقال له: نَخلة بين عسفان وضجنان من نجد، حين لقوا جموع غطفان: محارب وأنمار وثعلبة.
وكانت بين سنة ستّ وسنة سبع من الهجرة، وأنّ أوّل صَلاة صلّيت بها هي صلاة العصر، وأنّ سببها أنّ المشركين لما رأوا حرص المسلمين على الصلاة قالوا: هذه الصلاة فرصة لنا لو أغرنا عليهم لأصبناهم على غِرّة، فأنبأ الله بذلك نبيّه صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية.
غير أنّ الله تعالى صدّر حكم الصلاة بقوله: ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ فاقتضى ببادئ الرأي أنّ صلاة الخوف لا تقع على هذه الصفة إلاّ إذا كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي خصوصية لإقامته.
وبهذا قال إسماعيل بن عُلية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة في أحد أقواله، وعلّلوا الخصوصية بأنّها لِحرص الناس على فضل الجماعة مع الرسول، بخلاف غيره من الأيّمة، فيمكن أن تأتمّ كلّ طائفة بإمام.
وهذا قول ضعيف: لمخالفته فعل الصحابة، ولأنّ مقصد شرع الجماعة هو اجتماع المسلمين في الموطن الواحد، فيؤخذ بهذا المقصد بقدر الإمكان.
على أنّ أبا يوسف لا يرى دلالة مفهوم المخالفة فلا تدلّ الآية على الاختصاص بإمامة الرسول، ولذلك جزم جمهور العلماء بأنّ هذه الآية شرعت صلاة الخوف للمسلمين أبداً.
ومحمل هذا الشرط عندهم جار على غالب أحوالهم يومئذٍ من ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم لغزواتهم وسراياهم إلاّ للضرورة، كما في الحديث " لولا أنّ قوماً لا يتخلّفون بعدي ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلّفت عن سريّة سارت في سبيل الله " فليس المراد الاحترازَ عن كون غيره فيهم ولكن التنويهَ بكون النبي فيهم.
وإذ قد كان الأمراء قائمين مقامه في الغزوات فالذي رخّص الله للملسمين معه يرخّصه لهم مع أمرائه، وهذا كقوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ [التوبة: 103].
وفي نظم الآية إيجاز بديع فإنّه لمّا قال: «فلتقم طائفة منهم معك» علم أنّ ثمة طائفة أخرى، فالضمير في قوله: ﴿ وليأخذوا أسلحتهم ﴾ للطائفة باعتبار أفرادها، وكذلك ضمير قوله: ﴿ فإذا سجدوا ﴾ للطائفة التي مع النبي، لأن المعية معية الصلاة، وقد قال: ﴿ فإذا سجدو ﴾ .
وضمير قوله: ﴿ فليكونوا ﴾ للطائفة الأخرى المفهومة من المقابلة، لظهور أنّ الجواب وهو ﴿ فليكونوا من ورائكم ﴾ متعيّن لفعل الطائفة المواجهة العدوّ.
وقوله: ﴿ ولتأت طائفة أخرى ﴾ هذه هي المقابلة لقوله: ﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾ .
وقد أجملت الآية ما تصنعه كلّ طائفة في بقية الصلاة.
ولكنّها أشارت إلى أنّ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم واحدة لأنّه قال: ﴿ فليصلوا معك ﴾ .
فجعلهم تابعين لصلاته، وذلك مؤذن بأنّ صلاته واحدة، ولو كان يصلّي بكل طائفة صلاة مستقلّة لقال تعالى فلتصلّ بهم.
وبهذا يبطل قول الحسن البصري: بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى ركعتين بكلّ طائفة، لأنّه يصير متمّا للصلاة غير مقصّر، أو يكون صلّى بإحدى الطائفتين الصلاة المفروضة وبالطائفة الثانية صلاة: نافلة له، فريضة للمؤمنين، إلاّ أن يلتزم الحسن ذلك.
ويرى جواز ائتمام المفترض بالمتنفّل.
ويظهر أنّ ذلك الائتمام لا يصحّ، وإن لم يكن في السنّة دليل على بطلانه.
وذهب جمهور العلماء إلى أنّ الإمام يصلّي بكلّ طائفة ركعة، وإنّما اختلفوا في كيفية تقسيم الصلاة: بالنسبة للمأمومين.
والقول الفصل في ذلك هو ما رواه مالك في «الموطأ»، عن سهل بن أبي حثمة: إنه صلّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، فصفّت طائفة معه وطائفة وِجاه العدوّ، فصلّى بالذين معه ركعة ثم قام، وأتمّوا ركعة لأنفسهم، ثم انصرفوا فوقفوا وِجاه العدوّ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت له، ثم سلّم، ثم قضوا الركعة التي فاتتهم وسلُّموا وهذه الصفة أوفق بلفظ الآية، والروايات غيرُ هذه كثيرة.
والطائفة: الجماعة من الناس ذات الكثرة.
والحقّ أنّها لا تطلق على الواحد والاثنين، وإن قال بذلك بعض المفسّرين من السلف.
وقد تزيد على الألف كما في قوله تعالى: ﴿ على طائفتين مِن قبْلِنا ﴾ [الأنعام: 156].
وأصلها منقولة من طائفة الشيء وهي الجزء منه.
وقوله: ﴿ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ﴾ استُعمل الأخذ في حقيقته ومجازه: لأنّ أخذ الحِذر مجاز، إذ حقيقة الأخذ التناول، وهو مجاز في التلبّس بالشيء والثبات عليه.
وأخذُ الأسلحة حقيقة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ والذين تبوّأوا الدار والإيمانَ من قبلهم ﴾ [الحشر: 9]، فإنّ تَبَوّأ الإيماننِ الدخول فيه والاتّصافُ به بعد الخروج من الكفر.
وجاء بصيغة الأمر دون أن يقول: ولا جناح عليكم أن تأخذوا أسلحتكم، لأنّ أخذ السلاح فيه مصلحة شرعية.
وقوله: ﴿ ود الذين كفروا ﴾ الخ، ودّهم هذا معروف إذ هو شأن كلّ محارب، فليس ذلك المعنى المعروف هو المقصود من الآية، إنّما المقصود أنّهم ودّوا ودّا مستقرباً عندهم، لظنّهم أنّ اشتغال المسلمين بأمور دينهم يباعد بينهم وبين مصالح دنياهم جهلاً من المشركين لحقيقة الدين، فطمعوا أن تلهيهم الصلاة عن الاستعداد لأعدائهم، فنبه الله المؤمنين إلى ذلك كيلاً يكونوا عند ظنّ المشركين، وليعوّدهم بالأخذ بالحزم في كلّ الأمور، وليريهم أنّ صلاح الدين والدنيا صنوان.
والأسلحة جمع سلاح، وهو اسم جنس لآلة الحرب كلّها من الحديد، وهي السيف والرمح والنبل والحَرْبَة وليس الدرع ولا الخُوذَة ولا التُّرس بسلاح.
وهو يذكّر ويؤنث.
والتذكير أفصح، ولذلك جمعوه على أسلحة وهو من زِنات جمع المذكّر.
والأمتعة جمع متاع وهو كلّ ما ينتفع به من عروض وأثاث، ويدخل في ذلك ما له عون في الحرب كالسروج ولامة الحرب كالدروع والخُوذات.
﴿ فيميلون ﴾ مفرّع عن قوله: ﴿ لو تغفلون ﴾ » الخ، وهو محلّ الودّ، أي ودّوا غفلتكم ليميلوا عليكم.
والميل: العدول عن الوسط إلى الطرف، ويطلق على العدول عن شيء كان معه إلى شيء آخر، كما هنا، أي فيعدلون عن مُعسكرهم إلى جيشكم.
ولمّا كان المقصود من الميل هنا الكَرُّ والشدُّ، عُدّي ب (على)، أي فيشدّون عليكم في حال غفلتكم.
وانتصب (مَيلةً) على المفعولية المطلقة لبيان العدد، أي شدّة مفردة.
واستعملت صيغة المرّة هنا كناية عن القوّة والشدّة، وذلك أنّ الفعل الشديد القويّ يأتي بالغرض منه سريعاً دون معاودة علاج، فلا يتكرّر الفعل لتحصيل الغرض، وأكّد معنى المرّة المستفاد من صيغة فعلة بقوله: ﴿ واحدة ﴾ تنبيهاً على قصد معنى الكناية لئلاّ يتوهّم أنّ المصدر لمجرّد التأكيد لقوله: ﴿ فيميلون ﴾ .
وقوله: ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ﴾ الخ رخصة لهم في وضع الأسلحة عند المشقّة، وقد صار ما هو أكمل في أداء الصلاة رخصةً هنا، لأنّ الأمور بمقاصدها وما يحصل عنها من المصالح والمفاسد، ولذلك قيّد الرخصة مع أخذ الحذر.
وسبب الرخصة أنّ في المطر شاغلاً للفريقين كليهما، وأمّا المرض فموجب للرخصة لخصوص المريض.
وقوله: ﴿ إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ تذييل لتشجيع المسلمين؛ لأنّه لمّا كرّر الأمر بأخذ السلاح والحَذر، خيف أن تثور في نفوس المسلمين مخافة من العدوّ من شدّة التحذير منه، فعقّب ذلك بأنّ الله أعدّ لهم عذاباً مهيناً، وهو عذاب الهزيمة والقتل والأسر، كالذي في قوله: ﴿ قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم ﴾ [التوبة: 14]، فليس الأمر بأخذ الحذر والسلاح إلاّ لتحقيق أسباب ما أعدّ الله لهم، لأنّ الله إذا أراد أمراً هيَّأ أسبابه.
وفيه تعليم المسلمين أن يطلبوا المسبّبات من أسبابها، أي إن أخذتم حِذركم أمِنتم من عدوّكم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ﴾ وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ أنْ يُصَلِّيَ في الخَوْفِ بِأصْحابِهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيهِ هَلْ خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لَهُ ولَيْسَ لِغَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ أنْ يُصَلِّيَ في الخَوْفِ كَصَلاتِهِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ عَزَمُوا عَلى الإيقاعِ بِالمُسْلِمِينَ إذا اشْتَغَلُوا بِصَلاتِهِمْ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى سَرائِرِهِمْ وأمَرَهُ بِالتَّحَرُّزِ مِنهم، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ إسْلامِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، فَلِذَلِكَ صارَ هَذا خاصًّا لِلنَّبِيِّ ، وهَذا القَوْلُ مَحْكِيٌّ عَنْ أبِي يُوسُفَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ عامٌّ لِلنَّبِيِّ ولِغَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ إذا كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِ في خَوْفِهِ، لِأنَّ ذِكْرَ السَّبَبِ الَّذِي هو الخَوْفُ يُوجِبُ حَمْلَهُ عَلَيْهِ مَتى وُجِدَ كَما فَعَلَ الصَّحابَةُ بَعْدَهُ حِينَ خافُوا وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ﴾ يَعْنِي مَعَ النَّبِيِّ في الصَّلاةِ، وطائِفَةٌ بِإزاءِ العَدُوِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَأْمُورِينَ بِأخْذِ السِّلاحِ هُمُ الَّذِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
والثّانِي: هُمُ الَّذِينَ بِإزاءِ العَدُوِّ يَحْرُسُونَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا سَجَدُوا ﴾ يَعْنِي فَإذا سَجَدَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي مَعَكَ في الصَّلاةِ.
﴿ فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ ﴾ يَعْنِي بِإزاءِ العَدُوِّ.
واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن ورائِكُمْ ﴾ هَلْ ذَلِكَ بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ وتَمامِها بِالرَّكْعَةِ الَّتِي أدْرَكُوها مَعَهُ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَدْ تَمَّتْ بِالرَّكْعَةِ حَتّى يُصَلُّوا مَعَها بَعْدَ فَراغِ الإمامِ رَكْعَةً أُخْرى، وهَذا قَوْلُ مَن أوْجَبَ عَلَيْهِ الخَوْفَ رَكْعَتَيْنِ.
وَمَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا هَلْ يُتِمُّونَ الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ وُقُوفِهِمْ بِإزاءِ العَدُوِّ أوْ بَعْدَهُ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَبْلَ وُقُوفِهِمْ بِإزاءِ العَدُوِّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
والثّانِي: بَعْدَهُ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ يُرِيدُ الطّائِفَةَ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ تَأْتِي فَتُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ، وتَمْضِي الطّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ فَتَقِفُ مَوْضِعَها بِإزاءِ العَدُوِّ.
وَإذا صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ عَلَيْهِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ فَرْضُها وتُسَلِّمُ بِسَلامِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ فَرْضَهُ في الخَوْفِ رَكْعَةً.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ عَلَيْها رَكْعَةً أُخْرى، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ فَرْضَهُ في الخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ كالأمْنِ، فَعَلى هَذا مَتى تُفارِقُهُ؟
فَعَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَبْلَ تَشَهُّدِهِ.
والثّانِي: بَعْدَهُ، وقَدْ رَوى القَوْلَيْنِ مَعًا سَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِيِّ .
وَهَلْ تُتِمُّ رَكْعَتَها الباقِيَةَ قَبْلَ وُقُوفِها بِإزاءِ العَدُوِّ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: تُتِمُّها قَبْلَ الوُقُوفِ بِإزائِهِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
والثّانِي: تَقِفُ بِإزائِهِ قَبْلَ إتْمامِها حَتّى إذا أتَمَّتِ الطّائِفَةُ الأُولى رَكْعَتَها عادَتْ فَوَقَفَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ خَرَجَتْ هَذِهِ فَأتَمَّتْ رَكْعَتَها، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
وَهَذِهِ الصَّلاةُ هي نَحْوُ صَلاةِ النَّبِيِّ بِذاتِ الرِّقاعِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي عياش الزرقي قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ فحضرت، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا السلاح وصففنا خلفه صفين، ثم ركع فركعنا جميعاً، ثم سجد بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد الصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم ثم انصرف.
قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين.
مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم» .
وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان فقال المشركون: «إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي العصر، فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة، وإن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه شطرين فيصلي بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم ﴿ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ﴾ ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة واحدة، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم، فيكون لهم ركعة ركعة ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن يزيد الفقير قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟
قال الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال إذ أقيمت الصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصفت طائفة وطائفة وجوهها قبل العدو، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس فسلم وسلم الذين خلفه وسلم أولئك، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة، ثم قرأ ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سليمان اليشكري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل؟
فقال جابر بن عبد الله: وغير قريش آتية من الشام حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد.
قال: «نعم» .
قال: هل تخافني؟
قال: «لا» .
قال: فمن يمنعك مني؟
قال: «الله يمنعني منك» .
قال: فسل السيف، ثم تهدده وأوعده، ثم نادى بالرحيل، وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم، ثم سلم.
فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان ركعتان يومئذ، فأنزل الله في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم من طريق الزهري عن سالم عن أبيه في قوله: ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ قال «هي صلاة الخوف، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، ثم انصرفت الطائفة التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت طائفة فصلوا ركعة ركعة» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله: « ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ﴾ فهذا في الصلاة عند الخوف، يقوم الإمام ويقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بإزاء العدو، فيصلي الإمام بمن معه ركعة ثم يجلس على هيئته، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس، ثم ينصرفون فيقفون موقفهم ثم يقبل الآخرون فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية ثم يسلم فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية، فهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بطن نخلة» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بذي قرد، فصف الناس صفين، صفاً خلفه وصفاً موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف، قال سفيان: فذكر مثل حديث ابن عباس» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن ثعلبة بن زهدم قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟
فقال حذيفة: أنا فقام حذيفة فصف الناس خلفه وصفاً موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا.
وأخرج أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بذات الرقاع، فصدع الناس صدعتين.
فصفت طائفة وراءه، وقامت طائفة وجاه العدو، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرت الطائفة خلفه، ثم ركع وركعوا وسجد وسجدوا، ثم رفع رأسه فرفعوا، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وسجدوا لأنفسهم سجدة ثانية، ثم قاموا، ثم نكصوا على أعقابهم يمشون القهقهرى حتى قاموا من ورائهم، وأقبلت الطائفة الأخرى فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا ثم ركعوا لأنفسهم، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدته الثانية فسجدوا معه، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركعته وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية، ثم قامت الطائفتان جميعاً، فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركع بهم ركعة فركعوا جميعاً، ثم سجد فسجدوا جميعاً، ثم رفع رأسه ورفعوا معه، كل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً جداً، لا يألوا أن يخفف ما استطاع، ثم سلم فسلموا، ثم قام وقد شركه الناس في صلاته كلها» .
وأخرج الحاكم عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أنه قال: «وطائفة من خلفه، وطائفة من وراء الطائفة التي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قعود، وجوههم كلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبرت الطائفتان، فركع فركعت الطائفة التي خلفه والآخرون قعود، ثم سجد فسجدوا أيضاً والآخرون قعود، ثم قاموا ونكصوا خلفه حتى كانوا مكان أصحابهم قعوداً، وأتت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلم والآخرون قعود، ثم سلم فقامت الطائفتان كلتاهما فصلوا لأنفسهم ركعة وسجدتين ركعة وسجدتين» .
وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي من طريق صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف «أن طائفة صفت معه وطائفة تجاه العدو، فصلة بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصلوا تجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم» .
وأخرج عبد بن حميد والدارقطني عن أبي بكرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الحوف، فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلم فتأخروا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتان ثم سلم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللمسلمين ركعتان ركعتان» .
وأخرج الدارقطني والحاكم عن أبي بكرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم في الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انصرف وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاثاً فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والدارقطني عن ابن مسعود قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقاموا صفين، صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف مستقبل العدو، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبلوا هؤلاء العدو، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم، فقام هؤلاء إلى مقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا» .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق عروة من مروان «أنه سأل أبا هريرة هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟
قال أبو هريرة: نعم.
قال مروان: متى؟
قال: عام غزوة نجد، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة صلاة العصر، فقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر الكل، ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي خلفه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت الطائفة التي معه وذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم كما هو ثم قاموا، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى وركعوا معه وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد ومن معه، ثم كان السلام فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعاً، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان، ولكل واحدة من الطائفتين ركعة ركعة» .
وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الخوف، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمنا خلفه صفين، فكبر وركع وركعنا جميعاً الصفان كلاهما، ثم رفع رأسه، ثم خر ساجداً وسجد الصف الذي يليه وثبت الآخرون قياماً يحرسون إخوانهم، فلما فرغ من سجوده وقام خر الصف المؤخر سجوداً فسجدوا سجدتين ثم قاموا، فتأخر الصف المقدم الذي يليه وتقدم الصف المؤخر فركع وركعوا جميعاً، وسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه وثبت الآخرون قياماً يحرسون إخوانهم، فلما قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خر الصف المؤخر سجوداً، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الدارقطني عن جابر «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان محاصراً بني محارب بنخل، ثم نودي في الناس أن الصلاة جامعة، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتين، طائفة مقبلة على العدو يتحدثون وصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم فانصرفوا فكانوا مكان إخوانهم، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ولكل طائفة ركعتان» .
وأخرج البزار وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض: لو حملتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم.
فقال قائل منهم: إن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم، فاصبروا حتى تحضر فنحمل عليهم جملة.
فأنزل الله: ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ إلى آخر الآية.
وأعلمه بما ائتمر به المشركون، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر وكانوا قبالته في القبلة، جعل المسلمين خلفه صفين، فكبر فكبروا معه جميعاً، ثم ركع وركعوا معه جميعاً، فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه، ثم قام الذين خلفهم مقبلون على العدو، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقام، سجد الصف الثاني ثم أقاموا، وتأخر الصف الذين يلونه وتقدم الآخرون، فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ركع ركعوا معه جميعاً، ثم رفع فرفعوا معه، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقعد، قعد الذين يلونه وسجد الصف المؤخر ثو قعدوا، فسجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليهم جميعاً، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض قالوا: لقد أخبروا بما أردنا» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية الرياحي أن أبا موسى الأشعري كان بالدار من أصبهان وما بهم يومئذ كبير خوف، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، فجعلهم صفين.
طائفة معها السلاح مقبلة على عدوّها وطائفة وراءها، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم نكصوا على أدبارهم حتى أقاموا مقام الآخرين، وجاء الآخرون يتخللونهم حتى قاموا وراءه فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم، فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة فسلم بعضهم على بعض، فتمت للإمام ركعتان في جماعة وللناس ركعة ركعة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ورآه المشركون يركع ويسجد ائتمروا أن يغيروا عليه، فلما حضرت العصر صف الناس خلفه صفين فكبر وكبروا جميعاً، وركع وركعوا جميعاً، وسجد وسجد الصف الذين يلونه، وقام الصف الثاني الذين بسلاحهم مقبلين على العدوّ بوجوههم، فلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه سجد الصف الثاني، فلما رفعوا رؤوسهم ركع وركعوا جميعاً وسجد وسجد الصف الذين يلونه، وقام الصف الثاني بسلاحهم مقبلين على العدو بوجوههم، فلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه سجد الصف الثاني قال مجاهد: فكان تكبيرهم وركوعهم وتسليمه عليهم سواء، وتصافوا في السجود، قال مجاهد: فلم يصل رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف قبل يومه ولا بعده» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال «صليت صلاة الخوف مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنه صلاها ثلاثاً» .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال «صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر قبل أن تنزل صلاة الخوف، فتلهف المشركون أن لا يكونوا حملوا عليه فقال لهم رجل: فإن لهم صلاة قبل مغيربان الشمس هي أحب إليهم من أنفسهم، فقالوا: لو قد صلوا بعد لحملنا عليهم، فأرصدوا ذلك، فنزلت صلاة الخوف، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بصلاة العصر» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق أبي الزبير عن جابر قال «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلقينا المشركين بنخل فكانوا بيننا وبين القبلة، فلما حضرت صلاة الظهر صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جميع، فلما فرغنا تآمر المشركون فقالوا لو كنا حملنا عليهم وهم يصلون فقال بعضهم: فإن لهم صلاة ينتظرونها تأتي الآن، وهي أحب إليهم من أبناءهم، فإذا صلوا فميلوا عليهم.
فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وعلمه كيف يصلي، فلما حضرت العصر قام نبي الله صلى الله عليه وسلم مما يلي العدو، وقمنا خلفه صفين، وكبَّر نبي الله صلى الله عليه وسلم وكَبَّرنا جميعاً، ثم ذكر نحوه» .
وأخرج البزار عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف «أمر الناس فأخذوا السلاح عليهم، فقامت طائفة من ورائه مستقبلي العدوّ، وجاءت طائفة فصلوا معه فصلى بهم ركعة، ثم قاموا إلى الطائفة التي لم تصل، وأقبلت الطائفة التي لم تصل معه فقاموا خلفه، فصلى بهم ركعة وسجدتين ثم سلم عليهم، فلما سلم قام الذين قبل العدو فكبروا جميعاً، وركعوا ركعة وسجدتين بعدما سلم» .
وأخرج أحمد عن جابر قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات قبل صلاة الخوف وكانت صلاة الخوف في السنة السابعة.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ إلى قوله: ﴿ فليصلوا معك ﴾ فإنه كانت تأخذ طائفة منهم السلاح فيقبلون على العدوّ، والطائفة الأخرى يصلون مع الإمام ركعة، ثم يأخذون أسلحتهم فيستقبلون العدوّ، ويرجع أصحابهم فيصلون مع الإمام ركعة، فيكون للإمام ركعتان ولسائر الناس ركعة واحدة، ثم يقضون ركعة أخرى، وهذا تمام من الصلاة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا سجدوا ﴾ يقول: فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتك تصلي بصلاتك ففرغت من سجودها ﴿ فليكونوا من ورائكم ﴾ يقول: فليصبروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم، مصافي العدوّ المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تصل معك، ولم تدخل معك في صلاتك.
وأخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى ﴾ قال: نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في الآية قال: رخص في وضع السلاح عند ذلك وأمرهم أن يأخذوا حذرهم.
وفي قوله: ﴿ عذاباً مهيناً ﴾ قال: يعني بالمهين الهوان.
وفي قوله: ﴿ فإذا قضيتم الصلاة ﴾ قال: صلاة الخوف ﴿ فاذكروا الله ﴾ قال: باللسان ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ يقول: إذا استقررتم وأمنتم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم ﴾ قال: بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود.
أنه بلغه: أن قوماً يذكرون الله قياماً، فأتاهم فقال: ما هذا؟!
قالوا: سمعنا الله يقول ﴿ فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم ﴾ فقال: إنما هذه إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائماً صلى قاعداً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ قال: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ قال: أتموها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ يقول: إذا اطمأننتم في أمصاركم فأتموا الصلاة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ يقول: فإذا أمنتم ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ يقول: أتموها.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ يقول: فإذا أمنتم ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ يقول: أتموها.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ أقمتم في أمصاركم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ يعني إذا نزل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ قال: بعد الخوف.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ﴾ قال: إذا اطمأننتم فصلوا الصلاة، لا تصلها راكباً ولا ماشياً ولا قاعداً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ يعني مفروضاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: الموقوت.
الواجب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ كتاباً موقوتاً ﴾ قال: مفروضاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ كتاباً موقوتاً ﴾ قال: فرضاً واجباً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن ﴿ كتاباً موقوتاً ﴾ قال: كتاباً واجباً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ قال: قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتاً كوقت الحج.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ قال: منجماً، كلما مضى نجم جاء نجم آخر.
يقول: كلما مضى وقت جاء وقت آخر.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه وابن خزيمة والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، وصلى بي من الغد الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا الوقت وقت النبيين قبلك، الوقت ما بين هذين الوقتين» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للصلاة أولاً وآخراً، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقت العصر، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الشفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الشفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ ﴾ الآية في صلاة الخوف، وظاهرها يقتضي أنها لا تصلى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه شرط كونه فيهم، وبذلك قال أبو يوسف، وأجازها الجمهور بعده صلى الله عليه وسلم، لأنهم رأوا أن الخطاب له يتناول أمته، وقد فعلها الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم، واختلف الناس العلماء في صلاة الخوف على عشرة أقوال، لاختلاف الأحاديث فيها، ولسنا نضطر إلى ذكرها فإنّ تفسيرها لا يتوقف على ذلك، وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع ﴿ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ ﴾ يَقْسم الإمام المسلمين على طائفتين؛ فيصلي بالأولى نصف الصلاة، وتقف الأخرى تحرس ثم يصلي بالثانية بقية الصلاة وتقف الأولى تحرس، واختلف هل تتم كل طائفة صلاتها وهو مذهب الجمهور، أم لا؟
وعلى القول بالإتمام: اختلف هل يتمونها في أثر صلاتهم مع الإمام أو بعد ذلك ﴿ وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ اختلفوا في المأمور بأخذ الأسلحة، فقيل الطائفة المصلية وقيل الحارسة والأول أرجح، لأنه قد قال بعد ذلك في الطائفة الأخرى: ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ ، ويدل ذلك على أنهم إن قوتلوا وهم في الصلاة: جاز لهم أن يقاتلوا من قاتلهم، وإلاّ لم يكن لأخذ الأسلحة معنى إذا لم يدفعوا بها من قاتلهم ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ ﴾ الضمير في قول: فإذا سجدوا للمصلين، ولامعنى إذا سجدوا معك في الركعة الأولى، وقيل: إذا سجدوا في ركعة القضاء، والضمير في قوله فليكونوا من ورائكم: يحتمل أن يكون للذين سجدوا: أي إذا سجدوا فليقوموا وليرجعوا ورائكم، وعلى هذا إن كان السجود في الركعة الأولى فيقتضي ذلك أنهم يقومون للحراسة بعد انقضاء الركعة الأولى، ثم يحتمل بعد ذلك أن يقضوا بقية صلاتهم أو لا يقضونها، وإن كان السجود في ركعة القضاء، فيقتضي ذلك أنهم لا يقومون للحراسة إلاّ بعد القضاء، وهو مذهب مالك والشافعي، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: فليكونوا للطائفة الأخرى أن يقفوا وراء المصلّين يحرسونهم ﴿ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أخرى ﴾ يعني الطائفة الحارسة ﴿ وَدَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ الآية: إخبار عما جرى في غزوة ذات الرقاع، من عزم الكفار على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره بذلك، وشرعت صلاة الخوف حذراً من الكفار، وفي قوله: ميلة واحدة: مبالغة أي مفاضلة لا يحتاج منها ثانية ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ ﴾ الآية: نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف، كان مريضاً فوضع سلاحه فعنفه بعض الناس، فرخص الله في وضع السلاح في حال المرض والمطر، ويقاس عليهما كل عذر يحدث في ذلك الوقت ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ إن قيل: كيف طابق الأمر بالحذر للعذاب المهين؟
فالجواب أن الأمر بالحذر من العدوّ: يقتضي توهم قوّتهم وعزتهم، فنفى ذلك الوهم بالإخبار أن الله يهينهم ولا ينصرهم لتقوى قلوب المؤمنين، قال ذلك الزمخشري وإنما يصح ذلك إذا كان العذاب المهين في الدنيا، والأظهر أنه في الآخرة ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فاذكروا الله ﴾ [البقرة: 200] الآية: أي إذا فرغتم من الصلاة، فاذكروا الله بألسنتكم، وذكر القيام والقعود وعلى الجُنوب ليعم جميع أحوال الإنسان، وقيل المعنى إذا تلبستم بالصلاة فافعلوها قياماً فإن لم تقدروا فقعوداً، فإن لم تقدروا فعلى جنوبكم ﴿ فَإِذَا اطمأننتم فَأَقِيمُواْ الصلاوة ﴾ أي إذا اطمأننتم من الخوف فأقيموا الصلاة على هيئتها المعهودة ﴿ كتابا مَّوْقُوتاً ﴾ أي محدوداً بالأوقات وقال ابن عباس: فرضاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عن أسلحتكم وأمتعتكم ﴾ عباس بالاختلاس.
﴿ اطمأننتم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ بريا ﴾ بالتشديد: يزيد والشموتي وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ من ورائكم ﴾ ج.
﴿ وأسلحتهم ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.
﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ أسلحتكم ﴾ ج ﴿ حذركم ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ وعلى جنوبكم ﴾ ط للابتداء باذا الشرطية مع الفاء.
﴿ الصلاة ﴾ ج لاحتمال فإن أو لأن ﴿ موقوتاً ﴾ ه ﴿ القوم ﴾ ط ﴿ كما تألمون ﴾ لا لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال: ﴿ ما لا يرجون ﴾ ط ﴿ حكيمأً ﴾ ه ﴿ اراك الله ﴾ ط لأن ما بعد استئناف.
﴿ خصيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ واستغفر الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه للآية مع العطف.
﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ أثيماً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعد الوصف.
﴿ من القول ﴾ ط ﴿ محيطاً ﴾ ه ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ على نفسه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ يضلوك ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ تعلم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.
التفسير: قال أبو يوسف والحسن بن زياد: صلاة الخوف كانت خاصة للرسول / ولا تجوز لغيره لقوله : ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ ولأن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل إلاّ أنا جوّزنا ذلك في حق النبي لفضيلة الصلاة خلفه فينبغي لغيره على المنع.
وجمهور الفقهاء على أنها عامة لأن أئمة الأمة نواب عنه في كل عصر؛ ألا ترى أن قوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ لم يوجب كون الرسول مخصوصاً به دون أئمة أمته؟
وذهب المزني إلى نسخ صلاة الخوف محتجاً بأنه لم يصلها في حرب الخندق، وأجيب بأن ذلك قبل نزول الآية.
عن ابن عباس قال: "خرج رسول الله في غزاة فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى رسول الله الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه قال بعضهم لبعض: كأن هذا فرصة لكم لو أغرتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم.
فقال قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم فاستعدّوا حتى تغيروا عليهم فيها فأنزل الله عز وجل على نبيه: ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ إلى آخر الآية" أما شرح صلاة الخوف فهو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بإحداهما ركعة واحدة، ثم إذا فرغوا من الركعة سلموا منها ويذهبون إلى وجه العدو وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم.
وهذا مذهب من يرى صلاة الخوف ركعة فللإمام ركعتان وللقوم ركعة، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد.
وقال الحسن البصري: إن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدّو وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين كما فعل النبي ببطن نخل.
وليس في هذه الصلاة إلاّ اقتداء مفترض بمتنفل، فإن الصلاة الثانية نافلة للإمام لا محالة.
وفي جواز ذلك اختلاف بين العلماء.
وقال الشافعي إن كان العدو في جهة القبلة صلى الإمام بجميع العسكر إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى، فإذا حان وقت السجدة حرست فرقة إما صف أو فرقة من صف إلى أن يفرغ الإمام وغير الحارسة من السجدتين، فإذا فرغ الإمام منهما سجدت الفرقة الحارسة ولحقت به حيث أمكنها، وإذا سجد الإمام الركعة الثانية حرست فرقة إما الفرقة الحارسة في الركعة الأولى أو الفرقة الأخرى وهذه أولى.
فإذا فرغ الإمام من السجود سجدت الحارسة ولحقت بالإمام في التشهد ليسلم بهم وليس في هذه الصلاة إلاّ التخلف عن الإمام بأركان السجدتين والجلسة بينهما، واحتمل لحاجة الخوف وظهور العذر وبمثله صلى رسول الله بعسفان، وأما إن لم يكن العدوّ في وجه القبلة أو كانوا بحيث يمنعهم شيء من أبصار المسلمين صلى الإمام في الثنائية كالصبح أو الرباعية المقصورة بكل فرقة ركعة، وذلك أن ينحاز الإمام بفرقة إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو فيصلي بهم ركعة، فإذا قام إلى الثانية انفردوا بها وسلموا وأخذوا مكان، إخوانهم في الصف، وانحاز الصف المقاتل إلى الإمام وهو ينتظر لهم واقتدوا به في / الثانية، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية ولحقوا به قبل السلام وسلم بهم، وهذه صلاة ذات الرقاع رواه أبو داود والنسائي عن صالح عن سهل بن أبي حثمة عن النبي .
وقال أبو حنيفة: ويروى عن ابن عمر وابن مسعود أن الطائفة الأولى يصلي بهم الإمام ركعة ويعودون إلى وجه العدو تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بغير قراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة.
والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة فهي في حكم من خلف الإمام، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته.
ولا خلاف في أن رسول الله قد صلى بهذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصالح، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أيّ هذه الأقسام.
فقال الواحدي: ﴿ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ﴾ يدل على أن الطائفة الأولى قد صلت عند إتيان الثانية كما هو مذهب الشافعي.
وأما عند أبي حنيفة فالطائفة الثانية تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها.
وأيضاً قوله: ﴿ فليصلوا معك ﴾ ظاهرة يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام.
قال أصحاب أبي حنيفة: ﴿ فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ﴾ يدل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة.
أجاب الواحدي بأن هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة، لكن السجود للأولى والكون من الوراء الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية، أو معنى سجدوا صلوا وحينئذٍ لا يبقى إشكال وأيضاً الذي اختاره الشافعي أحوط لأمر الحرب فإنها أخف على الطائفتين جميعأ والحراسة خارج الصلاة أهون وليس فيها ما في غيرها من زيادة الذهاب والرجوع وكثرة الأفعال والاستدبار, وليس فيها إلاّ الانفراد عن الإمام في الركعة الثانية وذلك جائز على الأصح في الأمن أيضاً، وإلاّ انتظار الإمام بالطائفة الثانية مرتين وإن كانت الصلاة مغرباً فيصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة ويجوز العكس.
وإن كانت رباعية فيصلي بكل طائفة ركعتين، ويجوز أن يفرقهم أربع فرق إن مست الحاجة إليه بأن لا يكفي نصف المسلمين لعدوهم.
واعلم أن الصلاة على الوجه المشروع ليست عزيمة بل لو صلى الإمام بطائفة وأمر غيره فيصلي بترك فضيلة الجماعة ويتنافسون في الاقتداء به فأمره الله بترتيبهم هكذا لتحوز إحدى الطائفتين فضيلة التكبير معه، والأخرى فضيلة التسليم معه.
فالخطاب في قوله: ﴿ وإذا كنت ﴾ للنبي أي إذا كنت أيها النبي مع المؤمن في غزواتهم وخوفهم ﴿ فأقمت لهم / الصلاة ﴾ فاجعلهم طائفتين ﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾ فصل بهم ﴿ وليأخذوا أسلحتهم ﴾ فإن كان الضمير لغير المصلين فلا كلام، وإن كان للمصلين فليأخذوا من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، ويحتمل أن يكون أمراً للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط.
ثم قال للطائفة الثانية: ﴿ وليأخذوا حذرهم ﴾ فكأنه جعل الحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي.
وفيه رحمة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة.
وإنما أمر هذه الطائفة بأخذ الحذر والأسلحة جميعاً لأن العدو قلما يتنبه في أول الصلاة لكون المسلمين في الصلاة بل يظنونهم قياماً للمحاربة، وأما في الركعة الثانية فيظهر لهم ذلك من ركوعهم وسجودهم الأولين فربما ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم كما ذكرنا في سبب النزول، فلا جرم خص الله هذا الموضع بزيادة تحذير ﴿ ميلة واحدة ﴾ شدة واحدة.
ثم رخص لهم في وضع السلاح إذا أصابه بلل المطر فيسود وتفسد حدته وجدته أو يثقل على المرء إذا كان محشواً، وحين كان الرجل مريضاً فيشق عليه حمل السلاح ولكنه أعاد الأمر بأخذ الحذر لأن الغفلة عن كيد العدو لا تجوز بكل حال.
قال بعض العلماء أخذ السلاح في صلاة الخوف سنة مؤكدة والأصح أنه واجب لأن ظاهر الأمر للوجوب، ولأن رفع الجناح عند العذر ينبىء عن وجود الجناح في غير ذلك الوقت لكن الشرط أن لا يحمل سلاحاً فحسب أن أمكنه، ولا يحمل الرمح إلاّ في طرف الصف.
وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد وفي هذا دليل على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عيله وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذراً غير غافل عن كيد العدو، فلا يكون شيء من الروايات الواردة فيها على خلاف نص القرآن وكما أن الآية دلت على وجوب الحذر عن العدو كذلك تدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنون، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والاحتراز عن الوباء في الجلوس تحت الجدار المائل واجباً.
قالت المعتزلة: لو لم يكن العبد قادراً على الفعل والترك، وعلى جميع وجوه الحذر لم يكن للأمر بالحذر فائدة.
والجواب أن لا ننكر الأسباب لكنا ندعي انتهاء الكل إلى مسببها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ليعلموا أنه رتب على هذا الحذر كون الكفار مخذولين مقهورين وكان كما أخبر.
أما قوله: ﴿ فإذا قضيتم الصلاة ﴾ ففيه قولان: الأول فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال فإن ما أنتم عليه من الخوف والحرب جدير بذكر الله وإظهار الخشوع واللجوء إليه.
الثاني أن المراد بالذكر الصلاة أي صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسايفة والمقارعة، وقعوداً جاثين على الركب حال اشتغالكم بالرمي، وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح.
وأورد على هذا القول أن الذكر بمعنى الصلاة مجاز وأن المعنى يصير حينئذٍ: فإذا قضيتم الصلاة فصلوا وفيه بعد اللهم إلاّ أن يقال: المراد فإذا أردتم قضاء الصلاة فصلوا في شدّة / التحام القتال.
واعلم أن الآية مسبوقة بحكمين: أحدهما بيان القصر في صلاة المسافر والثاني بيان صلاة الخوف.
فقوله: ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ يحتمل أن يراد به فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة.
ويحتمل أن يراد فإذا زال الخوف وحصل سكون القلب فأقيموا الصلاة التي كنتم تعرفونها من غير تغيير شيء من هيئاتها ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ أي مكتوبة موقوتة محدودة بأوقات لا يجوز إخراجها عنها ولو في شدة الخوف، وفيه دليل للشافعي في إيجابه الصلاة على المحارب في حال المسايفة والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها.
وعند أبي حنيفة هو معذور في تركها إلى أن يطمئن.
وأوقات الصلاة الخمس مشهورة وقد يستدل عليها بقوله: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ فإن الوسطى يجب أن تكون مغايرة للصلوات لئلا يلزم التكرار فهي زائدة على الثلاث، ولو كان الواجب أربعاً لم يوجد لها وسطى فإذاً أقلها خمس وسيجيء آيات أخر دالة على الأوقات الخمس كقوله: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ﴾ ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ وسنشرحها إن شاء الله تعالى في مواضعها.
قال المحققون: إن للإنسان خمس مراتب: سن النمو إلى تمام سن الشباب، وسن الوقوف وهو أن يبقى ذلك الشخص على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان، وسن الكهولة ويظهر فيها نقصان خفي في الإنسان، وسن الشيخوخة ويظهر فيها نقصانات جلية فيه إلى أن يموت ويهلك.
وأما المرتبة الخامسة فهي أخباره وآثاره إلى أن يندرس وينطمس ويصير كأن لم يكن، وكذا الشمس إذا ظهر سلطانها من المشرق لا يزال يزداد ضياؤها إلى طلوع جرمها، ثم يزداد ارتفاعها شيئاً بعد شيء إلى أن يبلغ وسط السماء، ثم يظهر فيها نقصانات خفية من الانحطاط وضعف النور والحر إلى وقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثله، ثم تظهر النقصانات الجلية إلى أن يصير في زمان لطيف ظل كل شيء مثليه، ثم أزيد إلى أن تغرب، ثم يبقى أثرها في أفق المغرب وهو الشفق، ثم ينمحي حتى يصير كأن الشمس لم توجد قط.
فهذه الأحوال الخمس أمور عجيبة لا يقدر عليها إلاّ خالقها وخالق جميع الأشياء، وموافقة لأسنان الإنسان فلهذا تعينت أوقاتها للعبادة والإقبال على المعبود الحق جده.
ثم عاد إلى الحث على الجهاد فقال: ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ لا تضعفوا في طلب الكفار بالقتال والتعرض لهم بما يقلقهم.
ثم ألزمهم الحجة بقوله: ﴿ إن تكونوا تألمون ﴾ والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم ولكم مع ذلك رجاء الثواب على الجهاد دونهم لأنهم ينكرون المعاد فأنتم أولى بالصبر على القتال / والحد فيه منهم، ويحتمل أن يراد بهذا الرجاء ما وعدهم الله من النصر والغلبة على سائر الأديان، أو يراد أنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير الذي يصح أن يرجى منه، وأنهم يعبدون الأصنام التي لا خيرهن يرجى ولا شرهن يخشى، ويروى أن هذا في بدر الصغرى كان بهم جراح فتواكلوا ﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ لا يكلفكم إلا ما فيه صلاح لكم في دينكم ودنياكم.
ثم رجع إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث المنافقين، وفيه أن الأحكام المذكورة كلها بإنزال الله وليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلباً لرضا قومه، وفيه أن كفر الكافر لا يبيح المساهلة في النظر له وإن كان يجوز الجهاد معه بل الواجب أن يحكم له وعليه بما أنزله على رسوله.
قال أكثر المفسرين: "إن رجلاً من الأنصار - يقال له طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحرث - سرق درعاً من جار له - يقال له قتادة بن النعمان - وجراباً فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود - يقال له زيد بن السمين - فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده وحلف لهم والله ما أخذها وما له بها من علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلي طعمة وشهد له ناس من اليهود.
فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إنك إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي.
فَهَمَّ رسول الله أن يفعل وكان هواه معهم وأن يعاقب اليهودي.
وقيل: همَّ أن يقطع يده فأنزل الله : ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ " وفي الآية دليل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين وإلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي.
قال أبو علي: قوله: ﴿ بما أراك الله ﴾ ليس منقولاً بالهمزة من رؤية البصر لأن حكم الحادثة لا يرى بالبصر ولا من رؤية القلب وإلا لاقتضى ثلاثة مفاعيل وليس في الآية إلا اثنان: أحدهما الكاف والآخر الضمير العائد المحذوف فهو إذن بمعنى الاعتقاد معناه بما علمك الله.
وسمى ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر يقول: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه والرأي منا ظن وتكلف.
قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أنه ما كان يحكم إلا بالوحي والنص، وأن الاجتهاد ما كان جائزاً له وحينئذ يجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ وأجيب بأن العمل بالقياس عمل بالنص أيضاً وكأنه قال: مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر / جامع بين الصورتين، فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن.
﴿ ولا تكن للخائنين ﴾ أي لأجلهم يريد بني ظفر وهم قوم طعمة ﴿ خصيماً ﴾ مخاصماً وأصله من الخصم بالضم والسكون وهو ناحية الشيء وطرفه، وكأن كل واحد من الخصمين في ناحية من الحجة والدعوى.
قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء : لولا أن الرسول أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه لما ورد النهي عنه ولما أمر بالاستغفار.
والجواب أن النهي عن الشي لا يقتضي كون المنهي مرتكباً للمنهي عنه، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا منه أن يذب عن طعمة ويلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي، ولعله أمر بالاستغفار لأنه مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين وحسنات الأبرار سيئات المقربين، أو لعل القوم شهدوا بسرقة اليهودي وبراءة طعمة ولم يظهر للرسول ما يوجب القدح في شهادتهم، فهم بالقضاء على اليهودي وبراءة طعمة ولم يظهر للرسول ما يوجب القدح في شهادتهم, فهم بالقضاء على اليهودي فأطلعه الله على مصدوق الحال، أو لعل المراد واستغفر لأولئك الذين يذبون عن طعمة ثم قال: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ يعني طعمة ومن عاونه من قومه ممن علموا كونه سارقاً.
والاختيان كالخيانة يقال: خانه واختانه، والعاصي خائن نفسه لأنه يحرم نفسه الثواب ويوصلها إلى العقاب ﴿ إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً ﴾ قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة.
وإنما ورد البناآن على المبالغة والعموم ليتناول طعمة وكل من خان خيانة فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه لأن الله لا يحبه.
وأيضاً كان الله عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب الإثم.
وروي أنه هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله، ومن كانت تلك خاتمة أمره لا يشك في حاله.
وقالت العقلاء: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.
وعن عمر أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه.
فقال: كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة.
وفي الآية دليل على أن من كان قليل الخيانة والإثم لم يكن في معرض السخط من الله.
﴿ يستخفون ﴾ يستترون من الناس حياء منهم وخوفاً من ضررهم ﴿ ولا يستخفون من الله ﴾ أي لا يستحيون منه لأن الاستخفاء لازم الاستحياء وهو معهم بالعلم والقدرة والرؤية وكفى هذا زاجراً للإنسان عن المعاصي ﴿ إذ يبيّتون ﴾ يدبرون ﴿ ما لا يرضى من القول ﴾ وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرق دونه ويحلف ببراءته وتسمية التدبير وهو معنى في النفس قولاً ليس فيها إشكال عند القائلين بالكلام النفسي، وأما عند غيرهم فمجاز، أو لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية المكر فسمى الله كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه الله، أو المراد بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ ها للتنبيه في أنتم / وأولاء وهما مبتدأ وخبر وقوله: ﴿ جادلتم عنهم ﴾ جملة موضحة للأولى كما يقال للسخي: أنت حاتم تجود بمالك.
أو المراد أنتم الذين جادلتم والخطاب لقوم مؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وقومه لأنهم في الظاهر مسلمون.
والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا فمن الذي يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه ﴿ أمن يكون عليهم وكيلاً ﴾ حافظاً ومحامياً عن عذاب الله.
وهذا الاستفهام معطوف على الأول وكلاهما للإنكار والتقريع.
ثم أردف الوعيد بذكر التوبة فقال: ﴿ ومن يعمل سوءاً ﴾ قبيحاً متعدياً يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودي ﴿ أو يظلم نفسه ﴾ بما يجازي به كالحلف الكاذب.
وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن إيصال الضرر إلى الغير سوء حاضر بخلاف الذي يعود وباله إلى فاعله فإن ذلك في الأكثر لا يكون ضرراً عاجلاً.
لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه.
وقد يستدل بإطلاق الآية على أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب وإن كان كفراً أو قتلاً عمداً أو غضباً للأموال، بل على أن مجرد الاستغفار كاف.
وعن بعضهم أن الاستغفار لا ينفع مع الإصرار فلا بد من اقترانه بالتوبة ﴿ يجد الله غفور رحيماً ﴾ أي له فحذف هذا الرابط لدلالة الكلام عليه لأنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك.
وقيل: ومن يعمل سوءاً من ذنب دون الشرك أو يظلم نفسه بالشرك, وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة مع العلم بما يكون منه, أو بعث لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه.
﴿ ومن يكسب إثماً ﴾ الكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ولذلك لم يجز وصف الباري بذلك.
والمقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار وكأنه قال: الذنب الذي أتيت به إنما يعود وباله وضرره إليك لا إليّ فإني منزه عن النفع والضر، ولا تيأس من قبول التوبة.
﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب ما علمه منه ﴿ ومن يكسب خطيئة ﴾ صغيرة ﴿ وإثماً ﴾ كبيرة وقيل: الخطيئة الذنب القاصر على فاعله والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل.
وقيل: الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو الخطأ، والإثم ما حصل بسبب العمد ﴿ ثم يرم به ﴾ أي بأحد المذكورين أو بالإثم أو بذلك الذنب لأن الخطيئة في معنى الذنب، أو بذلك الكسب ﴿ بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً ﴾ لأنه بكسب الإثم وبرمي البريء باهت فهو جامع بين الأمرين، فلا جرم يلحقه الذم في الدارين ﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته ﴾ ولولا أن خصك الله الفضل وهو النبوة وبالرحمة وهي العصمة ﴿ لهمت طائفة منهم ﴾ من بني ظفر أو طائفة من الناس والطائفة بنو ظفر ﴿ أن يضلوك ﴾ عن القضاء الحق والحكم العدل ﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ بسبب تعاونهم على / الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان لأن وباله عليهم ﴿ وما يضرونك من شيء ﴾ لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما أمرت الأنبياء إلا بالأحكام على الظواهر، أو هو وعد بإدامة العصمة له مما يريدون في الاستقبال من إيقاعه في الباطل.
ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ﴾ أي إنه لما أمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات؟
وعلى الأول يكون المراد أنه أوجب في الكتاب والحكمة بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر عليه ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ من أخبار الأولين.
فيه معنيان: أحدهما أن يكون كما قال: ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ أي أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارها وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيء منهما، فكذلك يفعل بك في مستأنف إيامك حتى لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك.
الثاني أن يكون المراد منها خفيات الأمور وضمائر القلوب أي علمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه مكايدهم ما تقدر على الاحتراز منهم ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ فيه دليل ظاهر على شرف العلم حيث سماه عظيماً وسمى متاع الدنيا بأسرها قليلاً.
التأويل: الصلاة صورة جذبة الحق ومعراج العبد فلهذا فرضت في الخوف والأمن وشدة القتال والسفر والحضر والصحة المرض ليكون العبد مجذوب العناية على الدوام ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ أي أدمتها لهم لأن النظر إليك عبادة كما أن الصلاة عبادة، وكما أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فإنك تنهاهم عن الفحشاء والمنكر ﴿ فلتقم طائفة ﴾ هم الخواص ﴿ منهم ﴾ أي من عوامهم ﴿ معك ﴾ أي مع الله لأنك مع الله كقوله: ﴿ لا تحزن إنّ الله معنا ﴾ ﴿ وليأخذوا ﴾ يعني طائفة من بقية القوم ﴿ أسلحتهم ﴾ من الطاعات والعبادات دفعأً لعدو النفس والشيطان ﴿ فإذا سجدوا ﴾ يعني من معك ونزّلوا مقامات القرب ﴿ فليكونوا ﴾ أي هؤلاء القوم ﴿ من ورائكم ﴾ في المرتبة والمقام والمتابعة يحفظونكم باشتغالكم بالأمور الدنيوية لحوائجكم الضرورية للإنسان.
﴿ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا معك ﴾ في الصحبة ﴿ فليصلوا معك ﴾ في الوصلة ﴿ وليأخذوا حذرهم ﴾ وهو آداب الطريقة ﴿ وأسلحتهم ﴾ وهي أركان الشريعة ﴿ ودّ الذين كفروا ﴾ هم عدوّ النفس وصفاتها ﴿ إن كان بكم أذى من مطر ﴾ يعني أشغال الدنيا وضروريات حوائج الإنسان يمطر عليكم في بعض الأوقات أن تضعوا أسحلة الطاعة والأركان ساعة فساعة ﴿ وخذوا حذركم ﴾ من التوجه إلى الحق ومراقبة الأحوال وحفظ القلب وحضوره مع الله وخلو السر / عن الالتفات لغير الله ورعاية التسليم والتفويض إلى الله والاستمداد من همم أعاظم الدين والالتجاء إلى ولاية النبوة ﴿ إنّ الله أعد ﴾ بهذه الأسباب ﴿ للكافرين ﴾ من كفار النفس والشيطان ﴿ عذاباً مهيناً فإذا قضيتم الصلاة ﴾ المكتوبة ﴿ فاذكروا الله ﴾ في جميع حالاتكم إنّ الصلاة كانت في الأزل ﴿ على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ مؤقتاً إلى الأبد كما أشار إليه بقوله: ﴿ إنا فتحنا لك ﴾ أي باباً من القدم إلى الحدوث ﴿ ليغفر لك الله ﴾ بما فتح عليك ﴿ ما تقدم ﴾ في الأزل ﴿ من ذنبك ﴾ بأن لم تكن مصلياً ﴿ وما تأخر ﴾ من ذنبك بأن لا تكون مصلياً ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يجعل سيئاتك وهي عدم صلاتك في الأزل أو الأبد مبدلة بالحسنات وهي الصلاة المقبولة من الأزل إلى الأبد ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ من الأزل إلى الأبد ومن الأبد إلى الأزل ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ النفس وصفاتها ﴿ أن تكونوا تألمون ﴾ في الجهاد بعناء الرياضات والعبادات فإنهم يألمون في طلب اللذات والشهوات ﴿ كما تألمون وترجون من الله ﴾ العواطف الأزلية والعوارف الأبدية ﴿ ما لا يرجون ﴾ لأنّ همم النفس الدنية لا تجاوز قصورها الدنية المجازية الفانية ﴿ بما أراك الله ﴾ حين أوحى إليك بلا واسطة ما أوحى وأراك آياته الكبرى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ...
﴾ الآية.
اختلف أهل العلم في صلاة الخوف: قال بعض أهل العلم: يجعل الإمام القوم طائفتين، يصلي بالطائفة [الأولى] ركعة، ويصف الطائفة الأخرى مصاف العدو، فإذا صلى بهم ركعة؛ فيقومون ويصلون الركعة الثانية وحداناً.
ثم ينصرفون ويقومون مقامهم بإزاء العدو، وترجع الطائفة التي كانت مصاف العدو فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم بهم الإمام، فيقومون ويقضون الركعة الأولى وحداناً.
ويقولون: لأنه ليس في الآية إتيان الطائفة الأولى وعودها إلى الإمام؛ لذلك لا يفعل.
وقالوا - أيضاً - بأن القيام بعد الفراغ من الصلاة مصاف العدو أطمع وأرجى من القيام قبل الفراغ منها.
[و] قيل: بل القيام مصاف العدو، وهم في الصلاة أطمع وأرجى من القيام في غير الصلاة.
وأما أصحابنا - رحمهم الله - فإنهم ذهبوا إلى ما روي في الأخبار.
روي عن ابن عمر - - قال: صلى رسول الله صلاةَ الخوف: فصلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهو العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم، مقبلين على العدو، وجاء أولئك، فصلى بهم النبي ركعة ثم سلم النبي ، ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة.
وعن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله صلاة الخوف، فقاموا صفين: فقام صف خلف النبي وصفٌّ مستقبلٌ العدوَّ، وصلى رسول الله بالصف الذي يلونه ركعة، ثم قاموا فذهبوا وقاموا مقام أولئك، واستقبل هؤلاء العدو، وجاء أولئك فقاموا مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله ركعة، ثم سلم، فقاموا يصلون لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، فذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلين العدو، وجاء أولئك إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا.
وروى ابن عباس وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان - م - عن النبي نحو ذلك، فاتفق على هذه الرواية عن النبي هؤلاء الجماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وحذيفة؛ كلهم يقولون: إن [رسول الله ] صلى بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهو العدو، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعة، وإن واحداً منهم لم يقض بقية صلاته حتى فرغ النبي من صلاته كلها، فصلى المؤتمون ما بقي عليهم من صلاتهم؛ وهذا نظراً لما عليه المسلمون جميعاً فيما سبقهم الإمام: لا يقضونه حتى يفرغ الإمام من صلاته، ثم يقضون ما فاتهم، والأخبار التي جاءت بخلاف ذلك يحتمل أن تكون في الوقت الذي كانوا يقضون الفائتة قبل فراغ الإمام من صلاته، ثم نسخ ذلك بما توارث الأمة القضاء بعد الفراغ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ اختلف فيه.
قيل: هم الطائفة التي بإزاء العدو، يأخذون السلاح؛ ليكون أهيب للحرب والقتال.
وقيل: هم الطائفة الذي يصلون، يأخذون السلاح حتى إذا استقبلهم العدو والحرب يقدرون على ذلك.
وقيل: إذا وقع بينهم الحرب فلهم تأخير الصلاة إلى وقت انقطاع الحرب بينهم.
وقال الحسن: يصلي الإمام بكل طائفة تمام الصلاة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان يصلي بكل طائفة سجدة، والسجدة هي اسم التمام، وهذا جائز في اللغة.
لكن عندنا ما ذكرنا من الأخبار عن الصحابة: عن عمر، وابن عباس، وغيرهما - رضوان الله عليهم أجمعين - حيث قالوا: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الفطر والأضحى ركعتان، وصلاة الخوف ركعة تمام غير قصر، وما روينا أن النبي سجد بالصف الأول، ولم يسجد معه الصف الثاني، فلما رفع رسول الله رأسه من السجدتين سجدهما أهل الصف الثاني؛ فهذا يدل على أن الأمر ما وصفنا.
وإذا كان العدو مواجَهةَ القبلة فالإمام بالخيار: إن شاء جعل القوم صفين: صفّاً أمامه بإزاء العدو، وصفّاً معه يصلي بهم؛ هكذا روي عن رسول الله أنه فعل [ذلك] بالمسلمين: [و] روى جابر بن عبد الله أن [رسول الله ] صلى بهم والعدو في القبلة، فصلى بطائفة ركعة، وجاءت الأخرى فصلى بها أخرى.
وإن شاء جعل القوم كلهم خلفه صفين فيصلي بهم، فإذا انتهوا إلى السجود، سجد الصف الأول، والصف الثاني يحرس العدو، فلما فرغ هؤلاء من السجود سجد الآخرون، ثم كذلك يفعل بهم في الثانية، وهذا - أيضاً - روى أنه فعل؛ فيختار أيهما شاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ ﴾ .
أي: ليكونوا مصاف العدو يحرسونهم من العدو.
[وقوله - عز وجل -:] ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله - -: ﴿ حِذْرَهُمْ ﴾ ، أي: يأخذون ما يستترون به ويحرسون العدو، من نحو الترس، والدرع، ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ : ما يقاتل به من السلاح ويحارب.
ويحتمل ما يتحصن به من الحصن، من نحو الجبال وغيرها.
وفيه الأمر بتعلم آداب الحرب والقتال، وأخذ الأهبة والإعداد للعدو دون أن يَكِلُوا الأمر إلى ذلك؛ ولكن يكلوا الأمر إلى ما وعد الله لهم من النصر - بقوله - -: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ ، وبقوله: ﴿ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ وقوله - -: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ ، وغيره من الآيات، فيها الدلالة على تعلم آداب الحرب وأخذ الأهبة فيه؛ حيث أمرهم - عز وجل - بمجاهدة العدو في غير آي من القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ...
﴾ الآية.
هذا يعلم بالطبع أن كل أحد يطلب الفرصة على عدوه والغفلة منه، هذا معروف في طباع الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ ﴾ : ما يحارب به ويقاتل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْتِعَتِكُمْ ﴾ - يحتمل: أمتعتكم: ما يحرس به العدو ويستتر به منه، أي: يطلبون الغفلة عن الأسلحة والأمتعة.
ويحتمل: الأمتعة أن يريد بها غيرها، من: الثياب وغيرها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ .
في الآية دلالة أن الله - - لم يرد بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ...
﴾ - بَذْلَها للقتل؛ حيث رخص لهم وضع الأسلحة وأخذ الحذر عندما بُلُوا بالمطر والمرض؛ لأنه لو كان المراد بشراء الأنفس منهم بذلها للقتل - لكان لا يرفع ذلك عندما يخافون على أنفسهم من الهلاك؛ إذ المرض وخوف الهلاك لا يرفع ذلك في الأحوال كلها إذا كان الأمر بذلك أمراً بالقتل والهلاك؛ ألا ترى أن من وجب عليه الرجم لم يرفع عنه بالمرضِ الرجم؛ لأن في الرجم هلاكه، فلما رفع عنهم القتال في حال المرض، أو في الحال الذي يخاف الهلاك - دل أنه لم يرد بشراء الأنفس بذلها للقتل؛ ولكن أراد - والله أعلم - إظهار دين الله، ونصر [أهل دينه]؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ جعل الثواب والأجر عند الغلبة على عدوه مثل ما جعل عند القتل، ولو كان الأمر بذلك أمراً بالقتل خاصة - لا يستوجب الأجر والثواب بغيره؛ دل أنه ما ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ : جعل الوعد للقاتل ما جعل للمقتول.
هذا كله يدل أن الأمر بذلك ليس على القتل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا أن الأمر بأخذ الحذر يحتمل وجهين: أحدهما: فيه الأمر بتعلم آداب الحرب وأسباب القتال، وألا يكلوا الأمر إلى ذلك خاصة؛ لكن إلى ما وعد لهم من النصر والظفر على عدوهم بعد أخذ الأهبة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ...
﴾ الآية [الأنفال: 60]، وقال - -: ﴿ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ الآية [النساء: 102].
والثاني: يحتمل أن يأمرهم بأخذ ما يدفعون به سلاح العدو عن أنفسهم ويتقون به، نحو الترس، أو الدرع، أو البنيان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ .
أي: أعد لهم من العذاب ما يهانون به، نصروا أو غلبوا، وأعد لكم من الثواب ما تشرفون وتفوزون به، نصرتم أو غلبتم؛ فما لكم لا تقاتلون؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ﴾ .
قيل يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، أي: إذا فرغتم منها، فاذكروا الله على كل حال، تستعينون به بالنصر على عدوكم، كقوله - - ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ أمر بالثبات عند لقاء العدو؛ وذكر الله؛ استعانة منه على عدوهم؛ فعلى ذلك الأول.
ويحتمل: أن يكون معناه: إذا أردتم أن تقضوا الصلاة فاذكروا الله كثيراً في أي حال كنتم: في حال القيام، والركوع، والسجود؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ...
﴾ معناه - والله أعلم -: إذا كانت فيهم فأردت أن تقيم لهم الصلاة فافعل كذا؛ فعلى [ذلك] الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - مقابل قوله: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ إِنْ خِفْتُمْ...
﴾ الآية [النساء: 101]، وقد ذكرنا أن القصر يحتمل وجوهاً: يحتمل: القصر للضرب في الأرض، وهو القصر في عدد الركعات.
ويحتمل القصر للمرض والخوف، فهو قصر الإيماء، فنحن نأخذ بذلك كله على اختلاف الأحوال؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ ﴾ يحتمل الوجوه التي ذكرنا، أي: اذا اطمأننتم صرتم أصحاء؛ فصلوا كذا صلاة الأصحاء.
ويحتمل: ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ ﴾ : أمنتم من الخوف؛ فصلوا كذا.
ويحتمل - أيضا -: ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ ﴾ إذا رجعتم وأقمتم، فصلوا صلاة المقيمين أربعاً؛ فهذا - والله أعلم - على ما ذكرنا مقابل قوله: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ أي: مفروضا، وهو قول ابن عباس.
وقيل: ﴿ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ أي: لها وقت كوقت الحج، وهو قول ابن مسعود، .
وقيل: ﴿ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ : محدودا، فنحن نقول بهذا كله، نقول: إنها مفروضة، موقوتة، محدودة؛ على ما قيل، والله أعلم.
والآية ترد على من يقول بأن على الكافر الصلاة؛ لأنه أخبر أنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا، وهم يقولون: على الكافرين والمؤمنين، لكنها كتبت على المؤمنين فعلا، وعلى الكافرين قولا؛ هذا - والله أعلم - معنى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ ، أي: فعلها على المؤمنين كتابا موقوتا.
ثم يحتمل قوله: ﴿ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ أي: لم تزل هي كانت كتاباً موقوتاً على الأمم السالفة، لا أنّ هذه الأمة خصت بها؛ كقول إبراهيم - -: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي ﴾ ، وكقول عيسى - -: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ...
﴾ ، وكقول موسى - -: ﴿ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
ويحتمل قوله - -: ﴿ كَانَتْ ﴾ ، أي: [الصلوات صارت]، ﴿ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ بعد أن لم تكن.
وكل ذلك محتمل، ولكن لا نشهد على الله أنه أراد كذا، وكذلك في قوله - -: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ ﴾ .
وقوله - -: ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ ﴾ نتأول فيه ونعمل فيه بالوجوه كلها على اختلاف الأحوال؛ لاحتماله الوجوه التي ذكرنا؛ فلا نقطع القول فيه، ولا نشهد على الله أنه أراد كذا، وهكذا السبيل في جميع المجتهدات أن نعمل بها، ولا نشهد على الله أنه أراد ذا أو أمر بذا، وبالله التوفيق.
ذكر الله - - ما بَيَّنَ فرض الصلاة ووجوبها في غير موضع من كتابه، منها الآية التي ذكرناها، ومنها قوله - -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، ولم تدل هذه الآيات على كيفية الصلاة وعددها؛ إنما دلت على وجوبها ولزوم فرضها، ودلت آيات أخر على عددها وجمل أوقاتها؛ قال الله - وتعالى -: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ فهذه ثلاثة أوقات ذكر الله - - فيهن ثلاث صلوات، روي عن مجاهد، عن ابن عباس - - قال: سألته عن قول الله - - ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ...
﴾ ؛ قال: إذا زالت الشمس عن بطن السماء، لصلاة: الظهر ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ قال: بذا صلاة المغرب.
وعن ابن عمر - - قال: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ قال: دلوكها: زيغها بعد نصف النهار، وهو وقت الظهر.
وعن ابن عباس - - قال: دلوكها: زوالها.
وعن عبد الله قال: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ قال: زوالها.
وقد روي عن ابن مسعود وابن عباس قالا: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ : غروبها.
فأيَّ التأويلين كان دلوك الشمس فقد أوجب فيه صلاة، وصلاة عند غسق الليل، وصلاة عند الفجر؛ فهذه ثلاث صلوات.
قال الله - -: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ ؛ فأحد طرفي النهار يجب فيه صلاة الفجر، وقد ذكر في هذه الآية، والطرف الآخر قبل غروب الشمس؛ فهذه أربعة، وهي العصر.
وروي عن الحسن - - أن الصلوات الخمس مجموعة في هذه الآية: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ...
﴾ ، قال صلاة الفجر، والطرف الآخر: الظهر والعصر: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ...
﴾ المغرب والعشاء.
فأي التأويلين كان فإن صلاة العصر مذكورة في هذه الآية.
وعن ابن عباس - - قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ المغرب والعشاء، ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ : الفجر، ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ العصر، ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ : الظهر.
وعن ابن عباس - - أيضاً: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ﴾ ؛ قال: الصلاة المكتوبة.
دلت هذه الآيات - والله أعلم - أن الله - - فرض على عباده في كل يوم وليلة خمس صلوات، وبيَّن رسول الله كيف فرضت الصلاة؟
ومتى فرضت؟.
وروي عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله يقول: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهَا اللهُ - - عَلَى العِبَادِ، فَمَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْ حَقِّهِنَّ شَيْئاً اسْتِخْفَافاً بِحَقِّهِنَّ؛ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْداً أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" وعن أبي معبد، عن ابن عباس - ما - أن النبي حين بعث مُعاذاً إلى اليمن قال: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْماً أَهْلَ الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" .
وعلى ذلك اتفاق الأمة لا اختلاف بينهم، إلا أن قوماً زعموا أن النبي أوجب بعد ذلك الوتر؛ بقوله: "إِنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلاَةً، أَلاَ وَهِيَ الوَتْرُ" وليس في الكتاب ذكر ولا دليل وجوبه؛ فتركنا الكلام فيها، لكن أبا حنيفة - - سلك فيها مسلك المكتوبة؛ احتياطا.
<div class="verse-tafsir"
إذا كنت -أيها الرسول- في الجيش وقت قتال العدو، فاردت أن تصلي بهم، فقسِّم الجيش جماعتين: تقوم جماعة منهم تصلي معك، وليأخذوا أسلحتهم معهم في صلاتهم، ولتكن الجماعة الأخرى في حراستكم، فإذا صلت الجماعة الأولى ركعة مع الإمام أتمت لنفسها الصلاة، فإذا صلوا فليكونوا من ورائكم تجاه العدو، ولتأت الجماعة التي كانت في الحراسة ولم يصلوا، فليصلوا ركعة مع الإمام، فإذا سلّم الإمام أتموا ما بقي من صلاتهم، وليأخذوا حذرهم من عدوهم، وليحملوا أسلحتهم، فإن الذين كفروا يتمنون أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم إذا صليتم فيحملون عليكم حملة واحدة، ويأخذونكم في غفلتكم، ولا إثم عليكم إن أصابكم أذى بسبب المطر أو كنتم مرضى ونحوه، أن تضعوا أسلحتكم فلا تحملوها، واحترزوا من عدوكم بما تستطيعون، إن الله هيَّأ للكافرين عذابًا مذلًّا لهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.Ze7E2"
الكلام لا يزال في الجهاد وقد مر في الآيات السابقة الحث عليه لإقامة الدين وحفظه، وإيجاب الهجرة لأجل ذلك وتوبيخ من لم يهاجر من أرض لا يقدر فيها على إقامة دينه، والجهاد يستلزم السفر، والهجرة سفر، وهذه الآيات في بيان أحكام من سافر للجهاد، أو هاجر في سبيل الله إذا أراد الصلاة وخاف أن يفتن عنها، وهو أنه يجوز له أن يقصر منها وأن يصلي جماعتها بالكيفية التي ذكرت في الآية الثانية من هذه الآية.
والقصر المذكور في الآية الأولى هنا ليس هو قصر الصلاة الرباعية في السفر المبين بشروطه في كتب الفقه مأخوذ من السنة المتواترة، وأما ما هنا فهو في صلاة الخوف كما ورد عن بعض الصحابة وغيرهم من السلف، والشرط فيها على ظاهره، والقول بأنه "لبيان الواقع فلا مفهوم له" لغو من القول لا يجوز أن يقال في أعلى الكلام وأبلغه، فهذا القصر المذكور في الآية الأولى هو المبين في الآية التي بعدها، وفي سورة البقرة بقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ فآية البقرة في القصر من هيئة الصلاة والرخصة في عدم إقامة صورتها بأن يكتفي الرجال المشاة والركبان بالإيماء عن الركوع والسجود، وهو قول في القصر المراد، والآية التي نحن بصدد تفسيرها في القصر من عدد الركعات بأن تصلي طائفة مع الإمام ركعة واحدة فإذا أتمتها جاءت طائفة أخرى وهي التي كانت تحرس الأولى فصلت معه الركعة الثانية، وليس في الآية أن واحدة من الطائفتين تتم الصلاة.
<div class="verse-tafsir"