الآية ١٢٧ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٢٧ من سورة النساء

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا ١٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 149 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٧ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة قال : حدثنا هشام بن عروة ، أخبرني أبي عن عائشة : ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ) إلى قوله : ( وترغبون أن تنكحوهن ) قالت : هو الرجل تكون عنده اليتيمة ، هو وليها ووارثها قد شركته في ماله ، حتى في العذق ، فيرغب أن ينكحها ، ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها ، فنزلت هذه الآية .

وكذلك رواه مسلم ، عن أبي كريب ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، كلاهما عن أبي أسامة .

وقال ابن أبي حاتم : قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، قالت عائشة : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن ، فأنزل الله : ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ) الآية ، قالت : والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله [ تعالى ] ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) [ النساء : 3 ] .

وبهذا الإسناد ، عن عائشة قالت : وقول الله عز وجل : ( وترغبون أن تنكحوهن ) رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال ، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط ، من أجل رغبتهم عنهن .

وأصله ثابت في الصحيحين ، من طريق يونس بن يزيد الأيلي ، به .

والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها ، فتارة يرغب في أن يتزوجها ، فأمره الله عز وجل أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء ، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء ، فقد وسع الله عز وجل .

وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة .

وتارة لا يكون للرجل فيها رغبة لدمامتها عنده ، أو في نفس الأمر ، فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( في يتامى النساء [ اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ] ) الآية ، فكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة ، فيلقي عليها ثوبه ، فإذا فعل ذلك [ بها ] لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا ، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها ، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت ، فإذا ماتت ورثها .

فحرم الله ذلك ونهى عنه .

وقال في قوله : ( والمستضعفين من الولدان ) كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات ، وذلك قوله : ( لا تؤتونهن ما كتب لهن ) فنهى الله عن ذلك ، وبين لكل ذي سهم سهمه ، فقال : ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) [ النساء : 11 ] صغيرا أو كبيرا .

وكذا قال سعيد بن جبير وغيره ، قال سعيد بن جبير في قوله : ( وأن تقوموا لليتامى بالقسط ) كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها ، كذلك إذا لم تكن ذات جمال ولا مال فانكحها واستأثر بها .

وقوله : ( وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ) تهييج على فعل الخيرات وامتثال الأمر وأن الله عز وجل عالم بجميع ذلك ، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ويستفتونك في النساء "، ويسألك، يا محمد، أصحابك أن تفتيهم في أمر النساء، والواجب لهن وعليهن= فاكتفى بذكر " النساء " من ذكر " شأنهن "، لدلالة ما ظهر من الكلام على المراد منه.

=" قل الله يفتيكم فيهن "، قل لهم: يا محمد، الله يفتيكم فيهن، يعني: في النساء=" وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ".

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " وما يتلى عليكم في الكتاب ".

فقال بعضهم: يعني بقوله: " وما يتلى عليكم "، قل الله يفتيكم فيهن، وفيما يتلى عليكم.

قالوا: والذي يتلى عليهم، هو آيات الفرائض التي في أول هذه السورة.

*ذكر من قال ذلك: 10539- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب "، قال: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون المولود حتى يكبر، ولا يورِّثون المرأة.

فلما كان الإسلام، قال: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب " في أول &; 9-254 &; السورة في الفرائض= اللاتي لا تؤتونهن ما كتب الله لهن.

(65) 10540- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: " وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن "، قالت: هذا في اليتيمة تكون عند الرجل، لعلها أن تكون شريكتَه في ماله، وهو أولى بها من غيره، فيرغب عنها أن ينكحها ويعضُلها لمالها، ولا يُنكحها غيره كراهيةَ أن يشركه أحد في مالها.

(66) 10541- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: كانوا لا يورِّثون في الجاهلية النساءَ والفتى حتى يحتلم، فأنـزل الله: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء "، في أول " سورة النساء " من الفرائض.

(67) 10542- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن شعبة قال: كانوا في الجاهلية لا يورِّثون اليتيمة، ولا ينكحونها ويَعْضلونها، فأنـزل الله: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن " إلى آخر الآية.

10543- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني الحجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع سعيد بن جبير يقول في قوله: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كُتِب لهن وترغبون أن تنكحوهن "، الآية، قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، لا يرث الرجل الصغير ولا المرأة.

فلما نـزلت آية المواريث في" سورة النساء "، شَقَّ ذلك على الناس وقالوا: يرث الصغير الذي لا يعمل في المال ولا يقوم فيه، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل الذي يعمل في المال!

فرجوا أن يأتي في ذلك حَدَثٌ من السماء، فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حَدَث قالوا: لئن تمَّ هذا، إنه لواجبٌ ما منه بدٌّ!

ثم قالوا: سَلُوا.

فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب " في أول السورة=" في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ".

قال سعيد بن جبير: وكان الوليّ إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم يَنْكِحها.

(68) 10544- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كُتب لهن وترغبون أن تنكحوهن "، قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمةً دميمةً لم يعطوها ميراثَها، وحبسوها عن التزويج حتى تموت، فيرثوها.

فأنـزل الله هذا.

10545- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن "، قال: كان الرجل منهم تكون له اليتيمة بها الدَّمامة والأمر الذي يرغب عنها فيه، ولها مال.

قال: فلا يتزوَّجها ولا يزوِّجها، حتى تموت فيرثها.

قال: فنهاهم الله عن ذلك.

10546- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، &; 9-256 &; عن السدي، عن أبي مالك: " وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن "، قال: كانت المرأة إذا كانت عند وليّ يرغب عنها، حبسها إن لم يتزوجها، ولم يدع أحدًا يتزوَّجها.

10547- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن "، قال: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون النساء ولا الصبيان شيئًا، كانوا يقولون: لا يغزُون ولا يغنَمون خيرًا!

ففرض الله لهن الميراث حقًّا واجبًا ليتنافس= أو: لِيَنْفس= الرجل في مال يتيمته إن لم تكن حسنة.

(69) 10548- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.

10549- حدثني محمد بن سعد قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب "، يعني: الفرائض التي افترض في أمر النساء=" اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن "، قال: كانت اليتيمة تكون في حِجْر الرجل فيرغبُ أن ينكحها أو يجامعها، (70) ولا يعطيها مالها، رجاءَ أن تموت فيرثها.

وإن ماتَ لها حَمِيمٌ لم تعط من الميراث شيئًا.

(71) وكان ذلك في الجاهلية، فبيَّن الله لهم ذلك.

10550- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن " حتى بلغ " وترغبون أن تنكحوهن "، فكان الرجل تكون في حجره اليتيمة بها دَمَامة، ولها مال، فكان يرغب عنها أن يتزوّجها، ويحبسها لمالِها، فأنـزل الله فيه ما تسمعون.

10551- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن "، قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة، فيرغب عنها أن ينكحها، ولا يُنكحها رغبةً في مالها.

10552- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن "، إلى قوله: بِالْقِسْطِ ، قال: كان جابر بن عبد الله الأنصاري ثم السُّلَمي له ابنة عَمّ عمياء، وكانت دميمة، وكانت قد ورثت عن أبيها مالا فكان جابرٌ يرغب عن نكاحها، ولا يُنكحها رهبة أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك= وكان ناس في حجورهم جوارٍ أيضًا مثل ذلك= فجعل جابر يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أترثُ الجارية إذا كانت قبيحة عمياء؟

فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: نعم!!

فأنـزل الله فيهن هذا.

(72) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب، في آخر " سورة النساء "، وذلك قوله: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إلى آخر السورة [سورة النساء: 176].

*ذكر من قال ذلك: 10553- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سلام بن سليم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون الولدان حتى يحتلموا، فأنـزل الله: " ويستفتونك في النساء "، إلى قوله فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا .

قال: ونـزلت هذه الآية: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ، [سورة النساء: 176]، الآية كلها.

(73) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب= يعني: في أول هذه السورة، وذلك قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [سورة النساء: 3] *ذكر من قال ذلك: 10554- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال، أخبرني عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ، قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وَلِيِّها، (74) تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليُّها أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره.

فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهنَّ، ويبلغوا بهن أعلى سُنَّتهن من الصداق.

وأمروا &; 9-259 &; أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.

قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنـزل الله: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ".

قالت: والذي ذكر الله أنه يُتلى في الكتاب: الآية الأولى التي قال فيها: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .

(75) 10555- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة مثله.

(76) * * * قال أبو جعفر: فعلى هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها،" ما " التي في قوله: " وما يتلى عليكم "، في موضع خفض بمعنى العطف على " الهاء والنون " التي في قوله: " يفتيكم فيهن ".

فكأنهم وجَّهوا تأويل الآية: قل الله يفتيكم، أيها الناس، في النساء، وفيما يتلى عليكم في الكتاب.

(77) * * * وقال آخرون: نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم من أصحابه، سألوه عن أشياء من أمر النساء، وتركوا المسألة عن أشياء أخر كانوا يفعلونها، فأفتاهم الله فيما سألوا عنه، وفيما تركوا المسألة عنه.

ذكر من قال ذلك: 10556- حدثنا محمد بن المثنى وسفيان بن وكيع= قال سفيان، حدثنا عبد الأعلى= وقال ابن المثنى، حدثني عبد الأعلى= قال، حدثنا داود، عن &; 9-260 &; محمد بن أبي موسى في هذه الآية: " ويستفتونك في النساء "، قال: استفتوا نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم في النساء، وسكتوا عن شيء كانوا يفعلونه، فأنـزل الله: " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب "، ويفتيكم فيما لم تسألوا عنه.

قال: كانوا لا يتزوجون اليتيمة إذا كان بها دمامة، ولا يدفعون إليها مالها فتنفق، فنـزلت: " قل الله يفتيكم في النساء وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن "، قال: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ ، قال: كانوا يورِّثون الأكابر ولا يورثون الأصاغر.

ثم أفتاهم فيما سكتوا عنه فقال: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ = ولفظ الحديث لابن المثنى.

(78) قال أبو جعفر: فعلى هذا القول: " الذي يتلى علينا في الكتاب "، الذي قال الله جل ثناؤه: " قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ" : وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ، الآية.

والذي سأل القوم فأجيبوا عنه في يتامى النساء: اللاتي كانوا لا يؤتونهن ما كتب الله لهن من الميراث عمَّن ورثته عنه.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب، وأشبهها بظاهر التنـزيل، قول من قال: معنى قوله: " وما يتلى عليكم في الكتاب "، وما يتلى عليكم من آيات الفرائضِ في أول هذه السورة وآخرها.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الصَّداق ليس مما كُتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قِبَل أحد.

وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحدٍ، لم يكن مما كتب لها.

وإذا لم يكن مما كتب لها، لم يكن لقول قائل: (79) عنى بقوله: " وما يتلى عليكم في الكتاب "، الإقساطَ في صدقات يتامى النساء (80) = وَجْهٌ.

لأن الله قال في سياق الآية، مبيِّنًا عن الفتيا التي وعدنا أن يفتيناها: " في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن "، فأخبر أن بعض الذي يفتينا فيه من أمر النساء، أمرُ اليتيمة المَحُولِ بينها وبين ما كتب الله لها.

(81) والصداق قبل عقد النكاح، ليس مما كتب الله لها على أحد.

فكان معلومًا بذلك أن التي عنيت بهذه الآية، هي التي قد حيل بينها وبين الذي كتب لها مما يتلى علينا في كتاب الله.

فإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك هو الميراث الذي يوجبه الله لهن في كتابه.

* * * فأما الذي ذكر عن محمد بن أبي موسى، (82) فإنه مع خروجه من قول أهل التأويل، بعيدٌ مما يدل عليه ظاهر التنـزيل.

وذلك أنه زعم أن الذي عنى الله بقوله: " وما يتلى عليكم في الكتاب "، هو: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا .

وإذا وجِّه الكلام إلى المعنى الذي تأوّله، صار الكلام مبتدأ من قوله: " في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن "، ترجمةً بذلك عن قوله: " فيهن "، (83) ويصير معنى الكلام: قل الله يفتيكم فيهن، في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن= ولا دلالة &; 9-262 &; في الآية على ما قاله، ولا أثر عمن يُعلم بقوله صحةُ ذلك، وإذ كان ذلك كذلك، كان وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى، ما وُجِد إليه سبيل.

فإذ كان الأمر على ما وصفنا، فقوله: " في يتامى النساء "، بأن يكون صلةً لقوله: " وما يتلى عليكم "، أولى من أن يكون ترجمة عن قوله: " قل الله يفتيكم فيهن "، لقربه من قوله: " وما يتلى عليكم في الكتاب "، وانقطاعه عن قوله: " يفتيكم فيهن ".

* * * وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في كتاب الله الذي أنـزله على نبيه في أمر يتامى النساء اللاتي لا تعطونهن ما كتب لهن= يعني: ما فرض الله لهن من الميراث عمن ورثنه، (84) كما:- 10557- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " لا تؤتونهن ما كتب لهن "، قال: لا تورِّثونهن.

10558- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قوله: " لا تؤتونهن ما كتب لهن "، قال: من الميراث.

قال: كانوا لا يورِّثون النساء=" وترغبون أن تنكحوهن ".

* * * واختلف أهل التأويل في معنى قوله: " وترغبون أن تنكحوهن ".

فقال بعضهم: معنى ذلك: وترغبون عن نكاحهن.

وقد مضى ذكر جماعة ممن قال ذلك، وسنذكر قول آخرين لم نذكرهم.

10559- حدثنا حميد بن مسعدة السَّامي قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا عبيد الله بن عون، عن الحسن: " وترغبون أن تنكحوهن "، قال: ترغبون عنهن.

(85) 10560- حدثنا يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن، مثله.

10561- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة قال: قالت عائشة في قول الله: " وترغبون أن تنكحوهن "، رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهوا أن ينكحوا من رَغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ.

(86) 10562- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله= يعني ابن صالح= قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس، عن ابن شهاب قال، قال عروة، قالت عائشة، فذكر مثله.

(87) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: وترغبون في نكاحهن.

وقد مضى ذكر جماعة ممن قال ذلك قبل، ونحن ذاكرو قول من لم نذكر منهم.

10563- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون، عن محمد، عن عبيدة: " وترغبون أن تنكحوهن "، قال: وترغبون فيهن.

10564- حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد قال: قلت لعبيدة: " وترغبون أن تنكحوهن "، قال: ترغبون فيهن.

10565- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: " في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن "، فكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبَه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبدًا.

فإن كانت جميلة وهَوِيها، تزوّجها وأكل مالها.

وإن كانت دميمة منعها الرجل أبدًا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها.

فحرَّم الله ذلك ونهى عنه.

(88) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: معنى ذلك،" وترغبون عن أن تنكحوهن ".

لأن حبسهم أموالهن عنهن مع عضّلهم إياهن، إنما كان ليرثوا أموالهن، دون زوج إن تزوجن.

ولو كان الذين حبسوا عنهن أموالهن، إنما حبسوها عنهن رغبة في نكاحهن، لم يكن للحبس عنهن وجهٌ معروف، لأنهم كانوا أولياءهن، ولم يكن يمنعهم من نكاحهن مانع، فيكون به حاجة إلى حبس مالها عنها، ليتّخذ حبسها عنها سببًا إلى إنكاحها نفسها منه.

* * * القول في تأويل قوله : وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن= وفيما يتلى عليكم في الكتاب= وفي المستضعفين من الولدان= وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط.

وقد ذكرنا الرواية بذلك عمن قاله من الصحابة والتابعين فيما مضى، والذين &; 9-265 &; أفتاهم في أمر المستضعفين من الولدان أن يؤتوهم حقوقهم من الميراث، (89) لأنهم كانوا لا يورِّثون الصغار من أولاد الميت، وأمرهم أن يقسطوا فيهم، فيعدلوا ويعطوهم فرائضهم على ما قسم الله لهم في كتابه، كما:- 10566- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " والمستضعفين من الولدان "، كانوا لا يورّثون جارية ولا غلامًا صغيرًا، فأمرهم الله أن يقوموا لليتامى بالقسط.

و " القسط": أن يعطى كل ذي حق منهم حقه، ذكرًا كان أو أنثى، الصغير منهم بمنـزلة الكبير.

10567- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ، قال: لا تورّثوهن مالا=" وأن تقوموا لليتامى بالقسط"، قال: فدخل النساء والصغير والكبير في المواريث، ونسخت المواريث ذلك الأول.

10568- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وأن تقوموا لليتامى بالقسط"، أمروا لليتامى بالقسط، بالعدل.

10569- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

10570- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: " والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط"، قال: كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر.

10571- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " والمستضعفين من الولدان "، فكانوا في الجاهلية &; 9-266 &; لا يورّثون الصغار ولا البنات، فذلك قوله: لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ، فنهى الله عن ذلك، وبيَّن لكل ذي سهم سهمه، فقال: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ [سورة النساء: 11 ، 176]، صغيرًا كان أو كبيرًا.

10572- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: " والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط"، وذلك أنهم كانوا لا يورثون الصغير والضعيف شيئًا، فأمر الله أن يعطَى نصيبه من الميراث.

10573- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب كان إذا جاءه وليُّ اليتيمة، فإن كانت حسنة غنية قال له عمر: زوِّجها غيرك، والتمس لها من هو خير منك.

وإذا كانت بها دمامة ولا مال لها، قال: تزوجها فأنت أحق بها!

10574- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يونس بن عبيد، عن الحسين بن الفرج قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين، ما أمري وما أمرُ يتيمتي؟

قال: في أيّ بالكما؟

(90) قال: ثم قال علي: أمتزوّجها أنت غنيةً جميلةً؟

قال: نعم، والإله!

قال: فتزوّجها دميمة لا مال لها!

ثم قال علي: خِرْ لها (91) فإن كان غيرك خيرًا لها فألحقها بالخير.

(92) قال أبو جعفر: فقيامهم لليتامى بالقسط، كانَ العدلَ فيما أمرَ الله فيهم.

* * * القول في تأويل قوله : وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومهما يكن منكم، (93) أيها المؤمنون، من عدل في أموال اليتامى، التي أمركم الله أن تقوموا فيهم بالقسط، والانتهاء إلى أمر الله في ذلك وفي غيره وإلى طاعته=" فإن الله كان به عليمًا "، لم يزل عالمًا بما هو كائن منكم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حافظ له، حتى يجازيكم به جزاءكم يوم القيامة.

(94) * * * --------------- الهوامش : (65) الأثر: 10539 -"عمرو بن أبي قيس الرازي" الأزرق ، مضى برقم 6887 ، وفي الأسانيد: 8611 ، 9346 .

و"عطاء" ، هو"عطاء بن السائب" ، مضى مرارًا.

وسيأتي هذا الأثر من طريق أخرى رقم: 10541 .

(66) الأثر: 10540 - حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، روي من وجوه.

رواه البخاري (الفتح 8 : 179 ، 199) ، ومضى مثله في التفسير رقم: 8457.

(67) الأثر: 10541 - أخرجه الحاكم في المستدرك 2 : 308 ، مرفوعًا إلى ابن عباس بغير هذا اللفظ ، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".

وكان في المطبوعة: "النساء والصبي" ، وأثبت ما في المخطوطة.

وسيأتي في الأثر التالي: "الرجل الصغير" ، وهو الفتى.

(68) الأثر: 10543 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 231 ، وزاد نسبته لابن المنذر.

(69) في المطبوعة: "إن تكن حسنة" ، أسقط"لم" ففسد الكلام ، وهي ثابتة في المخطوطة.

قوله: "ليتنافس في مال يتيمته" ، كأنه استعمل"يتنافس" لازمًا على وجه المفرد.

وهو صواب في العربية.

والمنافسة والتنافس: الرغبة في الشيء للانفراد به ، على وجه المغالبة.

وأما "لينفس الرجل في مال يتيمته" فهو من قولهم: "نفس بالشيء" إذا ضن به واستأثر ، و"نفس فيه": رغب في الاستئثار به.

ويقال: "هذا أمر منفوس فيه" ، أي: مرغوب فيه.

(70) قوله: "يرغب أن ينكحها" ، هو على حذف"عن" أي: يرغب عن أن ينكحها."رغب عن الشيء" ، تركه متعمدًا ، وزهد فيه ، وكرهه ولم يرده.

وحذف حرف الجر ، هنا جائز ، لدلالة الكلام عليه.

(71) "الحميم": القريب الداني القرابة.

(72) الأثر: 10552 - انظر خبر جابر بن عبد الله وابنة عمه ، على غير هذا الوجه ، فيما سلف ، الأثر رقم: 4939.

(73) الأثر 10553 -"الحارث" هو"الحارث بن محمد بن أبي أسامة" ، مضى برقم: 10295 ، وما بعده.

و"عبد العزيز" ، هو"عبد العزيز بن أبان الأموي" مضى أيضًا رقم: 10295 ، وما بعده.

وكان في المخطوطة: "كان أهل الجاهلية الولدان" وفي هامشها (ط) ، دلالة على الخطأ ، وقد أحسن ناشر المطبوعة الأولى فيما زاد.

(74) في المطبوعة: "في حجر وليها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وإن كانت (الرجل) غير موجودة في هذا الأثر حيث رواه أبو جعفر برقم: 8457.

(75) الأثر: 10554 - رواه أبو جعفر مختصرًا فيما سلف برقم: 8457 ، وخرجه أخي السيد أحمد هناك.

(76) الأثر: 10555 - مضى برقم: 8459 ، إحالة على الأثر السالف.

(77) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 290 .

(78) الأثر: 10556 -"محمد بن أبي موسى" ترجم البخاري في الكبير 1 / 1 / 236 ، لرجل بهذا الاسم ، ظاهر أنه قد روى عنه داود بن أبي هند.

وقال: "قال لنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، عن أبي سعد ، عن محمد بن أبي موسى ، عن ابن عباس.

وقال في التهذيب"محمد بن أبي موسى ، عن ابن عباس قوله ...

وعنه أبو سعيد البقال"قلت [القائل ابن حجر]: في طبقته: محمد بن أبي موسى ، روى عن زياد الأنصاري ، عن أبي بن كعب.

وعنه داود بن أبي هند".

كأنهما عنده رجلان.

(79) سقط من المخطوطة ، بين كلامين ، كان فيها: "فما لم تنكح فلا صداق لها قبل أحد ، وإذا لم يكن ذلك لها لم يكن لقول قائل ..." ، فتركت ما في المطبوعة على حاله.

(80) سياق الجملة: " لم يكن لقول قائل ...

وجه".

(81) في المطبوعة والمخطوطة: "المحولة بينها" ، والصواب ما أثبت ، يعني: التي قد حيل بينهما وبين ما كتب الله لها.

(82) يعني الأثر السالف رقم: 10556.

(83) "الترجمة" ، البدل والبيان والتفسير.

(84) انظر تفسير"كتب" فيما سلف 8 : 548 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(85) الأثر: 10559 -"حميد بن مسعدة السامي" ، نسبه إلى"سامة بن لؤي" بالسين ، مضى برقم: 196 ، 5842.

وكان في المطبوعة بالشين"الشامي" وهو خطأ.

وهذه النسبة ليست في المخطوطة.

و"عبد الله بن عون بن أرطبان" مضى برقم: 4003 ، 7776 ، وكان في المطبوعة: "عبيد الله" ، والصواب من المخطوطة.

(86) الأثر: 10561 - هذا تتمة الأثر السالف: 8457 ، ثم نظيره رقم: 10554 ، وقد رواه البخاري بعقبه بإسناده (الفتح 8 : 179 ، 180 ).

(87) الأثر: 10562 - هو الأثر السالف: 8459 ، ثم نظيره رقم: 10555.

(88) الأثر: 10565 - انظر خبر ابن عباس فيما سلف ، بمثل هذا الإسناد رقم: 8882.

(89) في المطبوعة: "والذي أفتاهم في أمر المستضعفين" ، والصواب من المخطوطة.

(90) "البال": الشأن والأمر والحال ، ومنه الحديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر" ، و"أمر ذو بال" أي: ذو شأن ، شريف يحتفل له ويهتم به.

(91) في المطبوعة: "ثم قال علي: تزوجها إن كنت خيرًا لها" ، لم يفهم ما في المخطوطة فغيره وبدله ، وبئس ما فعل!

وقوله: "خر لها" من قولهم: "خار له" ، أي اختار له خير الأمرين ، ومنه قولهم: "خار الله لك" ، أي: أعطاك ما هو خير لك.

(92) الأثر: 10574 -"يونس بن عبيد بن دينار العبدي" ، مضى برقم: 2616 ، 4931 ، 8047.

أما "الحسين بن الفرج" فلم أجد في طبقته من الرواة من يقال له: "الحسين بن الفرج" ، وكان في المطبوعة مكانه"الحسن" ، يعني الحسن البصري.

وأظنه تصرفًا من ناسخ أو ناشر.

ونعم ، يروي يونس بن عبيد عن الحسن البصري ، ولكن أرجح ذلك عندي أن في اسمه تصحيفًا ، وأخشى أن يكون هو: "الحصين بن أبي الحر" ، وهو"الحصين بن مالك بن الخشخاش العنبري" ، روى عنه يونس بن عبيد.

مترجم في التهذيب.

ونرجو أن يأتي في التفسير ما يدل على الصواب من ذلك.

(93) انظر"ما" بمعنى"مهما" فيما سلف 6 : 551.

(94) انظر تفسير"كان" و"عليم" فيما سلف في فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليمانزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك ؛ فأمر الله نبيه عليه السلام أن يقول لهم : الله يفتيكم فيهن ؛ أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه .

وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء ، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم : إن الله يفتيكم فيهن .

روى أشهب عن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي ، وذلك في كتاب الله ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن .

ويسألونك عن اليتامى .

و يسألونك عن الخمر والميسر .

ويسألونك عن الجبال .

[ ص: 344 ] قوله تعالى : وما يتلى عليكم " ما " في موضع رفع ، عطف على اسم الله تعالى .

والمعنى : والقرآن يفتيكم فيهن ، وهو قول : فانكحوا ما طاب لكم من النساء وقد تقدم .وقوله تعالى : وترغبون أن تنكحوهن أي وترغبون عن أن تنكحوهن ، ثم حذفت " عن " .

وقيل : وترغبون في أن تنكحوهن ثم حذفت " في " .

قال سعيد بن جبير ومجاهد : ويرغب في نكاحها إذا كانت كثيرة المال .

وحديث عائشة يقوي حذف " عن " فإن في حديثها : وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال ؛ وقد تقدم أول السورة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الاستفتاء: طلب السائل من المسئول بيان الحكم الشرعي في ذلك المسئول عنه.

فأخبر عن المؤمنين أنهم يستفتون الرسول صلى الله عليه وسلم في حكم النساء المتعلق بهم، فتولى الله هذه الفتوى بنفسه فقال: { قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ْ} فاعملوا على ما أفتاكم به في جميع شئون النساء، من القيام بحقوقهن وترك ظلمهن عموما وخصوصا.

وهذا أمر عام يشمل جميع ما شرع الله أمرا ونهيا في حق النساء الزوجات وغيرهن، الصغار والكبار، ثم خص -بعد التعميم- الوصية بالضعاف من اليتامى والولدان اهتماما بهم وزجرا عن التفريط في حقوقهم فقال: { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ ْ} أي: ويفتيكم أيضا بما يتلى عليكم في الكتاب في شأن اليتامى من النساء.

{ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ْ} وهذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت، فإن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل بخسها حقها وظلمها، إما بأكل مالها الذي لها أو بعضه، أو منعها من التزوج لينتفع بمالها، خوفا من استخراجه من يده إنْ زوَّجها، أو يأخذ من مهرها الذي تتزوج به بشرط أو غيره، هذا إذا كان راغبا عنها، أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال ولا يقسط في مهرها، بل يعطيها دون ما تستحق، فكل هذا ظلم يدخل تحت هذا النص ولهذا قال: { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ْ} أي: ترغبون عن نكاحهن أو في نكاحهن كما ذكرنا تمثيله.

{ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَان ْ} أي: ويفتيكم في المستضعفين من الولدان الصغار، أن تعطوهم حقهم من الميراث وغيره وأن لا تستولوا على أموالهم على وجه الظلم والاستبداد.

{ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ ْ} أي: بالعدل التام، وهذا يشمل القيام عليهم بإلزامهم أمر الله وما أوجبه على عباده، فيكون الأولياء مكلفين بذلك، يلزمونهم بما أوجبه الله.

ويشمل القيام عليهم في مصالحهم الدنيوية بتنمية أموالهم وطلب الأحظ لهم فيها، وأن لا يقربوها إلا بالتي هي أحسن، وكذلك لا يحابون فيهم صديقا ولا غيره، في تزوج وغيره، على وجه الهضم لحقوقهم.

وهذا من رحمته تعالى بعباده، حيث حثّ غاية الحث على القيام بمصالح من لا يقوم بمصلحة نفسه لضعفه وفقد أبيه.

ثم حثّ على الإحسان عموما فقال: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ْ} لليتامى ولغيرهم سواء كان الخير متعديا أو لازما { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ْ} أي: قد أحاط علمه بعمل العاملين للخير، قلة وكثرة، حسنا وضده، فيجازي كُلًّا بحسب عمله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ) الآية : قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في بنات أم كجة وميراثهن وقد مضت القصة في أول السورة .

وقالت عائشة رضي الله عنها : هي اليتيمة تكون في حجر الرجل ، وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من سنة صداقها ، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركها ، وفي رواية هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب أن يتزوجها لدمامتها ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها حتى تموت فيرثها ، فنهاهم الله عن ذلك .

قوله عز وجل : ( ويستفتونك ) أي : يستخبرونك في النساء ، ( قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ) قيل معناه ويفتيكم في ما يتلى عليكم ، وقيل معناه : ونفتيكم ما يتلى عليكم ، يريد : الله يفتيكم وكتابه يفتيكم فيهن ، وهو قوله عز وجل : ( وآتوا اليتامى أموالهم ) قوله ( في يتامى النساء ) هذا إضافة الشيء إلى نفسه لأنه أراد باليتامى النساء ، ( اللاتي لا تؤتونهن ) أي : لا تعطونهن ، ( ما كتب لهن ) من صداقهن ، ( وترغبون أن تنكحوهن ) أي : في نكاحهن لمالهن وجمالهن بأقل من صداقهن ، وقال الحسن وجماعة أراد أن تؤتونهن حقهن من الميراث ، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ، وترغبون أن تنكحوهن ، أي : عن نكاحهن لدمامتهن .

( والمستضعفين من الولدان ) يريد : ويفتيكم في المستضعفين من الولدان وهم الصغار ، أن تعطوهم حقوقهم ، لأنهم كانوا لا يورثون الصغار ، يريد ما يتلى عليكم في باب اليتامى من قوله ( وآتوا اليتامى أموالهم ) يعني بإعطاء حقوق الصغار ، ( وأن تقوموا لليتامى بالقسط ) أي : ويفتيكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط بالعدل في مهورهن ومواريثهن ، ( وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ) يجازيكم عليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويستفتونك» يطلبون منك الفتوي «في» شأن «النساء» وميراثهن «قل» لهم «الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب» القرآن من آية الميراث ويفتيكم أيضا «في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب» فرض «لهن» من الميراث «وترغبون» أيها الأولياء عن «أن تنكحوهن» لدمامتهن وتعضلوهن أن يتزوجن طمعا في ميراثهن أي يفتيكم أن لا تفعلوا ذلك «و» في «المستضعفين» الصغار «ومن الولدان» أن تعطوهم حقوقهم «و» يأمركم «أن تقوموا لليتامى بالقسط» بالعدل في الميراث والمهر «وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما» فيجازيكم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يطلب الناس منك -أيها النبي- أن تبين لهم ما أشكل عليهم فَهْمُه من قضايا النساء وأحكامهن، قل الله تعالى يبيِّن لكم أمورهن، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تعطونهن ما فرض الله تعالى لهن من المهر والميراث وغير ذلك من الحقوق، وتحبون نكاحهن أو ترغبون عن نكاحهن، ويبيِّن الله لكم أمر الضعفاء من الصغار، ووجوب القيام لليتامى بالعدل وترك الجور عليهم في حقوقهم.

وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى كان به عليمًا، لا يخفى عليه شيء منه ولا من غيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جملة من الأحكام التى يتعلق أكثرها بالنساء فقال - تعالى - : ( وَيَسْتَفْتُونَكَ .

.

.

وَاسِعاً حَكِيماً ) .قال الإِمام الرازى فى بيان صلة هذه الآيات بما قبلها : اعلم أن عادة الله - تعالى - فى ترتيب هذا الكتاب وقع على أحسن الوجوه .

وهو أن يذكر شيئا من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة فى الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته .

ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير فى القلوب ، لأن التكاليف بالأعمال الشاقة لا يقع فى مقوع القبول إلا إذا كان مقرونا التأثير فى القلوب ، لأن التكاليف بالأعمال الشاقة لا يقع فى موقع القبول إلا إذا كان مقرونا بالوعد والوعيد .

والوعد والوعيد لا يؤثر فى القلب إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد .

فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الحق .إذا عرفت هذا فنقول : إنه - سبحانه - ذكر فى أول هذه السورة أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف .

ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى فى ذلك .

ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه .

ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال : ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء ) .

.

إلخ الآية .وقوله ( وَيَسْتَفْتُونَكَ ) من الاستفتاء بمعنى طلب الفتيا أو الفتوى .

يقال استفيت العالم فى مسألة كذا .

أى سألته أن يبين حكمها .

فالإفتاء إظهار المشكل من الأحكام وتبيينه .فمعنى ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء ) : ويسألك أصحابك يا محمد أن تفتيهم فى أمر النساء .

أى يطلبون منك تبيين المشكل من الأحكام التى تتعلق بما يجب للنساء من حقوق ، وبما يكون عليهن من واجبات .والذى حمل الصحابة على الطلب أنهم كانوا فى جاهليتهم يعاملون النساء معاملة سيئة ، ويظلمونهن ظلما شديدا ، ثم وجدوا أن الإِسلام الذى يدينون به قد أكرم المرأة وأنصفها بطريقة لم يألفوها من قبل ، فتتعددت أسئلتهم عن الأحكام التى تتعلق بالنساء حتى ينفذوا نحوهن ما يطلبه الإسلام منهم من حيث معاشرتهن وولايتهن وميراثهن وغير ذلك من الأحكام .قال القرطبى : نزلت - هذه الآية - بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن فى الميراث وغير ذلك .

فأمر الله - تعالى - نبيه أن يقول لهم : الله يفتيكم فيهن أى : يبين لكم حكم ما سألتم عنه ، وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء .

وكانت قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم : إن الله يفتيكم فيهن .فسؤال الصحابة ليس عن ذوات النساء وإنما عن أحكام تتعلق بهن .أخرج ابن جرير وغيره عن سعيد بن جبير قال : كان لا يرث إلا الرجل الذى قد بلغ أن يقوم فى المال ويعمل فيه ، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئا فلما نزلت آية المواريث فى سورة النساء شق ذلك على الناس وقالوا : أيرث الصغير ولا المرأة شيئا فلما نزلت آية المواريث فى سوءة النساء شق ذلك على الناس وقالوا : أيرث الصغير الذى لا يقوم فى المال ، والمرأة التى هى كذلك كما يرث الرجل الذى يعمل فى المال؟

فرجوا أن يأتى فى ذلك حدث من السماء فانتظروا : فلما رأوا أنه لا يأتى حدث قالوا : لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد .ثم قالوا : سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه .

فأنزل الله ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء ) .

.

الآية .وقوله ( قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ) وعد من الله - تعالى - بالإِجابة عما يسالون عنه .

وهو لون من تبشير السائل المتحير بأنه قد وجد ضالته حتى يطمئن قلبه ، ويهدأ باله .

وذلك مثل قولهم - والله المثل الأعلى - لمن سأل سؤالا لمن يحسن الإِجابة عنه : على الخبير وقعت .أى : قل يا محمد لهؤلاء السائلين عن بعض الأحكام المتعلقة بالنساء : الله - تعالى - يفتيكم فى شأنهن ، ويبين لكم بأجلى بيان وأحكمه ما تجهلون من أحكامهن .

ويقضى بينكم وبينهن بالعدل الذى لا يحوم حوله باطل .وفى تقديم لفظ الجلالة تنويه بشأن هذه الفتيا ، وإشعار بوجوب التزام ما تتضمنه من أحكام لأنها صادرة من العليم الخبير .وقوله ( وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب ) للنحاة فيه مذاهب شتى ، لعل أولاها بالقبول أن تكون ( وَمَا ) اسم موصول مبتدأ والخبر محذوف والتقدير يسالونك يا محمد عن بعض أحكام النساء فقل لهم : الله يفتيكم فى شأنهن ، والذى يتلى عليكم فى الكتاب كذلك أى : يفتيكم فى شأنهن أيضا .

وذلك المتلو فى الكتاب الذى بين بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء منه قوله - تعالى فيما تقدم من هذه السورة : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء ) قال الفخر الرازى : وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال النساء ، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها .

وما كان مبين الحكم فى الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلو تفتيهم فيها ، وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب - على سبيل المجاز - ألا ترى أنه يقال فى المجاز المشهور : إن كتاب الله بين لنا هذا الحكم .

وكما جاز أيضا أن يقال : إن كتاب الله أفتى بكذا .وقوله ( فِي يَتَامَى النسآء ) صلة ليتلى .

أى : يتلى عليكم فى شأنهن .وإضافة اليتامى إلى النساء من إضافة الصفة إلى الموصوف أى النساء اليتامى وجعلها بعضهم هنا على معنى من لأنها من إضافة الشئ إلى جنسه أى : فى اليتامى من النساء .وقوله ( اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ) صفة لليتامى .والمراد بما كتب لهن : ما فرض لهن من ميراث وصداق وغير ذلك من حقوق شرعها الله - تعالى - لهن .قوله : ( وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ) معطوف على صلة اللاتى .أى : لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكوحوهن .وقوله : أن تنكحوهن فى تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف وهو إما ( فى ) وإما ( عن ) .وعلى أن حرف الجر المحذوف ( فى ) يكون المعنى : لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون فى نكاحهن لأنفسكم إن كن جميلات أو غنيات أو غير ذلك مما يرغبكم فى الزواج بهن مع عدم إعطائهن حقوقهن كاملة .وعلى أن حرف الجر المحذوف ( عن ) يكون المعنى : لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون عن نكاحهن .

أى لا أنتم تتزوجونهن ولا تتركونهن يتزوجن بغيركم حتى تبقى أموالهن تحت أيديكم .قال ابن كثير : روى البخارى عن عائشة فى قوله - تعالى - ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ) .

.

.

إلى قوله ( وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ .

.

.

) أنها قالت : هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووراثها .

فأشركته فى ماله حتى فى العذق .

فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه فى ماله بما شركته فيعضلها .

فنزلت هذه الآية .وعنها - أيضا أنها قالت : وقول الله - تعالى - ( وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ) رغبة أحدكم عن يتيمته التى فى حجره حين تكون قليلة المال والجمال .ثم قال ابن كثير : والمقصود أن الرجل إذا كان فى حجره حين تكون قليلة المال والجمال .

فنهوا أن ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها من يتامى النساء إلى بالقسط من أجل رغبتهم عنهن - أى إذا كن قليلات المال والجمال .ثم قال ابن كثير : والمقصود أن الرجل إذا كان فى حجره يتيمة يحل هل تزوجها ، فتارة يرغب فى أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة بمثالها من النساء .

وتارة لا يكون له فيها رغبة فنهاه الله - تعالى - عن أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه فى ماله الذى بينه وبينها .وحذف حرف الجار هنا لا يعد لبسا ، بل يعد من باب الإِجمال والإِيجاز البليغ ، لأن الجملة الكريمة صالحة لتقدير كل من الحرفين السابقين على سبيل البدل ، بالاعتبارين السابقين .

أى باعتبار الرغبة فيهن أو الرغبة عنهن فكأنه - سبحانه - يقول : وترغبون فى نكاح بعضهن فى حالات معينة وترغبون عن نكاح بعض آخر منهن فى حالات أخرى؛ لأن فعل رغب يتعدى بحرف ( فى ) للشئ المحبوب ، وبحرف ( عن ) للشئ غير المحبوب .قال الآلوسى : واستدل بعض أصحابنا - أى الأحناف - بالآية على جواز تزويج الصغيرة ، لأنه ذكر الرغبة فى نكاحها فاقتضى جوازه .

والشافعية يقولون : إنه إنما ذكر ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم فلا دلالة فيها على ذلك ، مع أنه لا يلزم من الرغبة فى نكاحها فعله فى حال الصغر .وهذا الخلاف فى غير الأب والجد ، وأما هما فيجوز لهما تزويج الصغيرة بلا خلاف .وقوله : ( والمستضعفين مِنَ الولدان ) معطوف على يتامى النساء ، وقد كانوا فى الجاهلية لا يورثونهم كما لا يورثون النساء ، فشرع الله لهم الميراث كما هو مبين فى آيات المواريث .وقوله ( وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط ) فى محل جر عطفا على ما قبله .

أى : وما يتلى عليكم فى يتامى النساء وفى المستضعفين من الوالدان وفى أن تقوموا لليتامى بالقسط فيه الكافية لحملكم على سلوك الطريق القويم مع هؤلاء الضعاف .ومما ذكره الله - تعالى - فى شأن اليتامى قوله فى مطلع هذه السورة : ( وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ ) فيكون معنى الآية إجمالا : يسألك بعض أصحابك يا محمد أن تفتيهم فى بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء .

قل لهم على سبل التعليم والإِرشاد : الله - تعالى - يفتيكم ويبين لكم بيانا شافيا ما تسالون عنه بشأنهن .

ويفتيكم أيضا فى شأنهن ما تلاه الله عليكم فى قرآنه قبل نزول هذه الآية وما سيتلوه عليكم بعدها .ويفتيكم - أيضا - ما يتلى عليكم فى القرآن شأن اليتامى اللاتى تمنعوهن ما فرض لهن من الميراث وغيره .

وترغبون فى نكاحهن لما لهن لجمالهن بأقل من صداقهن .

أو ترغبون عن نكاحهن وتعضلوهن طمعا فى أموالهن .

وهذا الإِفتاء الذى تلاه الله عليكم فى قرآنه يمنعكم من أن تفعلوه شيئا من ذلك .ويفتيكم أيضا ما يتلى عليكم فى الكتاب فى شأن اليتامى - ذكورا كانوا أو إناثا - بأن يامركم أن تلتزموا العدل معهم فى أموالهم وفى سائر أمورهم .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً ) أى : وما تفعلوه من خير يتعلق بهؤلاء المذكورين أو بغيرهم فإن الله - تعالى - كان به عليما علما دقيقا محيطا ، وسيجازيكم عليه جزاء يشرح نفوسكم ويصلح بالكم .فالآية الكريمة قد اشتملت على الوان من الترغيب بشأن الإِحسان إلى النساء وإلى المستضعفين من الولدان .

وإلى اليتامى حتى تعيش الأمة عيشة هانئة ، يشعر ضعيفها برعاية قويها له .

ويشعر قويها برضاه ضعيفها عنه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه وهو أنه يذكر شيئاً من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والترغيب والترهيب ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إلهيته.

ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير في القلوب، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول إلاّ إذا كان مقروناً بالوعد والوعيد، والوعد والوعيد لا يؤثر في القلب إلاّ عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد، فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعاً كثيرة من الشرائع والتكاليف، ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى في ذلك، ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه، ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الاستفتاء طلب الفتوى يقال: استفتيت الرجل في المسألة فأفتاني إفتاء وفتياً وفتوى، وهما إسمان موضوعان موضع الافتاء، ويقال: أفتيت فلاناً في رؤيا رآها إذا عبرها قال تعالى: ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرات سِمَانٍ  ﴾ ومعنى الافتاء إظهار المشكل، وأصله من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل، فالمعنى كأنه يقوى ببيانه ما أشكل ويصير قوياً فتياً.

المسألة الثانية: ذكروا في سبب نزول هذه الآية قولين: الأول: أن العرب كانت لا تورث النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما ذكرنا في أول هذه السورة، فهذه الآية نزلت في توريثهم.

والثاني: أن الآية نزلت في توفية الصداق لهن، وكان اليتيمة تكون عند الرجل فإذا كانت جميلة ولها مال تزوج بها وأكل مالها، وإذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها، فأنزل الله هذه الآية.

المسألة الثالثة: اعلم أن الاستفتاء لا يقع عن ذوات النساء وإنما يقع عن حالة من أحوالهن وصفة من صفاتهن، وتلك الحالة غير مذكورة في الآية فكانت مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع عنه الاستفتاء.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ ففيه أقوال: الأول: أنه رفع بالابتداء والتقدير: قل الله يفتيكم في النساء، والمتلو في الكتاب يفتيكم فيهن أيضاً، وذلك المتلو في الكتاب هو قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى  ﴾ .

وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال النساء، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها، وما كان منها مبين الحكم في الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها.

وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب، ألا ترى أنه يقال في المجاز المشهور: إن كتاب الله بيّن لنا هذا الحكم، وكما جاز هذا جاز أيضاً أن يقال: إن كتاب الله أفتى بكذا.

القول الثاني: أن قوله: ﴿ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ مبتدأ و ﴿ فِى الكتاب ﴾ خبره، وهي جملة معترضة، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليهم وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من عظائم الأمور عند الله تعالى التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله.

ونظيره في تعظيم القرآن قوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ  ﴾ .

القول الثالث: أنه مجرور على القسم، كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب، والقسم أيضاً بمعنى التعظيم.

والقول الرابع: أنه عطف على المجرور في قوله: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ والمعنى: قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء، قال الزجاج: وهذا الوجه بعيد جداً نظراً إلى اللفظ والمعنى، أما اللفظ فلأنه يقتضي عطف المظهر على المضمر، وذلك غير جائز كما شرحناه في قوله: ﴿ تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام  ﴾ وأما المعنى فلأن هذا القول يقتضي أنه تعالى في تلك المسائل أفتى ويفتي أيضاً فيما يتلى من الكتاب، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أنه تعالى يفتي فيما سألوا من المسائل: بقي هاهنا سؤالان: السؤال الأول: بم تعلق قوله: ﴿ فِى يتامى النساء ﴾ .

قلنا: هو في الوجه الأول صلة ﴿ يتلى ﴾ أي يتلى عليكم في معناهن، وأما في سائر الوجوه فبدل من ﴿ فِيهِنَّ ﴾ .

السؤال الثاني: الإضافة في ﴿ يتامى النساء ﴾ ما هي؟

الجواب: قال الكوفيون: معناه في النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم، كما تقول: يوم الجمعة، وحق اليقين.

وقال البصريون: إضافة الصفة إلى الاسم غير جائز فلا يقال مررت بطالعة الشمس، وذلك لأن الصفة والموصوف شيء واحد، وإضافة الشيء إلى نفسه محال.

وهذا التعليل ضعيف لأن الموصوف قد يبقى بدون الوصف، وذلك يدل على أن الموصوف غير الصفة، ثم أن البصريين فرعوا على هذا القول وقالوا: النساء في الآية غير اليتامى، والمراد بالنساء أمهات اليتامى أضيفت إليهن أولادهن اليتامى، ويدل عليه أن الآية نزلت في قصة أم كحة، وكانت لها يتامى.

ثم قال: ﴿ اللاتى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث، وهذا على قول من يقول: نزلت الآية في ميراث اليتامى والصغار، وعلى قول الباقين المراد بقوله: ﴿ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ الصداق.

ثم قال تعالى: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الرغبة والنفرة، فإن حملته على الرغبة كان المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، وإن حملته على النفرة كان المعنى: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن.

واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة، ولا حجة لهم فيها لاحتمال أن يكون المراد: وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، والدليل على صحة قولنا: أن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر، فخطبها المغيرة بن شعبة ورغب أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها صغيرة وإنها لا تزوج إلاّ بإذنها»، وفرق بينها وبين ابن عمر، ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز.

ثم قال تعالى: ﴿ والمستضعفين مِنَ الولدان ﴾ وهو مجرور معطوف على يتامى النساء كانوا في الجاهلية لا يورثون الأطفال ولا النساء، وإنما يورثون الرجال الذين بلغوا إلى القيام بالأمور العظيمة دون الأطفال والنساء.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط ﴾ وهو مجرور معطوف على المستضعفين، وتقدير الآية: وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً ﴾ يجازيكم عليه ولا يضيع عند الله منه شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا يتلى ﴾ في محل الرفع.

أي الله يفتيكم والمتلوّ ﴿ فِى الكتاب ﴾ في معنى اليتامى، يعني قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِي اليتامى ﴾ [النساء: 3] وهو من قولك: أعجبني زيد وكرمه.

ويجوز أن يكون.

﴿ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ مبتدأ و ﴿ فِى الكتاب ﴾ خبره على أنها جملة معترضة، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ تعظيماً للمتلو عليهم، وأن العدل والنصفة في حقوق اليتامى من عظائم الأمور المرفوعة الدرجات عند الله التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله.

ونحوه في تعظيم القرآن: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ﴾ [الزخرف: 4] ويجوز أن يكون مجروراً على القسم، كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهنّ، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب.

والقسم أيضاً لمعنى التعظيم، وليس بسديد أن يعطف على المجرور في (فيهنّ)، لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى، فإن قلت بم تعلق قوله: ﴿ فِى يتامى النساء ﴾ ؟

قلت: في الوجه الأوّل هو صلة (يتلى) أي يتلى عليكم في معناهن.

ويجوز أن يكون (في يتامى النساء) بدلاً من (فيهن) وأما في الوجهين الآخرين فبدل لا غير.

فإن قلت: الإضافة في (يتامى النساء) ما هي؟

قلت: إضافة بمعنى (من) كقولك: عندي سحق عمامة.

وقرئ: ﴿ في ييامى النساء ﴾ بياءين على قلب همزة أيامى ياء ﴿ لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ وقرئ: ﴿ ما كتب الله لهنّ ﴾ .

أي ما فرض لهن من الميراث.

وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه وما لها.

فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ يحتمل في أن تنكحوهن لجمالهن، وعن أن تنكحوهن لدمامتهن.

وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال: زوّجها غيرك والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوجها فأنت أحق بها ﴿ والمستضعفين ﴾ مجرور معطوف على يتامى النساء، وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء.

ويجوز أن يكون خطاباً للأوصياء كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ [النساء: 2] ﴿ وَأَن تَقُومُواْ ﴾ مجرور كالمستضعفين بمعنى: يفتيكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين.

وفي أن تقوموا.

ويجوز أن يكون منصوباً بمعنى: ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم، ولا يخلوا أحداً يهتضمهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ ﴾ في مِيراثِهِنَّ إذْ سَبَبُ نُزُولِهِ « (أنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ أتى النَّبِيَّ  فَقالَ: أُخْبِرْنا أنَّكَ تُعْطِي الِابْنَةَ النِّصْفَ والأُخْتَ النِّصْفَ، وإنَّما كُنّا نُورِثُ مَن يَشْهَدُ القِتالَ ويَحُوزُ الغَنِيمَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كَذَلِكَ أُمِرْتُ".» ﴿ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ ﴾ يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَهُ فِيهِنَّ والإفْتاءُ تَبْيِينُ المُبْهَمِ.

﴿ وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ ﴾ عُطِفَ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ ضَمِيرِهِ المُسْتَكِنِّ في يُفْتِيكم وساغَ لِلْفَصْلِ فَيَكُونُ الإفْتاءُ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإلى ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ ونَحْوَهُ، والفِعْلُ الواحِدُ يُنْسَبُ إلى فاعِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ونَظِيرُهُ أغْنانِي زَيْدٌ وعَطاؤُهُ، أوِ اسْتِئْنافٌ مُعْتَرِضٌ لِتَعْظِيمِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ عَلى أنَّ ما يُتْلى عَلَيْكم مُبْتَدَأٌ وفي الكِتابِ خَبَرُهُ.

والمُرادُ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى مَعْنى ويُبَيِّنَ لَكم ما يُتْلى عَلَيْكم أوْ يُخْفَضَ عَلى القَسَمِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأُقْسِمُ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، ولا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى المَجْرُورِ في فِيهِنَّ لِاخْتِلالِهِ لَفْظًا ومَعْنًى ﴿ فِي يَتامى النِّساءِ ﴾ صِلَةُ يُتْلى إنْ عُطِفَ المَوْصُولُ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ يُتْلى عَلَيْكم في شَأْنِهِنَّ وإلّا فَبَدَلٌ مِن فِيهِنَّ، أوْ صِلَةٌ أُخْرى لِيُفْتِيكم عَلى مَعْنى اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ بِسَبَبِ يَتامى النِّساءِ كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُكَ اليَوْمَ في زَيْدٍ، وهَذِهِ الإضافَةُ بِمَعْنى مَن لِأنَّها إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ.

وقُرِئَ «يَيامى» بِياءَيْنِ عَلى أنَّهُ أيامى فَقُلِبَتْ هَمْزَتُهُ ياءً.

﴿ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ أيْ فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ ﴿ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، أوْ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ.

فَإنَّ أوْلِياءَ اليَتامى كانُوا أيْ يَرْغَبُونَ فِيهِنَّ إنْ كُنَّ جَمِيلاتٍ ويَأْكُلُونَ ما لَهُنَّ، وإلّا كانُوا يَعْضُلُونَهُنَّ طَمَعًا في مِيراثِهِنَّ والواوُ تَحْتَمِلُ الحالَ والعَطْفَ، ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ اليَتِيمَةِ إذْ لا يَلْزَمُ مِنَ الرَّغْبَةِ في نِكاحِها جَرَيانُ العَقْدِ في صِغَرِها.

﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ ﴾ عُطِفَ عَلى يَتامى النِّساءِ، والعَرَبُ ما كانُوا يُوَرِّثُونَهم كَما لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ.

﴿ وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ ﴾ أيْضًا عُطِفَ عَلَيْهِ أيْ ويُفْتِيكم أوْ ما يُتْلى في أنْ تَقُومُوا، هَذا إذا جَعَلْتَ في يَتامى صِلَةً لِأحَدِهِما فَإنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا فالوَجْهُ نَصْبُهُما عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ فِيهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ وأنْ تَقُومُوا بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: ويَأْمُرُكم أنْ تَقُومُوا، وهو خِطابٌ لِلْأئِمَّةِ في أنْ يَنْظُرُوا لَهم ويَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ، أوْ لِلْقِوامِ بِالنَّصَفَةِ في شَأْنِهِمْ.

﴿ وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا ﴾ وعْدٌ لِمَن آثَرَ الخَيْرَ في ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)

{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء} ويسألونك الإفتاء في النساء والافتاء تبين المبهم {قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النساء أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب أي القرآن في معنى اليتامى يعني قوله وَإِنْ خِفْتُمْ أن لا تقسطوا فى اليتامى وهو من قولك أعجبنى زيد وكرمه وما يتلى في محل الرفع بالعطف على الضمير فى يفتيكم أو على لفظ الله وفى يتامى النساء صلة يتلى أي يتلى عليكم في معناهن ويجوز أن يكون في يتامى النساء بدلاً من فيهن والإضافة بمعنى من {اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} ما فرض لهن من الميراث وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه وما لها فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها {وترغبون أن تنكحوهن} في أن تنكحوهن لجمالهن أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن {والمستضعفين مِنَ الولدان} أي اليتامى وهو مجرور معطوف على يتامى النساء وكانوا فى الجاهلية إنما يؤرثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء {وَأَن تَقُومُواْ لليتامى} مجرور كالمستضعفين بمعنى يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا أو منصوب بمعنى ويأمركم أن تقوموا وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم {بالقسط} بالعدل في ميراثهم ومالهم {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} شرط وجوابه {فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً} أي فيجازيكم عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَبْيِينَ المُشْكَلِ مِنَ الأحْكامِ في النِّساءِ، مِمّا يَجِبُ لَهُنَّ وعَلَيْهِنَّ مُطْلَقًا، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ سُئِلَ عَنْ أحْكامٍ كَثِيرَةٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ، فَما بُيِّنَ فِيما سَلَفَ أُحِيلَ بَيانُهُ عَلى ما ورَدَ في ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ، وما لَمْ يُبَيَّنْ بَعْدُ بُيِّنَ هُنا، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ المُرادَ: يَسْتَفْتُونَكَ في مِيراثِهِنَّ، والقَرِينَةُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ لا يَرِثُ إلّا الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ بَلَغَ أنْ يَقُومَ في المالِ ويَعْمَلَ فِيهِ، ولا يَرِثُ الصَّغِيرُ ولا المَرْأةُ شَيْئًا، فَلَمّا نَزَلَتِ المَوارِيثُ في سُورَةِ النِّساءِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، وقالُوا: أيَرِثُ الصَّغِيرُ الَّذِي لا يَقُومُ في المالِ والمَرْأةُ الَّتِي هي كَذَلِكَ فَيَرِثانِ كَما يَرِثُ الرَّجُلُ؟!

فَرَجُوا أنْ يَأْتِيَ في ذَلِكَ حَدَثٌ مِنَ السَّماءِ فانْتَظَرُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَأْتِي حَدَثٌ قالُوا: لَئِنْ تَمَّ هَذا إنَّهُ لَواجِبٌ ما عَنْهُ بُدٌّ، ثُمَّ قالُوا: سَلُوا النَّبِيَّ  فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ شَيْئًا، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَغْزُونَ ولا يَغْنَمُونَ خَيْرًا، فَنَزَلَتْ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - نَحْوَهُ وإلى الأوَّلِ مالَ شَيْخُ الإسْلامِ.

﴿ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَهُ فِيهِنَّ، والإفْتاءُ إظْهارُ المُشْكِلِ عَلى السّائِلِ، وفي البَحْرِ يُقالُ: أفْتاهُ إفْتاءً وفُتْيا وفَتْوى، وأفْتَيْتُ فَلانًا رُؤْياهُ عَبَرْتُها لَهُ.

﴿ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ ﴾ في (ما) ثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ: الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَرُّ: وعَلى الأوَّلِ: إمّا أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: وما يُتْلى عَلَيْكم في القُرْآنِ يُفْتِيكم ويُبَيِّنُ لَكُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِدَوامِ التِّلاوَةِ واسْتِمْرارِها و(فِي الكِتابِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أيْ: يُتْلى كائِنًا في الكِتابِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً و(فِي الكِتابِ) خَبَرُهُ، والمُرادُ بِالكِتابِ حِينَئِذٍ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ مَعْناهُ المُتَبادَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ إلّا أنْ يُتَكَلَّفَ لَهُ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ عِظَمِ شَأْنِ المَتْلُوِّ (وما يُتْلى) مُتَناوِلٌ لِما تُلِيَ وما سَيُتْلى، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (يُفْتِيكُمْ) وصَحَّ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ والجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجارِ، في المَجازِ العَقْلِيِّ سائِغٌ شائِعٌ، فَلا يَرِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلٌ حَقِيقِيٌّ لِلْفِعْلِ، والمَتْلُوَّ فاعِلٌ مَجازِيٌّ لَهُ، والإسْنادُ إلَيْهِ مِن قَبِيلِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ فَلا يَصِحُّ العَطْفُ، ونَظِيرَ ذَلِكَ: أغْنانِي زَيْدٌ وعَطاؤُهُ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والإيرادُ أيْضًا غَيْرُ وارِدٍ، نَعَمِ، المُتَبادَرُ أنَّ هَذا العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، ويُبْعِدُهُ إفْرادُ الضَّمِيرِ كَما لا يَخْفى.

وعَلى الثّانِي: تَكُونُ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ويُبَيِّنُ لَكم ما يُتْلى، والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (يُفْتِيكُمْ) وإمّا مُعْتَرِضَةٌ.

وعَلى الثّالِثِ: إمّا أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى القَسَمِ المُنْبِئِ عَنْ تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ، وأقْسَمَ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، كَما نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي مُوسى، وما عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لَيْسَ بِوَحْيٍ فَيَجِبُ اتِّباعُهُ، نَعَمْ، فِيهِ اخْتِلالٌ مَعْنَوِيٌّ لا يَكادُ يَنْدَفِعُ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى النِّساءِ، كَما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي يَتامى النِّساءِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) في غالِبِ الِاحْتِمالاتِ، أيْ: ما يُتْلى عَلَيْكم في شَأْنِهِنَّ، ومَنَعُوا ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (ما) مُبْتَدَأً و(فِي الكِتابِ) خَبَرُهُ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الفَصْلِ بِالخَبَرِ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ، وكَذا عَلى تَقْدِيرِ القَسَمِ، إذْ لا مَعْنى لِتَقْيِيدِهِ بِالمَتْلُوِّ بِذَلِكَ ظاهِرًا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (فِيهِنَّ) وأنْ يَكُونَ صِلَةً أُخْرى لِـ(يُفْتِيَكُمْ) ومَتى لَزِمَ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِشَيْءٍ واحِدٍ بِدُونِ اتِّباعٍ يُدْفَعُ بِالتِزامِ كَوْنِهِما لَيْسا بِمَعْنًى، والمَمْنُوعُ تَعَلُّقُهُما كَذَلِكَ إذا كانا بِمَعْنًى واحِدٍ.

وفِي الثّانِي هُنا سَبَبِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» فالكَلامُ إذًا مِثْلُ (جِئْتُكَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ في أمْرِ زَيْدٍ) أيْ: بِسَبَبِهِ، وإضافَةُ اليَتامى إلى النِّساءِ بِمَعْنى مِن؛ لِأنَّها إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، وجَعَلَها أبُو حَيّانَ بِمَعْنى اللّامِ، ومَعْناها الِاخْتِصاصُ، وادَّعى أنَّهُ الأظْهَرُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما قالَ الحَلَبِيُّ وغَيْرُهُ.

وقُرِئَ (يَيامى) بِياءَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ (أيِّمٍ) والعَرَبُ تُبْدِلُ الهَمْزَةَ ياءً كَثِيرًا.

﴿ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ أيْ: ما فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وغَيْرِهِ عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، أوْ ما فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ فَقَطْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، أوْ ما وجَبَ لَهُنَّ مِنَ الصَّداقِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: ما كُتِبَ لَهُنَّ مِنَ النِّكاحِ؛ فَإنَّ الأوْلِياءَ كانُوا يَمْنَعُوهُنَّ مِنَ التَّزَوُّجِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وإبْراهِيمَ ﴿ وتَرْغَبُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةٍ الَّتِي، أوْ عَلى المَنفِيِّ وحْدَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ تُؤْتُونَهُنَّ ﴾ فَإنْ قُلْنا بِجَوازِ اقْتِرانِ الجُمْلَةِ المُضارِعِيَّةِ الحالِيَّةِ بِالواوِ: فَظاهِرٌ، وإذا قُلْنا بِعَدَمِ الجَوازِ: التُزِمَ تَقْدِيرُ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وأنْتُمْ تَرْغَبُونَ ﴿ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ أيْ: في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، فَإنَّ أوْلِياءَ اليَتامى كَما ورَدَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ كانُوا يَرْغَبُونَ فِيهِنَّ إنْ كُنَّ جَمِيلاتٍ، ويَأْكُلُونَ مالَهُنَّ، وإلّا كانُوا يُعْضِلُوهُنَّ طَمَعًا في مِيراثِهِنَّ، وحَذْفُ الجارِّ هُنا لا يُعَدُّ لَبْسًا، بَلْ إجْمالٌ، فَكُلٌّ مِنَ الحَرْفَيْنِ مُرادٌ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ اليَتِيمَةِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الرَّغْبَةَ في نِكاحِها فاقْتَضى جَوازُهُ، والشّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ عَلى طَرِيقِ الذَّمِّ، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى ذَلِكَ، مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الرَّغْبَةِ في نِكاحِها فِعْلُهُ في حالِ الصِّغَرِ، وهَذا الخِلافُ في غَيْرِ الأبِ والجَدِّ وأمّا هُما فَيَجُوزُ لَهُما تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ بِلا خِلافٍ.

﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ يَتامى النِّساءِ ﴾ وكانُوا لا يُوَرِّثُونَهم كَما لا يُوَرِّثُونَ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

﴿ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وإنْ جُعِلَ (فِي يَتامى) بَدَلًا فالوَجْهُ النَّصْبُ في هَذا و(المُسْتَضْعَفِينَ) عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (فِيهِنَّ) ومَنَعُوا العَطْفَ عَلى البَدَلِ، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ الصِّغارُ مُطْلَقًا، الَّذِينَ مَنَعُوهم عَنِ المِيراثِ ولَوْ ذُكُورًا، ولَوْ عُطِفَ عَلى البَدَلِ لَكانَ بَدَلًا ولا يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُ بَدَلِ الغَلَطِ، وهو لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ، وجُوِّزَ في (أنْ تَقُومُوا) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: خَيْرٌ ونَحْوُهُ، والنُّصْبُ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: ويَأْمُرُكم أنْ تَقُومُوا، وهو خِطابٌ لِلْأئِمَّةٍ أنْ يَنْظُرُوا لَهم ويَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ، أوْ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ بِالنَّصَفَةِ في حَقِّهِمْ.

﴿ وما تَفْعَلُوا ﴾ في حُقُوقِ المَذْكُورِينَ ﴿ مِن خَيْرٍ ﴾ حَسْبَما أُمِرْتُمْ بِهِ، أوْ ما تَفْعَلُوهُ مِن خَيْرٍ عَلى الإطْلاقِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَؤُلاءِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، واقْتَصَرَ عَلى الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي رَغَّبَ فِيهِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الشَّرَّ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ مِنهم أوْ يَخْطُرَ بِبالٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي أخلص دينه لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله ويقال: وهو موحد وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي مستقيما، ويقال: مائلاً إلى دين الإسلام.

ثم قال تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا وذلك أن إبراهيم  كان يوسع على الضعفاء الطعام، واحتاج في بعض الأوقات إلى الطعام، فبعث غلمانه مع الجمال إلى خليل له بمصر ليقرضه شيئاً من الطعام فيرد عليه إذا أدرك إنزاله، فلما انتهوا إليه قال: إِنّى أَخَافُ أَن أحتاج قبل إدراك الإنزال، فلم يدفع إليهم ورجعوا، فاستحيا الغلامان أن يدخلوا في قرية إبراهيم والناس ينظرون إليهم وليس معهم شيء، فجعلوا الرحل في الجواليق وحملوا على الجمال، وجاءوا إلى منزل إبراهيم  وألقوا الأحمال وتفرقوا، وجاء واحد منهم وأخبر إبراهيم بالقصة فاغتمّ لذلك ودخل البيت ونام، فخرجت جواريه ونظرن إلى الأحمال فإذا الجواليق دقيق، فرفعن منها وجعلن يخبزن خبزاً، حتى إذا استيقظ إبراهيم  وخرج وقال: من أين هذا الدقيق؟

فقلن: من عند خليلك المصري.

فقال إبراهيم: ليس هذا من عند خليلي المصري ولكن من عند خليل السماء.

فاتخذه الله تعالى خليلاً بذلك.

ويقال: لما دخلت عليه الملائكة في شبه الآدميين، وجاءهم بعجل سمين فلم يأكلوا منه، وقالوا: إنا لا نأكل شيئاً بغير ثمن.

فقال لهم: أعطوني ثمنه وكلوه.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: أن تقولوا في أوله بسم الله وفي آخره الحمد لله.

فقالوا فيما بينهم: حقاً على الله أن يتخذه خليلاً فاتخذه الله خليلاً.

ويقال: إنه أضاف رؤساء الكفار، وأهدى لهم هدايا وأحسن إليهم فقالوا له: ما حاجتك؟

فقال: حاجتي أن تسجدوا لله سجدة، فسجدوا.

فدعا الله تعالى وقال: اللهم إني قد فعلت ما أمكنني، فافعل أنت ما أنت أهل لذلك.

فوفقهم الله تعالى للإسلام فاتخذه الله خليلاً لذلك.

وروى جابر بن عبد الله عن رسول الله  أنه قال: «اتَّخَذَ الله إِبْراهِيمَ خَلِيلاً لإطْعَامِهِ الطَّعَامَ وَإِفْشَائِهِ السَّلاَمَ وَصَلاَتِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» .

ثم قال عز وجل: وَلِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كلهم عبيده وفي ملكه وحكمه نافذ فيهم وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً أحاط علمه بكل شيء.

قوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ أي يسألونك عن ميراث النساء، نزلت في أم كجة التي ذكرنا في أول السورة قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ أي يبين لكم ما لهن من الميراث وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أي وكتاب الله يفتيكم بذلك فِي يَتامَى النِّساءِ يعني في ميراث يتامى النساء اللَّاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ لا تعطونهن مَا كُتِبَ لَهُنَّ أي ما فرض لهن من الميراث وَتَرْغَبُونَ أي وتزهدون أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لدمامتهن.

وروى معمر عن إبراهيم قال: كان الرجل يكون عنده اليتيمة الدميمة ولها مال، ويكره أن يزوجها من غيره من أجل مالها.

قال إبراهيم: وكان عمر يأمر الرجل إذا كانت عنده اليتيمة الدميمة ولها مال، أن يتزوجها.

وروى عروة عن عائشة  ا أنها قالت: كانت يتيمة في حجر رجل، فأراد أن يتزوجها ولم يكمل صداق نصابها، فأمروا بإكمال الصداق.

وقال مجاهد: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئاً، ويقولون: لا يغزون، ففرض الله لهم الميراث وأمر لليتيم بالقسط.

ثم قال تعالى: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ يقول: يسألونك عن ميراث المستضعفين مِنَ الْوِلْدانِ ويقال: يفتيكم في المستضعفين من الولدان وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ أي بالعدل وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً يجازيكم.

وفي هذه الآية دليل على أن ما سوى الأب والجد إذا زوج اليتيمة جاز، وفيه أنه إذا زوج من نفسه جاز إذا كانت غير ذي رحم محرم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ...

الآية: ذكر سبحانه سَعَة ملكه وإحاطته بكل شيء، عَقِبَ ذكْر الدِّين، وتبيينِ الجادَّة منه ترغيباً في طاعته والانقطاع إليه سبحانه.

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧)

وقوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ...

الآية: معنى قوله:

يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ: أي: يبيِّن لكم حكم ما سألتم عنه.

قال «١» ع: تحتملُ «ما» أنْ تكونَ في موضع رفعٍ عطفاً على اسمِ اللَّهِ عزَّ وجل، أي: ويفتيكم ما يتلى عليكم في الكتابِ، يعني: القُرآن، والإشارة بهذا إلى ما تقدَّم من الآية في أمْر النِّساء، وهو قوله تعالى في صدر السورة: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ...

[النساء: ٣] الآية، قالت عائشةُ: نزلت هذه الآية أوَّلاً، ثم سأل ناس بعدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنْ أَمْر النساءِ، فنزلَتْ، وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ...

الآية.

وقوله تعالى: فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ: معناه: النهْيُ عما كانَتِ العربُ تفْعَلُه من ضَمِّ اليتيمة الجميلةِ بدُونِ ما تستحقُّه من المَهْر، ومِنْ عَضْلِ الدميمةِ الغنيَّة حتى تموتَ، فيرثها العاضلُ، والذي كَتَبَ اللَّه لهنَّ هو توفيةُ ما تستحقُّه مِنْ مَهْرٍ.

وقوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ، أي: إنْ كانت الجاريةُ غنيَّةً جميلةً، فالرغبةُ في نكاحِهَا، وإن كانَتْ بالعَكْس، فالرغبة عَنْ نكاحها.

وقوله تعالى: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ عَطْفٌ على «يتامى النساء» ، والَّذي يتلى في المستَضْعَفِينَ مِنَ الولدان هو قولُهُ تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ...

[النساء: ١١] الآية وذلك أن العرب كانَتْ لا تورِّثُ الصَّبِيَّةَ، ولا الصبيَّ الصغيرَ، ففرضَ اللَّه تعالى لكلِّ واحدٍ حقَّه.

وقوله تعالى: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ: عطْفٌ أيضاً على ما تقدَّم، والذي تُلِيَ في هذا المعنى هو قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ...

[النساء: ٢] الآية،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ، فَلَمّا فَرَضَ اللَّهُ المَوارِيثَ في هَذِهِ السُّورَةِ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنْ ولِيَّ اليَتِيمَةِ كانَ يَتَزَوَّجُها إذا كانَتْ جَمِيلَةً وهَوِيَها، فَيَأْكُلُ مالَها، وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً مَنعَها الرِّجالُ حَتّى تَمُوتَ، فَإذا ماتَتْ ورِثَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا لا يُؤْتُونَ النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ، ويَتَمَلَّكُ ذَلِكَ أوْلِياؤُهُنَّ، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

والرّابِعُ: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ امْرَأةً كَبِيرَةً، ولَهُ مِنها أوْلادٌ، فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ: لا تَفْعَلْ، واقْسِمْ لِي في كُلِّ شَهْرٍ إنْ شِئْتَ أوْ أكْثَرَ، فَقالَ: لَئِنْ كانَ هَذا يَصْلُحُ، فَهو أحَبُّ إلَيَّ، فَأتى رَسُولُ اللَّهِ  ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ما تَقُولُ، فَإنْ شاءَ أجابَكَ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، والَّتِي بَعْدَها،» رَواهُ سالِمٌ الأفْطَسُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنَّ ولِيَّ اليَتِيمَةِ كانَ إذا رَغِبَ في مالِها وجِمالِها لَمْ يَبْسُطْ لَها في صَداقِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ونُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ، أوْ يُبَلِّغُوا بِهِنَّ أعْلى سَنَتِهِنَّ مِنَ الصَّداقِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ الفَتْوى، وهي تَبْيِينُ المُشَكَلِ مِنَ الأحْكامِ.

وقِيلَ: الِاسْتِفْتاءُ: الِاسْتِخْبارُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والَّذِي اسْتَفْتَوْهُ فِيهِ، مِيراثُ النِّساءِ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: كَيْفَ تَرِثُ المَرْأةُ والصَّبِيُّ الصَّغِيرُ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ "ما" رَفْعٌ، المَعْنى: اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ أيْضًا يُفْتِيكم فِيهِنَّ.

وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ الآَيَةَ.

والَّذِي تُلِيَ عَلَيْهِمْ في التَّزْوِيجِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ وَفِي يَتامى النِّساءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُنَّ النِّساءُ اليَتامى، فَأُضِيفَتِ الصِّفَةُ إلى الِاسْمِ، كَما تَقُولُ: يَوْمُ الجُمُعَةَ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ أُمَّهاتُ اليَتامى، فَأُضِيفَ إلَيْهِنَّ أوْلادُهُنَّ اليَتامى.

وَفِي الَّذِي كُتِبَ لَهُنَّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المِيراثُ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الصَّداقُ.

ثُمَّ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أوْلِياءُ المَرْأةِ كانُوا يَحُوزُونَ صَداقَها دُونَها.

والثّانِي: ولِيُّ اليَتِيمَةُ، كانَ إذا تَزَوَّجَها لَمْ يَعْدِلْ في صَداقِها.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ رَغْبَةً في جَمالِهِنَّ، وأمْوالِهِنَّ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ، وعُبَيْدَةَ.

والثّانِي: وتَرْغَبُونَ عَنْ نِكاحِهِنَّ لِقُبْحِهِنَّ، فَتُمْسِكُوهُنَّ رَغْبَةً في أمْوالِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ المُسْتَضْعَفِينَ خَفْضٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ ﴾ المَعْنى: وفي الوِلْدانِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُوَرِّثُونَ صَغِيرًا مِنَ الغِلْمانِ والجَوارِي، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي سَهْمٍ سَهْمَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ "أنْ" خَفْضٌ، فالمَعْنى: في يَتامى النِّساءِ، وفي أنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ العَدْلَ في مُهُورِهِنَّ ومَوارِيثِهِنَّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِنَ خَيْرٍ فَإنَّ اللهُ كانَ بِهِ عَلِيمًا ﴾ ذَكَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - سِعَةَ مُلْكِهِ؛ وإحاطَتَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ عَقِبَ ذِكْرِ الدِينِ؛ وتَبْيِينِ الجادَّةِ مِنهُ؛ تَرْغِيبًا في طاعَةِ اللهِ ؛ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَسْتَفْتُونَكَ"؛ ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ الصَحابَةِ عن أمْرِ النِساءِ؛ وأحْكامِهِنَّ في المَوارِيثِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ ﴾ ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَ ما سَألْتُمْ عنهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ و"ما" أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ "فِيهِنَّ"؛ ﴾ أيْ: ويُفْتِيكم فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى ؛ وقالَ: أفْتاهُمُ اللهُ فِيما سَألُوا عنهُ؛ وفِيما لَمْ يَسْألُوا عنهُ؛ ويُضْعِفُ هَذا التَأْوِيلَ ما فِيهِ مِنَ العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ المَخْفُوضِ بِغَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ الخَفْضِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ و ﴿ "ما" ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أيْ: ويُفْتِيكم ما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ؛ يَعْنِي القُرْآنَ؛ والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في أمْرِ النِساءِ؛ وهو قَوْلُهُ تَعالى - في صَدْرِ السُورَةِ -: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِساءِ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ «قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلًا؛ ثُمَّ سَألَ ناسٌ بَعْدَها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن أمْرِ النِساءِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِساءِ؛ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ »؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي يَتامى النِساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ ؛ مَعْناهُ النَهْيُ عَمّا كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِن ضَمِّ اليَتِيمَةِ الجَمِيلَةِ الغَنِيَّةِ بِدُونِ ما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ المَهْرِ؛ ومِن عَضْلِ الدَمِيمَةِ الفَقِيرَةِ أبَدًا؛ والدَمِيمَةِ الغَنِيَّةِ؛ حَتّى تَمُوتَ؛ فَيَرِثَها العاضِلُ؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَقْصِدُ بِهِ الوَلِيُّ مَنفَعَةَ نَفْسِهِ؛ لا نَفْعَ اليَتِيمَةِ؛ والَّذِي كَتَبَ اللهُ لَهُنَّ: هو تَوْفِيَةُ ما تَسْتَحِقُّهُ مِن مَهْرٍ؛ وإلْحاقُها بِأقْرانِها.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللهِ المَدَنِيُّ: "فِي يَيامى النِساءِ"؛ بِياءَيْنِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: والقَوْلُ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ أرادَ "أيامى"؛ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً؛ كَما قُلِبَتْ في قَوْلِهِمْ: "باهِلَةُ بْنُ يَعْصُرَ"؛ وإنَّما هو "ابْنُ أعْصُرَ"؛ لِأنَّهُ إنَّما يُسَمّى بِقَوْلِهِ: أبُنَيَّ إنَّ أباكَ غَيَّرَ لَوْنَهُ ∗∗∗ كَرُّ اللَيالِي واخْتِلافُ الأعْصُرِ وكَما قُلِبَتِ الياءُ هَمْزَةً في قَوْلِهِمْ: "قَطَعَ اللهُ أدَهُ"؛ يُرِيدُونَ: "يَدَهُ"؛ و"أيامى": جَمْعُ "أيِّمٌ"؛ أصْلُهُ: "أيايِمُ"؛ قُلِبَتِ اللامُ مَوْضِعَ العَيْنِ؛ فَجاءَ: "أيامى"؛ ثُمَّ أُبْدِلَتْ مِنَ الكَسْرَةِ فَتْحَةٌ؛ ومِنَ الياءِ ألِفٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "يُشْبِهُ أنَّ الداعِيَ إلى هَذا اسْتِثْقالُ الضَمَّةِ عَلى الياءِ"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: كُسِّرَ "أيِّمٌ" عَلى "أيْمى"؛ عَلى وزْنِ "سَكْرى"؛ و"قَتْلى"؛ مِن حَيْثُ الأُيُومَةُ بَلِيَّةٌ تَدْخُلُ كُرْهًا؛ ثُمَّ كُسِّرَ "أيْمى" عَلى "أيامى"؛ لَكانَ وجْهًا حَسَنًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ ؛ إنْ كانَتِ الجارِيَةُ غَنِيَّةً جَمِيلَةً فالرَغْبَةُ في نِكاحِها؛ وإنْ كانَتْ بِالعَكْسِ فالرَغْبَةُ عن نِكاحِها؛ وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - يَأْخُذُ الناسُ بِالدَرَجَةِ الفُضْلى في هَذا المَعْنى؛ فَكانَ إذا سَألَ الوَلِيَّ عن ولِيَّتِهِ فَقِيلَ: هي غَنِيَّةٌ جَمِيلَةٌ؛ قالَ لَهُ: "اُطْلُبْ لَها مَن هو خَيْرٌ مِنكَ وأعْوَدُ عَلَيْها بِالنَفْعِ"؛ وإذا قِيلَ لَهُ: هي دَمِيمَةٌ فَقِيرَةٌ؛ قالَ لَهُ: "أنْتَ أولى بِها؛ وبِالسَتْرِ عَلَيْها؛ مِن غَيْرِكَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ ﴾ ؛ عَطْفٌ عَلى: ﴿ يَتامى النِساءِ ﴾ ؛ والَّذِي تُلِيَ في المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكُمْ  ﴾ ؛ وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُورِّثُ الصَبِيَّةَ؛ ولا الصَبِيَّ الصَغِيرَ؛ وكانَ الكَبِيرُ يَنْفَرِدُ بِالمالِ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ المالَ مَن يَحْمِي الحَوْزَةَ؛ ويَرُدُّ الغَنِيمَةَ؛ ويُقاتِلُ عَنِ الحَرِيمِ؛ فَفَرَضَ اللهُ لِكُلِّ واحِدٍ حَقَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ ﴾ ؛ عَطْفٌ أيْضًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ والَّذِي تُلِيَ في هَذا المَعْنى هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ  ﴾ ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ في مالِ اليَتِيمِ؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ؛ وباقِي الآيَةِ وعْدٌ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ بِالجَزاءِ الجَمِيلِ؛ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف تشريع على إيمان وحكمة وعظة.

ولعلّ هذا الاستفتاء حدث حين نزول الآيات السابقة.

فذكر حكمه عقبها معطوفاً.

وهذا الاستفتاء حصل من المسلمين بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ [النساء: 3] الخ.

وأحسن ما ورد في تفسير هذه الآية ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير أنّه سأل عائشة عن قول الله تعالى: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ﴾ قالت: يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشركه في ماله ويُعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيَها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ.

وأنّ الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله تعالى: ﴿ ويستفتونك في النساء ﴾ .

قالت عائشة: وقول الله تعالى: ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال؛ قالت: فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلاّ بالقسط من أجْل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال، وكان الولي يرغب عن أن ينكحها ويكره أن يزوّجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها.

فنزلت هذه الآية.

فالمراد: ويستفتونك في أحكام النساء إذ قد علم أنّ الاستفتاء لا يتعلّق بالذوات، فهو مثل قوله: ﴿ حرّمت عليكم أمّهاتكم ﴾ [النساء: 23].

وأخصّ الأحكام بالنساء: أحكام ولايتهنّ، وأحكام معاشرتهنّ.

وليس المقصود هنا ميراث النساء إذ لا خطور له بالبال هنا.

وقوله: ﴿ قل الله يفتيكم فيهن ﴾ وعد باستيفاء الإجابة عن الاستفتاء، وهو ضرب من تبشير السائل المتحيّر بأنّه قد وجد طلبته، وذلك مثل قولهم: على الخبير سقطت.

وقوله تعالى: ﴿ سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾ [الكهف: 78].

وتقديم اسم الجلالة للتنويه بشأن هذه الفتيا.

وقوله: ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ عطف على اسم الجلالة، أي ويفتيكم فيهنّ ما يتلى عليكم في الكتاب، أي القرآن، وإسناد الإفتاء إلى ما يُتلى إسناد مجازي، لأنّ ما يتلى دالّ على إفتاء الله فهو سبب فيه، فآل المعنى إلى: قل الله يفتيكم فيهنّ بما يتلى عليكم في الكتاب، والمراد بذلك بما تلي عليهم من أوّل السورة، وما سيتلى بعد ذلك، فإنّ التذكير به وتكريره إفتاء به مرّة ثانية، وما أتبع به من الأحكام إفتاء أيضاً.

وقد ألّمت الآية بخلاصة ما تقدّم من قوله: ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ [النساء: 2 6].

وكذلك أشارت هذه الآية إلى فِقر ممّا تقدّم: بقوله هنا: ﴿ في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهنّ ما كُتب لهنّ ﴾ فأشار إلى قوله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا إلى قوله: فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ [النساء: 3، 4].

ولحذف حرف الجرّ بعد ﴿ ترغبون ﴾ هنا موقع عظيم من الإيجاز وإكثار المعنى، أي ترغبون عن نكاح بعضهنّ، وفي نكاح بعض آخر، فإنّ فعْل رغب يتعدّى بحرف (عن) للشيء الذي لا يُحَبّ؛ وبحرف (في) للشيء المحبوب.

فإذا حذف حرف الجرّ احتمل المعنيين إن لم يكن بينهما تناف، وذلك قد شمله قوله في الآية المتقدّمة ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ﴾ [النساء: 3] الخ.

وأشار بقوله هنا ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ إلى قوله هنالك ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم إلى كَبيراً ﴾ [النساء: 2] وإلى قوله: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم إلى قوله: معروفاً ﴾ [النساء: 5].

وأشار بقوله: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط إلى قوله هنالك وابتلوا اليتامى إلى حسيباً ﴾ [النساء: 6].

ولا شكّ أنّ ما يتلى في الكتاب هو من إفتاء الله، إلاّ أنّه لمّا تقدّم على وقت الاستفتاء كان مغايراً للمقصود من قوله: ﴿ الله يفتيكم فيهنّ ﴾ ، فلذلك صحّ عطفه عليه عطف السبب على المسبّب.

والإفتاء الأنف هو من قوله: ﴿ وإنِ امرأةٌ خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً إلى واسعاً حكيماً ﴾ [النساء: 128 130].

و (في) من قوله: ﴿ في يتامى النساء ﴾ للظرفية المجازية، أي في شأنهن، أو للتعليل، أي لأجلهنّ، ومعنى ﴿ كُتب لهنّ ﴾ فُرِض لهنّ إمّا من أموال من يرثْنَهم، أو من المهور التي تدفعونها لهنّ، فلا توفوهنّ مهور أمثالهنّ، والكلّ يعدّ مكتوباً لهنّ، كما دلّ عليه حديث عائشة رضي الله عنها وعلى الوجهين يجيء التقدير في قوله: ﴿ وترغبون أن تنكحوهنّ ﴾ ولك أن تجعل الاحتمالين في قوله: ﴿ ما كتب لهنّ ﴾ وفي قوله: ﴿ وترغبون أن تنكحوهنّ ﴾ .

مقصودين على حدّ استعمال المشترك في معنييه.

وقوله: ﴿ والمستضعفين ﴾ عطف على ﴿ يتامى النساء ﴾ ، وهو تكميل وإدماج، لأنّ الاستفتاء كان في شأن النساء خاصّة، والمراد المستضعفون والمستضعفات، ولكنّ صيغة التذكير تغليبٌ، وكذلك الولدان، وقد كانوا في الجاهلية يأكلون أموال من في حجرهم من الصغار.

وقوله: ﴿ وأن تقوموا ﴾ عطف على ﴿ يتامى النساء ﴾ ، أي وما يتلى عليكم في القيام لليتامى بالعدل.

ومعنى القيام لهم التدبير لشؤونهم، وذلك يشمل يتامى النساء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ ﴾ الآيَةَ.

اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هو أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّهم في الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا الأطْفالَ، فَلَمّا فَرَضَ اللَّهُ تَعالى المَوارِيثَ في هَذِهِ السُّورَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَعْنِي المَوارِيثَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا لا يُؤْتُونَ النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ ويَتَمَلَّكُها أوْلِياؤُهُنَّ، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ يَعْنِي ما فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ الصَّداقِ وهو قَوْلُ عائِشَةَ.

﴿ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَرْغَبُونَ عَنْ نِكاحِهِنَّ لِقُبْحِهِنَّ.

والثّانِي: تُمْسِكُونَهُنَّ رَغْبَةً في أمْوالِهِنَّ وجَمالِهِنَّ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويستفتونك في النساء...

﴾ الآية.

قال كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة.

فلما كان الإسلام قال: ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ﴾ في أوّل السورة في الفرائض.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئاً، فلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل؟

فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء، فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد، ثم قالوا: سلوا...

فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ﴾ في أول السورة، في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن.

قال سعيد ابن جبير: وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم ينكحها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئاً، كانوا يقولون: لا يغزون ولا يغنمون خيراً، ففرض الله لهن الميراث حقاً واجباً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم في الآية قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها، وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثوها، فأنزل الله هذا.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيرغب أن ينكحها ولا يعطيها مالها رجاء أن تموت فيرثها، وإن مات لها حميم لم تعط من الميراث شيئاً، وكان ذلك في الجاهلية، فبين الله لهم ذلك، وكانوا لا يورثون الصغير والضعيف شيئاً، فأمر الله أن يعطى نصيبه من الميراث.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: كان جابر بن عبدالله له ابنة عم عمياء، وكانت دميمة، وكانت قد ورثت من أبيها مالاً، فكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها رهبة أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكان ناس في حجورهم جوار أيضاً مثل ذلك، فأنزل الله فيهم هذا.

وأخرج ابن أبي شيبة من طريق السدي عن أبي مالك في قوله: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهم ما كتب لهم وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال: كانت المرأة إذا كانت عند ولي يرغب عن حسنها لم يتزوّجها ولم يترك أحداً يتزوّجها ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ قال: كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ﴾ قال: ما يتلى عليكم في أول السورة من المواريث، وكانوا لا يورثون امرأة ولا صبياً حتى يحتلم.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة في قوله: ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ﴾ إلى قوله: ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووراثها قد شركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوّجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية.

وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم عن عائشة قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله: ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ﴾ قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ قالت: وقول الله: ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبداً، فإن كانت جميلة وهويها تزوّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه، وكانوا لا يورثون الصغار ولا البنات وذلك قوله: ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ فنهى الله عنه، وبيَّن لكل ذي سهم سهمه، صغيراً كان أو كبيراً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة، فيرغب عنها أن ينكحها، ولا ينكحها رغبة في مالها.

وأخرج القاضي إسماعيل في أحكام القرآن عن عبد الملك بن محمد بن حزم.

أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها بأحد، وكان له منها ابنة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ابنتها، ففيها نزلت ﴿ ويستفتونك في النساء...

﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن عون عن الحسن وابن سيرين في هذه الآية قال أحدهما: ترغبون فيهن، وقال الآخر: ترغبون عنهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال: ترعبون عنهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبيدة ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال: ترغبون عنهن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ﴾ الآية.

الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة، واستفتيته فأفتاني، إفتاء، وفتيا وفتوى اسمان من: أفتى، يوضعان موضع الإفتاء، ويقال: أفتيت فلانًا في رؤياها (١) (٢) (٣) وذكر عن المفسرين في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما: أن العرب كانت لا تورث والصبيان (٤) (٥) (٦) (٧) والثاني: إن الآية نزلت في توفية الصداق لهن، وكانت اليتيمة تكون عند الرجل، فإن هواها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمةً لم يتزوجها ومنعها الرجال حتى تموت، فيرثها، فأنزل الله هذه الآية.

وهذا معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ .

قال الفراء: موضع (ما) رفع، كأنه قال: يفتيكم فيهن ما يتلى عليكم.

قال: وإن شئت جعلت (ما) في موضع خفض، كأنه قيل: يفتيكم فيهن ما يتلى عليكم (١٠) وقال الزجاج: الرفع أبين، لأن المعنى: الله يفتيكم، والكتاب يفتيكم، فالخفض بعيد جدًا، لأن الظاهر لا يُعطف على المضمر، ولأن المعنى: أن ما يتلى في الكتاب هو الذي مبين ما سألوا عنه، وليس المعنى: أنه يفتي فيهن وفي الكتاب (١١) وقال غيره: ويجوز أن تكون (ما) رفعًا بالابتداء، والخبر محذوف، على تقدير: وما يُتلى في الكتاب مبين له (١٢) قال المفسرون: والذي يُتلى في الكتاب قوله تعالى: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  ﴾ ، وآية الميراث في أول السورة، وعلى قول من يقول: الآية نزلت في توفية الصداق قال: الذي يُتلى في الكتاب قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى  ﴾ (١٣) والله تعالى إنما يحيل بالبيان على وحي سبق نزول، كقوله تعالى:- ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ ﴾ .

قال بعضهم: معناه في النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم، كما تقول: كتاب الكامل، ويوم الجمعة، وحق اليقين.

فتضيف الشيء إلى نفسه وإلى صفته، كذلك تضيف اليتامى إلى النساء، وهن اليتامى، وهذا جائز عند الكوفيين (١٤) وعند البصريين لا يجوز إضافة الموصوف إلى صفته؛ لأن الصفة هي الموصوف عند النحويين في المعنى، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائز، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت أخاك الظريف، فالأخ هو الموصوف، والظريف هو الصفة، والأخ هو الظريف في المعنى.

وإنما امتنع إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الغرض في الإضافة إنما هو التخصيص والتعريف، والشيء لا يُعرف نفسه؛ لأنه لو كان معرفة بنفسه لما احتيج إلى إضافته، وإنما يضاف إلى غيره ليعرفه، ألا ترى أنك تضيف المصدر إلى الفاعل تارة، نحو: عجبت من قيام زيد، وإلى المفعول أخرى، نحو: عجبت من أكل الخبز، وإنما جازت إضافة المصدر إليهما لأنه في المعنى غيرهما، ولا يجيزون: سررت بطالعة الشمس، كما تقول: سررت بطلوع الشمس، لأنَّ طلوعها غيرها، فجازت إضافته إليها، والطالعة هي الشمس فلا تضيفها إلى نفسها.

هذا مذهبهم (١٥) وعلى هذا النساء في الآية غير اليتامى، والمراد بالنساء: أمهات اليتامى، أضيف إليهن أولادهن اليتامى (١٦) يقول (١٧) (١٨) وكذلك ما روى موسى بن عُبيدة (١٩) (٢٠) (٢١)  ، فقالت: أخي توفي وترك بنات ليس عندهن من الحُسن ما يُرغِّب فيهن الرجال، ولا يقسم لهن من ميراث أبيهن شيء، فنزلت فيها هذه الآية (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ .

قال ابن عباس: "يريد ما فُرض لهن من الميراث" (٢٣) وهذا على قول من يقول: نزلت الآية في ميراث اليتامى والصغار، وعلى قول الباقين المراد بقوله: ﴿ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ الصداق.

وقوله تعالى: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ .

قال أبو عبيد يحتمل هذا الرغبة والزهد، فإن حملته على الرغبة كان المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، وإن حملته على الزهد كان المعنى: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن (٢٤) والمفسرون أيضًا مختلفون على هذين الوجهين اللذين ذكرهما أبو عبيد.

روى ابن عون (٢٥) ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ : قال: أحدهما: ترغبون فيهن، وقال الآخر: ترغبون عنهن (٢٦) ولم يبين ابن عون من الذي قال هذا والذي قال ذاك، وبيّنه غيره، قال ابن سيرين: ترغبون فيهن لما لهن، وقال الحسن: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن (٢٧) وقال ابن عباس وعبيدة: "وترغبون في أن تنكحوهن رغبة في مالهن أو جمالهن" (٢٨) وروي عن عائشة  ا الوجهان جميعًا، رُوي عنها أنها قالت: "في اليتيمة تكون في حجر وليها يرغب في مالها وجمالها، ولا يؤتيها سنّة نسائها" (٢٩) وروي عنها أنها قالت: "نزلت في اليتيمة يرغب وليها عن نكاحها، ولا ينكحها، فيعضلها طمعًا في ميراثها، فنهي عن ذلك".

رواه مسلم في "الجامع" عن عائشة، في هذه القصة، فقالت: "ترغبون عنهن" (٣٠) ففي أحد الوجهين أنكر على الأولياء عضل اليتيمة، وفي الثاني أنكر حبس صدقها (٣١) وهذه الآية تعلق بها أصحاب أبي حنيفة، في الاحتجاج على جواز نكاح اليتيمة الصغيرة (٣٢) وعند الشافعي: ليس لغير الأب والجد تزويج الصغيرة (٣٣) وعنده (٣٤) (٣٥) واحتجوا بقوله: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ ولا حجة لهم في الآية؛ لأنَّه يحتمل أن يكون المراد: وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن وجاز نكاحهن، بدليل ما رُوي أن قدامة بن مظعون (تزوج) (٣٦) (٣٧) (٣٨)  ، فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها، فقال رسول الله  : "إنها صغيرة، وإنها لا تزوج إلا بإذنها" وفرق بينها وبين ابن عمر (٣٩) ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاخ اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز.

وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ ﴾ .

يعني: الصغار من الصبيان.

قال ابن عباس: يريد أنهم لم يكونوا يورثون صغيرًا من الغلمان ولا الجواري (٤٠) وهو عطف على يتامى النساء، والمعنى: يفتيكم الله في المستضعفين أن تعطوهم حقوقهم، لأن ما يتلى عليهم في باب اليتامى من قوله: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  ﴾ ، يدل على الفتيا في إعطاء حقوق الصغار من الميراث.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ ﴾ .

قال الفراء: (أنْ) في موضع خفض على: ويفتيكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط (٤١) ونحو ذلك قال الزجاج، قال: المعنى: وما يُتلى عليكم في يتامى النساء، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط (٤٢) قال ابن عباس: يريد العدل في أمورهن وفي مواريثهن (٤٣) ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ يريد من حسن فيما أمرتكم به.

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ﴾ يجازيكم عليه، ولا يضيع لكم شيء منه.

قال الكسائي: هذا على تأويل الجزاء، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ  ﴾ ، ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ ﴾ ، كل هذا جزاء، غير أنه على وجه: فَعَل، ولو كان على: يفعل، لكان جزمًا (٤٤) وقال أبو إسحاق: (إن) أمُّ حروف الجزاء، ولا يجوز الفصل بينها وبين ما يجزم إلا في ضرورة الشعر، نحو: إن زيد يأتك أكرمه، هذا لا يجوز إلا في الشعر، وكذلك الحكم في جميع حروف الجزاء، وذلك نحو قول الشاعر: فمتى واغلٌ يُنبهُم يُحيُوهُ ...

ويُعطَفْ عليه كأسُ السَّاقي (٤٥) ففصل بين متى وبين ما عمل فيه.

فأما الماضي فإن غيرّ عامله في لفظه، فجاز الفصل بينه وبين إن.

وارتفعت امرأة بفعل مضمر، يدل عليه ما بعدها، والمعنى: وإن خافت امرأة خافت (٤٦) (١) هكذا في المخطوط، والصواب: رؤياه (٢) انظر: "الصحاح" 6/ 2452، و"مقاييس اللغة" 4/ 474 (فتى).

(٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 215.

(٤) هكذا في المخطوط ولعل الصواب كما يدل عليه حرف العطف وبقية الكلام، أن هناك كلمة ساقطة وهي: (النساء)، وذلك بعد قوله: لا تورث.

انظر: "الكشف والبيان" 4/ 126 ب، و"زاد المسير" 2/ 215.

(٥) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 126 أ، والبغوي 2/ 293، و"زاد المسير" 2/ 215، وأخرجه بنحوه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: الطبري 5/ 299.

(٦) في "تفسيره" 15/ 175، وأخرجه الطبري 5/ 300، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 392، وانظر: "زاد المسير" 2/ 215، و"الدر المنثور" 2/ 408.

(٧) أخرجه عن قتادة وإبراهيم الطبري 5/ 299 - 300، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 126 ب، و"زاد المسير" 2/ 213، و"الدر المنثور" 2/ 408 - 409.

(٨) في "تفسيره" ص 159، وأخرجه الطبري 5/ 304، وانظر: "زاد المسير" 2/ 213، 214.

(٩) قولهما كالأول وأن القصد المنع من الميراث دون التعرض للنكاح، كما أخرجه عنه الطبري 5/ 299، 300، 301 وانظر: "النكت والعيون" 1/ 532، و"زاد المسير" 2/ 213.

(١٠) "معاني القرآن" 1/ 290.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 114 بتصرف.

(١٢) انظر: "الكشاف" 1/ 301، و"البحر المحيط" 3/ 360، و"الدر المصون" 4/ 100.

(١٣) انظر: الطبري 5/ 298 - 301، و"معاني الزجاج" 2/ 115.

(١٤) انظر: "الإنصاف" للأنباري ص 352، و"البحر المحيط" س/ 362، و"الدر المصون" 4/ 104.

(١٥) انظر: المراجع السابقة ..

(١٦) انظر: "الوسيط" 2/ 725.

(١٧) هكذا في المخطوط، فيحتمل التصحيف، ولعل الصواب: يقوي هذا.

(١٨) لم أقف عليه.

(١٩) هو أبو عبدالعزيز موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي، المدني، ضعفه العلماء، وكان من العباد الفضلاء، توفي رحمه الله سنة 153هـ.

انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 213، و"التقريب" ص 552 رقم (6989).

(٢٠) هو عبد الله بن عبيدة بن نشيط الربذي، ضعفه بعض العلماء وحكم عليه ابن حجر بأنه ثقة، قتلته الخوارج سنة 130 هـ.

انظر: "ميزان الاعتدال" 2/ 459، و"التقريب" ص 313 رقم (3458).

(٢١) هي أم شريك خولة بنت حكيم بن أمية السلمية، صحابية مشهورة، يقال إنها التي وهبت نفسها للنبي  .

انظر: "الاستيعاب" 4/ 391، و"الإصابة" 4/ 290، و"التقريب" ص 746 رقم (8575) (٢٢) "الكشف والبيان" 4/ 126 ب.

(٢٣) أخرجه بمعناه من طرق: الطبري 5/ 299، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 127 أ.

(٢٤) لم أقف عليه.

(٢٥) هو أبو عون عبد الله بن عون بن أرطبان، المزني، البصري، إمام قدوة حافظ من الفضلاء، ويعدّ من التابعين.

توفي رحمه الله سنة 151 هـ.

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 150، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 364، و"التقريب" ص 317 (3519).

(٢٦) أخرجه ابن المنذر.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 410.

(٢٧) أخرج الطبري 5/ 303 هذا الأثر عن الحسن من رواية ابن عون حيث قال الحسن: "ترغبون عنهن" فيتبين بذلك أن القول الآخر لابن سيرين.

وانظر: "زاد المسير" 2/ 216.

(٢٨) أخرجه بمعناه من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس وعن عبيدة: الطبري 5/ 303 - 304.

(٢٩) أخرجه مسلم بنحوه (3018) كتاب: التفسير.

(٣٠) أخرجه بنحوه البخاري (4600) كتاب: التفسير سورة النساء، باب: ويستفتونك في النساء، ومسلم (3018) كتاب: التفسير.

(٣١) الوجه الأول اختيار الطبري 5/ 304.

(٣٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 392، و"بداية المجتهد" 2/ 6.

(٣٣) وقد اعتبر الشافعي رحمه الله الجد أبًا إذا لم يكن ثمَّ أب.

انظر: "الأم" 5/ 20، و"بداية المجتهد" 2/ 6.

(٣٤) أي أبي حنيفة.

(٣٥) انظر: "بداية المجتهد" 2/ 6، و"الاختيار" 3/ 94.

(٣٦) هكذا في المخطوط، والظاهر أن الصواب: "زوج".

(٣٧) هو أبو السائب عثمان بن مظعون بن حبيب بن حذافة الجُمحي صحابي فاضل من السابقين إلى الإسلام، وقد توفي  في حياة الرسول  فذرفت عيناه  .

انظر: "الاستيعاب" 3/ 164، و"أسد الغابة" 3/ 598، و"الإصابة" 2/ 464.

(٣٨) هو أبو عيسى أو أبو محمد المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم قبل الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان، وقد ولي فيما بعد إمرة البصرة والكوفة، توفي  سنة 50 هـ انظر: "الاستيعاب" 3/ 368، و"الإصابة" 3/ 452، و"التقريب" ص 543 رقم (6840).

(٣٩) أخرجه بمعناه أحمد في "مسنده" 2/ 130، وابن ماجه في كتاب: النكاح، باب: (14) نكاح الصغار يزوجهن غير الآباء (1878).

قال في "الزوائد": إسناده موقوف، وفيه عبد الله بن نافع مولى ابن عمر متفق على تضعيفه.

(٤٠) بنحوه في "تفسيره" ص 159، وأخرجه الطبري من طريق ابن أبي طلحة أيضًا 5/ 304 - 305.

(٤١) "معاني القرآن" 1/ 290.

(٤٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 114.

(٤٣) انظر: "الوسيط" 2/ 726، و"زاد المسير" 2/ 216.

(٤٤) انظر: "الدر المصون" 4/ 107.

(٤٥) نسبه الزجاج في "معانيه" 2/ 116، لعدي بن زيد، وكذا في الكتاب 3/ 113، و"المقتضب" 2/ 76، و"الإنصاف" ص 491، و"الدر المصون" 4/ 107.

والواغل: الداخل على الشرب من غير أن يدعوه، وينبهم: ينزل بهم.

(٤٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116، 117 بتصرف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء ﴾ أي يسألونك عما يجب عليهم في أمر النساء ﴿ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ عطف على اسم الله أي يفتيكم الله، والمتلوّ عليكم في الكتاب يعني القرآن ﴿ فِي يتامى النسآء اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ كان الرجل من العرب يتزوّج اليتيمة من أقاربه بدون ما تستحقه من الصداق، فقوله: ما كتب لهن يعني ما تستحقه المرأة من الصداق، وقوله: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ يعني: لجمالهن ومالهن من غير توفية حقوقهن، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك أول السورة في قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى ﴾ [النساء: 3] الآية، وهذه هي التي تليت عليهم في يتامى النساء، ﴿ والمستضعفين مِنَ الولدان ﴾ : عطف على يتامى النساء، والذي يتلى في المستضعفين من الولدان وهو قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ ﴾ [النساء: 11]، لأن العرب كانت لا تورث البنت ولا الابن الصغير، فأمر الله أن يأخذوا نصيبهم من الميراث ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط ﴾ عطف على المستضعفين، أي والذي يتلى عليكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط، ويجوز أن يكون منصوباً تقديره: ويأمركم أن تقوموا، أو الخطاب في ذلك للأولياء، والأوصياء، أو للقضاة وشبههم، والذي تُلي عليهم في ذلك قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ [النساء: 10] الآية، وقوله: ﴿ وَلاَ تأكلوا أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ [البقرة: 188] إلى غير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يصلحا ﴾ من الإصلاح: عاصم وعلي وحمزة وخلف.

الباقون.

﴿ يصالحا ﴾ من التصالح وإدعام التاء في الصاد ﴿ إن يشأ ﴾ حيث كان بغير همز: الأعشى وأوقيه وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.

﴿ وإن تلوا ﴾ بواو واحدة: ابن عامر وحمزة.

الباقون بالواوين ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ كلاهما على ما لم يسم فاعله من التنزيل والإنزال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون: ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ مبنيين للفاعل من التنزيل والإنزال أيضاً.

﴿ وقد نزل ﴾ مشدداً مبنياً للفاعل: عاصم ويعقوب.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ في النساء ﴾ ط ﴿ فيهن ﴾ لا للعطف أي الله والمتلو يفتيكم ﴿ الولدان ﴾ لا للعطف أيضاً أي في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ صلحاً ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ الشح ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ كالمعلقة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سعته ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ أن اتقوا الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ حميداً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ بآخرين ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ والأقربين ﴾ ج لابتداء الشرط مع اتفاق المعنى ﴿ أن تعدلوا ﴾ ج لذلك ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أليماً ﴾ ه لا لأن "الذين" صفة المنافقين وإن كان يحتمل النصب والرفع على الذم ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج لأن ما بعده كالتعليل.

/ ﴿ مثلهم ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة المنافقين.

﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع أنه بيان التربص ﴿ معكم ﴾ ز لترجيح جانب العطف وإتمام بيان النفاق.

﴿ نصيب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب: "إن" ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق والبعث على قبول التكاليف هو ما عليه القرآن الكريم من اقتران الوعد بالوعيد وخلط الترغيب بالترهيب وضم الآيات الدالة على العظمة والكبرياء إلى بيان الأحكام.

والاستفتاء طلب الفتوى.

يقال: استفتيت الرجل فأفتاني إفتاء وفتيا وفتوى وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء وهو إظهار المشكل من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل كأنه قوي بيانه ما أشكل فشب وصار فتياً قوياً.

والاستفتاء لا يقع في ذوات النساء وإنما يقع في حالة من أحوالهن فلذلك اختلفوا؛ فعن بعضهم أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما مر في أول السورة فنزلت في توريثهم.

وقيل: إنه في الأوصياء.

وقيل: في توفية الصداق لهن كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإن كانت جميلة ومال إليها تزوج بها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها.

أما قوله: ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ ففيه وجوه: أحدها أنه رفع بالابتداء معطوفاً على اسم الله أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب يفتيكم أيضاً.

ويجوز أن يكون رفعاً على الفاعلية لكونه عطفاً على المستتر في يفتيكم، وجاز بلا تأكيد للفصل أي يفتيكم الله والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى كقولك: أعجبني زيد وكرمه.

وذلك المتلو هو قوله: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى  ﴾ كما سلف في أول السورة جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب.

وثانيها ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ مبتدأ و ﴿ في الكتاب ﴾ خبره وهي جملة معترضة ويكون المراد من الكتاب اللوح المحفوظ.

والغرض تعظيم حال هذه الآية وأن المخل بها وبمقتضاها من رعاية حقوق اليتامى ظالم متهاون بما عظمه الله، ونظيره في تعظيم القرآن قوله: ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم  ﴾ وثالثها أنه مجرور على القسم لمعنى التعظيم أيضاً كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وحق المتلو.

ورابعها أن يكون مجروراً على أنه معطوف على المجرور في ﴿ فيهن ﴾ قال الزجاج: إنه ليس بسديد لفظاً لعدم إعادة الخافض، ومعنى لأنه لا معنى لقوله القائل: يفتي الله فيما يتلى عليكم من الكتاب، لأن الإفتاء إنما يكون في المسائل.

وقوله: ﴿ في يتامى النساء ﴾ على الوجه الأول صلة ﴿ يتلى ﴾ أي يتلى عليكم في معناهن أو بدل من ﴿ فيهن ﴾ وعلى سائر الوجوه بدل من ﴿ فيهن ﴾ لا غير.

والإضافة في ﴿ يتامى النساء ﴾ قال الكوفيون: إنها إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله في النساء اليتامى.

وقال البصريون: إنها / على تأويل جرد قطيفة وسحق عمامة.

وجوز بعضهم أن يكون المراد بالنساء أمهات اليتامى كما في قصة أم كجة.

ومعنى ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث بناء على أنها نزلت في ميراث اليتامى والصغار.

وقال غيره: يعني ما كتب لهن من الصداق.

﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الشهوة والنفرة أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، أو ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن احتج أصحاب أبي حنيفة بالآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة.

ورد باحتمال أن يكون المراد وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، ولأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر فخطبها المغيرة بن شعبة ورغبت أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله  فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها.

فقال النبي  : "إنها صغيرة وأنها لا تزوج إلا بإذنها وفرق بينها وبين ابن عمر" .

ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ نزلت في ميراث الصغار.

والخطاب في ﴿ أن تقوموا ﴾ للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم.

قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وأن تقوموا ﴾ منصوباً أي ويأمركم أن تقوموا.

ومن جملة ما أخبر الله  أنه يفتيهم به في النساء لكن لم يتقدم ذكره.

قوله ﴿ وإن امرأة خافت ﴾ ارتفاع ﴿ امرأة ﴾ بفعل يفسره خافت أي علمت.

وقيل: ظنت والظاهر أنه على معناه الأصلي إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور العلامات الدالة على وقوع المخوف كأن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو مسنة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل الزوج، والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل منهما صاحبه ويتبع نشوز الرجل أن يعرض عنها ويقبح وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها.

عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول: أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله  وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها.

ومعنى الصلح وهو مصدر من غير لفظ الفعل مثل ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ﴿ أن يصالحا ﴾ على أن تطيب المرأة له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو عن المهر والنفقة فإن هذه الأمور هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى.

أما الوطء فليس كذلك لأن الزوج لا يجبر على الوطء ﴿ والصلح خير ﴾ من الفرقة أو من النشوز والإعراض فاللام للعهد، أو هو خير من الخصومة في كل شيء فاللام للاستغراق وبه تمسك أصحاب أبي حنيفة في جواز الصلح على الإنكار، أو الصلح خير من الخيرات كما أن الخصومة شر من الشرور, والجملة معترضة، وكذا قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب محصل للمقصود.

والشح البخل مع / حرص، وأرض شحاح لا تسيل إلا من مطر كثير.

جعل الشح كالأمر الحاضر للنفوس لأنها جلبت على ذلك.

ثم يحتمل أن يكون هذا تعريضاً بالمرأة أنها تشح ببذل نصيبها أو حقها، أو بالزوج أنه يشح بأنه ينقضي عمره معها مع دمامتها وكبر سنها وعدم الالتذاذ بصحبتها.

واعلم أنه رخص أولاً في الصلح بقوله: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ وغايته ارتفاع الإثم، ثم بين أنه كما لا جناح فيه فكذلك فيه خير كثير.

ثم حث على الإحسان والتقوى وحسم مادة الخصومة رأساً فقال: ﴿ وإن تحسنوا ﴾ أي بالإقامة على نسائكم ﴿ وإن كرهتموهن ﴾ وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة المحوجة إلى الصلح ﴿ فإن الله كان بما تعملون ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خبيراً ﴾ فيثيبكم على ذلك.

وعلى هذا فالخطاب للأزواج، وقيل: الخطاب للزوجين أن يحسن كل منهما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم.

وقيل: لغيرهما أن يحسنوا في المصالحة بينهما ويتقوا الميل إلى واحد منهما.

يحكى أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم.

فأجالت يوماً نظرها في وجهه ثم قالت: الحمد لله.

فقال: مالك؟

فقالت: حمدت الله على إني وإياك من أهل الجنة.

لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر من أهل الجنة.

﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ﴾ لن تقدروا على التسوية بين النساء في ميل الطباع ﴿ ولو حرصتم ﴾ وإذا لم تقدروا عليها بحيث لا يقع ميل ألبتة ولا زيادة ولا نقصان لم تكونوا مكلفين به، وهذا تفسير يناسب مذهب المعتزلة من أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ أي رفع عنكم تمام العدل وغايته ولكن ائتوا منه ما استطعتم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم.

وبوجه آخر لن تستطيعوا التسوية في الميل القلبي ﴿ ولو حرصتم ﴾ ولا التسوية الكلية في نتائج الحب من الأقوال والأفعال لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها وسائر حقوقها وحظوظها من غير رضا منها ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين السماء والأرض لا على قرار أي غير ذات بعل ولا مطلقة.

والغرض النهي عن الميل الكلي مع جواز التفريط في العدل الكلي في نتائج الميل القلبي، وأما الميل القلبي فمعفو بالكل وبالبعض لأن القلب ليس في تصرف الإنسان وإنما هو بين أصبعين من أصابع الرحمن.

عن النبي  أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" يعني المحبة لأن / عائشة كانت أحب إليه.

وعنه  : "من كانت له امرأتان يميل مع أحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" ﴿ وإن تصلحوا ﴾ ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ﴿ وتتقوا ﴾ فيما يستقبل ﴿ فإن الله كان غفوراً رحيماً وإن يتفرقا يغن الله كلاً ﴾ يرزق كل واحد منهما زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشته.

والسعة الغنى والمقدرة ﴿ وكان الله واسعاً ﴾ من الرزق والفضل والرحمة والعلم وأي كمال يفرض ولهذا أطلق.

﴿ حكيماً ﴾ قال ابن عباس: فيما حكم ووعظ.

وقال الكلبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان.

ثم قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وهو كالتفسير لسعة ملكه وملكه.

وفيه أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنسوان ليس لعجز أو افتقار وإنما يعود فائدة ذلك إلى المكلف لأنه الأحسن له في دنياه وعقباه.

ثم بين أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة لم يلحقها نسخ وتبديل، وإن استغناءه  بالنسبة إلى الأمم السالفة كهو بالنسبة إلى الأمم الآتية فقال: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي جنسه ليشمل التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف.

وقوله: ﴿ من قبلكم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ وصينا ﴾ أو بـ ﴿ أوتوا ﴾ وقوله: ﴿ وإياكم ﴾ عطف على ﴿ الذين ﴾ ومعنى ﴿ أن اتقوا ﴾ بأن اتقوا وتكون "أن" المفسرة لأن التوصية في معنى القول.

﴿ وإن تكفروا ﴾ عطف على ﴿ اتقوا ﴾ أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى.

وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصى يخشون عقابه ويرجون ثوابه.

أو قلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة وغيرهم من يوحده ويعبده ويتقيه ﴿ وكان الله ﴾ مع ذلك ﴿ غنياً ﴾ عن خلقه وعن عباداتهم ﴿ حميداً ﴾ في ذاته وإن لم يحمده واحد منهم.

ثم كرر قوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ﴾ تقريراً لأنه أهل أن يتقى وتوكيداً لاستغنائه عن طاعات المطيعين وسيئات المذنبين.

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ يعدمكم أيها الناس ﴿ ويأت بآخرين ﴾ يوجد خلقاً آخرين غير الإنس أو من جنس الإنس ﴿ وكان الله ﴾ على ذلك الإعدام ثم الإيجاد ﴿ قديراً ﴾ بليغ القدرة لم يزل موصوفاً بذلك ولن يزال كذلك.

وفي الآية من التخويف والغضب ما لا يخفى.

وقيل: الخطاب لأعداء النبي  من العرب والمراد بآخرين ناس يوالونه.

يروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله  /بيده على ظهر سلمان وقال: "إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس" .

ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال: ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فماله يطلب الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس.

فالتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء بالشرط ﴿ وكان الله سميعا ﴾ لأقوال المجاهدين والطالبين ﴿ بصيراً ﴾ بمطامح عيونهم ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك.

ثم بيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل ﴿ شهداء لله ﴾ لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره.

وفي كلام الحكماء: "إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى".

أو المراد الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول: أشهد أنّ لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا.

وإنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لله عكس قوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط  ﴾ لأنّ شهادة الله  عبارة عن كونه خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل في تلك المخلوقات، والأول مقدم علىالثاني.

وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم ﴿ إن يكن ﴾ المشهود عليه ﴿ غنياً أو فقيراً ﴾ فلا تكتموا الشهادة طلباً لرضا الغني أو ترحماً على الفقير ﴿ فالله أولى ﴾ بأمورهما ومصالحهما.

وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد هذين إلاّ أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها.

قال السدي: "اختصم إلى النبي  غني وفقير وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير" وأنزل الآية.

وقوله: ﴿ أن تعدلوا ﴾ يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق.

واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى.

ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ﴿ وأن تلووا ﴾ بواوين من لوى يلوي إذا فتل، وبواو واحدة من الولاية والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل ﴿ أو تعرضوا ﴾ عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها.

واعلم أن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلاّ / إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ وظاهر مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل.

فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ في الماضي والحاضر ﴿ آمنوا ﴾ في المستقبل أي دوموا على الإيمان واثبتوا.

الثاني: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ تقليداً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً.

الثالث: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ استدلالاً إجمالياً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً تفصيلياً.

الرابع: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمنوا ﴾ بأن كنه الله  وعظمته وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا ينتهي إليها عقولكم.

الخامس قال الكلبي: "إن عبد الله بن سلام وأسداً وأسيداً ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فأنزل الله هذه الآية فآمنوا بكل ذلك" .

وقيل: إن المخاطبين ليسوا هم المسلمين والتقدير: ﴿ يا أيها الذين آمنوأ ﴾ بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل ﴿ آمنوا ﴾ بمحمد  والقرآن وبجميع الكتب المنزلة من قبل لا ببعضها فقط، لأن طريق العلم بصدق النبي هو المعجز وأنه حاصل في الكل، فالخطاب لليهود والنصارى.

أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالسان ﴿ آمنوا ﴾ بالقلب فهم المنافقون, أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللات والعزى ﴿ آمنوا ﴾ بالله فهم المشركون، والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل جنسه.

فإن قيل: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب.

وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة؟

أجيب بأن الإيمان بالثلاثة يلزم منه الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر، لكنه ربما ادّعى الإنسان أنه يؤمن بالثلاثة ثم إنه ينكر الملائكة واليوم الآخر لتأويلات فاسدة، فلما كان هذا الاحتمال قائماً نص على أن منكر الملائكة والقيامة كافر بالله.

فإن قيل: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب في مراتب الكفر عكس الأمر؟

فالجواب أن الكتاب مقدم على الرسول في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق، وأما في العروج فالرسول مقدم على الكتاب.

وبوجه آخر الرسول الأول هو نبينا محمد  والرسل عام له ولغيره، فلما خص ذكره أولاً للتشريف جعل ذكره تالياً لذكر الله لمزيد التشريف ولبيان أفضليته  .

ثم لما رغب في الإيمان والثبات عليه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً ﴾ والمراد الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان تارات وأطواراً.

قال القفال: وليس المراد بيان العدد بل المراد ترددهم وتمرنهم على ذلك.

وقيل: اليهود هم آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد  .

وقيل: هم المنافقون أظهروا الإسلام / ثم كفروا بنفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ثم ازدادوا كفراً بجدهم واجتهادهم في استخراج وجوه المكايد في حق المسلمين.

قيل: هم طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى على ما أخبر الله  عنهم أنهم قالوا: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون  ﴾ ثم إنهم بالغوا في ذلك وازدادوا إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام.

وفي الآية دلالة على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وذلك يبطل مذهب القائلين بالموافاة وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت الشخص على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان.

وفيها أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان فيجب أن يكون الإيمان كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذا الآخر.

وكيف يزداد كفرهم فيه وجوه: أحدهها أنهم ماتوا على كفرهم.

وثانيها بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم وعلى هذا فإصابة الطاعات وقت الإيمان تكون زيادة في الإيمان.

وثالثها استهزاؤهم بالدين.

أما قوله  : ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ فقيل عليه اللام تفيد نفي التأكيد وهذا لا يليق بالوضع إنما اللائق به تأكيد النفي.

وأجيب بأن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم أفاد تأكيد النفي.

ثم أورد عليه أن الكفر قبل التوبة غير مغفور على الإطلاق وحينئذٍ تضيع الشرائط المذكورة في الآية، وبعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة فكيف يصح النفي؟

وأجيب بأن اللام في الذين لمعهودين وهم قوم علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر لا يتوبون عنه قط، فقوله: ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ إخبار عن موتهم على الكفر، أو اللام للاستغراق وخرج الكلام على الغالب المعتاد وهو أن من كان مضطرب الحال كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه وقع واحتشام.

فالظاهر من حال مثله أنه يموت على الكفر، فليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب كالفاسق يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يرجى منه الثبات والغالب أنه يموت على الفسق.

﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ أي إلى الإيمان عند الأشاعرة، وعند المعتزلة إلى الجنة.

أو محمول على المنع من زيادة الألطاف.

﴿ بشر المنافقين ﴾ تهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتهم الضرب ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ كان المنافقون يوادّون اليهود اعتقاداً منهم أن أمر محمد  لا يتم وحينئذٍ يبتغون بودّهم أن يحصل لهم بهم قوة وغلبة، فخيّب الله آمالهم بقوله: ﴿ فإن العزة لله جميعاً ﴾ وعزّة الله تستتبع عزة الرسول والمؤمنين كقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ و ﴿ جميعاً ﴾ حال من العزة أي مجموعة.

قال المفسرون: إنّ المشركين كانوا بمكة يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به / وبين أظهرهم المسلمون ولا يتهيّأ لهم حينئذِ الإنكار عليهم ظاهراً فنزلت إذا ذاك.

﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ويجالسهم بعض المنافقين فأنزل الله  في هؤلاء المنافقين ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ معنى آية الأنعام ﴿ أن إذا سمعتم آيات الله ﴾ هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله حال كونها يكفر بها ويستهزأ بها.

وقال الكسائي: المعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات كما يقال: سمعت عبد الله يلام وفيه نظر، لأنّ إيقاع فعل السماع على الآيات ممكن بخلاف إيقاعه على عبد الله.

﴿ إنكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ إذا مثلهم ﴾ مثل الأحبار في الكفر و "إذن" ههنا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر ولذلك لم يذكر بعدها الفعل أي إذن تكونوا مثلهم، وأفرد ﴿ مثلهم ﴾ لأنها في معنى المصدر نحو ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴾ \[المؤمنون:47\] وقد جمع في قوله: ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم  ﴾ وإنما لم يحكم بكفر المسلمين بمكة لمجالسة المشركين الخائضين وحكم بنفاق هؤلاء بالمدينة لمجالسة أحبار اليهود الخائضين، لأن مجالسة أولئك المسلمين كانت للضرورة وفي أوان ضعف الإسلام ولم يرد نهي بعد، ومجالسة هؤلاء المنافقين كانت في وقت الاختيار وقوة الإسلام وبعد ورود النهي.

قال أهل العلم: في الآية دليل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان شريكهم في الإثم.

ثم حقق كون المنافقين مثل الكافرين بقوله: ﴿ إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ﴾ يعني القاعدين والمقعود معهم.

والضمير في ﴿ معهم ﴾ يعود إلى الكافرين المستهزئين بدلالة ﴿ يكفر بها ويستهزأ بهأ ﴾ وأراد ﴿ جامع ﴾ بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين تخفيفاً في اللفظ.

والمعنى أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة ومثله قوله  : "المرء مع من أحب" ﴿ يتربصون بكم ﴾ ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من نصر أو إخفاق.

﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ ظهور على اليهود ﴿ قالوا ألم نكن معكم ﴾ مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ وإن كان للكافرين ﴾ أي اليهود نصيب استيلاء مّا في الظاهر ﴿ قالوا ألم نستحوذ عليكم ﴾ الحوذ السوق السريع والاستحواذ الغلبة.

وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح واستصوب.

وفي الآية وجهان: الأول ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم.

الثاني أنّ أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام.

ثم إنّ المنافقين نفروهم / وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد  ويقوى أمركم.

فالمراد ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وأرشدناكم إلى مصالحكم فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.

وفي تسمية ظفر المؤمنين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً تثبيت للمؤمنين وتعظيم لما هم عليه من الدين وتحقير لشأن الكافرين وتوهين لأمرهم، فكان ظفر المسلمين أمر عظيم يفتح له أبواب السماء حين ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين حظ دنيوي ينقضي ولا يبقى منه إلاّ الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي بين المؤمن والمنافق.

والغرض أنه يقال: ما وضع السيف على المنافقين في الدنيا ولكن أخر عقابهم إلى يوم القيامة ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال علي وابن عباس: المراد في الدنيا ولكن بالحجة أي حجة المسلمين غالبة على حجة الكل.

وقيل: في الآخرة.

وقيل: عام في الكل.

والشافعي بنى عليه مسائل منها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه إلى دار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية.

ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً.

ومنها أنّ المسلم لا يقتل بالذمي والله  أعلم.

التأويل: النفس للروح كالمرأة للزوج و ﴿ يتامى النساء ﴾ صفات النفوس و ﴿ ما كتب لهن ﴾ ما أوجب الله للنفوس من الحقوق.

وحاصل المعنى أنّ نفسك مطيتك فارفق بها وإليه الإشارة بقوله: ﴿ والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح ﴾ فالروح تشح بترك حقوق الله، والنفس تشح بحظوظها ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ في رفض حظوظ النفس ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين العالم العلوي والعالم السفلي ﴿ وإن يتفرّقا ﴾ أي الروح والنفس فالروح تجتذب بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله في عالم هويته لتستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود.

والنفس تجتذب عن الروح بجذبة ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله في عالم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ للإيمان ثلاث مراتب: إيمان للعوام أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث والجنة والنار والقدر وهذا إيمان غيبي، وإيمان للخواص وهو أنه  إذا تجلّى للعبد بصفة من صفاته خضع له جميع أجزاء وجوده وآمن بالكلية وهذا إيمان عياني، وإيمان للأخص وهو بعد رفع الحجب الأنانية حين أفناه بصفة الجلال وأبقاه بصفة الجمال فلم يبق له إلا عين وبقي في العين وهذا إيمان عيني ﴿ إنّ الذين آمنوا ﴾ أي بالتقليد ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم يكن للتقليد أصل ﴿ ثم آمنوا ﴾ بالاستدلال العقلي ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور الإلهي ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ بالشبهات والاعتراضات ﴿ لم يكن الله ﴾ في الأزل غافراً لهم بنوره عند الرش ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ اليوم لأن الأصل لا يخطىء ﴿ بشر المنافقين ﴾ أي بشرهم بأن أصلهم من / جوهر الكفار ولهذا اتخذوا الكافرين أولياء فإنّ ائتلافهم ههنا نتيجة تعارف أرواحهم وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون.

/ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ...

﴾ الآية.

ذكر الاستفتاء في النساء، وليس فيه بيان عما وقع به السؤال؛ إذ قد يجوز أن يكون في الجواب بيان المراد في السؤال، وإن لم يكن في السؤال بيان؛ نحو قوله -  -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ  ﴾ ؛ دل الأمر باعتزال النساء في المحيض - على أن السؤال عن المحيض إنما كان عن الاعتزال، وإن لم يكن في السؤال بيان المراد؛ وكذلك قوله -  -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 220]؛ دل قوله: ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ ﴾ على أن السؤال إنما كان عن مخالطة اليتامى؛ وكقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ  ﴾ ،؛ دل قوله ﴿ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ على أن السؤال عن الخمر والميسر - ما ذكر في الجواب من الإثم، وإن لم يكن في السؤال بيان ذلك.

ثم قوله -  -: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ ليس في السؤال ولا في الجواب بيان ما وقع به السؤال؛ فيحتمل أن يكون السؤال في أمورهن جميعاً: في الميراث وغير ذلك من الحقوق، ثم ذكر واحداً فواحداً؛ كقوله -  -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ  ﴾ ، كقوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ﴾ الآية [النساء: 32]، هذا في الميراث.

وأما في الحقوق فقال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ .

ويحتمل غيرها من الحقوق سوى حقوق النكاح، فترك البيان في الجواب؛ لما ذكر واحداً فواحداً في غيرها من الآي؛ إذ الجواب خرج مخرج العدة أنه يفعل بقوله - عز وجل -: ﴿ يُفْتِيكُمْ ﴾ ، وقد فعل هذا، والله أعلم.

ويحتمل غير هذا: وهو أن يترك البيان في السؤال والجواب؛ لنوازل يعرفها أهلها، لم يحتج إلى بيان ما وقع به السؤال؛ لمعرفة أهلها [به].

ويحتمل ما قاله أهل التأويل: وهو أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد؛ وإنما كانوا يورثون المقاتلة من الرجال والذين يجرزون الغنائم، فلما بين الله - عز وجل - للنساء وللصغار نصيباً في الأموال، وفرض لهم حقّاً، سألوا [عند ذلك] رسول الله  عن ذلك؛ فأنزل الله -  -: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ ، وكذلك روي عن ابن عباس -  - وذكر القصة هكذا، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون السؤال وقع عن يتامى النساء؛ ألا ترى أنه قال - عز جل -: ﴿ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ الآية.

قيل: كانت اليتيمة في حجر الرجل ذات مال؛ يرغب عن أن يتزوجها لدمامتها، ويمنعها عن الأزواج؛ رغبة في مالها، وهكذا روي عن عائشة،  ا.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية [النساء: 3].

وقوله: ﴿ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كأنه معطوف على قوله: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ ﴾ ، والمستضعفون من الولدان، على ما ذكرنا من الميراث والحقوق.

﴿ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

في إبقاء حقوقهم وأداء ما لهم عليكم.

﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً ﴾ .

فيجزيكم به، أو كان به عليما: من يفعل الخير ومن لا يفعل الخير، والله أعلم.

وعن الحسن في قوله: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ ، أي: ترغبون عن نكاحهن.

وعن ابن سيرين: لا يرغب في نكاحها؛ لدمامتها، ولا يزوجها غيره؛ رغبة في مالها.

وعلى ذلك يخرج قوله -  -: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ...

﴾ الآية، وقوله -  -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ...

﴾ الآية [النساء: 3].

وفي قوله -  - ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ دلالة أن للولي أن يزوج اليتيمة الصغيرة؛ لأنه لو لم يكن [له] ذلك - لم يكن للعتاب على ترك تزويجهن من غيرهم معنى.

فإن قيل: اسم اليتيم يقع على الصغيرة والكبيرة جميعاً؛ فلعل المراد من اليتيمة: الكبيرة هاهنا، قيل: هو كذلك، غير أن الغالب يقع على الصغائر منهن، والله أعلم.

وفيه دلالة: أن النكاح قد يقوم بالواحد؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ ؛ فلو لم يكن له أن يتزوجها - لم يكن لهذا العتاب معنى؛ دل أن له أن ينكح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً ﴾ .

قيل: خافت، أي: علمت من بعلها نشوزاً.

وقيل: الخوف - هاهنا - خوف لا غير، فمن قال بالخوف فهو حمل على أن يظهر لها منه جفاء؛ يجفوها لدمامتها أو لكبرها، ويسيء صحبتها؛ لترضي بالفراق عنه؛ ليتزوج غيرها، وهو الخوف حقيقة.

وهكذا روي عن ابن عباس -  - أنه قال: إن سودة بنت زمعة خشيت أن يطلقها النبي  فجعلت يومها لعائشة -  ا - فأنزل الله -  -: ﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً...

﴾ الآية.

ثم قال: فهذا الصلح الذي أمر به الله.

فجعل الخوف - هاهنا - خشية.

وعن عائشة -  ا - أنها قالت: هي المرأة تكون عند الرجل دميمة، ولا يحبها زوجها؛ فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني.

وقيل: ﴿ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً ﴾ أي: علمت، والعلم هو أن يكون للرجل امرأتان: إحداهما كبيرة أو دميمة، والأخرى شابة، يميل قلبه إلى الشابة منهما، ويكره صحبة الكبيرة منهما، ويستثقل المقام معها، وأراد فراقها؛ فتقول: لا تفارقني، واجعل أيامي لضرتي، أو يصالحها على أن يكون عند الشابة أكثر من عند الكبيرة، وهو ما روي عن عائشة -  ا - أنها قالت: هي المرأة تكون عند الرجل دميمة، ولا يحبها [زوجها]؛ فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني.

فالخوف هو ما يظهر لها من نشوزه قبل تزوج أخرى - بأعلام، والعلم هو ما يظهر من ترك مضاجعته إياها، وسوء صحبته معها.

وعلى هذين الوجهين رُوي عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - عن بعضهم: يكون عند الرجل امرأتان: إحداهما كبيرة، والأخرى شابة؛ فيؤثر الشابة على الكبيرة؛ فيجري بينهما صلح على أن يمسكها ولا يفارقها على الرضا منها بإبطال حقها أو بدونه، وهو ما روينا من خبر ابن عباس -  - أن سودة -  ا - جعلت أيامها لعائشة -  ا - خشية أن يفارقها.

وكذلك رُوي عن عمر،  .

وروي عن علي -  - أنه أتاه رجل يستفتيه في امرأة خافت من بعلها نشوزاً؛ قال: هي المرأة تكون عند الرجل؛ فتنبو عيناه من دمامتها أو كبرها، أو فقرها، أو سوء خلقها؛ فيكون فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئاً حل له، وإن جعلت من أيامها شيئاً لغيرها فلا حرج.

دلت هذه الأحاديث التي ذكرنا على أن الرجل إذا كان له نسوة أن يسوي بينهن، فيقيم عند كل واحدة يوماً، إلا أن يصطلحا على غير ذلك، والصلح خير، كما قال الله، عز وجل.

وبين قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية.

أن على الرجل - وإن عدل بين نسائه في قسمة الأيام - ألا يخلي إحداهن من الوطء، والله أعلم.

ولا يكون وطؤه كله لغيرها، وتكون الأخرى كالمعلقة التي ليست بأيم ولا ذات زوج، لكنها إذا رضيت بإبطال حقها أو بدون حقها فإنه لا حرج على الزوج في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً ﴾ .

يحتمل: أن يكون رفع الحرج عن الزوج خاصة، وإن كان الفعل مضافاً إليهما؛ إذ ليس للمرأة في ترك حقها حرج، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ  ﴾ ليس على المرأة جناح في الافتداء؛ لأنها تفتدى بمالها، ولها أن تُمَلِّكَ على مالها من شاءت؛ فكأنه قال - عز وجل -: فلا جناح عليه في أخذ ما افتدت، أو في إبطال حقها إذا رضيت.

ويحتمل: أن يكون على ما ذكر، وهو أن لا حرج على المرأة المقام معه وإن استثقل الزوج ذلك ويكره صحبتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: شحت المرأة بنصيبها من زوجها أن تدعه للأخرى، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى.

وقيل: الشح: الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه.

وكأن الشح والحرص واحد، وإن كان أحدهما في المنع، والآخر في الطلب؛ لأن البخل يحمله على الحرص، والحرص يحمله على المنع، وكل واحد منهما يكون سبباً للآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ .

في أن تعطوهن أكثر من حقهن، وتتقوا في ألا تبخسوا من حقهن شيئاً.

ويحتمل: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ ﴾ في [إبقاء] حقهن، والتسوية بينهن، وتتقوا الجور والميل، وتفضيل بعض على بعض.

ويحتمل: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ ﴾ في اتباع ما أمركم الله من طاعته، وتتقوا عما نهاكم الله من معاصيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ .

على الترغيب والوعيد، وقد ذكرنا معناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ .

عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ في إيفاء الحق أن يستوي في قلوبكم الحب ﴿ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ على العدل؛ لا تقدرون عليه في ذلك.

﴿ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ ﴾ .

إلى التي تحب في النفقة والقسم؛ فتأتي الشابة التي تعجبك، وتدع الأخرى بغير قسم ولا نفقة.

روي عن عمر -  - أنه كان يقول: اللَّهُمَّ أما قلبي فلا أملك، ولكن أرجو أن أعدل فيما سوى ذلك.

والعدل - هاهنا - التسوية؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ  ﴾ ليس هو ضد الجور؛ ولكن التسوية: يسوون بين ربهم وبين الأصنام في العبادة.

وعن عبيدة قال: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ في الحب.

وروي عن أبي قلابة -  - أن النبي  كان يعدل بين نسائه في القسمة ويقول: "اللَّهُمَّ هذه قِسْمَتِي فِيْمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذْنِي فِيمَا تَمْلِكُ أَنْتَ وَلاَ أَمْلِكُ" وأصل ذلك: أن في كل ما كان المرء مدفوعاً مضطرّاً - فإنه غير مكلف في ذلك، وفي كل ما كان باختيار منه وإيثار غير عليه - فإنه مكلف في ذلك، والحب مما يدفع المرء فيه ويضطر، ولا صنع له فيه، لم يكلف التسوية فيما يكون مدفوعاً فيه مضطرّاً؛ لأنه لا يملك التسوية، وعلى هذا يخرج قولنا: إن الكافر مكلف بالإيمان في حال الكفر؛ لشغله به، واختياره فعل الكفر، ليس كالمضطر، وقد ذكرنا - فيما تقدم -: أن الاستطاعة تكون على ضربين: استطاعة أحوال وأسباب، واستطاعة أفعال، والاستطاعة التي هي استطاعة الأحوال والأسباب من نحو الصحة والسلامة وغيرهما يجوز قبل ومع وبعد، وأما استطاعة الأفعال فإنها لا تكون إلا مع الفعل، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ ﴾ : في النفقة والقسمة، معناه: لا يحملنكم شدة الحب والميل بالقلب أن تتركوا الإنفاق عليها وإيفاء الحق، أعني: حق القسم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ﴾ .

ليست بأيم ولا ذات بعل، ليست هي بأيم تتكلف هي مؤنتها كما تتكلف الأيم، ولا ذات بعل يتحمل البعل مؤنتها.

وفي حرف أبي بن كعب: "فتذروها كالمسجونة"، وهو ما ذكرنا: لا ينفق هو عليها، ولا يطلقها؛ لتتزوج زوجاً آخر، فهي كالمحبوسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ .

هم ما ذكرنا في قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .

هذا ينقض قول من يقول: إنه لم يكن رحيماً ثم صار رحيماً؛ لأنه أخبر أنه كان رحيماً، وهو يقول: صار رحيما، وبالله العصمة.

ثم المسألة: بأن المرأة إذا جعلت أيامها لضرتها، كان لها أن ترجع وتفسخ ذلك؛ لأنها جعلت لها ما لم يجب بعدُ ولم يلزم؛ فكان كمن أبرأ آخر عن حق لم يجب بعد، فإن إبراءه - باطل، له أن يعود إليه، فيأخذه به إذا وجب؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ .

أي: الزوجان [إن تفرقا؛ لما] لم يقدر الزوج على التسوية بينهن ﴿ يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ : المرأة تتزوج آخر، والرجل بأمرأة [أخرى].

ويحتمل: ﴿ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ أن كل واحد منهما - وإن كان غنيا بالآخر في حال النكاح - فالله قادر على أن يغني كل واحد منهما بعد الافتراق، كما كان يرزق قبل الفراق.

وفيه دليل قطع طمع الارتزاق من غير الله، وإن جاز أن يجعل غيره سبباً في ذلك؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ ﴾ ؛ ليعلم كلٌّ أن غناه لم يكن بالآخر؛ حيث وعد لهما الغناء، وكذلك في قوله -  -: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ...

 ﴾ إلى قوله -  -: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ  ﴾ - دليل قطع طمع الارتزاق بعضهم من بعض في النكاح؛ لما وعد لهم الغناء إذا كانوا فقراء.

وفيه دليل وقوع الفرقة بينهما بالمرأة، وبالمكنى من الكلام؛ لمشاركتهما فيه، وإن كان الزوج هو المنفرد بالفراق؛ لما أضاف [الفعل] إليهما بقوله: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ ﴾ وكذلك قوله -  -: ﴿ فَارِقُوهُنَّ  ﴾ و ﴿ سَرِّحُوهُنَّ  ﴾ ، والله أعلم.

وفيه دليل لزوم النفقة في العدة؛ لأنه ذكر الافتراق، والفراق إنما يكون بانقضاء العدة، ثم أخبر - عز وجل - عن غناء كل واحد منهما بالآخر قبل الفراق؛ دل أن للمرأة غناء بالزوج ما دامت بالعدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً ﴾ .

قيل: واسعاً: جوداً.

وقيل: واسعاً: يوسع على كل منهما رزقه، ﴿ حَكِيماً ﴾ حكم على الزوج: إمساكاً بمعروف أو تسريحاً بإحسان.

وقيل: حكيماً؛ حيث حكم فرقتهما.

وأصل الحكيم: أن يضع كل شيء موضعه.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويسألونك -أيها الرسول- في أمر النساء وما يجب لهن وعليهن، قل: الله يبين لكم ما سألتم عنه، ويبين لكم ما يتلى عليكم في القرآن، في شأن اليتامى من النساء اللاتي تحت ولايتكم، ولا تؤتونهن ما فرض الله لهن من المهر أو الميراث، ولا ترغبون في نكاحهن، وتمنعونهن من النكاح طمعًا في أموالهن، ويبين لكم ما يجب في المستضعفين من الصغار، من إعطائهم حقهم من الميراث، وألا تظلموهم بالاستيلاء على أموالهم، ويبين لكم وجوب القيام على اليتامى بالعدل بما يصلح شأنهم في الدنيا والآخرة، وما تفعلوا من خير لليتامى وغيرهم فإن الله عليم به، وسيجازيكم به.

من فوائد الآيات ما عند الله من الثواب لا يُنال بمجرد الأماني والدعاوى، بل لا بد من الإيمان والعمل الصالح.

الجزاء من جنس العمل، فمن يعمل سوءًا يُجْز به، ومن يعمل خيرًا يُجْز بأحسن منه.

الإخلاص والاتباع هما مقياس قبول العمل عند الله تعالى.

عَظّمَ الإسلام حقوق الفئات الضعيفة من النساء والصغار، فحرم الاعتداء عليهم، وأوجب رعاية مصالحهم في ضوء ما شرع.

<div class="verse-tafsir" id="91.JGZ64"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله