الآية ١١ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١١ من سورة النساء

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 410 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض ، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث ، ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هي كالتفسير لذلك ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك ، وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة ، والحجاج بين الأئمة ، فموضعه كتاب " الأحكام " فالله المستعان .

وقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض ، وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك .

وقد روى أبو داود وابن ماجه ، من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي ، عن عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العلم ثلاثة ، وما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة ، أو سنة قائمة ، أو فريضة عادلة " .

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا هريرة ، تعلموا الفرائض وعلموه فإنه نصف العلم ، وهو ينسى ، وهو أول شيء ينتزع من أمتي " .

رواه ابن ماجه ، وفي إسناده ضعف .

وقد روي من حديث عبد الله بن مسعود وأبي سعيد وفي كل منهما نظر .

قال [ سفيان ] ابن عيينة : إنما سمى الفرائض نصف العلم; لأنه يبتلى به الناس كلهم .

وقال البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام : أن ابن جريج أخبرهم قال : أخبرني ابن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين ، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا ، فدعا بماء فتوضأ منه ، ثم رش علي ، فأفقت ، فقلت : ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله ؟

فنزلت : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) .

وكذا رواه مسلم والنسائي ، من حديث حجاج بن محمد الأعور ، عن ابن جريج به ، ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر .

حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية : قال الإمام أحمد : حدثنا زكريا بن عدي ، حدثنا عبيد الله - هو ابن عمرو الرقي - عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، هاتان ابنتا سعد بن الربيع ، قتل أبوهما معك في أحد شهيدا ، وإن عمهما أخذ مالهما ، فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال .

قال : فقال : " يقضي الله في ذلك " .

قال : فنزلت آية الميراث ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال : " أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن ، وما بقي فهو لك " .

وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، من طرق ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، به .

قال الترمذي : ولا يعرف إلا من حديثه .

والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي ، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ، ولم يكن له بنات ، وإنما كان يورث كلالة ، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعا للبخاري ، رحمه الله ، فإنه ذكره هاهنا .

والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية ، والله أعلم .

فقوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) أي : يأمركم بالعدل فيهم ، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث ، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث ، وفاوت بين الصنفين ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين; وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتجشم المشقة ، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى .

وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده ، حيث أوصى الوالدين بأولادهم ، فعلم أنه أرحم بهم منهم ، كما جاء في الحديث الصحيح .

وقد رأى امرأة من السبي تدور على ولدها ، فلما وجدته أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك ؟

" قالوا : لا يا رسول الله : قال : " فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها " .

وقال البخاري هاهنا : حدثنا محمد بن يوسف ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : كان المال للولد ، وكانت الوصية للوالدين ، فنسخ الله من ذلك ما أحب ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث ، وجعل للزوجة الثمن والربع ، وللزوج الشطر والربع .

وقال العوفي ، عن ابن عباس قوله : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض ، للولد الذكر والأنثى والأبوين ، كرهها الناس أو بعضهم وقالوا : تعطى المرأة الربع أو الثمن وتعطى البنت النصف .

ويعطى الغلام الصغير .

وليس أحد من هؤلاء يقاتل القوم ، ولا يحوز الغنيمة .

.

اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه ، أو نقول له فيغير ، فقال بعضهم : يا رسول الله ، نعطي الجارية نصف ما ترك أبوها ، وليست تركب الفرس ، ولا تقاتل القوم ونعطي الصبي الميراث وليس يغني شيئا .

.

وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ، لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ، ويعطونه الأكبر فالأكبر .

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير أيضا .

وقوله : ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) قال بعض الناس : قوله : ( فوق ) زائدة وتقديره : فإن كن نساء اثنتين كما في قوله [ تعالى ] ( فاضربوا فوق الأعناق ) [ الأنفال : 12 ] وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك; فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه وهذا ممتنع ، ثم قوله : ( فلهن ثلثا ما ترك ) لو كان المراد ما قالوه لقال : فلهما ثلثا ما ترك .

وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة ، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين .

وإذا ورث الأختان الثلثين فلأن يرث البنتان الثلثين بطريق الأولى وقد تقدم في حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين ، فدل الكتاب والسنة على ذلك ، وأيضا فإنه قال : ( وإن كانت واحدة فلها النصف ) فلو كان للبنتين النصف [ أيضا ] لنص عليه ، فلما حكم به للواحدة على انفرادها دل على أن البنتين في حكم الثلاث والله أعلم .

وقوله : ( ولأبويه لكل واحد منهما السدس [ مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس ] ) إلى آخره ، الأبوان لهما في الميراث أحوال : أحدها : أن يجتمعا مع الأولاد ، فيفرض لكل واحد منهما السدس فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة ، فرض لها النصف ، وللأبوين لكل واحد منهما السدس ، وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب ، فيجمع له - والحالة هذه - بين هذه الفرض والتعصيب .

الحال الثاني : أن ينفرد الأبوان بالميراث ، فيفرض للأم - والحالة هذه - الثلث ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض ، ويكون قد أخذ ضعفي ما فرض للأم ، وهو الثلثان ، فلو كان معهما - والحالة هذه - زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع .

ثم اختلف العلماء : ما تأخذ الأم بعد فرض الزوج والزوجة على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين; لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما .

وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ ثلثيه وهو قول عمر وعثمان ، وأصح الروايتين عن علي .

وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت ، وهو قول الفقهاء السبعة ، والأئمة الأربعة ، وجمهور العلماء - رحمهم الله .

والقول الثاني : أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله : ( فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ) فإن الآية أعم من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا .

وهو قول ابن عباس .

وروي عن علي ، ومعاذ بن جبل ، نحوه .

وبه يقول شريح وداود بن علي الظاهري واختاره الإمام أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري في كتابه " الإيجاز في علم الفرائض " .

وهذا فيه نظر ، بل هو ضعيف; لأن ظاهر الآية إنما هو [ ما ] إذا استبد بجميع التركة ، فأما في هذه المسألة فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض ، ويبقى الباقي كأنه جميع التركة ، فتأخذ ثلثه ، كما تقدم .

والقول الثالث : أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة ، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر ، وتأخذ الأم الثلث وهو أربعة ، فيبقى خمسة للأب .

وأما في مسألة الزوج فتأخذ ثلث الباقي; لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال ، فتكون المسألة من ستة : للزوج النصف ثلاثة وللأم ثلث ما بقي وهو سهم ، وللأب الباقي بعد ذلك وهو سهمان .

ويحكى هذا عن محمد بن سيرين ، رحمه الله ، وهو مركب من القولين الأولين ، موافق كلا منهما في صورة وهو ضعيف أيضا .

والصحيح الأول ، والله أعلم .

والحال الثالث من أحوال الأبوين : وهو اجتماعهما مع الإخوة ، وسواء كانوا من الأبوين ، أو من الأب ، أو من الأم ، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئا ، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس ، فيفرض لها مع وجودهم السدس ، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب أخذ الأب الباقي .

وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور .

وقد روى البيهقي من طريق شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان فقال : إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث ، قال الله تعالى : ( فإن كان له إخوة ) فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة .

فقال عثمان : لا أستطيع تغيير ما كان قبلي ، ومضى في الأمصار ، وتوارث به الناس .

وفي صحة هذا الأثر نظر ، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس ، ولو كان هذا صحيحا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به ، والمنقول عنهم خلافه .

وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن خارجة بن زيد ، عن أبيه أنه قال : الأخوان تسمى إخوة وقد أفردت لهذه المسألة جزءا على حدة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة ، حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد ، عن قتادة قوله : ( فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) أضروا بالأم ولا يرثون ، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك ، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم ونفقته عليهم دون أمهم .

وهذا كلام حسن .

لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم ، وهذا قول شاذ ، رواه ابن جرير في تفسيره فقال : حدثنا الحسن بن يحيى ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن ابن طاوس ، عن أبيه عن ابن عباس ، قال : السدس الذي حجبته الإخوة لأم لهم ، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم .

ثم قال ابن جرير : وهذا قول مخالف لجميع الأمة ، وقد حدثني يونس ، أخبرنا سفيان ، أخبرنا عمرو ، عن الحسن بن محمد ، عن ابن عباس أنه قال : الكلالة من لا ولد له ولا والد .

وقوله : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) أجمع العلماء سلفا وخلفا : أن الدين مقدم على الوصية ، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة .

وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير ، من حديث أبي إسحاق ، عن الحارث بن عبد الله الأعور ، عن علي بن أبي طالب [ رضي الله عنه ] قال : إنكم تقرءون ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية ، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات ، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه .

ثم قال الترمذي : لا نعرفه إلا من حديث الحارث الأعور ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم .

قلت : لكن كان حافظا للفرائض معتنيا بها وبالحساب فالله أعلم .

وقوله : ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) أي : إنما فرضنا للآباء وللأبناء ، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية ، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللوالدين الوصية ، كما تقدم عن ابن عباس ، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا ، ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم; لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي - أو الأخروي أو هما - من أبيه ما لا يأتيه من ابنه ، وقد يكون بالعكس; فلهذا قال : ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) أي : كأن النفع متوقع ومرجو من هذا ، كما هو متوقع ومرجو من الآخر; فلهذا فرضنا لهذا ولهذا ، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث ، والله أعلم .

وقوله : ( فريضة من الله ) أي : [ من ] هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث ، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض - هو فرض من الله حكم به وقضاه ، والله عليم حكيم الذي يضع الأشياء في محالها ، ويعطي كلا ما يستحقه بحسبه; ولهذا قال : ( إن الله كان عليما حكيما )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يوصيكم الله "، يعهد الله إليكم، (44) =" في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين "، يقول: يعهد إليكم ربكم إذا مات الميت منكم وخلَّف أولادًا ذكورًا وإناثًا، فلولده الذكور والإناث ميراثه أجمع بينهم، للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، إذا لم يكن له وارث غيرهم، سواء فيه صغار ولده وكبارهم وإناثهم، (45) في أن جميع ذلك بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.

ورفع قوله: " مثل " بالصفة، (46) وهي" اللام " التي في قوله: " للذكر "، ولم ينصب بقوله: " يوصيكم الله "، لأن " الوصية " في هذا الموضع عهد وإعلامٌ بمعنى القول، و " القول " لا يقع على الأسماء المخبر عنها.

(47) فكأنه قيل: يقول الله تعالى ذكره لكم: في أولادكم للذكر منهم مثل حظ الأنثيين.

* * * قال أبو جعفر: وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، تبيينًا من الله الواجبَ من الحكم في ميراث من مات وخلّف ورثة، على ما بيَّن.

لأن أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون من ميراث الميت لأحد من ورثته بعده، ممن كان لا يلاقي العدوَّ ولا يقاتل في الحروب من صغار ولده، ولا للنساء منهم.

وكانوا يخصون بذلك المقاتلة دون الذرية.

فأخبر الله جل ثناؤه أن ما خلفه الميت بين من سَمَّى وفرض له ميراثًا في هذه الآية، وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم: لهم ميراث أبيهم، إذا لم يكن له وارث غيرهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.

ذكر من قال ذلك: 8725 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثلُ حظ الأنثيين "، كان أهل الجاهلية لا يورِّثون الجواريَ ولا الصغارَ من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها أم كجَّة، وترك خمس أخواتٍ، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجَّة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله تبارك وتعالى هذه الآية: &; 8-32 &; فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ = ثم قال في أم كجة: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ .

(48) 8726 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين "، وذلك أنه لما نـزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: " تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة!!

اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه، أو نقول له فيغيِّره ".

فقال بعضهم: يا رسول الله، أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيَّ الميراث وليس يغني شيئًا؟!

= وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل، يعطونه الأكبر فالأكبر.

(49) * * * وقال آخرون: بل نـزل ذلك من أجل أنّ المال كان للولد قبل نـزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله تبارك وتعالى ذلك بهذه الآية.

ذكر من قال ذلك: 8727 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أو عطاء، عن ابن عباس في قوله: " يوصيكم &; 8-33 &; الله في أولادكم " قال، كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحبَّ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس مع الولد، وللزوج الشطر والربع، وللزوجة الربع والثمن.

(50) 8728 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " قال، كان ابن عباس يقول: كان المال، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسح الله تبارك وتعالى من ذلك ما أحبّ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم ذكر نحوه.

8729 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد عن ابن عباس مثله.

وروي عن جابر بن عبد الله ما: - * * * 8730- حدثنا به محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر قال، سمعت جابر بن عبد الله قال، دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض، فتوضأ ونضَح عليّ من وَضوئه، فأفقتُ فقلت: يا رسول الله، إنما يرثني كَلالةٌ، فكيف بالميراث؟

فنـزلت آية الفرائض.

(51) 8731 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، حدثني محمد بن المنكدر، عن جابر قال، عادَني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه في بني سَلمة يمشيان، فوجداني لا أعقِل، فدعا بماءٍ فتوضأ ثم رشَّ عليّ، فأفقتُ فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي؟

فنـزلت " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ".

...

(52) * * * القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ قال أبو جعفر: يعني بقوله: " فإن كن "، فإن كان المتروكات =" نساء فوق اثنتين "، ويعني بقوله: " نساءً"، بنات الميت،" فوق اثنتين "، يقول: أكثر في العدد من اثنتين =" فلهن ثلثا ما ترك "، يقول: فلبناته الثلثان مما ترك بعده من ميراثه، دون سائر ورثته، إذا لم يكن الميت خلّف ولدًا ذكرًا معهن.

واختلف أهل العربية في المعنى بقوله: " فإن كنّ نساء ".

* * * فقال بعض نحوييّ البصرة بنحو الذي قلنا: فإن كان المتروكات نساء = وهو أيضًا قول بعض نحوييّ الكوفة.

* * * وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك، فإن كان الأولاد نساء، وقال، إنما ذكر الله الأولاد فقال، يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ، ثم قسمَ الوصية فقال،" فإن كنّ نساء "، وإن كان الأولاد [نساءً، وإن كان الأولاد واحدة]، (53) ترجمة منه بذلك عن " الأولاد ".

* * * قال أبو جعفر: والقول الأول الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين، أولى بالصواب في ذلك عندي.

لأن قوله: " وإن كُنّ"، لو كان معنيًّا به " الأولاد " لقيل: " وإن كانوا "، لأن " الأولاد " تجمع الذكور والإناث.

وإذا كان كذلك، فإنما يقال،" كانوا "، لا " كُنّ".

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ قال أبو جعفر: يعني بقوله: " وإن كانت "، [وإن كانت] المتروكة ابنة واحدة (54) =" فلها النصف "، يقول: فلتلك الواحدة نصف ما ترك الميت من ميراثه، إذا لم يكن معها غيرها من ولد الميت ذكرٌ ولا أنثى.

* * * فإن قال قائل: فهذا فرضُ الواحدة من النساء وما فوق الاثنتين، فأين فريضة الاثنتين؟

قيل: فريضتهم بالسنة المنقولة نقل الوراثة التي لا يجوز فيها الشك.

(55) * * * وأما قوله: " ولأبويه "، فإنه يعني: ولأبوي الميت =" لكل واحد منهما السدس "، من تَرِكته وما خلَّف من ماله، سواءٌ فيه الوالدة والوالد، لا يزداد واحد منهما على السدس =" إن كان له ولد "، ذكرًا كان الولد أو أنثى، واحدًا كان أو جماعة.

* * * فإن قال قائل: فإن كان كذلك التأويل، (56) فقد يجب أن لا يزاد الوالدُ مع الابنة الواحدة على السدس من ميراثه عن ولده الميت.

وذلك إن قلته، قولٌ خلاف لما عليه الأمة مجمعة، (57) من تصييرهم باقي تركة الميت = مع الابنة الواحدة بعد أخذها نصيبها منها = لوالده أجمع!

قيل: ليس الأمر في ذلك كالذي ظننتَ، وإنما لكل واحد من أبوي الميت السدس من تركته مع ولده، ذكرًا كان الولد أو أنثى، واحدًا كان أو جماعة، فريضة من الله له مسماة.

فإمَّا زيد على ذلك من بقية النصف مع الابنة الواحدة إذا لم يكن غيره وغير ابنة للميت واحدة، (58) فإنما زيدها ثانيًا بقرب عصبة الميت إليه، (59) إذ كان حكم كل ما أبقته سهام الفرائض، فلأولي عصبَة الميت وأقربهم إليه، بحكم ذلك لها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، (60) وكان الأب أقرب عصبَة ابنه وأولاها به، إذا لم يكن لابنه الميت ابن.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فإن لم يكن له "، فإن لم يكن للميت =" ولد " ذكر ولا أنثى =" وورثه أبواه "، دون غيرهما من ولد وارث =" فلأمه الثلث "، يقول: فلأمه من تركته وما خلف بعده، ثلث جميع ذلك.

* * * فإن قال قائل: فمن الذي له الثلثان الآخران.

قيل له الأب.

فإن قال، بماذا؟

(61) قلت: بأنه أقرب أهل الميت إليه، (62) ولذلك ترك ذكر تسمية من له الثلثان الباقيان، إذ كان قد بيَّن على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لعباده (63) أن كل ميِّت فأقربُ عصبته به، أولى بميراثه، بعد إعطاء ذوي السهام المفروضة سهامهم من ميراثه.

وهذه العلة، هي العلة التي من أجلها سُميّ للأمّ ما سُمىَ لها، إذا لم يكن الميت خلًف وارثًا غير أبويه، لأن الأم ليست بعصبة في حالٍ للميت.

فبيّن الله جل ثناؤه لعباده ما فرض لها من ميراث ولدها الميت، وترك ذكرَ مَن له الثلثان الباقيان منه معه، إذ كان قد عرّفهم في جملة بيانه لهم مَنْ له بقايا تركة الأموال بعد أخذ أهل السهام سهامهم وفرائضهم، وكان بيانه ذلك، مغنيًا لهم على تكرير حكمه مع كل من قَسَم له حقًّا من ميراث ميت، وسمي له منه سهمًا.

(64) * * * القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ قال أبو جعفر: إن قال قائل: وما المعنى الذي من أجله ذكر حكم الأبوين مع الإخوة، (65) وترك ذكر حكمهما مع الأخ الواحد؟

قلت (66) اختلاف حكمهما مع الإخوة الجماعة والأخ الواحد، فكان في إبانة &; 8-39 &; الله جل ثناؤه لعباده حكمهما فيما يرثان من وَلدهما الميت مع إخوته، غنًّى وكفاية عن أن حكمهما فيما ورثا منه غيرَ متغيِّر عما كان لهما، ولا أخ للميت ولا وارث غيرهما.

إذ كان معلومًا عندهم أن كل مستحق حقًّا بقضاء الله ذلك له، لا ينتقل حقُّه الذي قضى به له ربه جل ثناؤه عما قَضى به له إلى غيره، إلا بنقل الله ذلك عنه إلى من نقله إليه من خلقه.

فكان في فرضه تعالى ذكره للأم ما فرض، إذا لم يكن لولدها الميت وارث غيرها وغير والده، ولا أخ = (67) الدلالة الواضحة للخلق أن ذلك المفروضَ - وهو ثلث مال ولدها الميت (68) - حق لها واجب، حتى يغيِّر ذلك الفرض من فَرَض لها.

فلما غيَّر تعالى ذكره ما فرض لها من ذلك مع الإخوة الجماعة، وترك تغييره مع الأخ الواحد، عُلم بذلك أن فرضها غير متغيِّر عما فرض لها إلا في الحال التي غيَّره فيها مَن لزم العبادَ طاعتُه، دون غيرها من الأحوال.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في عدد الإخوة الذين عناهم الله تعالى ذكره بقوله: " فإن كان له إخوة ".

فقال جماعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم من علماء أهل الإسلام في كل زمان: عنى الله جل ثناؤه بقوله: " فإن كان له إخوة فلأمه السدس " اثنين كان الإخوة أو أكثر منهما، أنثيين كانتا أو كن إناثًا، أو ذكرين كانا أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى.

واعتل كثيرٌ ممن قال ذلك، بأن ذلك قالته الأمة عن بيان الله جل &; 8-40 &; ثناؤه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فنقلته أمة نبيه نقلا مستفيضًا قطع العذر مجيئه، ودفع الشك فيه عن قلوب الخلق وروده.

(69) * * * وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: بل عنى الله جل ثناؤه بقوله: " فإن كان له إخوة "، جماعة أقلها ثلاثة.

وكان ينكر أن يكون الله جل ثناؤه حجَب الأم عن ثلثها مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة.

فكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث، وما بقي فللأب، كما قال أهل العلم في أبوين وأخ واحد.

ذكر الرواية عنه بذلك: 8732 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا ابن أبي فديك قال، حدثني ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه دخل على عثمان رضي الله عنه فقال، لم صار الأخوان يردَّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله: " فإن كان له إخوة "، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟

فقال عثمان رحمه الله (70) هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟

(71) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن المعنيَّ بقوله: " فإن كان له إخوة "، اثنان من إخوة الميت فصاعدًا، على ما قاله أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، لنقل الأمة وراثةً صحةَ ما قالوه من ذلك عن الحجة، وإنكارهم ما قاله ابن عباس في ذلك.

(72) * * * فإن قال قائل: وكيف قيل في الأخوين " إخوة "، وقد علمت أن لـ" الأخوين " في منطق العرب مثالا لا يشبه مثالَ" الإخوة "، في منطقها؟

(73) قيل: إنّ ذلك وإن كان كذلك، فإن من شأنها التأليف بين الكلامين يتقارب معنياهما، (74) وإن اختلفا في بعض وجوههما.

فلما كان ذلك كذلك، وكان مستفيضًا في منطقها منتشرًا مستعملا في كلامها: " ضربت من عبد الله وعمرو رؤوسهما، وأوجعتُ منهما ظهورهما "، وكان ذلك أشد استفاضة في منطقها من أن يقال،" أوجعت منهما ظهريهما "، وإن كان مقولا " أوجعت ظهْريهما "، (75) كما قال الفرزدق: بِمَـا فِـي فُؤَادَيْنَـا مِنَ الشَّوْقِ وَالْهَوَى فَيَــبْرَأُ مُنْهَـاضُ الفُـؤَادِ الْمُشَـعَّفُ (76) = غير أن ذلك وإن كان مقولا فأفصح منه: " بما في أفئدتنا "، كما قال جل ثناؤه: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [سورة التحريم: 4].

فلما كان ما وصفت = من إخراج كل ما كان في الإنسان واحدًا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر فصارا اثنين من اثنين، بلفظ الجميع، أفصحَ في منطقها وأشهرَ في كلامها (77) = وكان " الأخوان " شخصين كل واحد منهما غير صاحبه، من نفسين مختلفين، أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من &; 8-43 &; أعضائه واحدًا لا ثاني له، (78) فأخرج اثناهما بلفظ اثنى العضوين اللذين وصفت، (79) فقيل " إخوة " في معنى " الأخوين "، كما قيل " ظهور " في معنى " الظهرين "، و " أفواه " في معنى " فموين "، و " قلوب " في معنى " قلبين ".

* * * وقد قال بعض النحويين: إنما قيل " إخوة "، لأن أقل الجمع اثنان.

وذلك أن ذلك ضم شيء إلى شيء صارا جميعًا بعد أن كانا فردين، (80) فجمعا ليعلم أن الاثنين جمع.

* * * قال أبو جعفر: وهذا وإن كان كذلك في المعنى، فليس بعلة تنبئ عن جواز إخراج ما قد جرى الكلام مستعملا مستفيضًا على ألسن العرب لاثنيه بمثال وصورةٍ غير مثال ثلاثة فصاعدًا منه وصورتها.

لأن من قال،" أخواك قاما "، فلا شك أنه قد علم أنّ كل واحد من " الأخوين " فردٌ ضم أحدهما إلى الآخر فصارا جميعًا بعد أن كانا شتى.

غير أن الأمر وإن كان كذلك، (81) فلا تستجيز العرب في كلامها أن يقال،" أخواك قاموا "، فيخرج قولهم " قاموا "، وهو لفظ للخبر عن الجميع، خبرًا عن " الأخوين " وهما بلفظ الاثنين.

لأن كل ما جرى به الكلام على ألسنتهم معروفًا عندهم بمثال وصورة، إذا غيَّر مغيِّر عما قد عرفوه فيهم، &; 8-44 &; نَكِروه.

(82) فكذلك " الأخوان " وإن كان مجموعين ضُمَّ أحدهما إلى صاحبه، فلهما مثالٌ في المنطق وصورة، غير مثال الثلاثة منهم فصاعدًا وصورتهم.

فغير جائز أن يغيَّر أحدهما إلى الآخر إلا بمعنى مفهوم.

وإذا كان ذلك كذلك، فلا قول أولى بالصحة مما قلنا قبل.

* * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: ولم نُقصت الأم عن ثلثها بمصير إخوة الميت معها اثنين فصاعدًا؟

قيل: اختلفت العلماء في ذلك.

فقال بعضهم: نُقصت الأم عن ذلك دون الأب، لأن على الأب مُؤَنهم دون أمهم.

ذكر من قال ذلك: 8733 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس "، أضرُّوا بالأم ولا يرثون، (83) ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك.

وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من &; 8-45 &; الثلث لأن أباهم يلي نكاحهم والنفقة عليهم دون أمهم.

(84) * * * وقال آخرون: بل نُقصت الأم السدس، وقُصِر بها على سدس واحد، معونةً لإخوة الميت بالسدس الذي حَجَبوا أمهم عنه.

ذكر من قال ذلك: 8734 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال، السدس الذي حجبتْه الإخوة الأمَّ لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم.

* * * وقد روي عن ابن عباس خلاف هذا القول، وذلك ما: - 8735 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس قال، الكلالة من لا ولد له ولا والِد.

* * * قال أبو جعفر، وأولى ذلك بالصواب أن يقال في ذلك: إن الله تعالى ذكره فرض للأم مع الإخوة السدس، لما هو أعلم به من مصلحة خلقه = وقد يجوز أن يكون ذلك كان لما ألزم الآباء لأولادهم = وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك.

وليس ذلك مما كلَّفنا علمه، وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا.

* * * وأما الذي روي عن طاوس عن ابن عباس، فقول لما عليه الأمة مخالف.

وذلك أنه لا خلاف بين الجميع: أنْ لا ميراث لأخي ميت مع والده.

فكفى إجماعهم على خلافه شاهدًا على فساده.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " من بعد وصية يوصي بها أو دين "، أنّ الذي قسم الله تبارك وتعالى لولد الميت الذكور منهم والإناث ولأبويه من تركته من بعد وفاته، إنما يقسمه لهم على ما قسمه لهم في هذه الآية من بعد قضاء دين الميت الذي مات وهو عليه من تركته، ومن بعد تنفيذ وصيته في بابها بعد قضاء دينه كله.

(85) فلم يجعل تعالى ذكره لأحد من ورثة الميت، ولا لأحد ممن أوصى له بشيء، إلا من بعد قضاء دينه من جميع تركته، وإن أحاط بجميع ذلك.

ثم جعل أهل الوصايا بعد قضاء دينه شركاء ورثته فيما بقي لما أوصى لهم به، ما لم يجاوز ذلك ثلثه.

فإن جاوز ذلك ثلثه، جعل الخيار في إجازة ما زاد على الثلث من ذلك أو ردِّه إلى ورثته: إن أحبوا أجازوا الزيادة على ثلث ذلك، وإن شاءوا ردوه.

فأما ما كان من ذلك إلى الثلث، فهو ماضٍ عليهم.

وعلى كل ما قلنا من ذلك، الأمة مجمعة.

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خبرٌ، وهو ما: - 8736 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن عليّ رضي الله عنه قال، إنكم تقرأون هذه الآية: " من بعد وصية يُوصي بها أو دين "، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية.

(86) 8737 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضوان الله عليه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.

8738 - حدثنا أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث قال، حدثنا أشعث، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.

(87) 8739 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن ابن مجاهد، عن أبيه: " من بعد وصية يوصي بها أو دين " قال، يبدأ بالدين قبل الوصية.

* * * قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والعراق: ( يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) .

* * * وقرأه بعض أهل مكة والشأم والكوفة، ( يُوصَى بِهَا ) ، على معنى ما لم يسمَّ فاعله.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك: ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) على مذهب ما قد سُمِّي فاعله، لأن الآية كلها خبر عمن قد سمي فاعله.

ألا ترى أنه يقول: وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ؟

فكذلك الذي هو أولى بقوله: " يوصي بها أو دين "، أن يكون خبرًا عمن قد سمي فاعله، لأن تأويل الكلام: ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد = من بعد وصية يوصي بها أو دين = يُقضى عنه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: "آباؤكم وأبناؤكم "، هؤلاء الذين أوصاكم الله به فيهم - من قسمة ميراث ميِّتكم فيهم على ما سمي لكم وبيَّنه في هذه الآية - "آباؤكم وأبناؤكم (88) = لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا آباؤكم : أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتُكم أن تعطوهموها، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعًا لكم في عاجل دنياكم وآجل أخراكم.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ".

فقال بعضهم: يعني بذلك أيهم أقرب لكم نفعًا في الآخرة.

ذكر من قال ذلك: 8740 -" حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا " ، يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء، أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا.

ذكر من قال ذلك: 8741 - دثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " أيهم أقرب لكم نفعًا "، في الدنيا.

8742 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

8743 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا "، قال بعضهم: في نفع الآخرة، وقال بعضهم: في نفع الدنيا.

* * * وقال آخرون في ذلك بما قلنا.

ذكر من قال ذلك: 8744 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا "، قال: أيهم خيرٌ لكم في الدين والدنيا، &; 8-50 &; الوالد أو الولدُ الذين يرثونكم، لم يدخلِ عليكم غيرهم، فرَضَ لهم المواريث، (89) لم يأت بآخرين يشركونهم في أموالكم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فريضة من الله "،" وإن كان له إخوة فلأمه السدس "، فريضةً، يقول: سهامًا معلومة موقتة بيَّنها الله لهم.

(90) * * * ونصب قوله: " فريضة " على المصدر من قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ =" فريضة "، فأخرج " فريضة " من معنى الكلام، إذ كان معناه ما وصفت.

وقد يجوز أن يكون نصبه على الخروج من قوله: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ =" فريضة "، فتكون " الفريضة " منصوبة على الخروج من قوله: (91) فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ، كما تقول: " هو لك هبة، وهو لك صدقة مني عليك ".

(92) * * * وأما قوله: " إن الله كان عليمًا حكيمًا "، فإنه يعني جل ثناؤه: إنّ الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه، (93) أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم، يصلح لكم أموركم.

=" حكيما "، يقول: لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خَلَل ولا زلل، لأنه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة.

-------------- الهوامش : (44) انظر تفسير"أوصى" فيما سلف 3: 94 ، 405.

(45) في المخطوطة: "وكباره" ، وما في المطبوعة أجود.

(46) "الصفة" ، هي حرف الجر ، وانظر ما سلف 1: 299 ، تعليق: 1 ، وفهارس المصطلحات في الأجزاء السالفة.

(47) "الوقوع" ، هو التعدي إلى المفعول ، كما سلف 4: 293 ، تعليق: 1 ، وفهارس المصطلحات.

(48) الأثر: 8725 -"أم كجة" ، انظر ما سلف في التعليق على الأثر: 8656 ، وخبرها هناك.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أم كحة" بالحاء.

أما "عبد الرحمن أخو حسان الشاعر" ، فإنه يعني: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري ، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ، وساق أثر السدي ، ثم قال ، "قلت: ولم أره لغيره ، ولا ذكر أهل النسب لحسان أخًا اسمه عبد الرحمن".

(49) في المطبوعة: "ويعطونه الأكبر" بزيادة واو لا محل لها ، وأثبت ما في المخطوطة.

(50) الأثر: 8727 - رواه البخاري من طريق محمد بن يوسف ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس.

(الفتح 8: 184 ، 12: 19).

(51) الحديث: 8730 - رواه البخاري 1: 261 (فتح) ، من طريق شعبة ، به.

وسيأتي عقب هذا ما رواية ابن جريج ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر.

وكذلك رواه البخاري 8: 182 ، من طريق ابن جريج ، ورواه البخاري أيضًا 10: 98 ، و 12: 2- من رواية سفيان ، عن محمد بن المنكدر.

وذكره ابن كثير 2: 362 ، من رواية البخاري - من طريق ابن جريج - ثم قال ، "كذا رواه مسلم ، والنسائي ، من حديث حجاج بن محمد الأعور ، عن ابن جريج ، به.

ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر".

وذكره السيوطي 2: 124-125 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في سننه.

(52) الحديث: 8731 - هو مكرر الحديث قبله ، كما أشرنا إليه.

وفي المطبوعة"فدعا بوضوء فتوضأ".

وفي المخطوطة"فدعا فتوضأ".

والذي في البخاري - من هذا الوجه -"فدعا بماء".

فالراجح أنها كانت كذلك عن الطبري ، وسقطت من الناسخ سهوًا كلمة"بماء" ، اشتبه عليه الحرفان الأخيران من"فدعا" ، بكلمة"بما" لأنهم في الأكثر لا يثبتون الهمزة = فسقطت الكلمة منه.

وفي المطبوعة لم تكمل الآية بعد"في أولادكم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(53) في المطبوعة: "وإن كان الأولاد واحدة ، ترجمة منه..." ، وفي المخطوطة: "وإن كان الأولاد واحده" ، ولم أجد لكليهما معنى ، فرجحت نصها كما أثبته بين القوسين ، استظهارًا من معنى هذه الآية كما ذكره آنفًا في صدر الكلام ، ورجحت أن قوله: "واحدة" مجلوبة من الآية التي تليها"وإن كانت واحدة" ، وفسرها كذلك ، وساقها قبل مجيئها.

(54) في المطبوعة والمخطوطة: "وإن كانت المتروكة ابنة واحدة" ، وهو لا يستقيم ، فرجحت زيادة ما زدته بين القوسين ، على سياقه في تفسير أخواتها.

(55) كأنه يعني بذلك حديث جابر بن عبد الله ، في خبر موت سعد بن الربيع ، وإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنتيه الثلثين (السنن الكبرى للبيهقي 6: 229) ، وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق = وخبر زيد بن ثابت: "إذا ترك رجل وامرأة بنتًا ، فلها النصف ، وإن كانتا اثنتين أو أكثر ، فلهن الثلثان..." ، أخرجه البخاري (الفتح 12: 8).

هذا ، وعجيب أن يترك أبو جعفر سياق الآثار لحجته في هذا الموضع ، فأخشى أن يكون قد سقط من النساخ الأوائل شيء من كتابه = أو أن يكون هو قد أراد أن يسوق الآثار ، ثم غفل عنها ، وبقيت النسخ بعده ناقصة من دليل احتجاجه.

وهذه أول مرة يخالف فيها أبو جعفر نهجه في تأليف هذا التفسير.

(56) في المطبوعة: "فإذ كان كذلك" ، والجيد ما في المخطوطة.

(57) في المطبوعة: "مجمعون" ، وكذلك كان في المخطوطة ، إلا أن الناسخ عاد فضرب على النون ، وجعل الواو"تاء" مربوطة منقوطة ، وتبع الناشر الأول خطأ الناسخ ، وأغفل تصحيحه!!

فرددته إلى الصواب.

(58) في المطبوعة: "فإن زيد على ذلك من بقية النصف" ، وأثبت ما كان في المخطوطة ، وهو صواب جيد.

(59) في المطبوعة: "لقرب عصبة الميت" وفي المخطوطة"قرب" ، وأجودهما ما أثبت.

(60) يعني بذلك ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ، "أًلْحِقوا الفرائضً بِأَهْلِهَا ، فما بَقي فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذكر" (الفتح 2: 8 ، 9 / السنن الكبرى 6: 234) ، ويروى"لأدنى رجل" ، ومعناه: لأقرب رجل من العصبة.

وهذا أيضًا غريب من أبي جعفر في ترك ذكر حجته من الحديث ، كشأنه في جميع ما سلف ، وانظر ص: 36 ، تعليق: 1 ، وكأنه كان يختصر في هذا الموضع ، وترك ذكر حجته؛ لأنه لا بد أن يكون قد استوفاها في موضعها من كتبه الأخرى.

(61) في المطبوعة: "فإن قال قائل: بماذا" ، و"قائل" زيادة لا شك فيها ، والصواب ما في المخطوطة.

(62) في المخطوطة: "بأنه أقرب ولد الميت إليه" ، وهو خطأ وسهو من الناسخ ، والصواب ، من المطبوعة.

(63) انظر التعليق السالف ص 37 ، تعليق: 3.

(64) في المطبوعة: "وكان بيانه ذلك معينًا لهم على تكرير حكمه" ، وهو خطأ محض وتصريف قبيح ، وفي المخطوطة: "معينا لهم عن تكرير حكمه" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(65) في المخطوطة: "حكم أبوين من الأخوة" ، والصواب ما في المطبوعة.

(66) قوله: "قلت" ليست في المخطوطة ، ولكن السياق يقتضيها ، فأحسن طابع التفسير في إثباتها.

(67) في المطبوعة: "...

وغير والده لوائح الدلالة الواضحة..." وهو شيء لا يكتبه أبو جعفر!!

وفي المخطوطة: "وغير والده ولاح الدلالة..." ، وصواب قراءتها"ولا أخ" معطوفًا على قوله"إذا لم يكن لولدها الميت وارث...".

وقوله: "الدلالة الواضحة" اسم"كان" في قوله: "وكان في فرضه تعالى ذكره...".

(68) في المخطوطة والمطبوعة: "هو ثلث مال ولدها الميت" ، بغير "واو" ، والصواب إثباتها.

وإلا اختل الكلام.

(69) وهذا أيضًا موضع في النفس منه شيء ، فإن أبا جعفر ترك سياق حجته من الآثار ، كما فعل في الموضعين السالفين انظر ص: 36 تعليق: 1 / وص: 37 ، تعليق: 3 ، / ثم انظر السنن الكبرى للبيهقي 6: 227 ، 228.

(70) في المطبوعة: "رضي الله عنه" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(71) الأثر: 8732 - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 227 من طريق: إسحاق بن إبراهيم ، عن شبابة ، عن ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره 2: 367.

وقد عقب ابن كثير عليه بقوله: "وفي صحة هذا الأثر نظر ، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس.

ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به ، والمنقول عنهم خلافه.

وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن خارجة بن زيد ، عن أبيه أنه قال ، "الأخوان ، تسمى إخوة" ، وقد أفردت لهذه المسألة جزءًا على حدة".

أما "شعيب مولى ابن عباس" ، فهو: شعيب بن دينار الهاشمي ، وهو غير الكوفي ، وقد قال فيه ابن حبان: "روى عن ابن عباس ما لا أصل له ، حتى كأنه ابن عباس آخر" ، وانظر اختلاف قولهم فيه في التهذيب ، وأكثرهم على ترك الاحتجاج به ، وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 244 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 367.

(72) هذا أيضًا موضع كان يجب أن يسوق عنده أبو جعفر حجته ، أو يحيل على حجة سالفة ، ولكنه لم يفعل ، وانظر التعليق السالف ص: 40 تعليق: 1: والإشارة إلى المواضع السالفة هناك.

(73) في المخطوطة والمطبوعة: "وقد علمت أن الأخوين في منطق العرب مثالا..." ، وهو فاسد ، والصواب"أن للأخوين" ، كما أثبتها بزيادة"اللام".

(74) في المطبوعة: "بتقارب معنييهما" ، غير ما في المخطوطة ، لأنه قرأ"يتقارب" فعلا ، "بتقارب" اسمًا مصدرًا.

(75) في المطبوعة: "ظهرهما" مكان"ظهريهما" ، وهو خطأ ، لأنه ليس شاهدًا في هذا الموضع ، بل الشاهد ما جاء في المخطوطة كما أثبته ، على التثنية.

(76) ديوانه: 554 ، والنقائض: 553 ، وسيبويه 2: 202 ، وأمالي الشجرى 1: 12 ، وغيرها.

وهو من قصيدته التي مضى بيت منها قريبًا ص: 27 ، تعليق: 3 ، يقول قبله ما لهج به من لهوه وكذبه وعبثه ، ويذكرها صاحبته وأمره معها.

دَعَـوْتُ الَّـذِي سَـمَّى السَّـمَوَاتِ أَيْدُهُ وَللـهُ أَدْنَـى مِـنْ وَرِيِـدي وأَلْطَـفُ لِيَشْــغَلَ عَنِّــي بَعْلَهَــا بِزَمَانَــهٍ تُدَلِّهُــهُ عَنِّــي وعَنْهَــا فَنُسْـعَفُ بِمَــا فــي فُؤَادَيْنَـا .............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

فَأَرْسَـلَ فِـي عَيْنَيْـهِ مـاءً عَلاهُمَـا وَقَـدْ عَلِمُـوا أَنِّـي أَطَـبُّ وأَعْـرَفُ فَدَاوَيْتُــهُ عَـامَيْنِ وَهْـيَ قَـرِ يَبـةٌ أَرَاهَـا، وتَدْنُـو لِـي مِـرَارًا فَأرْشُفُ يقول: دعا الله أن يبتلي زوجها بمرض مزمن ، يدلهه ويحيره ، فيبقى دهشا متغير العقل أو البصر ، فلا يتفقدها ، حتى يصل إلى ما يريد وتريد.

فاستجاب دعاءه ، وأنزل على عينيه ماء ، فطلبوا له الأطباء والعرفاء ، وزعم الفرزدق أنهم عرفوا أنه أطب الناس بهذا الداء ، فأدخلوه إليه ، فظل يطببه عامين ، وهي قريبة منه.

وقوله: "منهاض الفؤاد" الذي هاضه الحزن والوجد ، من"هاض العظم" إذا كسره ، يريد شدة ما يجد من اللوعة ، حتى شفه وأمرض قلبه.

و"المشعف" ، هو الذي شعفه الحب: إذا أحرق قلبه ، مع لذة يجدها المحب ، ولم يذكر أصحاب المعاجم"شعف" مشددة العين ، ولكنه قياس هذه العربية.

وفي المخطوطة والمطبوعة: "المشغف" بالغين المعجمة ، وكأنه صواب أيضًا ، من"شغفه الحب" إذا بلغ شغاف قلبه.

وأما رواية الديوان ، والنقائض ، فهي"المسقف" ، وهي رواية رديئة ، قال أبو عبيدة في شرحها: "هو الذي عليه خشب الجبائر ، والجبائر: هي السقائف تشد على الكسر".

وهو لا شيء ، وإنما حمله على ذلك ذكر"منهاض" ، وأن"المشغف" من صفته ، و"المنهاض" هو العظم الذي كسر بعد الجبر.

ولكن صواب المعنى والرواية ، هو ما ذكرت.

(77) في المطبوعة: "فلفظ الجمع أفصح في منطقها" ، والصواب ما أثبته من المخطوطة ، وقوله: "أفصح" منصوب خبر قوله: "فلما كان ما وصفت".

(78) في المطبوعة: "أشبه معناهما" على الإفراد ، والصواب من المخطوطة مثنى.

وقوله: "وكان الأخوان" ، معطوف على قوله: "فلما كان ما وصفت" ، يريد: "ولما كان الأخوان...".

وسياق الجملة: "وكان الأخوان شخصين...

أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدًا".

(79) في المطبوعة: "فأخرج أنثييهما بلفظ أنثى العضوين" ، وهو كلام لا معنى له ، والصواب من المخطوطة ، فالكلام في"الاثنين" و"الجمع" ، لا في"الأنثى" و"الذكر".

(80) في المطبوعة: "وذلك أنه إذا ضم شيء إلى شيء" ، غير ما كان في المخطوطة كما أثبته ، وهو صواب محض لا يغير.

(81) في المطبوعة والمخطوطة: "بعد أن كانا شتى عنوان الأمر وإن كان كذلك" ، وهو كلام مستهجن لا معنى له ، والناسخ عجل كما رأيت وعلمت ، فكتب"غير أن الأمر" ، "عنوان الأمر" ففسد الكلام ، وأفسد على الناشر الأول فهمه للمعاني.

(82) في المطبوعة: "لأن لكل ما جرى به الكلام على ألسنتهم مثالا معروفًا عندهم وصورة ، إذا غير مغير ما قد عرفوه فيهم أنكره" ، بدل ما كان في المخطوطة تبديلا ، جعل"بمثال""مثالا" وقدمها عن مكانها ، وغير سائر الجملة كما رأيت.

والذي أوقعه في ذلك أن الناسخ كتب"لأن لكل ما جرى" وصوابه"لأن كل ما جرى" كما أثبته.

أما "نكروه" ، فقد جعلها"أنكروه" وهما صواب جميعًا ، إلا أن الواجب عليه كان يقتضي إثبات ما في المخطوطة.

يقال ، "أنكر الشيء إنكارًا ونكره" (على وزن سمع) ، قال الله تعالى في سورة هود: 70: { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً { (83) في المطبوعة: "أنزلوا الأم ولا يرثون" ، وفي المخطوطة: "أمروا بالأمر ولا يرثون" وهو تحريف ما أثبته عن الدر المنثور وابن كثير ، كما سترى في التخريج.

(84) الأثر: 8733 - خرجه ابن كثير في تفسيره 2: 367 ، 368 ، وقال ، "هذا كلام حسن" ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 126.

(85) هكذا في المطبوعة"في بابها" ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، وهي لفظة غريبة هاهنا ، لا أظنها مما كان يجري على ألسنة القوم يومئذ على هذا المعنى ، ولو خيرت لاخترت"في أهلها" ، ولكني تركتها على حالها مخافة أن يكون ظني رجما.

(86) في المطبوعة: "أن رسول الله" بإسقاط الواو ، وأثبت ما في المخطوطة.

(87) الآثار: 8736 ، 8737 ، 8738 - حديث ضعيف ، لضعف"الحارث الأعور" ، وهو: الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني ، وهو ضعيف جدًا ، وقال الشعبي وغيره: "كان كذابًا".

وقد مضى الكلام عنه في رقم: 174 فيما كتبه أخي السيد أحمد ، وفي المسند رقم: 565.

وأسانيده الثلاثة تدور على"الحارث الأعور" ، وقد رواه أحمد في مسنده رقم: 595 ، 1091 ، 1221 مطولا ، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 267 ، والحاكم في المستدرك 4: 336 ، وابن كثير في تفسيره 2: 368 ، وقال ، "رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير" ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 126 ، ونسبه لأبي أبي شيبة ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، والترمذي ، وابن ماجه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم ، والبيهقي في سننه.

ورواه الشافعي في الأم 4: 29 ، مختصرًا كما رواه الطبري ، قال الشافعي: "وقد روى في تبدئة الدين قبل الوصية حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يثبت أهل الحديث مثله".

وساق الحديث عن سفيان عن أبي إسحاق.

قال البيهقي: "امتناع أهل الحديث عن إثبات هذا ، لتفرد الحارث الأعور بروايته عن علي رضي الله عنه ، والحارث لا يحتج بخبره لطعن الحفاظ فيه".

أما الحاكم ، فقد ذكر مثل هذه العلة في الحارث الأعور ، وقال ، "لذلك لم يخرجه الشيخان ، وقد صحت هذه الفتوى عن زيد بن ثابت" ، ثم ساق فتوى زيد بن ثابت بإسناده.

وقال ابن كثير: "ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث الأعور.

وقد تكلم فيه بعض أهل العلم.

قلت (القائل ابن كثير): لكن كان حافظًا للفرائض معتنيًا بها وبالحساب".

(88) سياق هذه الجملة: "هؤلاء الذين أوصاكم الله به فيهم...

آباؤكم وأبناؤكم" ، يريد إعراب"آباؤكم وأبناؤكم" ، وأنه خبر لمبتدأ محذوف.

ولم يشر أحد من المفسرين إلى هذا الإعراب.

بل قال القرطبي في تفسيره: "رفع بالابتداء ، والخبر مضمر ، تقديره: هم المقسوم عليهم ، وهم المعطون".

وقال الألوسي في تفسيره: "الخطاب للورثة ، وآباؤكم مبتدأ ، وأبناؤكم معطوف عليه ، ولا تدرون مع ما في حيزه خبر له".

وكذلك قال العكبري في إعراب القرآن 1: 94.

وأجود القول ما قال أبو جعفر في سياق هذه الآية.

(89) في المطبوعة والمخطوطة: "فرضي لهم المواريث" ، وهو تحريف وسوء كتابة من الناسخ ، ولا معنى له ، والصواب ما أثبت.

(90) قوله: "موقتة" ، أي محددة مقدرة بحد ، وقد سلف شرح هذه الكلمة فيما مضى الجزء 7: 597 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك ، وفي فهرس المصطلحات.

ثم انظر تفسير"الفرض" و"الفريضة" فيما سلف 4: 121 / 5: 120 / 7: 597.

(91) "الخروج" ، انظر تفسيره فيما سلف 7: 25 ، تعليق: 3 ، كأنه يعني به خروج الحال المؤكدة.

(92) انظر ما سلف 7: 599.

(93) انظر تفسير: "كان" نظيرة ما في هذه الآية ، فيما سلف: 7: 523.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيمافيه خمس وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم بين تعالى في هذه الآية ما أجمله في قوله : للرجال نصيب و للنساء نصيب فدل هذا على جواز تأخير البيان عن [ ص: 50 ] وقت السؤال .

وهذه الآية ركن من أركان الدين ، وعمدة من عمد الأحكام ، وأم من أمهات الآيات ؛ فإن الفرائض عظيمة القدر حتى إنها ثلث العلم ، وروي نصف العلم .

وهو أول علم ينزع من الناس وينسى .

رواه الدارقطني ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم وهو أول شيء ينسى وهو أول شيء ينتزع من أمتي .

وروي أيضا عن عبد الله بن مسعود قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس وتعلموا العلم وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما .

وإذا ثبت هذا فاعلم أن الفرائض كانت جل علم الصحابة ، وعظيم مناظرتهم ، ولكن الخلق ضيعوه .

وقد روى مطرف ، عن مالك ، قال عبد الله بن مسعود : ( من لم يتعلم الفرائض والطلاق والحج فبم يفضل أهل البادية ؟

) وقال ابن وهب ، عن مالك : كنت أسمع ربيعة يقول : ( من تعلم الفرائض من غير علم بها من القرآن ما أسرع ما ينساها ) .

قال مالك : وصدق .الثانية : روى أبو داود والدارقطني ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة .

قال الخطابي أبو سليمان : الآية المحكمة هي كتاب الله تعالى : واشترط فيها الإحكام ؛ لأن من الآي ما هو منسوخ لا يعمل به ، وإنما يعمل بناسخه .

والسنة القائمة هي الثابتة مما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من السنن الثابتة .

وقوله : أو فريضة عادلة يحتمل وجهين من التأويل : أحدهما : أن يكون من العدل في القسمة ؛ فتكون معدلة على الأنصباء والسهام المذكورة في الكتاب والسنة .

والوجه الآخر : أن تكون مستنبطة من الكتاب والسنة ومن معناهما ؛ فتكون هذه الفريضة تعدل ما أخذ من الكتاب والسنة إذ كانت في معنى ما أخذ عنهما نصا .روى عكرمة قال : أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت يسأل عن امرأة تركت زوجها وأبويها .

قال : للزوج النصف ، وللأم ثلث ما بقي .

فقال : تجده في كتاب الله أو تقول برأي ؟

قال : أقوله برأي ؛ لا أفضل أما على أب .

قال أبو سليمان : فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نص ؛ وذلك أنه اعتبرها بالمنصوص عليه ، وهو قوله تعالى : وورثه أبواه فلأمه الثلث .

فلما وجد نصيب الأم الثلث ، وكان باقي المال هو الثلثان للأب ، قاس النصف الفاضل من المال بعد نصيب الزوج على كل المال إذا لم يكن مع الوالدين ابن أو ذو سهم ؛ فقسمه بينهما على ثلاثة ، للأم سهم وللأب سهمان وهو الباقي .

وكان هذا أعدل في القسمة من أن يعطي الأم من النصف الباقي ثلث جميع [ ص: 51 ] المال ، وللأب ما بقي وهو السدس ، ففضلها عليه فيكون لها وهي مفضولة في أصل الموروث أكثر مما للأب وهو المقدم والمفضل في الأصل .

وذلك أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من توفير الثلث على الأم ، وبخس الأب حقه برده إلى السدس ؛ فترك قوله وصار عامة الفقهاء إلى زيد .

قال أبو عمر : وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في زوج وأبوين : ( للزوج النصف ، وللأم ثلث جميع المال ، وللأب ما بقي ) .

وقال في امرأة وأبوين : ( للمرأة الربع ، وللأم ثلث جميع المال ، والباقي للأب ) .

وبهذا قال شريح القاضي ومحمد بن سيرين وداود بن علي ، وفرقة منهم أبو الحسن محمد بن عبد الله الفرضي المصري المعروف بابن اللبان في المسألتين جميعا .

وزعم أنه قياس قول علي في المشتركة .

وقال في موضع آخر : إنه قد روي ذلك عن علي أيضا .

قال أبو عمر : المعروف المشهور عن علي وزيد وعبد الله وسائر الصحابة وعامة العلماء ما رسمه مالك .

ومن الحجة لهم على ابن عباس : ( أن الأبوين إذا اشتركا في الوراثة ، ليس معهما غيرهما ، كان للأم الثلث وللأب الثلثان ) .

وكذلك إذا اشتركا في النصف الذي يفضل عن الزوج ، كانا فيه كذلك على ثلث وثلثين .

وهذا صحيح في النظر والقياس .الثالثة : واختلفت الروايات في سبب نزول آية المواريث ؛ فروى الترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارقطني ، عن جابر بن عبد الله أن امرأة سعد بن الربيع قالت : يا رسول الله ، إن سعدا هلك وترك بنتين وأخاه ، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد ، وإنما تنكح النساء على أموالهن ؛ فلم يجبها في مجلسها ذلك .

ثم جاءته فقالت : يا رسول الله ، ابنتا سعد ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادع لي أخاه فجاء فقال له : ادفع إلى ابنته الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي .

لفظ أبي داود .

في رواية الترمذي وغيره : فنزلت آية المواريث .

قال : هذا حديث صحيح .وروى جابر أيضا قال : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان ، فوجداني لا أعقل ، فدعا بماء فتوضأ ، ثم رش علي منه فأفقت .

فقلت : كيف أصنع في مالي يا رسول الله ؟

فنزلت يوصيكم الله في أولادكم .

أخرجاه في الصحيحين .

وأخرجه الترمذي وفيه " فقلت يا نبي الله كيف أقسم مالي بين ولدي ؟

فلم يرد علي شيئا فنزلت يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين الآية .

قال : " حديث حسن صحيح " .وفي البخاري ، عن ابن عباس ( أن نزول ذلك كان من أجل أن المال كان للولد ، والوصية للوالدين ؛ فنسخ ذلك بهذه الآيات ) .

وقال مقاتل والكلبي : نزلت في أم كجة ؛ وقد ذكرناها .

السدي : نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت .

وقيل : إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب [ ص: 52 ] وقاتل العدو ؛ فنزلت الآية تبيينا أن لكل صغير وكبير حظه .

ولا يبعد أن يكون جوابا للجميع ؛ ولذلك تأخر نزولها .

والله أعلم .قال الكيا الطبري : وقد ورد في بعض الآثار أن ما كانت الجاهلية تفعله من ترك توريث الصغير كان في صدر الإسلام إلى أن نسخته هذه الآية ولم يثبت عندنا اشتمال الشريعة على ذلك ، بل ثبت خلافه ؛ فإن هذه الآية نزلت في ورثة سعد بن الربيع .

وقيل : نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شماس .

والأول أصح عند أهل النقل .

فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الميراث من العم ، ولو كان ذلك ثابتا من قبل في شرعنا ما استرجعه .

ولم يثبت قط في شرعنا أن الصبي ما كان يعطى الميراث حتى يقاتل على الفرس ويذب عن الحريم .قلت : وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربي قال : ودل نزول هذه الآية على نكتة بديعة ؛ وهو أن ما كانت عليه الجاهلية تفعله من أخذ المال لم يكن في صدر الإسلام شرعا مسكوتا مقرا عليه ؛ لأنه لو كان شرعا مقرا عليه لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم على عم الصبيتين برد ما أخذ من مالهما ؛ لأن الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما يؤثر في المستقبل فلا ينقض به ما تقدم وإنما كانت ظلامة رفعت .

قاله ابن العربي .الرابعة : قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم قالت الشافعية : قول الله تعالى يوصيكم الله في أولادكم حقيقة في أولاد الصلب ، فأما ولد الابن فإنما يدخل فيه بطريق المجاز ؛ فإذا حلف أن لا ولد له وله ولد ابن لم يحنث ؛ وإذا أوصى لولد فلان لم يدخل فيه ولد ولده .

وأبو حنيفة يقول : إنه يدخل فيه إن لم يكن له ولد صلب .

ومعلوم أن الألفاظ لا تتغير بما قالوه .الخامسة : قال ابن المنذر : لما قال تعالى : يوصيكم الله في أولادكم فكان الذي يجب على ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد ، المؤمن منهم والكافر ؛ فلما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يرث المسلم الكافر علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض ، فلا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم على ظاهر الحديث .[ ص: 53 ] قلت : ولما قال تعالى : في أولادكم دخل فيهم الأسير في أيدي الكفار ؛ فإنه يرث ما دام تعلم حياته على الإسلام .

وبه قال كافة أهل العلم ، إلا النخعي فإنه قال : لا يرث الأسير .

فأما إذا لم تعلم حياته فحكمه حكم المفقود .

ولم يدخل في عموم الآية ميراث النبي صلى الله عليه وسلم لقوله : لا نورث ما تركنا صدقة وسيأتي بيانه في " مريم " إن شاء الله تعالى .

وكذلك لم يدخل القاتل عمدا لأبيه أو جده أو أخيه أو عمه بالسنة وإجماع الأمة ، وأنه لا يرث من مال من قتله ولا من ديته شيئا ؛ على ما تقدم بيانه في البقرة .

فإن قتله خطأ فلا ميراث له من الدية ، ويرث من المال في قول مالك ، ولا يرث في قول الشافعي وأحمد وسفيان وأصحاب الرأي ، من المال ولا من الدية شيئا ؛ حسبما تقدم بيانه في البقرة .

وقول مالك أصح ، وبه قال إسحاق وأبو ثور .

وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والزهري والأوزاعي وابن المنذر ؛ لأن ميراث من ورثه الله تعالى في كتابه ثابت لا يستثنى منه إلا بسنة أو إجماع .

وكل مختلف فيه فمردود إلى ظاهر الآيات التي فيها المواريث .السادسة : اعلم أن الميراث كان يستحق في أول الإسلام بأسباب : منها الحلف والهجرة والمعاقدة ، ثم نسخ على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى : ولكل جعلنا موالي .

إن شاء الله تعالى .

وأجمع العلماء على أن الأولاد إذا كان معهم من له فرض مسمى أعطيه ، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين ؛ لقوله عليه السلام : ألحقوا الفرائض بأهلها رواه الأئمة .

يعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى .

وهي ستة : النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس .

فالنصف فرض خمسة : ابنة الصلب ، وابنة الابن ، والأخت الشقيقة ، والأخت للأب ، والزوج .

وكل ذلك إذا انفردوا عمن يحجبهم عنه .

والربع فرض الزوج مع الحاجب ، وفرض الزوجة والزوجات مع [ ص: 54 ] عدمه .

والثمن فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب .

والثلثان فرض أربع : الاثنتين فصاعدا من بنات الصلب ، وبنات الابن ، والأخوات الأشقاء ، أو للأب .

وكل هؤلاء إذا انفردن عمن يحجبهن عنه .

والثلث فرض صنفين : الأم مع عدم الولد ، وولد الابن ، وعدم الاثنين فصاعدا من الإخوة والأخوات ، وفرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم .

وهذا هو ثلث كل المال .

فأما ثلث ما يبقى فذلك للأم في مسألة زوج أو زوجة وأبوان ؛ فللأم فيها ثلث ما يبقى .

وقد تقدم بيانه .

وفي مسائل الجد مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم وكان ثلث ما يبقى أحظى له .

والسدس فرض سبعة : الأبوان والجد مع الولد وولد الابن ، والجدة والجدات إذا اجتمعن ، وبنات الابن مع بنت الصلب ، والأخوات للأب مع الأخت الشقيقة ، والواحد من ولد الأم ذكرا كان أو أنثى .

وهذه الفرائض كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجدة والجدات فإنه مأخوذ من السنة .

والأسباب الموجبة لهذه الفروض بالميراث ثلاثة أشياء : نسب ثابت ، ونكاح منعقد ، وولاء عتاقة .

وقد تجتمع الثلاثة الأشياء فيكون الرجل زوج المرأة ومولاها وابن عمها .

وقد يجتمع فيه منها شيئان لا أكثر ، مثل أن يكون زوجها ومولاها ، أو زوجها وابن عمها ؛ فيرث بوجهين ويكون له جميع المال إذا انفرد : نصفه بالزوجية ونصفه بالولاء أو بالنسب .

ومثل أن تكون المرأة ابنة الرجل ومولاته ، فيكون لها أيضا المال إذا انفردت : نصفه بالنسب ونصفه بالولاء .السابعة : ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية ؛ فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعينات ، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره ، ثم الديون على مراتبها ، ثم يخرج من الثلث الوصايا ، وما كان في معناها على مراتبها أيضا ، ويكون الباقي ميراثا بين الورثة .

وجملتهم سبعة عشر .

عشرة من الرجال : الابن وابن الابن وإن سفل ، والأب وأب الأب وهو الجد وإن علا ، والأخ وابن الأخ ، والعم وابن العم ، والزوج ومولى النعمة .

ويرث من النساء سبع : البنت وبنت الابن وإن سفلت ، والأم والجدة وإن علت ، والأخت والزوجة ، ومولاة النعمة وهي المعتقة .

وقد نظمهم بعض الفضلاء فقال :والوارثون إن أردت جمعهم مع الإناث الوارثات معهم عشرة من جملة الذكرانوسبع أشخاص من النسوان وهم ، وقد حصرتهم في النظمالابن وابن الابن وابن العم والأب منهم وهو في الترتيبوالجد من قبل الأخ القريب وابن الأخ الأدنى أجل والعموالزوج والسيد ثم الأم [ ص: 55 ] وابنة الابن بعدها والبنتوزوجة وجدة وأخت والمرأة المولاة أعني المعتقهخذها إليك عدة محققهالثامنة : لما قال تعالى : في أولادكم يتناول كل ولد كان موجودا أو جنينا في بطن أمه ، دنيا أو بعيدا ، من الذكور أو الإناث ما عدا الكافر كما تقدم .

قال بعضهم : ذلك حقيقة في الأدنين مجاز في الأبعدين .

وقال بعضهم : هو حقيقة في الجميع ؛ لأنه من التولد ، غير أنهم يرثون على قدر القرب منه ؛ قال الله تعالى : يا بني آدم .

وقال عليه السلام : أنا سيد ولد آدم قال : يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا إلا أنه غلب عرف الاستعمال في إطلاق ذلك على الأعيان الأدنين على تلك الحقيقة ؛ فإن كان في ولد الصلب ذكر لم يكن لولد الولد شيء ، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم .

وإن لم يكن في ولد الصلب ذكر وكان في ولد الولد بدئ بالبنات للصلب ، فأعطين إلى مبلغ الثلثين ، ثم أعطي الثلث الباقي لولد الولد إذا استووا في القعدد ، أو كان الذكر أسفل ممن فوقه من البنات ، للذكر مثل حظ الأنثيين .

هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي .

وبه قال عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ؛ إلا ما يروى عن ابن مسعود أنه قال : ( إن كان الذكر من ولد الولد بإزاء الأنثى رد عليها ، وإن كان أسفل منها يرد عليها ) ؛ مراعيا في ذلك قوله تعالى : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك فلم يجعل للبنات وإن كثرن إلا الثلثين .قلت : هكذا ذكر ابن العربي هذا التفصيل عن ابن مسعود ، والذي ذكره ابن المنذر والباجي عنه : ( أن ما فضل عن بنات الصلب لبني الابن دون بنات الابن ) ، ولم يفصلا .

وحكاه ابن المنذر ، عن أبي ثور .

ونحوه حكى أبو عمر ، قال أبو عمر : وخالف في ذلك ابن مسعود فقال : وإذا استكمل البنات الثلثين فالباقي لبني الابن دون أخواتهم ، ودون من فوقهم من بنات الابن ، ومن تحتهم .

وإلى هذا ذهب أبو ثور وداود بن علي .

وروي مثله عن علقمة .

وحجة من ذهب هذا المذهب حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر خرجه [ ص: 56 ] البخاري ومسلم وغيرهما .

ومن حجة الجمهور قول الله عز وجل : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين لأن ولد الولد ولد .

ومن جهة النظر والقياس أن كل من يعصب من في درجته في جملة المال فواجب أن يعصبه في الفاضل من المال ؛ كأولاد الصلب .

فوجب بذلك أن يشرك ابن الابن أخته ، كما يشرك الابن للصلب أخته .

فإن احتج لأبي ثور وداود أن بنت الابن لما لم ترث شيئا من الفاضل بعد الثلثين منفردة لم يعصبها أخوها .

فالجواب أنها إذا كان معها أخوها قويت به وصارت عصبة معه .

وظاهر قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم وهي من الولد .التاسعة : قوله تعالى فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك الآية .

فرض الله تعالى للواحدة النصف ، وفرض لما فوق الثنتين الثلثين ، ولم يفرض للثنتين فرضا منصوصا في كتابه ؛ فتكلم العلماء في الدليل الذي يوجب لهما الثلثين ما هو ؟

فقيل : الإجماع وهو مردود ؛ لأن الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنتين النصف ؛ لأن الله عز وجل قال : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وهذا شرط وجزاء .

قال : فلا أعطي البنتين الثلثين .

وقيل : أعطيتا الثلثين بالقياس على الأختين ؛ فإن الله سبحانه لما قال في آخر السورة : وله أخت فلها نصف ما ترك وقال تعالى : فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك فألحقت الابنتان بالأختين في الاشتراك في الثلثين ، وألحقت الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين .

واعترض هذا بأن ذلك منصوص عليه في الأخوات ، والإجماع منعقد عليه فهو مسلم بذلك .

وقيل : في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين ، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث إذا انفردت ، علمنا أن للاثنتين الثلثين .

احتج بهذه الحجة وقال هذه المقالة إسماعيل القاضي وأبو العباس المبرد .

قال النحاس : وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط ؛ لأن الاختلاف في البنتين وليس في الواحدة .

فيقول مخالفه : إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف ؛ فهذا دليل على أن هذا فرضهم .

وقيل : فوق زائدة أي إن كن نساء اثنتين .

كقوله تعالى : فاضربوا فوق الأعناق أي الأعناق .

ورد هذا القول النحاس وابن عطية وقالا : هو خطأ ؛ لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى .

قال ابن عطية : ولأن قوله تعالى : فاضربوا فوق الأعناق هو الفصيح ، وليست فوق زائدة بل هي محكمة للمعنى ؛ لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ .

كما قال دريد بن [ ص: 57 ] الصمة : اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم ، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال .

وأقوى الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين الحديث الصحيح المروي في سبب النزول .

ولغة أهل الحجاز وبني أسد الثلث والربع إلى العشر .

ولغة بني تميم وربيعة الثلث بإسكان اللام إلى العشر .

ويقال : ثلثت القوم أثلثهم ، وثلثت الدراهم أثلثها إذا تممتها ثلاثة ، وأثلثت هي ؛ إلا أنهم قالوا في المائة والألف : أمأيتها وآلفتها وأمأت وآلفت .العاشرة : قوله تعالى : وإن كانت واحدة فلها النصف قرأ نافع وأهل المدينة " واحدة " بالرفع على معنى وقعت وحدثت ، فهي كانت التامة ؛ كما قال الشاعر :إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهرمه الشتاءوالباقون بالنصب .

قال النحاس : وهذه قراءة حسنة .

أي وإن كانت المتروكة أو المولودة " واحدة " مثل فإن كن نساء .

فإذا كان مع بنات الصلب بنات ابن ، وكان بنات الصلب اثنتين فصاعدا حجبن بنات الابن أن يرثن بالفرض ؛ لأنه لا مدخل لبنات الابن أن يرثن بالفرض في غير الثلثين .

فإن كانت بنت الصلب واحدة فإن ابنة الابن أو بنات الابن يرثن مع بنات الصلب تكملة الثلثين ؛ لأنه فرض يرثه البنتان فما زاد .

وبنات الابن يقمن مقام البنات عند عدمهن .

وكذلك أبناء البنين يقومون مقام البنين في الحجب والميراث .

فلما عدم من يستحق منهن السدس كان ذلك لبنت الابن ، وهي أولى بالسدس من الأخت الشقيقة للمتوفى .

على هذا جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين ؛ إلا ما يروى عن أبي موسى وسليمان بن أبي ربيعة أن للبنت النصف ، والنصف الثاني للأخت ، ولا حق في ذلك لبنت الابن .

وقد صح عن أبي موسى ما يقتضي أنه رجع عن ذلك ؛ رواه البخاري : حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا أبو قيس سمعت هزيل بن شرحبيل يقول : سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت .

فقال : ( للابنة النصف ، وللأخت النصف ) ؛ وأت ابن مسعود فإنه سيتابعني .

فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال : ( لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين !

أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم : للابنة النصف ، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين ، وما بقي فللأخت ) .

فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال : ( لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم ) .

فإن كان مع بنت الابن أو بنات الابن ابن في درجتها أو أسفل منها عصبها ، فكان النصف الثاني بينهما ، للذكر مثل حظ الأنثيين بالغا ما بلغ - خلافا لابن مسعود على ما تقدم إذا استوفى بنات الصلب ، أو بنت الصلب وبنات الابن الثلثين وكذلك يقول في الأخت لأب وأم ، وأخوات وإخوة لأب : للأخت من الأب والأم النصف ، والباقي للإخوة والأخوات ، ما لم [ ص: 58 ] يصبهن من المقاسمة أكثر من السدس ؛ فإن أصابهن أكثر من السدس أعطاهن السدس تكملة الثلثين ، ولم يزدهن على ذلك .

وبه قال أبو ثور .الحادية عشرة : إذا مات الرجل وترك زوجته حبلى فإن المال يوقف حتى يتبين ما تضع .

وأجمع أهل العلم على أن الرجل إذا مات وزوجته حبلى أن الولد الذي في بطنها يرث ويورث إذا خرج حيا واستهل .

وقالوا جميعا : إذا خرج ميتا لم يرث ؛ فإن خرج حيا ولم يستهل فقالت طائفة : لا ميراث له وإن تحرك أو عطس ما لم يستهل .

هذا قول مالك والقاسم بن محمد وابن سيرين والشعبي والزهري وقتادة .

وقالت طائفة : إذا عرفت حياة المولود بتحريك أو صياح أو رضاع أو نفس فأحكامه أحكام الحي .

هذا قول الشافعي وسفيان الثوري والأوزاعي .

قال ابن المنذر : الذي قال الشافعي يحتمل النظر ، غير أن الخبر يمنع منه وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه .

وهذا خبر ، ولا يقع على الخبر النسخ .الثانية عشرة : لما قال تعالى : في أولادكم تناول الخنثى وهو الذي له فرجان .

وأجمع العلماء على أنه يورث من حيث يبول ؛ إن بال من حيث يبول الرجل ورث ميراث رجل ، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث ميراث المرأة .

قال ابن المنذر : ولا أحفظ عن مالك فيه شيئا ، بل قد ذكر ابن القاسم أنه هاب أن يسأل مالكا عنه .

فإن بال منهما معا فالمعتبر سبق البول ؛ قاله سعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق .

وحكي ذلك عن أصحاب الرأي .

وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال في الخنثى : يورثه من حيث يبول ؛ فإن بال منهما جميعا فمن أيهما سبق ، فإن بال منهما معا فنصف ذكر ونصف أنثى .

وقال يعقوب ومحمد : من أيهما خرج أكثر ورث ؛ وحكي عن الأوزاعي .

وقال النعمان : إذا خرج منهما معا فهو مشكل ، ولا أنظر إلى أيهما أكثر .

وروي عنه أنه وقف عنه إذا كان هكذا .

وحكي عنه قال : إذا أشكل يعطى أقل النصيبين .

وقال يحيى بن آدم : إذا بال من حيث يبول الرجل ويحيض كما تحيض المرأة ورث من حيث يبول ؛ لأن في الأثر : يورث من مباله .

وفي قول الشافعي : إذا خرج منهما جميعا ولم يسبق أحدهما الآخر يكون مشكلا ، ويعطى من الميراث ميراث أنثى ، ويوقف الباقي بينه وبين سائر الورثة حتى يتبين أمره أو يصطلحوا ، وبه قال أبو ثور .

وقال الشعبي : يعطى نصف ميراث الذكر ، ونصف ميراث الأنثى ؛ وبه قال الأوزاعي ، وهو مذهب مالك .

قال ابن شاس في [ ص: 59 ] جواهره الثمينة على مذهب مالك عالم المدينة : الخنثى يعتبر إذا كان ذا فرجين فرج المرأة وفرج الرجل بالمبال منهما ؛ فيعطى الحكم لما بال منه فإن بال منهما اعتبرت الكثرة من أيهما ، فإن تساوى الحال اعتبر السبق ، فإن كان ذلك منهما معا اعتبر نبات اللحية أو كبر الثديين ومشابهتهما لثدي النساء ، فإن اجتمع الأمران اعتبر الحال عند البلوغ ، فإن وجد الحيض حكم به ، وإن وجد الاحتلام وحده حكم به ، فإن اجتمعا فهو مشكل .

وكذلك لو لم يكن فرج ، لا المختص بالرجال ولا المختص بالنساء ، بل كان له مكان يبول منه فقط انتظر به البلوغ ؛ فإن ظهرت علامة مميزة وإلا فهو مشكل .

ثم حيث حكمنا بالإشكال فميراثه نصف نصيبي ذكر وأنثى .قلت : هذا الذي ذكروه من العلامات في الخنثى المشكل .

وقد أشرنا إلى علامة في " البقرة " وصدر هذه السورة تلحقه بأحد النوعين ، وهي اعتبار الأضلاع ؛ وهي مروية عن علي رضي الله عنه وبها حكم .

وقد نظم بعض الفضلاء العلماء حكم الخنثى في أبيات كثيرة أولها :وأنه معتبر الأحوال بالثدي واللحية والمبالوفيها يقول :وإن يكن قد استوت حالاته ولم تبن وأشكلت آياتهفحظه من مورث القريب ستة أثمان من النصيبهذا الذي استحق للإشكال وفيه ما فيه من النكالوواجب في الحق ألا ينكحا ما عاش في الدنيا وألا ينكحاإذ لم يكن من خالص العيال ولا اغتدى من جملة الرجالوكل ما ذكرته في النظم قد قاله سراة أهل العلموقد أبى الكلام فيه قوم منهم ولم يجنح إليه لوملفرط ما يبدو من الشناعه في ذكره وظاهر البشاعهوقد مضى في شأنه الخفي حكم الإمام المرتضى عليبأنه إن نقصت أضلاعه فللرجال ينبغي إتباعهفي الإرث والنكاح والإحرام في الحج والصلاة والأحكاموإن تزد ضلعا على الذكران فإنها من جملة النسوانلأن للنسوان ضلعا زائده على الرجال فاغتنمها فائدهإذ نقصت من آدم فيما سبق لخلق حواء وهذا القول حق[ ص: 60 ] عليه مما قاله الرسول صلى عليه ربنا دليلقال أبو الوليد بن رشد : ولا يكون الخنثى المشكل زوجا ولا زوجة ، ولا أبا ولا أما .

وقد قيل : إنه قد وجد من له ولد من بطنه وولد من ظهره .

قال ابن رشد : فإن صح ورث من ابنه لصلبه ميراث الأب كاملا ، ومن ابنه لبطنه ميراث الأم كاملا .

وهذا بعيد ، والله أعلم .

وفي سنن الدارقطني عن أبي هانئ عمر بن بشير قال : سئل عامر الشعبي عن مولود ليس بذكر ولا أنثى ، ليس له ما للذكر ولا ما للأنثى ، يخرج من سرته كهيئة البول والغائط ؛ فسئل عامر عن ميراثه فقال عامر : نصف حظ الذكر ونصف حظ الأنثى .الثالثة عشرة : قوله تعالى : ولأبويه أي لأبوي الميت .

وهذا كناية عن غير مذكور ، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه ؛ كقوله : حتى توارت بالحجاب و إنا أنزلناه في ليلة القدر .

والسدس رفع بالابتداء ، وما قبله خبره : وكذلك الثلث .

والسدس .

وكذلك نصف ما ترك وكذلك فلكم الربع .

وكذلك لهن الربع .

و فلهن الثمن وكذلك فلكل واحد منهما السدس .

والأبوان تثنية الأب والأبة .

واستغني بلفظ الأم عن أن يقال لها أبة .

ومن العرب من يجري المختلفين مجرى المتفقين ؛ فيغلب أحدهما على الآخر لخفته أو شهرته .

جاء ذلك مسموعا في أسماء صالحة ؛ كقولهم للأب والأم : أبوان .

وللشمس والقمر : القمران .

ولليل والنهار : الملوان .

وكذلك العمران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما .

غلبوا القمر على الشمس لخفة التذكير ، وغلبوا عمر على أبي بكر لأن أيام عمر امتدت فاشتهرت .

ومن زعم أنه أراد بالعمرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز فليس قوله بشيء ؛ لأنهم نطقوا بالعمرين قبل أن يروا عمر بن عبد العزيز ؛ قال ابن الشجري .

ولم يدخل في قوله تعالى : ولأبويه من علا من الآباء دخول من سفل من الأبناء في قوله أولادكم ؛ لأن قوله : ولأبويه لفظ مثنى لا يحتمل العموم والجمع أيضا ؛ بخلاف قوله أولادكم .

والدليل على صحة هذا قوله تعالى : فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث والأم العليا جدة ولا يفرض لها الثلث بإجماع ، فخروج الجدة عن هذا اللفظ مقطوع به ، وتناوله للجد مختلف فيه .

فممن قال هو أب وحجب به الإخوة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولم يخالفه أحد من الصحابة في ذلك أيام حياته ، واختلفوا في ذلك بعد وفاته ؛ فممن قال إنه أب ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأبو [ ص: 61 ] الدرداء وأبو هريرة ، كلهم يجعلون الجد عند عدم الأب كالأب سواء ، يحجبون به الإخوة كلهم ولا يرثون معه شيئا .

وقاله عطاء وطاوس والحسن وقتادة .

وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق .

والحجة لهم قوله تعالى : ملة أبيكم إبراهيم يا بني آدم ، وقوله عليه السلام : يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا .

وذهب علي بن أبي طالب وزيد وابن مسعود إلى توريث الجد مع الإخوة ، ولا ينقص من الثلث مع الإخوة للأب والأم أو للأب إلا مع ذوي الفروض ؛ فإنه لا ينقص معهم من السدس شيئا في قول زيد .

وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي .

وكان علي يشرك بين الإخوة والجد إلى السدس ولا ينقصه من السدس شيئا مع ذوي الفرائض وغيرهم .

وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة .

وأجمع العلماء على أن الجد لا يرث مع الأب وأن الابن يحجب أباه .

وأنزلوا الجد بمنزلة الأب في الحجب والميراث إذا لم يترك المتوفى أبا أقرب منه في جميع المواضع .

وذهب الجمهور إلى أن الجد يسقط بني الإخوة من الميراث ؛ إلا ما روي عن الشعبي عن علي أنه أجرى بني الإخوة في المقاسمة مجرى الإخوة .

والحجة لقول الجمهور إن هذا ذكر لا يعصب أخته فلا يقاسم الجد كالعم وابن العم .

قال الشعبي : أول جد ورث في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ مات ابن لعاصم بن عمر وترك أخوين فأراد عمر أن يستأثر بمال فاستشار عليا وزيدا في ذلك فمثلا له مثلا فقال : ( لولا أن رأيكما اجتمع ما رأيت أن يكون ابني ولا أكون أباه ) .

روى الدارقطني عن زيد بن ثابت أن عمر بن الخطاب استأذن عليه يوما فأذن له ، ورأسه في يد جارية له ترجله ، فنزع رأسه ؛ فقال له عمر : دعها ترجلك .

فقال : يا أمير المؤمنين ، لو أرسلت إلي جئتك .

فقال عمر : إنما الحاجة لي ، إني جئتك لتنظر في أمر الجد .

فقال زيد : لا والله !

ما تقول فيه .

فقال عمر : ليس هو بوحي حتى نزيد فيه وننقص ، إنما هو شيء تراه ، فإن رأيته وافقني تبعته ، وإلا لم يكن عليك فيه شيء .

فأبى زيد ، فخرج مغضبا وقال : قد جئتك وأنا أظن ستفرغ من حاجتي .

ثم أتاه مرة أخرى في الساعة التي أتاه في المرة الأولى ، فلم يزل به حتى قال : فسأكتب لك فيه .

فكتبه في قطعة قتب وضرب له مثلا .

إنما مثله مثل شجرة تنبت على ساق واحدة ، فخرج فيها غصن ثم خرج في غصن غصن آخر ؛ فالساق يسقي الغصن ، فإن قطعت الغصن الأول رجع الماء إلى الغصن ، وإن قطعت الثاني رجع الماء إلى الأول .

فأتى به فخطب الناس عمر ثم قرأ قطعة القتب عليهم ثم قال : إن زيد بن ثابت قد قال [ ص: 62 ] في الجد قولا وقد أمضيته .

قال : وكان عمر أول جد كان ؛ فأراد أن يأخذ المال كله ، مال ابن ابنه دون إخوته ، فقسمه بعد ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه .الرابعة عشرة : وأما الجدة فأجمع أهل العلم على أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم .

وأجمعوا على أن الأم تحجب أمها وأم الأب .

وأجمعوا على أن الأب لا يحجب أم الأم .

واختلفوا في توريث الجدة وابنها حي ؛ فقالت طائفة : ( لا ترث الجدة وابنها حي ) .

روي عن زيد بن ثابت وعثمان وعلي .

وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي .

وقالت طائفة : ( ترث الجدة مع ابنها ) .

روي عن عمر وابن مسعود وعثمان وعلي وأبي موسى الأشعري ، وقال به شريح وجابر بن زيد وعبيد الله بن الحسن وشريك وأحمد وإسحاق وابن المنذر .

وقال : كما أن الجد لا يحجبه إلا الأب كذلك الجدة لا يحجبها إلا الأم .

وروى الترمذي عن عبد الله قال في الجدة مع ابنها : ( إنها أول جدة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم سدسا مع ابنها وابنها حي ) .

والله أعلم .الخامسة عشرة : واختلف العلماء في توريث الجدات ؛ فقال مالك : لا يرث إلا جدتان ، أم أم وأم أب وأمهاتهما .

وكذلك روى أبو ثور عن الشافعي ، وقال به جماعة من التابعين .

فإن انفردت إحداهما فالسدس لها ، وإن اجتمعتا وقرابتهما سواء فالسدس بينهما .

وكذلك إن كثرن إذا تساوين في القعدد ؛ وهذا كله مجمع عليه .

فإن قربت التي من قبل الأم كان لها السدس دون غيرها ، وإن قربت التي من قبل الأب كان بينها وبين التي من قبل الأم وإن بعدت .

ولا ترث إلا جدة واحدة من قبل الأم .

ولا ترث الجدة أم أب الأم على حال .

هذا مذهب زيد بن ثابت ، وهو أثبت ما روي عنه في ذلك .

وهو قول مالك وأهل المدينة .

وقيل : إن الجدات أمهات ؛ فإذا اجتمعن فالسدس لأقربهن ؛ كما أن الآباء إذا اجتمعوا كان أحدهم بالميراث أقربهم ؛ فكذلك البنون والإخوة ، وبنو الإخوة وبنو العم إذا اجتمعوا كان أحقهم بالميراث أقربهم ؛ فكذلك الأمهات .

قال ابن المنذر : وهذا أصح ، وبه أقول .

وكان الأوزاعي يورث ثلاث جدات : واحدة من قبل الأم واثنتين من قبل الأب .

وهو قول أحمد بن حنبل ؛ رواه الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وروي عن زيد بن ثابت عكس هذا ؛ أنه كان يورث ثلاث جدات : ثنتين من جهة الأم وواحدة من قبل الأب .

وقول علي رضي الله عنه كقول زيد هذا .

وكانا يجعلان السدس لأقربهما ، من قبل الأم كانت أو من قبل الأب .

ولا يشركها فيه من ليس في قعددها ، وبه يقول الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور .

وأما عبد الله بن مسعود وابن عباس فكانا يورثان الجدات الأربع ؛ وهو قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين وجابر بن [ ص: 63 ] زيد .

قال ابن المنذر : وكل جدة إذا نسبت إلى المتوفى وقع في نسبها أب بين أمين فليست ترث ، في قول كل من يحفظ عنه من أهل العلم .السادسة عشرة : قوله تعالى لكل واحد منهما السدس فرض تعالى لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس ؛ وأبهم الولد فكان الذكر والأنثى فيه سواء .

فإن مات رجل وترك ابنا وأبوين فلأبويه لكل واحد منهما السدس ، وما بقي فللابن .

فإن ترك ابنة وأبوين فللابنة النصف وللأبوين السدسان ، وما بقي فلأقرب عصبة وهو الأب ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر .

فاجتمع للأب الاستحقاق بجهتين : التعصيب والفرض .فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فأخبر جل ذكره أن الأبوين إذا ورثاه أن للأم الثلث .

ودل بقوله : وورثه أبواه وإخباره أن للأم الثلث ، أن الباقي وهو الثلثان للأب .

وهذا كما تقول لرجلين : هذا المال بينكما ، ثم تقول لأحدهما : أنت يا فلان لك منه ثلث ؛ فإنك حددت للآخر منه الثلثين بنص كلامك ؛ ولأن قوة الكلام في قوله : وورثه أبواه يدل على أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من ولد وغيره ، وليس في هذا اختلاف .قلت : وعلى هذا يكون الثلثان فرضا للأب مسمى لا يكون عصبة ، وذكر ابن العربي أن المعنى في تفضيل الأب بالثلث عند عدم الولد الذكورية والنصرة ، ووجوب المؤنة عليه ، وثبتت الأم على سهم لأجل القرابة .قلت : وهذا منتقض ؛ فإن ذلك موجود مع حياته فلم حرم السدس .

والذي يظهر أنه إنما حرم السدس في حياته إرفاقا بالصبي وحياطة على ماله ؛ إذ قد يكون إخراج جزء من ماله إجحافا به .

أو أن ذلك تعبد ، وهو أولى ما يقال .

والله الموفق .السابعة عشرة : إن قيل : ما فائدة زيادة الواو في قوله : وورثه أبواه ، وكان ظاهر الكلام أن يقول : فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه .

قيل له : أراد بزيادتها الإخبار ليبين أنه أمر مستقر ثابت ، فيخبر عن ثبوته واستقراره ، فيكون حال الوالدين عند انفرادهما كحال الولدين ، للذكر مثل حظ الأنثيين .

ويجتمع للأب بذلك فرضان السهم والتعصيب إذ يحجب الإخوة كالولد .

وهذا عدل في الحكم ، ظاهر في الحكمة .

والله أعلم .الثامنة عشرة : قوله تعالى : فلأمه الثلث قرأ أهل الكوفة " فلإمه الثلث " وهي لغة حكاها سيبويه .

قال الكسائي : هي لغة كثير من هوازن وهذيل ؛ ولأن اللام لما كانت مكسورة وكانت متصلة بالحرف كرهوا ضمة بعد كسرة ، فأبدلوا من الضمة كسرة ؛ لأنه ليس في الكلام [ ص: 64 ] فعل .

ومن ضم جاء به على الأصل ؛ ولأن اللام تنفصل لأنها داخلة على الاسم .

قال جميعه النحاس .التاسعة عشرة : قوله تعالى : فإن كان له إخوة فلأمه السدس الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس ، وهذا هو حجب النقصان ، وسواء كان الإخوة أشقاء أو للأب أو للأم ، ولا سهم لهم .

وروي عن ابن عباس أنه كان يقول : ( السدس الذي حجب الإخوة الأم عنه هو للإخوة ) .

وروي عنه مثل قول الناس ( إنه للأب ) .

قال قتادة : وإنما أخذه الأب دونهم ؛ لأنه يمونهم ويلي نكاحهم والنفقة عليهم .

وأجمع أهل العلم على أن أخوين فصاعدا ذكرانا كانوا أو إناثا من أب وأم ، أو من أب أو من أم يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس ؛ إلا ما روي عن ابن عباس أن ( الاثنين من الإخوة في حكم الواحد ، ولا يحجب الأم أقل من ثلاثة ) .

وقد صار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الأم من الثلث إلى السدس ؛ لأن كتاب الله في الإخوة وليست قوة ميراث الإناث مثل قوة ميراث الذكور حتى تقتضي العبرة الإلحاق .

قال الكيا الطبري : ومقتضى أقوالهم ألا يدخلن مع الإخوة ؛ فإن لفظ الإخوة بمطلقه لا يتناول الأخوات ، كما أن لفظ البنين لا يتناول البنات .

وذلك يقتضي ألا تحجب الأم بالأخ الواحد والأخت من الثلث إلى السدس ؛ وهو خلاف إجماع المسلمين .

وإذا كن مرادات بالآية مع الإخوة كن مرادات على الانفراد .

واستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان ؛ لأن التثنية جمع شيء إلى مثله ، فالمعنى يقتضي أنها جمع .

وقال عليه السلام : الاثنان فما فوقهما جماعة .

وحكي عن سيبويه أنه قال : سألت الخليل عن قوله " ما أحسن وجوههما " ؟

فقال : الاثنان جماعة .

وقد صح قول الشاعر :ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسينوأنشد الأخفش :لما أتتنا المرأتان بالخبر فقلن إن الأمر فينا قد شهروقال آخر :يحيى بالسلام غني قوم ويبخل بالسلام على الفقيرأليس الموت بينهما سواء إذا ماتوا وصاروا في القبورولما وقع الكلام في ذلك بين عثمان وابن عباس قال له عثمان : ( إن قومك حجبوها - يعني قريشا - وهم أهل الفصاحة والبلاغة ) .

وممن قال : ( إن أقل الجمع ثلاثة ) - وإن لم يقل به هنا - ابن مسعود والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم .

والله أعلم .[ ص: 65 ] الموفية عشرين : قوله تعالى : من بعد وصية يوصي بها أو دين قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم " يوصى " بفتح الصاد .

الباقون بالكسر ، وكذلك الآخر .

واختلفت الرواية فيهما عن عاصم .

والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ؛ لأنه جرى ذكر الميت قبل هذا .

قال الأخفش : وتصديق ذلك قوله تعالى : يوصين وتوصون .الحادية والعشرون : إن قيل : ما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدين ، والدين مقدم عليها بإجماع .

وقد روى الترمذي عن الحارث عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية ، وأنتم تقرون الوصية قبل الدين .

قال : والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أنه يبدأ بالدين قبل الوصية .

وروى الدارقطني من حديث عاصم بن ضمرة عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الدين قبل الوصية وليس لوارث وصية .

رواه عنهما أبو إسحاق الهمداني .

فالجواب من أوجه خمسة : الأول : إنما قصد تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما ؛ فلذلك تقدمت الوصية في اللفظ .جواب ثان : لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمها اهتماما بها ؛ كما قال تعالى : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة .جواب ثالث : قدمها لكثرة وجودها ووقوعها ؛ فصارت كاللازم لكل ميت مع نص الشرع عليها ، وأخر الدين لشذوذه ، فإنه قد يكون وقد لا يكون .

فبدأ بذكر الذي لا بد منه ، وعطف بالذي قد يقع أحيانا .

ويقوي هذا : العطف بأو ، ولو كان الدين راتبا لكان العطف بالواو .جواب رابع : إنما قدمت الوصية إذ هي حظ مساكين وضعفاء ، وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان وله فيه مقال .جواب خامس : لما كانت الوصية ينشئها من قبل نفسه قدمها ، والدين ثابت مؤدى ذكره أو لم يذكره .الثانية والعشرون : ولما ثبت هذا تعلق الشافعي بذلك في تقديم دين الزكاة والحج على الميراث فقال : إن الرجل إذا فرط في زكاته وجب أخذ ذلك من رأس ماله .

وهذا ظاهر ببادئ الرأي ؛ لأنه حق من الحقوق فيلزم أداؤه عنه بعد الموت كحقوق الآدميين لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدمي .

وقال أبو حنيفة ومالك : إن أوصى بها أديت من ثلثه ، وإن سكت عنها لم يخرج عنه شيء .

قالوا : لأن ذلك موجب لترك الورثة فقراء ؛ إلا أنه قد يتعمد ترك الكل حتى إذا مات استغرق ذلك جميع ماله فلا يبقى للورثة حق .الثالثة والعشرون : قوله تعالى : آباؤكم وأبناؤكم رفع بالابتداء والخبر مضمر ، تقديره : هم المقسوم عليهم وهم المعطون .[ ص: 66 ] الرابعة والعشرون : قوله تعالى : لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا قيل : في الدنيا بالدعاء والصدقة ؛ كما جاء في الأثر ( إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده ) .

وفي الحديث الصحيح إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث - فذكر - أو ولد صالح يدعو له .

وقيل : ( في الآخرة ؛ فقد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه ) ؛ عن ابن عباس والحسن .

وقال بعض المفسرين : إن الابن إذا كان أرفع من درجة أبيه في الآخرة سأل الله فرفع إليه أباه ، وكذلك الأب إذا كان أرفع من ابنه ؛ وسيأتي في " الطور " بيانه .

وقيل : في الدنيا والآخرة ؛ قال ابن زيد .

واللفظ يقتضي ذلك .الخامسة والعشرون : قوله تعالى : فريضة فريضة نصب على المصدر المؤكد ، إذ معنى يوصيكم يفرض عليكم .

وقال مكي وغيره : هي حال مؤكدة ؛ والعامل يوصيكم وذلك ضعيف .

والآية متعلقة بما تقدم ؛ وذلك أنه عرف العباد أنهم كفوا مؤنة الاجتهاد في إيصاء القرابة مع اجتماعهم في القرابة ، أي إن الآباء والأبناء ينفع بعضهم بعضا في الدنيا بالتناصر والمواساة ، وفي الآخرة بالشفاعة .

وإذا تقرر ذلك في الآباء والأبناء تقرر ذلك في جميع الأقارب ؛ فلو كان القسمة موكولة إلى الاجتهاد لوجوب النظر في غنى كل واحد منهم .

وعند ذلك يخرج الأمر عن الضبط إذ قد يختلف الأمر ، فبين الرب تبارك وتعالى أن الأصلح للعبد ألا يوكل إلى اجتهاده في مقادير المواريث ، بل بين المقادير شرعا .إن الله كان عليما أي بقسمة المواريث حكيما حكم قسمتها وبينها لأهلها .

وقال الزجاج : عليما أي بالأشياء قبل خلقها حكيما فيما يقدره ويمضيه منها .

وقال بعضهم : إن الله سبحانه لم يزل ولا يزال ، والخبر منه بالماضي كالخبر منه بالاستقبال .

ومذهب سيبويه أنهم رأوا حكمة وعلما فقيل لهم : إن الله عز وجل كان كذلك لم يزل على ما رأيتم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الآيات والآية التي هي آخر السورة هن آيات المواريث المتضمنة لها.

فإنها مع حديث عبد الله بن عباس الثابت في صحيح البخاري \"ألْحِقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر\" - مشتملات على جل أحكام الفرائض، بل على جميعها كما سترى ذلك، إلا ميراث الجدات فإنه غير مذكور في ذلك.

لكنه قد ثبت في السنن عن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس، مع إجماع العلماء على ذلك.

فقوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } أي: أولادكم -يا معشر الوالِدِين- عندكم ودائع قد وصاكم الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدبونهم وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله وملازمة التقوى على الدوام كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، وإما أن يضيعوها فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب.

وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم، عليهم.

ثم ذكر كيفية إرثهم فقال: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } أي: الأولاد للصلب، والأولاد للابن، للذكر مثل حظ الأنثيين، إن لم يكن معهم صاحب فرض، أو ما أبقت الفروض يقتسمونه كذلك، وقد أجمع العلماء على ذلك، وأنه -مع وجود أولاد الصلب- فالميراث لهم.

وليس لأولاد الابن شيء، حيث كان أولاد الصلب ذكورًا وإناثا، هذا مع اجتماع الذكور والإناث.

وهنا حالتان: انفراد الذكور، وسيأتي حكمها.

وانفراد الإناث، وقد ذكره بقوله: { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } أي: بنات صلب أو بنات ابن، ثلاثا فأكثر { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَة } أي: بنتا أو بنت ابن { فَلَهَا النِّصْفُ } وهذا إجماع.

بقي أن يقال: من أين يستفاد أن للابنتين الثنتين الثلثين بعد الإجماع على ذلك؟

فالجواب أنه يستفاد من قوله: { وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } فمفهوم ذلك أنه إن زادت على الواحدة، انتقل الفرض عن النصف، ولا ثَمَّ بعده إلا الثلثان.

وأيضا فقوله: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } إذا خلَّف ابنًا وبنتًا، فإن الابن له الثلثان، وقد أخبر الله أنه مثل حظ الأنثيين، فدل ذلك على أن للبنتين الثلثين.

وأيضًا فإن البنت إذا أخذت الثلث مع أخيها - وهو أزيد ضررًا عليها من أختها، فأخذها له مع أختها من باب أولى وأحرى.

وأيضا فإن قوله تعالى في الأختين: { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } نص في الأختين الثنتين.

فإذا كان الأختان الثنتان -مع بُعدهما- يأخذان الثلثين فالابنتان -مع قربهما- من باب أولى وأحرى.

وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ابنتي سعد الثلثين كما في الصحيح.

بقي أن يقال: فما الفائدة في قوله: { فَوْقَ اثْنَتَيْن } ؟.

قيل: الفائدة في ذلك -والله أعلم- أنه ليعلم أن الفرض الذي هو الثلثان لا يزيد بزيادتهن على الثنتين بل من الثنتين فصاعدًا.

ودلت الآية الكريمة أنه إذا وجد بنت صلب واحدة، وبنت ابن أو بنات ابن، فإن لبنت الصلب النصف، ويبقى من الثلثين اللذين فرضهما الله للبنات أو بنات الابن السدس، فيعطى بنت الابن، أو بنات الابن، ولهذا يسمى هذا السدس تكملة الثلثين.

ومثل ذلك بنت الابن، مع بنات الابن اللاتي أنزل منها.

وتدل الآية أنه متى استغرق البنات أو بنات الابن الثلثين، أنه يسقط مَنْ دونهن مِنْ بنات الابن لأن الله لم يفرض لهن إلا الثلثين، وقد تم.

فلو لم يسقطن لزم من ذلك أن يفرض لهن أزيَد من الثلثين، وهو خلاف النص.

وكل هذه الأحكام مجمع عليها بين العلماء ولله الحمد.

ودل قوله: { مِمَّا تَرَكَ } أن الوارثين يرثون كل ما خلف الميت من عقار وأثاث وذهب وفضة وغير ذلك، حتى الدية التي لم تجب إلا بعد موته، وحتى الديون التي في الذمم ثم ذكر ميراث الأبوين فقال: { وَلِأَبَوَيْهِ } أي: أبوه وأمه { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } أي: ولد صلب أو ولد ابن ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو متعددًا.

فأما الأُم فلا تزيد على السدس مع أحد من الأولاد.

وأما الأب فمع الذكور منهم، لا يستحق أزيد من السدس، فإن كان الولد أنثى أو إناثا ولم يبق بعد الفرض شيء -كأبوين وابنتين- لم يبق له تعصيب.

وإن بقي بعد فرض البنت أو البنات شيء أخذ الأب السدس فرضًا، والباقي تعصيبًا، لأننا ألحقنا الفروض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر، وهو أولى من الأخ والعم وغيرهما.

{ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } أي: والباقي للأب لأنه أضاف المال إلى الأب والأُم إضافة واحدة، ثم قدر نصيب الأُم، فدل ذلك على أن الباقي للأب.

وعلم من ذلك أن الأب مع عدم الأولاد لا فرض له، بل يرث تعصيبا المال كله، أو ما أبقت الفروض، لكن لو وجد مع الأبوين أحد الزوجين -ويعبر عنهما بالعمريتين- فإن الزوج أو الزوجة يأخذ فرضه، ثم تأخذ الأُم ثلث الباقي والأب الباقي.

وقد دل على ذلك قوله: { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } أي: ثلث ما ورثه الأبوان.

وهو في هاتين الصورتين إما سدس في زوج وأم وأب، وإما ربع في زوجة وأم وأب.

فلم تدل الآية على إرث الأُم ثلثَ المال كاملا مع عدم الأولاد حتى يقال: إن هاتين الصورتين قد استثنيتا من هذا.

ويوضح ذلك أن الذي يأخذه الزوج أو الزوجة بمنزلة ما يأخذه الغرماء، فيكون من رأس المال، والباقي بين الأبوين.

ولأنا لو أعطينا الأُم ثلث المال، لزم زيادتها على الأب في مسألة الزوج، أو أخذ الأب في مسألة الزوجة زيادة عنها نصفَ السدس، وهذا لا نظير له، فإن المعهود مساواتها للأب، أو أخذه ضعفَ ما تأخذه الأم.

{ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } أشقاء، أو لأب، أو لأم، ذكورًا كانوا أو إناثًا، وارثين أو محجوبين بالأب أو الجد [لكن قد يقال: ليس ظاهرُ قوله: { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } شاملا لغير الوارثين بدليل عدم تناولها للمحجوب بالنصف، فعلى هذا لا يحجبها عن الثلث من الإخوة إلا الإخوة الوارثون.

ويؤيده أن الحكمة في حجبهم لها عن الثلث لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال، وهو معدوم، والله أعلم] ولكن بشرط كونهم اثنين فأكثر، ويشكل على ذلك إتيان لفظ \"الإخوة\" بلفظ الجمع.

وأجيب عن ذلك بأن المقصود مجرد التعدد، لا الجمع، ويصدق ذلك باثنين.

وقد يطلق الجمع ويراد به الاثنان، كما في قوله تعالى عن داود وسليمان { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } وقال في الإخوة للأُم: { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } فأطلق لفظ الجمع والمراد به اثنان فأكثر بالإجماع.

فعلى هذا لو خلف أمًّا وأبًا وإخوة، كان للأُم السدس، والباقي للأب فحجبوها عن الثلث، مع حجب الأب إياهم [إلا على الاحتمال الآخر فإن للأم الثلث والباقي للأب] ثم قال تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } أي: هذه الفروض والأنصباء والمواريث إنما ترد وتستحق بعد نزع الديون التي على الميت لله أو للآدميين، وبعد الوصايا التي قد أوصى الميت بها بعد موته، فالباقي عن ذلك هو التركة الذي يستحقه الورثة.

وقدم الوصية مع أنها مؤخرة عن الدين للاهتمام بشأنها، لكون إخراجها شاقًّا على الورثة، وإلا فالديون مقدمة عليها، وتكون من رأس المال.

وأما الوصية فإنها تصح من الثلث فأقل للأجنبي الذي هو غير وارث.

وأما غير ذلك فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة، قال تعالى: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } فلو ردَّ تقدير الإرث إلى عقولكم واختياركم لحصل من الضرر ما الله به عليم، لنقص العقول وعدم معرفتها بما هو اللائق الأحسن، في كل زمان ومكان.

فلا يدرون أَيُّ الأولادِ أو الوالِدين أنفع لهم، وأقرب لحصول مقاصدهم الدينية والدنيوية.

{ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } أي: فرضها الله الذي قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحكم ما شرعه وقدَّر ما قدَّره على أحسن تقدير لا تستطيع العقول أن تقترح مثل أحكامه الصالحة الموافقة لكل زمان ومكان وحال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) الآية ، اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالذكورة والقوة فكانوا يورثون الرجال دون النساء والصبيان ، فأبطل الله ذلك بقوله : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) الآية ، وكانت أيضا في الجاهلية وابتداء الإسلام بالمحالفة ، قال الله تعالى : " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " ( النساء - 33 ) ثم صارت الوراثة بالهجرة ، قال الله تعالى " والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا " ( الأنفال - 72 ) فنسخ ذلك كله وصارت الوراثة بأحد الأمور الثلاثة بالنسب أو النكاح أو الولاء ، فالمعني بالنسب أن القرابة يرث بعضهم من بعض ، لقوله تعالى " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " ( الأحزاب - 6 ) ، والمعني بالنكاح : أن أحد الزوجين يرث صاحبه ، وبالولاء : أن المعتق وعصباته يرثون المعتق ، فنذكر بعون الله تعالى فصلا وجيزا في بيان من يرث من الأقارب ، وكيفية توريث الورثة فنقول : إذا مات ميت وله مال فيبدأ بتجهيزه ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه فما فضل يقسم بين الورثة .

( ثم الورثة ) على ثلاثة أقسام : منهم من يرث بالفرض ومنهم من يرث بالتعصيب ، ومنهم من يرث بهما جميعا ، فمن يرث بالنكاح لا يرث إلا بالفرض ، ومن يرث بالولاء لا يرث إلا بالتعصيب ، أما من يرث بالقرابة فمنهم من يرث بالفرض كالبنات والأخوات والأمهات والجدات ، وأولاد الأم ، ومنهم من يرث بالتعصيب كالبنين والإخوة وبني الإخوة والأعمام وبنيهم ، ومنهم من يرث بهما كالأب يرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد ، فإن كان للميت ابن : يرث الأب بالفرض السدس ، وإن كان للميت بنت فيرث الأب السدس بالفرض ويأخذ الباقي بعد نصيب البنت بالتعصيب ، وكذلك الجد ، وصاحب التعصيب من يأخذ جميع المال عند الانفراد ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض .

وجملة الورثة سبعة عشر : عشرة من الرجال وسبع من النساء ، فمن الرجال : الابن وابن الابن وإن سفل والأب والجد أبو الأب وإن علا والأخ سواء كان لأب وأم أو لأب أو لأم ، وابن الأخ للأب والأم أو للأب وإن سفل والعم للأب والأم أو للأب وأبناؤهما وإن سفلوا ، والزوج ومولى العتاق ، ومن النساء البنت وبنت الابن وإن سفلت ، والأم والجدة أم الأم وأم الأب ، والأخت سواء كانت لأب وأم أو لأب أو لأم ، والزوجة ومولاة العتاق .

وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير : الأبوان والولدان ، والزوجان ، لأنه ليس بينهم وبين الميت واسطة .

والأسباب التي توجب حرمان الميراث أربعة : اختلاف الدين ، والرق ، والقتل وعمي الموت .

ونعني باختلاف الدين أن الكافر لا يرث المسلم والمسلم لا يرث الكافر ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أنا ابن عيينة عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " .

فأما الكفار فيرث بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم ، لأن الكفر كله ملة واحدة ، لقوله تعالى : " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " ( الأنفال - 73 ) .

وذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل في الكفر يمنع التوارث حتى لا يرث اليهودي النصراني ولا النصراني المجوسي ، وإليه ذهب الزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يتوارث أهل ملتين شتى " ، وتأوله الآخرون على الإسلام مع الكفر فكله ملة واحدة فتوريث بعضهم من بعض لا يكون فيه إثبات التوارث بين أهل ملتين شتى .

والرقيق لا يرث أحدا ولا يرثه أحد لأنه لا ملك له ، ولا فرق فيه بين القن والمدبر والمكاتب وأم الولد .

والقتل يمنع الميراث عمدا كان أو خطأ لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " القاتل لا يرث " .

ونعني بعمي الموت أن المتوارثين إذا عمي موتهما بأن غرقا في ماء أو انهدم عليهما بناء فلم يدر أيهما سبق موته فلا يورث أحدهما من الآخر ، بل ميراث كل واحد منهما لمن كانت حياته يقينا بعد موته من ورثته .

والسهام المحدودة في الفرائض ستة : النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس .

فالنصف فرض ثلاثة : فرض الزوج عند عدم الولد وفرض البنت الواحدة للصلب أو بنت الابن عند عدم ولد الصلب ، وفرض الأخت الواحدة للأب والأم أو للأب إذا لم يكن ولد لأب وأم .

والربع فرض الزوج إذا كان للميتة ولد وفرض الزوجة إذا لم يكن للميت ولد .

والثمن : فرض الزوجة إذا كان للميت ولد .

والثلثان فرض البنتين للصلب فصاعدا ولبنتي الابن فصاعدا عند عدم ولد الصلب ، وفرض الأختين لأب وأم أو للأب فصاعدا .

والثلث فرض ثلاثة : فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا اثنان من الأخوات والإخوة ، إلا في مسألتين : إحداهما زوج وأبوان ، والثانية زوجة وأبوان ، فإن للأم فيهما ثلث ما بقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة ، وفرض الاثنين فصاعدا من أولاد الأم ، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء ، وفرض الجد مع الإخوة إذ لم يكن في المسألة صاحب فرض ، وكان الثلث خيرا للجد من المقاسمة مع الإخوة .

وأما السدس ففرض سبعة : فرض الأب إذا كان للميت ولد ، وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو اثنان من الإخوة والأخوات ، وفرض الجد إذا كان للميت ولد ومع الإخوة والأخوات إذا كان في المسألة صاحب فرض ، وكان السدس خيرا للجد من المقاسمة مع الإخوة ، وفرض الجدة والجدات وفرض الواحد من أولاد الأم ذكرا أو أنثى ، وفرض بنات الابن إذا كان للميت بنت واحدة للصلب تكملة الثلثين ، وفرض الأخوات للأب إذا كان للميت أخت واحدة لأب وأم تكملة الثلثين .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم ، أنا وهيب أنا ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر " .

وفي الحديث دليل على أن بعض الورثة يحجب البعض ، والحجب نوعان حجب نقصان وحجب حرمان : فأما حجب النقصان فهو أن الولد وولد الابن يحجب الزوج من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن ، والأم من الثلث إلى السدس ، وكذلك الاثنان فصاعدا من الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس .

وحجب الحرمان هو أن الأم تسقط الجدات ، وأولاد الأم - وهم الإخوة والأخوات للأم - يسقطون بأربعة : بالأب والجد وإن علا وبالولد وولد الابن وإن سفل ، وأولاد الأب والأم يسقطون بثلاثة بالأب والابن وابن الابن وإن سفلوا ، ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت ، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم ، وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله .

وأولاد الأب يسقطون بهؤلاء الثلاثة وبالأخ للأب والأم ، وذهب قوم إلى أن الإخوة جميعا يسقطون بالجد كما يسقطون بالأب ، وهو قول أبي بكر الصديق وابن عباس ومعاذ وأبي الدرداء وعائشة رضي الله عنهم ، وبه قال الحسن وعطاء وطاوس وأبو حنيفة رحمهم الله .

وأقرب العصبات يسقط الأبعد من العصوبة ، وأقربهم الابن ثم ابن الابن وإن سفل ، ثم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا فإن كان مع الجد أحد من الإخوة أو الأخوات للأب والأم أو للأب فيشتركان في الميراث ، فإن لم يكن جد فالأخ للأب والأم ثم الأخ للأب ثم بنو الإخوة يقدم أقربهم سواء كان لأب وأم أو لأب ، فإن استويا في الدرجة فالذي هو لأب وأم أولى ثم العم للأب والأم ثم العم للأب ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة ، ثم عم الأب ثم عم الجد على هذا الترتيب .

فإن لم يكن أحد من عصبات النسب وعلى الميت ولاء فالميراث للمعتق ، فإن لم يكن حيا فلعصبات المعتق .

وأربعة من الذكور يعصبون الإناث ، الابن وابن الابن والأخ للأب والأم والأخ للأب ، حتى لو مات عن ابن وبنت أو عن أخ وأخت لأب وأم أو لأب فإنه يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ، ولا يفرض للبنت والأخت .

وكذلك ابن الابن يعصب من في درجته من الإناث ، ومن فوقه إذا لم يأخذ من الثلثين شيئا حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن فللبنتين الثلثان ولا شيء لبنت الابن ، فإن كان في درجتها ابن ابن أو أسفل منها ابن ابن ابن كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين .

والأخت للأب والأم وللأب تكون عصبة مع البنت حتى لو مات عن بنت وأخت كان النصف للبنت والباقي للأخت ، فلو مات عن بنتين وأخت فللبنتين الثلثان والباقي للأخت .

والدليل عليه ما أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا آدم ، أنا شعبة ، أنا أبو قيس ، قال : سمعت هذيل بن شرحبيل قال : سئل أبو موسى عن ابنة وبنت ابن وأخت فقال : للبنت النصف وللأخت النصف ، وائت ابن مسعود فسيتابعني فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال : لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم : للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت ، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود رضي الله عنه ، فقال : لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم .

رجعنا إلى تفسير الآية : واختلفوا في سبب نزولها .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أبو الوليد ، أنا شعبة عن محمد بن المنكدر : سمعت جابرا يقول جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت ، فقلت : يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة؟

فنزلت آية الفرائض .

وقال مقاتل والكلبي : نزلت في أم كجة امرأة أوس بن ثابت وبناته .

وقال عطاء : استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد وترك امرأة وبنتين وأخا ، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتي سعد [ فقالت : يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد وإن سعدا قتل يوم أحد شهيدا ، وإن عمهما أخذ مالهما ولا تنكحان إلا ولهما مال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك " ، فنزل ( يوصيكم الله ) إلى آخرها ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما فقال له : " أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك " ، فهذا أول ميراث قسم في الإسلام .

قوله عز وجل : ( يوصيكم الله في أولادكم ) أي : يعهد إليكم ويفرض عليكم في أولادكم ، أي : في أمر أولادكم إذا متم ، للذكر مثل حظ الأنثيين .

( فإن كن ) يعني : المتروكات من الأولاد ، ( نساء فوق اثنتين ) أي : ابنتين فصاعدا ( فوق ) صلة ، كقوله تعالى : " فاضربوا فوق الأعناق " ( الأنفال - 12 ) ، ( فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت ) يعني : البنت ، ( واحدة ) قراءة العامة بالنصب على خبر كان ، ورفعها أهل المدينة على معنى : إن وقعت واحدة ، ( فلها النصف ولأبويه ) يعني لأبوي الميت ، كناية عن غير مذكور ، ( لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ) أراد أن الأب والأم يكون لكل واحد منهما سدس الميراث عند وجود الولد أو ولد الابن ، والأب يكون صاحب فرض ( فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ) قرأ حمزة والكسائي ( فلأمه ) بكسر الهمزة استثقالا للضمة بعد الكسرة ، وقرأ الآخرون بالضم على الأصل ( فإن كان له إخوة ) اثنان أو أكثر ذكورا أو إناثا ( فلأمه السدس ) والباقي يكون للأب إن كان معها أب ، والإخوة لا ميراث لهم مع الأب ، ولكنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يحجب الإخوة الأم من الثلث إلى السدس إلا أن يكونوا ثلاثة ، وقد تفرد به ، وقال : لأن الله تعالى قال : ( فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) ولا يقال للاثنين إخوة ، فنقول اسم الجمع قد يقع على التثنية لأن الجمع ضم شيء إلى شيء وهو موجود في الاثنين كما قال الله تعالى : " فقد صغت قلوبكما " ( التحريم - 4 ) ذكر القلب بلفظ الجمع ، وأضافه إلى الاثنين قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ( يوصي ) بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله ، وكذلك الثانية ، ووافق حفص في الثانية ، وقرأ الآخرون بكسر الصاد لأنه جرى ذكر الميت من قبل ، بدليل قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصين بها ) و ( توصون ) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه " إنكم تقرءون الوصية قبل الدين ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية " .

وهذا إجماع أن الدين مقدم على الوصية .

ومعنى الآية الجمع لا الترتيب ، وبيان أن الميراث مؤخر عن الدين والوصية جميعا ، معناه : من بعد وصية إن كانت ، أو دين إن كان ، فالإرث مؤخر عن كل واحد منهما .

( آباؤكم وأبناؤكم ) يعني : الذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم ، ( لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) أي : لا تعلمون أنهم أنفع لكم في الدين والدنيا فمنكم من يظن أن الأب أنفع له ، فيكون الابن أنفع له ، ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له ، وأنا العالم بمن هو أنفع لكم ، وقد دبرت أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه ، وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : أطوعكم لله عز وجل من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة ، والله تعالى يشفع المؤمنين بعضهم في بعض ، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده وإن كان الولد أرفع درجة رفع إليه والده لتقر بذلك أعينهم ، ( فريضة من الله ) أي : ما قدر من المواريث ، ( إن الله كان عليما ) بأمور العباد ، ( حكيما ) بنصب الأحكام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يوصيكم» يأمركم «الله في» شأن «أولادكم» بما يذكر «للذكر» منهم «مثل حظ» نصيب «الأنثيين» إذا اجتمعنا معه فله نصف المال ولهما النصف فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإن انفرد جاز المال «فإن كنَّ» أي الأولاد «نساءً» فقط «فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك» الميت وكذا الاثنتان لأنه للأختين بقوله «فلهما الثلثان مما ترك» فهما أولى به ولأن البنت تستحق الثلث مع الذكر فمع الأنثى أولى (وفوق) قيل صلة وقيل لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما فهم استحقاق البنتين الثلثين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر «وإن كانت» المولودة «واحدة» وفي قراءة بالرفع فكان تامة «فلها النصف ولأبويه» أي الميت ويبدل منهما «لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد» ذكر أو أنثى ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان فيه وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجد «فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه» فقط أو مع زوج «فلأمه» بضم الهمزة وكسرها فرارا من الانتقال من ضمة إلى كسرة لثقله في الموضعين «الثلث» أي ثلث المال أو ما ينبغي بعد الزوج والباقي للأب «فإن كان له إخوة» أي اثنان فصاعدا ذكورا أو إناثا «فلأمه السدس» والباقي للأب ولا شيء للأخوة وإرث من ذكر ما ذُكر «من بعد» تنفيذ «وصية يوصي» بالبناء للفاعل والمفعول «بها أو» قضاء «دين» عليه وتقديم الوصية على الدين وإن كانت مؤخرة عنه في الوفاء للاهتمام بها «آباؤكم وأبناؤكم» مبتدأ خبره «لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا» في الدنيا والآخرة فظان أن ابنه أنفع له فيعطيه الميراث فيكون الأب أنفع وبالعكس وإنما العالم بذلك هو الله ففرض لكم الميراث «فريضة من الله إن الله كان عليما» بخلقه «حكيما» فيما دبَّره لهم: أي لم يزل متصفا بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يوصيكم الله ويأمركم في شأن أولادكم: إذا مات أحد منكم وترك أولادًا: ذكورًا وإناثًا، فميراثه كله لهم: للذكر مثل نصيب الأنثيين، إذا لم يكن هناك وارث غيرهم.

فإن ترك بنات فقط فللبنتين فأكثر ثلثا ما ترك، وإن كانت ابنة واحدة، فلها النصف.

ولوالِدَي الميت لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد: ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو أكثر.

فإن لم يكن له ولد وورثه والداه فلأمه الثلث ولأبيه الباقي.

فإن كان للميت إخوة اثنان فأكثر، ذكورًا كانوا أو إناثًا، فلأمه السدس، وللأب الباقي ولا شيء للإخوة.

وهذا التقسيم للتركة إنما يكون بعد إخراج وصية الميت في حدود الثلث أو إخراج ما عليه من دَيْن.

آباؤكم وأبْناؤكم الذين فُرِض لهم الإرث لا تعرفون أيهم أقرب لكم نفعًا في دنياكم وأخراكم، فلا تفضلوا واحدًا منهم على الآخر.

هذا الذي أوصيتكم به مفروض عليكم من الله.

إن الله كان عليمًا بخلقه، حكيمًا فيما شرعه لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - ( يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ) الآية :" هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التى هى خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض .

وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث ، ومن الأحاديث الواردة فى ذلك مما هو كالتفسير لذلك .

وقد ورد الترغيب فى تعلم الفرائض فقد روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العلم ثلاث وما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة - أى غير منسوخة - أو سنة قائمة - أى ثابتة - أو فريضه عادلة - أى عادلة فى فسمتها بين أصحابها - " .وعن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعلموا الفرائض وعلموه الناس؛ فإنه نصف العلم .

وهو أول شئ ينسى .

.

وهو أول شئ ينزع من أمتى " .ثم قال ابن كثير : وقال البخارى عن تفسير هذه الآية : عن جابر بن عبد الله قال : عادنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فى بنى سلمة ماشيين فوجدنى النبى صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا .

فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش على فأفقت .

فقلت : يا رسول الله ما تأمرنى أن أصنع فى مالى؟

فنزلت ( يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ) الآية .وفى حديث آخر رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه عن جابر قال : " جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله!!

هاتان ابنتا سعد بن الربيع .

قتل أبوهما معك يوم احد شهيدا .

وان عمها أخذ مالها فلم يدع لهما مالا .

ولا تنكحان إلا ولهما مقال .

فقال صلى الله عليه وسلم : " يقضى الله فى ذلك " فنزلت آية الميراث .

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمها فقال صلى الله عليه وسلم : أعط ابنتى سعد الثلثين ، وأمهما الثمني ، وما بقى فهو لك " .ثم قال ابن كثير : والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتى ، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن له بنات ، وإنما كان يورث كلالة .

والحديث الثانى عن جبار أشبه بنزول هذه الآية .

هذا ، وقوله - تعالى - ( يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ) بيان لما إذا مات الميت وترك أولادا من الذكور والإِناث .وقوله ( يُوصِيكُمُ ) من الوصية ، وهى - كما يقول الراغب - : التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم : أرض واصية أى متصلة البنات ويقال : أوصاه ووصاه ..

.

ويقال : تواصى القوم إذا أوصى بعضهم بعضا .

.

.

والمراد بقوله ( يُوصِيكُمُ ) : أى يأمركم أمرا مؤكدا .والأولاد : جمع ولد - بوزن فعل مثل أسد - والولد : اسم للمولود ذكرا كان أو أنثى والحظ : النصيب المقدر .والمعنى : يعهد الله إليكم ويأمركم أمرا مؤكدا فى شأن ميراث أولادكم من بعد موتتكم أن يكون نصيب الذكر منهم فى الميراث نصيب الأنثيين .وصدر - سبحانه - هذه الأحكام بقوله ( يُوصِيكُمُ ) اهتماما بشأنها ، وإيذانا بوجوب سرعة الامتثال لمضمونها ، إذ الوصيية من الله - تعالى - إيجاب مؤكد ، بدليل قوله - تعالى - ( وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ ) أى أوجب عليكم الانقياد لهذا الحكم إيجاباً مؤكداً .وحرف ( في ) هنا للظرفية المجازية ، ومجروها محذوف قام المضاف إليه مقامه ، لأن ذوات الأولاد لا تصلح ظرفا للوصية ، والتقدير : يوصيكم الله فى توريث أولادكم أو فى شأنهم .وبدأ - سبحانه - ببيان ميراث الأولاد ، لأنهم أقرب الناس إلى الإِنسان ، ولأن تعلق الإِنسان بأولاده أشد من تعلقه بأى إنسان آخر .وقوله ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ) جملة مستأنفة لا محل لها من الإِعراب لأنها فى موضع التفصيل والبيان لجملة ( يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ) .وقد جعل - سبحانه - نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى ، لأن التكليفات المالية على الأنثى تقل كثيراً عن التكليفات المالية على الذكر ، إذ الرجل مكلف بالنفقة على نفسه وعلى أولاده وعلى زوجته وعلى كل من يعولهم بينما المرأة نصيبها من الميراث لها خاصة لا يشاركها فيه مشارك .وبهذا يتبين أن الإِسلام قد أكرم المرأة غاية الإِكرام حيث أعطاها هذا النصيب الخاص بها من الميراث بعد أن كانت فى الجاهلية لا ترث شيئاً .ولم يقل - سبحانه - للذكر ضعف نصيب الأنثى ، لأن الضعف قد يصدق على المثلين فصاعدا ، فلا يكون نصا .ولم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر ولا للأنثى نصف حظ الذكر ، لأن المقصود تقديم الذكر لبيان فضله ومزيته على الأنثى .وعبر بالذكر والأنثى دون الرجال والنساء ، للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين فى الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر فى ذلك أصلا ، كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال ولا النساء .وبعد أن بين - سبحانه - كيفية قسمة التركة إذا كان الورثة أولادا ذكورا وإناثا ، عقب ذلك ببيان كيفية تقسيم التركبة إذا كان الورثة من الأولاد الإِناث فقط فقال - تعالى - : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك .قال الآلوسى : الضمير للأولاد مطلقا ، ولزوم تغليب الإِناث على الذكور لا يضر ، لأن ذلك مما صرحوا بجوازه مراعاة للخبر ومشاكلة له .

ويجوز أن يعود إلى المولودات أو البنات اللاتى فى ضمن مطلق الأولاد .

.

والمراد من الفوقية زيادة العدد لا الفوقية الحقيقية .والمعنى : فإن كانت المولودات أو البنات نساء خلصا زائدات على اثنتين بالغات ما بلغن فلهن ثلثا ما ترك المتوفى .وهذه الجملة الكريمة قد بينت بالقول الصريح نصيب الأكثر من البنتين وهو الثلثان إلا أنها لم تبين نصيب البنتين بالقول الصريح .وقد روى عن ابن عباس أنه قال : الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا وأما فرض البنتين فهو النصف .

ودليله صريح منطوق الآية ، فقد اشترطت أن أخذ ثلثى التركة للنساء يكون إذا كن فوق اثنتين أى ثلاثا فصاعدا ، وذلك ينفى حصول الثلثين للبنتين .وقال جمهور العلماء : البنتان لاحقتان بالبنات ، فلهما الثلثان إذا انفردتا عن البنين كما أن البنات لهن الثلثان كذلك .وقد بسط الفخر الرازى أدلة الجمهور على أن للبنتين الثلثين كالبنات فقال ما ملخصه :وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان .

قالوا : وإنما عرفنا ذلك بوجوه :أولها : من قوله - تعالى - ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ) وذلك لأن من مات وترك غبنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله - تعالى - ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ) ، فإذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين .

ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان ، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين الثلثين .الثانى : إذا مات وترك إبنا وبنتا فههنا يكون نصيب البنت الثلث بدليل ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ) فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث فبأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى ، لأن الذكر أقوى من الأنثى وإذا كان للبنت الثلث مع أختها وللأخرى كذلك فقد صار لهما الثلثان .الثالث : أن قوله - تعالى - ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ) يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة ، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك خلاف النص .

وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فتقول : وجب أن يكون ذلك هو الثلثان ، لأنه لا قائل بالفرق .والرابع : أنا ذكرنا فى سبب نزول الآية أنه صلى الله عليه وسلم أعطى بنتى سعد بن الربيع الثلثين ، وذلك يدل على ما قلناه .الخامس : أنه - سبحانه - ذكر فى هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن ولم يذكر حكم الثنتين وذكر فى شرح ميراث الأخوات - فى آخر السورة ( إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ .

.

.

.

فَإِن كَانَتَا اثنتين .

.

.

.

مِمَّا تَرَكَ ) فهنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين دون الأخوات ، فصارت كل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه ومبينة من وجه فنقول : لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك ، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين .والوجوه الثلاثة الأول مستنبطة من الآية .

والرابع مأخوذ من السنة .والخامس من القياس الجلى .هذا وقد صح عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجمهور فانعقد الإِجماع على أن للبنتين الثلثين .ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا ترك الشخص بنتا واحدة فقال : ( وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف ) .أى وإن كانت المولودة أنثى واحدة ليس معها أخ ولا أخت فلها النصف أى نصف ما تركه المتوفى .وإلى هنا تكرن الآية قد ذكرت ثلاث حالات للأولاد فى الميراث :الأولى : أن يترك الميت ذكوراً وإناثاً .

وفى هذه الحالة يكون الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين .الثانية : أن يترك الميت بنتين فأكثر وليس معهما أخ ذكر : وفى هذه الحالة يكون لهما أولهن الثلثان خلافا لابن عباس فى البنتين - كما سبق أن بينا .الثالثة : أن يترك الميت بنتا واحدة وليس معها أخر ذكر .

وفى هذه الحالة يكون لها النصف .قال بعض العلماء : هذا توريث الأولاد .

ويلاحظ ما يأتى :أولا : أن نصيب الأولاد إذا كانوا ذكوروا وإناثا إنما يكون بعد أن يأخذ الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم .

فإذا كان لمتوفى أب وزوجة وأبناء وبنات ، فان القسمة للذكر مثل حظ الأنثيين تكون بعد أخذ الأب والزوجة نصييبهما .ثانيا : أن الأولاد يطلقون على كل فروع الشخص من صلبه : أى أبناؤه وأبناء أبنائه وبناته وبنات أبنائه .

أما أولاد بناته فليسوا من أولاده .

وقد خالف فى ذلك الشيعة فلم يفرقوا فى نسبة الأولاد بين من يكون من أولاد الظهور ومن يكون من أولاد البطون .

أى : لا يفرقون بين من تتوسط بينه وبين المتوفى أنثى ومن لا تتوسط .ثالثا : أن أبناء المتوفى وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات أبنه .

أى .

أن الطبقة الأولى تمنع من يليها :رابعا : أن بنات الابن يأخذن البنات تماما إذا لم يكن لشخص أولاد قط لا ذكور ولا إناث .وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد أعقبه ببيان ميراث الأبوين فقال : ( وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس ) .وقد ذكر - سبحانه - هنا ثلاث حالات للأبوين .أما الحالة الأولى : فيشترك فيها الأب والأم بأن يأخذ كل واحد منهما السدس إذا كان للميت ولد .

وقد عبر - سبحانه - عن هذه الحالة بقوله : ( وَلأَبَوَيْهِ ) أى لأبوى الميت ذكرا كان أو أنثى .

والضمير فى ( أبويه ) كناية عن غير مذكور .

وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه .والمراد بالأبوين : الأب والأم .

والتثنية على لفظ الأب للتغليب .وقوله ( لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ) بدل من قوله ( وَلأَبَوَيْهِ ) بتكرير العامل وهو اللام فى قوله ( لِكُلِّ ) .

وفائدة هذا البدل أنه لو قيل : ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه .وقوله ( السدس ) بيان للنصيب الذى يستحقه كل واحد من الأبوين .أى : أن لكل واحد من أبوى الميت السدس مما ترك من المال ( إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ) أى : إن كان لهذا الميت ولد ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر .قال القرطبى : فرض الله - تعالى - لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس ، وأبهم الولد فكان الذكر والأنثى فيه سواء .

فان مات رجل وترك أبناء وابوين فلابويه لكل واحد منهم السدس وما بقى فللابن .

فان ترك ابنة وأبوين فللابنة النصف وللأبوين السدسان وما بقى فلأقرب عصبة وهو الأب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر ، فاجتمع للأب الاستحقاق بجهتين التعصيب والفرض " .والحالة الثانية : وهى ما إذا مات وورثه أبواه ، وقد بين - سبحانه - حكمها بقوله : ( إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث ) .أى فإن لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن وورثه أبواه فقط ، ففى هذه الحالة يكون لأم الميت ثلث التركة ، ولأبيه الباقى من التركة وهو الثلثان ، إذ لا وارث له سواهما .

فاذا كان معهما أحد الزوجين كان للأم ثلث الباقى بعد نصيب الزوج أو الزوجة وثلثاه للأب وهذا رأى جمهور الصحابة وهو الذى اختاره الأئمة الأربعة وأكثر فقهاء الامصار .أما الحالة الثالثة : وهى ما إذا مات الميت وترك الأبوين ومعهما إخوة أو أخوات فقد بين - سبحانه - حكمها بقوله : فان كان له إخوة فلأمه السدس أى : فان كان للميت إخوة من الأب والأم .

أو من الأب فقط ، أو من الأم فقط ذكورا كانوا أو أناثا أو مختلطين ففى هذه الحالة يكون لأم الميت سدس التركة والباقى .

للأب ولا ميراث للإِخوة لحجبهم بالأب وبهذا نرى أن إخوة الميت ينقصون الأم من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب .وإذا شرط الله فى انقاص نصيبها من الثلث إلى السدس الجماعة من الإِخوة علم أن الأخ الواحد لا يحجبها عن الثلث بل يبقى لها الثلث .أما الأخوان فيرى جمهور الصحابة والعلماء المجتهدين أنهما ينقصانها من الثلث إلى السدس .

لأنه قد ورد فى اللغة اطلاق الجمع على الأثنين كما فى قوله - تعالى - ( إِن تَتُوبَآ إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) ولأن الشارع قد جعل الأختين كالثلاث فى الميراث .

وكذلك جعل البنتين كالثلاث .

ولا فرق بين الذكور والاناث .ويروى عن ابن عباس أن الاخوين لا ينقصان الأم من الثلث إلى السدس فشأنهما شأن الأخ الواحد لأن الله - تعالى - قال ( فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ) بصيغة الجمع ، والجمع أقله ثلاث بخلاف التثنية .

والعمل على ما ذهب إليه الجمهور .وإلى هنا تكون الآية الكريمة بد بينت ميراث الأولاد والأبوين .

ثم عقبت ذلك ببيان الوقت الذى تدفع فيه هذه الأموال إلى مستحقيها من الورثة فقالت : ( مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ) .أى هذه الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصى بها الميت إلى الثلث .

ومن بعد قضاء دين على الميت .فالجملة الكريمة متعلقة بما تقدم قبلها من قسمة المواريث؛ فكأنه قال : قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها الميت ومن بعد قضاء دين عليه .ثم بين - سبحانه - حكمة هذا التقسيم وأكد وجوب تنفيذه فقال : ( آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) .قال الآلوسى : الخطاب للورثة .

وقوله ( آبَآؤُكُمْ ) معطوف عليه .

وقوله ( وَأَبناؤُكُمْ ) مع ما فى حيزه خبر له .

وأىّ ما استفهامية مبتدأ .

وقوله ( أَقْرَبُ ) خبره والفعل معلق عنها فهى سادة مسد المفعولين .

واما موصولة ، قوله ( أَقْرَبُ ) خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة الموصول .

وأيهم مفعول أول مبنى على الضم لإِضافته وحذف صدر صلته .

والمفعول الثاني محذوف .

وقوله ( نَفْعاً ) نصب على التميز وهو منقول من الفاعلية .

وجملة ( آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ) أعتراضية مؤكدة لوجوب تنفيذ الوصية .والمعنى أن الله - تعالى - قد فرض لكم هذه الفرائض؛ وقسم بينكم الميراث هذا التقسيم العادل فعليكم أن تلتزموا بتنفيذ قسمة الله التى قسمها لكم ، ولا يصح لكم أن تحكموا أهواءكم فى أموالكم ، فإنكم لا تعلمون من أنفع لكم من أصولكم وفروعكم فى دنياكم وآخرتكم .وقد صدر - سبحانه الجملة الكريمة بذكر الآباء والأبناء لقوة قرابتهم واتحاد اتصالهم ، ومع ذلك لا يدرون النافع مهم ، لأن الله - تعالى - وحده هو العليم بأحوال عباده ، وبما تسره وتعلنه نفوسهم .ثم أكد الله - تعالى - وجوب الانقياد لما شرعه لهم فى شأن المواريث بتأكيدين :أولهما : قوله - تعالى - ( فَرِيضَةً مِّنَ الله ) .أى : فرض الله ذلك التقسيم لميراث فريضة ، وقدره تقديرا فلا يجوز لكم أن تخالفوه ، لأنه تقدير الله وقسمته ، وليس لأحد أن يخالف قسمة الله وشرعه .وقوله ( فَرِيضَةً ) منصوب على أنه مصدر مؤكد لنفسه ، على حد قولهم؛ هذا ابنى حقا ، لأنه واقع بعد جملة لا محتمل لها غيره ، فيكون فعله الناصب له محذوفا وجوبا .

أى فرض ذلك فريضة من الله .وأما التأكيد الثاني : فهو قوله - تعالى - : ( إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) أى إن الله - تعالى - كان عليما بما يصلح أمر العباد فى دنياهم وآخرتهم ، حكيما فيما قضى وقدر من شئون وتشريعات ، فعليكم أن تقفوا عندما قضى وشرع لتفوزوا بمثوبته ورعايته ورضاه .قال الفخر الرازى ما ملخصه : ومناسبة هذا الكلام هنا أنه - تعالى - لما ذكر أنصباء الأولاد والأبوين ، وكانت تلك الأنصباء مختلفة ..

والإِنسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه لكانت أنفع له وأصلح ، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث مخالفة لما جاءت به الإِسلام .

لما كان الأمر كذلك أزال الله هذه الشهبة بأن قال : إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم ، فربما اعتقدتم فى شئ أنه صالح لكم وهو عين المضرة ، وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة وهو عين المصلحة ، وأما الإِله الحكيم الرحيم فهو عالم بمغيبات الأمور وعواقبها ، فاتركوا تقدير المواريث بالمقادير التى تستحسنها عقولكم ، وكونوا مطيعين لأمر الله فى هذه التقديرات التى قدرها لكم ، فقوله ( آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ) إشارة إلى ترك ما يميل إليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة .

وقوله : ( فَرِيضَةً مِّنَ الله ) إشارة الى وجوب الانقياد لهذه القسمة التى قدرها الشرع وقضى بها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: أحدهما: النسب، والآخر العهد، أما النسب فهم ما كانوا يورثون الصغار ولا الاناث.

وإنما كانوا يورثون من الأقارب الرجال الذين يقاتلون على الخيل ويأخذون الغنيمة، وأما العهد فمن وجهين: الأول: الحلف، كان الرجل في الجاهلية يقول لغيره: دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فاذا تعاهدوا على هذا الوجه فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال الميت، والثاني: التبني، فان الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه، وهذا التبني نوع من أنواع المعاهدة، ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه في الجاهلية، ومن العلماء من قال: بل قررهم الله على ذلك فقال: ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون  ﴾ والمراد التوارث بالنسب.

ثم قال: ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ  ﴾ والمراد به التوارث بالعهد، والأولون قالوا المراد بقوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة وحسن العشرة، فهذا شرح أسباب التوارث في الجاهلية.

وأما أسباب التوارث في الاسلام، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف والتبني، وزاد فيه أمرين آخرين: أحدهما: الهجرة، فكان المهاجر يرث من المهاجر.

وان كان أجنبيا عنه، إذا كان كل واحد منهما مختصا بالآخر بمزيد المخالطة والمخالصة، ولا يرثه غير المهاجر، وإن كان من أقاربه.

والثاني: المؤاخاة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم، وكان ذلك سببا للتوارث، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله: ﴿ وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله  ﴾ والذي تقرر عليه دين الاسلام أن أسباب التوريث ثلاثة: النسب، والنكاح، والولاء.

المسألة الثانية: روى عطاء قال: استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخا، فأخذ الأخ المال كله، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، وإن سعداً قتل وان عمهما أخذ مالهما، فقال عليه الصلاة والسلام: «ارجعي فلعل الله سيقضي فيه» ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك».

فهذا أول ميراث قسم في الاسلام المسألة الثالثة: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام، وما على الأولياء فيه، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالارث، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث.

الثاني: أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالاجمال في قوله: ﴿ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون  ﴾ فذكر عقيب ذلك المجمل، هذا المفصل فقال: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ .

المسألة الرابعة: قال القفال: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ أي يقول الله لكم قولا يوصلكم الى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل الايصاء هو الايصال يقال: وصى يصي اذا وصل، وأوصى يوصي اذا أوصل، فاذا قيل: أوصاني فمعناه أوصلني الى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج: معنى قوله هاهنا: ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ أي يفرض عليكم، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ذلكم وصاكم بِهِ ﴾ ولا شك في كون ذلك واجبا علينا.

فان قيل: انه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال هاهنا: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ .

قلنا: لما كانت الوصية قولا، لا جرم ذكر بعد قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ خبرا مستأنفا وقال: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً  ﴾ أي قال الله: لهم مغفرة لأن الوعد قول.

المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «فاطمة بضعة مني» فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم.

واعلم أن للأولاد حال انفراد، وحال اجتماع مع الوالدين: أما حال الانفراد فثلاثة، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والاناث معا، وإما أن يخلف الاناث فقط، أو الذكور فقط.

القسم الأول: ما اذا خلف الذكران والاناث معا، وقد بين الله الحكم فيه بقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ .

واعلم أن هذا يفيد أحكاما: أحدهما: اذا خلف الميت ذكراً واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم.

وثانيها: إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الاناث كان لكل ذكر سهمان، ولك أنثى سهم.

وثالثها: إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يفيد هذه الأحكام الكثيرة.

القسم الثاني: ما إذا مات وخلف الاناث فقط: بين تعالى أنهم إن كن فوق اثنتين، فلهن الثلثان، وإن كانت واحدة فلها النصف، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين بالقول الصريح.

واختلفوا فيه، فعن ابن عباس أنه قال: الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا، وأما فرض البنتين فهو النصف، واحتج عليه بأنه تعالى قال: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ وكلمة إن في اللغة للاشتراط، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعداً، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين.

والجواب من وجوه: الأول: أن هذا الكلام لازم على ابن عباس، لأنه تعالى قال: ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف ﴾ فجعل حصول النصف مشروطاً بكونها واحدة، وذلك ينفي حصول النصف نصيباً للبنتين، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله.

الثاني: أنا لا نسلم أن كلمة ان تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين، لأن الاجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف، وإما الثلثان، وبتقدير أن يكون كلمة إن للاشتراط وجب القول بفسادهما، فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلا، ولأنه تعالى قال: ﴿ وَإِن لَّمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ  ﴾ وقال: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  ﴾ ، ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات.

الوجه الثالث: في الجواب: هو أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: فان كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان، فهذا هو الجواب عن حجة ابن عباس، وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان، قالوا: وإنما عرفنا ذلك بوجوه: الأول: قال أبو مسلم الاصفهاني: عرفناه من قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وذلك لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فهاهنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ فاذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين، ونصيب الذكر هاهنا هو الثلثان، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين الثلثين.

الثاني: قال أبو بكر الرازي: اذا مات وخلف ابنا وبنتا فهاهنا نصيب البنت الثلث بدليل قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ فاذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث، فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى.

الثالث: أن قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك على خلاف النص، واذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فنقول وجب أن يكون ذلك هو الثلثان، لأنه لا قائل بالفرق، والرابع: أنا ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنه عليه الصلاة والسلام أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين، وذلك يدل على ما قلناه.

الخامس: أنه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم الثنتين، وقال في شرح ميراث الأخوات: ﴿ إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾ ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ  ﴾ فهاهنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملا من وجه ومبينا من وجه، فنقول: لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك، لأنهما أقرب الى الميت من الأختين، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزداد على الثلثين وجب أن لا يزداد نصيب الأخوات الكثيرة على ذلك، لأن البنت لما كانت أشد اتصالا بالميت امتنع جعل الأضعف زائدا على الأقوى، فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذا الباب، فالوجوه الثلاثة الاول مستنبطة من الآية، والرابع مأخوذ من السنة، والخامس من القياس الجلي.

أما القسم الثالث: وهو اذا مات وخلف الأولاد الذكور فقط فنقول: أما الابن الواحد فانه اذا انفرد أخذ كل المال، وبيانه من وجوه: الاول من دلالة قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين  ﴾ فان هذا يدل على أن نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين.

ثم قال تعالى في البنات: ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف ﴾ فلزم من مجموع هاتين الآيتين ان نصيب الابن المفرد جميع المال.

الثاني: أنا نستفيد ذلك من السنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر».

ولا نزاع ان الابن عصبة ذكر، ولما كان الابن آخذاً لكل ما بقي بعد السهام وجب فيما إذا لم يكن سهام أن يأخذ الكل.

الثالث: ان أقرب العصبات إلى الميت هو الابن، وليس له بالاجماع قدر معين من الميراث، فاذا لم يكن معه صاحب فرض لم يكن له ان يأخذ قدرا أولى منه بأن يأخذ الزائد، فوجب أن يأخذ الكل.

فان قيل: حظ الانثيين هو الثلثان فقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يقتضي أن يكون حظ الذكر مطلقا هو الثلث، وذلك ينفي أن يأخذ كل المال.

قلنا: المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد، ويدل عليه وجهان: أحدهما: ان قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ يقتضي حصول الأولاد، وقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يقتضي حصول الذكر والانثى هناك.

والثاني: أنه تعالى ذكر عقيبه حال الانفراد، هذا كله إذا مات وخلف ابنا واحدا فقط، أما إذا مات وخلف أبناء كانوا متشاركين في جهة الاستحقاق ولا رجحان، فوجب قسمة المال بينهم بالسوية والله أعلم.

بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه: أما أولا فلعجزها عن الخروج والبروز، فان زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك.

وأما ثانيا: فلنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها.

وأما ثالثا: فلأنها متى خالطت الرجال صارت متهمة، وإذا ثبت أن عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر، فان لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة، فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل.

والجواب عنه من وجوه: الأول: أن خروج المرأة أقل، لأن زوجها ينفق عليها، وخروج الرجل أكثر لأنه هو المنفق على زوجته، ومن كان خروجه أكثر فهو إلى المال أحوج.

الثاني: أن الرجل أكمل حالا من المرأة في الخلقة وفي العقل وفي المناصب الدينية، مثل صلاحية القضاء والامامة، وأيضا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، ومن كان كذلك وجب أن يكون الانعام عليه أزيد.

الثالث: ان المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة، فاذا انضاف اليها المال الكثير عظم الفساد قال الشاعر: إن الفراغ والشباب والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده وقال تعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ  أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ  ﴾ وحال الرجل بخلاف ذلك.

والرابع: أن الرجل لكمال عقله يصرف المال إلى ما يفيده الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، نحو بناء الرباطات، وإعانة الملهوفين والنفقة على الأيتام والأرامل، وإنما يقدر الرجل على ذلك لأنه يخالط الناس كثيرا، والمرأة تقل مخالطتها مع الناس فلا تقدر على ذلك.

الخامس: روي أن جعفر الصادق سئل عن هذه المسألة فقال: إن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم، فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها، فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.

السؤال الثاني: لم لم يقل: للأنثيين مثل حظ الذكر، أو للأنثى مثلا نصف حظ الذكر؟

والجواب من وجوه: الأول: لما كان الذكر أفضل من الأنثى قدم ذكره على ذكر الأنثى، كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى.

الثاني: أن قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يدل على فضل الذكر بالمطابقة وعلى نقص الأنثى بالالتزام، ولو قال: كما ذكرتم لدل ذلك على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل الذكر بالالتزام، فرجح الطريق الأول تنبيها على أن السعي في تشهير الفضائل يجب أن يكون راجحا على السعي في تشهير الرذائل، ولهذا قال: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ فذكر الاحسان مرتين والاساءة مرة واحدة.

الثالث: أنهم كانوا يورثون الذكور دون الاناث وهو السبب لورود هذه الآية، فقيل: كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى، فلا ينبغى له أن يطمع في جعل الأنثى محرومة عن الميراث بالكلية، والله أعلم.

المسألة السادسة: لا شك أن اسم الولد واقع على ولد الصلب على سبيل الحقيقة، ولا شك أنه مستعمل في ولد الابن قال تعالى: ﴿ يا بني آدم  ﴾ وقال للذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿ يا بَنِى إسراءيل  ﴾ الا أن البحث في أن لفظ الولد يقع على ولد الابن مجازاً أو حقيقة.

فان قلنا: إنه مجاز فنقول: ثبت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز أن يستعمل دفعة واحدة في حقيقته وفي مجازه معا، فحينئذ يمتنع أن يريد الله بقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ ولد الصلب وولد الابن معا.

واعلم أن الطريق في دفع هذا الاشكال أن يقال: انا لا نستفيد حكم ولد الابن من هذه الآية بل من السنة ومن القياس، وأما ان أردنا أن نستفيده من هذه الآية فنقول: الولد وولد الابن ما صارا مرادين من هذه الآية معا، وذلك لأن أولاد الابن لا يستحقون الميراث إلا في إحدى حالتين، إما عند عدم ولد الصلب رأسا، وإما عند ما لا يأخذ ولد الصلب كل الميراث، فحينئذ يقتسمون الباقي، وأما أن يستحق ولد الابن مع ولد الصلب على وجه الشركة بينهم كما يستحقه أولاد الصلب بعضهم مع بعض فليس الأمر كذلك، وعلى هذا لا يلزم من دلالة هذه الآية على الولد وعلى ولد الابن أن يكون قد أريد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معا، لأنه حين أريد به ولد الصلب ما أريد به ولد الابن، وحين أريد به ولد الابن ما أريد به ولد الصلب، فالحاصل ان هذه الآية تارة تكون خطابا مع ولد الصلب وأخرى مع ولد الابن، وفي كل واحدة من هاتين الحالتين يكون المراد به شيئا واحداً، أما إذا قلنا: ان وقوع اسم الولد على ولد الصلب وعلى ولد الابن يكون حقيقة، فان جعلنا اللفظ مشتركا بينهما عاد الاشكال، لأنه ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك لافادة معنييه معا، بل الواجب أن يجعله متواطئا فيهما كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس.

والذي يدل على صحة ذلك قوله تعالى: ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم  ﴾ وأجمعوا أنه يدخل فيه ابن الصلب وأولاد الابن، فعلمنا أن لفظ الابن متواطئ بالنسبة إلى ولد الصلب وولد الابن، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال.

واعلم أن هذا البحث الذي ذكرناه في أن الابن هل يتناول أولاد الابن قائم في أن لفظ الأب والأم هل يتناول الأجداد والجدات؟

ولا شك أن ذلك واقع بدليل قوله تعالى: ﴿ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  ﴾ والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة، فإن الصحابة اتفقوا على أنه ليس للجد حكم مذكور في القرآن، ولو كان اسم الأب يتناول الجد على سبيل الحقيقة لما صح ذلك والله أعلم.

المسألة السابعة: اعلم أن عموم قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ زعموا أنه مخصوص في صور أربعة: أحدها: أن الحر والعبد لا يتوارثان.

وثانيها: أن القاتل على سبيل العمد لا يرث.

وثالثها: أنه لا يتوارث أهل ملتين، وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول وبلغ حد المستفيض، ويتفرع عليه فرعان: الفرع الأول: اتفقوا على أن الكافر لا يرث من المسلم، أما المسلم فهل يرث من الكافر؟

ذهب الأكثرون إلى أنه أيضاً لا يرث، وقال بعضهم: إنه يرث قال الشعبي: قضى معاوية بذلك وكتب به إلى زياد، فأرسل ذلك زياد إلى شريح القاضي وأمره به، وكان شريح قبل ذلك يقضي بعدم التوريث، فلما أمره زياد بذلك كان يقضي به ويقول: هكذا قضى أمير المؤمنين.

حجة الأولين عموم قوله عليه السلام: «لا يتوارث أهل ملتين».

وحجة القول الثاني: ما روي أن معاذا كان باليمن فذكروا له أن يهوديا مات وترك أخا مسلما فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الاسلام يزيد ولا ينقص ثم أكدوا ذلك بأن قالوا إن ظاهر قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ يقتضي توريث الكافر من المسلم، والمسلم من الكافر، إلا أنا خصصناه بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يتوارث أهل ملتين» لأن هذا الخبر أخص من تلك الآية، والخاص مقدم على العام فكذا هاهنا قوله: الاسلام يزيد ولا ينقص أخص من قوله: لا يتوارث أهل ملتين فوجب تقديمه عليه، بل هذا التخصيص أولى، لأن ظاهر هذا الخبر متأكد بعموم الآية، والخبر الأول ليس كذلك، وأقصى ما قيل في جوابه: أن قوله: الاسلام يزيد ولا ينقص ليس نصا في واقعة الميراث، فوجب حمله على سائر الأحوال.

الفرع الثاني: المسلم إذا ارتد ثم مات أو قتل، فالمال الذي اكتسبه في زمان الردة أجمعوا على أنه لا يورث، بل يكون لبيت المال، أما المال الذي اكتسبه حال كونه مسلما ففيه قولان: قال الشافعي: لا يورث بل يكون لبيت المال، وقال أبو حنيفة: يرثه ورثته من المسلمين، حجة الشافعي أنا أجمعنا على ترجيح قوله عليه السلام: «لا يتوارث أهل ملتين» على عموم قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ والمرتد وورثته من المسلمين أهل ملتين، فوجب أن لا يحصل التوارث.

فان قيل: لا يجوز أن يقال: إن المرتد زال ملكه في آخر الاسلام وانتقل إلى الوارث، وعلى هذا التقدير فالمسلم انما ورث عن المسلم لا عن الكافر.

قلنا: لو ورث المسلم من المرتد لكان إما أن يرثه حال حياة المرتد أو بعد مماته، والأول باطل، ولا يحل له أن يتصرف في تلك الأموال لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم  ﴾ وهو بالاجماع باطل.

والثاني: باطل لأن المرتد عند مماته كافر فيفضي إلى حصول التوارث بين أهل ملتين، وهو خلاف الخبر.

ولا يبقى هاهنا إلا أن يقال: إنه يرثه بعد موته مستنداً إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه، إلا أن القول بالاستناد باطل، لأنه لما لم يكن الملك حاصلا حال حياة المرتد، فلو حصل بعد موته على وجه صار حاصلا في زمن حياته لزم إيقاع التصرف في الزمان الماضي، وذلك باطل في بداهة العقول، وإن فسر الاستناد بالتبيين عاد الكلام إلى أن الوارث ورثه من المرتد حال حياة المرتد، وقد أبطلناه، والله أعلم.

الموضع الرابع: من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين أن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون، والشيعة خالفوا فيه، روي أن فاطمة عليها السلام لما طلبت الميراث ومنعوها منه، احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة».

فعند هذا احتجت فاطمة عليها السلام بعموم قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وكأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد، ثم ان الشيعة قالوا: بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد إلا أنه غير جائز هاهنا، وبيانه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على خلاف قوله تعالى: حكاية عن زكريا عليه السلام ﴿ يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سليمان دَاوُودُ  ﴾ قالوا: ولا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم والدين لأن ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة.

بل يكون كسباً جديداً مبتدأ، إنما التوريث لا يتحقق إلا في المال على سبيل الحقيقة.

وثانيها: أن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلا فاطمة وعلي والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدين، وأما أبو بكر فانه ما كان محتاجا الى معرفة هذه المسألة البتة، لأنه ما كان ممن يخطر بباله أنه يرث من الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يليق بالرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة.

وثالثها: يحتمل أن قوله: ما تركناه صدقة صلة لقوله: لا نورث والتقدير: أن الشيء الذي تركناه صدقة، فذلك الشيء لا يورث.

فان قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصية في ذلك.

قلنا: بل تبقى الخاصية لاحتمال أن الأنبياء إذا عزموا على التصدق بشيء فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم ولا يرثه وارث عنهم، وهذا المعنى مفقود في حق غيرهم.

والجواب: أن فاطمة عليها السلام رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة، وانعقد الاجماع على صحة ما ذهب اليه أبو بكر فسقط هذا السؤال، والله أعلم.

المسألة الثامنة: من المسائل المتعلقة بهذه الآية أن قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ معناه للذكر منهم، فحذف الراجع اليه لأنه مفهوم، كقولك: السمن منوان بدرهم، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ المعنى إن كانت البنات أو المولودات نساء خلصا ليس معهن ابن، وقوله: ﴿ فَوْقَ اثنتين ﴾ يجوز أن يكون خبرا ثانيا لكان، وأن يكون صفة لقوله: ﴿ نِسَاء ﴾ أي نساء زائدات على اثنتين.

وهاهنا سؤالات.

السؤال الأول: قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ كلام مذكور لبيان حظ الذكر من الأولاد، لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف يحسن إرادته بقوله: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء ﴾ وهو لبيان حظ الاناث.

والجواب من وجهين: الأول: أنا بينا أن قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ دل على أن حظ الأنثيين هو الثلثان، فلما ذكر ما دل على حكم الأنثيين قال بعده: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ على معنى: فان كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد، فلهن ما للثنتين وهو الثلثان، ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت، فثبت أن هذا العطف متناسب.

الثاني: أنه قد تقدم ذكر الأنثيين، فكفى هذا القول في حسن هذا العطف.

السؤال الثاني: هل يصح أن يكون الضميران في كن وكانت مبهمين ويكون نساء وواحدة تفسيراً لهما على ان كان تامة؟

الجواب: ذكر صاحب الكشاف: أنه ليس ببعيد.

السؤال الثالث: النساء: جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فالنساء يجب أن يكن فوق اثنتين فما الفائدة في التقييد بقوله فوق اثنتين؟

الجواب: من يقول أقل الجمع اثنان فهذه الآية حجته، ومن يقول: هو ثلاثة قال هذا للتأكيد، كما في قوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف ﴾ فنقول: قرأ نافع (واحدة) بالرفع، والباقون بالنصب، أما الرفع فعلى كان التامة، والاختيار النصب لأن التي قبلها لها خبر منصوب وهو قوله: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء ﴾ والتقدير: فان كان المتروكات أو الوارثات نساء فكذا هاهنا، التقدير: وإن كانت المتروكة واحدة، وقرأ زيد بن علي: النصف، بضم النون.

قوله تعالى: ﴿ وَلأِبَوَيْهِ لِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية ميراث الأولاد ذكر بعده ميراث الأبوين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن ونعيم بن أبي ميسر ﴿ السدس ﴾ بالتخفيف وكذلك الربع و ﴿ الثمن ﴾ .

المسألة الثانية: اعلم أن للأبوين ثلاثة أحوال.

الحالة الأولى: أن يحصل معهما ولد وهو المراد من هذه الآية، واعلم أنه لا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر والانثى، فهذه الحالة يمكن وقوعها على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يحصل مع الأبوين ولد ذكر واحد، أو أكثر من واحد، فهاهنا الابوان لكل واحد منهما السدس.

وثانيها: أن يحصل مع الأبوين بنتان أو أكثر، وهاهنا الحكم ما ذكرناه أيضا.

وثالثها: أن يحصل مع الأبوين بنت واحدة فهاهنا للبنت النصف، وللام السدس وللأب السدس بحكم هذه الآية.

والسدس الباقي أيضا للأب بحكم التعصيب، وهاهنا سؤالات.

السؤال الأول: لا شك أن حق الوالدين على الإنسان أعظم من حق ولده عليه، وقد بلغ حق الوالدين إلى أن قرن الله طاعته بطاعتهما فقال: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ وإذا كان كذلك فما السبب في أنه تعالى جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟

والجواب عن هذا في نهاية الحسن والحكمة، وذلك لأن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل فكان احتياجهما إلى المال قليلا، أما الأولاد فهم في زمن الصبا فكان احتياجهم إلى المال كثيرا فظهر الفرق.

السؤال الثاني: الضمير في قوله: ﴿ وَلأِبَوَيْهِ ﴾ إلى ماذا يعود؟

الجواب: أنه ضمير عن غير مذكور، والمراد: ولأبوي الميت.

السؤال الثالث: ما المراد بالأبوين؟

والجواب: هما الأب والأم، والأصل في الأم أن يقال لها أبة، فأبوان تثنية أب وأبة.

السؤال الرابع: كيف تركيب هذه الآية.

الجواب: قوله: ﴿ لِكُلّ واحد مّنْهُمَا ﴾ بدل من قوله: ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه.

فان قيل: فهلا قيل لكل واحد من أبويه السدس.

قلنا: لأن في الابدال والتفصيل بعد الاجمال تأكيداً وتشديدا، والسدس مبتدأ وخبره: لأبويه، والبدل متوسط بينهما للبيان.

قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمّهِ الثلث ﴾ .

وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الحالة الثانية من أحوال الأبوين، وهو أن لا يحصل معهما أحد من الأولاد، ولا يكون هناك وارث سواهما، وهو المراد من قوله: ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ ﴾ فهاهنا للأم الثلث، وذلك فرض لها، والباقي للأب، وذلك لأن قوله: ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ ﴾ ظاهره مشعر بأنه لا وارث له سواهما، واذا كان كذلك كان مجموع المال لهما، فاذا كان نصيب الأم هو الثلث وجب أن يكون الباقي وهو الثلثان للأب، فهاهنا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين كما في حق الأولاد، ويتفرع على ما ذكرنا فرعان: الأول: أن الآية السابقة دلت على أن فرض الاب هو السدس، وفي هذه الصورة يأخذ الثلثين إلا أنه هاهنا يأخذ السدس بالفريضة، والنصف بالتعصيب.

الثاني: لما ثبت أنه يأخذ النصف بالتعصيب في هذه الصورة وجب أن يكون الأب اذا انفرد أن يأخذ كل المال، لأن خاصية العصبة هو أن يأخذ الكل عند الانفراد، هذا كله اذا لم يكن للميت وارث سوى الأبوين، أما اذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فذهب أكثر الصحابة الى أن الزوج يأخذ نصيبه ثم يدفع ثلث ما بقي الى الأم، ويدفع الباقي الى الأب، وقال ابن عباس: يدفع الى الزوج نصيبه، والى الأم الثلث، ويدفع الباقي الى الأب، وقال: لا أجد في كتاب الله ثلث ما بقي، وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين، وخالفه في الزوج والأبوين، لأنه يفضي الى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين، وأما في الزوجة فانه لا يفضي الى ذلك، وحجة الجمهور وجوه: الأول: أن قاعدة الميراث أنه متى اجتمع الرجل والمرأة من جنس واحد كان للذكر مثل حظ الأنثيين، ألا ترى أن الابن مع البنت كذلك قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وأيضا الأخ مع الأخت كذلك قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين  ﴾ وأيضا الأم مع الأب كذلك، لأنا بينا أنه اذا كان لا وارث غيرهما فللأم الثلث، وللأب الثلثان، اذا ثبت هذا فنقول: اذا أخذ الزوج نصيبه وجب أن يبقى الباقي بين الأبوين أثلاثا، للذكر مثل حظ الأنثيين.

الثاني: أن الأبوين يشبهان شريكين بينهما مال، فاذا صار شيء منه مستحقا بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأول.

الثالث: أن الزوج إنما أخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة، فأشبه الوصية في قسمة الباقي.

الرابع: أن المرأة اذا خلفت زوجا وأبوين فللزوج النصف، فلو دفعنا الثلث الى الأم والسدس الى الأب لزم أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين، وهذا خلاف قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ .

واعلم أن الوجوه الثلاثة الأول: يرجع حاصلها الى تخصيص عموم القرآن بالقياس.

وأما الوجه الرابع: فهو تخصيص لأحد العمومين بالعموم الثاني.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي ﴿ فَلأُِمّهِ ﴾ بكسر الهمزة والميم وشرطوا في جواز هذه الكسرة أن يكون ما قبلها حرفا مكسوراً أو ياء.

أما الأول: فكقوله: ﴿ فِى بُطُونِ أمهاتكم  ﴾ .

وأما الثاني: فكقوله: ﴿ فِى أُمّهَا رَسُولاً  ﴾ وإذا لم يوجد هذا الشرط فليس إلا الضم كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً ﴾ وأما الباقون فإنهم قرؤا بضم الهمزة، أما وجه من قرأ بالكسر قال الزجاج: انهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله: ﴿ فَلأِمّهِ ﴾ وذلك لأن اللام لشدة اتصالها بالأم صار المجموع كأنه كلمة واحدة، وليس في كلام العرب فعل بكسر الفاء وضم العين، فلا جرم جعلت الضمة كسرة، وأما وجه من قرأ الهمزة بالضم فهو أتى بها على الأصل، ولا يلزم منه استعمال فعل لأن اللام في حكم المنفصل، والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِهِ السدس ﴾ .

اعلم أن هذا هو الحالة الثالثة من أحوال الأبوين وهي أن يوجد معهما الأخوة، والأخوات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اتفقوا على أن الأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن الثلاثة يحجبون، واختلفوا في الأختين، فالأكثرون من الصحابة على القول باثبات الحجب كما في الثلاثة، وقال ابن عباس: لا يحجبان كما في حق الواحدة، حجة ابن عباس أن الآية دالة على أن هذا الحجب مشروط بوجود الاخوة، ولفظ الاخوة جمع وأقل الجمع ثلاثة على ما ثبت في أصول الفقه، فاذا لم توجد الثلاثة لم يحصل شرط الحجب، فوجب أن لا يحصل الحجب.

روي أن ابن عباس قال لعثمان: بم صار الاخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس؟

وإنما قال الله تعالى: ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾ والأخوان في لسان قومك ليسا باخوة؟

فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد قضاء قضى به من قبلي ومضى في الأمصار.

واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان، وعثمان ما أنكره، وهما كانا من صميم العرب، ومن علماء اللسان، فكان اتفاقهما حجة في ذلك.

واعلم أن للعلماء في أقل الجمع قولين: الأول: أن أقل الجمع اثنان وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمة الله عليه، واحتجوا فيه بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ ولا يكون للانسان الواحد أكثر من قلب واحد.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين ﴾ والتقييد بقوله: فوق اثنتين إنما يحسن لو كان لفظ النساء صالحاً للثنتين.

وثالثها: قوله: الاثنان فما فوقهما جماعة والقائلون بهذا المذهب زعموا أن ظاهر الكتاب يوجب الحجب بالأخوين، الا أن الذي نصرناه في أصول الفقه أن أقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا التقدير فظاهر الكتاب لا يوجب الحجب بالأخوين، وإنما الموجب لذلك هو القياس، وتقريره أن نقول: الأختان يوجبان الحجب، وإذا كان كذلك فالأخوان وجب أن يحجبا أيضا، إنما قلنا إن الأختين يحجبان، وذلك لأنا رأينا أن الله تعالى نزل الاثنين من النساء منزلة الثلاثة في باب الميراث، ألا ترى أن نصيب البنتين ونصيب الثلاثة هو الثلثان، وأيضا نصيب الأختين من الأم ونصيب الثلاثة هو الثلث، فهذا الاستقراء يوجب أن يحصل الحجب بالأختين، كما أنه حصل بالأخوات الثلاثة، فثبت أن الأختين يحجبان، واذا ثبت ذلك في الأختين لزم ثبوته في الأخوين، لأنه لا قائل بالفرق، فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع، وفيه إشكال لأن إجراء القياس في التقديرات صعب لأنه غير معقول المعنى، فيكون ذلك مجرد تشبيه من غير جامع، ويمكن أن يقال: لا يتمسك به على طريقة القياس، بل على طريقة الاستقراء لأن الكثرة أمارة العموم، إلا أن هذا الطريق في غاية الضعف والله أعلم، واعلم أنه تأكد هذا باجماع التابعين على سقوط مذهب ابن عباس، والأصح في أصول الفقه أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة، والله أعلم.

المسألة الثانية: الاخوة اذا حجبوا الأم من الثلث الى السدس فهم لا يرثون شيئا ألبتة، بل يأخذ الأب كل الباقي وهو خمسة أسداس، سدس بالفرض، والباقي بالتعصيب، وقال ابن عباس: الاخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه، وما بقي فللأب، وحجته أن الاستقراء دل على أن من لا يرث لا يحجب، فهؤلاء الاخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا، وحجة الجمهور أن عند عدم الاخوة كان المال ملكا للأبوين، وعند وجود الاخوة لم يذكرهم الله تعالى إلا بأنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، ولا يلزم من كونه حاجبا كونه وارثا، فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين، كما كان قبل ذلك، والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا ﴾ .

اعلم أن مسائل الوصايا تذكر في خاتمة هذه الآية، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين، قال: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن الوصية والدين، وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين، حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق، فأما إذا لم يكن دين، أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء، فان أوصى الميت بوصية أخرجت الوصية من ثلث ما فضل، ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله.

المسألة الثانية: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية.

واعلم أن مراده رضي الله تعالى عنه التقديم في الذكر واللفظ، وليس مراده أن الآية تقتضي تقديم الوصية على الدين في الحكم لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة.

واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين: الأول: أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان اخراجها شاقا على الورثة، فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين، فان نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبا في اخراجها، ثم أكد في ذلك الترغيب بادخال كلمة أو على الوصية والدين، تنبيها على أنهما في وجوب الاخراج على السوية.

الثاني: أن سهام المواريث كما أنها تؤخر عن الدين فكذا تؤخر عن الوصية، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كان سهام الورثة معتبرة بعد تسليم الثلث إلى الموصى له، فجمع الله بين ذكر الدين وذكر الوصية، ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين، بل فرق بين الدين وبين الوصية من جهة أخرى، وهي أنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصايا وفي أنصباء أصحاب الارث، وليس كذلك الدين، فانه لو هلك من المال شيء استوفى الدين كله من الباقي، وإن استغرقه بطل حق الموصى له وحق الورثة جميعا، فالوصية تشبه الإرث من وجه، والدين من وجه آخر، أما مشابهتها بالارث فما ذكرنا أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية والارث، وأما مشابهتها بالدين فلأن سهام أهل المواريث معتبرة بعد الوصية كما أنها معتبرة بعد الدين والله أعلم.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: ما معنى أو هاهنا وهلا قيل: من بعد وصية يوصى بها ودين، والجواب من وجهين: الأول: أن أو معناها الاباحة كما لو قال قائل: جالس الحسن أو ابن سيرين والمعنى أن كل واحد منهما أهل أن يجالس، فان جالست الحسن فأنت مصيب، أو ابن سيرين فأنت مصيب، وإن جمعتهما فأنت مصيب، أما لو قال: جالس الرجلين فجالست واحدا منهما وتركت الآخر كنت غير موافق للأمر، فكذا هاهنا لو قال: من بعد وصية ودين وجب في كل مال أن يحصل فيه الأمران، ومعلوم أنه ليس كذلك، أما اذا ذكره بلفظ أو كان المعنى أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما.

الثاني: أن كلمة أو اذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو كقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايا أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ  ﴾ فكانت أو هاهنا بمعنى الواو، فكذا قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال إلا أن يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد بعدهما جميعا.

المسألة الرابعة: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ يُوصِى ﴾ بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله.

وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الصاد إضافة إلى الموصى وهو الاختيار بدليل قوله تعالى: ﴿ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ .

اعلم أن هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يكون ما اعترض مؤكدا ما اعترض بينه ومناسبه، فنقول: إنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد وأنصباء الأبوين، وكانت تلك الأنصباء مختلفة والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات، والانسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع له وأصلح، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث على هذا الوجه، وانهم كانوا يورثون الرجال الأقوياء، وما كانوا يورثون الصبيان والنسوان والضعفاء، فالله تعالى أزال هذه الشبهة بأن قال: إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم، فربما اعتقدتم في شيء أنه صالح لكم وهو عين المضرة وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة ويكون عين المصلحة، وأما الاله الحكيم الرحيم فهو العالم بمغيبات الأمور وعواقبها، فكأنه قيل: أيها الناس اتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم، وكونوا مطيعين لأمر الله في هذه التقديرات التي قدرها لكم، فقوله: ﴿ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ اشارة إلى ترك ما يميل اليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة، وقوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ اشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها الشرع وقضى بها، وذكروا في المراد من قوله: ﴿ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ وجوها: الأول: المراد أقرب لكم نفعا في الآخرة، قال ابن عباس: إن الله ليشفع بعضهم في بعض، فأطوعكم لله عز وجل من الأبناء والآباء أرفعكم درجة في الجنة، وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله اليه ولده بمسألته ليقر بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه والديه، فقال: ﴿ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك.

الثاني: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة ما أوجب من الانفاق عليه والتربية له والذب عنه والثالث: المراد جواز أن يموت هذا قبل ذلك فيرثه وبالضد.

قوله تعالى: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ هو منصوب نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضا إن الله كان عليما حكيما، والمعنى أن قسمة الله لهذه المواريث أولى من القسمة التي تميل اليها طباعكم، لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فيكون عالما بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد، وأنه حكيم لا يأمر إلا بما هو الأصلح الأحسن، ومتى كان الأمر كذلك كانت قسمته لهذه المواريث أولى من القسمة التي تريدونها، وهذا نظير قوله للملائكة: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

فان قيل: لم قال: ﴿ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ مع أنه الآن كذلك.

قلنا: قال الخليل: الخبر عن الله بهذه الألفاظ كالخبر بالحال والاستقبال، لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان، وقال سيبويه: القوم لما شاهدوا علماً وحكمة وفضلا وإحساناً تعجبوا، فقيل لهم: إن الله كان كذلك، ولم يزل موصوفا بهذه الصفات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ يعهد إليكم ويأمركم ﴿ فِى أولادكم ﴾ في شأن ميراثهم بما هو العدل والمصلحة.

وهذا إجمال تفصيله ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ فإن قلت: هلا قيل: للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر؛ قلت ليبدأ ببيان حظ الذكر لفضله، كما ضوعف حظه لذلك، ولأنّ قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ قصد إلى بيان فضل الذكر.

وقولك: للأنثيين مثل حظ الذكر، قصد إلى بيان نقص الأنثى، وما كان قصداً إلى بيان فضله، كان أدلّ على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه: ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية، فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به.

فإن قلت: فإن حظ الأنثيين الثلثان، فكأنّه قيل للذكر الثلثان.

قلت: أريد حال الاجتماع لا الانفراد أي إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان، كما أن لهما سهمين.

وأما في حال الانفراد، فالابن يأخذ المال كله والبنتان يأخذان الثلثين.

والدليل على أن الغرص حكم الاجتماع، أنه أتبعه حكم الانفراد، وهو قوله: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ والمعنى للذكر منهم، أي من أولادكم، فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم، كقولهم: السمن منوان بدرهم ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً ﴾ فإن كانت البنات أو المولودات نساء خلصاً.

ليس معهن رجل يعني بنات ليس معهن ابن ﴿ فَوْقَ اثنتين ﴾ يجوز أن يكون خبراً ثانياً لكان وأن يكون صفة لنساء أي نساء زائدات على اثنتين ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة ﴾ وإن كانت البنت أو المولودة منفردة فذة ليس معها أخرى ﴿ فَلَهَا النصف ﴾ وقرئ: ﴿ واحدةٌ ﴾ بالرفع على كان التامّة والقراءة بالنصب أوفق لقوله: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً ﴾ وقرأ زيد بن ثابت ﴿ النصف ﴾ بالضم.

والضمير في ﴿ تَرَكَ ﴾ للميت: لأنّ الآية لما كانت في الميراث، علم أن التارك هو الميت.

فإن قلت: قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد، لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف صح أن يردف قوله: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً ﴾ وهو لبيان حظ الإناث؟

قلت: وإن كان مسوقاً لبيان حظ الذكر، إلا أنه لما فقه منه وتبين حظ الأنثيين مع أخيهما؛ كان كأنه مسوق للأمرين جميعاً.

فلذلك صح أن يقال: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً ﴾ : فإن قلت.

هل يصح أن يكون الضميران في ﴿ كن ﴾ و ﴿ كانت ﴾ مبهمين، ويكون ﴿ نساء ﴾ و ﴿ واحدة ﴾ تفسيراً لهما، على أن كان تامة؟

قلت: لا أبعد ذلك.

فإن قلت: لم قيل ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء ﴾ ولم يقل: وإن كانت امرأة؟

قلت: لأنّ الغرض ثمة خلوصهن إناثاً لا ذكر فيهنّ، ليميز بين ما ذكر من اجتماعهن مع الذكور في قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وبين انفرادهن.

وأريد هاهنا أن يميز بين كون البنت مع غيرها وبين كونها وحدها لا قرينة لها.

فإن قلت: قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن وحكم البنات والبنت في حال الانفراد، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما حكمهما، وما باله لم يذكر؟

قلت: أما حكمهما فمختلف فيه، فابن عباس أبى تنزيلهما منزلة الجماعة.

لقوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين ﴾ فأعطاهما حكم الواحدة وهو ظاهر مكشوف.

وأما سائر الصحابة فقد أعطوهما حكم الجماعة، والذي يعلل به قولهم: أن قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ قد دلّ على أن حكم الأنثيين حكم الذكر، وذلك أن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة، فالأنثيان كذلك يحوزان الثلثين، فلما ذكر ما دلّ على حكم الأنثيين قيل: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ على معنى: فإن كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد فلهن ما للأنثيين وهو الثلثان لا يتجاوزنه لكثرتهن ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت.

وقيل: إن الثنتين أمس رحماً بالميت من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين.

ولم يروا أن يقصروا بهما عن حظ من هو أبعد رحماً منهما.

وقيل: إن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كانت أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها.

ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها أيضاً مع أخيها لو انفردت معه، فوجب لهما الثلثان ﴿ وَلاِبَوَيْهِ ﴾ الضمير للميت.

و ﴿ لِكُلّ واحد مّنْهُمَا ﴾ بدل من ﴿ ولأبويه ﴾ بتكرير العامل.

وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس، لكان ظاهره اشتراكهما فيه.

ولو قيل: ولأبويه السدسان، لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها.

فإن قلت: فهلا قيل: ولكل واحد من أبويه السدس: وأي فائدة في ذكر الأبوين أوّلاً، ثم في الإبدال منهما؟

قلت: لأنّ في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيداً وتشديداً، كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير.

والسدس: مبتدأ.

وخبره: لأبويه.

والبدل متوسط بينهما للبيان.

وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة ﴿ السدس ﴾ بالتخفيف، وكذلك الثلث والربع والثمن.

والولد: يقع على الذكر والأنثى، ويختلف حكم الأب في ذلك.

فإن كان ذكراً اقتصر بالأب على السدس، وإن كانت أنثى عصب مع إعطاء السدس.

فإن قلت: قد بين حكم الأبوين في الإرث مع الولد: ثم حكمهما مع عدمه، فهلا قيل: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث.

وأي فائدة في قوله: ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ ﴾ ؟

قلت معناه: فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فحسب، فلأمه الثلث مما ترك، كما قال: ﴿ لِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ ﴾ لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين، كان للأم ثلث ما بقي بعد إخراج نصيب الزوج، لا ثلث ما ترك، إلا عند ابن عباس.

والمعنى: أن الأبوين إذا خلصا تقاسما الميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن قلت: ما العلة في أن كان لها ثلث ما بقي دون ثلث المال؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أنّ الزوج إنما استحق ما يسهم له بحق العقد لا بالقرابة.

فأشبه الوصية في قسمة ما وراءه.

والثاني: أن الأب أقوى في الإرث من الأم، بدليل أنه يضعف عليها إذا خلصا ويكون صاحب فرض وعصبة، وجامعا بين الأمرين، فلو ضرب لها الثلث كملاً لأدى إلى حط نصيبه عن نصيبها.

ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للأب، حازت الأم سهمين والأب سهماً واحداً، فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِهِ السدس ﴾ الإخوة يحجبون الأم عن الثلث وإن كانوا لا يرثون مع الأب، فيكون لها السدس وللأب خمسة الأسداس، ويستوي في الحجب الاثنان فصاعداً إلا عند ابن عباس.

وعنه أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم.

فإن قلت: فكيف صحّ أن يتناول الإخوة الأخوين.

والجمع خلاف التثنية؟

قلت: الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية، والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية، وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق، فدل بالإخوة عليه.

وقرئ: ﴿ فلإمّه ﴾ ، بكسر الهمزة إتباعاً للجرّة: ألا تراها لا تكسر في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً ﴾ [المؤمنون: 50] ، ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها، لا بما يليه وحده، كأنه قيل قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها.

وقرئ ﴿ يوصى بها ﴾ بالتخفيف والتشديد.

و ﴿ ويُوصى بها ﴾ على البناء للمفعول مخففاً.

فإن قلت: ما معنى أو؟

قلت: معناها الإباحة: وأنه إن كان أحدهما أو كلاهما، قدم على قسمة الميراث، كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين.

فإن قلت: لم قدّمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة؟

قلت: لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإنّ نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثاً على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة (أو) للتسوية بينهما في الوجوب، ثم أكد ذلك ورغب فيه بقوله: ﴿ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ ﴾ أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، أمن أوصى منهم أمن لم يوص؟

يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية، فوفر عليكم عرض الدنيا وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا، ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة، إلا أنه فانٍ، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى.

وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باق فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.

وقيل: إن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع.

وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه، سأل أن يرفع إليه ابنه.

فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً.

وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة.

ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة.

وقيل: الأب يجب عليه النفقة على الابن إذا احتاج، وكذلك الابن إذا كان محتاجاً فهما في النفع بالنفقة لا يدري أيهما أقرب نفعاً.

وليس شيء من هذه الأقاويل بملائم للمعنى ولا مجاوب له، لأن هذه الجملة اعتراضية.

ومن حق الاعتراضي أن يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه، والقول ما تقدم ﴿ فَرِيضَةً ﴾ نصبت نصب المصدر المؤكد، أي فرض ذلك فرضاً ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً ﴾ بمصالح خلقه ﴿ حَكِيماً ﴾ في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

يُوصِيكُمُ اللَّهُ يَأْمُرُكم ويَعْهَدُ إلَيْكم.

في أوْلادِكم في شَأْنِ مِيراثِهِمْ وهو إجْمالٌ تَفْصِيلُهُ.

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ أيْ يَعِدُ كُلَّ ذَكَرٍ بِأُنْثَيَيْنِ حَيْثُ اجْتَمَعَ الصِّنْفانِ فَيُضَعَّفُ نَصِيبُهُ، وتَخْصِيصُ الذَّكَرِ بِالتَّنْصِيصِ عَلى حَظِّهِ لِأنَّ القَصْدَ إلى بَيانِ فَضْلِهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ التَّضْعِيفَ كافٍ لِلتَّفْضِيلِ فَلا يُحْرَمْنَ بِالكُلِّيَّةِ وقَدِ اشْتَرَكا في الجِهَةِ، والمَعْنى لِلذِّكَرِ مِنهم فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ.

فَإنْ كُنَّ نِساءً أيْ إنْ كانَ الأوْلادُ نِساءً خُلَّصًا لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، فَأنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ أوْ عَلى تَأْوِيلِ المَوْلُوداتِ.

فَوْقَ اثْنَتَيْنِ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ صِفَةٌ لِلنِّساءِ أيْ نِساءٌ زائِداتٌ عَلى اثْنَتَيْنِ.

فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ المُتَوَفّى مِنكُمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى.

وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ أيْ وإنْ كانَتِ المَوْلُودَةُ واحِدَةً.

وقَرَأ نافِعٌ بِالرَّفْعِ عَلى كانَ التّامَّةِ، واخْتُلِفَ في الثِّنْتَيْنِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما حُكْمُهُما حُكْمُ الواحِدَةِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الثُّلُثَيْنِ لِما فَوْقَهُما.

وقالَ الباقُونَ حُكْمُهُما حُكْمُ ما فَوْقَهُما لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ حَظَّ الذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ إذا كانَ مَعَهُ أُنْثى وهو الثُّلْثانِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنَّ فَرْضَهُما الثُّلُثانِ.

ثُمَّ لَمّا أوْهَمَ ذَلِكَ أنْ يُزادَ النَّصِيبُ بِزِيادَةِ العَدَدِ رَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ البِنْتَ الواحِدَةَ لَمّا اسْتَحَقَّتِ الثُّلُثَ مَعَ أخِيها فَبِالحَرِيِّ أنْ تَسْتَحِقَّهُ مَعَ أُخْتٍ مِثْلِها.

وأنَّ البِنْتَيْنِ أمَسُّ رَحِمًا مِنَ الأُخْتَيْنِ وقَدْ فَرَضَ لَهُما الثُّلُثَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ.

ولِأبَوَيْهِ ولِأبَوَيِ المَيِّتِ.

لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما بَدَلٌ مِنهُ بِتَكْرِيرِ العامِلِ وفائِدَتُهُ التَّنْصِيصُ عَلى اسْتِحْقاقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدْسُ، والتَّفْصِيلُ بَعْدَ الإجْمالِ تَأْكِيدًا.

السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ أيْ لِلْمَيِّتِ.

ولَدٌ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى غَيْرَ أنَّ الأبَ يَأْخُذُ السُّدُسَ مَعَ الأُنْثى بِالفَرِيضَةِ، وما بَقِيَ مِن ذَوِي الفُرُوضِ أيْضًا بِالعُصُوبَةِ.

فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَحَسْبُ.

فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ مِمّا تَرَكَ وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ حِصَّةَ الأبِ، لِأنَّهُ لَمّا فَرَضَ أنَّ الوارِثَ أبَواهُ فَقَطْ وعَيَّنَ نَصِيبَ الأُمِّ عُلِمَ أنَّ الباقِيَ لِلْأبِ، وكَأنَّهُ قالَ: فَلَهُما ما تُرِكَ أثْلاثًا، وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَها حَيْثُ كانَ مَعَهُما أحَدُ الزَّوْجَيْنِ ثُلْثُ ما بَقِيَ مِن فَرْضِهِ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ، لا ثُلُثُ المالِ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَإنَّهُ يُفْضِي إلى تَفْضِيلِ الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ المُساوِي لَها في الجِهَةِ والقُرْبِ وهو خِلافُ وضْعِ الشَّرْعِ.

فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ بِإطْلاقِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإخْوَةَ يَرُدُّونَها مِنَ الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ، وإنْ كانُوا لا يَرِثُونَ مَعَ الأبِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم يَأْخُذُونَ السُّدُسَ الَّذِي حَجَبُوا عَنْهُ الأُمَّ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإخْوَةِ عَدَدٌ مِمَّنْ لَهُ إخْوَةٌ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّثْلِيثِ سَواءٌ كانَ مِنَ الإخْوَةِ أوِ الأخَواتِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لا يَحْجُبُ الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ ما دُونَ الثَّلاثَةِ ولا الأخَواتُ الخُلَّصُ أخْذًا بِالظّاهِرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَلِإمِّهِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ اتِّباعًا لِلْكَسْرَةِ الَّتِي قَبْلَها.

مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَهُ مِن قِسْمَةِ المَوارِيثِ كُلِّها أيْ هَذِهِ الأنْصِباءُ لِلْوَرَثَةِ مِن بَعْدِ ما كانَ مِن وصِيَّةٍ.

أوْ دَيْنٍ، وإنَّما قالَ بِأوِ الَّتِي لِلْإباحَةِ دُونَ الواوِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما مُتَساوِيانِ في الوُجُوبِ مُقْدَمانِ عَلى القِسْمَةِ مَجْمُوعَيْنِ ومُنْفَرِدَيْنِ، وقَدَّمَ الوَصِيَّةَ عَلى الدَّيْنِ وهي مُتَأخِّرَةٌ في الحُكْمِ لِأنَّها مُشَبَّهَةٌ بِالمِيراثِ شاقَّةٌ عَلى الوَرَثَةِ مَندُوبٌ إلَيْها الجَمِيعُ والدَّيْنُ إنَّما يَكُونُ عَلى النُّدُورِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِفَتْحِ الصّادِ.

آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا أيْ لا تَعْلَمُونَ مَن أنْفَعُ لَكم مِمَّنْ يَرِثُكم مِن أُصُولِكم وفُرُوعِكم في عاجِلِكم وآجِلِكُمْ، فَتَحَرَّوْا فِيهِمْ ما أوْصاكُمُ اللَّهُ بِهِ، ولا تَعْمِدُوا إلى تَفْضِيلِ بَعْضٍ وحِرْمانِهِ.

رُوِيَ أنَّ أحَدَ المُتَوالِدِينَ إذا كانَ أرْفَعَ دَرَجَةً مِنَ الآخَرِ في الجَنَّةِ سَألَ أنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ فَيُرْفَعُ بِشَفاعَتِهِ.

أوْ مِن مُوَرِّثِيكم مِنهم أوْ مَن أوْصى مِنهم فَعَرَّضَكم لِلثَّوابِ بِإمْضاءِ وصِيَّتِهِ، أوْ مَن لَمْ يُوصِ فَوَفَّرَ عَلَيْكم مالَهُ فَهو اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِأمْرِ القِسْمَةِ أوْ تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ.

فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أوْ مَصْدَرُ يُوصِيكُمُ اللَّهُ لِأنَّهُ في مَعْنى يَأْمُرُكم ويَفْرِضُ عَلَيْكم.

إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا بِالمَصالِحِ والرُّتَبِ.

حَكِيمًا فِيما قَضى وقَدَّرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

النساء (١١)

يعهد إليكم ويأمركم {فِى أولادكم} في شأن ميراثهم وهذا إجمال تفصيله {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} أي للذكر منهم أي من أولادكم فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم كقولهم السمن منوان بدرهم وبدأ يحظ الذكر ولم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر لفصله كما ضوعف حظه لذلك ولأنهم كانوا يوريون الذكر دون الإناث وهو السبب لورود الآية فقيل كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلايتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به والمراد حال الإجتماع إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان كما أن لهما سهمين وأما في حال الانفراد فالابن بأخذ المال كله والبنتان تأخذان الثلثين والدليل عليه أنه أتبعه حكم الانفراد بقوله {فَإِن كُنَّ

نِسَاءً} أي فإن كانت الأولاد نساء خلصاً يعني بناتاً ليس معهن ابن {فَوْقَ اثنتين} خبر ثانٍ لكان أو صفة لنساء أي نساء زائدات على اثنتين {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} أي الميت لأن الآية لما كانت في الميراث علم أن التارك هو الميت {وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف} أي وإن كانت المولودة منفردةٌ واحدة مدني على كان التامة والنصب أو فوق لقوله فإن كن نساء فإن فلت قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن وحكم البنات والبنت في حال الانفراد ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فماحكمهما قلت حكمهما مختلف فيه فابن عباس رضى الله عنهما نزلهما منزلة الواحدة لا منزلة الجماعة وغيره من الصحابة رضى الله عنهم أعطوهما حكم الجماعة بمقتضى قوله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين وذلك لأن من مات وخلف بنتاً وابناً فالثلث للبنت والثلثان للابن فإذا كان الثلث لبنت واحدة كان الثلثان للبنتين ولأنه قال في آخر السورة إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ والبنتان أمس رحماً بالميت من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين ولم ينقصوا حظهما عن حظ من هو أبعد منهما ولأن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كان أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها أيضاً مع أخيها لو انفردت معه فوجب لهما الثلثان وفي الآية دلالة على أن المال كله للذكر إذا لم يكن معه أنثى لأنه جعل للذكر مثل حظ الأنثيين وقد جعل للأنثى

النصف إذا كانت منفردة فعلم أن للذكر في حال الانفراد ضعف النصف وهو الكل والضمير في {وَلأَبَوَيْهِ} للميت والمراد الأب والأم إلا أنه غلب الذكر {لِكُلِّ واحد مّنْهُمَا السدس} بدل من لأبويه بتكرير العامل وفائدة هذا البدل أنه لو قيل ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه ولو قيل ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها ولو قيل

ولكل واحد من أبويه السدس لذهبت فائدة التأكيد وهو التفصيل بعد الإجمال والسدس مبتدأ خبر لأبويه والبدل متوسط بينهما للبيان وقرأ الحسن

النساء (١١)

السدس والربع والثمن والثلث بالتخفيف {مِمَّا تَرَكَ إن كان له ولد} وهو يقع على الذكر والأنثى {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمّهِ الثلث} أي مما ترك والمعنى وورثه أبواه فحسب لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين كان للأم ثلث ما يبقى بعد إخراج نصيب الزوج لا ثلث ما ترك لأن الأب أقوى من الأم في الإرث بدليل أن له ضعف حظها إذا خلصا فلو ضرب لها الثلث كملا لأدى إلى حظ نصيبه عن نصيبها فإن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للأب حازت الأم سهمين والأب سهماً واحداً فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين فلأمه بكسر الهمزة حمزة وعلى لمجاروة كسر اللام {فَإِن كَانَ لَهُ} أي للميت {إخوة فلأمه السدس} إذا كانت للميت اثنان منالاخوة والأخوات فصاعدا فلأمه السد والأخ لا يحجب والأعيان والغلات والأخياف فى حجم الأم سواء {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ} متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها لا بما يليه وخدة كأنه قيل قسمة هذه الأنصباء من بعد وصية {يوصي بها} وما بعده بفتح الصاد مكي وشامي وحماد ويحيى وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية لمجاورة يورث وكسر الاولى لمجاوة ر يؤصيكم الله البقاون بكسر الصادين أي يوصى بها الميت {أَوْ دَيْنٍ} والإشكال أن الدّين مقدم على الوصية في الشرع وقدمت الوصية على الدين في التلاوة والجواب إن أو لا تدل على الترتيب ألا ترى أنك إذا قلت جاءني زيد أو عمرو كان المعنى جاءني أحد الرجلين فكان التقدير في قوله من بعد وصية يؤصى بها أو دين من بعد أحد هذين الشيئين الوصية أو الدين ولو قيل بهذا اللفظ لم

يدر فيه الترتيب بل يجوز تقديم المؤخر وتأخير المقدم كذا هنا وإنما قدمنا الدين على الوصية بقوله عليه السلام ألا إن الدّين قبل الوصية ولأنها تشبه الميراث من حيث إنها صلة بلا عوض فكان إخراجها مما يشق على الورثة وكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين فقدمت على الدين ليسارعوا إلى اخراجها مع الدين {آباؤكم} مبتدأ {وَأَبناؤُكُمْ} عطف عليه والخبر {لاَ تَدْرُونَ} وقوله {أَيُّهُم} مبتدأ خبره {أَقْرَبُ لَكُمْ} والجملة فى موضع نصب بتدرون {نَفْعاً} تمييز والمعنى فرض الله الفرائض على ماهو على حكمة ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع وأنتم لا تدرون تفاوتها فتولى الله ذلك فضلاً

منه ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير وهذه الجملة اعتراضية مؤكدة لا موضع لها من الاعراب {فريضة} نصيب نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضاً {من الله إن الله كان عليما}

النساء (١٢)

بالأشياء قبل خلقها {حكيما} فى كل مافرض وقسم من الموابيث وغيرها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ﴾ إلَخْ، «والوَصِيَّةُ كَما قالَ الرّاغِبُ: أنْ يُقَدَّمَ إلى الغَيْرِ ما يَعْمَلُ فِيهِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ مِن قَوْلِهِمْ: «أرْضٌ واصِيَةٌ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ» وهي في الحَقِيقَةِ أمْرٌ لَهُ بِعَمَلِ ما عُهِدَ إلَيْهِ، فالمُرادُ يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ ويَفْرِضُ عَلَيْكم، وبِالثّانِي: فَسَّرَهُ في «القامُوسِ» وعَدَلَ عَنِ الأمْرِ إلى الإيصاءِ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى الِاهْتِمامِ وطَلَبِ الحُصُولِ بِسُرْعَةٍ.

﴿ فِي أوْلادِكُمْ ﴾ أيْ في تَوْرِيثِ أوْلادِكم، أوْ في شَأْنِهِمْ وقَدَّرَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ، وقِيلَ: في بِمَعْنى اللّامِ كَما في خَبَرِ: ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» أيْ لَها كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، والخِطابُ قِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ وبَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ يُوصِيكم في أوْلادِ مَوْتاكم لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ الحَيُّ بِقِسْمَةِ المِيراثِ في أوْلادِهِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِذَوِي الأوْلادِ عَلى مَعْنى يُوصِيكم في تَوْرِيثِهِمْ إذا مُتُّمْ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ كَما لَوْ فُسِّرَ يُوصِيكم بِيُبَيِّنُ لَكم، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالأوْلادِ لِأنَّهم أقْرَبُ الوَرَثَةِ إلى المَيِّتِ وأكْثَرُهم بَقاءً بَعْدَ المُوَرِّثِ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعُودُنِي وأنا مَرِيضٌ فَقُلْتُ كَيْفَ أُقَسِّمُ مالِي بَيْنَ ولَدِي؟

فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا فَنَزَلَتْ: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ » في مَوْضِعِ التَّفْصِيلِ والبَيانِ لِلْوَصِيَّةِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ؛ وجَعَلَها أبُو البَقاءِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِيُوصِي بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ في مَعْنى القَوْلِ أوِ الفَرْضِ أوِ الشَّرْعِ وفِيهِ تَكَلُّفٌ، والمُرادُ أنَّهُ يُعِدُّ كُلَّ ذَكَرٍ بِأُنْثَيَيْنِ حَيْثُ اجْتَمَعَ الصِّنْفانِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ واتَّحَدَتْ جِهَةُ إرْثِهِما فَيُضَعِّفُ لِلذَّكَرِ نَصِيبَهُ كَذا قِيلَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بَيانُ حُكْمِ اجْتِماعِ الِابْنِ والبِنْتِ عَلى الإطْلاقِ.

ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى الأوْلادِ مَحْذُوفٍ ثِقَةً بِظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، والتَّقْدِيرُ هُنا لِلذَّكَرِ مِنهم فَتَدَبَّرْ، وتَخْصِيصُ الذَّكَرِ بِالتَّنْصِيصِ عَلى حَظِّهِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى كَوْنِ الآيَةِ نَزَلَتْ في المَشْهُورِ لِبَيانِ المَوارِيثِ رَدًّا لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَوْرِيثِ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ الِاهْتِمامُ بِالإناثِ، وأنْ يُقالَ: لِلْأُنْثَيَيْنِ مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرِ لِأنَّ الذَّكَرَ أفْضَلُ، ولِأنَّ ذِكْرَ المَحاسِنِ ألْيَقُ بِالحَكِيمِ مِن غَيْرِهِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها ﴾ فَقَدَّمَ ذِكْرَ الإحْسانِ وكَرَّرَهُ دُونَ الإساءَةِ، ولِأنَّ في ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّضْعِيفَ كافٍ في التَّفْضِيلِ فَكَأنَّهُ حَيْثُ كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ قِيلَ لَهم: كَفى الذُّكُورَ أنْ ضُوعِفَ لَهم نَصِيبُ الإناثِ فَلا يُحْرَمْنَ عَنِ المِيراثِ بِالكُلِّيَّةِ مَعَ تَساوِيهِما في جِهَةِ الإرْثِ.

وإيثارُ اسْمَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِواءِ الكِبارِ والصِّغارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاسْتِحْقاقِ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِلْبُلُوغِ والكِبْرِ في ذَلِكَ أصْلًا كَما هو زَعْمُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الأطْفالَ كالنِّساءِ، والحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى جَعَلَ نَصِيبَ الإناثِ مِنَ المالِ أقَلَّ مِن نَصِيبِ الذُّكُورِ نُقْصانُ عَقْلِهِنَّ ودِينِهِنَّ كَما جاءَ في الخَبَرِ مَعَ أنَّ احْتِياجَهُنَّ إلى المالِ أقَلُّ لِأنَّ أزْواجَهُنَّ يُنْفِقُونَ عَلَيْهِنَّ وشَهْوَتُهُنَّ أكْثَرُ فَقَدْ يَصِيرُ المالُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ فُجُورِهِنَّ، ومِمّا اشْتُهِرَ: إنَّ الشَّبابَ والفَراغَ والجِدَهْ مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهْ ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ حَوّاءَ عَلَيْها السَّلامُ أخَذَتْ حَفْنَةً مِنَ الحِنْطَةِ وأكَلَتْ وأخَذَتْ أُخْرى وخَبَأتْها ثُمَّ أُخْرى ودَفَعَتْها إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا جَعَلَتْ نَصِيبَ نَفْسَها ضِعْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ قُلِبَ الأمْرُ عَلَيْها فَجُعِلَ نَصِيبُ المَرْأةِ نِصْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ، ذَكَرَهُ بَعْضُهم ولَمْ أقِفْ عَلى صِحَّتِهِ.

ثُمَّ مَحَلُّ الإرْثِ إنْ لَمْ يَقُمْ مانِعٌ كالرِّقِّ والقَتْلِ واخْتِلافِ الدِّينِ كَما لا يَخْفى، واسْتُثْنِيَ مِنَ العُمُومِ المِيراثُ مِنَ النَّبِيِّ  بِناءً عَلى القَوْلِ بِدُخُولِهِ  في العُمُوماتِ الوارِدَةِ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُتَناوِلَةِ لَهُ لُغَةً، والدَّلِيلُ عَلى الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ  : ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ“» وأخَذَ الشِّيعَةُ بِالعُمُومِ وعَدَمِ الِاسْتِثْناءِ وطَعَنُوا بِذَلِكَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ لَمْ يُوَرِّثِ الزَّهْراءَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن تَرِكَةِ أبِيها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى قالَتْ لَهُ بِزَعْمِهِمْ: يا ابْنَ أبِي قُحافَةَ أنْتَ تَرِثُ أباكَ وأنا لا أرِثُ أبِي أيُّ إنْصافٍ هَذا؟

وقالُوا: إنَّ الخَبَرَ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ وبِتَسْلِيمِ أنَّهُ رَواهُ غَيْرُهُ أيْضًا فَهو غَيْرُ مُتَواتِرٍ بَلْ آحادٌ، ولا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الكِتابِ بِخَبَرِ الآحادِ بِدَلِيلِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَدَّ خَبَرَ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَها سُكْنى ولا نَفَقَةً لِما كانَ مُخَصَّصًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أسْكِنُوهُنَّ ﴾ فَقالَ: كَيْفَ نَتْرُكُ كِتابَ رَبِّنا وسُنَّةَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِ امْرَأةٍ.

فَلَوْ جازَ تَخْصِيصُ الكِتابِ بِخَبَرِ الآحادِ لَخُصِّصَ بِهِ ولَمْ يَرُدَّهُ ولَمْ يَجْعَلْ كَوْنَهُ خَبَرَ امْرَأةٍ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْكِتابِ مانِعًا مِن قَبُولِهِ، وأيْضًا العامُّ وهو الكِتابُ قَطْعِيٌّ، والخاصُّ وهو خَبَرُ الآحادِ ظَنِّيٌّ فَيَلْزَمُ تَرْكُ القَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ.

وقالُوا أيْضًا: إنَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَذِبِ الخَبَرِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ الأنْبِياءَ يَرِثُونَ ويُورَثُونَ.

والجَوابُ أنَّ هَذا الخَبَرَ قَدْ رَواهُ أيْضًا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ وأبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ والعَبّاسُ وعَلِيٌّ وعُثْمانُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ فِيهِمْ عَلِيٌّ والعَبّاسُ وعُثْمانُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ الَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّماءُ والأرْضُ أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: لا نُورَثُ ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ؟

قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ والعَبّاسِ فَقالَ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ تَعالى هَلْ تَعْلَمانِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَدْ قالَ ذَلِكَ؟

قالا: اللَّهُمَّ نَعَمْ»، فالقَوْلُ بِأنَّ الخَبَرَ لَمْ يَرْوِهِ إلّا أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وفي كُتُبِ الشِّيعَةِ ما يُؤَيِّدُهُ، فَقَدْ رَوى الكَلِينِيُّ في «الكافِي» عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ في الكافِي عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «إنَّ العُلَماءَ ورَثَةُ الأنْبِياءِ وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا ولا دِينارًا وإنَّما ورَّثُوا أحادِيثَ فَمَن أخَذَ بِشَيْءٍ مِنها فَقَدْ أخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ» وكَلِمَةُ إنَّما مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ قَطْعًا بِاعْتِرافِ الشِّيعَةِ فَيُعْلَمُ أنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرِّثُونَ غَيْرَ العِلْمِ والأحادِيثِ.

وقَدْ ثَبَتَ أيْضًا بِإجْماعِ أهْلِ السِّيَرِ والتَّوارِيخِ وعُلَماءِ الحَدِيثِ أنَّ جَماعَةً مِنَ المَعْصُومِينَ عِنْدَ الشِّيعَةِ والمَحْفُوظِينَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ عَمِلُوا بِمُوجِبِهِ فَإنَّ تَرَكَةُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما وقَعَتْ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُعْطُوا مِنها العَبّاسَ ولا بَنِيهِ ولا الأزْواجَ المُطَهَّراتِ شَيْئًا ولَوْ كانَ المِيراثُ جارِيًا في تِلْكَ التَّرِكَةِ لَشارَكُوهم فِيها قَطْعًا، فَإذا ثَبَتَ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا التَّواتُرَ فَحَبَّذا ذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ القُرْآنِ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ جائِزٌ اتِّفاقًا وإنْ لَمْ يَثْبُتْ وبَقِيَ الخَبَرُ مِنَ الآحادِ فَنَقُولُ: إنَّ تَخْصِيصَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الآحادِ جائِزٌ عَلى الصَّحِيحِ وبِجَوازِهِ قالَ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِهِ أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم خُصِّصُوا بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَكانَ إجْماعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ نِكاحُ المَرْأةِ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها فَخُصَّ بِقَوْلِهِ  : ««لا تُنْكِحُوا المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها»» والشِّيعَةُ أيْضًا قَدْ خَصَّصُوا عُمُوماتٍ كَثِيرَةً مِنَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الآحادِ فَإنَّهم لا يُوَرِّثُونَ الزَّوْجَةَ مِنَ العَقارِ ويَخُصُّونَ أكْبَرَ أبْناءِ المَيِّتِ مِن تَرِكَتِهِ بِالسَّيْفِ والمُصْحَفِ والخاتَمِ واللِّباسِ بِدُونِ بَدَلٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ، ويَسْتَنِدُونَ في ذَلِكَ إلى آحادٍ تَفَرَّدُوا بِرِوايَتِها مَعَ أنَّ عُمُومَ الآياتِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، والِاحْتِجاجُ عَلى عَدَمِ جَوازِ التَّخْصِيصِ بِخَبَرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ عُمَرَ إنَّما رَدَّ خَبَرَ ابْنَةِ قَيْسٍ لِتَرَدُّدِهِ في صِدْقِها وكَذِبِها، ولِذَلِكَ قالَ بِقَوْلِ امْرَأةٍ لا نَدْرِي أصَدَقَتْ أمْ كَذَبَتْ، فَعَلَّلَ الرَّدَّ بِالتَّرَدُّدِ في صِدْقِها وكَذِبِها لا بِكَوْنِهِ خَبَرَ واحِدٍ، وكَوْنُ التَّخْصِيصِ يَلْزَمُ مِنهُ تَرْكُ القَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ مَرْدُودٌ بِأنَّ التَّخْصِيصَ وقَعَ في الدَّلالَةِ لِأنَّهُ دَفْعٌ لِلدَّلالَةِ في بَعْضِ المَوارِدِ فَلَمْ يَلْزَمْ تَرْكُ القَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ بَلْ هو تَرْكٌ لِلظَّنِّيِّ بِالظَّنِّيِّ وما زَعَمُوهُ مِن دَلالَةِ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرُوهُما عَلى كَذِبِ الخَبَرِ في غايَةِ الوَهْنِ لِأنَّ الوِراثَةَ فِيهِما وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ لا وِراثَةُ العَرُوضِ والأمْوالِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوِراثَةَ في الآيَةِ الأُولى مِنهُما كَذَلِكَ ما رَواهُ الَكْلَيِنِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سَلِيمانَ ورِثَ داوُدَ وأنَّ مُحَمَّدًا ورِثَ سُلَيْمانَ فَإنَّ وِراثَةَ المالِ بَيْنَ نَبِيِّنا  وسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ بِوَجْهٍ، وأيْضًا إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ التّارِيخِ كانَ لَهُ تِسْعَةَ عَشَرَ ابْنًا وكُلُّهم كانُوا ورَثَةً بِالمَعْنى الَّذِي يَزْعُمُهُ الخَصْمُ فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِالذِّكْرِ دُونَ بَعْضٍ في وِراثَةِ المالِ لِاشْتِراكِهِمْ فِيها مِن غَيْرِ خُصُوصِيَّةٍ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها بِخِلافِ وِراثَةِ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ.

وأيْضًا تَوْصِيفُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ الوِراثَةِ مِمّا لا يُوجِبُ كَمالًا ولا يَسْتَدْعِي امْتِيازًا لِأنَّ البَرَّ والفاجِرَ يَرِثُ أباهُ فَأيُّ داعٍ لِذِكْرِ هَذِهِ الوِراثَةِ العامَّةِ في بَيانِ فَضائِلِ هَذا النَّبِيِّ ومَناقِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوِراثَةَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ كَذَلِكَ أيْضًا أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالوِراثَةِ فِيها وِراثَةَ المالِ كانَ الكَلامُ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالسَّفْسَطَةِ لَأنَّ المُرادَ بِآلِ يَعْقُوبَ حِينَئِذٍ إنْ كانَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ يَلْزَمُ أنَّ مالَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ باقِيًا غَيْرَ مَقْسُومٍ إلى عَهْدِ زَكَرِيّا وبَيْنَهُما نَحْوٌ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ وهو كَما تَرى، وإنْ كانَ المُرادُ جَمِيعَ أوْلادِهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ يَحْيى وارِثًا جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ أحْياءً وأمْواتًا، وهَذا أفْحَشُ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ المُرادُ بَعْضَ الأوْلادِ، أوْ أُرِيدَ مِن يَعْقُوبَ غَيْرُ المُتَبادَرِ وهو ابْنُ إسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ يُقالُ: أيُّ فائِدَةٍ في وصْفِ هَذا الوَلِيِّ عِنْدَ طَلَبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَرِثُ أباهُ ويَرِثُ بَعْضَ ذَوِي قَرابَتِهِ، والِابْنُ وارِثُ الأبِ ومَن يَقْرُبُ مِنهُ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ مَعَ أنَّ هَذِهِ الوِراثَةَ تُفْهَمُ مِن لَفْظِ الوَلِيِّ بِلا تَكَلُّفٍ ولَيْسَ المَقامُ مَقامَ تَأْكِيدٍ، وأيْضًا لَيْسَ في الأنْظارِ العالِيَةِ وهِمَمِ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ مِن تَعَلُّقاتِ هَذا العالَمِ الفانِي واتَّصَلَتْ بِحَضائِرِ القُدْسِ الحَقّانِيِّ مَيْلٌ لِلْمَتاعِ الدُّنْيَوِيِّ قَدْرَ جَناحِ بَعُوضَةٍ حَتّى يَسْألَ حَضْرَةُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ مالُهُ ويَصِلُ إلى يَدِهِ مَتاعُهُ، ويَظْهَرُ لِفَواتِ ذَلِكَ الحُزْنِ والخَوْفِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي صَرِيحًا كَمالَ المَحَبَّةِ وتَعَلُّقَ القَلْبِ بِالدُّنْيا وما فِيها، وذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ ساحَتِهِ العَلِيَّةِ وهِمَّتِهِ القُدْسِيَّةِ، وأيْضًا لا مَعْنى لِخَوْفِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن صَرْفِ بَنِي أعْمامِهِ مالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، أمّا إنْ كانَ الصَّرْفُ في طاعَةٍ فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ كانَ في مَعْصِيَةٍ فَلِأنَّ الرَّجُلَ إذا ماتَ وانْتَقَلَ المالُ إلى الوارِثِ وصَرَفَهُ في المَعاصِي لا مُؤاخَذَةَ عَلى المَيِّتِ ولا عِتابَ عَلى أنَّ دَفْعَ هَذا الخَوْفِ كانَ مُتَيِسِّرًا لَهُ بِأنْ يَصْرِفَهُ ويَتَصَدَّقَ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ وفاتِهِ ويَتْرُكُ ورَثَتَهُ عَلى أنْقى مِنَ الرّاحَةِ واحْتِمالِ مَوْتِ الفَجْأةِ.

وعَدَمُ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ لا يَنْتَهِضُ عِنْدَ الشِّيعَةِ لِأنَّ الأنْبِياءَ عِنْدَهم يَعْلَمُونَ وقْتَ مَوْتِهِمْ فَما مُرادُ ذَلِكَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوِراثَةِ إلّا وِراثَةُ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ والعِلْمِ والنُّبُوَّةِ المُرَشَّحَةِ لِمَنصِبِ الحُبُورَةِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَشِيَ مِن أشْرارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يُحَرِّفُوا الأحْكامَ الإلَهِيَّةَ والشَّرائِعَ الرَّبّانِيَّةَ ولا يَحْفَظُوا عِلْمَهُ ولا يَعْمَلُوا بِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفَسادِ العَظِيمِ، فَطَلَبَ الوَلَدَ لِيُجْرِيَ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى بَعْدَهُ ويُرَوِّجَ الشَّرِيعَةَ ويَكُونَ مَحَطَّ رِحالِ النُّبُوَّةِ وذَلِكَ مُوجِبٌ لِتَضاعِيفِ الأجْرِ واتِّصالِ الثَّوابِ، والرَّغْبَةُ في مِثْلِهِ مِن شَأْنِ ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ والقُلُوبِ الطّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: الوِراثَةُ في وِراثَةِ العِلْمِ مَجازٌ وفي وِراثَةِ المالِ حَقِيقَةً، وصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا يَجُوزُ بِلا ضَرُورَةٍ، فَما الضَّرُورَةُ هُنا؟

أُجِيبُ بِأنَّ الضَّرُورَةَ هُنا حِفْظُ كَلامِ المَعْصُومِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وأيْضًا لا نُسَلِّمُ كَوْنَ الوِراثَةِ حَقِيقَةً في المالِ فَقَطْ بَلْ صارَ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ في العُرْفِ مُخْتَصًّا بِالمالِ، وفي أصْلِ الوَضْعِ إطْلاقُهُ عَلى وِراثَةِ العِلْمِ والمالِ والمَنصِبِ صَحِيحٌ، وهَذا الإطْلاقُ هو حَقِيقَتُهُ اللُّغَوِيَّةُ سَلَّمْنا أنَّهُ مَجازٌ ولَكِنَّ هَذا المَجازَ مُتَعارَفٌ ومَشْهُورٌ بِحَيْثُ يُساوِي الحَقِيقَةَ خُصُوصًا في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ المَجِيدِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ و( أُرِثُوا الكِتابَ ) إلى غَيْرِ ما آيَةٍ.

ومِنَ الشِّيعَةِ مَن أوْرَدَ هُنا بَحْثًا وهو أنَّ النَّبِيَّ  إذا لَمْ يُورِثُ أحَدًا فَلِمَ أُعْطِيَتْ أزْواجُهُ الطّاهِراتُ حُجُراتِهِنَّ؟

والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ مَغْلَطَةٌ لِأنَّ إفْرازَ الحُجُراتِ لِلْأزْواجِ إنَّما كانَ لِأجْلِ كَوْنِها مَمْلُوكَةً لَهُنَّ لا مِن جِهَةِ المِيراثِ بَلْ لِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَنى كُلَّ حُجْرَةٍ لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ فَصارَتِ الهِبَةُ مَعَ القَبْضِ مُتَحَقِّقَةً وهي مُوجِبَةٌ لِلْمِلْكِ وقَدْ بَنى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ لِفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وأُسامَةَ وسَلَّمَهُ إلَيْهِما؛ وكانَ كُلُّ مَن بِيَدِهِ شَيْءٌ مِمّا بَناهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ ما ثَبَتَ بِإجْماعِ أهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ أنَّ الإمامَ الحَسَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ اسْتَأْذَنَ مِن عائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وسَألَها أنْ تُعْطِيَهُ مَوْضِعًا لِلدَّفْنِ جِوارَ جَدِّهِ المُصْطَفى  فَإنَّهُ إنْ لَمْ تَكُنِ الحُجْرَةُ مِلْكَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِئْذانِ والسُّؤالِ مَعْنًى، وفي القُرْآنِ نَوْعُ إشارَةٍ إلى كَوْنِ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ مالِكاتٍ لِتِلْكَ الحُجَرِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ فَأضافَ البُيُوتَ إلَيْهِنَّ ولَمْ يَقُلْ في بُيُوتِ الرَّسُولِ.

ومِن أهْلِ السُّنَّةِ مَن أجابَ عَنْ أصْلِ البَحْثِ بِأنَّ المالَ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ  صارَ في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ لِخَلِيفَةِ الوَقْتِ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ كَما خَصَّ الصِّدِّيقُ جَنابَ الأمِيرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِسَيْفٍ ودِرْعٍ وبَغْلَةٍ شَهْباءَ تُسَمّى الدُّلْدُلَ أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمْ يَرِثِ النَّبِيَّ  بِوَجْهٍ، وقَدْ صَحَّ أيْضًا أنَّ الصِّدِّيقَ أعْطى الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ ومُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ بَعْضًا مِن مَتْرُوكاتِهِ  وإنَّما لَمْ يُعْطِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى أبِيها وعَلَيْها وسَلَّمَ فَدَكًا مَعَ أنَّها طَلَبَتْها إرْثًا وانْحَرَفَ مِزاجُ رِضاها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِالمَنعِ إجْماعًا وعَدَلَتْ عَنْ ذَلِكَ إلى دَعْوى الهِبَةِ، وأتَتْ بِعَلِيٍّ والحَسَنَيْنِ وأُمِّ أيْمَنَ لِلشَّهادَةِ فَلَمْ تَقُمْ عَلى ساقٍ بِزَعْمِ الشِّيعَةِ، ولَمْ تُمَكِّنْ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ ودُنْيَوِيَّةٍ رَآهُما الخَلِيفَةُ إذْ ذاكَ كَما ذَكَرَهُ الأسْلَمِيُّ في «التَّرْجَمَةِ العَبْقَرِيَّةِ والصَّوْلَةِ الحَيْدَرِيَّةِ» وأطالَ فِيهِ.

وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خَصَّ آيَةَ المَوارِيثِ بِما سَمِعَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ  وخَبَرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّ مَن سَمِعَهُ مِنهُ بِلا واسِطَةٍ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ اليَقِينِيِّ بِلا شُبْهَةٍ والعَمَلُ بِسَماعِهِ واجِبٌ عَلَيْهِ سَواءٌ سَمِعَهُ غَيْرُهُ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، وقَدْ أجْمَعَ أهْلُ الأُصُولِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ عَلى أنَّ تَقْسِيمَ الخَبَرِ إلى المُتَواتِرِ وغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن لَمْ يُشاهِدُوا النَّبِيَّ  وسَمِعُوا خَبَرَهُ بِواسِطَةِ الرُّواةِ لا في حَقِّ مَن شاهَدَ النَّبِيَّ  وسَمِعَ مِنهُ بِلا واسِطَةٍ، فَخَبَرُ ««نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»» عِنْدَ أبِي بَكْرٍ قَطْعِيٌّ لِأنَّهُ في حَقِّهِ كالمُتَواتِرِ بَلْ أعْلى كَعْبًا مِنهُ، والقَطْعِيُّ يُخَصِّصُ القَطْعِيَّ اتِّفاقًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا الخَبَرِ والآياتِ الَّتِي فِيها نِسْبَةُ الوِراثَةِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِما عَلِمْتَ، ودَعْوى الزَّهْراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَدَكًا بِحَسَبِ الوِراثَةِ لا تَدُلُّ عَلى كَذِبِ الخَبَرِ بَلْ عَلى عَدَمِ سَماعِهِ وهو غَيْرُ مُخِلٍّ بِقَدْرِها ورِفْعَةِ شَأْنِها ومَزِيدِ عِلْمِها، وكَذا أخْذُ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ حُجُراتِهِنَّ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِما مَرَّ وحَلا، وعُدُولُها إلى دَعْوى الهِبَةِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ عِنْدَنا بَلِ المُتَحَقِّقُ دَعْوى الإرْثِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّهُ وقَعَ مِنها دَعْوى الهِبَةِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّها أتَتْ بِأُولَئِكَ الأطْهارِ شُهُودًا، وذَلِكَ لِأنَّ المُجْمَعَ عَلَيْهِ أنَّ الهِبَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقَبْضِ ولَمْ تَكُنْ فَدَكُ في قَبْضَةِ الزَّهْراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها في وقْتٍ فَلَمْ تَكُنِ الحاجَةُ ماسَّةً لِطَلَبِ الشُّهُودِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّ أُولَئِكَ الأطْهارَ شَهِدُوا فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الصِّدِّيقَ رَدَّ شَهادَتَهم بَلْ لَمْ يَقْضِ بِها، وفَرْقٌ بَيْنَ عَدَمِ القَضاءِ هُنا والرَّدِّ، فَإنَّ الثّانِيَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ القَبُولِ لِتُهْمَةِ كَذِبٍ مَثَلًا، والأوَّلُ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الإمْضاءِ لِفَقْدِ بَعْضِ الشُّرُوطِ المُعْتَبَرِ بَعْدَ العَدالَةِ، وانْحِرافُ مِزاجِ رِضا الزَّهْراءِ كانَ مِن مُقْتَضَياتِ البَشَرِيَّةِ، وقَدْ غَضِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أخِيهِ الأكْبَرِ هارُونَ حَتّى أخَذَ بِلِحْيَتِهِ ورَأْسِهِ ولَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ مِن قَدْرَيْهِما شَيْئًا عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ اسْتَرْضاها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مُسْتَشْفِعًا إلَيْها بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَرَضِيَتْ عَنْهُ كَما في «مَدارِجِ النُّبُوَّةِ» و«كِتابِ الوَفاءِ» و«شَرْحِ المِشْكاةِ» لِلدَّهْلَوِيِّ وغَيْرِها، وفي «مَحاجِّ السّالِكِينَ» وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ الإمامِيَّةِ المُعْتَبَرَةِ ما يُؤَيِّدُ هَذا الفَصْلَ حَيْثُ رَوَوْا أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا رَأى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها انْقَبَضَتْ عَنْهُ وهَجَرَتْهُ ولَمْ تَتَكَلَّمْ بَعْدَ ذَلِكَ في أمْرِ فَدَكَ كَبُرَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَأرادَ اسْتِرْضاءَها فَأتاها فَقالَ: صَدَقْتِ يا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ  فِيما ادَّعَيْتِ ولَكِنْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُقَسِّمُها فَيُعْطِي الفُقَراءَ والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ بَعْدَ أنْ يُؤْتِيَ مِنها قُوتَكم فَما أنْتُمْ صانِعُونَ بِها؟

فَقالَتْ: أفْعَلُ فِيها كَما كانَ أبِي صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ فِيها فَقالَ لَكِ اللَّهُ تَعالى أنْ أفْعَلَ فِيها ما كانَ يَفْعَلُ أبُوكِ، فَقالَتْ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ؟

فَقالَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ ذَلِكَ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ ورَضِيَتْ بِذَلِكَ، وأخَذَتِ العَهْدَ عَلَيْهِ فَكانَ أبُو بَكْرٍ يُعْطِيهِمْ مِنها قُوتَهم ويُقَسِّمُ الباقِيَ بَيْنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، وبَقِيَ الكَلامُ في سَبَبِ عَدَمِ تَمْكِينِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها، وقَدْ كانَ دَفْعُ الِالتِباسِ وسَدُّ بابِ الطَّلَبِ المُنْجَرِّ إلى كَسْرِ كَثِيرٍ مِنَ القُلُوبِ، أوْ تَضْيِيقِ الأمْرِ عَلى المُسْلِمِينَ.

وقَدْ ورَدَ «المُؤْمِنُ إذا ابْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ اخْتارَ أهْوَنَهُما» عَلى أنَّ رِضا الزَّهْراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بَعْدُ عَلى الصِّدِّيقِ سَدَّ بابَ الطَّعْنِ عَلَيْهِ أصابَ في المَنعِ أمْ لَمْ يُصِبْ، وسُبْحانَ المُوَفِّقِ لِلصَّوابِ والعاصِمِ أنْبِياءَهُ عَنِ الخَطَأِ في فَصْلِ الخِطابِ.

﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأوْلادِ مُطْلَقًا والخَبَرُ مُفِيدٌ بِلا تَأْوِيلٍ، ولُزُومِ تَغْلِيبِ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ لا يَضُرُّ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا صَرَّحُوا بِجَوازِهِ مُراعاةً لِلْخَبَرِ ومُشاكَلَةً لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى المَوْلُوداتِ أوِ البَناتِ الَّتِي في ضِمْنٍ مُطْلَقِ الأوْلادِ، والمَعْنى فَإنْ كانَتِ المَوْلُوداتُ أوِ البَناتُ نِساءً خُلَّصًا لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، وبِهَذا يُفِيدُ الحَمْلُ وإلّا لاتَّحَدَ الِاسْمُ والخَبَرُ فَلا يُفِيدُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ﴾ إذا جُعِلَ صِفَةً لِنِساءٍ فَهو مَحَلُّ الفائِدَةِ، وأوْجَبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ فَلَمْ يُجِزْ ما أجازَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن كَوْنِهِ خَبَرًا ثانِيًا ظَنًّا مِنهُ عَدَمَ إفادَةِ الحَمْلِ حِينَئِذٍ وهو مِن بَعْضِ الظَّنِّ كَما عَلِمْتَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ كانَ تامَّةً، والضَّمِيرُ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِالمَنصُوبِ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ ولَمْ يَرْتَضِهِ النُّحاةُ لِأنَّ كانَ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَكُونُ فاعِلُها مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ لِاخْتِصاصِهِ بِبابِ نِعْمَ، والتَّنازُعُ كَما قالَهُ الشِّهابُ والمُرادُ مِنَ الفَوْقِيَّةِ زِيادَةُ العَدَدِ لا الفَوْقِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، وفائِدَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ التَّصْرِيحِ بِعَدَمِ اخْتِصاصِ المُرادِ بِعَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ أيْ فَإنْ كُنَّ نِساءً زائِداتٍ عَلى اثْنَتَيْنِ بالِغاتٍ ما بَلَغْنَ.

﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ﴾ أيِ المُتَوَفّى مِنكم وأُضْمِرَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ شائِعٌ سائِغٌ ﴿ وإنْ كانَتْ ﴾ أيِ المَوْلُودَةُ المَفْهُومَةُ مِنَ الكَلامِ ﴿ واحِدَةً ﴾ أيِ امْرَأةً واحِدَةً لَيْسَ مَعَها أخٌ ولا أُخْتٌ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ( واحِدَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ والمَرْفُوعَ فاعِلٌ لَها، ورُجِّحَتْ قِراءَةُ النَّصْبِ بِأنَّها أوْفَقُ بِما قَبْلُ، وقالَ ابْنُ تَمْجِيدٍ: القِراءَةُ بِالرَّفْعِ أوْلى وأنْسَبَ لِلنَّظْمِ لِتَفَكُّكِ النَّظْمِ في قِراءَةِ النَّصْبِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ ضَمِيرُ كانَ راجِعًا إلى الأوْلادِ فَسَدَ المَعْنى كَما هو ظاهِرٌ، وإنْ كانَ راجِعًا إلى المَوْلُودَةِ كَما قالُوهُ يَلْزَمُ الإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ، وكِلا الأمْرَيْنِ مُرْتَفِعٌ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ إذِ المَعْنى وإنْ وُجِدَتَ بِنْتٌ واحِدَةٌ مِن تِلْكَ الأوْلادِ، والمُحَقِّقُونَ لا يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذا الإضْمارِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا ﴿ فَلَها النِّصْفُ ﴾ أيْ ( مِمّا تَرَكَ ) وتَرَكَ اكْتِفاءً بِالأوَّلِ والنِّصْفُ مُثَلَّثٌ كَما في «القامُوسِ» أحَدُ شِقَّيِ الشَّيْءِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ( النُّصْفُ ) بِضَمِّ النُّونِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وذَكَرَ أنَّها أقْيَسُ لِأنَّكَ تَقُولُ: الثُّلُثُ والرُّبْعُ والخُمْسُ وهَكَذا، وكُلُّها مَضْمُومَةُ الأوائِلِ.

وأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِظاهِرِ الآيَةِ فَجَعَلَ الثُّلُثَيْنِ لِما زادَ عَلى البِنْتَيْنِ كالثَّلاثِ فَأكْثَرَ، وجَعَلَ نَصِيبَ الِاثْنَتَيْنِ النِّصْفَ كَنَصِيبِ الواحِدَةِ، وجُمْهُورُ الصَّحابَةِ والأئِمَّةِ والإمامِيَّةِ عَلى خِلافِهِ حَيْثُ حَكَمُوا بِأنَّ لِلِاثْنَتَيْنِ وما فَوْقَهُما الثُّلُثَيْنِ، وأنَّ النِّصْفَ إنَّما هو لِلْواحِدَةِ فَقَطْ، ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ أنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ أنَّ لِلذَّكَرِ مَعَ الأُنْثى ثُلُثَيْنِ إذْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثانِ في صُورَةٍ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ لِأنَّ الثُّلُثَيْنِ لَيْسَ بِحَظٍّ لَهُما أصْلًا لَكِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ لَيْسَتْ صُورَةَ الِاجْتِماعِ إذْ ما مِن صُورَةٍ يَجْتَمِعُ فِيها الِاثْنَتانِ مَعَ الذَّكَرِ ويَكُونُ لَهُما الثُّلُثانِ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ صُورَةَ الِانْفِرادِ، وإلى هَذا أشارَ السَّيِّدُ السَّنَدُ في «شَرْحِ السِّراجِيَّةِ»، وأوْرَدَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ دَوْرِيٌّ لِأنَّ مَعْرِفَةَ أنَّ لِلذَّكَرِ الثُّلُثَيْنِ في الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ لِأنَّهُ ما عُلِمَ مِنَ الآيَةِ إلّا أنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، فَلَوْ كانَتْ مَعْرِفَةُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ مُسْتَخْرَجَةً مِن حَظِّ الذَّكَرِ لَزِمَ الدَّوْرُ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُسْتَخْرَجَ هو الحَظُّ المُعَيَّنُ لِلْأُنْثَيَيْنِ وهو الثُّلْثانِ، والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ حَظِّ الذَّكَرِ هو مَعْرِفَةُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا فَلا دَوْرَ، ولِما في هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ عَدَلَ عَنْهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وذُكِرَ أنَّ حُكْمَ البِنْتَيْنِ مَفْهُومٌ مِنَ النَّصِّ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ أوِ الإشارَةِ، وذَلِكَ لِما رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ هاتانِ ابْنَتا سَعْدٍ قُتِلَ أبُوهُما يَوْمَ أُحُدٍ وأنَّ عَمَّهُما أخَذَ مالَهُما ولَمْ يَدَعْ لَهُما مالًا ولا يُنْكَحانِ إلّا ولَهُما مالٌ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يَقْضِي اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ فَنَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى عَمِّهِما فَقالَ: أعْطِ لِابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وأعْطِ أُمَّهُما الثُّمُنَ وما بَقِيَ فَهو لَكَ»» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ انْفِهامَ الحُكْمِ مِنَ النَّصِّ بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ لِأنَّهُ حَكَمَ بِهِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، ووَجَّهَهُ أنَّ البِنْتَيْنِ لَمّا اسْتَحَقَّتا مَعَ الذَّكَرِ النِّصْفَ عُلِمَ أنَّهُما إذا انْفَرَدا عَنْهُ اسْتَحَقَّتا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ لِأنَّ الواحِدَةَ إذا انْفَرَدَتْ أخَذَتِ النِّصْفَ بَعْدَ ما كانَتْ مَعَهُ تَأْخُذُ الثُّلُثَ ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ نَصِيبُهُما كَما يَأْخُذُهُ الذَّكَرُ في الجُمْلَةِ وهو الثُّلُثانِ لِأنَّهُ يَأْخُذُهُ مَعَ البِنْتِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً ﴾ إلَخْ بَيانًا لِحَظِّ الواحِدَةِ، وما فَوْقَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ ما بَيَّنَ حَظَّهُما ولِذا فَرَّعَهُ عَلَيْهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيما قَبْلَهُ ما يَدُلُّ عَلى سَهْمِ الإناثِ لَمْ تَقَعِ الفاءُ مَوْقِعَها، وهَذا مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ حُكْمَ البِنْتَيْنِ ثَبَتَ بِالقِياسِ عَلى البِنْتِ مَعَ أخِيها أوْ عَلى الأُخْتَيْنِ.

أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّها لَمّا اسْتَحَقَّتِ البِنْتُ الثُّلُثَ مَعَ الأخِ فَمَعَ البِنْتِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ ذَكَرَ حُكْمَ الواحِدَةِ والثَّلاثِ فَما فَوْقَها مِنَ البَناتِ ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ البِنْتَيْنِ، وذَكَرَ في مِيراثِ الأخَواتِ حُكْمَ الأُخْتِ الواحِدَةِ والأُخْتَيْنِ ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الأخَواتِ الكَثِيرَةِ فَيُعْلَمُ حُكْمُ البِنْتَيْنِ مِن مِيراثِ الأخَواتِ وحُكْمُ الأخَواتِ مِن مِيراثِ البَناتِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ نَصِيبُ الأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ كانَتِ البِنْتانِ أوْلى بِهِما، ولَمّا كانَ نَصِيبُ البَناتِ الكَثِيرَةِ لا يَزِيدُ عَلى الثُّلُثَيْنِ فَبِالأوْلى أنْ لا يَزْدادَ نَصِيبُ الأخَواتِ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، وجَعَلَهُ العَلّامَةُ ناصِرُ الدِّينِ مُؤَيِّدًا ولَمْ يَجْعَلْهُ دَلِيلًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِما تَقَدَّمَ، ولِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ القِياسَ لا يَجْرِي في الفَرائِضِ والمَقادِيرِ، ونَظَرَ بَعْضُهم في الأوَّلِ بِأنَّ البِنْتَ الواحِدَةَ لَمْ تَسْتَحِقَّ الثُّلُثَ مَعَ الأخِ بَلْ تَسْتَحِقُّ نِصْفَ حَظِّهِ وكَوْنَهُ ثُلُثًا عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أُلْحِقَ البِنْتانِ بِالجَماعَةِ لِأنَّ وصْفَ النِّساءِ يَفُوقُ اثْنَتَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ التَّفاوُتِ بَيْنَ عَدَدٍ وعَدَدٍ، والبِنْتانِ تُشارِكُ الجَماعَةَ في التَّعَدُّدِ، وقَدْ عُلِمَ عَدَمُ تَأْثِيرِ القِلَّةِ والكَثْرَةِ، فالظّاهِرُ إلْحاقُهُما بِالجَماعَةِ بِجامِعِ التَّعَدُّدِ، وعَدَمُ اعْتِبارِ القِلَّةِ والكَثْرَةِ دُونَ الواحِدَةِ لِعَدَمِ الجامِعِ بَيْنَهُما.

وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ فَإنْ كُنَّ نِساءً اثْنَتَيْنِ فَما فَوْقَهُما إلّا أنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ الفَوْقِ عَلى الِاثْنَتَيْنِ كَما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««لا تُسافِرِ المَرْأةُ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ إلّا ومَعَها زَوْجُها أوْ ذُو مَحْرَمٍ لَها»».

فَإنَّ مَعْناهُ لا تُسافِرْ سَفَرًا ثَلاثَةَ أيّامٍ فَما فَوْقَها، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مَن قالَ: إنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، واعْتُرِضَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ لَوِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ﴾ أنَّ حالَ الِاثْنَتَيْنِ لَيْسَ حالَ الجَماعَةِ بِناءً عَلى مَفْهُومِ الصِّفَةِ فَهو مُعارِضٌ بِأنَّهُ يُسْتَفادُ مِن واحِدَةٍ أنَّ حالَهُما لَيْسَ حالَ الواحِدَةِ لِمَفْهُومِ العَدَدِ، وقَدْ قِيلَ بِهِ،،وأُجِيبُ بِالفَرْقِ بَيْنَهُما فَإنَّ النِّساءَ ظاهِرٌ فِيما فَوْقَهُما فَلَمّا أكِّدَ بِهِ صارَ مُحْكَمًا في التَّخْصِيصِ بِخِلافِ ﴿ وإنْ كانَتْ واحِدَةً ﴾ وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الظَّرْفِ صِفَةً مُؤَكِّدَةً لا خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وأُجِيبُ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( نِساءً ) ظاهِرٌ في كَوْنِها فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِهِ والإتْيانِ بِخَبَرٍ بَعْدَهُ يَدُلُّ دَلالَةً صَرِيحَةً عَلى أنَّ الحُكْمَ مُقَيَّدٌ بِهِ لا يَتَجاوَزُهُ، وأيْضًا مِمّا يَنْصُرُ الحَبْرَ أنَّ الدَّلِيلَيْنِ لَمّا تَعارَضا دارَ أمْرُ البِنْتَيْنِ بَيْنَ الثُّلُثَيْنِ والنِّصْفِ، والمُتَيَقَّنُ هو النِّصْفُ، والزّائِدُ مَشْكُوكٌ غَيْرُ ثابِتٍ، فَتَعَيَّنَ المَصِيرُ إلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ الَّذِي سَلَفَ يَهْدِمُ أمْرَ التَّمَسُّكِ بِمِثْلِ هَذِهِ العُرى، ولَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ كَما قِيلَ فَقالَ ما قالَ، وفي «شَرْحِ اليَنْبُوعِ» نَقْلًا عَنِ الشَّرِيفِ شَمْسِ الدِّينِ الأرْمُونِيِّ أنَّهُ قالَ في «شَرْحِ فَرائِضِ الوَسِيطِ»: صَحَّ رُجُوعُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ فَصارَ إجْماعًا؛ وعَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ بَلَغَهُ الحَدِيثُ، أوْ أنَّهُ أمْعَنَ النَّظَرَ في الآيَةِ فَفُهِمَ مِنها ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ فَرَجَعَ إلى وِفاقِهِمْ.

وحِكايَةُ النِّظامِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في كِتابِ «النُّكَتِ» أنَّهُ قالَ: لِلَبِنَتَيْنِ نِصْفٌ وقِيراطٌ لِأنَّ لِلْواحِدَةِ النِّصْفَ ولِما فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِلْبِنْتَيْنِ ما بَيْنَهُما مِمّا لا تَكادُ تَصِحُّ، فافْهَمْ.

﴿ ولأبَوَيْهِ ﴾ أيِ المَيِّتِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى غَيْرَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ حُكْمِهِ بِما قَبْلَهُ مِنَ الصُّوَرِ بَلْ هو في الحَقِيقَةِ شُرُوعٌ في إرْثِ الأُصُولِ بَعْدَ ذِكْرِ إرْثِ الفُرُوعِ، والمُرادُ مِنَ الأبَوَيْنِ الأبُ والأُمُّ تَغْلِيبًا لِلَفْظِ الأبِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ في ابْنٍ وبِنْتٍ ابْنانِ لِلْإيهامِ فَإنْ لَمْ يُوهَمْ جازَ ذَلِكَ كَما قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ ولأبَوَيْهِ ﴾ بِتَكْرِيرِ العامِلِ، وُسِّطَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهُما السُّدُسُ ﴾ والخَبَرِ، وهو لِأبَوَيْهِ وزَعَمَ ابْنُ المُنِيرِ «أنَّ في إعْرابِهِ بَدَلًا نَظَرًا، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِن بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، ويَكُونُ أصْلُ الكَلامِ: والسُّدُسُ لِأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما ومُقْتَضى الِاقْتِصارِ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ التَّشْرِيكُ بَيْنَهُما في السُّدُسِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ﴾ فاقْتَضى اشْتِراكَهُنَّ فِيهِ، ومُقْتَضى البَدَلِ لَوْ قُدِّرَ إهْدارُ الأوَّلِ إفْرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالسُّدُسِ وعَدَمُ التَّشْرِيكِ، وهَذا يُناقِضُ حَقِيقَةَ هَذا النَّوْعِ مِنَ البَدَلِ إذْ يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مُؤَدّى المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ واحِدًا، وإنَّما فائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ بِمَجْمُوعٍ الِاسْمَيْنِ لا غَيْرَ بِلا زِيادَةِ مَعْنى فَإذا تَحَقَّقَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ تَعَذَّرَتِ البَدَلِيَّةُ المَذْكُورَةُ ولَيْسَ مِن بَدَلِ التَّقْسِيمِ أيْضًا عَلى هَذا الإعْرابِ، وإلّا لَزِمَ زِيادَةُ مَعْنًى في البَدَلِ، فالوَجْهُ أنْ يُقَدَّرَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِأبَوَيْهِ الثُّلُثُ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ نَصِيبَهُما مُجْمَلًا فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ ﴾ وساغَ حَذْفَ المُبْتَدَأِ لِدَلالَةِ التَّفْصِيلِ عَلَيْهِ ضَرُورَةَ إذْ يَلْزَمُ مِنِ اسْتِحْقاقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ اسْتِحْقاقَهُما مَعًا لِلثُّلُثِ»، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ «بِأنَّ هَذا بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ ولِذَلِكَ أتى بِالضَّمِيرِ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ بَدَلُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ لِجَوازِ أبَواكَ يَصْنَعانِ كَذا، وامْتِناعُ أبَواكَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْنَعانِ كَذا، بَلْ تَقُولُ: يَصْنَعُ كَذا» إلّا أنَّهُ اعْتُرِضَ عَلى جَعْلِ لِأبَوَيْهِ خَبَرَ المُبْتَدَأِ بِأنَّ البَدَلَ هو الَّذِي يَكُونُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ في أمْثالِ ذَلِكَ دُونَ المُبْدَلِ مِنهُ كَما في المِثالِ، وتَعَقَّبَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ في هَذِهِ المُناقَشَةِ نَظَرًا لِأنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: ما مَحَلُّ لِأبَوَيْهِ مِنَ الإعْرابِ؟

تَضْطَرُّ إلى أنْ تَقُولَ: إنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ولَكِنَّهُ نَقَلَ نِسْبَةَ الخَبَرِيَّةِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما دُونَ لِأبَوَيْهِ واخْتِيرَ هَذا التَّرْكِيبُ دُونَ أنْ يُقالَ: ولِكُلِّ واحِدٍ مِن أبَوَيْهِ السُّدُسُ لِما في الأوَّلِ مِنَ الإجْمالِ، والتَّفْصِيلُ الَّذِي هو أوْقَعُ في الذِّهْنِ دُونَ الثّانِي، ودُونَ أنْ يُقالَ: لِأبَوَيْهِ السُّدُسانِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَساوِي الأبَوَيْنِ في الأوَّلِ وعَدَمُ التَّنْصِيصِ عَلى ذَلِكَ في الثّانِي لِاحْتِمالِهِ التَّفاضُلَ، وكَوْنُهُ خِلافَ الظّاهِرِ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ يَكْفِي نُكْتَةً لِلْعُدُولِ.

وقَرَأ الحَسَنُ ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ( السُّدْسُ ) بِالتَّخْفِيفِ وكَذَلِكَ الثُّلْثُ والرُّبْعُ والثُّمْنُ.

﴿ مِمّا تَرَكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ الرّاجِعِ إلى المُبْتَدَأِ، والعامِلُ الِاسْتِقْرارُ أيْ كائِنًا مِمّا تَرَكَ المُتَوَفّى ﴿ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ ﴾ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى واحِدًا كانَ أوْ أكْثَرَ، ووَلَدُ الِابْنِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنْ كانَ الوَلَدُ ذَكَرًا كانَ الباقِي لَهُ وإنْ كانُوا ذُكُورًا فالباقِي لَهم بِالسَّوِيَّةِ، وإنْ كانُوا ذُكُورًا وإناثًا فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وإنْ كانَتْ بِنْتًا فَلَها النِّصْفُ ولِأحَدِ الأبَوَيْنِ السُّدُسُ، أوْ لَهُما السُّدْسانِ والباقِي يَعُودُ لِلْأبِ إنْ كانَ، لَكِنْ بِطْرِيقِ العُصُوبَةِ وتَعَدُّدِ الجِهاتِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ تَعَدُّدِ الذَّواتِ، وإنْ كانَ هُناكَ أمٌّ وبِنْتٌ فَقَطْ فالباقِي بَعْدَ فَرْضِ الأُمِّ والبِنْتِ يُرَدُّ عَلَيْهِما، وزَعَمَتِ الإمامِيَّةُ في صُورَةِ أبَوَيْنِ أوْ أبٍ أوْ أُمٍّ وبِنْتٍ أنَّ الباقِيَ بَعْدَ أخْذِ كُلِّ فُرْضِهِ يُرَدُّ عَلى البِنْتِ وعَلى أحَدِ الأبَوَيْنِ أوْ عَلَيْهِما بِقَدْرِ سِهامِهِمْ.

﴿ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ﴾ ولا ولَدُ ابْنٍ ﴿ ووَرِثَهُ أبَواهُ ﴾ فَقَطْ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخْصِيصِ الذَّكَرِيِّ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفَحْوى ﴿ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ مِمّا تَرَكَ والباقِي لِلْأبِ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِأنَّهُ لَمّا فُرِضَ انْحِصارُ الوارِثِ في أبَوَيْهِ، وعَيَّنَ نَصِيبَ الأُمِّ عُلِمَ أنَّ الباقِيَ لِلْأبِ وهو مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِأنَّ المَقْصُودَ تَغْيِيرُ السَّهْمِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ إلّا سَهْمُ الأُمِّ وسَهْمُ الأبِ بِحالِهِ، وإنَّما يَأْخُذُ الباقِيَ بَعْدَ سَهْمِهِ وسَهْمُ الأُمِّ بِالعُصُوبَةِ، فَلَيْسَ المَقامُ مَقامَ حِصَّةِ الأبِ وفِيهِ تَأمُّلٌ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ أخْذَ الأبِ الباقِي بَعْدَ فَرْضِ الأُمِّ بِطَرِيقِ العُصُوبَةِ وبِهِ صَرَّحَ الفَرْضِيُّونَ، وتَخْصِيصُ جانِبِ الأُمِّ بِالذِّكْرِ وإحالَةُ جانِبِ الأبِ عَلى دَلالَةِ الحالِ مَعَ حُصُولِ البَيانِ بِالعَكْسِ أيْضًا لِذَلِكَ، ولِما أنَّ حَظَّها أخْصَرُ واسْتِحْقاقَهُ أتَمُّ وأوْفَرُ هَذا إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُما أحَدُ الزَّوْجَيْنِ أمّا إذا كانَ مَعَهُما ذَلِكَ وتُسَمّى المَسْألَتانِ بِالغَرّاوَيْنِ وبِالغَرِيبَتَيْنِ وبِالعُمَرِيَّتَيْنِ، فَلِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ بَعْدَ فَرْضِ أحَدِهِما عِنْدَ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ والفُقَهاءِ لا ثُلُثَ الكُلِّ خِلافًا لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مُسْتَدِلًّا بِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ لَها أوَّلًا سُدْسَ التَّرِكَةِ مَعَ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ ﴾ ثُمَّ ذُكِرَ أنَّ لَها مَعَ عَدَمِهِ الثُّلُثَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المُرادَ ثُلُثُ أصْلِ التَّرِكَةِ أيْضًا.

ويُؤَيِّدُهُ أنَّ السِّهامَ المُقَدَّرَةَ كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلى أصْلِها بَعْدَ الوَصِيَّةِ والدَّيْنِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَتِ الإمامِيَّةُ وكانَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ يَقُولُ: بِأنَّ لَها مَعَ الزَّوْجِ ثُلُثَ ما يَبْقى مِن فَرْضِهِ ومَعَ الزَّوْجَةِ ثُلُثُ الأصْلِ، ونُسِبَ إلى ابْنِ سَيْرَيْنِ لِأنَّهُ لَوْ جُعِلَ لَها مَعَ الزَّوْجِ ثُلُثُ جَمِيعِ المالِ لَزِمَ زِيادَةُ نَصِيبِها عَلى نَصِيبِ الأبِ لَأنَّ المَسْألَةَ حِينَئِذٍ مِن سِتَّةٍ لِاجْتِماعِ النِّصْفِ والثُّلُثِ فَلِلزَّوْجِ ثَلاثَةٌ ولِلْأُمِّ اثْنانِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَيَبْقى لِلْأبِ واحِدٌ، وفي ذَلِكَ تَفْضِيلُ الأُنْثى عَلى الذِّكْرِ، وإذا جُعِلَ لَها ثُلُثُ ما بَقِيَ مِن فَرْضِ الزَّوْجِ كانَ لَها واحِدٌ ولِلْأبِ اثْنانِ ولَوْ جُعِلَ لَها مَعَ الزَّوْجَةِ ثُلُثُ الأصْلِ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ لِأنَّ المَسْألَةَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ لِاجْتِماعِ الثُّلُثِ والرُّبُعِ، فَإذا أخَذَتِ الأُمُّ أرْبَعَةً بَقِيَ لِلْأبِ خَمْسَةٌ فَلا تَفْضِيلَ لَها عَلَيْهِ، ورُجِّحَ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِخُلُوِّهِ عَنِ الإفْضاءِ إلى تَفْضِيلِ الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ المُساوِي لَها في الجِهَةِ والقُرْبِ بَلِ الأقْوى مِنها في الإرْثِ بِدَلِيلِ إضْعافِهِ عَلَيْها عِنْدَ انْفِرادِهِما عَنْ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وكَوْنِهِ صاحِبَ فَرْضٍ وعُصْبَةٍ وذَلِكَ خِلافَ وضْعِ الشَّرْعِ، وهَذا الإفْضاءُ ظاهِرٌ في المَسْألَةِ الأُولى، وبِذَلِكَ عَلَّلَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ حُكْمَهُ فِيها مُخالِفًا لِابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أرْسَلَنِي ابْنُ عَبّاسٍ إلى زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أسْألُهُ عَنْ زَوْجٍ وأبَوَيْنِ، فَقالَ زَيْدٌ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ ولِلْأبِ بَقِيَّةُ المالِ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ أفِي كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَجِدُ هَذا؟

قالَ: لا ولَكِنْ أكْرَهُ أنْ أُفَضِّلَ أُمًّا عَلى أبٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يَنْتَهِضُ مُرَجِّحًا لِمَذْهَبِ الجُمْهُورِ عَلى مَذْهَبِ الأصَمِّ، ومِن هُنا قالَ السَّيِّدُ السِّنْدُ وغَيْرُهُ في نُصْرَةِ مَذْهَبِهِمْ عادِلِينَ عَنِ المَسْلَكِ الَّذِي سَلَكْناهُ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ هو أنَّ لَها ثُلُثَ ما ورِثاهُ سَواءٌ كانَ جَمِيعَ المالِ أوْ بَعْضَهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ثُلُثُ الأصْلِ لَكَفى في البَيانِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ كَما قالَ تَعالى في حَقِّ البَناتِ: ﴿ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ﴾ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ووَرِثَهُ أبَواهُ ﴾ خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ، فَإنْ قِيلَ: نَحْمِلُهُ عَلى أنَّ الوِراثَةَ لَهُما فَقَطْ قُلْنا: لَيْسَ في العِبارَةِ دَلالَةٌ عَلى حَصْرِ الإرْثِ فِيهِما وإنْ سَلِمَ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ حِينَئِذٍ عَلى صُورَةِ النِّزاعِ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا، فَيَرْجِعُ فِيهِما إلى أنَّ الأبَوَيْنِ في الأُصُولِ كالِابْنِ والبِنْتِ في الفُرُوعِ لِأنَّ السَّبَبَ في وِراثَةِ الذَّكَرِ والأُنْثى واحِدٌ وكُلٌّ مِنهُما يَتَّصِلُ بِالمَيِّتِ بِلا واسِطَةٍ فَيُجْعَلُ ما بَقِيَ مِن فَرْضِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ بَيْنَهُما أثْلاثًا كَما في حَقِّ الِابْنِ والبِنْتِ وكَما في حَقِّ الأبَوَيْنِ إذا انْفَرَدا بِالإرْثِ، فَلا يَزِيدُ نَصِيبُ الأُمِّ عَلى نِصْفِ نَصِيبِ الأبِ كَما يَقْتَضِيهِ القِياسُ، فَلا مَجالَ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الأصَمُّ أيْضًا عَلى هَذا، ولَيْتَهُ سَمِعَ ذَلِكَ فَلْيُفْهَمْ.

وقَدِ اخْتَلَفُوا أيْضًا في حَظِّ الأُمِّ فِيما إذا كانَ مَكانَ الأبِ جَدٌّ وباقِي المَسْألَةِ عَلى حالِها، فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الصِّدِّيقِ، ورَوى ذَلِكَ أهْلُ الكُوفَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في صُورَةِ الزَّوْجِ وحْدَهُ إنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ جَمِيعِ المالِ، وقَوْلُ أبِي يُوسُفَ وهو الرِّوايَةُ الأُخْرى عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ لَها ثُلُثَ الباقِي كَما مَعَ الأبِ فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ جَعَلَ الجَدَّ كالأبِ فَيَعْصِبُ الأُمَّ كَما يَعْصِبُها الأبُ، والوَجْهُ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى عَلى ما ذَكَرَهُ الفَرْضِيُّونَ هو أنَّهُ تَرَكَ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ في حَقِّ الأبِ، وأُوِّلَ بِما مَرَّ لِئَلّا يَلْزَمَ تَفْضِيلُها عَلَيْهِ مَعَ تَساوِيهِما في القُرْبِ في الرُّتْبَةِ، وأُيِّدَ التَّأْوِيلُ بِقَوْلِ أكْثَرِ الصَّحابَةِ، وأمّا في حَقِّ الجَدِّ فَأُجْرِيَ عَلى ظاهِرِهِ لِعَدَمِ التَّساوِي في القُرْبِ وقُوَّةِ الِاخْتِلافِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ، ولا اسْتِحالَةَ في تَفْضِيلِ الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ مَعَ التَّفاوُتِ في الدَّرَجَةِ كَما إذا تَرَكَ امْرَأةً وأُخْتًا لِأُمٍّ وأبٍ وأخًا لِلْأبِ، فَإنَّ لِلْمَرْأةِ الرُّبْعَ ولِلْأُخْتِ النِّصْفَ ولِلْأخِ لِأبٍ الباقِيَ، فَقَدْ فُضِّلَتْ هَهُنا الأُنْثى لِزِيادَةِ قُرْبِها عَلى الذَّكَرِ، وأيْضًا لِلْأُمِّ حَقِيقَةُ الوِلادِ كَما لِلْأبِ فَيَعْصِبُها والجَدُّ لَهُ حُكْمُ الوِلادِ لا حَقِيقَتُهُ فَلا يَعْصِبُها إذْ لا تَعْصِيبَ مَعَ الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ بَلْ مَعَ الِاتِّفاقِ فِيهِ.

﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإخْوَةِ عَدَدٌ مِمَّنْ لَهُ إخْوَةٌ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّثْلِيثِ سَواءٌ كانُوا مِنَ الإخْوَةِ أوِ الأخَواتِ، وسَواءٌ كانُوا مِن جِهَةِ الأبَوَيْنِ أوْ مِن جِهَةِ أحَدِهِما.

وخالَفَ ابْنُ عَبّاسٍ في ذَلِكَ فَإنَّهُ جَعَلَ الثَّلاثَةَ مِنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ حاجِبَةً لِلْأُمِّ دُونَ الِاثْنَيْنِ فَلَها مَعَهُما الثُّلُثُ عِنْدَهُ بِناءً عَلى أنَّ الإخْوَةَ صِيغَةُ الجَمْعِ فَلا يَتَناوَلُ المُثَنّى، وبِهَذا حاجَّ عُثْمانُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلى عُثْمانَ فَقالَ: إنَّ الأخَوَيْنِ لا يَرُدّانِ الأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ وتَلا الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: والأخَوانِ لَيْسا بِلِسانِ قَوْمِكَ إخْوَةً فَقالَ عُثْمانُ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أرُدَّ ما كانَ قَبْلِي ومَضى في الأمْصارِ وتَوارَثَ بِهِ النّاسُ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ حُكْمَ الِاثْنَيْنِ في بابِ المِيراثِ حُكْمُ الجَماعَةِ، ألا يُرى أنَّ البِنْتَيْنِ كالبَناتِ، والأُخْتَيْنِ كالأخَواتِ في اسْتِحْقاقِ الثُّلْثَيْنِ فَكَذا في الحَجْبِ؛ وأيْضًا مَعْنى الجَمْعِ المُطْلَقِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وما فَوْقَهُما، وهَذا المَقامُ يُناسِبُ الدَّلالَةَ عَلى الجَمْعِ المُطْلَقِ فَدَلَّ بِلَفْظِ الإخْوَةِ عَلَيْهِ بَلْ قالَ جَمْعٌ: إنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ حَقِيقَةٌ في الِاثْنَيْنِ كَما فِيما فَوْقَهُما في كَلامِ العَرَبِ، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ كانَ يَحْجُبُ الأُمَّ بِالأخَوَيْنِ فَقالُوا لَهُ: يا أبا سَعِيدٍ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ ﴾ وأنْتَ تَحْجُبُها بِأخَوَيْنِ فَقالَ: إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الأخَوَيْنِ إخْوَةً، وهَذا يُعارِضُ الخَبَرَ السّابِقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ لا تُقالُ عَلى اثْنَيْنِ في لُغَةِ العَرَبِ، وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَلَّمَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ احْتَجَّ بِأنَّ إطْلاقَ الإخْوَةِ عَلى الأعَمِّ كانَ إجْماعًا.

ومِن هُنا اخْتَلَفَ النّاسُ في مَدْلُولِ صِيغَةِ الجَمْعِ حَقِيقَةً، وصَرَّحَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ أنَّها في الِاثْنَيْنِ في المَوارِيثِ والوَصايا مُلْحَقَةٌ بِالحَقِيقَةِ، والنُّحاةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وخالَفَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في تَوْرِيثِ الأُمِّ السُّدُسَ مَعَ الإناثِ الخُلَّصِ لِأنَّ الإخْوَةَ جَمْعُ أخٍ فَلا يَشْمَلُ الأُخْتَ إلّا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، والخُلَّصُ لا ذُكُورَ مَعَهم فَيَغْلِبُونَ وهو كَلامٌ مَتِينٌ إلّا أنَّ العَمَلَ عَلى اخْتِلافِهِ اعْتِبارًا لِوَصْفِ الإخْوَةِ في الآيَةِ لِلْإجْماعِ عَلى ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ خِلافِ ابْنِ عَبّاسٍ، وخَرْقُ الإجْماعِ إنَّما يَحْرُمُ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَهُ.

وذَهَبَ الزَّيْدِيَّةُ والإمامِيَّةُ إلى أنَّ الإخْوَةَ لِأُمٍّ لا يَحْجُبُونَها بِخِلافِ غَيْرِهِمْ فَإنَّ الحَجْبَ هَهُنا بِمَعْنًى مَعْقُولٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ قَتادَةَ، وهو أنَّهُ إنْ كانَ هُناكَ إخْوَةٌ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ فَقَدْ كَثُرَ عِيالُ الأبِ فَيَحْتاجُ إلى زِيادَةِ مالٍ لِلْإنْفاقِ، وهَذا المَعْنى لا يُوجَدُ فِيما إذا كانَ الإخْوَةُ لِأُمٍّ إذْ لَيْسَ نَفَقَتُهم عَلى الأبِ، والجُمْهُورُ ذَهَبُوا إلى عَدَمِ الفَرْقِ لِأنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ في الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، وهَذا حُكْمٌ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنى ثَبَتَ بِالنَّصِّ، ألا يَرى أنَّهم يَحْجُبُونَ الأُمَّ بَعْدَ مَوْتِ الأبِ ولا نَفَقَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ويَحْجُبُونَها كِبارًا أيْضًا ولَيْسَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهم، ثُمَّ الشّائِعُ المَعْلُومُ مِن خارِجٍ أوْ مِنَ الآيَةِ في رَأْيٍ أنَّ الإخْوَةَ يَحْجُبُونَ الأُمَّ حَجْبَ نُقْصانٍ، وإنْ كانُوا مَحْجُوبِينَ بِالأبِ حَجْبَ حِرْمانٍ، ويَعُودُ السُّدُسُ الَّذِي حَجَبُوها عَنْهُ لِلْأبِ وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ أيْضًا ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لِلْإخْوَةِ لِأنَّهم إنَّما حَجَبُوها عَنْهُ لِيَأْخُذُوهُ فَإنَّ غَيْرَ الوارِثِ لا يُحْجَبُ كَما إذا كانَتِ الإخْوَةُ كُفّارًا أوْ أرِقّاءَ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِما رَواهُ طاوُسٌ مُرْسَلًا «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْطى الإخْوَةَ السُّدُسَ مَعَ الأبَوَيْنِ» .

ولِلْجُمْهُورِ كَما قالَ الشَّرِيفُ إنَّ صَدْرَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِأُمِّهِ الثُّلُثَ والباقِيَ لِلْأبِ فَكَذا الحالُ في آخِرِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ولِأبِيهِ الباقِي، ثُمَّ إنَّ شَرْطَ الحاجِبِ أنْ يَكُونَ وارِثًا في حُقِّ مَن يَحْجُبُهُ، والأخُ المُسْلِمُ وارِثٌ في حَقِّ الأُمِّ بِخِلافِ الرَّقِيقِ والكافِرِ، فالإخْوَةُ يَحْجُبُونَها وهم يَحْجُبُونَ بِالأبِ، ألا يُرى أنَّهم لا يَرِثُونَ مَعَ الأبِ شَيْئًا عِنْدَ عَدَمِ الأُمِّ لِأنَّهم كَلالَةٌ فَلا مِيراثَ لَهم مَعَ الوالِدِ، ولَيْسَ حالُ الإخْوَةِ مَعَ الأُمِّ بِأقْوى مِن حالِهِمْ مَعَ عَدَمِها، وقَدْ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قالَ: لَقِيتُ ابْنَ رَجُلٍ مِنَ الإخْوَةِ الَّذِينَ أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ  السُّدُسَ مَعَ الأبَوَيْنِ وسَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: كانَ ذَلِكَ وصِيَّةً وحِينَئِذٍ صارَ الحَدِيثُ دَلِيلًا لِلْجُمْهُورِ إذْ لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا صِحَّةَ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ يُوافِقُ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في حَجْبِ الجَدِّ لِلْإخْوَةِ فَكَيْفَ يَقُولُ بِإرْثِهِمْ مَعَ الأبِ كَذا في «شَرْحِ الإمامِ السَّرَخْسِيِّ»، وفي «الدُّرِّ المَنثُورِ» أنَّ ابْنَ جَرِيرٍ، وعَبْدَ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيَّ عَنْهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( فَلِإمِّهِ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ اتِّباعًا لِكَسْرَةِ اللّامِ، وقِيلَ: إنَّهُ اتِّباعٌ لِكَسْرَةِ المِيمِ، وضُعِّفَ بِأنَّ فِيهِ اتِّباعُ حَرَكَةٍ أصْلِيَّةٍ لِحَرَكَةٍ عارِضَةٍ وهي الإعْرابِيَّةُ، وقِيلَ: إنَّهُ لُغَةٌ في الأُمِّ، وأنْكَرَها الشِّهابُ، وفي القامُوسِ الأُمُّ- وقَدْ تُكْسَرُ- الوالِدَةُ، ويُقالُ ”لِلْأُمِّ“ أُمَّةٌ وأُمَّهَةٌ وتُجْمَعُ عَلى أُمّاتٍ وأُمَّهاتٍ، وهَذِهِ لِمَن يَعْقِلُ، وأُمّاتٍ لِما لا يَعْقِلُ» وحُكِيَ ذَلِكَ في «الصَّحّاحِ» عَنْ بَعْضِهِمْ.

﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُوصِيكم والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوَصِيَّةِ المالُ المُوصى بِهِ، والمَعْنى إنَّ هَذِهِ الأنْصِباءَ لِلْوَرَثَةِ مِن بَعْدِ إخْراجِ وصِيَّةٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ السُّدُسِ، والتَّقْدِيرُ مُسْتَحِقًّا مِن بَعْدِ ذَلِكَ والعامِلُ فِيهِ الجارُّ والمَجْرُورُ الواقِعُ خَبَرًا لِاعْتِمادِهِ، ويُقَدِّرُ لِما قَبْلَهُ مَثَلُهُ كالتَّنازُعِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ عامٍّ مَحْذُوفٍ أيِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ لِهَؤُلاءِ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها المَيِّتُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( يُوصى ) مُبْنِيًا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا وقُرِئَ ﴿ يُوصِي ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُشَدَّدًا، والجُمْلَةُ صِفَةُ وصِيَّةٍ، وفائِدَةُ الوَصْفِ التَّرْغِيبُ في الوَصِيَّةِ والنَّدَبُ إلَيْها، وقِيلَ: التَّعْمِيمُ لِأنَّ الوَصِيَّةَ لا تَكُونُ إلّا مُوصًى بِها ( أوْ دَيْنٍ ) عَطْفٌ عَلى ( وصِيَّةٍ ) إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِما قُيِّدَتْ بِهِ مِنَ الوَصْفِ السّابِقِ فَلا يَتَوَقَّفُ إخْراجُ الدَّيْنِ عَلى الإيصاءِ بِهِ بَلْ هو مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ ما ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ والإقْرارِ في الصِّحَّةِ، وإيثارُ ( أوْ ) عَلى الواوِ لِلْإيذانِ بِتَساوِيهِما في الوُجُوبِ وتَقَدُّمِهِما عَلى القِسْمَةِ مَجْمُوعَيْنَ أوْ مُفْرِدَيْنِ، وتَقْدِيمُ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ ذِكْرًا مَعَ أنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَيْها حُكْمًا كَما قَضى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ جَماعَةٌ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَنْفِيذِها لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِلتَّفْرِيطِ في أدائِها حَيْثُ إنَّها تُؤْخَذُ كالمِيراثِ بِلا عِوَضٍ فَكانَتْ تَشُقُّ عَلَيْهِمْ ولِأنَّ الجَمِيعَ مَندُوبٌ إلَيْها حَيْثُ لا عارِضَ بِخِلافِ الدَّيْنِ في المَشْهُورِ مَعَ نُدْرَتِهِ أوْ نُدْرَةِ تَأْخِيرِهِ إلى المَوْتِ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: «إنَّ الآيَةَ لَمْ يُخالَفْ فِيها التَّرْتِيبُ الواقِعُ شَرْعًا لِأنَّ أوَّلَ ما يُبْدَأُ بِهِ إخْراجُ الدَّيْنِ ثُمَّ الوَصِيَّةِ، ثُمَّ اقْتِسامُ ذَوِي المِيراثِ، فانْظُرْ كَيْفَ جاءَ إخْراجُ المِيراثِ آخِرًا تِلْوَ إخْراجِ الوَصِيَّةِ ”والوَصِيَّةُ“ تِلْوَ الدَّيْنِ فَوافَقَ قَوْلُنا قِسْمَةَ المَوارِيثِ بَعْدَ الوَصِيَّةِ، والدَّيْنُ صُورَةُ الواقِعِ شَرْعًا، ولَوْ سَقَطَ ذُكِرَ بَعْدُ وكانَ الكَلامُ أخْرِجُوا المِيراثَ والوَصِيَّةَ والدَّيْنَ لَأمْكَنَ وُرُودُ السُّؤالِ المَذْكُورِ، وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ.

﴿ آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا ﴾ الخِطابُ لِلْوَرَثَةِ، وآباؤُكم مُبْتَدَأٌ، وأبْناؤُكم مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، ولا تَدْرُونَ مَعَ ما في حَيِّزِهِ خَبَرٌ لَهُ، وأيُّ إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ عَنْها فَهي سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وإمّا مَوْصُولَةٌ، وأقْرَبُ خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ وهو مَفْعُولٌ أوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ لِإضافَتِهِ، وحَذْفِ صَدْرِ صِلَتِهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، ونَفْعًا نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وهو مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِيَّةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ.

والآباءُ والأبْناءُ عِبارَةٌ عَنِ الوَرَثَةِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَيَشْمَلُ البَناتَ والأُمَّهاتَ والأجْدادَ والجَدّاتِ، أيْ أُصُولُكم وفُرُوعُكُمُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَكم لا تَعْلَمُونَ مَن أنْفَعُ لَكم مِنهُمْ؛ أمَنَ أوْصى بِبَعْضِ مالِهِ فَعَرَّضَكم لِثَوابِ الآخِرَةِ بِإمْضاءِ وصِيتِهِ، أمْ مَن لَمْ يُوصِ فَوَفَّرَ عَلَيْكم عَرْضَ الدُّنْيا، ولَيْسَ المُرادُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ بِنَفْيِ الدِّرايَةِ عَنْهم بَيانُ اشْتِباهِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، وكَوْنِ أنْفَعِيَّةِ كُلٍّ مِنَ الأوَّلِ والثّانِي في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ عِنْدَهم مِن غَيْرِ رُجْحانٍ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن إفادَةِ التَّأْكِيدِ المَذْكُورِ، والتَّرْغِيبُ في تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ بَلْ تَحْقِيقِ أنَفْعِيَّةِ الأوَّلِ في ضِمْنِ التَّعْرِيضِ بِأنَّ لَهُمُ اعْتِقادًا بِأنْفَعِيَّةِ الثّانِي مَبْنِيًّا عَلى عَدَمِ الدِّرايَةِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الأنْفَعِيَّةِ بِأقْرَبِيَّةِ النَّفْعِ تَذْكِيرًا لِمَناطِ زَعْمِهِمْ وتَعْيِينًا لِمَنشَأِ خَطَئِهِمْ ومُبالِغَةً في التَّرْغِيبِ المَذْكُورِ بِتَصْوِيرِ الصَّوابِ الآجِلِ بِصُورَةِ العاجِلِ لِما أنَّ الطِّباعَ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ الخَيْرِ الحاضِرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْرُونَ أيُّهم أنْفَعُ لَكم فَتَحْكُمُونَ نَظَرًا إلى ظاهِرِ الحالِ وقُرْبِ المَنالِ بِأنْفَعِيَّةِ الثّانِي مَعَ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِهِ، فَإنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الأوَّلِ الثَّوابُ الدّائِمُ في الآخِرَةِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى الثّانِي العَرَضُ الفانِي في الحَياةِ الدُّنْيا، والأوَّلُ لِبَقائِهِ هو الأقْرَبُ الأدْنى، والثّانِي لِفَنائِهِ هو الأبْعَدُ الأقْصى، واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ الجُمْلَةِ اعْتِراضًا مُؤَكِّدًا لِأمْرِ القِسْمَةِ، وجُعِلَ الخِطابُ لِلْمُوَرِّثِينَ، وتَوْجِيهُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنْصِباءَ الأوْلادِ والأبَوَيْنِ فِيما قَبْلُ؛ وكانَتِ الأنْصِباءُ مُخْتَلِفَةً، والعُقُولُ لا تَهْتَدِي إلى كَمِّيَّةِ ذَلِكَ.

فَرُبَّما يَخْطُرُ لِلْإنْسانِ أنَّ القِسْمَةَ لَوْ وقَعَتْ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ كانَتْ أنْفَعَ وأصْلَحَ كَما تَعارَفَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا يُورِّثُونَ الرِّجالَ الأقْوِياءَ ولا يُوَرِّثُونَ الصِّبْيانَ والنِّسْوانَ الضُّعَفاءَ فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ما عَسى أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ مِن هَذا القَبِيلِ، وأشارَ إلى قُصُورِ أذْهانِهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ عُقُولَكم لا تُحِيطُ بِمَصالِحِكم فَلا تَعْلَمُونَ مَن أنْفَعُ لَكم مِمَّنْ يَرِثُكم مِن أُصُولِكم وفُرُوعِكم في عاجِلِكم وآجِلِكم فاتْرُكُوا تَقْدِيرَ المَوارِيثِ بِالمَقادِيرِ الَّتِي تَسْتَحْسِنُونَها بِعُقُولِكم ولا تَعْمِدُوا إلى تَفْضِيلِ بَعْضٍ وحِرْمانِهِ، وكُونُوا مُطِيعِينَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ التَّقْدِيراتِ الَّتِي قَدَّرَها سُبْحانَهُ فَإنَّهُ العالِمُ بِمُغَيَّباتِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، ووَجْهُ الحِكْمَةِ فِيما قَدَّرَهُ ودَبَّرَهُ وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ، والنَّفْعُ عَلى هَذا أعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ وانْتِفاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ في الدُّنْيا يَكُونُ بِالإنْفاقِ عَلَيْهِ والتَّرْبِيَةِ لَهُ والذَّبِّ عَنْهُ مَثَلًا، وانْتِفاعُهم في الآخِرَةِ يَكُونُ بِالشَّفاعَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ فَيُقالُ: إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وخَصَّ مُجاهِدٌ النَّفْعَ بِالدُّنْيَوِيَّ وخَصَّهُ بَعْضُهم بِالأُخْرَوِيِّ.

وذُكِرَ أنَّ المَعْنى لا تَدْرُونَ أيُّ الآباءِ مِنَ الوالِدَيْنِ والوالِداتِ وأيُّ الأبْناءِ مِنَ البَنِينَ والبَناتِ أقْرَبُ لَكم نَفْعًا لِتَرْفَعُوا إلَيْهِمْ في الدَّرَجَةِ في الآخِرَةِ، وإذا لَمْ تَدْرُوا فادْفَعُوا ما فَرَضَ اللَّهُ تَعالى وقَسَّمَ ولا تَقُولُوا: لِماذا أخَّرَ الأبَ عَنِ الِابْنِ ولِأيِّ شَيْءٍ حازَ الجَمِيعَ دُونَ الأُمِّ والبِنْتِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِالنَّفْعِ حَتّى يَتِمَّ ما ذُكِرَ وأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن قُدِّمَ في الوَرَثَةِ، أوْ ضُوعِفَ نَصِيبُهُ أنْفَعُ ولا كَذَلِكَ، والجَوابُ بِأنَّهُ أُرِيدَ أنَّ المَنافِعَ لَمّا كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْ دِرايَتِكم فاعْتَقَدُوا فِيهِ نَفْعًا لا تَصِلُ إلَيْهِ عُقُولُكم بَعِيدٌ لِعَدَمِ فَهْمِهِ مِنَ السِّياقِ، ويُرَدُّ نَحْوُ هَذا عَلى ما اخْتارَ الكَثِيرُ، ورُبَّما يُقالُ: المَعْنى أنَّكم لا تَدْرُونَ أيُّ الأُصُولِ والفُرُوعِ أقْرَبُ لَكم نَفْعًا فَضْلًا عَنِ النَّفْعِ فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ بِالقِسْمَةِ حَسَبَ المَنفَعَةِ وهي مَحْجُوبَةٌ عَنْ دِرايَتِكم بِالمَرَّةِ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا كَما قالَ السُّدِّيُّ لا يُورِثُونَ الجَوارِيَ ولا الضُّعَفاءَ مِنَ الغِلْمانِ ولا يَرِثُ الرَّجُلُ مِن ولَدِهِ إلّا مَن أطاقَ القِتالَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يُعْطُونَ المِيراثَ الأكْبَرَ فالأكْبَرَ، وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّ مَدارَ الإرْثِ عِنْدَهُمُ الأنْفَعِيَّةُ مَعَ العَلاقَةِ النِّسْبِيَّةِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ الأنْفَعِيَّةَ لا تَدْرُونَها فَكَيْفَ تَعْتَبِرُونَها، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الإلْزامُ لا بَيانُ أنَّ الأنْفَعِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ إلّا أنَّهم لا يَدْرُونَها، ولَعَلَّهُ عَلى هَذا لا يَرُدُّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاعْتِراضِ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ إنَّكم لا تَدْرُونَ أيُّ الوارِثِينَ والمُوَرِّثِينَ أسْرَعُ مَوْتًا فَيَرِثُهُ صاحِبُهُ فَلا تَتَمَنَّوْا مَوْتَ المَوْرُوثِ ولا تَسْتَعْجِلُوهُ، ونُسِبَ إلى أبِي مُسْلِمٍ، ولا يَخْفى مَزِيدُ بُعْدِهِ.

﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ عَلى حَدِّ هَذا ابْنِي حَقًّا لِأنَّهُ واقِعٌ بَعْدِ جُمْلَةٍ لا مُحْتَمَلَ لَها غَيْرُهُ فَيَكُونُ فِعْلُهُ النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفًا وُجُوبًا أيْ فَرَضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ بَلْ هو اسْمُ مَفْعُولٍ وقَعَ حالًا، والتَّقْدِيرُ لِهَؤُلاءِ الوَرَثَةِ هَذِهِ السِّهامُ حالَ كَوْنِها مَفْرُوضَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: بَلْ هو مَصْدَرٌ إلّا أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ وهو يُوصِيكُمُ السّابِقُ عَلى غَيْرِ لَفْظِهِ إذِ المَعْنى يَفْرِضُ عَلَيْكُمْ؛ وأوْرَدَ عَلَيْهِ عِصامُ المِلَّةِ أنَّ المَصْدَرَ إذا أُضِيفَ لِفاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ أوْ تَعَلُّقًا بِهِ يَجِبُ حَذْفُ فِعْلِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ إلّا أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ صَرِيحِ المَصْدَرِ وما تَضَمَّنَهُ لَكِنْ لا بُدَّ لِهَذا مِن دَلِيلٍ ولَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا ﴾ أيْ بِالمَصالِحِ والرُّتَبِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في كُلِّ ما قَضى وقَدَّرَ فَتَدْخُلُ فِيهِ أحْكامُ المَوارِيثِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ هُنا مَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ والخَبَرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِمِثْلِ هَذِهِ الألْفاظِ كَما قالَ الخَلِيلُ كالخَبَرِ بِالحالِ والِاسْتِقْبالِ لِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الدُّخُولِ تَحْتَ الزَّمانِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: القَوْمُ لَمّا شاهَدُوا عِلْمًا وحِكْمَةً وفَضْلًا وإحْسانًا تَعَجَّبُوا فَقِيلَ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ كَذَلِكَ أيْ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِزِيادَةِ كانَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أي يبين الله لكم ميراث أولادكم كما بيّن قسمة المواريث، يعني: إذا مات الرجل أو المرأة وترك أولاداً ذكوراً وإناثاً، يكون لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يعني لكل ابن سهمان، ولكل بنت سهم.

وروى ابن أبي نجيح عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: كان الميراث للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس، وللمرأة الثمن أو الربع، وللزوج النصف أو الربع.

ثم قال تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ يعني إذا ترك الميت بناتاً ولم يترك أبناء، فللبنات إن كن اثنتين فصاعداً فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ من الميراث، ولم يذكر في الآية حكم البنتين، ولكن أجمع المسلمون ما خلا رواية عن ابن عباس أنه قال: للاثنتين النصف، كما كان للواحدة وللثلاث بنات الثلثان وأما سائر الصحابة فقد قالوا: إن للاثنتين الثلثين، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله  .

روى جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها إلى رسول الله  ، فقالت: يا رسول الله  ، هاتان ابنتا سعد وقد قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال.

فقال رسول الله  : «سَيَقْضِي الله ذلك» فأنزل الله تعالى آية الميراث، فبعث النبيّ  إلى عمهما وقال: «أَعْطِ لابْنَتَيْ سَعْدٍ الثّلثَيْنِ وَأَعْطِ أمَّهُمَا الثُّمُنَ وَالبَاقِي لَكَ» .

ثم قال تعالى: وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ يعني: إن ترك الميت بنتاً واحدة فلها النصف من الميراث، والباقي للعصبة بالخبر.

قرأ نافع: (وإن كانت واحدة) بالرفع على اسم كانت وقرأ الباقون بالنصب على معنى الخبر ويكون الاسم فيه مضمراً.

ثم قال تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ الميت من المال وإِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكر أو أنثى أو ولد الابن فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ للميت وَلَدٌ ولا ولد ابن وَوَرِثَهُ أَبَواهُ يعني: إن لم يكن للميت وارث سوى الأبوين فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ يعني للأم ثلث المال والباقي للأب.

قرأ حمزة والكسائي: (فلإمه) بكسر الألف لكسر ما قبله، وقرأ الباقون بالضم.

ثم قال تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ يعني: إذا كان للميت إخوة، وقد اتفق أصحاب رسول الله  أن اسم الإخوة يقع على الاثنين فصاعداً، إلا في قول ابن عباس ثلاثة فصاعداً، واتفقوا أن الذكور والإناث فيه سواء، فيكون للأم السدس والباقي للأب مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يعني: أن قسمة المواريث من بعد وصية يُوصِي بِها الميت أَوْ دَيْنٍ يعني بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية.

وروى الحارث عن علي  قال: قضى رسول الله  بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ يعني أن في الآية تقديماً وتأخيراً، وروي عن ابن عباس هكذا.

قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم (يوصى بها) على فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون يُوصِي بِها يعني الميت إن كان يوصي بها أو عليه دين.

ثم قال تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً يعني في الآخرة، إذا كان أحدهما أرفع درجة من الآخر يسأل الله تعالى حتى يرفع إليه الآخر لتقر عينه به فقال: لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً يعني أيهم أرفع درجة، فيلتحق به صاحبه.

ويقال: معناه أن الله علمكم قسمة المواريث، وأنكم لا تدرون أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً حتى تعطوه حصته، ويقال لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ موتاً فيرث منه الآخر.

ثم قال تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ يعني بيان قسمة المواريث من الله تعالى، ويقال: القسمة فريضة من الله تعالى، لا يجوز تغييرها عما أمر الله به.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بالمواريث حَكِيماً حكم قسمتها وبيّنها لأهلها.

وقال الزجاج: معناه وكان الله عليماً بالأشياء قبل خلقها، حكيماً فيما يقرر بتدبيره منها.

وقال بعضهم: لأن الله تعالى لم يزل، ولا يزال فالخبر منه بالماضي كالخبر منه بالاستقبال.

وقال سيبويه: كأن القوم شاهدوا علماً وحكماً، فقيل لهم: إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً كذلك، لم يزل على ما شاهدتم.

ثم قال تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إذا ماتت المرأة فتركت زوجاً، فللزوج النصف إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ذكراً أو أنثى أو ولد ابن فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ أو ولد ابن فللزوج الربع فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مما تركت المرأة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ.

ثم قال: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ يعني إذا مات الزوج وترك امرأة فللمرأة الربع إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ولا ولد ابن فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فإن كان للميت ولد وولد ابن فَلَهُنَّ الثُّمُنُ سواء كان له امرأة واحدة أو أربع نسوة فلهن الربع بغير ولد، والثمن مع الولد أو مع ولد الابن، لأنه قال: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ فجعل حصتهن الربع أو الثمن.

ثم قال: مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ.

ثم قال: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً والكلالة ما خلا الوالد والولد، ويقال: هو اسم الميت الذي ليس له ولد ولا والد.

قال أبو عبيدة: هو مصدر من تكله النسب أي أحاط به، والأب والابن طرفا الرجل فيسمى لذهاب طرفيه كلالة.

وقرأ بعضهم: (يورث) بكسر الراء.

قال أبو عبيدة: من قرأ (يورث) بكسر الراء جعل الكلالة الورثة، ومن قرأ بنصب الراء جعل الكلالة الميت.

وروى الشعبي عن أبي بكر وعمر  ما أنهما قالا: الكلالة من لا ولد ولا والد.

وروي عنهما أيضاً أنهما قالا: الكلالة ما سوى الولد والوالد.

قوله تعالى: أَوِ امْرَأَةٌ يعني إن كانت الكلالة هي امرأة.

ثم قال تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ من الميراث فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ يعني: الإخوة من الأم، وقد أجمع المسلمون أن المراد هاهنا الإخوة من الأم، لأنه ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلثين، ففهموا أن المراد هاهنا الإخوة من الأم.

ثم قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ وقد ذكرناه غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ يعني: غير مضار للورثة، فيوصي بأكثر من الثلث وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ يعني أن تلك القسمة فريضة من الله وَاللَّهُ عَلِيمٌ يعني علم بأمر الميراث حَلِيمٌ على أهل الجهل منكم.

وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَطَعَ مِيْرَاثاً فَرَضَهُ الله قَطَعَ الله مَيرَاثَهُ مِنَ الجَنَّةِ» .

وقرأ بعض المتقدمين: (والله عليم حكيم) ، يعني حكم بقسمة الميراث والوصية.

ثم قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني هذه فرائض الله مما أمركم به من قسمة المواريث، ويقال: تلك أحكام الله، وتلك بمعنى هذه، يعني هذه أحكام الله قد بيّنها لكم لتعرفوا وتعملوا.

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث فيقر بها، ويعمل بها كما أمره الله يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي ذلك الثواب هو الفوز العظيم إلى النجاة الوافرة.

قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث، فلم يقسمها ولم يعمل بها وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ أي خالف أمره يُدْخِلْهُ نَاراً خالِداً فِيها لأنه إذا جحد صار كافراً وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ يهان فيه.

قرأ نافع وابن عامر: (ندخله) كلاهما بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه، وقرأ الباقون كلاهما بالياء لأنه سبق ذكر اسم الله تعالى.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بصَالٍ/ إلاَّ في بدء أمره، وأهْلُ جهنَّم لا تُذْهِبُهم النَّار، فهم فيها صَالُونَ (أعاذنا اللَّه منها بجُودِهِ وكَرَمِهِ) ، والسعير: الجَمْر المُشْتَعِلُ.

وهذه آية من آياتِ الوَعيد، والَّذي يعتقدُه أهل السُّنَّة أنَّ ذلك نافذٌ على بعض العُصَاة لَئِلاَّ يقع الخَبَر بخلافِ مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم.

وقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ...

الآية: تتضمَّن الفرضَ والوُجُوبَ، قيل: نَزَلَتْ بسبب بنَاتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ.

وقيل: بسبب جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه.

وقوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي: حظ مثل حظ الأنثيين.

وقوله: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، معناه: اثنتين فَمَا فَوْقَهما تَقْتَضِي ذلكَ قُوَّةُ الكلامِ، وأما الوقوفُ مع اللفظ، فيسقطُ معه النصُّ على الاثنتين، ويثبت الثُّلُثَانِ لهما بالإجماع، ولم يحفظْ فيه خلاف إلاَّ ما رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس أنه يرى لهما النِّصْفَ، ويثبت لهما أيضًا ذلك بالقياسِ على الأختين «١» وبحديث التّرمذيّ «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى للابنتين بالثّلثين» «٢» .

وقوله سبحانه: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ: المعنى: ولاَ وَلَدُ وَلَدٍ، ذكَراً كان أو أنثى، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، أي: وللأبِ الثُّلُثَانِ.

وقوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، أي: كانوا أشقَّاء أو للأب أو للأم، والإجماعُ على أنهم لا يأخُذُونَ السُّدُسَ الذي يحجبون الأمَّ عنه وكذا أجْمَعُوا على أنَّ أخَوَيْنِ فصاعدًا يحجُبُون «١» الأمَّ عنه إلاَّ ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَبَّاس مِنْ أنَّ الأخوَيْنِ في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَرِضَ فَعادَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَقالَ: كَيْفَ أصْنَعُ في مالِي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.

والثّانِي: «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ إلى النَّبِيِّ  بِابْنَتَيْنِ لَها، فَقالَتْ: يا رَسُولُ قُتِلَ أبُو هاتَيْنِ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقَدِ اسْتَفاءَ عَمَّهُما مالَهُما، فَنَزَلَتْ،» رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أيْضًا.

والثّالِثُ: «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أخا حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ ماتَ، وتَرَكَ امْرَأةً، وخَمْسَ بَناتٍ، فَأخَذَ ورَثَتُهُ مالَهُ، ولَمْ يُعْطُوا امْرَأتَهُ، ولا بَناتَهُ شَيْئًا، فَجاءَتِ امْرَأتَهُ، تَشْكُو إلى النَّبِيِّ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى يُوصِيكُمْ: يَفْرِضُ عَلَيْكم، لِأنَّ الوَصِيَّةَ مِنهُ فَرْضٌ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الوَصِيَّةِ لِأمْرَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ الوَصِيَّةَ تَزِيدُ عَلى الأمْرِ، فَكانَتْ آَكَدُ.

والثّانِي: أنَّ في الوَصِيَّةِ حَقًّا لِلْمُوصِي، فَدَلَّ عَلى تَأْكِيدِ الحالِ بِإضافَتِهِ إلى حَقِّهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُوصِيكُمْ" بِالتَّشْدِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ يَعْنِي:، لِلِابْنِ مِنَ المِيراثِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَصِيبَ الإناثِ مِنَ الأوَّلِ، فَقالَ: ﴿ فَإنْ كُنَّ ﴾ يَعْنِي: البَناتُ ﴿ (نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ﴾ وفي قَوْلِهِ: "فَوْقَ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ  ﴾ والثّانِي: أنَّهم بِمَعْنى: الزِّيادَةِ، قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: إنَّما نَصَّ عَلى ما فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ، والواحِدَةِ ولَمْ يَنُصَّ عَلى الِاثْنَتَيْنِ لِأنَّهُ لَمّا جُعِلَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مَعَ الذَّكَرِ الثُّلْثُ، كانَ لَها مَعَ الأُنْثى الثُّلْثُ أوْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَتْ واحِدَةً ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالرَّفْعِ، عَلى مَعْنى: وإنْ وقَعَتْ، أوْ وُجِدَتْ واحِدَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأبَوَيْهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أبَواهُ تَثْنِيَةُ أبٍ وأبَةٍ، والأصْلُ في الأُمِّ أنْ يُقالَ لَها: أبَةٌ، ولَكِنِ اسْتَغْنى عَنْها بِأُمٍّ، والكِنايَةُ في قَوْلِهِ "لِأبَوَيْهِ" عَنِ المَيِّتِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ أيْ: إذا لَمْ يَخْلُفْ غَيْرَ أبَوَيْنِ، فَثُلْثُ مالِهِ لِأُمِّهِ، والباقِي لِلْأبِ، وإنَّما خَصَّ الأُمَّ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَوَرِثَهُ أبَواهُ ﴾ ظَنَّ الظّانُّ أنَّ المالَ يَكُونُ بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ، فَلَمّا خَصَّها بِالثُّلُثِ، دَلَّ عَلى التَّفْضِيلِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ "فَلِأُمِّهِ" و ﴿ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ  ﴾ و ﴿ فِي أُمِّها  ﴾ وفي ﴿ أُمِّ الكِتابِ  ﴾ بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ كُلُّ ذَلِكَ بِالكَسْرِ إذا وصَلا، وحُجَّتُهُما: أنَّهُما أتْبَعا الهَمْزَةَ ما قَبْلَها، مِن ياءٍ أوْ كَسْرَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ ﴾ أيْ: مَعَ الأبَوَيْنِ، فَإنَّهم يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ، فَيَرُدُّونَها إلى السُّدْسِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهم إذا كانُوا ثَلاثَةَ إخْوَةٍ، حَجَبُوا، فَإنْ كانا أخَوَيْنِ، فَهَلْ يَحْجُبانِها؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَحْجُبانِها عَنِ الثُّلُثِ، قالَهُ عُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وزَيْدٌ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: لا يَحْجُبُها إلّا ثَلاثَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: إخْوَةٌ.

والأُخُوَّةُ: اسْمُ جَمْعٍ، واخْتَلَفُوا في أقَلِّ الجَمْعِ، فَقالَ: الجُمْهُورُ: أقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: اثْنانِ، والأوَّلُ: أصَحُّ.

وإنَّما حَجَبَ العُلَماءُ الأُمَّ بِأخَوَيْنِ لِدَلِيلٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وقَدْ يُسَمّى الِاثْنانِ بِالجَمْعِ، قالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: إنَّ الأخَوَيْنِ جَماعَةٌ، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: وضَعا رِحالَهُما، يُرِيدُونَ: رَحْلَيْ راحِلَتَيْهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ ﴾ أيْ: هَذِهِ السِّهامُ إنَّما تُقَسَّمُ بَعْدَ الوَصِيَّةِ والدَّيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ "يُوصى بِها" بِفَتْحِ الصّادِ في الحَرْفَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُوصِي" فِيهِما بِالكَسْرِ، وقَرَأ حَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ الأوْلى بِالكَسْرِ، والثّانِيَةَ بِالفَتْحِ.

واعْلَمْ أنَّ الدَّيْنَ مُؤَخَّرٌ في اللَّفْظِ، مُقَدَّمٌ في المَعْنى، لِأنَّ الدَّيْنَ حُقٌّ عَلَيْهِ، والوَصِيَّةُ حَقٌّ لَهُ، وهُما جَمِيعًا مُقْدَّمانِ عَلى حَقِّ الوَرَثَةِ إذا كانَتِ الوَصِيَّةُ في ثُلْثِ المالِ، و"أوْ" لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما إنْ كانَ، فالمِيراثُ بَعْدَهُ، وكَذَلِكَ إنْ كانا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ النَّفْعُ في الآخِرَةِ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الوالِدَ إذا كانَ أرْفَعَ دَرَجَةً مِن ولَدِهِ، رَفَعَ إلَيْهِ ولَدَهُ، وكَذَلِكَ الوَلَدُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ شَفاعَةُ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ النَّفْعُ في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

ثُمَّ في مَعْناهُ: قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا تَدْرُونَ هَلْ مَوْتُ الآباءِ أقْرَبُ، فَيَنْتَفِعُ الأبْناءُ بِأمْوالِهِمْ، أوْ مَوْتُ الأبْناءِ، فَيَنْتَفِعُ الآباءُ بِأمْوالِهِمْ؟

قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّ الآباءَ والأبْناءَ يَتَفاوَتُونَ في النَّفْعِ، حَتّى لا يَدْرِيَ أيُّهم أقْرَبُ نَفْعًا، لِأنَّ الأوْلادَ يَنْتَفِعُونَ في صِغَرِهِمْ بِالآَباءِ، والآَباءُ يَنْتَفِعُونَ في كِبَرِهِمْ بِالأبْناءِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

وَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ الفَرائِضَ عَلى ما هو عِنْدَهُ حِكْمَةٌ.

ولَوْ وكَلَ ذَلِكَ إلَيْكم لَمْ تَعْلَمُوا أيُّهم أنْفَعُ لَكم، فَتَضَعُونَ الأمْوالَ عَلى غَيْرِ حِكْمَةٍ.

إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا بِما يُصْلِحُ خَلْقَهُ، حَكِيمًا فِيما فَرَضَ.

وَفِي مَعْنى "كانَ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناها: كانَ عَلِيمًا بِالأشْياءِ قَبْلَ خَلْقِها، حَكِيمًا فِيما يُقَدِّرُ تَدْبِيرَهُ مِنها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها: لَمْ يَزَلْ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: كَأنَّ القَوْمَ شاهَدُوا عِلْمًا وحِكْمَةً، فَقِيلَ: لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ كانَ كَذَلِكَ، أيْ: لَمْ يَزَلْ عَلى ما شاهَدْتُمْ، لَيْسَ ذَلِكَ بِحادِثٍ.

والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَةَ "كانَ" في الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَتَساوى ماضِيها ومُسْتَقْبَلُها، لِأنَّ الأشْياءَ عِنْدَهُ عَلى حالٍ واحِدَةٍ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ.

الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ ﴿ يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِساءَ والصِغارَ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَهم.

وقالَ أكْثَرُ الناسِ: نَزَلَتْ في الأوصِياءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ ما لَمْ يُبَحْ لَهم مِن مالِ اليَتِيمِ.

وهي تَتَناوَلُ كُلَّ آكِلٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ وصِيًّا.

وسُمِّيَ آخِذُ المالِ عَلى كُلِّ وُجُوهِهِ آكِلًا، لَمّا كانَ المَقْصُودُ هو الأكْلَ، وبِهِ أكْثَرُ الإتْلافِ لِلْأشْياءِ.

وفي نَصِّهِ عَلى البُطُونِ مِنَ الفَصاحَةِ تَبْيِينُ نَقْصِهِمْ، والتَشْنِيعُ عَلَيْهِمْ بِضِدِّ مَكارِمِ الأخْلاقِ، مِنَ التَهافُتِ بِسَبَبِ البَطْنِ، وهو أنْقَصُ الأسْبابِ وألْأمُها حَتّى يَدْخُلُوا تَحْتَ الوَعِيدِ بِالنارِ.

و"ظُلْمًا" مَعْناهُ: ما جاوَزَ المَعْرُوفَ مَعَ فَقْرِ الوَصِيِّ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّهُ لَمّا يَؤُولُ أكْلُهم لِلْأمْوالِ إلى دُخُولِهِمُ النارَ قِيلَ: يَأْكُلُونَ النارَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هي حَقِيقَةٌ أنَّهم يُطْعَمُونَ النارَ، وفي ذَلِكَ أحادِيثُ، مِنها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنا النَبِيُّ  عن لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ قالَ: « "رَأيْتُ أقْوامًا لَهم مَشافِرُ كَمَشافِرِ الإبِلِ، وقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَن يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُ في أفْواهِهِمْ صَخْرًا مِن نارٍ يَخْرُجُ مِن أسافِلِهِمْ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ؟

قالَ هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا.» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَسَيَصْلَوْنَ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الياءِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، "وَسَيُصَلُّونَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، بِضَمِّ الياءِ واللامِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ عَلى التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَسَيُصْلُونَ" بِضَمِّ الياءِ واللامِ، وهي ضَعِيفَةٌ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّهُ كَذَلِكَ جاءَ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى  ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"،  ﴾ والصَلا هو التَسَخُّنُ بِقُرْبِ النارِ أو بِمُباشَرَتِها، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ: لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللَـ ـهُ، وإنِّي بِحَرِّها اليَوْمَ صالِ والمُحْتَرِقُ الَّذِي يُذْهِبُهُ الحَرْقُ لَيْسَ بِصالٍ إلّا في بَدْءِ أمْرِهِ، وأهْلُ جَهَنَّمَ لا تُذْهِبُهم فَهم فِيها صالُونَ؛ والسَعِيرُ: الجَمْرُ المُشْتَعِلُ.

وهَذِهِ آيَةٌ مِن آياتِ الوَعِيدِ، والَّذِي يَعْتَقِدُهُ أهْلُ السُنَّةِ أنَّ ذَلِكَ نافِذٌ عَلى بَعْضِ العُصاةِ، لِئَلّا يَقَعَ الخَبَرُ بِخِلافِ مُخْبِرِهِ، ساقِطٌ بِالمَشِيئَةِ عن بَعْضِهِمْ، وتَلْخِيصُ الكَلامِ في المَسْألَةِ: أنَّ الوَعْدَ في الخَيْرِ، والوَعِيدَ في الشَرِّ، هَذا عُرْفُهُما إذا أُطْلِقا، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الوَعْدُ في الشَرِّ مُقَيَّدًا بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ النارُ وعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: آياتُ الوَعْدِ كُلُّها في التائِبِينَ والطائِعِينَ، وآياتُ الوَعِيدِ في المُشْرِكِينَ والعُصاةِ بِالكَبائِرِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: وبِالصَغائِرِ، وقالَتِ المُرْجِئَةُ: آياتُ الوَعْدِ كُلُّها فِيمَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الَّذِي هو التَصْدِيقُ، كانَ مَن كانَ مِن عاصٍ أو طائِعٍ.

وقُلْنا أهْلَ السُنَّةِ والجَماعَةِ: آياتُ الوَعْدِ في المُؤْمِنِينَ الطائِعِينَ ومَن حازَتْهُ المَشِيئَةُ مِنَ العُصاةِ، وآياتُ الوَعِيدِ في المُشْرِكِينَ ومَن حازَهُ الإنْفاذُ مِنَ العُصاةِ، والآيَةُ الحاكِمَةُ بِما قُلْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ  ﴾ ، فَإنْ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لِمَن يَشاءُ يَعْنِي التائِبِينَ، رُدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الفائِدَةَ في التَفْضِيلِ كانَتْ تَنْفَسِدُ، إذِ الشِرْكُ أيْضًا يُغْفَرُ لِلتّائِبِ، وهَذا قاطِعٌ بِحُكْمِ قَوْلِهِ: "لِمَن يَشاءُ" بِأنَّ ثَمَّ مَغْفُورًا لَهُ وغَيْرَ مَغْفُورٍ، واسْتَقامَ المَذْهَبُ السُنِّيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يُوصِيكُمُ" يَتَضَمَّنُ الفَرْضَ والوُجُوبَ، كَما تَتَضَمَّنُهُ لَفْظَةُ "أمَرَ" كَيْفَ تَصَرَّفَتْ، وأمّا صِيغَةُ الأمْرِ مِن غَيْرِ اللَفْظَةِ فَفِيها الخِلافُ الَّذِي سَيَأْتِي مَوْضِعُهُ إنْ شاءَ اللهُ، ونَحْوُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ  ﴾ .

وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ بَناتِ سَعْدِ بْنِ الرَبِيعِ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ بَناتِ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ ثابِتٍ أخِي حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ، وقِيلَ: بِسَبَبِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، إذْ عادَهُ رَسُولُ اللهِ  في مَرَضِهِ، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وذَكَرَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ إلّا مَن لاقى الحُرُوبَ وقاتَلَ العَدُوَّ، فَنَزَلَتِ الآياتُ تَبْيِينًا أنَّ لِكُلِّ أُنْثى وصَغِيرٍ حَظَّهُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نُزُولَ ذَلِكَ كانَ مِن أجْلِ أنَّ المالَ كانَ لِلْوَلَدِ، والوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآياتِ.

و"مِثْلُ" مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ أو بِالصِفَةِ، تَقْدِيرُهُ: حَظٌّ مِثْلُ حَظِّ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِي أولادِكم أنَّ لِلذَّكَرِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً ﴾ ....

الآيَةُ.

الأولادُ لَفْظٌ يَجْمَعُ الذُكْرانَ والإناثَ، فَلَمّا أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَخُصَّ الإناثَ بِذِكْرِ حُكْمِهِنَّ أنَّثَ الفِعْلَ لِلْمَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ لَفْظَ الأولادِ لَقالَ: كانُوا، واسْمُ كانَ مُضْمَرٌ، وقالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ: تَقْدِيرُهُ: وإنْ كُنَّ المَتْرُوكاتُ نِساءً.

وقَوْلُهُ: "فَوْقَ اثْنَتَيْنِ" مَعْناهُ: اثْنَتَيْنِ فَما فَوْقَهُما، تَقْتَضِي ذَلِكَ قُوَّةُ الكَلامِ، وأمّا الوُقُوفُ مَعَ اللَفْظِ فَيَسْقُطُ مَعَهُ النَصُّ عَلى الِاثْنَتَيْنِ، ويَثْبُتُ الثُلُثانِ لَهُما بِالإجْماعِ الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ الأمْصارُ والأعْصارُ، ولَمْ يُحْفَظْ فِيهِ خِلافٌ، إلّا ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَرى لَهُما النِصْفَ.

ويَثْبُتُ أيْضًا ذَلِكَ لَهُما بِالقِياسِ عَلى الأُخْتَيْنِ المَنصُوصِ عَلَيْهِما ويَثْبُتُ ذَلِكَ لَهُما بِالحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ التِرْمِذِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قَضى لِلِابْنَتَيْنِ بِالثُلُثَيْنِ،» ومَن قالَ: "فَوْقَ" زائِدَةٌ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَوْقَ الأعْناقِ" يُرِيدُ: اضْرِبُوا مِنهُمُ الأعْناقَ، فَقَوْلُهُ خَطَأٌ لِأنَّ الظُرُوفَ وجَمِيعَ الأسْماءِ يَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تُرادَ لِغَيْرِ مَعْنىً، ولِأنَّ قَوْلَهُ: "فَوْقَ الأعْناقِ" هو الفَصِيحُ، ولَيْسَتْ "فَوْقَ" زائِدَةً بَلْ هي مُحْكَمَةُ المَعْنى لِأنَّ ضَرْبَةَ العُنُقِ إنَّما يَجِبُ أنْ تَكُونَ فَوْقَ العِظامِ في المِفْصَلِ دُونَ الدِماغِ، كَما قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِمَّةِ: "اخْفِضْ عَنِ الدِماغِ وارْفَعْ عَنِ العَظْمِ، فَهَكَذا كُنْتُ أضْرِبُ أعْناقَ الأبْطالِ".

وقَدِ احْتُجَّ لِأخْذِهِما الثُلُثَيْنِ بِغَيْرِ هَذا، وكُلُّهُ مُعارَضٌ، قالَ إسْماعِيلُ القاضِي: إذا كانَتِ البِنْتُ تَأْخُذُ مَعَ أخِيها الثُلُثَ إذا انْفَرَدَ، فَأحْرى أنْ تَأْخُذَ ذَلِكَ مَعَ أُخْتِها؛ قالَ غَيْرُهُ: وكَما كانَ حُكْمُ الِاثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما مِنَ الإخْوَةِ لِلْأُمِّ واحِدًا، فَكَذَلِكَ البَناتُ.

وقالَ النَحّاسُ: لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ: الثُلُثُ والرُبُعُ إلى العُشُرِ، وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِإسْكانِ الأوسَطِ، وقَرَأهُ الأعْرَجُ.

ومَذْهَبُ الزَجّاجِ أنَّها لُغَةٌ واحِدَةٌ، وأنَّ سُكُونَ العَيْنِ تَخْفِيفٌ.

وإذا أخَذَ بَناتُ الصُلْبِ الثُلُثَيْنِ، فَلا شَيْءَ بَعْدَ ذَلِكَ لِبَناتِ الِابْنِ، إلّا أنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أخٌ لَهُنَّ، أوِ ابْنُ أخٍ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِنَّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ لا يَرى لَهُنَّ شَيْئًا وإنْ كانَ الأخُ أوِ ابْنُ الأخِ، ويَرى المالَ كُلَّهُ لِلذَّكَرِ وحْدَهُ دُونَهُنَّ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِصْفُ ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُدُسُ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أو دَيْنٍ ﴾ قَرَأ السَبْعَةُ سِوى نافِعٍ "واحِدَةً" بِالنَصْبِ عَلى خَبَرِ "كانَ"؛ وقَرَأ نافِعٌ: "واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّ كانَ بِمَعْنى وقَعَ وحَضَرَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "النُصْفُ" بِضَمِّ النُونِ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

وَقَوْلُهُ: "وَلَدٌ" يُرِيدُ ذَكَرًا أو أُنْثى، واحِدًا أو جَماعَةً، لِلصُّلْبِ أو لِوَلَدٍ ذَكَرٍ، فَإنَّ ذَلِكَ كَيْفَ وقَعَ يَجْعَلُ فَرْضَ الأبِ السُدُسَ، وإنْ أخَذَ النِصْفَ في مِيراثِهِ فَإنَّما يَأْخُذُهُ بِالتَعْصِيبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ﴾ ...

الآيَةُ، المَعْنى: فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، ولا ولَدُ ولَدٍ، ذَكَرًا كانَ أو أُنْثى.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَوَرِثَهُ أبَواهُ ﴾ تَقْتَضِي قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُما مُنْفَرِدانِ عن جَمِيعِ أهْلِ السِهامِ مِن ولَدٍ وغَيْرِهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: "وَوَرِثَهُ" حُكْمًا لَهُما بِالمالِ، فَإذا ذُكِرَ وحْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَصِيبُ أحَدِهِما أخَذَ النَصِيبَ الآخَرَ، كَما تَقُولُ لِرَجُلَيْنِ: هَذا المالُ بَيْنَكُما، ثُمَّ تَقُولُ لِأحَدِهِما، أنْتَ يا فُلانُ لَكَ مِنهُ الثُلُثُ، فَقَدْ حَدَّدْتَ لِلْآخَرِ مِنهُ الثُلُثَيْنِ بِنَصِّ كَلامِكَ.

وعَلى أنَّ فَرِيضَتَهُما خَلَتْ مِنَ الوَلَدِ وغَيْرِهِ يَجِيءُ قَوْلُ أكْثَرِ الناسِ: إنَّ لِلْأُمِّ مَعَ الِانْفِرادِ الثُلُثَ مِنَ المالِ كُلِّهِ، فَإنْ كانَ مَعَهُما زَوْجٌ كانَ لِلْأُمِّ السُدُسُ، وهو الثُلُثُ بِالإضافَةِ إلى الأبِ.

وعَلى أنَّ الفَرِيضَةَ خَلَتْ مِنَ الوَلَدِ فَقَطْ يَجِيءُ قَوْلُ شُرَيْحٍ وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ الفَرِيضَةَ إذا خَلَتْ مِنَ الوَلَدِ أخَذَتِ الأُمُّ الثُلُثَ مِنَ المالِ كُلِّهِ مَعَ الزَوْجِ، وكانَ ما بَقِيَ لِلْأبِ، ويَجِيءُ عَلى هَذا قَوْلُهُ: "وَوَرِثَهُ أبَواهُ".

مُنْفَرِدَيْنِ أو مَعَ غَيْرِهِما.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: فَلِإمِّهِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وكَذَلِكَ كَسَرَ الهَمْزَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ  ﴾ ، "وَفِي إمِّها" و"فِي إمِّ الكِتابِ"، وهَذا كُلُّهُ إذا وصَلا إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ أوِ الياءِ الَّتِي قَبْلَ الهَمْزَةِ.

وقَرَأ الباقُونَ كُلَّ هَذا بِضَمٍّ لِلْهَمْزَةِ، وكَسَرَ حَمْزَةُ المِيمَ مِن "إمِّهاتِكُمْ" إتْباعًا لِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ومَتى لَمْ يَكُنْ وصْلٌ وياءٌ أو كَسْرَةٌ فالضَمُّ بِاتِّفاقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُدُسُ ﴾ الإخْوَةُ يَحُطُّونَ الأُمَّ إلى السُدُسِ ولا يَأْخُذُونَهُ، أشِقّاءَ كانُوا أو لِلْأبِ أو لِلْأُمِّ، وقالَ مَن لا يُعَدُّ قَوْلُهُ إلّا في الشُذُوذِ: إنَّهم يَحُطُّونَ ويَأْخُذُونَ ما يَحُطُّونَ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ الأبِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عنهُ خِلافُهُ مِثْلُ قَوْلِ السُدُسِ الَّذِي يَحْجُبُونَ الأُمَّ عنهُ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما أخَذَهُ الأبُ دُونَهُمْ، لِأنَّهُ يَمُونُهُمْ، ويَلِي نِكاحَهُمْ، والنَفَقَةَ عَلَيْهِمْ، هَذا في الأغْلَبِ، ومُجْمِعُونَ عَلى أنَّ أخَوَيْنِ فَصاعِدًا يَحْجُبُونَ الأُمَّ عنهُ، إلّا ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الأخَوَيْنِ في حُكْمِ الواحِدِ، ولا يَحْجُبُ الأُمَّ أقَلُّ مِن ثَلاثَةٍ.

واسْتَدَلَّ الجَمِيعُ بِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، لِأنَّ التَثْنِيَةَ جَمْعُ شَيْءٍ إلى مِثْلِهِ، فالمَعْنى يَقْتَضِي أنَّها جَمْعٌ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ العَرَبَ قَدْ تَأْتِي بِلَفْظِ الجَمْعِ وهي تُرِيدُ التَثْنِيَةَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ في آيَةِ الخَصْمِ: ﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ  ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا  ﴾ وكَقَوْلِهِ: "وَأطْرافَ النَهارِ" واحْتَجُّوا بِهَذا كُلِّهِ في أنَّ الإخْوَةَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الأخَوانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآياتُ كُلُّها لا حُجَّةَ فِيها عِنْدِي عَلى هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ في كُلِّ آيَةٍ مِنها بِالنَصِّ أنَّ المُرادَ اثْنانِ، فَساغَ التَجَوُّزُ بِأنْ يُؤْتى بِلَفْظِ الجَمْعِ بَعْدَ ذَلِكَ، إذْ مَعَكَ في الأُولى "يَحْكُمانِ"، وفي الثانِيَةِ "إنَّ هَذا أخِي"، وأيْضًا فالحُكْمُ قَدْ يُضافُ إلى الحاكِمِ والخُصُومِ، وقَدْ يَتَسَوَّرُ مَعَ الخَصْمِ غَيْرُهُما فَهم جَماعَةٌ، وأمّا "النَهارُ" في الآيَةِ الثالِثَةِ فالألِفُ واللامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ فَإنَّما أرادَ طَرَفَيْ كُلِّ يَوْمٍ، وأمّا إذا ورَدَ لَفْظُ الجَمْعِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ ما يُبَيِّنُ المُرادَ فَإنَّما يُحْمَلُ عَلى الجَمْعِ، ولا يُحْمَلُ عَلى التَثْنِيَةِ، لِأنَّ اللَفْظَ مالِكٌ لِلْمَعْنى، ولِلْبِنْيَةِ حَقٌّ.

وذَكَرَ بَعْضُ مَنِ احْتَجَّ لِقَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بِناءَ التَثْنِيَةِ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ والعَدَدِ كَبِناءِ الإفْرادِ، وبِناءَ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ ولا يَدُلُّ عَلى العَدَدِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَدْخُلَ هَذا عَلى هَذا.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يُوَصّى" بِفَتْحِ الصادِ وتَشْدِيدِها، وكُلُّ هَذا في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ في الأُولى بِالفَتْحِ، وفي الثانِيَةِ بِالكَسْرِ.

وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما قُصِدَ بِها تَقْدِيمُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ عَلى المِيراثِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِها تَرْتِيبُهُما في أنْفُسِهِما، ولِذَلِكَ تَقَدَّمَتِ الوَصِيَّةُ في اللَفْظِ، والدَيْنُ مُقَدَّمٌ عَلى الوَصِيَّةِ بِإجْماعٍ، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّهُ قَدَّمَ الوَصِيَّةَ إذْ هي أقَلُّ لُزُومًا مِنَ الدَيْنِ، اهْتِمامًا بِها ونَدْبًا إلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً  ﴾ ، وأيْضًا قَدَّمَها مِن جِهَةِ أنَّها مُضَمِّنَها الوَصِيَّةَ الَّتِي هي كاللازِمِ يَكُونُ لِكُلِّ مَيِّتٍ، إذْ قَدْ حَضَّ الشَرْعُ عَلَيْها، وأخَّرَ الدَيْنَ لِشُذُوذِهِ، وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ ولا يَكُونُ، فَبَدَأ بِذِكْرِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، ثُمَّ عَطَفَ بِالَّذِي قَدْ يَقَعُ أحْيانًا، ويُقَوِّي هَذا كَوْنُ العَطْفِ بِأو، ولَوْ كانَ الدَيْنُ راتِبًا لَكانَ العَطْفُ بِالواوِ، وقُدِّمَتِ الوَصِيَّةُ أيْضًا إذْ هي حَظُّ مَساكِينٍ وضِعافٍ، وأُخِّرَ الدَيْنُ إذْ هو حَظُّ غَرِيمٍ يَطْلُبُهُ بِقُوَّةٍ، وهو صاحِبُ حَقٍّ لَهُ فِيهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالًا".» وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُوصِيَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُلُثِ، واسْتَحَبَّ كَثِيرٌ مِنهم ألّا يَبْلُغُ الثُلُثَ، وأنْ يَغُضَّ الناسُ إلى الرُبُعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ يُوصِيكُمُ الله فى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الانثيين فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف ﴾ .

تتنزّل آية ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ منزلة البيان والتفصيل لقوله ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ [النساء: 7] وهذا المقصد الذي جعل قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ [النساء: 7] إلخ بمنزلة المقدّمة له فلذلك كانت جملة: ﴿ يوصيكم ﴾ مفصولة لأنّ كلا الموقعين مقتض للفصل.

ومن الاهتمام بهذه الأحكام تصدير تشريعها بقوله: ﴿ يوصيكم ﴾ لأنّ الوصاية هي الأمر بما فيه نفع المأمور وفيه اهتمام الآمر لشدّة صلاحه، ولذلك سمّي ما يعهد به الإنسان، فيما يصنع بأبنائه وبماله وبذاته بعد الموت، وصية.

وقد رويت في سبب نزول الآية أحاديث كثيرة.

ففي «صحيح البخاري»، عن جابر بن عبد الله: أنّه قال: «مرضت فعادني رسول الله وأبو بكر في بني سلمة فوجداني لا أعقل فدعا رسول الله بماء فتوضّأ، ثم رشّ عليّ منه فأفقت فقلت «كيف أصنع في مالي يا رسول الله» فنزلت ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ .

وروى الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، عن جابر، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت لرسول الله «إنّ سعداً هلك وترك ابنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنّما تنكح النساء على أموالهنّ» فلم يجبها في مجلسها ذلك، ثمّ جاءته فقالت «يا رسول الله ابنتَا سعد» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ادعُ لي أخاه " فجاء، فقال: " ادفع إلى ابنتيه الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي " ونزلت آية الميراث.

بيَّن الله في هذه الآيات فروض الورثة، وناط الميراث كلّه بالقرابة القريبة، سواء كانت جبلّية وهي النسب، أو قريبة من الجبلّية، وهي عصمة الزوجية، لأنّ طلب الذكر للأنثى جبليّ، وكونُها المرأةَ المعيَّنة يحصل بالإلف، وهو ناشئ عن الجبلّة.

وبيَّن أهل الفروض ولم يبيّن مرجع المال بعد إعطاء أهل الفروض فروضَهم، وذلك لأنّه تركه على المتعارف عندهم قبل الإسلام من احتواء أقرب العصبة على مال الميّت، وقد بيّن هذا المقصد قول النبي صلى الله عليه وسلم " أَلِحقُوا الفَرَائِضَ بأهْلِهَا فما بَقِي فلأوْلىَ رَجُلٍ ذَكَرٍ ".

ألا ترى قوله تعالى بعد هذا ﴿ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمِّه الثلث ﴾ فلم يبيّن حظّ الأب، لأنّ الأب في تلك الحالة قد رجع إلى حالته المقرّرة، وهي احتواء المال فاحتيج إلى ذكر فرض الأم.

وابتدأ الله تعالى بميراث الأبناء لأنّهم أقرب الناس.

والأولاد جمع ولد بوزن فَعَل مثل أسَد ووثَن، وفيه لغة ولِدْ بكسر الواو وسكون اللام وكأنه حينئذ فِعْل الذي بمعنى المفعول كالذِّبْح والسِّلخ.

والولد اسم للابن ذكرا كان أو أنثى، ويطلق على الواحد وعلى الجماعة من الأولاد، والوارد في القرآن بمعنى الواحد وجمعه أولاد.

و ﴿ في ﴾ هنا للظرفية المجازية، جعلت الوصية كأنّها مظروفة في شأن الأولاد لشدّة تعلّقها به كاتّصال المظروف بالظرف، ومجرورها محذوف قام المضاف إليه مقامه، لظهور أنّ ذوات الأولاد لا تصلح ظرفاً للوصيّة، فتعيّن تقدير مضاف على طريقة دلالة الاقتضاء، وتقديره: في إرثثِ أولادكم، والمقام يدلّ على المقدّر على حدّ ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ [النساء: 23] فجعل الوصيّة مظروفة في هذا الشأن لشدّة تعلقها به واحتوائه عليها.

وجملة: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ بيان لجملة ﴿ يوصيكم ﴾ لأنّ مضمونها هو معنى مضمون الوصية، فهي مثل البيان في قوله تعالى: ﴿ فوسوس إليه الشيطان قال ياآدم ﴾ وتقديم الخبر على المبتدأ في هذه الجملة للتنبيه من أوّل الأمر على أنّ الذكر صار له شريك في الإرث وهو الأنثى لأنّه لم يكن لهم به عهد من قبل إذ كان الذكور يأخذون المال الموروث كلّه ولاحظّ للإناث، كما تقدّم آنفاً في تفسير قوله تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ [النساء: 7].

وقوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ جعل حظّ الأنثيين هو المقدار الذي يقدّر به حظّ الذكر، ولم يكن قد تقدّم تعيين حظّ للأنثيين حتّى يقدّر به، فعُلم أنّ المراد تضعيف حظّ الذكر من الأولاد على حظّ الأنثى منهم، وقد كان هذا المراد صالحاً لأن يؤدّى بنحو: للأنثى نصف حظّ ذكر، أو للأنثيين مثلّ حظّ ذكر، إذ ليس المقصود إلاّ بيان المضاعفة.

ولكن قد أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة وهي الإيماء إلى أن حظّ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهَمّ من حظّ الذكر، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظّها في أول ما يقرع الأسماع قد عُلم أنّ قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات.

وقوله: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين ﴾ إلخ معاد الضمير هو لفظ الأولاد، وهو جمع ولد فهو غير مؤنّث اللفظ ولا المدلول لأنّه صالح للمذكّر والمؤنث، فلمّا كان ما صدَقُه هُنا النساء خاصّة أعيد عليه الضمير بالتأنيث.

ومعنى: ﴿ فوق اثنتين ﴾ أكثر من اثنتين، ومن معاني (فوق) الزيادة في العدد، وأصل ذلك مجاز، ثم شاع حتّى صار كالحقيقة، والآية صريحة في أنّ الثلثين لا يعطيان إلاّ للبنات الثلاث فصاعداً لأنّ تقسيم الأنصباء لا يُنتقل فيه من مقدار إلى مقدار أزيدَ منه إلاّ عند انتهاء من يستحقّ المقدار الأول.

والوصف ب ﴿ فوق اثنتين ﴾ يفيد مفهوما وهو أنّ البنتين لا تعطيان الثلثين، وزاد فقال: ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فبقي ميراث البنتين المنفردتين غير منصوص في الآية فألحقهما الجمهور بالثلاث لأنّهما أكثر من واحدة، وأحسن ما وجِّه به ذلك ما قاله القاضي إسماعيل بن إسحاق «إذا كانت البنت تأخذ مع أخيها إذا انفرد الثلث فأحرى أن تأخذ الثلثَ مع أختها» يعني أنّ كلّ واحدة من البنتين هي مقارنة لأختها الأخرى فلا يكون حظّها مع أخت أنثى أقلّ من حظّها مع أخ ذكر، فإنّ الذكر أولى بتوفير نصيبه، وقد تلقّفه المحقّقون من بعده، وربما نسب لبعض الذين تلقّفوه.

وعلَّله ووَجَّهه آخرون: بأنّ الله جعل للأختين عند انفرادهما الثلثين فلا تكون البنتان أقلّ منهما.

وقال ابن عباس: للبنتين النصف كالبنت الواحدة، وكأنّه لم ير لتوريثهما أكثر من التشريك في النصف محمَلا في الآية، ولو أريد ذلك لما قال ﴿ فوق اثنتين ﴾ .

ومنهم من جعل لفظ (فوق) زائداً، ونظّره بقوله تعالى: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ [الأنفال: 12].

وشتَّان بين فوق التي مع أسماء العدد وفوق التي بمعنى مكان الفعل.

قال ابن عطية: وقد أجمع الناس في الأمصار والأعصار على أنّ للبنتين الثلثين، أي وهذا الإجماع مستند لسنّة عرفوها.

وردّ القرطبي دعوى الإجماع بأنّ ابن عباس صحّ عنه أنّه أعطى البنتين النصف.

قلت: لعلّ الإجماع انعقد بعدما أعطى ابن عباس البنتين النصف على أنّ اختلال الإجماع لمخالفة واحد مختلف فيه، أمّا حديث امرأة سعد بن الربيع المتقدّم فلا يصلح للفصل في هذا الخلاف، لأنّ في روايته اختلافا هل ترك بنتين أو ثلاثاً.

وقوله: ﴿ فلهن ﴾ أعيد الضمير إلى نساء، والمراد ما يصدق بالمرأتين تغليبا للجمع على المثنى اعتمادا على القرينة.

وقرأ الجمهور: «وإن كانت واحدة» بنصب واحدة على أنّه خبر كانت، واسم كانت ضمير عائد إلى ما يفيده قوله: ﴿ في أولادكم ﴾ من مفرد ولد، أي وإن كانت الولد بنتا واحدة، وقرأ نافع، وأبو جعفر بالرفع على أنّ كان تامّة، والتقدير: وإن وجدت بنت واحدة، لما دلّ عليه قوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ .

وصيغة ﴿ أولادكم ﴾ صيغة عموم لأنّ أولاد جمع معرّف بالإضافة، والجمع المعرّف بالإضافة من صيغ العموم، وهذا العموم، خصّصه أربعة أشياء: الأوّل: خصّ منه عند أهل السنّة النبي صلى الله عليه وسلم لما رواه عنه أبو بكر أنّه قال: " لا نورث ما تركنا صدقة " ووافقه عليه عمر بن الخطاب وجميع الصحابة وأمَّهات المؤمنين.

وصحّ أنّ علياً رضي الله عنه وافق عليه في مجلس عمر بن الخطاب ومن حضر من الصحابة كما في «الصحيحين».

الثاني: اختلاف الدين بالإسلام وغيره، وقد أجمع المسلمون على أنّه لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ.

الثالث: قاتل العمد لا يرث قريبه في شيء.

الرابع: قاتل الخطأ لا يرث من الدية شيئاً.

الضمير المفرد عائد إلى الميّت المفهوم من قوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ إذ قد تقرّر أنّ الكلام في قسمة مال الميّت.

وجاء الكلام على طريقة الإجمال والتفصيل ليكون كالعنوان، فلذلك لم يقل: ولكلّ من أبويه السدس، وهو كقوله السابق: ﴿ في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ [النساء: 11].

وقوله: ﴿ وورثه أبواه ﴾ زاده للدلالة على الاقتصار أي: لا غيرهما، ليعلم من قوله: ﴿ فلأمه الثلث ﴾ أنّ للأب الثلثين، فإن كان مع الأمّ صاحب فرض لا تحجبه كان على فرضه معها وهي على فرضها.

واختلفوا في زوجة وأبوين وزوج وأبوين: فقال ابن عباس: للزوج أو الزوجة فرضهما وللأمّ ثلثها وما بقي للأب، حملا على قاعدة تعدّد أهل الفروض، وقال زيد بن ثابت: لأحد الزوجين فرضه وللأمّ ثلث ما بَقي وما بقي للأب، لئلا تأخذ الأمّ أكثر من الأب في صورة زوج وأبوين، وعلى قول زيد ذهب جمهور العلماء.

وفي «سنن ابن أبي شيبة»: أنّ ابن عباس أرسل إلى زيد «أين تجد في كتاب الله ثلث ما بقي» فأجاب زيد «إنما أنت رجل تقول برأيك وأنا أقول برأيي».

وقد علم أنّ للأب مع الأمّ الثلثين، وترك ذكره لأنّ مبني الفرائض على أنّ ما بقي بدون فرض يرجع إلى أصل العصابة عند العرب.

وقرأ الجمهور: فلأمَّه بضمّ همزة أمّه، وقرأه حمزة، والكسائي بكسر الهمزة اتّباعاً لكسرة اللام.

وقوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمة السدس ﴾ أي إن كان إخوة مع الأبوين وهو صريح في أنّ الإخوة يحجبون الأمّ فينقلونها من الثلث إلى السدس.

والمذكور في الآية صيغة جمع فهي ظاهرة في أنّها لا ينقلها إلى السدس إلاّ جماعة من الإخوة ثلاثة فصاعداً ذكوراً أو مختلطين.

وقد اختلف فيما دون الجمع، وما إذا كان الإخوة إناثاً: فقال الجمهور الأخوان يحجبان الأمّ، والأختان أيضاً، وخالفهم ابن عباس أخذا بظاهر الآية.

أمّا الأخ الواحد أو الأخت فلا يحجب الأمّ والله أعلم بحكمة ذلك.

واختلفوا في السدس الذي يحجب الإخوة عنه الأمّ: هل يأخذه الإخوة أم يأخذه الأب، فقال بالأوّل ابن عباس رضي الله عنه وهو أظهر، وقال بالثاني الجمهور بناء على أنّ الحاجب قد يكون محجوباً.

وكيفما كان فقد اعتبر الله للأخوة حظّا مع وجود الأبوين في حالة خاصّة، ولو كان الإخوة مع الأمّ ولم يكن أب لكان للأمّ السدس وللأخوة بقية المال باتّفاق، وربما كان في هذا تعضيد لابن عباس.

المجرور في موضع الحال، فهو ظرف مستقرّ، وهو قيد يرجع إلى الجمل المتقدّمة: أي تقتسمون المال على حسب تلك الأنصباء لكلّ نصيبه حالة كونه من بعد وصيّة أو دين.

وجيء بقوله: ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ بعد ذكر صنفين من الفرائض: فرائض الأبناء، وفرائض الأبوين، لأنّ هذين الصنفين كصنف واحد إذ كان سببهما عمود النسب المباشر.

والمقصد هنا التنبيه على أهمّية الوصيَّة وتقدّمها.

وإنَّما ذكر الدين بعدها تتميماً لما يتعيّن تقديمه على الميراث مع علم السامعين أنّ الدين يتقدّم على الوصيّة أيضاً لأنّه حقّ سابق في مال الميّت، لأنّ المدين لا يملك من ماله إلاّ ما هو فاضل عن دين دائنه.

فموقع عطف ﴿ أو دين ﴾ موقع الاحتراس، ولأجل هذا الاهتمام كرّر الله هذا القيد أربع مرات في هذه الآيات.

ووصف الوصية بجملة ﴿ يوصي بها ﴾ لئلا يُتوهّم أنّ المراد الوصيّة التي كانت مفروضة قبل شرع الفرائض، وهي التي في قوله: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ﴾ [البقرة: 180].

وقرأ الجمهور: ﴿ يوصي بها ﴾ في الموضعين في هذه الآية بكسر الصاد والضمير عائد إلى معلوم من الكلام وهو الميّت، كما عاد ضمير ﴿ ما ترك ﴾ [النساء: 7] وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، في الموضعين أيضاً: يوصَى بفتح الصاد مبنيا للنائب أي يوصى بها موصٍ.

ختم هذه الفرائض المتعلّقة بالأولاد والوالدين، وهي أصول الفرائض بقوله: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم ﴾ الآية، فهما إمّا مسند إليهما قُدّ ما للاهتمام، وليتمكّن الخبر في ذهن السامع إذ يُلقي سمعه عند ذكر المسند إليهما بشراشره، وإمّا أن تجعلهما خبرين عن مبتدأ محذوف هو المسند إليه، على طريقة الحذف المعبّر عنه عند علماء المعاني بمتابعة الاستعمال، وذلك عندما يتقدّم حديث عن شيء ثم يراد جمع الخبر عنه كقول الشاعر: فتى غير محجوب الغنى عن صديقه *** ولا مظهر الشكوى إذا النعل وزلّت بعد قوله: سأشكر عمرا إن تدانت منيّتي *** أيادي لم تُمنن وإن هي جلَّت أي: المذكورون آباؤكم وأبناؤكم لا شكّ في ذلكّ.

ثم قال: ﴿ لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ فهو إما مبتدأ وإما حال، بمعنى أنهم غير مستوين في نفعكم متفاوتون تفاوتاً يتبع تفاوت الشفقة الجبلية في الناس ويتبع البرور ومقدار تفاوت الحاجات.

فربّ رجل لم تعرض له حاجة إلى أن ينفعه أبواه وأبناؤه، وربما عرضت حاجات كثيرة في الحالين، وربما لم تعرض فهم متفاوتون من هذا الأعتبار الذي كان يعتمده أهل الجاهلية في قسمة أموالهم، فاعتمدوا أحوالاً غير منضبطه ولا موثوقاً بها، ولذلك قال تعالى: ﴿ لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ فشرع الإسلام ناط الفرائض بما لا يقبل التفاوت وهي الأبوة والبنوة، ففرض الفريضة لهم نظراً لصلتهم الموجبة كونهم أحقّ بمال الأبناء أو الآباء.

والتذييل بقوله: ﴿ الله كان عليماً حكيماً ﴾ واضح المناسبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ رَوى السُّدِّيُّ قالَ: «كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ الجَوارِيَ ولا الضُّعَفاءَ مِنَ الغِلْمانِ، لا يُوَرِّثُونَ الرَّجُلَ مِن ولَدِهِ إلّا مَن أطاقَ القِتالَ، فَماتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أخُو حَسّانَ الشّاعِرِ وتَرَكَ امْرَأةً يُقالُ لَها أُمُّ كُجَّةَ، وتَرَكَ خَمْسَ أخَواتٍ، فَجاءَتِ الوَرَثَةُ فَأخَذُوا مالَهُ، فَشَكَتْ أُمُّ كُجَّةَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

» ﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ﴾ فَفَرَضَ لِلثَّلاثِ مِنَ البَناتِ، إذا انْفَرَدَتْ عَنْ ذَكَرٍ، الثُّلُثَيْنِ، وفَرَضَ لِلْواحِدَةِ إذا انْفَرَدَتِ النِّصْفَ، واخْتُلِفَ في الثِّنْتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النِّصْفُ، مِن أجْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ﴾ وذَهَبَ الجَماعَةُ إلى أنَّ فَرْضَهُما الثُّلُثانِ كالثَّلاثِ فَصاعِدًا اعْتِبارًا بِالأخَواتِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المالُ لِلْوَلَدِ، وكانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وجَعَلَ لِلْأبَوَيْنِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ فَسَوّى بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الوالِدَيْنِ مَعَ وُجُودِ الوَلَدِ في أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسَ، ثُمَّ فاضَلَ بَيْنَهُما مَعَ عَدَمِ الوَلَدِ في أنْ جَعَلَ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ والباقِي لِلْأبِ، وإنَّما كانَ هَكَذا لِأنَّ الأبَوَيْنِ مَعَ الوَلَدِ يَرِثانِ فَرْضًا بِالوِلادَةِ الَّتِي قَدِ اسْتَوَيا فِيها، فَسَوّى بَيْنَ فَرْضِهِما، وإذا عُدِمَ الوَلَدُ ورِثَتِ الأُمُّ فَرْضًا لِعَدَمِ التَّعَصُّبِ فِيها، ووَرِثَ الأبُ بِالتَّعْصِيبِ، لِأنَّهُ أقْوى مِيراثًا، وجَعَلَ فَرْضَها شَطْرَ ما حازَهُ الأبُ بِتَعْصِيبِهِ، لِيَصِيرَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.

﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ﴾ فَلا خِلافَ أنَّ الثَّلاثَةَ مِنَ الإخْوَةِ يَحْجُبُونَها مِنَ الثُّلُثِ الَّذِي هو أعْلى فَرْضِها إلى السُّدُسِ الَّذِي هو أقَلُّهُ، ويَكُونُ الباقِي بَعْدَ سُدُسِها لِلْأبِ.

وَحُكِيَ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الإخْوَةِ دُونَ الأبِ لِيَكُونَ ما حَجَبُوها عَنْهُ عائِدًا عَلَيْهِمْ لا عَلى غَيْرِهِمْ.

وَهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأبَ يُسْقِطُ مَن أدْلى بِهِ كالجَدِّ.

والثّانِي: أنَّ العَصَبَةَ لا يَتَقَدَّرُ لَهم في المِيراثِ فَرْضٌ كالأبْناءِ.

فَأمّا حَجْبُ الأُمِّ بِالأخَوَيْنِ، فَقَدْ مَنَعَ مِنهُ ابْنُ عَبّاسٍ تَمَسُّكًا بِظاهِرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ ﴾ وخالَفَهُ سائِرُ الصَّحابَةِ مُحَجِّبُو الأُمِّ بِالأخَوَيْنِ فَصاعِدًا، وإنْ لَمْ تُحْجَبْ بِالأخِ الواحِدِ لِأنَّ لَفْظَ الجَمْعِ لا يَمْنَعُ أنْ يُوضَعَ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما  ﴾ مَعَ أنَّ الِاثْنَتَيْنِ تَقُومانِ في الفَرائِضِ مَقامَ الجَمْعِ الكامِلِ، كالأخَواتِ، ووَلَدِ الأُمِّ.

﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ ﴾ فَقَدَّمَ الدَّيْنَ والوَصِيَّةَ عَلى المِيراثِ، لِأنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ عَلى المَيِّتِ، والوَصِيَّةَ حَقٌّ لَهُ، وهُما مُقَدَّمانِ عَلى حَقِّ ورَثَتِهِ، ثُمَّ قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلى الوَصِيَّةِ وإنْ كانَ في التِّلاوَةِ مُؤَخَّرًا، لِأنَّ ما عَلى المَيِّتِ مِن حَقٍّ أوْلى أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى ما لَهُ مِن حَقٍّ.

وَقَدْ رَوى ابْنُ إسْحاقَ عَنِ الحارِثِ الأعْوَرِ «عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: (إنَّكم تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ ﴾ وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَضى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ» فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ إنْ كانَ في الحُكْمِ مُؤَخَّرًا؟

قِيلَ: لِأنَّ ( أوْ ) لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ وإنَّما تُوجِبُ إثْباتَ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ مُفْرَدًا أوْ مَصْحُوبًا، فَصارَ كَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ أحَدِهِما أوْ مِن بَعْدِهِما(.

﴿ آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا ﴾ يَعْنِي في الدِّينِ أوِ الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن جابر بن عبد الله قال: «عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئاً، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليَّ، فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟

فنزلت ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد والحاكم عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض فقلت: كيف أقسم مالي بين ولدي؟

فلم يرد علي شيئاً ونزلت ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة ومسدد والطيالسي وابن أبي عمر وابن منيع وابن أبي أسامة وأبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وابن حبان والبيهقي في سننه عن جابر قال جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيداً، وأن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال: «يقضي الله في ذلك.

فنزلت آية الميراث ﴿ يوصيكم الله في أولادكم...

﴾ الآية.

فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك» .

وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس مع الولد، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم وقالوا: نعطي المرأة الربع أو الثمن، ونعطي الإبنة النصف، ونعطي الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة؟

وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ قال: صغيراً أو كبيراً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من والده إلا من أطاق القتال.

فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة له يقال لها: أم كحة.

وترك خمس جوار، فجاءت الورثة فأخذوا ماله، فشكت أم كحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ ثم قال: في أم كحة ﴿ ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن ﴾ [ النساء: 12] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ يعني بنات ﴿ فوق اثنتين ﴾ يعني أكثر من اثنتين، أو كن اثنتين ليس معهن ذكر ﴿ فلهن ثلثا ما ترك ﴾ الميت والبقية للعصبة ﴿ وإن كانت واحدة ﴾ يعني ابنة واحدة فلها النصف، ﴿ ولأبويه ﴾ يعني أبوي الميت ﴿ لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ يعني ذكراً كان أوكانتا اثنتين فوق ذلك ولم يكن معهن ذكر، فإن كان الولد ابنة واحدة فلها نصف المال ثلاثة أسداس وللأب سدس، ويبقى سدس واحد فيرد ذلك على الأب لأنه هو العصبة ﴿ فإن لم يكن له ولد ﴾ قال: ذكر ولا أنثى ﴿ وورَّثه أبواه فلأمه الثلث ﴾ وبقية المال للأب ﴿ فإن كان له ﴾ يعني للميت ﴿ إخوة ﴾ قال: أخوان فصاعداً أو أختان أو أخ أو أخت ﴿ فلأمه السدس ﴾ وما بقي فللأب، وليس للإخوة مع الأب شيء، ولكنهم حجبوا الأم عن الثلث ﴿ من بعد وصية يوصي بها ﴾ فيما بينه وبين الثلث لغير الورثة ولا تجوز وصية لوارث ﴿ أو دين ﴾ يعني يحرم الميراث للورثة من بعد دين على الميت ﴿ فريضة من الله ﴾ يعني ما ذكر من قسمة الميراث ﴿ إن الله كان عليماً حكيماً ﴾ حكم قسمه.

وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال: توفي الرجل أو المرأة وترك بنتاً فلها النصف، فإن كانتا اثنتين فأكثر فلهن الثلثان، وإن كان معهن ذكر فلا فريضة لأحد منهم، ويبدأ بأحد إن شركهن بفريضة فيعطى فريضته.

وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال: كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقاً فاتبعناه وجدناه سهلاً، وإنه سئل عن امرأة وأبوين فقال: للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب.

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين فقال زيد: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وللأب بقية المال.

فأرسل إليه ابن عباس: أفي كتاب الله تجد هذا؟

قال: لا.

ولكن أكره أن أفضل أماً على أب.

قال: وكان ابن عباس يعطي الأم الثلث من جميع المال.

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه دخل على عثمان فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث قال الله: ﴿ فإن كان له إخوة ﴾ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي، ومضى في الأمصار وتوارث به الناس.

وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت أنه كان يحجب الأم بالأخوين فقالوا له: يا أبا سعيد إن الله يقول ﴿ فإن كان له إخوة ﴾ وأنت تحجبها بأخوين فقال: إن العرب تسمي الأخوين إخوة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ قال: أضروا بالأم ولا يرثون ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث لأن أباهم يلي نكاحهم والنفقة عليهم دون أمهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي قال: إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ قال: يبدأ بالدين قبل الوصية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة، لأن الله شفع المؤمنين بعضهم في بعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال: في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال بعضهم: في نفع الآخرة.

وقال بعضهم: في نفع الدنيا.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: الميراث للولد فانتزع الله منه للزوج والوالد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ الآية.

فقد ذكرنا معنى الإيصاء والتوصية في اللغة.

ومعنى ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ ههنا: قال الزجاج: أي: يفرض (١) ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ  ﴾ ، وهذا من الفرض المحكم علينا (٢) وقوله تعالى: ﴿ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ ، اسم الولد يقع على ولد الصلب وعلى ولد الولد وإن سَفَل (٣) (٤) فإن قيل: بماذا يتعلق قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ ، ولا يقال في الكلام: أوصيك لزيد كذا؟

والجواب ما قال الفراء، وهو أن الوصية قول، فمعنى قوله ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ ﴾ (٥) ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ  ﴾ ، أي: قال الله لهم مغفرة؛ لأن الوعد قول (٦) ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ ، وقال الكسائي: قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ بيان لما أوصى به وحكاية له، لأن الذي أوصاهم به هو هذا، ومثله قوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  ﴾ ثم ذكر ما وعدهم فقال: ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ولهم مغفرة هو الذي وعدهم به، وكذلك قوله: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ  ﴾ .

ويقول: بدا لي أن لعبد الله مالًا، فإذا (ألقيت) (٧) (٨) إني سأُبدِي لك فيما أُبدي ...

لي شجَنَانِ شَجَنٌ بِنَجْدِ (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً ﴾ ، يعني: فإن كن (١٠) (١١) (١٢) واجتمعت الأمة على أن للبنتين الثلثين (١٣) ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ﴾ (١٤) (١٥) (١٦) وهذا غير مأخوذ به (١٧) ووجه الآية أن (فوق) ههنا صلة لا معنى له، أراد: فإن كن نساء اثنتين، كقوله: ﴿ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ  ﴾ ، يريد: فاضربوا الأعناق (١٨) (١٩) وقال أكثر المفسرين: إنما أعطينا البنتين الثلثين بتأويل القرآن لا بنص فرض، وذلك أن الله تعالى [جعل للبنت الواحدة النصف في قوله: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ﴾ ، وجعل للأخت الواحدة النصف أيضًا في قوله: ﴿ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ  ﴾ ، ثم جعل للأختين الثلثين، علمنا أن للبنتين] (٢٠) ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً ﴾ الآية (٢١) وحرر الحسن بن يحيى (٢٢) (٢٣) ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ في آخر النساء الأخت الواحدة والبنتين (٢٤) (٢٥) (٢٦) قال أبو إسحاق: جعل الله عز وجل كتابه يدل بعضه على بعض تفقيهًا للمسلمين وتعليمًا؛ ليعملوا فيما يحزبهم (٢٧) ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ ، وكان أول العدد ذكرًا وأنثى، فللذكر الثلثان وللأنثى الثلث.

فلما دل هذا على أن للذكر الثلثين وللبنت الواحدة الثلث، عُلم أن للبنتين الثلثين من حيث علم أن للذكر الثلثين.

وأما مذهب ابن عباس فهو محال في القياس، حيث يجعل البنتين كالواحدة.

والبنتان كالجماعة؛ لأن منزلة الاثنين منزلة الجمع (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً ﴾ وقرأ نافع (واحدةٌ) بالرفع (٣٢) (٣٣) والاختيار قراءة العامة؛ لأن التي قبلها لها خبر منصوب، وهو قوله: ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً ﴾ ، وكما أن الضمير هناك: إن كن المتروكات أو الوارثات نساء، كذلك ههنا: وإن كانت المتروكة واحدة (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلِأَبَوَيْهِ ﴾ يعني: ولأبوي الميت، كناية عن غير مذكور (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .

أو ولد ابن، واسم الولد يقع على ولد الابن (٣٨) والأب يرث من جهة التسمية السدس، ويرث بغير تسمية على جهة التعصيب.

مثال ذلك: لو مات عن ابنة وأبوين، كان للابنة النصف وللأم السدس، وكذلك للأب بالتسمية لأن الله تعالى قال: ﴿ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ ، وههنا ولد وهو البنت، والسدس الباقي للأب أيضًا بحق التعصيب (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ .

أكثر القراء على ضم الهمزة من (أم) في جميع المواضع.

وقرأ حمزة والكسائي بكسر الألف إذا وليتها كسرة أو ياء (٤٠) (٤١) ﴿ يَطُوفُونَ ﴾ (٤٢) ﴿ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ ، ﴿ فِي أُمِّهَا رَسُولًا  ﴾ .

فأما إذا كان ما قبل الهمزة غير كسر فالضم لا غير، مثل ﴿ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ  ﴾ (٤٣) وإنما جاز كسر همزة (أم) لأن الهمزة حرف مستثقل، بدلالة تخفيفهم لها، فأتبعوها ما قبلها من الياء والكسرة، ليكون العمل فيها من وجه واحد (٤٤) قال أبو إسحاق: إنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله: ﴿ فَلِأُمِّهِ ﴾ ، وليس في كلام العرب مثل: فِعُل بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام [بالاسم] (٤٥) (٤٦) وأيضًا فإن الهمزة لما يتعاورها من القلب والتخفيف تشبه الياء والواو، فتتغير كما تتغير الياء والواو، وتقارب الهاء في المخرج، والهاء قد اتبع الكسرة في نحو: بهم، وبهي (٤٧) فإن قيل: وهلا فعلوا ذلك بغير هذا الحرف، مما فيه الهمزة، نحو: أتّ وأسّ وأدّ من أسماء الرجال؟

قيل: إن هذا الحرف قد كثر في كلامهم، والتغيير إلى ما كثر أسرع، وقد يختص الشيء في الموضع بما لا يكون في أمثاله، كقولهم: أسطاع وأهراق، ولم يفعل ذلك بما أشبهه، كذلك هذا التغيير في الهمزة مع الكسرة والياء اختص به هذا الحرف، ولم يكن فيما أشبهه (٤٨) و (أما) (٤٩) (٥٠) (٥١) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ﴾ .

أجمعت الأمة على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس كرجل مات عن أبوين وأخوين، كان للأم السدس، والباقي للأب.

فالأخوان فما فوقهما يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس.

والأخ الواحد لا يحجب.

وابن عباس يخالف في هذه المسألة: فلا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة إخوة.

وقال لعثمان (٥٢)  -: بم (٥٣) ﴿ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾ والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة؟

فقال عثمان: يا بني إن قومك حجبوها بأخوين، ولا أستطيع نقض أمر قد كان قبلي (٥٤) قال علماء اللغة: قول ابن عباس: الأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة غلط منه؛ لأن الأخوين جماعة كالإخوة، وذلك أنك إذا جمعت واحدًا إلى واحد فهما جماعة ويقال لهما إخوة (٥٥) وحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما.

يريدون: رحلي راحلتيها (٥٦) قال ابن الأنباري: التثنية عند العرب أول الجمع، ومشهور في كلامهم إيقاع الجمع على التثنية، من ذلك قوله تعالى: ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ  ﴾ ، وهو يريد داود وسليمان، ومنه قوله: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ يريد قلبيكما (٥٧) (٥٨) قال قتادة: وإنما حجب الإخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب (لمعونة الأب) (٥٩) (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ ، أي: هذه الأنصبة إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه، وذكر الوصية مقدمةً على الدين، وذلك تقديم في اللفظ لا في الحكم؛ لأن (أو) لا توجب ترتيبًا، وإنما هي لأحد الشيئين؛ كأنه قيل: من بعد أحد هذين (٦١) (٦٢) قوله تعالى: ﴿ يُوصِي بِهَا ﴾ قرئ بكسر الصاد وفتحها (٦٣) فمن كسر (٦٤) ﴿ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ﴾ أي: لأم الميت ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ يوصيها الميت.

ومن فتح الصاد فإنه يؤول في المعنى إلى يوصي، ألا ترى أن الموصي هو الميت، والذي (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ دَيْنٍ ﴾ إن قيل: ما معنى (أو) هاهنا، وهلا كان من بعد وصية يوصي بها (ودين) (٦٩) (٧٠) (٧١) ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا (و) دَيْنٍ ﴾ احتمل اللفظ أن يكون هذا (الحكم المذكور في الآية) (¬6) إذا اجتمعت الوصية والدين، فإذا انفرد كان حكم آخر، فإذا كانت "أو" دلت على أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كانا كلاهما (٧٢) وقوله تعالى: ﴿ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾ .

في هذا قولان: أحدهما: أن هذا فصل معترض بين ذكر الورّاث وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ ، ولا تعلق لمعناه بمعنى الآية، ومعنى هذا الفصل في قول ابن عباس والكلبي: أن الله تعالى يُشَفِّع المؤمنين بعضهم في بعض، فأطوعكم لله عز وجل من الآباء والأبناء أرفعكم درجة (٧٣) (٧٤) ﴿ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾ ، لأن أحدهما لا يعرف منفعة صاحبه له في الجنة، وسبقه إلى منزلة عالية تكون سببًا لرفعه إليها (٧٥) القول الثاني: أن هذا فصل معترض بينهما، ومعناه متعلق بمعنى الآية.

يقول: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق، ولكن الله تعالى قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فأفسدتم وضيعتم وأعطيتم من لا يستحق ومنعتم من يجب له الميراث، وهذا قول الزجاج (٧٦) (٧٧) (٧٨) وقوله تعالى: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ منصوب على التوكيد من قوله: ﴿ وَلِأَبَوَيْهِ ﴾ ، أي لهؤلاء الورثة ما ذكرنا مفروضًا، (ففريضة) (٧٩) ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ ﴾ (٨٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ .

قال الحسن: كان عليمًا بالأشياء قبل خلقها، حكيمًا فيما يقدر (٨١) وقال عطاء: كان عليمًا بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيمًا حيث فرض للصغار مع الكبار، ولم يخصّ الكبار بالميراث كما كانت العرب تفعل (٨٢) وحكى الزجاج عن سيبويه، قال: كأن القوم شاهدوا علمًا وحكمة ومغفرة وتفضلًا، فقيل لهم: إن الله كان كذلك، أي: لم يزل على ما شاهدتم (٨٣) وقال الخليل: الخبر عن الله عز وجل بمثل هذه الأشياء، كالخبر بالاستقبال والحال؛ لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزوال والتقلب (٨٤) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً ﴾ .

قد أكثروا في الكلالة، والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد (٨٥) وهو قول أبي بكر، وعمر، وابن عباس، وابن زيد، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق (٨٦) وأخبرني موسى بن الفضل (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩٠) وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري (٩١) (٩٢) (٩٣) (٩٤) قال المنذري: وسمعت أبا العباس (٩٥) (٩٦) قال: وسمعته (٩٧) (٩٨) (٩٩) (١٠٠) (١٠١) وحديث جابر يفسر الكلالة، وأنه الوارث (غير الوالد والولد)؛ لأنه يقول: مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتيت النبي  ، فقلت: إني رجل ليس يرثني إلا كلالة (١٠٢) أراد أنه لا والد له ولا ولد، فكل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (١٠٣) فالكلالة اسم يقع على الوارث والموروث إذا كانا بالصفة التي ذكرنا (١٠٤) ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، يقال: كل الرجل يكل كلالة، أي صار كلًّا، وهو الذي لا ولد له ولا والد.

ذكره الليث (١٠٥) والدليل على أن الوارث يُسمى كلالة حديث جابر أنه قال: ليس يرثني إلا كلالة، والدليل على أن الموروث الميت يُسمى كلالة قول الفرزدق: وَرِثتُم قَناةَ المُلك لا عن كَلالةٍ ...

(عن ابنَي منافٍ: عبدِ شمسٍ وهاشم) (١٠٦) (١٠٧) وقول الشاعر: يهز سلاحًا لم يرِثه كلالةً ...

يَشُكُّ بِه منهَا جلودَ المَغَابنِ (١٠٨) يصف ثورًا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب.

فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث.

قال الأزهري: ودل قول الشاعر (١٠٩) فإنَّ أبا المرءِ أحمَى له ...

وَمولى الكَلالةِ لا يَغْضَبُ (١١٠) أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظُلم، وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب (١١١) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً ﴾ الكلالة في هذه الآية الميت، وهو الموروث، والمراد به الأخ للأم إذا مات.

ويورث ههنا من: وُرِثَ يُورث، لا من: أُورِثَ يُورَث (١١٢) وانتصب كلالة من وجهين: أحدهما: أنه خبر كان (١١٣) والثاني: على الحال.

المعنى يورث في حالٍ مكللةٍ نسب ورثته، أي لا ولد له ولا والد.

وهذا الوجه هو الاختيار، وهو قول الزجاج، والكلالة مصدر وقع موقع الحال، تقديره: يورث متكلل النسب (١١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ إن قيل: قد سبق ذكر الرجل والمرأة في قوله: ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ﴾ ثم قال: ﴿ وَلَهُ أَخٌ ﴾ فأضاف إلى الرجل وكنى عنه دون المرأة؟

قال الفراء: وذلك جائز، إذا جاء حرفان في معنى واحد بـ (أو) أسندت التفسير إلى أيهما شئت، وإن شئت أسندت إليهما (١١٥) (١١٦) ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهم  ﴾ (١١٧) (١١٨) وأجمع المفسرون على أن المراد (بالأخ والأخت ههنا من الأم) (١١٩) (١٢٠) (١٢١) (١٢٢) قال ابن عباس في رواية عطاء: وله أخ أو أخت من أمه (١٢٣) ﴿ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ﴾ (وفرض) (١٢٤) (١٢٥) قال أبو إسحاق: وإنما استُدِل على أن المراد بالأخ والأخت ههنا أولاد الأم بأن ذكر في آخر هذه السورة في قوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ  ﴾ (١٢٦) (١٢٧) وقوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ أي: مدخل الضرر على الورثة (١٢٨) (١٢٩) وانتصب ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ على الحال، المعنى.

يُوصَى بها غير مضار (١٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد فريضة من الله (١٣١) ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ  ﴾ .

وانتصابه على المصدر من قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ ﴾ (١٣٢) وقال الفراء: يريد: فلكل واحد منهما السدس وصية من الله، كما تقول: لك درهمان نفقة إلى أهلك (١٣٣) ﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: بمن يجوز في وصيته (١٣٤) ﴿ عَلِيمٌ ﴾ (١٣٥) (١٣٦) (١) في (أ): (نفرض)، وما أثبته هو الموافق لـ"معاني الزجاج".

(٢) "معاني الزجاج" 2/ 18، وانظر: "غرائب التفسير" 1/ 285، "الكشف والبيان" 4/ 22 أ، "المحرر الوجيز" 3/ 511، "الفتوحات الإلهية" 1/ 360.

(٣) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 333، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 59، وبعض العلماء يفرق فيقول: إنه حقيقةٌ في ولد الصلب مجازٌ في غيره، وبعضهم لا يفرق.

وعقب القرطبي -رحمه الله- على مثل ذلك بقوله: ومعلوم أن الألفاظ لا تتغير بما قالوه.

(٤) قوله: (ثم ثبتت)، وفي هذه الجملة اضطراب أو سقط.

(٥) في (د) زيادة: (في أولادكم).

(٦) لم أقف على رأي الفراء هذا في "معاني القرآن"، وقد أشار إليه أبو حيان في "البحر" 3/ 181، والسمين في "الدر المصون" 3/ 356.

(٧) في الأصل بالفاء، والتصحيح من (د).

(٨) لم أقف على قول الكسائي مفصلًا، وقد أشار إليه أبو حيان في "البحر" 3/ 181.

انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 190، "الدر المصون" 3/ 597.

(٩) هذا البيت من الرجز، ولم أعرف قائله، وهو من شواهد "معجم مقاييس اللغة" 3/ 249 (شجن)، "الصحاح" 5/ 2142 (سجن)، "اللسان" 4/ 2202 (شجن)، والشجن: الحاجة.

ولعل الشاهد منه أن: شجن بنجد تفسير وبيان لـ: لي شجنان، حيث جاء في "الصحاح"، "اللسان" بعد هذا: وشجن لي في بلاد السند، لكن في "اللسان": الهند بدل السند.

والله أعلم.

(١٠) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: فإن كان، انظر: الطبري 4/ 276، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 439، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 191.

(١١) انظر: "الطبري" 4/ 276، "تهذيب اللغة" 4/ 3951 (ولد)، "المحرر الوجيز" 3/ 512.

(١٢) قال الطبري 4/ 276: واختلف أهل العربية في المَعنِي بقوله: ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً ﴾ قال بعض نحويى البصرة بنحو الذي قلنا: فإن كان المتروكات نساء، وهو أيضًا قول بعض نحوي الكوفة وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك، فإن كان الأولاد نساء، وقال: إنما ذكر الله الأولاد فقال: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ ثم قسم الوصية فقال: ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً ﴾ ، وإن كان الأولاد نساء، وإن كان الأولاد واحدة، ترجمة منه بذلك عن الأولاد.

قال أبو جعفر: والقول الأول الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين أولى بالصواب في ذلك عندي؛ لأن قوله: ﴿ فَإِنْ كُنَّ ﴾ لو كان معنيا به ﴿ وَالْأَوْلَادِ ﴾ لقيل: ﴿ وَإِن كَانُوا ﴾ لأن الأولاد تجمع الذكور والإناث، وإذا كان كذلك فإنما يقال: (كانوا)، لا (كن).

هذا ما وضحه ابن جرير في تقدير اسم كان هنا، فالظاهر أن المؤلف قد خلط بين القولين، والله أعلم.

(١٣) انظر "الإجماع" لابن المنذر ص 32، "المغني" لابن قدامة 9/ 11، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 31/ 350.

هذا؛ وقد تعقب القرطبي الإجماع في هذه المسألة لخلاف ابن عباس منها.

انظر "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 63، لكن العلماء الذين حكوا الإجماع حكموا على ما روي عن ابن عباس بالشذوذ كما في "المغني"، "الفتاوى".

(١٤) لم أقف على من خرجه، لكنه قول مشتهر عن ابن عباس وصححه عنه النحاس في: "إعراب القرآن" 1/ 439، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 63، وانظر: "تفسير الماوردي" 1/ 458، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 336، "المغني" 9/ 11، "مجمع الفتاوى" 31/ 350، "أضواء البيان" 1/ 372، "التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية" للدكتور صالح الفوزان ص 78.

وقد قال الفوزان: وقيل: المشهور عنه مثل قول الجمهور.

(١٥) هكذا في (أ)، وفي (د): (رده)، ولعل الصواب: (زدن).

(١٦) هكذا في (أ)، (د) والظاهر أن الصواب: الثنتين.

(١٧) انظر: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 2/ 140 - 141، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 336، "المغني" 9/ 11، "مجموع الفتاوى" 31/ 350، "أضواء البيان" 1/ 372، "التحقيقات المرضية" ص 82، 83.

(١٨) هذا قول في إعراب الآية، لكن خطَّأه النحاس بقوله: وهو خطأ؛ لأن الظروف ليست مما يزاد لغير معنى "إعراب القرآن" 1/ 349، كما ضعفه الكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 2/ 144، وابن عطية في "المحرر" 3/ 513، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 498.

قال ابن كثير: وهذا غير مسلم، لا هنا ولا هناك، فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع.

وقد تقدم مثل ذلك.

(١٩) انظر ص 361.

(٢٠) يحتمل أن في الكلام سقطًا، واستقامته: وذلك أن الله تعالى لما جعل للبنت الواحدة ..

علمنا أن لبنتين فسقطت لما من الكلام قبل جعل.

(٢١) انظر: "تفسير الماوردي" 1/ 458، "أحكام القرآن" للهراسي 2/ 140 - 141، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 337، القرطبي 5/ 63، "أضواء البيان" 1/ 371، "التحقيقات المرضية" ص 80.

(٢٢) هو صاحب "نظم القرآن" وكثيرًا ما يأخذ عنه المؤلف، لكنه لم يصل إلينا.

(٢٣) ما بين القوسين ليس في نسخة (د).

(٢٤) هكذا في (أ)، (د) والظاهر: والثنتين.

(٢٥) في (أ): (يحب) بالحاء المهملة.

(٢٦) انتهى أخذ المؤلف من صاحب النظم، وانظر: "أحكام القرآن" للهراسي 2/ 141 - 142، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 337، القرطبي 5/ 63، "فتح القدير" 1/ 431.

(٢٧) يحز بهم: ينزل بهم ويهمهم.

انظر: "اللسان" 2/ 854 (حزب).

(٢٨) في (أ): (الجميع)، والى هنا انتهى أخذ المؤلف من الزجاج في "معانيه" 2/ 19 بتصرف في العبارة، وما ذكر بعد ذلك من الأمثلة ونحوها زائد عليه.

(٢٩) انظر: "غرائب التفسير" 1/ 285.

(٣٠) هي أم كجّة -بالجيم كما ضبطها ابن حجر- الأنصارية من الصحابيات -  ن- زوجة أوس بن ثابت الأنصاري، ولم تذكر سنة وفاتها.

انظر: "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 332، "الإصابة" 4/ 487.

(٣١) لم أجد من أخرجه بلفظ ثلاث في تفسير هذه الآية، وقد أشار إليه الثعلبي عن مقاتل والكلبي في تفسير هذه الآية، وذكره مطولًا في تفسير قوه تعالى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ  ﴾ .

انظر: "الكشف والبيان" 4/ 16 ب، 17 أ، 22 أ.

وقد أخرجه الطبري عن السدي بلفظ: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين، كان أهل الجاهلية لا يرثون الجواري ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أبو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كجة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجة إلى النبي  ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ﴾ "تفسير الطبري" 4/ 275.

وأورد السيوطي أثر السدي وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم.

انظر "الدر المنثور" 2/ 222.

(٣٢) انظر: "السبعة" ص 227، "الحجة" 3/ 135، "الكشف" 1/ 378.

(٣٣) في (د): (فان).

(٣٤) انتهى من "الحجة" 3/ 136 بتصرف، وانظر "معاني الزجاج" 2/ 18، "إعراب القراءات السبع" 1/ 129، "الكشف" 1/ 378.

وممن اختار قراءة النصب ورجحها على الرفع الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 293، وابن خالوية في "الحجة" ص 120، وكثير من أئمة القراءات لم يتعرضوا للموازنة أو الترجيح بين القراءتين، فهما صحيحتان، وقد قرأ بالرفع اثنان من العشرة هما نافع وأبو جعفر.

انظر: "المبسوط" ص 154، "النشر" 2/ 247.

(٣٥) "الكشف والبيان" 4/ 22 أ.

(٣٦) من "معاني الزجاج" 2/ 23، لكن فيه: والأصل في أم، أن يقال: أبة.

(٣٧) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 23.

(٣٨) انظر: "الكشف" 4/ 22 أ، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 335.

(٣٩) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 277، "معاني الزجاج" 2/ 21، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 71.

(٤٠) في "الحجة" 3/ 137: وقرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر إذا وصلا وما ذكره المؤلف أوضح وهو الموافق لما في "السبعة" ص 228.

(٤١) ما بين القوسين ليس في (د).

(٤٢) هكذا في (أ)، (د) وهو تحريف، والظاهر أن الصواب: ﴿ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ ، كما في "الحجة" 3/ 137.

(٤٣) ما بين القوسين زائد على ما في "الحجة" لأبي علي وإن كان من لازم كلامه.

(٤٤) من "الحجة" 3/ 137 بتصرف يسير، وسيرجع المؤلف إلى الإفادة منه بعد أخذه من الزجاج.

وانظر: "السبعة" ص 228، "المبسوط" ص154، "الكشف" 1/ 379.

(٤٥) الزيادة من "معاني الزجاج" 2/ 23 لكي يستقيم الكلام.

(٤٦) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 23، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، "الكشف" 1/ 379.

ويرجع المؤلف بعده إلى أبي علي في "الحجة" فكان كلام الزجاج اعتراضًا أثناء كلام أبي علي، وانظر: "الحجة" 3/ 137، 138.

(٤٧) هكذا الكلمة في "الحجة" 3/ 137، ولعل الأصل: به فأشبعت الكسرة في الهاء فأشبهت الياء.

(٤٨) انتهى من "الحجة" 3/ 137، 138.

(٤٩) ليس في (د).

(٥٠) في (أ) و"الأم"، وما أثبته هو الصواب.

(٥١) انظر "معاني الزجاج" 2/ 23، "معاني القراءات" 1/ 295، "الحجة" 3/ 137، "الكشف" 1/ 380.

(٥٢) هو أمير المؤمنين أبو عبد الله عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي الأموي سبق إلى الإسلام ولقب بذي النورين وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، اتصف  بالحلم وصلة الرحم وكثرة العبادة والإحسان ولين الجانب، استثمهد على يد جماعة غاشمة ظالمة سنة 35 هـ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقد قضى في الخلافة أكثر من إحدى عشرة سنة رَضِيَ الله عَنْه وأرضاه.

انظر: "تاريخ خليفة" /168 - 180، "الاستيعاب" 3/ 155 - 165، "الإصابة" 2/ 462 - 463.

(٥٣) في (أ) ، (د): (ثم)، والصواب ما أثبته، انظر: الطبري 4/ 278.

(٥٤) أخرجه بنحوه ابن جرير 4/ 278، وعزاه إلى البيهقي كل من ابن كثير في "تفسيره" 1/ 499، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 223، وضعفه ابن كثير وكذلك الشيخ ناصر العمار في "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 181.

(٥٥) من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 22 بتصرف.

وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 278، "الكشف والبيان" 4/ 22 ب، "الدر المصون" 3/ 602 "تفسير ابن كثير" 1/ 499.

(٥٦) "الكتاب" 3/ 622، "معاني الزجاج" 2/ 22.

(٥٧) في (د): (قلبكما).

(٥٨) لم أقف على كلام ابن الأنباري، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 436، "مشكل إعراب القرآن" لابن قتيبة ص 283، الطبري 4/ 278 - 279، "معاني الزجاج" 2/ 22، "الكشف والبيان" 4/ 22 ب، "الدر المصون" 3/ 602.

(٥٩) في (د): (معونة للأب).

(٦٠) أخرجه ابن جرير 4/ 280 بمعناه، وقال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 499، عندما ساق هذا الأثر: وهذا كلام حسن وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 223، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(٦١) في (د): (مدبن).

(٦٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 23، 24، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 343، "الدر المصون" 3/ 603.

(٦٣) بالفتح لابن كثير وعاصم -في رواية أبي بكر- وابن عامر، وبالكسر للباقين من العشرة.

انظر: "السبعة" ص 228، "الحجة" 3/ 139، "المبسوط" ص 154، "النشر" 2/ 248.

(٦٤) توجيه القراءتين من "الحجة" 3/ 140 (٦٥) في "الحجة": وكأن الذي.

(٦٦) في "الحجة": ليس لميت معين.

(٦٧) في (أ)، (د) يوصا بألف ممدودة، وهو مخالف لقواعد الإملاء المتبعة، وما أثبته هو الموافق لـ"الحجة".

(٦٨) انتهى من "الحجة" 3/ 140.

(٦٩) في (أ)، (د): أو دين، والتصويب من "معاني الزجاج".

(٧٠) في "معاني الزجاج" 2/ 24: هؤلاء.

(٧١) ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".

(٧٢) انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 23، 24 بتصرف يسير، وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 281، "معاني الحروف" للرماني ص 77، "رصف المباني" ص 210، إيضاح الجملة الأخيرة عند المؤلف أنه عبر بأو هنا للدلالة على أن الحكم بالنسبة للدين والوصيه في الميراث واحد لا يتغير سواء وجدا منفردين أو مجتمعين.

(٧٣) أخرجه عن ابن عباس ابن جرير بنحوه 8/ 49، وسنده حسن.

انظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 184، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 23 أ.

(٧٤) في (أ): (بمسلته).

(٧٥) ذكر الهواري معنى ذلك من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقريبًا منه قولًا للكلبي.

انظر "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 355، "الكشف والبيان" 4/ 23 أ، "معالم التنزيل" 2/ 178.

(٧٦) ساق الزجاج القولين من دون اختيار لأحدهما.

انظر: "معاني القرآن" 2/ 24.

(٧٧) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 281 - 282، "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 593، "الدر المنثور" 2/ 223، 224.

(٧٨) لم أقف على هذه الرواية.

(٧٩) في (أ)، (د): بفريضة، والتصويب من "معاني الزجاج" 2/ 25.

(٨٠) من "معاني الزجاج" 2/ 25، وتوضيح قول المؤلف -تبعًا للزجاج- بأن فريضة منصوب على التوكيد أي: أنها مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من الوصية، وقد أطلق كل من ابن جرير والنحاس ومكي أنها منصوبة على المصدرية.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 282، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 398، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 192، "الدر المصون" 3/ 606.

(٨١) "معاني الزجاج" 2/ 25، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، "زاد المسير" 2/ 29، "تفسير الحسن" 1/ 264.

(٨٢) لم أقف عليه عن عطاء، وانظر: الطبري 4/ 282، "الوسيط" 2/ 467.

(٨٣) "معاني الزجاج" 2/ 25، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، "زاد المسير" 2/ 29، ولم أقف على قول سيبويه في كتابه.

(٨٤) من "معاني الزجاج" 2/ 25 بتصرف ودون نسبة للخليل، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، "زاد المسير" 2/ 30.

(٨٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 257، "مجاز القرآن" 1/ 118، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص116، "تفسير الطبري" 4/ 283، "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 356، "معاني الزجاج" 2/ 26، "الكشف والبيان" 4/ 23 ب، "زاد المسير" 2/ 30، 31، "تفسير ابن كثير" 1/ 500.

(٨٦) انظر: "الطبري" 8/ 53 - 75.

(٨٧) لم أقف له على ترجمة.

(٨٨) هو أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف المعقلي النيسابوري، تقدمت ترجمته.

(٨٩) هو أبو عبد الله محمد بن الجهم السمري، تقدمت ترجمته.

(٩٠) قول الفراء في "معاني القرآن" 1/ 257، وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3176 - 3177 (كل) حيث جاء بسند آخر.

(٩١) هو أبو الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري الهروي، تقدمت ترجمته.

(٩٢) في (أ) كأنها: (الجهين) أو: الجهز بن فهيم، ولعل ما أثبته من (د) هو الصواب لموافقته "تهذيب اللغة" 4/ 3176 - 3177 (لكل).

والحسين هذا هو أبو علي الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم البغدادي، إمام علامة عالم بالحديث والتاريخ والأدب من الفصحاء، توفي -رحمه الله- سنة 289 هـ.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 3/ 427.

(٩٣) في (د): (ولد ولا أب)، وما أثبته هو الموافق لـ"التهذيب"، أما "المجاز" لأبي عبيدة 1/ 118 ففيه: (كلالة) كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة اهـ، وإدخال أبي عبيدة الأخ مع الأب والابن هنا لا يوافق عليه.

انظر "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 77.

(٩٤) "تهذيب اللغة" 4/ 3176 (كل)، ولم أر الأخفش في "معاني القرآن" تعرض لتفسير الكلالة.

(٩٥) هو أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، تقدمت ترجمته.

(٩٦) قول المنذري من "تهذيب اللغة" 4/ 3176 - 3177 (كل) بتصرف يسير، وانظر: "الصحاح" 5/ 1811 (كلل)، "اللسان" 7/ 3918 (كلل).

(٩٧) القائل المنذري والمسموع أبو العباس ثعلب.

(٩٨) في "التهذيب": وولده.

(٩٩) في (د): (عن)، وما أثبته هو الموافق لـ"التهذيب".

(١٠٠) "تهذيب اللغة" 4/ 3176 (كل)، وانظر "اللسان" 7/ 3919 (كلل).

(١٠١) هذا القول في توجيه هذه الكلمة ليس في "تهذيب اللغة"، ولم أقف عليه، وانظر: "العين" 5/ 279 (كل) ..

(١٠٢) الكلام من قوله: وحديث جابر من "تهذيب اللغة" 9/ 247، أخرجه ابن جرير 4/ 286 بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في "عمدة الحفاظ" ص 501 (كلل)، وعبارة (غير الوالد والولد) ليست في "التهذيب".

(١٠٣) انتهى من "تهذيب اللغة" 4/ 3176 (كل) بتصرف.

(١٠٤) هناك خلاف: هل الكلالة اسم يقع على الوارث؟

أو المورث؟

أو عليهما "معاني الآثار" للطحاوي، كما نص عليه المؤلف؟

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 286، ولعل الراجح ما أشار إليه المؤلف.

انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3177 (لكل)، "اللسان" 7/ 3918 - 3919 (كلل)، "عمدة الحافظ" ص501 (كلل).

(١٠٥) لم أقف على ما نسبه المؤلف لليث لا في "العين" ولا في "تهذيب اللغة" ولا غيرهما، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 78.

(١٠٦) هذا الشطر الثاني من البيت ليس في (د)، وإنما اكتفى الناسخ بقوله: البيت.

(١٠٧) البيت في "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "اللسان" 7/ 3918 (كلل) فيه الشطر الأول، "عمدة الحفاظ" ص 501 (كلل)، "الدر المصون" 3/ 607، وقد ذكر د.

أحمد الخراط في تحقيقه للأخير أن البيت ليس في "ديوان الفرزدق"، هذا مع أني لم أجده في "معجم شواهد العربية" رغم اتفاق من عزوت إليهم على نسبته إلى الفرزدق، فقد يكون سقط من "ديوان الفرزدق" و"منتهى الطلب"، والله أعلم.

(١٠٨) البيت للطرماح كما في "ديوانه" ص133، و"البحر المحيط" 3/ 352، و"أساس البلاغة" (كلل) و"الصحاح" (سلح)، و"المحكم" (سلح) و"اللسان" (سلح): (بزغ).

والمغابن جمع مَغبِن، وهو الإبط والرُّفغ (باطن الفخذ)، وتطلق المغابن على معاطف الجلد أيضًا.

انظر: "اللسان" 6/ 3211 (غبن).

(١٠٩) في البيت اللاحق لا السابق.

(١١٠) لم أعرف قائله وهو من "شواهد الزجاج في معانيه" 2/ 26، "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "اللسان" 7/ 3918 (كلل) إضافة إلى الأزهري حيث أفاد المؤلف منه كما سيأتي العزو إليه.

(١١١) "تهذيب اللغة" 4/ 3177 (كلل)، وانظر "معاني الزجاج" 2/ 26، "اللسان" 7/ 3918 (كلل).

(١١٢) "تهذيب اللغة" 4/ 3176 (كلل)، وانظر: "اللسان" 7/ 3918 (كلل).

(١١٣) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 438، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 192.

(١١٤) انظر: "معاني الأخفش" 1/ 438، "معاني الزجاج" 2/ 25، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، واقتصر الزجاج على ذكر هذا القول فقد يكون اختاره دون غيره.

(١١٥) في "معاني الفراء" 1/ 257: وإن شئت ذكرتهما فيه جميعًا.

(١١٦) ما بين القوسين ليس في "معاني الفراء".

(١١٧) نُسبت هذه القراءة لأبيّ -  - وليست في المتواتر.

انظر: "البحر المحيط" 3/ 370.

(١١٨) انتهى من "معاني القرآن" 1/ 257 - 258، وانظر: الطبري 4/ 287 - 288، "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 78.

(١١٩) في (د): (بالأخ والأخت أولاد الأم).

(١٢٠) انظر "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 356، "تفسير الطبري" 4/ 287 - 288، "معاني الزجاج" 2/ 26، "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "معالم التنزيل" 2/ 180، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 349، "تفسير ابن كثير" 1/ 500.

(١٢١) هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن أُهيب القرشي صحابي مشهور، أحد العشرة المبشرين بالجنة وآخرهم موتًا.

روى عن النبي  كثيرًا.

كان فارسًا شجاعًا، وهو أحد الستة أهل الشورى وعرف بإجابة الدعوة، توفي  على الأشهر سنة 56 هـ.

انظر: "الاستيعاب" 2/ 171 - 174، "الإصابة" 2/ 33 - 34.

(١٢٢) أخرجِ أبن جرير بسنده عن سعد أنه كان يقرأ: ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ قال سعد: لأمه وذكر هذه القراءة الثعلبي في "الكشف == والبيان" 4/ 24 أ، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 224.

(١٢٣) لم أقف على هذا الأثر إلا عند المؤلف نفسه في "الوسيط" 2/ 472، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش القرآن الكريم ص 79.

(١٢٤) في (أ): (وفوّض).

(١٢٥) انظر: الطبري 4/ 277، "الإجماع" لابن المنذر ص 34، "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "معالم التنزيل" 2/ 180، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 349، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 79.

(١٢٦) سياق الآية ليس في "معاني الزجاج".

(١٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 26.

(١٢٨) "الكشف والبيان" 4/ 24 ب.

(١٢٩) ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن في "الكشف والبيان" 4/ 24 ب؛ والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 180، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 80، "البحر المحيط" 3/ 190.

(١٣٠) "معاني الزجاج" 2/ 27، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 192، "البيان" لابن الأنباري 1/ 246، القرطبي 5/ 80، "البحر المحيط" 3/ 191.

(١٣١) لم أقف على من خرجه عنه، وانظر: "تنوير المقباس" ص 79.

(١٣٢) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 275، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 398، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 192، "البيان" 1/ 246.

(١٣٣) قول الفراء في "معاني القرآن" 1/ 258، وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 275.

(١٣٤) لم أقف له على تخريج.

(١٣٥) في (أ): (عليهم)، والصواب ما أثبته كما في "معاني الزجاج" 2/ 27.

(١٣٦) "معانى الزجاج" 2/ 27، وانظر: "الوسيط" 2/ 472.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُوصِيكُمُ الله في أولادكم ﴾ هذه الآية نزلت بسبب بنات سعد بن الربيع وقيل: بسبب جابر بن عبد الله، إذا عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، ورفعت ما كان في الجاهلية من توريث النساء والأطفال، وقيل: نُسخت الوصية للوالدين والأقربين وإنما قال: ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ بلفظ الفعل الدائم لو لم يقل أوصاكم تنبيها على ما مضى والشروع في حكم آخر وإنما قال يوصيكم الله بالاسم الظاهر، ولم يقل: يوصيكم لأنه أراد تعظيم الوصية، فجاء بالاسم الذي هو أعظم الأسماء وإنما قال: في أولادكم ولم يقل في أبنائكم، لأن الابن يقع على الابن من الرضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى ابن الابن المتوفى وليسوا من الورثة ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ﴾ هذا بيان للوصية المذكورة، فإن قيل: هلا قال: للأنثيين مثل حظ الذكر، فالجواب: لأن الذكر مقدم ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَآءً ﴾ إنما أنث ضمير الجماعة في كن، لأنه قصد الإناث، وأصله أنيعود على الأولاد لأنه يشمل الذكور والإناث، وقيل: يعود على المتروكات، وأجاز الزمخشري أن تكون كان تامة والضمير مبهم ونساء تفسير ﴿ فَوْقَ اثنتين ﴾ ظاهرة أكثر من اثنتين، ولذلك أجمع على أن للثلاث فما فوقهن الثلثان بالسنة لا بالقرآن وقيل: بالقياس على الأختين ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة ﴾ بالرفع فاعل، وكان تامة، وبالنصب خبر كان، وقوله تعالى: ﴿ فَلَهَا النصف ﴾ نصٌ على أن للبنت النصف إذا انفردت، ودليل على ان للابن جميع المال إذا انفرد؛ لأن ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين ﴾ ﴿ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ الولد يقع على الذكر والأنثى، والواحد والاثنين والجماعة سواء كان للصلب، أو ولد ابن، وكلهم يرد الأبوين إلى السدس ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث ﴾ لم يجعل الله للأم الثلث إلاّ بشرطين أحدهما عدم الولد والآخر إحاطة الأبوين بالميراث ولذلك دخلت الواو لعطف أحد الشرطين على الآخر، وسكت عن حظ الأب استغناء بمفهومه، لأنه لا يبقى بعد الثلث إلاّ الثلثان ولا وارث إلاّ الأبوان، فاقتضى ذلك أن الأب يأخذ بقية المال وهو الثلثان ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس ﴾ أجمع العلماء على ان ثلاثة من الأخوة يردّون الأم إلى السدس، واختلفوا في الاثنين فذهب الجمهور أنهما يردّانها إلى السدس، ومذهب ابن عباس أنهما لا يردّانها إليه، بل هما كالأخ الواحد.

وحجته أن لفظ الإخوة لا يقع على الاثنين لأنه جمع لا تثنية، وأقل الجمع ثلاثة.

وقال غيره: إن لفظ الجمع قد يقع على الاثنين.

كقوله: وكنا لحكمهم شاهدين، وتسوروا المحراب، وأطراف النهار، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «الاثنان فما فوقهما جماعة» وقال مالك: مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعداً، ومذهبه أن أقل الجمع اثنان، فعلى هذا: يُحجب الأبوان من الثلث إلى السدس، فإن كان معهما أب ورث بقية المال، ولم يكن للإخوة شيء عند الجمهور، فهم يحجبون الأم، ولا يرثون، وقال قوم: يأخذون السدس الذي حجبوه عن الأم، وإن لم يكن أب وُرِّثوا ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ قوله: من بعد يتعلق بالاستقرار المضمر في قوله: فلهنّ ثلثا ما ترك، أي: استقر لهنّ الثلثان من بعد وصية، ويمتنع أن يتعلق بترك، وفاعل يوصي الميت، وإنما قدمت الوصية على الدين، والديَّن مقدم عليها في الشريعة: اهتماماً بها، وتأكيداً للأمر بها، ولئلا يُتهاون بها وأخَّر الدين؛ لأن صاحبه يتقاضاه، فلا يحتاج إلى تأكيد في الأمر بإخراجه وتخرج الوصية من الثلث، والدّين من رأس المال بعد الكفن؛ وإنما ذكر الوصية والدين نكرتين: ليدل على أنهما قد يكونان، وقد لا يكونان فدل ذلك على وجوب الوصية ﴿ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ قيل: بالإنفاق إذا احتيج إليه، وقيل: بالشفاعة في الآخرة، ويحتمل أن يريد نفعاً بالميراث من ماله، وهو أليق بسياق الكلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ واحدة ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالنصب.

﴿ فلأمه ﴾ وما بعده / بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي.

الباقون بالضم ﴿ يوصي ﴾ وما بعد مبنياً للمفعول: ابن كثير وابن عامر ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية.

الباقون: مبنياً للفاعل.

﴿ ندخله ﴾ بالنون في الحرفين: نافع وابن عامر وأبو جعفر.

الباقون بالياء.

وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق.

﴿ واللذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير، وكذلك قوله: ﴿ هذان  ﴾ و ﴿ هاتان ﴾ و ﴿ أرنا اللذين  ﴾ وأشباه ذلك.

وأما قوله ﴿ فذانك ﴾ فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير.

الباقون: بالتخفيف ﴿ كرهاً ﴾ بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالفتح ﴿ مبينة ﴾ ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو بكر وحماد.

وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ مبينة ﴾ بالكسر ﴿ مبينات ﴾ بالفتح.

الباقون كلها بالكسر.

الوقوف: ﴿ الأنثيين ﴾ ج ﴿ ما ترك ﴾ ج ﴿ فلها النصف ﴾ ط لانتهاء حكم الأولاد ﴿ إن كان له ولد ﴾ ج ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ج ﴿ أو دين ﴾ ط ﴿ وأبناؤكم ﴾ ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم مبتدأ وخبره.

﴿ لا تدرون ﴾ ﴿ نفعاً ﴾ ج ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ لم يكن لهن ولد ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط ﴿ منهما السدس ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط لأن غير حال عامله ﴿ يوصى ﴾ ﴿ مضار ﴾ ج لاحتمال نصب وصية به كما يجيء ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ط لأن ﴿ تلك ﴾ مبتدأ ﴿ حدود الله ﴾ ط ﴿ خالدين فيها ﴾ ط لأن ما بعده اعتراض مقرر للجزاء.

﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء.

﴿ مهين ﴾ ه ﴿ أربعة منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ فآذوهما ﴾ ج ﴿ عنهما ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ السيئات ﴾ ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه ﴿ قال إني تبت  ﴾ وتصلح انتهاء لعمل السيئات ﴿ وهم كفار ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط للعدول عن الإخبار إلى النهي ﴿ مبينة ﴾ ج للعارض بين المتفقين ﴿ بالمعروف ﴾ ج ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ ط ﴿ ومقتاً ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بيَّن أن اليتيم كيف يملك المال إرثاً ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث.

أو نقول: أجمل حكم الميراث في قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ و ﴿ للنساء نصيب ﴾ ثم فصل ذلك بقوله ﴿ يوصيكم الله ﴾ أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم.

واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد.

أما النسب فكانوا يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو التبني كما سيجيء في تفسير قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم  ﴾ وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين آخرين: أحدهما الهجرة.

فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه.

والثاني المؤاخاة.

كان رسول الله  يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث.

والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء.

والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق.

روي "أن رسول الله  ورث بنت حمزة من مولى لها" .

ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية.

قال  : " أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه " وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه.

وإنما بدأ  بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت.

أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً، أو إناث فقط، أو ذكور فقط.

أما الحالة الأولى فبيانها قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ أي للذكر منهم، فحذف الراجع للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد.

وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم.

وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين.

وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب، فيقطعوا الطمع عن الزيادة.

وأما الحكمة في أنه  جعل نصيب النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة الشهوة فيهن فقد يصير المال سبباً لزيادة فجورهن كما قيل: إن الشباب والفراغ والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده.

فيكف حال المرأة؟

وعن جعفر الصادق  أن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى آدم.

فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.

وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان أو واحدة.

وحكم / القسم الأول مبين في قوله: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ وحكم القسم الثالث في قوله: ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فمن قرأ بالرفع على "كان" التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو المولودة.

وقراءة النصب أوفق لقوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ وقراءة الرفع أيضاً حسنة لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير.

وجوّز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ كن ﴾ و ﴿ كانت ﴾ مبهمة وتكون ﴿ نساء ﴾ و ﴿ واحدة ﴾ تفسيراً لهما على أن "كان" تامة.

وأما القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحاً فلهذا اختلف العلماء فيه.

فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.

وعورض بأن النصف أيضاً مشروط بالوحدة.

أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين أقرب إلى الواحد من الأعداد غير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، والحمل على الأقرب أولى.

وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما الثلثان لأن من مات وخلف ابناً وبنتاً فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون للبنتين الثلثان.

وأيضاً نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى.

وعلى هذا فكان قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ دالاً على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين.

وقيل: إن البنتين أمس رحماً بالميت من الأختين، لكنه  يقول في آخر السورة ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ﴾ فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه  لم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين على الأختين.

وقيل: لفظ ﴿ فوق ﴾ وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو اثنان زائد كقوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق  ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما.

وعن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما.

فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية.

فقال لي رسول الله  : ادع لي المرأة وصاحبها.

فقال لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك" .

وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكوراً فقط فلم يذكر في الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا / ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركاً بينهم بالسوية.

وأيضاً قال  : " وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر" ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال لا محالة.

والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن أيضاً لقوله  : ﴿ يا بني آدم  ﴾ ﴿ يا بني إسرائيل  ﴾ .

وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئاً مع أولاد الصلب على وجه الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأساً، أو لا يأخذ كما في مسألة بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين.

واعلم أن عموم قوله  ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان.

ومنها أن القاتل لا يرث.

ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء لبيت المال سوءا اكتسب في الإسلام أو في الردة.

وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون.

ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافاً للشيعة.

روي أن فاطمة  ا لما طلبت الميراث احتجوا بقوله  : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" واحتجت بقوله  حكاية عن زكريا ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب  ﴾ وبقوله: ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ ، والأصل في التوريث للمال، ووراثة العلم أو الدين مجاز.

وبعموم قوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ ولأن المحتاج إلى هذه المسألة ما كان إلا علياً وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء في الدين.

وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يليق بالرسول  أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟

وأيضاً يحتمل أن يكون قوله: "ما تركناه صدقة" صلة لقوله: "لا نورث" والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم.

أجابوا بأن فاطمة  ا رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبو بكر.

واعلم أن جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين فذلك قوله: ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ والمراد بالأبوين الأب والأم.

فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية "القمران" و"العمران" و "الخافقان".

/ والضمير في ﴿ أبويه ﴾ يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث و ﴿ لكل واحد منهما ﴾ بدل من ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل.

وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه.

ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت.

ولو قيل: ولكل واحد من أبويه السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير.

فقوله: ﴿ السدس ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأبويه ﴾ وقد توسط البدل بينهما للبيان.

واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل واحد منهما السدس.

والباقي للأولاد بالسوية.

وثانيها أن يحصل معهما بنتان أو أكثر، فالحكم كما ذكر.

وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب.

فإن قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه  جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟

فالجواب - والله أعلم - أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً، أما الأولاد فهم في زمان الصبا فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضاً كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.

وأيضاً ولد الولد ولد، وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما.

الحالة الثانية أن لا يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: ﴿ فإن لم يكن له ولد وروثه أبواه ﴾ أي فقط ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ويعلم منه أن الباقي يكون للأب فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للاب السدس بالفرضية، والنصف بالعصوبة، ولأنه  قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصراُ في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون فرض الأم؟

فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، وللأم الثلث بحالة والباقي للأب.

وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما نصيبهما، ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأوّل.

وأيضاً الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي.

وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين.

فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ الذكرين.

هذا عكس قوله  : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الحالة الثالثة أن يوجد معها الإخوة والأخوات وذلك قوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ واتفقوا على أن واحداً من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما.

فالأكثرون من الصحابة ذهبوا إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الأخوة للأخوين واستقراء باب الميراث يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين والأخوات.

وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى رسول الله  في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل الجمع اثناء أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة.

وقال  : " الاثنان فما فوقهما جماعة " وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردّها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة؟

فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان.

فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف.

ثم إن الاثنين أو الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب.

ذهب ابن عباس إلى الأوّل، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجباً كونه واراثاً ولم يرد لهم ذكرإلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين.

ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد وصية يوصى بها أو دين.

حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق.

وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء.

فإن أوصى الميت وصية أخرجت من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله  .

عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن الرسول  قضى بالدين قبل الوصية" .

والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ.

وفائدة هذا العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أدواؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما.

ولكنها تفارق الدين من جهة / أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله.

ثم قال: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال أبو البقاء ﴿ أيهم ﴾ مبتدأ و ﴿ أقرب ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بـ ﴿ تدرون ﴾ وهي معلقة عن العمل لفظاً لأنها من أفعال القلوب.

وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب بل تكون بمعنى المعرفة، وكان ﴿ أيهم ﴾ مفعولة مبنياً لحذف صدر الصلة نحو ﴿ لننزعن من كل شيعة أيهم أشد  ﴾ قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يناسب ما اعترض بينه ويؤكده.

فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، من أوصى منهم أم من لم يوص.

يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية عليكم عرض الدنيا وجعل الثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.

وقيل: عن ابن عباس أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع, وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه.

فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعة في الجنة بهذا اكثر أم بذلك.

وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عند حكمة، والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات.

فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها.

وقيل: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى الابن.

وقيل: المقصود جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرثه وبالضد، والقول هو الأوّل.

﴿ فريضة من الله ﴾ نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضاً ﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بكل المعلومات فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ﴿ حكيماً ﴾ لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح.

قال الخليل: "كان" ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه  منزه عن الدخول تحت الزمان ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم.

وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا علماً وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات.

هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلاً يالميت بغير واسطة أو بواسطة.

وعلى الأول فسبب الاتصال / إما أن يكون هو النسب أو الزوجية.

فهذه ثلاثة أقسام: الأوّل قرابة التوالد الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية الألفة والشفقة، ولهذا قدّم في الذكر.

ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلى قوله ﴿ توصون بها أو دين ﴾ ثم بيَّن أحوال القسم الثالث وهو الكلالة في قوله: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ فما أحسن هذا النسق.

ولما جعل في الموجب النسبيّ حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة.

وقد نبه في الآية على فضل الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ذلك.

ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج منه ولد البنت لأنه لا يرث.

وههنا مسألة.

قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله  : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: ﴿ إلا على أزواجكم ﴾ \[المؤمون: 6\] وأجيب بأنه لو كانت زوجته له لكان قوله ﴿ ما ترك أزواجكم ﴾ مجازاً.

ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى كما بين في أصول الفقه.

وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند كونها في العدّة عن الوطء بالشبهة.

وأيضاً حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه.

واختلفوا في تفسير الكلالة فعن أبي بكر الصديق  أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه.

الكلالة ما خلا الوالد والولد.

وعن عمر  : الكلالة من لا ولد له فقط.

وعنه في رواية أخرى التوقف.

وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بينهم الرسول  لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا.

وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد.

ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ.

قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوّة من الإعياء.

قال الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من وجى حتى تلاقي محمداً فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة الأصول والفروع كلالة ضعيفة.

ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على الاستقامة كما قال: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوباً على أنبوب وأيضاً فإنه  قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إنْ امرؤا هلك ليس له ولد  ﴾ فاحتج عمر بذلك.

والجواب أنه  حكم في تلك الآية بتوريث الإخوة والإخوات حال كون الميت كلالة.

ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.

وأيضاً إنه  ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة.

وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفاً للمورث.

والمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمىالعم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث.

وقد يجعل وصفاً للوارث ومنه قول جابر: "مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي  فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة" وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد.

ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي.

ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما بالتخفيف أي أحمق.

وقوله  : ﴿ وإن كان رجل يورث ﴾ فيه احتمالان: الأول وهو قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذاً من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر "كان" و ﴿ يورث ﴾ صفة رجل.

ويجوز أن يكون مفعولاً له أي يورث لأجل كونه كلالة.

والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن يكون مبنياً للمفعول من أورث فالرجل حينئذٍ هو الوارث، وينتصب كلالة على الوجوه المذكورة.

قيل: ما السبب في أنه قال: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وله أخ ﴾ فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟

والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد جاز إسناد التفسير / إلى أيهما أريد، وجاز إسناد إليهما أيضاً.

تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله أو فليصلها.

والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب.

وإن قلت: فليصلهما جاز أيضاً.

ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين.

ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت ههنا الأخ والأخت من الأم، ويدل عليه ما نسب إلى أبيّ وسعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما ﴾ أي من الأخ والأخت ﴿ السدس ﴾ من غير مفاضلة الذكر على الأنثى.

هذا على الاحتمال الأوّل وهو أن الرجل مورث منه.

وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى واحد من أخيه أو أخته.

والمعنى مثل الأوّل، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.

ثم قال ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فبيّن أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد على الثلث.

وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة  ﴾ وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، وههنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير المراد من الإخوة والأخوات في تلك الآية.

فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات.

فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما بيَّنا ﴿ غير مضار ﴾ حال أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته.

ومن قرأ ﴿ يوصى ﴾ مبنياً للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليهالمذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصياً والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثاً وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث عنهم لا وجه الله.

وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو يبيع شيئاً بثمن بخس، أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى الورثة.

قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان بالعكس أوصى على قانون العدالة, وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار في الوصية من الكبائر، ويروى مرفوعاً وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي  : " أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار.

وإن الرجل / ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة" وعنه " من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " ﴿ وصية من الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول ﴿ مضار ﴾ أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية ﴿ والله عليم ﴾ بمن جار في وصيته أو عدل ﴿ حليم ﴾ عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى.

ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: ﴿ تلك حدود الله ﴾ وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق.

وقوله: ﴿ ومن يطع الله ﴾ ﴿ ومن يعص الله ﴾ عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور.

وإنما قيل: ﴿ يدخله ﴾ و ﴿ خالدين ﴾ حملاً على لفظ "من" ومعناه.

وانتصب ﴿ خالدين ﴾ و ﴿ خالداً ﴾ على الحال.

ولا يجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿ جنات ﴾ و ﴿ ناراً ﴾ لأنهم جريا على غير من هماله، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها.

قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال.

فإن المراد تعدّي أي حدّ كان، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو.

وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا.

وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.

نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعاصي.

فلو كان المراد من قوله: ﴿ ويتعد حدوده ﴾ أيضاً ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر.

وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم بمراده.

قوله عم طوله: ﴿ واللاتي يأتين / الفاحشة ﴾ الآية.

وجه النظم فيه أن التغيلظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة.

وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط،، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سبباً لترك إقامة الحدود عليهن.

واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي بالهمزة، واللواتي واللواتي فكأنهما جمعا الجمع.

وقد تحذف الياآت من الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش ﴿ واللائي يئسن من المحيض  ﴾ وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معاً.

وقد يقال: اللاآت كاللامات.

قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن الحيوان اللاتي كقوله: ﴿ أموالكم التي جعل الله لكم قياماً  ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ واللاتي ﴾ لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات.

ومن العرب من يلغي هذا الفرق.

والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية.

وأجمعوا على أنها الزنا ههنا.

قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع.

ومعنى ﴿ من نسائكم ﴾ من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال.

﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ احتياطاَ لأمر الزنا.

والمراد بقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من رجالكم.

قال الزهري: مضت السنة من رسول الله  والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلاً مفسراً كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر.

ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ خلدوهن محبوسات في بيوتكم ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بالنكاح أو بالحد.

﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط ﴿ فآذوهما ﴾ فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟

﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام.

واعلم أن للعلماء خلافاً في الآيتين.

فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول.

أمروا بإيذاء الزانيين أولاً ثم أمروا بإمساك النساء في / البيوت إلى أن يتبين أحوالهن.

وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب.

وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات وحدّها الحبس إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين وحدّهما الأذى بالقول والفعل.

والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من رجالكم كما في قوله: ﴿ أربعة منكم ﴾ وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة النور وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لايلزم نسخ شيء من الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين.

وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية.

وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة.

وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد - وهو من أكابر المفسرين - على أنه بيّن في الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضاً كان مطلوب الصحابة معرفة حدّ اللوطيّ وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح للحد.

وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان لما روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت "كان نبي الله  إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" .

ثم استقر الأمر آخراً على أن البكر يجلد ويغرّب والثيب يرجم فقط.

وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد.

وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل الرجم.

وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال.

وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث.

وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً.

ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال  : خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى.

صار في هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها، وصار أيضاً مخصصاً لعموم آية الجلد والله  عليم.

ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن المستحقين لعدم القبول فقال: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ واجبة وجوب الوعد والكرم لا وجوباً يستحق بتركه الدم ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ قال أكثر المفسرين: كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة.

ولهذا قال موسى: ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ لأنه حيث لم / يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له.

وبهذا التفسير تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة.

وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب المعصية.

وقيل: المراد أن يكون جاهلاً بكونها معصية لكنه يكون متمكناً من تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحاً.

أما المتعمد فإنه لا يكون داخلاً تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية.

أما قوله: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله.

وإنما كان ذلك الزمان قريباً لأن الأجل آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، ولأن مدة عمر اإنسان وإن طالت إذا قيست إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب.

و"من" في ﴿ من قريب ﴾ إما لابتداء الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك في حكم القرب.

ومثله قوله  : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " والفائدة في قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ بعد قوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ أن الأوّل إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان, والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك.

أو المراد بالأوّل توفيق التوبة والإعانة عليها، وبالثاني قبولها ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه ﴿ حكيماً ﴾ يجب في كرمه قبول توبتة العبد إذا تاب من قريب.

قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذٍ أولى بالقبول لقوله: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ وإنما المانع من قبوله معاينة سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذٍ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، ويشاهدون أيضاً أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، فكيف يكون ذلك العلم ضرورياً؟

وبتقدير كونه ضرورياً فلم يمنع ذلك صحة التكليف؟

وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري ألبتة، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجباً للتكليف، والضروري مانعاً من التكليف؟

فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون  ﴾ وأقول: التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى.

وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، والعقبة دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم يعكس الأمر.

ثم إن لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وليس ببعيد أن لا يكون عليم اليقين منافياً للتكليف، ويكون عين اليقين منافياً له.

ثم عطف قوله: ﴿ ولا الذين يموتون ﴾ على ﴿ للذين يعملون السيئات ﴾ تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة.

أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القريب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.

﴿ أولئك أعتدنا لهم ﴾ أي أعددنا الوعيد نظير قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.

قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه.

لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن حكمهما واحد.

وأجيب بأن ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار أشنع قولاً من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمرود مثلاً.

/ قوله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ من ههنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثون أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن.

وكانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله.

فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الأوّل الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً فنزلت.

النوع الثاني: ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره زوجته ويريد مفارقتها فيسيء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك.

وقيل: إنه خطاب للوراث بأن يترك منعها من التزوّج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان يفعله أهل الجاهلية.

وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما مر في سورة البقرة.

قال في الكشاف: إعراب ﴿ تعضلوهن ﴾ النصب عطفاً على ﴿ أن ترثوا ﴾ ولا لتأكيد النفي.

قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ عليه وصاحب الكشاف نظر إلى ما قبله وذهل عما بعده ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله  هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها.

ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا تبينت وظهرت صارت أسباباً للبيان كقوله: ﴿ إنهن أضللن كثيراً من الناس  ﴾ لما صرن أسباباً للضلال.

ثم إنه استثناء مماذا؟

قيل: من أخذ المال أي لا يحل له أن يحبسها ضراراً لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذٍ حل لزوجها أن يسألها الخلع.

وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها.

وقيل: استثناء من العضل نهوا عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج إلا بعد وجود الفاحشة.

ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد.

وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فإنهم معذورون حينئذٍ في طلب الخلع.

النوع الثالث من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ ورغبتم في فراقهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول / ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها، قال  : " الشؤم في المرأة والفرس والدار" وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله  في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجاً آخر أوفق منه.

النوع الرابع من التكليف ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ وذلك أنه لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة.

يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة روي يريدها فنهوا عنه.

والقنطار المال العظيم, وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر.

روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم.

فقامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية.

فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر ورجع عن ذلك.

ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل المبالغة والفرض لا الرخصة.

وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم.

ومعنى الإيتاء الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدّى المال إليها أم لا.

واعلم أن النشوز إن كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.

﴿ أتأخذونه ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ بهتاناً ﴾ وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير.

وفي الحديث " "إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت جبناً.

وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان.

وقيل: بمضمر أي تصيبون بهتاناً.

وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتاناً أنه  فرض لها ذلك المهر فمن استردّه فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً، أو أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار القول الأوّل بهتاناً أي باطلاً، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب سيق الكلام على ذلك.

وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر.

وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ثم عجب من الأخذ مستفهماً فقال: ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن قتيبة وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء.

وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع.

وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.

ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قريباً في حصول الألفة والمودّة وذلك هو الجماع لا مجرد الخلوة، وأيضاً الإفضاء لا بد أن يكون مفسراً بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل فعل من أفعال أحدهما إلى الآخر.

فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في لحاف واحد كافياً في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟

فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة.

وأيضاً الشرع قد علق تقرر المهر بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما قبل زمان الخلوة.

ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر.

ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولكم زوّجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة.

وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار في الحديث: " "واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً وصفه بالغلظ لقوّته قد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟

النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك.

وههنا مسألة خلافية قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي: لا يحرم.

حجة أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ وبالاتفاق / لا يحصل التحليل بمجرد العقد.

ولقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح  ﴾ اي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبداً.

ولقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية  ﴾ ولقوله  : " "ناكح اليد ملعون " فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة.

وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم  ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء  ﴾ وبقوله  : " النكاح سنتي" ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له.

وبقوله: " "ولدت من نكاح لا من سفاح " وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث.

سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء؟

قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد.

وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما.

ويجوز استعماله في مفهوميه معاً، فتكون الآية نهياً عن الوطء وعن العقد معاً، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهياً عن القدر المشترك بينهما وهو الضم.

والنهي عن المشترك يكون نهياً عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهياً عن التسويد والتبييض لا محالة، وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد.

سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: ﴿ ما نكح ﴾ لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة.

قال محمد بن جرير الطبري.

سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن "من" تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع.

لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟

سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر.

وإذا كان منعقداً صحيحاً.

ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، إلا ماأخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ وكقوله  " إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه" " وقوله: " زوّجوا أبناءكم / الأكفاء" وبقوله  : " الحرام لا يحرّم الحلال" ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف يشتبهان؟

أما قوله  : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى.

فإن النهي يدل على المؤاخذة بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: انتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفوّ عنه.

وقال في الكشاف: هذا كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله: "ولا عيب فيهم" يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن.

والغرض المبالغة في تحريمه كقوله: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط  ﴾ وقولهم: حتى يبيض القار.

وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل.

والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه.

وقيل: "إلا" بمعنى"بعد" كقوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى  ﴾ أي بعد موتتهم الأولى.

وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرّون عليه.

قالوا: إنه  أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج.

وزيف بعضهم هذا القول وقال ما أقرّ أحداً على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية.

وروي "أنه  بعث أبا بردة إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله" إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، أعلم الله  أن هذا الفعل كان أبداً ممقوتاً عند العرب، وهذا النكاح بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفاً بهذا الوصف، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار.

حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله  في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.

قال بعضهم: مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة.

فالفاحشة إشارة إلى القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي.

﴿ وساء سبيلاً ﴾ إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده والله  أعلم.

التأويل: الوراثة الدينية أيضاً سبب ونسب.

فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولا يتهم ظاهراً وباطناً مستسلماً لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ولايتهم.

ومن هنا قال  : / " الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد " وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة في الجدّ والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية واللدنية كقوله  : " العلماء ورثة الأنبياء " وقول موسى للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً  ﴾ ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ هي النفوس الأمارات بالسوء ﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشرة، والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر والغضب وحب الرياسة ﴿ فإن شهدوا ﴾ بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ في سجن الدينا وأغلقوا عليهم أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب ﴿ واللذان يأتيانها ﴾ أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ظاهراً في الأعمال وباطناً في الأحوال والأخلاق ﴿ فأذوهما ﴾ ظاهراً بالحدود وباطناً بالرياضات وترك الحظوظ ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر ﴿ بجهالة ﴾ أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن لا ظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب.

فالعمل السوء إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقيبة التوبة كما قال: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ أي عقيب المعصية.

قال  : " أتبع السيئة السنة تمحها" " والحسنة التوبة.

ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا اختيارية بالجنان ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ فيه إشارة إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ ﴾ أي: يفرضكم الله، وقد سمى الله -  - الميراث فريضة في غير آي من القرآن بقوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ ﴾ ثم قال: ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً...

 ﴾ ، وقال - أيضاً - في آخر هذه الآية ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، ولأنه شيء تولى الله إيجابه من غير اكتساب أهله؛ فهو كالفرائض التي أوجبها الله على عباده من غير اكتساب أهلها؛ فعلى ذلك سمى هذه فريضة؛ لأن الله  - أوجبه، والله أعلم.

وقيل: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ ﴾ ، أي: يبين الله في أولادكم ...

إلى آخر ما ذكر.

وفيه نسخ الوصية للوالدين والأقربين في قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ  ﴾ ، ودليل نسخه ما روي عن رسول الله  قال: "إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلاَ وَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ" ثم قيل: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد والإناث [في الميراث]؛ وإنما كانوا يورثون الرجال ومن يحوز الغنيمة؛ فنزل قوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ...

﴾ الآية [النساء: 7]؛ فالآية في بيان الحق للإناث في الميراث، وكذلك قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ ﴾ فيه بيان حق الميراث للذكور والإناث جميعاً.

وقيل: تأويل هذه الآية ما بين في القرآن في ذوي الأرحام، وإن كانوا مختلفين في سبب ذلك، وإن الآيات التي بعدها من قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ ﴾ إلى آخر الآيات التي فيها ذكر المواريث - فُسر بها مبلغ النصيب الذي أوجبه الله للنساء والرجال في الآية الأولى مجملاً، وأجمعوا أن الرجل إذا مات وترك ولداً ذكوراً وإناثاً؛ فالمال بينهم ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ ﴾ - أولاد موتاكم، وهذا جائز في اللغة؛ لأنه لا يجوز أن يفرض على الرجل قسمة الميراث في أولاده وهو حي؛ دلَّ أنه أراد أولاد الموتى.

أو يحتمل ما ذكرنا أنهم كانوا لا يورثون الإناث من الأولاد والصغار منهم؛ فخاطب الجملة بذلك؛ لئلا يحرموا الإناث من الأولاد والصغار منهم.

وفي قوله: أيضاً -: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ ﴾ ، أي: في أولاد من مات منكم؛ إذ لا يحتمل خطاب الحي ما ذكر في ولده؛ فهذا إن كان تأويل "يوصي": يفرض أو يأمر.

وإن كان تأويل ذلك: يُبَيِّن، فذلك جائز أن يخبر الحي ما بيَّن الله في أولاده بعد موته في ماله، وذلك يمنع الوصية؛ لأنه يزيل حق البيان، ولما يمكن رفع القسمة وتحصيل الوصية على بعض لبعض، وذلك بعيد؛ إذ لا يملك في غيرهم.

ثم من الناس مَنْ رأي نسخ الوصية للوارث بقوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ...

﴾ الآية [النساء: 7]؛ لأن الآية أوجبت الميراث فيما قل أو كثر، فلو كانت الوصية تجب للوالدين بقوله -  -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ...

 ﴾ ، لكان الميراث لا يجب فيما قل منه، وإنما يجب فيما يفضل منه، لكن الآية إذا لم تمنع الوصية للأجنبي وهي تصرف السهم المفروض إلى ما يفضل من الوصية؛ فمثله للوارث، لكن في الآية دلالة على رفع الكتاب؛ إذ في الأولى أنها كتبت، فلما أوجب الحق في كل قليل وكثير لم يبق معه الفرض والوجوب، ولكن يجب الفضل، ثم كان حق الوالدين ومن ذكر بحق اللزوم، وقد سقط ذلك، وبه كان يجوز، فلما سقط الحق جاء في الخبر أن "لا وَصِيَّةَ للوَارِثِ" وقال النبي  : "إِنَّ الله قد أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّه؛ فلا وَصيَّةَ للوَارِثِ" ؛ فسقط الحق بالآية من الوجه الذي ثبت، والتنفل بقوله: "لا وَصية...".

فمن هذا الوجه الذي ذكرت يسقط حق الوصية بالقرآن، لكن قد ذكر للمرأة لا بحرف الوجوب بقوله: ﴿ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ  ﴾ ثم سقط - أيضاً - بالخبر [الذي ذكرنا]؛ إذ ليس في الآية ذكر المرأة بما ذكر فيها ميراث الأولاد والأقربين، وقد بقى حق المتاع؛ إذ له أن يوصي لغير الورثة، لكن ذكر في ميراث المرأة وصية، كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً  ﴾ من الله، والوصية منه مكتوبة على ما للوالدين والأقربين، ثم أشرك الزوجين في ميراث الوالدين والأقربين مما قل أو كثر، كقوله: "النصف" و"الربع" و"الثمن" مما ترك.

وقد بينا أن الآية نسخت ما ذكرت فصارت ناسخة للأمرين جميعاً، فهذا من جهة الاستخراج في حق النسخ.

على أنه على مذهبنا: السنة كافية في بيان نسخ الحكم [الذي] بينه الكتاب؛ إذ هو بيان منتهى الحكم من الوقت، وقد جعل الله -  - نبيه  بحيث البيان مما في القرآن.

وقوله -  -: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ  ﴾ : فيه دلالة أن المال كله للذكر من الولد إذا لم يكن ثَمَّة أنثى؛ لأنه جعل للذكر مثلَيْ ما جعل للأنثى، وجعل للأنثى النصف إذا لم يكن معها ذكر؛ بقوله -  -: ﴿ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ﴾ .

فدل أن للذكر من الولد إذا جعل له مثلي ما جعل للأنثى عند الجمع، إنما جعل له ذلك بحق الكل، ففي حال الانفراد له الكل.

وقوله -  -: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ .

قال بعضهم: بين الحق لما فوق الثنتين، ولم يبين للاثنتين، ولهما النصف الذي ذكر للواحدة، وهو قول ابن عباس،  .

وأما عندنا: فإن للاثنتين ما للثلاث فصاعداً؛ فيكون بيان الحق للثلاث بياناً للاثنتين؛ لأن الله -  - جعل حق ميراث الواحدة من الأخوات: النصف؛ بقوله: ﴿ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ  ﴾ ، كما جعل حق الابنة النصف إذا لم يكن معها ذكر بقوله -  -: ﴿ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ﴾ ، ثم جعل للأختين الثلثين بقوله: ﴿ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ  ﴾ ، فإذا نزلت الأخوات منزلة البنات في استحقاق النصف إذا كانت واحدة، واستحقاق الثلثين إذا كانتا اثنتين فصاعداً؛ فعلى ذلك نزل بيان الحكم في الأختين منزلة بيان الحكم في الابنتين.

قيل: يفوق اثنتين اثنتان فما فوقهما.

وقيل: بين الكتاب الاستواء [بين الابنة] الواحدة والأخت الواحدة؛ ليعلم استواء حق الولد وولد الأب، ثم بين في الأخوات للثنتين الثلثان، وفي البنات لما فوقهما؛ ليكون الذكر في الأختين دليلاً على الابنتين، وفيما كثر من البنات على ما كثر من الأخوات، وأيَّد ذلك أمر الاجتماع بين البنتين والبنات - وإن كثروا - بالإخوة والأخوات - وإن كثروا - مع ما كان معلوماً أن بنات الرجل أحق من بنات أبيه؛ أيَّد ذلك أن بنات ابنه قد يَرِثْنَ، وبنات ابن أبيه لا؛ فلا يجوز أن تكون الأختان أكثر حقا من الابنتين.

وفي الأغلب أن يجعل لهن ميراث هؤلاء، وأيد ذلك أنه ما دام يوجد في الأولاد من له فرض أو فضل - لم يصرف إلى أولاد الأب؛ ثبت أنهم بمعنى الخلف من هؤلاء، وعلى ما ذكرت جاءت الآثار، واجتمع عليه أهل الفتوى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: أراد بالولد الذكورَ خاصة؛ لأنه جعل للأبوين لكُلِّ واحد منهما السدس إذا كان الولد ذكراً، أما إذا الولد أنثى فللأب يكون الثلث.

وأمَّا عندنا: فإن اسم الولد يجمع الذكور والإناث جميعاً.

وبعد: فإنه إن كان الولد - هاهنا - ذكراً وأنثى؛ فينظر: إن كان ذكراً يكون لكل واحد من الأبوين السدس، والباقي للولد.

وإن كان أنثى فلها النصف، وللأبوين السدسان، والباقي للأب؛ على ما جاء في الخبر: "مَا أَبْقَتِ الفَرَائِضُ فِلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" وقالت الروافض: الباقي للابنة، ذهبوا في ذلك إلى أن الذي يقابل الابنة هو الابن، والذي يقابل الأب هي الأم، فالذي يقابلُ الابنة هو أولى بإحراز الميراث من الذي يقابل الأم؛ وهو الأب؛ فعلى ذلك الذي يقابل الابن - وهي الابنة - أولى بذلك من الذي يقابل الأم؛ وهو الأب.

وأما عندنا: فإن الأب أولى بذلك من الابنة؛ لأن للأب حَقَّيْن: حق فريضة، وحق عصبة: أمَّا حق الفريضة بقوله: ﴿ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ﴾ ، وأما حق العصبة بقوله - عز وجل: ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ﴾ : جعل الباقي له؛ فذو حقين أولى بذلك من ذي حق واحد، والابنة ليس لها إلا حق الفريضة؛ لذلك كان الأب أولى.

وفي الخبر دلالة أن حكم الابنتين وما فوقهما سواء، وهو الثلثان: ما روي عن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة ثابت بن قيس بابنتين إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا ثابت [بن قيس]، أصيبَ معك يوم أحد، وقد أخذ عمهما مالهما وميراثهما، ولم يدع لهما شيئاً إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟

فوالله لا تنكحان إلا ولهما مال، فنزل قوله -  -: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ ﴾ ؛ فقال رسول الله  لعم الجاريتين: أَعْطهِمَا الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أمَّهُما الثُّمُنَ، ولَكَ ما بَقِيَ" ثم في الآية دلائل: أحدها: يخرج الخطاب على العموم، والمراد منه خاص؛ لأنه ذكر الأولاد، والولد قد يكون على غير دينه؛ فلا يرث، وقد يكون مملوكاً فلا يرث، على ما روي في الخبر: "لاَ يَتَوَارَث أَهْلُ مِلَّتَيْنِ" ، وما روي: "لا يَرِث المُسْلمُ الكافِرَ وَلاَ الكَافِرُ المُسْلِمَ إِلا العَبْدَ مَوْلاَهُ" ، وذلك في الحقيقة ليس بميراث، ولكن ما للعبد يكون لمولاه.

وفي هذا دليل جواز الاستثناء من غير نوعه؛ حيث استثنى العبد، وذلك في الحقيقة ليس بميراث.

وفي الآية دليل جواز القياس، والفكر فيها، والاعتبار؛ لأن ميراث الابنتين مستدل عليهما، غير منصوص، وكذلك ميراث الذكور من الأولاد بالانفراد مستدل عليه غير منصوص، وما يحرز الأب من الميراث بحق العصبة مستدل عليه لا منصوص، وما يستحق بالفريضة فهو منصوصٌ عليه، وهكذا كل من يستحق شيئاً بحق الفريضة فهو منصوص عليه؛ فدل أن ما ترك ذكره إنما ترك للاجتهاد، والتفكر فيه، والاعتبار.

وفيه دليل أنه يجوز ألا يُطْلِع الله عباده على الأشياء بقوله -  - ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ إذ لم يبين أيهم أقرب نفعاً؛ دل قوله ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ﴾ ؛ إذ ذكر وراثتهما، ولم يبين حق الأب أنه جعله عصبة يرد إليه الفضل.

فيظهرُ للأب بهذه الآية من قوله -  -: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ...

﴾ إلى آخرها - أمران: أَحَدُهُمَا: حق العصبة.

الثاني: حق الفرض بقوله: ﴿ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .

ثم بعد هذا فيه أمران: أحدهما: أنه إذا ثبت له حق العصبة، وقد بين الله -  - نصيب الابنة أنه النصف، ونصيب الأب مع الوالد أن له السدس؛ فزعمت الشيعة أن الفضل يرد إلى الابنة؛ لأنها ولد، ولم يذكر له مع الولد إلا السدس.

وعندنا: يرد إلى الأب؛ لأنه لم يذكر للابنة إلا النصف، ثم قد جعل الأب عصبة فيما له حق الفضل عن المفروض، ولم يجعل الابنة؛ لذلك كان الرد إلى الأب أحق مع ما يحتمل إن كان له ولد ذكر، ثم حرمت الأمُّ بالابنة؛ إذ هي تحرم بالأخوات، فالبنات أحق؛ إذ هن أقرب.

والثاني: أنه إذ جعل للأب السهم من وجهين: ثم الذي له في أحد الوجهين صار للجد دون أولاده، وبين لأولاد الأب الحق، وإبقاء حق الجدِّ لما بين لولده؛ فعلى ذلك ما له من الوجه الثاني وهو أولى؛ لأن حق العصَّاب يخرج على إلحاق الأبعدين فيه بالأقربين، وحق الفرائض لا، حتى يبين، ثم صار الجدُّ أباً في حقِّه من الفرض إذا لم يكن هو فمثله في حق العصبة.

ثم فيه وجه آخر: أنه أتبع ذلك الذَّكر ذِكر الزوجين، وذكرهما مع الولد، ولم يذكر معهما الولدان؛ فثبت أن أمرهما يدخل في حالهما فيما كان، لا في حالهما؛ أي: الزوجين، وأيَّد ذلك قوله: إنه بقى حالهما مع الزوجين مع الولد على ما كان عليه دون الزوجين معه؛ فعلى ذلك حالهما بلا ولد، وفي ذلك وجوب صرف حقهما إلى ما فضل، كما ذكر في قوله: ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ ﴾ فيكون الفضل بينهما على ما كان عليه بالكل لولا الزوجان.

وقوله: ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ﴾ .

اختلف في حكم الآية من أوجه ثلاثة: قال بعضهم: لا يحجب الأم عن الثلث أخوان ولا أختان، حتى يكون ثلاثة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ إِخْوَةٌ ﴾ ، وأقل الإخوة ثلاثة، وهو قول ابن عباس،  .

وقال آخرون: يحجب الأم عن الثلث الذكور منهم؛ ولا تحجب الإناث؛ لأن الله -  - ذكر الإخوة، والإخوة اسم للذكور منهم دون الإناث؛ إذ الإناث اسم على حدة وهو الأخوات؛ لذلك حجب الذكور ولم يحجب الإناث.

وأمَّا عندنا: فإن الإخوة اسم للذكور والإناث جميعاً في الحكم، وإن لم يكن اسماً لهما جميعاً في الحقيقية؛ ألا ترى أن الله -  - ذكر الإخوة ثم جعل بالتفسير اسما لهما جميعا بقوله: ﴿ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً  ﴾ ، دل أن اسم الإخوة يجمع الذكور والإناث جميعا في الحكم؛ لذلك حجب الأم عن الثلث ذكوراً كانوا أو إناثاً.

وأما قولنا: بأن الاثنين يحجبانها عن الثلث: ما روي عن علي وعبد الله وزيد بن ثابت أنهم قالوا: يحجب الأخوان الأم عن الثلث كما يحجبها الثلاثة.

وجعلوا الأخوين أخوة والفرائض على اختلافها اتفقت في أن حكم الاثنين حكم الأكثر؛ فكذلك في حق الحجاب، والله أعلم.

وحجة أخرى: وهي أنَّ الله -  - حكم في ﴿ ٱلْكَلاَلَةِ  ﴾ إذا كان واحداً أن له السدس، ﴿ فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ ﴾ ؛ فجعل حكم الاثنين والثلاثة واحداً يشتركون في الثلث؛ فوجب أن يكون حكم الاثنين والثلاثة في الإخوة في حجب الأم عن الثلث سواء.

وحجة أخرى: وهي أن الله -  - جعل للأختين من الأب والأم الثلثين، وسوى بين حكم الأختين والثلاث في الميراث؛ فعلى ذلك يجب أن يستوي حكم الأخوين والثلاث في حجاب الأم عن الثلث.

ثم المسألة بيننا وبين الروافض: زعمت الروافض أن الإخوة من الأم لا تحجب الأم عن الثلث؛ لأنهم منها، فمن البعيد أن يحجبوها، ويمنعوا ذلك عنها، ويجعلون ذلك لغيرها، يضرون بالأم ويَنْفَعونَ غيرها؛ وقد قال -  -: ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

والثاني: أن الحجاب قد يجوز أن يقع بمن يحصل له ما حجب عنها نحو الإخوة من الأب والأم إذا حجبوا الأم عن الثلث وقع لهم ذلك، وأمَّا الإخوة من الأم فإن وقع لهم الحجاب لم يجعل لهم ذلك المحجوب منه؛ فلا يحتمل الحجاب بهم.

وأما عندنا: فإنه ليس لهم بحق القرب والبعد ما يحجبون، ولكن بحق الميت، فإذا كان ما ذكرنا؛ فسواء كانوا من قبل الأم أو من قبل الأب في حق الحجاب.

والثاني: أن المواريث جعلت حق الابتداء لا بحق المورثين؛ لما لا يحتمل أن يختار المورث من هو أبعد على من هو أقرب، نحو من يموت عن ابنة وابن عم، لا يحتمل أن يختار ابن العم على الابنة في النصف الباقي؛ دل أنه على الابتداء.

ونقول في الإخوة في الأم: إنهم في الحجاب كالإخوة من الأب والأم، وإن كان الحق لغيرهم؛ لما أن الإخوة لما تفرقت حقوقهم ذكرت، وكذلك الأولاد، فلو كان الحجابُ يتفرق لكانت الحاجة إلى الذكر لازمة؛ إذ بعيد ترك الأمر للنظر فيما لا أصل له في الأثر، ولا أصل له في هذا بالتفريق؛ بل قد جمع ذلك بين الإخوة والأخوات، على ما في ذلك من اختلاف الحقوق؛ [ثبت] أن غير الحجاب من الحقوق ليس بأصل له، والأصل أن ذلك لو كان على اعتبار الحق فهو بحق الميت، لا بحق الأبوين؛ لأنه لم يُعرف إيجاب حق ممن لا حق له، ولا حق لهم مع الأب؛ فبان أنه بمعتبر حق الميت يقع الحجاب، والمعنى منه واحد، ولو كان حجاب الإخوة من الأب بالأب لكان الأب إذن حجب الأم، فإذا كان هو لا يحجب بان أن ولدها لا يحجبونها؛ إذ هو بحق الميت.

وقوله: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ .

ذكر الله -  - الوصية قبل الدين، وأجمع أهلُ العلم أن الدين يبدأ به قبل الوصية والميراث.

روي عن علي -  - قال: تقرءون الوصية قبل الدين، وقضى محمد - عليه الصلاة والسلام - بالدين قبل الوصية.

وروي عن علي -  - قال: قال رسول الله  : "الدِّيْنُ قَبْلَ الوَصِيَّةِ، وَالْوَصِيَّةُ قَبْلَ المِيرَاثِ، وَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ" وأجمعوا أنه إذا قضى الدين - دفع إلى أهل الوصايا وصاياهم إلا أن تجاوز الثلث فترد إلى الثلث؛ إن لم يجز الورثة، ويقسم الثلثان بين الورثة على فرائض الله  .

وليس معنى قول الله -  -: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ - أن يخرج الثلث، فيبدأ بدفعه إلى الموصى لهم، ثم يدفع الثلثان إلى الورثة؛ لأن الموصى له شريك الورثة؛ إن هلك من المال شيء قبل القسمة ذهب من الورثة والموصى له جميعاً، ويبقى سائر المال بالشركة بينهم.

ولكن معناه: من بعد وصية إعلام أن الميراث يجري في المال بعد وضع الوصية من جملته إذا كان الثلث أو دونه، وإن لم يكن دفع ذلك إلى أصحاب الوصايا، ثم لم يذكر في الآية قدر الدين والوصية، ومن قولهم: إن الدين إذا أحاط بالتركة منع الميراث والوصية، وإذا لم يحط لم يمنع.

والوصية تجوز قدر الثلث، ولا تجوز أكثر من الثلث، إلا أن يجيز الورثة.

والآية لم تخص قدراً من الدَّين دون قدر، وكذلك الوصية، لكن تفسيره ما روي عن رسول الله  أنه قال: "الثُّّلُث والثُّلُث كَثيرٌ" ، وما رُوي في خبر آخر: "إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ" ، وما روي في خبر آخر عن أبي بكر الصديق -  - وعمر وعثمان -  ما -: "الخُمُسُ اقْتِصَادٌ، وَالرُّبُعُ جَهْدٌ، وَالثُّلُثُ حَيْفٌ" ثم الوصية جوازها الاستحسان والإفضال من الله  ، والقياس يبطلها؛ وذلك أن الله -  - لم يملك الخلق أَعيْنَ الأموال؛ وإنما جعل الانتفاع لهم بها؛ ألا ترى أنهم نُهوا عن إضاعتها، ولو كان أعين المال لهم لكان لا مَعْنى للنَّهْي عن إضاعتها؛ دل أنه إنما جعل لهم الانتفاع فيها إلى وقت موتهم، وبالموت ينقطع الانتفاع بها؛ فينظر من الأحق بها بعد الموت: الغريم صاحب الدين، أو الوارث، وإلا جواز الوصية الإفضال من الله -  - على عباده بقوله  : "إِنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ" ؛ دل هذا الخبر أن جوازها الإفضال والاستحسان منه إلى عباده، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ - يدل على أن ما ليس بدين ولم يوصِ به الميت - فإنه لا يخرج من ماله، ويدخل عندنا في هذا الجنس: الحج يكون على الرجل، والنذر، والزكاة، وأشباه ذلك، ليس بشيء منها دين، فإذا لم يوص الميت بها فلا يجب أن تؤدى من التركة إلا أن يُنْفِذَها الورثة.

فإن قال قائل: هي دين كسائر الديون.

قيل له: أرأيت إن كان عليه دين وزكاة: يبدأ بالدين أو تقسم التركة بالحصص إذا لم يف بذلك كله؟

فإن قال: يبدأ بالدين؛ قيل له: لو كانت الزكاة ديناً كديون الناس كانت في القضاء.

فإن قال: أجعل الزكاة أسوة في القضاء مع الديون؛ قيل له: ما تقول في رجل أفلس وعليه ديون: هل يقسم ماله بين غرمائه؟

فإن قال: نعم؛ قيل: فإن كانت عليه زكاة هل يضرب لها بسهم؟

فإن قال: لا؛ قيل: كيف ضربت لها بسهم بعد الموت لما قسمت ماله، ولم تضرب لها بسهم في الحياة؛ إن كانت كسائر الديون بعد الموت؟!

فيجب أن تكون كسائر الديون في الحياة، إلا أن الزكاة حالة واجبة على من كان عنده مال فحال عليه الحول فاستهلكه، وليس يجوز له تأخير قضاء الدين.

وفي إقرارك أنك تبدأ بالدين قبل الزكاة في الحياة دليل على أنه يجب أن يبدأ بالدين قبل الزكاة بعد الموت.

فإن قيل: "قول رسول الله  للمرأة التي سألت: هل تحج عن أبيها؟: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ، فَقَضَيْتِيهِ أَلَمْ يُجْزِ عَنْهُ؟" يدل على أن الحج دين.

قيل له: ليس فيه دلالة الوجوب عليها؛ إنما فيه دليل جواز الحج عن الميت وقبوله، إذن كان قضاء ما هو أوكد منه من ديون العباد قضاء صحيحاً؛ فالحج الذي هو دون ذلك في التأكيد أحرى أن يقبل؛ كأنه أراد هذا، والله أعلم.

ودليل آخر: أن الزكاة لا تجوز أن تؤدى عن الميت إذا لم يوص بها؛ لأن الزكاة لا تؤدى إلا بنية المزكي، والنية عمل القلب، ولا خلاف في أنه لا يُصَلَّى عن الميت ولا يصام عنه؛ فلما لم يجز أن يُقْضَى عن الميت على الأبدان، لم يجز أن تقوم نية الورثة في أداء الزكاة مقام نية الميت.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ ظاهره أنه يقد م الوصية على الميراث، لكن أجمع أن الابتداء به عن حق حد الميراث، ولكن يوزع؛ فيخرج التأويل على وجوه: أحدها: أن قوله -  -: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ - كأنه سوى، أي: سواء مالُكُم: أن توصوا، أوصاكم الله فيه - بكذا.

والثاني: أن يكون ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ ، أي: من بعد ما أوصيتم، ويكون الميراث بعد الإيصاء.

ويحتمل: من بعد أن كان عليكم الإيصاء والدَّيْنَ - أمركم بالمواريث؛ فيكون فيه نسخ قوله: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فدلت هذه الآية على حجر بعض الوصايا بقوله - عز وجل -: ﴿ غَيْرَ مُضَآرٍّ ﴾ ، لكن يحتمل أن تكون المضارة تبطل الفضل، ويحتمل ألا تبطل؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً  ﴾ في الرجعة على إمضاء الرجعة على ذلك، لكن الإضرار في الرجعة مقصود، وفي هذا مفضول، فيمكن التفريق بين الأمرين، فقال - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ...

﴾ الآيتين، وأوعد جهنم على تعدي [هذه الحدود]، وفي ذلك لا يحتمل مع جواز الفضل، وأيَّد ذلك قوله: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ...

 ﴾ الآية، ولو كان يجوز لكان لا يملك معه الإصلاح؛ فثبت أن من الوصايا ما يبطل مع ما كان الله ذكر في المواريث: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فلا يُملك إبطال فريضة الله؛ وبالإذن منه يجوز فعله؛ لذلك يبطل بعض وصاياه.

والأصل في ذلك أن الأموال أنشئت للأحياء؛ وخُلقت لمنافع الأحياء، فكأنهم ملكوا منافعها إلى انقضاء آجالهم، ثم صارت إلى من به ملكوها، يجعلها لمن يشاء، ويضعها عند من يشاء.

وقد بين - عز وجل - أنها: لمن، ومن أحق بها؛ فصار الموصي كأنه أوصى بحقِّ مَنْ بَيْنَ أن مُحِقَّه فيه غيرُهُ، فإن تفضل الله عليه في ذلك من شيء، وإلا فذلك كسائر الأملاك التي بينت أربابها، لم يكن لغيرهم فيها حق إلا بجعل الله أو جعل من له؛ فعلى ذلك هذا قد جاء عن الله بيان هذه بعد أن بينت هذه الآيات جعل الحق له إلى الثلث، فذلك له صدقة من الله -  - وفي الفضل إن أجاز المجعول له جاز، وإلا لا، والله أعلم.

فجعلت للوصية حدّاً، ولم تجعل للدين؛ لأن الدين مما يتصل بحوائجه في حال حياته؛ إذ هو يلزم بالأسباب التي بها معاشه وغذاؤه؛ فصار مقدماً على المتروك في الحكم، وإنما جُعلت المواريث في المتروك مع ما كان الغرماء أحق بملكه في حياته بعجزه عن كثير من المعروف في مرضه بهم، فلو لم يكن لهم الحق لامتنعوا من المداينات إلا بوثائق يكونون هم أحق بها بعد الوفاة من الورثة، أو يمتنعون من المداينات، وفي ذلك تقصير القوت والأغذية عن مضي الأجل، وهو به مأمور؛ فجعلت الديون كأنها استحقت الإملاك في حال الحياة؛ فلم تجيء منهم التركة، وليس كالعبادات؛ لأنها تجب في الفضول عن الحاجات، والديون في الأصول، فليست العبادات بالتي تمنع الوفاء بالآجال ولا كان بأربابها إليها تلك الضرورات؛ فإنما هي بحق القرب، وهي عمل الأحياء، فإذا ماتوا زال الإمكان، وجرت في الأموال المواريث، وكذا المعروف من الدين المذكور في القرآن من قوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ - أن العبادات لا توصف بالديون، ولا تفهم من إطلاق القول بالديون؛ فصارت بمعنى الفضل عن الوصايا والديون إلى أن يؤجل، وهو الحقيقة؛ ألا يكون للمولى على عبده دين؛ فيكون المذكور ديناً في الأفعال؛ كما ذكرت العِدَاتُ دَيْناً في الأخلاق، لا في حقيقة الذمم، مع ما كانت هي لله، وقد جعل الله له فريضة لأقوام بأعيانهم، لا تمنع عنهم إ لا بالوصية، كما جعل للموصى.

وعلى أن العبادات لا تقوم إلا بالبينات، ولا تؤدى عن أحد في حياته إلا بأمره، وإن احتمل قيام بعض منها عن بعض، وسائر الديون تجوز دونه؛ فعلى ذلك بعد الوفاة، وإن كان كل ما يؤدى به فهو الذي حدّت به الوصية، وقد جاء الحد لها مع ما كانت العبادات لا تحتمل لحوق الأموات ولا الإيجاب عليهم في أموالهم، ثبت أنها حقوق الحياة خاصة، والديون تحتمل، فهي حقوقهم في الحالين.

ثم قد ذكر في الدين ﴿ غَيْرَ مُضَآرٍّ ﴾ ؛ بل الدين أقرب إلى حرف الثنيا، ومعلوم أنه لا يقع منه في الديون الظاهرة المعلومة مضارة بالورثة إن كان يقع، يقع في الغرماء؛ إذ يؤخذ منه بلا إيصاء، ولا يحتمل النهي من حيث الغرماء؛ لما فيه إلزام المكاسب في أوقات العجز لقضاء الديون؛ فثبت أن ذلك فيما لا يعرف من الديون؛ وإنما يرجع فيها إلى قوله؛ فبطل بالذي ذكرته جواز إقراره على كل حال لكل أحد؛ إذ لا ضرر يقع من حيث فعله فيرد، وقد بينا أن المضارة في هذا تمنع الجواز؛ فثبت أن من الإقرار ما لا يجوز، فقال أصحابنا - رحمهم الله -: لا يجوز إقراره لبعض الورثة وقت الإياس من نفسه؛ لأنه وقت الإيثار، والسخاء بما عنده من المال، ولوقت السخاء ما أبطل وصيته للوارث بما يخرج مخرج الإيثار، فنحن إذا أجزنا إقراره فيهن لنظره لم يمنع الوصية أن ينتفع؛ بل يذهب الكل، وفي الأول لم يكن يذهب، والله أعلم.

ثم الأصل أنه أجيز في الكل بحق الأمانة، ووصيته بحق الفضل ثم جعل وارثه كمن لا ملك له؛ إذ قد يقصد به التفضيل والتخصيص إلى القربة؛ فعلى ذلك فيما خان في الأمانة يجعل كمن لا أمانة له لما يخرج، على ما بينا، وإسقاط الأخبار؛ لتوهم من الأمناء أوجد في الأحكام، ومن إسقاط المعروف عن الأملاك، والله أعلم.

وعلى ذلك فيما كانت عليه ديون ظاهرة قد يبقى الضرر بأهلها لبعض من له بشأنه عناية، وفيما بينهما حقوق تحث على المعروف والصلة له وقت السخاء بماله، وللعلم بأنه عن الانتفاع به عاجز؛ فيقر لهم ذلك بتهم في الحقوق التي ظهرت، ثم كانت عبادات الأموال قد تقام عن الأموات بالأمر، ولا تقام عبادات الأفعال لوجهين: أحدهما: جواز بعض في أحد عن بعض النوعين فيما للعباد بلا أمر في الحياة، ولا يجوز في الآخر؛ فمثله العبادات بالأمر.

والثاني: أن السبب الذي به تجب عبادات الأموال قد يجوز أن يوجب على نفر بالتحول من ملك إلى ملك، وما له تجب عبادات الأفعال يجوز فعل ذلك حق القيام بالأفعال، وعلى ذلك النيات؛ إذ ليست من الحقوق التي تتصل بالأموال في شيء من الأمور لم يقم بها أحد عن أحد، لذلك لم يجز إلا بأمر؛ فيكون الأمر بالأمر لما أمرنا به نادرا، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: هذا في الدنيا، وهو أن يلزم الابن نفقة والده عند الحاجة والقيام بأمره، والأب يلزم أن ينفق على ولده في حال صغره، وعند الحاجة إليه، والقيام بحفظه، وتعاهده، فإذا كان ما ذكرنا لم يدر أيهما أقرب نفعاً: نفع هذا لهذا، أو هذا لهذا.

ويحتمل أن يكون قال: لا تدرون أنتم أي نفع أقرب إليكم: نفع الآباء أو الأبناء، فإن كان التأويل ما ذكرنا؛ ففيه دلالة بطلان شهادة [الوالد لولده، وشهادة الولد لوالده]؛ إذ أخبر أن لهذا نفعاً في مال هذا ولهذا نفعاً في مال هذا، فإذا ثبت النفع لم تقبل شهادة من يُنتفع بشهادته؛ ولهذا قال أبو حنيفة -  -: لا يجوز للوكيل بالبيع أو الشراء أن يبيع من أبيه، أو ابنه، أو والدته؛ لما ينتفع ببيعه منه وبالشرى منه.

وكذلك قالوا: إذا اشترى من هؤلاء فليس له أن يبيع مرابحة، إلا أن يبين؛ لأنه ينتفع به.

وقيل: هذا في الآخرة.

ورُوي عن ابن عباس -  -: ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ ، يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء: أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة؛ [لأنه -  -] يُشَفِّعُ المؤمنين بعضهم في بعض.

وقيل: قوله: ﴿ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ ﴾ أنتم في الدنيا ﴿ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ ، يقول: أخصّ لكم نفعاً في الآخرة في الدرجات الوالد لولده، أو الولد لوالده؛ إذ هم في الدنيا لا يدرون أيهم أقرب لصاحبه نفعاً في الآخرة حتى يرجعوا في الآخرة قال: فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله -  - إليه ولده في درجته؛ لتقر بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والده رفع الله -  - والوالدين إلى الولد في درجته؛ لتقر بذلك أعينهم برفع الأسفل إلى الأعلى والأدون إلى الأفضل، وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ  ﴾ ، يعني: بإيمان الآباء، ﴿ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ  ﴾ ، يعني الآباء ﴿ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون هذا في الشفاعة، أو لا يدري ما ذلك النفع وما مقداره.

أو يحتمل قوله: ﴿ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ : ليس على حقيقة القرب؛ ولكن على الكبر العظم، وقد يتكلم بهذا كقوله: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا  ﴾ : ليس على أن آية هي أكبر من أُخرى، ولكن على وصف الكل منها بالكبر والعظم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ على وصف كل منهم بالنفع؛ على الإعظام والإكبار، والله أعلم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ ، أي: أوجب؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ أي: واجب للمحسنين، وغيره من الآيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

سمى الله -  - المواريث فرائض؛ لأنه كان بإيجاب الله -  - لا باكتساب من الخلق؛ إذ لم يملك الخلق أعين هذه الأموال، ولكنه إنما ملكهم المنافع منها، وإلى وقت وفاتهم فإذا ماتوا صار ذلك المال للذي جعل [الله] له؛ لذلك سمى فرائض.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ ببدو حالهم ومعاشهم ومصالحهم، وما يصلح لهم وما لا يصلح ﴿ حَكِيماً ﴾ فيما فرض من قسمتها وبينها.

والحكيم: هو المصيب واضع كل شيء [في] موضعه، والظالم: هو واضع الشيء في غير موضعه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يعهد الله إليكم ويأمركم في شأن ميراث أولادكم؛ أن الميراث يُقسم بينهم للابن مثل نصيب البنتين، فإن ترك الميّت بنات دون ولد ذكر؛ فللبنتين فأكثر الثلثان مما ترك، وإن كانت بنتًا واحدة فلها نصف ما ترك، ولكل واحد من أبوي الميّتِ سدس ما ترك؛ إن كان له ولد ذكرًا كان أو أنثى، وإن لم يكن له ولد وله وارث له غير أبويه؛ فللأم الثلث، وباقي الميراث لأبيه، وإن كان للميّتِ إخوة اثنان فأكثر ذكورًا كانوا أو إناثًا أشقاء أو غير أشقاء؛ فلأمه السدس فرضًا، والباقي للأب تعصيبًا، ولا شيء للإخوة، ويكون هذا القسم للميراث بعد تنفيذ الوصية التي أوصى بها الميِّت بشرط ألا تزيد وصيته عن ثلث ماله، وبشرط قضاء الدَّين الذي عليه، وقد جعل الله تعالى قسمة الميراث على هذا؛ لأنكم لا تدرون مَنْ مِن الآباء والأبناء أقرب لكم نفعًا في الدنيا والآخرة، فقد يظن الميتُ بأحد ورثته خيرًا؛ فيعطيه المال كله، أو يظن به شرًّا فيحرمه منه، وقد يكون الحال خلاف ذلك، والذي يعلم ذلك كله هو الله الذي لا يخفى عليه شي، ولذلك قسم الميراث على ما بيَّن، وجعله فريضة منه واجبة على عباده، إن الله كان عليمًا لا يخفى عليه شيء من مصالح عباده، حكيمًا في شرعه وتدبيره.

من فوائد الآيات دلَّت أحكام المواريث على أن الشريعة أعطت الرجال والنساء حقوقهم مراعيةً العدل بينهم وتحقيق المصلحة بينهم.

التغليظ الشديد في حرمة أموال اليتامى، والنهي عن التعدي عليها، وعن تضييعها على أي وجه كان.

لمَّا كان المال من أكثر أسباب النزاع بين الناس تولى الله تعالى قسمته في أحكام المواريث.

<div class="verse-tafsir" id="91.8yGPw"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الخطاب في الآية عام موجه إلى جميع المكلفين في الأمة لأنهم؛ هم الذين يقسمون التركة وينفذون الوصية، ولتكافل الأمة في الأمور العامة.

﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ  ﴾ جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، واختير فيها هذا التعبير للإشعار بإبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع توريث النساء، كما تقدم فكأنه جعل إرث الأنثى مقررًا معروفًا، وأخبر بأن للذكر مثله مرتين، أو جعله هو الأصل في التشريع وجعل إرث الذكر محمولًا عليه، يعرف بالإضافة إليه، ولولا ذلك لقال: للأنثى نصف حظ الذكر، وإذا لا يفيد هذا المعنى ولا يلتئم السياق بعده كما ترى.

﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ  ﴾ : هذا تحريض على أخذ وصية الله تعالى وأحكامه بقوة، وتنبيه إلى أنه تعالى فرضها وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة لنا ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، وإذا كنا نعلم أنه تعالى شأنه أعلم منا بمصالحنا ومنافعنا فما علينا إلا أن نذعن لوصاياه وفرائضه، ونعمل بما ينزله علينا من هدايته، وكما يشير اسم العليم هنا إلى وضع تلك الأحكام على قواعد العلم بمصلحة العباد ومنفعتهم يشير أيضًا إلى وجوب مراقبة الوارثين والقوام على التركات لله تعالى في عملهم بتلك الأحكام، لأنه لا يخفى عليه حال من يلتزم الحق في ذلك ويقف عند حدود الله  وحال من يتعدى تلك الحدود بأكل شيء من الوصايا أو الدين أو حق صغار الوارثين أو النساء الذي فرضه الله لهم كما كانت تفعل الجاهلية، ولذلك قال في الآية السابقة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  ﴾ فللتذكير بعلمه تعالى هنا فائدتان، تتعلق بحكمة التشريع، وفائدة تتعلق بكيفية التنفيذ.

وقد يخطر في البال أن المناسب الظاهر في هذه الآية أن يقرن وصف العلم بوصف الحكمة كالآية الأخرى فيقال: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ  ﴾ فما هي النكتة في إيثار الوصف بالحلم على الوصف بالحكمة، والمقام مقام تشريع وحث على اتباع الشريعة، لا مقام حث على التوبة فيؤتى فيه بالحلم الذي يناسب العفو والرحمة؟

والجواب عن ذلك أن التذكير بعلم الله تعالى لما كان متضمنًا لإنذار من يتعدى حدوده تعالى فيما تقدم من الوصية والدين والفرائض ووعيده، وكان تحقق الإنذار والوعيد بعقاب معتدي الحدود وهاضم الحقوق قد يتأخر عن الذنب، وكان ذلك مدعاة غرور الغافل، ذكرنا تعالى هنا بحلمه لنعلم أن تأخر نزول العقاب لا ينافي ذلك الوعيد والانذار، ولا يصح أن يكون سببًا للجراءة والاغترار، فإن الحليم هو الذي لا تستفزه المعصية إلى التعجيل بالعقوبة، وليس في الحلم شيء من معنى العفو والرحمة، فكأنه يقول لا يغرن الطامع في الاعتداء وأكل الحقوق تمتع بعض المعتدين بما أكلوا بالباطل فينسى علم الله تعالى بحقيقة حالهم، ووعيده لأمثالهم، فيظن أنهم بمفازة من العذاب فيتجرأ على مثل ما تجرأوا عليه من الاعتداء، ولا يغرن المعتدي نفسه، تأخر نزول الوعيد به، فيتمادى في المعصية، بدلًا من المبادرة إلى التوبة، لا يغرن هذا ولا ذاك تأخير العقوبة فإنه إمهال يقتضيه الحلم، لا إهمال من العجز أو عدم العلم، وفائدة المذنب من حلم الحليم القادر أنه يترك له وقتًا للتوبة والإنابة بالتأمل في بشاعة الذنب وسوء عاقبته، فإذا أصر المذنب على ذنبه، ولم يبق للحلم فائدة في إصلاح شأنه، يوشك أن يكون عقاب الحليم له أشد من عقاب السفيه على البادرة عند حدوثها، ومن الأمثال في ذلك: ﴿ اتقوا غيظ الحليم  ﴾ ذلك بأن غيظه لا يكون إلا عند آخر درجات الحلم إذا لم تبق الذنوب منه شيئًا، وعند ذلك يكون انتقامه عظيما.

نعم إن حلم الله تعالى لا يزول ولكنه يعامل به كل أحد بقدر معلوم: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ  ﴾ فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بحلمه كما أنه لا ينبغي له أن يغتر بكرمه ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ  الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ  فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  كَلَّا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله