الآية ٢٥ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٢٥ من سورة النساء

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَـٰتٍ غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 293 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول [ تعالى ] ومن لم يجد ) طولا ) أي : سعة وقدرة ( أن ينكح المحصنات المؤمنات ) أي الحرائر .

وقال ابن وهب : أخبرني عبد الجبار ، عن ربيعة : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ) قال ربيعة الطول الهوى ، ينكح الأمة إذا كان هواه فيها .

رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .

ثم شرع يشنع على هذا القول ويرده ( فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) أي : فتزوجوا من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون ، ولهذا قال : ( من فتياتكم المؤمنات ) قال ابن عباس وغيره : فلينكح من إماء المؤمنين ، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان .

ثم اعترض بقوله : ( والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ) أي : هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها ، وإنما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور .

ثم قال : ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه ، وكذلك هو ولي عبده ، ليس لعبده أن يتزوج إلا بإذنه ، كما جاء في الحديث : " أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر " أي زان .

فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها; لما جاء في الحديث : " لا تزوج المرأة [ المرأة ، ولا المرأة نفسها ] فإن الزانية هي التي تزوج نفسها " .

وقوله : ( وآتوهن أجورهن بالمعروف ) أي : وادفعوا مهورهن بالمعروف ، أي : عن طيب نفس منكم ، ولا تبخسوا منه شيئا استهانة بهن; لكونهن إماء مملوكات .

وقوله : ( محصنات ) أي : عفائف عن الزنا لا يتعاطينه; ولهذا قال : ( غير مسافحات ) وهن الزواني اللاتي لا يمتنعن من أرادهن بالفاحشة .

وقوله : ( ولا متخذات أخدان ) قال ابن عباس : المسافحات ، هن الزواني المعالنات يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدا أرادهن بالفاحشة .

( ومتخذات أخدان ) يعني : أخلاء .

وكذا روي عن أبي هريرة ، ومجاهد والشعبي ، والضحاك ، وعطاء الخراساني ، ويحيى بن أبي كثير ، ومقاتل بن حيان ، والسدي ، قالوا : أخلاء .

وقال الحسن البصري : يعني : الصديق .

وقال الضحاك أيضا : ( ولا متخذات أخدان ) ذات الخليل الواحد [ المسيس ] المقرة به ، نهى الله عن ذلك ، يعني [ عن ] تزويجها ما دامت كذلك .

وقوله : ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) اختلف القراء في ) أحصن ) فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد ، مبني لما لم يسم فاعله ، وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم ثم قيل : معنى القراءتين واحد .

واختلفوا فيه على قولين : أحدهما : أن المراد بالإحصان هاهنا الإسلام .

روي ذلك عن عبد الله بن مسعود ، وابن عمر ، وأنس ، والأسود بن يزيد ، وزر بن حبيش ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وإبراهيم النخعي ، والشعبي ، والسدي .

وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب ، وهو منقطع .

وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي [ رحمه الله تعالى ] في رواية الربيع ، قال : وإنما قلنا [ ذلك ] استدلالا بالسنة وإجماع أكثر أهل العلم .

وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا مرفوعا ، قال : حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله [ الدمشقي ] حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن رجل ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم : ( فإذا أحصن ) قال : " إحصانها إسلامها وعفافها " .

وقال المراد به هاهنا التزويج ، قال : وقال علي : اجلدوهن .

[ ثم ] قال ابن أبي حاتم : وهو حديث منكر .

قلت : وفي إسناده ضعف ، ومنهم من لم يسم ، و [ مثله ] لا تقوم به حجة .

وقال القاسم وسالم : إحصانها : إسلامها وعفافها .

وقيل : المراد به هاهنا : التزويج .

وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة وغيرهم .

ونقله أبو علي الطبري في كتابه " الإيضاح " عن الشافعي ، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه وقد رواه ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد أنه قال : إحصان الأمة أن ينكحها الحر ، وإحصان العبد أن ينكح الحرة .

وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، رواهما ابن جرير في تفسيره ، وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي .

وقيل معنى القراءتين متباين فمن قرأ ( أحصن ) بضم الهمزة ، فمراده التزويج ، ومن قرأ " أحصن " بفتحها ، فمراده الإسلام اختاره الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسيره ، وقرره ونصره .

والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالإحصان هاهنا التزويج; لأن سياق الآية يدل عليه ، حيث يقول سبحانه وتعالى : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ) والله أعلم .

والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات ، فتعين أن المراد بقوله : ( فإذا أحصن ) أي : تزوجن ، كما فسره ابن عباس ومن تبعه .

وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور; وذلك أنهم يقولون : إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة ، سواء كانت مسلمة أو كافرة ، مزوجة أو بكرا ، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنا من الإماء ، وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك ، فأما الجمهور فقالوا : لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم .

وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء ، فقدمناها على مفهوم الآية ، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه ، عن علي ، رضي الله عنه ، أنه خطب فقال : يا أيها الناس ، أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن ، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها ، فإذا هي حديثة عهد بنفاس ، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أحسنت ، اتركها حتى تماثل " .

وعند عبد الله بن أحمد ، عن غير أبيه : " فإذا تعالت من نفسها حدها خمسين " .

وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها ، فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها ، فليبعها ولو بحبل من شعر " ولمسلم إذا زنت ثلاثا فليبعها في الرابعة " .

وقال مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار ، عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال : أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش ، فجلدنا من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا .

الجواب الثاني : جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها ، وإنما تضرب تأديبا ، وهو المحكي عن عبد الله بن عباس ، رضي الله عنه ، وإليه ذهب طاوس ، وسعيد بن جبير ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وداود بن علي الظاهري في رواية عنه .

وعمدتهم مفهوم الآية وهو من مفاهيم الشرط ، وهو حجة عند أكثرهم فهو مقدم على العموم عندهم .

وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ؟

قال : " إن زنت فحدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير " قال ابن شهاب : لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة .

أخرجاه في الصحيحين وعند مسلم : قال ابن شهاب : الضفير الحبل .

قالوا : فلم يؤقت في هذا الحديث عدد كما وقت في المحصنة بنصف ما على المحصنات من العذاب ، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك والله أعلم .

وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور ، عن سفيان ، عن مسعر ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس على أمة حد حتى تحصن - أو حتى تزوج - فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات " .

وقد رواه ابن خزيمة ، عن عبد الله بن عمران العابدي عن سفيان به مرفوعا .

وقال : رفعه خطأ ، إنما هو من قول ابن عباس ، وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران ، وقال مثل ما قاله ابن خزيمة .

قالوا : وحديث علي وعمر [ رضي الله عنهما ] قضايا أعيان ، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة : أحدها : أن ذلك محمول على الأمة المزوجة جمعا بينه وبين هذا الحديث .

الثاني : أن لفظ الحد في قوله : فليجلدها الحد ، لفظ مقحم من بعض الرواة ، بدليل الجواب الثالث وهو : أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط ، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقدم من رواية واحد ، وأيضا فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم ، من حديث عباد بن تميم ، عن عمه - وكان قد شهد بدرا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا زنت الأمة فاجلدوها ، ثم إذا زنت فاجلدوها ، ثم إذا زنت فاجلدوها ، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير " .

الرابع : أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظ الحد في الحديث على الجلد; لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد ، أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب ، كما أطلق الحد على ضرب من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ ، وعلى جلد من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة ، وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كالإمام أحمد وغيره من السلف .

وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة ، ورجم الثيب أو اللائط ، والله أعلم .

وقد روى ابن جرير في تفسيره : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ; أنه سمع سعيد بن جبير يقول : لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج .

وهذا إسناد صحيح عنه ، ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب أصلا لا حدا ، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث ، وإن كان أراد أنها لا تضرب حدا ، ولا ينفي ضربها تأديبا ، فهو كقول ابن عباس ومن تبعه في ذلك ، والله أعلم .

الجواب الثالث : أن الآية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة ، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة ، كقوله تعالى ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) [ النور : 2 ] وكحديث عبادة بن الصامت : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة " والحديث في صحيح مسلم وغير ذلك من الأحاديث .

وهذا القول هو المشهور عن داود بن علي الظاهري ، وهو في غاية الضعف; لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب وهو خمسون جلدة ، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان .

وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال ، وهذا الشارع عليه السلام يسأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ، فقال : " اجلدوها " ولم يقل مائة ، فلو كان حكمها كما قال داود لوجب بيان ذلك لهم; لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء ، وإلا فما الفائدة في قولهم : " ولم تحصن " لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت ، لكن لما علموا حكم أحد الحكمين سألوا عن حكم الحال الآخر ، فبينه لهم .

كما [ ثبت ] في الصحيحين أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه ، فذكرها لهم ثم قال : " والسلام ما قد علمتم " وفي لفظ : لما أنزل الله قوله : ( ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) [ الأحزاب : 56 ] قالوا : هذا السلام عليك قد عرفناه ، فكيف الصلاة عليك ؟

وذكر الحديث ، وهكذا هذا السؤال .

الجواب الرابع - عن مفهوم الآية - : جواب أبي ثور ، فإن من مذهبه ما هو أغرب من قول داود من وجوه ، ذلك أنه يقول فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات المزوجات وهو الرجم ، وهو لا يتناصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت ، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين .

فأخطأ في فهم الآية وخالف الجمهور في الحكم ، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي ، رحمه الله : ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا; وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ، والألف واللام في المحصنات للعهد ، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ) والمراد بهن الحرائر فقط ، من غير تعرض لتزويج غيره ، وقوله : ( نصف ما على المحصنات من العذاب ) يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم ، والله أعلم .

ثم قد روى الإمام أحمد [ حديثا ] نصا في رد مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعد عن أبيه أن صفية كانت قد زنت برجل من الحمس ، فولدت غلاما ، فادعاه الزاني ، فاختصما إلى عثمان [ بن عفان ] فرفعهما إلى علي بن أبي طالب ، فقال علي : أقضي فيهما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " وجلدهما خمسين خمسين .

وقيل : بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى ، أي : أن الإماء على النصف من الحرائر في الحد وإن كن محصنات ، وليس عليهن رجم أصلا لا قبل النكاح ولا بعده ، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة .

قال ذلك صاحب الإفصاح عن الشافعي ، فيما رواه ابن عبد الحكم ، عنه .

وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار ، وهو بعيد عن لفظ الآية; لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواها ، فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها ، وقال : بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ، ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه - وهو قول في مذهب الإمام أحمد رحمه الله - فأما قبل الإحصان فله ذلك ، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة .

وهذا أيضا بعيد; لأنه ليس في لفظ الآية ما يدل عليه .

ولولا هذه لم ندر ما حكم الإمام في التنصيف ، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحد مائة أو رجمهن ، كما أثبت في الدليل عليه ، وقد تقدم عن علي أنه قال : أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن ، وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها ، لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور : " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها " .

ملخص الآية : أنها إذا زنت أقوال : أحدها : أنها تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده ، وهل تنفى ؟

فيه ثلاثة أقوال : [ أحدها ] أنها تنفى عنه والثاني : لا تنفى عنه مطلقا .

[ وهو قول علي وفقهاء المدينة ] والثالث : أنها تنفى نصف سنة وهو نفي نصف الحرة .

وهذا الخلاف في مذهب الشافعي ، وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحد ، وإنما هو رأي الإمام ، إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء ، وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال ، وأما النساء فلا ; لأن ذلك مضاد لصيانتهن ، [ وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا في النساء نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه ، رواه البخاري ، و [ كل ] ذلك مخصوص بالمعنى ، وهو أن المقصود من النفي الصون وذلك مفقود في نفي النساء والله أعلم .

والثاني : أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان ، وتضرب [ قبله ] تأديبا غير محدود بعدد محصور ، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير : أنها لا تضرب قبل الإحصان ، وإن أراد نفيه فيكون مذهبا بالتأويل وإلا فهو كالقول الثاني .

القول الآخر : أنها تجلد قبل الإحصان مائة وبعده خمسين ، كما هو المشهور عن داود ، و [ هو ] أضعف الأقوال : أنها تجلد قبل الإحصان خمسين وترجم بعده ، وهو قول أبي ثور ، وهو ضعيف أيضا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

وقوله : ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) أي : إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا ، وشق عليه الصبر عن الجماع ، وعنت بسبب ذلك [ كله ، فحينئذ يتزوج الأمة ، وإن ترك تزوج الأمة ] وجاهد نفسه في الكف عن الزنا ، فهو خير له; لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها إلا أن يكون الزوج عربيا فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي ، ولهذا قال : ( وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ) ومن هذه الآية الكريمة استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء ، على أنه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر ومن خوف العنت; لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد ، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن .

وخالف الجمهور أبا حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين ، فقالوا : متى لم يكن الرجل مزوجا بحرة جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضا ، سواء كان واجدا الطول لحرة أم لا وسواء خاف العنت أم لا وعمدتهم فيما ذهبوا إليه [ عموم ] قوله تعالى : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) [ المائدة : 5 ] أي : العفائف ، وهو يعم الحرائر والإماء ، وهذه الآية عامة ، وهذه أيضا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ قال أبو جعفر: يعني بذلك: ومن لم يستطع منكم، أيها الناس، طولا = يعني من الأحرار =" أن ينكح المحصنات "، وهن الحرائر (54) = " المؤمنات " اللواتي قد صدَّقن بتوحيد الله وبما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحق.

* * * وبنحو ما قلنا في" المحصنات " قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9062 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " أن ينكح المحصنات "، يقول: أن ينكح الحرائر، فلينكح من إماء المؤمنين.

9063 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: " أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم " قال: " المحصنات " الحرائر، فلينكح الأمة المؤمنة.

9064 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9065 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما " فتياتكم "، فإماؤكم.

9066 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: " أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات "، قال: أما من لم يجد ما ينكح الحرة، تزوج الأمة.

(55) 9067 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات "، قال: لا يجد ما ينكح به حرة، (56) فينكح هذه الأمة، فيتعفف بها، ويكفيه أهلها مؤونتها.

ولم يحلّ الله ذلك لأحد، إلا أن لا يجد ما ينكح به حرة فينفق عليها، ولم يحلّ له حتى يخشى العنت.

(57) 9068 - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا سفيان، عن هشام الدستوائي، عن عامر الأحول، عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة، وتُنكح الحرة على الأمة، ومن وجد طَوْلا لحرة فلا ينكحْ أمةً.

* * * قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته جماعة من قرأة الكوفيين والمكيين: ( أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصِنَاتِ ) بكسر " الصاد " مع سائر ما في القرآن من نظائر ذلك، سوى قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [سورة النساء: 24]، فإنهم فتحوا " الصاد " منها، ووجهوا تأويله إلى أنهن محصنات بأزواجهن، وأن أزواجهن هم أحصنوهنّ.

وأما سائر ما في القرآن، فإنهم تأوّلوا في كسرهم " الصاد " منه، إلى أن النساء هنَّ أحصنّ أنفسهنّ بالعفة.

* * * وقرأت عامة قرأة المدينة والعراق ذلك كلَّه بالفتح، بمعنى أن بعضهن أحصنهن أزواجُهن، وبعضهن أحصنهنّ حريتهن أو إسلامهن.

* * * وقرأ بعض المتقدمين كل ذلك بالكسر، بمعنى أنهن عففن وأحصنَّ أنفسهن.

وذكرت هذه القراءة - أعني بكسر الجميع - عن علقمة، على الاختلاف في الرواية عنه.

(58) * * * قال أبو جعفر: والصواب عندنا من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، مع اتفاق ذلك في المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ، إلا في الحرف الأول[من سورة النساء: 24] وهو قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، فإني لا أستجيز الكسر في صاده، لاتفاق قراءة الأمصار على فتحها.

(59) ولو كانت القراءة بكسرها مستفيضة استفاضَتها بفتحها، كان صوابًا القراءةُ بها كذلك، لما ذكرنا من تصرف " الإحصان " في المعاني التي بيّناها، فيكون معنى ذلك لو كسر: والعفائف من النساء حرامٌ عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم، بمعنى أنهن أحصنَّ أنفسهن بالعفة.

(60) * * * وأما " الفتيات "، فإنهن جمع " فتاة "، وهن الشوابّ من النساء.

ثم يقال لكل مملوكة ذاتِ سنّ أو شابة: " فتاة "، والعبد: " فتى ".

* * * ثم اختلف أهل العلم في نكاح الفتيات غير المؤمنات، وهل عنى الله بقوله: " من فتياتكم المؤمنات "، تحريم ما عدا المؤمنات منهن، أم ذلك من الله تأديب للمؤمنين؟

فقال بعضهم: ذلك من الله تعالى ذكره دلالة على تحريم نكاح إماء المشركين.

*ذكر من قال ذلك: 9069 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " من فتياتكم المؤمنات "، قال: لا ينبغي أن يتزوّج مملوكة نصرانيّةً.

9070 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " من فتياتكم المؤمنات "، قال: لا ينبغي للحرّ المسلم أن ينكح المملوكة من أهل الكتاب.

9071 - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، سمعت أبا عمرو، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، يقولون: لا يحل لحرّ مسلم ولا لعبد مسلم، الأمةُ النصرانية، لأن الله يقول: " من فتياتكم المؤمنات "، يعني بالنكاح.

(61) * * * وقال آخرون: ذلك من الله على الإرشاد والندب، لا على التحريم.

وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق.

*ذكر من قال ذلك: 9072 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة قال، قال أبو ميسرة: أما أهل الكتاب بمنـزلة الحرائر.

* * * = ومنهم أبو حنيفة وأصحابه، (62) واعتلوا لقولهم بقول الله: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ &; 8-190 &; قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [سورة المائدة: 5].

قالوا: فقد أحل الله محصنات أهل الكتاب عامًّا، فليس لأحد أن يخُص منهن أمة ولا حرة.

قالوا: ومعنى قوله: " فتياتكم المؤمنات "، غير المشركات من عبدة الأوثان.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب، فإنهن لا يحللن إلا بملك اليمين.

وذلك أن الله جل ثناؤه أحلّ نكاح الإماء بشروط، فما لم تجتمع الشروط التي سماهن فيهن، (63) فغير جائز لمسلم نكاحهن.

* * * فإن قال قائل: فإنّ الآية التي في" المائدة " تدل على إباحتهن بالنكاح؟

قيل: إن التي في" المائدة "، قد أبان أن حكمها في خاص من محصناتهم، وأنها معنيٌّ بها حرائرهم دون إمائهم، قولُه: " من فتياتكم المؤمنات ".

وليست إحدى الآيتين دافعًا حكمها حكمَ الأخرى، (64) بل إحداهما مبينة حكم الأخرى، وإنما تكون إحداهما دافعة حكم الأخرى، لو لم يكن جائزًا اجتماع حكميهما على صحة.

(65) فغير جائز أن يحكم لإحداهما بأنها دافعة حكم الأخرى، إلا بحجة التسليم لها من خبر أو قياس.

ولا خبر بذلك ولا قياس.

والآية محتملة ما قلنا: والمحصنات من حرائر الذين أوتوا الكتاب من قبلكم دون إمائهم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قال أبو جعفر: وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم.

* * * وتأويل ذلك: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ، فلينكح بعضكم من بعض = بمعنى: فلينكح هذا فتاة هذا.

* * * ف " البعض " مرفوع بتأويل الكلام، ومعناه، إذ كان قوله: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، في تأويل: فلينكح مما ملكت أيمانكم، ثم رد " بعضكم " على ذلك المعنى، فرفع.

* * * ثم قال جل ثناؤه: " والله أعلم بإيمانكم "، (66) أي: والله أعلم بإيمان من آمن منكم بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، فصدق بذلك كله = منكم.

(67) * * * يقول: فلينكح من لم يستطع منكم طولا لحرة من فتياتكم المؤمنات.

لينكح هذا المقتر الذي لا يجد طولا لحرة، من هذا الموسر، فتاتَه المؤمنة التي قد أبدت الإيمان فأظهرته، وكلوا سرائرهن إلى الله، فإن علم ذلك إلى الله دونكم، والله أعلم بسرائركم وسرائرهن.

* * * القول في تأويل قوله : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فانكحوهن "، فتزوجوهن (68) وبقوله: " بإذن أهلهن "، بإذن أربابهن وأمرهم إيّاكم بنكاحهن ورضاهم (69) = ويعني بقوله: " وآتوهن أجورهن "، وأعطوهن مهورهن، (70) كما:- 9073 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وآتوهن أجورهن " قال: الصداق.

* * * ويعني بقوله: " بالمعروف " على ما تراضيتم به، مما أحلَّ الله لكم، وأباحه لكم أن تجعلوه مهورًا لهن.

(71) * * * القول في تأويل قوله : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ قال أبو جعفر: يعني بقوله: " محصنات "، (72) عفيفات =" غير مسافحات "، غير مزانيات (73) =" ولا متخذات أخدان "، يقول: ولا متخذات أصدقاء على السفاح.

* * * وذكر أن ذلك قيل كذلك، (74) لأن " الزواني" كنّ في الجاهلية، في العرب: المعلنات بالزنا، و " المتخذات الأخدان ": اللواتي قد حبسن أنفسَهن على الخليل والصديق، للفجور بها سرًّا دون الإعلان بذلك.

*ذكر من قال ذلك: 9074 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان "، يعني: تنكحوهن عفائف غير زواني في سرّ ولا علانية =" ولا متخذات أخدان "، يعني: أخلاء.

9075 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " غير مسافحات "، المسافحات المعالنات بالزنا =" ولا متخذات أخدان "، ذات الخليل الواحد = قال: كان أهل الجاهلية يحرِّمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي، يقولون: " أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك "، فأنـزل الله تبارك وتعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [سورة الأنعام: 151].

9076 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر قال، سمعت داود يحدّث، عن عامر قال: الزنا زناءان: تزني بالخدن ولا تزني بغيره، وتكون المرأة سَوْمًا، (75) ثم قرأ: " محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ".

9077 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما " المحصنات " فالعفائف، فلتنكح الأمة بإذن أهلها محصنة = و " المحصنات " العفائف = غير مسافحة =، و " المسافحة "، المعالنة بالزنا = ولا متخذة صديقًا.

9078 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا متخذات أخدان "، قال: الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل.

9079 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9080- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان "،" المسافحة ": البغيّ التي تؤاجر نفسها من عَرَض لها.

و " ذات الخدن ": ذات الخليل الواحد.

فنهاهم الله عن نكاحهما جميعًا.

9081 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: " محصنات &; 8-195 &; غير مسافحات ولا متخذات أخدان "، أما " المحصنات "، فهن الحرائر، يقول: تزوج حرة.

وأما " المسافحات "، فهن المعالنات بغير مهر.

(76) وأما " متخذات أخدان "، فذات الخليل الواحد المستسرَّة به.

(77) نهى الله عن ذلك.

9082 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي قال: الزنا وجهان قبيحان، أحدهما أخبث من الآخر.

فأما الذي هو أخبثهما: فالمسافحة، التي تفجر بمن أتاها.

وأما الآخر: فذات الخِدن.

9083 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان "، قال: " المسافح " الذي يَلقى المرأة فيفجر بها ثم يذهب وتذهب.

و " المخادن "، الذي يقيم معها على معصية الله وتقيم معه، فذاك " الأخدان ".

* * * القول في تأويل قوله : فَإِذَا أُحْصِنَّ قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعضهم: ( فَإِذَا أَحْصَنَّ ) بفتح " الألف "، بمعنى: إذا أسلمن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام.

* * * وقرأه آخرون: ( فَإِذَا أُحْصِنَّ ) بمعنى: فإذا تزوّجن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ.

* * * فإن ظن ظانٌّ أنّ ما قلنا في ذلك غيرُ جائز، إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءةُ بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني = فقد أغفل (78) وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا، فغير دافع أحدُهما صاحبه.

لأن الله قد أوجب على الأمَة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، الحدَّ.

9084 - فقال صلى الله عليه وسلم: " إذا زَنت أمَةُ أحدكم فَليجلدها، كتابَ الله، ولا يُثَرِّبْ عليها.

ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّبْ عليها.

ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّب عليها.

ثم إن زَنت الرابعة فليضربها، كتابَ الله، وليبعها ولو بحبل من شَعَرٍ".

(79) &; 8-197 &; 9085 - وقال صلى الله عليه وسلم: " أقيموا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم " .

(80) * * * =فلم يخصص بذلك ذات زوج منهن ولا غير ذات زوج.

فالحدود واجبةٌ على مَوالي الإماء إقامتها عليهن، إذا فجرن، بكتاب الله وأمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * * فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما حدثكم به:- 9086 - ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الأمة تَزني ولم تُحصَن.

قال: اجلدها، فإن زنت فاجلدها، فإن زنت فاجلدها، فإن زنت = فقال في الثالثة أو الرابعة = فبعْها ولو بضفير = و " الضفيرُ": الشَّعر.

9087 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل = فذكر نحوه.

(81) =فقد بينّ أن الحدّ الذي وجب إقامته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإماء، هو ما كان قبل إحصانهن.

فأما ما وجب من ذلك عليهنّ بالكتاب، فبعدَ إحصانهن؟

قيل له: قد بيَّنا أن أحد معاني" الإحصان " الإسلام، وأن الآخر منه: &; 8-198 &; التزويج، وأن " الإحصان " كلمة تشتمل على معان شتى.

(82) وليس في رواية من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئل " عن الأمة تزني قبل أن تُحصن "، بيانُ أن التي سئِل عنها النبيّ صلى الله عليه وسلم هي التي تزني قبل التزويج، فيكون ذلك حجة لمحتج في أن " الإحصان " الذي سنّ صلى الله عليه وسلم حدَّ الإماء في الزنا، هو الإسلام دون التزويج، ولا أنه هو التزويجُ دون الإسلام.

وإذ كان لا بيان في ذلك، فالصواب من القول: أنّ كل مملوكة زنت فواجب على مولاها إقامةُ الحدّ عليها، متزوجةً كانت أو غير متزوجة، لظاهر كتاب الله، والثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا مَن أخرجه من وُجوب الحد عليه منهنّ بما يجب التسليم له.

وإذْ كان ذلك كذلك، تبين به صحةُ ما اخترنا من القراءة في قوله: " فإذا أُحصِن ".

* * * قال أبو جعفر: فإن ظن ظانّ أن في قول الله تعالى ذكره: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ، دلالةً على أن قوله: " فإذا أحصن "، معناه: تزوّجن، إذْ كان ذكر ذلك بعد وصفهن بالإيمان بقوله: مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ = (83) وحسبَ أن ذلك لا يحتمل معنى غير معنى التزويج، مع ما تقدم ذلك من وصفهن بالإيمان = فقد ظنّ خطأ.

(84) وذلك أنه غير مستحيل في الكلام أن يكون معنى ذلك: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ، &; 8-199 &; فإذا هنَّ آمنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ، فيكون الخبرُ مبتدأ عما يجب عليهنّ من الحدّ إذا أتين بفاحشة بعد إيمانهن، (85) بعد البيان عما لا يجوز لناكحهن من المؤمنين من نكاحهن، وعمن يجوز نكاحه له منهن.

فإذ كان ذلك غير مستحيل في الكلام، فغيرُ جائز لأحد صَرْف معناه إلى أنه التزويج دون الإسلام، من أجل ما تقدّم من وصف الله إيَّاهن بالإيمان.

* * * غير أن الذي نختار لمن قرأ: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ بفتح " الصاد " في هذا الموضع، أن يَقرأ: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ بضم " الألف ".

ولمن قرأ: " مُحْصِنَاتٍ" بكسر " الصاد " فيه، أن يقرأ: ( فَإِذَا أَحْصَنَّ ) بفتح " الألف "، لتأتلف قراءة القارئ على معنًى واحد وسياق واحد، لقرب قوله: " مُحْصِنَاتٍ" من قوله: " فإذا أحصَن ".

ولو خالف من ذلك، لم يكن لحنًا، غيرَ أنّ وجه القراءةِ ما وصفت.

* * * وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، نظيرَ اختلاف القرأة في قراءته.

فقال بعضهم: معنى قوله: " فإذا أحصن "، فإذا أسلمن.

*ذكر من قال ذلك: 9088 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم: أن ابن مسعود قال: إسلامها إحصانها.

(86) 9089 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني جرير بن حازم: أن سليمان بن مهران حدّثه، عن إبراهيم بن يزيد، عن همام بن الحارث: أن النعمان بن عبد الله بن مقرّن، سأل عبد الله بن مسعود فقال: أَمَتي زنت؟

فقال: اجلدها خمسين جلدة.

قال: إنها لم تُحصِن!

فقال ابنُ مسعود: إحصانُها إسلامها.

9090 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم: أن النعمان بن مقرّن سأل ابن مسعود عن أَمةٍ زنتْ وليس لها زوج، فقال: إسلامها إحصانها.

(87) 9091 - حدثني ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم: أن النعمان قال: قلت لابن مسعود: أَمتي زنت؟

قال: اجلدها.

قلت: فإنها لم تُحصن!

قال: إحصانها إسلامها.

9092 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة قال، كان عبد الله يقول: إحصانها إسلامها.

9093 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي أنه تلا هذه الآية: " فإذا أحصن " قال، يقول: إذا أسلمن.

9094 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن &; 8-201 &; أشعث، عن الشعبي قال، قال عبد الله: الأمة إحصانها إسلامها.

9095 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، مغيرة، أخبرنا عن إبراهيم أنه كان يقول: " فإذا أحصن "، يقول: إذا أسلمن.

9096 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن أشعث، عن الشعبي قال، الإحصان الإسلام.

9097 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن برد بن سنان، عن الزهري قال: جلد عمر رضي الله عنه ولائد أبكارًا من ولائد الإمارة في الزنا.

(88) 9098 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فإذا أحصنّ"، يقول: إذا أسلمن.

9099 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن سالم والقاسم قالا إحصانها إسلامها وعفافها في قوله: " فإذا أحصن ".

* * * وقال آخرون: معنى قوله: " فإذا أحصن "، فإذا تزوّجن.

*ذكر من قال ذلك: 9100 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " فإذا أحصن "، يعني: إذا تزوّجن حرًّا.

9101 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، &; 8-202 &; أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ( فَإِذَا أُحْصِنَّ ) .

يقول: إذا تزوجن.

9102 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة: أن ابن عباس كان يقرأ: " فإذا أحصن "، يقول: تزوجن.

9103 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثا، عن مجاهد قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحرّ، وإحصان العبد أن ينكح الحرّة.

9104 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة: أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تُضرب الأمةُ إذا زنتْ، ما لم تتزوّج.

9105 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: عن الحسن في قوله: " فإذا أحصن ".

قال: أحصنتهن البُعُولة.

9106 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فإذا أحصن "، قال: أحصنتهن البعولة.

9107 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عياض بن عبد الله، عن أبي الزناد: أن الشعبي أخبره، أن ابن عباس أخبره: أنه أصاب جاريةً له قد كانت زَنتْ، وقال: أحصنتها.

(89) * * * قال أبو جعفر وهذا التأويل على قراءة من قرأ: ( فَإِذَا أُحْصِنَّ ) بضم " الألف "، وعلى تأويل من قرأ: ( فَإِذَا أَحْصَنَّ ) بفتحها.

وقد بينا الصّواب من القول والقراءة في ذلك عندنا.

(90) * * * القول في تأويل قوله : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فإن أتين بفاحشة "، فإن أتت فتياتكم - وهنّ إماؤكم - بعد ما أحصَنّ بإسلام، أو أحْصِنّ بنكاح (91) =" بفاحشة "، وهي الزنا (92) =" فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب "، يقول: فعليهن نصف ما على الحرائر من الحدّ، إذا هنّ زَنين قبل الإحصان بالأزواج.

* * * و " العذاب " الذي ذكره الله تبارك وتعالى في هذا الموضع، هو الحدّ، وذلك النصف الذي جعله الله عذابًا لمن أتى بالفاحشة من الإماء إذا هن أحصن: خمسون جلدة، ونَفي ستة أشهر، وذلك نصف عام.

لأنّ الواجب على الحرة إذا هي أتت بفاحشة قبل الإحصان بالزوج، جلد مئة ونفي حَوْلٍ.

فالنصف من ذلك خمسون جلدة، ونفي نصف سنة.

وذلك الذي جعله الله عذابًا للإماء المحصنات إذا هن أتين بفاحشة، كما:- 9108 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " ...........

(93) 9109 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصفُ ما على المحصنات من العذاب "، خمسون جلدةً، ولا نَفي ولا رَجمَ.

* * * فإن قال قائل: وكيف [قيل] (94) " فعليهن نصفُ ما على المحصنات من العذاب "؟.

وهل يكون الجلدُ على أحد؟

قيل: إن معنى ذلك: فلازمُ أبدانهنّ أن تجلد نصف ما يَلزم أبدان المحصنات، كما يقال: " عليّ صلاةُ يوم "، بمعنى: لازم عليّ أن أصلي صلاة يوم (95) = و " عليّ الحج والصيام "، مثل ذلك.

وكذلك: " عليه الحدّ"، بمعنى لازم له إمكان نفسه من الحدّ ليقام عليه.

* * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك "، هذا الذي أبَحْتُ = أيها الناس، (96) من نكاح فتياتكم المؤمنات لمن لا يستطيع منكم طَوْلا لنكاح المحصنات المؤمنات = أبحته لمن خشي العنت منكم، دون غيره ممن لا يخشى العنت.

* * * واختلف أهل التأويل في هذا الموضع.

فقال بعضهم: هو الزنا.

*ذكر من قال ذلك: &; 8-205 &; 9110 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن مجاهد قوله: " لمن خشي العنت منكم "، قال: الزنا.

9111 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن العوام، عمن حدثه، عن ابن عباس أنه قال: ما ازْلَحَفَّ ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا.

(97) 9112 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: العنتُ الزنا.

9113 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبيد بن يحيى قال، حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: العنت الزنا.

9114 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: ما ازْلَحَفَّ ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا " ذلك لمن خشي العنتَ منكم ".

9115 - حدثنا أبو سلمة قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير نحوه.

(98) 9116 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله: " ذلك لمن خشي العنت منكم "، قال: الزنا.

9117 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا فضيل، عن عطية العوفي مثله.

9118 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " لمن خشي العنت منكم "، قال: الزنا.

119 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبيدة، عن الشعبي = وجويبر، عن الضحاك = قالا العنت الزنا.

9120 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية: " ذلك لمن خشي العنت منكم "، قال: العنت الزنا.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: العقوبة التي تُعْنِته، وهي الحدّ.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في قوله: " ذلك لمن خشي العنت منكم "، ذلك لمن خاف منكم ضررًا في دينه وَبَدنِه.

* * * قال أبو جعفر: وذلك أن " العنت " هو ما ضرّ الرجل.

يقال منه: " قد عَنِتَ فلان فهو يَعْنَتُ عَنتًا "، إذا أتى ما يَضرّه في دين أو دنيا، ومنه قول الله تبارك وتعالى: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ [سورة آل عمران: 118].

ويقال: " قد أعنتني فلان فهو يُعنِتني"، إذا نالني بمضرة.

وقد قيل: " العنت "، الهلاك.

(99) * * * =فالذين وجهوا تأويل ذلك إلى الزنا، قالوا: الزنا ضَرَرٌ في الدين، وهو من العنت.

=والذين وجّهوه إلي الإثم، قالوا: الآثام كلها ضرر في الدين، وهي من العنت.

= والذين وجهوه إلى العقوبة التي تعنته في بدنه من الحدّ، فإنهم قالوا: الحد مضرة على بدن المحدود في دنياه، وهو من العنت.

وقد عمّ الله بقوله: " لمن خشي العنت منكم "، جميعَ معاني العنت.

ويجمع جميعَ ذلك الزّنا، لأنه يوجب العقوبةَ على صاحبه في الدنيا بما يُعنت بدنه، ويكتسب به إثمًا ومضرّة في دينه ودنياه.

وقد اتفق أهلُ التأويل الذي هم أهله، على أن ذلك معناه.

فهو وإن كان في عينه لذةً وقضاءَ شهوة، فإنه بأدائه إلى العنت، منسوبٌ إليه موصوف به، إن كان للعنت سببًا.

(100) * * * القول في تأويل قوله : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: " وأنْ تصبروا "، أيها الناس، عن نكاح الإماء =" خير لكم " =" والله غفور " لكم نكاحَ الإماء أنْ تنكحوهن على ما أحلّ لكم وأذن لكم به، وما سلف منكم في ذلك، إن أصلحتم أمورَ أنفسكم فيما بينكم وبين الله =" رحيم " بكم، إذ أذن لكم في نكاحهن عند الافتقار وعدم الطول للحرّة.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9121 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: " وأن تصبروا خير لكم "، قال: عن نكاح الأمة.

9122 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن مجاهد: " وأن تصبروا خير لكم "، قال: عن نكاح الإماء.

9123 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وأن تصبروا خير لكم "، يقول: وأن تصبرَ ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين، فهو خيرٌ لك.

9124 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وأن تصبروا خير لكم "، يقول: وأن تصبروا عن نكاح الإماء، خيرٌ لكم، وهو حلّ.

9125 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده: " وأن تصبروا خير لكم "، يقول: وأن تصبروا عن نكاحهن = يعني نكاح الإماء= خير لكم.

9126 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله: " وأن تصبروا خير لكم "، قال: أن تصبروا عن نكاح الإماء، خير لكم.

9127 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان قال، حدثنا ابن المبارك قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرنا ابن طاوس، عن أبيه: " وأن تصبروا خير لكم "، قال: أن تصبروا عن نكاح الأمة خيرٌ لكم.

9128 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " وأن تصبروا خير لكم "، قال: وأن تصبروا عن الأمة، خير لكم.

* * * و " أن " في قوله: " وأن تصبروا " في موضع رفع بـ " خيرٌ"، بمعنى: والصبرُ عن نكاح الإماء خيرٌ لكم.

--------------------- الهوامش: (54) انظر تفسير"المحصنات" فيما سلف قريبًا: 151-169.

(55) في المطبوعة: "فيتزوج الأمة" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(56) في المطبوعة: "من لم يجد ما ينكح..." ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب محض.

(57) في المطبوعة: "...

إلا لمن لا يجد ما ينكح به حرة ، وينفق عليها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو الصواب الجيد.

(58) لم يشر أبو جعفر في تفسير آية النساء: 24 فيما سلف ، إلى هذه القراءة ، ولم يذكر هذا الاختلاف في قراءة"المحصنات" ، وذلك من الأدلة على اختصاره التفسير ، كما أسلفت مرارًا.

(59) هذا كله لم يذكر في تفسير آية النساء الأولى ، وبيان معنى"الإحصان" قد سلف قريبًا: 165 ، 166.

(60) هذا كله لم يذكر في تفسير آية النساء الأولى ، وبيان معنى"الإحصان" قد سلف قريبًا: 165 ، 166.

(61) الأثر: 9071 -"الوليد بن مسلم الدمشقي" ، سلفت ترجمته برقم: 2184 ، 6611 و"أبو عمرو" ، هو الأوزاعي ، وكان في المطبوعة والمخطوطة"أبو عمرو سعيد" كأنه واحد ، أو "أبو عمر" و"سعيد" ، والصواب ما أثبت.

و"سعيد بن عبد العزيز التنوخي" أبو محمد ، مضت ترجمته برقم: 8966.

وأما "أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني" ، كان من العباد المجتهدين ، وكان كثير الحديث ضعيفًا.

قال أبو حاتم: "ضعيف الحديث ، طرقه لصوص فأخذوا متاعه ، فاختلط" ، مات سنة 156 ، وفي تهذيب التهذيب خطأ في سنة وفاته ، كتب: "سنة ست وخمسين ومئتين" ، والصواب ، ومئة.

وقد ترجمه ابن سعد في طبقاته 7 / 2 / 170 في الطبعة الخامسة من أهل الشام ، التي منها"سعيد بن عبد العزيز التنوخي".

هذا ، وقد كان في المطبوعة والمخطوطة: "ومالك بن عبد الله بن أبي مريم" ، وليس في الرواة من يسمى بهذا الاسم ، وصوابه ما أثبت ، وأبو بكر بن أبي مريم ، قد روى عنه الوليد بن مسلم ، كما روى عن سائر من ذكر قبله.

(62) قوله: "ومنهم أبو حنيفة وأصحابه" معطوف على قوله قبل الأثر: "وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق...".

(63) في المطبوعة: "التي سماها فيهن" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب جيد.

(64) في المطبوعة: "دافعة حكمها..." والصواب ما أثبت في المخطوطة ، وإن كان كاتبها قد أساء الكتابة ، فقرأها الناشر على غير وجهها الصحيح.

(65) في المطبوعة والمخطوطة هنا: "حكمهما" على الإفراد ، والصواب ما أثبت ، على التثنية.

(66) في المخطوطة أتم الآية هنا: "بعضكم من بعض" ، وقد أحسن الناشر الأول إذ حذف هذه الزيادة هنا ، لأن سياق التفسير على أن قوله: "والله أعلم بإيمانكم" من المقدم على قوله: "بعضكم من بعض".

(67) السياق: "والله أعلم...منكم".

(68) انظر تفسير"النكاح" فيما سلف 7: 574.

(69) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 2: 449 ، 450 / 4: 286 ، 371 / 5: 352 ، 355 ، 395 / 7: 288 ، 377.

(70) انظر تفسير"الإيتاء" فيما سلف في فهارس اللغة ، وتفسير"الأجور" فيما سلف قريبًا: 175.

(71) انظر تفسير"المعروف" فيما سلف: 121 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(72) انظر تفسير"محصنات" فيما سلف قريبًا: 151 ، 168 ، 185.

(73) انظر تفسير: "السفاح" فيما سلف قريبًا: 174.

(74) في المطبوعة: "وقد ذكر..." بزيادة"قد" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(75) في المطبوعة: "وتكون المرأة شؤمًا" ، وهو كلام لا معنى له هنا ، وهي في المخطوطة: "سوما" غير منقوطة ، وهي الصواب.

و"السوم" العرض ، يقال: "عرض علي سوم عالة" ، أي عرض ذلك علي عرضًا غير مبالغ فيه ، كما يعرض الماء على الإبل شربت مرة بعد مرة.

ويضرب مثلا لمن يعرض عليك ما أنت عنه غني ، كالرجل يعلم أنك نزلت دار رجل ضيفًا ، فيعرض عليك القرى.

ومنه"السوم" وهو عرض السلعة على البيع.

وذلك بمعنى ما سيأتي في الأثر رقم: 9080: "البغي التي تؤاجر نفسها من عرض لها".

هذا ، ولم يذكر هذا اللفظ مشروحًا في كتب اللغة ، فقيده هناك.

(76) في المطبوعة: "فهن المعلنات" ، وفي المخطوطة: "فهي المعالنة" ، ورجحت أن يكون الصواب ما أثبت.

(77) المستسرة: المستخفية ، من"السر".

(78) قوله: "فقد أغفل" ، جواب الشرط في قوله: "فإن ظن ظان...".

وقوله: "أغفل" فعل لازم غير متعد ، أي: دخل في الغفلة ، وانظر تفسير مثله فيما سلف 1: 151 ، تعليق: 1 / 5: 52 ، تعليق: 4 = ثم: 160 ، تعليق: 1.

(79) الأثر: 9084 - حديث صحيح ، رواه من غير إسناد ، وكأنه من مسند أبي هريرة ، رواه البخاري بغير هذا اللفظ (الفتح 4: 350 / 12: 143-147) ومسلم 12: 211 / وأحمد في مسنده رقم: 7389 ، والبيهقي في السنن الكبرى 8: 242-244 ، من طرق.

وقوله: "كتاب الله" على النصب ، وفي رواية للنسائي"بكتاب الله".

وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يثرب عليها" ، أي: لا يعيرها بالزنا ، ولا يبكتها بما أتت ، ولا يعنف عليها باللوم.

وهذا أدب نبي الله صلى الله عليه وسلم لأمته: أن لا تعير مرتكبًا بما ارتكب ، وأن ترفق به ، وتعرض عن تذكيره بالفاحشة ، لئلا تمتلئ نفسه كمدًا وغيظًا وحقدًا على الناس.

ولكنك ترى أهل زماننا ، يستطيلون على كل من أتى جرمًا ، فتمتلئ الصحافة بالسب والتعريض ، وقبيح الصفات لكل من أتى جرمًا ، كأن أحدهم قد أخذ عهدًا على أيامه البواقي أن لا يتورط في إثم أو جريمة.

ومن يدري ، فلعل أطولهم لسانًا في ذلك ، أكثرهم استخفاء بما هو أشد من ذلك الجرم الذي ارتكبه المرتكب.

(80) الأثر: 9085 - رواه أحمد في مسنده رقم: 736 ، 1137 ، 1142 ، 1230 / والسنن الكبرى للبيهقي 8: 243.

وانظر تخريجه في تفسير ابن كثير 2: 406.

(81) الأثران: 9086 ، 9087 - الإسناد الأول ، رواه مالك في الموطأ ص: 826 ، 827 ، مع خلاف في اللفظ يسير ، وقال في آخره: "والضفير ، الحبل" ، وهما سواء في المعنى.

وأخرجه البخاري (الفتح 4: 350 / 12: 143-145) ، ومسلم 12: 212 ، 213 ، من طرق.

(82) انظر ما سلف قريبًا ص: 151-196.

(83) قوله: "وحسب" معطوف على قوله: "فإن ظن ظان".

(84) قوله: "فقد ظن خطأ" جواب الشرط في قوله: "فإن ظن ظان".

(85) في المطبوعة: "فيكون الخبر بيانًا عما يجب عليهن من الحد" ، غير ما في المخطوطة بسوء تصرف ، والصواب ما أثبته من المخطوطة.

هذا ، ولم يرد بذكر"الخبر" و"مبتدأ" المعنى المصطلح عليه في النحو ، بل أراد إخبار الله تعالى ، وأنه ابتداء غير متصل بما قبله.

(86) الأثر: 9088 -"سعيد" هو: سعيد بن أبي عروبة = و"أبو معشر" ، هو زياد بن كليب ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "سعيد بن أبي معشر" ، وهو خطأ محض.

(87) الأثران 9089 -9090 - في الإسناد الأول: "إبراهيم بن يزيد" هو: إبراهيم النخعي.

و"همام بن الحارث النخعي" ، ثقة ، كان من العباد ، وكان لا ينام إلا قاعدًا.

روى عن ابن مسعود.

وذكر في الإسناد الأول : "النعمان بن عبد الله بن مقرن" ، هكذا في المخطوطة والمطبوعة ، ولم أجد لهذا الاسم ذكرًا في الكتب ، وسيأتي في الأثر الذي يليه: "النعمان بن مقرن" ، وقد اختلف في"النعمان بن مقرن" فقيل: "النعمان بن عمرو بن مقرن" ، وقيل هما رجلان ، وذلك مفصل في كتب الرجال ، ولم يذكر أحد منهم"النعمان بن عبد الله بن مقرن".

هذا ، وقد روى هذا الأثر ، البيهقي في السنن الكبرى 8: 243 ، وزاد الأمر إشكالا ، فرواه من حديث إبراهيم النخعي ، عن همام بن الحارث ، عن عمرو بن شرحييل: أن معقل بن مقرن أتى عبد الله بن مسعود = ولم أستطع أن أقطع بشيء في هذا الاضطراب.

(88) الأثر: 9097 -"برد بن سنان الشامي ، مولى قريش" صاحب مكحول.

روى عن عطاء بن أبي رباح ، والزهري ، ونافع مولى ابن عمر ، وغيرهم.

كان صدوقًا في الحديث.

مترجم في التهذيب.

وقوله: "من ولائد الإمارة" ، في المخطوطة كتب"الإمارة" في الهامش ، وكان قد ضرب على الكلمة في صلب الكلام.

ولعله يعني: ولائد من السبي.

(89) في المخطوطة: "قال: حصنتها".

(90) انظر ما سلف: 195 ، 196 / ثم: 199.

(91) انظر تفسير"أتى بالفاحشة" فيما سلف: 73 ، 81.

(92) انظر تفسير"الفاحشة" فيما سلف: 3: 303 / 5: 571 / 7: 218 / 8: 73 ، 115 ، 116.

(93) الأثر: 9108 - هذا الأثر مبتور في المخطوطة والمطبوعة ، وإن كان قد ساقه كأنه غير مبتور ، فلذلك وضعت هذه النقط للدلالة على الخرم.

ولم أجده في مكان آخر.

(94) الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، وليست في المخطوطة ولا المطبوعة.

(95) في المخطوطة: "لازم إلى أن أصلي" ، والصواب ما في المطبوعة.

(96) انظر تفسير"ذلك" بمعنى"هذا" فيما سلف 1: 225-227 / 3: 335 / 6: 466.

(97) الأثر: 9111 - ذكر هذا الأثر صاحب اللسان في (زحلف) و (زلحف) ، وقال في: "ازحلف" إنه على القلب من"ازلحف" على وزن"اقشعر" وقراءتهما بسكون الزاي ، وفتح اللام والحاء ، والفاء المشددة.

وقوله: "ازلحف" أي: تنحى وتباعد ، شيئًا قليلا.

وتمام الأثر في اللسان: "لأن الله عز وجل يقول: وأن تصبروا خير لكم".

وانظر الأثر التالي رقم: 9114.

(98) الأثر: 9115 -"أبو سلمة" ، لم أعرف من يكون في شيوخ أبي جعفر.

(99) انظر تفسير العنت فيما سلف 4: 360 / 7: 140.

(100) في المطبوعة: "أن كان للعنت" ، وهو صواب ، ولكن أثبت ما في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيمفيه إحدى وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى : ومن لم يستطع منكم طولا الآية نبه تعالى على تخفيف في النكاح وهو نكاح الأمة لمن لم يجد الطول .

واختلف العلماء في معنى الطول على ثلاثة أقوال :الأول : السعة والغنى ؛ قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد ومالك في المدونة .

يقال : طال يطول طولا في الإفضال والقدرة .

وفلان ذو طول أي ذو قدرة في ماله ( بفتح الطاء ) .

وطولا ( بضم الطاء ) في ضد القصر .

والمراد هاهنا القدرة على المهر في قول أكثر أهل العلم ، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور .

قال أحمد بن المعذل : قال عبد الملك : الطول كل ما يقدر به على النكاح من نقد أو عرض أو دين على ملي .

قال : وكل ما يمكن بيعه وإجارته فهو طول .

قال : وليست الزوجة ولا الزوجتان ولا الثلاثة طولا .

وقال : وقد سمعت ذلك من مالك رضي الله عنه .

قال عبد الملك : لأن الزوجة لا ينكح بها ولا يصل بها إلى غيرها إذ ليست بمال .

وقد سئل مالك عن رجل يتزوج أمة وهو ممن يجد الطول ؛ فقال : أرى أن يفرق بينهما .

قيل له : إنه يخاف العنت .

قال : السوط يضرب به .

ثم خففه بعد ذلك .[ ص: 120 ] القول الثاني : الطول الحرة .

وقد اختلف قول مالك في الحرة هل هي طول أم لا ؛ فقال في المدونة : ليست الحرة بطول تمنع من نكاح الأمة ؛ إذا لم يجد سعة لأخرى وخاف العنت .

وقال في كتاب محمد ما يقتضي أن الحرة بمثابة الطول .

قال اللخمي : وهو ظاهر القرآن .

وروي نحو هذا عن ابن حبيب ، وقاله أبو حنيفة .

فيقتضي هذا أن من عنده حرة فلا يجوز له نكاح الأمة وإن عدم السعة وخاف العنت ، لأنه طالب شهوة وعنده امرأة ، وقال به الطبري واحتج له .

قال أبو يوسف : الطول هو وجود الحرة تحته ؛ فإذا كانت تحته حرة فهو ذو طول ، فلا يجوز له نكاح الأمة .القول الثالث : الطول الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها ، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها وخاف أن يبغي بها وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة ؛ هذا قول قتادة والنخعي وعطاء وسفيان الثوري .فيكون قوله تعالى : لمن خشي العنت على هذا التأويل في صفة عدم الجلد .

وعلى التأويل الأول يكون تزويج الأمة معلقا بشرطين : عدم السعة في المال ، وخوف العنت ؛ فلا يصح إلا باجتماعهما .

وهذا هو نص مذهب مالك في المدونة من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد .

قال مطرف وابن الماجشون : لا يحل للرجل أن ينكح أمة ، ولا يقران إلا أن يجتمع الشرطان كما قال الله تعالى .

وقاله أصبغ .

وروي هذا القول عن جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء وطاوس والزهري ومكحول ، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق ، واختاره ابن المنذر وغيره .

فإن وجد المهر وعدم النفقة فقال مالك في كتاب محمد : لا يجوز له أن يتزوج أمة .

وقال أصبغ : ذلك جائز ؛ إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم يضمها إليه .

وفي الآية قول رابع : قال مجاهد : مما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة والنصرانية ، وإن كان موسرا .

وقال بذلك أبو حنيفة أيضا ، ولم يشترط خوف العنت ؛ إذا لم تكن تحته حرة .

قالوا : لأن كل مال يمكن أن يتزوج به الأمة يمكن أن يتزوج به الحرة ؛ فالآية على هذا أصل في جواز نكاح الأمة مطلقا .قال مجاهد : وبه يأخذ سفيان ، وذلك أني سألته عن نكاح الأمة فحدثني عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبد الله عن علي رضي الله عنه قال : إذا نكحت الحرة على الأمة كان للحرة يومان وللأمة يوم .

قال : ولم ير علي به بأسا .

وحجة هذا القول عموم قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم .

وقوله تعالى : ومن لم يستطع منكم طولا إلى قوله : ذلك لمن خشي العنت منكم ؛ لقوله عز وجل : فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة .

[ ص: 121 ] وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعا وإن خاف ألا يعدل .

قالوا : وكذلك له تزوج الأمة وإن كان واجدا للطول غير خائف للعنت .

وقد روي عن مالك في الذي يجد طولا لحرة أنه يتزوج أمة مع قدرته على طول الحرة ؛ وذلك ضعيف من قوله .

وقد قال مرة أخرى : ما هو بالحرام البين ، وأجوزه .

والصحيح أنه لا يجوز للحر المسلم أن ينكح أمة غير مسلمة بحال ، ولا له أن يتزوج بالأمة المسلمة إلا بالشرطين المنصوص عليهما كما بينا .

والعنت الزنى ؛ فإن عدم الطول ولم يخش العنت لم يجز له نكاح الأمة ، وكذلك إن وجد الطول وخشي العنت .

فإن قدر على طول حرة كتابية وهي المسألة :الثانية : فهل يتزوج الأمة ؛ اختلف علماؤنا في ذلك ، فقيل : يتزوج الأمة فإن الأمة المسلمة لا تلحق بالكافرة ، فأمة مؤمنة خير من حرة مشركة .

واختاره ابن العربي .

وقيل : يتزوج الكتابية ؛ لأن الأمة وإن كانت تفضلها بالإيمان فالكافرة تفضلها بالحرية وهي زوجة .

وأيضا فإن ولدها يكون حرا لا يسترق ، وولد الأمة يكون رقيقا ؛ وهذا هو الذي يتمشى على أصل المذهب .الثالثة : واختلف العلماء في الرجل يتزوج الحرة على الأمة ولم تعلم بها ؛ فقالت طائفة : النكاح ثابت .

كذلك قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ، وروي عن علي .

وقيل : للحرة الخيار إذا علمت .

ثم في أي شيء يكون لها الخيار ؛ فقال الزهري وسعيد بن المسيب ومالك وأحمد وإسحاق في أن تقيم معه أو تفارقه .

وقال عبد الملك : في أن تقر نكاح الأمة أو تفسخه .

وقال النخعي : إذا تزوج الحرة على الأمة فارق الأمة إلا أن يكون له منها ولد ؛ فإن كان لم يفرق بينهما .

وقال مسروق : يفسخ نكاح الأمة ؛ لأنه أمر أبيح للضرورة كالميتة ، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت الإباحة .الرابعة : فإن كانت تحته أمتان علمت الحرة بواحدة منهما ولم تعلم بالأخرى فإنه يكون لها الخيار .

ألا ترى لو أن حرة تزوج عليها أمة فرضيت ، ثم تزوج عليها أمة فرضيت ، ثم تزوج عليها أخرى فأنكرت كان ذلك لها ؛ فكذلك هذه إذا لم تعلم بالأمتين وعلمت بواحدة .

قال ابن القاسم : قال مالك : وإنما جعلنا الخيار للحرة في هذه المسائل لما قالت العلماء قبلي .

يريد سعيد بن المسيب وابن شهاب وغيرهما .

قال مالك : ولولا ما قالوه لرأيته حلالا ؛ لأنه في كتاب الله حلال .

فإن لم تكفه الحرة واحتاج إلى أخرى ولم يقدر على صداقها جاز له أن يتزوج الأمة [ ص: 122 ] حتى ينتهي إلى أربع بالتزويج بظاهر القرآن .

رواه ابن وهب عن مالك .

وروى ابن القاسم عنه : يرد نكاحه .

قال ابن العربي : والأول أصح في الدليل ، وكذلك هو في القرآن ؛ فإن من رضي بالسبب المحقق رضي بالمسبب المرتب عليه ، وألا يكون لها خيار ؛ لأنها قد علمت أن له نكاح الأربع ؛ وعلمت أنه إن لم يقدر على نكاح حرة تزوج أمة ، وما شرط الله سبحانه عليها كما شرطت على نفسها ، ولا يعتبر في شروط الله سبحانه وتعالى علمها .

وهذا غاية التحقيق في الباب والإنصاف فيه .الخامسة : قوله تعالى : المحصنات يريد الحرائر ؛ يدل عليه التقسيم بينهن وبين الإماء في قوله : من فتياتكم المؤمنات .

وقالت فرقة : معناه العفائف .

وهو ضعيف ؛ لأن الإماء يقعن تحته فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب ، وحرموا البغايا من المؤمنات والكتابيات .

وهو قول ابن ميسرة والسدي .

وقد اختلف العلماء فيما يجوز للحر الذي لا يجد الطول ويخشى العنت من نكاح الإماء ؛ فقال مالك وأبو حنيفة وابن شهاب الزهري والحارث العكلي : له أن يتزوج أربعا .

وقال حماد بن أبي سليمان : ليس له أن ينكح من الإماء أكثر من اثنتين .

وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق : ليس له أن ينكح من الإماء إلا واحدة .

وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة ؛ واحتجوا بقوله تعالى : ذلك لمن خشي العنت منكم وهذا المعنى يزول بنكاح واحدة .السادسة : قوله تعالى : فمن ما ملكت أيمانكم أي فليتزوج بأمة الغير .

ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوج أمة نفسه ؛ لتعارض الحقوق واختلافها .السابعة : قوله تعالى : من فتياتكم أي المملوكات ، وهي جمع فتاة .

والعرب تقول للمملوك : فتى ، وللمملوكة فتاة .

وفي الحديث الصحيح : لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي وسيأتي .

ولفظ الفتى والفتاة يطلق أيضا على الأحرار في ابتداء الشباب ، فأما في المماليك فيطلق في الشباب وفي الكبر .الثامنة : قوله تعالى : المؤمنات بين بهذا أنه لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية ، فهذه الصفة مشترطة عند مالك وأصحابه ، والشافعي وأصحابه ، والثوري والأوزاعي والحسن [ ص: 123 ] البصري والزهري ومكحول ومجاهد .وقالت طائفة من أهل العلم منهم أصحاب الرأي : نكاح الأمة الكتابية جائز .

قال أبو عمر : ولا أعلم لهم سلفا في قولهم ، إلا أبا ميسرة عمرو بن شرحبيل فإنه قال : إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهن .

قالوا : وقوله المؤمنات على جهة الوصف الفاضل وليس بشرط ألا يجوز غيرها ؛ وهذا بمنزلة قوله تعالى : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة فإن خاف ألا يعدل فتزوج أكثر من واحدة جاز ، ولكن الأفضل ألا يتزوج ؛ فكذلك هنا الأفضل ألا يتزوج إلا مؤمنة ، ولو تزوج غير المؤمنة جاز .

واحتجوا بالقياس على الحرائر ، وذلك أنه لما لم يمنع قوله : المؤمنات في الحرائر من نكاح الكتابيات فكذلك لا يمنع قوله : المؤمنات في الإماء من نكاح إماء الكتابيات .

وقال أشهب في المدونة : جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية .

فالمنع عنده أن يفضل الزوج في الحرية والدين معا .

ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز لمسلم نكاح مجوسية ولا وثنية ، وإذا كان حراما بإجماع نكاحهما فكذلك وطؤهما بملك اليمين قياسا ونظرا .وقد روي عن طاوس ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم قالوا : لا بأس بنكاح الأمة المجوسية بملك اليمين .

وهو قول شاذ مهجور لم يلتفت إليه أحد من فقهاء الأمصار .

وقالوا : لا يحل أن يطأها حتى تسلم .

وقد تقدم القول في هذه المسألة في " البقرة " مستوفى .

والحمد لله .التاسعة : قوله تعالى : والله أعلم بإيمانكم المعنى أن الله عليم ببواطن الأمور ولكم ظواهرها ، وكلكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم ، فلا تستنكفوا من التزوج بالإماء عند الضرورة ، وإن كانت حديثة عهد بسباء ، أو كانت خرساء وما أشبه ذلك .

ففي اللفظ تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض الحرائر .العاشرة : قوله تعالى : بعضكم من بعض ابتداء وخبر ؛ كقولك زيد في الدار .

والمعنى أنتم بنو آدم .

وقيل : أنتم مؤمنون .

وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ؛ المعنى : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض : هذا فتاة هذا ، وهذا فتاة هذا .

فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح .

والمقصود بهذا الكلام توطئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة وتعيره وتسميه الهجين ، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له ، وإنما انحطت الأمة فلم يجز للحر التزوج بها إلا عند الضرورة ؛ لأنه تسبب إلى إرقاق الولد ، وأن الأمة لا تفرغ للزوج على الدوام ، لأنها مشغولة بخدمة المولى .[ ص: 124 ] الحادية عشرة : قوله تعالى : فانكحوهن بإذن أهلهن أي بولاية أربابهن المالكين وإذنهم .

وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده ؛ لأن العبد مملوك لا أمر له ، وبدنه كله مستغرق ، لكن الفرق بينهما أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فإن أجازه السيد جاز ؛ هذا مذهب مالك وأصحاب الرأي ، وهو قول الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وشريح والشعبي .

والأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز بإجازة السيد ؛ لأن نقصان الأنوثة في الأمة يمنع من انعقاد النكاح البتة .

وقالت طائفة : إذا نكح العبد بغير إذن سيده فسخ نكاحه ؛ هذا قول الشافعي والأوزاعي وداود بن علي ، قالوا : لا تجوز إجازة المولى إن لم يحضره ؛ لأن العقد الفاسد لا تصح إجازته ، فإن أراد النكاح استقبله على سنته .

وقد أجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيده .

وقد كان ابن عمر يعد العبد بذلك زانيا ويحده ؛ وهو قول أبي ثور .

وذكر عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، وعن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه أخذ عبدا له نكح بغير إذنه فضربه الحد وفرق بينهما وأبطل صداقها .

قال : وأخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة أنه أخبره عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى نكاح العبد بغير إذن وليه زنى ، ويرى عليه الحد ، ويعاقب الذين أنكحوهما .

قال : وأخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما عبد نكح بغير إذن سيده فهو عاهر .

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هو نكاح حرام ؛ فإن نكح بإذن سيده فالطلاق بيد من يستحل الفرج .

قال أبو عمر : على هذا مذهب جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق ، ولم يختلف عن ابن عباس أن الطلاق بيد السيد ؛ وتابعه على ذلك جابر بن زيد وفرقة .

وهو عند العلماء شذوذ لا يعرج عليه ، وأظن ابن عباس تأول في ذلك قول الله تعالى : ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء .

وأجمع أهل العلم على أن نكاح العبد جائز بإذن مولاه ؛ فإن نكح نكاحا فاسدا فقال الشافعي : إن لم يكن دخل فلا شيء لها ، وإن كان دخل فعليه المهر إذا عتق ؛ هذا هو الصحيح من مذهبه ، وهو قول أبي يوسف ومحمد لا مهر عليه حتى يعتق .

وقال أبو حنيفة : إن دخل عليها فلها المهر .

وقال مالك والشافعي : إذا كان عبد بين رجلين فأذن له أحدهما في النكاح فنكح [ ص: 125 ] فالنكاح باطل ، فأما الأمة إذا آذنت أهلها في النكاح فأذنوا جاز ، وإن لم تباشر العقد لكن تولي من يعقده عليها .الثانية عشرة : قوله تعالى : وآتوهن أجورهن دليل على وجوب المهر في النكاح ، وأنه للأمة .بالمعروف معناه بالشرع والسنة ، وهذا يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة ، وهو مذهب مالك .

قال في كتاب الرهون : ليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز .

وقال الشافعي : الصداق للسيد ؛ لأنه عوض فلا يكون للأمة .

أصله إجازة المنفعة في الرقبة ، وإنما ذكرت لأن المهر وجب بسببها .

وذكر القاضي إسماعيل في أحكامه : زعم بعض العراقيين إذا زوج أمته من عبده فلا مهر .

وهذا خلاف الكتاب والسنة وأطنب فيه .الثالثة عشرة : قوله تعالى : محصنات أي عفائف .

وقرأ الكسائي " محصنات " بكسر الصاد في جميع القرآن ، إلا في قوله تعالى : والمحصنات من النساء .

وقرأ الباقون بالنصب في جميع القرآن .

ثم قال : غير مسافحات أي غير زوان ، أي معلنات بالزنى ؛ لأن أهل الجاهلية كان فيهم الزواني في العلانية ، ولهن رايات منصوبات كراية البيطار .ولا متخذات أخدان أصدقاء على الفاحشة ، واحدهم خدن وخدين ، وهو الذي يخادنك ، ورجل خدنة ، إذا اتخذ أخدانا أي أصحابا ، عنأبي زيد .

وقيل : المسافحة المجاهرة بالزنى ، أي التي تكري نفسها لذلك .

وذات الخدن هي التي تزني سرا .

وقيل : المسافحة المبذولة ، وذات الخدن التي تزني بواحد .

وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنى ، ولا تعيب اتخاذ الأخدان ، ثم رفع الإسلام جميع ذلك ، وفي ذلك نزل قوله تعالى : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ؛ عن ابن عباس وغيره .الرابعة عشرة : قوله تعالى : فإذا أحصن قراءة عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة .

الباقون بضمها .

فبالفتح معناه أسلمن ، وبالضم زوجن .

فإذا زنت الأمة المسلمة جلدت نصف جلد الحرة ؛ وإسلامها هو إحصانها في قول الجمهور ، ابن مسعود والشعبي والزهري وغيرهم .

وعليه فلا تحد كافرة إذا زنت ، وهو قول الشافعي فيما ذكر ابن المنذر .

وقال آخرون : إحصانها التزوج بحر .

فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها ، قال سعيد بن جبير والحسن وقتادة ، وروي عن ابن عباس وأبي الدرداء ، وبه قال أبو عبيد .

قال : [ ص: 126 ] وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنه أنه سئل عن حد الأمة فقال : إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار .

قال الأصمعي : الفروة جلدة الرأس .

قال أبو عبيدة : وهو لم يرد الفروة بعينها ، وكيف تلقي جلدة رأسها من وراء الدار ، ولكن هذا مثل !

إنما أراد بالفروة القناع ، يقول ليس عليها قناع ولا حجاب ، وأنها تخرج إلى كل موضع يرسلها أهلها إليه ، لا تقدر على الامتناع من ذلك ؛ فتصير حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور ، مثل رعاية الغنم وأداء الضريبة ونحو ذلك ؛ فكأنه رأى أن لا حد عليها إذا فجرت ؛ لهذا المعنى .

وقالت فرقة : إحصانها التزوج ، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة غير المتزوجة بالسنة ، كما في صحيح البخاري ومسلم أنه قيل : يا رسول الله ، الأمة إذا زنت ولم تحصن ؟

فأوجب عليها الحد .

قال الزهري : فالمتزوجة محدودة بالقرآن ، والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث .قال القاضي إسماعيل في قول من قال " إذا أحصن " أسلمن : بعد ؛ لأن ذكر الإيمان قد تقدم لهن في قوله تعالى : من فتياتكم المؤمنات .

وأما من قال : " إذا أحصن " تزوجن ، وأنه لا حد على الأمة حتى تتزوج ؛ فإنهم ذهبوا إلى ظاهر القرآن وأحسبهم لم يعلموا هذا الحديث .

والأمر عندنا أن الأمة إذا زنت وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله ، وإذا زنت ولم تحصن مجلودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولا رجم عليها ؛ لأن الرجم لا يتنصف .

قال أبو عمر : ظاهر قول الله عز وجل يقتضي ألا حد على أمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج ، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن ، فكان ذلك زيادة بيان .قلت : ظهر المؤمن حمى لا يستباح إلا بيقين ، ولا يقين مع الاختلاف ، لولا ما جاء في صحيح السنة من الجلد في ذلك .

والله أعلم .

وقال أبو ثور فيما ذكر ابن المنذر : وإن كانوا اختلفوا في رجمهما فإنهما يرجمان إذا كانا محصنين ، وإن كان إجماع فالإجماع أولى .الخامسة عشرة : واختلف العلماء فيمن يقيم الحد عليهما ؛ فقال ابن شهاب : مضت السنة أن يحد العبد والأمة أهلوهم في الزنى ، إلا أن يرفع أمرهم إلى السلطان فليس لأحد أن يفتات عليه ؛ وهو مقتضى قوله عليه السلام : إذا زنت أمة أحدكم فليحدها الحد .

وقال علي رضي الله عنه في خطبته : يا أيها الناس ، أقيموا على أرقائكم الحد ، من أحصن منهم ومن لم يحصن ، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها ، فإذا هي حديث عهد بنفاس ، فخشيت إن أنا جلدتها أقتلها ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : أحسنت .

[ ص: 127 ] أخرجه مسلم موقوفا عن علي .

وأسنده النسائي وقال فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن منهم ومن لم يحصن وهذا نص في إقامة السادة الحدود على المماليك من أحصن منهم ومن لم يحصن .

قال مالك رضي الله عنه : يحد المولى عبده في الزنى وشرب الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود بذلك ، ولا يقطعه في السرقة ، وإنما يقطعه الإمام ؛ وهو قول الليث .

وروي عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم ، منهم ابن عمر وأنس ، ولا مخالف لهم من الصحابة .وروي عن ابن أبي ليلى أنه قال : أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت ، في مجالسهم .

وقال أبو حنيفة : يقيم الحدود على العبيد والإماء السلطان دون المولى في الزنى وسائر الحدود ؛ وهو قول الحسن بن حي .

وقال الشافعي : يحده المولى في كل حد ويقطعه ؛ واحتج بالأحاديث التي ذكرنا .

وقال الثوري والأوزاعي : يحده في الزنى ؛ وهو مقتضى الأحاديث ، والله أعلم .

وقد مضى القول في تغريب العبيد في هذه السورة .السادسة عشرة : فإن زنت الأمة ثم عتقت قبل أن يحدها سيدها لم يكن له سبيل إلى حدها ، والسلطان يجلدها إذا ثبت ذلك عنده ؛ فإن زنت ثم تزوجت لم يكن لسيدها أن يجلدها أيضا لحق الزوج ؛ إذ قد يضره ذلك .

وهذا مذهب مالك إذا لم يكن الزوج ملكا للسيد ، فلو كان ، جاز للسيد ذلك لأن حقهما حقه .السابعة عشرة : فإن أقر العبد بالزنى وأنكره المولى فإن الحد يجب على العبد لإقراره ، ولا التفات لما أنكره المولى ، وهذا مجمع عليه بين العلماء .

وكذلك المدبر وأم الولد والمكاتب والمعتق بعضه .

وأجمعوا أيضا على أن الأمة إذا زنت ثم أعتقت حدت حد الإماء ؛ وإذا زنت وهي لا تعلم بالعتق ثم علمت وقد حدت أقيم عليها تمام حد الحرة ؛ ذكره ابن المنذر .الثامنة عشرة : واختلفوا في عفو السيد عن عبده وأمته إذا زنيا ؛ فكان الحسن البصري يقول : له أن يعفو .

وقال غير الحسن : لا يسعه إلا إقامة الحد ، كما لا يسع السلطان أن يعفو عن حد إذا علمه ، لم يسع السيد كذلك أن يعفو عن أمته إذا وجب عليها الحد ؛ وهذا على مذهب أبي ثور .

قال ابن المنذر : وبه نقول .التاسعة عشرة : قوله تعالى : فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب أي الجلد ويعني بالمحصنات هاهنا الأبكار الحرائر ؛ لأن الثيب عليها الرجم والرجم لا يتبعض ، [ ص: 128 ] وإنما قيل للبكر محصنة وإن لم تكن متزوجة ؛ لأن الإحصان يكون بها ؛ كما يقال : أضحية قبل أن يضحى بها ؛ وكما يقال للبقرة : مثيرة قبل أن تثير .

وقيل : المحصنات المتزوجات ؛ لأن عليها الضرب والرجم في الحديث ، والرجم لا يتبعض فصار عليهن نصف الضرب .

والفائدة في نقصان حدهن أنهن أضعف من الحرائر .

ويقال : إنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر .

وقيل : لأن العقوبة تجب على قدر النعمة ؛ ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد ، وكذلك الإماء لما كانت نعمتهن أقل فعقوبتهن أقل .

وذكر في الآية حد الإماء خاصة ، ولم يذكر حد العبيد ؛ ولكن حد العبيد والإماء سواء ؛ خمسون جلدة في الزنى ، وفي القذف وشرب الخمر أربعون ؛ لأن حد الأمة إنما نقص لنقصان الرق فدخل الذكور من العبيد في ذلك بعلة المملوكية ، كما دخل الإماء تحت قوله عليه السلام : من أعتق شركا له في عبد .

وهذا الذي يسميه العلماء القياس في معنى الأصل ؛ ومنه قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات الآية .

فدخل في ذلك المحصنين قطعا ؛ على ما يأتي بيانه في سورة " النور " إن شاء الله تعالى .الموفية عشرين : وأجمع العلماء على أن بيع الأمة الزانية ليس بيعها بواجب لازم على ربها ، وإن اختاروا له ذلك ؛ لقوله عليه السلام : إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر .

أخرجه مسلم عن أبي هريرة .

وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها في الرابعة .

منهم داود وغيره ؛ لقوله فليبعها وقوله : ثم بيعوها ولو بضفير .

قال ابن شهاب : فلا أدري بعد الثالثة أو الرابعة ؛ والضفير الحبل .

فإذا باعها بزناها ؛ لأنه عيب فلا يحل أن يكتم .

فإن قيل : إذا كان مقصود الحديث إبعاد الزانية ووجب على بائعها التعريف بزناها فلا ينبغي لأحد أن يشتريها ؛ لأنها مما قد أمرنا بإبعادها .

فالجواب أنها مال ولا تضاع ؛ للنهي عن إضاعة المال ، ولا تسيب ؛ لأن ذلك إغراء لها بالزنى وتمكين منه ، ولا تحبس دائما ، فإن فيه تعطيل منفعتها على سيدها فلم يبق إلا بيعها .

ولعل السيد الثاني يعفها بالوطء أو يبالغ في التحرز فيمنعها من ذلك .

وعلى الجملة فعند تبدل الملاك تختلف عليها الأحوال .

والله أعلم .[ ص: 129 ] الحادية والعشرون : وأن تصبروا خير لكم أي الصبر على العزبة خير من نكاح الأمة ، لأنه يفضي إلى إرقاق الولد ، والغض من النفس والصبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة .

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه .

يعني يصير ولده رقيقا ؛ فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرق الولد .

وقال سعيد بن جبير : ما نكاح الأمة من الزنى إلا قريب ، قال الله تعالى : وأن تصبروا خير لكم ، أي عن نكاح الإماء .

وفي سنن ابن ماجه عن الضحاك بن مزاحم قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر .

ورواه أبو إسحاق الثعلبي من حديث يونس بن مرداس ، وكان خادما لأنس ، وزاد : فقال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت - أو قال - فساد البيت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال تعالى { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا } الآية.

أي: ومن لم يستطع الطول الذي هو المهر لنكاح المحصنات أي: الحرائر المؤمنات وخاف على نفسه العَنَت أي: الزنا والمشقة الكثيرة، فيجوز له نكاح الإماء المملوكات المؤمنات.

وهذا بحسب ما يظهر، وإلا فالله أعلم بالمؤمن الصادق من غيره، فأمور الدنيا مبنية على ظواهر الأمور، وأحكام الآخرة مبنية على ما في البواطن.

{ فَانْكِحُوهُنَّ } أي: المملوكات { بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } أي: سيدهن واحدا أو متعددا.

{ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } أي: ولو كن إماء، فإنه كما يجب المهر للحرة فكذلك يجب للأمة.

ولكن لا يجوز نكاح الإماء إلا إذا كن { مُحْصَنَاتٍ } أي: عفيفات عن الزنا { غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ } أي: زانيات علانية.

{ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } أي: أخلاء في السر.

فالحاصل أنه لا يجوز للحر المسلم نكاح أمة إلا بأربعة شروط ذكرها الله: الإيمان بهن والعفة ظاهرا وباطنا، وعدم استطاعة طول الحرة، وخوف العنت، فإذا تمت هذه الشروط جاز له نكاحهن.

ومع هذا فالصبر عن نكاحهن أفضل لما فيه من تعريض الأولاد للرق، ولما فيه من الدناءة والعيب.

وهذا إذا أمكن الصبر، فإن لم يمكن الصبر عن المحرم إلا بنكاحهن وجب ذلك.

ولهذا قال: { وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وقوله: { فَإِذَا أُحْصِنَّ } أي: تزوجن أو أسلمن أي: الإماء { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ } أي: الحرائر { مِنَ الْعَذَابِ } وذلك الذي يمكن تنصيفه وهو: الجَلد فيكون عليهن خمسون جَلدة.

وأما الرجم فليس على الإماء رجم لأنه لا يتنصف، فعلى القول الأول إذا لم يتزوجن فليس عليهن حد، إنما عليهن تعزير يردعهن عن فعل الفاحشة.

وعلى القول الثاني: إن الإماء غير المسلمات، إذا فعلن فاحشة أيضا عزرن.

وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين "الغفور والرحيم" لكون هذه الأحكام رحمةً بالعباد وكرمًا وإحسانًا إليهم فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة.

ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث.

وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم الأمة لعدم الفارق بينهما.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ومن لم يستطع منكم طولا ) أي : فضلا وسعة ، ( أن ينكح المحصنات ) الحرائر ( المؤمنات ) قرأ الكسائي ( المحصنات ) بكسر الصاد حيث كان ، إلا قوله في هذه السورة والمحصنات من النساء ، وقرأ الآخرون بفتح جميعها ، ( فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ) إمائكم ، ( المؤمنات ) أي : من لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة ، فليتزوج الأمة المؤمنة .

وفيه دليل على أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين ، أحدهما : أن لا يجد مهر حرة ، والثاني أن يكون خائفا على نفسه من العنت ، وهو الزنا ، لقوله تعالى في آخر الآية : ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) وهو قول جابر رضي الله عنه ، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار ، وإليه ذهب مالك والشافعي .

وجوز أصحاب الرأي للحر نكاح الأمة إلا أن تكون في نكاحه حرة ، أما العبد فيجوز له نكاح الأمة وإن كان في نكاحه حرة أو أمة ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز إذا كانت تحته حرة ، كما يقول في الحر .

وفي الآية دليل على أنه لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لأنه قال ( فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) جوز نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة ، وقال في موضع آخر : " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " ( المائدة - 5 ) أي : الحرائر ، جوز نكاح الكتابية ، بشرط أن تكون حرة ، وجوز أصحاب الرأي للمسلم نكاح الأمة الكتابية ، وبالاتفاق يجوز وطؤها بملك اليمين .

[ ( والله أعلم بإيمانكم ) أي : لا تتعرضوا للباطن في الإيمان وخذوا بالظاهر فإن الله أعلم بإيمانكم ] .

( بعضكم من بعض ) قيل : بعضكم إخوة لبعض ، وقيل : كلكم من نفس واحدة فلا تستنكفوا من نكاح الإماء ، ( فانكحوهن ) يعني : الإماء ( بإذن أهلهن ) أي : مواليهن ، ( وآتوهن أجورهن ) مهورهن ، ( بالمعروف ) من غير مطل وضرار ، ( محصنات ) عفائف بالنكاح ، ( غير مسافحات ) أي : غير زانيات ، ( ولا متخذات أخدان ) أي : أحباب تزنون بهن في السر ، قال الحسن : المسافحة هي أن كل من دعاها تبعته ، وذات أخدان أي : تختص بواحد لا تزني إلا معه ، والعرب كانت تحرم الأولى وتجوز الثانية ، ( فإذا أحصن ) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بفتح الألف والصاد ، أي : حفظن فروجهن ، وقال ابن مسعود : أسلمن ، وقرأ الآخرون : ( أحصن ) بضم الألف وكسر الصاد ، أي : زوجن ( فإن أتين بفاحشة ) يعني : الزنا ، ( فعليهن نصف ما على المحصنات ) أي : ما على الحرائر الأبكار إذا زنين ، ( من العذاب ) يعني : الحد ، فيجلد الرقيق إذا زنى خمسين جلدة ، وهل يغرب؟

فيه قولان ، فإن قلنا يغرب فيغرب نصف سنة على القول الأصح ولا رجم على العبيد .

روي عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال : أمرني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين في الزنا .

ولا فرق في حد المملوك بين من تزوج أو لم يتزوج عند أكثر أهل العلم ، وذهب بعضهم إلى أنه لا حد على من لم يتزوج من المماليك إذا زنى ، لأن الله تعالى قال : ( فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ) وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وبه قال طاوس .

ومعنى الإحصان عند الآخرين الإسلام ، وإن كان المراد منه التزويج فليس المراد منه أن التزويج شرط لوجوب الحد عليه ، بل المراد منه التنبيه على أن المملوك وإن كان محصنا بالتزويج فلا رجم عليه ، إنما حده الجلد بخلاف الحر ، فحد الأمة ثابت بهذه الآية ، وبيان أنه بالجلد في الخبر وهو ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثني الليث ، عن سعيد يعني المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر " .

قوله تعالى : ( ذلك ) يعني : نكاح الأمة عند عدم الطول ، ( لمن خشي العنت منكم ) يعني : الزنا ، يريد المشقة لغلبة الشهوة ، ( وإن تصبروا ) عن نكاح الإماء متعففين ، ( خير لكم ) لئلا يخلق الولد رقيقا ( والله غفور رحيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(ومن لم يستطع منكم طولا) أي غنى لـ (أن ينكح المحصنات) الحرائر (المؤمنات) هو جري على الغالب فلا مفهوم له (فمن ما ملكت أيمانكم) ينكح (من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم) فاكتفوا بظاهره وكِلوا السرائر إليه فإنه العالم بتفضيلها ورب أمة تفضل حرة فيه وهذا تأنيس بنكاح الإماء (بعضكم من بعض) أي أنتم وهن سواء في الدين فلا تستنكفوا من نكاحهن (فانكحوهن بإذن أهلهن) مواليهن (وآتوهن) أعطوهن.

(أجورهن) مهورهن (بالمعروف) من غير مطل ونقص (محصنات) عفائف حال (غير مسافحات) زانيات جهرا (ولا متخذات أخذان) أخلاء يزنون بهن سرا (فإذا أحصن) زوجن وفي قراءة بالبناء للفاعل تزوجن (فإن أتين بفاحشة) زنا (فعليهن نصف ما على المحصنات) الحرائر الأبكار إذا زنين (من العذاب) الحد فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة ويقاس عليهن العبيد ولم يجعل الإحصان شرطا لوجوب الحد لإفادة أنه لا رجم عليهن أصلا (ذلك) أي نكاح المملوكات عند عدم الطول (لمن خشي) خاف (العنت) الزنا وأصله المشقة سمي به الزنا لأنه سببها بالحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة (منكم) بخلاف من لا يخافه من الأحرار فلا يحل له نكاحها وكذا من استطاع طول حرة وعليه الشافعي وخرج بقوله "" من فتياتكم المؤمنات "" الكافرات: فلا يحل له نكاحها ولو عدل وخاف (وأن تصبروا) عن نكاح المملوكات (خير لكم) لئلا يصير الولد رقيقا (والله غفور رحيم) بالتوسعة في ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن لا قدرة له على مهور الحرائر المؤمنات، فله أن ينكح غيرهن، من فتياتكم المؤمنات المملوكات.

والله تعالى هو العليم بحقيقة إيمانكم، بعضكم من بعض، فتزوجوهن بموافقة أهلهن، وأعطوهن مهورهن على ما تراضيتم به عن طيب نفس منكم، متعففات عن الحرام، غير مجاهرات بالزنى، ولا مسرات به باتخاذ أخلاء، فإذا تزوجن وأتين بفاحشة الزنى فعليهن من الحدِّ نصف ما على الحرائر.

ذلك الذي أبيح مِن نكاح الإماء بالصفة المتقدمة إنما أبيح لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى، وشق عليه الصبر عن الجماع، والصبر عن نكاح الإماء مع العفة أولى وأفضل.

والله تعالى غفور لكم، رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند العجز عن نكاح الحرائر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء ، وبين من يحل نكاحه منهن ، عقب ذلك ببيان ما ينبغى أن يفعله من لا يستطيع نكاح المحصنات المؤمنات فقال - تعالى - ( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ .

.

.

.

) .قوله ( طَوْلاً ) أى سعة وقدرة وغنى فى المال .قال صاحب الكشاف : الطول : الفضل .

يقال : لفلان على فلان طول أى : زيادة وفضل .

وقد طاله طولا فهو طائل .

قال الشاعر :لقد زادنى حبا لنفسى أننى ...

بغيض إلى كل امرئ غير طائلومنه قولهم : ما خلا منه بطائل .

أى بشئ يعتد به مما له فضل وخطر .

ومنه الطول فى الجسم لأنه زيادة فيه .والمراد بالمحصنات هنا الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات ، وعبر عنهن بذلك ، لأن حريتهن أحصنتهن عن النقص الذى فى الإِماء .والمراد بقوله ( مِّن فَتَيَاتِكُمُ ) أى من إمائكم وأرقائكم .والمعنى : ومن لم يستطع منكم يا معشر المؤمنين الأحرار أن يحصل زيادة فى المال تمكنه من أن ينكح الحرائر المؤمنات ، فله فى هذه الحالة أن ينكح بعض الإِماء المؤمنات اللائى هن مملوكات لغيركم .و ( مَن ) فى قوله ( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ ) شرطية ، وجوابها قوله ، فمما ملكت أيمانكم ، ويصح أن تكون موصولة ويكون قوله ( فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ) هو الخبر .وقوله ( مِنكُمْ ) حال من الضمير فى ( يَسْتَطِعْ ) وقوله ( طَوْلاً ) مفعول به ليستطع .

هذا ، والآية تفيد بمضمونها أنه لا يحل الزواج من الإِماء إلا إذا كان المسلم الحر ليس فى قدرته أن يتزوج امرأة حرة .ولذا قال بعضهم : إن الله - تعالى - شرط فى نكاح الإِماء شرائط ثلاثة : اثنان منها فى الناكح ، والثالث فى المنكوحة .أما اللذان فى الناكح فأحدهما أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق .والثاني هو المذكور فى آخر الآية وهو قوله : ( ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ ) .وأما الشرط الثالث المعتبر فى المنكوحة فهو أن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة .

.

وقد خالف الإِمام أبو حنيفة هذا الشرط الثالث فأباح للمسلم الزواج من الأمة الكتابية إن لم يكن عنده زوجة حرة فإن كان متزوجا بحرة فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة مطلقا لا مسلمة ولا كتابية ، وإن عقد عليها كان عقده باطلا وقد بنى حكمه هذا على أساس تفسيره للطول بأنه الزواج بحرة .أما المالكية والشافعية فقد قالوا : الطول : السعة والقدرة على المهر والنفقة فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة فإنه يجوز له الزواج بها ولو كانت عنده زوجة حرة .وفى التعبير عن الإِماء بقوله ( فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات ) تكريم لهؤلاء الأرقاء ، وإعزاز لإِنسانيتهن ، وتعليم للمسلمين أن يلتزموا الأدب فى مخاطبتهم لأرقائهم ولذا ورد فى الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى ، ولكن ليقل فتاى وفتاتى " .وقوله - تعالى - ( والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ) جملة معترضة سيقت بين إباحة النكاح من الاماء المؤمنات وبين صورة العقد عليهن تأنيسا للقلوب ، وإزالة للنفرة عن ناكح الاماء ببيان أن مناط التفاخر إنما هو الايمان لا التباهى بالأحساب والأنساب .والمعنى : أنه - تعالى - أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذى هو مناط التفضيل وأنتم وفتياتكم من أصل واحد فلا ينبغى أن يستعلى حر على عبد ، ولا حرة على أمة ، فرب إنسان غير حر أفضل عند الله بسبب إيمانه وعمله الصالح من إنسان حر .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إزالة ما كانت تستهجنه العرب من الزواج بالاماء ، ونهيهم عما كان متداولا بينهم من احتقارهم لولد الأمة وتسميتهم إياه بالهجين - أى الذى أبوه عربى وأمه أمة .وإلى هذا أشار صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : فما معنى قوله ( والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ) ؟

قلت : معناه : أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم فى الايمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم .

وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة والمرأة أرجح فى الايمان من الرجل .

وحق المؤمنين أن لا يعيروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب .

وهذا تأنيس بنكاح الاماء وترك الاستنكاف منه .

وقوله ( بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ) أى : أنتم وأرقاؤكم متناسبون متواصلون لاشتراككم فى الايمان لا يفضل حر عبدا إلا برجحان فيه .ثم بين - سبحانه - كيفية الزواج بهن فقال : ( فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمعروف مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) والمراد بأهلهن : مواليهن الذين يملكونهن : عبر عن المالكين لهن بالأهل ، حملا للناس على الأدب فى التعبير ، ولأنه يجب أن تكون العلاقة بين العبد ومالكه علاقة أهل لا علاقة استعلاء .والمراد بالأجور هنا : المهور التى تدفع لهن فى مقابل نكاحهن .والمراد بالمحصنات هنا : العفائف البيدات عن الفاحشة والريبة .

والمرأة المسافحة هى التى تؤاجر نفسها لكل رجل أرادها .

والتى تتخذ الخدن هى التى تتخذ لها صاحبا معينا .

وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين فيستقبحون الزنا العلنى ويستحلون السرى ، فجاءت شريعة الإِسلام بتحريم القسمين .

قال - تعالى ( وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) وقال - تعالى ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) وقوله ( فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ) مترتب ومتفرع على ما قبله من أحكام .والمعنى : إذا عرفتم حكم الله فى شأن فتياتكم المؤمنات فانكحوهن بعد أن يأذن لكم فى ذلك مواليهن ويرضون عن هذا النكاح ، وأدوا إليهن مهورهن بالقدر المتعارف عليه شرعا وعادة عن طيب نفس منكم ، وبدون مطل أو بخس .

فإنه لا يصح أن تتخذوا من كون المنكوحة أمة سبيلا لغمط حقها ، وتصغير شأنها .وقد اتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها غير جائز ، عملا بظاهر هذه الآية الكريمة ، فان قوله - تعالى - : ( فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ) يقتضى كون الإِذن شرطا فى جواز النكاح ، ولأن منافع الأمَّة لسيدها وهى ملك له فلا يجوز نكاحها إلا بإذنه .قال القرطبى : قوله - تعالى - ( فانكحوهن ) أى بولاية أرباهن المالكين وإذنهم .

وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده ، لأن العبد مملوك لا أمر له ، وبدنه كله مستغرق ، لكن الفرق بينما أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فإن أجازه السيد جاز ، هذا المذهب مالك واصحاب الرأى ، والأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز ولو بإجازة السيد .وقوله ( وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) صريح فى وجوب دفع مهر فى مقابل نكاح الأمة ولكن من الذى يستلم هذا المهر؟يرى كثير من العلماء أن الذى يتسلم المهر هو السيد المالك للأمة .

لأن المهر قد وجب عوضا عن منافع بضع المملوكة للسيد ، وهو الذى أباحها للزوج فوجب أن يكون هو المستحق لستلم المهر؛ ولأن العبد وما ملكت يداه لسيده أى آتوا أهلهن أجورهن فالكلام على حذف مضاف .ويرى الإِمام مالك أن الآية على ظاهرها ، وأن المهر إنما يدفع للأمة لأنها أحق به من سيدها ، وأنه ليس للسيد أن يأخذ من أمته ويدعها بلا جهاز فالعقد يتولاه السيد أما المهر فيعطى للأمة لتتولى إعداد نفسها للزواج منه .وقوله ( مُحْصَنَاتٍ ) حال من المفعول فى قوله ( فانكحوهن ) أى : فانحكوهن حال كونهن عفائف عن الفاحشة .وقوله ( غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ) تأكيد له أى غير مجاهرات بالزنا .وقوله ( وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) تأكيد آخر لبعدهن عن الريبة .

والأخدان جمع خدن وهو الصاحب والصديق .والمراد به هنا : من تتخذه المرأة صاحبا لها لارتكاب الفاحشة معه سراً .وقد وصف الله - تعالى - الزوجات الإِماء بذلك ، لتحريضهن على التمسك بأهداب الفضيلة والشرف ، إذ الرق مظنة الانزلاق والوقوع فى الفاحشة لما يصاحبه من هوان وضعف ، ولا شئ كالهوان يفتح الباب أمام الرذيلة والفاحشة ومن هنا قالت هند بنت عتبة - باستغراب واستنكار - لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخذ العهد عليها وعلى المؤمنات بقوله ( وَلاَ يَزْنِينَ ) قالت يا رسول الله : أو تزنى الحرة؟!!ثم بين - سبحانه - عقوبة الإِماء إذا ما ارتكبن الفاحشة فقال - تعالى - ( فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ) .ومعنى الإِحصان هنا : الزواج .

والمراد بالفاحشة : الزنا .

والمراد بالعذاب : الحد الشرعى أى : فإذا أحسن أى بالتزويج ، فإن أتين بفاحشة الزنا وثبت ذلك عليهن ، ففى هذه الحالة حدهن نصف حد الحرائر من النساء .أى أن الأمة إذا زنت فحدها أنت تجدل خمسين جدلة ولا رجم عليها لأنه لا يتنصف فلا يكون مرادا هنا .وظاهر الجملة الكريمة يفيد أن الأمة لا تحد إذا زنت متى كانت غير متزوجة وقد أخذ بهذا الظاهر بعض العلماء .

ولكن جمهور العلماء يرون أن الأمة يقام عليها الحد إذا زنت سواء أكانت متزوجة أم غير متزوجه .فالآية الكريمة صرحت بأن الأمة إذا ارتكبت الفحشاء تكون عقوبتها نصف عقوبة الحرة ، لأن الجريمة يضعف أثرها بضعف مرتكبها ، ويقوى أثرها بقوة مرتكبها ، فكان من العدل أن يعاقب الأرقاء لضعفهم بنصف عقوبة الأحرار الأقوياء .فأين هذا السمو والرحمة والدالة فى التشريع من مظالم القوانين الوضعية ففى القانون الرومانى كان العبد إذا زنى بحرة قتل ، وإذا زنى الشريف حكم عليه بغرامة .

ولقد حذر النبى صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله : " إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا : إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد .

.

.

" .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى نكاح الإِماء .والعنت : المشقة الشديدة التى يخشى معها التلف أو الوقوع فى الفاحشة التى نها الله - تعالى - عنها .

ولذا قال بعضهم المراد به هنا : الزنا .أى : ذلك الذى شرعناه لكم من إباحة الزواج بالإِماء عند الضرورة يكون بالنسبة لمن خشى على نفسه العزبة التى قد تفضى به إلى الوقوع فى الفاحشة والآثام .

( وَأَن تَصْبِرُواْ ) على تحمل المشقة متعففين عن نكاحهن حتى يرزقكم الله الزواج بالحرة ، فصبركم هذا خير لكم من نكاح الإِسماء وإن رخص لكم فيه .وقوله ( والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أى واسع المغفرة كثيرها ، فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحن - وفى ذلك تنفير عنه حتى لكأنه ذنب - وهو - سبحانه - واسع الرحمة بعباده حيث شرع لهم ما فيه تيسير عليهم ورأفة بهم .قالوا : وإنما كان الصبر عن نكاح الإِماء خيراً من نكاحهن ، لأن الولد الذى يأتى عن طريقهن يكون معرضا للرق ، ولأن الأمة فى الغالب لا تستطيع أن تهيئ البيت الصالح للزوجية من كل الوجوه لانشغالها بخدمة سيدها .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : فإن قلت : لم كان نكاح الأمة منحطا عن نكاح الحرة؟

قلت : لما فيه من اتباع الولد الأم فى الرق .

ولثبوت حق المولى فيها وفى استخدامها .

ولأنها ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة ، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة .والعزة من صفات المؤمنين .وبذلك نرى أن الآية الكريمة وإن كانت قد رخصت فى زواج الإِماء عند الضرورة الشديدة إلا أنها حضت المؤمنين على الصبر عن نكاحهن لما فى نكاحهن من أضرار يأباها الشخص العزيز النفس ، الكريم الخلق .

والسبيل الأمثل للزواج بهن يكون بعد شرائهن وإعتاقهن ، وبذلك يقل الرقيق ويكثر الأحرار ولذا لو جامعها مولاها كان ابنه حراً وكان طريقا لحريتها ومنع بيعها .وبعد أن بين - سبحانه - فيما سبق من آيات كثيراً من الأوامر والنواهى والمحرمات والمباحات .

.

عقب ذلك ببيان جانب من مظهر فضله على عباده ورحمته بهم فقال - تعالى - : ( يُرِيدُ الله .

.

.

.

ضَعِيفاً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين من يحل ومن لا يحل: بين فيمن يحل أنه متى يحل، وعلى أي وجه يحل فقال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي ﴿ المحصنات ﴾ بكسر الصاد، وكذلك ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات ﴾ وكذلك ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات ﴾ كلها بكسر الصاد، والباقون بالفتح، فالفتح معناه ذوات الأزواج، والكسر معناه العفائف والحرائر، والله أعلم.

المسألة الثانية: الطول: الفضل، ومنه التطول وهو التفضل، وقال تعالى: ﴿ ذِى الطول  ﴾ ويقال: تطاول لهذا الشيء أي تناوله، كما يقال: يد فلان مبسوطة وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر؛ لأنه إذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة، كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان، وسمي الغنى أيضاً طولا، لأنه ينال به من المرادات مالا ينال عند الفقر، كما أن بالطول ينال ما لا ينال بالقصر.

إذا عرفت هذا فنقول: الطول القدرة، وانتصابه على أنه مفعول يستطع وأَن يَنكِحَ في موضع النصب على أنه مفعول القدرة.

فان قيل: الاستطاعة هي القدرة، والطول أيضا هو القدرة، فيصير تقدير الآية: ومن لم يقدر، منكم على القدرة على نكاح المحصنات، فما فائدة هذا التكرير في ذكر القدرة؟

قلنا: الأمر كما ذكرت، والأولى أن يقال: المعنى فمن لم يستطع منكم استطاعة بالنكاح المحصنات، وعلى هذا الوجه يزول الاشكال، فهذا ما يتعلق باللغة.

أما ما قاله المفسرون فوجوه: الأول: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة.

الثاني: أن يفسر النكاح بالوطء، والمعنى: ومن لم يستطع منكم طولا وطء الحرائر فلينكح أمة، وعلى هذا التقدير فكل من ليس تحته حرة فإنه يجوز له التزوج بالأمة.

وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة، فان مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له التزوج بالأمة.

وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة، فإن مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة، سواء قدر على التزوج بالحرة أو لم يقدر.

والثالث: الاكتفاء بالحرة، فله أن يتزوج بالأمة سواء كان تحته حرة أو لم يكن، كل هذه الوجوه إنما حصلت، لأن لفظ الاستطاعة محتمل لكل هذه الوجوه.

المسألة الثالثة: المراد بالمحصنات في قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات ﴾ هو الحرائر، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الاماء، فلابد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد للاماء، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصنات على قراءة من قرأ بفتح الصاد: أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء، فإن الظاهر أن الأمة تكون خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة، والحرة مصونة محصنة من هذه النقصانات، وأما على قراءة من قرأ بكسر الصاد، فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهن.

المسألة الرابعة: مذهب الشافعي رضي الله عنه: أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة، اثنان منها في الناكح، والثالث في المنكوحة، أما اللذان في الناكح.

فأحدهما: أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق، وهو معنى قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات ﴾ فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة.

فان قيل: الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت؟

قلنا: كانت العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات، وعلى هذا التقدير يظهر هذا التفاوت.

وأما الشرط الثاني: فهو المذكور في آخر الآية وهو قوله: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ أي بلغ الشدة في العزوبة.

وأما الشرط الثالث: المعتبر في المنكوحة، فأن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة، فإن الأمة إذا كانت كافرة كانت ناقصة من وجهين: الرق والكفر، ولا شك أن الولد تابع للأم في الحرية والرق، وحينئذ يعلق الولد رقيقا على ملك الكافر، فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكا للكافر، فهذه الشرائط الثلاثة معتبرة عند الشافعي في جواز نكاح الأمة.

وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فيقول: إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة، أما إذا لم يكن تحته حرة جاز له ذلك، سواء قدر على نكاح الحرة أو لم يقدر، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وتقريره من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكر عدم القدرة على طول الحرة، ثم ذكر عقيبه التزوج بالأمة، وذلك الوصف يناسب هذا الحكم لأن الإنسان قد يحتاج الى الجماع، فاذا لم يقدر على جماع الحرة بسبب كثرة مؤنتها ومهرها، وجب أن يؤذن له في نكاح الأمة، اذا ثبت هذا فنقول: الحكم اذا كان مذكورا عقيب وصف يناسبه، فذلك الاقتران في الذكر يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، اذا ثبت هذا فنقول: لو كان نكاح الأمة جائزا بدون القدرة على طول الحرة ومع القدرة عليه لم يكن لعدم هذه القدرة أثر في هذا الحكم ألبتة، لكنا بينا دلالة الآية على أن له أثرا في هذا الحكم، فثبت أنه لا يجوز التزوج بالأمة مع القدرة على طول الحرة.

الثاني: أن نتمسك بالآية على سبيل المفهوم، وهو أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، والدليل عليه أن القائل اذا قال: الميت اليهودي لا يبصر شيئا، فإن كل أحد يضحك من هذا الكلام ويقول: إذا كان غير اليهودي أيضا لا يبصر فما فائدة التقييد بكونه يهوديا، فلما رأينا أن أهل العرف يستقبحون هذا الكلام ويعللون ذلك الاستقباح بهذه العلة، علمنا اتفاق أرباب اللسان على أن التقييد بالصفة يقتضي نفي الحكم في غير محل القيد.

قال أبو بكر الرازي: تخصيص هذه الحالة بذكر الاباحة فيها لا يدل على حظر ما عداه، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق  ﴾ ولا دلالة فيه على إباحة القتل عند زوال هذه الحالة، وقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة  ﴾ لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة، وقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة ﴾ لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة، فيقال له: ظاهر اللفظ يقتضي ذلك، إلا أنه ترك العمل به بدليل منفصل، كما أن عندك ظاهر الأمر للوجوب، وقد يترك العمل به في صور كثيرة لدليل منفصل، والسؤال الجيد على التمسك بالآية ما ذكرناه، حيث قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد من النكاح الوطء، والتقدير: ومن لم يستطع منكم وطء الحرة، وذلك عند من لا يكون تحته حرة، فإنه يجوز له نكاح الأمة، وعلى هذا التقدير تنقلب الآية حجة لأبي حنيفة.

وجوابه: أن أكثر المفسرين فسروا الطول بالغنى، وعدم الغنى تأثيره في عدم القدرة على العقد، لا في عدم القدرة على الوطء.

واحتج أبو بكر الرازي على صحة قوله بالعمومات، كقوله تعالى: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب  ﴾ وهو متناول للاماء الكتابيات.

والمراد من هذا الإحصان العفة.

والجواب: أن آيتنا خاصة، والخاص مقدم على العام، ولأنه دخلها التخصيص فيما إذا كان تحته حرة، وإنما خصت صونا للولد، عن الارقاق، وهو قائم في محل النزاع.

المسألة الخامسة: ظاهر قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات ﴾ يقتضي كون الإيمان معتبرا في الحرة، فعلى هذا: لو قدر على حرة كتابية ولم يقدر على طول حرة مسلمة فإنه يجوز له أن يتزوج الأمة، وأكثر العلماء أن ذكر الإيمان في الحرائر ندب واستحباب، لأنه لا فرق بين الحرة الكتابية وبين المؤمنة في كثرة المؤنة وقلتها.

المسألة السادسة: من الناس من قال: انه لا يجوز التزوج بالكتابيات ألبتة، واحتجوا بهذه الآيات، فقالوا: إنه تعالى بين أن عند العجز عن نكاح الحرة المسلمة يتعين له نكاح الأمة المسلمة، ولو كان التزوج بالحرة الكتابية جائزا، لكان عند العجز عن الحرة المسلمة لم تكن الأمة المسلمة متعينة، وذلك ينفي دلالة الآية.

ثم أكدوا هذه الدلالة بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ  ﴾ وقد بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير هذه الآية أن الكتابية مشركة.

المسألة السابعة: الآية دالة على التحذير من نكاح الاماء، وأنه لا يجوز الإقدام عليه إلا عند الضرورة، والسبب فيه وجوه: الأول: أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا، وذلك يوجب النقص في حق ذلك الإنسان وفي حق ولده.

والثاني: أن الأمة قد تكون تعودت الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية الوقاحة، وربما تعودت الفجور، وكل ذلك ضرر على الأزواج.

الثالث: أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة، فربما احتاج الزوج إليها جدا ولا يجد إليها سبيلا لأن السيد يمنعها ويحبسها.

الرابع: أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول: بيع الأمة طلاقها، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها وبولدها، وذلك من أعظم المضار.

الخامس: أن مهرها ملك لمولاها، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها، ولا على إبرائه عنه، بخلاف الحرة، فلهذه الوجه ما أذن الله في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة، والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ أي فليتزوج مما ملكت أيمانكم.

قال ابن عباس: يريد جارية أختك، فِِإن الإنسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه.

المسألة الثانية: الفتيات: المملوكة جمع فتاة، والعبد فتى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي».

ويقال للجارية الحديثة: فتاة، وللغلام فتى، والأمة تسمى فتاة، عجوزاً كانت أو شابة، لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ يدل على تقييد نكاح الأمة بما إذا كانت مؤمنة فلا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، سواء كان الزوج حراً أو عبدا، وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن، وقول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز التزوج بالأمة الكتابية.

حجة الشافعي رضي الله عنه: أن قوله: ﴿ مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ تقييد لجواز نكاح الأمة بكونها مؤمنة، وذلك ينفي جواز نكاح غير المؤمنة من الوجهين اللذين ذكرناهما في مسألة طول الحرة، وأيضا قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ  ﴾ .

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه: النص والقياس: أما النص فالعمومات التي ذكرنا تمسكه بها في طول الحرة، وآكدها قوله: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ وأما القياس فهو أنا أجمعنا على أن الكتابة الحرة مباحة، والكتابية المملوكة أيضا مباحة، فكذلك إذا تزوج بالكتابية المملوكة وجب أنه يجوز.

والجواب عن العمومات: أن دلائلنا خاصة فتكون مقدمة على العمومات، وعن القياس: أن الشافعي قال: إذا تزوج بالحرة الكتابية فهناك نقص واحد، أما إذا تزوج بالأمة الكتابية فهناك نوعان من النقص: الرق والكفر، فظهر الفرق.

ثم قال تعالى: ﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ قال الزجاج: معناه اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور، والله يتولى السرائر والحقائق.

ثم قال تعالى: ﴿ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ﴾ وفيه وجهان: الأول: كلكم أولاد آدم فلا تداخلنكم أنفة من تزوج الإماء عند الضرورة.

والثاني: ان المعنى: كلكم مشتركون في الإيمان، والإيمان أعظم الفضائل، فإذا حصل الاشتراك في أعظم الفضائل كان التفاوت فيما وراءه غير ملتفت إليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم  ﴾ قال الزجاج: فهذا الثاني أولى لتقدم ذكر المؤمنات، أو لأن الشرف بشرف الإسلام أولى منه بسائر الصفات، وهو يقوي قول الشافعي رضي الله عنه: إن الإيمان شرط لجواز نكاح الأمة.

واعلم أن الحكمة في ذكر هذه الكلمة أن العرب كانوا يفتخرون بالأنساب، فاعلم في ذكر هذه الكلمة أن الله لا ينظر ويلتفت اليه.

روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالانواء»، ولا يدعها الناس في الاسلام وكان أهل الجاهلية يضعون من ابن الهجين، فذكر تعالى هذه الكلمة زجرا لهم عن أخلاق أهل الجاهلية.

ثم أنه تعالى شرح كيفية هذا النكاح فقال: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل، ويدل عليه القرآن والقياس.

أما القرآن فهو هذه الآية فان قوله تعالى: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، وان لم يكن النكاح واجبا.

وهو كقوله عليه الصلاة والسلام: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» فالسلم ليس بواجب، ولكنه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط، كذلك النكاح وان لم يكن واجبا، لكنه إذا أراد أن يتزوج أمة، وجب أن لا يتزوجها إلا باذن سيدها.

وأما القياس: فهو أن الأمة ملك للسيد، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها، فوجب أن لا يجوز ذلك إلا باذنه.

واعلم أن لفظ القرآن مقتصر على الأمة، وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج العبد بغير إذن السيد فهو عاهر».

المسألة الثانية: قال الشافعي رضي الله عنه: المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلا باذن الولي.

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يصح، احتج الشافعي بهذه الآية، وتقريره أن الضمير في قوله: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ عائد إلى الاماء، والأمة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة لا يتناول الاشارة إلى تلك الصفة، ألا ترى أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخا ثم تكلم معه يحنث في يمينه، فثبت أن الاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة عرضية زائلة، باقية بعد زوال تلك الصفة العرضية، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ اشارة إلى الاماء، فهذه الاشارة وجب أن تكون باقية حال زوال الرق عنهن، وحصول صفة الحرية لهن، وإذا كان كذلك فالحرة البالغة العاقلة في هذه الصورة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها، وإذا ثبت ذلك في هذه الصورة وجب ثبوت هذا الحكم في سائر الصور؛ ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على فساد قول الشافعي في هذه المسألة فقال: مذهبه أنه لا عبارة للمرأة في عقد النكاح، فعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تزوج أمتها، بل مذهبه أن توكل غيرها بتزويج أمتها.

قال: وهذه الآية تبطل ذلك، لأن ظاهر هذه الآية يدل على الاكتفاء بحصول اذن أهلها، فمن قال لا يكفي ذلك كان تاركا لظاهر الآية.

والجواب من وجوه: الأول: أن المراد بالإذن الرضا.

وعندنا أن رضا المولى لابد منه، فأما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه.

وثانيها: أن أهلهن عبارة عمن يقدر على نكاحهن، وذلك إما المولى أن كان رجلا، أو ولي مولاها إن كان مولاها امرأة.

وثالثها: هب أن الأهل عبارة عن المولى، لكنه عام يتناول الذكور والإناث، والدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة قال عليه الصلاة والسلام: «العاهر هي التي تنكح نفسها» فثبت بهذا الحديث أنه عبارة لها في نكاح نفسها، فوجب أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكتها، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الآية قولان: الأول: ان المراد من الأجور: المهور، وعلى هذا التقدير فالآية تدل على وجوب مهرها إذا نكحها، سمي لها المهر أو لم يسم، لأنه تعالى لم يفرق بين من سمى، وبين من لم يسم في إيجاب المهر، ويدل على أنه قد أراد مهر لمثل قوله تعالى: ﴿ بالمعروف ﴾ وهذا إنما يطلق فيما كان مبنيا على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد والمتعارف كقوله تعالى: ﴿ وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف  ﴾ الثاني: قال القاضي: ان المراد من أجورهن النفقة عليهن، قال هذا القائل: وهذا أولى من الأول، لأن المهر مقدر، ولا معنى لاشتراط المعروف فيه، فكأنه تعالى بين أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة، ثم قال القاضي: اللفظ وان كان يحتمل ما ذكرناه فأكثر المفسرين يحملونه على المهر، وحملوا قوله: ﴿ بالمعروف ﴾ على ايصال المهر اليها على العادة الجميلة عند المطالبة من غير مطل وتأخير.

المسألة الثانية: نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، وان المولى إذا آجرها للخدمة كان المولى هو المستحق للأجر دونها وهؤلاء احتجوا في المهر بهذه الآية، وهو قوله: ﴿ وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ وأما الجمهور فانهم احتجوا على ان مهرها لمولاها بالنص والقياس، أما النص فقوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيء  ﴾ وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا، وأما القياس فهو أن المهر وجب عوضا عن منافع البضع، وتلك المنافع مملوكة للسيد، وهو الذي أباحها للزوج بقيد النكاح، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها.

والجواب عن تمسكهم بالآية من وجوه: الأول: أنا إذا حملنا الأجور في الآية على النفقة زال السؤال بالكلية.

الثاني: أنه تعالى إنما أضاف إيتاء المهور إليهن لأنه ثمن بضعهن وليس في قوله: ﴿ وَءاتُوهُنَّ ﴾ ما يوجب كون المهر ملكا لهن، ولكنه عليه الصلاة والسلام قال: العبد وما في يده لمولاه فيصير ذلك المهر ملكا للمولى بهذه الطريق والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس: محصنات أي عفائف، وهو حال من قوله: ﴿ فانكحوهن ﴾ باذن أهلهن، فظاهر هذا يوجب حرمة نكاح الزواني من الاماء، واختلف الناس في أن نكاح الزواني هل يجوز أم لا؟

وسنذكره في قوله: ﴿ الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً  ﴾ والأكثرون على أنه يجوز فتكون هذه الآية محمولة على الندب والاستحباب وقوله: ﴿ غَيْرَ مسافحات ﴾ أي غير زوان ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ جمع خدن، كالأتراب جمع ترب، والخدن الذي يخادنك وهو الذي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن.

قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها، والتي تتخذ الخدن فهي التي تتخذ خدنا معينا، وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين، وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم لا جرم أن الله سبحانه أفرد كل واحد من هذين القسمين بالذكر، ونص على حرمتهما معاً، ونظيره أيضاً قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ  ﴾ .

المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية أحد ما يستدل به من لا يجعل الايمان في نكاح الفتيات شرطا، لأنه لو كان ذلك شرطا لكان كونهن محصنات عفيفات أيضاً شرطا، وهذا ليس بشرط.

وجوابه: أن هذا معطوف لا على ذكر الفتيات المؤمنات، بل على قوله: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ولا شك أن كل ذلك واجب، فعلمنا أنه لا يلزم من عدم الوجوب في هذا، عدم الوجوب فيما قبله والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ أُحْصِنَّ ﴾ بالفتح في الألف، والباقون بضم الألف، فمن فتح فمعناه: أسلمن، هكذا قاله عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي، ومن ضم الألف فمعناه: أنهن أحصن بالازواج.

هكذا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد.

ومنهم من طعن في الوجه الأول فقال: انه تعالى وصف الاماء بالايمان في قوله: ﴿ فتياتكم المؤمنات ﴾ ومن البعيد أن يقال فتياتكم المؤمنات، ثم يقال: فاذا آمن، فان حالهن كذا وكذا، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى ذكر حكمين: الأول: حال نكاح الاماء، فاعتبر الايمان فيه بقوله: ﴿ مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ والثاني: حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة، فذكر حال إيمانهن أيضا في هذا الحكم، وهو قوله: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ .

المسألة الثانية: في الآية إشكال قوي، وهو أن المحصنات في قوله: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات ﴾ إما أن يكون المراد منه الحرائر المتزوجات، أو المراد منه الحرائر الأبكار.

والسبب في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن.

والأول مشكل، لأن الواجب على الحرائر المتزوجات في الزنا: الرجم، فهذا يقتضي أن يجب في زنا الاماء نصف الرجم، ومعلوم أن ذلك باطل.

والثاني: وهو أن يكون المراد: الحرائر الأبكار، فحينئذ يكون هذا الحكم معلقا بمجرد صدور الزنا عنهن، وظاهر الآية يقتضي كونه معلقا بمجموع الأمرين: الاحصان والزنا، لأن قوله: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة ﴾ شرط بعد شرط، فيقتضي كون الحكم مشروطا بهما نصا، فهذا إشكال قوي في الآية.

والجواب: أنا نختار القسم الثاني، وقوله: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ ليس المراد منه جعل هذا الاحصان شرطا لأن يجب في زناها خمسون جلدة، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزوج، فهذه إذا زنت وقد تزوجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليه، فبأن يكون قبل التزوج هذا القدر أيضاً أولى، وهذا مما يجري مجرى المفهوم بالنص، لأن عند حصول ما يغلظ الحد، لما وجب تخفيف الحد لمكان الرق، فبأن يجب هذا القدر عند مالا يوجد ذلك المغلظ كان أولى والله أعلم.

المسألة الثالثة: الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم، واحتجوا بهذه الآية، وهو أنه تعالى أوجب على الأَمَةِ نصف ما على الحُرَّة المُحْصَنَة، فلو وجب على الحرة المحصنة الرجم، لزم أن يكون الواجب على الأمة نصف الرجم وذلك باطل، فثبت أن الواجب على الحرة المتزوجة ليس إلا الجلد، والجواب عنه ما ذكرناه في المسألة المتقدمة، وتمام الكلام فيه مذكور في سورة النور في تفسير قوله: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ  ﴾ .

المسألة الرابعة: اعلم أن الفقهاء صيروا هذه الآية أصلا في نقصان حكم العبد عن حكم الحر في غير الحد، وإن كان في الأمور مالا يجب ذلك فيه والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ ولم يختلفوا في أن ذلك راجع إلى نكاح الاماء فكأنه قال: فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات لمن خشي العنت منكم، والعنت هو الضرر الشديد الشاق قال تعالى فيما رخص فيه مخالطة اليتامى: ﴿ والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ  ﴾ أي لشدد الأمر عليكم فألزمكم تمييز طعامكم من طعامهم فلحقكم بذلك ضرر شديد وقال: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم  ﴾ ، أي أحبوا أن تقعوا في الضرر الشديد.

وللمفسرين فيه قولان: أحدهما: أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تحمل على الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب العظيم في الآخرة، فهذا هو العنت.

والثاني: أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد تؤدي بالانسان إلى الأمراض الشديدة، أما في حق النساء فقد تؤدي إلى اختناق الرحم، وأما في حق الرجال فقد تؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر.

وأكثر العلماء على الوجه الأول لأنه هو اللائق ببيان القرآن.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد أن نكاح الاماء بعد رعاية شرائطه الثلاثة أعني عدم القدرة على التزوج بالحرة، ووجود العنت، وكون الأمة مؤمنة: الأولى تركه لما بينا من المفاسد الحاصلة في هذا النكاح.

المسألة الثانية: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاشتغال بالنكاح أفضل من الاشتغال بالنوافل، فإن كان مذهبهم أن الاشتغال بالنكاح مطلقاً أفضل من الاشتغال بالنوافل، سواء كان النكاح نكاح الحرة أو نكاح الأمة، فهذه الآية نص صريح في بطلان قولهم، وإن قالوا: إنا لا نرجح نكاح الأمة على النافلة، فحينئذ يسقط هذا الاستدلال، إلا أن هذا التفصيل ما رأيته في شيء من كتبهم والله أعلم.

ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وهذا كالمؤكد لما ذكره من أن الأولى ترك هذا النكاح، يعني أنه وإن حصل ما يقتضي المنع من هذا الكلام إلا أنه تعالى أباحه لكم لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والمحصنات ﴾ القراءة بفتح الصاد.

وعن طلحة بن مصرف أنه قرأ بكسر الصاد.

وهنّ ذوات الأزواج.

لأنهنّ أحصنّ فروجهنّ بالتزويج.

فهنّ محصنات ومحصنات ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ يريد: ما ملكت أيمانهم من اللاتي سبين ولهنّ أزواج في دار الكفر فهنّ حلال لغزاة المسلمين وإن كنّ محصنات.

وفي معناه قول الفرزدق: وَذَاتُ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا ** حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ مصدر مؤكد، أي كتب الله ذلك عليكم كتاباً وفرضه فرضاً، وهو تحريم ما حرّم.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ ؟

قلت: على الفعل المضمر الذي نصب ﴿ كتاب الله ﴾ أي كتب الله عليكم تحريم ذلك، وأحلّ لكم ما وراء ذلكم.

ويدل عليه قراءة اليماني: ﴿ كتب الله عليكم ﴾ ، ﴿ وأحلّ لكم ﴾ .

وروى عن اليماني: كتب الله عليكم، على الجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم.

ومن قرأ: ﴿ وأحلّ لكم ﴾ ، على البناء للمفعول، فقد عطفه على حرمت.

﴿ أَن تَبْتَغُواْ ﴾ مفعول له بمعنى بين لكم ما يحلّ مما يحرم، إرادة أن يكون ابتغاؤكم ﴿ بأموالكم ﴾ التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم ﴿ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين.

والإحصان: العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والأموال: المهور وما يخرج في المناكح.

فإن قلت: أين مفعول تبتغوا؟

قلت: يجوز أن يكون مقدّراً وهو النساء.

والأجود أن لا يقدر، وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم.

ويجوز أن يكون ﴿ أن تبتغوا ﴾ بدلاً من ﴿ وراء ذلك ﴾ والمسافح الزاني، من السفح وهو صبّ المنيّ.

وكان الفاجر يقول للفاجرة: سافحيني وماذيني من المذي ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهنّ ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ عليه، فأسقط الراجع إلى (ما) لأنه لا يلبس، كقوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ [لقمان: 17] بإسقاط منه.

ويجوز أن تكون (ما) في معنى النساء، و(من) للتبعيض أو البيان، ويرجع الضمير إليه على اللفظ في به، وعلى المعنى في ﴿ فَئَاتُوهُنَّ ﴾ وأجورهن مهورهن لأن المهر ثواب على البضع ﴿ فَرِيضَةً ﴾ حال من الأجور بمعنى مفروضة أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد.

أي فرض ذلك فريضة ﴿ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾ فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله أو يزيد لها على مقداره.

وقيل فيما تراضيا به من مقام أو فراق وقيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله عليه الصلاة والسلام ثم نسخت، كان الرجل ينكح المرأة وقتاً معلوماً ليلة أو ليلتين أو أسبوعاً بثوب أو غير ذلك، ويقضي منها وطره ثم يسرحها.

سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها.

وعن عمر: لا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباحها، ثم أصبح يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء: ألا إن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» ، وقيل: أبيح مرتين وحرّم مرتين.

وعن ابن عباس هي محكمة يعني لم تنسخ، وكان يقرأ: ﴿ فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى ﴾ .

ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللَّهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقولي في الصرف.

الطول: الفضل، يقال: لفلان على فلان طول أي زيادة وفضل.

وقد طاله طولاً فهو طائل.

قال: لَقَدْ زَادَنِي حُبًّا لِنَفْسِي أَنَّنِي ** بَغِيضٌ إِلَى كُلِّ امرئ غَيْرِ طَائِلِ ومنه قولهم: ما حلا منه بطائل، أي بشيء يعتدّ به مما له فضل وخطر.

ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان.

والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرّة فلينكح أَمَةً.

قال ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الإماء وهو الظاهر، وعليه مذهب الشافعي رحمه الله.

وأمّا أبو حنيفة رحمه الله فيقول: الغنيّ والفقير سواء في جواز نكاح الأمة، ويفسر الآية بأن من لم يملك فراش الحرّة، على أن النكاح هو الوطء، فله أن ينكح أمة.

وفي رواية عن ابن عباس أنه قال: ومما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسراً.

وكذلك قوله: ﴿ مِّن فتياتكم المؤمنات ﴾ الظاهر أن لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وهو مذهب أهل الحجاز.

وعند أهل العراق يجوز نكاحها، ونكاح الأمة المؤمنة أفضل، فحملوه على الفضل لا على الوجوب، واستشهدوا على أن الإيمان ليس بشرط بوصف الحرائر به، مع علمنا أنه ليس بشرط فيهن على الاتفاق، ولكنه أفضل.

فإن قلت: لم كان نكاح الأمة منحطاً عن نكاح الحرة؟

قلت: لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق، ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين.

وقوله: ﴿ مّن فتياتكم ﴾ أي من فتيات المسلمين، لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ ؟

قلت: معناه أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه ﴿ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ﴾ أي أنتم وأرقاؤكم متواصلون متناسبون لاشتراككم في الإيمان، لا يفضل حر عبداً إلا برجحان فيه ﴿ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ اشتراط لإذن الموالي في نكاحهن.

ويحتج به لقول أبي حنيفة أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن، لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم.

﴿ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ب المعروف ﴾ وأدّوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء واللز.

فإن قلت: الموالي هم ملاك مهورهن لا هن، والواجب أداؤها إليهم لا إليهن، فلم قيل: وآتوهن؟

قلت: لأنهن وما في أيديهن مال الموالي، فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي.

أو على أن أصله: فآتوا مواليهن، فحذف المضاف ﴿ المحصنات ﴾ عفائف.

والأخدان: الأخلاء في السرّ، كأنه قيل: غير مجاهرات بالسفاح ولا مسرات له ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ بالتزويج.

وقرئ: ﴿ أحصن ﴾ ﴿ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات ﴾ أي الحرائر ﴿ مّنَ العذاب ﴾ من الحدّ كقوله: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا ﴾ [النور: 2] ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب ﴾ [النور: 8] ولا رجم عليهن، لأن الرجم لا يتنصف ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى نكاح الإماء ﴿ لِمَنْ خَشِىَ العنت ﴾ لمن خاف الإثم الذي يؤدي إليه غلبة الشهوة.

وأصل العنت: انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم.

وقيل: أريد به الحدّ، لأنه إذا هويها خشي أن يواقعها فيحدّ فيتزوجها ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ ﴾ في محل الرفع على الابتداء، أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا ﴾ غِنًى واعْتِلاءً وأصْلُهُ الفَضْلُ والزِّيادَةُ.

﴿ أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِطَوْلًا.

أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ صِفَةً لَهُ أيْ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم أنْ يَعْتَلِيَ نِكاحَ المُحْصَناتِ، أوْ مَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم غِنًى يَبْلُغُ بِهِ نِكاحَ المُحْصَناتِ يَعْنِي الحَرائِرَ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ يَعْنِي الإماءَ المُؤْمِناتِ، فَظاهِرُ الآيَةِ حُجَّةٌ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في تَحْرِيمِ نِكاحِ الأمَةِ عَلى مَن مَلَكَ ما يَجْعَلُهُ صَداقَ حُرَّةٍ، ومَنعِ نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ مُطْلَقًا.

وأوَّلَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى طَوْلَ المُحْصَناتِ بِأنْ يَمْلِكَ فِراشَهُنَّ، عَلى أنَّ النِّكاحَ هو الوَطْءُ وحَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿ مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ عَلى الأفْضَلِ.

كَما حَمَلَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: المُحْصَناتُ المُؤْمِناتُ ومِن أصْحابِنا مَن حَمَلَهُ أيْضًا عَلى التَّقْيِيدِ وجَوَّزَ نِكاحَ الأمَةِ لِمَن قَدَرَ عَلى الحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ دُونَ المُؤْمِنَةِ حَذَرًا عَنْ مُخالَطَةِ الكُفّارِ ومُوالاتِهِمْ، والمَحْذُورُ في نِكاحِ الأمَةِ رِقُّ الوَلَدِ، وما فِيهِ مِنَ المَهانَةِ ونُقْصانِ حَقِّ الزَّوْجِ.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ ﴾ فاكْتَفَوْا بِظاهِرِ الإيمانِ فَإنَّهُ العالِمُ بِالسَّرائِرِ ويَتَفاضَلُ ما بَيْنَكم في الإيمانِ، فَرُبَّ أمَةٍ تَفْضُلُ الحُرَّةَ فِيهِ، ومِن حَقِّكم أنْ تَعْتَبِرُوا فَضْلَ الإيمانِ لا فَضْلَ النَّسَبِ، والمُرادُ تَأْنِيسُهم بِنِكاحِ الإماءِ ومَنعُهم عَنِ الِاسْتِنْكافِ مِنهُ ويُؤَيِّدُهُ.

﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ أنْتُمْ وأرِقّاؤُكم مُتَناسِبُونَ نَسَبَكم مِن آدَمَ ودِينُكُمُ الإسْلامُ.

﴿ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ ﴾ يُرِيدُ أرْبابَهُنَّ واعْتِبارُ إذْنِهِمْ مُطْلَقًا لا إشْعارَ لَهُ، عَلى أنَّ لَهُنَّ أنْ يُباشِرْنَ العَقْدَ بِأنْفُسِهِمْ حَتّى يَحْتَجَّ بِهِ الحَنَفِيَّةُ.

﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أيْ أدُّوا إلَيْهِنَّ مُهُورَهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ!

فَحُذِفَ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، أوْ إلى مَوالِيهِنَّ فَحُذِفَ المُضافُ لِلْعِلْمِ بِأنَّ المَهْرَ لِلسَّيِّدِ لِأنَّهُ عِوَضُ حَقِّهِ فَيَجِبُ أنْ يُؤَدّى إلَيْهِ، وقالَ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: المَهْرُ لِلْأمَةِ ذَهابًا إلى الظّاهِرِ بِالمَعْرُوفِ بِغَيْرِ مَطَلٍ وإضْرارٍ ونُقْصانٍ.

﴿ مُحْصَناتٍ ﴾ عَفائِفَ.

﴿ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ﴾ غَيْرَ مُجاهِراتٍ بِالسِّفاحِ.

﴿ وَلا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ ﴾ أخِلّاءٍ في السِّرِّ ﴿ فَإذا أُحْصِنَّ ﴾ بِالتَّزْوِيجِ.

قَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والصّادِ والباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الصّادِ.

فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةِ زِنًى.

فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ يَعْنِي الحَرائِرَ.

مِنَ العَذابِ مِنَ الحَدِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ حَدَّ العَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الحَرِّ، وأنَّهُ لا يُرْجَمُ لِأنَّ الرَّجْمَ لا يَنْتَصِفُ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ نِكاحُ الإماءِ.

﴿ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ ﴾ لِمَن خافَ الوُقُوعَ في الزِّنى، وهو في الأصْلِ انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ، مُسْتَعارٌ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ وضَرَرٍ ولا ضَرَرَ أعْظَمُ مِن مُواقَعَةِ الإثْمِ بِأفْحَشِ القَبائِحِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَدُّ وهَذا شَرْطٌ آخَرُ لِنِكاحِ الإماءِ.

﴿ وَأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أيْ وصَبْرُكم عَنْ نِكاحِ الإماءِ مُتَعَفِّفِينَ خَيْرٌ لَكم.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الحَرائِرُ صَلاحُ البَيْتِ والإماءُ هَلاكُهُ».» ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لِمَن لَمْ يَصْبِرْ.

﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِأنْ رَخَّصَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} فضلاً يقال لفلان عليّ طول أي فضل وزيادة وهو مفعول يستطع {أَن يَنكِحَ} مفعول الطول فإنه مصدر فيعمل عمل فعله أو بدل من طول {المحصنات المؤمنات} الحرائر المسلمات {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} أى فلينكح مملوكة من الإماء المسلمات وقوله {من فتياتكم المؤمنات} أي فلينكح مملوكة من الإماء المسلمات وقوله من فتياتكم أى فتيات المسلمين والمعنى ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح الأمة ونكاح أمة الكتابية يجوز عندنا والتقييد في النص للاستحباب بدليل أن الإيمان ليس بشرط في الحرائر اتفاقاً مع التقييد به وقال ابن عباس ومما وسّع الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسراً وفيه دليل لنا في مسألة الطول {والله أَعْلَمُ بإيمانكم} فيه تنبيه على قبول ظاهر إيمانهن ودليل على أن الإيمان هو التصديق دون دون عمل اللسان لأن العلم بالإيمان المسموع لا يختلف {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ} أي لا تستنكفوا من نكاح الإماء فكلكم بنو آدم وهو تحذير عن التعبير بالأنساب والتفاخر بالأحساب {فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} سادتهن وهو حجة لنا

النساء (٢٥ _ ٢٧)

في أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالى لاعقدهم وأنه ليس للعبد أو للأمة أن يتزوج إلا بإذن المولى {وآتوهن أجورهن بالمعروف} وأدوا إليهن مهورهن بغير مطل وإضرار وملاّك مهورهن مواليهن فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي لأنهن وما في أيديهن مال الموالي أو التقدير وآتوا مواليهن فحذف المضاف {محصنات} عفائف حال من المفعول فى وآتوهن {غَيْرَ مسافحات} زوانٍ علانية {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} زوان سرا

والاخدان الاخلاء فى السر {فَإِذَا أُحْصِنَّ} بالتزويج أحصن كوفي غير حفص {فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة} زنا {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات} أي الحرائر {مّنَ العذاب} من الحد يعني خمسين جلدة وقوله نصف ما على المحصنات يدل على أنه الجلد لا الرجم لأن الرجم لا يتنصف وأن المحصنات هنا الحرائر اللاتي لم يزوجن {ذلك} أي نكاح الإماء {لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ} لمن خاف الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم وعن ابن عباس رضى الله عنهما هو الزنا لأنه سبب الهلاك {وَأَن تَصْبِرُواْ} في محل الرفع على الابتداء أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين {خَيْرٌ لَّكُمْ} لأن فيه إرقاق الولد ولأنها خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة وذلك كله نقصان يرجع إلى الناكح ومهانة والعزة من صفات المؤمنين وفي الحديث الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت {والله غَفُورٌ} يستر المحظور {رَّحِيمٌ} يكشف المحظور

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ ﴾ (مَن) إمّا شَرْطِيَّةٌ وما بَعْدَها شَرْطُها، وإمّا مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها و(مِنكُمْ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَسْتَطِعْ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ طَوْلا ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(يَسْتَطِعْ) وجَعْلُهُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: (لِعَدَمِ طَوْلٍ) تَطْوِيلٌ بِلا طُولٍ.

والمُرادُ بِهِ الغِنى والسَّعَةُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وأصْلُهُ الفَضْلُ والزِّيادَةُ، ومِنهُ الطّائِلُ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالِاعْتِلاءِ والنَّيْلِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: طُلْتُهُ أيْ نِلْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: إنَّ الفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ مَلْمُومَةٌ طالَتْ فَلَيْسَ تَنالُها الأوْعالا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ ﴾ أيِ الحَرائِرَ؛ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِنَّ بِالمَمْلُوكاتِ، وعَبَّرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ حُرِّيَّتَهُنَّ أحْصَنَتْهُنَّ عَنْ نَقْصِ الإماءِ، إمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ(طَوْلًا) عَلى مَعْنى: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَنالَ نِكاحَ المُحْصَناتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ إلى أوِ اللّامِ، والجارُّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(طَوْلًا) أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطَعْ غِنًى مُوَصِّلًا إلى نِكاحِهِنَّ أوْ لِنِكاحِهِنَّ، أوْ عَلى، عَلى أنَّ الطَّوْلَ بِمَعْنى القُدْرَةِ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، ومَحَلُّ (أنْ) بَعْدَ الحَذْفِ جَرٌّ أوْ نَصْبٌ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ، وهَذا التَّقْدِيرُ قَوْلُ الخَلِيلِ، وإلَيْهِ ذَهَبٌ الكِسائِيُّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (طَوْلًا) بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وهُما لِشَيْءٍ واحِدٍ، بِناءً عَلى أنَّ الطَّوْلَ هو القُدْرَةُ أوِ الفَضْلُ، والنِّكاحُ قُوَّةٌ وفَضْلٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِـ(يَسْتَطِعْ) و(طَوْلًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ، إذِ الِاسْتِطاعَةُ هي الطَّوْلُ، أوْ تَمْيِيزٌ، أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمُ اسْتِطاعَةً، أوْ مِن جِهَةِ الطَّوْلِ والغِنى، أيْ: لا مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ والمِزاجِ؛ إذْ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِالمَقامِ.

وقَوْلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ: ﴿ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرُ المَوْصُولِ، وجاءَتِ الفاءُ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، و(ما) مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ جَرِّ بِـ(مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِقٌّ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ حُذِفَ مَفْعُولُهُ، وفي الحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِذَلِكَ المَفْعُولِ، أيْ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأةً كائِنَةً بَعْضَ النَّوْعِ الَّذِي مَلَكَتْهُ أيْمانُكُمْ، وأجازَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ (مِن) زائِدَةً أيْ، فَلْيَنْكِحْ ما مَلَكَتْهُ أيْمانُكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن فَتَياتِكُمُ ﴾ أيْ إمائِكُمُ ﴿ المُؤْمِناتِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ إلى (ما)، وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ و(فَتَياتِكُمُ) هو المَفْعُولُ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ و(مِمّا مَلَكَتْ) مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن هَذا المَفْعُولِ و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ و(المُؤْمِناتِ) عَلى جَمِيعِ الأوْجَهِ صِفَةُ (فَتَياتِكُمُ) وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وفِيهِ بُعْدٌ.

وظاهِرُ الآيَةِ يُفِيدُ عَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ لِلْمُسْتَطِيعِ؛ لِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ، وعَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ مُطْلَقًا؛ لِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، كَما هو رَأْيُ أهْلِ الحِجازِ، وجَوَّزَهُما الإمامُ الأعْظَمُ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ- لِإطْلاقِ المُقْتَضى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ ﴿ وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ فَلا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ إلّا بِما يُوجِبُ التَّخْصِيصَ، ولَمْ يَنْتَهِضْ ما ذُكِرَ حُجَّةً مُخَرَّجَةً، أمّا أوَّلًا فالمَفْهُومانِ - أعْنِي مَفْهُومَ الشَّرْطِ ومَفْهُومَ الصِّفَةِ - لَيْسا بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وأما ثانِيًا فَبِتَقْدِيرِ الحُجَّةِ مُقْتَضى المَفْهُومَيْنِ عَدَمَ الإباحَةِ الثّابِتَةِ عِنْدَ وُجُودِ القَيْدِ المُبِيحِ، وعَدَمُ الإباحَةِ أعَمُّ مِن ثُبُوتِ الحُرْمَةِ أوِ الكَراهَةِ، ولا دَلالَةَ لِلْأعَمِّ عَلى أخَصَّ بِخُصُوصِهِ، فَيَجُوزُ ثُبُوتُ الكَراهَةِ عِنْدَ وُجُودِ طَوْلِ الحُرَّةِ، كَما يَجُوزُ ثُبُوتُ الحُرْمَةِ عَلى السَّواءِ، والكَراهَةُ أقَلُّ، فَتَعَيَّنَتْ، فَقُلْنا بِها، وبِالكَراهَةِ صَرَّحَ في البَدائِعِ، وعَلَّلَ بَعْضُهم عَدَمَ حِلِّ تَزَوُّجِ الأمَةِ، حَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرْطُ بِتَعْرِيضِ الوَلَدِ لِلرِّقِّ، لِتَثْبُتَ الحُرْمَةُ بِالقِياسِ عَلى أُصُولٍ شَتّى، أوْ لِيَتَعَيَّنَ أحَدُ فَرْدَيِ الأعَمِّ الَّذِي هو عَدَمُ الإباحَةِ وهو التَّحْرِيمُ مُرادًا بِالأعَمِّ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهم إنْ عَنَوْا أنَّ فِيها تَعْرِيضًا مَوْصُوفًا بِالحُرِّيَّةِ لِلرِّقِّ سَلَّمْنا اسْتِلْزامَهُ لِلْحُرْمَةِ، لَكِنَّ وُجُودَ الوَصْفِ مَمْنُوعٌ؛ إذْ لَيْسَ هُنا مُتَّصِفٌ بِحُرِّيَّةِ عِرْضٍ لِلرِّقِّ، بَلِ الوَصْفانِ مِنَ الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ يُقارَنانِ وُجُودَ الوَلَدِ بِاعْتِبارِ أُمِّهِ، إنْ كانَتْ حُرَّةً فَحُرٌّ، أوْ رَقِيقَةً فَرَقِيقٌ، وإنْ أرادُوا بِهِ تَعْرِيضَ الوَلَدِ الَّذِي سَيُوجَدُ لِأنْ يُقارِنَهُ الرِّقُّ في الوُجُودِ لا إرْقاقَهُ سَلَّمْنا وُجُودَهُ ومَنَعْنا تَأْثِيرَهُ في الحُرْمَةِ، بَلْ في الكَراهَةِ وهَذا لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَحْصُلَ الوَلَدُ أصْلًا بِنِكاحِ الآيِسَةِ ونَحْوِها، فَلِأنْ يَكُونَ لَهُ أنْ يَحْصُلَ رَقِيقًا بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا أوْلى، إذِ المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ التَّناسُلِ تَكْثِيرُ المُقِرِّينَ لِلَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ، وما يَجِبُ أنْ يُعْتَرَفَ لَهُ بِهِ، وهَذا ثابِتٌ بِالوَلَدِ المُسْلِمِ، والحَرِيَّةُ مَعَ ذَلِكَ كَمالٌ يَرْجِعُ أكْثَرُهُ إلى أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، وقَدْ جازَ لِلْعَبْدِ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَتَيْنِ بِالِاتِّفاقِ، مَعَ أنَّ فِيهِ تَعْرِيضَ الوَلَدِ لِلرِّقِّ في مَوْضِعِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذَلِكَ وعَدَمِ الضَّرُورَةِ، وكَوْنُ العَبْدِ أبًا لا أثَرَ لَهُ في ثُبُوتِ رِقِّ الوَلَدِ، فَإنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ حُرَّةً كانَ ولَدُهُ حُرًّا، والمانِعُ إنَّما يَعْقِلُ كَوْنَهُ ذاتَ الرِّقِّ؛ لِأنَّهُ المُوجِبُ لِلنَّقْصِ الَّذِي جَعَلُوهُ مُحَرِّمًا لا مَعَ قَيْدِ حُرِّيَّةِ الأبِ، فَوَجَبَ اسْتِواءُ العَبْدِ والحُرِّ في هَذا الحُكْمِ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ التَّعْلِيلُ، قالَهُ ابْنُ الهُمامِ، وفِيهِ مُناقَشَةٌ ما، فَتَأْمَّلْ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ ما يُشِيرُ إلى وهَنِ اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِالآيَةِ السّابِقَةِ عَلى حِلِّ المُتْعَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ فِيها بِالِاكْتِفاءِ بِنِكاحِ الإماءِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ إلى نِكاحِ الحَرائِرِ، فَلَوْ كانَ أحَلَّ المُتْعَةَ في الكَلامِ السّابِقِ لَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَهُ: ﴿ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ ﴾ إلَخْ؛ لِأنَّ المُتْعَةَ في صُورَةِ عَدَمِ الطَّوْلِ المَذْكُورِ لَيْسَتْ قاصِرَةً في قَضاءِ حاجَةِ الجِماعِ، بَلْ كانَتْ - بِحُكْمِ لِكُلِّ جَدِيدٍ لَذَّةٍ - أطْيَبَ وأحْسَنَ عَلى أنَّ المُتْعَةَ أخَفُّ مُؤْنَةً وأقَلُّ كُلْفَةً، فَإنَّها مادَّةٌ يَكْفِي فِيها الدِّرْهَمُ والدِّرْهَمانِ، فَأيَّةُ ضَرُورَةٍ كانَتْ داعِيَةً إلى نِكاحِ الإماءِ؟!

ولَعَمْرِي إنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ أبْعَدُ بِعِيدٍ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن أُطْلِقَ مِن رَبْقَةِ قَيْدِ التَّقْلِيدِ.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ جِيءَ بِها تَأْنِيسًا لِقُلُوبِهِمْ، وإزالَةً لِلنَّفْرَةِ عَنْ نِكاحِ الإماءِ، بِبَيانِ أنَّ مَناطَ التَّفاخُرِ الإيمانُ دُونَ الأحْسابِ والأنْسابِ، ورُبَّ أمَةٍ يَفُوقُ إيمانُها إيمانَ كَثِيرٍ مِنَ الحَرائِرِ.

والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ مِنكم بِمَراتِبِ إيمانِكُمُ الَّذِي هو المَدارُ في الدّارَيْنِ، فَلْيَكُنْ هو مَطْمَحَ نَظَرِكُمْ، وقِيلَ: جِيءَ بِها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإيمانَ الظّاهِرَ كافٍ في صِحَّةِ نِكاحِ الأمَةِ، ولا يُشْتَرَطُ في ذَلِكَ العِلْمُ بِالإيمانِ عِلْمًا يَقِينِيًّا؛ إذْ لا سَبِيلَ إلى الوُقُوفِ عَلى الحَقائِقِ إلّا لِعَلّامِ الغُيُوبِ ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ أيْ: أنْتُمْ وفَتَياتُكم مُتَناسِبُونَ، إمّا مِن حَيْثُ الدِّينُ، وإمّا مِن حَيْثُ النَّسَبُ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ اعْتِراضًا آخَرَ مُؤَكِّدًا لِلتَّأْنِيسِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ بَيانًا لِتُناسُبِهِمْ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إثْرَ بَيانِ تَفاوُتِهِمْ في ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَـ(بَعْضُكُمْ) مُبْتَدَأٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (بَعْضُكُمْ) فاعِلٌ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ، قِيلَ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ فَلْيَنْكِحْ بَعْضُكم مِن بَعْضِ الفَتَياتِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلُ عَلى ذَلِكَ.

﴿ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ ﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ولِذا صُدِّرَ بِالفاءِ، أيْ: فَإذا وقَعْتُمْ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ ﴿ فانْكِحُوهُنَّ ﴾ إلَخْ، وأُعِيدَ الأمْرُ مَعَ فَهْمِهِ مِمّا قَبْلَهُ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في نِكاحِهِنَّ، أوْ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنهُ الإباحَةُ، وهَذا لِلْوُجُوبِ.

والمُرادُ مِنَ الأهْلِ المَوالِي، وحَمَلَ الفُقَهاءُ ذَلِكَ عَلى مَن لَهُ وِلايَةُ التَّزْوِيجِ، ولَوْ غَيْرَ مالِكٍ، فَقَدْ قالُوا: لِلْأبِ والجَدِّ والقاضِي والوَصِيِّ تَزْوِيجُ أمَةِ اليَتِيمِ، لَكِنْ في الظَّهِيرِيَّةِ: الوَصِيُّ لَوْ زَوَّجَ أمَةَ اليَتِيمِ مِن عَبْدِهِ لا يَجُوزُ، وفي جامِعِ الفُصُولِيِّينَ: القاضِي لا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ أمَةَ الغائِبِ، وفي فَتْحِ القَدِيرِ: لِلشَّرِيكِ المُفاوِضِ تَزْوِيجُ الأمَةِ، ولَيْسَ لِشَرِيكِ العِنانِ والمُضارِبِ والعَبْدِ المَأْذُونِ تَزْوِيجُها عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ومُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: يَمْلِكُونَ ذَلِكَ، وهَذا الإذْنُ شَرْطٌ عِنْدَنا لِجَوازِ نِكاحِ الأمَةِ، فَلا يَجُوزُ نِكاحُها بِلا إذْنٍ، والمُرادُ بِعَدَمِ الجَوازِ عَدَمُ النَّفاذِ لا عَدَمَ الصِّحَّةِ، بَلْ هو مَوْقُوفٌ كَعَقْدِ الفُضُولِيِّ، وإلى هَذا ذَهَبٌ مالِكٌ، وهو رِوايَةٌ عِنْدَ أحْمَدَ، ومِثْلُ ذَلِكَ نِكاحُ العَبْدِ، واسْتَدَلُّوا عَلى عَدَمِ الجَوازِ فِيهِما بِما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: ««أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ فَهو عاهِرٌ»» والعُهْرُ الزِّنا، وهو مَحْمُولٌ عَلى ما إذا وطِئَ لا بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، وهو زِنًا شَرْعِيٌّ لا فِقْهِيٌّ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ وُجُوبُ الحَدِّ؛ لِأنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الزِّنا الفِقْهِيِّ كَما بُيِّنَ في الفُرُوعِ، وبِأنَّ في تَنْفِيذِ نِكاحِهِما تَعْيِيبَهُما، إذِ النِّكاحُ عَيْبٌ فِيهِما فَلا يَمْلِكانِهِ إلّا بِإذْنِ مَوْلاهُما، ونُسِبَ إلى الإمامِ مالِكٍ - ولَمْ يَصِحَّ - أنَّهُ يُجَوِّزُ نِكاحَ العَبْدِ بِلا إذْنِ السَّيِّدِ؛ لِأنَّها يَمْلِكُ الطَّلاقَ فَيَمْلِكُ النِّكاحَ، وأُجِيبَ بِالفَرْقِ؛ فَإنَّ الطَّلاقَ إزالَةُ عَيْبٍ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلافِ النِّكاحِ، قالَ ابْنُ الهُمامِ: لا يُقالُ: يَصِحُّ إقْرارُ العَبْدِ عَلى نَفْسِهِ بِالحَدِّ والقِصاصِ، مَعَ أنَّ فِيهِ هَلاكَهُ، فَضْلًا عَنْ تَعْيِيبِهِ؛ لِأنّا نَقُولُ: لا يَدْخُلُ تَحْتَ مِلْكِ السَّيِّدِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطابُ الشَّرْعِ أمَرًا ونَهَيًا، كالصَّلاةِ والغُسْلِ، والصَّوْمِ، والزِّنا، والشُّرْبِ، وغَيْرِهِ، إلّا فِيما عُلِمَ إسْقاطُ الشّارِعِ إيّاهُ عَنْهُ، كالجُمُعَةِ والحَجِّ، ثُمَّ هَذِهِ الأحْكامُ تَجِبُ جَزاءً عَلى ارْتِكابِ المَحْظُورِ شَرَعًا، فَقَدْ أخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ في ذَلِكَ الَّذِي أدْخَلَهُ فِيهِ بِاعْتِبارٍ غَيْرِ ذَلِكَ - وهو الشّارِعُ - زَجْرًا عَنِ الفَسادِ وأعاظِمِ العُيُوبِ، انْتَهى.

وادَّعى بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْإماءِ أنْ يُباشِرْنَ العَقْدَ بِأنْفُسِهِنَّ؛ لِأنَّهُ اعْتُبِرَ إذْنُ المَوالِي لا عَقْدُهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ الِاعْتِبارِ لا يُوجِبُ اعْتِبارَ العَدَمِ، فَلَعَلَّ العاقِدَ يَكُونُ هو المَوْلى أوِ الوَكِيلَ، فَلا يَلْزَمُ جَوازُ عَقْدِهِنَّ كَما لا يَخْفى، ولَوْ كانَتِ الأمَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ مَثَلًا لا يَجُوزُ نِكاحُها إلّا بِإذْنِ الكُلِّ، وفي الظَّهِيرِيَّةِ: لَوْ زَوَّجَ أحَدُ المَوْلَيَيْنِ أمَتَهُ ودَخَلَ بِها الزَّوْجُ فَلِلْآخَرِ النَّقْضُ، فَإنْ نَقَضَ فَلَهُ نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، ولِلزَّوْجِ الأقَلُّ مَن نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ، ومِن نِصْفِ المُسَمّى، وحُكْمُ مُعْتَقِ البَعْضِ حُكْمُ كامِلِ الرِّقِّ عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعِنْدَهُما يَجُوزُ نِكاحُهُ بِلا إذْنٍ؛ لِأنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ.

﴿ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أيْ: أدُّوا إلَيْهِنَّ مُهُورَهُنَّ، بِإذْنِ أهْلِهِنَّ، وحُذِفَ هَذا القَيْدُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ لا لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ مُشارَكَةَ المَعْطُوفِ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ في القَيْدِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يَكُونُ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: آتُوا أهْلَهُنَّ، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ، قِيلَ: ونُكْتَةُ اخْتِيارِ (آتُوهُنَّ) عَلى (آتُوهُمْ) مَعَ تَقَدُّمِ الأهْلِ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ -: أنَّ في ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِإيجابِ المَهْرِ، وإشْعارًا بِأنَّهُ حَقُّهُنَّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإنَّما تَأْخُذُهُ المَوالِي بِجِهَةِ مِلْكِ اليَمِينِ، والدّاعِي لِهَذا كُلِّهِ أنَّ المَهْرَ لِلسَّيِّدِ عِنْدَ أكْثَرِ الأئِمَّةِ؛ لِأنَّهُ عِوَضُ حَقِّهِ.

وقالَ الإمامُ مالِكٌ: الآيَةُ عَلى ظاهِرِها، والمَهْرُ لِلْأمَةِ، وهَذا يُوجِبُ كَوْنَ الأمَةِ مالِكَةً، مَعَ أنَّهُ لا مِلْكَ لِلْعَبْدِ، فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ مالِكَةً لَهُ يَدًا كالعَبْدِ المَأْذُونِ لَهُ بِالتِّجارَةِ؛ لِأنَّ جَعْلَها مَنكُوحَةً إذْنٌ لَها، فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ إلَيْهِنَّ، كَما هو ظاهِرُ الآيَةِ، وإنْ حُمِلَتِ الأُجُورُ عَلى النَّفَقاتِ اسْتُغْنِيَ عَنِ اعْتِبارِ التَّقْدِيرِ أوَّلًا وآخِرًا، وكَذا إنْ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى.

﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ بِما عُرِفَ شَرْعًا مِن إذْنِ المَوالِي، والمَعْرُوفُ فِيهِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(آتُوهُنَّ) والمُرادُ: أدُّوا إلَيْهِنَّ مِن غَيْرِ مُماطَلَةٍ وإضْرارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ: مُتَلَبِّساتٍ بِالمَعْرُوفِ غَيْرَ مَمْطُولاتٍ، أوْ مُتَعَلِّقًا بِـ(أنْكِحُوهُنَّ) أيْ فانْكِحُوهُنَّ بِالوَجْهِ المَعْرُوفِ، يَعْنِي بِإذْنِ أهْلِهِنَّ ومَهْرِ مِثْلِهِنَّ، ﴿ مُحْصَناتٍ ﴾ حالٌ، إمّا مِن مَفْعُولِ (آتُوهُنَّ) فَهو بِمَعْنى مُتَزَوِّجاتٍ، أوْ مِن مَفْعُولِ (فانْكِحُوهُنَّ) فَهو بِمَعْنى عَفائِفَ، وحَمْلُهُ عَلى مُسْلِماتٍ وإنَّ جازَ خُصُوصًا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ الَّذِينَ لا يُجِيزُونَ نِكاحَ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، لَكِنَّ هَذا الشَّرْطَ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ فَلَيْسَ في إعادَتِهِ كَثِيرُ جَدْوى، والمَشْهُورُ هُنا تَفْسِيرُ المُحْصَناتِ بِالعَفائِفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ، والمُرادُ: غَيْرَ مُجاهِراتٍ بِالزِّنا، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى (مُسافَحاتٍ) (ولا) لِتَأْكِيدِ ما في (غَيْرَ) مِن مَعْنى النَّفْيِ، والأخْدانُ جَمْعُ خِدْنٍ، وهو الصّاحِبُ، والمُرادُ هُنا مَن تَتَّخِذُهُ المَرْأةُ صَدِيقًا يَزْنِي بِها، والجَمْعُ لِلْمُقابَلَةِ، والمَعْنى: ولا مُسِرّاتِ الزِّنا.

وكانَ الزِّنا في الجاهِلِيَّةِ مُنْقَسِمًا إلى سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ ما ظَهَرَ مِنهُ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ لُؤْمٌ، ويَسْتَحِلُّونَ ما خَفِيَ، ويَقُولُونَ: لا بَأْسَ بِهِ، ولِتَحْرِيمِ القِسْمَيْنِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ .

﴿ فَإذا أُحْصِنَّ ﴾ أيْ بِالأزْواجِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقَرَأ إبْراهِيمُ: (أحْصَنَّ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ وأزْواجَهُنَّ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: إحْصانُها إسْلامُها، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الإحْصانِ عَلى القِراءَةِ الأُولى الإسْلامُ أيْضًا لا التَّزَوُّجُ، وبَعْضُ مَن أرادَهُ مِنَ الآيَةِ قالَ: لا تُحَدُّ الأمَةُ إذا زَنَتْ ما لَمْ تَتَزَوَّجْ بِحُرٍّ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِابْنِ عَبّاسٍ، وحُكِيَ عَدَمُ الحَدِّ قَبْلَ التَّزَوُّجِ عَنْ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ، وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو فِيها بِمَعْنى التَّزَوُّجِ.

والحَدُّ واجِبٌ عَلى الأمَةِ المُسْلِمَةِ إذا لَمْ تَتَزَوَّجْ؛ لِما في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ  سُئِلَ عَنِ الأمَةِ إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ قالَ: «اجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنَّ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ بِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ»» فالمُزَوَّجَةُ مَحْدُودَةٌ بِالقُرْآنِ وغَيْرُها بِالسُّنَّةِ، ورُجِّحَ هَذا الحَمْلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَطَ الإسْلامَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ فَحَمَلُ ما هُنا عَلى غَيْرِهِ أتَمُّ فائِدَةً، وإنْ جازَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِطُولِ الكَلامِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ تَفْسِيرَ الإحْصانِ بِالإسْلامِ ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن جِهَةِ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في التَّزَوُّجِ بِالأمَةِ أنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً، وإنَّ الكُفّارَ لَيْسُوا مُخاطَبِينَ بِالفُرُوعِ، وهو مُشْكِلٌ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الأمَةَ الكافِرَةَ إذا زَنَتْ لا تُجْلَدُ، ولَيْسَ مَذْهَبَهُ، كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُقِيمُ الحَدَّ عَلى الكُفّارِ، ﴿ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ﴾ أيْ فَإنْ فَعَلْنَ فاحِشَةً - وهي الزِّنا - وثَبَتَ ذَلِكَ، ﴿ فَعَلَيْهِنَّ ﴾ أيْ: فَثابِتٌ عَلَيْهِنَّ شَرْعًا ﴿ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ ﴾ أيِ: الحَرائِرِ الأبْكارِ ﴿ مِنَ العَذابِ ﴾ أيِ الحَدِّ، الَّذِي هو جَلْدُ مِائَةٍ، فَنِصْفُهُ خَمْسُونَ، ولا رَجْمَ عَلَيْهِنَّ؛ لِأنَّهُ لا يَتَنَصَّفُ، وهَذا دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ أنَّ الحَدَّ لَهُنَّ يَزِيدُ بِالإحْصانِ، فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، عَلى أنَّهُنَّ قَبْلَ الإحْصانِ لا حَدَّ عَلَيْهِنَّ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ.

قالَ الشِّهابُ: وعُلِمَ مِن بَيانِ حالِهِنَّ حالُ العَبِيدِ بِدَلالَةِ النَّصِّ، فَلا وجْهَ لِما قِيلَ: إنَّهُ خِلافُ المَعْهُودِ؛ لِأنَّ المَعْهُودَ أنْ يَدْخُلَ النِّساءُ تَحْتَ حُكْمِ الرِّجالِ بِالتَّبَعِيَّةِ، وكَأنَّ وجْهَهُ أنَّ دَواعِيَ الزِّنا فِيهِنَّ أقْوى، ولَيْسَ هَذا تَغْلِيبًا وذِكْرًا بِطْرِيقِ التَّبَعِيَّةِ حَتّى يَتَّجِهَ ما ذُكِرَ، ويَرِدُ عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ عَلى حُكْمِ العَبِيدِ، بَلِ الوَجْهُ فِيهِ أنَّ الكَلامَ في تَزَوُّجِ الإماءِ، فَهو مُقْتَضى الحالِ، انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحالِ المَعْلُومِ بِدَلالَةِ النَّصِّ حالُ العَبِيدِ إذا أتَوْا بِفاحِشَةٍ لا مُطْلَقًا، فَإنَّ حالَ العَبِيدِ لَيْسَ حالَ الإماءِ في مَسْألَةِ النِّكاحِ مِن كُلِّ وجْهٍ، كَما بُيِّنَ في كُتُبِ الفُرُوعِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ قُرِئَ: (فَإنَّ أتَوْا وأتَيْنَ بِفاحِشَةٍ) هَذا، والفاءُ في (فَإنْ أتَيْنَ) جَوابُ (إذا)، والثّانِيَةُ جَوابُ (إنْ) والشَّرْطُ الثّانِي مَعَ جَوابِهِ مُتَرَتِّبٌ عَلى وُجُودِ الأوَّلِ، و ﴿ مِنَ العَذابِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في صاحِبِها، قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن (ما) لِأنَّها مَجْرُورَةٌ بِالإضافَةِ، فَلا يَكُونُ لَها عامِلُ (ذَلِكَ) أيْ: نِكاحُ الإماءِ.

﴿ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ ﴾ أيْ لِمَن خافَ الزِّنا بِسَبَبِ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنِ العَنَتِ؟

فَقالَ: الإثْمُ، فَقالَ نافِعٌ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟

فَقالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ: رَأيْتُكَ تَبْتَغِي عَنَتِي وتَسْعى ∗∗∗ مَعَ السّاعِي عَلَيَّ بِغَيْرِ دَخَلٍ وقِيلَ: أصِلُ العَنَتِ انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ، فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ وضَرَرٍ يَعْتَرِي الإنْسانَ بَعْدَ صَلاحِ حالِهِ، ولا ضَرَرَ أعْظَمُ مِن مُواقَعَةِ المَآثِمِ، بِارْتِكابِ أفْحَشِ القَبائِحِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الإثْمِ، وكَذا في الجَهْدِ والمَشَقَّةِ، ومِنهُ أكَمَةٌ عَنُوتٌ، أيْ: صَعْبَةُ المُرْتَقى، وفَسَّرَهُ الزَّجّاجُ هُنا بِالهَلاكِ، والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ ما تَقَدَّمَ، وهو مَأْثُولٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَدُّ؛ لِأنَّهُ إذا هَوِيَها يَخْشى أنْ يُواقِعَها فَيُحَدَّ، ورُجِّحَ القَوْلُ الأوَّلُ بِكَثْرَةِ الذّاهِبِينَ إلَيْهِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ اللّائِقَ بِحالِ المُؤْمِنِ الخَوْفُ مِنَ الزِّنا المُفْضِي إلى العَذابِ، وفي هَذا إيهامٌ بِأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهُ الحَدُّ لا ما يُوجِبُهُ، وأيًّا ما كانَ فَهو شَرْطٌ آخَرُ لِجَوازِ تَزَوُّجِ الإماءِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - ومَذْهَبُ الإمامِ الأعْظَمِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وإنَّما هو إرْشادٌ لِلْأصْلَحِ، ﴿ وأنْ تَصْبِرُوا ﴾ أيْ: وصَبْرُكم عَنْ نِكاحِ الإماءِ مُتَعَفِّفِينَ.

﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِن نِكاحِهِنَّ، وإنْ رُخِّصَ لَكم فِيهِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَوالِي فِيهِنَّ أقْوى، فَلا يَخْلُصْنَ لِلْأزْواجِ خُلُوصَ الحَرائِرِ، إذْ هم يَقْدِرُونَ عَلى اسْتِخْدامِهِنَّ سَفَرًا وحَضَرًا، وعَلى بَيْعِهِنَّ لِلْحاضِرِ والبادِي، وفي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلى الأزْواجِ، لا سِيَّما إذا وُلِدَ لَهم مِنهُنَّ أوْلادٌ؛ ولِأنَّهُنَّ مُمْتَهَناتٌ مُبْتَذَلاتٌ خَرّاجاتٌ ولاجّاتٌ، وذَلِكَ ذُلٌّ ومَهانَةٌ سارِيَةٌ لِلنّاكِحِ، ولا يَكادُ يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ غَيُورٌ؛ ولِأنَّ في نِكاحِهِنَّ تَعْرِيضَ الوَلَدِ لِلرِّقِّ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وغَيْرُهُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «إذا نَكَحَ العَبْدُ الحُرَّةَ فَقَدْ أعْتَقَ نِصْفَهُ، وإذا نَكَحَ الحُرُّ الأمَةَ فَقَدْ أرَّقَ نِصْفَهُ» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: «ما تَزَحَّفَ ناكِحُ الأمَةِ عَنِ الزِّنا إلّا قَلِيلًا» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عامِرٍ قالَ: «نِكاحُ الأمَةِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، لا يَحِلُّ إلّا لِلْمُضْطَرِّ».

وفِي مُسْنَدِ الدَّيْلَمِيِّ والفِرْدَوْسِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الحَرائِرُ صَلاحُ البَيْتِ، والإماءُ هَلاكُ البَيْتِ»».

وقالَ الشّاعِرُ: ومَن لَمْ تَكُنْ في بَيْتِهِ قَهْرَمانَةٌ ∗∗∗ فَذَلِكَ بَيْتٌ لا أبًا لَكَ ضائِعُ وقالَ الآخَرُ: إذا لَمْ يَكُنْ في مَنزِلِ المَرْءِ حُرَّةٌ ∗∗∗ تُدَبِّرُهُ ضاعَتْ مَصالِحُ دارِهِ ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ، فَيَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَصْبِرْ عَنْ نِكاحِهِنَّ، وإنَّما عَبَّرَ بِذَلِكَ؛ تَنْفِيرًا عَنْهُ حَتّى كَأنَّهُ ذَنْبٌ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ أيْ: مَبالِغٌ في الرَّحْمَةِ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم ما رَخَّصَ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ في بَعْضِ الآياتِ السّابِقَةِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أشارَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ﴾ إلى النَّهْيِ عَنِ التَّصَرُّفِ في السُّفْلِيّاتِ، الَّتِي هي الأُمَّهاتُ، الَّتِي قَدْ تَصَرَّفَ فِيها الآباءُ العُلْوِيَّةُ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنَ التَّدْبِيرِ الإلَهِيِّ في ازْدِواجِ الأرْواحِ؛ لِضَرُورَةِ الكِمالاتِ؛ فَإنَّ الرُّكُونَ إلى العالَمِ السُّفْلِيِّ يُوجِبُ مَقْتَ الحَقِّ سُبْحانَهُ.

وأشارَ سُبْحانَهُ بِتَحْرِيمِ المُحْصَناتِ مِنَ النِّساءِ، أيِ: الأُمُورِ الَّتِي تَمِيلُ إلَيْها النُّفُوسُ إلى تَحْرِيمِ طَلَبِ السّالِكِ مَقامًا نالَهُ غَيْرُهُ، ولَيْسَ لَهُ قابِلِيَّةٌ لِنَيْلِهِ، ومِن هُنا قُوبِلَ الكَلامُ بِالصَّعْقِ لَمّا سَألَ الرُّؤْيَةَ، وقالَ شاعِرُ الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ: ولَسْتُ مُرِيدًا أرْجِعَنَّ بِلَنْ تَرى ولَسْتُ بِطُورٍ كَيْ يُحَرِّكَنِي الصَّدْعُ وقالَ سَيِّدِي ابْنُ الفارِضِ عَلى لِسانِها: وإذا سَألْتُكَ أنْ أراكَ حَقِيقَةً ∗∗∗ فاسْمَعْ ولا تَجْعَلْ جَوابِي لَنْ تَرى ولَقَدْ أحْسَنَ بَعْضُ المَحْجُوبِينَ حَيْثُ يَقُولُ: إذا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ ∗∗∗ وجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطِيعُ وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: المُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الدُّنْيا حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى عَلى خُلَّصِ عِبادِهِ، وأباحَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ تَناوُلَ الأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ مِنَ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ، ﴿ مُحْصِنِينَ ﴾ أيْ: حَرائِرَ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها ﴿ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ في الطَّلَبِ مِياهَ الوُجُوهِ، ثُمَّ أمَرَهم إذا اسْتَمْتَعُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِأنْ يُؤَدُّوا حُقُوقَهُ مِنَ الشُّكْرِ والطّاعَةِ والذِّكْرِ مَثَلًا، وعَلى هَذا النَّمَطِ ما في سائِرِ الآياتِ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي في البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ والمُرْضِعاتِ والأخَواتِ مِنَ الرِّضاعِ والرَّبائِبِ والجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ما يَنْشَرِحُ لَهُ الخاطِرُ، وتَبْتَهِجُ بِهِ الضَّمائِرُ، ولا شُبْهَةَ لِي في أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِبادًا يَعْرِفُونَهُ عَلى التَّحْقِيقِ، ولَكِنَّهم في الزَّوايا، وكَمْ في الزَّوايا مِن خَبايا، واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ قال في رواية الكلبي وفي رواية الضحاك، يعني ذوات الأزواج حرام عليكم إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من سبايا، فإذا ملك الرجل امرأة لها زوج في دار الحرب واستبرأ رحمها بحيضة، فهي حلال له.

وهذا موافق لما روي عن أبي سعيد الخدري أن المسلمين أصابوا يوم أوطاس سبايا لهن أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون منهن وقالوا: لهن أزواج، فأنزل الله تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يقول: ما أفاء الله عليكم من ذلك، وإن كان لهن أزواج من المشركين، فلا بأس بأن يأتيها الرجل إذا استبرأ رحمها.

وقال في رواية مقاتل: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ يعني كل امرأة ليست تحتكم، فهي حرام عليكم.

ثم استثنى من المحصنات فقال: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني إلا ما قد تزوجتم مِّنَ النسآء مثنى وثلاث ورباع.

قوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي هذا ما حرم عليكم في الكتاب، ويقال: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ معناه: هذا الذي يقرأ عليكم هو كتاب الله تعالى، فاتبعوه ولا تخالفوه.

وقال الزجاج: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ منصوب على التأكيد، محمول على المعنى، لأن معناه حرمت عليكم أمهاتكم، كتب الله عليكم هذا كتاباً.

ويجوز أن يكون منصوباً على جهة الأمر، كأنه قال: الزموا كتاب الله فيكون عليكم مفسراً له.

ثم قال تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ يقول: رخص لكم ما سوى ذلكم، فالله تعالى قد ذكر ما حرم في هذه الآية من قوله وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ أربع عشرة من المحرمات، سبع بالنسب وسبع بالسبب.

ثم بيّن المحللات فقال: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ يعني ما سوى هذه الأربع عشرة التي ذكر في هذه الآية، فلو كان الأمر على ظاهر هذه الآية، لكان يجوز ما سوى ذلك إلا أنه قد جاء الأثر عن رسول الله  أنه قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» وقال: «لا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلا عَلَى خَالَتِها» .

فوجب اتباعه لأن الله تعالى قال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] .

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: وَأُحِلَّ لَكُمْ بضم الألف وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم لأنه عطف على قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ.

ومن قرأ بالنصب لأنه نسق على قوله كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.

ثم قال تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ يعني أن تتزوجوا بأموالكم، ويقال: تشتروا بأموالكم الجواري مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ يقول: كونوا متعففين من الزنى غير زانين فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قال مقاتل: يعني به المتعة، أي فما استمتعتم منهن إلى أجل مسمى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي أعطوهن ما شرطتم لهن من المال وإنما كانت إباحة المتعة في بعض المغازي، ثم نهي عن ذلك.

وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى.

وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها هذه الأمة، ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي.

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إنما رخص في المتعة في بعض المغازي، ثم نسختها آية الطلاق والميراث والعدة.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قال النكاح فآتوهن أجورهن، يعني مهورهن.

وقال في رواية الكلبي: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ بعد النكاح فآتوهن أجورهن، أي مهورهن فَرِيضَةً لهن عليكم.

وقال الضحاك: فما استمتعتم به منهن أي فما تزوجتم بهن فأعطوهن مهورهن وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ قال بعضهم: يعني المتعة قبل أن تنسخ، أجاز لهما أن يتراضيا على زيادة الأجل والمال.

وقال بعضهم: يعني المهر، لا جناح على الزوجين أن يتراضيا بعد النكاح على زيادة المهر إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً فيما رخّص لكم من نكاح الأجانب حَكِيماً فيما حرم عليكم من ذوات المحارم.

ثم قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أي غنى، يقول: من لم يجد منكم سعة في المال أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ يعني الحرائر، فليتزوج الإماء فذلك قوله: فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الإماء.

ويقال: من لم يستطع منكم طولا، يعني من لم يكن له منكم مقدرة على الحرة، فليتزوج الأمة، يعني: إذا لم يكن له امرأة حرة.

وقد قال بعض الناس: إذا كان للرجل من المال مقدار ما يمكنه أن يتزوج بالحرة، لا يجوز أن يتزوج الأمة.

وفي قول علمائنا: يجوز إذا لم يكن عنده امرأة حرة، لأنه لو صرف إلى ذلك الوجه لا يضر، لأن كل مال يمكن أن يتزوج به الأمة يمكن أن يتزوج به الحرة، ولكن معناه كون الحرة عنده أفضل.

ثم قال: تعالى مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ يعني يتزوج الأمة المسلمة.

وقال بعض الناس: لا يجوز أن يتزوج أمة يهودية أو نصرانية، لأن الله تعالى قال مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ.

وفي قول علمائنا: يجوز نكاح الأمة اليهودية والنصرانية، وذكر المؤمنات ليس بشرط أنه لا يجوز غيرها، وهذا بمنزلة قوله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [النساء: 3] فإن خاف ألا يعدل فيتزوج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل أن لا يتزوج، فكذلك هاهنا الأفضل أن يتزوج الأمة إلا المؤمنة ولو تزوج غير المؤمنة جاز.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يقول: والله أعلم بإيمانكم في الحقيقة، وأنتم تعرفون الظاهر وليس عليكم أن تبحثوا عن الباطن.

وقال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه فما ملكت أيمانكم بعضكم من بعض يعني يتزوج هذا وليدة هذا، وهذا وليدة هذا.

ثم قال: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ من غيره.

ويقال: معناه والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض، يعني بعضكم من بعض في النسب، يعني محلكم ولد آدم ولا فخر فيما بينكم.

ويقال: دينكم واحد أي بعضكم على دين بعض.

ثم قال تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يعني الولاية بإذن أربابهن وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يقول: أعطوهن مهورهن بالمعروف، يعني بإذن أهلهن، لأنه إذا أعطى الأمة مهرها بغير إذن مولاها واستهلكت، ضمن الزوج للمولى.

ويقال: مهراً غير مهر البغي، يعني بعد ما أطلق ذلك.

ثم قال: مُحْصَناتٍ أي عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ أي زواني، ويقال: غير معلنات بالزنى وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ يعني أخلاء في السر، لأن أهل الجاهلية كان فيهن زواني في العلانية، ولهن رايات منصوبة وبعضهن اتخذن أخداناً يعني أخلاء في السر، ولا يفعلن بالعلانية فنهى الله عن نكاح الفريقين جميعاً.

فقال: تزوجوا محصنات غير معلنات بالزنى ولا في السر.

قرأ الكسائي: محصنات بكسر الصاد في جميع القرآن إلا في قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ وقرأ الباقون في جميع القرآن بالنصب.

ثم قال تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ يعني أسلمن.

ويقال: إذا أعففن.

قرأ عاصم وحمزة والكسائي: فَإِذا أُحْصِنَّ بالنصب.

وقرأ الباقون بالضم.

وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بالنصب، ومعناه إذا أسلمن.

وقرأ ابن عباس بالضم، يعني أحصن بالأزواج.

فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعني الزنى فَعَلَيْهِنَّ أي وجب عليهن نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ يعني إذا زنت الأمة فحدّها نصف حدّ الحرة، خمسون جلدة.

والفائدة في نقصان حدهن والله أعلم أنهن أضعف من الحرائر، فجعل عقوبتهن أقل.

ويقال لأنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر إلى مرادهن.

ويقال: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة، ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي  يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [سورة الأحزاب: 32] فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد، فكذلك الأمة لما كانت نعمتها أقل كانت عقوبتها أدنى.

وذكر في الآية حدّ الإماء خاصة ولم يذكر حد العبيد، ولكن حد العبيد والإماء سواء، خمسون جلدة في الزنى، وفي حد القذف وشرب الخمر أربعون جلدة، لأن حد الأمة إنما نقص لنقصان الرق، وذلك في العبد موجود.

وروي عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب  ما أنهما قالا: حدّ العبد نصف حد الحر.

ثم قال تعالى: ذلِكَ يعني هذا الذي ذكر في الآية، وهو رخصة نكاح الأمة لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم في دينه.

ويقال: الزنى والفجور.

قال القتبي: أصله المضرور الإفساد.

قال تعالى وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء خَيْرٌ لَكُمْ من تزوجهن، لأنه لو تزوج الأمة يصير ولده عبداً.

وروي عن عمر أنه قال: أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه، أي يصير ولده رقيقاً، فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرق ولده.

وقال مجاهد: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ يقول: وإن تصبروا على نكاح الأمة خير لكم من أن تقعوا في الفجور.

وَاللَّهُ غَفُورٌ لما أصبتم منهن قبل تحليله رَحِيمٌ حين رخص في نكاح الإماء.

ويقال: رحيم إذ لم يعجل العقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ عطْفاً على المُحَرَّمَاتِ، قيل: والتحصّن التمنّع، ومنه

الحِصْن، وحصنت المرأة: امتنعت بوجه مِنْ وُجُوه الاِمتناعِ، وأَحْصَنَتْ نَفْسَهَا، وأَحْصَنَهَا غيْرُها، والإحْصَانُ تستعمله العَرَبُ في أربعةِ أشياءَ، وعلى ذلك تصرَّفَتِ اللفظة في كتاب

اللَّهِ عزَّ وجلَّ: فتستعملُهُ في الزَّوَاجِ لأنَّ مِلْكَ الزَّوْجِ منعة وحفظ، وتستعمله في الحرِّيَّة

لأنَّ الإماء كان عُرْفُهُنَّ في الجاهليَّة الزِّنَا، والحُرَّةُ بخلافِ ذلك ألا ترى إلى قول هند:

«وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ» ، وتستعمله في الإسلام لأنه حافظٌ، وتستعمله في العِفَّة «١» لأنها إذا ارتبط بها إنسانٌ، وظهرَتْ على شَخْصٍ مَّا، وتخلَّق بها، فهي مَنَعَةٌ وحفْظٌ.

وحيثما وقعتِ اللفظة في القرآن، فلا تجدُها تخرُجُ عن هذه المعانِي، لكنَّها قد تقوى فيها بعضُ هذه المعانِي دُونَ بَعْض كما سيأتي بيانُهُ في مكانه (إن شاء اللَّه) .

فقوله سبحانه في هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ قال فيه ابنُ عَبَّاس وغيره: هنَّ ذواتُ الأزواجِ، محرَّماتٌ إلاَّ ما ملكَتِ اليمينُ بِالسَّبْيِ «٢» ، ورُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ أنه سُئِلَ عن هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، فقال: نرى أنه حَرَّم في هذه الآية ذَوَاتِ الأزواجِ، والعَفَائِفَ مِنْ حَرَائِرَ ومملوكاتٍ، ولم يحلَّ شيءٌ من ذلك إلاَّ بنكاحٍ، أو شراءٍ، أو تملُّك «٣» ، وهذا قولٌ حَسَنٌ عَمَّم لفظَ الإحصانِ، ولَفْظَ ملكِ اليمين، وذلك راجعٌ إلى أنَّ اللَّه حَرَّم الزنا، قال عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وغيره: قوله سبحانه: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: إشارةٌ إلى ما ثبت من القرآن من قوله سبحانه: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ «٤» [النساء: ٣] وفي هذا بعد،

والأظْهَرُ أنَّ قوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجِزِ بَيْنَ الناسِ، وبَيْنَ ما كانَتِ الجاهليةُ تفعله.

قال الفَخْر «١» : وكِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: مصْدَرٌ من غير لفظ الفَعْلِ، قال الزَّجَّاج:

ويجوزُ أَنْ يكونَ مَنْصُوباً على جهة الأَمْرِ، ويكون عَلَيْكُمْ خبراً له، فيكون المعنَى:

الزموا كتابَ اللَّهِ.

انتهى.

وفي «التمهيد» لأبي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: أي: حكمه فيكُمْ وقضاؤُه عليكم.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَراءَ ذلِكُمْ، قال عطاء وغيره: المعنى: وأُحِلَّ لكم ما وراء مَنْ حُرِّم «٢» ، قلْتُ: أي: على ما علم تفصيله من الشريعة.

قال ع «٣» : وأَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ: لفظ يجمع/ التزوّج والشراء، ومُحْصِنِينَ: معناه: متعفِّفين، أي: تُحْصِنُونَ أنفسكم بذلك، غَيْرَ مُسافِحِينَ، أي:

غَيْرَ زُنَاةٍ، والسِّفَاحُ: الزنا.

وقوله سبحانه: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، قال ابن عَبَّاس وغيره:

المعنى: فإذا استمتعتم بالزوْجَة، ووَقَعَ الوطْء، ولو مرَّةً، فقد وجَب إعطاء الأجْرِ، وهو المهر «٤» كلُّه، وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً وغيره: إن الآية نزلَتْ في نكاح «٥» ...

..

..

..

..

المُتْعة «١» ، قال ابنُ المُسَيَّب: ثم نُسِختْ «٢» .

قال ع «٣» : وقد كانَتِ المتعةُ في صَدْرِ الإسلامِ، ثم نهى عنها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ، أي: مِنْ حَطٍّ أو تأخيرٍ بعد استقرار الفَريضَةِ، ومَنْ قال بأنَّ الآية المتقدِّمة في المُتْعَة، قال: الإشارةُ بهذه إلى أنَّ ما تراضَيَا علَيْه من زيادةٍ في مُدَّة المتعة، وزيادة في الأجر جائز.

وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ...

الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره:

الطَّوْل هنا: السَّعَة في المالِ «١» وقاله مالِكٌ في «المُدَوَّنة» ، فعلى هذا التأويلِ لا يصحُّ للحُرِّ أنْ يتزوَّج الأَمَةَ إلاَّ باجتماع شرطَيْنِ: عَدَمِ السَّعَةِ في المالِ، وخَوْفِ العَنَتِ، وهذا هو نصُّ مالك في «المدوَّنة» .

قال مالك في «المُدَوَّنة» : «ولَيْسَتِ الحُرَّة تحته بِطَوْل، إنْ خَشِيَ العَنَتَ» ، وقال في «كتاب محمَّد» ما يقتضِي أنَّ الحُرَّة بمثابة الطَّوْل.

قال الشيخُ أبو الحَسَن اللَّخْمِيُّ: وهو ظاهرُ القرآن، ونحوه عنِ ابْنِ حَبيبٍ «٢» .

وقال أبو حنيفة: وجودُ الحُرَّة تحته لا يَجُوزُ معه نكاحُ الأَمَةِ وقاله «٣» الطَّبَرِيُّ، وتقولُ: طَالَ الرَّجُلُ طَوْلاً (بفتح الطاء) إذا تفضَّل، ووَجَدَ، واتسع، وطُولاً (بضمها) : في ضِدِّ القصر، والْمُحْصَناتُ في هذا الموضع: الحرائرُ- والفتاةُ، وإن كَانَتْ في اللغة واقعةً على الشَّابَّة، أَيَّةً كانَتْ، فعرفها في الإماء، وفتى كذلك، والْمُؤْمِناتِ في هذا الموضع: صفةٌ مشترطةٌ عند مالك، وجمهور أصحابه، فلا يجوزُ نكاحُ أمةٍ كافرةٍ «٤»

عندهم قُلْتُ: والعلَّة في مَنْعِ نكاحِ الأَمَةِ ما يئول إليه الحال من استرقاق الولد.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، ومعناه: واللَّهُ أعلمُ ببَوَاطِنِ الأمور، ولكم ظواهرُها، فإذا كانَتِ الفتاةُ ظاهِرُها الإيمانُ، فنكاحها صحيح، وفي اللفظ

أيضاً: تنبيهٌ على أنهُ ربَّما كان إيمانُ أَمَةٍ أَفْضَلَ مِنْ إيمانِ بعضِ الحرائرِ، فلا تَعْجَبُوا بمعْنَى الحُرِّيَّة، والمَقْصِدُ بهذا الكلامِ أنَّ الناس سواءٌ، بَنُو الحرائرِ، وبَنُو الإمَاءِ، أكرمهم عنْدَ اللَّهِ أتقاهُمْ، وفي هذا توطئَةٌ لنفوسِ العَرَبِ التي كانَتْ تَسْتَهْجِنُ ولَدَ الأَمَةِ.

وقوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، معناه: بولايةِ أربابِهِنَّ المالكين، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أي: مُهُورَهُنَّ، بِالْمَعْرُوفِ: معناه: بالشَّرْع والسُّنَّة، ومُحْصَناتٍ:

الظاهرُ أنه بمعنى عفيفاتٍ.

قال ص: مُحْصَنَاتٍ: منصوبٌ على الحَالِ، والظَّاهِرُ أنَّ العَامِلَ وآتُوهُنَّ، ويجوزُ أَنْ يَكُونَ العامِلُ: فانكحوهن مُحْصَنَاتٍ، أي: عفائفَ.

انتهى.

والمسافِحَاتُ: الزوانِي المتبذِّلاتُ اللَّوَاتِي هُنَّ سُوقٌ للزِّنا، ومتَّخِذَاتُ الأخدانِ هنَّ المُسْتَتِرَاتُ اللواتِي يصحبن واحداً واحداً، ويَزْنينَ خفيةً، وهذان كانا نَوْعَيْن في زنا الجاهليَّة قاله ابنُ عبَّاس وغيره «١» .

وقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ ...

الآية، أي: تزوَّجْن، قال الزُّهْرِيُّ وغيره:

فالمتزوِّجة محدودةٌ بالقرآن، والمُسْلِمَةُ غير المتزوِّجة محدودةٌ بالحديث، وفي مسلمٍ والبخاريُّ، «أنه قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الأَمَةُ إذَا زَنَتْ، ولَمْ تُحْصَنْ» ، فأوْجَبَ/ علَيْها الحدَّ» والفاحشة «١» ، هنا الزّنا.

قال ص: وجوابُ: «إذَا» : «فإنْ أتَيْنَ» ، وجوابه.

انتهى.

والْمُحْصَناتِ في هذه الآية: الحَرَائِرُ إذ هي الصفَةُ المَشْرُوطة في الحدِّ الكامِلِ، والرَّجْمُ لا يتنصَّف، فلم يُرَدْ في الآية بإجماع، والعَنَتُ في اللغة: المَشَقَّة.

قال ابنُ عباسٍ وغيره: والمَقْصِدُ به هنا الزنا «١» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا ﴾ "الطَّوْلُ": الغِنى والسِّعَةُ في قَوْلِ الجَماعَةِ.

و"المُحْصَناتُ": الحَرائِرُ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى مَهْرِ الحُرَّةِ، يُقالُ: قَدْ طالَ فَلانٌ طَوْلًا عَلى فُلانِ، أيْ: كانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْهِ في القُدْرَةِ.

والمُرادُ بِالفَتَياتِ هاهُنا: المَمْلُوكاتِ، يُقالُ لِلْأمَةِ: فَتاةٌ، ولِلْعَبْدِ: فَتًى، وقَدْ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ مَن لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ.

قَرَأتُ عَلى شَيْخِنا الإمامِ أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: المُتَفَتِّيَةُ: الفَتاةُ والمُراهِقَةُ، ويُقالُ لِلْجارِيَةِ الحَدَثَةُ: فَتاةٌ، ولِلْغُلامِ: فَتًى.

قالَ القُتَيْبِيُّ: ولَيْسَ الفَتى بِمَعْنى: الشّابِّ والحَدَثِ، إنَّما هو بِمَعْنى: الكامِلُ الجَزْلُ مِنَ الرِّجالِ.

فَأمّا ذِكْرُ الأيْمانِ، فَشَرْطٌ في إباحَتِهِنَّ، ولا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: اعْمَلُوا عَلى ظاهِرِكم في الإيمانِ، فَإنَّكم مُتَعَبِّدُونَ بِما ظَهَرَ مِن بَعْضِكم لِبَعْضٍ.

قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ النَّسَبَ، أيْ: كُلُّكم ولَدُ آَدَمَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: دِينُكم واحِدٌ، لِأنَّهُ ذَكَرَ هاهُنا: المُؤْمِناتِ.

وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: ذَلِكَ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَطْعَنُ في الأنْسابِ، وتَفْخَرُ بِالأحْسابِ، وتُسَمِّي ابْنَ الأمَةِ: الهَجِينُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ أمْرَ العَبِيدِ وغَيْرِهِمْ مُسْتَوٍ في بابِ الإيمانِ، وإنَّما كَرَّهَ التَّزْوِيجَ بِالأمَةِ، وحَرَّمَ إذا وجَدَ إلى الحُرَّةِ سَبِيلًا، لِأنَّ ولَدَ الأمَةِ مِنَ الحُرِّ يَصِيرُونَ رَقِيقًا، ولِأنَّ الأمَةَ مُمْتَهَنَةً في عِشْرَةِ الرِّجالِ، وذَلِكَ يَشُقُّ عَلى الزَّوْجِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى الآَيَةِ: كُلُّكم بَنُو آَدَمَ، فَلا يَتَداخَلُكم شُمُوخٌ وأنَفَةٌ مِن تَزَوُّجِ الإماءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.

وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ [المُؤْمِناتِ]، فَلْيَنْكِحْ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ، أيْ: لِيَنْكِحْ هَذا فَتاةَ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْكِحُوهُنَّ ﴾ يَعْنِي: الإماءُ ﴿ (بِإذْنِ أهْلِهِنَّ ﴾ ، أيْ: سادَتِهِنَّ.

و"الأُجُورُ": المُهُورُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مُقَدَّمٌ في المَعْنى، فَتَقْدِيرُهُ: انْكِحُوهُنَّ بِإذِنِّ أهْلِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ، أيْ: بِالنِّكاحِ الصَّحِيحِ ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وآَتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ، كَمُهُورِ أمْثالِهِنَّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "مُحْصَناتٍ": عَفائِفَ غَيْرَ زَوانٍ ﴿ وَلا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ ﴾ يَعْنِي: أخِلّاءٌ كانَ الجاهِلِيَّةُ يُحْرِّمُونَ ما ظَهَرَ مِنِ الزِّنى، ويَسْتَحِلُّونَ ما خَفِيَ.

وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: "المُسافِحاتُ": المُعْلِناتُ بِالزِّنى.

و"المُتَّخِذاتِ أخْدانًا": ذاتُ الخَلِيلِ الواحِدُ.

وقالَ غَيْرُهُ: كانَتِ المَرْأةُ تَتَّخِذُ صَدِيقًا تَزْنِي مَعَهُ، ولا تَزْنِي مَعَ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أُحْصِنَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "أُحْصِنَّ" مَضْمُومَةُ الألِفِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ الألِفِ، والصّادِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَن قَرَأ بِالفَتْحِ، أرادَ: أسْلَمْنَ، فَصِرْنَ مَمْنُوعاتِ الفُرُوجِ عَنِ الحَرامِ بِالإسْلامِ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ، أرادَ: فَإذا تَزَوَّجْنَ، فَصِرْنَ مَمْنُوعاتِ الفُرُوجِ مِنَ الحَرامِ بِالأزْواجِ.

فَأمّا "الفاحِشَةُ"، فَهي الزِّنى، و"المُحْصَناتُ": الحَرائِرُ، و"العَذابُ": الحَدُّ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ولَيْسَ الإسْلامُ والتَّزْوِيجُ شَرَطًا في إيجابِ الحَدِّ عَلى الأمَةِ، بَلْ يَجِبُ وإنْ عُدِما، وإنَّما شَرْطُ الإحْصانِ في الحَدِّ، لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ عَلَيْها نِصْفَ ما عَلى الحُرَّةِ إذا لَمْ تَكُنْ مُحَصَنَةً، وعَلَيْها مِثْلُ ما عَلى الحُرَّةِ إذا كانَتْ مُحْصَنَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ الإشارَةُ إلى إباحَةِ تَزْوِيجِ الإماءِ، وفي "العَنَتِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الزِّنى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ الهَلاكُ، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: لِقاءُ المَشَقَّةِ في مَحَبَّةِ الأمَةِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أنَّ العَنَتَ هاهُنا: الإثْمُ.

والخامِسُ: أنَّهُ العُقُوبَةُ الَّتِي تُعْنِتُهُ، وهي الحَدُّ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ الآَيَةُ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ نِكاح ِ الإماءِ المُؤْمِناتِ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: عَدَمُ طَوْلِ الحُرَّةِ.

والثّانِي: خَوْفُ الزِّنى، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٍ، ومَكْحُولٍ، وأحْمَدَ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ، قالُوا: يَنْكِحُ الأمَةَ، وإنْ كانَ مُوسِرًا، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والجَماعَةُ: عَنْ نِكاحِ الإماءِ، وإنَّما نَدَبَ إلى الصَّبْرِ عَنْهُ، لِاسْتِرْقاقِ الأوْلادِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ في "المُدَوَّنَةِ": الطَوْلُ هُنا: السَعَةُ في المالِ.

وقالَ رَبِيعَةٌ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الطَوْلُ هُنا: الجَلَدُ والصَبْرُ لِمَن أحَبَّ أمَةً وهَوِيَها حَتّى صارَ لِذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَها، فَإنَّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ الأمَةَ إذا لَمْ يَمْلِكْ هَواها، وإنْ كانَ يَجِدُ سَعَةً في المالِ لِنِكاحِ حُرَّةٍ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ ﴾ عَلى هَذا التَأْوِيلِ بَيانًا في صِفَةِ عَدَمِ الجَلَدِ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ يَكُونُ تَزَوُّجُ الأمَةِ مُعَلَّقًا بِشَرْطَيْنِ: عَدَمِ السَعَةِ في المالِ، وخَوْفِ العَنَتِ، فَلا يَصِحُّ إلّا بِاجْتِماعِهِما.

وهَذا هو نَصُّ مَذْهَبِ مالِكٍ في "المُدَوَّنَةِ" مِن رِوايَةِ ابْنِ نافِعٍ، وابْنِ القاسِمِ، وابْنِ وهْبٍ، وابْنِ زِيادٍ: أنَّ الحُرَّ لا يَتَزَوَّجُ الأمَةَ عَلى حالٍ إلّا ألّا يَجِدَ سَعَةً في المالِ لِمَهْرِ حُرَّةٍ، وأنْ يَخْشى العَنَتَ مَعَ ذَلِكَ.

وقالَ مالِكٌ في كِتابِ مُحَمَّدٍ: إذا وجَدَ المَهْرَ ولَكِنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى النَفَقَةِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً.

وقالَ أصْبَغُ: ذَلِكَ جائِزٌ، إذْ نَفَقَةُ الأمَةِ عَلى أهْلِها إذا لَمْ يَضُمَّها إلَيْهِ.

وقالَ مُطَرِّفٌ، وابْنُ الماجِشُونَ: لا يَحِلُّ لِلْحُرِّ أنْ يَنْكِحَ أمَةً.

ولا يُقَرُّ إنْ وقَعَ، إلّا أنْ يَجْتَمِعَ الشَرْطانِ كَما قالَ اللهُ تَعالى، وقالَهُ أصْبَغٌ، قالَ: وقَدْ كانَ ابْنُ القاسِمِ يَذْكُرُ أنَّهُ سَمِعَ مالِكًا يَقُولُ: نِكاحُ الأمَةِ حَلالٌ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ في "المُدَوَّنَةِ".

وقالَ سَحْنُونُ في غَيْرِها: ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ  ﴾ ، وقالَهُ ابْنُ مُزَيْنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَلْزَمُ مِنهُ تَحْلِيلُ الأمَةِ لِحُرٍّ دُونَ الشَرْطَيْنِ.

وقالَ مالِكٌ: في "المُدَوَّنَةِ": لَيْسَتِ الحُرَّةُ بِطَوْلٍ تَمْنَعُ مِن نِكاحِ الأمَةِ إذا لَمْ يَجِدْ سَعَةً لِأُخْرى وخافَ العَنَتَ.

وقالَ في كِتابِ مُحَمَّدٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الحُرَّةَ بِمَثابَةِ الطَوْلِ.

قالَ الشَيْخُ أبُو الحَسَنِ اللَخْمِيُّ: وهو ظاهِرُ القُرْآنِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ، وقالَهُ أبُو حَنِيفَةَ، فَمُقْتَضى هَذا أنَّ مَن عِنْدَهُ حُرَّةٌ فَلا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ أمَةٍ، وإنْ عَدِمَ السَعَةَ وخافَ العَنَتَ، لِأنَّهُ طالِبُ شَهْوَةٍ وعِنْدَهُ امْرَأةٌ، وقالَ بِهِ الطَبَرِيُّ، واحْتَجَّ لَهُ.

و"طَوْلًا" يَصِحُّ في إعْرابِهِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِالِاسْتِطاعَةِ، و"أنْ يَنْكِحَ" في مَوْضِعِ نَصْبِ بَدَلٍ مِن قَوْلِهِ: "طَوْلًا"، أو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: لَأنْ يَنْكِحَ.

وفي هَذا نَظَرٌ.

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "طَوْلًا" نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِطاعَةَ لِأنَّها بِمَعْنى يَتَقارَبُ، و"أنْ يَنْكِحَ" -عَلى هَذا مَفْعُولٌ- بِالِاسْتِطاعَةِ أو بِالمَصْدَرِ، تَقُولُ: طالَ الرَجُلُ طَوْلًا -بِفَتْحِ الطاءِ- إذا تَفَضَّلَ ووَجَدَ واتَّسَعَ عُرْفُهُ.

وطُولًا، بِضَمِّ الطاءِ في ضِدِّ القِصَرِ.

"المُحْصَناتِ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- الحَرائِرُ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَقْسِيمُ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الإماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: العَفائِفُ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الإماءَ يَقَعْنَ تَحْتَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الذِكْرُ لِلْقِراءَةِ في المُحْصَناتِ، و"المُؤْمِناتِ" صِفَةٌ، فَأمّا مَن يَقُولُ في الرَجُلِ يَجِدُ طَوْلًا لِحُرَّةٍ كِتابِيَّةٍ لا لِمُؤْمِنَةٍ: إنَّهُ يَمْتَنِعُ عن نِكاحِ الإماءِ، فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ، وإنَّما جاءَتْ لِأنَّها مَقْصِدُ النِكاحِ، إذِ الأمَةُ مُؤْمِنَةٌ، وهَذا هو المَذْهَبُ المالِكِيُّ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الماجِشُونَ في الواضِحَةِ، ومَن قالَ في الرَجُلِ لا يَجِدُ طَوْلًا إلّا الكِتابِيَّةَ: إنَّهُ يَتَزَوَّجُ الأمَةَ إنْ شاءَ، فَصِفَةُ المُؤْمِناتِ عِنْدَهُ في الآيَةِ مُشْتَرَطَةٌ في إباحَةِ نِكاحِ الإماءِ، والمَسْألَةُ مُخْتَلَفٌ فِيها حَسْبَما ذَكَرْناهُ.

"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، تَقْدِيرُهُ: فَمِن مِلْكِ أيْمانِكُمْ، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِها النَوْعُ المَمْلُوكُ، فَهي واقِعَةٌ عَلَيْهِ.

والفَتاةُ وإنْ كانَتْ واقِعَةً في اللُغَةِ عَلى الشابَّةِ أيَّةً كانَتْ، فَعُرْفُها في الإماءِ، وفَتىً كَذَلِكَ، وهَذِهِ المُخاطَباتُ بِالكافِ والمِيمِ عامَّةٌ، أيْ: مِنكُمُ الناكِحُونَ، ومِنكُمُ المالِكُونَ، لِأنَّ الرَجُلَ يَنْكِحُ فَتاةَ نَفْسِهِ، وهَذا التَوَسُّعُ في اللُغَةِ كَثِيرٌ.

والمُؤْمِناتُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- صِفَةٌ مُشْتَرَطَةٌ عِنْدَ مالِكٍ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، لِأنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ زَواجُ أمَةٍ غَيْرِ مُسْلِمَةٍ بِوَجْهٍ.

وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم أصْحابُ الرَأْيِ: نِكاحُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ جائِزٌ، وقَوْلُهُ: "المُؤْمِناتِ" عَلى جِهَةِ الوَجْهِ الفاضِلِ، واحْتَجُّوا بِالقِياسِ عَلى الحَرائِرِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَمْنَعْ قَوْلُهُ: "المُؤْمِناتِ" في الحَرائِرِ مِن نِكاحِ الكِتابِيّاتِ الحَرائِرِ، فَكَذَلِكَ لا يَمْنَعُ قَوْلُهُ: "المُؤْمِناتِ" في الإماءِ مِن نِكاحِ الكِتابِيّاتِ الإماءِ.

وقالَ أشْهَبُ في "المُدَوَّنَةِ": جائِزٌ لِلْعَبْدِ المُسْلِمِ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً كِتابِيَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالمَنعُ عِنْدَهُ أنْ يُفَضَّلَ الزَوْجُ في الحُرِّيَّةِ والدِينِ مَعًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ ﴾ مَعْناهُ: أنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِبَواطِنِ الأُمُورِ، ولَكم ظَواهِرُها، فَإذا كانَتِ الفَتاةُ ظاهِرُها الإيمانُ فَنِكاحُها صَحِيحٌ، وعِلْمُ باطِنِها إلى اللهِ، وإنَّما هَذا لِئَلّا يَسْتَرِيبَ مُتَحَيِّرٌ بِإيمانِ بَعْضِ الإماءِ، كالقَرِيبَةِ عَهْدٍ بِالسِباءِ، أو كالخَرْساءِ، وما أشْبَهَهُ.

وفي اللَفْظِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ رُبَّما كانَ إيمانُ أمَةٍ أفْضَلَ مِن إيمانِ بَعْضٍ مِنَ الحَرائِرِ، أيْ: فَلا تُعْجَبُوا بِمَعْنى الحُرِّيَّةِ.

وقَوْلُهُ: "بَعْضُكم مِن بَعْضٍ"، قالَتْ طائِفَةٌ: هو رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، والمَقْصِدُ بِهَذا الكَلامِ، أيْ أنَّكم أيُّها الناسُ سَواءٌ بَنُو الحَرائِرِ وبَنُو الإماءِ، أكْرَمُكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ، فَهَذِهِ تَوْطِئَةٌ لِنُفُوسِ العَرَبِ الَّتِي كانَتْ تَسْتَهْجِنُ ولَدَ الأمَةِ، فَلَمّا جاءَ الشَرْعُ أُعْلِمُوا مَعَ ذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ التَهْجِينَ لا مَعْنى لَهُ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: هو رَفْعٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَلْيَنْكِحْ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ.

فَعَلى هَذا في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

قَوْلُهُ: "بِإذْنِ أهْلِهِنَّ" مَعْناهُ: بِوِلايَةِ أرْبابِهِنَّ المالِكِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ يَعْنِي: مُهُورَهُنَّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: و"بِالمَعْرُوفِ" مَعْناهُ: بِالشَرْعِ والسُنَّةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُنَّ أحَقُّ بِمُهُورِهِنَّ مِنَ السادَةِ.

وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، قالَ في كِتابِ الرُهُونِ: لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أنْ يَأْخُذَ مَهْرَ أمَتِهِ ويَدَعَها بِلا جِهازٍ، قالَ سَحْنُونُ في كِتابِ المُدَوَّنَةِ: كَيْفَ هَذا وهو لا يُبَوِّئُهُ مَعَها بَيْتًا؟

وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: مَعْنى ما في "المُدَوَّنَةِ": أنَّهُ بِشَرْطِ التَبْوِئَةِ، فَعَلى هَذا لا يَكُونُ قَوْلُ سَحْنُونٍ خِلافًا.

و"مُحْصَناتٍ" وما بَعْدَهُ: حالٌ، فالظاهِرُ أنَّهُ بِمَعْنى عَفِيفاتٍ، إذْ غَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الإحْصانِ بَعِيدٌ إلّا "مُسْلِماتٍ" فَإنَّهُ يَقْرُبُ، والعامِلُ في الحالِ "فانْكِحُوهُنَّ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ" كَلامًا تامًّا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: وآتَوْهُنَّ أُجُورهنَّ مُزَوَّجات غَيْر مُسافِحات فَيَكُونُ العامِلُ: "وَآتُوهُنَّ"، ويَكُونُ مَعْنى الإحْصانِ: التَزْوِيجَ.

والمُسافِحاتُ مِنَ الزَوانِي: المُبْتَذَلاتُ اللَواتِي هُنَّ سُوقٌ لِلزِّنى.

ومُتَّخِذاتُ الأخْدانِ: هُنَّ المُتَسَتِّراتُ اللَواتِي يَصْحَبْنَ واحِدًا واحِدًا ويَزْنِينَ خُفْيَةً.

وهَذانِ كانا نَوْعَيْنِ في زِنا الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، والضَحّاكُ، وَغَيْرُهُمْ، وأيْضًا فَهو تَقْسِيمٌ عَقْلِيٌّ لا يُعْطِي الوُجُودَ، إلّا أنْ تَكُونَ الزانِيَةُ: إمّا لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، وإمّا أنْ تَخْتَصَّ مَن تَقْتَصِرُ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ فَإذا أُحْصِنَّ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "أُحْصِنَّ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، فَوَجْهُ الكَلامِ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ الأُولى بِالتَزَوُّجِ، والثانِيَةُ بِالإسْلامِ أو غَيْرِهِ مِمّا هو مِن فِعْلِهِنَّ، ولَكِنْ يَدْخُلُ كُلُّ مَعْنىً مِنهُما عَلى الآخَرِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيما هو الإحْصانُ هُنا، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو الإسْلامُ، فَإذا زَنَتِ الأمَةُ المُسْلِمَةُ حُدَّتْ نِصْفَ حَدِّ الحُرَّةِ، وإسْلامُها هو إحْصانُها الَّذِي في الآيَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إحْصانُها الَّذِي في الآيَةِ هو التَزْوِيجُ لِحُرٍّ، فَإذا زَنَتِ الأمَةُ المُسْلِمَةُ الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ فَلا حَدَّ عَلَيْها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإحْصانُ في الآيَةِ التَزَوُّجُ، إلّا أنَّ الحَدَّ واجِبٌ عَلى الأمَةِ المُسْلِمَةِ بِالسُنَّةِ، وهي الحَدِيثُ الصَحِيحُ في مُسْلِمٍ والبُخارِيِّ « "أنَّهُ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، الأمَةُ إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ؟

فَأوجَبَ عَلَيْها الحَدَّ".» قالَ الزُهْرِيُّ: فالمُتَزَوِّجَةُ مَحْدُودَةٌ بِالقُرْآنِ، والمُسْلِمَةُ غَيْرُ المُتَزَوِّجَةِ مَحْدُودَةٌ بِالحَدِيثِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الحَدِيثُ والسُؤالُ مِنَ الصَحابَةِ يَقْتَضِي أنَّهم فَهِمُوا مِنَ القُرْآنِ أنَّ مَعْنى "أُحْصِنَّ" تَزَوَّجْنَ، وجَوابُ النَبِيِّ  عَلى ذَلِكَ يَقْتَضِي تَقْرِيرَ المَعْنى، ومَن أرادَ أنْ يُضْعِفَ قَوْلَ مَن قالَ: "إنَّهُ الإسْلامُ" -بِأنَّ الصِفَةَ لَهُنَّ بِالإيمانِ قَدْ تَقَدَّمَتْ وتَقَرَّرَتْ- فَذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ، لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَقْطَعَ في الكَلامِ ويَزِيدَ، فَإذا كُنَّ عَلى هَذِهِ الحالَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الإيمانِ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ، وذَلِكَ سائِغٌ صَحِيحٌ.

والفاحِشَةُ هُنا: الزِنى بِقَرِينَةِ إلْزامِ الحَدِّ، و"المُحْصَناتِ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ-: الحَرائِرُ، إذْ هي الصِفَةُ المَشْرُوطَةُ في الحَدِّ الكامِلِ، والرَجْمِ لا يَتَنَصَّفُ، فَلَمْ يُرَدْ في الآيَةِ بِإجْماعٍ، ثُمَّ اخْتُلِفَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: عَلى الأمَةِ نِصْفُ المِائَةِ لا غَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ الطَبَرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ: عَلى الأمَةِ نِصْفُ المِائَةِ ونِصْفُ المُدَّةِ، وهي نَفْيُ سِتَّةِ أشْهُرٍ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى نِكاحِ الأمَةِ.

والعَنَتُ في اللُغَةِ: المَشَقَّةُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: المَقْصِدُ بِهِ هاهُنا الزِنى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما ازْلَحَفَّ ناكِحُ الأمَةِ عَنِ الزِنى إلّا قَرِيبًا، قالَ: والعَنَتُ الزِنى، وقالَهُ عَطِيَّةٌ الحُوفِيُّ، والضَحّاكُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: الإثْمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: الحَدُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وكُلُّ ما يُعْنِتُ عاجِلًا وآجِلًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي عن نِكاحِ الإماءِ.

قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذا نَدْبٌ إلى التَرْكِ، وعِلَّتُهُ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ نِكاحُ الإماءِ مِنَ اسْتِرْقاقِ الوَلَدِ ومِهْنَتِهِنَّ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ تَقْدِيرُهُ: وصَبْرُكم خَيْرٌ لَكم.

"واللهُ غَفُورٌ" أيْ: لِمَن فَعَلَ وتَزَوَّجَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قوله: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ على قوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ [النساء: 24] تخصيصاً لعمومه بغير الإماء، وتقييداً لإطلاقه باستطاعة الطَّول.

والطَّول بفتح الطاء وسكون الواو القدرة، وهو مصدر طال المجازي بمعنى قدر، وذلك أنّ الطُّول يستلزم المقدرة على المناولة؛ فلذلك يقولون: تطاول لكذا، أي تمطَّى ليأخذه، ثم قالوا: تطاول، بمعنى تكلّف المقدرة «وأين الثريا من يد المتطاول» فجعلوا لطال الحقيقي مصدراً بضم الطاء وجعلوا لطال المجازي مصدراً بفتح الطاء وهو ممّا فرّقت فيه العرب بين المعنيين المشتركين.

﴿ والمحصنات ﴾ [النساء: 24] قرأه الجمهور بفتح الصاد وقرأه الكسائي بكسر الصاد على اختلاف معنيي (أحصن) كما تقدّم آنفاً، أي اللاَّتي أحصنّ أنفسهنّ، أو أحصنهنّ أولياؤهن، فالمراد العفيفات.

والمحصنات هنا وصف خرج مخرج الغالب، لأنّ المسلم لا يقصد إلاّ إلى نكاح امرأة عفيفة، قال تعالى: ﴿ والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ﴾ [النور: 30] أي بحسب خلق الإسلام، وقد قيل: إنّ الإحصان يطلق على الحرية، وأنّ المراد بالمحصنات الحرائر، ولا داعي إليه، واللغة لا تساعد عليه.

وظاهر الآية أنّ الطوْل هنا هو القدرة على بذل مهر لامرأة حرّة احتاج لتزوّجها: أولى، أو ثانية، أو ثالثةً، أو رابعة، لأنّ الله ذكر عدم استطاعة الطوْل في مقابلة قوله: ﴿ أن تبتغوا بأموالكم ﴾ [النساء: 24] ﴿ فأتوهن أجورهن فريضة ﴾ [النساء: 24] ولذلك كان هذا الأصحّ في تفسير الطوْل.

وهو قول مالك، وقاله ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، والسدّي، وجابر بن زيد.

وذهب أبو حنيفة إلى أنّ من كانت له زوجة واحدة فهي طَوْل فلا يباح له تزوّج الإماء؛ لأنّه طالب شهوة إذْ كانت عنده امرأة تعفّه عن الزنا.

ووقع لمالك ما يقرب من هذا في كتاب محمد بن الموّاز، وهو قول ابن حبيب، واستحسنه اللخمي والطبري، وهو تضييق لا يناسب يسر الإسلام على أنّ الحاجة إلى امرأة ثانية قد لا يكون لشهوة بل لحاجة لا تسدّها امرأة واحدة، فتعيّن الرجوع إلى طلب التزوّج، ووجودِ المقدرة.

وقال ربيعة، والنخعي، وقتادة، وعطاء، والثوري، الطوْل: الصبر والجلَد على نكاح الحرائر.

ووقع لمالك في كتاب محمد: أنّ الذي يجد مهر حرّة ولا يقدر على نفقتها، لا يجوز له أن يتزوّج أمة، وهذا ليس لكون النفقة من الطوْل ولكن لأنّ وجود المهر طول، والنفقة لا محيص عنها في كليهما، وقال أصبغ: يجوز لهذا أن يتزوّج أمة لأنّ نفقة الأمة على أهلها إن لم يضمَّها الزوج إليه، وظاهرٌ أنّ الخلاف في حاللٍ.

وقوله: ﴿ أن ينكح ﴾ معمول (طَوْلا) بحذف (اللاَّم) أو (على) إذ لا يتعدّى هذا المصدر بنفسه.

ومعنى ﴿ أن ينكح المحصنات ﴾ أي ينكح النساء الحرائر أبكاراً أو ثيّبات، دلّ عليه قوله: ﴿ فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ .

وإطلاق المحصنات على النساء اللاتي يتزوجهنّ الرجال إطلاق مجازي بعلاقة المآل، أي اللائي يَصِرن محصنات بذلك النكاح إن كنّ أبكاراً، كقوله تعالى: ﴿ قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً ﴾ [يوسف: 36] أي عنباً آيلا إلى خمر؛ أو بعلاقة ما كان، إن كنّ ثيّبات كقوله: ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ [النساء: 2] وهذا بيِّن، وفيه غنية عن تأويل المحصنات بمعنى الحرائر، فإنّه إطلاق لا تساعد عليه اللغة، لا على الحقيقة ولا على المجاز، وقد تساهل المفسّرون في القول بذلك.

وقد وُصف المحصنات هنا بالمؤمنات، جريا على الغالب، ومُعظم علماء الإسلام على أنّ هذا الوصف خرج للغالب ولعلّ الذي حملهم على ذلك أنّ استطاعة نكاح الحرائر الكتابيات طول، إذْ لم تكن إباحة نكاحهنّ مشروطة بالعجز عن الحرائر المسلمات، وكان نكاح الإماء المسلمات مشروطاً بالعجز عن الحرائر المسلمات، فحصل من ذلك أن يكون مشروطاً بالعجز عن الكتابيات أيضاً بقاعدة قياس المساواة.

وعلّة ذلك أنّ نكاح الأمة يُعرّض الأولاد للرقّ، بخلاف نكاح الكتابية، فتعطيل مفهوم قوله: ﴿ المؤمنات ﴾ مع ﴿ المحصنات ﴾ حصل بأدلّة أخرى، فلذلك ألغَوْا الوصف هنا، وأعملوه في قوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ .

وشذّ بعض الشافعية، فاعتبروا رخصة نكاح الأمة المسلمة مشروطة بالعجز عن الحرّة المسلمة، ولو مع القدرة على نكاح الكتابية، وكأنَّ فائدة ذكر وصف المؤمنات هنا أنّ الشارع لم يكترث عند التشريع بذكر غير الغالب المعتبر عنده، فصار المؤمنات هنا كاللَّقب في نحو (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين).

والفتيات جمع فتاة، وهي في الأصل الشابّة كالفتى، والمراد بها هنا الأمة أطلق عليها الفتاة كما أطلق عليها الجَارية، وعلى العبد الغلام، وهو مجاز بعلاقة اللزوم، لأنّ العبد والأمة يعاملان معاملة الصغير في الخدمة، وقلّة المبالاة.

ووصف المؤمنات عقب الفتيات مقصود للتقييد عند كافّة السلف، وجمهور أيّمة الفقه، لأنّ الأصل أن يكون له مفهوم، ولا دليل يدلّ على تعطيله، فلا يجوز عندهم نكاح أمة كتابية.

والحكمة في ذلك أنّ اجتماع الرقّ والكفر يُباعد المرأة عن الحرمة في اعتبار المسلم، فيقلّ الوفاق بينهما، بخلاف أحد الوصفين.

ويظهر أثر ذلك في الأبناء إذ يكونون أرقّاء مع مشاهدة أحوال الدّين المخالف فيمتدّ البون بينهم وبين أبيهم.

وقال أبو حنيفة: موقع وصف المؤمنات هنا كموقعه مع قوله: ﴿ المحصنات المؤمنات ﴾ ، فلم يشترط في نكاح الأمة كونها مؤمنة، قال أبو عُمر بن عبد البرّ: ولا أعرف هذا القول لأحد من السلف إلاّ لعَمْرو بن شرحبيل وهو تابعيّ قديم روى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب؛ ولأنَّ أبا حنيفة لا يرى إعمال المفهوم.

وتقدّم آنفاً معنى ﴿ ملكت أيمانكم ﴾ .

والإضافة في قوله: ﴿ أيمانكم ﴾ وقوله: ﴿ من فتياتكم ﴾ للتقريب وإزالة ما بقي في نفوس العرب من احتقار العبيد والإماء والترفّع عن نكاحهم وإنكاحهم، وكذلك وصف المؤمنات، وإن كنّا نراه للتقيد فهو لا يخلو مع ذلك من فائدة التقريب، إذ الكفاءة عند مالك تعتمد الدين أوَّلاً.

وقوله: ﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ اعتراض جمع معاني شتّى، أنّه أمر، وقيدٌ للأمر في قوله تعالى: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ إلخ؛ وقد تَحول الشهوة والعجلة دون تحقيق شروط الله تعالى، فأحالهم على إيمانهم المطلّع عليه ربّهم.

ومن تلك المعاني أنّه تعالى أمر بنكاح الإماء عند العجز عن الحرائر، وكانوا في الجاهلية لا يرضون بنكاح الأمة وجعْلَها حليلة، ولكن يقضون منهنّ شهواتهم بالبغاء، فأراد الله إكرام الإماء المؤمنات، جزاء على إيمانهنّ، وإشعاراً بأنّ وحدة الإيمان قرّبت الأحرار من العبيد، فلمَّا شَرَع ذلك كلّه ذيّله بقوله: ﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ ، أي بقوّته، فلمّا كان الإيمان، هو الذي رفع المؤمنين عند الله درجات كان إيمان الإماء مُقنعا للأحرار بترك الاستنكاف عن تزوجهنّ، ولأنّه رُبّ أمةٍ يكون إيمانها خيراً من إيمان رجل حرّ، وهذا كقوله ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ [الحجرات: 13].

وقد أشار إلى هذا الأخير صاحب «الكشاف»، وابن عطية.

وقوله: ﴿ بعضكم من بعض ﴾ تذييل ثان أكّد به المعنى الثاني المراد من قوله: ﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ فإنّه بعد أن قرّب إليهم الإماء من جانب الوحدة الدينية قرّبهنّ إليهم من جانب الوحدة النوعية، وهو أنّ الأحرار والعبيد كلّهم من بني آدم ف (مِن) اتّصالية.

وفرّع عن الأمر بنكاح الإماء بيان كيفية ذلك فقال: ﴿ فأنكحوهن بإذن أهلهن ﴾ وشرط الإذن لئلاّ يكون سرّا وزني، ولأنّ نكاحهنّ دون ذلك اعتداء على حقوق أهل الإماء.

والأهْل هنا بمعنى السَّادة المالكين، وهو إطلاق شائع على سادة العبيد في كلام الإسلام.

وأحسب أنّه من مصطلحات القرآن تلطّفا بالعبيد، كما وقع النهي أن يقول العبد لسيّده: سيّدي، بل يقول: مولاي.

ووقع في حديث بريرة «أنّ أهلها أبوا إلاّ أن يكون الولاء لهم».

والآية دليل على ولاية السيّد لأمته، وأنّه إذا نَكحت الأمة بدون إذن السيّد فالنكاح مفسوخ، ولو أجازه سيّدها.

واختلف في العبد: فقال الشعبي: والأوزاعي، وداود: هو كالأمة.

وقال مالك، وأبو حنيفة، وجماعة من التابعين: إذا أجازه السيد جاز، ويُحتجّ بها لاشتراط أصل الولاية في المرأة، احتجاجاً ضعيفاً، واحتجّ بها الحنفية على عكس ذلك، إذ سمّى الله ذلك إذناً ولم يسمّه عقداً، وهو احتجاج ضعيف، لأنّ الإذن يطلق على العقد لا سيما بعد أن دخلت عليه باء السببية المتعلّقة ب (انكحوهنّ).

والقول في الأجور والمعروف تقدّم قريباً.

غير أنّ قوله: ﴿ وأتوهن ﴾ وإضافة الأجور إليهنّ، دليل على أنّ الأمة أحقّ بمهرها من سيّدها.

ولذلك قال مالك في كتاب الرهون، من المدونة: إنّ على سيّدها أن يجهّزها بمهرها.

ووقع في كتاب النكاح الثاني منها: إنّ لسيّدها أن يأخذ مَهرها، فقيل: هو اختلاف من قول مالك، وقيل: إنّ قوله في كتاب النكاح: إذا لم تُبَوَّأ أو إذا جهّزها من عنده قبل ذلك، ومعنى تُبَوَّأ إذا جعل سكناها مع زوجها في بيت سيّدها.

وقوله: ﴿ محصنات ﴾ حال من ضمير الإماء، والإحصان التزوّج الصحيح، فهي حال مقدّرة، أي ليصرن محصنات.

وقوله: ﴿ غير مسافحات ﴾ صفة للحال، وكذلك ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ قصد منها تفظيع ما كانت ترتكبه الإماء في الجاهلية بإذن مواليهنّ لاكتساب المَال بالبغاء ونحوه، وكان الناس يومئذ قريبا عصرهم بالجاهلية.

والمسافحات الزواني مع غير معيّن.

ومتّخذاتُ الأخذَان هنّ متّخذات أخلاّء تتّخذ الواحدة خليلاً تختصّ به لا تألف غيره.

وهذا وإن كان يشبه النكاح من جهة عدم التعدّد، إلاّ أنّه يخالفه من جهة التستّر وجهل النسب وخلع برقع المروءة، ولذلك عطفه على قوله: ﴿ غير مسافحات ﴾ سدّ المداخل الزني كلّها.

وتقدّم الكلام على أنواع المعاشرة التي كان عليها أهل الجاهلية في أول هذه السورة.

وقرأه الكسائي بكسر الصاد وقرأه الجمهور بفتح الصاد.

وقوله: ﴿ فإذا أُحْصنّ ﴾ أي أحصنهنّ أزواجُهن، أي فإذا تزوجن.

فالآية تقتضي أنّ التزوّج شرط في إقامة حدّ الزنا على الإماء، وأنّ الحدّ هو الجلد المعيّن لأنّه الذي يمكن فيه التنصيف بالعدد.

واعلم أنّا إذا جرينا على ما حقّقناه ممّا تقدّم في معنى الآية الماضية تعيّن أن تكون هذه الآية نزلت بعد شرع حدّ الجلد للزانية والزاني بآية سورة النور.

فتكون مخصّصة لعموم الزانية بغير الأمة، ويكون وضع هذه الآية في هذا الموضع ممّا ألحق بهذه السورة إكمالا للأحكام المتعلّقة بالإماء كما هو واقع في نظائر عديدة، كما تقدّم في المقدّمة الثامنة من مقدّمات هذا التفسير.

وهذه الآية تحيّر فيها المتأوّلون لاقتضائها أن لا تحدّ الأمة في الزنى إلاّ إذا كانت متزوّجة، فتأوّلها عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عُمَر بأنّ الإحصان هنا الإسلام، ورأوا أنّ الأمة تحدّ في الزنا سواء كانت متزوّجة أم عزبى، وإليه ذهب الأيّمة الأربعة.

ولا أظنّ أنّ دليل الأيّمة الأربعة هو حمل الإحصان هنا على معنى الإسلام، بل ما ثبت في «الصحيحين» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؛ فأوجب عليها الحدّ.

قال ابن شهاب فالأمة المتزوّجة محدودة بالقرآن، والأمة غير المتزوّجة محدودة بالسنّة.

ونِعْم هذا الكلام.

قال القاضي إسماعيل بن إسحاق: في حمل الإحصان في الآية على الإسلام بُعد؛ لأنّ ذكر إيمانهن قد تقدّم في قوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ وهو تدقيق، وإن أباه ابن عطية.

وقد دلّت الآية على أنّ حدّ الأمة الجلد، ولم تذكر الرجم، فإذا كان الرجم مشروعاً قبل نزولها دلّت على أنّ الأمة لا رجم عليها، وهو مذهب الجمهور، وتوقّف أبو ثور في ذلك، وإن كان الرجم قد شرع بعد ذلك فلا تدلّ الآية على نفي رجم الأمة، غير أنّ قصد التنصيف في حدّها يدلّ على أنّها لا يبلغ بها حدّ الحرّة، فالرجم ينتفي لأنّه لا يقبل التجزئة، وهو ما ذَهِل عنه أبو ثور.

وقد روي عن عمر بن الخطاب: أنّه سئل عن حدّ الأمة فقال: «الأمة ألقت فَروة رأسها من وراء الدار» أي ألقت في بيت أهلها قناعها، أي أنّها تخرج إلى كلّ موضع يرسلها أهلها إليه لا تقدر على الامتناع من ذلك، فتصير إلى حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور، قالوا: فكان يرى أن لا حدّ عليها إذا فجرت ما لم تتزوّج، وكأنّه رأى أنّها إذا تزوّجت فقد منعها زوجها.

وقولُه هذا وإن كان غير المشهور عنه، ولكنّنا ذكرناه لأنّ فيه للمتبصّر بتصريف الشريعة عبرة في تغليظ العقوبة بمقدار قوّة الخيانة وضعف المعذرة.

وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: ﴿ أحصن ﴾ بضمّ الهمزة وكسر الصاد مبنيّا للنائب، وهو بمعنى مُحْصَنات المفتوح الصاد.

وقرأه حمزة، والكسائي وأبو بكر عن عاصم، وخلَف: بفتح الهمزة وفتح الصاد، وهو معنى محصِنات بكسر الصاد.

وقوله: ﴿ ذلك لمن خشى العنت منكم ﴾ إشارة إلى الحكم الصالح لأن يتقيّد بخشية العنت، وذلك الحكم هو نكاح الإماء.

والعنت: المشقّة، قال تعالى: ﴿ ولو شاء الله لأعنتكم ﴾ [البقرة: 220] وأريد به هنا مشقّة العُزبة التي تكون ذريعة إلى الزنا، فلذلك قال بعضهم: أريد العَنت الزنا.

وقوله: ﴿ وأن تصبروا خير لكم ﴾ أي إذا استطعتم الصبر مع المشقّة إلى أن يتيسّر له نكاح الحرّة فذلك خير، لئلا يوقع أبناءه في ذلّ العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة، ولئلا يوقع نفسه في مذّلة تصرّف الناس في زوجه.

وقوله: ﴿ والله غفور رحيم ﴾ أي إن خفتم العَنت ولم تصبروا عليه، وتزوّجتم الإماء، وعليه فهو مؤكّد لمعنى الإباحة.

مؤذن بأنّ إباحة ذلك لأجل رفع الحرج، لأنّ الله رحيم بعباده.

غفور فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عمّا ما يقتضي مقصدُ الشريعة تحريمَه، فليس هنا ذنب حتّى يغفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ في الطَّوْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الغِنى والسَّعَةُ المُوصِلُ إلى نِكاحِ الحُرَّةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، والشّافِعِيِّ، ومالِكٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: هو أنْ تَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: هو الهَوى وهو أنْ يَهْوى أمَةً فَيَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَها، إنْ كانَ ذا يَسارٍ وكانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وهَذا قَوْلُجابِرٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيِّ، ورَبِيعَةَ، وعَطاءٍ.

وَأصْلُ الطَّوْلِ الفَضْلُ والسَّعَةُ، لِأنَّ المَعْنى كالطَّوْلِ في أنَّهُ يَنالُ بِهِ مَعالِيَ الأُمُورِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لَيْسَ فِيهِ طائِلٌ أيْ لا يُنالُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الفَوائِدِ، فَكانَ هو الأصَحَّ مِن تَأْوِيلاتِهِ.

واخْتُلِفَ في إيمانِ الأمَةِ هَلْ هو شَرْطٌ في نِكاحِها عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَرْطٌ لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ إلّا بِهِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ نَدْبٌ ولَيْسَ بِشَرْطٍ، فَإنْ تَزَوَّجَ غَيْرَ المُؤْمِنَةِ جازَ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ﴾ يَعْنِي بِالمُسافِحَةِ: المُعْلِنَةَ بِالزِّنى.

﴿ وَلا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ ﴾ هو أنْ تَتَّخِذَ المَرْأةُ خِدْنًا وصَدِيقًا ولا تَزْنِيَ بِغَيْرِهِ، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما ظَهَرَ مِنَ الزِّنى، ويَسْتَحِلُّونَ ما بَطَنَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ ﴿ فَإذا أُحْصِنَّ ﴾ قَرَأ بِفَتْحِ الألِفِ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أسْلَمْنَ، فَيَكُونُ إحْصانُها هَهُنا إسْلامَها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيِّ، ورَوى الزُّهْرِيُّ قالَ: جَلَدَ عُمَرُ ولائِدَ أبْكارًا مِن ولائِدِ الإمارَةِ في الزِّنى.

وَقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الألِفِ، ومَعْنى ذَلِكَ تَزَوَّجْنَ، فَيَكُونُ إحْصانُها هَهُنا تَزْوِيجَها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ.

﴿ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ﴾ يَعْنِي بِها هَهُنا الزِّنى.

﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ﴾ يَعْنِي نِصْفَ حَدِّ الحُرَّةِ.

﴿ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الزِّنى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.

والثّانِي: أنَّ العَنَتَ الإثْمُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحَدُّ الَّذِي يُصِيبُهُ.

والرّابِعُ: هو الضَّرَرُ الشَّدِيدُ في دِينٍ أوْ دُنْيا.

وَهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَدُّوا ما عَنِتُّمْ  ﴾ ﴿ وَأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي الصَّبْرَ عَنْ نِكاحِ الأمَةِ لِئَلّا يَكُونَ ولَدُهُ عَبْدًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ يقول: من لم يكن له سعة أن ينكح المحصنات يقول: الحرائر ﴿ فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ فلينكح من إماء المؤمنين ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ يعني عفائف غير زوان في سر ولا علانية ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ يعني أخلاء ﴿ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ﴾ يعني إذا تزوجت حراً ثم زنت ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ قال: «من الجلد ﴿ ذلك لمن خشي العنت ﴾ هو الزنا فليس لأحد من الأحرار أن ينكح أمة إلا أن لا يقدر على حرة وهو يخشى العنت ﴿ وأن تصبروا ﴾ عن نكاح الإماء ﴿ فهو خير لكم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة، ومن وجد طولاً لحرة فلا ينكح أمة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ يعني من لم يجد منكم غنى ﴿ أن ينكح المحصنات ﴾ يعني الحرائر فلينكح الأمة المؤمنة ﴿ وأن تصبروا ﴾ عن نكاح الإماء ﴿ خير لكم ﴾ وهو حلال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن عبد الله.

أنه سئل عن الحر يتزوّج الأمة، فقال: إذا كان ذا طول فلا.

قيل إن وقع حب الأمة في نفسه؟

قال: إن خشي العنت فليتزوجها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: إنما أحل الله نكاح الإماء إن لم يستطع طولاً، وخشي العنت على نفسه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال: مما وسع الله به على هذه الأمة واليهودية والنصرانية، وإن كان موسراً.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ من فتياتكم ﴾ قال: من إمائكم.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن مجاهد قال: لا يصلح نكاح إماء أهل الكتاب، إن الله يقول ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ .

وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن الحسن قال: إنما رخص في الأمة المسلمة لمن لم يجد طولاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: إنما رخص لهذه الأمة في نكاح نساء أهل الكتاب ولم يرخص لهم في الإماء.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس قال: لا يتزوج الحر من الإماء إلا واحدة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال: إنما أحل الله واحدة لمن خشي العنت على نفسه ولا يجد طولاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ثم قال في التقديم: ﴿ والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن السدي ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ قال: بإذن مواليهن ﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ قال: مهورهن.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: المسافحات.

المعلنات بالزنا و ﴿ المتخذات أخدان ﴾ ذات الخليل الواحد قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك.

فأنزل الله: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ [ الأنعام: 151] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فإذا أحصن ﴾ قال: إحصانها إسلامها.

وقال علي: اجلدوهن» .

قال ابن أبي حاتم حديث منكر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود.

أنه سئل عن أمة زنت وليس لها زوج، فقال: اجلدوها خمسين جلدة قال: إنها لم تحصن.

قال: إسلامها إحصانها.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: في الأمة إذا كانت ليست بذات زوج فزنت جلدت ﴿ نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قرأ ﴿ فإذا أَحْصَنَّ ﴾ بفتح الألف وقال: إحصانها إسلامها.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم ﴿ فإذا أحصن ﴾ قال: إذا أسلمن.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يقرأ ﴿ فإذا أحصن ﴾ قال: إذا أسلمن، وكان مجاهد يقرأ ﴿ فإذا أحصن ﴾ يقول: إذا تزوجن، ما لم تزوّج فلا حَدَّ عليها.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس أنه قرأها ﴿ فإذا أحصن ﴾ يعني برفع الألف يقول: أحصن بالأزواج.

يقول: لا تجلد أمة حتى تزوّج.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس قال: إنما قال الله: ﴿ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن ﴾ فليس يكون عليها حد حتى تحصن.

وأخرج سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات» قال ابن خزيمة والبيهقي: رفعه خطأ.

والصواب وقفه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ فإذا أحصنَّ ﴾ يقول: فإذا تزوجن.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن ابن عباس.

أنه كان لا يرى على الأمة حداً حتى تُزوَّج زوجاً حراً.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟

قال اجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أنس بن مالك أنه كان يضرب إماءَهُ الحد إذا زنين، تزوّجن أو لم يتزوجن.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: في بعض القراءة ﴿ فإن أتوا أو أتين بفاحشة ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ قال: خمسون جلدة، ولا نفي ولا رجم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس قال: حد العبد يفتري على الحر أربعون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: العنت الزنا.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن العنت قال: الإثم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: رأيتك تبتغي عنتي وتسعى ** على الساعي عليّ بغير دخل وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وأن تصبروا خير لكم ﴾ قال: عن نكاح الإماء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود ﴿ وأن تصبروا خير لكم ﴾ قال: عن نكاح الإماء.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ وأن تصبروا ﴾ عن نكاح الأمة خير، وهو حل لكم إسترقاق أولادهن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: أن تصبر ولا تنكح الأمة فيكون أولادك مملوكين فهو خير لك.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: ما تزحف ناكح الإماء عن الزنا إلا قليلاً.

وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة وعن سعيد بن جبير.

مثله.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب قال: إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الحر الأمة فقد أرَقَّ نصفه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: نكاح الأمة كالميتة والدم ولحم الخنزير، لا يحل إلا للمضطر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ﴾ الآية.

قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الطَّول: الغنى والسعة (١) وقال الفراء: الطّول: الفضل، يقال: طال عليه يطول طَولًا في الإفضال.

ولفلان على فلان طَول، أي: فضل (٢) وقال ابن المظفر والزجاج: الطول: القُدرة (٣) (٤) ﴿ ذِي الطَّوْلِ  ﴾ ذي القدرة.

وهذه الأقوال كلها في المعنى واحد.

وُيراد بالقدرة ههنا القدرة على المهر (٥) (٦) (٧) ومنه: لقد زادني حبًّا لنفسيَ أَنَّني ...

بغيضٌ إلى كُلِّ امرئ غيرِ طائلِ (٨) وقوله تعالى:.

﴿ أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ قال ابن عباس وغيره: يريد الحرائر (٩) فمن فتح الصاد (١٠) (١١) (١٢) وتقييد المحصنات ههنا بالمؤمنات، ووصفهن بالإيمان يفيد عند من يقول بالمفهوم أن من وجد طول حرة كتابية لم يكن ممنوعًا عن نكاح الأمَة (١٣) (١٤) ومنهم من يقول: إذا قدر على طَول حرّة كتابية منع من نكاح الأَمَة، كما لو قدر على طول حرة مؤمنة (١٥) ويُحتمل هذا التقييد على غالب الحال؛ لأنّ الغالب من نكاح المسلمين مناكحة المسلمات، والخطاب ربما يأتي مقيدًا بغالب الحال، فلا يكون له مفهوم يُخالف المنظوم، كقوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ  ﴾ ، ثم لم يكن الخوف مشروطًا في جواز القصر، ولكنه نزل على الغالب، وكان الغالب من أسفارهم الخوف، ولهذا نظائر (١٦) وقوله تعالى: ﴿ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ .

أي: فليتزوج مما ملكت أيمانكم.

قال ابن عباس: يريد جارية أخيك في الإسلام (١٧) ولا يجوز للإنسان أن يتزوج جاريةَ نفسِه بالإجماع (١٨) ﴿ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ هو أن يتزوج الرجل ما يملك غيره ممّن يكون على مثل حاله من الإسلام.

فأباح أن ينكح بعضنا فتاة بعض، كما فسره ابن عباس.

وقوله تعالى: ﴿ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ .

الفتيات: المملوكات والإماء.

جمع فتاة، تقول العرب للأَمَة: فتاة، وللعبد: فتى (١٩) ورُوي عن النبي  أنه قال: "لا يقولن أحُدكم: عبدي، ولكن لِيَقُل: فتاي وفتاتي" (٢٠) وقال ابن السكيت: يقال: (تفتّت) (٢١) (٢٢) ويقال للجارية الحَدثة: فتاة، وللغلام: فتى (٢٣) أبو عبيد: الفتاء ممدود مصدر الفِتيّ في السن.

وأنشد: إذا عاش الفتى مائتين عامًا ...

فقد ذهب اللذاذة والفَتَاء (٢٤) فالفتاة الشابة، والفتاة الأمَة، عجوزًا كانت أو شابة (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ أفاد هذا التقييد أنه لا يجوز التزوّج بالأَمَة الكِتابية، سواءٌ كان الزوج حرًا أو عبدًا.

وهذا قول مجاهد (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) ومذهب أهل العراق أنه يجوز التزّوج بالأمَة الكِتابية (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ﴾ .

قال الزجاج: أي: اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم متعبدون بما ظهر، (والله يتولى السرائر والحقائق) (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ .

ذكر أهل المعاني الزجاج وابن الأنباري وغيرهما، فيه وجهين: أحدهما: كلكم بنو آدم وولده، فلا يتداخلنكم شموخ وأنفَة من تزّوج الإماء عند الضرورة، فإنكم تتساوون في أنكم بنو آدم.

فعلى هذا قوله: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ أي: في النسَب (٣٤) والثاني: أن المعنى: بعضكم يوالي بعضًا، ويُلابس بعضًا في ظاهر الحكم، من حيث شملكم الإسلام، فاجتمعتم فيه، وصرتم متكافئين متماثلين بجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه.

قال الراعي: فقُلت ما أنا مِمَّن لا يواصِلُني ...

ولا ثَوائِي إلا ريثَ أَحْتَمِلَ (٣٥) أي: لا ألابس من لا يواصلني ولا أواليه.

والمعنى: دينكم واحد فأنتم متساوون في هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزّوج الأمَة (٣٦) قال الزجاج: ويُقَوِّي هذا الوجه أنه ذكر ههنا المؤمنات من العبيد (٣٧) والى هذا أشار ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال: يريد: المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض (٣٨) قالوا: وإنما قيل لهم ذلك؛ لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفتخر بالأحساب، وتُعَيِّر بالهُجنة، وتُسمي ابن الأَمَة الهَجِين، فأعلمَ الله أن أمر العبيد وغيرهم مستوي (٣٩) وإنما حرم التزّوج بالأمة إذا وُجد إلى الحرة سبيل لمعنيين: أحدهما: أن ولد الحُرّ من المملوك (٤٠) والثاني: أنّ الأَمَة مُستَخدمةٌ في الحاجات، مُمتهنة بكثَرة عِشرة الرجال وذلك شاق على الزوج (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ : أي: مهورهن (٤٢) ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ : من غير مَطْل وضِرَار (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ مُحْصَنَاتٍ ﴾ قال ابن عباس وغيره: يريد عفائف (٤٤) وهو الحال من قوله: ﴿ فَانْكِحُوهُنَّ ﴾ (٤٥) واختلف الناس في نكاح الزواني من الحرائر، وسنذكر ذلك عند قوله: ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً  ﴾ والأكثرون على أنه يجوز نكاح الزانية، وأن قوله: ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً  ﴾ ، منسوخ بقوله.

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ  ﴾ (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُسَافِحَات ﴾ أي: غير زواني (٤٧) ﴿ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ جمع خِدْن، والخِدنْ والخَدِين الذي يُخادنك يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، وخِدْن الجارية مُخَدَّنها (٤٨) قال قتادة والضحاك وأهل التفسير: المُسافِحة التي تؤاجر نفسها مُعلِنَةً بالزنا.

يزنين بمن لقيهن من غير ميعاد، ويَسفحن (٤٩) (٥٠) وكانت العرب في الجاهلية يعيبون الزنا العلانية، ولا يكادون يعيبون اتخاذ الأخدان فجاء الله بالإسلام فهدم ذلك، وقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ (٥١) ﴿ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ .

وقال الشعبي: الزنا على نحوين خبيثين، أحدهما أخبث من الآخر، فأما الذي هو أخبثهما فالسفاح، وهو الفجور بمن أتاها، والثاني: اتخاذ الخدن، وهو الزنا في السر (٥٢) قال قتادة: ونهى الله عن نكاح المُسَافِحة وذات الخِدْن (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ .

قرئ بالوجهين؛ فمن ضم الألف (٥٤) (٥٥) (٥٦) ومن فتح الألف (٥٧) (٥٨) كذلك قال عمر، وابن مسعود، والشعبي وإبراهيم والسدي (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ يريد: زنا (٦٠) ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ أي: عليهن نصف الحدّ (٦١) والمحصنات ههنا الأبكار اللاتي أحصنهن العفاف (٦٢) (٦٣) (٦٤) ﴿ أُحْصِنَّ ﴾ ، و ﴿ أَحصنَّ ﴾ على اختلاف القراءتين فُسر بالتزوج والإسلام وليس واحد منهما شرطًا في وجوب الحد على الأَمَة إذا زنت؛ فإن الكافرة إذا زنت كان حدها خمسين جلدة، وكذلك الخالية عن الزوج؟

والجواب: أن من فسر الإحصان ههنا بالإسلام قال: إنها إذا كانت كافرة لم يكن عليها سبيل، إلا بأن ترضى بحكمنا.

وإذا كانت مسلمة أقمنا عليها الحد، ففائدة ذكر الإسلام راجعة إلى أصل إقامة الحد مع بيان قَدرِه.

ومن فسر الإحصان بالتزوّج قال: فائدة ذكره ههنا أن الحرة المحصنة بالزوج حدها الرجم، فقيد الله تعالى حكم الأَمَة عند ذكر الحد بالإحصان، إذ لو نص على غير حالة الإحصان بالنكاح لم يبعد أن يَتوهّم مُتوهِّم وجوب الرجم عليها إذا زنت وهي متزوجة، من حيث لم يكن للرجم نصف، كما استوت الحُرّة والأَمَة في قطع السرقة لَمّا لم يكن للقطع نصف (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ﴾ .

الإشارة تعود إلى نكاح الأمَة عند عدم الطول (٦٦) وذكرنا معنى العنت والإعنات في اللغة عند قوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ  ﴾ .

وفسر العنت ههنا: الزنا في قول ابن عباس وسعيد بن جبير وعطية والضحاك وابن زيد (٦٧) (٦٨) وقال عطاء: العَنَت المشقة في شدة الغُربة (٦٩) (٧٠) قال الأزهري: وهذا الذي قاله أبو إسحاق صحيح، فإذا شقّ على الرجل الغربة (٧١) (٧٢) وحكى أبو إسحاق، عن بعضهم: قال: معناه أن يعشق الأمَة.

قال (٧٣) (٧٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ .

أباح الله تعالى نكاح الأمَة بشرطين: أحدهما: في أول الآية، وهو عدم الطَّول.

والثاني: في آخرها، وهو خوف العنت.

ثم قال مع ذلك: ﴿ وَأَنْ تَصْبِرُوا ﴾ يريد: عن تزوج الإماء.

قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة (٧٥) ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ ألا يصير الولد عبدًا (٧٦) (١) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 15.

والأثر عن ابن عباس في "تفسيره" من طريق علي بن أبي طلحة ص 142، وعن مجاهد في "تفسيره" 1/ 152، وانظر: "زاد المسير" 2/ 55، "الدر المنثور" 2/ 253 - 254.

(٢) لم أجده في "معاني القرآن" للفراء، فلعله في كتابه "المصادر" وهو مفقود، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2156.

(٣) "العين" 7/ 450 (طول)، "معاني الزجاج" 2/ 40، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2156.

(٤) في "العين" 7/ 450 دون لفظ: ماله.

(٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 40، و"تهذيب اللغة" 3/ 2156.

(٦) انظر: "العين" 7/ 450 (طول)، والطبري 5/ 15 - 16.

(٧) انظر: "العين" 7/ 450، و"تهذيب اللغة" 3/ 2156.

(٨) البيت للطرماح في "ديوانه" ص 100، و"الأغاني" 12/ 50، و"الحيوان" 3/ 112، و"الشعر والشعراء" ص 585، و"ديوان الحماسة" 1/ 76، و"عيون الأخبار" 3/ 112، و"الوساطة" ص 247، و"المثل السائر" 2/ 353، و"الكشاف" 1/ 531، و"البحر" 3/ 204.

(٩) "تفسير ابن عباس" ص 143، وأخرجه الطبري 5/ 17.

(١٠) أي من: المحصنات، وهذه قراءة الجمهور.

(١١) قراءة الكسائي.

(١٢) في توجيه القراءتين ينظر الطبري 5/ 17 - 18.

(١٣) أي: المؤمنة.

(١٤) انظر "المجموع شرح المهذب" 17/ 344، وقد رجح هذا القول ابن العربي من المالكية في تفسيره "أحكام القرآن" 1/ 393، وانظر: القرطبي 5/ 138.

(١٥) هذا ما رجحه الشيرازي، انظر: "المجموع" 17/ 344، والقرطبي 5/ 138.

(١٦) هذا الاحتمال يرجح القول الأول.

(١٧) بمعناه في "تفسير ابن عباس" ص143، وأخرجه الطبري 5/ 19 - 20، وانظر "الدر المنثور" 2/ 253.

(١٨) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 139.

(١٩) "معاني الزجاج" 2/ 40.

(٢٠) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (2249) كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب، حكم إطلاق لفظة العبد.

(٢١) في النسختين: لفتت، والتصويب من "تهذيب اللغة" 3/ 2730 ("فتح الوهاب" للأنصاري).

(٢٢) أي: ألزمت الخِدر وسُتِرت في البيت.

حاشية 2 من "تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا).

(٢٣) "تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا).

(٢٤) "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 333، "تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا)، والبيت للربيع بن ضبع الفزاري كما عند سيبويه 1/ 208، "اللسان" 6/ 3347 (فتا)؛ ونسبه سيبويه مرة أخرى إلى يزيد بن ضبة.

انظر: "الكتاب" 2/ 162.

(٢٥) انظر: الطبري 5/ 18.

(٢٦) "تفسيره" 1/ 152، والطبري 5/ 18.

(٢٧) لم أقف عليه.

(٢٨) أورد الأثر عنه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 254، وعزاه لابن أبي شيبة.

(٢٩) خرج قوله الطبري 5/ 18، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 195، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 140.

(٣٠) "الأم" 5/ 6، وانظر: "أحكام القرآن" للهراسي 2/ 289، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 140.

(٣١) انظر: الطبري 5/ 18، والقرطبي 5/ 140.

(٣٢) انظر: الطبري 5/ 18 - 19.

(٣٣) "معاني الزجاج" 2/ 40، وما بين القوسين زيادة على ما فيه.

(٣٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 41، "زاد المسير" 2/ 75.

(٣٥) "ديوانه" ص 197، "أساس البلاغة" ص 186 (ريث)، وقافيته في الأساس: أرتحل.

ومعنى يواصلني: يوافقنى.

(٣٦) انظر: "معانى الزجاج" 2/ 41 (٣٧) "معاني الزجاج" 2/ 41، دون لفظ: ويقوي هذا الوجه.

(٣٨) لم أقف عليه.

(٣٩) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مستوٍ بحذف الياء.

(٤٠) هكذا في (أ)، ولعل الصواب: المملوكة.

(٤١) من قوله: (قالوا: ..) من "معاني الزجاج" 2/ 41 بتصرف يسير.

(٤٢) الطبري 5/ 19، "الكشف والبيان" 4/ 40 أ.

(٤٣) "الكشف والبيان" 4/ 40 أ.

(٤٤) من أثر في "تفسير ابن عباس" ص 143، وأخرجه الطبري 5/ 20.

(٤٥) أي: من الهاء والنون هن.

انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 195.

(٤٦) ممن قال بالنسخ سعيد بن المسيب من التابعين.

انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 100.

(٤٧) انظر: الطبري 5/ 19، "الكشف والبيان" 4/ 40 أ.

(٤٨) "العين" 4/ 232، "تهذيب اللغة" 1/ 996 (خدن)، وآخر كلمة جاءت فيهما: مُحدثها، ولعله هو الصواب.

(٤٩) في (د): (يسفح).

(٥٠) هذا نحو قول قتادة والضحاك، وقد أخرج الأثرين عنهما الطبري 5/ 20، وانظر: ابن كثير: 1/ 518 - 99.

(٥١) هذا معنى قول لابن عباس أخرجه الطبري 5/ 19 - 20، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 254.

(٥٢) أخرجه الطبري بنحوه 5/ 20، وانظر: ابن كثير 1/ 518.

(٥٣) بمعناه عن قتادة، وهو جزء من الأثر المتقدم عنه، وقد أخرجه الطبري 5/ 20.

(٥٤) هذه القراءة لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم، وأبي جعفر ويعقوب.

انظر "السبعة" ص 231، "الحجة" 3/ 151، "المبسوط" ص 156.

(٥٥) انظر: الطبري 5/ 21، "الحجة" 3/ 148، 151.

(٥٦) أخرج أقوالهم الطبري 5/ 23 - 24، وابن كثير 1/ 519، وقد رجح ابن كثير هذا المعنى.

(٥٧) هذه القراءة لحمزة والكسائي وخلف.

انظر: "السبعة" / 231، "الحجة" 3/ 151، "المبسوط" ص 156.

(٥٨) انظر: الطبري 5/ 21، "الحجة" 3/ 148.

(٥٩) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 22 - 23.

(٦٠) الطبري 5/ 24، "الكشف والبيان" 4/ 40 أ.

(٦١) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 123، والطبري 5/ 24.

(٦٢) لعل قصد المؤلف: الأبكار الحرائر.

انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 124، والطبري 5/ 24، "معاني الزجاج" 2/ 41، والثعلبي 4/ 40 أ.

(٦٣) انظر: الطبري 5/ 24، والثعلبي 4/ 40 أ.

(٦٤) انظر "معاني الزجاج" 2/ 41 (٦٥) انظر: "زاد المسير" 2/ 58.

(٦٦) انظر: الطبري 5/ 24، "معاني الزجاج" 2/ 42، والثعلبي 4/ 40 ب.

(٦٧) الأثر عن ابن عباس في "تفسيره" ص 143، وأخرجه عنه وعن الباقين إلا ابن زيد الطبري 5/ 24 - 25، وانظر: "زاد المسير" 2/ 58، وقد ذكر أن هذا قول ابن زيد.

(٦٨) الظاهر أن هذا الكلام ليس للمبرد، فقد قال الزجاج في "معانيه" 2/ 42: قال أبو العباس -وهو المبرد-: (العنت) ههنا الهلاك، وقال غيره: معناه: ذلك لمن خشى أن تحمله الشهوة ..

إلخ نحو ما ذكره المؤلف هنا.

والله أعلم.

انظر.

"تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت).

(٦٩) هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالعين المهملة والزاي.

انظر "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت).

(٧٠) "معاني الزجاج" 2/ 42، إلا أنه ليس فيه كلمة (المصعد)، وقد أثبتها الأزهري في "التهذيب" 3/ 2585 (عنت)، فقد يكون الواحدي أخذ عن الأزهري، ويؤيده ما بعده.

(٧١) هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالحين المهملة والزاي.

انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت).

(٧٢) في (د) أدى.

لعل في الكلام سقطًا أو حذفًا، فالظاهر أنه لم يتم الكلام، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت) -والكلام للأزهرى- ربما أدى إلى العلة الصعبة.

(٧٣) أي: أبو إسحاق الزجاج.

(٧٤) "معاني الزجاج" 2/ 42.

(٧٥) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 25 - 26، وانظر: "زاد المسير" 2/ 59، "الدر المنثور" 2/ 256.

(٧٦) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 42.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات ﴾ معناها إباحة تزويج الفتيات، وهنّ الإماء للرجل إذا لم يجد طولاً للمحصنات، والطوْل هنا هو السعة في المال، والمحصنات هنا يراد بهنّ؛ الحرائر غير المملوكات.

ومذهب مالك وأكثر أصحابه أنه: لا يجوز للحر نكاح أمه إلاّ بشرطين: أحدهما: عدم الطول؛ وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة، والآخر: خوف العنت، وهو الزنا لقوله بعد هذا: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ ﴾ ، وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة التي تتزوج لقوله تعالى: ﴿ مِّن فتياتكم المؤمنات ﴾ إلاّ أهل العراق فلم يشترطوه، وإعراب طولاً: مفعولاً بالاستطاعة، وأن ينكح بدل منه وهو في موضع نصب بتقدير لأن ينكح؛ ويحتمل أن يكون طولاً منصوباً على المصدر والعامل فيه الاستطاعة لأنها بمعنى يتقارب، وأن ينكح على هذا مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر ﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ معناه أنه يعلم بواطن الأمور ولكم ظواهرها، فإذا كانت الأمة ظاهرة الإيمان، فنكاحها صحيح، وعلم باطنها إلى الله ﴿ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ أي إماؤكم منكم، وهذا تأنيس بنكاح الإماء، لأن بعض العرب كان يأنف من ذلك ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ أي بإذن ساداتهن المالكين لهنّ ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أي صدقاتهن، وهذا يقتضي أنهنّ أحق بصدقاتهنّ من ساداتهنّ، وهو مذهب مالك ﴿ بالمعروف ﴾ أي بالشرع على ما تقتضيه السنة ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات ﴾ أي عفيفات غير زانيات، وهو منصوب على الحال والعامل فيه فانكحوهنّ ﴿ وَلاَ متخذات أخدان ﴾ جمع خدن وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية من تتخذ خدناً تزني معه خاصة، ومنهن من كانت لا تردّ يد لامس ﴿ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ معنى ذلك أن الأمة إذا زنت بعد أن أحصنت فعليها نصف حدّ الحرة، فإن الحرة تجلد في الزنا مائة جلدة، والأمة تجلد خمسين، فإذا أحصن يريد به هنا تزوّجن، والفاحشة هنا الزنا، والمحصنات هنا الحرائر، والعذاب هنا الحدّ فاقتضت الآية حدّ الأمة إذا زنت بعد أن تزوّجت، ويؤخذ حدّ غير المتزوّجة من السنة؛ وهو مثل حدّ المتزوّجة وهذا على قراءة أُحصنَّ بضم الهمزة وكسر الصاد، وقرئ بفتحهما، ومعناه أسلمن، وقيل: تزوّجن ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ ﴾ الإشارة إلى تزوّج الأمة أي إنما يجوز لمن خشي على نفسه الزنا، لا لمن يملك نفسه ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ المراد الصبر عن نكاح الإماء، وهذا يندب إلى تركه، وعلته ما يؤدي إليه من استرقاق الولد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والمحصنات ﴾ في كل القرآن بكسر الصاد إلاّ قوله: ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ على الباقون بالفتح ﴿ وأحل ﴾ مبنياً للمفعول: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ أحصن ﴾ بفتح الهمزة والصاد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

الباقون: ﴿ أحصن ﴾ بضم الهمزة وكسر الصاد.

﴿ تجارة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

الباقون: بالرفع.

الوقوف: ﴿ دخلتم بهن ﴾ الأولى (ز) لابتداء الشرط مع اتحاد المقصود ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ (ز) لذلك فإن جملة الشرط معترضة ﴿ أصلابكم ﴾ (لا) للعطف ﴿ سلف ﴾ (ط) / ﴿ رحيماً ﴾ (ه) لا للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ (ج) لأن ﴿ كتاب الله ﴾ يحتمل أن يكون مصدر التحريم لأنه في معنى الكتابة، ويحتمل أن يكون مصدر محذوف أي كتب الله كتاباً، والأحسن أن يكون مفعولاً له أي حرمت لكتاب الله.

من قرأ ﴿ وأحل ﴾ بالفتح لم يحسن الوقف له على ﴿ عليكم ﴾ للعطف على "كتب"، ومن قرأ ﴿ وأحل ﴾ بالضم عطفاً على ﴿ حرمت ﴾ جاز له الوقف لطول الكلام ﴿ مسافحين ﴾ (ط) لابتداء حكم المتعة ﴿ فريضة ﴾ (ط) ﴿ الفريضة ﴾ (ه) ﴿ حكيماً ﴾ (ه) ﴿ فتياتكم المؤمنات ﴾ (ط) ﴿ بإيمانكم ﴾ (ط) ﴿ من بعض ﴾ (ج) لعطف المختلفين ﴿ أخدان ﴾ (ج) لذلك ﴿ من العذاب ﴾ (ط) ﴿ العنت منكم ﴾ (ط) ﴿ خير لكم ﴾ (ط) ﴿ رحيم ﴾ (ه) ﴿ ويتوب عليكم ﴾ (ط) ﴿ حكيم ﴾ (5) ﴿ عظيماً ﴾ (ه) ﴿ يخفف عنكم ﴾ (ج) لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى أي يخفف لضعفكم ﴿ ضعيفاً ﴾ (ه) ﴿ أنفسكم ﴾ (ط) ﴿ رحيماً ﴾ (ه) ﴿ ناراً ﴾ (ط) ﴿ يسيراً ﴾ (ه).

التفسير: إنه  نص على تحريم أربعة عشر صنفاً من النسوان، سبعة من جهة النسب: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة أخرى لا من جهة النسب: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، وبنات النساء بشرط الدخول بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء - وهذه في الآية المتقدمة - والجمع بين الأختين، والمحصنات من النساء.

وذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال وذلك غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أولى من بعض وهذا معنى الإجمال.

والجواب من المعلوم بالضرورة من دين محمد  أن المراد منه تحريم نكاحهن لا سيما وقد تقدم قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ ومثله قوله  : "لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ لإحدى خصال ثلاث " فإنه لا يشتبه أن المراد لا يحل إراقة دمه.

ثم إنّ قوله: ﴿ حرمت ﴾ إنشاء للتحريم كقول القائل "بعت" أو "طلقت" لا إخبار عن التحريم في الزمان الماضي ولا يشتبه أن المحرم هو الله  كقوله: ﴿ بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور  ﴾ والخطاب لأولئك الحاضرين بالذات ولمن عداهم من الأمة بالتبعية.

والأصل في كل حكم هو الاستمرار والتأبيد ما لم ينسخه ناسخ، والقرينة / تدل على أن المراد أنه  حرم على كل أحد أمه خاصة وبنته خاصة.

واعلم أنّ حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمان آدم إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان، بل إنّ زرادشت نبي المجوس بزعمهم قال بحله إلاّ أن أكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذاباً.

أما نكاح الأخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحاً في زمان آدم  وذلك للضرورة، وبعض المسلمين ينكره ويقول: إنه  بعث الحور من الجنة حتى تزوج بهن أبناء آدم، ويرد عليه أنّ هذا النسل حينئذ لا يكون محض أولاد آدم وذلك بالإجماع باطل.

قال العلماء: السبب في تحريم الأمهات والبنات أن الوطء إذلال وإهانة فلا يليق بالأصل والجزء.

والأمهات جمع الأم والهاء زائدة.

ووزن أم "فعل" أو أصلية ووزنه "فع".

وقد يجيء جمعه على "أمات" وقد يقال الأمهات للإنسان، والأمات لغيره، وكل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو درجات بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك.

ولا شك أن لفظ الأم حقيقة في التي ولدتك، أما في الجدة فيحتمل أن يكون حقيقة أيضاً وحينئذٍ يكون اللفظ متواطئاً فيها إن كان موضوعاً بإزاء قدر مشترك بينهما، وتكون الآية نصاً في تحريمها أو يكون مشتركاً بينهما.

وحينئذٍ إن جوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه فالآية نص في تحريمها أيضاً وإلا فطريقان: أحدهما أن تحريم الجدات مستفاد من الإجماع، والثاني أنه  تكلم بهذه الآية مرتين لكل من المفهومين.

وكذا الكلام إن قلنا إنّ الأم حقيقة في الوالدة مجاز في الجدات.

قال الشافعي: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد.

وقال أبو حنيفة: لا يلزمه.

حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لكونه محرّماً قطعاً في حكم الشرع فيكون وطؤها زناً محضاً.

الصنف الثاني من المحرمات البنات ويراد بهن كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو بذكور.

والكلام في أن إطلاق لفظ البنت على بنت الابن وبنت البنت حقيقة أو مجاز كما مر في الأمهات.

قال أبو حنيفة: البنت المخلوقة من ماء الزنا تحرم على الزاني.

وقال الشافعي: لا تحرم لأنها ليست بنتاً له شرعاً لقوله  : " "الولد للفراش" وهذا يقتضي حصر النسب في الفراش، ولأنها لو كانت بنتاً له لأخذت الميراث ولثبت له ولاية الإجبار عليها، ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحل الخلوة بها، لكن التوالي باطلة بالاتفاق فكذا المقدم.

وأيضاً إنّ أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتاً له على الحقيقة وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع والأول باطل على مذهبه طرداً وعكساً.

أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكراً وافتضها وحبسها ي داره إلى أن تلد فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائة قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلاّ عند الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه.

والثاني أيضاً باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزاني من الزاني، ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه.

الصنف الثالث: الأخوات ويشمل الأخوات من الأب والأم، ومن الأب فقط، ومن الأم فقط، الصنف الرابع والخامس العمات والخالات.

قال الواحدي: كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك.

وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك، ولاتحرم أولاد العمات وأولاد الخالات.

الصنف السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأخت، والقول فيهما كالقول في بنت الصلب.

الثامن والتاسع: قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ سمى المرضعات أمهات تفخيماً لشأنهن كما سمى أزواج النبي  أمهات لحرمتهن.

وليس قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ﴾ كقول القائل: وأمهاتكم اللاتي كسونكم أو أطعمنكم.

وإلاّ كان تكراراً لقوله: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ بل المراد أن الرضاع هو الذي تستحق هي بسببه الأمومة ويعلم من تسمية المرضعة.

أما والراضعة أختاً إنه أجرى الرضاع مجرى النسب لأن المرحمات بسبب النسب سبع: اثنتان بالولادة وهما الأمهات والبنات، والباقية بطريق الإخوة وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، فذكر من كل واحد من القسمين صورة واحدة تنبيهاً بها على الباقي منهما.

فذكر من قسم الولادة الأمهات، ومن قسم الإخوة الأخوات.

ثم إنه  أكد هذا البيان بصريح قوله: " "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " فصار صريح الحديث مطابقاً لمفهوم الآية.

وهذا بيان لطيف فأمك من الرضاع كل أنثى أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدك من الآباء والأمهات، أو ولدت المرضعة، أو الفحل الذي منه اللبن بواسطة أو بغير واسطة.

وبنتك من الرضاع كل أنثى أرضعت بلبنك، أو أرضعت بلبن من ولدت من الأبناء أو البنات.

وأختك من الرضاع كل أنثى أرضعتها أمك أو أرضعت بلبن أبيك، أو ولدتها المرضعة أو الفحل الذي جر لبنه على المرضعة.

وعمتك كل أنثى من الرضاع من جهة الأب، وكل أنثى أرضعت بلبن واحد من أجدادك، أو كانت أخت الفحل الذي ارضعت / بلبنه.

ومن جهت الأم كل أنثى هي أخت ذكر أرضعت أمك بلبنه بواسطة أو بغير واسطة.

وخالتك من الرضاع من جهة الأم كل أنثى هي أخت أمك من الرضاع، أو أخت من ارضعتك من النسب أو الرضاع.

ومن جهة الأب كل أنثى هي أخت أنثى أرضعت أباك من الرضاع أو النسب.

وبنات الإخوة والأخوات من الرضاع كل أنثى ولدها ابن مرضعتك أو بنتها أو ولدها ابن الفحل الذي منه اللبن، أو بنته من الرضاع أو النسب، أو أرضعتها أختك أو أرضعت بلبن أخيك.

وكذلك حكم بنات أولاد من أرضعته أختك أو أرضعت بلبن أخيك من الرضاع أو النسب، وكذلك بنات من أرضعته أمك أو أرضع بلبن أبيك وبنات أولادهما من الرضاع أو النسب.

والرضاع المحرّم قد يسبق النكاح فيمنع انعقاده، وقد يطرأ عليه فيقطعه.

وللرضاع أركان: أحدها المرضع ويجب أن تكون امرأة، فلبن البهيمة لا يثبت تحريماً بين الذكر والأنثى للذين شربا منه وكذا لبن الرجل، وأن تكون حية.

وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد يتعلق بلبن الميتة التحريم، وأن تكون محتملة للولادة بأن بلغت تسع سنين.

وثانيها اللبن ويتعلق به التحريم ولو تغيّر بحموضة أو انعقاد أو إغلاء أو اتخذ منه جبن أو زيد أو مخيض أو أقط أو ثرد فيه طعام أو عجن به دقيق وخبز أو خلط بمائع حلال أو حرام.

وثالثها المحل وهو معدة الصبي الحي فلا أثر للحقنة، ولا بعد الحولين الهلاليين، ولا للوصول إلى معدة الصبي الميت.

ولا بد مع ذلك من خمس رضعات لقوله  : " لا تحرم المصة والمصتان ولا الرضعة والرضعتان" ولما روت عائشة " خمس رضعات يحرّمن " وعند أبي حنيفة: الرضعة الواحدة كافية.

الصنف العاشر قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ ويدخل فيه الجدات من قبل الأب والأم.

الحادي عشر ﴿ وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ والربائب جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها مربوبة لأنّ الرجل يربها.

والحجور جمع حجر بالفتح والكسر.

وكونها في حجرة عبارة عن تربيته وهو بناء للكلام على الغالب ومثله هو في حضانة فلان وأصله من الحضن الذي هو الإبط.

وقال أبو عبيد: في حجوركم أي في بيوتكم.

وعن علي  أنه جعل كونها ربيبة له وكونها في حجرة شرطاً في التحريم وهو استدلال حسن.

وأما سائر العلماء فذهبوا إلى / أنّ الكلام أخرج مخرج الأعم الأغلب، وأنه إذا دخل بالمرأة حرمت ابنتها عليه سواء كانت في تربيته أو لم تكن.

أما اشتراط الدخول بأمها فلقوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ وهو متعلق بربائبكم كا تقول: بنات رسول الله  من خديجة.

وأما عدم اشتراط التربية فلقوله: ﴿ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴾ علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن السبب لحصول الجناح هو مجرد الدخول.

وذهب جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر وأظهر الروايات عن ابن عباس.

وحجتهم أنه تعالى ذكر جملتين وهو قوله: ﴿ وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ ثم ذكر شرطاً وهو قوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبراً في الجملتين معاً.

وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين فعلى أن قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ جملة مستقلة بنفسها ولم يدل دليل على عود ذلك الشرط إليه إذ الظاهر تعلق الشرط بالثانية، وإذا تعلق الشرط بالثانية أو تعلق بإحدى الجمليتين فلا حاجة إلى تعليقه بأخرى.

وأيضاً عود الشرط إلى الجملة الأولى وحدها باطل بالإجماع وكذا عوده إليهما معاً، لأنّ معنى "من" مع الأولى البيان، ومعناها مع الثانية ابتداء الغاية، واستعمال اللفظ المشترك في مفهومية معاً غير جائز.

نعم لو جعل "من" للاتصال كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  ﴾ أمكن اعتبار الاتصال في النساء والربائب معاً، فأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن، كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهن بناتهن.

إلاّ أن هذا التفسير فيه خلل من جهة اللفظ ومن جهة المعنى.

أما اللفظ فلأن قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ وكذا ربائبكم يكون حينئذٍ مبتدأ وقوله ﴿ من نسائكم ﴾ خبراً ويقع بين المعطوفات فاصلة لأن قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ وما بعده معطوف على فاعل ﴿ حرمت ﴾ .

وأما من جهة المعنى فلأن الحكم بالاتصال والاتحاد يقتضي التحليل لا التحريم ظاهراً.

ومما يدل على أن الجملة الأولى مرسلة ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي  أنه قال: " إذا نكح الرجل امرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلّقها فإن شاء تزوّج البنت " وكان عبد الله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة إذا طلق بنتها فبل المسيس وهو يومئذٍ بالكوفة.

فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجميعن على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة.

وعن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: إنّ الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فله ذلك، وإن ماتت عنده لم يتزوّج أمها أقام الموت مقام الدخول في التحريم كما قام مقامه في باب المهر.

والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم: بنى عليها أو ضرب عليها الحجاب.

يعني أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية، وقد تقدم أن الخلوة الصحيحة عند أبي حنيفة تقوم مقام الدخول في التحريم، وقد تمسك أبو بكر الرازي بالآية في إثبات أن الزنى يوجب حرمة المصاهرة.

قال: لأنّ الدخول بها اسم لمطلق الوطء من نكاح كان أو سفاح, ورد بأنّ تقديم قوله: ﴿ من نسائكم ﴾ يوجب تخصيص الوطء بالحلال.

الصنف الثاني عشر ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ فيخرج المتبنى وكان في صدر الإسلام بمنزلة الابن إلى أن نزل: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ ﴿ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم  ﴾ وحكم الابن من الرضاع حكم الابن من النسب في تحريم حليلته على أبيه لقوله  : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وإن كان ظاهراً قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ وظاهر قوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ يقتضي الحل فههنا قد تخصص عموم القرآن بخبر الواحد.

واتفقوا على أنّ حرمة التزوّج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد ولا تتوقف الحرمة على الدخول.

وما روي عن ابن عباس أنه قال: أبهموا ما أبهم الله أراد به التأبيد.

ألا ترى أنه قال في السبع المحرّمات من جهة النسب إنها من المبهمات أي من اللواتي تثبت حرمتهن على التأبيد؟

واتفقوا أيضاً على تحريم حليلة ولد الولد على الجد.

أما جارية الابن فقد قال أبو حنيفة: يجوز للأب أن يتزوّج بها.

وقال الشافعي: لا يجوز لأنّ الحليلة فعيله إما بمعنى المفعول من الحل أي المحللة، أو من الحلول بمعنى أن السيد يحل فيها، وإما بمعنى الفاعل لأنهما يحلاّن في لحاف واحد، أو يحل كل واحد منهما في قلب صاحبه لما بينهما من الإلفة والمودّة.

وعلى التقادير يصدق على جارية الإبن أنها حليلته كما يصدق على زوجته أنها حليلته فتناولها الحرمة بالآية.

الصنف الثالث عشر ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ أي حرمت عليكم الجمع بينهما والتأنيث للتغليب أو للاكتساب أو بتأويل الخصلة.

ويمكن أن يقال: الواو نائب عن الفعل المطلق من غير اعتبار تذكيره أو تأنيثه، والجمع يكون إما بالنكاح أو بالملك أو بهما.

أما النكاح فلو عقد عليهما معاً فنكاحهما باطل، وعلى الترتيب بطل الثاني / لأنّ الدفع أسهل من الرفع، وأما الجمع بينهما بملك اليمين أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى فقد اختلف الصحابة فيه؛ فقال علي وعمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما لإطلاق الآية، ولأنه لو لجاز الجمع بينهما في الملك لجاز وطؤهما معاً لقوله  : ﴿ إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون:6\] ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة، فلو سلم أن الآية تدل على الجواز فالأحوط جانب الترك.

وأما سائر الصحابة والفقهاء فقد قالوا: النهي وارد عن نكاحهما، فلو جمع بينهما في الملك جاز إلاّ أنه إذا وطىء إحداهما حرّم وطء الثانية عليه، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج.

قال أبو حنيفة ههنا: لا يجوز نكاح الأخت في عدّة الأخت البائن لأنّ النكاح الأول كأنه باق بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة.

وقال الشافعي: يجوز لأن نكاح المطلّقة زائل بدليل لزوم الحد بوطئها.

وأما وجوب العدة ولزوم النفقة فنقول: متى حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها، ولا يلزم من حصول القدرة على حبسها حصول النكاح لأن استثناء عين التالي لا ينتج.

وإذا أسلم الكافر وتحته أختان فقد قال الشافعي: اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى سواء تزوّج بهما معاً أو على الترتيب، لأنّ الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشرائع في أحكام الدنيا إذ لا يتصوّر تكليفه بالفروع ما دام كافراً.

نعم يعاقب بترك الفروع في الآخرة كما يعاقب على ترك الإسلام ومما يؤيّد قول الشافعي ما روي أن فيروزاً الديلي أسلم على ثمان نسوة فقال  : " اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن" أطلق ولم يتفحص عن الترتيب.

وقال أبو حنيفة: إن تزوّج بهما معاً تركهما أو على الترتيب فارق الثانية، لأنّ الخطاب في قوله: ﴿ وأن تجمعوا ﴾ عام فيتناول المؤمن والكافر فخالف أصليه حيث جعل النهي دالاً على الفساد، والكافر مخاطباً بالفروع.

ومما يدل على أن الخطاب الفروع لا يظهر أثر في حق الكافر في الأحكام الدنيوية الإجماع على أنه لو تزوج بغير وليّ وشهود أو على سبيل القهر والغصب فبعد الإسلام يقرّر ذلك النكاح، أما قوله  : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فمعناه أن ما مضى مغفور بدليل قوله: ﴿ إنّ الله كان غفوراً رحيماً ﴾ وقد مرّ نظيره.

واعلم أنّ رسول الله  ألحق بالأختين جميع المحارم حيث قال: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" وضبط العلماء ذلك بأنّ كل شخصين بينهما قرابة أو رضاع / لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى حرّم النكاح بينهما فلا يجوز الجمع بينهما، فيحرم الجمع بين المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أخيها.

وكذلك بين المرأة وبنت أختها وبنات أولاد أختها سواء كانت العمومة والخؤولة من النسب أوالرضاع.

ولا يحرم نكاح المرأة وأم زوجها، ولا نكاح المرأة وبنت زوجها لأنه لا توجد الحرمة على تقدير ذكورة كل واحدة منهما، وإنما توجد على تقدير ذكورة أم الزوج أو بنته فقط لمكان المصاهرة حينئذٍ بخلاف ما لو فرضت المرأة ذكراً فإنه لا يكون بينهما قرابة ولا رضاع.

وقد يضبط تحريم الجمع بعبارتين أخريين: إحداهما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع يقتضي المحرمية، والثانية يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما وصلة قرابة أو رضاع لو كانت تلك الوصلة بينك وبين امرأة لحرمت عليك.

الصنف الرابع عشر ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ وقد ورد الإحصان في القرآن بمعان: أحدها الحرية ﴿ والذين يرمون المحصنات  ﴾ ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ وثانيها العفة ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ أحصنت فرجها.

وثالثها الإسلام ﴿ فإذا أحصن ﴾ قيل في تفسيره إذا أسلمن.

ورابعها كونها بذات زوج ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ أي ذوات الأزواج منهن.

والوجوه كلها مشتركة في أصل المعنى اللغوي وهو المنع.

يقال: مدينة حصينة ودرع حصينة مانعة صاحبها من الآفات والجراحات.

والحرية سبب لمنع الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة مانعة من ارتكاب المناهي، وكذا الإسلام والزوج مانع لزوجته من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، قرىء بكسر الصاد لأنهن أحصن فروجهن بالتزوج.

ومعنى قوله: ﴿ إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ أن اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين؛ وهكذا إذا سبى الزوجان معاً خلافاً لأبي حنيفة قياساً على شراء الأمة واتهابها وارثها فإن كلاً منها لا يوجب الفرقة.

وأجيب بأنّ الحاصل عند السبي إحداث الملك فيها، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص، والأول أقوى فظهر الفرق.

وقيل: المعنى أن ذوات لأزواج حرام عليكم إلاّ إذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع الفراق بينهن وبين أزواجهنّ.

وقيل: المحصنات الحرائر.

والمعنى حرمت عليكم الحرائر إلاّ العدد الذي جعله الله ملكاً لكم وهو الأربع، أو إلاّ ما أثبت الله لكم ملكاً عليهن لحصول الشرائط المعتبرة من حضور الولي والشهود وغير ذلك، والقول هو الأول لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي  فنزلت: ﴿ والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ فاستحللناهن.

ثم أكد تحريم المذكورات بقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال الزجاج: يحتمل أن يكون منصوباً باسم فعل ويكون ﴿ عليكم ﴾ مفسراً له أي الزموا كتاب الله ﴿ وأحلّ لكم ما وراء ذلكم ﴾ أي ما وراء هذه المذكورات سواء كن / مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية أو خفية أو ببيان النبي  كما قلنا في تحريم الجمع بين الأختين وغيرهما.

وقد دخل بعد هذه العناية في الآية تخصيصات أخر منها: أنّ المطلقة ثلاثاً لا تحل ودليل ذلك قوله: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ ومنها الحربية والمرتدة بدليل قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ ومنها المعتدة بدليل قوله: ﴿ والمطلّقات يتربصن  ﴾ ومنها أن من في نكاحه حرة لم يجز له أن ينكح أمة بالاتفاق.

وعند الشافعي القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة بدليل ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ ومنها الخامسة بدليل ﴿ مثنى وثلاث ورباع  ﴾ ومنها الملاعنة لقوله  : " المتلاعنان لا يجتمعان أبداً" وقوله: ﴿ أن تبتغوا ﴾ مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم في حال كونكم محصنين ولا في حال كونكم مسافحين، لئلاّ تضيّعوا أموالكم التي جعل الله لكم قياماً فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم.

ويجوز أن يكون ﴿ تبتغوا ﴾ بدلاً من ﴿ ما وراء ذلك ﴾ ومفعول ﴿ تبتغوا ﴾ مقدر وهو النساء.

والأجود أن لا يقدر لأنّه مفهوم منسوق الكلام وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم.

ومعنى محصنين متعففين عن الزنا وسمي الزنا سفاحاً لأنّه لا غرض للزاني إلاّ سفح النطفة أي صبّها.

قال أبو حنيفة: لا يجوز المهر بأقل من عشرة دراهم لأنّه  قيد التحليل بالابتغاء بالأموال والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالاً.

وقال الشافعي: يجوز بالقليل والكثير لأنّ قوله: ﴿ بأموالكم ﴾ مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي توزع الفرد على الفرد، فيتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالاً، والقليل والكثير في هذه الحقيقة سواء.

وعن جابر عن النبي  أنه قال: " من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق فقد استحل " وقال أبو حنيفة: لو تزوّج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهراً ولها مهر مثلها، لأنّ الابتغاء بالمال شرط والمال اسم للأعيان لا للمنافع، وكذا قوله ﴿ وآتوا النساء صدقاتهم نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه  ﴾ والإيتاء والأكل من صفة الأعيان.

ولو تزوّج امرأة على خدمة سنة وإن كان حراً فلها مهر مثلها، وإن كان عبداً فلها خدمة سنة، وقال الشافعي: الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز وليس فيه أن الابتغاء بغيره جائز أو لا.

وأيضاً قد خرج الخطاب مخرج الأعم الأغلب فلا يدل على نفي ما سواه.

ومما يدل على جواز جعل المنفعة صداقاً قوله  في قصة شعيب ﴿ على أن تأجرني ثماني حجج  ﴾ والأصل في شرع من قبلنا البقاء إلى أن يظهر الناسخ.

وأيضاً التي وهبت نفسها لما لم يجد الرجل الذي أراد التزوّج بها شيئاً قال  : "هل معك شيء من القرآن؟

قال: نعم، سورة كذا وكذا.

فقال: زوّجتكها / بما معك من القرآن" .

ومنه يعلم جواز عتق الأمة صداقاً لها لا سيما وقد روي عن النبي  "أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" وكونه من خواصه ممنوع.

﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ أي فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد عليهن أو خلوة صحيحة عند أبي حنيفة ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ أي عليه فأسقط الراجع للعلم به.

ويجوز أن يراد بما النساء "ومن" للتبعيض أو البيان لا لابتداء الاستمتاع، ويكون رجوع الضمير إليه في ﴿ به ﴾ على اللفظ وفي ﴿ فآتوهن ﴾ على المعنى.

والأجور المهور لأنّ المهر ثواب على البضع كما يسمى بدل منافع الدار والدابة أجراً.

و ﴿ فريضة ﴾ حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو أقيمت مقام إيتاء لأنّ الإيتاء مفروض، أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة.

ولا يخفى أنه إن استمتع بها بدخول بها يجب تمام المهر، وإن استمتع بعقد النكاح فقط فالأجر نصف المهر.

قال أكثر علماء الأمة: إنّ الآية في النكاح المؤبد.

وقيل: المراد بها حكم المتعة وهي أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معلوم ليجامعها، سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها.

واتفقوا على أنها كانت مباحة في أول الإسلام، ثم السواد الأعظم من الأمة على أنها صارت منسوخة.

وذهب الباقون ومنهم الشيعة إلى أنها ثابتة كما كانت، ويروى هذا عن ابن عباس وعمران بن الحصين.

قال عمارة: "سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟

قال: لا سفاح ولا نكاح.

قلت: فما هي؟

قال: هي متعة كما يقال.

قال: قلت هل لها عدة؟

قال: نعم، عدّتها حيضة.

قلت: هل يتواراثان؟

قال: لا" .

وفي رواية أخرى عنه أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال: "قاتلهم الله إني ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق لكني قلت: إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير" ، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهم إني أتوب إليك من قولي في الصرف والمتعة.

وأما عمران بن الحصين فإنه قال: "نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها وأمرنا بها رسول الله  وتمتعنا معه ومات ولم ينهنا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء" - يريد أن عمر نهى عنها - وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي أنه قال: "لولا أن عمرو نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي" .

حجة الجمهور على حرمة المتعة أنّ الوطء لا يحل إلاّ في الزوجة أو المملوكة لقوله  : ﴿ إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون:6\] وهذه المرأة ليست بمملوكة ولا بزوجة وإلاّ لحصل التوارث ولثبت النسب ولوجبت العدة عليها بالأشهر والتوالي باطلة بأسرها بالاتفاق.

وروي عن عمر أنه نهى عن المتعة على المنبر بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، فلو سكتوا لعلمهم بحرمتها فذاك، ولو سكتوا لجهلهم / بحلها وحرمتها فمحال عادة لشدة احتياجهم إلى البحث عن أمور النكاح، ولو سكتوا مع علمهم بحلها فإخفاء الحق مداهنة وكفر وبدعة وذلك محال منهم، وما روي عن عمر أنه قال: "لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته" .

ثم إنّ الصحابة لم ينكروا عليه مع أنّ الرجم لا يجوز في المتعة فلعله ذكر ذلك على سبيل التهديد والسياسة ومثل ذلك جائز للإمام عند المصلحة.

ألا ترى أنه قال  " من منع منا الزكاة فإنا آخذوها منه وشطر ماله" مع أن أخذ شطر المال من مانعي الزكاة غير جائز إلاّ للسياسة، وروى الواحدي في البسيط عن مالك عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي "أن رسول الله  نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسية" .

قال: وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: "غدوت على رسول الله  فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرمه عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً" .

القائلون بإباحة المتعة قالوا: الابتغاء بالأموال يتناول الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأبيد وعلى سبيل التوقيت، بل الآية مقصورة على نكاح المتعة لما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ ﴿ فما استمتعتم به منهم إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ﴾ وبه قرأ ابن عباس أيضاً، والصحابة ما أنكروا عليهما فكان إجماعاً.

وأيضاً أمر بإيتاء الأجور لمجرد الاستمتاع أي التلذذ وهذا في المتعة، وأما في النكاح المطلق فيلزم الأجر بالعقد.

وأيضاً قال في أول السورة: ﴿ فانكحوا  ﴾ فناسب أن تحمل هذه الآية على نكاح المتعة لئلاّ يلزم التكرار في سورة واحدة، والحمل على حكم جديد أولى.

ومما يدل على ثبوت المتعة ما جاء في الروايات أنّ النبي  "نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر" .

وأكثر الروايات أنه  "أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح" .

وذلك أنّ أصحابه شكوا إليه يومئذٍ طول العزوبة فقال: "استمتعوا من هذه النساء" .

وقول من قال إنه حصل التحليل مراراً والنسخ مراراً ضعيف لم يقل به أحد من المعتبرين إلاّ الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات.

ونهي عمر يدل على أنه كان ثابتاً في عهد الرسول، وما كان ثابتاً في عهده لم يمكن نسخه بقول عمر كما أشار إليه عمران بن الحصين.

وأجيب بأنّ المراد من قول عمر "وأنا أنهي عنها" أنه قد ثبت عندي نسخها في زمان الرسول  وقد سلموا له ذلك فكان إجماعاً.

﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ الذين حملوا الآية على بيان / حكم النكاح قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدّراً بمقدار معين فلا حرج في أن تحط عنه شيئاً أو تبرّئه عنه بالكلية كقوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء  ﴾ وقال الزجاج: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر، إذا طلّقها قبل الدخول.

قال أبو حنيفة: إلحاق الزيادة بالصداق جائز لأنّ التراضي قد يقع على الزيادة وقد يقع على النقصان وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد.

وقال الشافعي: الزيادة بمنزلة الهبة.

فإن أقبضها ملكته بالقبض وإن لم يقبضها بطلت، والدليل على بطلان هذه الزيادة أنها لو التحقت بالأصل فإما أن ترفع العقد الأول وتحدث عقداً ثانياً وهو باطل بالإجماع، وإما أن تحصل عقداً مع بقاء العقد الأول وهو تحصيل الحاصل.

والذين حملوا الآية على حكم المتعة قالوا: المراد أنه ليس للرجل سبيل على المرأة من بعد الفريضة وهي المقدار المفروض من الأجر والأجل، فإن قال لها زيدي في الأيام وأزيد في الأجر فهي بالخيار.

﴿ إنّ الله كان عليماً حكيماً ﴾ لا يشرع الأحكام إلاّ على وفق الحكمة والصواب.

ثم وسع الأمر على عبادة فقال: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ فضلاً في المال وسعة ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه كما أن القصر قصور فيه ونقصان.و ﴿ أن ينكح ﴾ متعلق بـ ﴿ طولاً ﴾ يقال: طال على الأمر إذا غلبه فتمكن من فعله.

والمحصنات ههنا الحرائر، والمعنى ومن لم يقدر على نكاح الحرة فلينكح من الإماء التي ملكتها أيمانكم.

قال ابن عباس: يريد جارية أخيك فإنّ الإنسان لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه والفتيات المملوكات.

تقول العرب للأمة فتاة وللعبد فتى.

عن النبي  : "لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي" وقال الشافعي: إنّ الله  شرط في نكاح الإماء ثلاث شرائط: اثنتان في الناكح الأولى فقد طول الحرة وهو عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أحج إذا كان لا يجد ما يحج به.

فإذا كان كذلك جاز له التزوّج بالأمة لأنّ العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة ساداتهن.

والثانية خشية العنت كما يجيء في آخر الآية.

والثالثة في المنكوحة وهي أن تكون الأمة لمسلم ومع ذلك تكون مؤمنة لا كافرة لقوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ فالقيد الأول مستفاد من قوله: ﴿ من فتياتكم ﴾ أي من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين، والقيد الثاني من وصف الفتيات بالمؤمنات.

أما فائدة القيد الأول فهي أن الولد تابع / للأم في الحرية والرق، وحينئذٍ يعلق الولد رقيقاً على ملك الكافر.

إلاّ أن هذا القيد ألغاه أكثر الأئمة لأنّ الولد إذا رق للكافر بيع عليه في الحال.

وأما فائدة القيد الثاني فالحذر من اجتماع النقصانين الكفر والرق.

وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ومذهب مالك والشافعي.

أما أبو حنيفة فإنه يقول: الغني والفقير سواء في جواز نكاح الأمة.

وذلك أنه يحمل النكاح في الآية على الوطء ويقول: المراد أن من لم يملك فراش الحرة فله أن ينكح أمة.

ثم الأمة لو كانت كتابية جاز له نكاحها ولكن نكاح الأمة المؤمنة أفضل فحمل التقييد في الآية على الفضل لا على الوجوب قياساً على جواز نكاح الحرة الكتابية بالإجماع مع وصف الحرائر أيضاً بالمؤمنات.

وأجيب بالفرق وهو اجتماع النقصانين.

ومن الناس من قال: لا يجوز التزوّج بالكتابيات ألبتة ولا شك أن في الآية دلالة على الحذر عن نكاح الإماء وأن الإقدام عليه لا يجوز إلاّ عند الضرورة وذلك لتباعة الولد الأم في الرق، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة فربما تعوّدت بسبب ذلك فجوراً وقحة، ولما للمولى عليها من حق الاستخدام فلا تخلص لخدمة الزوج، ولأنّ السيد قد يبيعها فتصير مطلقة عند من يقول بذلك، ولأنّ مهرها ملك لمولاها فلا تقدر على هبة مهرها من زوجها ولا على إبرائه.

﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ قال الزجاج: أي اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور والله أعلم بما في الصدور.

﴿ بعضكم من بعض ﴾ كلكم أولاد آدم فلا يتداخلكم أنفة من التزوّج بالإماء عند الضرورة، أو كلكم مشتركون في الإيمان وهو أعظم المقاصد فإذا حصل الاشتراك فيه فما وراءه غير ملتفت إليه.

وفيه توهين ما كانوا عليه في الجاهلية من الفخر بالأنساب والأحساب وتأنيس بنكاح الإماء إذا كن مؤمنات.

ثم شرح كيفية هذا النكاح فقال: ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ فلذلك اتفقوا على أنّ نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل لأنّ نكاحهن غير واجب فيتوجه الأمر إلى اشتراط الإذن، ولأنّ التزوّج بها يعطل على السيد أكثر منافعها فوجب أن لا يجوز إلاّ بإذنه.

ولفظ القرآن مقتصر على الأمة.

وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث.

روى جابر عن النبي  : " "إذا تزوّج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر" واستدل الشافعي بالآية على أنّ المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلاّ بإذن الولي لأنّ قوله: ﴿ فانكحوهن ﴾ الضمير فيه يعود إلى الإماء.

والأمة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والإشارة إلى ذات موصوفة بصفة عرضية زائلة تبقى بعد زوال تلك الصفة بدليل أنه لو حلف لم يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخاً ثم تكلم معه / يحنث في يمينه.

فعند زوال الرق عنها وهي حرة عاقلة بالغة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها، وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة ثبت في سائر الصورة ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

واعترض على قول الشافعي بأنّ ظاهر الآية يدل على الاكتفاء بحصول إذن أهلها وعنده لا يجوز للمرأة أن تزوّج أمتها.

وأجيب بأن المراد بالإذن الرضا، وعندنا أن رضا المولى لا بد منه.

فإما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه، وأيضاً إن أهلهن عبارة عمن يقدر على إنكاحهن وهو المولى إن كان رجلاً أو ولي المولى إن كان امرأة.

سلمنا أن الأهل هو المولى لكنه عام يخصصه قوله  : " العاهر هي التي تنكح نفسها " إذ يلزمه أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكها ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

قلت: الإنصاف أن استدلال الشافعي لا يتم.

فلقائل أن يقول: لا نسلم أن صفة الرق للأمة عرضية من حيث إنها أمة، وإن سلمنا ذلك فلا نسلم أن الإشارة إلى ذات الأمة في الآية تبقى بعد زوال صفة الرق.

فكونها مثل قول القائل لا أتكلم مع هذا الشاب ممنوع.

فمن المعلوم عرفاً أن المراد به ذات الشاب من حيث هو ولكنه كقول الحالف: لا أكلم شاباً.

فحينئذٍ لو كلّم زيداً وزيد شاب حنث فإذا صار شيخاً ثم كلمه لم يحنث.

﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ أي مهورهن وفيه دلالة على وجوب مهرها إذا نكحها - سمى لها المهر أو لم يسم - وفي قوله: ﴿ بالمعروف ﴾ دلالة على أنه مبني على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد المتعارف وهو مهر المثل، أو المراد بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء.

وقيل: الأجور النفقة عليهن لأن المهر مقدر فلا معنى لاشتراط المعروف فيه فكأنه  بيَّن أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة.

وعن بعض أصحاب مالك أنّ الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، وأنّ المولى إذا آجرها للخدمة كان هو المستحق للأجرة دونها واحتجوا في المهر بظاهر قوله: ﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ وأما الجمهور فعلى أن مهرها لمولاها لقوله  : ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء  ﴾ وهذا ينفي كون المملوكة مالكة لشيء أصلاً، ولأنّ منافعها كانت مملوكة للسيد وقد أباحها للزوج بعقد النكاح فوجب أن يستحق بدلها.

وأما ظاهر الآية فلو حملنا لفظ الأجور على النفقة فلا إشكال، ولو حملناه على المهور فالجواب أنها ثمن أبضاعهن فلذلك أضيف الأجور إليهن.

وليس في قوله: ﴿ وآتوهن ﴾ ما يوجب كون المهر ملكاً لهن.

وهب أن المهر ملك لهن ولكنه  قال: " العبد وما يملكه لمولاه " أو المراد وآتوا مواليهن فحذف المضاف ﴿ محصنات ﴾ قال ابن عباس: أي عفائف وهو حال من قوله: / ﴿ فانكحوهن ﴾ وظاهره يقتضي حرمة نكاح الزواني لكن الأكثرون على أنه يجوز فالآية محمولة على الندب والاستحباب.

﴿ غير مسافحات ﴾ قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها أي رجل أرادها، ومتخذة الخدن هي التي لها صديق معيّن.

وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبراً عندهم فلا جرم أفردهما الله  بالذكر تنصيصاً على حرمتهما معاً.

والأخدان جمع خدن كالأتراب جمع ترب.

والخدن الذي يخادنك أي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، يقع على الذكر والأنثى.

﴿ فإذا أحصن ﴾ بالتزوّج وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، أو بالإسلام وهو قول عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي.

وكأنه  ذكر حال إيمانهن في النكاح في قوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ ثم كرر ذلك في حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة.

وههنا إشكال وهو أن المحصنات في قوله: ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ أريد بها الحرائر المتزوجات أو الحرائر الأبكار.

وعلى الأول يجب عليهن نصف الرجم وتنصيف الرجم محال، وعلى الثاني يجب عليهن خمسون جلدة وهذا القدر واجب في زنا الأمة محصنة كانت أو لم تكن، وقد علق ذلك في الآية بمجموع الأمرين: الإحصان والزنا.

والجواب أنا نختار القسم الأول ويسقط الرجم عنهن بالدليل العقلي لأن الرجم لا يتنصف، أو الثاني والمراد بيان تخفيف عذابهن.

وذلك أن حد الزنا يغلظ عند التزوج فهذه إذا زنت وقد تزوّجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليها، فلأن يكون قبل التزوّج هذا القدر أولى.

واعلم أن الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم واحتجوا بأنّ الآية تدل على أنّ عذاب الأمة نصف عذاب الحرة المحصنة، فلو كان على الحرة الرجم لزم تنصيف الرجم في حق الأمة وهو محال.

والجواب ما مرّ أن المخصص في حق الأمة دليل عقلي، والفقهاء جعلوا الآية أصلاً في نقصان حكم العبد عن حكم الحرة في غير الحد وإن كان من الأمور ما لا يجب ذلك فيه كالصلاة والصوم وغيرهما.

﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى نكاح الإماء بالاتفاق ﴿ لمن خشي العنت منكم ﴾ وقد عرفت فيما مرّ أن معناه الوقوع في أمر شاق.

وللمفسرين ههنا قولان: أحدهما أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تدعو إلى الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب الأليم في الآخرة، والثاني أن الشبق قد يفضي إلى الأمراض الشديدة كأوجاع الوركين والظهر والوسواس وكاختناق الرحم للنساء، والأول أليق ببيان القرآن وعليه أكثر العلماء.

﴿ وأن تصبروا ﴾ أي صبركم عن نكاح الإماء بعد شروطه المبيحة متعففين خير لكم لما فيه من المفاسد المذكورة.

وعن النبي  : " الحرائر صلاح البيت / والإماء هلاك البيت" ﴿ والله غفور رحيم ﴾ تأكيد لما ذكره من أن الأولى ترك النكاح إلاّ أنه أباحه لاحتياج المكلفين فهو من باب المغفرة والرحمة ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ أقيمت اللام مقام "أن" في قولك أريد أن يقوم.

وقيل: زيدت اللام وقدر "أن" وذلك لتأكيد إرادة التبيين كما زيدت في "لا أبا لك" لتأكيد إضافة الأب.

وقيل: في الآية إضمار والأصل يريد الله إنزال هذه الأحكام ليبين لكم دينكم وشرعكم وما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ويهديكم مناهج من كان قبلكم.

قيل: المراد أن كل ما بيّن لنا من التحريم والتحليل في شأن النساء فقد كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل.

وقيل: بل المراد أن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها إلاّ أنها متفقة في باب المصالح، وقيل: المعنى سنن من كان قبلكم من أهل الحق لتقتدوا بهم ويتوب عليكم.

قال القاضي: معناه كما أراد منا نفس الطاعة فلا جرم بينها وأزاح الشبه عنها، كذلك يريد أن يتوب علينا إن وقع تقصير وتفريط.

وفي الآية إشعار بأنه  هو الذي يخلق التوبة فينا، فيرد عليه أنه إذا أراد التوبة منا وجب أن تحصل التوبة لكلنا وليس كذلك.

وأجيب بأنّ المراد التوبة في باب نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات وقد حصلت هذه التوبة، وكذا الكلام في قوله: ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ وقالت المعتزلة: يريد أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم ﴿ ويريد ﴾ الفجرة ﴿ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ﴾ عن الحق والقصد ﴿ ميلاً عظيماً ﴾ وقيل: هم اليهود، وقيل: المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلّون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت.

يقول: يريدون أن تكونوا زناة مثلهم.

﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص.

﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ فلضعفه خفف تكليفه ولم يثقل.

أما ضعف خلقته بالنسبة إلى كثير من المخلوقات بل الحيوانات فظاهر ولهذا اشتد احتياجه إلى التعاون والتمدن والأغذية والأدوية والمساكن والملابس والذخائر والمعاملات إلى غير ذلك من الضرورات، وأما ضعف عزائمه ودواعيه فأظهر ولهذا لا يصبر على مشاق الطاعات ولا عن الشهوات ولا سيما عن النساء.

عن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلاّ أتاهم من قبل النساء، لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف علي النساء.

عن ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.

﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ ﴿ ويريد الله أن يتوب عليكم ﴾ ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به  ﴾ ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ ﴿ من يعمل سوءاً / أو يظلم نفسه  ﴾ ﴿ ما يفعل الله بعذابكم  ﴾ اللهم لا تحرمنا مواعيدك إنك لا تخلف الميعاد.

ثم إنه لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهر والنفقات بيَّن عقيب ذلك أنه كيف يتصرف في الأموال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ بما لا يبيحه الشرع بوجه وقد مر تفسيره في البقرة في قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ ﴿ إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ وقد سبق مثله في آخر البقرة.

وخص التجارة بالذكر وإن كان غير ذلك من الأموال المستفادة بنحو الهبة والإرث وأخذ الصدقات والمهور وأروش الجنايات حلالاً، لأنّ أكثر أسباب الرزق يتعلق بالتجارة.

ويدخل تحت هذا النهي أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل كما أن قوله  : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه.

قال أبو حنيفة: النهي في المعاملات لا يدل على البطلان.

وقال الشافعي: يدل لأن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول المالك فذلك غير منعقد بالإجماع فالتصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي وهو الله  أولى أن يكون باطلاً.

وأي فرق بين قوله: "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين" وبين قوله: "لا تبيعو الحر" وإذا كان الثاني غير منعقد بالاتفاق فكذا الأول.

وقال أبو حنيفة: خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة لأن التراضي المذكور في الآية قد حصل.

وقال الشافعي: لا شك أن هذا التراضي يقتضي الحل إلاّ أنا نثبت بعد ذلك للمتبايعين الخيار بقوله  : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة حينما يعرضه غم أو خوف أو مرض شديد يرى قتل نفسه أسهل عليه.

عن الحسن البصري قال: حدثنا جندب بن عبد الله أن رسول الله  قال: " كان رجل جرح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة " وعن أبي هريرة قال: "شهدنا مع رسول الله  خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار.

فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراح.

فقيل له: يا رسول الله الذي قلت له آنفاً إنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات.

فقال النبي  إلى / النار.

فكاد بعض المسلمين أن يرتاب.

فبيناهم على ذلك إذ قيل له: إنه لم يمت ولكن به جراحات شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي  فقال: الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله" .

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : " "من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً.

ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.

ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً " وعن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزاة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صلّيت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي  فقال: يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟

فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله  يقول: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ فضحك رسول الله  ولم يقل شيئاً.

وقيل: معنى الآية لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من القتل والردة والزنا بعد الإحصان ﴿ إنّ الله كان بكم رحيماً ﴾ ولأجل رحمته نهاكم عما يضركم عاجلاً وآجلاً.

وقيل من رحمته أنه لم يأمركم بقتل أنفسكم كما أمر بني إسرائيل بذلك توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم.

﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ القتل ﴿ عدواناً وظلماً ﴾ لا خطأ ولا قصاصاً.

هذا قول عطاء.

وقال الزجاج: ذلك إشارة إلى القتل والأكل بالباطل.

وعن ابن عباس أنه عائد إلى كل ما نهى الله  عنه من أول السورة.

وتنكير النار للتعظيم أو للنوع.

﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ مثل على وفق المتعارف كقوله: ﴿ وهو أهون عليه  ﴾ وإلاّ فلا مانع له عن حكمه ولا منازع له في ملكه.

التأويل: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ الآية كلها إشارات إلى نهي التعليق ومنع التصرف في الأمهات السفليات والمتوالدات من أوصاف الإنسان وصفات الحيوان.

﴿ إنّ الله كان غفوراً ﴾ بأنواع غفرانه ظلمات الصفات الإنسانية التي تتولد من تصرفات الحواس في المحسوسات عند الضرورات بالأمر لا بالطبع ﴿ رحيماً ﴾ بالمؤمنين فيما اضطرهم إليه من التصرفات بقدر الحاجة الضرورية.

﴿ والمحصنات من النساء ﴾ هي الدنيا التي تصرف فيها العلويات ﴿ إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ بإذن الله  حيث قال: ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا  ﴾ ﴿ محصنين ﴾ حرائر من الدنيا وما فيها ﴿ غير مسافحين ﴾ في الطلب مياه وجوهكم.

﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ من الضروريات فأعطوا حقوق تلك الحظوظ بالطاعة والشكر والذكر.

ثم إنّ الله  أحب نزاهة قلب المؤمن عن دنس حب الدنيا كما أحب / نزاهة فراشه فقال: ﴿ ومن لم يستطع ﴾ أي من لم يقدر أن يسخر عجوز الدنيا الصالحة بأسرها ويجعلها منكوحة له ويحصنها بتصرّف شرائع الإسلام بحيث لا يكون لها تصرف في قلبه بوجه ما، فليتصرف في القدر الذي ملكت يمين قلبه من الدنيا ولم تملك قلبه لأنها مأمورة بخدمته وهي مؤمنة له بالخدمة كما قال  حكاية عن الله  : " يا دنيا اخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك" ﴿ محصنات ﴾ بالصدق والإخلاق ﴿ غير مسافحات ﴾ بالتبذير والإسراف ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ من النفس والهوى ﴿ فإذا أحصن ﴾ بالإخلاص في العطاء والمنع والأخذ والدفع ﴿ فإن أتين بفاحشة ﴾ هي غلبات شهواتها على القلب فليبذل نصف ما ملكت يمينه من الدنيا في الله جناية وغرامة فهو حدها كما أن حدّ عجوز الدنيا إذا أحصنها ذوو الطول من الرجال فأتت بفاحشة إهلاكها بالكلية بالبذل في الله كما كان حال سليمان  إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد لما شغلته عن الصلاة وأتت بفاحشة حب الخيل فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ﴿ ذلك ﴾ التصرف في قدر من الدنيا ﴿ لمن خشي ﴾ ضعف النفس وقلة صبرها على ترك الدنيا وامتناعها عن قبول الأوامر والنواهي ﴿ وأن تصبروا ﴾ عن التصرّف في الدنيا بالكلية ﴿ خير لكم ﴾ كما قال  : " "يا طالب الدنيا لتبر فتركها خير وأبر " ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ فلكم المعونة ولغيركم المؤونة.

قال إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إ لى ربي  ﴾ وأخبر عن حال موسى بقوله: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا  ﴾ وعن حال نبينا بقوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ وعن حال هذه الأمة بقوله: ﴿ سنريهم آياتنا  ﴾ والمعونة هي الجذبة التي توازي عمل الثقلين، فلا جرم كان لغير نبيّنا الوصول إلى السموات فقط، وكان لنبيّنا الوصول إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، ولأمته التقرّب: " "لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه" والفرق بين النبي والولي، أنّ النبي مستقل بنفسه والولي لا يمكنه السير إلاّ في متابعة النبي وتسليكه.

﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ ولهذا أعين بالخدمة حتى يتصل بقوّة ذلك إلى مقام لا يصل إليه الثقلان بسعيهم إلى الأبد، وضعفه بالنسبة إلى جلال الله وكماله وإلاّ فهو أقوى في حمل الأمانة من سائر المخلوقات، وايضاً من ضعفه أنه لا يصبر عن الله لحظة فإنه يحبهم ويحبونه.

الصبر يحمد في المواطن كلها *** إلاّ عليك فإنه لا يحمد وكان أبو الحسن الخرقاني يقول: لو لم ألق نفساً لم أبق.

وغير الإنسان يصبر عن الله / لعدم المحبة.

ومن ضعفه أنه لا يصبر مع الله عند غلبات سطوات التجلي كما أنه  كان يغان على قلبه وكان يقول حينئذٍ: كلميني يا حميراء.

وكان الشبلي يقول: لا معك قرار ولا منك فرار، المستغاث بك منك إليك.

ضعف الإنسان سبب كماله وسعادته، فساعة يتصف بصفات البهيمة، وساعة يتسم بسمات الملك، وليس لغيره هذا الاستعداد فلهذا جاء في الحديث الرباني: " أنا ملك حي لا أموت أبداً فأطعني عبدي لعلك تكون ملكاً حياً لا تموت أبداً " ﴿ إلا أن تكون تجارة ﴾ أي تجارة تنجيكم من عذاب أليم.

﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ بصرف أموالكم في شهواتها فإن ذلك سمها القاتل ﴿ إن الله كان بكم رحيماً ﴾ إذ بيّن لكم هذه الآفات ودلكم على هذه التجارات.

﴿ ومن يفعل ﴾ صرف المال إلى الهوى تعدياً عن أمر الله وظلماً على نفسه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم ﴾ .

وقال - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ ﴾ فقال بعض أهل العلم: لا يجوز تزوج الأمة حتى يعجز عن نكاح الحرة، ويخشى مع ذلك العنت، فإذا اجتمع الأمران فحينئذ يجوز أن يتزوج الأمة، ولا يجوز أن يكون تأويل الآية في هذا؛ وذلك أن الإماء أعز وجوداً اليوم من الحرائر، ويجد الرجل حرة يتزوجها بأدنى شيء ما لم يجد بمثله الأمة، إلا أن يقال: إن الإماء في ذلك الزمان أوجد، وإن الحرائر أعز، وإن مؤنة الإماء ومهورهن أقل، فخرج الخطاب على ذلك.

أو أنه لما نزل قوله -  وتعالى -: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  ﴾ رغب السادات في تزويج الإماء بشيء يسير، فعند ذلك نزل قوله -  -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً...

﴾ الآية وإلا الأمر الظاهر ما ذكرنا أنهن أعز وجوداً من الحرائر وأكثر مؤنة، وأن الحرائر أهون وجوداً، ومؤنتهن أقل.

أو أن تكون الآية في الإنفاق عليهن، ليس في ابتداء النكاح، وهو أن الرجل إذا تزوج حرة لزمه أن ينفق عليها شاء أو أبى، فإذا عجز عن الإنفاق عليها يطلقها ويتزوج بأمة؛ إذ نفقة الأمة على سيدها ونفقة الحرة عليه، فأمر أن يطلق الحرة التي نفقتها عليه ويتزوج أمة تكون نفقتها على سيدها، هذا أشبه - والله أعلم - مما قاله أولئك.

أو أن يقال: إنه أراد بالنكاح الوطء، لا العقد والتزويج على ما قال علي بن أبي طالب،  .

والنكاح اسم للوطء والتزويج جميعاً، قال الله -  -: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً  ﴾ وتأويله الوطء، فكذلك الأول، ومعنى قول علي -  - حيث حمل الآية على الوطء؛ لأنه قال لا يتزوج الأمة على الحرة.

كأنه منعه من ذلك؛ لأنه قادر على وطء الحرة، ويتزوج الحرة على الأمة.

يقول: يتزوج الأمة ولم يكن قادراً على وطء الحرة؛ فجاز نكاحه.

أو إن كانت الآية في ابتداء النكاح والتزويج؛ على ما قالوا: فليس فها حظر نكاح الإماء وبطلانه في حال الطول والقدرة؛ لأنه أباح نكاحهن في حال عدم الطول والقدرة، ومن أصلنا: أن ليس في إباحة الشيء وحله في حال - دلالة حظره ومنعه في حال أخرى؛ دليله: قوله: ﴿ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ  ﴾ ليس فيه أنه لا يحل له إذا لم يؤت أجورهن، وقوله -  -: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ ليس فيه حظر الأربع وإن خاف ألا يعدل؛ فهذا يدل على أن حظر الشيء ومنعه [في حال] لا يوجب الحظر في حال أخرى، وإباحة الشيء في حال وحله لا يوجب منعه وحرمته في حال أخرى، على أن المخالف لما لم يجعل الإيمان المذكور في الآية شرطاً لقوله -  -: ﴿ أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ﴾ فإذا لم يصر الإيمان شرطاً في حال نكاح الإماء، كيف صار الطول والقدرة شرطاً فيه؟!

إذ من قوله أن ليس له أن ينكح الأمة إذا كان له طول نكاح المحصنة الكتابية، [فلما لم يصر هذا شرطا في ذلك كيف صار الطول والعنت شرطا؟!

وهذا يبطل قوله: أن ليس له أن ينكح أمة كتابية]؛ لأنه يقول: لأن الله -  - شرط فيهن الإيمان بقوله: ﴿ مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ﴾ فإذا لم يصر الإيمان شرطاً في المحصنات كيف صار شرطاً في الإماء، وذلك كله عندنا ليس بشرط.

فإن قال قائل: إن قول الله -  -: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ...

﴾ كذا [المجادلة: 4]، ليس ذلك شرطاً حتى لا يجوز غيره إذا كان له طول العتاق وقدرة الصوم ما ينكر أن يكون الأوّل بمثله.

قيل: صار ذلك شرطاً فيه؛ لأنه فرض لزمه بشريطة لم يكن له الخروج والتعدي إلى غيره، وأمّا النكاح: فليس هو بفرض لزمه بوجود الطول والقدرة والعتاق، وما ذكر فرض لزمه بوجود الطول والقدرة عليه، ويجوز الطعام، لكن لم يسقط الفرض الذي لزمه عنه؛ لذلك صار شرطاً فيه، والأول لم يصر.

فإن قال: ما معنى الآية إذن؟

قيل: معنى الآية على الاختيار والأدب، أو على الإنفاق الذي ذكرنا، أو ألا يختار نكاح الأمة على نكاح الحرة إذا كان له طول الحرة، على ما جاء عن عمر -  -: قال: أيما حرّ تزوج أمة فقد أرق نصفه، وأيّما عبد تزوج حرة فقد أعتق نصفه.

لا يختار نكاح الأمة وله إلى طول الحرة سبيل.

ويجيء أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ ﴾ ألا يحمل على الزنا، ولكن يحمل على مخالطتهن الناس واسترقاق الأولاد، فإذا أمنه السيد عن استرقاق الولد، وعن ترك الاختلاط بالناس، فعند ذلك يتزوجها؛ إذ قلوب الناس لا تحتمل اختلاط أزواجهم بالناس واسترقاق الأولاد، فَحَمْلُ العنت على هذا أشبه من الزنا.

ومن الدليل - أيضاً - على ألا يعتبر الطول على التزوج على ما قالوا: إذا تزوج أمة ثم قدر على تزوج الحرة لم يفسد نكاح الأمة، وهو قول ابن عباس -  - فعلى ذلك طوله في الابتداء على نكاح الحرة لا يمنع جواز نكاح الأمة، والله أعلم.

على أن عدم الطول في الأصل لا يمنع نكاح الحرة؛ إذ [المهر] شيء يلزم الذمة، وعدم النفقة يمنع الإمساك عنده؛ فدل أن الآية لعدم نفقة الحرة أشبه وأقرب من عدم طول مهر الحرة في الابتداء؛ على ما ذكرنا.

والأصل: أن كل أمر يجوز بشرط الاضطرار؛ فإن ارتفاع الضرورة يمنع البقاء، فإذا لم يمنع بان أنه لا على الحل بالضرورة، وعلى ذلك يختار لمن تحته حرة مفارقة الأمة؛ إذ بإمساكها رِقُّ الولد الذي يَقْبُحُ في العقل اختياره، ومخالطة الزوجة في الطبع نفار منه، فمثله في الابتداء - والله أعلم - مع ما قال الله -  -: ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ وليس عن الذي فيه الضرورة شرط الصبر، ثم القول واحد فيهن بملك المال وهو غائب عنه يخشى العنت إلى أن يبلغ ذلك أنه لا يمنع النكاح، وجميع ما له الحرمة، يستوي غيبة ذلك وحضرته: كنكاح الأمة على الحرة، والأخت على الأخت، ونحو ذلك، مع ما لو كانت خشية العنت تصير سبباً للحل في شيء لكان ملك الحرة التي هي عنه غائبة؛ إذ لم تصر الضرورة مبيحة، فإذن بان أن الحرمة لنفس النكاح في الوجود والحل لعدمه لا للسبيل إلى ذلك وغير السبيل.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ ﴾ إنما هو الضيق؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ  ﴾ أي: يضيق عليكم مخالطة الأيتام.

أو الإثم؛ كقوله -  -: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ  ﴾ وكل رجل فيه وسع الاستمتاع فهو يخشى الإثم، فيجيء أن يباح له على كل حال، أو يرجع إلى الضيق؛ فيكون المقصود منه الإمساك دون العقد، والله أعلم.

ثم خشية الزنا يحتمل أن يصير شرطاً للحل، وقد حصل له عقوبة، فيها أبلغ الزجر لمن عقل من: رجم أو حد، بل يفرض عليه اتقاء ذلك بكل وجوه الإمكان، ومعلوم أن الله قد جعل عنه بغير النكاح سبيلا في الاستمتاع، أيضاً، وقد جاء - أيضاً - الأمر بالصيام بأنه له وجاء، فإنما خشية ذلك خشية حظر، لا حقيقة، فلم يجز أن يجعل عذراً لرفع الحرمات ولقدر عليه بالمباح من الصيام.

القول في قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ﴾ الآية، نقول - وبالله التوفيق -: تحتمل الآية وجهين: أحدهما: طول عقد النكاح [من ملك المهر.

والثاني: طول إمساك الحرة؛ للاستمتاع من النفقة والكسوة والمسكن، وهذا الوجه أحق؛ لأوجه: أن طول عقد النكاح] مذكور - أيضاً - في نكاح الأمة، بقوله: ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ومعلوم وجود الحرة بالمهر الذي يوصف في المعروف من المهور، بل لعل ذلك في الحرائر أوجد؛ إذ قد جاز نكاح الحرائر بالأشياء الضعيفة، ومعروف وجودهن في كل عصر بدون ما يوجد من مثله الإماء، فمحال أن يشترط في نكاح الإماء عدم ما لا يوجد السبيل إليه إلا بوجود ذلك، أو ما هو أعظم في الوجود.

وأمّا النفقة والمسكن فقد يكون بمال السيد دون أن يؤخذ به، وفي الحرة هي لا سبيل إليها إلا بمال الزوج، ففيهما بذكر الوجود، لا فيما يستوي الذكر فيه في المتلو.

ثم في الحاجة على ما عليه العرف فيه فضل، ولا قوة إلا بالله.

والوجه الثاني: ما روي عن رسول الله  أنه قال: "لاَ تُنْكَحُ الأَمَةُ عَلَى الحُرَّةِ" ولو كان يجوز نكاحها عند وجود طول الحرة، لم يكن للنهي عن ذلك بعد النكاح وجه؛ إذ ليس لذلك وجود؛ لما الطول يمنع وجوده.

والثالث: أن الذي به يجب النكاح ليس للوجود شرط فيه، والذي به الإمساك شرط؛ إذ قد يجوز بذمة من لا يملك شيئاً ولا يمسك بمثله، ثبت أن ذلك في حق الإمساك.

وبعد: لو كان يمنع بالذي ذكر، لكان جوازه بحق الضرورة، وهذا مما لا يقع به الضرورة، ثبت أن ذلك في حق الإمساك.

ثم لو كان التأويل على النكاح لم يكن في ذلك تحريم النكاح على وجود طول الحرة؛ لخصال: أحدها: أن ذلك يوجب أن يكون نكاح الإماء يجوز بحق الإبدال والاضطرار، وذلك لا يحتمل حق النكاح؛ لوجوه: أحدها: أن طريق ذلك طريق إباحة ورخص، والفروج لا تحتمل الإباحات؛ بل الإباحة توجب حد المبيح وعقوبته، وتجعل كمبيح ما لا يملكه.

والثاني: أن الحرمات التي كانت في جميع النكاح كانت ظاهرة لم يرتفع شيء منها لحاجات وكذا نكاح الإماء لو كان من المحرمات، بل الحكم أن كل امرأة لا تحتمل النكاح فهي لا تحل بملك اليمين، فلو قلنا: إنه لا يحل نكاحها لذاتها لم يحل في ملك اليمين، فإذا حلّت بأن ما ذكرت، وليس كالزيادة على الأربع؛ لأن تلك الحرمة لحق المنكوحة لا لمكان المرأة، وكذلك الأخت ونحو ذلك؛ دليل ذلك جواز ذلك لا بحق الإبدال والاضطرار، إذا عدم نكاح غيره.

وبعد: فإنه لم يجعل في شيء من الحل والحرمة المال؛ بل قال -  - ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً...

﴾ الآية [النور: 33]؛ صير العدم شرط الترك، وله قد يفسخ، لا أنه شرط الإباحة، فكذلك أمر نكاح الإماء.

والثالث: إذ الأصل في إضافة الحل والحرمة إلى حال أنه لا يوجب ضد ذلك في غير تلك الحال؛ بل هو في غيرها موقوف على قيام الدليل من ذلك المضاف إليه أو غيره، لا أنه يوجب ذلك؛ دليل ذلك أمور النكاح؛ قال الله -  - لنبيه  : ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ  ﴾ لا أنه لو لم يؤتهن الأجور لم يحللن، وكذلك قوله -  وتعالى - ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ وقال - عز وجل -: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ...

﴾ الآية؛ لأن الحدّ لا يجب لو لم يحصن، وقال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ﴾ لا على جعل الإيمان شرطاً، وقال [الله] - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ  ﴾ لأن الأمة لا تحل إذا لم يخف العدل في الحرائر، وغير ذلك مما يكثر، إذ ليس في إضافة الحل إلى حال قطعه عن غيره، فمثله أمر النكاح فيما نحن فيه.

ثم احتج بعضهم بالآيات التي فيها: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ  ﴾ ، ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ  ﴾ ، لتوجيه ذلك الحق هاهنا وقد دخل جواب هذا فيما قلنا: إن الحكم في غيره موقوف على الدليل فيه منعنا لا بهذا، مع ما بينا دليل ما نحن فيه ليس بشرط؛ ألا ترى أنه ذكر شرط الإيمان في المحصنات؟!

ومن لم يصر شرطاً وقد صار في الكفارات ونحو ذلك؛ فمثله ما نحن فيه.

ثم الفصل بين الأمرين يقع من وجوه: أحدها: أن تلك بحق الإبدال والاضطرار؛ دليله: زوال حكمه عند الارتفاع وفي هذا إلا ألا يرتفع لنكاح الحرة؛ فلذلك اختلف الأمران، ولو جعلنا الأمر به في حال أو الإشارة بالحل إليها دليلاً على النهي عن ذلك كان نهيا عن نكاح الإماء في حال طول الحرائر؛ فلا يحتمل أن يكون النهي مبطلا للفعل لأوجه: أحدها: أن المعنى الذي له يقع النهي كان معقولاً، وبمثله لا يحتمل الفساد، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يرق ولده.

والثاني: أن تخالط امرأته الرجال، وذلك بعض ما يشين الرجل.

ثم كان نكاح الزانية مع النهي عن ذلك يجوز، ومع الأمر بطلاقها ومعلوم أن ذلك أعظم في الشين؛ إذ قد ظهر به ما يخافه في المملوكة، ويصير ولده مشتوما بأمه ما هو أوخش في العقول من كل رق وعبودة ويقال له: يابن الزانية، وذلك - أيضاً - تلبيس النسب وشبهه، ثم لم يجب به الفساد؛ فأمر المملوكة بالأحرى.

وأيضاً لم يختلف على نهي الحرمة عن نكاح العبيد، وله يفرق الأولياء، ويصرف حق نسب الآباء إلى الموالي؛ إذ معلوم أن الطعن عليهن في الخلاف قبح منه عليهم، ثم لم يمنع ذلك جواز النكاح؛ فمثله ما نحن فيه.

وأيضاً إن الحرمة على وجهين: حرمة لنفس المنكوحة أو الاستمتاع وحرمة لحق النكاح، وكل محرمة لذاتها فهي لا تحل بملك اليمين ولا بملك النكاح، وما كانت الحرمة بحيث النكاح تحل، فإذا كانت الأمة تحل بملك اليمين ثبت أن حرمتها ليست لنفسها ولا للاستمتاع فهي تحل بملك اليمين، بل حلها في الأصل بملك النكاح أحق، إذ ليس إلا للاستمتاع، فإذا حلت به فبالأحرى أن تحل بالنكاح، ثم قد يحرم للنكاح أشخاص [لا يحر من للأموال بحال]، فكذا ما نحن فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل - والله أعلم -: حقيقة إيمانكم، وأنتم لا تعلمون ذلك.

ويحتمل - والله أعلم -: بإيمانكم، وغيره لا يعلم حقيقة ذلك.

وفيه لزوم العمل بالظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ .

يحتمل: بعضكم من بعض في الدين.

ويحتمل: بعضكم من نسب بعض؛ فهذا يدل على أن بعضهم من دين بعض، ومن نسب بعض؛ فليس لبعض على بعض فضل من جهة الدين والنسب؛ إذ نسبهم ودينهم واحد، وليس للحرة على الأمة فضل من هذا الوجه.

وفي قوله: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ .

[قيل: إن قوله ﴿ أُحْصِنَّ ﴾ تزوجن، وقيل أسلمن.

فكيفما كان التأويل لم يصر الإحصان شرطا في لزوم ذلك العذاب]؛ لأنها إذا كانت على غير هذا الوصف لزمها ذلك الحكم؛ دل أن وجوب ذلك الحكم في حال على وصف - لا يمنع وجوب الحكم في حال أخرى على غير الوصف الذي وصف في تلك الحال، وهذا بالمخالف لنا ألزم؛ لأنه قال - عز وجل - في قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ  ﴾ أن النهي وقع على جميع المشركات: كتابيات وغير كتابيات، ثم صار الكتابيات منسوخة بقوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ  ﴾ ثم قال: إذا كان له طول محصنة كتابية لم يحل له نكاح الأمة المؤمنة، وقد أخبر - عز وجل - أن الأمة المؤمنة خير من مشركة، وهو يقول: بل المشركة خير من الأمة؛ فهذا يدل على اضطراره في قوله على مذهبنا ما قلنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ﴾ الآية [البقرة: 221]، على المشركات خاصة من غير الكتابيات عندنا؛ دليله: قوله -  -: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ...

 ﴾ ذكر المشركات وذكر الكتابيات؛ دل هذا أن المشركات في هذه الآية غير الكتابيات، وقد ذكرنا الوجه في ذلك في صدر السورة ما يغني [عن] ذكره في هذا الموضع.

فإن كان ما ذكرنا - حل له أن يتزوج كتابية محصنة كانت أو أمة، وقد أقمنا الدليل على أن ليس في ذكر الإيمان فيهن دليل جعله شرطاً في جواز نكاحهن؛ على [ ما لم يكن في ذكر الإيمان] في المحصنات من المؤمنات دليل جعل الإيمان فيهن شرطاً.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ ﴾ ، أي: هو أعلم بحقيقة إيمانهن وأنتم لا تعلمون حقيقته، وإن كان أثبت لنا علم الظاهر بقوله -  -: ﴿ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ  ﴾ أمرنا بالعمل بعلم الظاهر، لا بعلم الحقيقة بقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ  ﴾ ؛ فهذا يدل على أن الإيمان هو عمل القلب، لا عمل اللسان؛ لأنه لو كان عمل اللسان لكان يعلم حقيقته كل أحد؛ فظهر أنه ما وصفنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ قيل فيه وجوه: بعضكم من بعض في الولايات [في الدين]، كقوله  : ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ .

وقيل: بعضهم من بعض في النسب؛ إذ كل منهم من أولاد آدم.

ويحتمل: بعضكم من بعض قبل الإسلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ .

أي: بإذن ساداتهن؛ سمّى السادات أهلا لهن؛ دل أنهن من أهلهم.

وفيه أن للمرأة أن تزوج نفسها إذا أذن لها وليها؛ [لأن الله -  -] قال ﴿ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ [فلو كان أهلهن هم الذين يُنكحونهن - لم يكن لطلب الإذن معنى.

وفيه أن للمرأة ولاية النكاح؛ لأنه قال: ﴿ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ ] والمرأة إذا كانت [لها جارية] لها أن تزوج من غيره، وهذا في النساء أولى لأن الرجل إذا كانت له جارية - يستمتع بها ولا يزوجها من غيره، والمرأة إذا كانت لها جارية هي التي احتاجت إلى تزويج جاريتها؛ لذلك كان في هذا أولى.

وفيه أن ليس للعبد ولا للأمة أن يتزوج إلا بإذن السيد، وكذلك روي عن رسول الله  قال: "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلاَهُ فَهُوَ عَاهِرٌ" وقال بعض أهل العلم: قوله: ﴿ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ إذا كنَّ مؤمنات؛ على ما سبق من ذكر الإيمان بقوله: ﴿ مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ ﴾ لكن هذا وإن كان نهياً عن نكاح الإماء إذا كن غير مؤمنات لم يدل ذلك على فساد نكاحهن إذا كن غير مؤمنات؛ ألا ترى أن النساء نُهِيْنَ عن تزويج أنفسهن من العبيد، وذلك مما يشينهن، ثم لم يمنع ذلك النهي عن التزويج منهم؛ فعلى ذلك لا يمنع شرط الإيمان فيهن والنهي عن نكاحهن - فساد النكاح ولا بطلانه، وكذلك الرجل نهي أن يتزوج كتابية حرة وهو واجد الحرة المؤمنة.

ثم مع ما نهى عن نكاحها - إذا فعل ذلك جاز النكاح؛ فعلى ذلك الأول.

وكذلك قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  ﴾ ذكر الصلاح فيهم، ثم إ ذا كانوا على [غير] ذلك الوصف جاز؛ فكذلك الأول.

وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ ﴾ .

ذكر الإحصان فيهن، ثم لم يصر الإحصان فيهن شرطاً في جواز النكاح؛ لأنهن إذا كن غير محصنات يجوز نكاحهن؛ فعلى ذلك الأول، ولو كان الطَّوْل والقدرة مما يمنع جواز نكاح الإماء - وجواز نكاح الإماء بمعنى البدل - لكان إذا تزوج أمة ولم يكن له طول على نكاح الحرة في ذلك الوقت، ثم كان الطول على نكاح الحرة - يجيء أن يفسد النكاح؛ لأنه إذا منع الابتداء يمنع القرار في ملكه؛ فإذا لم يمنع دل أنه ليس على حكم البدل؛ إذ الأبدال [لا قرار لها ولا ثبات] عند وجود الأصول؛ دل أنه ليس عنه؛ ولكن على الاختيار والتأديب ألا يختار نكاح الإماء على الحرائر والمسافحات على المحصنات، ولا يختار المشركات على المؤمنات.

فإن قيل: إنكم تمنعون من نكاح الأمة [على الحرة]، ثم لا تفسخون نكاح الأمة إذا كانت عنده أمة فتزوج حرة.

قيل له: إنما يمنع عن نكاح الأمة على الحرة لحقّ حرمة الجمع: كالجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، فأما إذا لم يكن ثَمَّ جمع لا يمنع، وهذا ليس بجمع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .

بإذن أهلهن على ما ذكر الإذن في النكاح بقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ .

ويحتمل - أيضاً - أن يؤتى أجرها وإن لم يأذن له مولاها، إذا كانت الجارية ممن يحفظ مال سيدها ويتعاهده؛ إذ الناس يشترون المماليك لحفظ أموالهم وصون أملاكهم، نحو ما جاء من الوعيد عن رسول الله  : "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعيِّتِهِ، حَتَّى العَبْد عَنْ مَالِ سَيِّدِهِ" فإذا كان ما وصفنا - لا بأس بأن يدفع الأجر والمهر إليها إذا كانت هي ممن تحفظ ماله وتصونه.

ثم من الناس من استدل بقوله: ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ على حقيقة الملك للمماليك، ويبيح لهم التمتع بالجواري، وبقوله -  أيضاً -: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ  ﴾ لو لم يملكوهم حقيقة الملك - لم يكن لوعد الغني لهم معنى؛ لأنه لا يقع لهم الغنى أبدا، وكانوا لا يملكون؛ دل أنهم يملكون حقيقة الملك وأما عندنا فإنهم لا يملكون حقيقة الملك؛ استدلالا بقوله -  -: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ  ﴾ أخبر أن ليس لهم فيما رزقهم شركاء مما ملكت أيمانهم؛ دل أنهم لا يملكون حقيقة الملك.

فإن قالوا: أليس يملكون التمتع في النكاح إذا ملكوا ما منع - أيضاً - أن يملكوا رقاب الأشياء إذا ملكوا؟

قيل: إن السادات لا يملكون من المماليك رقبة ما يتمتع به بالأسر؛ ألا ترى أن السيدة لا تملك من عبدها التمتع به؛ دل أن ملك ذلك للعبد خاصة؛ لذلك ملك ملك التمتع في النكاح.

وأمّا قوله - عز وجل -: ﴿ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ  ﴾ بغناء ساداتهم؛ إذ مقدار ما يطعمون ويشربون مما جعل لهم الانتفاع به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ما ذكرنا من الإذن من أهلهن، أو لما جعل النهي حفظ الأموال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .

قيل: مهر غير مهر البغي، وقيل: هو المعلوم.

وقوله -  -: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ ﴾ .

قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ ﴾ .

قيل: فإذا أسلمن.

وقيل: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ ﴾ : فإذا تزوجن.

ويحتمل: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ ﴾ : فإذا بلغن مبلغ النساء.

وقيل: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ ﴾ أي: عففن، وتأويله - والله أعلم -: ما ذكره في أول الآية.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً  ﴾ أنهن إذا تركن للتعفف، ولم يكرههن على البغي - فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب؛ فهن الحرائر؛ لأن عذاب المتزوجة إذا دخل بها زوجها - الرجمُ، ولا نصف للرجم، وإنما حد الأمة الجلد؛ فلا يجوز أن يكون المحصنات في هذا الموضع ذات الأزواج؛ لأن عذاب ذات الأزواج الرجم، ولا نصف له؛ دل أنه أراد بالإحصان: الإسلام.

وروي عن ابن عباس -  - وسعيد بن جبير، وجماعة من أهل العلم: أن لا حد على الأمة حتى تتزوج.

وأما عندنا: فإن عليها الحد؛ لما روي عن رسول الله  أنه أمر بجلد الأمة إذا زنت وإن لم تتزوج؛ فذلك حجة لقول من قال: إحصانها إسلامها، وهو ما روي عن أبي هريرة، وزيد بن خالد، وشبل - رضوان الله عليهم - قالوا: "كنا عند [رسول الله  ] فسأله رجل عن الأمة تزني قبل أن تحصن؟

قال: اجْلِدْهَا؛ فَإِنْ زَنَتْ فَاجْلِدْهَا...

ثم قال في الثالثة أو الرابعة: فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ" هذا الخبر يدل على أن الأمة إذا زنت تجلد وإن لم تتزوج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

أي: وإن تصبروا ولا تتزوجوا الإماء فهو خير لكم؛ لأن أولادكم يصيرون عبيداً؛ فهذا يدل على أن قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ﴾ - كله على الاختيار، ليس على الحكم ألا يختار، [و] لا على أنه إذا فعل لا يجوز.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ؛ حيث كفر عنكم ما ارتكبتم في الدنيا بالعذاب الذي يقام عليكم، ولم يجعل عذابكم في الآخرة؛ إذ عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، وذلك من رحمته.

ويحتمل: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ من رحمته أن يجعل الحدود في الدنيا زواجر عن العود إلى ارتكاب مثله من الأفعال.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن لم يستطع منكم - أيها الرجال - لقلة ماله أن يتزوج الحرائر من النساء جاز له نكاح الإماء المملوكات لغيركم، إن كن مؤمنات فيما يظهر لكم، والله أعلم بحقيقة إيمانكم وبواطن أحوالكم، وأنتم وهنَّ سواء في الدين والإنسانية، فلا تَسْتنكِفوا عن الزواج منهن، فتزوجوهن بإذن مالكيهن، وآتوهن مهورهن دون نقص أو مماطلة، هذا إن كن عفيفات غير زانيات علنًا، ولا متخذات أَخِلَاء للزنى بهن سرًّا، فإذا تزوجن، ثم ارتكبن فاحشة الزنى فحدُّهن نصف عقوبة الحرائر: خمسين جلدة، ولا رجم عليهن، بخلاف المحصنات من الحرائر إذا زنين.

ذلك المذكور من إباحة نكاح الإماء المؤمنات العفيفات رخصة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى، ولم يقدر على الزواج من الحرائر، على أن الصبر عن نكاح الإماء أولى؛ لتجنيب الأولاد الاسترقاق، والله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم، ومن رحمته أن شرع لهم نكاح الإماء حال العجز عن نكاح الحرائر عند خشية الزنى.

<div class="verse-tafsir" id="91.n6bor"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

المحصنات المتزوجات، وما ملكت الأيمان بالسبي في حرب دينية وأزواجهن كفار في دار الحرب ينفسخ نكاحهن ويحل الاستمتاع بهن بعد الاستبراء.

فإذا قيل إن ما ملكت الأيمان يشمل المملوكة المتزوجة في دار الإسلام وهي محرمة على سيدها أن يفترشها بالإجماع!

فالجواب أن العموم هنا مخصوص بالمسبيات، وسكت عن المملوكات المتزوجات لأن التزوج بالمملوكات خلاف الأصل، وهو مكروه في الشرع والذوق والعقل، فهو كالتنبيه إلى أنه لا ينبغي أن يكون، ولذلك شدد فيه كما يأتي ويزاد على هذا أنه أَمْر لم يكن معروفًا عند التنزيل.

أما لماذا قال: ﴿ مِنَ النِّسَاءِ  ﴾ مع أن صيغة الجمع مغنية عن هذا القيد؟

..

فقال بعضهم: النكتة في ذلك تأكيد العموم، وليس هذا القول كافيًا ولا وافيًا، وصرح بعضهم بغموض النكتة في ذلك، واستشكله المفسرون، حتى روي عن مجاهد أنه قال: لو كنت أعلم من يفسرها لضربت إليه أكباد الإبل -أي لسافر إليه وإن بعد مكانه.

وعندي أن هذا القيد يكاد يكون بديهيًا، فإن لفظ ﴿ الْمُحْصَنَاتِ  ﴾ قد يراد به العفيفات أو المسلمات، فلو لم يقل هنا ﴿ مِنَ النِّسَاءِ  ﴾ لتوهم أن المحصنات إنما يحرم نكاحهن إذا كن مسلمات، فأفاد هذا القيد العموم والإطلاق، أي أن عقد الزوجية محترم مطلقًا، لا فرق فيه بين المؤمنات والكافات والحرائر والمملوكات، فيحرم تزوج أية امرأة في عصمة رجل وحصنه.

﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ  ﴾ ذكر فيما مر أكثر المحرمات من النساء، وبقي من المحرمات بالرضاعة غير الأمهات والأخوات من المحرمات بالنسب، ومثل الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وقد قال إنه أحل لنا ما وراء ذلك، فربما يقال إنه يدخل فيه ما ذكر آنفًا ونحوه من المحرم إجماعًا أو بنصوص أخرى كالمطلقة ثلاثًا والمشركة والمرتدة!

والجواب: أن بعض ما ذكر يؤخذ مما تقدم، فإن الله تعالى قد ذكر من كل صنف من المحرمات بعضه فدخل في الأمهات الجدات، وفي البنات بنات الأولاد إلخ، وبعضها يؤخذ من آيات أخرى كتحريم المشركات والمطلقة ثلاثًا على مطلقها في سورة البقرة، وقد يقال إن ما ذكر هنا من المحرمات مجمل بينته السنة، والسر في النص على ما ذكر أنه كان واقعًا شائعًا في الجاهلية فهو يعلمنا بالنص على الواقع أن لا نتعرض إلا للأمور الوجودية، وأن الأمور المفروضة والمتخيلة لا ينبغي الالتفات لها ولا الاشتغال بها.

﴿ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ  ﴾ معناه أن يقصد الرجل إحصان المرأة وحفظها أن ينالها أحد سواه ليكن عفيفات طاهرات، ولا يكون التزوج لمجرد التمتع وسفح الماء وإراقته، وهو يدل على بطلان النكاح الموقت وهو نكاح المتعة الذي يشترط فيه الأجل.

﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ فسروا الطول هنا بالمال الذي يدفع مهرًا وهو تحكم ضيقوا به معنى الكلمة، وهي من مادة الطول -بالضم- فمعناها الفضل والزيادة، والفضل يختلف باختلاف الأشخاص والطبقات، وقد قدر بعضهم -"كالحنفية"- المهر بدراهم معدودة، فقال بعضهم ربع دينار، وقال بعضهم عشرة دراهم وليس في الكتاب ولا في السنة ما يؤيده، بل ورد أن النبي  قال لمريد الزواج: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، وروي أن بعضهم تزوج بتعليم الزوجة شيئًا من القرآن مهرًا، وتزوج بعضهم بنعلين، ولم يقيد السلف المهر بقدر معين.

وتفسير الطول بالغنى لا يلائم تحديد المحددين فإنه لا يكاد أحد يجد أمة يرضى أن يزوجها سيدها بأقل من ربع دينار، أو عشرة دراهم، أو نعلين.

وفسره أبو حنيفة بأن يكون عنده حرة يستمتع بنكاحها بالفعل، أي ومن لم يكن منكم متزوجًا امرأة حرة مؤمنة فله أن يتزوج أمة، فحاصله عدم الجمع بين الحرة والأمة، والطول أوسع من كل ما قالوه، وهو الفضل والسعة المعنوية والمادية فقد يعجز الرجل عن التزوج بحرة وهو ذو مال يقدر به على المهر المعتاد لنفور النساء منه لعيب في خُلقه أو خَلْقه، وقد يعجز عن القيام بغير المهر من حقوق المرأة الحرة فإن لها حقوقًا كثيرة في النفقة والمساواة وغير ذلك وليس للأمة مثل تلك الحقوق كلها، ففقد استطاعة الطول له صور كثير، والمؤمنات ليس بقيد في الحرائر ولا الإماء أيضًا وإن قيل به وإنما هو لبيان الواقع فإنه كان نهاهم عن نكاح المشركات في سورة البقرة وهن أولئك الوثنيات اللواتي لا كتاب لقومهن وسكت عن نكاح الكتابيات والنهي عن نكاح المشركات لا يشملهن، فكان الزواج محصورًا في المؤمنات فذكره لأنه الواقع.

ثم صرح بحل زواجهن في سورة المائدة وهي قد نزلت بعد سورة النساء بلا خلاف، وفي الوصف بالمؤمنة إرشاد إلى ترجيحها على الكتابية عند التعارض.

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ : إيتاء الأجور بالمعروف معناه بالمتعارف بين الناس ولم يقل هنا كما قال في الحرائر "فريضة" لأن المؤنة فيه أخف، والأمر أهون، والتساهل في أجور الإماء معهود بين الناس، ولا إشكال في إعطائها المهر مع كونها لا تملك لأن المملوك يقبض وإن كان لا يملك وقد نقل أبو بكر الرازي عن بعض أئمة المالكية أن السيد إذا زوج جاريته فقد جعل للزوج ضربًا من الولاية عليها لا يشاركه هو فيه فما تأخذه من الزوج يكون في مقابلة ما أسقط السيد حقه منه، فلا يكون له حظ منه بل يكون لها وحدها، وهذا هو الصحيح.

﴿ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ  ﴾ : وأن تصبروا خير لكم لما فيه من تربية الإرادة وملكة العفة وتحكيم العقل بالهوى ومن عدم تعريض الولد للرق، ولفساد الأخلاق بالإرث، فإن الجارية بمنزلة المتاع والحيوان، فهي تشعر دائمًا بالذل والهوان، فيرث أولادها إحساسها ووجدانها الخسيس.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده