الآية ١٧٠ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٧٠ من سورة النساء

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١٧٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٠ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٠ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم ) أي : قد جاءكم محمد - صلوات الله وسلامه عليه - بالهدى ودين الحق ، والبيان الشافي من الله ، عز وجل ، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرا لكم .

ثم قال : ( وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض ) أي : فهو غني عنكم وعن إيمانكم ، ولا يتضرر بكفرانكم ، كما قال تعالى : ( وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) [ إبراهيم : 8 ] وقال هاهنا : ( وكان الله عليما حكيما ) أي : بمن يستحق منكم الهداية فيهديه ، وبمن يستحق الغواية فيغويه ) حكيما ) أي : في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " يا أيها الناس "، مشركي العرب، وسائرَ أصناف الكفر=" قد جاءكم الرسول "، يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، قد جاءكم=" بالحق من ربكم "، يقول: بالإسلام الذي ارتضاه الله لعباده دينًا، يقول:=" من ربكم "، يعني: من عند ربكم (24) =" فآمنوا خيرًا لكم "، يقول: فصدِّقوه وصدّقوا بما جاءكم به من عند ربكم من الدين، فإن الإيمان بذلك خير لكم من الكفر به=" وإن تكفروا "، يقول: وإن تجحدوا رسالتَه وتكذّبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به، لن يضرَّ غيركم، وإنما مكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، دون الذي أمركم بالذي بعث به إليكم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، (25) وذلك أن لله ما في السموات والأرض، ملكًا وخلقًا، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره، وعصيانكم إياه فيما عصيتموه فيه، من ملكه وسلطانه شيئًا (26) =" وكان الله عليمًا حكيمًا "، يقول: " وكان الله عليمًا "، بما أنتم صائرون إليه من طاعته فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، ومعصيته في ذلك، على علم منه بذلك منكم، أمركم ونهاكم (27) =" حكيمًا " يعني: حكيمًا في أمره إياكم بما أمركم به، وفي نهيه إياكم عما نهاكم عنه، وفي غير ذلك من تدبيره فيكم وفي غيركم من خلقه.

(28) * * * واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله نصب قوله: " خيرًا لكم ".

فقال بعض نحويي الكوفة: نصب " خيرًا " على الخروج مما قبله من الكلام، (29) لأن ما قبله من الكلام قد تمَّ، وذلك قوله: " فآمنوا ".

وقال: قد سمعت العرب تفعل ذلك في كل خبر كان تامًّا، ثم اتصل به كلام بعد تمامه، على نحو اتصال " خير " بما قبله.

فتقول: " لتقومن خيرًا لك " و " لو فعلت ذلك خيرًا لك "، و " اتق الله خيرًا لك ".

قال: وأما إذا كان الكلام ناقصًا، فلا يكون إلا بالرفع، كقولك: " إن تتق الله خير لك "، و وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [سورة النساء: 25].

* * * وقال آخر منهم: جاء النصب في" خير "، لأن أصل الكلام: فآمنوا هو خيرٌ لكم، فلما سقط" هو "، الذي [هو كناية] ومصدرٌ، (30) اتّصل الكلام بما قبله، والذي قبله معرفة، و " خير " نكرة، فانتصب لاتصاله بالمعرفة لأن الإضمار من الفعل " قم فالقيام خير لك "، (31) و " لا تقم فترك القيام خير لك ".

فلما سقط اتصل بالأول.

وقال: ألا ترى أنك ترى الكناية عن الأمر تصلح قبل الخبر، فتقول للرجل: " اتق الله هو خير لك "، أي: الاتقاء خير لك.

وقال: ليس نصبه على إضمار " يكن "، لأن ذلك يأتي بقياس يُبْطل هذا.

ألا ترى أنك تقول: " اتق الله تكن محسنًا "، ولا يجوز أن تقول: " اتق الله محسنًا "، وأنت تضمر " كان "، ولا يصلح أن تقول: " انصرنا أخانا "، وأنت تريد: " تكن أخانا "؟

(32) وزعم قائل هذا القول أنه لا يجيز ذلك إلا في" أفعل " خاصة، (33) فتقول: " افعل هذا خيرًا لك "، و " لا تفعل هذا خيرًا لك "، و " أفضل لك ".، ولا تقول: " صلاحًا لك ".

وزعم أنه إنما قيل مع " أفعل "، لأن " أفعل " يدل على أن هذا أصلح من ذلك.

* * * وقال بعض نحويي البصرة: نصب " خيرًا "، لأنه حين قال لهم: "آمنوا "، أمرهم بما هو خيرٌ لهم، فكأنه قال: اعملوا خيرًا لكم، وكذلك: انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [سورة النساء: 171].

قال: وهذا إنما يكون في الأمر والنهي خاصة، ولا يكون في الخبر= لا تقول: " أن أنتهي خيرًا لي"؟

(34) ولكن يرفع على كلامين، لأن الأمر والنهي يضمر فيهما= فكأنك أخرجته من شيء إلى شيء، لأنك حين قلت له: " انته "، (35) كأنك قلت له: " اخرج من ذا، وادخل في آخر "، (36) واستشهد بقول الشاعر عمر بن أبي ربيعة: فَوَاعِدِيـــهِ سَـــرْحَتَيْ مَـــالِكٍ أوِ الـــرُّبَى بَيْنَهُمَـــا أَسْـــهَلا (37) كما تقول: " واعديه خيرًا لك ".

قال: وقد سمعت نصبَ هذا في الخبر، تقول العرب: "آتي البيت خيرًا لي، وأتركه خيرًا لي"، وهو على ما فسرت لك في الأمر والنهي.

(38) وقال آخر منهم: نصب " خيرًا "، بفعل مضمر، واكتفى من ذلك المضمر بقوله: (39) " لا تفعل هذا " أو " افعل الخير "، وأجازه في غير " أفعل "، فقال: " لا تفعل ذاك صلاحًا لك ".

* * * وقال آخر منهم: نصب " خيرًا " على ضمير جواب " يكن خيرًا لكم ".

(40) وقال: كذلك كل أمر ونهي.

(41) * * * --------------- الهوامش : (24) انظر تفسير"من ربكم" بمثله ، فيما سلف 6 : 440.

(25) في المطبوعة: "دون الله الذي أمركم ..." ، وأثبت ما في المخطوطة.

(26) السياق: لا ينقص كفركم ...

من ملكه وسلطانه شيئًا".

(27) في المطبوعة: "وعلى علم ..." بزيادة الواو ، وأثبت ما في المخطوطة.

(28) انظر تفسير"عليم" و"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.

(29) انظر"الخروج" فيما سلف من فهارس المصطلحات.

(30) في المطبوعة: "الذي هو مصدر" ، وفي المخطوطة"الذي مصدر" ، ورجحت أن الصواب ما أثبت ، لأن تأويل الكلام ، على مذهبه هذا: فالإيمان خير لكم ، فالضمير"هو" كناية عن"الإيمان" ، وهو مصدر.

(31) أخشى أن يكون سقط قبل قوله: "لأن الإضمار من الفعل: "قم فالقيام خير لك ..." إلى آخر الكلام ، ما يصلح أن يكون هذا تابعًا له ، كأنه ضرب مثلين هما: "قم خير لك" و"لا تقم خير لك".

ومع ذلك فقد تركت الكلام على حاله ، ووضعت بينه نقطًا للدلالة على ذلك....

(32) من أول قوله: "ألا ترى أنك ترى الكناية ..." إلى هذا الموضع ، هو نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 295 ، 296.

فظاهر إذن أن هذه مقالة الفراء ، ما قبل هذا ، وما بعده.

إلا أني لم أجده في هذا الموضع من معاني القرآن ، فلعل أبا جعفر جمعه من كتابه في مواضع أخر ، عسى أن أهتدي إليها فأشير إليها بعد.

(33) في المخطوطة: "أفعال خاصة" ، وهو خطأ ظاهر.

(34) في المطبوعة: "أنا أنتهي" والصواب من المخطوطة.

(35) في المطبوعة والمخطوطة: "اتقه" بالقاف ، والصواب"انته" ، لأن المثال قبله: "أن أنتهي خيرًا لي".

(36) في المخطوطة"وأخرج في آخر" ، خطأ ظاهر.

وهذا القول الذي ذكره هو قول سيبويه في الكتاب 1 : 143 ، وبسط القول فيه ، واختصره أبو جعفر.

(37) ديوانه: 131 ، سيبويه 1 : 143 ، الخزانة 1 : 280 وغيرها كثير ، وبعد البيت: وَلْيِــأْتِ إِنْ جَــاءَ عَــلَى بَغْلَــةٍ إِنِّــي أَخَـافُ الْمُهْـرَ أَنْ يَصْهَـلا!

وقوله: "أسهلا" ، أي: ائت أسهل الأمرين عليك.

هذا تفسيره على مقالة سيبويه.

(38) هذا تمام كلام سيبويه ، ولكن أعياني أن أجد مكانه في الكتاب.

(39) في المطبوعة: "كقوله: لا تفعل هذا" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(40) قوله: "ضمير" هو ، الإضمار ، مصدر - لا بمعنى مضمر في اصطلاح سائر النحاة.

وانظر ما سلف 1 : 427 ، تعليق: 1 / 2 : 107 ، تعليق: 1 / 8 : 273 ، تعليق: 1.

(41) هذه مقالة أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 143.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيماقوله تعالى : يا أيها الناس هذا خطاب للكل .

قد جاءكم الرسول يريد محمدا عليه الصلاة والسلام .

بالحق بالقرآن .

وقيل : بالدين الحق ؛ وقيل : بشهادة أن لا إله إلا الله ، وقيل : الباء للتعدية ؛ أي جاءكم ومعه الحق ؛ فهو في موضع الحال .قوله تعالى : فآمنوا خيرا لكم في الكلام إضمار ؛ أي وأتوا خيرا لكم ؛ هذا مذهب سيبويه ، وعلى قول الفراء نعت لمصدر محذوف ؛ أي إيمانا خيرا لكم ، وعلى قول أبي عبيدة يكن خيرا لكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى جميع الناس أن يؤمنوا بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

وذكر السبب الموجب للإيمان به، والفائدة في الإيمان به، والمضرة من عدم الإيمان به، فالسبب الموجب هو إخباره بأنه جاءهم بالحق.أي: فمجيئه نفسه حق، وما جاء به من الشرع حق، فإن العاقل يعرف أن بقاء الخلق في جهلهم يعمهون، وفي كفرهم يترددون، والرسالة قد انقطعت عنهم غير لائق بحكمة الله ورحمته، فمن حكمته ورحمته العظيمة نفس إرسال الرسول إليهم، ليعرفهم الهدى من الضلال، والغي من الرشد، فمجرد النظر في رسالته دليل قاطع على صحة نبوته.

وكذلك النظر إلى ما جاء به من الشرع العظيم والصراط المستقيم.

فإن فيه من الإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة، والخبر عن الله وعن اليوم الآخر -ما لا يعرف إلا بالوحي والرسالة.

وما فيه من الأمر بكل خير وصلاح، ورشد وعدل وإحسان، وصدق وبر وصلة وحسن خلق، ومن النهي عن الشر والفساد والبغي والظلم وسوء الخلق، والكذب والعقوق، مما يقطع به أنه من عند الله.

وكلما ازداد به العبد بصيرة، ازداد إيمانه ويقينه، فهذا السبب الداعي للإيمان.

وأما الفائدة في الإيمان فأخبر أنه خير لكم والخير ضد الشر.

فالإيمان خير للمؤمنين في أبدانهم وقلوبهم وأرواحهم ودنياهم وأخراهم.

وذلك لما يترتب عليه من المصالح والفوائد، فكل ثواب عاجل وآجل فمن ثمرات الإيمان، فالنصر والهدى والعلم والعمل الصالح والسرور والأفراح، والجنة وما اشتملت عليه من النعيم كل ذلك مسبب عن الإيمان.

كما أن الشقاء الدنيوي والأخروي من عدم الإيمان أو نقصه.

وأما مضرة عدم الإيمان به صلى الله عليه وسلم فيعرف بضد ما يترتب على الإيمان به.

وأن العبد لا يضر إلا نفسه، والله تعالى غني عنه لا تضره معصية العاصين، ولهذا قال: { فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: الجميع خلقه وملكه، وتحت تدبيره وتصريفه { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا } بكل شيء { حَكِيمًا } في خلقه وأمره.

فهو العليم بمن يستحق الهداية والغواية، الحكيم في وضع الهداية والغواية موضعهما.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ياأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم ) تقديره : فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم ، ( وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الناس» أي أهل مكة «قد جاءكم الرسول» محمد صلى الله عليه وسلم «بالحق من ربكم فآمنوا» به واقصدوا «خيرا لكم» مما أنتم فيه «وإن تكفروا» به «فإن لله ما في السماوات والأرض» ملكا وخلقا وعبيدا فلا يضره كفركم «وكان الله عليما» بخلقه «حكيما» في صنعه بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الناس قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام دين الحق من ربكم، فَصَدِّقوه واتبعوه، فإن الإيمان به خيرلكم، وإن تُصرُّوا على كفركم فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم؛ لأنه مالك ما في السموات والأرض.

وكان الله عليمًا بأقوالكم وأفعالكم، حكيمًا في تشريعه وأمره.

فإذا كانت السموات والأرض قد خضعتا لله تعالى كونًا وقدرًا خضوع سائر ملكه، فأولى بكم أن تؤمنوا بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن الذي أنزله عليه، وأن تنقادوا لذلك شرعًا حتى يكون الكون كلُّه خاضعًا لله قدرًا وشرعًا.

وفي الآية دليل على عموم رسالة نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس جميعا يأمرهم فيه بالإِيمان وينهاهم عن الكفر فقال : ( ياأيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ) .أى : يأيها المكلفون من الناس جميعا ، قد جاءكم الرسول المشهود له بالصدق فى رسالته ، بالهدى ودين الحق من ربكم ، فآمنوا به وصدقوا وأطيعوه ، يكن إيمانكم خيرا لكم فى الدنيا والآخرة .فالخطاب فى الآية الكريمة للناس أجمعين ، سواء أكان عربيا أم غير عربى أبيض أم أسود ، بعيدا أم قريبا ..

.

لأنه رسالته صلى الله عليه وسلم عامة وشاملة للناس جميعا .والمراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم فأل فيه للعهد : وإيراده بعنوان الرسالة لتأكيد وجوب طاعته .وقوله : ( بالحق ) متعلق بمحذوف على أنه حال من الرسول .

أى : جاءكم الرسول ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل .وقوله : ( مِن رَّبِّكُمْ ) متعلق بمحذف على أنه حال أيضا من الحق .

أو متعلق بجاء .

أى : جاءكم من عند الله - تعالى - وليس متقولا .ويرى بعضهم أن قوله ( خَيْراً ) خبر لكان المحذوفة مع اسمها ، أى : فآمنوا به يكن إيمانكم خيرا لكم .ويرى آخرون أنه صفة لمصدر محذوف .

أى : فآمنوا إيمانا خيرا لكم .

وهى صفة مؤكدة على حد أمس الدابر لا يعود ، لأن الإِيمان لا يكون إلا خيراً .فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة قد حضت الناس على الإِيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لم يجئهم بشئ باطل وإنما جاءهم بالحق الثابت الموافق لفطرة البشر أجمعين ، ولأنه لم يجئهم بما جاءهم به من عند نفسه وإنما جاءهم بما جاءهم به من عند الله - تعالى - ولأنه لم يجئهم بما يفضى بهم إلى الشرور والآثام ، وإنما جاءهم بما يوصلهم إلى السعادة فى الدنيا وإلى الفوز برضا الله فى الآخرة .تلك هى عاقبة المؤمنين ، أما عاقبة الكافرين فقد حذر - سبحانه - منها بقوله : ( وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) .أى : وإن تكفروا - أيها الناس - فلن يضر الله كفركم ، فإنه - سبحانه - له ما فى السماوات والأرض خلقا وملكا وتصرفا ، وكان الله - تعالى - عليما علما تاما بأحوال خلقه ، حكيما فى جميع أفعاله وتدبيراته .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد توعدت الكافرين بسوء المصير ، وحضت الناس على الدخول فى زمرة المؤمنين ، وحذرتهم من الكفر حتى ينجوا يوم القيامة من عذاب السعير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة اليهود على الوجوه الكثيرة وبيّن فساد طريقتهم ذكر خطاباً عاماً يعمهم ويعم غيرهم في الدعوة إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ يأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ ﴾ وهذا الحق فيه وجهان: الأول: أنه جاء بالقرآن، والقرآن معجز فيلزم أنه جاء بالحق من ربه.

والثاني: أنه جاء بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره، والعقل يدل على أن هذا هو الحق، فيلزم أنه جاء بالحق من ربه.

ثم قال تعالى: ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ يعين فآمنوا يكن ذلك الإيمان خيراً لكم مما أنتم فيه، أي أحمد عاقبة من الكفر، وإن تكفروا فإن الله غني عن إيمانكم لأنه مالك السموات والأرض وخالقهما، ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء، ويحتمل أن يكون المراد: فإن لله ما في السموات والأرض، ومن كان كذلك كان قادراً على إنزال العذاب الشديد عليكم لو كفرتم، ويحتمل أن يكون المراد: أنكم إن كفرتم فله ملك السموات والأرض وله عبيد يعبدونه وينقادون لأمره وحكمه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي عليماً لا يخفى عليه من أعمال عباده المؤمنين والكافرين شيء، و ﴿ حَكِيماً ﴾ لا يضيع عمل عامل منهم ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمسيء والمحسن، وهو كقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَئَامِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ وكذلك ﴿ انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ﴾ انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال: ﴿ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ أي اقصدوا، أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث.

وهو الإيمان والتوحيد ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته، حيث جعلته مولوداً لغير رشدة.

وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ وهو تنزيهه عن الشريك والولد.

وقرأ جعفر بن محمد ﴿ إنما المسيح ﴾ بوزن السِّكيت.

وقيل لعيسى (كلمة الله) (وكلمة منه) لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة.

وقيل له: روح الله، وروح منه، لذلك، لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحيِّ وإنَّما اخترع اختراعاً عند الله وقدرته خالصة.

ومعنى ﴿ ألقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿ ثلاثة ﴾ خبر مبتدأ محذوف، فإن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون: هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس.

وأنهم يريدون بأقنوم الأب: الذات، وبأقنوم الابن: العلم، وبأقنوم روح القدس: الحياة، فتقديره الله ثلاثة؛ وإلا فتقديره: الآلهة ثلاثة.

والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، وأنّ المسيح ولد الله من مريم.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ [المائدة: 116] ، ﴿ وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ﴾ [التوبة: 30] والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون: في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم.

ويدل عليه قوله: ﴿ إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ فأثبت أنه ولد لمريم اتصل بها اتصال الأولاد بأمّهاتها، وأن اتصاله بالله تعالى من حيث أنه رسوله، وأنه موجود بأمره وابتداعه جسداً حياً من غير أب، فنفى أن يتصل به اتصال الأبناء بالآباء.

وقوله: ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ وحكاية الله أوثق من حكاية غيره.

ومعنى ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ سبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد.

وقرأ الحسن: ﴿ إن يكونُ ﴾ ، بكسر الهمزة ورفع النون: أي سبحانه ما يكون له ولد.

على أنّ الكلام جملتان ﴿ لَّهُ وما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ بيان لتنزهه عما نسب إليه، يعني أنَّ كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه، على أنَّ الجزء إنَّما يصح في الأجسام وهو متعال عن صفات الأجسام والأعراض ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغني عنهم وهم الفقراء إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ لِما قَرَّرَ أمْرَ النُّبُوَّةِ وبَيْنَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى العِلْمِ بِها ووَعِيدِ مَن أنْكَرَها، خاطَبَ النّاسَ عامَّةً بِالدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ والوَعْدِ بِالإجابَةِ والوَعِيدِ عَلى الرَّدِّ.

﴿ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ أيْ إيمانًا خَيْرًا لَكم أوِ ائْتُوا أمْرًا خَيْرًا لَكم مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ.

وقِيلَ تَقْدِيرُهُ يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكم ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ كانَ لا يُحْذَفُ مَعَ اسْمِهِ إلّا فِيما لا بُدَّ مِنهُ ولِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى حَذْفِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ.

﴿ وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَعْنِي وإنْ تَكْفُرُوا فَهو غَنِيٌّ عَنْكم لا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِكم كَما لا يَنْتَفِعُ بِإيمانِكُمْ، ونَبَّهَ عَلى غِناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وهو يَعُمُّ ما اشْتَمَلَتا عَلَيْهِ وما تَرَكَّبَتا مِنهُ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِأحْوالِهِمْ.

﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما دَبَّرَ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الناس قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ} أي بالإسلام أو هو حال أي محقاً {فآمنوا خيرا لكم} وكذلك انتهوا خير لَّكُمْ انتصابه بمضمر وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال خيراً لكم أي اقصدوا وأتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان به والتوحيد {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض} فلا يضره كفركم {وَكَانَ الله عَلِيماً} بمن يؤمن وبمن يكفر {حَكِيماً} لايسوى بينها فى الجزاء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، بَعْدَ أنْ حَكى سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَعَلُّلَ اليَهُودِ بِالأباطِيلِ، واقْتِراحَهُمُ الباطِلَ تَعَنُّتًا، ورَدَّ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِمْ بِما رَدَّ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِما أكَّدَ، وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ وأمْرِهِمْ بِالإيمانِ مَشْفُوعًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ بَعْدَ تَنْبِيهٍ عَلى أنَّ المَحَجَّةَ قَدْ وضَحَتْ والحُجَّةَ قَدْ لَزِمَتْ فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ عُذْرٌ في القَبُولِ.

وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ الخِطابَ ( ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ ) أيْنَما وقَعَ لَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ التَّعْمِيمَ أوْلى، وما ذُكِرَ في حَيِّزِ الِاسْتِدْلالِ، وأنَّ ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أغْلَبِيٌّ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ مُطْلَقًا إبْقاءً لِلْأمْرِ عَلى ظاهِرِهِ، ولَمْ يُحْتَجْ إلى حَمْلِهِ عَلى ما يَعُمُّ الأحْداثَ والثَّباتَ.

﴿ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإيرادُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ طاعَتِهِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِهِ، وفُسِّرَ بِالقُرْآنِ، وبِدِينِ الإسْلامِ، وبِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةً بِـ( جاءَ ) أيْ: جاءَكم بِسَبَبِ إقامَةِ الحَقِّ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالفِعْلِ أيْضًا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الحَقِّ، أيْ: جاءَكم بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ كائِنًا مِنهُ سُبْحانَهُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَتِهِمْ وتَبْلِيغِهِمْ إلى كَمالِهِمُ اللّائِقِ بِهِمْ؛ تَرْغِيبًا لَهم في الِامْتِثالِ لِما بَعْدُ مِنَ الأمْرِ، كَما أنَّ في ذِكْرِ الجُمْلَةِ تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُها مِن ذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّها تَكْرِيرٌ لِلشَّهادَةِ، وتَقْرِيرٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ، وتَمْهِيدٌ لِما ذُكِرَ ﴿ فَآمِنُوا ﴾ أيْ: بِالرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى إيجابِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خَيْرًا لَكُمْ ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ ( وافْعَلُوا ) أوِ ( ائْتُوا ) خَيْرًا لَكُمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيمانًا خَيْرًا لَكُمْ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الإيمانَ يَنْقَسِمُ إلى خَيْرٍ وغَيْرِهِ، ودُفِعَ بِأنَّهُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَهٌ، وأنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ قَدْ لا يُعْتَبَرُ، وعَلى القَوْلِ بِاعْتِبارِهِ قَدْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَهُ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّ لَهم إيمانًا بِبَعْضِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ كاليَوْمِ الآخِرِ مَثَلًا إلّا أنَّهُ لَيْسَ خَيْرًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى الوَجْهِ المَرْضِيِّ.

وذَهَبَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ إلى أنَّهُ خَبَرُ ( كانَ ) مُضْمَرَةً، والتَّقْدِيرُ: يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكُمْ، ورُدَّ بِأنَّ ( كانَ ) لا تُحْذَفُ مَعَ اسْمِها دُونَ خَبَرِها إلّا في مَواضِعَ اقْتَضَتْهُ، وأنَّ المُقَدَّرَ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، فَيَلْزَمُ حَذْفُ الشَّرْطِ وجَوابِهِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ تُؤْمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا، وأُجِيبَ بِأنَّ تَخْصِيصَ حَذْفِ كانَ واسْمِها في مَواضِعَ لا يُسَلِّمُهُ هَذا القائِلُ، وبِأنَّ لُزُومَ حَذْفِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجَزْمَ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وإنْ قُلْنا: بِأنَّهُ بِنَفْسِ الأمْرِ وأخَواتِهِ كَما هو مَذْهَبٌ لِبَعْضِ النُّحاةِ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ.

ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنْ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو بَعِيدٌ.

﴿ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَتْ داخِلَةً في حَقِيقَتِهِما، وبِذَلِكَ يُعْلَمُ حالُ أنْفُسِهِما عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، أوْ خارِجَةً عَنْهُما مُسْتَقِرَّةً فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ المُخاطِبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أيْ: كُلُّ ذَلِكَ لَهُ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا، ولا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ وقَهْرِهِ ذَرَّةٌ فَما دُونَها، والجُمْلَةُ دَلِيلُ الجَوابِ، أُقِيمَ مَقامَهُ؛ لِأنَّ مَضْمُونَها مُقَرَّرٌ قَبْلَ كُفْرِهِمْ فَلا يَصْلُحُ لِلْجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ تَكْفُرُوا فَهو سُبْحانُهُ قادِرٌ عَلى تَعْذِيبِكم بِكُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ فَهو غَنِيٌّ عَنْكم لا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِكم كَما لا يَنْتَفِعُ بِإيمانِكُمْ، وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْدِيرُ: ( ﴿ وإنْ تَكْفُرُوا ﴾ ) فَقَدْ كابَرْتُمْ عُقُولَكم ( ﴿ فَإنَّ لِلَّهِ ﴾ ) سُبْحانَهُ ما لَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى ما يُنافِي حالَكم واعْتِقادَكم فَكَيْفَ يَتَأتّى الكُفْرُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ( ﴿ وإنْ تَكْفُرُوا ﴾ ) فَإنَّ عَبِيدًا غَيْرَكم لا يَكْفُرُونَ بَلْ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِأحْوالِ كُلٍّ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كُفْرُهم دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ حَكِيمًا ﴾ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وتَدْبِيراتِهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كَذَلِكَ تَعْذِيبُ مَن كَفَرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا النَّاسُ قال ابن عباس: يعني أهل مكة قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ أي بشهادة أن لا إله إلا الله، ويقال: ببيان الحق.

ويقال: للحق، يعني للعرض والحجة وقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمُ على وجه المجاز، لأن رسول الله  قد كان فيهم، ولكن معناه أنه قد ظهر فيكم رسول الله  كما قال في آية أخرى لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [سورة التوبة: 128] أي ظهر فيكم ثم قال: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ أي صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن الذي جاءكم به محمد  خيراً لكم من عبادة الأوثان، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئاً.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تَكْفُرُوا أي إن تجحدوا بالله وبمحمد  ، فَإِنَّ الله غنيٌّ عَنكُمْ فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كلهم عبيده وإماؤه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً في أمره.

ثم قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ قال الضحاك: أي لا تكذبوا في دينكم.

وقال بعض أهل اللغة: الغلو مجاوزة القدر في الظلم.

ويقال: الغلو أن تجاوز ما حدَّ لك.

وقال القتبي: يعني لا تفرطوا في دينكم، فإن دين الله بين المقصر والغالي.

وغلا في القول إذا تجاوز المقدار.

وقال ابن عباس: وذلك أن اليعقوبية وهم صنف من النصارى قالوا: عيسى هو الله.

وقالت النسطورية: هو ابن الله.

وقالت المرقوسية- ويقال لهم الملكانية-: هو ثالث ثلاثة، فنزل يا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ.

قال مقاتل: الغلو في الدين أن يقول على الله غير الحق.

ويقال: لا تتعمقوا في دينكم.

ثم قال تعالى: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ يعني: لا تصنعوا بالله بما لا يليق بصفاته، فإن الله تعالى واحد لا شريك له ولا ولد له.

ثم قال تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وهو قوله كُنْ فَيَكُونُ [سورة النحل: 40] ثم قال: وَرُوحٌ مِنْهُ قال ابن عباس في رواية الكلبي: يعني أمر منه فأتاها جبريل، فنفخ في جيب درعها فدخلت تلك النفخة بطنها، ثم وصل إلى عيسى ابن مريم فتحرك في بطنها وأمه أمة الله تعالى فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: صدّقوا بوحدانية الله تعالى وبما جاءكم به الرسل من الله تعالى وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ يعني: لا تقولوا إن الله ثالث ثلاثة انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ يقول: توبوا إلى الله تعالى من مقالتكم، فالتوبة خيرٌ لكن من الإصرار على الكفر إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ ثم نزّه نفسه عما قال الكفار فقال: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ.

ثم قال تعالى: لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يعني كفيلاً ويقال شاهداً ولا شاهد أفضل منه.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

نازلٌ بهم، ثم خاطَبَ سبحانه أهْلَ الكتابِ مِنَ النصارى، وهو أنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ، وهو تجاوُزُ الحَدِّ.

وقوله: فِي دِينِكُمْ: معناه: في دِينِ اللَّهِ الَّذي أنْتُمْ مطلوبُونَ به بأنْ تُوحِّدوا اللَّه، ولا تَقُولوا على اللَّه إلا الحقَّ، ولَيْسَتِ الإشارةُ إلى دينهم المُضَلِّل، وعن عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ (رضي اللَّه عنه) ، عنِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عيسى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ- أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنَ عَمَلٍ» «١» رواه مسلم، والبخاريُّ والنسائيُّ، وفي مسلمٍ: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ» .

انتهى.

وقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي: الذين مِنْ جملتهم: عيسى، ومحمَّد- عليهما السلام-.

وقوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ: «إنَّمَا» في هذه الآية: حاصرة، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزيهاً له، وتعظيماً، والاستنكاف إبَاءَةٌ بأَنَفَة.

قال ع «٢» : وقوله سبحانه: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ

: زيادةٌ في الحُجَّة، وتقريبٌ مِنَ الأذهان، أي: وهؤلاءِ الذين هُمْ في أعلى درجاتِ المَخْلُوقين لاَ يَسْتَنْكِفُونَ عن ذلك، فكيفَ بسواهُمْ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على تفضيل الملائكة على الأنبياء.

وقوله سبحانه: سَيَحْشُرُهُمْ

: عبارةُ وعيدٍ.

قال ع «٣» : وهذا الاِستنكافُ إنما يكونُ من الكُفَّار عن اتباع الأنبياءِ، وما جرى مجراه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ، عَنِ الخَلِيلِ وجَمِيعِ البَصْرِيِّينَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِالحَمْلِ عَلى مَعْناهُ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: انْتَهِ خَيْرًا لَكَ، وأنْتَ تَدْفَعُهُ عَنْ أمْرٍ فَتُدْخِلُهُ في غَيْرِهِ، كانَ المَعْنى: انْتَهِ وأْتِ خَيْرًا لَكَ، وادْخُلْ في ما هو خَيْرٌ لَكَ.

وأنْشَدَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ أوِ الرُّبا بَيْنَهُما أسْهَلا كَأنَّهُ قالَ: إيتِي مَكانًا أسْهَلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ: هو غَنِيٌّ عَنْكم، وعَنْ إيمانِكم، ﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِما يَكُونُ مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ (حَكِيمًا) في تَكْلِيفِكم مَعَ عِلْمِهِ بِما يَكُونُ مِنكُمْ) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللهِ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا ﴾ اَلْمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الناسُ ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ؛ والسُورَةُ مَدَنِيَّةٌ؛ فَهَذا مِمّا خُوطِبَ بِهِ جَمِيعُ الناسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ دُعاءٌ إلى الشَرْعِ؛ ولَوْ كانَتْ في أمْرٍ مِن أوامِرِ الأحْكامِ ونَحْوِها لَكانَتْ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا"؛ والرَسُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والحَقُّ هو شَرْعُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَيْرًا لَكُمْ ﴾ ؛ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "اِئْتُوا خَيْرًا لَكُمْ"؛ أو "حُوزُوا خَيْرًا لَكُمْ"؛ وقَوْلُهُ: "فَآمِنُوا"؛ وقَوْلُهُ: "اِنْتَهُوا" - بَعْدَ ذَلِكَ - أمْرٌ بِتَرْكِ الشَيْءِ؛ والدُخُولِ في غَيْرِهِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ صِفَةُ التَفْضِيلِ الَّتِي هي "خَيْرًا"؛ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في نَصْبِ "خَيْرًا"؛ ونَظِيرُهُ مِنَ الشِعْرِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ ∗∗∗ أوِ الرُبى بَيْنَهُما أسْهَلا أيْ: يَأْتِ أسْهَلَ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلتَّقْدِيرُ: يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا؛ والِانْتِهاءُ خَيْرًا؛ فَنَصْبُهُ عَلى خَبَرٍ "كانَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ: اَلتَّقْدِيرُ: فَآمِنُوا إيمانًا خَيْرًا لَكُمْ؛ فَنَصْبُهُ عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ؛ وهَذا خَبَرٌ بِالِاسْتِغْناءِ؛ وأنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ إنَّما هو نازِلٌ بِهِمْ؛ ولِلَّهِ تَعالى العِلْمُ والحِكْمَةُ.

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَصارى بِأنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ؛ وهو تَجاوُزُ الحَدِّ؛ وَمِنهُ غَلاءُ السِعْرِ؛ ومِنهُ غَلْوَةُ السَهْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي دِينِكُمْ"؛ إنَّما مَعْناهُ: في الدِينِ الَّذِي أنْتُمْ مَطْلُوبُونَ بِهِ؛ فَكَأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ؛ وأضافَهُ إلَيْهِمْ؛ بَيانًا أنَّهم مَأْخُوذُونَ بِهِ؛ ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى دِينِهِمُ المُضَلِّلِ؛ ولا أُمِرُوا بِالثُبُوتِ عَلَيْهِ دُونَ غُلُوٍّ؛ وإنَّما أُمِرُوا بِتَرْكِ الغُلُوِّ في دِينِ اللهِ عَلى الإطْلاقِ؛ وأنْ يُوَحِّدُوا؛ ولا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ؛ وإذا سَلَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَذَلِكَ سائِقُهم إلى الإسْلامِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ المَسِيحِ؛ وأنَّهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَلِمَتُهُ؛ أيْ: مُكَوَّنٌ عن كَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ: "كُنْ"؛ وقَوْلُهُ: "ألْقاها"؛ عِبارَةٌ عن إيجادِ هَذا الحادِثِ في مَرْيَمَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَكَلِمَتُهُ ألْقاها"؛ يُرِيدُ البِشارَةَ الَّتِي بَعَثَ المَلَكَ بِها إلَيْها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرُوحٌ مِنهُ"؛ أيْ: مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ؛ فَـ "مِن"؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ إذا حُقِّقَ النَظَرُ فِيها؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَرُوحٌ مِنهُ"؛ أيْ: نَفْخَةُ مِنهُ؛ إذْ هي مِن جِبْرِيلَ بِأمْرِهِ؛ وأنْشَدَ قَوْلَ ذِي الرُمَّةِ: فَقُلْتُ لَهُ اضْمُمْها إلَيْكَ وأحْيِها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرُوحِكَ واقْتَتْهُ لَها قِيتَةً قَدْرا يَصِفُ سَقَطَ النارِ؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: رُوحُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن أرْواحِ اللهِ الَّتِي خَلَقَها واسْتَنْطَقَها بِقَوْلِهِ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى  ﴾ ؛ فَبَعَثَهُ اللهُ إلى مَرْيَمَ؛ فَدَخَلَ فِيها؛ ثُمَّ أمَرَهم بِالإيمانِ بِاللهِ؛ ورُسُلِهِ؛ أيْ: اَلَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ عِيسى؛ ومُحَمَّدٌ - عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "اَللَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ"؛ فَحُذِفَ الِابْتِداءُ والمُضافُ؛ كَذا قَدَّرَ أبُو عَلِيٍّ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ: "اَلْمَعْبُودُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْإلَهُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْآلِهَةُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْأقانِيمُ ثَلاثَةٌ"؛ وكَيْفَما تَشَعَّبَ اخْتِلافُ عِباراتِ النَصارى فَإنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ ذَلِكَ التَقْدِيرُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى ﴿ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد استفراغ الحِوار مع أهل الكتاب، ثُمّ خطاب أهل الكفر بما هو صالح لأن يكون شاملاً لأهل الكتاب، وجّه الخطاب إلى النّاس جميعاً: ليكون تذييلاً وتأكيداً لما سبقه، إذ قد تهيَّأ من القوارع السالفة ما قامت به الحجَّة، واتّسعت المحَجَّة، فكان المقام للأمر باتّباع الرسول والإيمان.

وكذلك شأن الخطيب إذا تهيّأت الأسماع، ولانت الطباع.

ويسمَّى هذا بالمقصد من الخطاب، وما يتقدّمه بالمقدّمة.

على أنّ الخطاب بيأيُّها النّاس يعني خصوص المشركين في الغالب، وهو المناسب لقوله: ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ .

والتعريف في ﴿ الرسول ﴾ للعهد، وهو المعهود بين ظهرانيهم.

(والحقّ) هو الشريعة والقرآن، و ﴿ من ربّكم ﴾ متعلّق ب ﴿ جاءكم ﴾ ، أو صفة للحقّ، و(من) للابتداء المجازي فيهما، وتعدية جاء إلى ضمير المخاطبين ترغيب لهم في الإيمان لأنّ الذي يجيء مهتمّاً بناس يكون حقّاً عليهم أن يتّبعوه، وأيضاً في طريق الإضافة من قوله ﴿ ربّكم ﴾ ترغيب ثان لما تدلّ عليه من اختصاصهم بهذا الدّين الذي هو آت من ربّهم، فلذلك أتي بالأمر بالإيمان مفرّعاً على هاته الجمل بقوله: ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ .

وانتصب ﴿ خيراً ﴾ على تعلّقه بمحذوف لازم الحذف في كلامهم لكثرة الاستعمال، فجَرى مجرى الأمثال، وذلك فيما دلّ على الأمر والنهي من الكلام نحو ﴿ انْتهوا خيراً لكم ﴾ [النساء: 171]، ووراءك أوسعَ لك، أي تأخّر، وحسبك خيراً لك، وقول عمر بن أبي ربيعة: فواعديه سَرْحَتَيْ مالِك *** أو الرّبى بينهما.

أسْهَلا فنصبه ممّا لم يُخْتَلف فيه عن العرب، واتّفق عليه أيمّة النحو، وإنَّما اختلفوا في المحذوف: فجعله الخليل وسيبويه فعلا أمراً مدلولاً عليه من سياق الكلام، تقديره: ايت أو اقصد، قالا: لأنّك لمّا قلت له: انته، أو افعل، أو حسبُك، فأنتَ تحمله على شيء آخر أفضل له.

وقال الفرّاء من الكوفيّين: هو في مثله صفة مصدر محذوف، وهو لا يتأتّى فيما كان منتصباً بعد نهي، ولا فيما كان منتصباً بعد غير متصرّف، نحو: وراءَك وحسبُك.

وقال الكسائي والكوفيّون: نصب بكان محذوفة مع خبَرها، والتقدير: يكن خيراً.

وعندي: أنّه منصوب على الحال من المصدر الذي تضمّنه الفعل، وحْدَه، أو مع حرف النهي، والتقدير: فآمنوا حال كون الإيمان خيراً، وحسبك حال كون الاكتفاء خيراً، ولا تفعل كذا حال كون الانتهاء خيراً.

وعود الحال إلى مصدر الفعل في مثله كعود الضمير إليه في قوله: ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8]، لا سيما وقد جرى هذا مجرى الأمثال، وشأن الأمثال قّوة الإيجاز.

وقد قال بذلك بعض الكوفيين وأبو البقاء.

وقوله ﴿ وإن تكفروا ﴾ أريد به أن تبقوا على كفركم.

وقوله: ﴿ فإنّ لله ما في السموات الأرض ﴾ هو دليل على جواب الشرط، والجواب محذوف لأنّ التقدير: إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عن إيمانكم لأنّ لله ما في السموات وما في الأرض، وصرّح بما حذف هُنا في سورة الزمر (7) في قوله تعالى: ﴿ إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم ﴾ وفيه تعريض بالمخاطبين، أي أنّ كفركم لا يفلتكم من عقابه، لأنَّكم عبيده، لأنّ له ما في السماوات وما في الأرض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّصارى خاصَّةً.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ غَلَوْا فِيالمَسِيحِ، فَقالَتِ النَّصارى: هو الرَّبُّ، وقالَتِ اليَهُودُ: هو لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والغُلُوُّ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ غَلاءُ السِّعْرِ، إذا جاوَزَ الحَدَّ في الزِّيادَةِ، وغَلا في الدِّينِ، إذا فَرَّطَ في مُجاوَزَةِ الحَقِّ.

﴿ وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَعْنِي في غُلُوِّهِمْ في المَسِيحِ.

﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ رَدًّا عَلى مَن جَعَلَهُ إلَهًا، أوْ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ [أوْ] ساحِرًا.

﴿ وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ في كَلِمَتِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ حِينَ قالَ لَهُ كُنْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

الثّانِي: لِأنَّهُ بِشارَةُ اللَّهِ الَّتِي بَشَّرَ بِها، فَصارَ بِذَلِكَ كَلِمَةَ اللَّهِ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ.

﴿ وَرُوحٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ، وأضافَهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ رُوحًا; لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ النّاسُ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِنَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ بِإذْنِ اللَّهِ، والنَّفْخُ يُسَمّى في اللُّغَةِ رُوحًا، فَكانَ عَنِ النَّفْخِ فَسُمِّيَ بِهِ ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ في الثَّلاثَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ النَّصارى: أبٌ وابْنٌ ورُوحُ القُدُسِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: هو قَوْلُ مَن قالَ: آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن اسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: «إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك..

!

فأنزل الله: ﴿ لكن الله يشهد..

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ لكن الله يشهد..

﴾ الآية.

قال: شهود والله غير متهمة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (١) ﴿ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قال: يريد بالهدى والصدق (٢) (٣) والباء في ﴿ بِالحَقِّ ﴾ معناه التعدية، وهو في موضع الحال على معنى: جاء ومعه الحق (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ قال الفراء: ﴿ خَيْرًا ﴾ منصوب باتصاله بالأمر، لأنه من صفة الأمر، ويستدل على ذلك بجواز الكناية عن الأمر قبل الخبر، كقولك: اتق الله هو خير لك، أي الاتقاء خير لك، فإذا سقطت (هو) اتصل (خير) بما قبله وهو الأمر، والأمر معرفة فنصب.

هذا معنى كلامه (٥) مفهوم هذا أنه انتصب على القطع لأنه كان يجب أن يكون مرفوعًا بهو، فلما حذفت نصب باتصاله بالمعرفة، كقوله: ﴿ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا  ﴾ ، كان يجب أن يكون الواصب، فلما منع الألف واللام وهو نعت لمعرفة نصب (٦) وقال أبو عبيدة: هو نصب على ضمير جواب، تقديره: يكن خيرًا لكم (٧) ونحو ذلك قال قطرب، فإنه قال: فآمنوا يكن الإيمان خيرًا لكم (٨) قال الفراء: ليس نصبه بإضمار (يكن)، ألا ترى أنك تقول: اتق الله تكن محسنًا ، ولا يجوز أن تقول: اتق الله محسنًا فأنت تضمر (تكن)، ولا يصلح أن تقول: انصرنا أخانا، وأنت تريد: تكن أخانا (٩) قال الزجاج: قال الخليل وجميع البصريين: إن هذا محمول على المعنى، لأنه إذا قلت: آمن خيرًا لك، وانته خيرًا لك، فأنت تدفعه عن أمر وتدخله في غيره، (كأنك) (١٠) فكأن معنى قوله: (آمنوا خيرا لكم): ائتوا خيرًا لكم، وأنشد جميع البصريين قول عمر بن أبي ربيعة (١١) فواعِديهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ ...

أو الرُّبا بينهما أسْهَلَا (١٢) (١٣) قال ابن عباس: يريد إن تكذبوا محمدًا  وتكفروا نعمة الله عليكم (١٤) ﴿ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي لا تضروا إلا أنفسكم، لأن الله غني عنكم بأن له ما في السموات والأرض ملكًا له واقتدارًا عليه، فذكر ما يدل على غناه بنفسه، لأنَّ هذا مما يدل على استحقاق صفات التعظيم.

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بما تصيرون إليه من إيمان أو كفر.

﴿ حَكِيمًا  ﴾ ، في تكليفكم مع علمه ما يكون منكم (١٥) (١) انظر: "بحر العلوم" 1/ 406، و"زاد المسير" 2/ 259، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 104.

(٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 259.

(٣) انظر: "بحر العلوم" 1/ 406، والقرطبي 6/ 20.

(٤) انظر: القرطبي 6/ 20، و"الدر المصون" 4/ 164 (٥) "معاني الفراء" 1/ 295، 296 بتصرف.

(٦) ذكر السمين في "الدر المصون" 4/ 164 رأي الفراء ضمن أربعة أوجه في إعراب "خيرًا" فقال: "الثاني -وهو مذهب الفراء- أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فآمنوا إيمانًا خيرًا لكم".

ثم قال مضعفًا لهذا الوجه: "وفيه نظر، من حيث إنه يفهم أن الإيمان منقسم إلى خير وغيره ..

".

(٧) "مجاز القرآن" 1/ 143.

(٨) لم أقف عليه.

(٩) "معاني القرآن" 1/ 296.

(١٠) يحتمل أن هنا سقطًا، وتمامه: "كأنك قلت".

(١١) هو أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، تقدمت ترجمته.

(١٢) "ديوانه" ص 341، والكتاب 1/ 283، والطبري 6/ 34.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 134، 135، وانظر: الطبري 6/ 33 - 34.

(١٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 104.

(١٥) انظر:"زاد المسير" 2/ 259.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها الناس ﴾ خطاب عام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس ﴿ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ انتصب خبراً هنا، وفي قوله: ﴿ انتهوا خَيْراً ﴾ بفعل مضمر لا يظهر تقديره إيتوا خيراً لكم، هذا مذهب سيبوية، وقال الخليل: انتصب بقوله آمنوا وانتهوا على المعنى، وقال الفراء فآمنوا إيماناً خيراً لكم فنصبه على النعت لمصدر محذوف، وقال الكوفيون هو خبر كان المحذوفة تقديره يكن الإيمان خيراً لكم ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض ﴾ أي هو غني عنكم لا يضره كفركم ﴿ ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ هذا خطاب للنصارى لأنهم غلوا في عيسى حتى كفروا، فلفظ أهل الكتاب عموم يراد به الخصوص في النصارى، بدليل ما بعد ذلك والغلو هو الإفراط وتجاوز الحد ﴿ وَكَلِمَتُهُ ﴾ أي مكون عن كلمته التي هي كن من غير واسطة أب ولا نطفة ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أي ذو روح من الله، فمن هنا لابتداء الغاية، والمعنى من عند الله، وجعله من عند الله لأن الله أرسل به جبريل عليه السلام إلى مريم ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة ﴾ نهي عن التثليث، وهو مذهب النصارى وإعراب ثلاثة خبر مبتدأ مضمر ﴿ لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ برهان على تنزيهه تعالى عن الولد، لأنه مالك كل شيء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فسنحشرهم ﴾ بالنون: المفضل.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ خيراً لكم ﴾ ط.

﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ إلاّ الحق ﴾ ط.

﴿ وكلمته ﴾ ج للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ وروح منه ﴾ ز لعطف المختلفين ولكن فاء التعقيب توجب تعجيل الإيمان مع تمام البيان.

﴿ ورسله ﴾ ط.

﴿ ثلاثة ﴾ ط ﴿ خيراً لكم ﴾ ط ﴿ إله واحد ﴾ ط.

﴿ ولد ﴾ ج لأن المنفي منه مطلق الولد ولو وصل أوهم أن المنفي ولد موصوف بأنه له ما في السموات وما في الأرض.

﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ المقربون ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه.

﴿ من فضله ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ وفضل ﴾ لا للعطف.

﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ يستفتونك ﴾ ط.

﴿ الكلالة ﴾ ط ﴿ ما ترك ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ ولكن الكلام متحد البيان.

﴿ لها ولد ﴾ ط لأن جملة الشرط تعود إلى قوله: ﴿ فلها نصف ﴾ وبينهما عارض ﴿ مما ترك ﴾ ط لابتداء حكم جامع للصنفين ﴿ الأنثيين ﴾ ط ﴿ أن تضلوا ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما بينّ فساد طريقة اليهود وأجاب عن شبههم عمم الخطاب فقال: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق ﴾ أي بالقرآن والقرآن معجز فيكون حقاً أو بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره وهو الحق الذي تشهد له العقول السليمة ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ انتصابه بمضمر وكذا في ﴿ انتهوا خيراً لكم ﴾ لأنه لما بعثهم على الإيمان والانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر.

فالمعنى: اقصدوا وأتوا خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان والتوحيد، فإن الإيمان لا شك أنه أحمد عاقبة من الكفر بل العاقبة كلها له.

وقيل: إنه منصوب على خبرية "كان" أي يكن الإيمان خيراً لكم والأول أصح لئلا يلزم الحذف من غير قرينة ﴿ وإن تكفروا ﴾ فإن الله غني عنكم لأنه مالك الكل، أو هو قادر على إنزال العذاب لأن الكل تحت قهره وتسخيره، أو له عبيد أخر يعبدونه غيركم ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأحوال العباد ﴿ حكيماً ﴾ لا يضيع أجر المحسن ولا يهمل جزاء المسيء.ثم لما أجاب عن شبه اليهود خاطب النصارى ومنعهم عن الغلو في الدين وهو الإفراط في شأن المسيح إلى أن اعتقدوه إلهاً لا نبياً، وحثهم على أن لا يقولوا على الله إلاّ الحق الذي يحق ويجب وصفه به وهو تنزيهه عن الحلول في بدن إنسان والاتحاد بروحه واتخاذه لصاحبة وولد ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ﴾ وجد بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة ﴿ ألقاها ﴾ أي الكلمة ﴿ إلى مريم ﴾ أي أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿ وروح منه ﴾ أي إنه ظاهر نظيف بمنزلة الروح كما يقال: هذه نعمة من الله، أو سمي بذلك لأنه سبب حياة الأرواح أو كمالها كما سمي القرآن روحاً في قوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ وقيل: أي رحمة منه كقوله: ﴿ وأيدهم بروح منه  ﴾ / ولا شك أن وجود النبي  رحمة للأمة قال  : ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين  ﴾ وقال  : " "إنما أنا رحمة مهداة" وقيل: الروح هو الريح يعني أن النفخ من جبريل كان بأمر الله  فهو منه والتنكير للتعظيم أي روح من الأرواح الشريفة القدسية العالية.

وقوله: ﴿ منه ﴾ إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ أي آمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ هي خبر مبتدأ محذوف أي الله ثلاثة إن كان معتقدهم أن الذات جوهر واحد وأنه ثلاثة بالصفات ويسمونها الأقانيم أقنوم الأب أقنوم الأب وأقنوم روح القدس، وربما يقولون أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، أو الآلهة ثلاثة إن كان في اعتقادهم أنها ذوات قائمة بأنفسها الأب والأم والابن.

ولعل القولين مرجعهما إلى واحد لأنهم إذا جوزوا على الصفات الانتقال والحلول في عيسى وفي مريم فقد جعلوها مستقلة بأنفسها ولهذا لزم الكفر والشرك، وإلا فمجرد إثبات الصفات لله  لا يوجب الشرك.

فالأشاعرة أثبتوا لله  ثمان صفات قدماء.

﴿ انتهوا ﴾ عن التثليث واقصدوا ﴿ خيراً لكم إنما الله إله واحد ﴾ لا تركيب فيه بوجه من الوجوه {  أن يكون له ولد} أسبحه تسبيحاً وأنزهه تنزيهاً من أن يكون له ولد فلا يتصل به عيسى اتصال الأبناء بالآباء ولكن من حيث إنه عبده ورسوله موجود بأمره جسداً حياً من غير أب ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ فكيف يكون بعض ملكه جزءاً منه على أن الجزء إنما يصح في المنقسم عقلاً أو حساً، وإنه لا ينقسم بجهة من الجهات لا العقلية ولا الحسية ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ وإذا كان كافياً في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر مستقل أو مشارك.

قال الكلبي: "إن وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟

قال: ومن صاحبكم؟

قالوا: عيسى.

قال: وأي شيء أقول فيه؟

قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله.

فقال هلم: إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبدالله.

قالوا: بلى.

فنزل ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ﴾ " والتحقيق أن الشبهة التي عليها يعوّلون في دعوى أنه ابن الله هي أنه كان يخبر عن المغيبات ويأتي بخوارق العادات كإحياء الأموات فقيل لهم ﴿ لن يستنكف المسيح ﴾ بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبودية الله  فإن الملائكة المقربين أعلى حالاً منه لأنهم مطلعون علىاللوح المحفوظ، وقد حمل العرش مع عظمته ثمانية منهم ثم إنهم لم يستنكفوا عن كونهم عباداً لله  فكيف يستنكف المسيح عن ذلك أي يمتنع ويأنف؟

والتركيب يدور على التنحية والإزالة من ذلك نكفت الدمع أنكفه إذا نحيته عن خدك بأصبعك، ونكفت عن الشيء أي عدلت.

والقائلون بأفضلية الملائكة استدلوا بهذه الآية وقد تقدم الاستدلال بها والجواب عنها والبحث عليها في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وَإذ قلنا للملائكة اسجدوا  ﴾ / الآية.

أما قوله: ﴿ ولا الملائكة ﴾ فإنه معطوف على ﴿ المسيح ﴾ وهو الأظهر، وجوز بعضهم عطفه على الضمير في ﴿ يكون ﴾ أو في ﴿ عبداً ﴾ لمعنى الوصفية فيه فيكون المعنى: أنّ المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا الملائكة موصوفين بالعبودية، أو لا يأنف أن يعبد الله هو والملائكة.

وفي المعنيين انحراف عن الغرض فالأول أولى.

والمراد بالملائكة كل واحد منهم حتى يكون خبره أيضاً ﴿ عبداً ﴾ أو يكون الخبر ﴿ عباداً ﴾ وحذف لدلالة ﴿ عبداً ﴾ عليه ﴿ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه ﴾ أي يجمعهم يوم القيامة إليه حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً.

ثم إنه  لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين فسئل إن التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد فأجاب في الكشاف بأن هذا كقولك: جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ومن خرج عليه نكل به.

فحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ﴾ أو قدم ثواب المؤمنين توطئة كأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وسيعاقب مع ذلك بما يصيبهم من العذاب.

أقول: لو جعل الضمير قي قول: ﴿ فسيحشرهم ﴾ راجعاً إلى الناس جميعاً لم يحتج إلى هذه التكلفات ويحصل الربط بسبب العموم ومثله غير عزيز في القرآن كقوله: ﴿ إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً  ﴾ ثم عاد إلى تعميم الخطاب بقوله: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان ﴾ الآية.

فيحتمل أن يراد بالبرهان والنور كليهما القرآن، ويحتمل أن يراد بالبرهان محمد  لأنه يقيم البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل والنور المبين القرآن لأن سبب لوقوع نور الإيمان في القلب.

﴿ فأما الذين آمنوا بالله ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ﴿ واعتصموا به ﴾ تمسكوا بدينه أو لجؤوا إليه في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن زيغ الشيطان ﴿ فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ﴾ قال ابن عباس: الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ ويهديهم إليه ﴾ أي إلى عبادته ﴿ صراطاً مستقيماً ﴾ هو الدين الحنيفي والتقدير صراطاً مستقيماً إليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة والفضل اللذات الحسية الباقية، وبالهداية اللذات الروحانية الدائمة.

ثم إنه  ختم السورة بنحو مما بدأها به وهو أحكام المواريث فقال: ﴿ يستفتونك ﴾ الآية.

قال أهل العلم: إنّ الله  أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه ولهذا تسمى آية الصيف.

/ عن جابر قال: "اشتكيت فدخل عليّ رسول الله  وعندي سبع أخوات فنفخ في وجهي فأفقت فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلث.

قال: أحسن.

فقلت: الشطر؟

قال: أحسن.

ثم خرج وتركني قال: ثم دخل فقال: يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبيّن الذي لأخواتك وجعل لأخواتك الثلثين" .

وروي أنه آخر ما نزل من الأحكام "كان رسول الله  في طريق مكة عام حجة الوداع فأتاه جابر بن عبد الله فقال: إن لي أختاً فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟

فنزلت" .

هذا وقد تقدم أن الكلالة اسم يقع على الوارث وهو من عدا الوالد والولد وعلى المورث وهو الذي لا ولد له ولا والدين.

﴿ إن امرؤ هلك ﴾ ارتفع ﴿ امرؤ ﴾ بمضرم يفسره هذا الظاهر، ومحل ﴿ ليس له ولد ﴾ الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ وغير ذي ولد.

اعلم أن ظاهر الآية مطلق ولا بد فيه من تقييدات ثلاثة: الأول أن الولد مطلق والمراد به الابن لأنه هو الذي يسقط الأخت، وأما البنت فلا تسقطها ولكنها تعصبها لما روي عن ابن مسعود "أن النبي  قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأخت" .

فعلى هذا فلو خلف بنتاً وأختاً فللبنت النصف والباقي للأخت بالعصوبة.

الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك على الإطلاق، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع.

الثالث قوله: ﴿ وله أخت ﴾ المراد الأخت من الأب والأم أو من الأب لأن الأخت من الأم والأخ من الأم ذكر حكمهما في أول السورة بالإجماع.

ثم قال: ﴿ وهو يرثها ﴾ أي وأخوها يرثها ويستغرق مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿ إن لم يكن لها ولد ﴾ أي ابن كما قلنا لأن الابن يسقط الأخ دون البنت.

وأيضاً إن هذا في الأخ من الأبوين أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث.

وأيضاً المراد إن لم يكن لها ولد ولا والد لأن الأب أيضاً مسقط للأخ لقوله  : " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " والأب أولى من الأخ.

ثم قال: ﴿ وإن كانتا ﴾ يعني من يرث بالإخوة ﴿ اثنتين ﴾ فأنث وثنى باعتبار الخبر كقولهم من كانت أمك وكذا الكلام في قوله: ﴿ وإن كانوا إخوة ﴾ وأراد بالإخوة الإخوة والأخوات لكنه غلب جانب الذكورة.

روي أن الصديق قال في خطبة: ألا إنّ الآيات التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض أولاها في الوالد والولد، وثانيتها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والتي ختم بها السورة في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والتي ختم بها الأنفال في أولي الأرحام ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ قال البصريون: المضاف محذوف أي كراهة أن تضلوا.

وقال الكوفيون: لئلا تضلوا.

وقال الجرجاني صاحب النظم: يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتتجنبوها ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً.

ختم / السورة ببيان كمال العلم كما أنه ابتدأها بكمال القدرة فبهما تتم الإلهية ويحصل الترهيب والترغيب للعاصي والمطيع والله المستعان.

التأويل: ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض ﴾ يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له ﴿ لا تغلوا في دينكم ﴾ لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط.

فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له  يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله  : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم " .

﴿ وروح منه ﴾ لأنه تكوّن بأمر كن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك ﴿ قل الروح من أمر ربي  ﴾ ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله  بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ يعني نفوسكم والرسول والله.

بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم ﴿ إنما الله إله واحد ﴾  أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ لكل هالك.

﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله ﴾ لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله: ﴿ إني عبد الله  ﴾ ﴿ ولا الملائكة المقربون ﴾ إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله.

﴿ قد جاءكم برهان ﴾ جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه.

فمن ذلك برهان بصره ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ومنه برهان أنفه " "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" ومنه برهان لسانه ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز.

وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ } / [الأنفال:17] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل.

﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ وبرهان قلبه " تنام عيناي ولا ينام قلبي" ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ وبرهان كله ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

أي: كفروا بآيات الله.

﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً ﴾ .

أي: قد تاهوا وتحيروا تحيراً طويلا.

ويحتمل: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً ﴾ أي: هلكوا هلاكاً لا نجاة لهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ ﴾ .

أي: كفروا بآيات الله وحججه، وظلموا أمر الله وتركوه.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَظَلَمُواْ ﴾ حيث جعلوا أنفسهم لغير الله، وجعلوا العبادة لمن دونه، وهو إنما خلقهم؛ ليجعلوا عبادتهم له، فقد وضعوا أنفسهم في غير موضعها؛ لذلك وصفهم بالظلم؛ لأن الظلم: وضع الشيء [في] غير موضعه.

ويحتمل: ظلموا أنفسهم، وإن كانوا لا يقصدون ظلم أنفسهم؛ فإن حاصل ذلك يرجع إلى أنفسهم؛ فكأنهم ظلموا أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ .

كأنه على الإضمار بألا يهديهم في الآخرة طريقاً إلا طريق جهنم.

ويحتمل ما قال أهل التأويل، قالوا: لا يهديهم طريق الإسلام إلا طريق جهنم: طريق الكفر والشرك هما طريقا جهنم في الدنيا، والإسلام هو طريق الجنة في الدنيا.

وهذه الآية والآية الأولى في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، ويموتون على ذلك؛ حيث أخبر أنه - عز وجل - لا يغفر لهم، ولا يهديهم.

﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً ﴾ .

ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ : بالحق الذي لله عليكم.

ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ بالحق الذي لبعضكم على بعض، قد جاءكم الرسول من الله ببيان ذلك كله.

ويحتمل [قوله]: ﴿ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ الحق الذي هو ضد الباطل ونقيضه، وفرق بينهما، وأزال الشبه؛ إن لم تعاندوا ولم تكابروا.

﴿ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ .

لأن الذي كان يمنعهم عن الإيمان بالله حب الرياسة، وخوف زوال المنافع التي كانت لهم؛ فقال: ﴿ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ ؛ لأن ذلك لكم في الدنيا، والآخرة دائم لا يزول؛ فذلك خير لكم من الذي يكون في وقت ثم يزول عنكم عن سريع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية.

يخبر - والله أعلم - أن ما يأمر خلقه وينهى ليس يأمر وينهى لحاجة له أو لمنفعة؛ ولكن يأمر وينهى لحاجة الخلق ومنافعهم؛ إذ من له ما في السماوات وما في الأرض وملكهما - لا يقع له حاجة ولا منفعة، وهو غني بذاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ .

عليماً: عن علم بأحوالكم خلقكم، لا عن جهل، وعليماً بما به صلاحكم وفسادكم.

﴿ حَكِيماً ﴾ : حيث وضع كل شيء موضعه.

ويحتمل قوله -  - ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ وجهاً آخر، وهو: [الذي تكفرونه] يقْدرِ أن يخلق خلقاً آخر سواكم يطيعونه؛ إذ له ما في السماوات وما في الأرض، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الناس قد جاءكم لرسول محمد  بالهدى ودين الحق من الله تعالى، فآمنوا بما جاءكم به يكن خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، وإن تكفروا بالله فإن الله غني عن إيمانكم، ولا يضره كفركم، فله ملك ما في السماوات، وله ملك ما في الأرض وما بينهما، وكان الله عليمًا بمن يستحق الهداية فييسرها له، وبمن لا يستحقها فيُعْميه عنها، حكيمًا في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.

من فوائد الآيات إثبات النبوة والرسالة في شأن نوح وإبراهيم وغيرِهما مِن ذرياتهما ممن ذكرهم الله وممن لم يذكر أخبارهم لحكمة يعلمها سبحانه.

إثبات صفة الكلام لله تعالى على وجه يليق بذاته وجلاله، فقد كلّم الله تعالى نبيه موسى -  -.

تسلية النبي محمد عليه الصلاة والسلام ببيان أن الله تعالى يشهد على صدق دعواه في كونه نبيًّا، وكذلك تشهد الملائكة.

<div class="verse-tafsir" id="91.rmrkA"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله