الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٥٨ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 147 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٨ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ، وفي حديث الحسن ، عن سمرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك " .
رواه الإمام أحمد وأهل السنن وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان ، من حقوق الله ، عز وجل ، على عباده ، من الصلوات والزكوات ، والكفارات والنذور والصيام ، وغير ذلك ، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد ، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك .
فأمر الله ، عز وجل ، بأدائها ، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة ، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لتؤدن الحقوق إلى أهلها ، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الله بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود قال : إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة ، يؤتى بالرجل يوم القيامة - وإن كان قد قتل في سبيل الله - فيقال : أد أمانتك .
فيقول وأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا ؟
فتمثل له الأمانة في قعر جهنم ، فيهوي إليها فيحملها على عاتقه .
قال : فتنزل عن عاتقه ، فيهوي على أثرها أبد الآبدين .
قال زاذان : فأتيت البراء فحدثته فقال : صدق أخي : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) .
وقال : سفيان الثوري ، عن ابن أبي ليلى عن رجل ، عن ابن عباس قوله : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) قال : هي مبهمة للبر والفاجر .
وقال محمد بن الحنفية : هي مسجلة للبر والفاجر .
وقال أبو العالية : الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : قال أبي بن كعب : من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها .
وقال الربيع بن أنس : هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) قال : قال : يدخل فيه وعظ السلطان النساء .
يعني يوم العيد .
وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة - واسم أبي طلحة عبد الله - بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري ، حاجب الكعبة المعظمة ، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم ، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة ، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ، وأما عمه عثمان بن أبي طلحة ، فكان معه لواء المشركين يوم أحد ، وقتل يومئذ كافرا .
وإنما نبهنا على هذا النسب ; لأن كثيرا من المفسرين قد يشتبه عليهم هذا بهذا ، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح ، ثم رده عليه .
وقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن صفية بنت شيبة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس ، خرج حتى جاء البيت ، فطاف به سبعا على راحلته ، يستلم الركن بمحجن في يده ، فلما قضى طوافه ، دعا عثمان بن طلحة ، فأخذ منه مفتاح الكعبة ، ففتحت له ، فدخلها ، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد .
قال ابن إسحاق : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى ، فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج " .
وذكر بقية الحديث في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ ، إلى أن قال : ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال : يا رسول الله ، اجمع لنا الحجابة مع السقاية ، صلى الله عليك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين عثمان بن طلحة ؟
" فدعي له ، فقال له : " هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم وفاء وبر " .
قال ابن جرير : حدثني القاسم حدثنا الحسين ، عن حجاج ، عن ابن جريج [ قوله : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) ] قال : نزلت في عثمان بن طلحة قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة ، فدخل به البيت يوم الفتح ، فخرج وهو يتلو هذه فدعا عثمان إليه ، فدفع إليه المفتاح ، قال : وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة ، وهو يتلو هذه الآية : فداه أبي وأمي ، ما سمعته يتلوها قبل ذلك .
حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا الزنجي بن خالد ، عن الزهري قال : دفعه إليه وقال : أعينوه .
وروى ابن مردويه ، من طريق الكلبي ، عن أبي صالح عن ابن عباس في قول الله عز وجل : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، فلما أتاه قال : " أرني المفتاح " .
فأتاه به ، فلما بسط يده إليه قام العباس فقال : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، اجمعه لي مع السقاية .
فكف عثمان يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرني المفتاح يا عثمان " .
فبسط يده يعطيه ، فقال العباس مثل كلمته الأولى ، فكف عثمان يده .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عثمان ، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح " .
فقال : هاك بأمانة الله .
قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح باب الكعبة ، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم معه قداح يستقسم بها .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما للمشركين قاتلهم الله .
وما شأن إبراهيم وشأن القداح " .
ثم دعا بجفنة فيها ماء فأخذ ماء فغمسه فيه ، ثم غمس به تلك التماثيل ، وأخرج مقام إبراهيم ، وكان في الكعبة فألزقه في حائط الكعبة ثم قال : " يا أيها الناس ، هذه القبلة " .
قال : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت شوطا أو شوطين ثم نزل عليه جبريل ، فيما ذكر لنا برد المفتاح ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) حتى فرغ من الآية .
وهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك ، وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا فحكمها عام ; ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية : هي للبر والفاجر ، أي : هي أمر لكل أحد .
وقوله : ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس ; ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب : إنما نزلت في الأمراء ، يعني الحكام بين الناس .
وفي الحديث : " إن الله مع الحاكم ما لم يجر ، فإذا جار وكله إلى نفسه " وفي الأثر : عدل يوم كعبادة أربعين سنة .
وقوله : ( إن الله نعما يعظكم به ) أي : يأمركم به من أداء الأمانات ، والحكم بالعدل بين الناس ، وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة .
وقوله : ( إن الله كان سميعا بصيرا ) أي : سميعا لأقوالكم ، بصيرا بأفعالكم ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني عبد الله بن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرئ هذه الآية ( سميعا بصيرا ) يقول : بكل شيء بصير .
وقد قال ابن أبي حاتم : أخبرنا يحيى بن عبدك القزويني ، أنبأنا المقرئ - يعني أبا عبد الرحمن - عبد الله بن يزيد ، حدثنا حرملة - يعني ابن عمران - التجيبي المصري - حدثنا أبو يونس ، سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) إلى قوله : ( إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) ويضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه ويقول : هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع أصبعيه .
قال أبو زكريا : وصفه لنا المقري ، ووضع أبو زكريا إبهامه اليمنى على عينه اليمنى ، والتي تليها على الأذن اليمنى ، وأرانا فقال : هكذا وهكذا .
رواه أبو داود ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، وابن مردويه في تفسيره ، من حديث أبي عبد الرحمن المقري بإسناده - نحوه وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة ، واسمه سليم بن جبير .
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ * * * قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية.
فقال بعضهم: عني بها ولاة أمور المسلمين.
*ذكر من قال ذلك: 9839 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي مكين، عن زيد بن أسلم قال: نـزلت هذه الآية: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، في ولاة الأمر.
(37) 9840 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا ليث، عن شهر قال: نـزلت في الأمراء خاصة " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ".
9841 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا إسماعيل، عن مصعب بن سعد قال، قال علي رضي الله عنه كلماتٍ أصاب فيهن: " حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنـزل الله، وأن يؤدِّيَ الأمانة، وإذا فعل ذلك، فحقّ على الناس أن يسمعوا، وأن يُطيعوا، وأن يجيبوا إذا دُعوا ".
(38) 9842 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا إسماعيل عن مصعب بن سعد، عن علي بنحوه.
9843 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا موسى بن عمير، عن مكحول في قول الله: وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، قال: هم أهلُ الآية التي قبلها: " إن الله يأمرُكم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها "، إلى آخر الآية.
9844 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا ابن زيد قال، قال أبي: هم الوُلاة، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها.
وقال آخرون: أمر السلطان بذلك: أن يعِظوا النساء.
(39) *ذكر من قال ذلك: 9845 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إن الله يأمرُكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، قال: يعني السلطان، يعظون النساء.
(40) * * * وقال آخرون: الذي خوطب بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم في مفتاح الكعبة، أمر برَدّها على عثمان بن طلحة.
*ذكر من قال ذلك: 9846 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، قال: نـزلت في عُثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قَبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة، ودخل به البيت يوم الفتح، (41) فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان &; 8-492 &; فدفع إليه المفتاح.
قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية: فداهُ أبي وأمي!
(42) ما سمعته يَتلوها قبل ذلك!
9847 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري قال: دفعه إليه وقال: أعينوه.
(43) * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قولُ من قال: هو خطاب من الله ولاةَ أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من وَلُوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقَسْم بينهم بالسوية.
يدل على ذلك ما وَعظ به الرعية (44) في: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الرّاعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة، كما:- 9848 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ) قال: قال أبي: هم السلاطين.
وقرأ ابن زيد: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ [سورة آل عمران: 26]، وإنما نقول: هم العلماء الذي يُطيفون على &; 8-493 &; السلطان، (45) ألا ترى أنه أمرهم فبدأ بهم، بالولاة فقال (46) " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "؟
و " الأمانات "، هي الفيء الذي استأمنهم على جمعه وقَسْمه، والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمها =" وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " الآية كلها.
فأمر بهذا الولاة.
ثم أقبل علينا نحن فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ .
* * * وأما الذي قال ابن جريج من أنّ هذه الآية نـزلت في عثمان بن طلحة، فإنه جائز أن تكون نـزلت فيه، وأريد به كل مؤتمن على أمانة، فدخلَ فيه ولاة أمور المسلمين، وكلّ مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا.
ولذلك قال من قال: عُني به قضاءُ الدين، وردّ حقوق الناس، كالذي:- 9849 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، فإنه لم يرخص لموسِر ولا معسر أن يُمسكها.
9850 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، عن الحسن: أن &; 8-494 &; نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.
(47) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا = إذ كان الأمر على ما وصفنا = : إن الله يأمركم، يا معشر ولاة أمور المسلمين، أن تؤدوا ما ائتمنتكم عليه رعيّتكم من فَيْئهم وحقوقهم وأموالهم وصدقاتهم إليهم، على ما أمركم الله بأداء كل شيء من ذلك إلى من هو له، بعد أن تصير في أيديكم، لا تظلموها أهلها، ولا تستأثروا بشيء منها، ولا تضعوا شيئًا منها في غير موضعه، ولا تأخذوها إلا ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصيرَ في أيديكم = ويأمركم إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف، وذلك حكمُ الله الذي أنـزله في كتابه، وبيّنه على لسان رسوله، لا تعدُوا ذلك فتجورُوا عليهم.
* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر ولاة أمور المسلمين، إن الله نعم الشيء يَعظكم به، ونعمت العظة يعظكم بها في أمره إياكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بين الناس بالعدل (48) * * * =" إن الله كان سميعًا "، يقول: إن الله لم يزل سميعًا بما تقولون وتنطقون، وهو سميع لذلك منكم إذا حكمتم بين الناس ولما تُحاورونهم به (49) " بصيرًا " بما تفعلون فيما ائتمنتم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم، (50) وما تقضون به بينهم من أحكامكم: بعدل تحكمون أو جَوْر، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظٌ ذلك كلَّه، حتى يجازي محسنكم بإحسانه، ومسيئكم بإساءته، أو يعفو بفضله.
------------------------ الهوامش : (37) الأثر: 9839 -"أبو أسامة" هو: حماد بن أسامة بن زيد القرشي ، مضى برقم: 5265.
و"أبو مكين" هو: نوح بن ربيعة ، مضى برقم: 9742.
(38) الأثر: 9841 -"مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري".
روى عن أبيه ، وعلي ، وطلحة ، وعكرمة ابن أبي جهل ، وغيرهم ، تابعي ثقة ، قال ابن سعد: "كان ثقة كثير الحديث".
مترجم في التهذيب.
(39) في المطبوعة: "أن يعطوا الناس" ، غير ما في المخطوطة ، وهو الذي أثبته ، ولكنه كان في المخطوطة غير منقوط ، فلم يحسن قراءته ، فكتب ما لا معنى له.
والمقصود بذلك أن على الأمراء أن يعظوا النساء في النشوز وغيره ، حتى يردوهن إلى أزواجهن.
وهو القول المنسوب إلى ابن عباس في كتب التفسير.
(40) في المطبوعة: "يعظون الناس" ، وهو خطأ ، وانظر التعليق السالف.
(41) في المطبوعة: "مفاتيح الكعبة ، ودخل بها البيت" ، وكان في المخطوطة: "مفاتيح الكعبة ودخل به البيت" ، ورد اللفظ مفردًا"المفتاح" في هذا الأثر والذي يليه ، وكذلك نقله ابن كثير في تفسيره 2: 492"مفتاح الكعبة" بالإفراد ، فصححت نص المخطوطة ، كما في ابن كثير.
(42) في المطبوعة: "فداؤه أبي وأمي" ، وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير.
(43) الأثر: 9847 -"الزنجي بن خالد" هو: مسلم بن خالد بن فروة ، أبو خالد الزنجي ، الفقيه المكي.
وإنما سموه"الزنجي" قالوا: لأنه كان شديد السواد.
وقالوا: لأنه كان أشقر كالبصلة.
وقالوا: كان أبيض مشربًا بحمرة ، وإنما سمى"الزنجي" لمحبته التمر.
قالت له جاريته: "ما أنت إلا زنجي" ، لأكل التمر ، فبقي عليه هذا اللقب.
ومن الزنجي تعلم الشافعي الفقه قبل أن يلقى مالكًا.
ولكنهم تكلموا في حديثه ، فقال البخاري: "منكر الحديث ، يكتب حديثه ولا يحتج به".
وذكروا عللا في ضعف حديثه وهو صدوق.
مترجم في التهذيب.
(44) في المطبوعة والمخطوطة: "فدل على ذلك ما وعظ به الرعية" ، وهو كلام فاسد جدًا ، أخل بحجة الطبري ، والصواب ما أثبت.
(45) حذف ناشر المطبوعة هذه الجملة إذ لم يفهمها ، وجعل سياق الكلام هكذا: "...
ممن تشاء ، ألا ترى أنه أمر فقال: إن الله يأمركم" ، وهذا فساد شديد ، وهجر للأمانة ، وعبث بكلام أهل التاويل.
وقائل هذا الكلام هو ابن زيد ، بعد أن ذكر تأويل أبيه زيد بن أسلم.
وقوله: "يطيفون على السلطان" هم الذين يقاربونه ويدنيهم في مجالسه ويستشيرهم.
من قوله: "طاف بالشيء وطاف عليه= وأطاف به وأطاف عليه": دار حوله.
(46) في المطبوعة: "أنه أمر فقال..." كما ذكرت في التعليق السالف.
وسياق عبارته أنه أمر العلماء بالولاة - فبدأ بهم ، أي: بالعلماء.
والعلماء هم الذين يفتون الولاة في قسمة الفيء والصدقات ، لأنهم هم أهل العلم بها.
فهذا خطاب للعلماء الذين ائتمنوا على الدين.
ثم قال للولاة: "وإذا حكمتم بين الناس" ، كما ترى في سياق الأثر.
(47) الأثر: 9850 - قال ابن كثير في تفسيره 2: 490"وفي حديث الحسن ، عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك".
رواه الإمام أحمد ، وأهل السنن".
(48) انظر تفسير"نعما" فيما سلف 5: 582.
(49) في المطبوعة: "ولم تجاوزوهم به" ، ولا معنى لها البتة ، والصواب ما في المخطوطة ، ولكنه لم يفهم ما أراد ، فحرفه وغيره.
قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرافيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع .
وقد اختلف من المخاطب بها ؛ فقال علي بن أبي طالب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب وابن زيد : هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة ، فهي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمرائه ، ثم تتناول من بعدهم .
وقال ابن جريج وغيره : ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن أبي طلحة الحجبي العبدري من بني عبد الدار ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وكانا كافرين وقت فتح مكة ، فطلبه العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية ؛ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان ، وأخرج مقام إبراهيم ونزل عليه جبريل بهذه الآية .
قال عمر بن الخطاب : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية ، وما كنت سمعتها قبل منه ، فدعا عثمان وشيبة فقال : خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم .
وحكى مكي : أن شيبة أراد ألا يدفع المفتاح ، ثم دفعه ، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : خذه بأمانة الله .
وقال ابن عباس : الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردوهن إلى الأزواج .
والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات .
وهذا اختيار الطبري .
وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك ، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه ؛ والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى .
وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها أو قال : ( كل شيء إلا الأمانة - والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع ) .
ذكره أبو نعيم الحافظ في الحلية .
وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب قالوا : الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع ، وقال ابن عباس : لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة .قلت : وهذا إجماع .
وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار ؛ قاله ابن المنذر .
والأمانة مصدر بمعنى المفعول فلذلك جمع .
ووجه النظم بما تقدم [ ص: 222 ] أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقولهم : إن المشركين أهدى سبيلا ، فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات ؛ فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي أعداد كثيرة كما ذكرنا .
وأمهاتها في الأحكام : الوديعة واللقطة والرهن والعارية .
وروى أبي بن كعب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك .
أخرجه الدارقطني .
ورواه أنس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في " البقرة " معناه .
وروى أبو أمامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع : العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم .
صحيح أخرجه الترمذي وغيره .
وزاد الدارقطني : فقال رجل : فعهد الله ؟
قال : ( عهد الله أحق ما أدي ) .
وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في رد الوديعة وأنها مضمونة على كل حال كانت مما يغاب عليها أو لا يغاب تعدى فيها أو لم يتعد - عطاء والشافعي وأحمد وأشهب .
وروي أن ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما ضمنا الوديعة .
وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانا أو غيره مما لا يغاب عليه فتلف عنده فهو مصدق في تلفه ولا يضمنه إلا بالتعدي .
وهذا قول الحسن البصري والنخعي ، وهو قول الكوفيين والأوزاعي قالوا : ومعنى قوله عليه السلام : العارية مؤداة هو كمعنى قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها .
فإذا تلفت الأمانة لم يلزم المؤتمن غرمها لأنه مصدق فكذلك العارية إذا تلفت من غير تعد ؛ لأنه لم يأخذها على الضمان ، فإذا تلفت بتعديه عليها لزمه قيمتها لجنايته عليها .
وروي عن علي وعمر وابن مسعود أنه لا ضمان في العارية .
وروى الدارقطني عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ضمان على مؤتمن .
واحتج الشافعي فيما استدل به بقول صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم لما استعار منه الأدراع : أعارية مضمونة أو عارية مؤداة ؟
فقال : ( بل عارية مؤداة ) .الثانية : قوله تعالى : وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل قال الضحاك : بالبينة على المدعي واليمين على من أنكر .
وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام ، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات .
قال صلى الله عليه وسلم : إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما [ ص: 223 ] ولوا .
وقال : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع على أهله وهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة عنه والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .
فجعل في هذه الأحاديث الصحيحة كل هؤلاء رعاة : وحكاما على مراتبهم ، وكذلك العالم الحاكم ؛ لأنه إذا أفتى حكم وقضى وفصل بين الحلال والحرام ، والفرض والندب ، والصحة والفساد ، فجميع ذلك أمانة تؤدى وحكم يقضى .
وقد تقدم في البقرة القول في ( نعما )قوله تعالى : إن الله كان سميعا بصيرا وصف الله تعالى نفسه بأنه سميع بصير يسمع ويرى ؛ كما قال تعالى : إنني معكما أسمع وأرى فهذا طريق السمع .
والعقل يدل على ذلك ؛ فإن انتفاء السمع والبصر يدل على نقيضيهما من العمى والصمم ، إذ المحل القابل للضدين لا يخلو من أحدهما ، وهو تعالى مقدس عن النقائص ويستحيل صدور الأفعال الكاملة من المتصف ، بالنقائص ؛ كخلق السمع والبصر ممن ليس له سمع ولا بصر .
وأجمعت الأمة على تنزيهه تعالى عن النقائص وهو أيضا دليل سمعي يكتفى به مع نص القرآن في مناظرة من تجمعهم كلمة الإسلام .
جل الرب تبارك وتعالى عما يتوهمه المتوهمون ويختلقه المفترون الكاذبون سبحان ربك رب العزة عما يصفون .
الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به.
فأمر الله عباده بأدائها أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولا بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار؛ والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله.
وقد ذكر الفقهاء على أن من اؤتمن أمانة وجب عليه حفظها في حرز مثلها.
قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها؛ فوجب ذلك.
وفي قوله: { إِلَى أَهْلِهَا } دلالة على أنها لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمِن، ووكيلُه بمنزلته؛ فلو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديا لها.
{ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو.
والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام، وهذا يستلزم معرفة العدل ليحكم به.
ولما كانت هذه أوامر حسنة عادلة قال: { إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون.
قوله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار ، وكان سادن الكعبة ، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح ، فقيل : إنه مع عثمان ، فطلبه منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى ، وقال : لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح ، فلوى علي رضي الله عنه يده فأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين ، فلما خرج سأله العباس المفتاح ، أن يعطيه ويجمع له بين السقاية والسدانة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه ، ففعل ذلك علي رضي الله عنه ، فقال له عثمان : أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق ، فقال علي : لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنا وقرأ عليه الآية ، فقال عثمان : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وكان المفتاح معه ، فلما مات دفعه إلى أخيه شيبة ، فالمفتاح والسدانة في أولادهم إلى يوم القيامة .
وقيل : المراد من الآية جميع الأمانات .
أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد ، أنا أبو بكر محمد بن إدريس الجرجاني وأبو أحمد بن محمد بن أحمد المعلم الهروي ، قال : أنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني ، أنا الحسن بن سفيان النسوي ، أنا شيبان بن أبي شيبة ، أخبرنا أبو هلال عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال : كلما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له " .
قوله تعالى : ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) أي : بالقسط ، ( إن الله نعما ) أي : نعم الشيء الذي ( يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أنا أبو جعفر محمد بن حمد بن عبد الجبار الزيات ، أنا حميد بن زنجويه ، حدثنا ابن عباد ، ثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار ، عن عمرو بن أوس ، أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المقسطون عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين ، هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، أنا علي بن الجعد ، أنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل ، وإن أبغض الناس إلى الله وأشدهم عذابا إمام جائر " .
«إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات» أي ما اؤتمن عليه من الحقوق «إلى أهلها» نزلت لما أخذ عليّ رضي الله عنه مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة الحجبي سادنها قسرا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح ومنعه وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برده إليه وقال هاك خالدة تالدة فعجب من ذلك فقرأ له عليُّ الآية، فأسلم وأعطاه عند موته لأخيه شيبة فبقي في ولده والآيةُ وإن وردت على سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع «وإذا حكمتم بين الناس» يأمركم «أن تحكموا بالعدل إن الله نعمَّا» فيه إدغام ميم نعم في ما النكرة الموصولة أي نعم شيئا «يعظكم به» تأدية الأمانة والحكم بالعدل «إن الله كان سميعا» لما يقال «بصيرا» بما يفعل.
إن الله تعالى يأمركم بأداء مختلف الأمانات، التي اؤتمنتم عليها إلى أصحابها، فلا تفرطوا فيها، ويأمركم بالقضاء بين الناس بالعدل والقسط، إذا قضيتم بينهم، ونِعْمَ ما يعظكم الله به ويهديكم إليه.
إن الله تعالى كان سميعًا لأقوالكم، مُطَّلعًا على سائر أعمالكم، بصيرًا بها.
قال ابن كثير - عند تفسيره للآية الأولى - : ذكر كثير من المفسرين " أن هذه الآية نزلت فى شأن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة .
وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبى طلحة الذى صارت الحجابة فى نسله إلى اليوم .
وسبب نزولها فيه : حين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة منه يوم الفتح ثم رده عليه .ثم قال : قال محمد بن إسحاق : حدثنى محمد بن جعفر عن عبيد الله بن أبى ثور عن صفية بنت شيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس ، خرج حتى أتى إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن فى يده .
فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ مفتاح الكعبة منه ففتحت له فدخلها .ثم قام على باب الكعبة فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
صدق وعده .
ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده .
ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمى هاتين : إلا سدانة البيت وسقاية الحاج .ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين عثمان بن طلحة؟
فدعى له .
فقال : هاك متفاحك يا عثمان!!
اليوم يوم بر ووفاء " .هذا ونزول الآية الكريمة فى هذا السبب الخاص لا يمنع عمومها إذا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .والأمانات : جمع أمانة وهى مصدر سمى به المفعول .
فهى بمعنى ما يؤتمن الإِنسان عليه .والمعنى : إن الله تعالى - يأمركم - أيها المؤمنون - أن تؤدوا ما ائتمنتم عليه من الحقوق سواء أكانت هذه الحقوق لله - تعالى - أم للعباد .
وسواء كانت فعلية أم قولية أم اعتقادية .وقد أسند - سبحانه - الأمر إليه تأكيده ، اهتماما بالمأمور به ، وحضا للناس على أداء ما يؤتمنون عليه من علم ومال ، ودائع ، وأسرار ، وغير ذلك مما يقع فى دائرة الائتمان ، وتنبغى المحافظة عليه .ومعنى أدائها إلى أهلها : توصيلها إلى أصحابها كما هى من غير بخس أو تطفيف أو تحريف أو غير ذلك مما يتنافى مع أدائها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى .ومن الآيات القرآنية التى نوهت بشأن الأمانة وأمرت بأدائها وحفظها قوله - تعالى - : ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان ) وقوله - تعالى - ( والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أولئك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ ) وأما الأحاديث فمنها ما رواه الترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم " .وروى الترمذى وأبو داود عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخمن من خانك " .وقوله : ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ) أمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذممهم .وقوله ( حَكَمْتُمْ ) من الحكم ومعناه الفصل بين المتنازعين ، وإظهار الحق لصاحبه .وقوله ( بالعدل ) أى بالحق الذى أوجبه الله عليكم .
وأصل العدل : التسوية .
يقال : عدل كذا بكذا أى سواه به .قال الجمل وقوله : ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ ) إذا معمول لمقدر على مذهب البصريين من أن ما بعد أن المصدرية لا يعمل فيما قبلها والتقدير : وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس .
أو معمول للمذكور على مذهب الكوفيين من إجازة عمل ما بعد أن فيما قبلها .والمعنى : كما أمركم الله - تعالى - أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أهلها ، فإنه يأمركم - أيضا - إذا حكمتم بين الناس أن تجعلوا حكمكم قائما على الحق والعدل ، فإن الله - تعالى - ما أقام ملكه إلا عليهما ، ولأن الأحكام إذا صاحبها الجور والظلم أدت إلى شقاء الأفراد والجماعات .قال بعض العلماء : يرى بعضهم : أن الخطاب فى هذا النصف موجه إلى الذين يحكمون ، وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحاكم .
ولا مانع عندنا من أن يكون الخطاب موجها إلى الأمة كلها ، لأن الأمة العزيزة التى تتولى أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ قاهر ، هى محكومة ومحكمة .
فهى التى تختار حاكمها وهى فى هذا محكمة ، مطلوب منها العدل ، فلا تختار لهوى أو لعطاء أو لمصلحة شخصية أيا كان نوعها .
وهى محكمة فى حاكمها فلا تقول فيه إلا حقا ، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه ، ولا تشتط فى نقده ، ولا تسكن عن نصيحته ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " الدين النصيحة : لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " .وحديث القرآن عن وجوب إقامة العدل ودفع الظلم حديث مستفيض .
قال تعالى - : ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ) وقال - تعالى - ( ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى ) وقال - تعالى - ( وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ) وقال - تعالى - ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ) وأما حديث السنة النبوة عن ذلك فهو أيضا مستفيض .
ومن الأحاديث التى ورت فى هذا المعنى ما رواه الإِمام مسلم فى صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن المقسطين عند الله على منابر من نور من يمين الرحمن .
وكلتا يديه يمين .
الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا " .وقوله ( إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ ) جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها ، متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين ، وحسن استدعائهم إلى الامتثال لما أمروا به .وقوله ( نِعِمَّا ) أصله ( نعم ما ) فركبت نعم ما بعد طرح حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة ثم أدغمت الميمان وحركت العين الساكنة بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين .و ( ما ) إما منصوبة موصوفة بقوله ( يَعِظُكُمْ ) فكأنه قيل : نعم شيئا يعظكم به .
وإما مرفوعة موصولة فكأنه قيل : نعم الشئ الذى يعظكم به .والمخصوص بالمدح محذوف وهو أجاء الأمانة إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل .والوعظ : التذكير بالخير ، والتحذير من الشر ، بأسلوب يرق له القلب .والمعنى : إن الله - تعالى - قد أمركم - يا معشر المؤمنين - بأداء الأمانة ، وبالحكم بالعدل ، ولنعماهما شيئا جليلا يذكركم به ، ويدعوكم إليه .وقوله - تعالى - ( إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) وعد للطائعين ووعيد للعاصين .أى : إن الله - تعالى - كان سميعا لأقوالكم فى الأحكام وفى غيرها .
( بَصِيراً ) بكل أحوالكم وتصرفاتك .
وسيجازيكم بما تفعلونه من خير أو شر .
اعلم انه سبحانه لما شرح بعض أحوال الكفار وشرح وعيده عاد إلى ذكر التكاليف مرة أخرى، وأيضا لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات، أو من باب الدنيا والمعاملات، وأيضا لما ذكر في الآية السابقة الثواب العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكان من أجل الأعمال الصالحة الأمانة لا جرم أمر بها في هذه الآية.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار- وكان سادن الكعبة-باب الكعبة، وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح اليه، وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بين أبي طالب رضي الله عنه يده وأخذه منه وفتح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية، فأمر علياً أن يرده إلى عثمان ويعتذر اليه، فقال عثمان لعلي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهبط جبريل عليه السلام وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدا.
فهذا قول سعيد بن المسيب ومحمد بن اسحق.
وقال أبو روق: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: أعطني المفتاح فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضم يده، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك مرة ثانية: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأعطني المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضم يده، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك مرة ثالثة، فقال عثمان في الثالثة: هاك بامانة الله ودفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يطوف ومعه المفتاح وأراد أن يدفعه إلى العباس، ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس نصيبا معك، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: هاك خالدة تالدة لا ينزعها منك إلا ظالم ثم إن عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده اليوم.
المسألة الثانية: اعلم أن نزول هذه الآية عند هذه القصة لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القضية، بل يدخل فيه جميع أنواع الأمانات، واعلم أن معاملة الإنسان إما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد، أو مع نفسه، ولا بد من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة.
أما رعاية الأمانة مع الرب: فهي في فعل المأمورات وترك المنهيات، وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود: الأمانة في كل شيء لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إنه تعالى خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها، واعلم أن هذا باب واسع، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعملها في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي، وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها، وكذا القول في جميع الأعضاء.
وأما القسم الثاني: وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع، ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن، ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة، بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ونهيهم عن قولهم للكفار: إن ما أنتم عليه أفضل من دين محمد صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في حفظ فرجها، وفي أن لا تلحق بالزوج ولدا يولد من غيره.
وفي إخبارها عن انقضاء عدتها.
وأما القسم الثالث: وهو أمانة الإنسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والاصلح له في الدين والدنيا، وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» فقوله: ﴿ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أهلها ﴾ يدخل فيه الكل، وقد عظم الله أمر الامانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات والأرضوالجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان ﴾ وقال: ﴿ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَخُونُواْ أماناتكم ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «لا أيمان لمن لا أمانة له» وقال ميمون بن مهران: ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر: الامانة والعهد وصلة الرحم.
وقال القاضي: لفظ الامانة وان كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا ﴾ فوجب أن يكون المراد بهذه الامانة ما يجري مجرى المال؛ لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير.
المسألة الثالثة: الامانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جمع فانه جعل اسما خالصا.
قال صاحب الكشاف: قرئ (الأَمانة) على التوحيد.
المسألة الرابعة: قال أبو بكر الرازي: من الامانات الودائع، ويجب ردها عند الطلب والأكثرون على أنها غير مضمونة.
وعن بعض السلف أنها مضمونة، روى الشعبي عن أنس قال: استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي، فضمنني عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وعن أنس قال: كان لانسان عندي وديعة ستة آلاف درهم فذهبت، فقال عمر: ذهب لك معها شيء؟
قلت لا، فألزمني الضمان، وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ضمان على راع ولا على مؤتمن وأما فعل عمر فهو محمول على أن المودع اعترف بفعل يوجب الضمان.
المسألة الخامسة: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: العارية مضمونة بعد الهلاك، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: غير مضمونة.
حجة الشافعي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، وبعد هلاكها تعذر ردها بصورتها، ورد ضمانها ردها بمعناها، فكانت الآية دالة على وجوب التضمين.
ونظير هذه الآية قوله عليه الصلاة والسلام: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» أقصى ما في الباب أن الآية مخصوصة في الوديعة، لكن العام بعد التخصيص حجة، وأيضاً فلأنا أجمعنا على أن المستام مضمون، وأن المودع غير مضمون، والعارية وقعت في البين، فنقول: المشابهة بين العارية وبين المستام أكثر، لأن كل واحد منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه، بخلاف المودع، فانه أخذ الوديعة لغرض المالك، فكانت المشابهة بين المستعار وبين المستام أتم، فظهر الفرق بين المستعار وبين المودع.
حجة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضمان على مؤتمن».
قلنا: إنه مخصوص في المستام، فكذا في العارية، ولأن دليلنا ظاهر القرآن وهو أقوى.
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الامانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فأديت ذلك الحق اليه فهذا هو الأمانة، والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب لانسان على غيره حق فأمرت من وجب عليه ذلك الحق بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بغيره، لا جرم أنه تعالى ذكر الأمر بالامانة أولا، ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق، فما أحسن هذا الترتيب، لأن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط.
المسألة الثانية: أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل قال تعالى: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ﴾ والتقدير: إن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.
وقال: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ وقال: ﴿ ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق ﴾ وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت».
وعن الحسن قال: ان الله أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا.
ثم قرأ ﴿ ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى ﴾ وقرأ إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون إلى قوله: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم قال تعالى: ﴿ احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «ينادي منادي يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة، فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار».
وقال أيضا: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون ﴾ وقال: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ ﴾ .
فإن قيل: الغرض من الظلم منفعة الدنيا.
فأجاب الله عن السؤال بقوله: ﴿ لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين ﴾ .
المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء: في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والاقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم عليهما قال: والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب، فان كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه.
قال: ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته، ولا شاهدا شهادته لأن ذلك يضر بأحد الخصمين، ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف، ولا يلقن المدعي عليه الانكار والاقرار، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا، ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يضيف الخصم الا وخصمه معه.
وتمام الكلام فيه مذكور في كتب الفقه، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ﴾ .
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ﴾ كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم، بل ذلك لبعضهم، ثم بقيت الآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما ولما دلت سائر الدلائل على أنه لابد للأمة من الإمام الأعظم، وأنه هو الذي ينصب القضاة والولاة في البلاد، صارت تلك الدلائل كالبيان لما في هذه الآية من الاجمال.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ أي نعم شيء يعظكم به، أو نعم الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، أي نعم شيء يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل.
ثم قال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ أي اعملوا بأمر الله ووعظه فانه أعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم، وفيه دقيقة أخرى، وهي أنه تعالى لما أمر في هذه الآيات بالحكم على سبيل العدل وبأداء الأمانة قال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ أي إذا حكمت بالعدل فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك، ولا شك أن هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي، وإليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «اعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك».
وفيه دقيقة أخرى، وهي أن كلما كان احتياج العبد أشد كانت عناية الله أكمل، والقضاة والولاة قد فوض الله إلى أحكامهم مصالح العباد، فكان الاهتمام بحكمهم وقضائهم أشد، فهو سبحانه منزه عن الغفلة والسهو والتفاوت في ابصار المبصرات وسماع المسموعات، ولكن لو فرضنا أن هذا التفاوت كان ممكنا لكان أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان هو وقت حكم الولاة والقضاة، فلما كان هذا الموضع مخصوصا بمزيد العناية لا جرم قال في خاتمة هذه الآية: ﴿ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ فما أحسن هذه المقاطع الموافقة لهذه المطالع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ظَلِيلاً ﴾ صفة مشتقة من لفظ الظلّ لتأكيد معناه.
كما يقال: ليل أليل.
ويوم أيوم، وما أشبه ذلك.
وهو ما كان فينانا لا جوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجسجاً لا حرّ فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة.
رزقنا الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ سيدخلهم ﴾ بالياء ﴿ أَن تُؤدُّاْ الأمانات ﴾ الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة.
وقيل نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار وكان سادن الكعبة.
وذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده.
وأخذه منه وفتح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين.
فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة.
فنزلت، فأمر علياً أن يردّه إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعليّ: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟
فقال: لقد أنزل الله في شأنك قرآناً، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبداً.
وقيل: هو خطاب للولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل.
وقرئ: ﴿ الأمانة ﴾ ، على التوحيد ﴿ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ (ما) إما أن تكون منصوبة موصوفة بيعظكم به، وإما أن تكون مرفوعة موصولة به، كأنه قيل: نعم شيئاً يعظكم به.
أو نعم الشيء الذي يعظكم به.
والمخصوص بالمدح محذوف، أي نعمّا يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم.
وقرئ ﴿ نعما ﴾ بفتح النون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ المُكَلَّفِينَ والأماناتِ وإنْ نَزَلَتْ يَوْمَ الفَتْحِ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ لَمّا أغْلَقَ بابَ الكَعْبَةِ، وأبى أنْ يَدْفَعَ المِفْتاحَ لِيَدْخُلَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ فَلَوى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ وفَتَحَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُعْطِيَهُ المِفْتاحَ ويَجْمَعَ لَهُ السِّقايَةَ والسَّدانَةَ.
فَنَزَلَتْ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ، فَأمَرَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَرُدَّهُ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِ ونَزَلَ الوَحْيُ بِأنَّ السَّدانَةَ في أوْلادِهِ أبَدًا ﴿ وَإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ ﴾ أيْ وأنْ تَحْكُمُوا بِالإنْصافِ والسَّوِيَّةِ إذا قَضَيْتُمْ بَيْنَ مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ أمْرُكُمْ، أوْ يَرْضى بِحُكْمِكم ولِأنَّ الحُكْمَ وظِيفَةُ الوُلاةِ قِيلَ الخِطابُ لَهم.
﴿ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ ﴾ أيْ نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ، أوْ نِعْمَ الشَّيْءُ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ فَما مَنصُوبَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِ يَعِظُكم بِهِ.
أوْ مَرْفُوعَةٌ مَوْصُولَةٌ بِهِ.
والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ وهو المَأْمُورُ بِهِ مِن أداءِ الأماناتِ والعَدْلِ في الحُكُوماتِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ بِأقْوالِكم وأحْكامِكم وما تَفْعَلُونَ في الأماناتِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم خاطب الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل بقوله {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا} وقيل قد دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس} قضيتم {أَن تَحْكُمُواْ بالعدل} بالسوية والإنصاف وقيل إن عثمان بن طلحة بن عبد الدار كان سادن الكعبة وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه مفتاح الكعبة فلما نزلت الآية أمر عليا رضى الله عنه بأن يرده إليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أنزل الله في شأنك قرآناً وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان فهبط جبريل عليه السلام وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبداً {إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} ما نكرة منصوبة موصوفة ببعظكم به كأنه قيل نعم شيئاً يعظكم به أو موصولة مرفوعة المحل صلتها ما بعدها أى نعم الشئ الذي يعظكم به والمخصوص بالمدح محذوف أي نعّما يعظكم به ذلك وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم وبكسر النون وسكون العين مدني وأبو عمرو وبفتح النون وكسر العين شامي وحمزة وعلي {إِنَّ الله كان سميعا} لاقوالكم {بصيرا} بأعمالكم
النساء (٥٩ _ ٦١)
﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ دَعا عُثْمانَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ فَلَمّا أتاهُ قالَ: أرِنِي المِفْتاحَ، فَأتاهُ بِهِ، فَلَمّا بَسَطَ يَدَهُ إلَيْهِ، قامَ العَبّاسُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي اجْعَلْهُ لِي مَعَ السِّقايَةِ، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أرِنِي المِفْتاحَ يا عُثْمانُ، فَبَسَطَ يَدَهُ يُعْطِيهِ، فَقالَ العَبّاسُ مِثْلَ كَلِمَتِهِ الأُولى، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: يا عُثْمانُ إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَهاتِنِي المِفْتاحَ، فَقالَ: هاكَ بِأمانَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقامَ فَفَتَحَ الكَعْبَةَ فَوَجَدَ فِيها تِمْثالَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهُ قِداحٌ يَسْتَقْسِمُ بِها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : ما لِلْمُشْرِكِينَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وما شَأْنُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشَأْنُ القِداحِ، وأزالَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ في الكَعْبَةِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ هَذِهِ القِبْلَةُ، ثُمَّ خَرَجَ فَطافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما ذُكِرَ لَنا بِرَدِّ المِفْتاحِ، فَدَعا عُثْمانَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ فَأعْطاهُ المِفْتاحَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ﴾ الآيَةَ».
وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ حِينَ أُعْطِيَ المِفْتاحَ: «خُذُوها يا بَنِي طَلْحَةَ خالِدَةً تالِدَةَ لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ» يَعْنِي سِدانَةَ الكَعْبَةِ».
وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ: أنَّ عُثْمانَ دَفَعَ المِفْتاحَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أخِيهِ شَيْبَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَهو في يَدِ ولَدِهِ إلى اليَوْمِ، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ والبَغْوِيُّ والواحِدِيُّ «أنَّ عُثْمانَ امْتَنَعَ عَنْ إعْطاءِ المِفْتاحِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ، فَلَوى عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الكَعْبَةَ، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ أنْ يَجْمَعَ لَهُ السِّدانَةَ والسِّقايَةَ فَنَزَلَتْ، فَأمَرَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنْ يَرُدَّ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِ، ونُزُولِ الوَحْيِ بِأنَّ السِّدانَةَ في أوْلادِهِ أبَدًا»» وما ذَكَرْناهُ أوْلى بِالِاعْتِبارِ.
أمّا أوَّلًا: فَلِما قالَ الأشْمُونِيُّ: إنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ أهْلِ السِّيَرِ أنَّ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ أسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ في هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ، مَعَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وعَمْرِو بْنِ العاصِ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، وجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ، والنَّوَوِيُّ في تَهْذِيبِهِ، والذَّهَبِيُّ وغَيْرُهم.
وأمّا ثانِيًا: فَلِما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ هو الصَّحِيحُ.
وأما ثالِثًا: فَلِأنَّ المِفْتاحَ عَلى هَذا لا يُعَدُّ أمانَةً؛ لِأنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أخَذَهُ مِنهُ قَهْرًا، وما هَذا شَأْنُهُ هو الغَصْبُ لا الأمانَةُ، والقَوْلُ بِأنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ أمانَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ نَزْعَهُ مِنهُ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الغاصِبَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كالمُؤْتَمَنِ في قَصْدِ الرَّدِّ، أوْ إلى أنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - لَمّا قَصَدَ بِأخْذِهِ الخَيْرَ - وكانَ أيْضًا بِأمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جُعِلَ كالمُؤْتَمَنِ في أنَّهُ لا ذَنْبَ عَلَيْهِ، لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.
وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ يَعُمُّ كُلَّ أحَدٍ، كَما أنَّ الأماناتِ - وهي جُمَعُ أمانَةٍ - مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ، نَعَمِ، الحُقُوقُ المُتَعَلِّقَةُ بِذِمَمِهِمْ مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وحُقُوقِ العِبادِ سَواءٌ كانَتْ فِعْلِيَّةً أوْ قَوْلِيَّةً أوِ اعْتِقادِيَّةً، وعُمُومُ الحُكْمِ لا يُنافِي خُصُوصَ السَّبَبِ، وقَدْ رُوِيَ ما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذا خِطابٌ لِوُلاةِ الأمْرِ أنْ يَقُومُوا بِرِعايَةِ الرَّعِيَّةِ، وحَمْلِهِمْ عَلى مُوجِبِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ تَوْلِيَةَ المَناصِبِ مُسْتَحِقِّيها، وجَعَلُوا الخِطابَ الآتِيَ لَهم أيْضًا.
وفِي تَصْدِيرِ الكَلامِ بِـ(إنَّ) الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ، وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وإيرادِ الأمْرِ عَلى صُورَةِ الإخْبارِ مِنَ الفَخامَةِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ، والدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ولِهَذا ورَدَ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: ««لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ»».
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««أرْبَعٌ إذا كُنَّ فِيكَ فَلا عَلَيْكَ فِيما فاتَكَ مِنَ الدُّنْيا: حِفْظُ أمانَةٍ، وصِدْقُ حَدِيثٍ، وحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وعِفَّةُ طُعْمَةٍ»».
وأخْرَجَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ: «ثَلاثٌ تُؤَدَّيْنَ إلى البَرِّ والفاجِرِ: الرَّحِمُ تُوصَلُ بَرَّةً كانَتْ أوْ فاجِرَةً، والأمانَةُ تُؤَدّى إلى البَرِّ والفاجِرِ، والعَهْدُ يُوَفّى بِهِ لِلْبَرِّ والفاجِرِ».
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ وإنْ صامَ وصَلّى وزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ»،» والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وقُرِئَ: (الأمانَةَ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ لا المَعْهُودُ، أيْ يَأْمُرُكم بِأداءِ أيِّ أمانَةٍ كانَتْ.
﴿ وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ ﴾ أمْرٌ بِإيصالِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِ الغَيْرِ إلى أصْحابِها إثْرَ الأمْرِ بِإيصالِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِهِمْ، فالواوُ لِلْعَطْفِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ (أنْ) وهو مَعْطُوفٌ عَلى (أنْ تُؤَدُّوا) والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: ويَأْمُرُكم (أنْ تَحْكُمُوا) بِالإنْصافِ والسَّوِيَّةِ، أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِذَلِكَ إذا قَضَيْتُمْ بَيْنَ النّاسِ مِمَّنْ يَنْفُذُ عَلَيْهِ أمْرُكم أوْ يَرْضى بِحُكْمِكُمْ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى جَوازَ تَقَدُّمِ الظَّرْفِ المَعْمُولِ لِما في حَيِّزِ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ عَلَيْهِ، والفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، وفي التَّسْهِيلِ: الفَصْلُ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا بِالظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ جائِزٌ ولَيْسَ ضَرُورَةً خِلافًا لِأبِي عَلِيٍّ، ولِقِيامِ الخِلافِ في المَسْألَةِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، أيْ: وأنْ تَحْكُمُوا إذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا لِيَسْلَمَ مِمّا تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ تَأْدِيَةَ الأمانَةِ لَيْسَتْ وقْتَ الحُكُومَةِ، والمُرادُ بِالحُكْمِ ما كانَ عَنْ وِلايَةٍ عامَّةٍ أوْ خاصَّةٍ، وأدْخَلُوا في ذَلِكَ ما كانَ عَنْ تَحْكِيمٍ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ صَبِيَّيْنِ ارْتَفَعا إلى الحَسَنِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ابْنِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في خَطٍّ كَتَباهُ، وحَكَّماهُ في ذَلِكَ لِيَحْكُمَ أيُّ الخَطَّيْنِ أجْوَدُ، فَبَصُرَ بِهِ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: يا بُنَيَّ انْظُرْ كَيْفَ تَحْكُمُ؛ فَإنَّ هَذا حُكْمٌ، واللَّهُ تَعالى سائِلُكَ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، مُتَضَمِّنَةٌ لِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِالمُخاطَبِينَ، وحَسَنِ اسْتِدْعائِهِمْ إلى الِامْتِثالِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الأعْظَمِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةَ، وهو اسْمُ (إنَّ) وجُمْلَةُ (نِعِمّا يَعِظُكُمْ) خَبَرُها و(ما) إمّا بِمَعْنى الشَّيْءِ مَعْرِفَةً تامَّةً و(يَعِظُكُمْ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ وهو المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ، أيْ: نِعْمَ الشَّيْءُ شَيْءٌ يَعِظُكم بِهِ، ويَجُوزُ نِعْمَ هو أيِ الشَّيْءُ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، وما بَعْدَها صِلَتُها، وهو فاعِلٌ (نِعْمَ) والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْضًا، أيْ: نِعْمَ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ تَأْدِيَةُ الأمانَةِ والحُكْمُ بِالعَدْلِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ فاعِلَ نِعْمَ إذا كانَ مُظْهَرًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُحَلّى بِلامِ الجِنْسِ، أوْ مُضافًا إلَيْهِ، كَما في المُفَصَّلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ سِيبَوَيْهِ جَوَّزَ قِيامَ (ما) إذا كانَتْ مَعْرِفَةً تامَّةً مَقامُهُ، وابْنُ السَّرّاجِ أيْضًا جَوَّزَ قِيامَ المَوْصُولَةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى المُعَرَّفِ بِاللّامِ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِوُقُوعِ (ما) تَمْيِيزًا بِأنَّها مُساوِيَةٌ لِلْمُضْمَرِ في الإبْهامِ فَلا تُمَيِّزُهُ؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ لِبَيانِ جِنْسِ المُمَيَّزِ، وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِها مُساوِيَةً لَهُ؛ لِأنَّ المُرادَ بِها شَيْءٌ عَظِيمٌ، والضَّمِيرُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ (ما) كافَّةٌ، فَتَدَبَّرْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيما في (نِعِمّا) مِنَ القِرَءاتِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا ﴾ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ ومِنها أقْوالُكم ﴿ بَصِيرًا ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِن ذَلِكَ أفْعالُكُمْ، فَفي الجُمْلَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «سَوِّ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ في لِحْظِكَ ولَفْظِكَ»».
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وذلك أن مفتاح الكعبة كان في يد بني شيبة، وكانت السقاية في يد بني هاشم، فلما فتح رسول الله مكة دعا عثمان بن طلحة وقال له: هات المفتاح.
فخشي عثمان أن يعطيه إلى عمه العباس، فجاء بالمفتاح وقال لرسول الله : خذه بأمانة الله: فدخل رسول الله البيت، فإذا فيه تمثال إبراهيم مصور على الحائط، وبيده قداح، وعنده إسماعيل والكبش مصوران، فقال رسول الله : «قَاتَلَ الله الكُفَّارَ مَا لإبْرَاهِيمَ والقِدَاحِ» فأمر بالصور فمحيت، فقضى حاجته من البيت ثم خرج، فطلب منه العباس بأن يدفع إليه المفتاح، فنزلت هذه الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ثم صارت الآية عامة لجميع الناس برد الأمانات إلى أهلها.
ويقال: نزلت في شأن اليهود، حيث كتموا نعت محمد ، وكانت أمانة عندهم فمنعوها.
ويقال: هذا أمر لجميع المسلمين بأداء الفرائض وجميع الطاعات، لأنها أمانة عندهم كقوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ- إِلَى قَوْلُهُ- وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ.
ثم قال تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ يقول: بالحق، وقال الضحاك: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أي بين القوم أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ أي بالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ يعني يأمركم بالعدل والنصيحة، والاستقامة، وأداء الأمانة إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بمقالة العباس بَصِيراً بردِّ المفتاح إلى أهله.
قرأ ابن عامر والكسائي وحمزة نِعِمَّا بنصب النون وكسر العين والاختلاف فيه كالاختلاف الذي في سورة البقرة، وذلك قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ أي في الفرائض وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي في السنن.
ويقال: أطيعوا الله فيما فرض، وأطيعوا الرسول فيما بيّن.
ويقال أَطِيعُوا اللَّهَ بقول لا إله إلا الله، وأطيعوا الرسول بقول محمد رسول الله وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.
يعني: أطيعوا أولي الأمر منكم.
قال الكلبي ومقاتل: يعني: أمراء السرايا.
وقال الضحاك: يعني: الفقهاء والعلماء في الدين.
ويقال: الخلفاء والأمراء.
ويجب طاعتهم ما لم يأمروا بالمعصية.
قوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ من الحلال والحرام والشرائع فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ يعني إلى أمر الله فيما يأمر بالوحي، وإلى أمر الرسول فيما يخبر عن الوحي، ثم بعد النبيّ لما انقطع الوحي يرد إلى كتاب الله تعالى، وإلى سنة رسول عليه الصلاة والسلام.
ويقال: معناه إذا أشكل عليكم شيء، فقولوا: الله ورسوله أعلم.
وهذا كما قال عمر بن الخطاب : الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
وقال الخليل بن أحمد البصري: الناس أربعة: رجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فهذا أحمق فاجتنبوه.
ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فهذا جاهل فعلِّموه.
ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فهذا نائم فأيقظوه.
ورجل يدري وهو يدري أنه يدري، فهذا عالم فاتبعوه.
ثم قال تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني إن كنتم تصدقون بالله واليوم الآخر ثم قال: ذلِكَ خَيْرٌ أي الرد إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله خير من الاختلاف وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي وأحسن عاقبة.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة إلى أهلها، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه، فإن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمرنا بطاعتهم.
وقال مجاهد: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ العلماء والفقهاء، وهكذا روي عن جابر.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ...
الآية: لما تقدَّم في الآية وصْفُ المَرَدَةِ مِنْ بني إسرائيل وذِكْرُ أفعالهم وذُنُوبِهِمْ، جاءَتْ هذه الآيةُ بالوَعيدِ النَّصِّ لهم بلفظٍ جَلِيٍّ عَامٍّ لهم ولغيرهم مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم من الكفرة، واختلف في معنى تَبْدِيل الجُلُودِ.
فقالت فرقةٌ: تُبَدَّلُ عليهم جُلُودٌ أغْيَارٌ إذْ نفوسُهم هي المعذَّبة، والجلودُ لا تَأْلَمُ في ذَاتِها، وقالتْ فرقة: تبديلُ الجُلُودِ هو إعادَةُ ذلك الجِلْدِ بعينِهِ الذي كان في الدُّنيا، وإنما سَمَّاه تبديلاً لأنَّ أوصافه تتغيَّر، قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَن: تُبَدَّلُ علَيْهم في اليومِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ (عافَانا اللَّه مِنْ عذابِهِ برَحْمَتِهِ) «١» .
ولما ذكر سبحانه وعيدَ الكُفَّار، عَقَّبَ بوَعْد المُؤْمنين بالجَنَّة على الإيمان والأعمال الصّالحة، وظَلِيلًا: معناه عند بعضهم: يَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، ويصحُّ أنْ يريدَ أنه ظِلٌّ لا يستحيلُ ولا يتنقَّلُ، وصح وصفه بظَلِيلٍ لامتداده، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادُ المُضَمَّرُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ مَا يَقْطَعُهَا» «٢» ، وَرَأَيْتُ لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ وذكر الطبريُّ في كتابه، قال: لما خَلَق اللَّهُ عزَّ وجلَّ الجنَّةَ، قالَ لَهَا: امتدي، فقَالَتْ: يا ربِّ، كم، وإلى كم؟
فقال لها: امتدي مائة ألف سنة، فامتدت، ثم قال لها: امتدي، فقالت: يا رب: كم، وإلى كم؟
فقال لها: امتدي مائة ألف سنة، فامتدت، ثم قال لها:
امتدي، فقالت: يا رب: كم، وإلى كَمْ؟
فَقَالَ لَهَا: امتدي مِقْدَار رَحْمَتِي، فامتدت، فَهِيَ تَمْتَدُّ أَبَدَ الآبِدِينَ، فَلَيْسَ لِلجَنَّةِ طَرَفٌ كَمَا أنَّهُ لَيْسَ لِرَحْمَةِ اللَّهِ طَرَفٌ.
انتهى، فهذا لا يُعْلَمُ إلا من جهة السَّمْع، فهو ممَّا اطلع عليه الطبريُّ، وهو إمامٌ حافظٌ محدِّثٌ ثقةٌ قاله الخطيبُ أحمدُ بن عليّ بن ثابت.
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ...
الآية: قال ابن
جريج وغيره «١» : الآية خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أمر مِفْتَاحِ الكَعْبَةِ حين أخذه من عُثْمَانَ بْنِ طَلْحة «٢» ، ومن ابن عَمِّه شَيْبَة، فطلبه العَبَّاس بْنُ عَبْدِ المطَّلب «٣» لِيُضِيفَ السَّدَانَةَ إلى السّقاية، فدخل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الكعبةَ، وكَسَرَ ما كَانَ فيها من الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقَامَ إبراهيمَ، وَنَزَلَ عليه جِبْرِيلُ بهذه الآية، قال عمر بنُ الخَطَّاب: فخرج النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو يقرأُ هذه الآيةَ، وما كُنْتُ سَمْعْتُهَا قَبْلُ مِنْهُ، فَدَعَا عُثْمَانَ وشَيْبَةَ، فَقَالَ لَهُمَا: خُذَاهَا خَالِدَةً تَالِدَةً، لاَ يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلاَّ ظَالِمٌ «٤» ، ثم الآيةُ بَعْدُ تتناوَلُ الوُلاَةَ فِيمَا لَدَيْهم مِنَ الأماناتِ في قِسْمة الأموال، وَردِّ الظُّلاَمَاتِ، وعَدْلِ الحكوماتِ، وتتناول مَنْ دونهم مِنَ النّاس في حفظ
الودائِعِ، والتحرُّز في الشهاداتِ، وغيرِ ذلك كالرجُلِ يُحَكَّمُ في نازلةٍ مَّا ونحوه، والصَّلاةُ والزكاةُ والصِّيامُ وسائرُ العباداتِ أماناتٌ للَّه تعالى، قال ابنُ العَرَبَيِّ/ في «أحكامه» : هذه الآيةُ في أداء الأمَانَةِ، والحكْم بين الناس- عامَّة في الوُلاَة والخَلْق لأنَّ كُلَّ مسلمٍ عَالِمٌ، بل كلّ مسلم حاكم، ووال، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «المُقْسِطُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي أنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» «١» وقال صلّى الله عليه وسلّم: «كلّكم راع وكلّكم مسئول عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وهو مسئول عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالٍ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مسئول عنه، وكلّكم راع، وكلّكم مسئول عَنْ رَعِيَّتِهِ» «٢» ، فهذه الأحاديثُ الصحيحةُ تدلُّ على ما قلناه.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
.
أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ، طَلَبَ مِفْتاحَ البَيْتِ مِن عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَذَهَبَ لِيُعْطِيَهُ إيّاهُ، فَقالَ: العَبّاسُ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي اجْمَعْهُ لِي مَعَ السِّقايَةِ، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ مَخافَةَ أنْ يُعْطِيَهُ لِلْعَبّاسِ، فَقالَ: النَّبِيُّ : "هاتِ المِفْتاحَ" فَأعادَ العَبّاسُ قَوْلَهُ، وكَفَّ عُثْمانُ، فَقالَ: النَّبِيُّ : "أرِنِي المِفْتاحَ إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآَخِرِ" فَقالَ: هاكِهِ يا رَسُولَ اللَّهِ بِأمانَةِ اللَّهِ، فَأخَذَ المِفْتاحَ، فَفَتَحَ البَيْتَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآَيَةِ، فَدَعا عُثْمانَ، فَدَفَعَهُ إلَيْهِ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأُمَراءِ.
رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ، ومَكْحُولٌ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وقالَ: أمَرَ الأُمَراءَ أنْ يُؤَدُّوا الأمانَةَ في أمْوالِ المُسْلِمِينَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
واعْلَمْ أنَّ نُزُولَها عَلى سَبَبٍ لا يَمْنَعُ عُمُومَ حُكْمِها، فَإنَّها عامَّةٌ في الوَدائِعِ وغَيْرِها مِنَ الأماناتِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأمانَةُ في الوُضُوءِ، وفي الصَّلاةِ، وفي الصَّوْمِ، وفي الحَدِيثِ، وأشَدُّ ذَلِكَ في الوَدائِعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ ﴾ يَقُولُ: نِعِمَّ الشَّيْءُ يَعِظُكم بِهِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في (البَقَرَةِ) .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهَ والرَسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ، وابْنُ زَيْدٍ، هَذا خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهُوَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَرائِهِ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن بَعْدَهم.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: ذَلِكَ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ خاصَّةً في أمْرِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ حِينَ أخَذَهُ مِن عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ العَبْدَرِيِّ، ومِنِ ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَطَلَبَهُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِتَنْضافَ لَهُ السِدانَةُ إلى السِقايَةِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ الكَعْبَةَ فَكَسَرَ ما كانَ فِيها مِنَ الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وما كُنْتُ سَمِعْتُها قَبْلُ مِنهُ، فَدَعا عُثْمانَ وشَيْبَةَ فَقالَ لَهُما: « "خُذاها خالِدَةً تالِدَةً لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ"،» وحَكى مَكِّيُّ أنَّ شَيْبَةَ أرادَ ألّا يَدْفَعَ المِفْتاحَ، ثُمَّ دَفَعَهُ وقالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: خُذْهُ بِأمانَةِ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِ ألْفاظِ هَذا الخَبَرِ زِيادَةً ونُقْصانًا، إلّا أنَّهُ المَعْنى بِعَيْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ في الوُلاةِ بِأنْ يَعِظُوا النِساءَ في النُشُوزِ ونَحْوِهِ، ويَرُدُّوهُنَّ إلى الأزْواجِ، والأظْهَرُ في الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الناسِ، ومَعَ أنَّ سَبَبَها ما ذَكَرْناهُ فَهي تَتَناوَلُ الوُلاةَ فِيما إلَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ في قِسْمَةِ الأمْوالِ، ورَدِّ الظُلاماتِ وعَدْلِ الحُكُوماتِ وغَيْرِهِ، وتَتَناوَلُهم ومَن دُونَهم مِنَ الناسِ في حِفْظِ الوَدائِعِ والتَحَرُّزِ في الشَهاداتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، كالرَجُلِ يَحْكُمُ في نازِلَةٍ ما ونَحْوِهِ، والصَلاةُ والزَكاةُ والصِيامُ وسائِرُ العِباداتِ أماناتٌ لِلَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُرَخِّصِ اللهُ لِمُوسِرٍ ولا مُعْسِرٍ أنْ يُمْسِكَ الأمانَةَ.
وَ"نِعِمّا" أصْلُهُ: نِعْمَ ما، سُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتْ في الثانِيَةِ، وحُرِّكَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وخُصَّتْ بِالكَسْرِ إتْباعًا لِلنُّونِ، و"ما" المُرْدَفَةُ عَلى "نِعْمَ" إنَّما هي مُهَيِّئَةٌ لِاتِّصالِ الفِعْلِ بِها، كَما هي في "رُبَّما" و"مِمّا" في قَوْلِهِ: « "وَكانَ رَسُولُ اللهِ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"» وكَقَوْلِ الشاعِرِ: وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ ونَحْوِهِ، وفي هَذا هي بِمَنزِلَةِ "رُبَّما"، وهي لَها مُخالِفَةٌ في المَعْنى، لِأنَّ "رُبَّما" مَعْناها التَقْلِيلُ، و"مِمّا" مَعْناها التَكْثِيرُ، ومَعَ أنَّ "ما" مُوَطِّئَةٌ فَهي بِمَعْنى "الَّذِي" وما وطَّأتْ إلّا وهي اسْمٌ، ولَكِنَّ القَصْدَ إنَّما هو لِما يَلِيها مِنَ المَعْنى الَّذِي في الفِعْلِ.
وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالسَمْعِ والبَصَرِ لِأنَّها في الشاهِدِ مُحَصِّلاتُ ما يَفْعَلُ المَأْمُورُ فِيما أُمِرَ بِهِ.
وقوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ ﴾ ، لَمّا تَقَدَّمَ إلى الوُلاةِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، تَقَدَّمَ في هَذِهِ إلى الرَعِيَّةِ، فَأمَرَ بِطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهِيَ: امْتِثالُ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وطاعَةُ رَسُولِهِ، وطاعَةُ الأُمَراءِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: أُولُو الأمْرِ: أهْلُ القُرْآنِ والعِلْمِ، فالأمْرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، إشارَةٌ إلى القُرْآنِ والشَرِيعَةِ، أيْ: أُولِي هَذا الأمْرِ وهَذا الشَأْنِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الإشارَةُ هُنا بِأُولِي الأمْرِ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ خاصَّةً، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّها إشارَةٌ إلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما خاصَّةً، وفي هَذا التَخْصِيصِ بُعْدٌ.
وحَكى بَعْضُ مَن قالَ: "إنَّهُمُ الأُمَراءُ": أنَّها نَزَلَتْ في أُمَراءِ رَسُولِ اللهِ ، وكانَ السَبَبُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيها عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأمِيرُها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَقَصَدُوا قَوْمًا مِنَ العَرَبِ، فَأتاهم نَذِيرٌ فَهَرَبُوا تَحْتَ اللَيْلِ، وجاءَ مِنهم رَجُلٌ إلى عَسْكَرِ خالِدٍ، فَدَخَلَ إلى عَمّارٍ فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ، إنَّ قَوْمِي قَدْ فَرُّوا، وإنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَإنْ كانَ يَنْفَعُنِي إسْلامِي بَقِيتُ، وإلّا فَرَرْتُ، فَقالَ لَهُ عَمّارٌ: هو يَنْفَعُكَ فَأقِمْ، فَلَمّا أصْبَحُوا أغارَ خالِدٌ فَلَمْ يَجِدْ سِوى الرَجُلِ المَذْكُورِ، فَأخَذَهُ وأخَذَ مالَهُ، فَجاءَ عَمّارٌ فَقالَ: خَلِّ عَنِ الرَجُلِ فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، وإنَّهُ في أمانٍ مِنِّي، فَقالَ خالِدٌ: وأنْتَ تُجِيرُ؟
فاسْتَبّا وارْتَفَعا إلى رَسُولِ اللهِ فَأجازَ أمانَ عَمّارٍ، ونَهاهُ أنْ يُجِيرَ الثانِيَةَ عَلى أمِيرٍ، واسْتَبّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ، فَقالَ خالِدٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أتَتْرُكُ هَذا العَبْدَ الأجْدَعَ يَسُبُّنِي؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ "يا خالِدُ، لا تَسُبَّ عَمّارًا، فَإنَّهُ مَن سَبَّ عَمّارًا سَبَّهُ اللهُ، ومَن أبْغَضَ عَمّارًا أبْغَضَهُ اللهُ، ومَن لَعَنَ عَمّارًا لَعَنَهُ اللهُ"، فَغَضِبَ عَمّارٌ فَقامَ فَذَهَبَ، فَتَبِعَهُ خالِدٌ حَتّى اعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَتَراضَيا، فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَوْلَهُ: ﴿ أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ ﴾ »، وطاعَةُ الرَسُولِ هِيَ: اتِّباعُ سُنَّتِهِ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: وأطِيعُوا الرَسُولَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ وسُنَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
"فَإنْ تَنازَعْتُمْ"، المَعْنى: فَإنْ تَنازَعْتُمْ فِيما بَيْنَكُمْ، أو أنْتُمْ وأُمَراؤُكُمْ، ومَعْنى التَنازُعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْتَزِعُ حُجَّةَ الآخَرِ ويُذْهِبُها.
والرَدُّ إلى اللهِ: هو النَظَرُ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والرَدُّ إلى الرَسُولِ: هو سُؤالُهُ في حَياتِهِ، والنَظَرُ في سُنَّتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والأعْمَشِ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ، وهو الصَحِيحُ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: قُولُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَهَذا هو الرَدُّ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ بَعْضُ وعِيدٍ، لِأنَّ فِيهِ جَزاءَ المُسِيءِ العاتِي، وخاطَبَهم بِـ ﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ ﴾ وهم قَدْ كانُوا آمَنُوا، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، لِيَتَأكَّدَ الإلْزامُ.
و"تَأْوِيلًا" مَعْناهُ: مَآلًا، عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: أحْسَنُ جَزاءً.
قالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى أحْسَنُ عاقِبَةً.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: إنَّ اللهَ ورَسُولَهُ أحْسَنُ نَظَرًا وتَأوُّلًا مِنكم إذا انْفَرَدْتُمْ بِتَأوُّلِكم.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي قصد منه الإفاضة في بيان شرائع العدل والحكم، ونظام الطاعة، وذلك من الأغراض التشريعية الكبرى التي تضمّنتها هذه السورة، ولا يتعيّن تطلّب المناسبة بينه وبين ما سبقه، فالمناسبة هي الانتقال من أحكام تشريعية إلى أحكام أخرى في أغراض أخرى.
وهنا مناسبة، وهي أنّ ما استطرد من ذكر أحوال أهل الكتاب في تحريفهم الكلم عن مواضعه، وليّهم ألسنتهم بكلمات فيها توجيه من السبّ، وافترائهم على الله الكذب، وحسدهم بإنكار فضل الله إذ آتاه الرسول والمؤمنين، كلّ ذلك يشتمل على خيانة أمانة الدين، والعلم، والحقّ، والنعمة، وهي أمانات معنويّة، فناسب أن يعقب ذلك بالأمر بأداء الأمانة الحسيّة إلى أهلها ويتخلّص إلى هذا التشريع.
وجملة ﴿ إنّ الله يأمركم ﴾ صريحة في الأمر والوجوب، مثل صراحة النهي في قوله في الحديث «إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم».
(وإنّ) فيها لمجرد الاهتمام بالخبَر لظهور أنّ مثل هذا الخبر لا يقبل الشكّ حتّى يؤكّد لأنّه إخبار عن إيجاد شيء لا عن وجوده، فهو والإنشاء سواء.
والخطاب لكلّ من يصلح لتلقّي هذا الخطاب والعمل به من كلّ مؤتمن على شيء، ومن كلّ من تولّى الحكم بين الناس في الحقوق.
والأداء حقيقة في تسليم ذات لمن يستحقّها، يقال: أدّى إليْه كذا، أي دفعه وسلّمه، ومنه أداء الدَّين.
وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ من إن تأمنّه بقنطار يؤدّه إليك ﴾ في سورة آل عمران (75).
وأصل أدَّى أن يكون مضاعفَ أدَى بالتخفيف بمعنى أوصل، لكنّهم أهمْلوا أدى المخفّف واستغنوا عنه بالمضاعف.
ويطلق الأداء مجازاً على الاعتراف والوفاء بشيء.
وعلى هذا فيطلق أداء الأمانة على قَول الحقّ والاعتراف به وتبليغ العلم والشريعة على حقّها، والمراد هنا هو الأوّل من المعنيين، ويعرف حكم غيره منهما أو من أحدهما بالقياس عليه قياس الأدْوَن.
والأمانة: الشيء الذي يجعله صاحبه عند شخص ليحفظه إلى أن يطلبه منه، وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى ﴿ فليؤدّ الذي ائتمن أمانَتهُ ﴾ في سورة البقرة (283).
وتطلق الأمانة مجازاً على ما يجب على المكلّف إبلاغه إلى أربابه ومُستحقيه من الخاصّة والعامّة كالدّين والعلم والعهود والجوار والنصيحة ونحوها، وضدّها الخيانة في الإطلاقين.
والأمر للوجوب.
والأمانات من صيغ العموم، فلذلك قال جمهور العلماء فيمن ائتمنه رجل على شيء وكان للأمين حقّ عند المؤتَمَن جحدهُ إيّاه: إنّه لا يجوز له أخذ الأمانة عوض حقّه لأنّ ذلك خيانة، ومنعه مالك في المدوّنة، وعن ابن عبد الحكم: أنه يجوز له أن يجحده بمقدار ما عليه له، وهو قول الشافعي.
قال الطبري عن ابن عباس، وزيد بن أسلم، وشَهْر بن حَوشب، ومكحول: أنّ المخاطب ولاة الأمور، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها.
وقيل: نزلت في أمر عثمان بن طلحة بن أبي طلحة.
وأهل الأمانة هم مستحقّوها، يقال: أهل الدار، أي أصحابها.
وذكر الواحدي في أسباب النزول، بسند ضعيف: أنّ الآية نزلت يوم فتح مكة إذ سَلَّم عثمان بن طلحة ابننِ أبي طلحة العبدري الحَجَبي مفتاحَ الكعبة للنبيء صلى الله عليه وسلم وكانت سدانة الكعبة بيده، وهو من بني عبد الدار وكانت السدانةُ فيهم، فسأل العباس بن عبد المطلب من رسول الله أن يجعل له سدانة الكعبة يضمها مع السقاية وكانت السقاية بيده، وهي في بني هاشم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة وابنَ عمّه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فدفع لهما مفتاح الكعبة وتلا هذه الآية، قال عمر بن الخطاب: وما كنت سمعتُها منه قبلَ ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن طلحة «خذوها خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلاّ ظالم» ولم يكن أخْذ النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة أخذَ انتزاع، ولكنّه أخذه ينتظر الوحي في شأنه، لأنّ كون المفتاح بيد عثمان بن طلحة مستصحَب من قبل الإسلام، ولم يغيّر الإسلامُ حوزه إيّاه، فلمّا نزلت الآية تقرّر حقّ بني عبد الدار فيه بحكم الإسلام، فبقيت سدانة الكعبة في بني عبد الدار، ونزل عثمان بن طلحة عنها لابن عمّه شيبةَ بننِ عثمان، وكانت السدانة من مناصب قريش في الجاهلية فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم بعضها في خطبة يوممِ الفتح أو حجّةِ الوداع، ما عدا السقاية والسدانة.
فإطلاق اسم الأمانة في الآية حقيقة، لأنّ عثمان سلّم مفتاح الكعبة للنبيء عليه الصلاة والسلام دون أن يُسقط حقّه.
والأداء حينئذٍ مستعمل في معناه الحقيقي، لأنّ الحقّ هنا ذات يمكن إيصالها بالفعل لمستحقّها، فتكون الآية آمرة بجميع أنواع الإيصال والوفاءات، ومن جملة ذلك دفع الأمانات الحقيقية، فلا مجاز في لفظ (تؤدّوا).
وقوله: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ عطف ﴿ أن تحكموا ﴾ على ﴿ أن تؤدّوا ﴾ وفصل بين العاطف والمعطوف الظرف، وهو جائز، مثل قوله: ﴿ وفي الآخرة حسنة ﴾ [البقرة: 201] وكذلك في عطف الأفعال على الصحيح: مثل ﴿ وتتّخذون مصانع لعلّكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبّارين ﴾ [الشعراء: 129، 130].
والحكم مصدر حكم بين المتنازعين، أي اعتنى بإظهار المحقّ منهما من المبطل، أو إظهار الحقّ لأحدهما وصرَّح بذلك، وهو مشتقّ من الحُكْم بفتح الحاء وهو الردْع عن فعللِ ما لا ينبغي، ومنه سميّت حَكَمَة اللِّجام، وهي الحديدة التي تجعل في فم الفرس، ويقال: أحْكِمْ فُلاناً، أي أمْسِكْه.
والعدل: ضدّ الجور، فهو في اللغة التسوية، يقال: عَدَل كذا بكذا، أي سوّاه به ووازنه عدلاً ﴿ ثمّ الذين كفروا بربّهم يعدلون ﴾ [الأنعام: 1]، ثمّ شاع إطلاقه على إيصال الحقّ إلى أهله، ودفع المعتدي على الحقّ عن مستحقّه، إطلاقاً ناشئاً عمّا اعتاده الناس أنّ الجور يصدر من الطغاة الذين لا يَعدّون أنفسهم سواء مع عموم الناس، فهم إن شاءوا عدلوا وأنصفوا، وإن شاءوا جاروا وظلموا، قال لبيد: ومقسم يعطي العشيرة حقّها *** ومُغذمر لحقوقها هَضَّامها فأطلق لفظ العدل الذي هو التسوية على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن، وذلك فك الشيء من يد المعتدي، لأنّه تظهر فيه التسوية بين المتنازعين، فهو كناية غالبة.
ومَظهر ذلك هو الحكم لصاحب الحقّ بأخذ حقّه ممّن اعتدى عليه، ولذلك قال تعالى هنا: ﴿ إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ ، ثم توسّعوا في هذا الإطلاق حتّى صار يطلق على إبلاغ الحقّ إلى ربّه ولو لم يحصل اعتداء ولا نزاع.
والعدل: مساواة بين الناس أو بين أفراد أمّة: في تعيين الأشياء لمستحقّها، وفي تمكين كلّ ذي حقّ من حقّه، بدون تأخير، فهو مساواة في استحقاق الأشياء وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها، فالأوّل هو العدل في تعيين الحقوق، والثاني هو العدل في التنفيذ، وليس العدل في توزيع الأشياء بين الناس سواء بدون استحقاق.
فالعدل وسط بين طرفين، هما: الإفراط في تخويل ذي الحقّ حقّه، أي بإعطائه أكثر من حقّه، والتفريط في ذلك، أي بالإجحاف له من حقّه، وكلا الطرفين يسمّى جوراً، وكذلك الإفراط والتفريط في تنفيذ الإعطاء بتقديمه على وقته، كإعطاء المال بيد السفيه، أو تأخيره كإبقاء المال بيد الوصي بعد الرشد، ولذلك قال تعالى: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم إلى قوله: فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ [النساء: 5، 6]؛ فالعدل يدخل في جميع المعاملات.
وهو حسن في الفطرة لأنّه كما يصدُّ المعتدي عن اعتدائه، كذلك يصدّ غيره عن الاعتداء عليه، كما قال تعالى: ﴿ لا تَظْلِمُون ولا تُظلمون ﴾ [البقرة: 279].
وإذ قد كان العدل بهذه الاعتبارات تجول في تحديده أفهام مخطئة تعيّن أن تسَنّ الشرائع لضبطه على حسب مدارك المشرّعين ومصطلحات المشَرَّع لهم، على أنّها معظمها لم يسلم من تحريف لحقيقة العدل في بعض الْاحوال، فإنّ بعض القوانين أسّست بدافعة الغضب والأنانية، فتضمّنت أخطاء فاحشة مثل القوانين التي يمليها الثوار بدافع الغضب على من كانوا متَولين الأمور قبلهم، وبعض القوانين المتفرّعة عن تخيّلات وأوهام، كقوانين أهل الجاهلية والأمم العريقة في الوثنية.
ونجد القوانين التي سنّها الحكماء أمكن في تحقيق منافع العدل مثل قوانين أثينة وإسبَرطة، وأعلى القوانين هي الشرائع الألهية لمناسبتها لحال من شرعت لأجلهم، وأعظمها شريعةُ الإسلام لابتنائها على أساس المصالح الخالصة أو الراجحة، وإعراضها عن أهواء الأمم والعوائد الضالّة، فإنّها لا تعبأ بالأنانية والهوى، ولا بعوائد الفساد، ولأنّها لا تبنى على مصالح قبيلة خاصّة، أو بلد خاصّ، بل تبتنى على مصالح النوع البشري وتقويمه وهديه إلى سواء السبيل، ومن أجل هذا لم يزل الصالحون من القادة يدوّنون بيان الحقوق حفظاً للعدل بقدر الإمكان وخاصّة الشرائع الإلهية، قال تعالى: ﴿ لقد أرسلنا رُسُلَنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتابَ والميزان ليقوم الناس بالقسط ﴾ [الحديد: 25] أي العدل.
فمنها المنصوص عليه على لسان رسول البشرية ومنها ما استنبطه علماء تلك الشريعة فهو مدرج فيها وملحق بها.
وإنّما قيّد الأمر بالعدل بحالة التصدّي للحكم بين الناس، وأُطلق الأمر بردّ الأمانات إلى أهلها عن التقييد: لأنّ كلّ أحد لا يخلو من أن تقع بيده أمانة لغيره لا سيما على اعتبار تعميم المراد بالأمانات الشامل لما يجب على المرء إبلاغه لمستحقّه كما تقدّم، بخلاف العدل فإنّما يؤمر به ولاة الحكم بين الناس، وليس كلّ أحد أهلاً لتولّي ذلك.
فتلك نكتة قوله: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس ﴾ .
قال الفخر: قوله: ﴿ وإذا حكمتم ﴾ هو كالتصريح بأنّه ليس لجميع الناس أن يشرّعوا في الحكم بل ذلك لبعضهم، فالآية مجملة في أنّه بأي طريق يصير حاكماً ولمّا دلّت الدلائل على أنّه لا بد للأمّة من إمام وأنّه ينصب القضاة والولاة صارت تلك الدلائل كالبيان لهذه الآية.
وجملة ﴿ إنّ الله نعمّا يعظكم به ﴾ واقعة موقع التحريض على امتثال الأمر، فكانت بمنزلة التعليل، وأغنت (إنَّ) في صدر الجملة عن ذكر فَاء التعقيب، كما هو الشأن إذا جاءت (إنَّ) للاهتمام بالخبر دون التأكيد.
و (نعمّا) أصله (نعْمَ ما) رُكّبت (نعم) مع (ما) بعد طرححِ حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة، وأدغم الميمان وحرّكت العين الساكنة بالكسر للتخلّص من التقاء الساكنين.
و (ما) جَوّز النحاة أن تكون اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو نكرة تامّة والجملة التي بعد (ما) تجري على ما يناسب معنى (مَا)، وقيل: إنّ (ما) زائدة كافّةٌ (نعمَ) عن العمل.
والوعظ: التذكير والنصح، وقد يكون فيه زجر وتخويف.
وجملة ﴿ إنّ الله كان سميعاً بصيراً ﴾ أي عليماً بما تفعلون وما تقولون، وهذه بشارة ونذارة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ في المَعْنِيِّ بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى وُلاةَ أُمُورِ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، ومَكْحُولٍ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ السُّلْطانَ أنْ يَعِظَ النِّساءَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ خُوطِبَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ في عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَفاتِيحِ الكَعْبَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ في كُلِّ مَؤْتَمَنٍ عَلى شَيْءٍ، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.
وَقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ ولا تَخُنْ مَن خانَكَ)» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن أبي طلحة، فلما أتاه قال: أرني المفتاح.
فأتاه به، فلما بسط يده إليه قدم العباس فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجعله لي مع السقاية.
فكف عثمان يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرني المفتاح يا عثمان» .
فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى.
فكف عثمان يده ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح» .
فقال: هناك بأمانة الله.
فقام ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم معه قداح يستقسم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما للمشركين- قاتلهم الله- وما شأن إبراهيم وشأن القداح؟!» ثم دعا بجفنة فيها ماء، فأخذ ماء فغمسه ثم غمس بها تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم وكان في الكعبة، ثم قال: «يا أيها الناس هذه القبلة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح، فدعا عثمان بن طلحة فأعطاه المفتاح، ثم قال: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ [ النساء: 58] حتى فرغ من الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ قال: «نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة ودخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح قال: وقال عمر بن الخطاب: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية- فداؤه أبي وأمي- ما سمعته يتلوها قبل ذلك» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم.
يعني حجابة الكعبة» .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها..
﴾ الآية.
قال: أنزلت هذه الآية في ولاة الأمر، وفيمن ولي من أمور الناس شيئاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب قال: نزلت في الأمراء خاصة ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا، وأن يجيبوا إذا دعوا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ قال: يعني السلطان يعطون الناس.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ قال: يعني السلطان يعطون الناس.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ قال: هي مسجلة للبر والفاجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: هذه الأمانات فيما بينك وبين الناس، في المال وغيره.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: إن القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، يجاء بالرجل يوم القيامة وإن كان قتل في سبيل الله فيقال له: ادّ أمانتك.
فيقول: من أين وقد ذهبت الدينا!
فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق فتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه في قعر جهنم، فيحملها فيصعد بها حتى إذا ظن أنه خارج بها، فهزلت من عاتقه فهوت وهوى معها أبد الآبدين.
قال زاذان: فأتيت البراء بن عازب فقلت: أما سمعت ما قال أخوك ابن مسعود؟
قال: صدق، إن الله يقول ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ والأمانة في الصلاة، والأمانة في الغسل من الجنابة، والأمانة في الحديث، والأمانة في الكيل والوزن، والأمانة في الدين، وأشد ذلك في الودائع.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ قال: إنه لم يرخص لموسر ولا لمعسر.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية عن الحسن.
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» .
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» .
وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة» .
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة، ورب مصل لا خير فيه» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يرفع من هذه الأمة الحياء والأمانة، فسلوهما الله عز وجل» .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمر قال: لا تنظروا إلى صلاة أحد ولا صيامه، وانظروا إلى صدق حديثه إذا حدث، وإلى أمانته إذا ائتمن، وإلى ورعه إذا أشفى.
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب.
مثله.
وأخرج عن ميمون بن مهران قال: ثلاثة تؤدين إلى البر والفاجر: الرحم توصل كانت برة أو فاجرة، والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر، والعهد يوفى به للبر والفاجر.
وأخرج عن سفيان بن عيينة قال: من لم يكن له رأس مال فليتخذ الأمانة رأس ماله.
وأخرج عن أنس قال: البيت الذي تكون فيه خيانة لا تكون فيه البركة.
وأخرج أبو داود وابن حبان وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي يونس قال: «سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ﴾ إلى قوله: ﴿ كان سميعاً بصيراً ﴾ ويضع إبهاميه على أذنيه والتي تليها على عينه ويقول: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها، ويضع أصبعيه» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقترئ هذه الآية ﴿ سميعاً بصيراً ﴾ يقول: بكل شيء بصير.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ الآية.
أجمعوا على أنها نازلة في شأن مفتاح الكعبة (١) (٢) لما فتح مكة طلب المفتاح، فقيل له: إنه مع عثمان بن طلحة الحجبي (٣) لم أمنعه المفتاح.
فلوى عليّ يده، وأخذ منه قسرًا، حتى دخل رسول الله البيت وصلى فيه، فلما خرج قال له العباس: بأبي أنت اجمع لي السّدانة مع السقاية.
وسأله أن يعطيه المفتاح.
فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله عليًا أن يرده إليه، فرده إليه علي، وألطف له في القول، فقال: أخذته مني قهرًا.
ورددته علي باللطف.
فقال: لأن الله أمرنا برده عليك، وقرأ عليه الآية، فأتى النبي وأسلم (٤) وهذا قول محمد بن إسحاق (٥) (٦) (٧) وقال أبو روق: قال النبي لعثمان: أعطني المفتاح فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضمّ يده، فقال رسول الله : إن كنت تؤمن بالله واليوم الاخر فأعطني المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله.
فلما أراد أنَّ يتناوله ضمَّ يده، فقال في الثالثة: هاك بأمانة الله.
ودفعه إلى النبى وقام النبي يطوف ومعه المفتاح، وأراد أن يدفعه إلى العباس.
قال عطاء: فقال رسول الله : يا عثمان، هذا المفتاح على أن للعباس معك نصيبًا فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي لعثمان: هاك خالدةً تالدةً، لا ينزعها عنك إلا ظالم (٨) قال ابن يسار: ثم إن عثمان هاجر ودفع إلى أخيه (٩) (١٠) (١١) قال ابن عباس: هذه الآية عامة في كل أمانة، البر والفاجر يؤدِّي الأمانة إلى البر والفاجر، والرحم توصل برةً كانت أو فاجرةً (١٢) وقال الكلبي: نزلت هذه الآية يوم فتح مكة، ثم صارت عامة للناس (١٣) وقال ابن عمر (١٤) (١٥) (١٦) وقال ابن مسعود: إنَّ الأمانة في كل شيء؛ في الوضوء، والصلاة، والزكاة، والجنابة، والصوم، وفي الكيل والوزن، وأعظم من ذلك الودائع (١٧) فالخطاب بأداء الأمانات إلى أهلها متوجهٌ على كل مؤتمن على شيء في قول ابن عباس، والكلبي، وأبي بن كعب، والحسن وقتادة (١٨) وقال عبد الرحمن بن زيد: الخطاب بأداء الأمانات لولاة الأمر (١٩) وقال ابن جريح: هذه الآية في رد مفاتيح الكعبة إلى عثمان (٢٠) والصحيح ما عليه الجمهور، أنها عامة في جميع الأمانات (٢١) والأمانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جُمع لأنه أخلص اسمًا (٢٢) فأخلفن ميعادي وخن أمانتي ...
وليس لمن خان الأمانة دينُ (٢٣) يريد ما أمنهن عليهن.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ .
أي هو سميع لما تقولون في الأمانة والحكم، بصير بما تعملون فيها (٢٥) وذكر فرق لطيف بين السامع والسميع، فقيل: لفظ السامع يدل على وجود المسموع؛ لأنه فاعل من قولك: سمعتُ كلام فلان فأنا سامعٌ له.
ومعنى سميع أنه إذا وجد المسموع سمعه.
وكذلك الفرق بين مُبصر وبصير.
(١) انظر: ابن كثير 1/ 565.
(٢) هنا كلمة غير واضحة.
(٣) هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة (عبد الله) العبدري، الحجبي (حاجب البيت) أسلم يوم الحديبية على الصحيح، وشهد الفتح مع النبي ، وقد سكن المدينة إلى أن مات بها سنة 42 هـ انظر: "أسد الغابة" 3/ 578، "الإصابة" 2/ 460.
(٤) أخرجه الطبري بمعناه 5/ 145، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 312، كلاهما من طريق ابن جريج، وذكره المؤلف فى "الوسيط" 2/ 593، "أسباب == النزول" ص 162 وأنكره ابن حجر لأن عثمان الحجبي أسلم قبل الفتح.
انظر: "الإصابة" 2/ 460.
(٥) تقدمت ترجمته.
(٦) انظر: ابن كثير 1/ 565.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) نحو هذا الأثر ورد من طريق الكلبي عن ابن عباس وهو سند واه، أخرجه ابن مردويه انظر: ابن كثير 1/ 565، "الدر المنثور" 2/ 312، "لباب النقول" ص 71، ولم أقف عليه عن أبي روق.
(٩) قد يكون الصواب: ابن عمه كما سيأتي في الترجمة الآتية.
(١٠) هو أبو عثمان شيبة بن عثمان (الأوقص) بن أبي طلحة العبدري الحجبي، أسلم يوم الفتح وكان ممن ثبت يوم حنين، وقد ولي الحجابة بعد والده عثمان فاستمرت في ولده، توفي سنة 59 هـ.
انظر: "تاريخ خليفة" ص 226، "أسد الغابة" 2/ 534، "الإصابة" 2/ 161.
(١١) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 238 ، "الإصابة" 2/ 161.
(١٢) ذكره بمعناه ابن كثير 1/ 565، وأخرج البيهقي نحوه عن ميمون بن مهران، انظر: "الدر المنثور" 2/ 314.
(١٣) لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 362.
(١٤) لعله ابن عمرو كما في "مسند الفردوس" 1/ 13.
(١٥) في "مسند الفردوس ": "والسمع".
(١٦) أخرجه فى "مسند الفردوس" 1/ 13 بنحوه.
(١٧) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 114، وانظر القرطبي 5/ 256.
(١٨) انظر: "النكت والعيون" 1/ 400، "زاد المسير" 2/ 114، والقرطبي 5/ 256.
(١٩) أخرجه الطبري 5/ 145 - 146، عن ابن زيد عن أبيه وانظر "زاد المسير" 2/ 114.
(٢٠) تقدم الأثر عنه.
(٢١) انظر: الطبري 5/ 146، و"معاني الزجاج" 2/ 66، و"بحر العلوم" 1/ 362، و"أحكام القرآن" للهراسي 2/ 471، والقرطبي 5/ 256.
(٢٢) انظر: القرطبي 5/ 256.
(٢٣) نسب إلى كثير عزة في "العقد الفريد" 6/ 184، ينظر: "ديوانه" ص 230، و"الأغانى" 5/ 108.
(٢٤) انظر: "البحر المحيط" 3/ 377.
(٢٥) انظر: الطبري 5/ 146.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ ﴾ الآية: قيل هي خطاب للولاة وقيل: للنبي صلى الله عليه وسلم، حين أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة ولفظها عام، وكذلك حكمها ﴿ وَأُوْلِي الأمر ﴾ هم: الولاة، وقيل: العلماء نزلت في عبد الله بن حذافة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ الرد إلى الله هو النظر في كتابه، والردّ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو سؤاله في حياته والنظر في سنته بعد وفاته ﴿ إِن كُنْتُمْ ﴾ يحتمل أن يكون هذا الشرط راجعاً إلى قوله: فردوه أو إلى قوله أطيعوا، والأول أظهر، لأنه أقرب إليه ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ أي مآلاً وعاقبة وقيل: أحسن نظراً منكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن اقتلوا ﴾ بكسر النون لالتقاء الساكنين: أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ويعقوب.
الباقون: بالضم نقلاً لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها ﴿ أو اخرجوا ﴾ بكسر الواو للساكنين: عاصم وسهل وحمزة.
الباقون: بالضم ﴿ إلاّ قليلاً ﴾ بالنصب: ابن عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلاّ فعلاً أو أبوا إلاّ قليلاً.
الباقون: بالرفع على البدل وهو أكثر.
الوقوف: ﴿ إلى أهلها ﴾ لا لأن التقدير يأمركم أن تؤدوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس.
﴿ بالعدل ﴾ ط ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ تأويلاً ﴾ ه ﴿ أن يكفروا به ﴾ ج ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ صدوداً ﴾ ه ج للآية مع فاء التعقيب ﴿ يحلفون ﴾ قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون.
﴿ وتوفيقاً ﴾ ه ﴿ بليغاً ﴾ 5 ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ تسليماً ﴾ 5 ﴿ قليل منهم ﴾ ط ﴿ تثبيتاً ﴾ 5 لا ﴿ عظيماً ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة جواب "لو".
﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ والصالحين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ رفيقاً ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.
التفسير: لما شرح بعض أحوال الكفار عاد إلى ذكر التكاليف.
وأيضاً لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق وقالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات.
وأيضاً قد وعد في الآية السابقة الثواب العظيم على الأعمال الصالحات وكان من أجلها الأمانة فقال: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ روي "أن عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبي مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان.
فطلب منه فأبى فقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه.
فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله البيت وصلى ركعتين.
فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له مع السقاية السدانة، فأراد النبي أن يدفعه إلى العباس ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس معك نصيباً فأنزل الله هذه الآية.
فأمر رسول الله علياً أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي فقال له عثمان: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك فقرأ عليه هذه الآية.
فقال عثمان: أشهد / أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأسلم.
فجاء جبريل عليه لاسلام وقال: ما دام هذا البيت كان المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وقال: خذوها يا بني طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلاّ ظالم" .
ثم إنّ عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة وهو اليوم في أيديهم.
ثم نزول الآية عند هذه القصة لا يوجب خصوصها بها ولكنها تعم جميع أنواع الأمانات.
فأولها الأمانة مع الرب في كل ما أمر به ونهى عنه.
قال ابن مسعود: الأمانة في الكل لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.
وعن ابن عمر أنه خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلاّ بحقها وهذا باب واسع.
فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء.
ثم الأمانة مع سائر الخلق ويدخل فيه رد الودائع وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم في دنياهم ودينهم ويمنعوهم عن العقائد الباطلة والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب للصاحب، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد والأمانة مع نفسه بأن لا يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب اللذات الفانية، في التبعات الدائمة.
وقد عظم الله أمر الأمانة في مواضع من كتابه ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ } [المؤمنون:8] وقال : " "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له " والأمانة مصدر سمي به المفعول ولذلك جمع.
ثم لما أمر بأداء ما وجب لغيرك عليك أمر باستيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض إذا كنت بصدد الحكم فقال: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ وفي قوله: ﴿ وإذا حكمتم ﴾ تصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم والقضاء.
وقد عدّ العلماء من شروط النيابة العامة: الإسلام والعقل والبلوغ والذكورة والحرية والعدالة والكفاية وأهلية الاجتهاد بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام من كتاب الله وسنة رسوله.
ويعرف منهما العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد والمسند والمرسل وحال الرواة، ويعرف أقاويل الصحابة ومن بعدهم إجماعاً وخلافاً، وجلي القياس وخفية وصحيحه وفاسده، ويعرف لسان العرب لغة وإعراباً خصوصاً وعموماً إلى غير ذلك مما له مدخل في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها ومظانها.
وكفى بما في هذا المنصب من الخطر أنه منصب رسول الله والخلفاء الراشدين / من بعده، فعلى المتصدي لذلك أن يتأدب بآدابهم ويتخلق بأخلاقهم وإلا فالويل له.
عن النبي قال: "يجاء بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين قط " وإذا كان حال العادل هكذا فما ظنك بالجائر؟
وعنه "ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة؟
فيجتمعون كلهم حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجمعون ويلقون في النار" ﴿ إن الله نعماً يعظكم به ﴾ المخصوص بالمدح محذوف و "ما" موصولة أو مبهمة موصوفة والتقدير: نعم الذي أو نعم شيئاً يعظكم به ذلك المأمور من أداء الأمانات والحكم بالعدل ﴿ إنّ الله كان سميعاً بصيراً ﴾ يسمع كيف تحكمون ويبصر كيف تؤدون، وفيه أعظم أسباب الوعد للمطيع وأشد أصناف الوعيد للعاصي.
ثم إنه أمر الرعاة بطاعة الولاة كما أمر الولاة في الآية المتقدمة بالشفقة على الرعاة فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ﴾ الآية.
عن علي بن أبي طالب : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.
قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة.
وقالت الأشاعرة: الطاعة موافقة الأمر.
ولا نزاع أن موافقة الأمر طاعة إنما النزاع في أن المأمور به كإيمان أبي لهب هل يكون مراداً أم لا.
فعند الأشاعرة الأمر قد يوجد بدون الإرادة لئلا يلزم الجمع بين الضدين في تكليف أبي لهب مثلاً بالإيمان.
وعند المعتزلة لا يأمر إلا بما يريد والخلاف بين الفريقين مشهور.
قال في التفسير الكبير: هذه آية مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن أصول الشريعة أربعة: الكتاب والسنة وأشار إليهما بقوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ وليس العطف للمغايرة الكلية، ولكن الكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا محالة.
والسنة تدل على أمر الرسول ثم يعلم منه أمر الله.
والإجماع والقياس.
وأشير إلى الإجماع بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ لأنه أمر بطاعتهم على سبيل الجزم.
ووجب أن يكون معصوماً لأن لو احتمل إقدامه على الخطا والخطأ منهي عنه لزم اعتبار اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد وإنه محال.
ثم ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعضها على ما يقوله الشيعة من أن المراد بهم الأئمة المعصومون، أو على ما زعم بعضهم أنهم الخلفاء الراشدون، أو على ما روي عن سعيد بن جبير وابن عباس أنهم أمراء السرايا كعبدالله بن حذافة السهمي أو كخالد بن الوليد إذ بعثه رسول الله في سرية وكان معه عمار بن ياسر فوقع بينهما خلاف فنزلت الآية.
أو على ما روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك أنهم العلماء الذين يفتون بالأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم لكنه لا سبيل إلى الثاني.
أما ما زعمه الشيعة فلأنا نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة / الإمام المعصوم والاستفادة منه، فلو وجب علينا طاعته على الإطلاق لزم تكليف ما لا يطاق ولو وجب علينا طاعته إذا صرنا عارفين به وبمذهبه صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق على أن طاعة الله وطاعة رسوله مطلقة.
فلو كانت هذه الطاعة مشروطة لزم أن تكون اللفظة الواحدة مطلقة ومشروطة معاً وهو باطل.
وأيضاً الإمام المعصوم عندهم في كل زمان واحد، ولفظ أولي الأمر جمع.
أيضاً إنه قال: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وعلى هذا ينبغي أن يقال: فردوه إلى الأمام.
وأما سائر الأقوال فلا نزاع في وجوه طاعتهم، لكنه إذا علم بالدليل أن طاعتهم حق وصواب.
وذلك الدليل ليس الكتاب والسنة فلا يكون هذا قسماً منفصلاً كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول.
أما إذا حملناه على إجماع أهل الحل والعقد لم يكن هذا داخلاً فيما تقدم إذ الإجماع قد يدل على حكم لا يوجد في الكتاب والسنة.
وأيضاً قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيءٍ ﴾ مشعر بإجماع تقدم يخالف حكمه حكم التنازع.
وأيضاً طاعة الأمراء والخلفاء مشروطة بما إذا كانوا على الحق، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق.
وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء.
فالمراد بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ ما اجتمعت الأمة عليه وهو المدعى.
وأما القياس فذلك قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ إذ ليس المراد من رده إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة والإجماع وإلا كان تكراراً لما تقدم، ولا تفويض علمه إلى الله ورسوله والسكوت عنه لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل الإهمال وتفتقر إلى قطع مادة الشغب ولاخصومة فيها بنفي أو إثبات، ولا الإحالة على البراءة الأصلية فإنها معلومة بحكم العقل، فالرد إليها لا يكون رداً إلى الله والرسول فإذاً المراد ردها إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة لها وهذا معنى القياس، فحاصل الآية الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول، ثم لما سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجهاً من نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب.
ثم في إطلاق الآية دلالة على أن الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً، وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس.
وقد اعتبر هذا الترتيب أيضاً في قصة معاذ واستحسنه رسول الله ، وكيف لا والقرآن مقطوع في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان.
وقد أجمع العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: ﴿ إذ قلنا / للملائكة اسجدوا ﴾ بقياس هو قوله: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ {ص:76] فاستحق اللعن إلى يوم الدين.
والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على النص وفيه ما فيه.
ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: ﴿ أطيعوا ﴾ يدل على وجوب الطاعة وإن كان للندب، فههنا يدل على الوجوب ظاهراً لأنه ختم الأوامر بقوله: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع الأوامر لا في قوله: ﴿ فردوه ﴾ وحده.
وأيضاً مجرد الندبية وهو أولوية الفعل معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة، فيحمل على المنع من الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب.
ثم هذا الوجوب يكون دائماً إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكور.
فلو حملناه على العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة، والمبين أولى من المجمل.
وأيضاً تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلهاً والإلهية دائمة فالوجوب دائم.
وإنما كرر لفظ ﴿ أطيعوا ﴾ للفصل بين اسم الله وبين المخلوقين، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر.
ومن إطلاق قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه ﴾ أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضاً.
والمراد بالتنازع قال الزجاج:هو الاختلاف وقول كل فريق القول قولي كأن كل واحد منهما ينزع الحق إلى جانبه ﴿ ذلك ﴾ الرد أو المأمور به في الآية ﴿ خير وأحسن تأويلاً ﴾ أي عاقبة من آل الشيء إذا رجع.
وقيل: الرد إلى الكتاب والسنة خير مما تأولون أنتم.
ثم إنه لما أوجب على المكلفين طاعته وطاعة رسوله، وذكر أن المنافقين الذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ولا يرضون بحكمه فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.
قال الليث: قولهم زعم فلان معناه لا نعرف أنه صدق أو كذب ومنه زعموا مطية الكذب.
وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية الكذب بالاتفاق.
قال أبو مسلم: ظاهرالآية يدل على أن الزاعم كان منافقاً من أهل الكتاب مثل أن يكون يهودياً أظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله : ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.
أما سبب النزول ففيه وجوه.
والذي عليه أكثر المفسرين ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن رجلاً من المنافقين يسمى بشراً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف.
وذلك أن اليهودي كان محقاً وكان النبي لا يقضي إلا بالحق لجلالة منصبه عن قبول الرشوة، وكان كعب يبطل الحقوق بالرشا، فما زال اليهودي بالمنافق حتى ذهبا إلى رسول الله فقضى لليهودي.
فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب.
فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه.
فقال عمر للمنافق: أكذلك؟
قال: نعم.
فقال لهما: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله وهرب اليهودي فنزلت الآية.
وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله : أنت الفاروق" .
وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف.
وقال السدي: "كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيرياً قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا كان بالعكس لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً من تمر.
وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج.
فقتل نضيري قرظياً واختصموا في ذلك.
فقال بنو النضير: لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقاً من تمر على ما اصطلحنا عليه.
وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا.
فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي.
وقال المسلمون: لا بل إلى النبي فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي برزة ليحكم بينهم فقال: أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا: لك عشرة أوسق.
فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف إن نفرت النضيري قتلتني قريضة، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير.
فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله هذه الآية.
فدعا النبي كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي لابنيه: أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبداً فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي منادياً فنادى: ألا إن كاهن أسلم قد أسلم" .
وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.
وقال الحسن: إنّ رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالطاغوت ذلك الرجل.
وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون القداح بحضرته، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن.
ثم إن الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه جعل التحاكم إليه مقابلاً للكفر به، لكن الكفر به إيمان بالله وبرسوله فيكون نصاً في تكفير من لم يرض بقضاء رسول الله تشككاً أو تمرداً ويؤكده قوله بعد ذلك: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ الآية.
ومن هنا ذهب كثير من الصحابة إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.
ثم قال: ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ / فاحتجت المعتزلة به على أن كفر الكافر ليس بخلق الله وإلا لم يتوجه الذم على الشيطان ولم يحصل التعجب والتعجيب فإن لقائل أن يقول: إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم بل التعجب من هذا التعجب أولى وقد عرفت الجواب مراراً.
قوله: ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الحسن واختاره الواحدي - أنه جملة معترضة وأصل النظم ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ ﴿ ثم جاؤك ﴾ يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ثم بعد ذلك يجيؤونك ويحلفون كذباً على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق.
ووجه الاعتراض أنه حكى عنهم التحاكم إلى الطاغوت وأنهم يصدون، ثم أتبعها ما يدل على شدة أحوالهم بسبب أعمالهم القبيحة في الدنيا والآخرة.
والثاني أنه متصل بما قبله لا على وجه الاعتراض والمعنى أنه إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا فكيف تكون نفرتهم إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ثم جاؤك كراهاً يحلفون بالله على سبيل الكذب ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة؟
أما المصيبة فقيل: إنها قتل عمر صاحبهم فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح وهو اختيار الزجاج.
وقال الجبائي: هي ما أمر الله رسوله بها من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ويخصهم بمزيد الإذلال، والمعنى ثم جاؤك في وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون ما أردنا بما كان منا من مواساة الكفار إلا إصلاح الحال.
وقال أبو مسلم: إنه بشر رسوله أن المنافقين سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا الأيمان.
ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا.
ومعنى الإحسان والتوفيق ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحساناً بين الخصوم وائتلافاً بينهم فإنهم لا يقدرون عند الرسول أن يرفعوا أصواتهم ويبينوا حججهم، أو ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به، وعلى هذا لا يبقى للحلف مناسبة ظاهرة.
أو ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق المرّ وغيرك يدورعلى التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل بينهم الموافقة.
ثم أخبر الله بما في ضمائرهم من الدغل والنفاق فقال: ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ وذلك أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا يعلمه إلا الله يعني أنه لكثرته وعظم حاله لا يقدر أحد على معرفته إلا هو.
ثم علّم نبيه كيف يعاملهم فأمره بثلاثة / أشياء: الأول الإعراض عنهم والمراد به أنه لا يقبل منهم ذلك العذر ويستمر على السخط، أو أنه لا يهتك سترهم ولا يظهر لهم أنه عالم بكنه ما في بواطنهم من النفاق لما فيه من حسن العشرة والحذر من آثار الفتنة.
الثاني أن يعظهم فيزجرهم عن النفاق بالتخويف من عذاب الدارين.
الثالث قوله: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن في الآية تقديماً وتأخيراً.
والمعنى قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف.
الثاني وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً هو أن الله يعلم ما في قلوبكم فلن يغني عنكم الإخفاء، فطهروا قلوبكم عن دنس النفاق وإلا فسينزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.
الثالث قل لهم في أنفسهم خالياً بهم مساراً لهم بالنصيحة فإن النصح بين الملأ تقريع وفي السر أنفع وأنجع، قولاً يؤثر فيهم.
وقيل: القول البليغ يتعلق بالوعظ وهو أن يكون كلاماً حسناً وجيز المباني غزير المعاني يدخل الأذن بلا إذن، مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار.
ثم رغب مرة أخرة في طاعة الرسول فقال: ﴿ وما أرسلنا من رسول ﴾ أكثر النحاة على أن "من" صلة تفيد تأكيد النفي والتقدير: وما أرسلنا رسولاً.
وقيل: المفعول محذوف والتقيدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحداً.
قال الجبائي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان مذهب المجبرة لكونها صريحة في أن معصية الناس غير مرادة لله .
والجواب أن إرسال الرسل لأجل الطاعة لا ينافي كون المعصية مرادة لله تعالى، على أن قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ أي بتيسيره وتوفيقه وإعانته يدل على أن الكل بقضائه وقدره، وكذا لو كان المراد بسبب إذن الله في طاعة الرسول.
قيل: في الآية دلالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة فإنه لو دعا إلى شرع من قبله لكان المطاع هو ذلك المتقدم،وفيها دلالة على أن الرسل معصومون عن المعاصي وإلا لم يجب اتباعهم في جميع أقوالهم وأفعالهم ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جاؤك ﴾ تائبين عن النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من رد قضاء رسوله ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ انتصب شفيعاً لهم إلى الله بعد اعتذارهم إليه من إيذائه برد قضائه ﴿ لوجدوا الله ﴾ لعلموه ﴿ تواباً رحيماً ﴾ ولم يقل: "واستغفرت لهم" لما في الالتفات عن الخطاب إلى ذكر الرسول تنبيه على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان، فالآية على هذا التفسير من تمام ما قبلها.
وقال أبو بكر الأصم: "نزلت في قوم من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق رسول الله فدخلوا عليه لذلك الغرض فأتاه جبريل فأخبره به فقال : إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه فليقوموا فليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا.
فقال: ألا يقومون فلم يفعلوا فقال : قم يا فلان حتى عدّ اثني عشر رجلاً منهم فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت / ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا.
فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة.
اخرجوا عني" .
﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ عن عطاء ومجاهد والشعبي أنها من تمام قصة اليهودي والمنافق.
وعن الزهري عن عروة بن الزبير "أنها نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله في شراج من الحرة، والشرج مسيل الماء كانا يسقيان بها النخل فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك.
فغضب حاطب.
وقال: إن كان ابن عمتك؟
وذلك أن أم الزبير صفية بنت عبد المطلب.
فتغير وجه رسول الله ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" يعني الجدار الذي يحيط بالمزرعة وهو أصغر من الجدار "واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" .
واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي.
والرسول أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمره به الرسول من المسامحة لأجله أمره باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق.
وفي قوله: ﴿ فلا وربك ﴾ قولان: أحدهما أن "لا" صلة لتأكيد معنى القسم والتقدير فوربك.
والثاني أنها مفيدة وعلى هذا ففيه وجهان: الأول أنه يفيد نفي أمر سبق والتقدير ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ .
الثاني أنها لتوكيد النفي الذي جاء في الجواب، وهذا الوجه لا يتمشى فيما إذا كان الجواب مثبتاً.
ومعنى شجر اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه، والتشاجر التنازع لاختلاط كلام بعضهم ببعض، والحرج الضيق أو الشك لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ ويسلموا ﴾ وينقادوا.
يقال: سلم لأمر الله أي سلم نفسه له وجعلها خالصة لحكمه ومن التعليمية من تمسك بالآية في أنه لا يحصل الإيمان إلا بإرشاد النبي وهدايته والنزول على حكمه وقضائه في كل أمر ديني، ومنع بأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور فإذن الحكم غير كلي والتقليد في جميع الأحكام غير مرضي.
واعلم أن الرضا بتحكيم الرسول قد يكون رضا في الظاهر دون القلب فلهذا قال: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ﴾ وهو الجزم بأن ما حكم به الرسول الله هو الحق والصدق، ثم من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقاً وصدقاً فقد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول فعدم الحرج إشارة إلى الانقياد في الباطن والتسليم إشارة إلى الانقياد في الظاهر.
وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عن الخطأ في الفتاوى والأحكام، وعلى أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس وإلاّ كان في النفس حرج.
قالت المعتزلة: لو كانت المعاصي بقضاء الله لزم التناقض لأن الرضا بقضائه واجب فالرضا بالمعاصي واجب، / لكن الرسول قد نهى عنها فيجب أن يحصل الرضا في تركها ويلزم الرضا بالفعل والترك معاً وهو محال.
وأجيب بأن المراد من قضاء الله التكوين والإيجاد.
فالرضا بقضائه أن يعتقد كون الكل بإيجاده، والمراد من الرضا بقضاء الرسول أن يلتزم ما حكم به ويتلقى بالبشر والقبول فأين ذاك من هذا.
قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ "روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟
فقال حاطب: قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.
فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر.
فقال رسول الله : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" .
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية.
فالضمير في قوله: ﴿ عليهم ﴾ يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم.
عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ من الانقياد والطاعة لله ولرسوله.
وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ﴿ لكان خيراً لهم ﴾ أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن ﴿ خيراً ﴾ يستعمل بالوجهين جميعاً.
﴿ وأشد تثبيتاً ﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل.
وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه.
ثم بين أن ما يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضاً مستعقب للخير فقال: ﴿ وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ﴾ وثواباً جزيلاً.
"وإذاً" جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما يكون لهم بعد الخير والتثبيت؟
فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً.
وفي إيراد صيغة التعظيم في ﴿ آتينا ﴾ و ﴿ لدنا ﴾ وفي قوله: ﴿ من لدنا ﴾ وفي وصف الأجر بالعظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى.
والصراط المستقيم الدين الحق أو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة وهذا أولى لأنه مذكور بعد استحقاق الأجر.
ثم أكد أمر / الطاعة بقوله: ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ ولا شك أن الآية عامة في جميع المكلفين إلاّ أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها وجوهاً.
قال الكلبي: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن.
فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك؟
فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حريّ أن لا أراك أبداً" .
وقال مقاتل: "نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي : إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة فأنزل الله هذه الآية.
فلما توفي النبي أتى الأنصاري ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده فعمي مكانه" .
وقال السدي: "إن ناساً من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع" فنزلت.
وليس المراد من كون المطيعين مع المذكورين في الاية أن كلهم في درجة واحدة فإن ذلك يقتضي التسوية بين الفاضل والمفضول وإنه محال، ولكن المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، أو إذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا على ذلك.
والتحقيق فيه أن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع بل ينعكس بعضها على بعض ويتقوى بعضها ببعض كالمرايا المجلوة المتقابلة.
﴿ إخواناً على سرر متقابلين ﴾ .
ثم إنه ذكر أصنافاً أربعة: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك في تغايرها متداخلة كانت أو متباينة.
والمراد بالتداخل أن لا يمتنع كون كل مقام متقدم موصوفاً بما يتلوه كأن يكون النبي صديقاً وشهيداً وصالحاً، أو الصديق شهيداً وصالحاً، وقد مر تفسير النبي في أوائل البقرة، وأما الصديق فمبالغة الصادق وهو من غلب على أقواله الصدق وإنه لخصلة مرضية في جميع الأديان ومحققة للنطق الذي هو من مقومات الإنسان، وكفى به منقبة أن الإيمان ليس إلا التصديق، وكفى بنقيضه مذمة أن الكفر ليس سوى التكذيب.
وذكر المفسرون أكثرهم أن الصديقين في الآية كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك لقوله : ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ وقال قوم: هم أفاضل أصحاب النبي وخصصه بعضهم بمن سبق إلى تصديق الرسول فصار في ذلك قدوة الناس كأبي بكر وعلي وأمثالهما، ولا واسطة بين الصديق والنبي ولذلك قال في هذه الآية: ﴿ مع النبيين / والصديقين ﴾ وفي صفة إبراهيم ﴿ إنه كان صديقاً نبياً ﴾ يعني أنك إن ترقيت من الصديقين وصلت إلى النبوة وإن نزلت من النبوة وصلت إليهم.
وأما الشهداء فالمراد ههنا أعم من المقتولين بسيف الكفار من المسلمين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "ما تعدون الشهيد فيكم؟
قالوا: يا رسول من قتل في سبيل الله.
قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل.
من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات بالبطن فهو شهيد" .
وفي رواية "ومن مات بجمع فهو شهيد" وقيل: هو الذي يشهد لصحة دين الله تارة بالحجة واليان وأخرى بالسيف والسنان.
وأقول: لا يبعد أيضاً أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ .
وأما الصالحون فالصالح هو الذي صلح في اعتقاده وفي عمله وهذه مرتبة لا ينبغي أن تنحط عنها مرتبة المؤمن.
ثم قال في معرض التعجب ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ كأنه قيل: وما أحسن أولئك.
والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه وانتصابه على الحال، ويجوز أن يكون مفرداً بيّن به الجنس في باب التمييز.
وقيل: معناه حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل فسمي الصاحب رفيقاً لارتفاقك به وتصحيبه، ومن الرفقة في السفر لارتفاق بعضهم ببعض.
وقد يكون الإنسان مع غيره ولا يكون رفيقاً له فبيّن الله أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون كالرفقاء للمطيع من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.
﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل ﴾ صفته و ﴿ من الله ﴾ خبره، أو ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل من الله ﴾ خبره.
قالت المعتزلة: ذلك إشارة إلى الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الأنبياء وهذا شيء تفضل الله به عليهم تبعاً لثوابهم الواجب على الله.
أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ولولا أنه أعطى العقل والقدرة وأزاح الأحذار والموانع لم يتمكن المكلف من فعل الطاعة فصار ذلك بمنزلة من وهب غيره ثوباً لينتفع به فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب.
وقال أهل السنة: ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم ولا يجب على الله شيء ألبتة بل الثواب كله فضل من الله، وكيف يجب عليه شيء وإنه هو الذي خلق القدرة والداعية؟
وأيضاً الوجوب عبارة عن استحقاق الذم عند الترك وأنه ينافي الإلهية.
وأيضاً كل ما فرض من الطاعات فإنه في مقابلة النعم السالفة التي لا تعدّ ولا تحصى فيمتنع كونها موجبة الثواب في المستقبل.
معنى الآية أن ذلك الثواب بكمال درجته كأنه هو الفضل وما عداه غير معتمد / عليه وذلك الثواب المذكور هو من الله لا من غيره.
﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ بالطاعة وكيفية الثواب عليها، وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.
التأويل: الوجود المجازي أمانة من الله كما أنّ وجود الظل أمانة من الشمس فلا جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان العزة: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى اهلها ﴾ فتلاشت الظلال واضمحلّت الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال ﴾ .
﴿ وإذا حكمتم ﴾ بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الخطاب مع القلب والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، وطاعة الروح أن لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود.
أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما قال لوابصة بن معبد : "استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك المفتون" .
﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم.
﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنّة نزاعاً من قصور الفهم والدراية ﴿ فردوه إلى الله ﴾ لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب ﴿ وإلى رسول ﴾ وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق.
ثم يخبر عن حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.
أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو سياسة من السلطان.
﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت آراؤهم وتحيّرت عقولهم ﴿ ثم لا يجدوا ﴾ ﴿ في ﴾ مرآة ﴿ أنفسهم ﴾ صورة كراهة من القضاء الأزلي والأحكام الإلهية.
والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، والصالحين الذين لهم صلوح الولاية ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ في سلوك طريق الحق والله المستعان.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا ﴾ .
قيل: "لما فتح الله مكة على يدي رسول الله ، فقال العباس - -: يا رسول الله، لو جعلت السقاية والحجابة فينا؛ فأخذ مفاتيح الكعبة من ولد شيبة فدفعها إلى العباس؛ فأنزل الله - - هذه الآية، فأخذ النبي مفاتيح الكعبة فردها إلى ولد شيبة، ثم قال [النبي ]: يَا عَمِّ، إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - أَحَبَّ أَنْ يرزأ ولا يرزأ شيئا" وقيل: إنها نزلت في الأمراء في الفيء الذين استأمنهم على جمعها وقسمتها، والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمتها.
والآية يجب أن تكون نازلة في كل أمانة اؤتمن المرء فيها، من نحو ما كان فيما كان بينه وبين ربه، وما كان فيها بين الخلق.
أما ما كان فيما بينه وبين ربه، من نحو العبادات التي أمر المرء بأدائها، ومن نحو تعليم العلم الذي رزقه الله - - كقوله - وتعالى -: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الأحزاب: 72]، وكقوله - -: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ...
﴾ الآية [المائدة: 8]، وكقوله - -: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ ﴾ كل ذلك أمانة تدخل في قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا ﴾ ، وكذلك أمانة يؤتمن المرء عليها تدخل في ذلك.
ذكر أن نبي الله قال: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَيْهَا، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" ومن قال: نزلت في الأمراء، استدل بقوله - -: ﴿ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ ﴾ ؛ لأن الحكم إلى الأمراء.
وعن ابن عباس - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا ﴾ قال: هي مبهمة، المؤمن والكافر سواء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ .
من الحكومة بالعدل، وأداء الأمانات [إلى أهلها].
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ .
يحتمل: مجيباً لمن دعا له وسأل؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ يجيب لمن [استجاب له]، وأدى الأمانة.
ويحتمل: ﴿ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء.
واختلف أهل العلم في العارية إذا ضاعت: قال أصحابنا - رحمهم الله -: لا شيء عليه.
وقال غيرهم: عليه الضمان.
ولأصحابنا - رحمهم الله - في ذلك عدة حجج: أحدها: أن المستعير إن لبس القميص، أو ركب الدابة، أو حمل عليها ما أذن له في حمله عليها، وأصابها في ذلك نقصان في قيمتها - فلا شيء عليه فإذا لم يكن عليه ضمان فيما وقع بها من الضرر والنقص بفعله، ولبسه، وركوبه - فلا يجب عليه ضمان ما هلك منها بغير فعله.
والثاني: ما روي عن ابن الحنفية، عن علي - - قال: العارية ليس بتبعة، ولا مضمونة، إنما هي معروف، إلا أن يخالف فيضمن.
وروي عن الحسن قال: إذا خالف صاحب العارية ضمن.
واحتج من خالف أصحابنا في ذلك بحديث النبي أنه قال: "عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ" فالحديث يحتمل معنيين: أحدهما: أن يقال: معناه على اليد أن ترد ما أخذت إذا كان قائماً عليها رده؛ ألا ترى أن الوديعة لا تضمن إذا تلفت، وعليه أن يردها إذا كانت قائمة، فالعارية مثلها.
والثاني: أن يحتمل معنى ذلك في الغصب وأشباهه؛ فعلى الغاصب أن يرده قائماً أو تالفاً، ولا يدخل في عموم الخبر العارية؛ ألا ترى أن الوديعة لم تدخل فيها، وإن كان فيه أخذ.
واحتجوا [- أيضاً -] بحديث صفوان: "أن رسول الله استعار من صفوان يوم حنين درعاً، فقال: أغصب يا محمد؟
فقال: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ" وروي في خبر آخر: "أن صفوان هرب من رسول الله يريد حنيناً، فقال: يَا صَفْوَانُ، هَلْ عِنْدَكَ مِنْ سِلاَحٍ؟
قال: عارية أو غصباً؟
قال: بَلْ عَارِيَّةٌ فأعاره" ، ولم يذكر فيه الضمان، فهو عندنا - إن ثبت خبر صفوان -: مضمونة الرد على المستعير، [و] رد العارية ليس كالوديعة؛ لأن الوديعة ما لم يطلب صاحبها لم ترد.
وقد روي عن النبي ما يؤيد قولنا، وهو قوله: "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ ﴾ وقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ ﴾ فمن ولي أمراً أو حكماً فيما بين الناس فقد ولي الأمانة، يجب أن يؤديها إلى أهلها، وعلى ذلك جاءت الآثار: روي عن رسول الله قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَكُونُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ - قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ - فَلاَ يَعْدِلُ فِيهِمْ إِلاَّ أَكَبَّهُ اللهُ - تَعَالَى فِي النَّارِ" وفي خبر آخر: "أَيُّمَا امْرِئٍ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئاً ثُمَّ لَمْ يُحِطْهُمْ مِثْلَ مَا يَحُوطُ بِهِ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ لَمْ يُرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ" وعن أبي سعيد الخدري - - قال: قال رسول الله : "إِنَّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِليَّ وَأَقْرَبِهِمْ مَجْلِساً مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِليَّ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَاباً: إِمَامٌ جَائرٌ" <div class="verse-tafsir"
إن الله يأمركم أن توصلوا كل ما ائتمنتم عليه إلى أصحابه، ويأمركم إذا قضيتم بين الناس أن تقسطوا ولا تميلوا وتجوروا في الحكم، إن الله نِعْم ما يُذَكِّرُكم به ويرشدكم إليه في كل أحوالكم، إن الله كان سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.4zjdm"
قال في لباب النقول: أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما فتح رسول الله مكة دعا عثمان بن طلحة فلما أتاه قال أرني المفتاح فلما بسط يده إليه قام العباس فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده فقال رسول الله هات المفتاح يا عثمان، فقال هاك أمانة الله.
فقام ففتح الكعبة ثم خرج فطاف بالبيت ثم نزل عليه جبريل برد المفتاح فدعا عثمان ابن طلحة فأعطاه المفتاح ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ حتى فرغ من الآية.
بعد ما بيّن الله تعالى لنا من شأن أهل الكتاب ما بينه حتى تفضيلهم المشركين في الهداية على المؤمنين بالله وحده وبجميع كتبه ورسله أدبنا بهذا الأدب العالي وأمرنا بالأمانة العامة وهي الاعتراف بالحق سواء كان الحق حسيًا أو معنويًا فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ فالكلام متصل بما قبله بمناسبة قوية تجعل السياق كعقد من الجوهر متناسب اللآلئ، فسواء صح ما ذكر من حكاية مفتاح الكعبة أو لم يصح فإن صحته لا تضر بالتئام السياق، ولا بعموم الحكم إذ السبب الخاص لا ينافي عموم الحكم.
والأمانة حق عند المكلف يتعلق به حق غيره ويودعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير كالمال والعلم سواء كان المودَع عنده ذلك الحق قد تعاقد مع المودع على ذلك بعقد قولي خاص صرح فيه بأنه يجب على المودَع عنده أن يؤدي كذا إلى فلان مثلًا أم لم يكن كذلك، فإن ما جرى عليه التعامل بين الناس في الأمور العامة هو بمثابة ما يتعاقد عليه الأفراد في الأمور الخاصة، فالذي يتعلم العلم قد أُدع أمانة وأُخذ عليه العهد بالتعامل والعرف بأن يؤدي هذه الأمانة ويفيد الناس ويرشدهم بهذا العلم، وقد أخذ الله العهد العام على الناس بهذا التعامل المتعارف بينهم شرعًا وعرفًا بنص قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾ ، ولذلك عد علماء أهل الكتاب خائنين بكتمان صفات النبي ، فيجب على العالم أن يؤدي أمانة العلم إلى الناس كما يجب على من أُودع المال أن يرده إلى صاحبه، ويتوقف أداء أمانة العلم على تعرف الطرق التي توصل إلى ذلك فيجب أن تعرف هذه الطرق لأجل السير فيها، وإعراض العلماء عن معرفة الطرق التي تتأدى بها هذه الأمانة بالفعل هو ابتعاد عن الواجب الذي أُمروا به وإخفاء الحق بإخفاء وسائله هو عين الإضاعة للحق، فإذا رأينا الجهل بالحق والخير فاشيًا بين الناس واستبدلت به الشرور والبدع، ورأينا أن العلماء لم يعلموهم بما يجب في ذلك فيمكننا أن نجزم بأن هؤلاء العلماء لم يؤدوا الأمانة وهي ما استحفظوا عليه من كتاب الله، ولا عذر لهم في ترك استبانة الطريق الموصل إلى ذلك بسهولة وقرب، فهم خونة الناس وليسوا بالأمناء.
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ وكذلك أمر الله من يحكم بين الناس أن يحكم بالعدل، والحكم بين الناس له طرق منها الولاية العامة والقضاء، ومنها تحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة، فكل من يحكم يجب عليه أن يعدل، وقد أمر الله بالعدل في آيات أخرى كقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ﴾ الآية، وقوله: ﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ ، وقوله: ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ ، ونهى عن الظلم وأوعد عليه في آيات كثيرة، ولم يذكر لنا حد العدل ولا تفسيره ولم يرد في السنة تفسير له أيضًا.
والعدل وقف على أمرين: أحدهما: أن يعلم الحاكم الحكم الذي شرعه الله ليكون الفصل بين الناس به مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ فهو يوجب علينا أن نوفي بما نتعاقد عليه وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ الآية، وهو قد حرم أكل أموال الناس ورشوة الحكام، وكذلك ما ورد في السنة المتواترة في أحكامه وقضائه ، فيجب على الحاكم تطبيق أحكامه على ما علم من حكم الله ورسوله، وقد يكون التطبيق ظاهرًا وقد يحتاج فيه إلى قياس واستنباط وإجهاد للفكر، فهذا النوع من العدل معروف عند الناس وإنما يذكر لتنبيه الناس وتذكيرهم.
والركن الثاني للعدل: يتألف من أمرين: أحدهما: فهم الدعوى من المدعي والجواب من المدعى عليه ليعرف موضوع ما به التنازع والتخاصم بأدلته من الخصمين.
ثانيهما: استقامة الحاكم وخلوه من الميل إلى أحد الخصمين ومن الهوى بأن يكره أحد الخصمين وإن كان لا يميل إلى الآخر، وهذا المعنى معروف للناس أيضًا فكل من ركني العدل معروف ولذلك ذكر الله العدل ولم يفسره لأنه معروف بنفسه كالنور.
ولك وقد فهمت ما قلناه أن تقول: العدل عبارة عن إيصال الحق إلى صاحبه من أقرب الطرق إليه، ولا يتحقق ذلك إلا بإقامة الركنين اللذين بيناهما، فكل ما خرج عنهما فهو ظلم.
فإذا أخر القاضي النظر في القضية اتباعًا لرسوم وعادات لا يتوقف عليها إقامة العدل، أو لم يقبل الشهادة لأنها لم تؤد بألفاظ مخصوصة وإن تبين بها الحق المراد أواخر الحكم بعد انتهاء المحاكمة واستيفاء أسبابها هل يكون مقيمًا لعدل؟!
فإذا علمنا هذا وتأملنا في الأحكام التي تجري عندنا اليوم فهل نراها جارية على أصول العدل؟!
نجد محاكمنا الشرعية تشترط في توجيه الدعوى وفي شهادة الشهود شروطًا وألفاظًا معينة كلفظ "أشهد"، ولفظ "هذا"، أو "المذكور" وتبين النقد وذكر البلد الذي ضرب فيه وإن كان ذلك مفهومًا من الكلام لا يختلف في فهمه القاضي ولا الخصم، فهذه الاصطلاحات كثيرًا ما تحول دون العدل، إذ ترد الدعوى من أصلها أو الشهادة لعدم موافقتها للألفاظ المصطلح عليها وإن أدت معناها، وكذلك كل ما يحول بين الناس وفهم الشريعة يكون من أسباب إضاعة العدل، ولا عذر للناس بالجهل إذ يجب عليهم فهم الشريعة وإزالة كل ما يحول دون فهمها من الاصطلاحات، ولو كنا نقيم العدل لما كنا في هذه الحالة من الضعف وسوء الحال.
إنني اطلعت بعد الدرس الماضي على كتاب (السياسة الشرعية) لابن تيمية فإذا هو كله مبني على هذه الآية، فإنه توسع في ذكر أنواع الأمانة التي أودعها الله في أيدي الحكام، ومنها أن لا يولوا الأمور إلا خيار الناس الصالحين لها، وأورد في ذلك أحاديث كثيرة منها الحديث المشهور: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة" أي ساعة قيامة الأمة وهلاكها، لأن لكل أمة ساعة أي وقتًا تهلك فيه أو يذهب استقلالها.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ إن هذه الآية وما قبلها وردتا في مقابلة قول الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب: إن الكافرين أهدى من المؤمنين، بعد ما بيّن تعالى أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، ومن الطاغوت عند المشركين الأصنام والكهان فكانوا يحكمون الكاهن ويجعلونه شارعًا ويقتسمون عند الصنم ويعدون ذلك فصلًا من الخصومة، وقد اتخذ اليهود الجبت والطاغوت مثلهم وطواغيتهم رؤساؤهم الذين يحكمون فيهم بأهوائهم فيتبعونهم ككعب بن الأشرف مع أن عندهم التوراة فيها حكم الله، ولكنهم كانوا يقولون إن هؤلاء الرؤساء أعلم منا بالتوراة وبمصلحتنا، فالله تعالى قد بيّن لنا حالهم وقرنه ببيان ما يجب أن نسير عليه في الشريعة والأحكام حتى لا نضل كما ضل المشركون وأهل الكتاب الذين اتخذوا أفرادًا منهم أربابًا إذ جعلوهم شارعين فكانوا سبب طغيانهم ولذلك سموا طواغيت.
أمر بطاعة الله وهي العمل بكتابه العزيز، وبطاعة الرسول لأنه هو الذي بين للناس ما نزل إليهم، وقد أعاد لفظ الطاعة لتأكيد طاعة الرسول لأن دين الإسلام دين توحيد محض لا يجعل لغير الله أمرًا ولا نهيًا ولا تشريعًا ولا تأثيرًا، فكان ربما يستغرب في كتابه الأمر بطاعة غير وحي الله، ولكن قضت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه للناس رسل منهم، وتكفل بعصمتهم في التبليغ، ولذلك وجب أن يطاعوا فيما يبينون به الدين والشرع.
مثال ذلك أن الله تعالى هو الذي شرع لنا عبادة الصلاة وأمرنا بها ولكنه لم يبين لنا في الكتاب كيفيتها، وعدد ركعاتها، ولا ركوعها وسجودها، ولا تحديد أوقاتها فبينها الرسول بأمره تعالى إياه بذلك في مثل قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ فهذا البيان بإرشاد من الله تعالى، فاتباعه لا ينافي التوحيد ولا كون الشارع هو الله تعالى وحده.
وأما أولو الأمر قد اختلف فيهم، فقال بعضهم: هم الأمراء، واشترطوا فيهم أن لا يأمروا بمحرم كما قال مفسرنا (الجلال) وغيره، والآية مطلقة.
وبعضهم أطلق في الحكام فأوجبوا طاعة كل حاكم وغفلوا عن قوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ ﴾ ، وقال بعضهم إنهم العلماء، ولكن العلماء يختلفون فمن يطاع في المسائل الخلافية ومن يعصي؟
وحجة هؤلاء أن العلماء هم الذين يمكنهم أن يستنبطوا الأحكام غير المنصوصة من الأحكام المنصوصة.
وقالت الشيعة إنهم الأئمة المعصومون، وهذا مردود إذ لا دليل على هذه العصمة، ولو أريد ذلك لصرحت به الآية.
ومعنى أولي الأمر الذين يناط بهم النظر في أمر إصلاح الناس أو مصالح الناس، وهؤلاء يختلفون أيضًا فكيف يؤمر بطاعتهم بدون شرط ولا قيد؟
إنني فكرت في هذه المسألة من زمن بعيد فانتهى بي الفكر إلى أن المراد بأولي الأمر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه، بشرط أن يكونوا منا، وأن لا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسوله التي عرفت بالتوتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة وهو ما لأولي الأمر سلطة فيه ووقوف عليه.
وأما العبادات وما كان من قبل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد بل هو مما يؤخذ عن الله ورسوله فقط ليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه.
فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص عن الشارع مختارين في ذلك غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه فطاعتهم واجبة ويصح أن يقال هم معصومون في هذا الإجماع، ولذلك أطلق الأمر بطاعتهم بلا شرط مع اعتبار الوصف والاتباع المفهوم من الآية.
وذلك كالديوان الذي أنشأه عمر باستشارة أهل الرأي من الصحابة ، وغيره من المصالح التي أحدثها برأي أولي الأمر من الصحابة ولم تكن في زمن النبي ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك.
فأمر الله في كتابه وسنة رسوله الثابتة القطعية التي جرى عليها بالعمل هما الأصل الذي لا يرد، وما لا يوجد فيه نص عنهما ينظر فيه أولو الأمر، إذا كان من المصالح، لأنهم هم الذين يثق بهم الناس فيها ويتبعونهم، فيجب أن يتشاوروا في تقرير ما ينبغي العمل به، فإذا اتفقوا وأجمعوا وجب العمل بما أجمعوا عليه، وإن اختلفوا وتنازعوا فقد بين الواجب فيما تنازعوا بقوله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ وذلك بأن يعرض على كتاب الله وسنة رسوله وما فيهما من القواعد العامة والسيرة المطردة فما كان موافقًا لهما علم أنه صالح لنا ووجب الأخذ به وما كان منافرًا علم أنه غير صالح ووجب تركه وبذلك يزول التنازع وتجتمع الكلمة، وهذا الرد واستنباط الفصل في الخلاف من القواعد هو الذي يعبر عنه بالقياس والأول هو الإجماع الذي يعتد به، وقد اشترطوا في القياس شروطًا بالنظر إلى العلة، والغرض من هذا الرد أن لا يقع خلاف في الدين والشرع لأنه لا خلاف ولا اختلاف في أحكامهما.
وإن ما اهتديت إليه في تفسير أولي الأمر، من كونهم جماعة أهل الحل والعقد لم أكن أظن أن أحدًا من المفسرين قد سبقني إليه حتى في تفسير النيسابوري.
﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ قيل: إن الشرط متعلق بالأخير وهو الرد إلى الله والرسول، والغرض منه تذكيرهم بالله حتى لا يستعملوا شهواتهم وحظوظهم في الرد، وقيل: متعلق بكل ما تقدم من طاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر، وهو الظاهر.
وجمهور المفسرين على أنه تهديد من الله تعالى لمن يخالف أمرًا من هذه الأوامر وإخراج له من حظيرة الإيمان، ومعنى كونه خيرًا انه أنفع من كل ما عداه، ولو جرى المسلمون عليه لما أصابهم ما أصابهم من الشقاء، فقد رأينا كيف سعد المهتدون به، وكيف شقي الذين أعرضوا عنه واستبدوا بالأمر، وأما كونه أحسن تأويلًا فهو أن الأوامر والأحكام إنما تكون صورًا معقولة وعبارات مقولة حتى يعمل بها فتظهر فائدتها وأثرها، فعلمنا بالآخرة ليس إلا صورًا ذهنية لا نعرف الحقائق التي تنطبق عليها إلا إذا صرنا إليها.
<div class="verse-tafsir"