الآية ١٤٨ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٤٨ من سورة النساء

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٨ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٨ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال [ علي ] بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ) يقول : لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد ، إلا أن يكون مظلوما ، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه ، وذلك قوله : ( إلا من ظلم ) وإن صبر فهو خير له .

وقال أبو داود : حدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا سفيان ، عن حبيب ، عن عطاء ، عن عائشة قالت : سرق لها شيء ، فجعلت تدعو عليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تسبخي عنه " .

وقال الحسن البصري : لا يدع عليه ، وليقل : اللهم أعني عليه ، واستخرج حقي منه .

وفي رواية عنه قال : قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه .

وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية : هو الرجل يشتمك فتشتمه ، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه ; لقوله : ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) [ الشورى : 41 ] .

وقال أبو داود : حدثنا القعنبي ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ، ما لم يعتد المظلوم " .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا المثنى بن الصباح ، عن مجاهد في قوله : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) قال : ضاف رجل رجلا فلم يؤد إليه حق ضيافته ، فلما خرج أخبر الناس ، فقال : " ضفت فلانا فلم يؤد إلي حق ضيافتي " .

فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ، حين لم يؤد الآخر إليه حق ضيافته .

وقال محمد بن إسحاق ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) قال : قال هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته ، فيخرج فيقول : " أساء ضيافتي ، ولم يحسن " .

وفي رواية هو الضيف المحول رحله ، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول .

وكذا روي عن غير واحد ، عن مجاهد ، نحو هذا .

وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي ، من طريق الليث بن سعد - والترمذي من حديث ابن لهيعة - كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله ، عن عقبة بن عامر قال : قلنا يا رسول الله ، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا ، فما ترى في ذلك ؟

قال : " إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف ، فاقبلوا منهم ، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، سمعت أبا الجودي يحدث ، عن سعيد بن المهاجر ، عن المقدام أبي كريمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أيما مسلم ضاف قوما ، فأصبح الضيف محروما ، فإن حقا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله " .

تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد أيضا : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا شعبة ، حدثني منصور ، عن الشعبي عن المقدام أبي كريمة ، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ليلة الضيف واجبة على كل مسلم ، فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا له عليه ، إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه " .

ثم رواه أيضا عن غندر عن شعبة .

وعن زياد بن عبد الله البكائي .

عن وكيع ، وأبي نعيم ، عن سفيان الثوري - ثلاثتهم عن منصور ، به .

وكذا رواه أبو داود من حديث أبي عوانة ، عن منصور ، به .

ومن هذه الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة ، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار .

حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا صفوان بن عيسى ، حدثنا محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ; أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن لي جارا يؤذيني ، فقال له : " أخرج متاعك فضعه على الطريق " .

فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق ، فجعل كل من مر به قال : مالك ؟

قال : جاري يؤذيني .

فيقول : اللهم العنه ، اللهم أخزه !

قال : فقال الرجل : ارجع إلى منزلك ، وقال لا أوذيك أبدا " .

وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب ، عن أبي توبة الربيع بن نافع ، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر ، عن محمد بن عجلان به .

ثم قال البزار : لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد ، ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ويوسف بن عبد الله بن سلام ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار بضم " الظاء ".

* * * وقرأه بعضهم: ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ) ، بفتح " الظاء ".

* * * ثم اختلف الذين قرءوا ذلك بضم " الظاء " في تأويله.

فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحب الله تعالى ذكره أن يجْهر أحدُنا بالدعاء على أحد، وذلك عندهم هو " الجهر بالسوء إلا من ظلم "، يقول: إلا من ظلم فيدعو على ظالمه، فإن الله جل ثناؤه لا يكره له ذلك، لأنه قد رخص له في ذلك.

*ذكر من قال ذلك: 10749- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول "، يقول: لا يحب الله أن يدعوَ أحدٌ على أحد، إلا أن يكون مظلومًا، فإنه قد أرخَص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: " إلا من ظلم "، وإن صبر فهو خير له.

10750- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم "، فإنه يحب الجهر بالسوء من القول.

10751- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعًا عليمًا "، عذر الله المظلوم كما تسمعون: أن يدْعو.

10752- حدثني الحارث قال، حدثنا أبو عبيد قال، حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن قال: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدْعُ عليه، ولكن ليقل: " اللهم أعنِّي عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حُلْ بينه وبين ما يريد "، (1) ونحوه من الدعاء.

* * * = فـ" مَنْ"، على قول ابن عباس هذا، في موضع رفع.

لأنه وجَّهه إلى أن الجهر بالسوء في معنى الدعاء، واستثنى المظلوم منه.

فكان معنى الكلام على قوله: لا يحب الله أن يُجْهر بالسوء من القول، إلا المظلوم، فلا حرج عليه في الجهر به.

وهذا مذهب يراه أهل العربية خطأ في العربية.

وذلك أن " مَن " لا يجوز &; 9-345 &; أن يكون رفعًا عندهم بـ " الجهر "، لأنها في صلة " أنْ" ولم ينله الجحد، فلا يجوز العطف عليه.

(2) من خطأٍ عندهم أن يقال: (3) " لا يعجبني أن يقوم إلا زيد ".

وقد يحتمل أن تكون " من " نصبًا، على تأويل قول ابن عباس، ويكون قوله: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول "، كلامًا تامًّا، ثم قيل: " إلا من ظلم فلا حرج عليه "، فيكون من استثناء من الفعل، وإن لم يكن قبل الاستثناء شيء ظاهر يستثنى منه، كما قال جل ثناؤه: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ، [سورة الغاشية: 22-23] ، وكقولهم: " إني لأكره الخصومة والمِراء، اللهم إلا رجلا يريد الله بذلك "، ولم يذكر قبله شيء من الأسماء.

(4) * * * و " مَن "، على قول الحسن هذا، نصبٌ، على أنه مستثنى من معنى الكلام، لا من الاسم، كما ذكرنا قبل في تأويل قول ابن عباس، إذا وُجِّه " مَن "، إلى النصب، وكقول القائل: " كان من الأمر كذا وكذا، اللهم إلا أن فلانًا جزاه الله خيرًا فَعَل كذا وكذا ".

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحب الله الجهرَ بالسوء من القول، إلا من ظُلم فيخبر بما نِيلَ منه.

*ذكر من قال ذلك: 10753- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هو الرجل ينـزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج من عنده فيقول: أساءَ ضيافتي ولم يُحسن!

10754- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن &; 9-346 &; ابن جريج، عن مجاهد: " إلا من ظلم "، قال: إلا من أثَر ما قيل له.

(5) 10755- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم "، قال: هو الضيف المحوَّل رحلُه، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.

* * * وقال آخرون: عنى بذلك، الرجلَ ينـزل بالرجل فلا يقريه، فينالُ من الذي لم يقرِه.

*ذكر من قال ذلك: 10756- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إلا من ظلم "، قال: إلا من ظلم فانتصر، يجهر بالسوء.

10757- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، مثله.

10758- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد= وعن حميد الأعرج، عن مجاهد: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم "، قال: هو الرجل ينـزل بالرجل فلا يحسن إليه، فقد رخص الله له أن يقول فيه .

(6) 10759- وحدثني أحمد بن حماد الدولابي قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد،" لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم "، قال: هو في الضيافة، يأتي الرجل القوم، فينـزل عليهم، فلا يضيفونه.

رخَّص الله له أن يقول فيهم.

(7) 10760- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول " الآية، قال: ضاف رجل رجلا فلم يؤدِّ إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: " ضفتُ فلانًا فلم يؤدّ حق ضيافتي"!

فذلك جهرٌ بالسوء إلا من ظلم، حين لم يؤدِّ إليه ضيافته.

10761- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد: إلا من ظلم فانتصر، يجهر بسوء.

قال مجاهد: نـزلت في رجل ضاف رجلا بفلاةٍ من الأرض فلم يضفه، فنـزلت: " إلا من ظلم "، ذكر أنه لم يضفه، لا يزيد على ذلك.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، فإن الله قد أذن له في ذلك.

*ذكر من قال ذلك: 10762- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم "، يقول: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحدٍ من الخلق، ولكن من ظلم فانتصر بمثل ما ظُلم، فليس عليه جناح.

= فـ" مَن "، على هذه الأقوال التي ذكرناها، سوى قول ابن عباس، في موضع نصب على انقطاعه من الأول.

والعرب من شأنها أن تنصب ما بعد " إلا " في الاستثناء المنقطع.

* * * فكان معنى الكلام على هذه الأقوال، سوى قول ابن عباس: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، ولكن من ظلم فلا حرج عليه أن يخبر بما نٍيل منه، أو ينتصر ممن ظلمه.

* * * وقرأ ذلك آخرون بفتح " الظاء ": ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ) ، وتأولوه: لا يحب الله الجهرَ بالسوء من القول، إلا من ظلم فلا بأس أن يُجْهر له بالسوء من القول.

*ذكر من قال ذلك: 10763- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان أبي يقرأ: ( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظَلَمَ ) ، قال ابن زيد: يقول: إلا من أقام على ذلك النفاق، فيُجهر له بالسوء حتى ينـزع.

قال: وهذه مثل: وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ ، أن تسميه بالفسق= بَعْدَ الإِيمَانِ ، بعد إذ كان مؤمنًا= وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ، من ذلك العمل الذي قيل له= فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، [سورة الحجرات: 11] ، قال: هو شرٌّ ممن قال ذلك.

(8) 10764- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظَلم " ، فقرأ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ حتى بلغ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا .

ثم قال بعد ما قال: هم في الدرك الأسفل من النار= مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ، ( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظَلَمَ ) ، قال: لا يحب الله أن يقول لهذا: " ألست نافقت؟

ألست المنافق الذي ظلمتَ وفعلت وفعلت؟"، من بعد ما تاب=" إلا من ظلم "، إلا من أقام على النفاق.

قال: وكأن أبي يقول ذلك له، ويقرأها: ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ) .

* * * = فـ" مَنْ" على هذا التأويل نَصْبٌ لتعلقه بـ " الجهر ".

* * * وتأويل الكلام، على قول قائل هذا القول: لا يحب الله أن يجهر أحد لأحد من المنافقين بالسوء من القول، إلا من ظلم منهم فأقام على نفاقه، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: ( إِلا مَنْ ظُلِمَ ) بضم " الظاء "، لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل على صحتها، وشذوذ قراءة من قرأ ذلك بالفتح.

* * * فإذ كان ذلك أولى القراءتين بالصواب، فالصواب في تأويل ذلك: لا يحب الله، أيها الناس، أن يجهر أحدٌ لأحد بالسوء من القول=" إلا من ظلم "، بمعنى: إلا من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء عليه.

(9) وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه إخبار من لم يُقْرَ، أو أسيء قراه، أو نيل بظلم &; 9-350 &; في نفسه أو ماله= غيرَه من سائر الناس.

(10) وكذلك دعاؤه على من ناله بظلم: أن ينصره الله عليه، لأن في دعائه عليه إعلامًا منه لمن سمع دعاءه عليه بالسوء له.

* * * وإذْ كان ذلك كذلك، فـ" مَن " في موضع نصب، لأنه منقطع عما قبله، وأنه لا أسماء قبله يستثنى منها، فهو نظير قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ [سورة الغاشية: 22-23] .

* * * وأما قوله: " وكان الله سميعًا عليمًا "، فإنه يعني: " وكان الله سميعًا "، لما تجهرون به من سوء القول لمن تجهرون له به، وغير ذلك من أصواتكم وكلامكم=" عليمًا "، بما تخفون من سوء قولكم وكلامكم لمن تخفون له به فلا تجهرون له به، محص كل ذلك عليكم، حتى يجازيكم على ذلك كله جزاءَكم، المسيء بإساءته، والمحسن بإحسانه.

(11) ---------------------- الهوامش : (1) في المخطوطة: "اللهم حل بيني وبين ما يريد" ، وما في المطبوعة أشبه بالصواب.

(2) في المطبوعة: "لأنها في صلة"أن" ، و"أن" لم ينله الجحد" ، بزيادة"أن" ، وما في المخطوطة صواب محض.

(3) في المطبوعة: "من الخطأ عندهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 293 ، 294.

(5) في المطبوعة: "آثر" بمد الهمزة ، وهو خطأ."أثر الحديث يأثره": حكاه ورواه وتحدث به.

ومنه: "قول مأثور" ، أي: يخبر الناس به بعضهم بعضًا ، وينقله خلف عن سلف.

(6) الأثر: 10758 -"إبراهيم بن أبي بكر المكي الأخنسي" ، سمع طاوسا ومجاهدًا.

وروى عنه ابن أبي نجيح وابن جريج مترجم في التهذيب.

وكان في المخطوطة: "إبراهيم عن أبي بكير" ، وفي الإسناد الذي يليه: 10759: "إبراهيم ابن أبي بكير".

وهذا اختلاف مشكل.

ففي الإسناد الأول كما في المخطوطة ، لم أعرف من يكون"إبراهيم".

أما "أبو بكير" ، ففيهم"أبو بكير مرزوق التيمي الكوفي" ، يروي عن مجاهد ، مضى برقم: 4305 ، وليس هذا فيما أرجح.

وأما "إبراهيم بن أبي بكير" في الإسناد الثاني ، فمنهم: "إبراهيم بن أبي بكير" ذكره البخاري في الكبير 1 / 1 / 277 في ترجمة"إبراهيم أبو بكير" ، وكأنه خطأ من ناسخ حذف"بن"= و"إبراهيم بن أبي بكير بن إبراهيم" مترجم في ابن أبي حاتم 1 / 1 / 90 ، وكلاهما لم يذكر لأحد منها رواية عن مجاهد.

فمن أجل هذا صح عندي أنه الذي في المطبوعة هو الصواب إن شاء الله؛ لرواية"إبراهيم بن أبي بكر" عن مجاهد ، ورواية ابن نجيح عنه.

(7) الأثر: 10759 - كان في المخطوطة: "إبراهيم بن أبي بكير".

وانظر التعليق على الأثر السالف.

(8) في المطبوعة: "هو أشر ممن قال ذلك له" ، والذي في المخطوطة صواب محض.

(9) في المطبوعة: "أسيء إليه" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب لأنه أراد أن يضمن"يسيء" ، معنى"يبغي عليه" ، فألحق بها حرف الثانية ، كأنه قال: بما أسيء إليه بغيًا عليه.

(10) في المطبوعة: "عنوة من سائر الناس" ، وهو لا معنى له.

والصواب ما في المخطوطة.

وقوله: "غيره" منصوب مفعول به للمصدر"إخبار" ، وسياق الكلام: دخل فيه إخبار من لم يقر ...

غيره من سائر الناس" ، أي يخبر غيره من سائر الناس بما أصابه ونيل منه.

(11) انظر تفسير"سميع" و"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليمافيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول وتم الكلام ، ثم قال : إلا من ظلم استثناء ليس من الأول في موضع نصب ؛ أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان .

ويجوز أن يكون في موضع رفع ويكون التقدير : لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم .

وقراءة الجمهور " ظلم " بضم الظاء وكسر اللام ؛ ويجوز إسكانها .

ومن قرأ " ظلم " بفتح الظاء وفتح اللام وهو زيد بن أسلم وابن أبي إسحاق وغيرهما على ما يأتي ، فلا يجوز له أن يسكن اللام لخفة الفتحة .

فعلى القراءة الأولى قالت طائفة : المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به .

ثم اختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك ؛ فقال الحسن : هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه ، ولكن ليقل : اللهم أعني عليه ، اللهم استخرج حقي ، اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي .

فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء .

وقال ابن عباس وغيره : المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه ، وإن صبر فهو خير له ؛ فهذا إطلاق في نوع الدعاء على الظالم .

وقال أيضا هو والسدي : لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول .

وقال ابن المستنير : إلا من ظلم معناه ؛ إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفر أو نحوه فذلك مباح .

والآية على هذا في الإكراه ؛ وكذا قال قطرب : إلا من ظلم يريد المكره ؛ لأنه مظلوم فذلك موضوع عنه وإن كفر ؛ قال : ويجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم على البدل ؛ كأنه قال : لا يحب الله إلا من ظلم ، أي لا يحب الله الظالم ؛ فكأنه يقول : يحب من ظلم أي يأجر من ظلم .

والتقدير على [ ص: 366 ] هذا القول : لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم ، على البدل .

وقال مجاهد : نزلت في الضيافة فرخص له أن يقول فيه .

قال ابن جريج عن مجاهد : نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضفه فنزلت إلا من ظلم ورواه ابن أبي نجيح أيضا عن مجاهد ؛ قال : نزلت هذه الآية لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم في الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه : إنه لم يحسن ضيافته .

وقد استدل من أوجب الضيافة بهذه الآية ؛ قالوا : لأن الظلم ممنوع منه فدل على وجوبها ؛ وهو قول الليث بن سعد .

والجمهور على أنها من مكارم الأخلاق وسيأتي بيانها في " هود " والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - وإن كان مؤمنا كما قال الحسن ؛ فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا ؛ وقد تقدم في " البقرة " .

وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء ؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف وقال : اللهم عليك بفلان وفلان سماهم .

وإن كان مجاهرا بالظلم دعي عليه جهرا ، ولم يكن له عرض محترم ولا بدن محترم ولا مال محترم .

وقد روى أبو داود عن عائشة قال : سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبخي عنه أي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه .

وروي ، أيضا عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته .

قال ابن المبارك : يحل عرضه يغلظ له ، وعقوبته يحبس له .

وفي صحيح مسلم مطل الغني ظلم .

فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ومطل ظلم ، وذلك يبيح من عرضه أن يقال فيه : فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك ؛ حكي معناه عن سفيان ، وهو معنى قول ابن المبارك رضي الله عنهما .الثانية : وليس من هذا الباب ما وقع في صحيح مسلم من قول العباس في علي رضي الله عنهما بحضرة عمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين اقض [ ص: 367 ] بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن .

الحديث .

ولم يرد عليه واحد منهم ؛ لأنها كانت حكومة ، كل واحد منهما يعتقدها لنفسه ، حتى أنفذ فيها عليهم عمر الواجب ؛ قاله ابن العربي .

وقال علماؤنا : هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت ، وأما إذا تفاوتت ، فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء ، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب ؛ وهذا صحيح وعليه تدل الآثار .

ووجه آخر : وهو أن هذا القول أخرجه من العباس الغضب وصولة سلطة العمومة !

فإن العم صنو الأب ، ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الإغلاظ والردع مبالغة في تأديبه ، لا أنه موصوف بتلك الأمور ؛ ثم انضاف إلى هذا أنهم في محاجة ولاية دينية ؛ فكان العباس يعتقد أن مخالفته فيها لا تجوز ، وأن مخالفته فيها تؤدي إلى أن يتصف المخالف بتلك الأمور ؛ فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه ؛ ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروا عليه ؛ أشار إلى هذا المازري والقاضي عياض وغيرهما .الثالثة : فأما من قرأ " ظلم " بالفتح في الظاء واللام - وهي ، قراءة زيد بن أسلم ، وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعد محمد بن كعب القرظي ، وقراءة ابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب - فالمعنى : إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول ؛ في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له والرد عليه ؛ المعنى لا يحب الله أن يقال لمن تاب من النفاق : ألست نافقت ؟

إلا من ظلم ، أي أقام على النفاق ؛ ودل على هذا قوله تعالى : إلا الذين تابوا .

قال ابن زيد : وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار كان ذلك جهرا بسوء من القول ، ثم قال لهم بعد ذلك : ما يفعل الله بعذابكم على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان .

ثم قال للمؤمنين : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم في إقامته على النفاق ؛ فإنه يقال له : ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل من النار ؟

ونحو هذا من القول .

وقال قوم : معنى الكلام : لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول ، ثم استثنى استثناء منقطعا ؛ أي لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك .[ ص: 368 ] قلت : وهذا شأن كثير من الظلمة ودأبهم ؛ فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم وينالون من عرض مظلومهم ما حرم عليهم .

وقال أبو إسحاق الزجاج : يجوز أن يكون المعنى " إلا من ظلم " فقال سوءا ؛ فإنه ينبغي أن تأخذوا على يديه ؛ ويكون الاستثناء ليس من الأول .قلت : ويدل على هذا أحاديث منها قوله عليه السلام : خذوا على أيدي سفهائكم .

وقوله : انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا : هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟

قال : تكفه عن الظلم .

وقال الفراء : " إلا من ظلم " يعني ولا من ظلم .قوله تعالى : وكان الله سميعا عليما تحذير للظالم حتى لا يظلم ، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحد في الانتصار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول، أي: يبغض ذلك ويمقته ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن، كالشتم والقذف والسب ونحو ذلك فإن ذلك كله من المنهي عنه الذي يبغضه الله.

ويدل مفهومها أنه يحب الحسن من القول كالذكر والكلام الطيب اللين.

وقوله: { إِلَّا مَن ظُلِمَ } أي: فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه ويتشكى منه، ويجهر بالسوء لمن جهر له به، من غير أن يكذب عليه ولا يزيد على مظلمته، ولا يتعدى بشتمه غير ظالمه، ومع ذلك فعفوه وعـدم مقابلته أولى، كما قـال تعالى: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } { وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } ولما كانت الآية قد اشتملت على الكلام السيئ والحسن والمباح، أخبر تعالى أنه { سميع } فيسمع أقوالكم، فاحذروا أن تتكلموا بما يغضب ربكم فيعاقبكم على ذلك.

وفيه أيضا ترغيب على القول الحسن.

{ عَلِيمٌ } بنياتكم ومصدر أقوالكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) يعني : لا يحب الله الجهر بالقبح من القول إلا من ظلم ، فيجوز للمظلوم أن يخبر عن ظلم الظالم وأن يدعو عليه ، قال الله تعالى : " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل " ( الشورى - 41 ) ، قال الحسن : دعاؤه عليه أن يقول : اللهم أعني عليه اللهم استخرج حقي منه ، وقيل : إن شتم جاز أن يشتم بمثله لا يزيد عليه .

أخبرنا أبو عبد الله الخرقي ، أنا أبو الحسن الطيسفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنا علي بن حجر ، أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، أنا العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم " .

وقال مجاهد هذا في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله أن يشكو ويذكر ما صنع به .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ، أنا قتيبة بن سعيد ، أنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر ، أنه قال : قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟

فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم " .

وقرأ الضحاك بن مزاحم وزيد بن أسلم : ( إلا من ظلم ) بفتح الظاء واللام ، معناه : لكن الظالم اجهروا له بالسوء من القول ، وقيل معناه : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن يجهر من ظلم ، والقراءة الأولى هي المعروفة ، ( وكان الله سميعا ) لدعاء المظلوم ، ( عليما ) بعقاب الظالم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا يحب الله الجهر بالسوء من القول» من أحد أي يعاقبه عليه «إلا من ظُلم» فلا يؤاخذه بالجهر به بأن يخبر عن ظلم ظالمه ويدعو عليه «وكان الله سميعا» لما يقال «عليما» بما يفعل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا يُحِبُّ الله أن يَجهر أحدٌ بقول السوء، لكن يُباح للمظلوم أن يَذكُر ظالمه بما فيه من السوء؛ ليبيِّن مَظْلمته.

وكان الله سميعًا لما تجهرون به، عليمًا بما تخفون من ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - : ( لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسواء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ ) نهى للمؤمنين عن الاسترسال فى الجهر بالسوء إلا عندما يوجد المقتضى لهذا الجهر .وعدم محبته - سبحانه - لشئ كناية عن غضبه على فاعله وعدم رضاه عنه ، والجهر بالقول معناه : النطق به فى إعلان ، ونشره بين الناس ، وإذاعته فيهم فهو يقابل السر والإِخفاء .والقول السوء : هو الذى يسوء من يقال فيه ويؤذيه فى شرفه ، أو عرضه أو غير ذلك مما يلحق به شرا .والمعنى : لا يحب الله - تعالى - لأحد من عباده أن يجهر بالأقوال السيئة أو الأفعال السيئة ، إلا من وقع عليه الظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول فى الحدود التى تمكنه من رفع الظلم عنه دون أن يتجاوز ذلك ، كأنه يجهر الخصم بما ارتكبه خصمه فى حقه من مآثم .

وكأن يذكر المظلوم الظالم بالقول السئ فى المجالس العامة والخاصة متحريا البعد عن الكذب والبهتان .قال القرطبى ما ملخصه : والذى يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - إن كان مؤمنا ، فأما أن يقابل القذف بالقذب ونحوه فلا ، وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال : " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف " .وإن كان مجارها بالظلم دعا عليه الداعى جهرا ، ولم يكن لهذا المجاهر عرض محترم ، ولا بدن محترم ، ولا بدن محترم ولا مال محترم .

وقد روى أبو داود " عن عائشة أنها قالت : سرق لها شئ فجعلت تدعو عليه - أى على السابق - فقال رسول الله صلى الله علي وسلم " لا تسبخى عنه " أى : لا تخففى عنه العقوبة بدعائك عليه .

وروى أبو داود - أيضا - عن عمر بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته " أى : المماطلة من القادر على دفع الحقوق لأصحابها ظلم يبيح للناس أن يذكروه بالسوء .وقول السوء بدون مقتض يبغضه الله سواء أكان هذا القول سرا أو جهرا إلا أنه - سبحانه - خص الجهر بالذكر لأنه أشد فحشا ، ولأنه أكثر جلبا للعداوة بين الناس ، وأشد تأثيرا فى إشاعة الجرائم فى المجتمع ، فإن كثرة سماع الناس للكلام السئ .

وللقول الماجن ، يغرى الكثير منهم بترديد ما سمعوه ، وبحكايته فى أول الأمر بشئ من الحياء ، ثم لا يلبث هذا الحياء أن يزول بسبب إلف الناس للكثير من الألفاظ النابية ، والأقوال السيئة .وأنت تقرأ القرآن فتراه فى عشرات الآيات يأمر أبتاعه بالمداومة على النطق بالكلام الطيب حتى تنتشر بينهم المحبة والمودة .

ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ التي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشيطان كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً ) والخلاصة أن الإِسلام يحب لأتباعه أن يلتزموا النطق بالكلمة الطيبة ، ويكره لهم أن يجهروا بالسوء من القول إلا فى حالة وقوع ظلم عليهم ، ففى هذه الحالة يجوز لهم أن يجهروا بالسوء من القول حتى يرتدع الظالم عن ظلمه .والاسثناء فى قوله ( إِلاَّ مَن ظُلِمَ ) استثناء منقطع ، فتكون إلا بمعنى لكن .أى : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن من ظلم له أن يجهر بالسوء لكى يدفع ما وقع عليه من ظلم .ويحتمل أن يكون متصلا فيكون المعنى : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من أحد إلا ممن ظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول لرفع الظلم عنه فيكون الاستثناء من الفاعل المحذوف وهو - من أحد - أو : لا يحب الله الجهر السوء من القول إلا جهر من ظلم فإنه ليس بخارج عن محبة الله لأن دفع الظلم واجب .

فيكون الكلام على تقدير مضاف محذوف .وقوله : ( وَكَانَ الله سَمِيعاً عَلِيماً ) تذييل قصد به التحذير من التعدى فى الجهر المأذون فيه ، ووعد للمظلوم بأنه - تعالى - يسمع شكواه ودعاءه ، ويعلم ظلم ظالمه .أى : وكان الله سميعا لكل ما يسر به المسرون أو يجهر به المجاهرون ، عليما بما يدور فى النفوس من بواعث وهواجس ، وسجيازى كل إنسان بأقواله وأعماله ، إن خيرا فخير ، وإن شراً فشر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر غير لائق بالرحيم الكريم ذكر تعالى ما يجري مجرى العذر في ذلك فقال: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ يعني أنه تعالى لا يحب إظهار الفضائح والقبائح إلا في حق من عظم ضرره وكثر مكره وكيده، فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اذكروا الفاسق بما فيه كي تحذره الناس».

وهؤلاء المنافقون قد كان كثر مكرهم وكيدهم وظلمهم في حق المسلمين وعظم ضررهم، فلهذا المعنى ذكر الله فضائحهم وكشف أسرارهم.

الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية المتقدمة أن هؤلاء المنافقين إذا تابوا أخلصوا صاروا من المؤمنين، فيحتمل أنه كان يتوب بعضهم ويخلص في توبته ثم لا يسلم بعد ذلك من التعيير والذم من بعض المسلمين بسبب ما صدر عنه في الماضي من النفاق، فبين تعالى في هذه الآية أنه تعالى لا يحب هذه الطريقة، ولا يرضى بالجهر بالسوء من القول إلا من ظلم نفسه وأقام على نفاقه فإنه لا يكره ذلك.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه تعالى لا يريد من عباده فعل القبائح ولا يخلقها، وذلك لأن محبة الله تعالى عبارة عن إرادته، فلما قال: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول ﴾ علمنا أنه لا يريد ذلك، وأيضاً لو كان خالقاً لأفعال العباد لكان مريداً لها، ولو كان مريداً لها لكان قد أحب إيجاد الجهر بالسوء من القول، وإنه خلاف الآية.

والجواب: المحبة عندنا عبارة عن إعطاء الثواب على الفعل، وعلى هذا الوجه يصح أن يقال: إنه تعالى أراده ولكنه ما أحبه والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال أهل العلم: إنه تعالى لا يحب الجهر بالسوء من القول ولا غير الجهر أيضاً، ولكنه تعالى إنما ذكر هذا الوصف لأن كيفيته الواقعة أوجبت ذلك كقوله: ﴿ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ  ﴾ والتبين واجب في الطعن والإقامة، فكذا هاهنا.

المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ قولان، وذلك لأنه إما أن يكون استثناءً منقطعاً أو متصلاً.

القول الأول: أنه استثناء متصل، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: قال أبو عبيدة هذا من باب حذف المضاف على تقدير: إلا جهر من ظلم.

ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

الثاني: قال الزجاج: المصدر هاهنا أقيم مقام الفاعل، والتقدير: لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم.

القول الثاني: إن هذا الاستثناء منقطع، والمعنى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته.

المسألة الخامسة: المظلوم ماذا يفعل؟

فيه وجوه: الأول: قال قتادة وابن عباس: لا يحب الله رفع الصوت بما يسوء غيره إلا المظلوم فإن له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه.

الثاني: قال مجاهد: إلا أن يخبر بظلم ظالمه له.

الثالث: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكتومة، لأن ذلك يصير سبباً لوقوع الناس في الغيبة ووقوع ذلك الإنسان في الريبة، لكن من ظلم فيجوز إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب، وهذا قول الأصم.

الرابع: قال الحسن: إلا أن ينتصر من ظالمه.

قيل نزلت الآية في أبي بكر رضي الله عنه، فإن رجلاً شتمه فسكت مراراً، ثم رد عليه فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه قمت، قال: إن ملكاً كان يجيب عنك، فلما رددت عليه ذهب ذلك الملك وجاء الشيطان، فلم أجلس عند مجيء الشيطان، فنزلت هذه الآية.

المسألة السادسة: قرأ جماعة من الكبار: الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير ﴿ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ بفتح الظاء، وفيه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول ﴾ كلام تام، وقوله: ﴿ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ كلام منقطع عما قبله، والتقدير: لكن من ظلم فدعوه وخلوه، وقال الفرّاء والزجاج: يعني لكن من ظلم نفسه فإنه يجهر بالسوء من القول ظلماً واعتداء.

الثاني: أن يكون الاستثناء متصلاً والتقدير ﴿ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ فإنه يجوز الجهر بالسوء من القول معه.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله سَمِيعاً عَلِيماً ﴾ وهو تحذير من التعدي في الجهر المأذون فيه، ويعني فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً بسوء فإنه يصير عاصياً لله بذلك، وهو تعالى سميع لما يقوله عليم بما يضمره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إَلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم.

وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء.

وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ [الشورى: 41] وقيل: ضاف رجل قوماً فلم يطعموه، فأصبح شاكياً، فعوتب على الشكاية فنزلت، وقرئ ﴿ إلا من ظلم ﴾ على البناء للفاعل للانقطاع.

أي ولكن الظالم راكب ما لا يحبه الله فيجهر بالسوء.

ويجوز أن يكون (من ظلم) مرفوعاً، كأنه قيل: لا يحب الله الجهر بالسوء، إلا الظالم على لغة من يقول: ما جاءني زيد إلا عمرو، بمعنى ما جاءني إلا عمرو.

ومنه ﴿ لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السموات والأرض الغيب إِلاَّ الله ﴾ [النمل: 65] ثم حث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار، بعد ما أطلق الجهر به وجعله محبوباً، حثاً على الأحب إليه، والأفضل عنده والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تنبيهاً للعفو، ثم عطفه عليهما اعتداداً به وتنبيهاً على منزلته، وأن له مكاناً في باب الخير وسيطاً والدليل على أن العفو هو الغرض المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله: ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ أي يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

لا ﴿ يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ بِالدُّعاءِ عَلى الظّالِمِ والتَّظَلُّمِ مِنهُ.

وَرُوِيَ أنَّ رَجُلًا ضافَ قَوْمًا فَلَمْ يُطْعِمُوهُ فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ عَلَيْهِ.

فَنَزَلَتْ.

وقُرِئَ مَن ظَلَمَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا أيْ ولَكِنَّ الظّالِمَ يَفْعَلُ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا ﴾ لِكَلامِ المَظْلُومِ.

﴿ عَلِيمًا ﴾ بِالظّالِمِ.

﴿ إنْ تُبْدُوا خَيْرًا ﴾ طاعَةً وبِرًّا.

﴿ أوْ تُخْفُوهُ ﴾ أوْ تَفْعَلُوهُ سِرًّا.

﴿ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾ لَكُمُ المُؤاخَذَةُ عَلَيْهِ، وهو المَقْصُودُ وذِكْرُ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ تَشْبِيبٌ لَهُ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ أيْ يُكْثِرُ العَفْوَ عَنِ العُصاةِ مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ فَأنْتُمْ أوْلى بِذَلِكَ، وهو حَثٌّ لِلْمَظْلُومِ عَلى العَفْوِ بَعْدَ ما رُخِّصَ لَهُ في الِانْتِظارِ حَمْلًا عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول} ولا غير الجهرولكن الجهر أفحش {إَلاَّ مَن ظُلِمَ} إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم وهو أن يدعوا على الظالم ويذكره بما فيه من السوء وقيل الجهر بالسوء من القول هو الشتم إلا من ظلم فإنه إن رد عليه مثله فلا حرج عليه وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظلمه {وَكَانَ الله سَمِيعاً} لشكوى المظلوم {عَلِيماً} بظلم الظالم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ ﴾ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ لِشَيْءٍ كِنايَةٌ عَنْ غَضَبِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجَهْرِ، ومَوْضِعُ الجارِّ والمَجْرُورِ نَصْبٌ أوْ رَفْعٌ و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ السُّوءِ، والجَهْرُ بِالشَّيْءِ الإعْلانُ بِهِ والإظْهارُ كَما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ، وفي الصِّحاحِ: جَهَرَ بِالقَوْلِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ هُنا الإظْهارُ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِرَفْعِ صَوْتٍ، أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعْلِنَ أحَدٌ بِالسُّوءِ كائِنًا مِنَ القَوْلِ ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ أيْ: إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَسْخُوطٍ عِنْدَهُ تَعالى، وذَلِكَ بِأنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ، أوْ يَتَظَلَّمَ مِنهُ، ويُذَكِّرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُّوءِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقَتادَةَ: هو أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَذُمَّ أحَدٌ أحَدًا أوْ يَشْكُوَهُ ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَشْكُوَ ظالِمَهُ، ويُظْهِرَ أمْرَهُ، ويُذَكِّرَهُ بِسُوءٍ ما قَدْ صَنَعَهُ.

وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - المُرادُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ الشَّتْمَ في الِانْتِصارِ ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ فَلا بَأْسَ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِما يَجُوزُ الِانْتِصارُ بِهِ في الدِّينِ.

وجَوَّزَ الحَسَنُ لِلرَّجُلِ إذا قِيلَ لَهُ: يا زانِي أنْ يُقابِلَ القائِلَ لَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا ضافَ قَوْمًا فَلَمْ يُطْعِمُوهُ، فاشْتَكاهُمْ، فَعُوقِبَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وأُبَيٍّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وعَطاءٍ أنَّهم قَرَءُوا (إلّا مَن ظَلَمَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ الظّالِمَ يُحِبُّهُ، أوْ لَكِنَّهُ يَفْعَلُ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالإبْدالِ مِن فاعِلِ (يُحِبُّ) كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، بِمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو، ومِنهُ ﴿ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ ﴾ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، وعَلَيْها يَقُولُ الشّاعِرُ: عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ وقَدْ نَقَلَ هَذِهِ اللُّغَةَ سِيبَوَيْهِ، وأنْكَرَها البَعْضُ، وكَفى بِنَقْلِ شَيْخِ الصِّناعَةِ سَنَدًا لِلْمُثْبِتِ، ونُقِلَ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ لَيْسَ البَيْتُ كالمِثالِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ عُمُومٌ عَلى مَعْنى السِّلاحِ، وأمّا زَيْدٌ فَلا يُتَوَهَّمُ فِيهِ عُمُومٌ، ولا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إلّا عَلى أنَّ أصْلَهُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ ولا غَيْرُهُ، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ لِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ، وكَذا الآيَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ، ورُدَّ - كَما قالَ الشِّهابُ - بِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ في المِثالِ لَكانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والمَفْرُوضُ خِلافُهُ، وأنَّ المُرادَ - كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ الطِّيبِيِّ - جَعْلُ المُبْدَلِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ المَذْكُورِ، حَتّى كَأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ والنَّفْيَ عامٌّ، إلّا أنَّهُ صَرَّحَ بِنَفْيِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِزِيادَةِ اهْتِمامٍ بِالنَّفْيِ عَنْهُ، أوْ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ الإثْباتِ، فَيَقُولُونَ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، والمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو، فَكَذا ها هُنا المَعْنى: لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، فَأُدْخِلَ لَفْظُ (اللَّهُ) تَأْكِيدًا لِنَفْيِ مَحَبَّتِهِ تَعالى، يَعْنِي لِلَّهِ سُبْحانَهُ اخْتِصاصٌ في عَدَمِ مَحَبَّتِهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ ذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: ما بَعْدُ (إلّا) حِينَئِذٍ لا يَكُونُ فاعِلًا وهو ظاهِرٌ فَتَعَيَّنَ البَدَلُ وهو غَلَطٌ؟

أُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ غَلَطًا لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا الخاصُّ في مَوْقِعِ العامِّ، ولَمْ يَكُنِ المَعْنى: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا عَمْرٌو.

فَإنْ قِيلَ: فَيَكُونُ لَفْظُ (اللَّهُ) مَجازًا عَنْ أحَدٍ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؟

أُجِيبَ بِأنَّ (لا يُحِبُّ اللَّهُ) مُؤَوَّلٌ بِـ(لا يُحِبُّ أحَدٌ) واقِعٌ مَوْقِعَهُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ في لَفْظِ (اللَّهُ) كَذا قِيلَ.

وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ إذا كانَ عامًّا فَإمّا بِتَقْدِيرِ لَفْظٍ - كَما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ - وإمّا بِالتَّجَوُّزِ في لَفْظِ العِلْمِ، وكَلاهُما مُرٌّ ما فِيهِ، ولا طَرِيقَ آخَرُ لِلْعُمُومِ، فَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ لا بُدَّ مِن بَيانِ طَرِيقِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ العِلْمِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ صاحِبُهُ أحَقَّ بِالحُكْمِ، بِحَيْثُ إذا نُفِيَ عَنْهُ يُعْلَمُ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ولا تَجَوُّزٍ، فَيُقالُ هُنا مَثَلًا: إذا لَمْ يُحِبَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ وهو الغَنِيُّ عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ فَغَيْرُهُ لا يُحِبُّهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَشْفِي الغَلِيلَ؛ لِأنَّ الِاشْتِراطَ المَذْكُورَ مِمّا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، عَلى أنَّ دَعْوى كَوْنِ نَفْيِ حُبِّ الجَهْرِ بِالسُّوءِ عَنْهُ تَعالى يُعْلَمُ مِنهُ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى في غايَةِ الخَفاءِ، فالأوْلى ما ذَكَرَهُ بَعْدُ، بِأنْ يُقالَ: يُقَدَّرُ في الكَلامِ ما ذُكِرَ، لَكِنَّهُ عُدَّ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا بِحَسَبِ المُتَبادَرِ والنَّظَرِ إلى الظّاهِرِ.

وجُوِّزَ عَلى قِراءَةِ المَعْلُومِ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالسُّوءِ أيْ: إلّا سُوءَ مَن ظُلِمَ فَيُحِبُّ الجَهْرُ بِهِ ويَقْبَلُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ) فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ إلّا مَن ظَلَمَ) وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، ولا يَكادُ يُقْبَلُ هَذا في تَخْرِيجِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا ﴾ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها كَلامُ المَظْلُومِ والظّالِمِ ﴿ عَلِيمًا ﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُ المَظْلُومِ والظّالِمِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ، ولا يَأْبى ذَلِكَ التَّعْمِيمُ كَما تُوُهِّمَ.

ووَجْهُ رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها - عَلى ما قالَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ - أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ إيرادِ رَحْمَتِهِ وتَقْرِيرِ إظْهارِ رَأْفَتِهِ جاءَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ) تَتْمِيمًا لِذَلِكَ، وتَعْلِيمًا لِلْعِبادِ التَّخَلُّقَ بِأخْلاقِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وفِيهِ: إنَّ هَذا مِمّا لا مُحَصِّلَ لَهُ ولا تَتِمُّ بِهِ المُناسَبَةُ، وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ الأُولى فِيها أيْضًا إشارَةٌ إلى تَعْلِيمِ التَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ العَلِيَّةِ - كَما قَرَّرَهُ عِصامُ المِلَّةِ - ورَجا أنْ يَكُونَ مِنَ المُلْهَماتِ، وحِينَئِذٍ يَشْتَرِكانِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما مُتَضَمِّنًا التَّعْلِيمَ المَذْكُورَ، لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

ومِثْلُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى في وجْهِ الِاتِّصالِ، وهو أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ النِّفاقِ - وهو إظْهارُ خِلافِ ما يُبْطَنُ - بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ ما في النَّفْسِ مِنهُ ما يَجُوزُ إبْطانُهُ، ومِنهُ ما يَجُوزُ إظْهارُهُ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ: الظّاهِرُ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ الشُّكْرُ عَلى وجْهٍ عُلِمَ مِنهُ رِضاهُ سُبْحانَهُ بِهِ ومَحَبَّةُ إظْهارِهِ تَمَّمَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِذِكْرِ ضِدِّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ يُحِبُّ الشُّكْرَ وإعْلانَهُ ويَكْرَهُ السُّوءَ وإعْلانَهُ، وفِيهِ احْتِباكٌ بَدِيعٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ أي لا يحب أن يذكر بالقول القبيح لأحد من الناس إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فيقتص من القول بمثل ما ظلم، فلا جناح عليه.

نزلت الآية في شأن أبي بكر الصديق  ، شتمه رجل فسكت أبو بكر مراراً، ثم ردّ عليه، ويقال: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فيدعو الله تعالى على ظالمه.

وقال الفراء: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ يعني ولا من ظلم.

وقال السدي: يقول من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح.

وقال الضحاك: لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ أي لا يحب لكم أن تنزلوا برجل، فإذا ارتحلتم عنه تذمون طعامه إلا رجلاً أردتم النزول عليه عند حاجتكم فمنعكم.

وقال مجاهد: هو في الضيافة إذا دخل الرجل المسافر إلى القوم، يريد أن ينزل عليهم فلم يضيفوه، فقد رخص له أن يذكر كلاماً عنهم ويقول فيهم.

ويقال: يعني يسبه مثل ما سبه ما لم يكن كلاماً فيه حد أو كلمة لا تصلح، ولو لم يقل كان أفضل.

وقرأ بعضهم: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ متصل بما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم، يعني من إشراك بالله، وهو شاذ من القراءة ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً أي سميعاً بدعاء المظلوم، عليماً بعقوبة الظالم.

ثم أخبر عن التجاوز أنه خير من الانتصار، فقال تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً يعني إن تظهروا حسنة أَوْ تُخْفُوهُ يعني الحسنة أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ يعني يتجاوز عن ظالمه ولا يجهر بالسوء عنه، فهو أفضل لأن الله تعالى قادر على عباده فيعفو عنهم، وذلك قوله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً يعني أن الله أقدر على العقوبة لكم، فيعفو عنكم.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ قال ابن عباس: نزلت الآية في أهل الكتاب، يؤمنون بموسى وعيسى ويكفرون بغيرهما، وهو قوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني يريدون أن يتخذوا ديناً لم يأمر به الله ورسوله وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ بموسى وعزير والتوراة وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ بمحمد  وبعيسى والإنجيل والقرآن وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا يعني بين اليهودية والإسلام.

قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا حين كفروا ببعض الرسل وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً يهانون فيه.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني أقروا بوحدانية الله تعالى وصدقوا بجميع الرسل وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ في الإيمان والتصديق، يعني لم يكفروا ولم يجحدوا بأحد من الأنبياء والرسل عليهم السلام، ويصدقون بجميع الكتب أُولئِكَ يعني أهل هذه الصفة سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ أي سنعطيهم ثوابهم في الجنة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً بهم لما كان منهم في الشرك.

قرأ عاصم في رواية حفص: يُؤْتِيهِمْ بالياء وقرأ الباقون نؤتيهم بالنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

به، وليس في ذِكْرِ المنافقينَ قَبْلَهُ ما يقتَضِي أنْ يُحْمَلَ عليهم خاصَّةً، مع احتمال الآية للعُمُومِ، فقطْعُهُ بأنَّ الآية في المنافِقِينَ حُكْمٌ لا يقُومُ به دليلٌ.

انتهى، وهو حَسَنٌ إذ حمل الآية على العُمُومِ أحْسَنُ.

والعَجَب من ع: كيف تَبِعَ الطبريُّ في هذا التَّخْصيصِ، ويظهر- واللَّه أعلم- أنهما عَوَّلا في تخصيص الآية على قوله تعالى: وَآمَنْتُمْ، وهو محتملٌ أن يحمل في حَقِّ المنافقين على ظاهره، وفي حقِّ المؤمنين على معنى: «دُمْتُمْ على إيمانكم» ، واللَّه أعلم.

والشُّكْرُ على الحقيقة لا يَكُونُ إلاَّ مقترناً بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيداً وتنبيهاً على/ جلالة موقعه، ثم وَعَدَ سبحانه بقوله: وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً: أيْ يتقبَّل أقلَّ شيء مِنَ العَمَل، وينَمِّيه فذلك شُكْرٌ منه سبحانه لعباده، والشَّكُورُ من البهائمِ: الَّذي يأكل قليلاً، ويظهر به بَدَنُه، والعَرَبُ تقول في مثل: «أَشْكَرُ مِنْ بَرْوقَةٍ» لأنها يُقَالُ: تخضَرُّ وتتنضَّر بِظِلِّ السَّحاب دُونَ مَطَرٍ، وفي قوله: عَلِيماً: تحذيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخلاص.

وقوله تعالى: لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ...

الآية: قراءة الجمهور «١» بضَمِّ الظاء، وقرىء «٢» شاذاً بفتحها، واختلف على قراءة الجمهورِ، فقالَتْ فرقةٌ: المعنى: لا يحبُّ اللَّه أنْ يَجْهَرَ أحدٌ بالسوء من القَوْل إلا مَنْ ظُلِم، فلا يُكْرَهُ له الجَهْرُ به، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في كيفيَّةِ الجَهْر بالسُّوء، وما هو المباحُ منه، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: لا بأسَ لِمَنْ ظلم أن ينتصر من ظلمه بمثْلِ ظُلْمِهِ، ويَجْهَرَ له بالسُّوء من القَوْل، أي: بما يوازي الظَّلاَمَةَ «٣» ، وقال مجاهد وغيره: نزلَتْ في الضَّيْفِ المُحَوَّلِ رَحْلُه، فإنَّه رُخِّصَ له أنْ يجهر بالسُّوءِ من القول للذي لم يُكْرِمْهُ، يريد: بقَدْر الظلمِ، والظُّلاَمةِ «٤» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُهُما: أنَّ ضَيْفًا تَضَيَّفَ قَوْمًا فَأساؤُوا قِراهُ فاشْتَكاهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ رُخْصَةً في أنْ يَشْكُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا نالَ مِن أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ والنَّبِيُّ  حاضِرٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ مِرارًا، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ، فَقامَ النَّبِيُّ  ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَتَمَنِي فَلَمْ تَقُلْ لَهُ شَيْئًا، حَتّى إذا رَدَدْتَ عَلَيْهِ قُمْتُ؟!

فَقالَ: "إنْ مَلَكًا كانَ يُجِيبُ عَنْكَ، فَلِمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ، ذَهَبَ المَلِكُ، وجاءَ الشَّيْطانُ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٌ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ (إلّا مَن ظَلَمَ) فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الظّاءِ، وكَسْرِ اللّامِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو رَجاءٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، بِفَتْحِهِما.

فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إلّا أنْ يَدْعُوَ المَظْلُومُ عِلَّةً مِن ظُلْمِهِ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْخَصَ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلّا أنْ يَنْتَصِرَ المَظْلُومُ مِن ظالِمِهِ، قالَهُ الحُسْنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: إلّا أنْ يُخْبِرَ المَظْلُومُ بِظُلْمِ مَن ظَلَمَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

وَرَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ قالَ: إلّا أنْ يَجْهَرَ الضَّيْفُ بِذَمِّ مَن لَمْ يُضَيِّفْهُ.

فَأمّا قِراءَةُ مَن فَتَحَ الظّاءَ، فَقالَ ثَعْلَبٌ: هي مَرْدُودَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ ﴾ إلّا مَن ظَلَمَ وذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيها قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى إلّا أنَّ الظّالِمَ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ ظُلْمًا.

والثّانِي: إلّا أنْ تَجْهَرُوا بِالسُّوءِ لِلظّالِمِ.

فَعَلى هَذا تَكُونُ "إلّا" في هَذا المَكانِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، ومَعْناها: لَكِنَّ المَظْلُومَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَجْهَرَ لِظالِمِهِ بِالسُّوءِ.

ولَكِنَّ الظّالِمَ قَدْ يَجْهَرُ لَهُ بِالسُّوءِ، فاجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إلّا مَن ظَلَمَ، أيْ: أقامَ عَلى النِّفاقِ، فَيَجْهَرُ لَهُ بِالسُّوءِ حَتّى يَنْزِعَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا ﴾ أيْ: لِما تَجْهَرُونَ بِهِ مِن سُوءِ القَوْلِ (عَلِيمًا) بِما تُخْفُونَ.

وقِيلَ: سَمِيعًا لِقَوْمِ المَظْلُومِ، عَلِيمًا بِما في قَلْبِهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، .

ولا يَقُلْ إلّا الحَقَّ وقالَ الحَسَنُ: مَن ظُلِمَ فَقَدْ رُخِّصَ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْنِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي، اللَّهُمَّ حِلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مِنَ ظُلِمَ وكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ ﴿ إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أو تُخْفُوهُ أو تَعْفُوا عن سُوءٍ فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ اَلْمَحَبَّةُ في الشاهِدِ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها اسْتِحْسانٌ ومَيْلُ اعْتِقادٍ؛ فَتَكُونُ الأفْعالُ الظاهِرَةُ مِنَ المُحِبِّ بِحَسَبِ ذَلِكَ؛ والجَهْرُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ لا يَكُونُ مِنَ اللهِ تَعالى فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ يُرِيدُ وُقُوعَ الواقِعِ مِنهُ؛ ولا يُحِبُّهُ هو في نَفْسِهِ.

والجَهْرَ: كَشْفُ الشَيْءِ؛ ومِنهُ الجَهْرَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ أرِنا اللهَ جَهْرَةً  ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَهَرَتِ البِئْرُ"؛ إذا حُفِرَتْ حَتّى أخْرَجَتْ ماءَها.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ ؛ وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ بِضَمِّ الظاءِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءُ بْنُ السائِبِ؛ وعَبْدُ الأعْلى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ؛ وغَيْرُهُمْ: "إلّا مَن ظَلَمَ"؛ بِفَتْحِ الظاءِ؛ واللامِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِضَمِّ الظاءِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى: لا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَلا يُكَرَهُ لَهُ الجَهْرُ بِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في كَيْفِيَّةِ الجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وما هو المُباحُ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ الحَسَنُ: هو الرَجُلُ يَظْلِمُ الرَجُلَ؛ فَلا يَدْعُ عَلَيْهِ؛ ولَكِنْ لِيَقُلْ: "اَللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ؛ اللهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي؛ اللهُمَّ حُلْ بَيْنِي وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُباحُ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ؛ وإنْ صَبَرَ فَهو أحْسَنُ لَهُ؛ وَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ: هو في الضَيْفِ المُحَوِّلِ رَحْلَهُ؛ فَإنَّهُ يَجْهَرُ لِلَّذِي لَمْ يُكْرِمْهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ فَقَدْ رَخَّصَ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ؛ وفي هَذا نَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومُقْتَضاها ذِكْرُ الظُلْمِ؛ وتَبْيِينُ الظُلامَةِ في ضِيافَةٍ وغَيْرِها؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ: لا بَأْسَ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ؛ ويَجْهَرَ لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهَذِهِ الأقْوالُ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: قَوْلِ الحَسَنِ؛ دُعاءٍ في المُدافَعَةِ؛ وتِلْكَ أقَلُّ مَنازِلِ السُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ وقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ الدُعاءِ عَلى الظالِمِ بِإطْلاقٍ في نَوْعِ الدُعاءِ؛ وقَوْلِ مُجاهِدٍ ؛ ذِكْرِ الظُلامَةِ والظُلْمِ؛ وقَوْلِ السُدِّيِّ ؛ الِانْتِصارِ بِما يُوازِي الظُلامَةَ.

وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: "إلّا مَن ظُلِمَ"؛ مَعْناهُ: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ؛ كُفْرًا أو نَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ؛ والآيَةُ في الإكْراهِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِفَتْحِ الظاءِ واللامِ؛ فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنى: إلّا مَن ظَلَمَ في قَوْلٍ؛ أو في فِعْلٍ؛ فاجْهَرُوا لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ في مَعْنى النَهْيِ عن فِعْلِهِ؛ والتَوْبِيخِ؛ والرَدِّ عَلَيْهِ؛ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ كانَ ذَلِكَ جَهْرًا بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ عَلى مَعْنى التَأْنِيسِ؛ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُكْرِ؛ والإيمانِ؛ ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يُجْهَرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا لِمَن ظَلَمَ في إقامَتِهِ عَلى النِفاقِ؛ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَرْكُ الأسْفَلُ؟

ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الكَلامِ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ تَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ مَن ظَلَمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُوءِ؛ وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ.

وإعْرابُ "مَن" يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ النَصْبَ؛ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ؛ عَلى البَدَلِ مِن "أحَدٌ" اَلْمُقَدَّرُ؛ و"سَمِيعٌ"؛ "عَلِيمٌ": صِفَتانِ لائِقَتانِ بِالجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وبِالظُلْمِ أيْضًا؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ ويُجازِي عَلَيْهِ.

وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى عُذْرَ المَظْلُومِ في أنْ يَجْهَرَ بِالسُوءِ لِظالِمِهِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ عَرْضَ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ؛ والعَفْوُ عَنِ السُوءِ وعَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ ؛ وعْدَ إخْفاءٍ؛ تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ؛ ورَغَّبَ في العَفْوِ؛ إذْ ذَكَرَ أنَّها صِفَتُهُ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ؛ فَفي هَذِهِ الألْفاظِ اليَسِيرَةِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ لِمَن تَأمَّلَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ نَزَلَ في اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّهم في كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِجَمِيعِ الرُسُلِ؛ وكُفْرُهم بِالرُسُلِ كُفْرٌ بِاللهِ؛ وفَرَّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ؛ في أنَّهم قالُوا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِاللهِ؛ ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ؛ وفُلانٍ؛ مِنَ الأنْبِياءِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ الأنْبِياءِ؛ وقِيلَ: هو تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِمُحَمَّدٍ في أنَّهُ نَبِيٌّ؛ لَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَحْوِ هَذا مِن تَفْرِيقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا ورَوَغانًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ  ﴾ ؛ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ؛ والإسْلامِ؛ والكُفْرِ الصَرِيحِ المُجَلَّحِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُمُ الكافِرُونَ حَقًّا؛ لِئَلّا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ الَّذِي عِنْدَهم مِنَ الإيمانِ يَنْفَعُهُمْ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الآية عقب الآي التي قبلها أنّ الله لما شوّه حال المنافقين وشهّر بفضائحهم تشهيراً طويلاً، كان الكلام السابق بحيث يثير في نفوس السامعين نفوراً من النفاق وأحواله، وبغضاً للملموزين به، وخاصّة بعد أن وصفهم باتّخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وأنَّهم يستهزئون بالقرآن، ونَهى المسلمين عن القعود معهم، فحذّر الله المسلمين من أن يغيظهم ذلك على من يتوسّمون فيه النفاق، فيجاهِروهم بقول السوء، ورخَّص لِمن ظُلم من المسلمين أن يجهر لظالمه بالسوء، لأنّ ذلك دفاع عن نفسه.

روى البخاري: أنّ رجالاً اجتمعوا في بيت عِتبان بن مالك لطعام صنعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائل: أين مالك بن الدّخْشُم، فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحبّ الله ورسوله، فقال رسول الله: " لا تقل ذلك ألا تراه قد قال: لا إله إلاّ الله، يريد بذلك وجهَ الله، فقال: فإنَّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين ".

الحديثَ.

فظنّ هذا القائل بمالك أنَّه منافق، لملازمته للمنافقين، فوصفه بأنَّه منافق لا يحبّ الله ورسوله.

فلعلّ هذه الآية نزلت للصدّ عن المجازفة بظنّ النفاق بمن ليس منافقاً.

وأيضاً لمّا كان من أخصّ أوصاف المنافقين إظهار خلاف ما يُبطنون فقد ذكرت نجواهم وذكر رياؤهم في هذه السورة وذكرت أشياء كثيرة من إظهارهم خلاف ما يبطنون في سورة البقرة كان ذلك يثير في النفوس خشية أن يكون إظهار خلاف ما في الباطن نفاقاً فأراد الله تبين الفارق بين الحالين.

وجملة ﴿ لا يحبّ ﴾ مفصولة لأنَّها استئناف ابتدائي لهذا الغرض الذي بينّاه: الجهر بالسوء من القول، وقد علم المسلمون أنّ المحبّة والكراهية تستحيل حقيقتهما على الله تعالى، لأنّهما انفعالان للنفس نحو استحسان الحسن، واستنكار القبيح، فالمراد لازمهما المناسب للإلهية، وهما الرضا والغضب.

وصيغة ﴿ لا يحبّ ﴾ ، بحسب قواعد الأصول، صيغة نفي الإذن.

والأصل فيه التحريم.

وهذا المراد هنا؛ لأنّ ﴿ لا يحبّ ﴾ يفيد معنى يكره، وهو يرجع إلى معنى النهي.

وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنّ الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً إلى قوله ويكره لكم قِيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ".

فهذه أمور ثلاثة أكثر أحوالها مُحرّم أو مكروه.

والمراد بالجهر ما يبلغ إلى أسماع الناس إذ ليس السرّ بالقول في نفس الناطق ممّا ينشأ عنه ضرّ.

وتقييده بالقول لأنَّه أضعف أنواع الأذى فيعلم أنّ السوء من الفعل أشدّ تحريماً.

واستثنى ﴿ مَن ظُلم ﴾ فرَخَّص له الجهرَ بالسوء من القول.

والمستثنى منه هو فاعلُ المصدر المقدّر الواقع في سياق النفي، المفيد للعموم، إذ التقدير: لا يحبّ الله جَهْر أحد بالسوء، أو يكون المستثنى مضافاً محذوفاً، أي: إلاّ جَهْرَ من ظلم، والمقصود ظاهر، وقد قضي في الكلام حقّ الإيجاز.

ورخَّص الله للمظلوم الجهر بالقول السيّئ ليشفي غضبه، حتّى لا يثوب إلى السيف أو إلى البَطش باليد، ففي هذا الإذن توسعة على من لا يمسك نفسه عند لحاق الظلم به، والمقصود من هذا هو الاحتراس في حكم ﴿ لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول ﴾ .

وقد دلَّت الآية على الإذن للمظلوم في جميع أنواع الجهر بالسوء من القول، وهو مخصوص بما لا يتجاوز حدّ التظلّم فيما بينه وبين ظالمه، أو شكاية ظلمه: أن يقول له: ظلمتني، أو أنت ظالم؛ وأن يقول للناس: إنَّه ظالم.

ومن ذلك الدعاءُ على الظالم جهراً لأنّ الدعاء عليه إعلان بظلمه وإحالته على عدل الله تعالى، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن، وذلك مَخصوص بما لا يؤدّي إلى القذف، فإنّ دلائل النهي عن القذف وصيانة النفس من أن تتعرّض لِحدّ القذف أو تعزيز الغيبة، قائمة في الشريعة.

فهذا الاستثناء مفيد إباحة الجهر بالسوء من القول من جانب المظلوم في جانب ظالمه؛ ومنه ما في الحديث " مَطْلُ الغنيّ ظلم " أي فللممطول أن يقول: فلان مماطل وظالم.

وفي الحديث " لَيُّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته ".

وجملة ﴿ وكان الله سميعاً عليماً ﴾ عطف على ﴿ لا يحبّ ﴾ ، والمقصود أنَّه عليم بالأقوال الصادرة كلّها، عليم بالمقاصد والأمور كلّها، فذِكْرُ «عليماً» بعد «سميعاً» لقصد التعميم في العلم، تحذيراً من أن يظنّوا أنّ الله غير عالم ببعض ما يصدر منهم.

وبعد أن نَهى ورَخّص، ندب المرخَّصَ لهم إلى العفو وقوللِ الخير، فقال: ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفواعن سوء فإن الله كان عفواً قديراً ﴾ ، فإبداء الخير إظهاره.

وعُطف عليه ﴿ أو تخفوه ﴾ لزيادة الترغيب أنْ لا يظنّوا أنّ الثواب على إبداء الخير خاصّة، كقوله: ﴿ إن تبدوا الصدقات فنِعِمَّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ [البقرة: 271].

والعفو عن السوء بالصفح وترك المجازاة، فهو أمر عدميّ.

وجملة ﴿ فإنّ الله كان عفوّا قديرا ﴾ دليل جواب الشرط، وهو علّة له، وتقدير الجواب: يَعفُ عَنكم عند القدرة عليكم، كما أنّكم فعلتم الخير جهراً وخفية وعفوتم عند المقدرة على الأخذ بحقّكم، لأنّ المأذون فيه شرعاً يعتبر مقدوراً للمأذون، فجواب الشرط وعد بالمغفرة لهم في بعض ما يقترفونه جزاء عن فعل الخير وعن العفو عمّن اقترف ذنباً؛ فذكر ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه ﴾ تكملة لما اقتضاه قوله: ﴿ لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول ﴾ استكمالاً لموجبات العفو عن السيّئات، كما أفصح عنه قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ وأتْبِع السيّئة الحسنةَ تَمْحُها ﴾ .

هذا ما أراه في معنى الجواب.

وقال المفسّرون: جملة الجزاء تحريض على العفو ببيان أنّ فيه تخلّفاً بالكمال، لأنّ صفات الله غاية الكمالات.

والتقدير: إن تبدو خيراً الخ تكونوا متخلّقين بصفات الله، فإنّ الله كان عفوّاً قديراً، وهذا التقدير لا يناسب إلاّ قوله: ﴿ أو نعفوا عن سوء ﴾ ولا يناسب قوله: ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه ﴾ إلاّ إذا خصّص ذلك بإبداء الخير لمن ظلمهم، وإخفائه عمّن ظلمهم.

وفي الحديث " أن تَعْفُو عمّن ظلمك وتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وتَصِلَ من قطعك ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي إلّا أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا فَيَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلّا أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا فَيَجْهَرَ بِظُلْمِ مَن ظَلَمَهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: إلّا مَن ظُلِمَ فانْتَصَرَ مِن ظالِمِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: إلّا أنْ يَكُونَ ضَيْفًا، فَيَنْزِلَ عَلى رَجُلٍ فَلا يُحْسِنُ ضِيافَتَهُ، فَلا بَأْسَ أنْ يَجْهَرَ بِذَمِّهِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

ثُمَّ قالَ بَعْدَ أنْ أباحَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ لِمَن كانَ مَظْلُومًا: ﴿ إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾ يَعْنِي خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ، أوْ تُخْفُوا السُّوءَ، وإنْ لَمْ تُبْدُوا خَيْرًا اعْفُوا عَنِ السُّوءِ، كانَ أوْلى وأزْكى، وإنْ كانَ غَيْرُ العَفْوِ مُباحًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول...

﴾ الآية.

قال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه، وإن يصبر فهو خير له.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: هو الرجل يظلم فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي حل بينه وبين ما يريد ونحو هذا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو.

وأخرج أبو داود عن عائشة.

أنها سرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبخي عنه بدعائك» .

وأخرج الترمذي عنها.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نزلت في رجل ضاف رجلاً بفلاة من الأرض، فلم يضفه، فنزلت ﴿ إلا من ظلم ﴾ ذكر أنه لم يضفه لا يزيد على ذلك.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج من عنده فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول من أحد من الخلق، ولكن يقول: من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كان أبي يقرأ ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ﴾ قال ابن زيد: يقول: من قام على ذلك النفاق فجهر له بالسوء حتى نزع.

وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ﴾ قال: كان الضحاك بن مزاحم يقول: هذا في التقديم والتأخير يقول الله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ [ النساء: 147] ﴿ إلا من ظلم ﴾ وكان يقرأها كذلك، ثم قال: ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ أي على كل حال.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ قال أهل المعاني: ولا غير الجهر أيضًا، ولكن يشبه أن تكون الحال أوجبت هذه القضية، كقوله: ﴿ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا  ﴾ والتبيُّن واجب في الظعن والإقامة، ولكن الحال أوجبت ذلك.

وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾ .

اختلفوا في وجه هذا الاستثناء: فأبو عبيدة ذهب إلى أن هذا من باب حذف المضاف، على تقدير: إلا جهر من ظلم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (١) وذهب الزجاج إلى أن المصدر ههنا بمعنى الفعل، على معنى: لا يحب الله أن يُجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم، فيكون (من) رفعًا بدلًا من معنى أحد، المعنى: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا المظلوم.

ويجوز: إلا المظلوم أيضًا بالنصب، كقولك: ما جاءني أحد إلا زيد رفعًا، وهو الأجود، و: إلا زيدًا جائز (٢) والذي ذكره الزجاج من أن المراد بالمصدر الفعل، هو قول الفراء أيضًا (٣) (٤) وقرأ جماعة من الكبار -الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير-: إلا من ظَلم، بفتح الظاء (٥) ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ  ﴾ كلامًا تامًا، ثم قال: ﴿ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾ على معنى: لكن من ظلم فدعوه وخلوه.

قاله الفراء (٦) وقال الزجاج: لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء من القول ظلمًا واعتداءً.

قال: ويجوز أن يكون المعنى: لكن من ظلم اجهروا له بالسوء من القول (٧) قال الفراء: ومثله مما يجوز أن يُستثنى الأسماء وليس قبلها شيء ظاهر قولك: إني لأكره الخصومة والمراء، اللهم إلا رجلاً، يريد بذلك الله، فجاز استثناء الرجل ولم يذكر قبله شيء من الأسماء، لأن الخصومة والمراء لا يكونان إلا من الآدميين (٨) فأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد الضيافة، ينزل الرجل بالرجل عنده سعةٌ فلا يضيفه، فإن تناوله بلسانه فقد عذره الله" (٩) وهذا قول مجاهد (١٠) (١١) (١٢) وزعم مجاهد أن ضيفًا تضيف قومًا فأساءوا قراه، فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصةً في أن يشكو (١٣) وذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذه الآية عامة في كل مظلوم، وله أن ينتصر من ظالمه بالدعاء عليه.

يُروى ذلك عن ابن عباس (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) قال العلماء: للمظلوم أن يشكو من ظالمه إذا صدق في شكايته، وله أن يدعو عليه بما لا يعتدي فيه، مثل أن يقول: اللهم استخرج حقي منه، اللهم حِلْ بينه وبين ما يريد من الظلم، اللهم اكفني شره (١٨) فإن قذف إنسانٌ غيره، فليس للمقذوف، أن يقابله بمثل ذلك (١٩)  : "المستبان (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ قال ابن عباس: "سميعًا لقول المظلوم الضيافة، عليمًا بما في قلبه" (٢٢) قال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ التحذير من التعدي في الجهر الذي أذن فيه بما يظهر أو يضمر، فليتق الله ولا يقل إلا الحق، ولا يقذفه مستورًا فإنه عاص بذلك، والله سميع لما يقوله، عليم بما يضمره (٢٣) (١) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 142.

(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 126.

(٣) انظر: "معاني القرآن" 1/ 293.

(٤) انظر: "معاني الفراء" 1/ 293، و"معاني الزجاج" 2/ 125، 126 (٥) انظر: الطبري 1/ 3، والقرطبي 3/ 6.

(٦) "معاني القرآن" 1/ 293.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 126.

(٨) "معاني القرآن" 1/ 294.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) انظر: الطبري 6/ 3، و"الكشف والبيان" 4/ 137 ب، و"النكت والعيون" 1/ 431، والقرطبي 6/ 2.

(١١) لم أقف على قوله.

(١٢) أهل المعاني يقولون بعموم الآية في الظلم دون خصوصها بنقص حق الضيف.

انظر: الطبري 6/ 3، و"معاني الزجاج" 2/ 125، 126، و"الكشف والبيان" 4/ 127 ب.

(١٣) أخرجه الطبري 6/ 2.

(١٤) "تفسيره" ص 163، وأخرجه من طريق ابن أبي طلحة أيضًا: الطبري 6/ 1.

(١٥) أخرج الآثار عنهم: الطبري 6/ 1، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 431، و"زاد المسير" 2/ 238.

(١٦) لم أقف عليه.

(١٧) لم أقف عليه.

(١٨) أخرج الطبري 6/ 1 عن الحسن أنه قال في هذِه الآية: "هو الرجل يظلم الرجل فلا يدْع عليه، ولكن ليقل: "اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد".

(١٩) انظر: القرطبي 6/ 2.

(٢٠) في المخطوط: "المستبان".

(٢١) أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" 4/ 162، وصححه الألباني.

انظر: "صحيح الجامع" 6/ 15 (6696).

(٢٢) لم أقف عليه.

(٢٣) انظر: الطبري 6/ 4، و"زاد المسير" 2/ 239، والقرطبي 6/ 4 و"البحر المحيط" 3/ 385.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ أي إلاّ جهر المظلوم فيجوز له من الجهر أن يدعو على من ظلمه، وقيل: أن يذكر ما فعل به من الظلم، وقيل: أن يرد عليه بمثل مظلمته إن كان شتمه ﴿ إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ الآية: ترغيب في فعل الخير سراً وعلانية، وفي العفو عن الظلم بعد أن أباح الانتصار لأن العفو أحب إلى الله من الانتصار، وأكد ذلك بوصفه تعالى نفسه بالعفو مع القدرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ في الدرك ﴾ بسكون الراء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير الأعشى.

الباقون بالفتح ﴿ يؤتيهم ﴾ بالياء: حفص وعياش.

الباقون بالنون.

الوقوف: ﴿ خادعهم ﴾ ط لعطف المختلفين.

﴿ كسالى ﴾ لا لأن ﴿ يراؤون ﴾ .

صفتهم ﴿ قليلاً ﴾ ه ز بناء على أن ﴿ مذبذبين ﴾ نصب على الذم، والأوجه أنه حال أي يراؤون مذبذبين ﴿ بين ذلك ﴾ ق وقد قيل على تقدير الابتداء أي لا هم إلى هؤلاء، والأوجه أنه بيان الذبذبة أي لا منسوبين إلى هؤلاء ﴿ هؤلاء ﴾ الثانية ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ط للاستثناء.

﴿ مع المؤمنين ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ وآمنتم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ظلم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ببعض ﴾ لا للعطف ﴿ سبيلاً ﴾ ه لأ لأن ما بعده خبر "إن" وقيل: إن الخبر محذوف أي هلكوا وما يتلوه مستأنف.

﴿ حقاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده للعطف والاستئناف ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.

/ التفسير: قال الزجاج: أي يخادعون رسول الله  أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ وهو خادعهم اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.

قال ابن عباس: يعطيهم نوراً كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من نوركم.

وباقي تفسير المخادعة تقدم في أول البقرة.

كسالى جمع كسلان كسكارى في سكران أي يقومون متثاقلين متباطئين متقاعسين كما يرى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيب نفس ورغبة وهو معنى الكسل.

والسبب في ذلك أنهم يبتغون بها في الحال ولا يرجون من فعلها ثواباً ولا يخافون من تركها عقاباً.

﴿ يراؤون الناس ﴾ أي لا يقومون إلى الصلاة إلاّ لأجل الرياء والسمعة.

ومعنى المفاعلة في الرياء أن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل، أو فاعل ههنا بمعنى فعل بالتشديد كقولك: ناعمة ونعمه ﴿ ولا يذكرون الله ﴾ أي ولا يصلون ﴿ إلا قليلاً ﴾ لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لا يصلون، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس، فإن لم يجدوا مندوحة فحينئذٍ يصلون.

وقيل: إنهم في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى وهو القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها.

وقيل: إنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات إلا ذكراً قليلاً في الندرة كما ترى من بعض المتهاونين بأمور الدين لو صحبته أياماً وليالي لم تسمع منه تهليله ولا تسبيحه ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق أوقاته، ويجوز أن يراد بالقلة العدم، قال قتادة: يريد أن الله لا يقبل صلاتهم لأن ما رده الله فكثيره قليل، وما قبله الله فقليله كثير.

ومعنى مذبذبين ذبذبهم الشيطان والهوى.

وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كل الجانبين أي يذاد ويدفع إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه.

وقرأ ابن عباس ﴿ مذبذبين ﴾ بالكسر أي يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم.

وعن أبي جعفر "مدبدين" بالدال غير المعجمة والمعنى أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة والدبة الطريقة.

ومعنى ﴿ بين ذلك ﴾ أي بين الكفر والإيمان لأن ذكر الكافرين والمؤمنين يدل على الكفر والإيمان وذلك قد يشار به إلى اثنين كقوله: ﴿ عوان بين ذلك  ﴾ واعلم أن السبب في التذبذب هو أن الفعل يتوقف على الداعي، فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم وأنها سيالة متغيرة لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وإذا تعارضت الدواعي والصوارف بقي الإنسان في الحيرة والتردد، وأما من كان مطلوبه في فعله اقتناء الخيرات الباقية واكتساب السعادات الروحانية وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والزوال، لا جرم كان هذا الإنسان ثابتاً في / إيمانه راسخاً في شأنه فلهذا المعنى وصف أهل الإيمان بالثبات ﴿ يثبت الله الذين آمنوا  ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ قيل: إنه  ذمهم ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكفار، والذم على ترك طريقة الكفار غير جائز, قلنا: إنما توجه الذم لأنهم عدلوا عن الكفر إلى ما هو أخبث وهو طريق النفاق ولهذا ورد فيهم من المبالغات ما ورد من قوله: ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً  ﴾ ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء ﴾ أي لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء، وهو نهي للمؤمنين عن موالاة المنافقين والتخلق بأخلاقهم ومذاهبهم.

ومعنى ﴿ سلطاناً ﴾ حجة بينة على النفاق لأن وليّ المنافق منافق لا محالة.

ومعنى قوله: ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ أي في أقصى قعرها فإن القعر الأخير من النار درك ودرك ومع ذلك وصف بالأسفل.

ودركات النار منازلها نقيض درجات الجنة، فبين أن المنافق في غاية البعد ونهاية الطرد عن حضرة الله  وأنه مع فرعون لأنّ الدرك الأسفل أشد العذاب وقد قال عز من قائل: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ وقيل: إن النار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض.

قال أبو حاتم: جمع الدرك أدراك كفرس وأفراس، وجمع الدرك أدرك كفلس وأفلس.

ثم قال: ﴿ ولن تجد لهم نصيراً ﴾ احتجوا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل القبلة لأنه  ذكره في معرض الزجر عن النفاق، فلو حصل نفي الشفاعة مع عدم النفاق لم يبق هذا زجراً عن النفاق من حيث إنه نفاق.

ثم استثنى منهم التائبين فشرط أموراً أربعة أولها التوبة.

وثانيها إصلاح ما أفسدوا من أسرارهم.

وثالثها الاعتصام بدين الله.

ورابعها الإخلاص لأنه إذا كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار تغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله وسعادة الآخرة والاعتصام بحبل الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها.

وعند حصول الشرائط قال: ﴿ فأولئك مع المؤمنين ﴾ ولم يقل مؤمنون تشريفاً للمؤمنين أنهم متبعون والمنافقون بعد الشرائط تبع لهم.

ثم بين وعد المؤمنين بقوله: ﴿ وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً ﴾ ليشمل المنافقين التائبين بالتبعية.

ثم برهن على أن فائدة الإيمان والعمل الصالح إنما ترجع على المكلفين فقال: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ لأن تعذيب الملوك بعض الرعية إنما يكون للتشفي من الغيظ ولدرك الثأر أو لجلب المنافقع أو لدفع المضار وأمثال هذه الأمور في حقه  محال، وإنما المقصود حمل المكلفين على فعل الحسن وترك القبيح لينالوا السعادة العظمى، فمن امتثل وأطاع فكيف يليق بكرمه تعذيبه.

قالت المعتزلة: / هذا صريح في أنه  لم يخلق أحداً لغرض التعذيب.

وفي أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وإلاّ لصار التقدير ما يفعل الله بعذابكم إن خلق الشكر والإيمان فيكم، ومعلوم أن هذا غير منتظم.

والجواب مسلم أنه  غير مستكمل بالتعذيب ولا بالإثابة لكن وقوع البعض في مظاهر اللطف والبعض في مظاهر القهر ضروري كما سبق.

وأيضاً انتهاء الكل إلى إرادته وخلقه وتكوينه ضروري بواسطة أو بغير واسطة، فيؤول المعنى إلى أنه لا يعذبكم إن كنتم مظاهر اللطف وهذا كلام في غاية الصحة.

قال في الكشاف: وإنما قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر أولاً إلى النعمة فيشكر شكراً مبهماً، ثم إذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به.

وأقول: إن لم تكن الواو للترتيب فلا سؤال، وإن كانت للترتيب فلعله إنما قدم الشكر في هذه الآية خلاف أكثر الآيات التي قدم الإيمان فيها على العمل الصالح وهو الأصل، لأن الآية مسوقة في غرض المنافقين، ولم يقع نزاع في إيمانهم ظاهراً وإنما يقع النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر ههنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله  فيما خلق لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة ﴿ وكان الله شاكراً ﴾ مثيباً على الشكر فسمى جزاء الشكر شكراً، وفيه أنه يجزي على العمل القليل ثواباً كثيراً ﴿ عليماً ﴾ بالكليات والجزئيات من غير غلط ونسيان فيوصل جزاء الشاكرين إليهم كما يليق بحالهم بل كما يليق بكرمه وسعة فضلة ورحمته.

ثم إنه  لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر منافياً للكرم والرحمة ظاهراً ذكر ما يجري مجرى العذر من ذلك فقال: ﴿ لا يحب الله الجهر ﴾ الآية يعني أنه لا يحب إظهار الفضائح إلا في حق من ظلم وهم المسلمون الذين عظم ضرر المنافقين وكيدهم فيهم.

وأيضاً إن المنافقين إذا تاب وأصلح لم يكد يسلم من تعيير المسلمين إياه على ما صدر عنه في الماضي فبيّن  أن تعييرهم بعد التوبة أمر مذموم وأنه  لا يرضى به إلا من ظلم نفسه وعاد إلى نفاقه.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه  لا يريد من عباده فعل القبائح لأن محبة الله  عبارة عن إرادته.

وقالت الأشاعرة: المحبة عبارة عن إيصال الثواب على الفعل وحينئذ يصح أن يقال: إنه أراده وما أحبه.

قال أهل العلم: إنه لا يحب الجهر بالسوء ولا غير الجهر، ولكنه ذكر هذا الوصف لأن كيفية الواقعة أوجبت ذلك كقوله: ﴿ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا  ﴾ والتبين واجب في الطعن والإقامة.

أما قوله: ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ فالاستثناء فيه متصل أو منقطع.

وعلى الأول قال أبو عبيدة: تقديره إلاّ جهر من ظلم فحذف المضاف.

وقال الزجاج: الجهر بمعنى المجاهر أي / لا يحب الله المجاهر بالسوء إلاّ من ظلم.

وعلى الثاني المعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته.

وماذا يفعل المظلوم؟

قال ابن عباس: له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه.

وقال مجاهد: له أن يخبر بظلم ظالمه له.

وقال الأصم: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكنونة حذراً من الغيبة والريبة لكن له إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب.

وقال الحسن: له أن ينتصر من ظالمه.

وعن مجاهد أن ضيفاً تضيف قوماً فأساؤوا قراه فاشتكاهم فنزلت الآية رخصة في أن يشكو.

وقرأ الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ على البناء للفاعل.

وقيل: إنه كلام منقطع عما قبله أي لكن من ظلم فدعوه وخلوه.

وقال الفراء والزجاج: معناه لكن من ظلم فإنه يجهر له بالسوء من القول ﴿ وكان الله سميعاً عليماً ﴾ فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً.

ثم حث على العفو بقوله: ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه ﴾ وهو إشارة إلى إيصال النفع ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ وهذا إشارة إلى دفع الضرر، وعلى هذين تدور المعاشرة مع الخلق.

﴿ فإنّ الله عفواً قديراً ﴾ قال الحسن: أي يعفو عن الجاني مع قردته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنّة الله.

وقيل: عفو لمن عفا، قدير على إيصال الثواب إليه، وقال الكلبي: معناه أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك.

وفي الخبر "أن أبا بكر الصديق شتمه رجل فسكت مراراً ثم رد عليه فقام النبي  فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه قمت.

قال: إن ملكاً كان يجيب عنك، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجيء الشيطان" .

ثم إنه  تكلم بعد ذكر أحوال المنافقين في مذاهب اليهود والنصارى وأباطيلهم.

وذلك أنواع: الأول إيمانهم ببعض الأنبياء دون بعض فسلكهم في سلك من لا يقر بالوحدانية ولا بالنبوّات وهم الذين يكفرون بالله ورسله، وفي سلك من يقر بالوحدانية وينكر النبوّات وهم الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله في الإيمان بالله والكفر بالرسل؛ وذلك أن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد  والفرقان، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد  والقرآن فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا بالبعض وأرادوا أن يتخذوا بين ذلك أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة ﴿ أولئك ﴾ أي الطوائف الثلاث ﴿ هم الكافرون ﴾ أما الطائفة الأولى فكفرهم ظاهر، وأما الثانية فلأنّ تكذيب الأنبياء وإنكارهم يستلزم تكذيب الله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ وأما الطائفة الثالثة فلأنّ الدليل الدال على نبوة بعض الأنبياء هو المعجزة ويلزم منه حصول النبوة حيث حصل المعجز فالقدح في بعض من ظهر على يده المعجزة هو القدح في كل نبي.

فقيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ولكن ليس إذا توجه بعض الإلزامات على إنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به، فإلزام الكفر أمر والتزام الكفر غيره.

فالجواب أن الإلزام إذا كان خفياً / يحتاج فيه إلى فكر وتأمل فالأمر كما ذكرتم، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبق بين الإلزام والإلتزام فرق.

وانتصاب ﴿ حقاً ﴾ على أنه مصدر مؤكد لغيره كقوله: زيد قائم حقاً أي أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً أي ثابتاً.

وقيل: المراد هم الكافرون كفراً حقاً وطعن الواحدي فيه بأن الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه.

وأجيب بأن الحق ههنا الكامل الراسخ الثابت.

ثم ختم النوع بوعد المؤمنين.

ومعنى: ﴿ بين أحد ﴾ بين اثنين منهم أو جماعة لأن أحداً في سياق النفي يفيد التعدد.

ومعنى ﴿ سوف ﴾ توكيد الوعيد لا التأخر المجرد ولهذا قال سيبويه: لن أفعل نفى سوف أفعل.

فالمعنى أن إيتاء الأجور كائن لا محالة وإن تأخر.

التأويل: إنّ المنافقين يخادعون الله في الدنيا لأن الله خادعهم في الأزل حيث رش نوره وشاهدوه ثم أخطأهم إن شكرتم نعم الله عليكم وآمنتكم أنفسكم من عذابه ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ من العوام ولا من التحدث بالنفس من الخواص ولا من الخواطر من الأخص ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ إما بتقاضي دواعي البشرية من غير اختيار أو بابتلاء من اضطرار.

وأيضاً ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ بإفشاء سر الربوبية، وإظهار مواهب الألوهية، أو بكشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب ﴿ إلا من ظلم ﴾ بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني: أنا الحق وسبحاني ﴿ إن تبدوا خيراً ﴾ مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيهاً للخلق وإفادة بالحق، أو تخفوه صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب وفطامها عن المشارب ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ مما يدعو إليه هوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل الله إظهاره سوءاً ﴿ فإن الله كان عفواً ﴾ فتكون عفواً متخلقاً بأخلاقه ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ فيه إشارة إلى أن الإيمان لا يتبعض وإن كان يزيد وينقص مثاله شعاع الشمس؛ إذا دخل كوّة البيت فيزيد وينقص بحسب سعة الكوة وضيقها، ولكن لا يمكن تجزئتها بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذ للشمس والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل - ﴿ لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ .

اختلف في تأويله وتلاوته: قال بعضهم: ﴿ لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ ﴾ من الدعاء إلا من ظلم؛ فإنه لا بأس أن يدعو إذا كان مظلوماً.

وقال آخرون: ﴿ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ هو الشتم؛ أخبر أنه لا يحب ذلك لأحد من الناس، ثم استثنى إلا مَنْ ظلم واعْتُدِيَ عليه؛ فإن رد عليه مثل ذلك، فلا حرج عليه.

وكذلك قال ابن عباس -  - قال: ﴿ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ أن يشتم الرجل المسلم في وجهه، إلا أن يشتمه فيرد كما قال، وذلك قول الله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ ، وإن يعفو فهو أفضل.

وقرأ بعضهم: "إلا من ظلم" بالنصب، فهو يحتمل: إلا من ظلم؛ فإن له الجهر بالسوء من القول، وإن لم يكن له ذلك؛ وهو كقوله -  -: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ  ﴾ ؛ فإنهم - وإن لم يكن لهم حجة عليكم - فإنهم يحتجون عليكم؛ فعلى ذلك الظالم، وإن لم يكن له الجهر بالسوء من القول فإنه يفعل ذلك، والله أعلم.

ومن قرأ: ﴿ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ : بالرفع - فتأويله ما ذكرنا - والله أعلم -: أنه لا يبيح لأحد الجهر بالسوء من القول إلا المظلوم؛ فإنه يباح له أن يدعو على ظالمه، وينتصر منه.

والثاني: ما قيل: من سب آخر، فإنه لا يباح له ولا يؤذن أن يرد عليه مثله وينتصر منه.

وقيل: نزلت الآية في أبي بكر -  - شتمه رجل بمكة، فسكت عنه ما شاء الله، ثم انتصر؛ فقام النبي  وتركه.

وعن الحسن قال: قال رسول الله  : "الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالاَ: فَهُوَ عَلى البَادِئ حَتَّى يَعْتديَ المَظْلومُ" .

وقال: "ألا لا تَسْتَبُّوا، فَإِنَّ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ لاَ مَحَالَةَ، فَعَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ صَاحِبِهِ - فَلْيَقُلْ: إِنَّكَ لَجَبَّارٌ، وَإِنَّكَ لَبَخِيلٌ" وأصل هذا الاستثناء أن الأول - وإن لم يكن من نوع ما استثنى - فهو جزاؤه، وجزاء الشيء يسمى باسمه؛ كما سمى الله - عز وجل - [جزاء] السيئة: سيئة، بقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  ﴾ ، وسمي جزاء الاعتداء: اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء ولا سيئة؛ فعلى ذلك استثنى ﴿ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ ، وإن لم يكن من نوعه؛ لأنه جزاء الظلم والاعتداء، والله أعلم.

وقيل: إن الآية نزلت في الضيف ينزل بالرجل فلا يضيفه، ولا يحسن إليه، فجعل له أن يأخذه بلسانه، وإلى هذا يذهب أكثر المتأولين، لكنه بعيد.

وفي قوله: ﴿ لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ دليل على أنه ليس في إباحة الشيء في حال - يوجب حظره في حال أخرى؛ لأنه نهي عن الجهر بالسوء من القول، ثم لم يدل ذلك على أنه لا ينهي عن ذلك في غير حال الجهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً ﴾ .

بجهر السوء: ﴿ عَلِيماً ﴾ به.

ثم قال: ﴿ إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ ﴾ .

يحتمل - والله أعلم - أن العفو والتجاوز خير عند الله من الانتصار؛ فيحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يكون على الترغيب: رغبهم - عز وجل - بالعفو عن السوء والمظلمة، فكما أنه يعفو عن خلقه، ويتجاوز عنهم مع قدرته على الانتقام - فاعفوا أنتم عن ظالمكم أيضاً، وإن [أنتم] قدرتم على الانتصار والانتقام منهم، فيكون لكم بذلك عند الله الثواب.

ويحتمل: أن يأمرهم بالعفو عن مظالمهم؛ ليعفو - عز وجل - عن مظالمهم التي فيما بينهم وبين ربهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ - والله أعلم - فإن الله - عز جل - أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو صاحبكم المسيء إليكم.

وقال بعضهم: الله أجدر وأحرى أن يعفو عنك إذا عفوت عن أخيك في الدنيا، وهو على ذلك أقدر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا يحب الله الجهر بقول السوء، بل يبغضه ويتوعّد عليه، لكن من ظُلم جاز له أن يجهر بقول السوء؛ للشكاية من ظالمه والدعاء عليه ومجازاته بمثل قوله، لكنَ صَبْرَ المظلوم أولى من جهره بالسوء، وكان الله سميعًا لأقوالكم، عليمًا بنياتكم، فاحذروا قول السوء أو قصده.

<div class="verse-tafsir" id="91.L5Mmp"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد