الآية ٥ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٥ من سورة النساء

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 185 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينهى تعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما ، أي : تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها .

ومن هاهنا يؤخذ الحجر على السفهاء ، وهم أقسام : فتارة يكون الحجر للصغر; فإن الصغير مسلوب العبارة .

وتارة يكون الحجر للجنون ، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين ، وتارة يكون الحجر للفلس ، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها ، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه .

وقد قال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) قال : هم بنوك والنساء ، وكذا قال ابن مسعود ، والحكم بن عتيبة والحسن ، والضحاك : هم النساء والصبيان .

وقال سعيد بن جبير : هم اليتامى .

وقال مجاهد وعكرمة وقتادة : هم النساء .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا عثمان بن أبي العائكة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وإن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها " .

ورواه ابن مردويه مطولا .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن مسلم بن إبراهيم ، حدثنا حرب بن سريج عن معاوية بن قرة عن أبي هريرة ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) قال : الخدم ، وهم شياطين الإنس وهم الخدم .

وقوله : ( وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس يقول [ تعالى ] لا تعمد إلى مالك وما خولك الله ، وجعله معيشة ، فتعطيه امرأتك أو بنيك ، ثم تنظر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه ، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم : رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ، ورجل أعطى ماله سفيها ، وقد قال : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه .

وقال مجاهد : ( وقولوا لهم قولا معروفا ) يعني في البر والصلة .

وهذه الآية الكريمة انتظمت الإحسان إلى العائلة ، ومن تحت الحجر بالفعل ، من الإنفاق في الكساوى والإنفاق والكلام الطيب ، وتحسين الأخلاق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ (98) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في" السفهاء " الذين نهى الله جل ثناؤه عباده أن يؤتوهم أموالهم.

(99) فقال بعضهم: هم النساء والصبيان.

* ذكر من قال ذلك: 8523 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير قال: اليتامى والنساء.

8524 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: لا تعطوا الصغار والنساء.

8525 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن يونس، عن الحسن قال: المرأة والصبيّ.

8526 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن شريك، عن أبي حمزة، عن الحسن قال: النساء والصغار، والنساء أسفه السفهاء.

8527 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: " السفهاء " ابنك السفيه، وامرأتك السفيهة.

وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا الله في الضعيفين، اليتيم والمرأة ".

8528 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا حميد، عن عبد الرحمن الرؤاسي، عن السدي= قال: يردّه إلى عبدالله= قال: النساء والصبيان.

8529 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، أما " السفهاء "، فالولد والمرأة.

8530 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، يعني بذلك: ولد الرجل وامرأته، وهي أسفه السفهاء.

8531 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: " السفهاء " الولد، والنساء أسفه السفهاء، فيكونوا عليكم أربابًا.

8532 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: أولادكم ونساؤكم.

8533 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك قال: النساء والصبيان.

8534 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: النساء والولدان.

8535 - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا ابن أبي غَنِيّة، عن الحكم: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: النساء والولدان.

(100) 8536 - حدثنا بشر بن معاذ: قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا "، أمر الله بهذا المال أن يخزن فتُحسن خِزانته، ولا يملكه المرأة السفيهة والغلامُ السفيه.

8537 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا ابن المبارك، عن إسماعيل، عن أبي مالك قال: النساء والصبيان.

8538 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: امرأتك &; 7-563 &; وبنيك= وقال: " السفهاء "، الولدان، والنساء أسفه السفهاء.

* * * وقال آخرون: بل " السفهاء "، الصبيان خاصة.

* ذكر من قال ذلك: 8539 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: هم اليتامى.

8540 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن شريك، عن سالم، عن سعيد قال: " السفهاء "، اليتامى.

8541 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يونس، عن الحسن في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، يقول: لا تَنْحَلوا الصغار.

* * * وقال آخرون: بل عنى بذلك: السفهاء من ولد الرجل.

* ذكر من قال ذلك: 8542 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، أخبرنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: لا تعط ولدك السفيه مالك فيفسده، الذي هو قوامك بعد الله تعالى.

8543 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، يقول: لا تسلط السفيه من ولدك= فكان ابن عباس يقول: نـزل ذلك في السفهاء، وليس اليتامى من ذلك في شيء.

(101) 8544 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري أنه قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلِّقْها، ورجل أعطى ماله سفيهًا وقد قال الله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهد عليه.

(102) 8545 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " الآية، قال: لا تعط السفيه من ولدك رأسًا ولا حائطًا، ولا شيئًا هو لك قيمًا من مالك.

* * * وقال آخرون: بل " السفهاء " في هذا الموضع، النساء خاصة دون غيره.

* ذكر من قال ذلك: 8546 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن رجلا عمد فدفع ماله إلى امرأته، فوضعته في غير الحق، فقال الله تبارك وتعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ".

8547 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حميد، عن مجاهد: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: النساء.

8548 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا سفيان، عن الثوري، عن حميد، عن قيس، عن مجاهد في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: هنّ النساء.

8549 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا "، قال: نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم، وهنّ سفهاء مَنْ كُنَّ أزواجًا أو أمهاتٍ أو بنات.

8550 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

8551 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا هشام، عن الحسن قال: المرأة.

8552 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: النساء مِنْ أسفه السفهاء.

8553 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أبي عوانة، عن عاصم، عن مورّق قال: مرت امرأة بعبدالله بن عمر لها شارَة وهيْئة، فقال لها ابن عمر: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا ".

* * * وقال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه عم بقوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، فلم يخصص سفيهًا دون سفيه.

فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهًا ماله، صبيًا صغيرًا كان أو رجلا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى.

و " السفيه " الذي لا يجوز لوليه أن يؤتِّيه ماله، هو المستحقُّ الحجرَ بتضييعه مالَه وفسادِه وإفسادِه وسوء تدبيره ذلك.

وإنما قلنا ما قلنا، من أن المعنيَّ بقوله: " ولا تؤتوا السفهاء " هو من وصفنا دون غيره، لأن الله جل ثناؤه قال في الآية التي تتلوها: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ، فأمر أولياء اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا &; 7-566 &; بلغوا النكاح وأونس منهم الرشد، وقد يدخل في" اليتامى " الذكور والإناث، فلم يخصص بالأمر بدفع ما لَهُم من الأموال، الذكورَ دون الإناث، ولا الإناث دون الذكور.

وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين أمر أولياؤهم بدفعهم أموالهم، إليهم، وأجيز للمسلمين مبايعتهم ومعاملتهم، غير الذين أمر أولياؤهم بمنعهم أموالهم، وحُظِر على المسلمين مداينتهم ومعاملتهم.

فإذْ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن " السفهاء " الذين نهى الله المؤمنين أن يؤتوهم أموالهم، هم المستحقون الحجرَ والمستوجبون أن يُولى عليهم أموالهم، وهم من وصفنا صفتهم قبل، وأن من عدا ذلك فغير سفيه، لأن الحجر لا يستحقه من قد بلغ وأونس رشده.

* * * وأما قول من قال: " عنى بالسفهاء النساء خاصة "، فإنه جعل اللغة على غير وجهها.

وذلك أن العرب لا تكاد تجمع " فعيلا " على " فُعَلاء " إلا في جمع الذكور، أو الذكور والإناث.

وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم، جمعوه على: " فعائل " و " فعيلات "، مثل: " غريبة "، تجمع " غرائب " و " غريبات "، فأما " الغُرَباء "، فجمع " غريب ".

(103) * * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا وارْزُقوهم فيها واكسوهم "، فقال بعضهم: عنى بذلك: لا تؤتوا السفهاء من النساء والصبيان= على ما ذكرنا من اختلاف من حكينا قوله قبل= أيها الرشداء، أموالكم التي تملكونها، فتسلِّطوهم عليها فيفسدوها ويضيعوها، ولكن ارزقوهم أنتم منها إن كانوا ممن تلزمكم نفقته، واكسوهم، وقولوا لهم قولا معروفًا.

وقد ذكرنا الرواية عن جماعة ممن قال ذلك، منهم: أبو موسى الأشعري، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وحضرمي، وسنذكر قول الآخرين الذين لم يذكر قولهم فيما مضى قبل.

8554 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا وارزقوهم فيها "، يقول: لا تعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك، وأطعمهم من مالك واكسُهم.

8555 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفًا "، يقول: لا تسلط السفيه من ولدك على مالك، وأمرَه أن يرزقه منه ويكسوه.

8556 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، قال: لا تعط السفيه من مالك شيئًا هو لك.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: " ولا تؤتوا السفهاء أموالهم "، ولكنه أضيف إلى الولاة، لأنهم قُوَّامها ومدبِّروها.

* * * * ذكر من قال ذلك: 8557 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، &; 7-568 &; [هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تؤته إياه، وأنفقه عليه حتى يبلغ.

وإنّما أضاف إلى الأولياء فقال: " أموالكم "، لأنهم قوّامها ومدبروها].

(104) * * * قال أبو جعفر: وقد يدخل في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، أموالُ المنهيِّين عن أن يؤتوهم ذلك، وأموال " السفهاء ".

لأن قوله: " أموالكم " غير مخصوص منها بعض الأموال دون بعض.

ولا تمنع العرب أن تخاطب قومًا خِطابًا، فيخرج الكلام بعضه خبر عنهم، وبعضه عن غُيَّب، وذلك نحو أن يقولوا: " أكلتم يا فلان أموالكم بالباطل "، فيخاطب الواحد خطاب الجمع، بمعنى: أنك وأصحابك أو وقومك أكلتم أموالكم.

فكذلك قوله: " ولا تؤتوا السفهاء "، معناه: لا تؤتوا أيها الناس، سفهاءكم أموالكم التي بعضها لكم وبعضها لهم، فيضيعوها.

وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد عم بالنهي عن إيتاء السفهاء الأموال كلَّها، ولم يخصص منها شيئا دون شيء، كان بيِّنًا بذلك أن معنى قوله: " التي جعل الله لكم قيامًا "، إنما هو التي جعل الله لكم ولهم قيامًا، ولكن السفهاء دخل ذكرهم في ذكر المخاطبين بقوله: " لكم ".

* * * وأما قوله: " التي جعل الله لكم قيامًا "، فإن " قيامًا " و " قِيَمًا " و " قِوَامًا " في معنى واحد.

وإنما " القيام " أصله " القوام "، غير أن " القاف " التي قبل " الواو " لما كانت مكسورة، جعلت " الواو "" ياء " لكسرة ما قبلها، كما يقال: " صُمْت صيامًا "،" وصُلْت صِيالا "، (105) ويقال منه: " فلان قوام أهل بيته " و " قيام أهل بيته ".

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأ بعضهم: ( التي جعل الله لكم قِيَمًا ) بكسر " القاف " وفتح " الياء " بغير " ألف ".

وقرأه آخرون: " قِيَامًا " بألف.

* * * قال محمد: (106) والقراءة التي نختارها: " قِيَامًا " بالألف، لأنها القراءة المعروفة في قراءة أمصار الإسلام، وإن كانت الأخرى غير خطأ ولا فاسد.

وإنما اخترنا ما اخترنا من ذلك، لأن القراآت إذا اختلفت في الألفاظ واتفقت في المعاني، فأعجبها إلينا ما كان أظهر وأشهر في قَرَأة أمصار الإسلام.

* * * وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: " قيامًا " قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 8558 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك: " أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا "، التي هي قوامك بعد الله.

(107) 8559 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا "، فإن المال هو &; 7-570 &; قيام الناس، قِوَام معايشهم.

يقول: كن أنت قيم أهلك، فلا تعط امرأتك [وولدك] مالك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك.

(108) 8560 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا " يقول الله سبحانه: لا تعمد إلى مالك وما خوَّلك الله وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك أو بَنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم.

ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنتَ الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤونتهم.

قال: وقوله: " قيامًا "، بمعنى: قوامكم في معايشكم.

8561 - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن قوله: " قيامًا " قال: قيام عيشك.

8562 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بكر بن شرود، عن مجاهد أنه قرأ: " التي جعل الله لكم قيامًا "، بالألف، يقول: قيام عيشك.

(109) 8563 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: &; 7-571 &; " أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا "، قال: لا تعط السفيه من ولدك شيئًا، هو لك قيِّم من مالك.

(110) * * * وأما قوله: " وارزقوهم فيها واكسوهم "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فأما الذين قالوا: إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، [أموالَ] أولياء السفهاء، لا أموال السفهاء، (111) = فإنهم قالوا: " معنى ذلك: وارزقوا، أيها الناس، سفهاءكم من نسائكم وأولادكم، من أموالكم طعامهم، وما لا بد لهم منه من مُؤَنهم وكسوتهم ".

وقد ذكرنا بعض قائلي ذلك فيما مضى، وسنذكر من لم يُذكر من قائليه.

8564 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أمروا أن يرزقوا سفهاءهم- من أزواجهم وأمهاتهم وبناتهم- من أموالهم.

8565 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

8566 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: " وارزقوهم "، قال، يقول: أنفقوا عليهم.

8567 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وارزقوهم فيها واكسوهم "، يقول: أطعمهم من مالك واكسهم.

* * * وأما الذين قالوا: إنما عنى بقوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، أموالَ السفهاء أن لا يؤتيهموها أولياؤهم "، فإنهم قالوا: " معنى قوله: " وارزقوهم فيها واكسوهم "، وارزقوا، أيها الولاة ولاةَ أموال السفهاء، سفهاءكم من أموالهم، طعامهم وما لا بد لهم من مؤنهم وكسوتهم.

وقد مضى ذكر ذلك.

(112) * * * قال أبو جعفر: وأما الذي نراه صوابًا في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " من التأويل، فقد ذكرناه، ودللنا على صحة ما قلنا في ذلك بما أغنى عن إعادته.

* * * فتأويل قوله: " وارزقوهم فيها واكسوهم "، على التأويل الذي قلنا في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "= وأنفقوا على سفهائكم من أولادكم ونسائكم الذين تجب عليكم نفقتهم من طعامهم وكسوتهم في أموالكم، ولا تسلِّطوهم على أموالكم فيهلكوها= وعلى سفهائكم منهم، ممن لا تجب عليكم نفقته، ومن غيرهم الذين تَلُون أنتم أمورهم، من أموالهم فيما لا بد لهم من مؤنهم في طعامهم وشرابهم وكسوتهم.

(113) لأن ذلك هو الواجب من الحكم في قول جميع الحجة، لا خلاف بينهم في ذلك، مع دلالة ظاهر التنـزيل على ما قلنا في ذلك.

* * * القول في تأويل قوله : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا (5) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: فقال بعضهم: معنى ذلك: عِدْهم عِدَة جميلة من البرِّ والصلة.

* ذكر من قال ذلك: 8568 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، &; 7-573 &; عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وقولوا لهم قولا معروفًا "، قال: أمروا أن يقولوا لهم قولا معروفًا في البر والصلة= يعني النساء، وهن السفهاء عنده.

8569 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " وقولوا لهم قولا معروفًا "، قال: عِدَةً تَعِدُهم.

(114) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادعوا لهم.

* ذكر من قال ذلك: 8570 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وقولوا لهم قولا معروفًا "، إن كان ليس من ولدك ولا ممن يجب عليك أن تنفق عليه، فقل لهم قولا معروفًا، قل لهم: " عافانا الله وإياك "،" وبارك الله فيك ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصحة، ما قاله ابن جريج.

وهو أن معنى قوله: " وقولوا لهم قولا معروفًا "، أي: قولوا، يا معشر ولاة السفهاء، قولا معروفًا للسفهاء: " إن صَلحتم ورشدتم سلَّمنا إليكم أموالكم، وخلَّينا بينكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسكم وأموالكم "، وما أشبه ذلك من القول الذي فيه حث على طاعة الله، ونهي عن معصيته.

(115) ------------------ الهوامش : (98) كان في المطبوعة والمخطوطة سياق الآية إلى "قيامًا".

ولكن تفسير أبي جعفر شمل بقية الآية"وارزقوهم فيها واكسوهم ، " كما سيأتي في ص: 571 ، فأتممتها.

(99) انظر تفسير"السفه" و"السفهاء" فيما سلف 1 / 293- 295 / 3: 90 ، 129 / 6 57- 60.

(100) الأثر: 8535-"أبو نعيم" ، هو"الفضل بن دكين".

مضت ترجمته برقم: 2554 ، 3035.

و"ابن أبي غنية" (بفتح الغين وكسر النون وياء مشددة مفتوحة) هو: "عبد الملك بن حميد بن أبي غنية ، الخزاعي" ، روى عن أبيه ، وأبي إسحاق السبيعي ، وأبي إسحاق الشيباني ، والحكم بن عتيبة.

وروى عنه الثوري ، وهو من أقرانه ، ووكيع ، ويحيى بن أبي زائدة ، وعمارة بن بشر ، وأبو نعيم وآخرون.

وهو ثقة.

وكان في المطبوعة: "ابن أبي عنبسة" ، أما في المخطوطة ، فإن الناسخ لم يحسن كتابة ما كتب فصارت كأنها"ابن أبي عنية" ، والصواب ما أثبت.

و"الحكم" ، هو"الحكم بن عتيبة الكندي" ، مضى مرارًا ، في رقم: 3297.

(101) في المطبوعة والمخطوطة: "وليسوا اليتامى" ، وهي لغة رديئة ، أخشى أن يكون ذلك من سهو الناسخ.

(102) الأثر: 8544- أخرجه الحاكم في المستدرك 2: 203 من طريق أبي المثنى معاذ بن معاذ العنبري.

عن أبيه ، عن شعبة ، مرفوعا ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى ، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين" وقد اتفقا جميعًا على إخراجه" وقال الذهبي: "ولم يخرجاه ، لأن الجمهور رووه عن شعبة موقوفًا ، ورفعه معاذ بن معاذ عنه".

(103) هذه الحجة من حسن النظر في العربية ومعاني أبنيتها.

والذي استنكره أبو جعفر من جعل اللغة على غير وجهها ، وتحميل العربية ما لا سيبل إليه في بنائها وتركيبها ، وتأويل كتاب الله خاصة بالانتزاع الشديد والجرأة على اللغة ، كأنه قد أصبح في زماننا هذا ، هو القاعدة التي يركب فسادها كل مبتدع في الدين برأيه ، وكل متورك في طلب الصوت في الناس بما يقول في دين ربه الذي ائتمن عليه من أنزل إليهم كتابه ، ليعلمهم ويهديهم ، فخالفوا طريق العلم ، وجاروا عن سنن الهداية.

(104) الأثر: 8557- هذا الذي بين القوسين زيادة ليست في المطبوعة ولا المخطوطة ، زدتها من تفسير البغوي (بهامش ابن كثير) 2: 349.

وهي أشبه بنص الطبري في ترجمة هذا القول.

وقد نسب البغوي هذا القول الذي نقلته ، ورجحت أنها سقطت من ناسخ تفسير الطبري= إلى سعيد بن جبير وعكرمة.

والظاهر أن السيوطي أيضًا وقف على نسخة من تفسير الطبري فيها هذا السقط ، فأغفل مقالة سعيد بن جبير التي نقلها البغوي ، ونقل عن ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ما نصه: "عن سعيد بن جبير في قوله: (وَلا تؤتوا السفهاء) ، قال: اليتامى- (أموالكم) قال: أموالهم ، بمنزلة قوله: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ) وبين أن نص البغوي ، أقرب إلى ما ذكر أبو جعفر ، من نص السيوطي في الدر المنثور 2: 120 فلذلك أثبته.

وأرجو أن لا يكون سقط من كلام أبي جعفر الآتي شيء.

(105) في المطبوعة والمخطوطة: "حلت حيالا" بالحاء ، وكأن الصواب ما أثبت.

(106) هذه هي المرة الثانية التي كتب فيها"قال محمد"- يعني محمد بن جرير الطبري أبا جعفر- مكان: "قال أبو جعفر ، وانظر 519 تعليق: 1 ، فيما سلف قريبًا.

(107) الأثر: 8558- هو مختصر الأثر السالف رقم: 8542.

(108) الأثر: 8559- هو مختصر الأثر السالف رقم: 8554 ، والزيادة بين القوسين منه وبغيرها لا تستقيم الضمائر.

وفي المخطوطة والمطبوعة: "كنت أنت" والصواب"كن أنت" كما أثبتها.

(109) الأثر: 8562-"إسحاق" في هذا الأثر ، هو"إسحاق بن الضيف" ، ويقال: "إسحاق ابن إبراهيم بن الضيف ، الباهلي" ، ثقة.

مترجم في التهذيب.

وأما "بكر بن شرود" فقد ترجم له البخاري في الكبير 2 / 1 / 90 ، وقال: "صنعاني ، قال ابن معين: رأيته ، ليس بثقة".

أما ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 1 / 338 ، فقد ترجم له باسم: "بكر بن عبد الله بن شروس= ويقال: ابن شرود ، الصنعاني" ، قال ، "روى عن معمر.

روى عنه إسحاق بن إبراهيم بن الضيف.

سمعت أبي يقول: هو ضعيف الحديث".

أما الحافظ ابن حجر ، فقد ترجم له في لسان الميزان 2: 52- 54 ، وروى عن ابن معين أنه قال: "كذاب ، ليس بشيء" ، واستوفى الكلام فيه.

وأما "مجاهد" فهو"مجاهد" ابن جبر التابعي الإمام المشهور.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عن ابن مجاهد" ، وزيادة"ابن" خطأ لا شك فيه.

كأن الناسخ ظنه"ابن مجاهد" القارئ ، شيخ الصنعة ، أول من سبع القراءات السبعة ، وهو متأخر الميلاد.

ولد سنة 245 ، وهو"أبو بكر بن مجاهد" ="أحمد بن موسى بن العباس ابن مجاهد التميمي".

(110) الأثر: 8563- انظر الأثر السالف رقم: 8545 ، اختلف لفظاهما مع اتفاق إسنادهما.

(111) هذه الزيادة بين القوسين ، استظهرتها من السياق ، وأثبتها للبيان.

وكأن ذلك هو الصواب.

(112) انظر الأثر: رقم: 8557.

(113) انظر تفسير"الرزق" فيما سلف 4: 274 / 5: 44 / 6: 311 = وتفسير"الكسوة" فيما سلف 5: 44 ، 480.

(114) في المطبوعة: "تعدوهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(115) انظر تفسير"المعروف" فيما سلف 3: 371 / 4: 547 / 5: 7 ، 44 ، 76 ، 93 137 / 7: 91 ، 105 ، 130= وتفسير"قول معروف" فيما سلف 5: 520.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفافيه عشر مسائل :الأولى : لما أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم في قوله : وآتوا اليتامى أموالهم وإيصال الصدقات إلى الزوجات ، بين أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه .

فدلت الآية على ثبوت الوصي والولي والكفيل للأيتام .

وأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة .

واختلفوا في الوصية إلى المرأة الحرة ؛ فقال عوام أهل العلم : الوصية لها جائزة .

واحتج أحمد بأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة .

وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في رجل أوصى إلى امرأته قال : لا تكون المرأة وصيا ؛ فإن فعل حولت إلى رجل من قومه .

واختلفوا في الوصية إلى العبد ؛ فمنعه الشافعي وأبو ثور ومحمد ويعقوب .

وأجازه مالك والأوزاعي وابن عبد الحكم .

وهو قول النخعي إذا أوصى إلى عبده .

وقد مضى القول في هذا في " البقرة " مستوفى .الثانية : قوله تعالى : السفهاء قد مضى في " البقرة " معنى السفه لغة .

واختلف العلماء في هؤلاء السفهاء ، من هم ؟

فروى سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير قال : هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم .

قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية .

وروى إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي مالك قال : هم الأولاد الصغار ، لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شيء .

وروى سفيان ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد قال : هم النساء .

قال النحاس وغيره : وهذا القول لا يصح ؛ إنما تقول العرب في النساء سفائه أو سفيهات ؛ لأنه الأكثر في جمع فعيلة .

ويقال : لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة .

وروي عن عمر أنه قال : من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا ؛ فذلك قوله تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم يعني الجهال بالأحكام .

ويقال : لا تدفع إلى الكفار ؛ ولهذا كره العلماء أن يوكل المسلم ذميا بالشراء والبيع ، أو يدفع إليه مضاربة .

وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : ( السفهاء هنا كل من يستحق الحجر ) .

وهذا جامع .

وقال ابن خويز منداد : وأما الحجر على السفيه فالسفيه له أحوال : حال يحجر عليه لصغره ، وحالة لعدم عقله بجنون أو غيره ، وحالة لسوء نظره لنفسه في ماله .

فأما المغمى عليه فاستحسن مالك ألا يحجر عليه لسرعة زوال ما به .

والحجر يكون مرة في حق الإنسان [ ص: 27 ] ومرة في حق غيره ؛ فأما المحجور عليه في حق نفسه من ذكرنا .

والمحجور عليه في حق غيره العبد والمديان والمريض في الثلثين ، والمفلس وذات الزوج لحق الزوج ، والبكر في حق نفسها .

فأما الصغير والمجنون فلا خلاف في الحجر عليهما .

وأما الكبير فلأنه لا يحسن النظر لنفسه في ماله ، ولا يؤمن منه إتلاف ماله في غير وجه ، فأشبه الصبي ؛ وفيه خلاف يأتي .

ولا فرق بين أن يتلف ماله في المعاصي أو القرب والمباحات .

واختلف أصحابنا إذا أتلف ماله في القرب ؛ فمنهم من حجر عليه ، ومنهم من لم يحجر عليه .

والعبد لا خلاف فيه .

والمديان ينزع ما بيده لغرمائه ؛ لإجماع الصحابة ، وفعل عمر ذلك بأسيفع جهينة ؛ ذكره مالك في الموطأ .

والبكر ما دامت في الخدر محجور عليها ؛ لأنها لا تحسن النظر لنفسها .

حتى إذا تزوجت ودخل إليها الناس ، وخرجت وبرز وجهها عرفت المضار من المنافع .

وأما ذات الزوج فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يجوز لامرأة ملك زوجها عصمتها قضاء في مالها إلا في ثلثها .قلت : وأما الجاهل بالأحكام وإن كان غير محجور عليه لتنميته لماله وعدم تدبيره ، فلا يدفع إليه المال ؛ لجهله بفاسد البياعات وصحيحها وما يحل وما يحرم منها .

وكذلك الذمي مثله في الجهل بالبياعات ولما يخاف من معاملته بالربا وغيره .

والله أعلم .واختلفوا في وجه إضافة المال إلى المخاطبين على هذا ، وهي للسفهاء ؛ فقيل : أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها فنسبت إليهم اتساعا ؛ كقوله تعالى : فسلموا على أنفسكم وقوله فاقتلوا أنفسكم .وقيل : أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم ؛ فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد ، ومن ملك إلى ملك ، أي هي لهم إذا احتاجوها كأموالكم التي تقي أعراضكم وتصونكم وتعظم أقداركم ، وبها قوام أمركم .وقول ثان قاله أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة : ( أن المراد أموال المخاطبين حقيقة ) .

قال ابن عباس : ( لا تدفع مالك الذي هو سبب معيشتك إلى امرأتك وابنك وتبقى فقيرا تنظر إليهم وإلى ما في أيديهم ؛ بل كن أنت الذي تنفق عليهم ) .

فالسفهاء على هذا هم النساء والصبيان ؛ صغار ولد الرجل وامرأته .

وهذا يخرج مع قول مجاهد وأبي مالك في السفهاء .[ ص: 28 ] الثالثة : ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه ؛ لأمر الله عز وجل بذلك في قوله : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم وقال فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا .

فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف .

وكان معنى الضعيف راجعا إلى الصغير ، ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ ؛ لأن السفه اسم ذم ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسبه ، والقلم مرفوع عن غير البالغ ، فالذم والحرج منفيان عنه ؛ قاله الخطابي .

الرابعة : واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه ؛ فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم : إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده .

وهو قول الشافعي وأبي يوسف .

وقال ابن القاسم : أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب عليه الإمام .

وقال أصبغ : إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة ، وإن كان غير ظاهر السفه فلا ترد أفعاله حتى يحجر عليه الإمام .

واحتج سحنون لقول مالك بأن قال : لو كانت أفعال السفيه مردودة قبل الحجر ما احتاج السلطان أن يحجر على أحد .

وحجة ابن القاسم ما رواه البخاري من حديث جابر أن رجلا أعتق عبدا ليس له مال غيره فرده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن حجر عليه قبل ذلك .الخامسة : واختلفوا في الحجر على الكبير ؛ فقال مالك وجمهور الفقهاء : يحجر عليه .

وقال أبو حنيفة : لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله ؛ فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ، فإذا بلغها سلم إليه بكل حال ، سواء كان مفسدا أو غير مفسد ؛ لأنه يحبل منه لاثنتي عشرة سنة ، ثم يولد له لستة أشهر فيصير جدا وأبا ، وأنا أستحيي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدا .

وقيل عنه : إن في مدة المنع من المال إذا بلغ مفسدا ينفذ تصرفه على الإطلاق ، وإنما يمنع من تسليم المال احتياطا .

وهذا كله ضعيف في النظر والأثر .

وقد روى الدارقطني : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف أخبرنا حامد بن شعيب أخبرنا شريح بن يونس أخبرنا يعقوب بن إبراهيم - هو أبو يوسف القاضي - أخبرنا هشام بن عروة ، عن أبيه أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير فقال : إني اشتريت بيع كذا وكذا ، وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر علي فيه .

فقال الزبير : أنا شريكك في البيع .

فأتى علي عثمان فقال : إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا فاحجر عليه .

فقال الزبير : فأنا شريكه في البيع .

فقال عثمان : كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير ؟

قال يعقوب : أنا آخذ بالحجر وأراه ، وأحجر وأبطل بيع المحجور عليه وشراءه ، وإذا اشترى أو باع قبل الحجر أجزت بيعه .

قال يعقوب بن إبراهيم : وإن أبا حنيفة لا يحجر ولا [ ص: 29 ] يأخذ بالحجر .

فقول عثمان : كيف أحجر على رجل ، دليل على جواز الحجر على الكبير ؛ فإن عبد الله بن جعفر ولدته أمه بأرض الحبشة ، وهو أول مولود ولد في الإسلام بها ، وقدم مع أبيه على النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر فسمع منه وحفظ عنه .

وكانت خيبر سنة خمس من الهجرة .

وهذا يرد على أبي حنيفة قوله .

وستأتي حجته إن شاء الله تعالى .السادسة : قوله تعالى : التي جعل الله لكم قياما أي لمعاشكم وصلاح دينكم .وفي التي ثلاث لغات : التي واللت بكسر التاء واللت بإسكانها .

وفي تثنيتها أيضا ثلاث لغات : اللتان واللتا بحذف النون واللتان بشد النون .

وأما الجمع فتأتي لغاته في موضعه من هذه السورة إن شاء الله تعالى .والقيام والقوام : ما يقيمك بمعنى .

يقال : فلان قيام أهله وقوام بيته ، وهو الذي يقيم شأنه ، أي يصلحه .

ولما انكسرت القاف من قوام أبدلوا الواو ياء .

وقراءة أهل المدينة " قيما " بغير ألف .

قال الكسائي والفراء : قيما وقواما بمعنى قياما ، وانتصب عندهما على المصدر .

أي ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم فيقوموا بها قياما .

وقال الأخفش : المعنى قائمة بأموركم .

يذهب إلى أنها جمع .

وقال البصريون : قيما جمع قيمة ؛ كديمة وديم ، أي جعلها الله قيمة للأشياء .

وخطأ أبو علي هذا القول وقال : هي مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم ، ولكن شذت في الرد إلى الياء كما شذ قولهم : جياد في جمع جواد ونحوه .

وقوما وقواما وقياما معناها ثباتا في صلاح الحال ودواما في ذلك .

وقرأ الحسن والنخعي " اللاتي " جعل على جمع التي ، وقراءة العامة " التي " على لفظ الجماعة .

قال الفراء : الأكثر في كلام العرب " النساء اللواتي ، والأموال التي " وكذلك غير الأموال ؛ ذكره النحاس :السابعة : قوله تعالى : وارزقوهم فيها واكسوهم قيل : معناه اجعلوا لهم فيها أو افرضوا لهم فيها .

وهذا فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجته وبنيه الأصاغر .

فكان هذا دليلا على وجوب نفقة الولد على الوالد والزوجة على زوجها .

وفي البخاري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول المرأة : إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني ؟

فقالوا : يا أبا هريرة ، سمعت هذا من [ ص: 30 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قال : لا ، هذا من كيس أبي هريرة !

.

قال المهلب : النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع ؛ وهذا الحديث حجة في ذلك .الثامنة : قال ابن المنذر : واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب ؛ فقالت طائفة : على الأب أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا ، وعلى النساء حتى يتزوجن ويدخل بهن .

فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها .

وإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها .التاسعة : ولا نفقة لولد الولد على الجد ؛ هذا قول مالك .

وقالت طائفة : ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا الحلم والمحيض .

ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زمنى ، وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال ، وسواء في ذلك ولده أو ولد ولده وإن سفلوا ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على النفقة عليهم ؛ هذا قول الشافعي .

وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد ؛ على ظاهر قوله عليه السلام لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف .

وفي حديث أبي هريرة يقول الابن أطعمني إلى من تدعني ؟

يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة له على الكسب والتحرف .

ومن بلغ سن الحلم فلا يقول ذلك ؛ لأنه قد بلغ حد السعي على نفسه والكسب لها ، بدليل قوله تعالى : حتى إذا بلغوا النكاح الآية .

فجعل بلوغ النكاح حدا في ذلك .

وفي قوله : تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني يرد على من قال : لا يفرق بالإعسار ويلزم المرأة الصبر ؛ وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم .

هذا قول عطاء والزهري .

وإليه ذهب الكوفيون متمسكين بقوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة .

قالوا : فوجب أن ينظر إلى أن يوسر .

وقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم الآية .

قالوا : فندب تعالى إلى إنكاح الفقير ؛ فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة وهو مندوب منعه إلى النكاح .

ولا حجة لهم في هذه الآية على ما يأتي بيانه في موضعها .

والحديث نص في موضع الخلاف .

وقيل : الخطاب لولي اليتيم لينفق عليه من ماله الذي له تحت نظره ؛ على ما تقدم من الخلاف في إضافة المال .

فالوصي ينفق على اليتيم على قدر ماله وحاله ؛ فإن كان صغيرا وماله كثير اتخذ له ظئرا وحواضن ووسع عليه في النفقة .

وإن كان كبيرا قدر له ناعم اللباس [ ص: 31 ] وشهي الطعام والخدم .

وإن كان دون ذلك فبحسبه .

وإن كان دون ذلك فخشن الطعام واللباس قدر الحاجة .

فإن كان اليتيم فقيرا لا مال له وجب على الإمام القيام به من بيت المال ؛ فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين الأخص به فالأخص .

وأمه أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به .

ولا ترجع عليه ولا على أحد .

وقد مضى في البقرة عند قوله : والوالدات يرضعن أولادهن .العاشرة : قوله تعالى : وقولوا لهم قولا معروفا أراد تليين الخطاب والوعد الجميل .

واختلف في القول المعروف ؛ فقيل : معناه ادعوا لهم : بارك الله فيكم ، وحاطكم وصنع لكم ، وأنا ناظر لك ، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك .

وقيل : معناه وعدوهم وعدا حسنا ؛ أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم .

ويقول الأب لابنه : مالي إليك مصيره ، وأنت إن شاء الله صاحبه إذا ملكت رشدك وعرفت تصرفك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا } السفهاء: جمع "سفيه" وهو: من لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله كالمجنون والمعتوه، ونحوهما، وإما لعدم رشده كالصغير وغير الرشيد.

فنهى الله الأولياء أن يؤتوا هؤلاء أموالهم خشية إفسادها وإتلافها، لأن الله جعل الأموال قياما لعباده في مصالح دينهم ودنياهم، وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها، فأمر الولي أن لا يؤتيهم إياها، بل يرزقهم منها ويكسوهم، ويبذل منها ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية، وأن يقولوا لهم قولا معروفا، بأن يعدوهم -إذا طلبوها- أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم، ونحو ذلك، ويلطفوا لهم في الأقوال جبرًا لخواطرهم.

وفي إضافته تعالى الأموال إلى الأولياء، إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء ما يفعلونه في أموالهم، من الحفظ والتصرف وعدم التعريض للأخطار.

وفي الآية دليل على أن نفقة المجنون والصغير والسفيه في مالهم، إذا كان لهم مال، لقوله: { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } وفيه دليل على أن قول الولي مقبول فيما يدعيه من النفقة الممكنة والكسوة؛ لأن الله جعله مؤتمنا على مالهم فلزم قبول قول الأمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) اختلفوا في هؤلاء السفهاء فقال قوم : هم النساء ، وقال الضحاك : النساء من أسفه السفهاء ، وقال مجاهد : نهى الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم وهن سفهاء ، من كن ، أزواجا أو بنات أو أمهات ، وقال آخرون : هم الأولاد ، قال الزهري : يقول لا تعط ولدك السفيه مالك الذي هو قيامك بعد الله تعالى فيفسده ، وقال بعضهم : هم النساء والصبيان ، وقال الحسن : هي امرأتك السفيهة وابنك السفيه ، وقال ابن عباس : لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك فيكونوا هم الذين يقومون عليك ، ثم تنظر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم ومؤنتهم ، قال الكلبي : إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده .

وقال سعيد بن جبير وعكرمة : هو مال اليتيم يكون عندك ، يقول لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ ، وإنما أضاف إلى الأولياء فقال : ( أموالكم ) لأنهم قوامها ومدبروها .

والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق للحجر عليه ، وهو أن يكون مبذرا في ماله أو مفسدا في دينه ، فقال جل ذكره : ( ولا تؤتوا السفهاء ) أي : الجهال بموضع الحق أموالكم التي جعل الله لكم قياما .

قرأ نافع وابن عامر ( قياما ) بلا ألف ، وقرأ الآخرون ( قياما ) وأصله : قواما ، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، وهو ملاك الأمر وما يقوم به الأمر .

وأراد هاهنا قوام عيشكم الذي تعيشون به .

قال الضحاك : به يقام الحج والجهاد وأعمال البر وبه فكاك الرقاب من النار .

( وارزقوهم فيها ) أي : أطعموهم ، ( واكسوهم ) لمن يجب عليكم رزقه ومؤنته ، وإنما قال ( فيها ) ولم يقل : منها ، لأنه أراد : اجعلوا لهم فيها رزقا فإن الرزق من الله : العطية من غير حد ، ومن العباد إجراء موقت محدود .

( وقولوا لهم قولا معروفا ) عدة جميلة ، وقال عطاء : إذا ربحت أعطيتك وإن غنمت جعلت لك حظا ، وقيل : هو الدعاء ، وقال ابن زيد : إن لم يكن ممن تجب عليكم نفقته ، فقل له : عافاك الله وإيانا ، بارك الله فيك ، وقيل : قولا لينا تطيب به أنفسهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تؤتوا» أيها الأولياء «السفهاء» المبذِّرين من الرجال والنساء والصبيان «أموالكم» أي أموالهم التي في أيديكم «التي جعل الله لكم قياما» مصدر قام أي تقوم بمعاشكم وصلاح أولادكم فيضعوها في غير وجهها وفي قراءة قيَما جمع قيمة ما تقوم به الأمتعة «وارزقوهم فيها» أي اطعموهم منها «واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا» عدوهم عدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تؤتوا -أيها الأولياء- من يُبَذِّر من الرجال والنساء والصبيان أموالهم التي تحت أيديكم فيضعوها في غير وجهها، فهذه الأموال هي التي عليها قيام حياة الناس، وأنفقوا عليهم منها واكسوهم، وقولوا لهم قولا معروفًا من الكلام الطيب والخلق الحسن.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم نهى - سبحانه - عن إيتاء الأموال للسفهاء ، لدفع توهم إيجاب أن يؤتى كل مال لمالكه ولو كان سفيها فقال تعالى : ( وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء .

.

.

) .والسفهاء جمع سفيه .

والسفه - كما يقول الراغب - : خفة في البدن ، ومنه قيل : زمام سفيه أى كثير الأضطراب ، وثوب سفيه ردئ النسج ، واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل ، ويكون في الأمور الدنيوية والأخروية ، قال - تعالى - في السفه الدنيوي : ( وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ ) وقال في السفه الأخروي ( وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً ) والمراد من السفهاء هنا : ضعفاء العقول والأفكار الذين لا يحسنون التصرف .والمراد من قوله ( قِيَاماً ) ما به القيام والتعيش .

يقال فلان قيام أهله : أي يقيم شأنهم ويصلهم .

وهو المفعول الثاني لجعل .

أما المفعول الأول لجعل فمحذوف ويرجع إلى ضمير الأموال .وقرأ نافع وابن عامر ( التي جَعَلَ الله لَكُمْ قيماً ) على أنه مصدر مثل الحول والعوض .وقرأ ابن عمر ( قواما ) - بكسر القاف وبواو وألف -قال الآلوسي : وفيه وجهان :الأول : أنه مصدر قاومت قواما مثل لاوذت لواذا فصحت الواو في المصدر كما صحت في الفعل .والثاني : أنه اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر .هذا ، وقد اختلف المفسرون في تعيين المخاطبين بقوله - تعالى - ( وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ ) كما اختلفوا في المراد من السفهاء على أقوال أشهرها :أن المخاطبين بهذه الآية هم أولياء اليتامى ، وأن المراد من السفهاء هم اليتامى الذين لم يحسنوا التصرف في أموالهم لصغرهم أو لضعف عقولهم ، واضطراب أفكارهم .

وأن المراد بالأموال فى قوله ( أَمْوَالَكُمُ ) هي أموال هؤلاء اليتامى لا أموال الأولياء .فيكون المقصود من الاية الكريمة نهى الأولياء عن إيتاء السفهاء من اليتامى أموالهم التي جعلها الله مناط تعيشهم ، خشية إساءة التصرف فيها لخفة أحلامهم .وإنما أضيفت الأموال في الآية الكريمة إلى ضمير المخاطبين وهم الأولياء ، مع أن هذه الأموال في الحقيقة لليتامى :للتنبيه إلى أن أموال اليتامى كأنها عين أموالهم ، مبالغة في حملهم على وجوب حفظها وصيانتها من أى إتلاف أو إضرار بها .قال الفخر الرازى ما ملخصه : والدليل على أن الخطاب في الآية الكريمة للأولياء قوله - تعالى - بعد ذلك ( وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ) وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعليق هذه الآية بما قبلها فكأنه - تعالى - يقول إنى وإن كنت أمرتكم بإيتاء اليتامى أموالهم .

فإنما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم ، فأما إذا كانوا غير بالغين أو غير عقلاء ، أو إن كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين ، فلا تدفعوا إليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه .

والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين .وقيل : إن الخطاب في الآية الكريمة للأباء ، والمراد من السفهاء الأولاد الذين لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه ، بل إذا أعطى لهم أفسدوه وأتلفوه .وعلى هذا الرأى تكون إضافة الأموال الى المخاطبين على سبيل الحقيقة .ويكون المعنى : لا تؤتوا أيها الأباء أموالكم لأولادكم السفهاء؛ لأن فى إعطائكم إياهم لهم إفسادا لهم مع أن فيها قوام حياتكم وصلاح أحوالكم .والذى نراه أن الخطاب في الآية الكريمة لجميع المكلفين حاكمين ومحكومين ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظه من الامتثال .

وأن المراد بالسفهاء كل من لا يحسن المحافظة على ماله لصغره ، أو لضعف عقله ، أو لسوء تصرفاته سواءً أكان من اليتامى أم من غيرهم؛ لأن التعميم في الخطاب وفي الألفاظ - عند عدم وجود المخصص - أولى ، لأنه أوفر معنى ، وأوسع تشريعا .وفي إضافة الأموال إلى جميع المخاطبين المكلفين من المسلمين إشارة بديعة إلى أن المال المتداول بينهم هو حق لمالكية المختصين به في ظاهر الأمر ، ولكنه عند التأمل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء؛ لأن وضعه في المواضع التي أمر الله بها منفعة للأمة كلها ، وفي وضعه في المواضع التي نهى الله عنها مضمرة بالأمة كلها ، وتعاليم الإسلام التي تجعل المسلمين جميعا أمة واحدة متكافلة متراحمة تعتبر مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين .وبعد أن نهى - سبحانه - عن إيتاء المال للسفهاء ، أمر بثلاثة أشياء ، أولها وثانيها قوله - تعالى - ( وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ) .أي اجعلوا هذه الأموال مكانا لرزقهم وكسوتهم ، بأن تتجروا فيها حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من أصل لئلا يفنيه الإِنفاق منه .وإنما قال : ( وارزقوهم فِيهَا ) ولم يقل " منها "؛ لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم ، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويستثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال .أما الأمر الثالث فهو قوله - تعالى - : ( وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) .والقول المعروف هو كل ما تسكن إليه النفس لموافقته للشرع والعقول السليمة ، كأن يكلموهم كلاما لينا تطيب به نفوسهم ، وكأن يعدوهم عدة حسنة بأن يقولوا لهم : إذا صلحتم ورشدتم سلمنا أموالكم .

وكأن ينصحوهم بما يصلحهم ويبعدهم عن السفه وسوء التصرف .وفى أمره - سبحانه - للمخاطبين بأن يقولوا لهؤلاء السفهاء قولا معروفا ، بعد أمره لهم برزقهم وكسوتهم ، إشعار بأن من الواجب عليهم أن يقدموا إليهم الرزق والكسوة مصحوبين بوجه طلق ، وبقول جميل بعيد عن المن والأذى ، فقد جرت عادة من تحت يده المال أن يستثقل إخراجه لمن سأله إياه .هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب المحافظة على الأموال وعدمت تضييعها .قال صاحب الكشاف : وكان السلف يقولون : المال سلاح المؤمن .

ولأن أترك مالا يحاسبنى الله عليه ، خير من أن أحتاج إلى الناس .

وعن سفيان - وكانت له بضاعة يقبلها - : لولاها لتمندل بى بنو العباس - أي لولاها لأتخذوني كالمنديل يسخروننى لمصالحهم - وقيل لأبى الزناد : لم تحب الدراهم وهى تدنيك من الدنيا؟

فقال : لئن أدنتنى من الدنيا فقد صانتنى عنها .وكانوا يقولون : اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه .

وربما رأوا رجلا في جنازة ، فقالوا له : اذهب إلى دكانك .وقال بعض العلماء : ولنقف عند قوله - تعالى - ( وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً ) لنعلم ما يوحى به من تكافل الأمة ومسئولية بعضها عن بعض .

ومن أن المال الذى في يد بعض الأفراد " قوام للجميع " ينتفعون به في المشروعات العامة ، ويفرجون به أزماتهم وضائقاتهم الخاصة عن طريق الزكاة ، وعن طريق التعاون وتبادل المنافع .

وهذا هو الوضع المال في نظر الشريعة الإِسلامية ، فليس لأحد أن يقول : مالى مالى .

هو مالى وحدى لا ينتفع به سواى ، ليس أحد أن يقول هذا أو ذاك .

فالمال مال الجميع ، والمال مال الله ، ينتفع به الجميع عن الطريق الذى شعره الله في سد الحاجات ودفع الملمات .

وهو ملك لصاحبه يتصرف فيه لا كما يشاء ويهوى بل كما رسم الله وبين في كتابه ، حتى إذا ما أخل بذلك فأسرف وبذر أو ضن وقتر حجر عليه .كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب الحجر على السفهاء ، لأن الله - تعالى - قد أمر بذلك .

ووجوب إقامة الوصى والولى والكفيل على الأيتام الصغار ومن فى حكمهم ممن لا يحسنون التصرف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذه السورة.

واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو كأنه تعالى يقول: إني وإن كنت أمرتكم بايتاء اليتامى أموالهم وبدفع صدقات النساء اليهن، فانما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم، فأما إذا كانوا غير بالغين، أو غير عقلاء، أو ان كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين، فلا تدفعوا اليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه، والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال: أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم.

والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله: ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ﴾ وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه.

فان قيل: فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، فلم قال أموالكم؟

قلنا: في الجواب وجهان: الأول: أنه تعالى أضاف المال اليهم لا لأنهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الاضافة أدنى سبب.

الثاني: إنما حسنت هذه الاضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم  ﴾ وقوله: ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ  ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا، وكان الكل من نوع واحد، فكذا هاهنا المال شيء ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج اليه.

فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء الى أوليائهم.

والقول الثاني: أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى اذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها اليهم، لما كان في ذلك من الافساد، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال اليهم حقيقة، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها، واذا قرب أجله فانه يجب عليه أن يوصي بماله الى أمين يحفظ ذلك المال على ورثته، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين، ومما يدل على هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع الى السفهاء أموالهم، واذا كان كذلك وجب حمل الآية على القول الأول لا على هذا القول الثاني والله أعلم.

الثاني: أنه قال في آخر الآية: ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ولا شك أن هذه الوصية بالأيتام أشبه، لان المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقول له إلا المعروف، وإنما يحتاج الى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب، ولا يمتنع أيضا حمل الآية على كلا الوجهين.

قال القاضي: هذا بعيد لأنه يقتضي حمل قوله: ﴿ أموالكم ﴾ على الحقيقة والمجاز جميعا، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ أموالكم ﴾ يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصا يمكنه التصرف فيها، ثم إن هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكا له، وفي المال الذي يكون مملوكا للصبي، إلا أنه يجب تصرفه، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله: ﴿ أموالكم ﴾ واذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ عليهما من حيث أن اللفظ أفاد معنى واحدا مشتركا بينهما.

المسألة الثانية: ذكروا في المراد بالسفهاء أوجها: الأول: قال مجاهد وجويبر عن الضحاك السفهاء هاهنا النساء سواء كن أزواجا أو أمهات أو بنات.

وهذا مذهب ابن عمر، ويدل على هذا ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا انما خلقت النار للسفهاء يقولها ثلاثا ألا وإن السفهاء النساء الا امرأة أطاعت قيمها».

فان قيل: لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال: السفائه.

أو السفيهات في جمع السفيهة نحو غرائب وغريبات في جمع الغريبة.

أجاب الزجاج: بأن السفهاء في جمع السفيهة جائز كما أن الفقراء في جمع الفقيرة جائز.

والقول الثاني: قال الزهري وابن زيد: عني بالسفهاء هاهنا السفهاء من الأولاد، يقول: لا تعط مالك الذي هو قيامك، ولدك السفيه فيفسده.

القول الثالث: المراد بالسفهاء هم النساء والصبيان في قول ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير، قالوا اذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة، وان ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده.

والقول الرابع: أن المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال، ويدخل فيه النساء والصبيان والايتام كل من كان موصوفا بهذه الصفة، وهذا القول أولى لان التخصيص بغير دليل لا يجوز، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن السفه خفة العقل، ولذلك سمي الفاسق سفيها لانه لا وزن له عند أهل الدين والعلم، ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله.

المسألة الثالثة: أنه ليس السفه في هؤلاء صفة ذم، ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن القيام بحفظ الاموال.

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال، قال تعالى: ﴿ وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا  إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ  ﴾ وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والاشهاد والرهن، والعقل أيضاً يؤيد ذلك، لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال لأن به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار، فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة، أما من أرادها لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما ﴾ معناه أنه لا يحصل قيامكم ولا معاشكم إلا بهذا المال، فلما كان المال سببا للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة، يعني كان هذا المال نفس قيامكم وابتغاء معاشكم، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ التى جَعَلَ الله لَكُمْ قَيِّماً ﴾ وقد يقال: هذا قيم وقيم، كما قال: ﴿ دينا قيما ملة إبراهيم  ﴾ وقرأ عبدالله بن عمر (قواما) بالواو، وقوام الشيء ما يقام به كقولك: ملاك الأمر لما يملك به.

المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: البالغ إذا كان مبذراً للمال مفسداً له يحجر عليه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يحجر عليه.

حجة الشافعي: أنه سفيه، فوجب أن يحجر عليه، إنما قلنا إنه سفيه، لأن السفيه في اللغة، هو من خف وزنه.

ولا شك أن من كان مبذرا للمال مفسداً له من غير فائدة، فانه لا يكون له في القلب وقع عند العقلاء، فكان خفيف الوزن عندهم، فوجب أن يسمى بالسفيه، وإذا ثبت هذا لزم اندراجه تحت قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما نهى عن إيتاء المال السفيه أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء: أولها: قوله: ﴿ وارزقوهم ﴾ ومعناه: وأنفقوا عليهم ومعنى الرزق من العباد هو الاجراء الموظف لوقت معلوم يقال: فلان رزق عياله أي أجرى عليهم، وإنما قال: ﴿ فِيهَا ﴾ ولم يقل: منها لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال.

وثانيها: قوله: ﴿ واكسوهم ﴾ والمراد ظاهر.

وثالثها: قوله: ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

واعلم انه تعالى إنما أمر بذلك لأن القول الجميل يؤثر في القلب فيزيل السفه، أما خلاف القول المعروف فانه يزيد السفيه سفهاً ونقصانا.

والمفسرون ذكروا في تفسير القول المعروف وجوها: أحدها: قال ابن جريج ومجاهد: انه العدة الجميلة من البر والصلة، وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: اذا ربحت في سفرتي هذه فعلت بك ما انت أهله، وان غنمت في غزاتي أعطيتك.

وثانيها: قال ابن زيد: انه الدعاء مثل أن يقول: عافانا الله وإياك بارك الله فيك، وبالجملة كل ما سكنت اليه النفوس وأحبته من قول وعمل فهو معروف وكل ما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر.

وثالثها: قال الزجاج: المعنى علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل.

ورابعها: قال القفال رحمه الله القول المعروف هو أنه ان كان المولى عليه صبيا، فالولي يعرفه ان المال ماله وهو خازن له، وأنه اذا زال صباه فانه يرد المال اليه، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ  ﴾ معناه لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد، وكذا قوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا  ﴾ وان كان المولى عليه سفيها وعظه ونصحه وحثه على الصلاة، ورغبه في ترك التبذير والاسراف، وعرفه أن عاقبة التبذير الفقر والاحتياج الى الخلق الى ما يشبه هذا النوع من الكلام، وهذا الوجه أحسن من سائر الوجوه التى حكيناها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ السفهاء ﴾ المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا يبنغي ولا يدى لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها.

والخطاب للأولياء: وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم، كما قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ [النساء: 79] ، ﴿ فمَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ [النساء: 25] الدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله: ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ﴾ ، ﴿ جَعَلَ الله لَكُمْ قياما ﴾ أي تقومون بها وتنتعشون، ولو ضيعتموها لضعتم فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم.

وقرئ: ﴿ قيما ﴾ ، بمعنى قياماً، كما جاء عوذاً بمعنى عياذاً.

وقرأ عبد الله بن عمر: ﴿ قواماً ﴾ ، بالواو.

وقوام الشيء: ما يقام به، كقولك هو ملاك الأمر لما يملك به.

وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك ما لا يحاسبني الله عليه، خير من أن أحتاج إلى الناس.

وعن سفيان- وكانت له بضاعة يقلبها-: لولاها لتمندل بي بنو العباس.

وعن غيره- وقيل له إنها تدنيك من الدنيا-: لئن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها.

وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه، وربما رأوا رجلاً في جنازة فقالوا له: اذهب إلى دكانك ﴿ وارزقوهم فِيهَا ﴾ واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق.

وقيل: هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء، قريب أو أجنبي، رجل أو امرأة، يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي ويفسده ﴿ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ قال ابن جريج: عدّة جميلة، إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم.

وعن عطاء: إذا ربحت أعطيتك، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.

وقيل: إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل: عافانا الله وإياك، بارك الله فيك.

وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل، فهو معروف، وما أنكرته ونفرت منه لقبحه، فهو منكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ نَهْيٌ لِلْأوْلِياءِ عَنْ أنْ يُؤْتُوا الَّذِينَ لا رُشْدَ لَهم أمْوالَهم فَيُضَيِّعُوها، وإنَّما أضافَ الأمْوالَ إلى الأوْلِياءِ لِأنَّها في تَصَرُّفِهِمْ وتَحْتَ وِلايَتِهِمْ، وهو المُلائِمُ لِلْآياتِ المُتَقَدِّمَةِ والمُتَأخِّرَةِ.

وقِيلَ نَهْيٌ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَعْمِدَ إلى ما خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المالِ فَيُعْطِي امْرَأتَهُ وأوْلادَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلى أيْدِيهِمْ.

وإنَّما سَمّاهم سُفَهاءُ اسْتِخْفافًا بِعُقُولِهِمْ واسْتِهْجانًا لِجَعْلِهِمْ قَوامًا عَلى أنْفُسِهِمْ وهو أوْفَقُ لِقَوْلِهِ: ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا ﴾ أيْ تَقُومُونَ بِها وتَنْتَعِشُونَ، وعَلى الأوَّلِ يُؤَوَّلُ بِأنَّها الَّتِي مِن جِنْسِ ما جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا سُمِّيَ ما بِهِ القِيامُ قِيامًا لِلْمُبالَغَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «قِيَمًا» بِمَعْناهُ كَعِوَذٍ بِمَعْنى عِياذٍ.

وقُرِئَ «قَوامًا» وهو ما يُقامُ بِهِ.

﴿ وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ ﴾ واجْعَلُوها مَكانًا لِرِزْقِهِمْ وكِسْوَتِهِمْ بِأنْ تَتَّجِرُوا فِيها وتَحْصُلُوا مِن نَفْعِها ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ.

﴿ وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ عِدَّةً جَمِيلَةً تَطِيبُ بِها نُفُوسُهُمْ، والمَعْرُوفُ ما عَرَفَهُ الشَّرْعُ أوِ العَقْلُ بِالحُسْنِ، والمُنْكَرُ ما أنْكَرَهُ أحَدُهُما لِقُبْحِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء} المبذرين أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا قدرة لهم على إصلاحها وتثميرها والتصرف فيها والخطاب للأولياء وأضاف إلى الأوليساء أموال السفهاء بقوله {أموالكم} لأنهم يلونها

ويمسكونها {التي جَعَلَ الله لَكُمْ قياما} أي قواماً لأبدائكم ومعاشا لأهلكم وأولادكم فيما بمعنى قياماً نافع وشامي كما جاء عوذا بمعنى عياذا وأصل قيام قوام فجعلت الواو ياء لانكسار ما قبلها وكان السلف يقولون المال سلاح المؤمن ولأن أترك ما لا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس وعن سفيان وكان له بضاعة يقلبها لولاها لتمندل بى بنوا العباس {وارزقوهم فِيهَا} واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تنجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لامن صلب المال فيأكلها الإنفاق {واكسوهم وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} قال ابن جريج عدة جميلة إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم وكل ما سكنت إليه النفس الحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف وما أنكرته لقبحه فهو منكر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى وتَفْصِيلُ ما أُجْمِلَ فِيما سَبَقَ مِن شَرْطِ إيتائِها وكَيْفِيَّتِهِ إثْرَ بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأنْفُسِ أعْنِي النِّكاحَ، وبَيانِ بَعْضِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأجْنَبِيّاتِ مِن حَيْثُ النَّفْسُ ومِن حَيْثُ المالُ اسْتِطْرادًا إذِ الخِطابُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ عِكْرِمَةَ لِلْأوْلِياءِ، وصَرَّحَ هو وابْنُ جُبَيْرٍ بِأنَّ المُرادَ مِنَ السُّفَهاءِ اليَتامى، ومِن أمْوالِكم أمْوالُهم وإنَّما أُضِيفَتْ إلى ضَمِيرِ الأوْلِياءِ المُخاطِبِينَ تَنْزِيلًا لِاخْتِصاصِها بِأصْحابِها مَنزِلَةَ اخْتِصاصِها بِهِمْ فَكَأنَّ أمْوالَهم عَيْنُ أمْوالِهِمْ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ الجِنْسِيِّ والنِّسْبِيِّ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فَإنَّ المُرادَ لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ نَوْعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنِ القَتْلِ حَتّى كَأنَّ قَتْلَهم قَتْلُ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ أُيِّدَ ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا ﴾ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ جَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ أصْحابِها بِجَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ الأوْلِياءِ، ومَفْعُولُ ( جَعَلَ ) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ الأمْوالِ، والمُرادُ مِنَ القِيامِ ما بِهِ القِيامُ والتَّعَيُّشُ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ زِيادَةٌ في المُبالَغَةِ وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلَ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ وحْدَهُ مَفْعُولًا، وهَذا حالًا مِنهُ؛ وقِيلَ: إنَّما أُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ الأوْلِياءِ نَظَرًا إلى كَوْنِها تَحْتَ وِلايَتِهِمْ.

واعْتَرَضَ بِأنَّهُ وإنْ كانَ صَحِيحًا في نَفْسِهِ لِأنَّ الإضافَةَ لِأدْنى مُلابَسَةٍ ثابِتَةٌ في كَلامِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: إذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بِسُحْرَةِ سُهَيْلٍ أذاعَتْ غَزْلَها في القَرائِبِ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُصَحَّحٍ لِاتِّصافِ الأمْوالِ بِما بَعْدَها مِنَ الصِّفَةِ، وقِيلَ: إنَّما أُضِيفَتْ إلى ضَمِيرِهِمْ لِأنَّ المُرادَ بِالمالِ جِنْسُهُ مِمّا يَتَعَيَّشُ النّاسُ بِهِ ونِسْبَتُهُ إلى كُلِّ أحَدٍ كَنِسْبَتِهِ إلى الآخَرِ لِعُمُومِ النِّسْبَةِ، والمَخْصُوصُ بِواحِدٍ دُونَ واحِدٍ شَخْصُ المالِ فَجازَ أنْ يُنْسَبَ حَقِيقَةً إلى الأوْلِياءِ كَما يُنْسَبُ إلى المُلّاكِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ وصْفُهُ بِما لا يَخْتَصُّ بِمالٍ دُونَ مالٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ حَمْلِ الأوْلِياءِ عَلى المُحافَظَةِ المَذْكُورَةِ كَيْفَ لا والوَحْدَةُ الجِنْسِيَّةُ المالِيَّةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِما بَيْنَ أمْوالِ اليَتامى وأمْوالِ الأوْلِياءِ بَلْ هي مُتَحَقِّقَةٌ بَيْنَ أمْوالِهِمْ وأمْوالِ الأجانِبِ فَإذًا لا وجْهَ لِاعْتِبارِها أصْلًا، ورُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الإضافَةِ، وقِيلَ لَهُ: كَيْفَ كانَتْ أمْوالُهم أمْوالَنا؟

فَقالَ: إذْ كُنْتُمْ وارِثِينَ لَهم، وفِيهِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في تَوْجِيهِ الإضافَةِ، وثانِيهِما: أنَّ ذَلِكَ مِن مَجازِ الأوَّلِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بَعْدَ القَوْلِ بِكَذِبِ نِسْبَتِهِ إلى الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الأوَّلَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بَلِ العادَةُ في الغالِبِ عَلى خِلافِهِ، والحَمْلُ عَلى التَّفاؤُلِ مِمّا يَتَشاءَمُ مِنهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ.

وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّهُ إنَّما أُضِيفَ الأمْوالُ إلى اليَتامى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ ولَمْ يُضِفْهُ إلَيْهِمْ هُنا مَعَ أنَّ الأمْوالَ في الصُّورَتَيْنِ لَهم لِيُؤْذِنَ بِتَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ فِيهِما فَإنَّ تَسْمِيَتَهم يَتامى هُناكَ يُناسِبُ قَطْعَ الطَّمَعِ فَيُفِيدُ المُبالَغَةَ في رَدِّ الأمْوالِ إلَيْهِمْ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يُقالَ: أمْوالُهم، وأمّا الوَصْفُ هُنا فَهو السَّفاهَةُ فَناسَبَ أنْ لا يَخْتَصُّوا بِشَيْءٍ مِنَ المالِكِيَّةِ لِئَلّا يَتَوَرَّطُوا في الأمْوالِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُضِفْ أمْوالَهم إلَيْهِمْ وأضافَها إلى الأوْلِياءِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ بَيانٌ لِلْعِلَّةِ المُرَجِّحَةِ لِإضافَةِ الأمْوالِ لِمَن ذُكِرَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ العِلَّةُ المُصَحِّحَةُ ما مَرَّ آنِفًا، ثُمَّ وُصِفَ اليَتامى بِأنَّهم سُفَهاءُ بِاعْتِبارِ خِفَّةِ أحْلامِهِمْ واضْطِرابِ آرائِهِمْ لِما فِيهِمْ مِنَ الصِّغَرِ وعَدَمِ التَّدَرُّبِ، وأصْلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ والحَرَكَةُ، يُقالُ: تَسَفَّهَتِ الرِّيحُ الشَّجَرَ أيْ مالَتْ بِهِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: جَرَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ ”تَسَفَّهَتْ“ ∗∗∗ أعالِيها مَرَّ الرِّياحِ النَّواسِمِ وقالَ أيْضًا: عَلى ظَهْرِ مِقْلاتٍ سَفِيهٍ جَدِيلُها يَعْنِي خَفِيفٌ زِمامُها، ولِكَوْنِ هَذا الوَصْفِ مِمّا يَنْشَأُ مِنهُ تَبْذِيرُ المالِ وتَلَفُهُ المُخِلُّ بِحالِ اليَتِيمِ ناسَبَ أنْ يُجْعَلَ مَناطًا لِهَذا الحُكْمِ، وقَدْ فُسِّرَ السُّفَهاءُ بِالمُبَذِّرِينَ بِالفِعْلِ مِنَ اليَتامى وإلى تَفْسِيرِ الآيَةِ بِما ذَكَرْنا ذَهَبَ الكَثِيرُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما أنَّ المُرادَ بِالسُّفَهاءِ النِّساءُ والصِّبْيانُ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، والمُرادُ نَهْيُهُ عَنْ إيتاءِ مالِهِ مَن لا رُشْدَ لَهُ مِن هَؤُلاءِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِمُ النِّساءُ خاصَّةً، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: ««جاءَتِ امْرَأةٌ سَوْداءُ جَرِيَّةُ المَنطِقِ ذاتُ مِلْحٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ فِينا خَيْرًا مَرَّةً واحِدَةً فَإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّكَ تَقُولُ فِينا كُلَّ شَرٍّ قالَ: أيَّ شَيْءٍ قُلْتُ فِيكُنَّ؟

قالَتْ: سَمَّيْتَنا السُّفَهاءَ فَقالَ: اللَّهُ تَعالى سَمّاكُنَّ السُّفَهاءَ في كِتابِهِ، قالَتْ: وسَمَّيْتَنا النَّواقِصَ، فَقالَ: كَفى نُقْصانًا أنْ تَدَعْنَ مِن كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ أيّامٍ لا تُصَلِّينَ فِيها، ثُمَّ قالَ: أما يَكْفِي إحْداكُنَّ أنَّها إذا حَمَلَتْ كانَ لَها كَأجْرِ المُرابِطِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وإذا وضَعَتْ كانَتْ كالمُشْتَحِطُ في دَمِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا أرْضَعَتْ كانَ لَها بِكُلِّ جُرْعَةٍ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ مَن ولَدِ إسْماعِيلَ، فَإذا سَهِرَتْ كانَ لَها بِكُلِّ سَهْرَةٍ تَسْهَرُها كَعِتْقِ رَقَبَةٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ وذَلِكَ لِلْمُؤْمِناتِ الخاشِعاتِ الصّابِراتِ اللّاتِي لا يَكْفُرْنَ العَشِيرَ؟

فَقالَتِ السَّوْداءُ: يا لَهُ مِن فَضْلٍ لَوْلا ما يَتْبَعُهُ مِنَ الشَّرْطِ».

وقِيلَ: إنَّ السُّفَهاءَ عامٌّ في كُلِّ سَفِيهٍ مِن صَبِيٍّ أوْ مَجْنُونٍ أوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِلتَّبْذِيرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ السَّفِيهَ شارِبُ الخَمْرِ ومَن يَجْرِي مَجْراهُ، وجَعَلَ الخِطابَ عامًّا أيْضًا لِلْأوْلِياءِ وسائِرِ النّاسِ، والإضافَةُ في أمْوالِكم لا تُفِيدُ إلّا الِاخْتِصاصَ وهو شامِلٌ لِاخْتِصاصِ المِلْكِيَّةِ واخْتِصاصِ التَّصَرُّفِ، وأيَّدَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ بِأنَّهُ المُلائِمُ لِلْآياتِ المُتَقَدِّمَةِ والمُتَأخِّرَةِ، ومَن ذَهَبَ إلى غَيْرِهِ جَعَلَ ذِكْرَ هَذا الحُكْمِ اسْتِطْرادًا وكَوْنَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ مَحَلَّ تَأمُّلٍ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”قِيَمًا“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وفِيهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الحَوْلِ والعِوَضِ وكانَ القِياسُ أنْ تَثْبُتَ الواوُ لِتَحَصُّنِها بِتَوَسُّطِها كَما صَحَّتْ في العِوَضِ والحَوْلِ لَكِنْ أبْدَلُوها ياءًا حَمْلًا عَلى قِيامٍ، وعَلى اعْتِلالِها في الفِعْلِ، والثّانِي: أنَّها جَمْعُ قِيمَةٍ كَدِيمَةٍ ودِيَمٍ والمَعْنى: إنَّ الأمْوالَ كالقِيَمِ لِلنُّفُوسِ إذْ كانَ بَقاؤُها بِها، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لا يَصِحُّ لِأنَّهُ قَدْ قُرِئَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا ﴾ ) ولا يَصِحُّ مَعْنى القِيمَةِ فِيهِما.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الأصْلُ قِيامًا فَحُذِفَتِ الألِفُ كَما حُذِفَتْ في خِيَمٍ؛ وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وجُعِلَ ذَلِكَ مِثْلَ عُوَذًا وعِياذًا، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ قِوامًا بِكَسْرِ القافِ وبِواوٍ وألِفٍ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرُ قاوَمْتُ قِوامًا مِثْلَ لاوَذْتُ لِواذًا فَصَحَّتْ في المَصْدَرِ كَما صَحَّتْ في الفِعْلِ، والثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِما يَقُومُ بِهِ الأمْرُ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ ألِفٍ وهو مَصْدَرٌ صَحَّتْ عَيْنُهُ وجاءَتْ عَلى الأصْلِ كالعِوَضِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ وواوٍ وألِفٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ مِثْلَ السَّلامِ والكَلامِ والدَّوامِ، وثانِيهِما: أنَّهُ لُغَةٌ في القِوامِ الَّذِي هو بِمَعْنى القامَةِ يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ القِوامِ والقَوامِ، والمَعْنى الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى سَبَبَ بَقاءِ قامَتِكم، وعَلى سائِرِ القِراءاتِ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى مَدْحِ الأمْوالِ وكانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: المالُ سِلاحُ المُؤْمِنِ ولَأنْ أتْرُكَ مالًا يُحاسِبُنِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ خَيْرٌ مِن أنْ أحْتاجَ إلى النّاسِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ خَواتِيمُ اللَّهِ في الأرْضِ لا تُؤْكَلُ ولا تُشْرَبُ حَيْثُ قَصَدْتَ بِها قَضَيْتَ حاجَتَكَ، وقالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حَمْدًا ومَجْدًا فَإنَّهُ لا حَمْدَ إلّا بِفِعالٍ ولا مَجْدَ إلّا بِمالٍ، وقِيلَ لِأبِي الزِّنادِ: لِمَ تُحِبُّ الدَّراهِمَ وهي تُدْنِيكَ مِنَ الدُّنْيا؟

فَقالَ: هي وإنْ أدْنَتْنِي مِنها فَقَدْ صانَتْنِي عَنْها، وفي «مَنثُورِ الحِكَمِ» مَنِ اسْتَغْنى كَرُمَ عَلى أهْلِهِ، وفِيهِ أيْضًا الفَقْرُ مَخْذَلَةٌ والغِنى مَجْذَلَةٌ والبُؤْسُ مَرْذَلَةٌ والسُّؤالُ مَبْذَلَةٌ وكانُوا يَقُولُونَ: اتِّجِرُوا واكْتَسِبُوا فَإنَّكم في زَمانٍ إذا احْتاجَ أحَدُكم كانَ أوَّلَ ما يَأْكُلُ دِينَهُ، وقالَأبُو العَتاهِيَةِ: أجَلَّكَ قَوْمٌ حِينَ صِرْتَ إلى الغِنى ∗∗∗ وكُلُّ غَنِيٍّ في العُيُونِ جَلِيلُ إذا مالَتِ الدُّنْيا عَلى المَرْءِ رَغَّبَتْ ∗∗∗ إلَيْهِ ومالَ النّاسُ حَيْثُ يَمِيلُ ولَيْسَ الغِنى إلّا غِنًى زَيَّنَ الفَتى ∗∗∗ عَشِيَّةَ يَقْرِي أوْ غَداةَ يُنِيلُ وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في مَدْحِ المالِ واخْتَلَفُوا في تَفْضِيلِ الغِنى والفَقْرِ، واسْتَدَلَّ كُلٌّ عَلى مُدَّعاهُ بِما لا يَتَّسِعُ لَهُ هَذا المَجالُ، ولِشَيْخِنا عَلاءُ الدِّينِ أعْلى اللَّهُ تَعالى دَرَجَتَهُ في أعْلى عِلِّيِّينَ: قالُوا اغْتَنى ناسٌ وإنّا نَرى ∗∗∗ عَنْكَ وأنْتَ العَلَمُ المالُ مالَ قُلْتُ غِنى النَّفْسِ كَمالُ الغِنى ∗∗∗ والفَقْرُ كُلُّ الفَقْرِ فَقَدَ الكَمالَ ولَهُ أيْضًا: قالُوا حَوى المالَ رِجال ∗∗∗ وما عَلى كَمالٍ نِلْتُ هَذا المَنال فَقُلْتُ حازُوا بَعْضَ أجْزائِهِ ∗∗∗ وإنَّنِي حُزْتُ جَمِيعَ الكَمال ﴿ وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ ﴾ أيِ اجْعَلُوها مَكانًا لِرِزْقِهِمْ وكُسْوَتِهِمْ بِأنْ تَتَّجِرُوا وتَرْبَحُوا حَتّى تَكُونَ نَفَقاتُهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن صُلْبِ المالِ لِئَلّا يَأْكُلَهُ الإنْفاقُ، وهَذا ما يَقْتَضِيهِ جَعْلُ الأمْوالِ نَفْسِها ظَرْفًا لِلرِّزْقِ والكُسْوَةِ، ولَوْ قِيلَ: مِنها كانَ الإنْفاقُ مِن نَفْسِ المالِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ في بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ.

﴿ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ أيْ كَلامًا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهم كَأنْ يَقُولَ الوَلِيُّ لِلْيَتِيمِ: مالُكَ عِنْدِي وأنا أمِينٌ عَلَيْهِ فَإذا بَلَغْتَ ورَشَدْتَ أعْطَيْتُكَ مالَكَ، وعَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُما فَسَّرا القَوْلَ المَعْرُوفَ بِعُدَّةٍ جَمِيلَةٍ في البَرِّ والصِّلَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إذا رَبِحْتُ في سَفَرِي هَذا فَعَلْتُ بِكَ ما أنْتَ أهْلُهُ، وإنْ غَنِمْتَ في غَزايَ جَعَلْتُ لَكَ حَظًّا، وقالَ الزَّجّاجُ: عَلِّمُوهم مَعَ إطْعامِكم وكِسْوَتِكم إيّاهم أمْرَ دِينِهِمْ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، وقالَ القَفّالُ: إنْ كانَ صَبِيًّا فالوَصِيُّ يُعَرِّفُهُ أنَّ المالَ مالُهُ وأنَّهُ إذا زالَ صِباهُ يُرَدُّ المالُ إلَيْهِ، وإنْ كانَ سَفِيهًا وعَظَهُ وحَثَّهُ عَلى الصَّلاةِ وعَرَّفَهُ أنَّ عاقِبَةَ الإتْلافِ فَقْرٌ واحْتِياجٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ إنْ كانَ لَيْسَ مِن ولَدِكَ ولا مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: عافانا اللَّهُ تَعالى وإيّاكَ بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ لِما أنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لَيْسَ لِلْأوْلِياءِ، وبِالجُمْلَةِ كُلُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ لِحُسْنِهِ شَرْعًا أوْ عَقْلًا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ مَعْرُوفٍ، وكُلُّ ما أنْكَرَتْهُ لِقُبْحِهِ شَرْعًا أوْ عَقْلًا مُنْكَرٌ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَيْسَ إشارَةً إلى المَذْهَبَيْنِ في الحُسْنِ والقُبْحِ هَلْ هو شَرْعِيٌّ أوْ عَقْلِيٌّ كَما قِيلَ إذْ لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ القائِلِينَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيِّينَ في الصِّفَةِ المُلائِمَةِ لِلْغَرَضِ والمُنافِرَةِ لَهُ، وإنَّ مِنها ما مَأْخَذُهُ العَقْلُ وقَدْ يُرَدُّ بِهِ الشَّرْعُ، وإنَّما الخِلافُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَدْحُ والذَّمُّ عاجِلًا والثَّوابُ والعِقابُ آجِلًا هَلْ هو مَأْخَذُهُ الشَّرْعُ فَقَطْ أوِ العَقْلُ عَلى ما حُقِّقَ في الأُصُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً يعني أعطوا النساء مهورهن فريضة.

ويقال: ديانة كما يقال: فلان ينتحل إلى مذهب كذا، أي يدين بكذا.

ويقال نحلة أي صدقة وهبة، لأن المهر نحلة من الله تعالى للنساء حيث لم يوجب عليهن وأوجب لهن.

وقال في رواية الكلبي: إن أهل الجاهلية كان الولي إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلاً ولا كثيراً، وإن كانت غريبة حملوها على بعير إلى زوجها، ولا يعطوها مهرها غير ذلك البعير شيئاً، فنزل قوله تعالى وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً يعني به الأولياء، يعني أعطوهن مهورهن نحلة.

يقول: عطية لهن.

وقال في رواية مقاتل: كان الرجل يتزوج بغير مهر، ويقول: أرثك وترثيني، فنزلت الآية وَآتُوا النِّساءَ يعني الأزواج صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي مهور النساء نحلة يعني فريضة فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ يا معشر الأزواج أي أحللن لكم ووهبن لكم، قال في رواية الكلبي: يعني الأولياء إذا وهبت المرأة المهر للولي فذلك قوله فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً أي طيباً لا إثم فيه مَرِيئاً أي لا داء فيه، ويقال: هنيئاً مريئاً يعني حلالاً طيباً.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا كان أحدكم مريضاً فليسأل من امرأته درهمين من مهرها، حتى تهب له بطيبة نفسها، فيشتري بذلك عسلاً فيشربه مع ماء المطر، فحينئذٍ قد اجتمع الهنيء والمريء، والشفاء والماء المبارك، يعني أن الله سبحانه تعالى سمى المهر هنيئاً مريئاً إذا وهبت، وسمى العسل شفاء، وسمى ماء المطر مباركاً، فإذا اجتمعت هذه الأشياء يرجى له الشفاء.

ثم قال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ يعني النساء والأولاد الصغار، يعني لا يجعل الرجل ماله في يدي امرأته وأولاده، ثم يجعل نفسه محتاجاً إليهم فلا يدفع إليه عند حاجته.

ويقال: لا تدفعوا أموالكم مضاربة، ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة.

وروي عن عمر  أنه قال: مَنْ لَمْ يتفقه فلا يتجر في سوقنا.

فذلك قوله تعالى وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ يعني الجهال بالأحكام.

ويقال: لا تدفعوا إلى الكفار، ولهذا كره علماؤنا أن يوكل المسلم ذمياً بالبيع والشراء، أو يدفع إليه مضاربة ثم قال تعالى: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً يعني الأموال التي جعل الله قواماً لمعاشكم.

ثم قال: وَارْزُقُوهُمْ فِيها يعني الأولاد الصغار أطعموهم وَاكْسُوهُمْ من أموالكم، وكونوا أنتم القوام على أموالكم وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً يعني إذا طلبوا منكم النفقة ولم يكن عندكم في ذلك الوقت شيء، فعدوا لهم عدة حسنة، أي سأفعل ذلك.

ثم قال: وَابْتَلُوا الْيَتامى يعني اختبروا اليتامى وجربوا عقولهم، حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ يعني الحلم ويقال: مبلغ الرجال فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً يقول: إذا رأيتم منهم رشداً، وصلاحاً في دينهم، وحفظاً لأموالهم فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ التي معكم وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً في غير حق وَبِداراً يعني مبادرة في أكله أَنْ يَكْبَرُوا يعني مخافة أن يكبروا فيأخذوا أموالهم منكم.

ثم قال: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي ليحفظ نفسه عن مال اليتيم وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ وقد اختلف الناس في تأويل هذه الآية، وقالوا فيها ثلاثة أقوال.

قال بعضهم: يجوز للمعسر أن يأكل على قدر قيامه عليه.

وقال بعضهم: لا يجوز أن يأكل إلا على وجه القرض، ويرد عليه إذا كبر.

وقال بعضهم: لا يجوز في الأحوال كلها.

فأما من قال إنه يجوز أكله على قدر قيامه فإنه احتج بما روي عن عمر بن الخطاب  أنه قال: إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم- المراد منه بيت المال- فمن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف.

وروي عن ابن عباس  إن رجلاً سأله فقال: يا ابن عباس أتي إليّ بمواشي أيتام فهل عليَّ جناح إن أصبت من رسل مواشيهم؟

قال ابن عباس: إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حياضها ولا تفرط لها يوم وردها، فلا جناح عليك إن أصبت من رسلها.

وقال مجاهد: كان يقول من أدركت من أصحاب رسول الله  إن للوصي أن يأكل بالمعروف مع اليتيم، فإنه يحلب غنمه ويقوم على ماله ويحفظه، وأما من قال إنه يجوز أكله على وجه القرض احتج بما روي عن محمد بن سيرين أنه قال: سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قال: هو قرض ثم يرد عليه إذا كبر.

فقال: ألا ترى أنه قال في سياق الآية فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ؟

وقال أبو العالية: ما أكل فهو دين عليه.

وقال الشعبي: مثله.

وأما من قال إنه لا يجوز أكله، فلأن الله تعالى قال إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: 10] وتلك الآية محكمة وهذه من المتشابهة، لأنه يحتمل التأويل أنهم يأكلون على وجه القرض أو على وجه الإباحة، فيرد حكم المتشابه إلى المحكم.

وقد قيل أن هذه الآية منسوخة بتلك الآية.

قال الفقيه رحمه الله: إذا كان الوصي فقيراً، فأكل من مال اليتيم مقدار قيامه عليه، أرجو أن لا بأس به، لأن كثيراً من العلماء أجازوا ذلك والاحتراز عنه أفضل.

قرأ نافع وابن عامر الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً بكسر القاف ونصب الياء بغير ألف، والباقون بالألف ومعناهما قريب.

وقال أهل اللغة: قياماً وقواماً وقيماً بمعنى واحد.

وقوله تعالى فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ يعني إذا أدرك اليتامى ودفعتم إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ على ذلك، وإنما الإشهاد على معنى الاستحباب لنفي التهمة عن نفسه، ولو لم يشهد على ذلك لجاز كقوله تعالى وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ثم قال: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي شهيداً في أمر الآخرة، وأما في أمر الدنيا ينبغي أن يشهد العدول على ذلك لدفع القال عن نفسه، لأن الله تعالى لا يشهد له في الدنيا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

- عليه السلام-: «حتى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» «١» ، وهي المعاهِدَةُ المُبَايِعَة.

قال ابن العَرَبِيِّ «٢» : قال علماؤُنَا: وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ مِلْكَ اليمينِ لا حَقَّ له في الوَطْءِ والقَسْمِ «٣» لأنَّ المعنى: فَإنْ خفتم ألاَّ تعدِلُوا في القَسْم، فواحدةٌ، أو ما مَلَكَتْ أيمانكم، فجعل سبحانه مِلْكَ اليمينِ كلَّه بمنزلةِ الوَاحِدَة، فانتفى بذلك أنْ يكون للأَمَةِ حَقٌّ في وَطْءٍ أوْ قَسْم.

انتهى من «الأحكام» .

وقوله: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا، أدنى: معناه: أقرب ألاَّ تعولُوا، أيْ: ألاَّ تميلوا، قاله ابن عباس وغيره «٤» ، وقالَتْ فرقة: معناه: أدنى ألاَّ يكثر عِيَالُكُمْ «٥» ، وقَدَحَ في هذا الزَّجَّاج وغيره.

وقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ...

الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الآيةُ خطابٌ للأزواج «٦» وقال أبو صَالِحٍ: هي خطابٌ لأوليَاءِ النِّسَاءِ لأنَّ عادَةَ بَعْض العرب

كانَتْ أنْ يأكل وليُّ المرأة مَهْرها، فرفَعَ اللَّه ذلكَ بالإسْلام «١» ، وقيل: إن الآية في المتشاغِرِينَ «٢» الذين يتزوَّجون امرأةً بأخرى، فُأمِرُوا أنْ يضربوا المهور.

..

..

قال ع «١» : والآية تتناوَلُ هذه التأويلاتِ الثَّلاثَ، ونِحْلَةَ، أي: عطيَّة منْكم لهُنَّ، وقيل: نِحْلَة: معناه: شِرْعَة مأخوذٌ من النِّحَل، وقيل: التقديرُ: نِحْلَةً مِنَ اللَّه لَهُنَّ قال ابنُ العَرَبِيِّ: وذلك أنَّ النحلة في اللُّغة: العطيَّةُ عنْ غَيْرِ عِوَضٍ.

انتهى.

وقوله: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً ...

الآية: الخطابُ حَسْبَما تقدَّم مِنَ الاختلاف، والمعنى: إنْ وَهَبْنَ غيْرَ مكرَهَاتٍ، طيِّبةً نفوسُهنَّ، والضميرُ في «مِنهُ» يعود علَى الصَّدَاقِ قاله عكرمةُ وغيره «٢» ، «ومَنْ» : تتضمَّن الجنس هاهنا ولذلك يجوزُ أنْ تهب المَهْر كلَّه.

وقوله تعالى: هَنِيئاً مَرِيئاً: قال اللغويُّون: الطعامُ الهَنِيءُ هو السَّائِغُ المستحسَنُ الحميدُ المَغَّبةِ: وكذلك المريءُ.

وقوله سبحانه: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ، قال أبو موسَى الأشعريُّ وغيره:

نَزَلَتْ في كلِّ مَنِ اقتضى الصِّفَة الَّتي شرط اللَّهُ مِنَ السَّفَهِ، كان من كان «٣» ، وقولُه:

أَمْوالَكُمُ، يريد: أموالَ المخاطَبِينَ قاله أبو مُوسَى الأشعريُّ، وابنُ عبَّاس، والحَسَنُ، وغيرهم «٤» ، وقال ابنُ جُبَيْر: يريدُ أموالَ السُّفَهاء، وأضافها إلى المخاطَبِينَ، إذ هى كأموالهم، وقِياماً جمع قِيمَة «٥» .

وقوله تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيها ...

الآية: قيل: معناه: فيمن تلزم الرّجل نفقته،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ المُرادُ بِالسُّفَهاءِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ النِّساءُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والثّانِي: النِّساءُ والصِّبْيانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وعَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: الأوْلادُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: هُمُ الأوْلادُ الصِّغارُ.

والرّابِعُ: اليَتامى، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَهم، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ وارْزُقُوهم فِيها ﴾ وَإنَّما قالَ: "أمْوالَكُمْ" ذِكْرًا لِلْجِنْسِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أمْوالًا لِلنّاسِ.

وقالَ غَيْرُهُ: أضافَها إلى الوُلاةِ، لِأنَّهم قِوامُها.

والخامِسُ: أنَّ القَوْلَ عَلى إطْلاقِهِ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ سَفِيهٍ يَسْتَحِقُّ الحَجْرَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وغَيْرُهُما، وهو ظاهِرُ الآَيَةِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ أمْوالَكُمُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أمْوالُ اليَتامى.

والثّانِي: أمْوالُ السُّفَهاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: " اللّاتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِوامًا" .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: "قِيامًا" بِالياِءِ مَعَ الألِفِ هاهُنا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "قَيِّمًا" بِغَيْرِ ألِفٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قِيامًا وقِوامًا بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، تَقُولُ: هَذا قِوامُ أمْرِكَ وقِيامُهُ، أيْ: ما يَقُومُ بِهِ [أمْرُكَ] .

وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنَّ "قِوامًا" و"قِيامًا" و"قَيِّمًا"، بِمَعْنى: القَوّامُ الَّذِي يُقِيمُ الشَّأْنَ، قالَ: ولَيْسَ قَوْلُ مَن قالَ: "القِيَمَ" هاهُنا: جَمَعَ: "قِيمَةٍ" بِشَيْءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وارْزُقُوهم فِيها ﴾ أيْ: مِنها.

وفي "القَوْلِ المَعْرُوفِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: العُدَّةُ الحَسَنَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الرَّدُّ الجَمِيلُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: الدُّعاءُ، كَقَوْلِكَ: عافاكَ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا  ﴾ ﴿ وَآتُوا النِساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عن شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ .

"أدْنى" أقْرَبُ، وهو مِنَ الدُنُوِّ، ومَوْضِعُ أنَّ مِنَ الإعْرابِ نَصْبٌ بِإسْقاطِ الخافِضِ، والناصِبُ أرْيَحِيَّةُ الفِعْلِ الَّذِي في "أدْنى"، التَقْدِيرُ: ذَلِكَ أدْنى إلى ألّا تَعُولُوا.

و"تَعُولُوا" مَعْناهُ: تَمِيلُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ وأبُو مالِكٍ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، يُقالُ: عالَ الرَجُلُ يَعُولُ: إذا مالَ وجارَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ في شِعْرِهِ في النَبِيِّ  : بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِسُّ شُعَيْرَةً ووِزانِ صِدْقٍ وزْنُهُ غَيْرُ عائِلِ يُرِيدُ غَيْرُ مائِلٍ.

ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ لِأهْلِ الكُوفَةِ حِينَ كَتَبَ إلَيْهِمْ: إنِّي لَسْتُ بِمِيزانٍ لا أعُولُ.

ويُرْوى بَيْتُ أبِي طالِبٍ: "لَهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ"، وعالَ يُعِيلُ، مَعْناهُ: افْتَقَرَ فَصارَ عالَةً.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُ زَيْدٍ والشافِعِيُّ: مَعْناهُ: ذَلِكَ أدْنى ألّا يَكْثُرَ عِيالُكم.

وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: عالَ الرَجُلُ يَعُولُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ، وقَدَحَ في هَذا الزَجّاجُ وغَيْرُهُ، بِأنَّ اللهَ قَدْ أباحَ كَثْرَةَ السَرارِي، وفي ذَلِكَ تَكْثِيرُ العِيالِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أقْرَبَ إلى ألّا يُكْثِرَ؟!.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَدْحُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ السَرارِيَ إنَّما هُنَّ مالٌ يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِالبَيْعِ، وإنَّما العِيالُ الفادِحُ الحَرائِرُ ذَواتُ الحُقُوقِ الواجِبَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَآتُوا النِساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْأزْواجِ، أمَرَهُمُ اللهُ أنْ يَتَبَرَّعُوا بِإعْطاءِ المُهُورِ نِحْلَةً مِنهم لِأزْواجِهِمْ.

وقالَ أبُو صالِحٍ: الخِطابُ لِأولِياءِ النِساءِ، لِأنَّ عادَةَ بَعْضِ العَرَبِ كانَتْ أنْ يَأْكُلَ ولِيُّ المَرْأةِ مَهْرَها، فَرَفَعَ اللهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ وأمَرَ بِأنْ يُدْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ.

وقالَ المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عن أبِيهِ: زَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُتَشاغِرُونَ الَّذِينَ كانُوا يَتَزَوَّجُونَ امْرَأةً بِأُخْرى، فَأُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوا المُهُورَ..

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَتَناوَلُ هَذِهِ الفِرَقَ الثَلاثَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والسَبْعَةُ: "صَدُقاتِهِنَّ" بِفَتْحِ الصادِ وضَمِّ الدالِ، وقَرَأ مُوسى بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ وغَيْرُهُمْ: "صُدُقاتِهِنَّ" بِضَمِّ الصادِ والدالِ، وقَرَأ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: "صُدْقاتِهِنَّ" بِضَمِّ الصادِ وسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ "صُدُقَتَهُنَّ" بِالإفْرادِ وضَمِّ الصادِ وضَمِّ الدالِ.

والإفْرادُ مِن هَذا كُلِّهِ: صَدُقَةٍ، وصُدُقَةٍ.

و"نِحْلَةً": مَعْناهُ: نِحْلَةً مِنكم لَهُنَّ، أيْ: عَطِيَّةً، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُنَّ، وذَلِكَ لِأنَّ اللهَ جَعَلَ الصَداقَ عَلى الرِجالِ ولَمْ يَجْعَلْ عَلى النِساءِ شَيْئًا، وقِيلَ: نِحْلَةً مَعْناهُ: شِرْعَةً، مَأْخُوذٌ مِنَ النَحْلِ تَقُولُ: فُلانٌ يَنْتَحِلُ دِينَ كَذا، وهَذا يَحْسُنُ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لِلْأولِياءِ، ويَتَّجِهُ مَعَ سِواهُ، ونَصْبُها عَلى أنَّها مِنَ الأزْواجِ بِإضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِها، تَقْدِيرُهُ: انْحَلُوهُنَّ نِحْلَةً، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ الفِعْلُ الظاهِرُ وإنْ كانَ مِن غَيْرِ اللَفْظِ لِأنَّهُ مُناسِبٌ لِلنِّحْلَةِ في المَعْنى، ونَصْبُها عَلى أنَّها مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِإضْمارِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِنَ اللَفْظِ، لا يَصِحُّ غَيْرُ ذَلِكَ، وعَلى أنَّها شَرِيعَةٌ هي أيْضًا مِنَ اللهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عن شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ الخِطابُ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِنَ الاخْتِلافِ في الأزْواجِ والأولِياءِ، والمَعْنى: إنْ وهَبْنَ غَيْرَ مُكْرَهاتٍ طَيِّبَةً نُفُوسُهُنَّ.

والضَمِيرُ فِي: "مِنهُ" راجِعٌ عَلى الصَداقِ، وكَذَلِكَ قالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ، أو عَلى الإيتاءِ.

وقالَ حَضْرَمِيٌّ: سَبَبُ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا تَحَرَّجُوا أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ شَيْءٌ مِمّا دَفَعُوا إلى الزَوْجاتِ.

"نَفْسًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، ولا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلى العامِلِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ مَعَ تَصَرُّفِ العامِلِ، وإجازَةِ غَيْرِهِ في الكَلامِ.

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..........................

∗∗∗ وما كانَ نَفْسًا بِالفِراقِ تَطِيبُ وَ "مِن": تَتَضَمَّنُ الجِنْسَ هاهُنا، ولِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَهَبَ المَهْرَ كُلَّهُ، ولَوْ وُقِفَتْ "مِن" عَلى التَبْعِيضِ لَما جازَ ذَلِكَ.

وقُرِئَ "هَنِيًّا مَرِيًّا" دُونَ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ والزُهْرِيِّ.

قالَ الطَبَرِيُّ: ومِن هَناءِ البَعِيرِ أنْ يُعْطِيَ الشِفاءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وإنَّما قالَ اللُغَوِيُّونَ: الطَعامُ الهَنِيءُ هو السائِغُ المُسْتَحْسَنُ الحَمِيدُ المَغَبَّةِ، وكَذَلِكَ المَرِيءُ، قالَ اللُغَوِيُّونَ: يَقُولُونَ هَنَأنِي الطَعامُ ومَرَأنِي عَلى الإتْباعِ، فَإذا أفْرَدُوا قالُوا: أمْرَأنِي عَلى وزْنِ أفْعَلَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَما جاءَ في الحَدِيثِ « "ارْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ"،» فَإنَّما اعْتَلَّتِ الواوُ مِن مَوْزُوراتٍ إتْباعًا لِلَفْظِ مَأْجُوراتٍ، فَكَذَلِكَ مَرَأنِي إتْباعًا لِهَنَأنِي.

ودَخَلَ رَجُلٌ عَلى عَلْقَمَةَ وهو يَأْكُلُ شَيْئًا مِمّا وهَبَتْهُ امْرَأتُهُ مِن مَهْرِها، فَقالَ لَهُ: كُلْ مِنَ الهَنِيءِ المَرِيءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هَنِيئًا مَرِيئًا صِفَتانِ نَصَبُوهُما نَصْبَ المَصادِرِ المَدْعُوِّ بِها بِالفِعْلِ غَيْرِ المُسْتَعْمَلِ إظْهارُهُ، المُخْتَزَلِ لِلدَّلالَةِ الَّتِي في الكَلامِ عَلَيْهِ، كَأنَّهم قالُوا: ثَبَتَ ذَلِكَ هَنِيئًا مَرِيئًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُفَهاءَ ﴾ ...

الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِـ "السُفَهاءَ"؛ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والسُدِّيُّ والضَحّاكُ والحَسَنُ وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ في ولَدِ الرَجُلِ الصِغارِ وامْرَأتِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ في المَحْجُورِينَ السُفَهاءِ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في النِساءِ خاصَّةً، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ مَرَّتْ بِهِ امْرَأةٌ لَها شارَةٌ فَقالَ لَها: ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ ...

الآيَةَ.

وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في كُلِّ مَنِ اقْتَضى الصِفَةَ الَّتِي شَرَطَ اللهُ مِنَ السَفَهِ كانَ مَن كانَ، وقَوْلُ مَن خَصَّها بِالنِساءِ يَضْعُفُ مِن جِهَةِ الجَمْعِ، فَإنَّ العَرَبَ إنَّما تَجْمَعُ فَعَيْلَةً عَلى فَعائِلَ أو فَعِيلاتٍ.

وقَوْلُهُ: "أمْوالَكُمُ" يُرِيدُ أمْوالَ المُخاطَبِينَ، هَذا قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُرِيدُ أمْوالَ السُفَهاءِ، وأضافَها إلى المُخاطَبِينَ تَغْبِيطًا بِالأمْوالِ، أيْ: هي لَهم إذا احْتاجُوا، كَأمْوالِكم لَكُمُ الَّتِي تَقِي أعْراضَكُمْ، وتَصُونُكم وتُعَظِّمُ أقْدارَكُمْ، ومِن مِثْلِ هَذا: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ وما جَرى مَجْراهُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ والنَخْعِيُّ: "اللاتِي"، والأمْوالُ: جَمْعٌ لِما لا يَعْقِلُ، فالأصْوَبُ فِيهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ.

و"قِيامًا" جَمْعُ قِيمَةٍ كَدِيمَةٍ ودِيَمٍ، ولَكِنْ شَذَّتْ في الرَدِّ إلى الياءِ كَما شَذَّ قَوْلُهُمْ: جِيادٌ في جَمْعِ جَوادٍ، وكَما قالَتْ بَنُوضَبَّةَ: طَوِيلٌ وطِيالٌ، ونَحْوُ هَذا، وقِوْمًا وقِوامًا وقِيامًا مَعْناهُ: ثَباتًا في صَلاحِ الحالِ ودَوامًا في ذَلِكَ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "قِيَمًا" بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ أنَّ أبا عَمْرٍو فَتَحَ القافَ مِن قَوْلِهِ: "قَوامًا، وقَيامًا" كانَ أصْلُهُ قِوامًا، فَرَدَّتْ كَسْرَةُ القافِ الواوَ ياءً لِلتَّناسُبِ.

ذَكَرَها ابْنُ مُجاهِدٍ ولَمْ يَنْسُبْها، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والحَسَنِ، وقَرَأ الباقُونَ: "قِيامًا" وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "قِوامًا".

وقَوْلُهُ: ﴿ وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: فِيمَن يَلْزَمُ الرَجُلَ نَفَقَتُهُ وكُسْوَتُهُ مِن زَوْجِهِ وبَنِيهِ الأصاغِرِ، وقِيلَ: في المَحْجُورِينَ مِن أمْوالِهِمْ، و: "مَعْرُوفًا" قِيلَ: مَعْناهُ: ادْعُوا لَهُمْ: بارَكَ اللهُ فِيكم وحاطَكم وصَنَعَ لَكُمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: عِدُوهم وعْدًا حَسَنًا، أيْ: إنْ رَشَدْتُمْ دَفَعْنا إلَيْكم أمْوالَكُمْ، ومَعْنى اللَفْظِ: كُلُّ كَلامٍ تَعْرِفُهُ النُفُوسُ وتَأْنَسُ إلَيْهِ ويَقْتَضِيهِ الشَرْعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ [النساء: 4] لدفع توهّم إيجاب أن يؤتى كلّ مال لمالكه من أجل تقدّم الأمر بإتيان الأموال مالكيها مرّتين في قوله: ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ [النساء: 2، 4].

أو عطف على قوله: ﴿ وآتوا اليتامى ﴾ وما بينهما إعتراض.

والمقصود بيان الحال التي يمنع فيها السفيه من ماله، والحال التي يؤتى فيها مالَه، وقد يقال كان مقتضى الظاهر على هذا الوجه أن يقدّم هنالك حكم منع تسليم مال اليتامى لأنّه أسبق في الحصول، فيتّجه لمخالفة هذا المقتضى أن نقول قدّم حكم التسليم، لأنّ الناس أحرص على ضدّه، فلو ابتدأ بالنهي عن تسليم الأموال للسفهاء لاتّخذه الظالمون حجّة لهم، وتظاهروا بأنّهم إنّما يمنعون الأيتام أموالهم خشية من استمرار السفه فيهم، كما يفعله الآن كثير من الأوصياء والمقدّمين غير الأتقياء، إذ يتصدّون للمعارضة في بيّنات ثبوت الرشد لمجرّد الشغب وإملال المحاجير من طلب حقوقهم.

والخطاب في قوله: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ كمثل الخطاب في ﴿ وآتوا اليتامى وآتوا النساء ﴾ هو لعموم الناس المخاطبين بقوله: ﴿ يا أيها الناس اتّقوا ربكم ﴾ [الحج: 1] ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظّه من الامتثال.

والسفهاء يجوز أن يراد به اليتامى، لأنّ الصغر هو حالة السفه الغالبة، فيكون مقابلاً لقوله: ﴿ وآتوا اليتامى ﴾ لبيان الفرق بين الإيتاء بمعنى الحفظ والإيتاء بمعنى التمكين، ويكون العدول عن التعبير عنهم باليتامى إلى التعبير هنا بالسفهاء لبيان علّة المنع.

ويجوز أن يراد به مطلق من ثبت له السفه، سواء كان عن صغر أم عن اختلال تصرّف، فتكون الآية قد تعرّضت للحجر على السفيه الكبير استطراداً للمناسبة، وهذا هو الأظهر لأنّه أوفر معنى وأوسع تشريعاً.

وتقدّم بيان معاني السفه عند قوله تعالى: ﴿ إلا من سفه نفسه ﴾ في سورة البقرة (130).

والمراد بالأموال أموال المحاجير المملوكة لهم، ألا ترى إلى قوله: وارزقوهم فيها} وأضيفت الأموال إلى ضمير المخاطبين ب (يا أيّها الناس) إشارة بديعة إلى أنّ المال الرائج بين الناس هو حقّ لمالكية المختصّين به في ظاهر الأمر، ولكنّه عند التأمّل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء لأنّ في حصوله منفعة للأمّة كلّها، لأنّ ما في أيدي بعض أفرادها من الثروة يعود إلى الجميع بالصالحة، فمن تلك الأموال يُنفق أربابها ويستأجرون ويشترون ويتصدّقون ثم تورث عنهم إذا ماتوا فينتقل المال بذلك من يد إلى غيرها فينتفع العاجز والعامل والتاجر والفقير وذو الكفاف، ومتى قلَّت الأموال من أيدي الناس تقاربوا في الحاجة والخصاصة، فأصبحوا في ضنك وبؤس، واحتاجوا إلى قبيلة أو أمّة أخرى وذلك من أسباب ابتزاز عزّهم، وامتلاك بلادهم، وتصيير منافعهم لخدمة غيرهم، فلأجل هاته الحكمة أضاف الله تعالى الأموال إلى جميع المخاطبين ليكون لهم الحقّ في إقامة الأحكام التي تحفظ الأموال والثروة العامة.

وهذه إشارة لا أحسب أنّ حكيماً من حكماء الاقتصاد سبق القرآن إلى بيانها.

وقد أبْعَدَ جماعة جعلوا الإضافة لأدنى ملابسة، لأنّ الأموال في يد الأولياء، وجعلوا الخطاب للأولياء خاصّة.

وجماعة جعلوا الإضافة للمخاطبين لأنّ الأموال من نوع أموالهم، وإن لم تكن أموالهم حقيقة، وإليه مال الزمخشري.

وجماعة جعلوا الإضافة لأنّ السفهاء من نوع المخاطبين فكأنّ أموالَهم أموالُهم وإليه مال فخر الدين.

وقارب ابن العرب إذ قال: «لأنّ الأموال مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد وتخرج من ملك إلى ملك» وبما ذكرته من البيان كان لكلمته هذه شأن.

وأبعَدَ فريق آخرون فجعلوا الإضافة حقيقية أي لا تؤتوا يا أصحاب الأموال أموالكم لمن يضيعها من أولادكم ونسائكم، وهذا أبعد الوجوه، ولا إخال الحامل على هذا التقدير إلاّ الحيرة في وجه الجمع بين كون الممنوعين من الأموال السفهاء، وبين إضافة تلك الأموال إلى ضمير المخاطبين، وإنّما وصفته بالبعد لأنّ قائله جعله هو المقصود من الآية ولو جعله وجهاً جائزاً يقوم من لفظ الآية لكان له وجه وجيه بناء على ما تقرّر في المقدّمة التاسعة.

وأجرى على الأموال صفة تزيد إضافتها إلى المخاطبين وضوحاً وهي قوله: ﴿ التي جعل اللَّه لكم قياماً ﴾ فجاء في الصفة بموصول إيماء إلى تعليل النهي، وإيضاحاً لمعنى الإضافة، فإنّ (قيما) مصدر على وزن فِعَل بمعنى فِعَال: مثل عِوذَ بمعنى عياذ، وهو من الواوي وقياسُه قِوَم، إلاّ أنّه أعلّ بالياء شذوذاً كما شذّ جياد في جمع جَواد وكما شذّ طيال في لغة ضَبَّةَ في جمع طويل، قصدوا قلب الواو ألفاً بعد الكسرة كما فعلوه في قيام ونحوه، إلاّ أنّ ذلك في وزن فِعال مطّرد، وفي غيره شاذّ لكثرة فِعال في المصادر، وقلّة فِعَل فيها، وقيم من غير الغالب.

كذا قرأه نافع، وابن عامر: «قيما» بوزن فِعَل، وقرأه الجمهور «قياماً»، والقيام ما به يتقوّم المعاش وهو واوي أيضاً وعلى القراءتيْن فالإخبار عن الأموال به إخبار بالمصدر للمبالغة مثل قول الخنساء: فإنَّمَا هي إقْبَال وإدْبَار *** والمعنى أنّها تقويم عظيم لأحوال الناس.

وقيل: قيما جمع قِيمة أي التي جعلها الله قيماً أي أثماناً للأشياء، وليس فيه إيذان بالمعنى الجليل المتقدّم.

ومعنى قوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ واقع موقع الاحتراس أي لا تؤتوهم الأموال إيتاء تصرّف مطلق، ولكن آتوهم إيّاها بمقدار انتفاعهم من نفقة وكسوة، ولذلك قال فقهاؤنا: تسلّم للمحجور نفقته وكِسْوته إذا أمن عليها بحسب حاله وماله، وعدل عن تعدية ﴿ ارزقوهم واكسوهم ﴾ ب (مِن) إلى تعديتها ب (في) الدالّة على الظرفية المجازية، على طريقة الاستعمال في أمثاله، حين لا يقصد التبعيض الموهم للإنقاص من ذات الشيء، بل يراد أنّ في جملة الشيء ما يحصل به الفعل: تارة من عينه، وتارة من ثمنه، وتارة من نتاجه، وأنّ ذلك يحصل مكرّراً مستمرّاً.

وانظر ذلك في قول سَبرة بن عمرو الفَقْعسي: نُحابِي بها أكفاءنَا ونُهيِنَها *** ونَشْرَب في أثْمَانِها ونُقامِر يريد الإبل التي سيقت إليهم في دية قتيل منهم، أي نشرب بأثمانها ونقامر، فإمّا شربنا بجميعها أو ببعضها أو نسترجع منها في القمار، وهذا معنى بديع في الاستعمال لم يسبق إليه المفسّرون هنا، فأهمل معظمهم التنبيه على وجه العدول إلى (في)، واهتدى إليه صاحب «الكشاف» بعض الاهتداء فقال: أي اجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتّجروا فيها وتتربَّحوا حتّى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال.

فقوله: «لا من صلب المال» مستدرك، ولو كان كما قال لاقتضى نهياً عن الإنفاق من صلب المال.

وإنّما قال: ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ ليسلم إعطاؤهم النفقة والكسوة من الأذى، فإنّ شأن من يُخرج المال من يده أن يستثقل سائل المال، وذلك سواء في العطايا التي من مال المعطي، والتي من مال المعطَى، ولأنّ جانب السفيه ملموز بالهون، لقلّة تدبيره، فلعلّ ذلك يحمل ولّيه على القلق من معاشرة اليتيم فيسمعه ما يكره مع أنّ نقصان عقله خلل في الخلقة، فلا ينبغي أن يشتم عليه، ولأنّ السفيه غالباً يستنكر منعَ ما يطلبُه من واسع المطالب، فقد يظهر عليه، أو يصدر منه كلمات مكروهة لوليّه، فأمر الله لأجل ذلك كلّه الأولياء بأن لا يبتدئوا محاجيرهم بسَيّئ الكلام، ولا يجيبوهم بما يسوء، بل يعظون المحاجير، ويعلّمونهم طرق الرشاد ما استطاعوا، ويذكّرونهم بأنّ المال مالهم، وحفظه حفظ لمصالحهم، فإنّ في ذلك خيراً كثيراً، وهو بقاء الكرامة بين الأولياء ومواليهم، ورجاء انتفاع الموالي بتلك المواعظ في إصلاح حالهم حتّى لا يكونوا كما قال: إذا نُهِي السفيهُ جرى إليه *** وخالف والسفيه إلى خلاف وقد شمل القَول المعروف كلّ قول له موقع في حال مقاله.

وخرج عنه كلّ قول منكر لا يشهد العقل ولا الخُلُق بمصادفته المحزّ، فالمعروف قد يكون ممّا يكرهه السفيه إذا كان فيه صلاح نفسه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالسُّفَهاءِ في هَذا المَوْضِعِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الصِّبْيانُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ النِّساءُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَنى الأوْلادَ المُسْرِفِينَ أنْ يَقْسِمَ مالَهُ فِيهِمْ فَيَصِيرَ عِيالًا عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ وأبِي مالِكٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ كُلَّ سَفِيهٍ اسْتَحَقَّ في المالِ حَجْرًا، وهو مَعْنى ما رَواهُ الشَّعْبِيِّ عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: ثَلاثَةٌ يَدْعُونَ فَلا يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لَهُمْ: رَجُلٌ كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ سَيِّئَةَ الخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْها، ورَجُلٌ أعْطى مالًا سَفِيهًا وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ ، ورَجُلٌ لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ.

وَأصْلُ السَّفِيهِ خِفَّةُ الحِلْمِ فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِهِ النّاقِصٌ العَقْلِ.

وَوُصِفَ بِهِ المُفْسِدُ لِمالِهِ لِنُقْصانِ تَدْبِيرِهِ، ووُصِفَ بِهِ الفاسِقُ لِنُقْصانِهِ عِنْدَ أهْلِ الدِّينِ، والعِلْمِ.

﴿ أمْوالَكُمُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أمْوالَ الأوْلِياءِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَنى بِهِ أمْوالَ السُّفَهاءِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ: ( قِيَمًا ) ومَعْناهُما واحِدٌ، يُرِيدُ أنَّها قِوامُ مَعايِشِكم ومَعايِشِ سُفَهائِكم.

﴿ وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ أنْفِقُوا أيُّها الأوْلِياءُ عَلى السُّفَهاءِ مِن أمْوالِهِمْ.

﴿ وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوَعْدُ بِالجَمِيلِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: الدُّعاءُ لَهُ كَقَوْلِهِ: بارَكَ اللَّهُ فِيكَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ أيِ اخْتَبِرُوهم في عُقُولِهِمْ وتَمْيِيزِهِمْ وأدْيانِهِمْ.

﴿ حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ ﴾ يَعْنِي الحُلُمَ في قَوْلِ الجَمِيعِ.

﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا ﴾ فِيهِ أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرُّشْدَ العَقْلُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ العَقْلُ والصَّلاحُ في الدِّينِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ صَلاحٌ في الدِّينِ وإصْلاحٌ في المالِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والشّافِعِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الصَّلاحُ والعِلْمُ بِما يُصْلِحُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

﴿ فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ ﴾ يَعْنِي الَّتِي تَحْتَ أيْدِيكم أيُّها الأوْلِياءُ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ﴾ يَعْنِي لا تَأْخُذُوها إسْرافًا عَلى غَيْرِ ما أباحَ اللَّهُ لَكم، وأصْلُ الإسْرافِ تَجاوُزُ الحَدِّ المُباحِ إلى ما لَيْسَ بِمُباحٍ، فَرُبَّما كانَ في الإفْراطِ، ورُبَّما كانَ في التَّقْصِيرِ، غَيْرَ أنَّهُ إذا كانَ في الإفْراطِ فاللُّغَةُ المُسْتَعْمَلَةُ فِيهِ أنْ يُقالَ: أسْرَفَ إسْرافًا، وإذا كانَ في التَّقْصِيرِ قِيلَ: سَرِفَ يَسْرَفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو أنْ تَأْكُلَ مالَ اليَتِيمِ تُبادِرُ أنْ يَكْبَرَ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَ مالِهِ.

﴿ وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ يَعْنِي بِمالِهِ عَنْ مالِ اليَتِيمِ.

﴿ وَمَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القَرْضُ يَسْتَقْرِضُ إذا احْتاجَ ثُمَّ يَرُدُّهُ إذا وجَدَ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وجُمْهُورِ التّابِعِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ يَأْكُلُ ما يَسُدُّ الجَوْعَةَ، ويَلْبَسُ ما يُوارِي العَوْرَةَ، ولا قَضاءَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وإبْراهِيمَ، ومَكْحُولٍ، وقَتادَةَ.

رَوى شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ «أنَّ عَمَّ ثابِتِ بْنِ رِفاعَةَ وثابِتٌ يَوْمَئِذٍ يَتِيمٌ في حَجْرِهِ، أتى رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ أخِي يَتِيمٌ في حَجْرِي، فَما يَحِلُّ لِي مِن مالِهِ؟

قالَ: (أنْ تَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ أنْ تَقِيَ مالَكَ بِمالِهِ ولا تَتَّخِذْ مِن مالِهِ وقْرًا)» .

والثّالِثُ: أنْ يَأْكُلَ مِن ثَمَرِهِ، ويَشْرَبَ مِن رِسْلِ ماشِيَتِهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِما سِوى ذَلِكَ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والشَّعْبِيِّ.

رَوى القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: إنَّ في حَجْرِي أيْتامًا، وإنَّ لَهم إبِلًا، فَماذا يَحِلُّ لِي مِنها؟

فَقالَ: إنْ كُنْتَ تَبْغِي ضالَّتَها، وتَهْنَأُ جَرْباءَها، وتَلُوطُ حَوْضَها، وتُفَرِّطُ عَلَيْها يَوْمَ وِرْدِها، فاشْرَبْ مِن ألْبانِها غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، ولا بِأهْلٍ في الحَلْبِ.

والرّابِعُ: أنْ يَأْخُذَ إذا كانَ مُحْتاجًا أُجْرَةً مَعْلُومَةً عَلى قَدْرِ خِدْمَتِهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

وَرَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ  فَقالَ: لَيْسَ لِي مالٌ ولِي يَتِيمٌ، فَقالَ: (كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ ولا واقٍ مالَكَ بِمالِهِ)» .

﴿ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ لِيَكُونَ بَيِّنَةً في دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ.

﴿ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي شَهِيدًا.

والثّانِي: كافِيًا مِنَ الشُّهُودِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن حضرمي.

أن رجلاً عمد فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق فقال الله: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم..

﴾ الآية.

يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم.

قال: وقوله: ﴿ قياماً ﴾ يعني قوامكم من معائشكم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية يقول: لا تسلط السفيه من ولدك على مالك، وأمره أن يرزقه منه ويكسوه.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ قال: هم بنوك والنساء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ قال: الخدم وهم شياطين الأنس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ قال: النساء والصبيان.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: الصغار والنساء هم السفهاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم وهن سفهاء من كن أزواجاً أو بنات أو أمهات، وأمروا أن يرزقوهن فيه ويقولوا لهن قولاً معروفاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ قال: اليتامى والنساء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ قال: هو مال اليتيم يكون عندك يقول: لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ قال: هم اليتامى ﴿ أموالكم ﴾ قال: أموالهم بمنزلة قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [ النساء: 127] .

وأخرج ابن جرير عن مورق قال: مرت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة فقال لها ابن عمر ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد، ورجل أتى سفيهاً ماله وقد قال الله: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ » وأخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن أبي موسى موقوفاً.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: أمر الله بهذا المال أن يخزن فتحسن خزانته، ولا تملكه المرأة السفيهة والغلام.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ قياماً ﴾ قال: قيام عيشك.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد.

أنه قرأ ﴿ التي جعل الله لكم قياماً ﴾ بالألف يقول: قيام عيشك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ جعل الله لكم قياماً ﴾ قال: عصمة لدينكم، وقياماً لكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وارزقوهم ﴾ يقول: أنفقوا عليهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال: أمروا أن يقولوا لهم قولاً معروفاً في البر والصلة.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال: عدة تعدونهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال: إن كان ليس من ولدك ولا ممن يجب عليك أن تنفق عليه فقل له قولاً معروفاً، قل له عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ الآية قال ابن عباس في هذه الآية: لا تَعمَد إلى مالك الذي خَوَّلك الله وجعله لك معيشةً؛ فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أَمْسِك مالك وأَصْلِحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كِسوتهم ورِزقهم ومؤنتهم (١) والسفهاء: هم النساء والصبيان في قول ابن عباس (٢) (٣) (٤) (٥) وقال الكلبي: إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهةٌ مُفْسِدةٌ، وأن ولدَه سفيهٌ مُفسِد فلا ينبغي له أن يُسلِّط واحدًا منهما على ماله فيفسد (٦) وقال مجاهد، وجويبر، عن الضحاك: أراد بالسفهاء ههنا النساء فقط (٧) وقال مجاهد: من سفهاء من كُنّ، أزواجًا أو بناتٍ أو أمهاتٍ (٨) (٩) ويدل على هذا ما رَوى أبو أمامة (١٠)  قال: "ألا إنّما خُلِقت النار للسفهاء، -يقولها ثلاثًا- ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيّمها" (١١) (١٢) (١٣) وقال الزُّهري، وأبو مالك، وابن زيد: عَنى بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد، يقول: لا تُعط مالك الذي هو قيامك ولدَك السفيه فيفسده (١٤) وفي الآية قول رابع، وهو أن السفهاء: الأيتام وكل من يستحق صفة سفيه من محجور عليه في المال.

وهو مذهب الشافعي (١٥) (١٦) (١٧) قال عكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تُؤتِه إيّاه وأنفِق عليه حتى يبلُغ (١٨) فإن قيل على هذا القول: كيف أضاف الأموال إلى الأولياء وهي للسفهاء؟

قلنا: إنما أضاف إليهم؛ لأنها الجنس الذي جعله الله أموالًا للناس، فصار كقوله: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ، ردها إلى الجنس (١٩) قال أبو إسحاق (٢٠) ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ، ولم يكن الرجل منهم يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضًا، أي: تقتلون الجنس الذي هو جنسكم (٢١) وقال بعض النحويين: إذا اختلط المخاطب مع الغائب غُلِّب المخاطب، لذلك أضاف الأموال إليهم وهي للسفهاء، وهذا التفسير دليل على ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله من جواز الحجر على الرجل البالغ إذا كان مُبذِّرًا مُفسدًا لماله (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد قيامًا لمعايشكم وصلاح دنياكم (٢٣) قال أبو عبيدة (٢٤) (٢٥) وبنو ضبة (٢٦) (٢٧) وإنما أعل القيام؛ لأنه مصدر قد اعتل فعله، فاتّبع الفعل في الإعلال، ومثله من المصادر الصِّيام والعِياذ والحِياكة، ونحو ذلك فيما (٢٨) (٢٩) قال أبو علي: وأما القِوام الذي حكاه أبو عبيدة فإنه ينبغي أن يكون اسمًا غير مصدر، كالقَوام فيمن فَتح، ويجوز أن يكون مصدر قَاوم، كما أن (الغِوار مصدر غاور) (٣٠) (٣١) وقرأ نافع، وابن عامر: (قِيَمًا) (٣٢) قال الأخفش: قِيامًا وقِوامًا وقِيمًا وقِومًا واحِد (٣٣) فالقِيَم عنده مصدر في معنى القِيام، وفِعَل يجيء في المصادر كالشِّبَع والرِّضَا (٣٤) فإن قيل (٣٥) والجواب: أن هذا الوزن لما جاء في الجمع مُتَّبعًا واحدَه في الإعلال، نحو: دِيمَةٍ ودِيَم، وحِيلَةٍ وحيَل، جاء أيضًا في المصدر متّبعًا للفعل فأعِلّ كما يعل الفعل؛ لأن (المصادر (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقول من قال إن (القِيَم) ههنا جمع (قِيمَة) لا وجه له (٤١) والدليل على أن قِيَما ههنا مصدر بمعنى القِيام وليس بجمع قوله: ﴿ دِينًا قِيَمًا  ﴾ ، ولا وجه لجمع القِيمة في وصف الدين به (٤٢) (٤٣) وذهب الكسائي إلى أن القيام ههنا اسم بمعنى القِوام، وهو ما يقوم به الشيء، وجعلهما لغتين بمعنى (٤٤) واختاره ابن قتيبة، وقال: يقال: هذا (قِوام (٤٥) (٤٦) ويقارب قول الزجاج هذا؛ فإنه قال: المعنى في هذه الآية: التي جعلها الله تقيمكم فتقومون بها قيامًا (٤٧) ومن قرأ (قِيَما) فهو راجع إلى هذا، والمعنى: جعلها الله قيمةً للأشياء، فيها (تقوم أموركم (٤٨) (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد أنفقوا عليهم منها (٥٠) ومعنى الرزق من العباد هو الإجراء الموظف لوقت معلوم، يقال: رَزَق فلانٌ عيالَه كذا وكذا، أي: أجرى عليهم.

وإنما قال: (فيها) ولم يقل: منها؛ لأنه أراد (جعلوا (٥١) (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا  ﴾ .

قال ابن جريج ومجاهد: أي: عِدةً جميلةً من البر والصلة (٥٣) وقال ابن عباس: يِريد عدة حسنة، يقول: إذا رَبحتُ في سفري هذه فعلت (٥٤) (٥٥) قال ابن زيد: هو الدعاء.

يقول: عافانا الله وإياك، بَارك الله فيك (٥٦) وكل ما سكنت إليه النفوس وأحبته من دول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر (٥٧) وقال الزجاج: أي علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم (٥٨) (١) هذا الأثر ثابت، عن ابن عباس فهو من طريق ابن أبي طلحة كما في تفسير ابن عباس ص 134.

وقد أخرجه منها ابن جرير في "تفسيره" 4/ 249 انظر: "معالم التنزيل" 2/ 164، "تفسير ابن كثير" 2/ 491، "الدر المنثور" 2/ 213.

(٢) يدل عليه الأثر المتقدم عنه، وأثر آخر أخرجه ابن جرير 4/ 246.

(٣) أخرج أقوال هؤلاء ابن جرير في "تفسيره" 4/ 245، وانظر: "ابن كثير" 2/ 491، "الدر المنثور" 2/ 213 - 214.

(٤) "معاني القرآن" 1/ 256.

(٥) "غريب القرآن" ص 120.

(٦) من "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 164.

(٧) أخرج الأثر، عن مجاهد بن جبير من عدة طرق، وأخرجه عن الضحاك من طريق جويبر.

"تفسير الطبري" 4/ 247.

(٨) "تفسير مجاهد" 1/ 144، وأخرجه ابن جرير 4/ 247، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 9 ب.

(٩) أخرج ابن جرير، عن مُوَرَّق قال: مرت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة، فقال لها ابن عمر: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ .

"تفسير الطبري" 4/ 247، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، "الدر المنثور" 2/ 214.

(١٠) هو صُدَيّ بن عَجْلان بن الحارث الباهلي -مشهور بكنيته- صحابي جليل يُروى أنه شهد أحدًا، وصفين مع علي بن أبي طالب -  ما- سكن الشام ومات بها سنة 86 هـ.

انظر: "الاستيعاب" 2/ 298، "أسد الغابة" 3/ 16، "الإصابة" 2/ 182، "التقريب" ص 276 رقم (2923).

(١١) من "الكشف والبيان" 4/ 210، وقد أورده الثعلبي بسنده، وأخرج آخره ابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 491، والسيوطي في "الدر" 2/ 213.

(١٢) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: جمع السفيهة.

(١٣) "معاني الزجاج" 2/ 13.

(١٤) هذا القول عن أبي مالك وابن زيد خاصة أخرجه بنحوه ابن جرير 4/ 247، وأورده الثعلبي عن الثلاثة في "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، وعن الزهري البغوي في "معالم التنزيل" 2/ 164.

(١٥) مذهب الشافعي في جواز الحجر على الرجل البالغ إذا كان مُبَذَّرًا مفسدًا لماله، كما سيأتي عند المؤلف في الصفحة التالية، وانظر: "الأم" 3/ 194 - 195.

(١٦) سيورد المؤلف أثرًا عنه، وهذا القول ورد عن سعيد بن جبير، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، "الدر المنثور" 2/ 213 - 214.

(١٧) انظر: "معاني القرآن" 2/ 13، وهذا القول اختيار ابن جرير أيضًا، انظر: "تفسير الطبري" 4/ 247.

(١٨) "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 213.

(١٩) ما بين علامات التنصيص من قول: فإن قيل، إلى هنا: نقله المؤلف من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، 11 أ، مع أنه لم يعزُه إليه!.

(٢٠) هو الزجاج في "معانيه" 2/ 13.

(٢١) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 13، 14.

(٢٢) انظر: "الأم" 3/ 194 - 195، "تفسير ابن كثير" 2/ 491.

(٢٣) ثابت عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 134، "تفسير الطبري" 4/ 249.

وتحقيق المروي عن ابن عباس لسور النساء والمائدة والأنعام 1/ 153، 154، لكن بلفظ بمعنى قوامكم في معايشكم.

(٢٤) في "مجاز القرآن" 1/ 117.

(٢٥) انتهى من "مجاز القرآن" 1/ 117، ولعل فيه تصحيفًا في آخره، لأن آخر العبارة في "المجاز": كما قالوا: ضيًاء للناس وضوءًا للناس.

(٢٦) ضبة: حي من العرب يشمل عدة قبائل كصُرَيم وعائذة وبجالة وغيرها، وهذا الاسم مشتق من الضبة أي الأنثى، أو من الضبة الحديث.

انظر: "الاشتقاق" لابن دريد ص 189، "اللسان" 4/ 2545 (ضبب).

(٢٧) من "الحجة" لأبي علي 3/ 130.

وقال الأزهري: وجمع الطويل: طِوال وطِيال، وهما لغتان، "تهذيب اللغة" 3/ 2156 (طال).

وانظر: "مقاييس اللغة" 3/ 434 (طول)، "لسان العرب" 5/ 2725 (طول).

(٢٨) في (د): (معًا).

(٢٩) انظر: "الحجة" 3/ 133، "المُمتِع في التصريف" 1/ 64.

(٣٠) كأنها في (أ) بالعين المهملة.

(٣١) "الحجة" 3/ 133.

(٣٢) "السبعة" ص 226، "الحجة" لأبي علي 2/ 129، "الكشف" 1/ 76، "النشر" 2/ 247.

(٣٣) لم أجدء في "معاني القرآن"، ولعله أخذه من "الحجة" لأبي علي 3/ 130، 132، 133.

(٣٤) انظر "الحجة" 3/ 130، 132، 133.

(٣٥) إيراد هذا الاستشكال والجواب عليه من "الحجة" لأبي علي 3/ 132، 133 بتصرف.

(٣٦) في (د): مصادر بدون (أل).

(٣٧) في "الحجة": الاعتلال.

(٣٨) في "الحجة": الاعتلال.

(٣٩) الأصل (نيره) والتصحيح من "الحجة".

(٤٠) انتهى جواب الإشكال من "الحجة" 3/ 132، 133 بتصرف.

(٤١) انظر: "الحجة" 3/ 133.

(٤٢) انظر: "الحجة" 3/ 131.

(٤٣) انظر: "البسيط" نسخة شستربتي 2/ ل، 138/ أ.

(٤٤) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 11 ب.

(٤٥) في النسختين: (أقوام)، وهو تحريف ظاهر.

(٤٦) "غريب القرآن" ص 120.

(٤٧) "معاني الزجاج" 2/ 14.

(٤٨) في "معاني الزجاج": يقوم أمركم.

(٤٩) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 14 بتصرف.

(٥٠) أخرجه ابن جرير 4/ 250، من طريق ابن جريج واسناده ضعيف.

انظر "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 154.

(٥١) هكذا في النسختين ولعله تصحيف، والصواب: اجعلوا كما في "الكشف والبيان" 4/ 11 ب.

(٥٢) "الكشف والبيان" 4/ 11 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 164.

(٥٣) هذا معنى ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد وابن جريج، انظر: "تفسير الطبري" 4/ 251، "الدر المنثور" 2/ 214.

(٥٤) في الأصل: (فقلت) وهو تصحيف ظاهر.

(٥٥) لم أجده عن ابن عباس، لكن رُوي نحوه عن عطاء.

انظر: "الكشف والبيان" 4/ 11 ب، "معالم التزيل" 2/ 1645.

(٥٦) طرف أثر عن ابن زيد أخرجه ابن جرير 4/ 251، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 11 ب، "الدر المنثور" 2/ 214.

(٥٧) كأنّ هذا من المؤلف -رحمه الله- جمع بين الأقوال وتفسير للآية بعمومها فإن العبرة بعموم اللفظ، وقد تَبع في ذلك شيخه الثعلبي كما في "الكشف والبيان" 4/ 12أ.

(٥٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 14.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء ﴾ قيل: هم أولاد الرجل وامرأته: أي لا تؤتوهم أموالكم للتبذير، وقيل: السفهاء المحجورون، وأموالكم.

أموال المحجورين، وأضافها إلى المخاطبين لأنهم ناظرون عليها وتحت أيديهم ﴿ قياما ﴾ جمع قيمة، وقيل بمعنى قياماً بألف، أي تقوم بها معايشكم ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ﴾ قيل: إنها فيمن تلزم الرجال نفقته من زوجته وأولاده، وقيل: في المحجورين يرزقون ويكسون من أموالهم ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ أي ادعوا لهم بخير، أو عدوهم وعداً جميلاً: أي إن شئتم دفعنا لكم أموالكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تساءلون ﴾ خفيفاً بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير.

الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين ﴿ والأرحام ﴾ بالجر حمزة.الباقون بالنصب.

﴿ ما طاب ﴾ بالإمالة: حمزة.

﴿ واحدة ﴾ بالرفع: يزيد: الباقون بالنصب.

﴿ هنيّاً مريّاً ﴾ بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد ﴿ هنيئاً ﴾ / همزها كل القرآن: يزيد.

﴿ قيماً ﴾ ابن عامر ونافع.

الباقون ﴿ قياماً ﴾ ﴿ ضعافاً ﴾ بالإمالة: خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله.

﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل.

الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ ونساء ﴾ ج.

لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات ﴿ والأرحام ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ بالطيب ﴾ ص ﴿ إلى أموالكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ورباع ﴾ ج ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ أن لا تعولوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر ﴿ نحلة ﴾ ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب ﴿ مريئاً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ النكاح ﴾ ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب "إذا" و"حتى" تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى.

﴿ أموالهم ﴾ ج ﴿ أن يكبروا ﴾ ط لابتداء جملتين متضادتين ﴿ فليستعفف ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض.

﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ الأول ص ﴿ أو أكثر ﴾ ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ خافوا عليهم ﴾ ص ﴿ سديداً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه.

التفسير: لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.

ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ﴿ يا أيها الناس ﴾ إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني وهي أيضاً في الرابعة من سوره.

ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾ والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد ﴿ اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم  ﴾ ثم إنه  علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة.

أما القيد الأوّل وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه في كل ما يأمره وينهاه.

وأيضاً الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة نعمة أخرى منه.

وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة.

ثم في / هذا القيد فوائد أخر منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق.

ومنها أن تصوّر ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء.

ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً للنبي  لأنه لم يقرأ كتاباً.

وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم  ، والتأنيث في الوصف نظراً إلى لفظة النفس.

﴿ وخلق منها زوجها ﴾ حواء من ضلع من أضلاعها.

وقال أبو مسلم: المرادوخلق من جنسها زوجها لقوله ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً  ﴾ ولأنه  قادر على خلق حواء من التراب فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟

والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما روي عن النبي  " "أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها" احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.

والجواب أنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ وخلق منها ﴾ معطوف على محذوف أي أنشأها وخلق منها، أو معطوف على ﴿ خلقكم ﴾ والخطاب للذين بحضرة رسول الله  أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.

أقول: وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ولا تكرار بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً.

نعم لو كان المراد بقوله: ﴿ وخلق منها ﴾ إلى آخره بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ذاته  بالأوصاف الثلاثة جميعاً من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان الأنسب أن يقال: "فبث" بالفاء.

فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد هو ما ذكرنا، وأن / التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم.

ومعنى بث فرق ونشر.

وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتماداً على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر.

وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول.

وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعاً آخرين وهلم جراً، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز.

﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج.

وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى.

وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها.

ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في ﴿ به ﴾ وهذا وإن كان مستنكراً عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله  فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت.

وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي  : " "لا تحلفوا بآبائكم" والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولاً بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟

ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضاً منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث "أفلح وأبيه إن صدق" سلمنا أنها منهي عنها مطلقاً لكن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم.

وقرىء ﴿ والأرحام ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به.

فإن قيل: لم قال أولاً ﴿ اتقوا ربكم ﴾ ثم قال بعده ﴿ وااتقوا الله ﴾ ؟

قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل.

وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب.

ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه.

قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله.

روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله  : " "من سألكم بالله فأعطوه" .

وعن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله  بسبع..." منها إبرار القسم.

ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى  ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله  يقول: قال الله عز وجل: "أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله  : "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله  يقول: " "ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله  : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " .

فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم.

والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذراً من / الإيحاش والقطيعة.

ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ مراقباً يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها.

ثم إنه  بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة.

فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم.

فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم.

قال  : " لا يتم بعد الحلم" .

والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره.

فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصاً بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً فكيف قال: ﴿ وآتوا التيامى أموالكم ﴾ ؟

ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: ﴿ فألقى السحرة ساجدين  ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود.

ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ.

وقال  : " تستأمر اليتيمة في نفسها " ولا تستأمر إلا وهي بالغة.

وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت "في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم.

فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله  فنزلت الآية.

فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.

فقال النبي  : من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره - يعني جنته -.

فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي  : ثبت الأجر وبقي الوزر.

فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" .

قيل: لأنه كان مشركاً.

الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء.

﴿ ولا / تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.

والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها.

وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل.

يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى.

ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلاً.

ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه.

وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفاً مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلاً الخبيث بالطيب.

﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ منضمة ﴿ إلى أموالكم ﴾ وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل ﴿ إنه ﴾ أي الأكل ﴿ كان حوباً كبيراً ﴾ ذنباً عظيماً.

والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.

وقيل: "إلى" ههنا بمعنى "مع" والفائدة في زيادة قوله: ﴿ إلى أموالكم ﴾ أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم.

﴿ وإن خفتم ألاتقسطوا ﴾ أقسط الرجل عدل وقسط جار.

وقال الزجاج: أصلهما جميعاً من القسط وهو النصيب.

فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه.

وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية.

واعلم أن قوله: ﴿ وإن خفتم ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ جواب له.

ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة "أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله  : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها.

ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها.

فقال  وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد.

قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله  بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله  ﴿ يستفتونك في النساء  ﴾ الآية." فقوله فيها: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب / في يتامى النساء  ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ .

وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ﴿ ما طاب لكم ﴾ .

الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولاً عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى.

وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج.

الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضاً وانكحوا ما حل لكم من النساء.

الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن.

فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثاً وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة.

قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب.

وعورض بقوله  : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم  ﴾ ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضاً الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: ﴿ ما طاب ﴾ ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس.

تقول: ما عندك؟

فيقال: رجل أو امرأة.

تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة.

ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله  : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ولأن "ما" و"من" يتعاقبان.

قال  ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ {النور:45].

قال المفسرون: معنى ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء.

واعترض عليه الإمام بأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة فيؤول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية.

وإذا حملنا الطيب / عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلاً، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمناً ثم صريحاً لا يعد تكراراً بدليل قوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ } [البقرة:57] وعن الثاني أن قوله: ﴿ ما طاب لكم ﴾ بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال.

وأما قوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياساً على قول الكميت: ولم يستر يثوك حتى رميت *** فوق الرجال خصالاً عشارا فاتفق النحويون على أن فيها عدلاً محققاً.

وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في كلام العرب نحو: قرأت الكتاب جزءاً جزءاً، وجاءني القوم رجلاً رجلاً وجماعة جماعة.

وكان القياس في باب العدد أيضاً التكرير عملاً بالاستقراء وإلحاقاً للفرد المتنازع فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلاً غير مكرر لفظاً حكم بأن أصله لفظ مكرر وليس إلأ ثلاثة ثلاثة.

فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفاً بخلاف المعدول عنه.

وقيل: إن فيه عدلاً مكرراً من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ثم إلى لفظ ثلاث أو مثلث.

وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام خلافاً لما في الكشاف.

وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم جريانه على المعارف ولوقوعه حالاً.

فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة.

فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا الجمع رأساً فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به.

ثم قال: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فسوّى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماءة لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل، ولما كانت التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائداً على المساوي الآخر، ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلاً / للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على الأمة معلوم شرعاً وعقلاً.

وههنا مسألتان: الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن هذا الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه.

وأيضاً إنه قال بعد ذلك ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، فكذا الخطاب الأوّل لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن يدخل التقييد في اللاحق دون السابق.

وكذا قوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ والعبد لا يأكل فيكون لسيده.

وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع تمسكاً بظاهر الآية.

ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس.

قالوا: أجمعنا على أن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر.

الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقاً، فإن من قال لولده افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحاً في أن زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصاً.

وايضاً ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها.

ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها.

وأما السنة فلما ثبت بالتواتر أنه  مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في قوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة، وقد قال  " "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال  : " أمسك أربعاً وفارق واحدة" وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع.

وأقول: إن القرآن لم / يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملاً.

وبيان المجمل بخبر الواحد جائز, وأيضاً قوله "أمسك أربعاً" على الإطلاق وكذا "فارق واحدة" دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، وكذا في نظائر هذا الحديث.

وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار.

وضعف بأن الإجماع مع وجود المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به.

والجواب أن المخالف إذا كان شاذاً فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان الرسول  .

ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق.

لا يقال: فعلى تقدير الحصر كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم حينئذٍ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.

﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ أي اختيار الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا.

وكلا اللفظين مروي عن عائشة عن النبي  من قولهم: عال الميزان عولاً إذا مال.

وعال الحاكم في حكمه إذا جار.

ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها.

وفيه الميل عن الاعتدال.

وقيل: معناه أن لا تفتقروا.

ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت نفقاته فلم يفتقر.

ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثروا عيالكم.

وطعن فيه بعض القاصرين بأن هذا في اللغة معنى "تعيلوا" لا معنى "تعولوا" يقال: أعال الرجل إذا كثر عياله.

ومنه قراءة طاوس ﴿ أن لا تعيلوا ﴾ وأيضاً إنه لا يناسب أول الآية ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ وأيضاً هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟

والجواب عن الأوّل أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه  أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور.

وقرر الكناية في الكشاف على وجه آخر، وهو أنه جعل قوله  : ﴿ أن لا تعولوا ﴾ من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم.

ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال.

فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير التسليم فتفسير الشافعي أيضاً يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما قررنا.

وعن الثالث أن / الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً فكأنه لا عيال.

وأيضاً إذا عجز المولى باعهن وتخلّص منهن بخلاف المهائر فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن.

وقال في الكشاف: العزل عن السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج.

﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ أي مهورهن.

والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين.

وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئاً لك النافجة - يعنون أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه.

وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته.

فنهى الله عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.

قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد  ﴾ أي حتى يضمنوها ويلتزموها.

فيكون المعنى أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به الرسول  من الموهوبة.

قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعاً.

أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ابن جريج وابن زيد: أي شريعة وديانة.

فيكون مفعولاً له، أو حالاً من الصدقات أي ديناً من الله شرعه وفرضه.

وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصباً على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، أو الحال على من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس، وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله.

وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك.

والنحلة العطية من غير بدل.

وقال قوم: إن الله  جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من الله  ابتداء.

ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها.

وانتصب ﴿ نفساً ﴾ على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز، والضمير في ﴿ منه ﴾ للصداق أو للمذكور في قوله: ﴿ طبن ﴾ وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن.

وفي قوله: ﴿ عن شيء منه ﴾ دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن على تقليل الموهوب، / ولهذا ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر.

ومن هذا التقرير يظهر أن "من" في قوله: ﴿ منه ﴾ للتبعيض إخراجاً للكلام مخرج الغالب مع فائدة البحث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن "من" للتبيين والمعنى عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق.

﴿ فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.

وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته.

وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة.

وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران.

فالهنيء شفاء من الجرب.

وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة.

وهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنياً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء.

وقد يوقف على قوله: ﴿ فكلوه ﴾ ويبتدأ ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي هنأ مرأ.

والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين.

قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفساً.

وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.

وعن ابن عباس "أن رسول الله  سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهه لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة" .

ثم إنه  لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء.

فورد أن الأنسب أن لو قيل لأموالهم.

وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم  ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً فقيل: "أنفسكم" لأن الكل من نوع واحد فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب.

وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم.

فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة.

والغرض الحث على حفظ المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظه على ورثته.

وقد يرجح القول بأن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله.

وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضاً قوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء.

وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف.

واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجاً كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي  : "ألا إنما خلقت النار للسفهاء" يقولها ثلاثاً.

وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها.

وقد جمع فعيلة على فعلاء كفقيرة وفقراء.

وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول.

وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله.

والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده.

ومعنى ﴿ جعل الله لكم قياماً ﴾ أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به.

سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى حذف الألف من ﴿ قياماً ﴾ وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله.

فإن لم يكن مصدراً لم يعل كقوام لما يقام به.

وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى الناس.

وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنيانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك.

وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.

وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟

قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها.

وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.

وربما رأوا رجلاً في تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك.

وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين: الدين العرض.

وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله.

وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة.

وكان يقال: الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح.

وقال أبو العتاهية: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى *** وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت *** إليه ومال الناس حيث تميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى *** عشية يقرى أو غداة ينيل وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم.

فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز.

وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.

وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة.

وقال الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين.

ومن كلفته النفس فوق كفافها *** فما ينقضي حتى الممات عناؤه والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله  في حفظه ههنا.

وفي آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة.

ثم إنه  أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ وإنما لم يقل"منها" كيلا يكون أمراً بجعل بعض أموالهم رزقاً لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر بأن يجعلوها مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها ﴿ واكسوهم ﴾ كل من الرزق والكسوة بحسب المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال ابن جريج ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة.

وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.

وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.

وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما يتعلق بالعلم والعمل.

وقال القفال: إن كان صبياً فالوالي يعرّفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه فإن يرّد المال إليه كقوله: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر  ﴾ أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيهاً، وعظه ونصحه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج.

وبالجملة فكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت من لقبحه فمنكر، ثم بيّن أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس / الرشد منهم.

فبلوغ النكاح أن يحتمل لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، وثماني عشرة عند أبي حنيفة.

وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر الخشن على العانة.

وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار.

والمراد في الآية التبين والعرفان.

والرشد خلاف الغيّ.

ومعنى قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ اختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا إذن له في البيع والشراء.

وقال الشافعي: الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين.

بل المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة.

فولد التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه وما فيهما من المصالح والمفاسد.

وقد يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري فيعرف بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد.

وولد الزارع يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوّام بها، وولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها.

ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعاً من الرشد يختص بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكراً.

وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث لا يقدر الغير على خديعته.

ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتدياً إلى وجوه مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله.

وقال الشافعي: لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله  الرشد عن فرعون في قوله ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا.

ويتفرع على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه.

ثم إنه إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف.

فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية.

وعند أبي حنيفة يدفع لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإيذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله  : "مروهم بالصلاة لسبع" دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس.

ثم قال: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك.

والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبراً أي أسن، وكبر بالضم يكبر كبراً وكبارة أي عظم.

نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ فليمتنع منه وليتركه.

وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟

قال الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان فقيراً، ولما روي عن النبي  "أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله.

قال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك" وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم.

أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي مال اليتيم، ﴿ من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ .

وأيضاً قياساً على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هنا.

وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه قرضاً، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.

وأكثر العلماء على أن هذا الافتراض إنما جاء في أصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما.

وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال.

وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنياً أو فقيراً، واحتج بقوله  ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأجيب بأنها عامة.

وقوله: ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

قال: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم أو لا؟

قال: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ وهو أيضاً عين النزاع.

ثم اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيداً فالأولى والأحوط أن يشهد عليه إظهاراً / للأمانة وبراءة من التهمة.

ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟

فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بيمينه كسائر الأمناء.

وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه  نص على الإشهاد فقال: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب.

نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً كالشريب بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا.

والباء في ﴿ بالله ﴾ زائدة نظراً إلى أصل المعنى وهي كفى الله.

و ﴿ حسيباً ﴾ نصب على التمييز، ويحتمل الحال.

ثم من ههنا شرع في بيان المواريث والفرائض.

قال ابن عباس: "إن أوس بن ثابت الانصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها.

فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعيطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً.

فدعاهما رسول الله صلى الله وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاً، ولا ينكي عدوّاً.

فقال رسول الله  : انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن.

فانصرفوا فأنزل الله ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية.

فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى يتبين فنزلت ﴿ يوصيكم الله ﴾ فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم" .

وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئاً بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي ﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ بدل ﴿ مما ترك ﴾ تكرير العامل و ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيباً ومقطوعاً مقدراً لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: قسمة مفروضة.

احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين.

غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور ههنا إلا أنا / نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل.

وأجيب بأنه  قال: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.

وايضاً الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية.

وأيضاً ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا دخل جميع أولاد آدم فيه.

فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا الوالدين والأولاد.

ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، فلا يلزم تكرار والله  أعلم.

قال المفسرون: أنه  لما ذكر في الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم أن في الأقارب من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى ﴾ الآية.

ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه.

وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً.

كانوا يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم.

وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كباراً، أما إذا كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم.

والضمير في ﴿ منه ﴾ إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر القسمة.

وقيل: المراد قسمة الوصية.

وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامة والمساكين، أمر الله الموصي أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً.

وقيل: أولو القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون.

وقوله: ﴿ وقولوا لهم ﴾ راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون.

ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير.

﴿ وليخش الذين لو تركوا ﴾ الجملة الشرطية وهي "لو" مع ما في حيزه صلة الذين.

والمعنى ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم, وأما المخشى فغير منصوص عليه.

قال بعض المفسرين: هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي الصواب.

القصد أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام.

نبههم الله على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال اليتيم كما قال القائل: لقد زاد الحياة إليّ حباً *** بناتي إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي *** وأن يشربن رنقاً بعد صافي وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً.

فقدِّم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن يستغرق المال بالوصايا.

فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا.

وعلى هذا تكون الآية نهياً للحاضرين عن الترغيب في الوصية.

والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية فتجحف بأولادك مثل قول رسول الله  لسعد: "الثلث كثير" .

وكان الصحابة  م يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث.

وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان.

وعن حبيب بن ثابت سألت مقسماً عن الآية.

فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك.

مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له.

وعلى هذا يكون نهياً عن الوصية ولا يساعده قوله: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة.

وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" ﴿ وسيصلون ﴾ من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق.

ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء.

وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد.

والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة.

والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها.

قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من / ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة.

فقيل لهم: إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟

وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار.

ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع.

وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته  بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته.

التأويل: ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد  .

قال: أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح.

وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد  ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ﴾ أرواحاً كاملين ﴿ ونساء ﴾ أرواحاً ناقصات ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿ والأرحام ﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿ فكلوه هنيئاً ﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة.

فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق.

ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ وإنما قال: ﴿ أموالكم ﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

﴿ وارزقوهم فيها ﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿ واكسوهم ﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ كنحو: أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال  : " "أذيبوا طعامكم بذكر الله " .

﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿ حتى إذا بلغوا ﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿ فإن آنستم منهم / رشداًَ ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكدّه ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿ أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.

﴿ ومن كان غنياً ﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿ فليستعفف ﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ ومن كان فقيراً ﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق.

ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال: ﴿ للرجال ﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿ وللنساء ﴾ وهم الضعفاء ﴿ نصيب مما ترك الولدان والأقربون ﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ على قدر استعدادهم ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿ أولو القربى ﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿ فارزقوهم ﴾ من مواهب بركاتهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين.

﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً ﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿ خافوا عليهم ﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿ فليتقوا الله ﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلاَّ الله.

فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿ إن الذين يأكلون ﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ .

عن ابن عباس -  -: نحلة - قال -: المهر.

وقيل: النحلة: الفريضة، أي: آتوهن فريضتهن.

وقيل: نحلة؛ أي: عطية، أي: تُعْطَى هي لا وليها؛ وهو من النُّحْلَى.

وقيل: نحلة: من نحلة الدَّين، أي: من الدين أن تؤتوا النساء صدقاتهن؛ ليس على ما كانوا يفعلون في الجاهلية: يتزوجون النساء بغير مهورهن؛ ففيه أن لأهل الكفر النكاح بغير مهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ .

وفي الآية دلالة جواز هبة المرأة من زوجها، وفساد قول من لا يجيز هبة المرأة بمالها حتى تلد أو تبقى في بيته سنة؛ فيجوز أمرها.

وفي الآية - أيضاً -: دليل أن المهر لها؛ حيث أضاف الإحلال والهبة إليهن بقوله: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ .

وفيه دليل - أيضاً -: أن هبة الديون والبراءة منها جائزة؛ كما جازت هبة المرأة مهرها وهو دين.

وقيل: فيه وجه آخر، وهو أن الآباء في الجاهلية والأولياء كانوا يأخذون مهور نسائهم؛ فأمرهم - عز وجل - ألاَّ يأخذوا ذلك، وحكم بأن المهر للمرأة دون وليها، إلا أن تهبه لوليها؛ فيحل حينئذ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً ﴾ : لا داء فيه، و ﴿ مَّرِيئاً ﴾ : لا إثم فيه.

وقيل: الهنيء: هو اللذيذ الشهي، الذي يلذ عند تناوله ويسر.

والمريء: الذي عاقبته.

ثم الحكمة في ذكر الهنيء والمريء هنا وجهان: أحدهما: ما ذكر في الآيات من الوعيد بأخذه منها: يقول - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً...

﴾ إلى قوله: ﴿ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ  ﴾ ؛ لئلا يمتنعوا عن قبول ذلك للوعيد الذي ذكر في الآيات.

والثاني: إن الامتناع عن قبول ما بذلت الزوجة يحمل على حدوث المكروه، ويورث الضغائن؛ وذلك يسبب قطع الزوجية فيما بينهما.

وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ ، يعني: بطيبة أنفسكم: يقول: لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون، ولكن آتوهن وأنفسكم بها طيبة؛ إذ كان المهور لهن دونكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ ﴾ ، أي: ما طابت به أنفسهن من غير كره فهو حلال.

وعن علقمة أنه قال لامرأته: أطعميني من الهنيء المريء.

وعن علي -  -: قال: إذا اشتكى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها، ثم يشتري بها عسلاً، ثم يشربه بماء السماء، فيجمع الله -  - الهنيء المريء والشفاء والماء المبارك.

وفي قوله - أيضاً، عز وجل -" ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ أن النفقة - وإن كانت عليه - فهي إذا قامت بها في نفسها لا يحرج هو؛ لأن نفقتها عليها ليست بأعظم من نفقته من مالها إذا تطيبت، ووصف بالهنيء المريء بما ربما يستثقل الطبع عن مالها؛ كراهة الامتنان، أو بما كان عليه كفايتها، أو بما جرى من الوعيد الشديد في منع مهرها، أو بما قد تحتشمه فتبذل له، أو بما يوهم الطمع في مالها، والرغبة في النكاح لذلك؛ فطيبه الله -  - حتى وصفه بغاية ما يحتمل المال من الطيب.

وفيه بيان جواز معروفها، وترغيب في حسن المعاشرة بينهما حتى أبقى ذلك بعد الفراق بقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ...

﴾ الآية [البقرة: 237]، وذلك أحد ما يورث المحبة والمودة، أو يديمها؛ إذ جعل الله بينهما بقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا  ﴾ .

مسألة: في العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين: روي عن عبد الله بن عتبة -  - [أنه] قال: قال عمر بن الخطاب -  -: "ينكح العبد اثنتين، ويطلق اثنتين، وتعتد الأمة بحيضتين، فإن لم تحض فشهر ونصف".

وعن علي -  - أنه قال: "لا يحل للعبد أن ينكح فوق اثنتين".

وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: "يتزوج العبد اثنتين".

وعن عمر -  - أنه قال لابن مسعود -  -: "ما يحل للعبد من النساء؟" قال: "اثنتين"، قال عمر -  -: "ذلك أرى".

وعن الحكم قال: اجتمع أصحاب رسول الله  على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين؛ فهؤلاء ستة نفر من أصحاب رسول الله  ، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي، وابن مسعود، والفضل بن العباس، والأنصاري - رضوان الله عليهم أجمعين - اتفقوا على أن العبد يتزوج اثنتين، ولا يتزوج أكثر من ذلك.

وأيضاً عن ابن عمر -  - قال: قال رسول الله  : "طَلاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ" وعن عائشة -  ا - قالت: قال رسول الله  : "الأَمَةُ تُطَلَّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتَعْتَدُّ حَيْضَتَيْنِ" فإن احتج محتج بعموم الآية أن الله -  - قال: ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾ ، ولم يذكر عبداً ولا حرّاً؛ فهو على عمومه.

قيل: في الآية دليل أن الخطاب للأحرار، وهو قوله -  -: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ ؛ فهو على من له النكاح بنفسه، والعبد يكون له النكاح بغيره بقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  ﴾ : فكان المخاطب بنكاح العبيد مواليهم، ليس له أن ينكح المرأة إلا بإذن مولاه؛ ومولاه يزوجه إذا شاء بغير أمره، فإنما الخطاب لمن له أن يتزوج إذا شاء؛ والعبد من ذلك خارج؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ ؟!

والعبد لا يملك ملك اليمين؛ فدل أن الخطاب راجع إلى الأحرار دون العبيد.

فإن قيل: قد جعلتم للعبد أن يطلق الحرة ثلاثاً، فجعلتم له من الطلاق مثل الذي جعلتموه للحر؛ فيجب أن تجعلوا له مِنْ تزوج النساء مثل الذي يجوز للحر.

قيل: الفرق بينهما أن الطلاق عندنا بالنساء؛ لأن الحر يطلق امرأته الأمة تطليقتين؛ فتحرم عليه؛ والتزويج بالرجال لا ينظر فيه إلى النساء، فللعبد أن يتزوج النصف من تزويج الحر، كما أن عدة الأمة وطلاقها على النصف من عدة الحرة، على ما روينا من الخبر عن رسول الله  : "حَتَّى يَكُونَ لِلْعَبْدِ في امْرَأَتَيْنِ شَيءٌ نِصْفُ مَا لِلْحُرِّ مِنَ الأرْبَعِ" ؛ وروي عن الحسن أنه قال في قوله -  -: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ [يعني: الكفار.

وقيل: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ ]؛ فيكونوا قياماً عليكم، ولكن كونوا أنتم قياماً عليهم.

وقيل: لا تؤتوهم أموالكم؛ فيكونوا أرباباً عليكم، وكونوا أرباباً بأموالكم عليهم.

ومن صرف التأويل إلى اليتامى جعل معنى قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْوَالَكُمُ ﴾ - كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ  ﴾ : يريد من ترونه في البيوت؛ فعلى ذلك إضافة أموال اليتامى إلى الأولياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ الآية [النساء: 5].

فالسفيه - في الحقيقة - من يعمل عمل الجهال، كان جاهلا في الحقيقة أو لا؛ لما قد يلقب العالم به؛ إذا ضيع الحدود، وتعاطي الأفعال الذميمة؛ وعلى ذلك ما جاء [من] الكتاب بتسفيه علماء أهل الكتاب.

ثم قد يسمى الجهال به؛ لما [أن] الجهل هو السبب الباعث على فعل السفه؛ فقوله -  -: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ يحتمل ذلك الوجهين.

وأي الأمرين كان ففيه التحذير للمعنى الذي بين من قوله: ﴿ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً ﴾ : فإما إذا كانت قياماً للمعاش أو للمعاد أو لهما، وطريق الإنفاق في الوجهين والإمساك لهما التدبر، ومراعاة الشرع، وتعاهد الأسباب، والوجهان جميعاً يمنعان الوفاء بما جعلت له الأموال؛ فحذر من أنعم بها عن تضييع ذلك بالتسليم إلى من ذكر، مع ما يكون في ذلك أن اتباع من يستحق أن يكون متبوعاً لمن حقه أن يجعل تابعاً، وذلك خارج عن حد الحكمة، وما يحمده العقل.

ثم قد صرفت الآية إلى النساء بما جعل من إليه التدبير وهو الذي أنشأهن تحت أيدي الرجال في الأمور، مع وصف الرجال أنهم قوامون على النساء.

وصرفت - أيضاً - إلى الصغار بما ضمن حفظ أموال مثلهم الكبار، وجعلوا مكفولين عند البالغين؛ فأموال البالغين أحق بذلك، وحقيقة السفه ما ذكرت.

وجائز أن يكون المقصود بالذكر - من ذكر الصغار والنساء بما خاطب من حذر بالدفع إلى من ذكر - رزق أولئك وكسوتهم، ولا يجب رزق الجهال والسفهاء في الأفعال على غيرهم؛ فيكون ما ذكروا أولى بمراد الآية، وإن كان للمعنى الذي قصد بالآية التي ذكرتهم - قد استحقوا.

ولما غلبت تلك الأحوال على هؤلاء جعل من ذكرت قواماً عليهم، وقد ذكرت عن الحسن: أنه صرف الآية إلى الكفار؛ فكأنه تأول في القيام - القيام بأمر الدين؛ والكفار لا يجوز الاستعانة بهم فيه؛ وله جعل المال عنده مع ما كره العلماء تسليط الكفار العقوبة؛ لجهلهم بحق شرع الإسلام فيها؛ فمثله دفع الأموال إليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً ﴾ .

عن ابن عباس -  -: ﴿ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً ﴾ ، يعني: قوام أمركم ومعيشتكم، وهو هكذا جعل الله هذه الأموال أغذية للخلق، بها يقوم دينهم وأبدانهم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ ﴾ .

يقول: لا تؤتوهم، ولكن ارزقوهم أنتم واكسوهم.

وقيل: يقول: أنفقوا عليهم منها، وأطعموهم.

وقيل: لما أضاف الأموال إلى الدافعين لا إلى المدفوعة إليهم؛ دل على وجوب نفقة الولد وكسوته على الرجل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

قيل: عِدَةٌ حسنة جميلة: سأفعل وسأكسو.

وقيل: مروهم بالمعروف، وانهوا عن المنكر.

وقيل: علموهم الأدب والدين، وقولوا لهم كلام البر واللين واللطف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تعطوا -أيها الأولياء- الأموال للذين لا يحسنون التصرف، فهذه الأموال جعلها الله سببًا تقوم به مصالح العباد وأمور معاشهم، وهؤلاء ليسوا أهلًا للقيام على الأموال وحفظها، وأنفقوا عليهم واكسوهم منها، وقولوا لهم قولًا طيبًا، وعِدُوهم مَوعِدَةً حسنة بأن تعطوهم مالهم إذا بلغوا الرشد وحُسْنَ التصرف.

<div class="verse-tafsir" id="91.ELbMZ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أمرنا الله تعالى في الآيات السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم وبإيتاء النساء صدقاتهن أي مهورهن وأتى في قوله: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا  ﴾ بشرط للإيتاء يعم الأمرين السابقين أي اعطوا كل يتيم ماله اذا بلغ، وكل امرأة صداقها، إلا إذا كان أحدهما سفيهًا لا يحسن التصرف في ماله فحينئذ يمتنع أن تعطوه إياه لئلا يضيعه، ويجب أن تحفظوه له أو يرشد.

وإنما قال: ﴿ أَمْوَالَكُمْ  ﴾ ولم يقل أموالهم مع أن الخطاب للأولياء والمال للسفهاء الذين في ولايتهم للتنبيه على أمور: أحدها: أنه إذا ضاع هذا المال ولم يبق للسفيه من ماله ما ينفق منه عليه وجب على وليه أن ينفق عليه من مال نفسه، فبذلك تكون إضاعة مال السفيه مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي فكأن ماله عين ماله.

ثانيها: أن هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم، وتصرفوا فيها تصرف الراشدين، وأنفقوا منها في الوجوه الشرعية من المصالح العامة والخاصة فإنه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منها.

ثالثها: التكافل في الأمة واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين كما قلناه في آيات أخرى، وذهب (الجلال) إلى أنه أضاف الأموال إليهم لأنها في أيديهم، كأنه قال ولا تؤتوا السفاء أموالهم التي في أيديكم وهو غير ظاهر.

وما قال من قال إن السفهاء هنا هم أولاد المخاطبين الصغار إلا لحيرته في هذه الكاف في قوله: ﴿ أَمْوَالَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَكُمْ  ﴾ وعدم ظهور النكتة له في إيثار ضمير الخطاب على ضمير الغيبة.

في هذه الجملة من الآية تحريض على حفظ المال وتعريف بقيمته فلا يجوز للمسلم أن يبذر أمواله.

وكان السلف من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الحلال، فأين من هذا ما نسمعه من خطباء مساجدنا من تزهيد الناس، وغل أيديهم، وإغرائهم بالكسل والخمول حتي صار المسلم يعدل عن الكسب الشريف إلى الكسب المرذول من الغش والحيلة والخداع، ذلك أن الإنسان ميال بطبعه إلى الراحة فعندما يسمع من الخطباء والعلماء والمعروفين بالصلحاء عبارات التزهيد في الدنيا فإنه يرضي بها ميله إلى الراحة، ثم إنه لا بد له من الكسب فيختار أقله سعيًا وأخفه مؤنة، وهو أخسه وأبعده عن الشرف.

على أن هذا التزهيد في الدنيا من هؤلاء لم يأت بما يساق لأجله من الترغيب في الآخرة والاستعداد لها، بل إن خطباءنا ووعاظنا قد زهدوا الناس في الدنيا وقطعوهم عن الآخرة فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، وما ذلك إلا لجهلهم وعدم عملهم بما يعظون به غيرهم، والواجب على المسلم العارف بالإسلام أن يبين للناس الجمع بين الدنيا والآخرة.

﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ  ﴾ وإنما قال: ﴿ فِيهَا  ﴾ ولم يقل: (منها)، لأن المراد -كما قال في الكشاف- اجعلوها مكانًا لرزقهم، بأن تتجروا فيها، وتتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق.

الرزق يعم وجوه الانفاق كلها كالأكل والمبيت والزواج والكسوة، وإنما قال واكسوهم فخص الكسوة بالذكر لأن الناس يتساهلون فيها أحيانًا، وتخصيص "الجلال" الرزق بالإطعام لا يصح.

﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا  ﴾ المعروف هو ما تعرفه النفوس الكريمة وتألفه ويقابله المنكر وهو ما تنكره وتمجه، فالمعروف هنا يشمل تطييب القلوب بإفهام السفيه أن المال ماله لا فضل لأحد في الإنفاق منه عليه، ليسهل عليه الحجر، ويشمل النصح والإرشاد وتعليم ما ينبغي أن يعلمه السفيه وما يعده للرشد، فان السفه كثيرًا ما يكون عارضًا للشخص لا فطريًا، فإذا عولج بالنصح والتأديب حسنت حاله، فهذا هو القول المعروف الذي أمر الله أولياء السفهاء به زيادة على حفظ أموالهم وتثميرها والانفاق عليهم منها.

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ  ﴾ إن ما تقدم من الأمر بإيتاء اليتامى أموالهم كان مجملًا، وفي هذه الآية تفصيل لكيفية الإيتاء ووقته وما يعتبر فيه.

وقد اختلف العلماء في ابتلاء اليتيم كيف يكون، فقال بعضمهم: يعطي شيئًا من المال ليتصرف فيه فيري تصرفه كيف يكون فإن أحسن فيه كان راشدًا وإلا كان على سفهه، وقال بعضهم: إن الإعطاء لا يجوز إلا بعد الابتلاء، وإيناس الرشد فمن أعطاه قبل ذلك يكون مخالفًا للأمر ومجازفًا بالمال، والصواب أن يحضره الولي المعاملات المالية، ويطلعه على كيفية التصرف، ويسأله عند كل عمل عن رأيه فيه، فإذا رأى أجوبته سديدة ورأيه صالحًا يعلم أنه قد رشد.

واعْتُرِض هذا أيضًا بأن القول لا يغني عن الفعل شيئًا فإن قليلًا من النباهة يكفي لإحسان الجواب إن قيل له ما تقول في ثمن هذا؟

وما أشبه ذلك، وإننا نرى كثيرًا من الذين نسميهم أذكياء ومتعلمين يتكلم أحدهم في الزراعة عن علم يقول: ينبغي كذا من السماد، وكذا من السقي والعذق، فإذا أُرسل إلى الأرض وكُلِّف العمل ينام معظم النهار ولا يصل شيئًا أو يعمل فيسيء العمل ولا يحسنه، بل ترى من الناس من يتكلم في الأخلاق وكيفية معاملة الناس فيحسن القول كما ينبغي، ولكنه يسيء في المعاملة فيكون عمله مخالفًا لقوله، فقائل هذا القول الثاني قد غفل عن القاعدة التي اتفق عليها العقلاء وهي أن بين العلم والتجربة بونًا شاسعًا، فكم رأينا أناسًا من المحسنين في الكلام، السفهاء في الأعمال الذين إذا سألتهم عن طرق الاقتصاد في المعاملة وتدبير الثروة أجابوك أحسن جواب مبني على قواعد العلم الحديث المبني على التجارب وإمعان النظر، ثم هم يسفهون في عملهم ويبذرون الأموال تبذيرًا يسارعون فيه إلى الفقر.

أعرف من هؤلاء رجلًا ترك له والده ثروة قدرت قيمتها بمليون جنيه فأتلفها بإسرافه وهو الآن يطلب إعانة من الجمعية الخيرية الإسلامية!!

فالرأي الأول أسد وأصوب وما اعترض به عليه يجاب عنه بأن الممنوع قبل العلم بالرشد هو إعطاء اليتيم ماله كله ليستقل بالتصرف فيه، وأما إعطاؤه طائفة منه ليتصرف فيها تحت مراقبة الولي ابتلاء واختبارًا له، فهو غير ممنوع بل هو المأمور به في هذه الآية.

و ﴿ حَتَّى  ﴾ ابتدائية أي ابتلوا اليتامى إلى ابتداء البلوغ، وكونها ابتدائية لا ينافي كونها للغاية التي هي معناها الأصلي الذي لا يفارقها، وإنما فرقوا بين التي تدخل على الجملة الكاملة والتي تدخل على المفرد في الإعراب، فسموا الأولى الابتدائية وهى التي لا تجر المفرد، وسموا الثانية الجارة وهي التي تجر المفرد.

والغاية في الأولى هو مفهوم الجملة التي بعدها أي ابتلوهم إلى ابتداء الحد الذي يبلغون فيه سن النكاح، فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم وإلا فاستمروا على الابتلاء إلى أن تأنسوا منهم الرشد، وجملة فإن آنستم جواب حتى إذا بلغوا.

﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا  ﴾ : إن النهي عن أكل أموال اليتامى إسرافًا وبدارًا هو كالأمر قبله تفصيل للآية الناهية عن أكل أموال اليتامى إلى أموال الأولياء، وقد قيد النهي هنا بالإسراف وهو صرف مال اليتيم في غير محله ولو على اليتيم نفسه وسمي هذا أكلًا لأنه إضاعة، والأكل يطلق على إضاعة الشيء ولكن ضم مال اليتيم إلى مال الولي لا يسمى إسرافًا، وقيده أيضًا بالبدار والمسابقة لكبر اليتيم لأن الولي الضعيف الذمة يستعجل ببعض التصرفات في مال اليتيم التي له منها منفعة لئلا تفوته إذا كبر اليتيم وأخذ ماله.

فهاتان الحالان: الإسراف وبدار، ومسابقة كبر اليتيم ببعض التصرف هما من مواضع الضعف التي تعرض للإنسان، فنبه الله تعالى عليهما ونهى عنهما ليراقب الولي ربه فيهما إذا عرضتا له.

﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ يعني أن الأكل بالمعروف هو القرض والأجرة، ولا يباح أكل شيء منه بلا عوض كسائر أموال الناس، وكذلك الحكم في أموال المجانين والمعاتيه، ولكن ما ذكر في كيفية الأكل لا يظهر في الاستقراض وقد يظهر في الأجرة.

﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ  ﴾ : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر بالإشهاد أمر إرشاد لا أمر وجوب وهم متفقون على أن الأوامر المارة كلها للإيجاب القطعي والنواهي كلها للتحريم، وظاهر السياق أن هذا الأمر مثل ما سبقه، ولعل السبب فيما قاله الفقهاء هو أن الناس تهاونوا بأمر الإشهاد وأهملوه من زمن بعيد فسهل ذلك على الفقهاء التأويل ورأوه أولى من تأثيم الناس وجعل أكثرهم مخالفين لما فرض عليهم، ولا شك عندي أن الإشهاد حتم، وأن تركه يؤدي إلى النزاع والتخاصم والتقاضي كما هو مشاهد، فإذا فرضنا أن الناس كانوا في زمن ما مستمسكين بعروة الدين استمساكًا عامًا، وكان اليتامى يحسنون الظن في الأولياء فلا يتهمونهم، وأن الإشهاد لم يكن متحتمًا عليم لأجل هذا، أفليس هذا الزمن المعلوم مخالفًا لذلك الزمن المجهول مخالفة تقتضي أن يُجعَل الإشهاد ضربة لازب لقطع عرق الخصام ونزوع النفس إلى النزاع والمشاغبة؟

﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا  ﴾ الحسيب هو المراقب المطلع على ما يعمل العامل، وإنما جاء بهذا بعد الأمر بالإشهاد القاطع لعرق النزاع ليدلنا على أن الإشهاد -وإن حصل وكان يسقط الدعوى عند القاضي بالمال- لا يسقط الحق عند الله إذا كان الولي خائنًا، إذ لا يخفى عليه تعالى ما يخفى على الشهود والحكام، وكأن هؤلاء الأوصياء الخبثاء الذين نعرفهم لم يسمعوا قول الله في ذلك قط، فقد كثرت فيهم وفي غيرهم الخيانة وأكل أموال اليتامى والسفهاء والأوقاف بالحيل حتى أنه يمكنني أن أقول: إنه لا يوجد في القطر المصري عشرة أشخاص يصلحون للوصاية على اليتيم أو السفيه والوقف، وقد نص الفقهاء على أن النظر على الوقف كالوصاية على اليتيم.

فانظروا إلى هذه الدقة في الآية الكريمة من الأمر باختبار اليتيم، ودفع ماله إليه عند بلوغه رشده، ومن النهي عن أكل شيء منه بطرف الإسراف ومبادرة كبره، ومن الأمر بالإشهاد عليه عند الدفع، ثم التنبيه إلى مراقبة الله تعالى التي تتناول جميع ذلك.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن بعض النحاة يقولون إن الباء الداخلة على لفظ الجلالة في قوله: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ  ﴾ زائدة، والمعنى كفى الله حسيبًا، وبعضهم يقول إن الفاعل مصدر محذوف والباء حرف جر أصلي متعلق به، وهذا كله من تطبيق القرآن على القواعد التي وضعوها ونحن نقول إن المعنى مع وجود الباء هو غير المعنى مع عدمها، فلها معنى في الكلام كيفما أعربت، وإن "كفى" فعل ليس له فاعل، والجار متعلق به، ومعناه أن الله  هو أشد من يراقب ويحاسب.

وهذه الجملة من فرائد البلاغة المسموعة التي لا تحتذى ولا يؤتي بمثل لها قد جاءت على هذه الكيفية النادرة مثلها في حسنها، فلا يمكن تطبيقها على القواعد الموضوعة للكلام المعروف عند جميع العرب الدائر على ألسنة أهل الفصاحة والفهاهة على السواء.

إن القواعد النحوية ونحوها وضعت بعد وضع اللغة لا قبلها فلا يمكن أن تكون عامة شاملة لكل كلام، ولكن النحاة حاولوا إدخال كل الكلام في قواعدهم، وكان يجب أن يقولوا كما قال بعض أهل اللغة في بعض الكلام النادر الاستعمال إنه ورد هكذا على غير القاعدة التي وضعناها فهو نظام سماعي يحفظ في اللغة ولا يقاس عليه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد